آخر تحديث للموقع :

السبت 17 ربيع الأول 1443هـ الموافق:23 أكتوبر 2021م 03:10:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أهمية التوحيد وأقسامه ..
ويتضمن المباحث الآتية:
المبحث الأول: الغاية من بعثة الأنبياء والرسل.
المبحث الثاني: أهمية التوحيد وأقسامه.
المبحث الأول:
الغاية من بعثة الأنبياء عليهم السلام
خلق الله الثقلين (الإنس والجن) لعبادته وأوجبها عليهم، وهذه الغاية بينها الله سبحانه في كتابه حيث قال: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]، وقال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)) [الإسراء:23].
وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه؛ ليرشدوا العباد إلى توحيده تبارك وتعالى، كما قال تعالى: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) [النحل:36].
فكل الرسل بدءوا دعوتهم بتوحيد الله تبارك وتعالى، ابتداءً من نوح عليه السلام وانتهاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الأعراف:59].
وقال تعالى: ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)) [الأعراف:65].
وقال تعالى: ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [الأعراف:73].
وقال تعالى: ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [الأعراف:85].
وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ظل في مكة ثلاثة عشر عاماً وهويدعوقومه إلى توحيد الله تبارك وتعالى وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)) [الأنعام:151].
قال الحاج مير سيد علي الحائري:
بدأ سبحانه بالتوحيد ونهى عن الشرك، وقدم الشرك؛ لأنه رأس المحرمات، ولا يقبل الله معه شيئاً من الطاعات (1).
وقد كان الأنبياء عليهم السلام عابدين لله حق العبادة غير مشركين به شيئاً، وعلى هذا سار أئمة آل البيت عليهم السلام منقادين، وامتثله الصحابة الكرام رضي الله عنهم باختيارهم منحازين، فقد استجاب الصحابة رضي الله عنهم صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً، عبيداً وأحراراً، لهذه العقيدة الداعية إلى توحيد الله، المعظمة له تبارك وتعالى حق تعظيمه، وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليه أصحابه في كل مكان وفي كل زمان، ويجعل محبة الله تبارك وتعالى والخوف منه تملأ قلوبهم.
__________
(1) تفسير مقتنيات الدرر: (4/ 284).
فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟) -يقول ثلاثاً- قال: الله ورسوله أعلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حق الله عز وجل على العباد أن لا يشركوا به شيئاً)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (هل تدري ما حق العباد على الله عز وجل إذا فعلوا ذلك؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: (أن لا يعذبهم). أوقال: (أن لا يدخلهم النار) (1).
فأنت ترى أن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، وبذلك أمرهم سبحانه وتعالى، وقد بعث الله الرسل عليهم السلام من أولهم إلى خاتمهم -وهوالمصطفى صلى الله عليه وسلم - ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار، والعياذ بالله.
المبحث الثاني:
فضل التوحيد وأقسامه
سبق أن بينّا أن الله خلق الإنس والجن من أجل تحقيق العبادة الخالصة له، وما ذلك إلا لعظمها وفضلها، ولذلك أثنى الله سبحانه على إبراهيم عليه السلام وشهد له أنه على الدين الحنيف ولم يكن من المشركين، كما قال سبحانه: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [النحل:12.].
قال أمين الدين الطبرسي: ((كَانَ أُمَّةً)) كان وحده أمة من الأمم؛ لكماله في صفات الخير، وقال مجاهد: كان مؤمناً وحده منفرداً دهره بالتوحيد والناس كفار.
قال قتادة: كان إماماً، هدى ... قدوة يؤتم به ((قَانِتاً)) مطيعاً ((لِلَّهِ)) دائماً على عبادته، ((حَنِيفاً)) مستقيماً في الطاعة، مائلاً إلى الإسلام غير زائل عنه، ((وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) تكذيب لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملّة إبراهيم (2).
__________
(1) التوحيد: (28)، بحار الأنوار: (3/ 1.).
(2) تفسير جامع الجوامع: (2/ 312).
وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أهل الجنة، وكان من أول أسباب دخولها أنهم لم يشركوا بربهم شيئاً، فقال: ((وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ)) [المؤمنون:59].
قال الفيض الكاشاني: الذين هم بربهم لا يشركون شركاً جلياً ولا خفياً (1).
فلاحظ أنهم لم يشركوا بالله شركاً جلياً واضحاً كعبادة الأصنام، ولا شركاً خفياً كالرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا، ونحوذلك، وهذا يدل دلالة واضحة على ضرورة العبادة التامة لله سبحانه، وعدم الالتفات للناس.
وقد وردت عن أئمة آل البيت عليهم السلام نصوص كثيرة في هذا المعنى، منها:
- عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من شيء أعظم ثواباً من شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن الله عز وجل لا يعدله شيء، ولا يشركه في الأمر أحد (2).
- وعن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التوحيد ثمن الجنة) (3).
- وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جزاء من أنعم الله عليه بالتوحيد إلا الجنة) (4).
- وعن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل: إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، ومن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بإخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أمِن من عذابي) (5).
__________
(1) تفسير الصافي: (3/ 4.2)، تفسير معين: (2/ 9.8)، تفسير كنز الدقائق: (9/ 195).
(2) بحار الأنوار: (3/ 3)، التوحيد: (19)، ثواب الأعمال: (3).
(3) بحار الأنوار: (3/ 3). وانظر: الأمالي للطوسي: (569)، مجموعة ورام: (2/ 7.).
(4) بحار الأنوار: (3/ 5). وانظر: الاختصاص: (225)، الأمالي للصدوق: (386)، الأمالي للطوسي: (429، 569)، التوحيد: (22).
(5) بحار الأنوار: (3/ 6). وانظر: التوحيد: (24)، عيون الأخبار: (2/ 134)، كشف الغمة: (2/ 135).
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أناساً موحدين لله تبارك وتعالى يدخلون الجنة يوم القيامة من غير حساب؛ لقوة تعلقهم بربهم وتوحيدهم إياه، ولعدم تذللهم لغيره، ولقوة اعتمادهم عليه عند المصائب والهموم، فقال صلى الله عليه وسلم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون) (1).
فتأمل نفسك أيها القارئ الكريم! هل أنت ممن قام بما أمره الله به من العبادة وترك الشرك؟ أوهل أنت ممن تعلق بالمخلوقين فدعاهم ورجاهم من دون الله سبحانه وتعالى؟
وبحسب إجابتك تعرف موقعك، أأنت مع من أنعم الله عليهم بالتوحيد الخالص، أم أنت مع الذين تذللوا لغير الله واعتمدوا على سواه من بشر وغيرهم، ولكل من هؤلاء الفريقين حساب وجزاء.
أقسام التوحيد:
التوحيد وإفراد الله بما يستحقه من خصائص بحسب ما جاء في القرآن ثم من خلال استقراء النصوص المباركة من قبل الأئمة عليهم السلام، يمكن تقسيمه وحصره في ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وبيان كل واحد منها سيأتي مفصلاً في موضعه بإذن الله، وبمعرفة التوحيد يدرك الإنسان هل هوسائر في ركب المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وكذا أتباعهم من الأئمة عليهم السلام والصالحين من بعدهم، أوأنه حائد عن دربهم؟ وكل امرئ حَكَمٌ ومسئولٌ عن عمله.
الفصل الثاني:
توحيد الربوبية
ويتضمن المباحث الآتية:
المبحث الأول: التعريف بتوحيد الربوبية.
المبحث الثاني: الإيمان بالقضاء والقدر. وفيه مطالب:
المطلب الأول: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر.
المطلب الثاني: المنحرفون في القدر.
المطلب الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره.
المبحث الأول:
التعريف بتوحيد الربوبية
وهوإفراد الله بأفعاله، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال الغيث وإنبات الزرع.
__________
(1) بحار الأنوار: (59/ 7.)، (6./ 15).
ومعناه: إيمان المسلم بوحدانية الله عز وجل، والاعتقاد الجازم بأنه لا خالق ولا مالك ولا متصرف أومدبر في الخلق والملك إلا هوسبحانه، لا شريك له ولا ند له.
وهذه العقيدة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا ينكرها ولا يماري فيها إلا جاهل أومتكبر، فينبغي على العبد أن يعلم أن الله سبحانه له الخلق والملك والتدبير.
وأدلة ذلك من كتاب ربنا سبحانه وتعالى كثيرة، فمما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالخلق، قوله سبحانه: ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)) [فاطر:3].
ومما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالملك، قوله سبحانه وتعالى: ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الملك:1].
ومما جاء من الآيات الدالة على تفرده بالتدبير، قوله سبحانه: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف:54].
ولقد أقر كفار قريش بهذه العقيدة، وهم من أكابر الوثنيين، فكانوا يعلمون حقيقة أن الله عز وجل هوالخالق وحده لا شريك له، وأنه لا رزق إلا من عنده، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا مدبر للأمور إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن تحت تصرفه وقهره.
قال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [العنكبوت:61].
وقال سبحانه: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ)) [يونس:31 - 32].
وقال عز ثناؤه: ((قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ)) [المؤمنون:84 - 89].
لكن في عصرنا الحاضر نرى كثيراً من الناس يخالفون فطرة الله عز وجل في خلقه، معتقدين بأن للأولياء والصالحين حق التصرف والتدبير في خلق الله وملكه معه سبحانه، وخاصة آل البيت عليهم السلام كعلي بن أبي طالب عليه السلام.
فقد نسبوا زوراً لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بأنه هورب الأرض (1)، وأنه المتصرف بالدنيا والآخرة كيف يشاء) (2) (، وله جزئية إلهية في الخلق والرزق وإحياء الأموات (3)، وقد أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم (4)، وله من الأمر ما يشاء من استحضار السحب وإنزال الأمطار وصوت الرعود (5).
بل زادوا في ذلك بأن بمقدوره عليه السلام أن يركب السحاب ويذهب عليها لأي مكان يريد (6)، سالكين في إمكانية وقوع هذه الخوارق مخرجاً سمجاً لا ينطلي على العقلاء، وهوأن هذه الأمور والأعمال الخارقة كلها قد أذن الله في وقوعها على يده، وهذا القول زعموه من بعد عجزهم عن إيجاد دليل وحجة من القرآن أوالسنة النبوية المباركة على ذلك.
__________
(1) بحار الأنوار: (7/ 326)، (7/ 194)، وانظر: تأويل الآيات: (736).
(2) الكافي: (1/ 4.8).
(3) انظر: بحار الأنوار: (42/ 17 - 5.) (باب جوامع معجزاته)، (42/ 5. - 56) باب غرائب معجزاته، وانظر كتاب: مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني.
(4) انظر: إرشاد القلوب: (265).
(5) بحار الأنوار: (27/ 32)، الاختصاص: (327).
(6) الاختصاص: (199).
وهذه المعتقدات الخطيرة منافية لتوحيد الله عز وجل في ربوبيته؛ لأن الله جل شأنه يقول: ((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [البقرة:1.7].
وقال تعالى: ((الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)) [الفرقان:2].
وقال تعالى: ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) [فاطر:3].
وقال تعالى: ((الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ)) [الروم:48].
وقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)) [الرعد:12].
وقد ذكر العلامة الكشي في رجاله بأن أقواماً من الناس يُحَدِّثون الناس بأحاديث منكرة ومكذوبة على جعفر بن محمد عليه السلام وعلى آله الطاهرين عليهم السلام، فيزعمون: بأن علياً في السحاب يطير مع الريح، وأنه كان يتكلم بعد الموت، وأنه كان يتحرك على المغتسل، وأن إله السماء وإله الأرض الإمام، فجعلوا لله شريكاً جهلاً وضلالاً، والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط، وكان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك، فسمع الناس ذلك فضعفوه، ولورأيت جعفرَ لعلمت أنه واحد الناس (1).
وهنا قد يتساءل العاقل اللبيب ويقول: كيف نوفق بين ما نعتقده في توحيد الله عز وجل في خلقه وملكه وتدبيره وحده لا شريك له، وأنه لا ند ولا نظير له، وبين ما جرى للأنبياء والرسل والأولياء من المعاجز والكرامات الكثيرة: من إحياء الموتى، وشفاء المرضى، وتحويل العصا إلى ثعبان وغيرها؛ أليس في ذلك مشاركة في التصرف بخلق الله وملكه؟
والجواب من وجوه:
__________
(1) رجال الكشي: (324)، بحار الأنوار: (25/ 3.2).
أولاً: أننا لا ننكر ما حصل للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من الآيات والمعجزات، ولا ننكر ما يحصل للأولياء والصالحين من الكرامات؛ لأنه حق ثابت ورد في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أجمع أئمة الإسلام عليه.
قال تعالى: ((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)) [يونس:62 - 63].
فكل مؤمن هوولي لله عز وجل بقدر إيمانه وتقواه، وقد يُظهر الله على يديه ما يظهر من خوارق العادات، وهي الكرامات.
ثانياً: لا بد للمسلم أن يتأكد من صحة الروايات التي تُروى عن كرامات الأولياء والصالحين، حتى لا ينسب إليهم أعمالاً لم يعملوها، وهذا يدخله في الكذب، كما كُذِب على أمير المؤمنين علي عليه السلام فنسبوا إليه كرامات وأقوالاً وأعمالاً لم يعملها، كما أسلفنا في القول من قبل.
ثالثاً: ليس بلازم أن كل ولي تقع له كرامة لابد أن تقع لغيره من الأولياء، وليس بحتم لازم أن كل من ظهرت له كرامة فهي الدلالة على أنه أفضل من غيره من الأولياء.
والعكس صحيح؛ من أن عدم وقوعها لا يدل على نقصهم؛ لأن وقوع الكرامة تأييد وتثبيت وإعانة للشخص في دينه، ولهذا كانت الكرامات في عهد التابعين أكثر منها في عهد الصحابة رضي الله عنهم، لأن الصحابة رضي الله عنهم عندهم من التثبيت والتأييد والنصر ما يستغنون به عن الكرامات، وهووجود النبي صلى الله عليه وسلم، ووقوعها بعد عهد التابعين كان أكثر ممن قبلهم، وهذا معلوم مشاهد.
فلا يلزم على هذا أن تقع الكرامات والمعاجز لكل ولي، بل الكثير من الأولياء لم تحصل لهم الخوارق.
رابعاً: قد تُنسب بعض الكرامات زوراً إلى بعض الناس، لأننا لوفتشنا عن دلائل إيمان هذا الرجل والتزامه بالهدي النبوي، لوجدناه عاصياً مفرطاً في الطاعات، لا يحافظ على الصلوات المفروضة، فضلاً عن محافظته على السنن المؤكدة، بل قد نجده أيضاً يدعوغير الله، ويتوجه بالعبادات إلى الأموات، فكيف يمكن أن نطلق على مثل هذا أنه ولي متقٍ، يحبه الله ويتولاه؟!
ولنتذكر أن أعظم كرامة تقع للعبد المسلم هي هدايته إلى الحق، وثباته على الصراط المستقيم وفق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفهمه ونشره أصحابه وآله رضي الله عنهم.
وبعد ما سبق بيانه نحتاج إلى التوسع شيئاً قليلاً في جانب من جوانب توحيد الربوبية، وهومعتقد توحيد الله بالتدبير، وأن الله سبحانه له الخلق والأمر، أوما يسمى الإيمان بالقضاء والقدر.
توحيد الألوهية
المبحث الأول:
التعريف بتوحيد الألوهية
وهوإفراد الله بالعبادة .. كالصلاة والرجاء والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة ... إلخ.
فالله خلق العالم من الإنس والجن لعبادته وحده لا شريك له، فأوجبها عليهم في هذه الدنيا الفانية للاختبار، ولأنه سبحانه هوالمستحق إلى أن تصرف إليه هذه العبادات.
قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56].
وقال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)) [الإسراء:23].
فمن عبد الله وحده أنجاه الله وأدخله جنته تكريماً له لما فعل، ومن عبد غير الله، أوجعل لربه نداً أومساوياً عاقبه الله بنار جهنم خالداً فيها.
ولأجل هذا المقصد العظيم أرسل الله تبارك وتعالى لهذا العالم الرسل؛ ليعلموا البشرية ما أمر الله به وما نهى عنه من العبادات والمعاملات والعقائد والتشريع والسياسة وغيرها من أمور البشر، وذلك لكمال حكمه وقضائه وعدله، والتي لا تصرف إلا له سبحانه.
ولعظم هذا المقصد فكل الرسل بدؤوا دعوتهم بتوحيده عز وجل، ابتداءً من نوح وختاماً بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال تعالى: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) [النحل:36].
وقال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء:25].
قال أبوجعفر محمد الطوسي: بأنه لا معبود على الحقيقة سواه ((فَاعْبُدُونِ)) أي: وجهوا العبادة إليه من دون غيره (1).
__________
(1) تفسير التبيان: (7/ 24.).
وقال الحاج سلطان الجنابذي: بالتوحيد وخلع الأنداد لا بالإشراك واتخاذ الأنداد (1).
وقال محمد جواد مغنية: ما أرسل رسولاً إلا بالتوحيد والإخلاص لله في العبادة (2).
إذاً: ما العبادة؟ وما تعريف شهادة (لا إله إلا الله)؟
العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، ولها أركان وشروط (3).
ومعنى شهادة (لا إله إلا الله): أي: (لا معبود بحق (4) إلا الله)، ولها أركان وشروط أيضاً (5).
واعلم -رحمك الله- أن العبادة لها أنواع كثيرة، يجب صرفها جميعاً لله وحده لا شريك له، ومنها: الدعاء بأنواعه من استغاثة واستعانة واستعاذة، ومنها: الذبح والنذر والصلاة والزكاة والصيام والحج وقراءة القرآن ... إلخ، فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك به عز وجل.
قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء:116].
__________
(1) تفسير بيان السعادة: (3/ 47).
(2) تفسير الكاشف: (5/ 27.).
(3) أركان العبادة ثلاثة لابد من اجتماعها جميعاً دون استثناء، وهي: المحبة والرجاء والخوف. وشروطها: الإخلاص والمتابعة في العمل.
(4) وذكرنا كلمة الحق زيادة في التعريف؛ لأن كثيراً من الناس يعبدون آلهة لكنها آلهة باطلة ليست آلهة حقة، وليس لها من حق الألوهية شيء، قال تعالى: (ذلك بأن الله هوالحق وأن ما يدعون من دونه هوالباطل وأن الله هوالعلي الكبير). [الحج:62].
قال مير سيد علي الطهراني: لأن بعض الناس يعبدونه تعالى ويعبدون غيره معه كما كان لبعض المشركين آلهة متعددة يعبدون إلهاً لأمر وإلهاً لأمر وهكذا. (مقتنيات الدرر: 3/ 99).
(5) وشهادة لا إله إلا الله لها ركنان: الأول: النفي وهو (لا إله)، والثاني: الإثبات وهو (إلا الله).
وشروطها سبعة: الأول: العلم، الثاني: اليقين، الثالث: الإخلاص، الرابع: الصدق، الخامس: المحبة، السادس: الانقياد، السابع: القبول.
وقال تعالى: ((وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)) [النساء:36].
قال الشيخ محمد السبزواري النجفي في تفسير هذه الآية: أمر سبحانه بعبادته؛ لأن العبادة منحصرة بذاته عز وجل، لا بشيء غيره من الأشياء في السموات ولا في الأرض، إذ ليس فيها كائن قابل لأن يشاركه في الألوهية، بل كل شيء مخلوق له، مفتقر إليه (1).
وقال أمين الدين الطبرسي فيها أيضاً:
أي وحدوه وعظموه ولا تشركوا في عبادته غيره، فإن العبادة لا تجوز لغيره؛ لأنها لا تُستحق إلا بفعل أصول النعم ولا يقدر عليها سواه تعالى (2).
وكذلك قال ناصر مكارم الشيرازي:
لا تجعل معبوداً آخر مع الله: لا في العقيدة ولا في العمل ولا في الدعاء ولا في العبودية.
وقال أيضاً: إن للشرك ثلاثة آثار سيئة جداً في وجود الإنسان:
1 - الشرك يؤدي إلى الضعف والعجز والذلة، في حين أن التوحيد هوأساس الحركة والنهوض والرفعة.
2 - الشرك موجب للذم واللوم؛ لأنه خط انحرافي واضح في قبالة منطق العقل، ويعتبر كفراً واضحاً بالنعم الإلهية.
3 - الشرك يكون سبباً في أن يترك الله سبحانه وتعالى الإنسان إلى الأشياء التي يعبدها، ويمتنع عن حمايته، وبما أن هذه المعبودات المختلفة والمصطنعة لا تملك حماية أي إنسان أودفع القدر عنه، لأن الله لا يحمي مثل هؤلاء (3).
التفريق بين الربوبية والألوهية:
إن هؤلاء الناس الذين بُعث فيهم الرسل يقرون بموجب فطرتهم ونظرهم في الكون بأن الله هوربهم الخالق والرازق والمحيي والمميت.
لهذا قال تعالى في حقهم: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)) [الزخرف:9].
وقال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [الزمر:38].
__________
(1) الجديد: (2/ 288).
(2) تفسير مجمع البيان: (2/ 45).
(3) تفسير الأمثل: (8/ 394).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكنَّ هذا لا ينفعهم؛ لأن هذا إقرار بالربوبية فقط، ولا ينفع الإقرار بالربوبية، لأنه معرفة مجردة من العمل حتى يكون معها الإقرار بالألوهية، وهي العمل وعبادة الله وحده لا شريك له.
ولذا ركزت دعوة الرسل على توحيد الألوهية، وإفراد الله بالعبادة وحده من دون شريك ولا ند ولا واسطة.
فهذا نبي الله نوح عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام التي جعلوها واسطة بينهم وبين الله يعبدونها ويتشفعون بها، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد، فكان ردهم كما قال تعالى: ((وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)) [نوح:23].
وذكر السيد عبد الله شبر معنى الأسماء الواردة في الآية، فقال:
هم أسماء قوم صلحاء بين آدم ونوح، فلما ماتوا صوروهم تبركاً بهم، فلما طال الزمان عُبِدوا، ثم انتقلت إلى العرب.
وقال القمي: كانوا قوماً مؤمنين قبل (1) نوح فماتوا، فحزن عليهم الناس، فجاء إبليس فاتخذ لهم صورهم ليأنسوا بها، فلما جاءهم الشتاء أدخلوهم البيوت، فمضى ذلك القرن وجاء القرن الآخر فجاءهم إبليس، فقال لهم: إن هؤلاء آلهة كان آباؤكم يعبدونها فعبدوهم وضل منهم بشر كثير، فدعا عليهم نوح فأهلكهم الله، وقال: كانت ود صنماً لكليب، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان، ونسر لحصين (2).
وهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام لما جاء بعد نوح، تبرأ من قومه وأبيه لعبادتهم الأصنام والكواكب حين جعلوها واسطة بينهم وبين الله كما يدعون، وتحمل الأذى في دعوتهم، ومدح الله نبيه الخليل لتمسكه بالتوحيد الخالص هووأولاده.
__________
(1) وفي الأصل (والقمي قال: كان قوم مؤمنين).
(2) تفسير الجوهر الثمين: (6/ 29.)، وانظر: الصافي: (5/ 232)، البرهان: (5/ 388)، نور الثقلين: (5/ 425)، كنز الدقائق: (13/ 458)، بيان السعادة: (4/ 2.6).
قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ)) [الزخرف:26 - 27].
قال السيد محمد تقي المدرسي:
كانت رسالة إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله السلام موجهة ضد استمرارية الأمر الواقع ضد عبادة الآباء وتقديس شرعهم ومعتقداتهم وتاريخهم، لذلك قال لأبيه: إنني براء مما تعبدون من دون الله، ويعتبر هذا من أهم ما يتميز به إبراهيم الخليل من بين سائر الرسل، وتبرؤ إبراهيم مما عبده آباؤه قطع صلاته بهم، واختط لنفسه ولآله من بعده خطاً جديداً نظيفاً وهوالتوحيد (1).
وأما عن الشرك الواقع في بني إسرائيل، فقال تعالى عن قصة موسى عليه السلام: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) [الأعراف:138].
قال أبوجعفر الطوسي: وتوهمهم أنه يجوز عبادة غير الله ... فقال لهم موسى: إنكم قوم تجهلون من المستحق للعبادة، وما الذي يجوز أن يتقرب به إلى الله تعالى (2).
وقال أيضاً مير سيد علي الطهراني:
وطلبوا من موسى أن يعين لهم تمثالاً يتقربون بعبادته إلى الله، وهذا القول هوالذي حكاه عن عبدة الأوثان، حيث قالوا: ((مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)) [الزمر:3].
__________
(1) تفسير من هدي القرآن: (12/ 461)، وانظر: تفسير الميزان: (18/ 99)، الجديد: (6/ 348).
(2) تفسير التبيان: (4/ 527).
وهذا يوسف عليه السلام في السجن يدعوصاحبيه إلى التوحيد عندما سألاه عن تعبير الرؤيا، وقبل أن يجيبهما قال لهما: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [يوسف:39 - 4.].
وهذا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وهوالذي كان معروفاً عند العرب قبل البعثة بالصادق الأمين، مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوهم إلى عبادة الله وحده بقوله: (لا إله إلا الله) وترك ما كان يعبد آباؤهم، ففهموا معنى هذه الشهادة التي يدعوإليها، واعتذروا له قائلين: إنا لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة مستقلة، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل الشفاعة (1).
ولضلالهم العميق نسوا صدقه وأمانته واتهموه بالسحر والكذب، وقالوا له: أتعبد إلهاً واحداً من غير واسطة وتهمل آلهة آبائنا؟! هذا شيء عجيب!
قال تعالى: ((وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) [ص:4 - 5].
وقال تعالى: ((إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)) [الصافات:35 - 36].
وشرح بعض العلماء سبب وقوع كفار مكة في الخطأ وعلى ماذا استندوا، فقال ناصر مكارم الشيرازي:
__________
(1) انظر: مقتنيات الدرر: (9/ 217)، وانظر: تفسير الجديد: (6/ 171).
إن المشركين يستندون إلى الأوهام، فلا دليل لهم على ما يدعون سوى أنهم كالببغاء يقلدون آباءهم في التمسك بالخرافات والأساطير التي لا أساس لها من الصحة ... ويقبلون الشرك من غير دليل صحيح عليه (1).
ومع كل هذا الضلال لم ييأس النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الدعوة المباركة، بل بدأ بها مبتدئاً بأقربائه، فدعا عمه أبا طالب الذي حماه من ظلم قريش، وعند احتضاره للموت، قال له: (قل يا عم كلمة أشهد لك بها عند الله تعالى، فقال: لولا أن تقول العرب: إن أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك)، وروي أنه قال: (أنا على دين الأشياخ، وقيل: إنه قال: أنا على دين عبد المطلب). وقيل غير ذلك (2).
واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة حتى دخل كثير من الناس في دين الإسلام -دين التوحيد- وبلغ قريشاً اليأس من محاربة هذا الدين الجديد الذي يسفه تعلقهم بآلهتهم المزعومة، التي لهم فيها المآرب الشخصية، وجلب الأرزاق من الحجيج الذين يفدون على مكة فيتوسلون بهذه الآلهة الباطلة لتتوسط لهم عند الخالق العظيم، فبذلوا للنبي صلى الله عليه وسلم المغريات، وأصبحت العروض تأتي إليه لكي يترك تلك الدعوة، فلم يلتفت إلى ذلك، بل استمر متحملاً مع أصحابه في سبيل دعوة التوحيد أذى قريش وجبروتهم وطغيانهم، حتى انتصرت دعوته بعد ثلاثة عشر عاماً، ولله الحمد والمنة.
أما في عصرنا الحاضر فإننا نرى كثيراً من الناس -هداهم الله إلى الحق- يسيرون على طريق أهل الجاهلية، مع أنهم يقولون: (لا إله إلا الله)، ثم تراهم يجعلون الأولياء والصالحين شفعاء ووساطات بينهم وبين الله في جميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والنذر والتبرك.
__________
(1) تفسير الأمثل: (1./ 473).
(2) بحار الأنوار: (35/ 155).
ومع هذا التوضيح قد تتلجلج في صدور بعض المسلمين شبهات ووساوس قد تنخر في هذا الجانب العظيم والركن الوثيق من أركان الإيمان، وهذا ما سيكون مبحثنا في القادم من المباحث بعون الله ومنته.
المبحث الثاني:
سؤال وجواب في توحيد الألوهية
في هذا المبحث نتناول بعض التساؤلات المتعلقة في جانب العبادة بالبيان والرد، بغية إظهار الحق جلياً لا لبس فيه، خاصة في أعظم ما يقدمه المسلم لنفسه تجاه ربه ألا وهو: كمال العبودية لله سبحانه.
سؤال (1):
نرى كثيراً من ضعفاء الناس والمحتاجين يذهبون لأهل الجاه في البلد لكي يتوسطوا لهم عند أصحاب السلطة والرياسة لقضاء حوائجهم الدنيوية.
ونحن لنا حاجاتنا مع الله، فلما كنا نحب الأولياء وخاصة من آل بيت النبي ونتبع طريقهم لأنه هوالحبل المؤدي إلى صراط النجاة، فمن باب أولى أنهم لن يتركوا من يودهم ويحبهم، فحينئذٍ سيكونون لنا وسائط عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة.
الجواب:
أولاً: إن هذا الكلام غير صحيح، بل فيه طعن في علم الله عز وجل ورحمته بخلقه، وفيه أيضاً تشبيه للخالق بالمخلوق.
فإن أصحاب السلطة والنفوذ لا يحيطون بكل ما يحصل بين الناس وبكل ما يحتاجونه من نصرة ومساعدة، وربما لا يعطون كل ذي حق حقه، ولا يستطيعون أن يسمعوا ويروا كل أحوال الناس وما يحتاجون إليه، وهذا الميت إذا طلب منه التوسط هل سيسمع من عند قبره فقط أويسمع البعيد أيضاً، وهل بمقدوره أن يسمع جميع من يدعونه في وقت واحد؟
وإذا كان لا يستطيع ذلك في الدنيا وهوحي فكيف بعد موته؟! وهل من يستطيع ذلك غير الله؟!
أما الله عز وجل فإنه يعلم كل ما كان وما سيكون وما لم يكن لوكان كيف يكون، ولا يظلم عباده أبداً، ويسمع كل من يناجيه من مختلف البلدان والألسن والأزمنة سبحانه وتعالى.
ثانياً: إن الله تبارك وتعالى قد بيّن كيفية نهج الأنبياء عليهم السلام في اللجوء إليه سبحانه في كتابه العزيز.
فهذا نوح عليه السلام نادى ربه فنجاه من الكرب العظيم، وإبراهيم عليه السلام صدع في قومه مظهراً تعلقه بربه، فقال: ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) [الزخرف:26 - 28] , وهذا موسى عليه السلام تحدى آل فرعون، فالتجأ إلى ربه، فقال عند اقتراب جيش فرعون من بني إسرائيل: ((قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)) [الشعراء:62]، وزكريا عليه السلام لما نزل به العجز نادى ربه نداءً خفياً، وأيوب عليه السلام عندما مسه الضر نادى ربه وحده، ويوسف عليه السلام نادى ربه في حال الفتنة، فقال: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)) [يوسف:23]، ويونس عليه السلام نادى الله وحده في الظلمات.
وسيد البشر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال لصاحبه وهما في الغار: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! فقال تعالى: ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ)) [التوبة:4.].
لذلك فمن جعل بينه وبين الله من الواسطات، فإنه ما أحسن الظن بربه أنه هوكاشف الضر والنافع والرزاق، وما سار على نهج المرسلين، وللعلم فإنه ما اتخذ إنسان الواسطة إلا أنه شبه الخالق بالمخلوق.
ثالثاً: إن طلب السؤال من العبد لربه لا يحتاج إلى واسطة كما يظنه بعضهم، فالدعاء وغيره من العبادات الخاصة والمتوجه إلى الله عز وجل، ولا شأن للأنبياء والأولياء فيها، إنما أمرهم منحصر في تبليغ الناس رسالة الله تبارك وتعالى، وتعليم الناس شرع ربهم سبحانه من بعد أن يسألهم الناس.
وقد بين ذلك الله عز وجل في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)) [البقرة:189]، وقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)) [البقرة:217] .. وقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)) [البقرة:219] .. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)) [البقرة:22.] .. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)) [البقرة:222] .. وقال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)) [الإسراء:85].
فهذه الآيات جميعها فيها لفظ (يسألونك)، وفيها الرد التعليمي (قل)، إلا آية واحدة جاءت على خلاف هذا النسق، وهي قوله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)) [البقرة:186] فلم يقل سبحانه: (قل)، بل قال سبحانه مباشرة: (فإني قريب)، لأن طلب السؤال خاص بالله ولا يحتاج إلى واسطة بين العبد وربه، حتى من النبي صلى الله عليه وسلم، والصالحين من باب أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هورسول بين الله والناس في تبليغ الرسالة والشرع، وأما الدعاء والعبادة فليس بين العبد وربه حجاب أوواسطة، وهومصداق قوله تعالى: ((أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي)) [البقرة:186].
رابعاً: إن الله هووحده الذي كشف ضر الأنبياء والمرسلين، وهوالذي حفظهم، مثلما حفظ موسى في التابوت وهورضيع، وأنجى يونس من بطن الحوت، وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالسؤال العظيم:
إذا أصابك الكرب هل يقدر الله على كشفه أم لا؟
- وهل يعلم سبحانه بحالك ويسمع صوتك أم لا؟ وأليس اللهُ بكافٍ عباده؟
- أليس الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟
- وهل الأولياء والصالحون من الوسطاء يخافون عليك أكثر من الله؟
أوسيلطفون بك أكثر من الله؟ أوسيحبونك أكثر من الرحمن الرحيم؟
فنعلم يقيناً أنك ستقول: الأمر لله وحده ..
إذاً: يا عبد الله .. لماذا لا تلجأ إلى الله مباشرة دون واسطة؟!
ونقول لك أيضاً: لماذا تجعل في عبادتك واسطة من الأولياء والصالحين؟
أتظن أن هؤلاء الأولياء أعلم من الله بحالك وأقدر على عطاء سؤالك؟
فإن قلت: (نعم) .. فهذا كفر بالله عز وجل، وإن قلت: (لا) .. فنقول لك: فلماذا تعدل عن سؤال الله عز وجل إلى سؤال غيره؟!
سؤال (2):
إن الله عز وجل يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)) [المائدة:35]. ونحن المذنبون نعلم أن الصالحين لهم من الجاه والمنزلة عند الله ما نؤمل به أننا إذا توسلنا إليه بهم وتقربنا إليه من طريقهم أن يستجيب الله ما طلبناه منه من قضاء الحوائج ودفع الضر وجلب النفع.
الجواب:
لا حجة لهؤلاء على ما استدلوا به في تلك الآية الكريمة من وجوه:
الوجه الأول: أن الوسيلة الشرعية التي أمر الله بها في القرآن الكريم إنما هي عبادة الله عز وجل والتقرب إليه بما شرع (1)، لا أن يكون التقرب بأن يشرك معه في عبادته من دعاء وتوسل وشفاعة ورجاء وخوف أحد من الأولياء والصالحين.
__________
(1) انظر: التوسل المشروع (ص:75) من هذا الكتاب.
قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً)) [الإسراء:57].
قال مير سيد الحائري الطهراني:
((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ)) إلى الله ويطلبون القربة و ((الْوَسِيلَةَ)) بالعبادة إليه ((أَيُّهُمْ)) أفضل و ((أَقْرَبُ))، وذكر ذلك حثاً على الاقتداء بهم وترك هذه الطريقة الخبيثة، فليكن الإنسان يرجورحمة الله ويخاف عذابه ((إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ)) يجب أن يحذر منه (1).
وقال الشيخ محمد باقر الناصري:
أي يطلبون التقرب إليه بفعل الطاعات ... لأن الأنبياء مع علومرتبتهم وشرف منزلتهم لم يعبدوا غير الله، فأنتم أولى أن لا تعبدوا غير الله (2).
الوجه الثاني: إذا أذنب الإنسان أوأخطأ فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، ولا يحتاج إلى واسطة تقربه إلى ربه، كما قال تعالى: ((أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)) [النمل:62]، وأما من جعل في عبادته واسطة تقربه ويتشفع بها عند ربه فإنه يتعبد كما يتعبد النصارى باتخاذهم عيسى وأمه مريم العذراء عليهما السلام شفعاء عند الله، وكما يتعبد العرب في الجاهلية للصالحين واتخاذهم اللات والعزى شفعاء ووسطاء.
وقال تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [المائدة:75 - 76].
__________
(1) تفسير مقتنيات الدرر: (6/ 246).
(2) مختصر مجمع البيان: (2/ 225).
فقوله تعالى: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) [المائدة:75] يبين لنا فيه حكمة عظيمة من أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان وأمه يأكلان الطعام، فقد أراد الله سبحانه أن يبين لنا صفة الحاجة والفقر في المسيح وأمه، وأن صفتي الحاجة والفقر لا يليقان بمقام الإله العظيم، وأنهما عبدان مخلوقان لله، ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً، لذلك ذكرت الآية التي بعدها على حصر النفع والضر بيد الله تبارك وتعالى.
وهذا ما أكده العلامة ناصر مكارم الشيرازي أيضاً، فقال عن تلك الآية:
إن من تكون له أم حملته في رحمها، ومن يكون محتاجاً إلى كثير من الأمور، فكيف يمكن أن يكون إلهاً؟ ثم إذا كانت أمه صدّيقة فذلك لأنها هي أيضاً على رسالة المسيح، منسجمة معه، وتدافع عن رسالته، لهذا فقد كان عبداً من عباد الله المقربين، فينبغي أن لا يتخذ معبوداً كما هوالسائد بين المسيحيين الذين يخضعون أمام تمثاله إلى حد العبادة (1).
وقال محمد جواد مغنية:
فإن المراد من (ما) كل ما اتخذ معبوداً من المخلوقات، فيدرج فيه عيسى ومريم والأصنام ... أما وجه الاحتجاج على النصارى بهذه الآية: فلأن الإله المعبود هوالذي يملك لعباده ضراً ونفعاً، وأما العاجز فمحال أن يكون إلهاً، وقد ذكرت الأناجيل أن عيسى الذي يَدَّعُون له الألوهية قد أهين وصُلب ودُفن بعد أن وضعوا إكليل الشوك على رأسه، ومن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فبالأولى أن لا يملكها لغيره، ومن كان هذا شأنه لا يعبده عاقل، قال إبراهيم لأبيه: ((إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)) [مريم:42]، وكان لأعرابي صنم يقدسه ويعبده وجاءه ذات يوم ليسجد له كعادته فرأى ثعلباً بالقرب منه، فظن أن الثعلب قصده ليتبرك به، وحين أراد السجود له رأى قذارة الثعلب على رأسه، فثاب إليه رشده، وأخذ يحطم الصنم ويقول:
__________
(1) تفسير الأمثل: (4/ 1.5).
أرب يبول الثعلبان برأسه ... ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب (1)
وهذا ما نعتقده بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رماه قومه بالحجارة، ووصفوه بالكاهن والساحر والمجنون، ورُمي على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم سلا الجزور، وهُزم في معركة أحد، وكسرت رباعيته، وشق رأسه الشريف، وطُرد من أرضه وأهله، وحاولوا قتله.
وكذلك الأنبياء والرسل من قبله، كإبراهيم ونوح وزكريا ويوسف وغيرهم، فهم لا يملكون النفع والضر للناس وهم في قبورهم، بل هم مأمورون بتبليغ الناس ما شرع الله عز وجل لهم من توحيده وغير ذلك من العبادات والمعاملات، محذرين من خالفهم بنار جهنم، مبشرين من أطاعهم بجنة عرضها كعرض السموات والأرض.
وما وقع على الآل من بيت النبي صلى الله عليه وسلم من كرب وضيق يدل على ضعف حالهم وقلة حيلتهم في دفع قدر الله عنهم، لأنهم لا يملكون لأنفسهم قوة في دفع القتل عنهم وهم أحياء مثل ما وقع لعلي والحسين عليهما السلام، فكيف سيملكون الحول والقوة لغيرهم وهم أموات؟
ولهذا قال تعالى: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)) [الأعراف:197].
وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [الأعراف:188].
قال محمد جواد مغنية:
__________
(1) تفسير الكاشف: (3/ 1.6)، وانظر: تفسير الميزان: (6/ 77)، مختصر مجمع البيان: (1/ 419).
هذه عقيدة المسلمين بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم أشرف خلق الله أجمعين، لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملك لغيره، وهذا الاعتقاد بمحمد صلى الله عليه وسلم هونتيجة حتمية لعقيدة التوحيد ... ولكن (1) مهمة الرسول تنحصر بتبليغ الناس رسالات ربهم وإنذار من عصى بالعقاب، وبشارة من أطاعه بالثواب، وأما علم الغيب والنفع والضر فبيد الله وحده (2).
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من أن يملك ضراً أونفعاً أوهداية لأحد من الخلق استقلالاً من غير إذن الله في هذا.
وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً)) [الجن:21].
قال أبوجعفر الطوسي:
أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول للمكلفين: ... إني لا أقدر على دفع القدر عنكم ولا إيصال الخير إليكم، وإنما يقدر على ذلك الله تعالى، وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فإن قبلتم نلتم الثواب والنفع، وإن رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب (3).
وقال السيد محمد تقي الدين المدرسي:
وهذه قمة التجرد لله وتوحيده، ودليل إخلاص المساجد له من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، والآية تحريض على التوجه لله وحده؛ لأنه الذي يملك الضر والرشد، كما أن فيها تحريضاً على الاعتماد على مواهب الله للنفس البشرية والسعي الذاتي كمنهجية سليمة وكجزء من الطريقة (4).
سؤال (3):
إن الآيات السابقة قد نزلت فيمن عبد الأصنام، فكيف تجعلون الأنبياء والصالحين كالأصنام؟
الجواب:
__________
(1) في الأصل (ولكنه).
(2) تفسير الكاشف: (3/ 431)، وانظر: من هدي القرآن: (3/ 512).
(3) تفسير التبيان: (1./ 157)، وانظر: مجمع البيان: (5/ 373)، جامع الجوامع: (4/ 759).
(4) تفسير من هدي القرآن: (16/ 466).
أولاً: قبل الرد على الشبهة لنتذكر الآيات الكريمة الآتية، قال تعالى: ((وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)) [فاطر:22] .. وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) [النحل:2. - 21].
ولنسأل أنفسنا التساؤل الآتي: هل الأحجار تبعث الأموات؟!
الجواب البديهي أن نقول: لا، فهي تماثيل للصالحين، وقوله: (والذين) هي أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام، وليس لها علاقة بالجمادات.
ثانياً: إن الآيات نزلت في عبادة المشركين، ومن ماثلهم ممن جعل الوسائط من الأولياء والصالحين بينهم وبين الله في عباداتهم، سواء كان توسلاً أواستغاثة أوشفاعة أوغيرها من العبادات، وسواء أكان عن طريق الأصنام أوالصور أوالأضرحة أوآثارهم.
فالنصارى يتوسلون ويتشفعون بعيسى وبأمه مريم العذراء عليهما السلام ومشركوالعرب في الجاهلية يتوسلون ويتشفعون باللات والعزى ومناة وآلهة أخرى من الأولياء والصالحين.
قال مير سيد علي الطهراني:
ولما اعتذر المشركون: إننا لا نعبد هؤلاء الأصنام لاعتقادنا أنها آلهة مستقلة، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل الشفاعة (1).
وكما في عصرنا الحاضر فإننا نرى كثيراً من الناس سلكوا مسلك هؤلاء المخالفين، فإنهم يتوسلون ويتشفعون بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالأئمة من أهل بيته عليهم السلام، وغيرهم من الأولياء والصالحين، فالأمر سواء.
سؤال (4):
__________
(1) تفسير مقتنيات الدرر: (9/ 217)، وانظر: تفسير الجديد: (6/ 171).
إن الأولياء والصالحين وهم في قبورهم ليسوا كالجمادات، بل هم أحياء يسمعوننا ويعلمون ما يحصل بين الناس، كما قال عز وجل: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) [آل عمران:169]. وكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يردّ السلام على من يسلم عليه وهوفي قبره.
لذلك فإننا نتوجه إلى أضرحة الأولياء والصالحين ونطلب منهم المدد وأن يتوسطوا لنا ويقربونا عند الله تعالى لقضاء حوائجنا من النفع والضر والرزق والشفاء في الدنيا والآخرة.
الجواب:
هذا تساؤل حق يراد به إثبات باطل، ولبيان مجانبته عن إثبات الحق نذكر الآتي:
أولاً: إن الاستدلال بهذه الآية على أن الأموات يسمعون ويعلمون ما يحصل بين الناس هواستدلال باطل، وليس له من الحق شيء.
بل الشهداء والصالحون لهم حياة برزخية غيبية لا نعلم كيفيتها، وهم مشغولون بالنعيم الذي أنعم الله عليهم به.
قال ناصر مكارم الشيرازي عن حياة الشهداء:
والمقصود من الحياة في الآية هي الحياة البرزخية في عالم ما بعد الموت لا الحياة الجسمانية، وإن لم تختص حياة البرزخية بالشهداء، فللكثيرين من الناس حياة برزخية أيضاً، ولكن حيث إن حياة الشهداء من النمط الرفيع جداً (1).
وقال الحاج سلطان الجنابذي أيضاً:
حياة أتم وأكمل وأشرف وأعلى من هذه الحياة الدانية عند ربهم يرزقون بالرزق المناسب لمقامهم عند الرب (2).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في وصف الشهيد، قال: (ويجعل الله روحه في حواصل من طير خضر تسرح في الجنة حيث يشاء، ويأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش) (3).
__________
(1) تفسير الأمثل: (2/ 6.5).
(2) تفسير بيان السعادة: (1/ 313).
(3) تفسير نور الثقلين: (1/ 4.9)، وانظر: مستدرك الوسائل: (11/ 1.)، بحار الأنوار: (97/ 12).
وإذا مات الإنسان وفارق الدنيا ستنقطع أعماله، ويكون مصيره في القبر، إما منعم وإما معذب، فهوفي كلتا الحالتين مشغول بما أسلف في دنياه من نعيم أوجحيم، أوبما يقدم له من أعمال نص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم.
قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم كان علمه للناس فانتفعوا به، أوولد صالح يدعوله) (1).
ثانياً: وأما سماع النبي صلى الله عليه وسلم سلامنا وصلاتنا له فإنها من خصائصه لا يشاركه فيها أحد من الخلق؛ لأنها ثبتت بالنص الشرعي الذي لا يقاس عليه غيره من الخلق.
فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تتخذوا قبري مسجداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني) (2).
ثالثاً: وأما قولهم بأنهم يذهبون إلى أضرحة الأولياء والصالحين ويطلبون منهم التوسط إلى الله عز وجل لقضاء حوائجهم، فهذا من الشرك بالله عز وجل، ذلك أن أهل البيت عليهم السلام لا يسمعونهم، ولا يستجيبون لهم من باب أولى، بل هم براء منهم وممن توسل بهم، كبراءة الذئب من دم نبي الله يوسف عليه السلام، ولنا فيهم -ومن قبلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة فيما ثبت عنهم بالنص الصحيح.
وهذا كما قال تعالى: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُومِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)) [الأحقاف:5].
قال المولى محسن الكاشاني:
__________
(1) شرح نهج البلاغة: (2./ 258)، بحار الأنوار: (2/ 23)، عوالي اللآلي: (1/ 97).
(2) بحار الأنوار: (8./ 324)، مستدرك الوسائل: (3/ 343)، كنز الفوائد (2/ 152).
إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين، حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم ولوسمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم إلى يوم القيامة ما دامت الدنيا، وهم عن دعائهم غافلون؛ لأنهم إما جمادات، وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم (1).
وقال السيد محمد تقي المدرسي:
هكذا هم الشركاء، إنهم لودعاهم الإنسان إلى يوم القيامة لما استجابوا له، بل هم غافلون عن دعائه يشغلهم شَأْنُهُمُ الخاص عن شؤون الداعين، سواء كان الشركاء الحجرية أوالأموات ممن يزعم الشركاء المشركون أنهم شفعاؤهم يوم القيامة، أوالأصنام البشرية التي تعبد من دون الله، فإن لكل واحد منهم سبب لغفلته عما يدعونهم، أما الأحجار فإنها لا تعي شيئاً، وأما الأموات فهم عند ربهم مجزيون بأعمالهم (2).
ولنتذكر أن يوم القيامة ستظهر الدعاوى الصادقة من الباطلة، وذلك حين يرى كل مخلوق النار والحساب.
قال تعالى: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا)) [البقرة:167].
وقال تعالى: ((وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُومِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)) [النحل:86]، وكأن الرد عليهم كما في قوله: ((وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ)) [غافر:18].
__________
(1) تفسير الصافي: (5/ 11)، وانظر: كنز الدقائق: (12/ 171)، الجوهر الثمين: (6/ 7).
(2) تفسير من هدي القرآن: (13/ 131).
وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) [المائدة:116]، فقال عيسى متبرئاً: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [المائدة:117].
أي: ليس لي علم إلا بما شاهدته وحضرته حال معيشتي معهم، وأما وأنا غائب عنهم فلا أعلم عنهم شيئاً.
وقال تعالى: ((إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) [فاطر:14].
قال السيد محمد تقي المدرسي:
فكيف يسمعون نجواكم أوسركم، أوحين تدعونهم في الظلمات؟ ولوافترضنا أنهم سمعوا دعاءكم لم يستجيبوا لكم؛ لأنهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، فكيف بجلب الخير لكم؟ ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)) الملائكة والأنبياء كعيسى والأولياء الصالحون سيكفرون بشرككم ((وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) الخبير هوالذي خَبَرَ الشيءَ، وعرف أبعاده، وَمَنْ أَخْبَرُ من الرب وهوالخالق المحيط بكل شيء علماً؟ (1).
وقال محمد جواد مغنية:
__________
(1) تفسير من هدي القرآن: (11/ 39).
((إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ)) إن كانوا بلا إحساس وشعور كالأحجار والأشجار والكواكب ((وَلَوْ سَمِعُوا)) إن كانوا من الإنس أوالجن أوالملائكة ((مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ)) لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف يملكون ذلك لغيرهم؟ ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)) يبرأون منكم ويوبخونكم على الشرك والضلال ((وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)) بمصير هؤلاء المكذبين بنبوتك يا محمد وغيرهم من العصاة والطغاة (1).
وقال تعالى: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) [يونس:28].
قال محمد حسين فضل الله:
__________
(1) تفسير الكاشف: (6/ 284)، وانظر: من وحي القرآن: (19/ 1.4).
((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً)) فلا يتخلف منهم أحد ((ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ)) قفوا ... لا تتحركوا، وليلزم كل واحد منكم مكانه، وليلزم كل واحد من شركائكم مكانه، وواجهوا الحقيقة الساحقة التي تتساقط فيها الآمال أمام تساقط المواقف، فهاهم أولاء الذين أشركوهم بعبادة ربهم، وعبدوهم من دونه، لا يتعرفون بهم، ولا يملكون لهم نفعاً ولا شفاعة ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ)) أي: قطعنا الروابط بينهم، فلا صلة تربطهم بهم , وهاهم يواجهونهم بالتنكر لهم والرفض لعبادتهم ليتخلصوا من مسؤوليتهم، فينكروا عليهم عبادتهم لهم؛ لئلا يتحملوا مسؤولية شركهم وضلالهم من موقع الإغراء والخديعة والتضليل، فما كانوا يمارسونه معهم ((وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)) لأننا لم نأمركم بذلك ليكون عملكم عبادة لنا من موقع الخضوع والطاعة للأمر الصادر منا، وربما كان ذلك على سبيل الكناية من جهة عدم استحقاقهم للعبادة حتى لا يواجهوا مسؤولية ذلك أمام الله (1).
__________
(1) تفسير من وحي القرآن: (11/ 292).
عدد مرات القراءة:
4143
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :