---------------------------------
الصـحـــابــة عـنــد الـقـــرابـــة
أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
1- عن أبي عبد الله عليه السلام قال « لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار قال لأبي بكر: أنت الصديق» / تفسير القمي (1/289)، البرهان (3/417).
2- سئل الإمام علي عليه السلام: لم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإماماً لهم؟ فأجاب عليه السلام بقوله: «إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، وإنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي» / شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (1/332)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:51).
3- عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام عن حلية السيوف؟ فقال (لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه، قلت: فتقول: الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل الكعبة وقال: نعم الصديق. نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولاً في الدنيا ولا في الآخرة) / كشف الغمة للإربلي (2/360).
4- أبو عبد الله جعفر الصادق أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ ولذلك قال جعفر عليه السلام (ولقد ولدني أبو بكر مرتين) / كشف الغمة (2/374).
5- وفي أجوبة الإمام محمد بن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام الملقب بالجواد، على مسائل يحيى بن أكثم في مجلس المأمون ومنها:
فقال يحيى بن أكثم: وقد روي أن السكينة تنطق على لسان عمر. فقال عليه السلام ( لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر) / الاحتجاج للطبرسي (2/479).
عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
1- استشار الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه علياً عليه السلام في الشخوص لقتال الفرس بنفسه، فقال الإمام علي عليه السلام (إن هذا الأمر لم يكن نصرانه ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله من الله، والله منجز وعده وناصر جنده، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام، وعزيزون بالاجتماع. فكن قطباً واستدر الرُّحى بالعرب، وأصلهم دونك نار العرب، فإنك إن شخصت – أي خرجت – من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمَّ إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك) / نهج البلاغة (2/320، 321).
2- ولما استشهد عمر الفاروق رضي الله عنه وهو يصلي بالمسلمين الفجر، وشيع جنازته الصحابة، وفي مقدمتهم الإمام علي عليه السلام، ووضعوا الجنازة جوار القبر، قال الإمام مقولته المشهورة ودموعه تنهمر (إني لأرجو الله أن يلحقك بصاحبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر، فطالما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وإني ما أحب أن ألقى الله بأكثر مما في صحيفة هذا المسجّى) / كتاب الشافي لعلم الهدى السيد المرتضى، نقلاً عن: اذهبوا فأنتم الرافضة لعبد العزيز الزبيري (ص:240).
3- وعندما نزل الإمام علي عليه السلام الكوفة، قيل له (يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا حاجة لي في نزوله؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة) / الذريعة إلى تصانيف الشيعة لأغابزرك الطهراني، نقلاً عن: اذهبوا فأنتم الرافضة للزبيري (ص:241).
الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما:
1- عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام (أن رجلاً من قريش جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفاً: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي وعماك: أبو بكر وعمر. إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم) / تلخيص الشافي (2/428)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:53).
2- وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يوقر أبا بكر وعمر، إلى حد أن جعل من ضمن الشروط على معاوية بن أبي سفيان أن يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله، وسنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، وفي نسخة أخرى: الخلفاء الصالحين / منتهى الآمال (2/212)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:56).
3- وأما الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، فقد روي عنه: أنه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهما، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم (ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوء الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ))[الحشر:10] أخرجوا عني فعل الله بكم) / كشف الغمة: (2/291).
4- وروي أن رجلاً سأل الإمام الصادق عليه السلام، فقال (يا ابن رسول الله! ما تقول في حق أبي بكر وعمر؟ فقال عليه السلام: إمامان عادلان قاسطان، كانا على الحق، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة) / إحقاق الحق: للشوشتري (1/16)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:58).
5- ويروي السيد المرتضى في كتابه الشافي: عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، أنه كان يتولاهما – أي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما – ويأتي القبر فيسلم عليهما مع تسليمه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم / كتاب الشافي (ص:238)، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:59).
6- ومما يؤيد ما مضى، فقد روى الكليني في الروضة عن أبي بصير قال (كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخلت علينا أم خالد تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله: أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت، فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما – أي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما – فقال لها: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم / روضة الكافي للكليني (ص:88).
عثمان بن عفان ذو النورين رضي الله عنه:
1- عندما اجتمع ناس إلى علي عليه السلام يشكون من عثمان رضي الله عنهم، دخل عليه الإمام علي عليه السلام فقال (إن الناس ورائي وقد استسفروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم، ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وقد رأيت كما رأينا وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أدلى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا) / نهج البلاغة (2/357).
أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يثني عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
1- عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: حدثني علي بن محمد بن علي الرضا عن أبيه عن آبائه، عن الحسن بن علي عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد – قال: فلما كان من الغد دخلت عليه وعنده أمير المؤمنين عليه السلام، وأبو بكر وعمر، وعثمان، فقلت له: يا أبت، سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولاً، فما هو؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، ثم أشار بيده إليهم، فقال: هم السمع والبصر والفؤاد) / البرهان (4/564، 565).
خباب بن الأرت رضي الله عنه:
1- قال عليه السلام في الثناء على خباب رضي الله عنه (يرحم الله خباب بن الأرت فلقد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله وعاش مجاهداً) / نهج البلاغة (4/672).
طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه:
1- عندما مر الإمام علي عليه السلام بطلحة رضي الله عنه وهو مقتول قال (لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريباً، أما والله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب) / نهج البلاغة (2/487).
الزبير بن العوام رضي الله عنه:
1- يقول صاحب الاحتجاج: عندما جيء إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام برأس الزبير وسيفه، فتناول سيفه وقال (طال والله ما جلّى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) / الاحتجاج للطبرسي (1/380).
سائر الصحابة:
1- عن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها، ما دام فيكم من قد رآني) / بحار الأنوار (22/309، 310)، نقلاً عن أصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية للدكتور ناصر القفاري (ص:926).
2- وجاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (طوبى لمن رآني، طوبى لمن رأى من رآني، طوبى لمن رأى من رأى من رآني) / أمالي الصدوق، (ص:240، 241)، بحار الأنوار (22/305)، نقلاً عن أصول مذهب الشيعة الإثني عشرية للقفاري (ص:926).
3- وعندما ضرب ابن ملجم لعنه الله الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وأحس بالموت، أوصى ولده الحسن عليه السلام، وكان مما قال له: الله الله في أمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بهم / مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني (ص:39)، كشف الغمة (2/59).
4- ثناء الإمام علي عليه السلام للصحابة بقوله (لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحداً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب) / نهج البلاغة (1/244).
5- وورد الثناء على الصحابة من الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام كما في الصحيفة السجادية الكاملة قال فيها (اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به) / الصحيفة السجادية الطبعة الثانية، دار البلاغة.
6- وهذا الحسن العسكري عليه السلام يقول في تفسيره (إن كليم الله موسى سأل ربه: هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله عز وجل: يا موسى! أما علمت أن فضل صحابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع صحابة المرسلين، كفضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع المرسلين والنبيين) / تفسير الحسن العسكري (ص:65)، ط.الهند، نقلاً عن الشيعة وأهل البيت (ص:41)
بغض الصحابةِ لأهل البيت
الرَّدُ عَلَى بُغْضِ الصَّحَابَةِ لِأَهْلِ البَيْتِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِصُحْبَتِهِ مَنْ يُبْغِضُ أَجَلَّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَفِي ذَلِكَ ازْدِرَاءٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُخَالَفَةٌ لِمَا مَدَحَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَصْحَابَهُ مِنْ أَجَلِّ المَدْحِ.
اخْتِيَارُ اللهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، كَلَامُهُ مَوْصُولٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الخَبَرِ البَاطِلِ المَكْذُوبِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْهَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى آخِرِ الخَبَرِ المَكْذُوبِ، ثُمَّ ذَكَرَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى اللَّوَازِمَ الَّتِي تَلْزَمُ مِنْ هَذَا القَوْلِ البَاطِلِ، وَكَانَ مِنْ ضِمْنِهَا هَذَا الكَلَامُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ لَازِمٌ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ، هَذَا أَنَّ اللهَ اخْتَارَ لِصُحْبَتِهِ صُحْبَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُبْغِضُ أَجَلَّ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ فِي هَذَا ازْدِرَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيُقَالُ فِي هَذَا الكَلَامِ هَذَا الِاعْتِقَادُ فِيهِ بَلِيَّتَانِ:
البَلِيَّةُ الأُولَى: أَنَّ فِيهِ قَدْحًا فِي حِكْمَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا زُعِمَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ المَثَابَةِ، وَأَنَّ اللهَ اخْتَارَ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا عَلَى هَذَا الوَصْفِ وَعَلَى هَذَا الحَالِ عُصَاةً عُتَاةً كَفَرَةً مُنَافِقِينَ، فَهَذَا قَدْحٌ فِي اللهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْحًا فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَ؟ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اخْتَارَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَاخْتَارَ أَنْ يَنْصُرَهُ أُنَاسٌ مُعَيَّنُونَ يُقَاتِلُونَ مَعَهُ يَكُونُونَ سَنَدًا لَهُ، فَإِذَا اخْتَارَ لِصُحْبَتِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَتِمُّ بِهِمُ المَقْصُودُ بَلْ لَا يَتِمُّ المَقْصُودُ إِلَّا بِانْعِدَامِهِمْ فَهَذَا قَدْحٌ فِي حِكْمَةِ البَارِي وَعِلْمِهِ، عِيَاذًا بِاللهِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ قَدْحًا - وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا مُقْتَضَى كَلَامِهِمُ القَدْحُ - فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسِهِ، كَيْفَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّبَ هُؤَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَصَاهَرَهُمْ، وَعَيَّنَهُمْ وُلَاةً عَلَى الجُيُوشِ وَالسَّرَايَا، وَاسْتَأْمَنَهُمْ فِي كِتَابَةِ الوَحْيِ، وَغَزَا بِهِمُ العَدُوَّ وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ الرَّسَائِلَ إِلَى مُلُوكِ أَهْلِ الأَرْضِ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَسَافَرَ بِأَفْضَلِهِمْ وَأَجَلِّهِمْ فِي أَخْطَرِ سَفَرٍ، وَهُوَ سَفَرُ الهِجْرَةِ، وَاسْتَأْمَنَهُمْ حَيْثُ كَانَ الطَّلَبُ فِي أَثَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ قَدْ جُعِلَ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِمَنْ يَأْتِي بِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِنُ هَؤُلَاءِ الصُّحْبَةَ الكِرَامَ عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ العِظَامِ، وَهُمْ مُنَافِقُونَ كُفَّارٌ مُخَادِعُونَ، فَهَذَا قَدْحٌ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَا للهِ العَجَبُ لَوْ قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: إِنَّ زُعَمَاءَكُمْ كُتَّابُهُمْ وَنُوَّابُهُمْ وَمَنْ حَوْلَهُمْ وَحَاشِيَتُهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَزَعِيمٌ مِنْ زُعَمَائِكُمْ كَبِيرٌ كُلُّ مَنْ حَوْلَهُ جُمْلَةٌ مِنَ المُخَادِعِينَ المُحْتَالِينَ، لَكَانَ جَوَابُهُمْ أَوَّلَ مَا يُجِيبُونَ: إِنَّكُمْ تَقْدَحُونَ بِهَذَا فِي عَقْلِهِ وَفِي عِلْمِهِ وَفِي فَهْمِهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ هَؤُلَاءِ، جَعَلَهُمْ حَوْلَهُ، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِمُ الأُمُورَ، فَكَيْفَ تَقْدَحُونَ فِي عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا؟!
فَيُقَالُ: هَا أَنْتُمْ فَعَلْتُمْ هَذَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلْتُمْ هَؤُلَاءِ الصُّحْبَةَ الكِرَامَ خَوَنَةً - عِيَاذًا بِاللهِ - وَقُلْتُمْ فِيهِمْ هَذِهِ المَقُولَةَ العَظِيمَةَ. وَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلَامٌ لَهُمْ مُطَوَّلٌ فِيهَا.
ذَكَرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي مِنْهَاجِ السُّنَّةِ أَنَّ الشِّيعَةَ قَالُوا لِزَعِيمِ التَّتَارِ وَكَانَ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللهِ وَأَبْلَدِهِمْ، قَالُوا لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ مُنَافِقٌ وَمُخْتَالٌ وَكَاذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ بِهِ. فَقَالَ هَذَا التَّتَرِيُّ الجِلْفُ: هَاجَرَ بِهِ وَهُوَ مُنَافِقٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِذَنْ هُوَ غَبِيٌّ.
نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ، هَكَذَا قَوَدُ مَقَالَةِ الرَّافِضَةِ قَوَدُ مَقُولَتِهِمْ وَنِهَايَتُهَا هِيَ هَذِهِ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ هَاجَرَ بِهِ فِي أَخْطَرِ سَفَرٍ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْمِنُ إِلَّا رَجُلًا مُنَافِقًا فِي البَاطِنِ فَاجِرًا كَذَّابًا، فَالْغَبِيُّ هُوَ مَنِ اخْتَارَ هَذَا. وَهَكَذَا مَقُولَاتُ الشِّيعَةِ تَجُرُّ عَلَى اللهِ وَعَلَى دِينِهِ وَعَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ المَقُولَاتِ العَظِيمَةَ الشَّنِيعَةَ، وَيَأْتِي لَهَا نَظَائِرُ وَأَمْثِلَةٌ أُخْرَى.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي هَذَا قَدْحًا وَاضِحًا، وَلَوْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ فِي أَحَدِ زُعَمَائِهِمْ: إِنَّ مَنْ يَقُودُونَ ثَوْرَتَكُمُ الآنَ - مَثَلًا وُزَرَاؤُهُمْ وَنُوَّابُهُمْ - وَمَنْ حَوْلَهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ المُحْتَالِينَ الكَذَّابِينَ، لَقَالُوا: هُمْ أَعْقَلُ وَأَنْبَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا مِثْلَ هَؤُلَاءِ. فَيُقَالُ: قَدْ قُلْتُمْ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ هَذَا، حَتَّى إِنَّهُمْ - كَمَا سَيَأْتِي - زَعَمُوا أَنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيعًا ارْتَدُّوا إِلَّا خَمْسَةً، وَهَذَا فِي الحَقِيقَةِ يَتَّجِهُ مُبَاشَرَةً نَحْوَ مَنْ رَبَّاهُمْ، خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَلَمْ تَجِدِ الشِّيعَةُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا إِلَّا خَمْسَةً، يَا عِبَادَ اللهِ أَلَيْسَ هَذَا فَشَلًا؟! لَمْ يُوَفَّقْ هَذَا الرَّجُلُ مِن بَيْنِ هَؤُلَاءِ الأُلُوفِ إِلَّا فِي خَمْسَةٍ، وَالبَقِيَّةُ كُفَّارٌ؟! وَهَاجَرَ بِهِمْ وَصَاهَرَهُمْ، وَاسْتَأْمَنَهُمْ وَجَعَلَهُمْ كَتَبَةً لِلْوَحْيِ، وَأَمَّرَهُمْ عَلَى السَّرَايَا وَالْجُيُوشِ، كَلَامٌ خَطِيرٌ لِلْغَايَةِ، وَلِهَذَا مُبَاشَرَةً القَدْحُ فِيهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ قَدْحٌ فِيمَنْ رَبَّاهُمْ، هَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ النَّاسُ إِلَى اليَوْمِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَنْ رَبَّى أَحَدًا تَرْبِيَةً مُعَيَّنَةً انْعَكَسَتْ هَذِهِ التَّرْبِيَةُ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مَنْ رُبِّيَ تَرْبِيَةً حَسَنَةً صَالِحَةً قَالُوا: جَزَى اللهُ مَنْ رَبَّاكَ خَيْرًا، لَقَدْ أَحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ. وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ إِذَا رَأَوْا مِنْهُ بِهَذِهِ الحَالِ السَّيِّئَةِ، قَالُوا: هَذَا بِسَبَبِ سُوءِ مَنْ رَبَّاهُ، مَا أَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ.
وَقَدْ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ خَيْرَ تَرْبِيَةٍ وَهُوَ خَيْرُ المُعَلِّمِينَ وَخَيْرُ المُرَبِّينَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ? ... ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ?، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ، هُنَا وَقْفٌ.
?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا? (1).
هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ أَوَّلُهَا فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِهَذَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ?. قَالَ: مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ اسْمِيَّةٌ، ?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ?، ثُمَّ اسْتَأَنَفَ كَلَامًا آخَرَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ?وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ?. وَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَةِ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ?فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ? (2). هَذِهِ الصِّفَةُ فِيمَنْ يُحِبُّهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ عُمُومًا، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي أَصْحَابِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ?أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ?، ثُمَّ مَدَحَهُمْ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ: ?تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا?، كَثِيرُوالرُّكُوعِ كَثِيرُوالسُّجُودِ، كَثِيرُوالصَّلَاةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ?سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ?. ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي المُرَادِ بِالْآيَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ.
مِنَ المُفَسِّرِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ?سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ?. عَلَامَةٌ فِي وُجُوهِهِمْ تَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَكُونُ المَعْنَى أَنَّ هَذِهِ العَلَامَةَ يُعْرَفُونَ بِهَا فِي الآخِرَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: المُرَادُ سِيمَا الإِسْلَامِ، وَخُشُوعُهُ وَسَمْتُهُ تُرَى فِي الدُّنْيَا فِيهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: المُرَادُ ?سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ? (3). أَنَّه أَثَرٌ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَثَرِ السَّهَرِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الوُجُوهِ مِنْ آثَارِ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ كَالصُّفْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذِهِ تُعْرَفُ فِي وَجْهِ مَنْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَسْهَرُونَ فِي اللَّيْلِ، لَكِنَّهُمْ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ يَسْهَرُونَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ رُكَّعًا سُجَّدًا. فَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ آثَارِ العِبَادَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ?سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ?. آثَارٌ فِي الوَجْهِ مِنْ ثَرَى الأَرْضِ، أَيْ مِنْ تُرَابِهَا. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عُمُومَ المَعْنَى لِهَذِهِ الأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا، فَيَكُونُ المَعْنَى فِيهِمْ عَلَى هَذِهِ المَعَانِي، وَهَذَا كَثِيرٌ مَا يَخْتَارُهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، يَقُولُ: لَا يُوجَدُ مَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ تَشْمَلَ الآيَةُ جَمِيعَ هَذِهِ المَعَانِي، فَلَوْ قَالَ القَوْلُ الأَوَّلُ صَوَابٌ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ، يَقُولُ الآيَةُ تَحْتَمِلُ جَمِيعَ هَذِهِ المَعَانِي، فَتَكُونُ فِيمَا لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، وَتَكُونُ فِيمَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَهَكَذَا.
قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا: ?ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ?، هَؤُلَاءِ الصَّحْبُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ذُكِرُوا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُوسَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ?ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ?، أَيِ المَثَلُ السَّابِقُ المَذْكُورُ هُوَ المَثَلُ الَّذِي ذُكِرُوا بِهِ فِي التَّوْرَاةِ المُنَزَّلَةِ عَلَى مُوسَى، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَلَامًا جَدِيدًا، فَقَالَ: ?وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ?، هَذَا مَثَلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الإِنْجِيلِ المُنَزَّلِ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَثَلُهُمْ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ. وَالْمُرَادُ بِالشَّطْءِ الفِرَاخُ، يُقَالُ: أَشْطَأَ الزَّرْعُ إِذَا فَرَّخَ ?كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ?، أي: قَوَّاهُ، أَيْ أَنَّ الزَّرْعَ قَوَّى شَطْأَهُ وَأَعَانَهُ ?فَاسْتَغْلَظَ? أَيْ: شَبَّ وَطَالَ ?فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ? السُّوقُ جَمْعُ سَاقٍ، وَسَاقُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ حَامِلَتُهُ الَّتِي تَحْمِلُهُ ?يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ?. الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ - كَمَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَمَعْرُوفٌ عَنْهُ - أَخَذَ مِنَ الآيَةِ أَنَّ مَنْ غَاظَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ، قَالَ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ هَذَا المَثَلَ فِيهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي يُصَابُ بِالْغَيْظِ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُمُ الكُفَّارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ?يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا?. ?وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ?، يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (مِنْ) هُنَا المُرَادُ بِهَا بَيَانُ الجِنْسِ، وَلَيْسَتْ تَبْعِيضًا، لَيْسَ المَعْنَى ?وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ?، مِمَّنْ هُوَ بَعْضٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ بَيَانُ جِنْسِ الصَّحَابَةِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ هَؤُلَاءِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَيَشْهَد لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي فِي الآيَةِ الآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ: ?لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ? (4)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ (مِنْ) هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأَنَّ الآيَةَ الأُخْرَى فِيهَا ?وَكُلًّا ? التَّبْعِيضُ يَقْتَضِي عَكْسَ مَا تَقْتَضِيهِ كُلّ.
أَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فَيَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ?وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ?، يَقُولُ: المُرَادُ بِهِ الشَّطْءُ الَّذِي آزَرَهُ الزَّرْعُ، فَيَكُونُ الكَلَامُ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَهُمُ المَوْعُودُونَ بِهَذَا، فَيَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: فِي قَوْلِهِ: ?وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ?، يَعْنِي مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الزَّرْعُ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ فِي الإِسْلَامِ بَعْدَ الزَّرْعِ الَّذِينَ هُمُ الصَّحَابَةُ؛ لِأَنَّ المَثَلَ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ الشَّطْءَ بَعْدَ ذَلِكَ، يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: فَأُرِيدَ بِهَا مَنْ يَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ بَعْدَ الجَمَاعَةِ الأُولَى الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: ?وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ?. إِلَى آخِرِهِ.
فَهَذان وَجْهَانِ مِمَّا وُجِّهَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ?وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ?.
(1) سورة الفتح: 29.
(2) سورة المائدة: 54.
(3) سورة الفتح: 29.
(4) سورة الحديد: 1.
شرح الرد على الرافضة - الرَّدُ عَلَى بُغْضِ الصَّحَابَةِ لِأَهْلِ البَيْتِ
موقع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.