معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

بحوث ومقالات في عقيدة الشيعة في القرآن والكريم ..

نتناول – بمشيئة الله – أقوال الشيعة التي تبين اعتقادهم في كتاب الله سبحانه، فنعرض – أولاً – لمذهبهم في حجية القرآن وخروجهم في هذا الأمر عما أجمع عليه المسلمون، وذلك بقولهم: إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم (هو أحد الاثني عشر)، وكذا قولهم: إن علم القرآن عند الأئمة، وقد اختصوا بمعرفته لا يشركهم فيه أحد، وكذا زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن، ويقيد مطلقه.. إلخ.

ثم نعرض – ثانياً – لعقيدتهم في تأويل القرآن، ونتناول فيه قولهم: بأن للقرآن معاني باطنة لا يعرفها إلا الأئمة، وقولهم الآخر: بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.

ثم نتناول – ثالثاً – عقيدتهم في نص القرآن وندرس هل الشيعة تقول بنقص القرآن وتغييره؟

هذا والشيعة تقول بأن القرآن مخلوق، حيث اقتفت أثر المعتزلة في ذلك، وسنتناول هذه المسألة في فصل عقيدتهم في الأسماء والصفات – إن شاء الله-.

كما أن للشيعة دعوى شائعة في كتبها، ولم أر من خصها بدراسة، أو إشارة، وهي دعواهم تنزّل كتب إلهية على الأئمة، وقد خفيت هذه المسألة حتى رأيت من الباحثين من خلط بينها وبين ما ينسب للشيعة من قولهم بتحريف القرآن كجولد سيهر، ومحب الدين الخطيب، وإحسان إلهي ظهير.

وكذلك تدعي الشيعة بأن عند أئمتها جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء.

وسنعرض لهذه المسألة والتي قبلها في مبحث «الإيمان بالكتب» والذي هو أحد أركان الإيمان. وإنما أشرت إليها هنا حتى يتسنى تصور عقائدهم المتعلقة بكتاب الله في مكان واحد، وقد أرجأت الحديث على المسائل الثلاث للموضعين المذكورين، لأنهما بهما أولى – فيما يظهر -.

هذا وعقائد الشيعة الاثني عشرية في كتاب الله بهذه الصورة لم تنل العناية ممن تناول مسألة الشيعة – حسب اطلاعي – وقد أكثر المعاصرون من الحديث عن مسألة واحدة وهي ما يقال عن الشيعة من قولهم بنقص القرآن وتغييره.

وسنرى أيضاً أن هذه القضية لم تسلم من الخلط والتعميم انسياقاً وراء ما قاله غلاة الشيعة في هذه المسألة؛ والله المستعان.

المبحث الأول

اعتقادهم في حجية القرآن

سنقسم هذا المبحث إلى مسائل ثلاث: الأولى: قولهم: إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم، والثانية: حصر علم القرآن ومعرفته بالأئمة، والثالثة: زعمهم بأن قول الإمام يخصص عام القرآن، ويقيد مطلقه.. إلخ.

المسألة الأولى: اعتقادهم أن القرآن ليس حجة إلا بقيم:

أثناء مطالعتي في كتب الشيعة رأيت هذه المسألة يؤكد عليها في أكثر من كتاب من كتبهم المعتمدة عندهم، وما كان يخطر بالبال أن تذهب طائفة من الطوائف التي تزعم لنفسها الإسلام إلى القول: "بأن القرآن ليس حجة" والله يقول – لمن طلب آية تدل على صدق الرسول -: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت، آية: 51.]..

فالقرآن العظيم هو الشاهد والدليل والحجة، ولكن شيخ الشيعة ومن يسمونه ب"ثقة الإسلام" (الكليني) يروي في كتابه: أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة [انظر: فصل "اعتقادهم في السنة" من هذا الكتاب.] يروي ما نصه: "... أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم: وأن علياً كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله" [أصول الكافي: 1/188.].

كما توجد هذه المقالة أيضاً في طائفة من كتبهم المعتمدة كرجال الكشي [رجال الكشي: ص420.]، وعلل الشرائع [الصدوق/ علل الشرائع: ص 192.]، والمحاسن [البرقي/ المحاسن: ص 268.]، ووسائل الشيعة [الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/141.]، وغيرها.

فماذا يعنون بهذه العقيدة: أيعنون بذلك أن النص القرآني لا يمكن أن يحتج به إلا بالرجوع لقول الإمام؟ وهذا يعني أن الحجة هي في قول الإمام لا قول الرحمن، أم يعنوان أن القرآن لا يؤخذ بنظامه إلا بقوة السلطان وهو القيم على تنفيذه؟ ولكن ورد عندهم في تتمة النص ما ينفي هذا الاحتمال وهو قولهم: "فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ، والقدري، والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم" [الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/141.].

ومعنى هذا أن قول الإمام هو أفصح من كلام الرحمن، ويظهر من هذا أنهم يرون أن الحجة في قول الإمام لأنه الأقدر على البيان من القرآن، ولهذا سموه بالقرآن الصامت وسمو الإمام بالقرآن الناطق، ويروون عن علي أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق" [الحر العاملي/ الفصول المهمة: ص 235.]. وقال: "ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه..." [أصول الكافي: 1/61.].

ويقولون – في رواياتهم -: "وعليٌّ تفسير كتاب الله" [البحار: 37/209، الطبرسي/ الاحتجاج: ص 31-33، البروجودي/ تفسير الصراط المستقيم: 30/20.]، ومرة أخرى يدعون بأن الائمة هم القرآن نفسه [ولهذا نجدهم يفسرون قوله سبحانه: {.. وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ..} يقولون: النور: علي والأئمة عليهم السلام (فالأئمة بناء على هذا أنزلوا من السماء إنزالاً) الكافي: 1/194، ويفسرون قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: آية 15].

يقولون: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} يعني: أمير المؤمنين.

(انظر: تفسير العياشي: 2/120، أصول الكافي: 1/419، تفسير البرهان: 2/180، تفسير نور الثقلين: 2/296، تفسير القمي: 1/310، بحار الأنوار: 36/80).

ومثل ذلك تفسيرهم لقولهم تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: آية: 33، 34].

جاء في تفسير القمي: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} يعني: أمير المؤمنين {بَل لا يُؤْمِنُونَ} أنه لم يتقوله ولم يقمه برأيه، ثم قال: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} أي: رجل مثله من عند الله {إِن كَانُوا صَادِقِينَ}. (انظر: تفسير القمي: 2/333، البحراني/ البرهان في تفسير القرآن: 4/242، بحار الأنوار: 36/85) ومثل ذلك كثير.]، وحيناً يزعمون بأن القرآن لم يفسر إلا لرجل واحد هو علي [أصول الكافي: 1/250.]. وما ندري لم يكون علي قيم القرآن وهو القرآن نفسه؟! وإذا كان هو القرآن أو القيم عليه فلماذا يفسر له، وكيف يفسر له وهو تفسيره؟! إنها أقوال يضرب بعضها بعضاً، وهي برهان أكيد على أنها من وضع زنديق أراد إفساد دين المسلمين، وكيف يقال مثل ذلك في كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للناس {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء، آية: 9.].

قال الخليفة الراشد علي – رضي الله عنه -: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" [قال ابن كثير في تعليقه على هذا الخبر: "وقد وهم بعضهم في رفعه، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه –". (انظر: ابن كثير/ فضائل القرآن: ص 15). وقد أخرجه مرفوعاً الترمذي، في ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن رقم (2906): 4/172، والدارمي في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن ص:831، ورواه الإمام أحمد في مسنده: 2/703 رقم (704)، (تحقيق أحمد شاكر).

والحديث في سنده مقال. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث (أحد رجال السند) مقال". (انظر: الترمذي: 4/172)، وقال الحافظ ابن العربي المالكي: وحديث الحرث لا ينبغي أن يعول عليه. (انظر: عارضة الأحوذي: 11/30). قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف جداً من أجل الحارث. (انظر: المسند 2/704) وقال الشيخ الألباني: إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على علي – رضي الله عنه – فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (انظر: اشرح الطحاوي، الطبعة التي خرج أحاديثها الألباني ص: 68) وهذا الأثر مروي عن علي في كتب الشيعة: انظر: تفسير العياشي: 1/3، البرهان: 1/7، تفسير الصافي: 1/15، بحار الأنوار: 19/7.].

وقال ابن عباس – رضي الله عنه -: تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [انظر: تفسير ابن جرير الطبري: 16/225.].

ومسألة أن كتاب الله هو الحجة والإمام لا تحتاج إلى بسط الأدلة، والتوسع في إقامة البراهين، ولقد آثرنا فيما عرضنا من دليل أن نأخذه من كتاب الله سبحانه، ومما جاء عن بعض أهل البيت في مصادر أهل السنة. وقبل أن ننهي الحديث في هذه القضية نشير إلى ما ينقضها من كتب الشيعة نفسها كبرهان على تناقضهم، كما نشير إلى الهدف من وضع تلك المقالة.

ففي بعض مصادرهم المعتمدة جاء النص التالي: "ذكر الرضا – رضي الله عنه – يوماً القرآن فعظم الحجة فيه.. فقال: هو حبل الله المتين وعروته الوثقى.. جعل دليل البرهان [كذا وردت في المصدر المنقول عنه، وقد تكون صوابها «الحيران» لأن البرهان لا يحتاج إلى دليل.] وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" [انظر: (المجلسي/ البحار: 92/14، ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 2/130.].

وفي نص آخر لهم: ".. فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل.." [انظر: تفسير العياشي: ½، البحار: 92/17.].

وفي نهج البلاغة المنسوب لعلي [لقد شك في صحة نسبة الكتاب إلى علي النقاد قديماً وحديثاً. قال الذهبي: "ومن طالع نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه –"، ثم بين علامات ذلك. (انظر: ميزان الاعتدال: 3/124، ترجمة الشريف المرتضى). وسيأتي – إن شاء الله – حديث عنه في فصل السنة، وذكر للمصادر الناقدة له.]. – رضي الله عنه – والذي هو عند الشيعة: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ذكر الهادي كاشف الغطا (أحد شيوخ الشيعة المعاصرين) أن إنكار نسبته إلى علي يعد عندهم من إنكار الضروريات. وقال: "إن جميع ما فيه حاله كحال ما يروى عنه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم –". انظر: مدارك نهج البلاغة ص: 190.] جاء النص التالي: "فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه.." [نهج البلاغة ص:265، تحقيق صبحي الصالح، البحار: 92/20.].

ولهذه النصوص شواهد أخرى وهي تكشف لنا مدى التناقض والاضطراب الواقع في مصادر هؤلاء القوم؛ فرواياتهم – كما ترى – يعارض بعضها بعضاً، لكنهم في حالة التناقض تلك قد وضعوا لهم منهجاً خطيراً وهو الأخذ بما خالف العامة – وهم أهل السنة عندهم – كما سيأتي تفصيل ذلك في معتقدهم في الإجماع – فيأخذون بالجانب الشاذ عن الجماعة، وإن جاء نص يخالفه، وإن استيقظ شيخ من شيوخهم واستمع إلى نداء الحق وأعلن مخالفته لضلالهم قالوا في ذلك كله: تقية – كما سيأتي في مبحث التقية -.

والمتأمل لتلك المقالة التي تواترت في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله سبحانه، ويضلهم عن هدى الله، فما دامت تلك المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القيم، والقيم هو أحد الأئمة الاثني عشر؛ لأن القرآن فسر لرجل واحد وهو علي، وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثني عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده، حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر [سنبين هذا بالتفصيل – إن شاء الله – في فصل السنة.] وهو غائب مفقد عند الاثني عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرناً، ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم..

فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو المعدوم فكأن نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قيمه أو عدمه، وأنه لا يرجع إلى كتاب الله، ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال ؛ لأن الحجة في قول الإمام فقط، وهو غائب فلا حجة فيه حينئذ، ولذلك فإن طائفة الأخبارية من الاثني عشرية "أنكروا- كما يعترف شيوخ الاثني عشرية – الأدلة الثلاثة [يعني: الإجماع، والعقل، والقرآن الكريم.] بما فيها القرآن الكريم، وخصوا الدليل بالواحد أعني الأخبار فلذلك سمو بالاسم المذكور" [انظر: التقليد في الشريعة الإسلامية ص: 93، وقد مضى الحديث عن ذلك ص: (143) من هذه الرسالة.].

وحسبك بهذا ضلال، وإضلال عن صراط الله... وتلك ليست هي نهاية التآمر على كتاب الله، وعلى الشيعة، ولكنها حلقة من حلقات، ومؤامرة ضمن سلسلة مؤامرات طوحت بالشيعة بعيداً عن جماعة المسلمين، وهي مقدمة، أو إرهاص لبدء المحاولة في تفسير كتاب الله على غير وجهه، وزعمهم أن هذا هو ما جاء عن القيم والإمام من أهل البيت، والحجة فيه لا في غيره، وهو الناطق عن القرآن، والمبين له.. ولا حجة في القرآن إلا به.

المسألة الثانية: اعتقادهم بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد:

فإنه مما علم من الإسلام بالضرورة أن علم القرآن لم يكن سراً تتوارثه سلالة معينة، ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية محمد بن عبد الله ونقله إلى الأجيال كافة.. ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل وتعتقد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثني عشرية بعلم القرآن كله، وأنهم اختصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل.

وتذكر بعض مصادر أهل السنة بأن بداية هذه المقالة، وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ فهو القائل: "بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" [الجوزجاني/ أحوال الرجال ص: 38.] وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الاثني عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات:

4-                                                                                                                                                     جاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: "إن الناس يكفيهم القرآن ولو وجدوا له مفسراً، وإن رسول الله – صلى الله عليه وآله – فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب [أصول الكافي: 1/25، وسائل الشيعة: 18/131.].

2- وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله – صلى الله عليه وآله – قال: "إن الله أنزل علي القرآن وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك" [وسائل الشيعة: 18/138، وانظر: بحار الأنوار: 7/302، 19/23، الطبري (الرافضي)/ بشارة المصطفى ص: 16، أمالي الصدوق ص: 40.].

3- وزعمت أيضاً كتب الشيعة أن أبا جعفر قال: يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر – رضي الله عنه -: "بلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة: نعم – إلى أن قال:- ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به" [الكافي، كتاب الروضة: 12/415، رقم (485) (المطبوع مع شرح جامع للمازنداني)، وسائل الشيعة: 18/136، تفسير الصافي: 1/21-22، البرهان في تفسير القرآن: 1/18، بحار الأنوار: 24/237-238.].

4- وفي تفسير فرات: ".. إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا" [تفسير فرات ص:91، وسائل الشيعة: 18/149.].

ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جداً، ولو ذهبت أنقل ما بين يدي منها لاستغرق مجلداً.

ففي الكافي مجموعة من الأبواب كل باب يتضمن طائفة من أخبارهم في هذا الموضوع مثل:

باب "أن الأئمة – رضي الله عنهم – ولاة أمر الله وخزتة علمه" [أصول الكافي: 1/192.].

باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/210.].

باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/212.].

باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة [المصدر السابق: 1/213.].

باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم [المصدر السابق: 1/213.].

أما صاحب البحار فقد ضرب بسهم وافر – كعادته – في هذا المضار، ومن أبوابه في ذلك:

باب أنهم أهل علم القرآن، وذكر في هذا الباب (54) رواية [البحار: 23/188-205.].

وباب أنهم خزان الله على علمه وفيه (14) رواية [المصدر السابق: 26/105.].

كما ذكر أيضاً طائفة من روايات هذا الموضوع ضمن:

"باب أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض" [المصدر السابق: 26/109.].

وباب أنهم لا يحجب عنهم شيء [المصدر السابق: 26/137.].

وفي وسائل الشيعة للحر العاملي "باب عدم جواز استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة – رضي الله عنهم – فيه ثمانون حديثاً من أحاديثهم" [وسائل الشيعة: 18/129-152.].

وفي الفصول المهمة في أصول الأئمة "باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة" [الحر العاملي/ الفصول المهمة ص: 173.].

وفي تفسير الصافي يخصص إحدى مقدمات تفسيره لهذه القضية وهي: "المقدمة الثانية في نُبَذْ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت – رضي الله عنهم –" [تفسير الصافي: 1/19.].

أما صاحب مقدمة البرهان فيقول: "الفصل الخامس في بيان ما يدل على أن علم تأويل القرآن بل كله عند أهل البيت – عليهم السلام –" [مقدمة البرهان: ص15.]. ويذكر في هذا الفصل طائفة من أخبارهم في هذه المسألة، ثم يقول: "أقول: والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى" [المصدر السابق: ص16.].

ولو ذهبنا نستقصي الكتب الشيعية التي تعرضت لهذا لطال بنا المقام؛ لأن هذا من أصولهم، قال أحد آياتهم [وهو حسين البروجردي من شيوخهم المعاصرين.]: "اعلم أن علم القرآن مخزون عند أهل البيت وهو مما قضت به ضرورة المذهب" [تفسير الصراط المستقيم.].

ومن العجب أنهم بدعواهم أن علم القرآن عند الأئمة نسبوا إلى الأئمة علم كل شئ، فيقول أبو عبد الله – كما يزعمون -: "إني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه فقال: علمت ذلك من كتاب الله أن الله يقول: فيه تبيان كل شيء" [البحار: 26/111.].

لاحظ أن هذا النص الذي يزعم صاحبه – ونبرئ جعفراً منه، فإمامته ودينه ينفيان ذلك عنه – العلم بكل شيء يجهل أقرب الأشياء لديه.. حيث إن القرآن ليس فيه (تبيان كل شيء) وإنما هذا تحريف لقول تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل، آية: 89.]. وهو يزعم أن هذه آية من القرآن، ففضحه الله بذلك.. وهذا برهان أن هذه النصوص من وضع ملحد اندسَّ في صفوف المسلمين للكيد للإسلام وأهله.

مناقشة هذه المقالة ونقدها:

4-                                        مناقشة النصوص:

كما يلاحظ القارئ أنه لا يسمح المقام بجمع نصوصهم في هذه المسألة لكثرتها، إذ جمعها ونقدها يستغرق صحفات كثيرة.. وحسبنا أننا ذكرنا بعض الأمثلة عليها، إذ كلها تحوم حول معنى واحد، هو اختصاص الأئمة الاثني عشرية بعلم القرآن، وأنه مخزون عندهم، وبه يعلمون كل شيء..

وسنتوقف عند كل نص عرضناه لنناقشه ونحلله.. ثم نعود لأصل المقالة وننقدها:

النص الأول: (الذي يقول بأن الرسول لم يبين القرآن إلا لعلي...).

الله سبحانه يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل، آية: 44.] وكتب الشيعة تقول – كما سلف -: ليست من وظيفة الرسول بيان القرآن للناس، وإنما مهمته بيان "شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب" أما بيان القرآن للناس وتفسيره فهو رسالة علي لا محمد [انظر نص ص: (162).].

وكلام الاثني عشرية هنا يذكر بكلام فرقة من فرقة الغلاة وهم الغرابية التي قالت: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام بالوحي إلى علي فغلط جبريل عليه السلام وأنزل الوحي على محمد [ابن حزم/ الفصل: 5/42، وانظر: البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 250، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص 74، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 30، الملطي/ التنبيه والرد ص: 158 وسماها (الجمهورية).].

ما الفرق بين هذه المقالة، ونص الاثني عشرية؟! إن الاثني عشرية أعطوا علياً الرسالة بدون دعوى الغلط، وزعموا أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم التعريف بعلي فقط.

وأترك للقارئ تدبر بقية المعاني، فهي ناطقة بذاتها.

النص الثاني:

يقول بأن من ابتغى علم القرآن عند غير علي فقد هلك [انظر نصه ص: (163).].

أقول: من ابتغى علم القرآن من القرآن، أو من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيهم علي فقد اهتدى، والقول بأن من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الإسلام، وهو مما علم بطلاته من الإسلام بالضرورة، فلم يخص النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من الصحابة بعلم من الشريعة دون الآخرين. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كان أهل بيته.

وقد نفى أمير المؤمنين علي أن يكون قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم دون الناس [تقدم الإشارة لهذا الحديث، وتخريجه من كتب السنة: ص: (79).].

وقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، ومن بعدهم، ورغبهم في تبليغ سنته ولم يخص أحداً منهم فقال – كما يروي زيد بن ثابت وغيره -: "نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه..." [أخرجه أحمد: 5/183، واللفظ له، والدارمي/ مقدمة، باب الاقتداء بالعلماء: 1/73، و أبو داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، 4/68-69، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علماً: 1/84، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: 5/33-34، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن، كتاب العلم، باب رواية الحديث لمن فهمه ولمن لم يفهمه ص: 47)، قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والخطيب، وأبو نعيم، والطيالسي، والترمذي، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأنس وغيرهم.

(انظر: فيض القدير: 6/285). وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1/689-690، وللشيخ عبد المحسن العباد دراسة حول هذا الحديث بعنوان: "دراسة حديث نضر الله امرءاً سمع مقالتي" رواية ودراية.] وقد روت هذا الحديث كتب الاثني عشرية المعتمدة [انظر: أصول الكافي: 1/403، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/63.] فيكون حجة عليها.

أما النص الثالث:

فهو يدعي أن القول لم يخاطب به سوى الأئمة الاثني عشر، ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم (إنما يعرف القرآن من خوطب به) [انظر: ص (133-134).]، ولهذا يعتبر صحابة رسول الله، والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد (هلكوا وأهلكوا) بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله، أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما تعرفه العرب من كلامها، ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء، ومنه ما لا يعلمه إلا الله [روي هذا المعنى عن ابن عباس (انظر: تفسير الطبري: 1/76 تحقيق وتخريج أحمد شاكر، ومحمود شاكر، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/5).].

فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة، وأنهم يعرفون القرآن كله.

وهذه دعوى تفتقر إلى الدليل، وزعم يكذبه العقل والنقل، وينقضه واقع التفسير عندهم – كما سيأتي -.

النص الرابع:

يبين أن وظيفة الناس جميعاً سوى الأئمة الاثني عشر هو قراءة القرآن فقط.

ولا يجوز لأحد أن يتولى منصب تفسير القرآن [انظر نصه: (134).]، حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن وظيفته بيان "شأن ذلك الرجل.."، كما أنه من باب أولى ليس لأحد من الصحابة والسلف والأئمة أن يتولى شيئاً من ذلك، وإن احتاج أحد لتفسير آية فليرجع إلى من عنده علم القرآن: إلى أئمتهم.. وماذا سيجد من يرجع إلى تفاسير الشيعة كتفسير القمي والعياشي، والبرهان، وتفسير الصافي، أو ما في الكافي، والبحار من تفسير لآيات القرآن يزعمون نسبتها لأئمتهم؟!. سيجد تأويلات باطنية ليس لها صلة بنص القرآن، ولا سياق الآيات ولا معانيها ومفهوماتها.. كما سنرى نماذج من ذلك.

إن أوضح برهان في هذه الدعاوى هو واقع التفسير عند هؤلاء القوم، ثم إن النص المذكور يدعو إلى الإعراض عن تدبر القرآن وفهم معانيه وهذا من الصد عن دين الله وشرعه.. ولعل الدافع لوضع مثل هذه الروايات هو محاولة منع جمهور الشيعة من قراءة كتاب الله وتدبره وفهمه لأن في ذلك افتضاحاً لكذب مؤسسي هذا المذهب وكشفاً لأضاليلهم وتعرية لمناهجهم الباطنية في تأويل كتاب الله.

ب- نقد هذه المقالة:

تقوم هذه المقالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أودع علياً علم القرآن، وقد وجد لهذه المقالة أصل في حياة أمير المؤمنين، وأظهرت السبئية القول بأن عند علي غير ما عند الناس، فنفىأمير المؤمنين ذلك نفياً قاطعاً وقال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهماً يعطى رجل في كتابه..." [تقدم تخرجه ص: (79).] – كما مر-.

ومما يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل، آية: 44.] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي [مقرئ الكوفة الإمام العلم عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخذ القراءات عن عثمان، وعلي، وزيد، وأبيّ، وابن مسعود.

(انظر: الذهبي/ سير أعلام النبلاء: 4/267، السيوطي/ طبقات الحفاظ: ص19).

وهو غير أبي عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، صاحب حقاق التفسير (ت412) الذي نسب إلى جعفر الصادق أقوالاً في تأويل القرآن على طريقة الباطنية.

وجعفر بريء من ذلك (انظر: ابن تميمة/ منهاج السنة: 4/146، والفتاوى: 13/242-243، وانظر في ترجمة السلمي الأخير: الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد: 2/248-249، الذهبي ميزان الاعتدال: 3/523).]: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن – كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما – أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل  جميعاً" [انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 13/331، وقد أخرجه الطبري في تفسيره: 1/80، وقال المحقق في تعليقه على هذا الأثر: "هذا إسناد صحيح متصل". انظر: تفسير الطبري، تحقيق وتعليق محمود شاكر، وأحمد شاكر. وأخرجه الطبري: 1/80 عن طريق الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.

قال المحقق: "هذا إسناد صحيح". وهو موقوف على ابن مسعود، ولكنه مرفوع معنى؛ لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير (المصدر السابق 1/80) وقال شعيب الأرناؤوط: "رجاله ثقات". انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء: 4/270.]. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وذلك أن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [سورة ص، آية: 29.]. وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء، آية: 82، محمد، آية: 24.] وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون، آية: 68.]. وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.]. وعقل القرآن متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.

ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة. وخرجت عن القول بكل ما فيها، فقالت بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر، بل يشركهم غيرهم فيها، أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخبارين والأصوليين، فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأئمة، والأخرى ترى حجية ظواهر القرآن لعموم الأدلة في الدعوة لتدبر القرآن وفهمه [تعرضت لهذه المسألة كثير من كتب التفسير وأصول الفقه عندهم. انظر: الخوئي/ البيان: ص 263 وما بعدها، البروجردي/ تفسير الصراط المستقيم: 2/175 وما بعدها، المظفر/ أصول الفقه: 3/130، الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن: ص 102-105، الميثمي/ قوامع الفضول: ص 298.].

إن دعوى أن القرآن لم يفسر إلا لعلي هي مخالفة لقول الله سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل، آية: 44.]. فالبيان للناس لا لعلي وحده – كما سبق -. فليس لمن قال بهذه المقالة إلا أحد طريقين: إما القول بأن الرسول لم يبلغ ما أنزل إليه، وإما أن يكذب القرآن، وهي مخالفة للعقل وما علم من الإسلام بالضرورة، ودعوى أن علم القرآن اختص به الأئمة ينافيه اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير القرآن كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت وغيرهم. "وكان علي –رضي الله عنه – يثني على تفسير ابن عباس" [انظر: ابن عطية/ المحرر الوجيز: 1/19، ابن جزي/ التسهيل: 1/9.].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر علي، وابن عباس يروي من غير واحد من الصحابة؛ يروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعن زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار. وروايته عن علي قليلة جداً، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئاً من حديثه عن علي، وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم... وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن علي قليل جداً، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر" [منهاج السنة: 4/155.].

ثم إن تعميم القول بأن الأئمة يعلمون القرآن كله غلو فاحش، ذلك أنه كما يقول ابن جرير الطبري: "إن مما أنزل الله من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك تفصيل ما هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، من شرائع الدين؛ كأوامره، ونواهيه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه. فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول الله إلا بوحي الله. ومنه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه من أمور استأثر الله بعلمها؛ كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور.. ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان العربي الذي نزل به القرآن" [تفسير الطبري: 1/73-74، 87-88.].

هذا وقولهم: إن علم القرآن انفرد بنقله علي يفضي إلى الطعن في تواتر شريعة القرآن من الصحابة إلى سائر الأجيال، لأنه لم ينقلها – على حد زعمهم- عن رسول الله إلا واحد هو علي..

وبعد: فهذه المقالة مؤامرة، الهدف منها الصد عن كتاب الله سبحانه والإعراض عن تدبره، واستلهام هديه، والتفكر في عبره، والتأمل في معانيه ومقاصده. فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريقة الأئمة الاثني عشر، أما غيرهم فمحروم من الانتفاع به، وهي محاولة –أو حيلة – مكشوفة الهدف، مفضوحة القصد؛ لأن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين وخوطب به الناس أجمعون {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.]، {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران، آية: 138.]. وأمر الله عباده بتدبره، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بمواعظه، ومحال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من البيان والكلام [انظر: تفسير الطبري: 1/82.].

وهي محاولة للصد عن ذلك العلم العظيم في تفسير القرآن، والذي نقله إلينا صحابة رسول الله والسلف والأئمة..  فهذه الكنوز العظيمة لا عبرة بها ولا قيمة لها في دين الشيعة، لأنها ليست واردة عن الأئمة الاثني عشرية، وقد صرح بذلك بعض شيوخهم المعاصرين فقال: "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها" [محمد رضا النجفي/ الشيعة والرجعة: ص 19.].

والقيمة في كتب التفسير عندهم وحدها.

وإذا ذهبنا نبحث عن هذه القيمة في كتبهم فماذا نجد؟

لقد حولت كتب التفسير المعتمدة عندهم كتفسير القمي والعياشي والصافي والبرهان  وكتب الحديث كالكافي والبحار تأويلات لكتاب الله منسوبة لآل البيت تكشف في الكثير الغالب عن جهل فاضح بكتاب الله، وتأويل منحرف لآياته، وتعسف بالغ في تفسيره، ولا يمكن أن تصح نسبتها لعلماء آل البيت، فهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني – كما سيأتي أمثلة ذلك – ومعنى ذلك – بناء على هذه العقيدة – أن هذا هو مبلغ علم علماء آل البيت، وفي ذلك من الزراية عليهم، ونسبة الجهل إليهم الشيء الكثير من قوم يزعمون محبتهم والتشيع لهم.

وأمر آخر أكبر وأخطر وهي أن تلك التأويلات.. هي علم القرآن، ومعانيه، وأنه لا معنى للقرآن أعظم منها، لأنها خرجت من المصدر الأصيل والوحيد والصحيح للتلقي. وهذا تهوين من أمر القرآن وشأنه، بل محاربة له وصد عنه بوسيلة ماكرة خبيثة.

المسألة الثالثة: اعتقادهم بأن قول الإمام ينسخ القرآن ويقيد مطلقه ويخصص عامه..

بناءً على اعتقاد الشيعة بأن الإمام هو قيم القرآن، وهو القرآن الناطق [انظر: مسألة أن القرآن ليس بحجة إلا بقيم ص: (127).] وأنهم هم خزنة علم الله وعيبة [العيبة: زبيل من أدم، ومن الرجل موضع سره. (انظر: أصول الكافي: (الهامش): 1/192).] وحيه [انظر: أصول الكافي: باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: 1/192.]، وأنه بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل التشريع، بل إن بقية الشريعة أودعها الرسول لعلي، وأخرج علي منها ما يحتاجه عصره، ثم أودع ما بقي لمن بعده، وهكذا إلى أن بقيت عند إمامهم الغائب [انظر: فصل السنة.].

بناءً على ذلك فإن مسألة تخصيص عام القرآن، أو تقييد مطلقة، أو نسخه هي مسألة لم تنته بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النص النبوي، والتشريع الإلهي استمر ولم ينقطع بوفاة الرسول، بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري وذلك بوقوع الغيبة الكبرى [انظر: مسألة الغيبة في موضعها من هذه الرسالة.]. والتي انتهت بها صلتهم بالإمام، وانقطع تلقي الوحي الإلهي عنه؛ لأنهم يعتقدون "أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عز وجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى" [المازندراني/ شرح جامع (علي الكافي): 2/272.].

وقالوا: يجوز لمن سمع حديثاً عن أبي عبد الله (يعنون جعفر بن محمد الصادق) أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده؛ بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى [المصدر السابق: 2/272.] فكان للإمام – في اعتقادهم – تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن، لأن قول الإمام كقول الله – كما يفترون -!!.

ذلك أنهم يرون – كما يقول أحد آياتهم في هذا العصر -: "أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه – سلام الله عليه – أودعها عند أوصيائه: كل وصي يعهد بها إلى الآخر، لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة: من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصة بعد برهة من حياته، ولا قد يذكره أصلاً، بل يودعه عند وصية إلى وقته" [محمد حسين آل كاشف الغطا/ أصول الشيعة ص: 77.].

ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد... ليست إلا جزءاً من وظيفة الأمئة الكبرى وهي (التفويض في أمر الدين) والتي يقررها صاحب الكافي في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: "باب التفويض إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله – وإلى الأئمة – عليهم السلام – في أمر الدين" [أصول الكافي: 1/265.].

فالأئمة قد فوضوا في أمر هذا الدين، كما فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم حق التشريع. تقول كتب الشيعة عن الأئمة: "إن الله عز مجل.. فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر، آية: 7.]. فما فوض إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله – قد فوضه إلينا" [أصول الكافي: 1/266.].

وقال أبو عبد الله – كما تزعم كتب الشيعة -: "لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله – وإلى الأئمة. قال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء، آية: 105.]. وهي جارية في الأوصياء" [أصول الكافي: 1/268.].

ثم إن الأئمة هم مستودع علوم الملائكة والأنبياء والرسل، وعندهم جميع الكتب التي نزلت من السماء، كما تقرره كتبهم المعتمدة في روايات كثيرة كما سيأتي [انظر: فصل السنة، ومبحث "الإيمان بالكتب".].. فهذه المهام التشريعية هي من فيض هذه العلوم المخزونة عند الأئمة.

أما التطبيق العلمي لهذه العقيدة فهو ذلك الكم الهائل من الروايات في مسائل العقيدة وغيرها، والتي شذوا بها عن أئمة الإسلام. فمثلاً ألفاظ الكفر والكفار والشرك والمشركين الواردة في كتاب الله سبحانه، والتي تعم كل من كفر بالله وأشرك.. جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية علي والشرك باتخاذ إمام معه – كما سيأتي – [سيأتي شواهد لذلك في مبحث: أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن، ومبحث توحيد الألوهية.] فخصصوا عموم الكتاب بلا مخصص، أو حرفوا النصوص وزعموا أنه تخصيص، واعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، بلا دليل من عقل أو نقل صحيح، وخرجوا عن إجماع المسلمين، وما تواتر من نصوص الدين، وتجاهلوا حتى اللغة التي نزل بها القرآن العظيم {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.].

وسنرى أمثلة كثيرة فيما سيأتي لهذا الضرب من التحريف.

نقد هذه العقيدة:

قد ختم الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسالات، وأكمل برسالته الدين، وانقطع بموته الوحي. وهذه أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة. وهذه المقالة تقوم على إنكار هذه الأركان، أو تنتهي بقائلها إلى ذلك، وهذا بلا شك نقض لحقيقة "شهادة أن محمداً رسول الله" والتي لا يتم إسلام أحد إلا بالإيمان بها.

ولعل المتأمل لهذه المقالة، والمحلل لأبعادها يدرك أن الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيد الأنام؛ إذ إن كلام الله سبحانه عرضة للتبديل والتغيير بناسخ، أو مخصص، أو مقيد، أو مبين، أو عام يزعم شيوخ الشيعة نقله عن أئمتهم.

ولعل صورة التغيير تبدو بشكل أوضح وأجلى، إذا أدركنا ما جبل عليه هؤلاء القوم من الكذب حتى جعلوه ديناً وقربة – كما سيأتي [انظر: مسألة التقية.] – "ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف" [انظر: المنتقى: ص 22.]. وقد شهد طائفة من أئمة المسلمين بأنه لم ير أكذب وأشهد بالزور منهم، وأنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً، وأن الناس كانوا يسمونهم بالكذابين، ونهى أهل العلم عن أخذ الحديث عن هؤلاء الروافض [انظر: منهاج السنة: 1/16، 17، السيوطي/ تدريب الراوي: 1/327.]، "بل في كتب هؤلاء نصوص تتضمن شكوى آل البيت من كذب هؤلاء وبهتانهم" [انظر: البحار: 25/263، الممقاني/ تنقيح المقال: 1/174 (المقام الثالث من المقدمة)، وانظر: رجال الكشي رقم: 174، 216، 541، 542، 544، 549، 588، 659، 741، 909، 1007، 1047، 1048، وسيأتي ذكر بعض ذلك في "اعتقادهم في السنة".].

وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمة الاثني عشر لإكماله، وأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكمل بهما التشريع.. إذ إن بقية الشريعة مودعة عند الأئمة، وأن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وإنما كتم بعض ما أنزله إليه وأسره لعلي.. وكل ذلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لأصول الإسلام، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة، آية: 3.].

ويقول سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل، آية: 89.]، وقال تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران، آية: 187.]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ}... [البقرة، الآيتان: 159، 160.].

وقد نسب الإمام الأشعري هذه المقالة إلى الصنف الخامس عشر من أصناف الغالية من الشيعة – حسب تقسيمه – فهم الذين "يزعمون أن الأئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة، وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات ويوحى إليهم" [مقالات الإسلاميين: 1/88.].

وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثني عشرية [انظر في دعوى الاثني عشرية أن الأئمة يوحى إليهم وتهبط عليهم الملائكة: فصل السنة من هذا الكتاب، وانظر في قول الاثني عشرية بأن الأئمة تظهر عليهم المعجزات: مبحث الإيمان بالأنبياء من هذا الكتاب.]، لأنها شربت مذاهب الغلاة حتى الثمالة.

وقد أشار أبو جعفر النحاس (المتوفى سنة 338ه‍) إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد فقال: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما يشاء" [الناسخ والمنسوخ: ص 8.] وعدّ ذلك من عظيم الكفر، ثم بين بطلانه بقوله: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله – جل وعز – إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن [يعني سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم، آية:3-4].]، فلما ارتفع هذان بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع النسخ [الناسخ والمنسوخ: ص 8-9.].

المبحث الثاني

اعتقادهم في تأويل القرآن

وفيه مسألتان: الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، والثانية: قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.

المسألة الأولى: اعتقادهم بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر:

وهذه المسألة قد أخذت بعداً كبيراً وخطيراً عند الشيعة، حيث تحول كتاب الله عندهم بتأثير هذا المعتقد إلى كتاب آخر غير ما في أيدي المسلمين، وقد ذهب شيوخ الشيعة وفي تطبيق هذا المبدأ شوطاً بعيداً، وقدم الشيعة مئات الروايات والتي تؤول آيات الله على غير تأويلها.. ونسبوها للأئمة الاثني عشر. وليس لهذا التأويل الباطني من ضابط، ولا له قاعدة يعتمد عليها.. وسيجد القارئ في تأويلهم لآيات القرآن محاولة يائسة لتغيير هذا الدين وتحوير معالمه وطمس أركانه.

فأركان الدين تفسر بالأئمة، وآيات الشرك والكفر تؤول بالشرك بولاية علي وإمامته، وآيات الحلال والحرام تفسير بالأئمة وأعدائهم، وهكذا يخرج القارئ لهذه التأويلات بدين غير دين الإسلام. وهذا الدين له ركنان أساسيان هما: الإيمان بإمامة الاثني عشر، والكفر واللعن لأعدائهم.

جاء في أصول الكافي للكليني ما نصه: ".. عن محمد بن منصور قال: سألت عبداً صالحاً [يعنون به موسى الكاظم والذي يعتبرونه إمامهم السابع (انظر: أصول الكافي: الهامش: 1/374).] عن قول الله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف، آية: 33.]. قال: فقال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق" [أصول الكافي: 1/374، النعماني/ الغيبة: ص 83، تفسير العياشي: 2/16.].

تقرر هذه الرواية الواردة في أصح كتبهم الأربعة مبدأ أن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفة تامة، وتضرب المثل بما أحل الله وحرم في كتابه من الطيبات، والخبائث، وأن المقصود بذلك رجال بأعيانهم هم الأئمة الاثنا عشرية، وأعداؤهم وهم كل خلفاء المسلمين.. وهذا التأويل لا أصل له من لغة أو عقل، أو دين، وهو محاولة لتغيير دين الإسلام من أساسه ودعوة إلى التحلل والإباحية!!

وفي هذا النص الوارد في أصح كتبهم يظهر من خلاله الدافع إلى القول بأن القرآن له ظهر وبطن، وهو أن كتاب الله سبحانه خلا من ذكر أئمتهم الاثني عشر، ومن النص على أعدائهم، وهذا الأمر أقضَّ مضاجعهم، وأفسد عليهم أمرهم، وقد صرحوا بأن كتاب الله قد خلا من ذكر الأئمة فقالوا: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مسلمين" [انظر: تفسير العياشي: 1/13، المجلي/ البحار: 19/30، هاشم البحراني/ البرهان: ج‍1 ص22.]. فلما لم يكن لأصل مذهبهم وهو (الإمامة) والأئمة ذكر في كتاب الله قالوا بهذه المقالة لإقناع أتباعهم، وترويج مذهبهم بين الأغرار والجهلة، وحتى يجعلوا لهذه المقالة القبول أسندوها – كعادتهم – لبعض آل البيت.

ومسألة القول بأن لنصوص القرآن باطناً يخالف ظاهرها شاعت في كتب القوم وأصبحت أصلاً من أصولهم، لأنه لا بقاء لمذهبهم إلا بها أو ما في حكمها، ولهذا عقد صاحب البحار باباً لهذا بعنوان: "باب أن للقرآن ظهراً وبطناً" [انظر: البحار: 92/78-106.] وقد ذكر في هذا الباب (84) رواية، وهذه الروايات هي قليل من كثير مما أورده في كتابه في هذا الموضوع.. فقد قال في صدر هذا الباب إنه: "قد مضى كثير من تلك الأخبار في أبواب كتاب الإمامة ونورد هنا مختصراً من بعضها" [المصدر السابق: 92/87.]، ثم ساق الروايات الأربع والثمانين.

وفي تفسير البرهان عقد باباً مماثلاً لما في البحار بعنوان: «باب في أن القرآن له ظهر وبطن" [البرهان: 1/19.].

وفي مقدمة تفسير البرهان أفاض القول في هذه المسألة، فقد ذكر خمسة فصول حشر فيها روايات أئمته في هذا الباب انتخبها من مجموعة كبيرة من كتبهم المعتمدة [مرآة الأنوار: ص 4-19.]. وقد قرر كثير من كتب التفسير عندهم في مقدماتها هذه المسألة كأصل من أصولهم كتفسير القمي [انظر: تفسير القمي: 1/14، 16.]، والعياشي [انظر: تفسير العياشي: 1/11.]، والصافي [تفسير الصافي: 1/29.] وغيرها.

ومن نصوصهم في هذه المسألة: "أن للقرآن ظهراً وبطناً، وببطنه بطن إلى سبعة أبطن" [المصدر السابق: 1/31.].

وعن جابر الجعفي قال: "سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال لي: يا جابر: إن للقرآن بطناً، وللبطن بطناً وظهراً، وللظهر ظهراً، يا جابر، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" [تفسير العياشي: 1/11، البرقي/ المحاسن: ص 300، البرهان في تفسير القرآن: 1/20-21، تفسير الصافي: 1/29، بحار الأنوار: 92/95، وسائل الشيعة: 18/142.].

وتقرر نصوص الشيعة أن لكل آية معنى باطنياً، بل قالوا أكثر من ذلك؛ فقالوا: لكل آية سبعة بطون. ثم طاشت تقديراتهم فقالت: بأن لكل آية سبعين باطناً، واستفاضت بشأن ذلك أخبارهم؛ قال أحد شيوخهم: ".. لكل آية من كلام الله ظهر وبطن.. بل لكل واحدة منها كما يظهر من الأخبار المستفيضة سبعة وسبعون بطناً" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار: ص 3.]. وما ندري ما كنه هذه البطون؟! والمعنى الذي يحاولون إثباته لا يعدو أحد أمرين: إثبات إمامة الاثني عشر، أو الطعن في مخالفيهم وتكفيرهم، فلماذا تتعدد هذه البطون...؟!

والناظر في رواياتهم التي تذهب هذا المذهب الباطني والتي تتسع لعرضها المجلدات يجد أنها لا تعدو هذين الموضوعين. قالوا: «وقد دلت أحاديث متكاثرة كادت أن تكون متواترة على أن بطونها وتأويلها بل كثير من تنزيلها وتفسيرها في فضل شأن السادة الأطهار... بل الحق المتبين أن أكثر آيات الفضل والإنعام والمدح والإكرام، بل كلها فيهم وفي أوليائهم نزلت، وأن جل فقرات التوبيخ والتشنيع والتهديد والتفظيع؛ بل جملتها في مخالفيهم وأعدائهم... إن الله عز وجل جعل جملة بطن القرآن في دعوة الإمامة والولاية، كما جعل جل ظهره في دعوة التوحيد والنبوة والرسالة.." [المصدر السابق: ص 3.]. وسيأتي تفصيل ذلك في مسألة "أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم".

نقد هذه المقالة:

لا شك أن للقرآن العظيم أسراره ولفتاته، وإيماءاته وإيحاءاته، وهو بحر عظيم لا تنفذ كنوزه ولا تنقضي عجائبه، ولا ينتهي إعجازه.. وكل ذلك مما يتسع له اللفظ ولا يخرج عن إطار المعنى العام.. ولكن دعوى أولئك الباطنيين غريبة عن هذا المقصد، وهي تأويلات – كما سيأتي – لا تتصل بمدلولات الألفاظ ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآن، بل هي مخالفة للنص القرآني تماماً، هدفها هو البحث في كتاب الله من أصل يؤيد شذوذهم، وغايتها الصد عن كتاب الله ودينه، وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدين [انظر: ابن حجر/ فتح الباري: 1/216.].

وعموم البشر على اختلاف لغاتهم يعتبرون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى، وأسلوب الأحاجي والألغاز لا وجود له إلا في الفكر الباطني، ولو اتخذ هذا الأسلوب قاعدة لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.

والمتأمل لهذه المقالة يدرك خطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن، وأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم. ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن، ودلالاتها لما تحقق به الإعجاز، ولكن من قبيل الألغاز، والعرب كانت تفهم القرآن من خلال معانيه الظاهرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من ادعى علماً باطناً، أو علماً بباطن وذلك يخالف العالم الظاهر كان مخطئاً، إما ملحداً زنديقاً، وإما جاهلاً ضالاً... وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم، فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم" ثم يقول: "وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس، آية: 12.] أنه علي.. وقوله: {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة، آية: 12.] أنهم طلحة والزبير، {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} [الإسراء، آية: 60.] بأنها بنو أمية" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 13/236-237.].

هذه التأويلات التي ينقلها ابن تيمية وينسبها للباطنية موجودة بعينها عند الاثني عشرية، فالتأويل المذكور للآية الأولى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} جاء عندهم في خمس روايات أو أكثر [انظر: اللوامع النورانية في أمساء علي وأهل بيته القرآنية: هاشم البحراني: ص321-323.]، وسجل في طائفة من كتبهم المعتمدة [انظر من ذلك: تفسير القمي: 2/212، ابن بابويه القمي/ معاني الأخبار: ص95، هاشم البحراني/ تفسير البرهان: 4/6-7 الكاشاني/ تفسير الصافي: 4/247، تفسير شبر: ص416.]، وليس في الآية أية دلالة على هذا التأويل [قال السلف في تفسير الآية: إن الإمام المبين ها هنا هو أم الكتاب، أي: وجميع الكائنات مكتوبة في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ. (انظر: تفسير ابن كثير: 3/591).]. وكذلك الآية الثانية: {فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ورد تأويلها بذلك في طائفة من كتبهم المعتمدة [انظر: البرهان: 2/106، 107، تفسير الصافي: 2/324، تفسير العياشي: 2/77-78، وانظر: تفسير القمي: 1/283.] وبلغت رواياتها عندهم أكثر من ثمان روايات [راجع المصادر السابقة.]، ومثلها الآية الثالثة: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ} جاء تأويلها عند الاثني عشرية بما قاله شيخ الإسلام في أكثر من اثنتي عشرة رواية [انظر: البرهان 2/424-425.]، وتناقل هذا التأويل مجموعة من مصادرهم المعتمدة [انظر: تفسير القمي: 2/21، تفسير العياشي: 2/297، تفسير الصافي: 3/199-202، البرهان: 2/424-425، تفسير شبر ص: 284، وانظر: مقتبس الأثر (دائرة المعارف الشيعية): 20/21.].

وسنجد أنهم قالوا بأكثر من هذا، وأعظم من هذا، ولكن نقلنا هذا لنبين أن ما يذكره علماء الإسلام عن الباطنية من تأويلات منحرفة قد ورثته طائفة الاثني عشرية، و أصبح منهجاً من مناهجها. وكان علماء الإسلام يستنكرون هذا التأويل الباطني، لأن "من فسر القرآن وتأوله على غير التفسير المعروف من الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام" [الفتاوى: 13/243.].

وما وصل لعلماء الإسلام السابقين من تأويلات باطنية هي قليل من كثير مما كشفته اليوم مطابع النجف وطهران، وما استجد بعدهم من مقالات صنعتها يد التلبيس والتزوير والتي لم تتوقف إلى اليوم، حيث فسروا كثيراً من آيات القرآن على هذا النحو من التأويل الباطني، وزعموا أن جل آيات القرآن العظيم نزل فيهم وفي أعدائهم، كما سيتبين هذا في المسألة التالية:

المسألة الثانية: قولهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم:

يقول الشيعة بأن: "جل القرآن إنما نزل فيهم (يعني في الأئمة الاثني عشرية) وفي أوليائهم وأعدائهم" [تفسير الصافي: 1/24، وهذا النص جعله صاحب الصافي عنواناً للمقدمة الثانية.]، مع أنك لو فتشت في كتاب الله وأخذت معك قواميس اللغة العربية كلها وبحثت عن اسم من أسماء هؤلاء الاثني عشرية فلن تجد لها ذكراً، ومع ذلك فإن شيخهم البحراني يزعم بأن علياً وحده ذكر في القرآن (1154) مرة ويؤلف في هذا الشأن كتاباً سماه: "اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية" [وقد طبع في المطبعة العلمية بقم 1394ه.] يحطم فيه كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، ويفضح من خلاله قومه على رؤوس الأشهاد بتحريفاته التي سطرها في هذا الكتاب وجمعها – وقد كانت متفرقة قد لا تعرف  - من طائفة من مصادرهم هم المعتبرة عندهم.

وتأتي بعض رواياتهم لتقول: "إن القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما بينكم" [أصول الكافي: 2/627.]. وهذا يعني أنه ليس للأئمة ذكر صريح في القرآن.

ولكن تأتي رواية أخرى لهم بتقسيم آخر لكتاب الله تجعل فيه نصيب الأئمة وأعدائهم ثلث القرآن، وكأنها تحاول أن تتلافى ما في الرواية السابقة من نسيان لذكر الأئمة، إلا أنها لم تجعل للأئمة وأعدائهم إلا ثلث القرآن لا جله، تقول الرواية: "نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" [أصول الكافي: 2/627، البرهان: 1/21 تفسير الصافي: 1/24، اللوامح النورانية: ص 6.]. ولكن تأتي رواية ثالثة يزيد فيها نصيب الأئمة ومخالفيهم من الثلث إلى النصف؛ تقول الرواية: "نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع في فرائض وأحكام" [أصول الكافي: 2/627، البرهان: 1/21.].

ويلاحظ أنه ليس للأمة ميزة ينفردون بها في القرآن عن مخالفيهم بالنسبة للتقسيم المذكور، وقد تفطن بعضهم لهذا فوضع رواية رابعة بنفس النص السابق، إلا أنه زاد فيها: "ولنا كرائم القرآن" [تفسير العياشي: 1/9، تفسير فرات: 1، 2، بحار الأنوار: 24/305، الكراجكي/ كنز الفوائد: ص 2، البرهان: 1/21، اللوامح النورانية: ص 7.]. وقد أشار إلى ذلك صاحب تفسير الصافي فقال: "وزاد العياشي ولنا كرائم القرآن" [تفسير الصافي: 1/24.]. فانتهوا بهذا إلى القول بأن أكثر القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم.

يقول شيخهم الفيض الكاشاني (مؤلف الوافي أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث) يقول: "وردت أخبار جمة عن أهل البيت في تأويل كثير من آيات القرآن وبأوليائهم، وبأعدائهم، حتى أن جماعة من أصحابنا صنفوا كتباً في تأويل القرآن على هذا النحو جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن آية آية، إما بهم أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن. وقد رأيت منها كتاباً كاد يقرب من عشرين ألف بيت، وقد روي في الكافي، وفي تفسير العياشي، وعلي بن إبراهيم القمي، والتفسير المسموع من أبي محمد الزكي أخباراً كثيرة من هذا القبيل [الكاشاني/ تفسير الصافي: 1/24-25.].

هذه شهادة أو اعتراف من أحد أساطينهم تؤكد شيوع هذه المقالة بينهم، وأنها أصبحت هي القاعدة المتبعة في كتب التفسير المعتمدة عندهم، وفي أصح كتب الحديث لديهم.. فهم بهذا صرفوا كتاب الله عن معانيه، وحرفوه عن تنزيله، وجعلوا منه كتاباً غير ما في أيدي الناس.

وهم يعتبرون هذا هو الأصل والقاعدة حتى قال بعض شيوخهم: "إن الأصل في تنزيل آيات القرآن.. إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة – صلوات الله عليهم – بحيث لا خير خبّر به إلا وهو فيهم وفي أتباعهم، وعارفيهم، ولا سوء ذكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وفي مخالفيهم" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار (مقدمة البرهان) ص 4، وانظر: اللوامح النورانية: ص 548.]. ولهذا نرى شيوخهم يتسابقون في تحريف آيات القرآن العظيم، وتطبيق هذه العقيدة.

يعقد شيخهم الحر العاملي في كتابه: الفصول المهمة في أصول الأئمة باباً في هذا الشأن بعنوان: "باب أن كل ما في القرآن من آيات التحليل والتحريم، فالمراد بها ظاهرها، والمراد بباطنها أئمة العدل والجور" [الفصول المهمة في أصول الائمة: ص 256.]، فهو يعتبر آيات أحكام الحلال المقصود بها أئمتهم، وآيات الحرام المقصود بها خلفاء المسلمين باستثناء الإمام علي وبقية الأئمة الاثني عشرة، وهذا بلا شك باب من أبواب الإباحية، وهو ما عليه طوائف الباطنية، ولكنه يعد هذه المقالة أصلاً من أصول الأئمة.

وفي كتاب الكافي – أصح كتاب عندهم – روايات كثيرة في هذا.

وحسبك أن تقرأ: "باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية" لتفاجأ بإحدى وتسعين رواية حشدها في هذا الباب، وحرف بها آيات القرآن عن معانيها [انظر: أصول الكافي: 1/412 وما بعدها.]. وهذا باب من مجموعة أبواب [مثل: باب أن الأئمة – رضي الله عنهم – العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه (أصول الكافي: 1/206)، باب أن الآيات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه هم الأئمة (المصدر السابق: 1 /207)، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة (المصدر السابق: 1/210) وغيرها من الأبواب.] على هذا النهج وكلها تضمنت عشرات الروايات التي تجعل من كتاب الله كتاباً شيعياً لا موضوع له سوى أئمة الشيعة وأتباعهم، وأعدائهم.

وفي كتاب "البحار" أحد مصادرهم المعتمدة عندهم في الحديث أبواب كثيرة هي بمثابة قواعد وأصول في تفسير القرآن عندهم، وقد حشر في هذه الأبواب روايات كثيرة كلها تذهب هذا المذهب في كتاب الله سبحانه. ولعله يكفي أن تقرأ عناوين بعض هذه الأبواب لتدرك مدى مجافاتها للغة العرب، ومناقضتها للعقل، ومنافاتها لأصول الإسلام، وأنها من أعظم الإلحادة في كتاب الله، والتحريف لمعانيه.

ولنستعرض قسماً من هذه العناوين فيما يلي: قال المجلسي:

باب "تأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم والسلام، والكفار والمشركين، والكفر والشرك، والجبت والطاغوت واللات والعزى، والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم" [بحار الأنوار: 23/354-390.] وقد ذكرت تحت هذا الباب مائة حديث لهم.

باب "أنهم عليهم السلام الأبرار والمتقون، والسابقون والمقربون، وشيعتهم أصحاب اليمين، وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال" [المصدر السابق: 24/1-9.]، وذكر فيه (25) رواية لهم.

باب "أنهم عليهم السلام وولايتهم العدل والمعروف والإحسان والقسط والميزان، وترك ولايتهم وأعدائهم الكفر والفسوق والعصيان والفحشاء والمنكر والبغي" [بحار الأنوار: 24/187-191.]. وأورد فيه (14) حديثاً من أحاديثهم.

وأبواب أخرى على هذا النمط – كما سيأتي – تكشف عن محاولة لتغيير دين الإسلام؛ حيث حصرت كل معاني الإسلام في بيعه رجل، وغيرت مفهوم الشرك في عبادة الله، والكفر به، والطواغيت والأصنام إلى مفاهيم غريبة تكشف هوية واضع هذه "المفتريات"، فأعداء الأئمة كل خليفة من خلفاء المسلمين – باستثناء الاثني عشر – من أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، وكل من بايع هؤلاء الخلفاء من الصحابة ومن بعدهم إلى نهاية الدنيا، هؤلاء هم الأعداء الذين تؤول بهم ألفاظ الكفر والشرك كما سيأتي في مبحث "الإمامة".

فأين أركان الإيمان، وأصول الإسلام، وشرائعه وأحكامه؟! كلها انحصرت في الإمامة، وأصبح الشرك والكفر والأصنام من المعروف، إذ لا شرك ولا كفر إلا الشرك مع الإمام أو الكفر بولايته.. كما تدل عليه هذه الروايات. أليس هذا من أعظم الكفر والزندقة؟، وهل يبلغ كيد عدو حاقد أبلغ من هذا؟!.. وهو وإن كان كيد جاهل لوضوح فساده، وظهور بطلانه، لكن لا ينقضي عجب المسلم العاقل كيف تعيش أمة تعد بالملايين أسيرة لهذه الترهات والأباطيل؟!

ونمضي في استعراضنا لعناوين بعض الأبواب من البحار، يقول صاحب البحار:

باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي، وتضمن هذا الباب (17) رواية [البحار: 24/286-304.]، وهذا هو عين مذهب الباطنية الذين «يجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها: لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها.. والتي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسول – صلوات الله عليهم -، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/29.].

ويستمر صاحب البحار ليقدم لنا الاثني عشرية على حقيقتها من خلال أبوابه، لأنه يكتب كتابه في ظل الدولة الصفوية والتي ارتفعت فيها التقية إلى حد ما، فيقول:

باب أنهم عليهم السلام آيات الله وبيناته وكتابه.. وفيه (20) رواية [انظر: بحار الأنوار: 23/206-211.].

وباب أنهم السبع المثاني، وفيه (10) روايات [بحار الأنوار: 24/114-118.].

وباب أنهم عليهم السلام الصافون والمسبحون وصاحب المقام المعلوم وحملة عرش الرحمن، وأنهم السفرة الكرام البررة، وفيه (11) رواية [بحار الأنوار: 24/87-91.].

وباب أنهم كلمات الله، وفيه (25) رواية [بحار الأنوار: 24/173-184.].

وباب أنهم حرمات الله، وفيه (6) روايات [بحار الأنوار: 24/185-186.].

وباب انهم الذكر وأهل الذكر، وفيه (65) رواية [بحار الأنوار: 23/172-188.].

وباب أنهم أنوار الله، وفيه (42) رواية [بحار الأنوار: 23/304-325.].

وباب أنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس، وفيه (24) رواية [بحار الأنوار: 24/153-158.].

وباب أنهم المظلومون، وفيه (37) رواية [بحار الأنوار: 24/221-231.].

وباب أنهم المستضعفون، وفيه (13) رواية [انظر: بحار الأنوار: 24/167-173.].

وباب أنهم أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في القرآن، وفيه (20) رواية [بحار الأنوار: 24/247-256.].

وباب تأويل الوالدين والولد والأرحام وذوي القربى بهم – عليهم السلام – وفيه (23) رواية [بحار الأنوار: 24-257-272.].

فالأئمة كما ترى في هذه الأبواب يكونون أحياناً ملائكة، وأحياناً كتباً سماوية، أو أنوارًا إلهية.. إلخ، ومع ذلك فهم المظلومون والمستضعفون، وهي دعاوي لا تحتاج إلى نقد فهي مرفوضة لغة وعقلاً، فضلاً عن الشرع وأصول الإسلام، وهي عناوين يناقض بعضها بعضاً.. ولكنه يمضي في هذا النهج حتى يفسر الجمادات ويؤولها بالأئمة، يقول: باب أنهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد، وتأويل السحاب، والمطر، والظل، والفواكه وسائر المنافع بعلمهم وبركاتهم. وقد أورد في هذا الباب إحدى وعشرين رواية [البحار: 24/100-110.] انتخبها – كعادته –من طائفة من كتبهم المعتمدة.

ويغلو ويشتط، ويتجاوز الحد، ليصل إلى أوصاف الرب جل جلاله فيقول: باب أنهم جنب الله وروحه ويد الله، وأمثالها، ويذكر فيه ستاً وثلاثون رواية [البحار: 24/191-203.].

ويجعلهم هم الكعبة والقبلة.. ويعقد باباً لهذا بعنوان: باب أنهم – رضي الله عنهم – حزب الله وبقيته وكعبته [ربما أن البهرة (إسماعيلية الهند واليمن) الذين يذهبون للحج، لأن الكعبة – كما يقولون- رمز علي الإمام (إسلام بلا مذاهب: ص240)، قد استقوا هذا «الإلحاد» من هذه الروايات، فإن الروافض هم الباب والوسيلة لغلو الفرق الباطنية.] وقبلته، وأن الأثارة من العلم علم الأوصياء، ويقدم في هذا الباب سبع روايات [البحار: 24/211-213.].

ويمضي في هذا الشطط في طائفة من الأبواب عرضها يمثل في الحقيقة أبلغ رد وأعظم نقد لمذهب الشيعة، وهو ينسف بنيانهم من القواعد، وهو يؤكد عظمة هذا الدين الإسلامي، فبضدها تتميز الأشياء – فلولا المر ما عرف طعم الحلو – فهذه التأويلات أشبه ما تكون بمحاولات مسيلمة الكذاب، وهي تعطي الدليل القاطع على أنها ليست من عند الله سبحانه، يعرف هذا من له أدنى صلة بلغة العرب فضلاً عن دين الإسلام وقواعده وأصوله، لأن الله سبحانه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين.

وكتاب البحار المعتمد عند الشيعة يكاد يجعل الأئمة هم كل شيء ورد به القرآن.. فيمضي في هذه الأبواب ليقرر ما شاء له هواه وتعصبه، ويصل به الأمر ليلقي كل ما في نفسه وما يخطر بباله بلا خلاف من انكشاف فضيحته، ولا حياء من زيادة وقاحته فيقول:

باب أنهم البحر واللؤلؤ والمرجان، ويضمن هذا الباب سبع روايات [المصدر السابق: 24/97-99.].

فهل هم جماد؟ أو هذا عندهم رمز باطني، وإشارة سرية إليهم!! ولكنهم ليسوا بجماد، فهو يعقد باباً بعنوان:

باب أنهم الناس، ولا يذكر فيه سوى ثلاث روايات [المصدر السابق: 24/94-96.]. ويقرر في هذا الباب بأن غير الأئمة ليسوا من الناس.. ويعود ليتابع بسط مذهبهم الغريب الشاذ، والذي لم يكن معروفاً عن الاثني عشرية عند علماء المسلمين السابقين، بل هذا المذهب مشتهر عن الباطنية [وقد أشار بعض شيوخهم إلى أن المذهب يتطور ويتغير من زمن لآخر، كما سيأتي الحديث عن ذلك في باب "الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم".].. يعود ليعقد باباً بعنوان: باب نادر في تأويل النحل بهم، وذكر في هذا سبع روايات [البحار: 24/110-113.].

وباباً آخر بعنوان: باب في تأويل الأيام والشهور بالأئمة، ويتضمن هذا الباب أربعة أحاديث [المصدر السابق: 24/238-243.].

ولو ذهبنا ننقل أحاديث تلك الأبواب، ونتعقبها بالتحليل والنقد لاستوعب ذلك مجلدات.

وقد اخترنا هنا ذكر الأبواب حتى لا يقال بأننا نعمد إلى الروايات الشاذة عندهم فنذكرها، كما أننا سنذكر بعد هذا أمثلة من روايات هذه الأبواب ونختار منها – في الغالب – ما يشترك في ذكرها مجموعة من كتبهم المعتمدة. وهذه الأبواب التي أوردناها هي قليل من كثير، وقد جاءت في أكبر موسوعة حديثية عند الشيعة وهو كتاب البحار، والذي قال شيوخهم المعاصرون في وصفه: "أجمع كتاب في فنون الحديث" [محسن الأمين/ أعيان الشيعة: 1/293.]، "لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله" [أغابزرك الطهراني/ الذريعة: 3/26.]، "وقد صار مصدراً لكل من طلب باباً من أبواب علوم آل محمد صلى الله عليه وسلم" [المصدر السابق: 3/26-27.]، "هو المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب" [البهبودي/ مقدمة البحار: ص 19.]. أما مؤلفه فهو عندهم: "شيخ الإسلام والمسلمين" [الأردبيلي/ جامع الرواة: 2/78.]، "رئيس الفقهاء والمحدثين، آية الله في العالمين، ملاذ المحدثين في كل الأعصار، ومعاذ المجتهدين في جميع الأمصار" [مقدمة البحار: ص39.] إلى آخر الألقاب التي خلعوها عليه.

وتلك الروايات مصدرها طائفة من كتبهم المعتمدة، لأنه يقول: «اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة [الكتب الأربعة هي: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، وسيأتي إن شاء الله حديث عنها في مبحث: "عقيدتهم في السنة".] نحو مائتي كتاب ولقد جمعتها في بحار الأنوار" [اعتقادات المجلسي ص: 24 (عن كتاب الفكر الشيعي/ مصطفى الشيبي ص: 61).]. ويقول صاحب الذريعة: "وأكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة" [الذريعة: 3/26-27.].

وإن من له أدنى صلة باللسان العربي – كما قلت – يدرك أن هذه الأبواب وتلك الروايات إلحاد في كتاب الله، وتحريف لكلامه سبحانه عن مواضعه. وأن مثل هذه التحريفات لا تلتبس إلا على أعجمي جاهل بالإسلام ولغة العرب، ولعلها برهان واقعي على أن من حاول المساس بكتاب الله سبحانه سقط إلى هذا الدرك الهابط، وليس هذا النهج في كتب الروايات والأحاديث فحسب، فأنت إذا طالعت عمدة التفسير عند الطائفة "وأصل أصول التفاسير" [انظر: مقدمة تفسير القمي: 1/16.] لديها، وهو تفسير القمي ألفيته قد أخذ من تلك التفاسير الباطنية بنصيب وافر، ومثله تفسير العياشي وهو من كتب التفسير القديمة المعتمدة عندهم، وعلى نفس الطريق تجد تفسير البرهان، وتفسير الصافي وغيرها، وهي تعتمد على تفسير الآيات – بما زعموا – أنه المأثور عن جعفر الصادق أو بقية الانثي عشر. ولو ذهنا ندرس ونعرض كل كتاب تفسير على حدة لطال الموضوع وخرجنا عن المقام، وحسبنا أن نذكر أمثلة من رواياتهم في هذا الباب.

أصل هذه التأويلات وجذورها، وأمثلة لها:

4-                                             أصل هذه التأويلات:

مضى القول بأن كتب الشيعة تزعم أن القرآن لا يحتج به إلا بقيم، وأن هذا القيم – والمتمثل بالاثني عشر – عنده علم القرآن كله ولا يشركه في ذلك أحد، ثم جعلت لهذا القيم وظيفة "المشرع" في تخصيص عام النصوص، وتقييد مطلقها، وبيان مجملها، ونسخ ما شاء منها، لأنه مفوض في أمر الدين كله، ثم بررت ضرورة وجود هذا القيم لتأويل القرآن بقولها: بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر، ثم كشفت عن علم هذا الباطن المدخر عند الأئمة بأنه يعني الأئمة الاثني عشر وأعداءهم (وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان)، ومعظم موضوعات القرآن لا تتعدى –عندهم – هذا الشأن، ثم وضعت هذه النظريات موضع التنفيذ، حيث قام شيوخ الشيعة بوضع مئات الروايات في تفسير معاني القرآن بالأئمة أو مخالفيهم، أو بعقيدة أخرى من عقائدهم التي شذوا بها عن جماعة المسلمين.

ويرى بعض الباحثين [جولد سيهر/ مذاهب التفسير الإسلامي ص: 303-404.] أن أول كتاب وضع الأساس لهذا اللون من تفسير الشيعة هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة (جابر الجعفي) [جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، توفي سنة (127ه‍)، قال ابن حبان: كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ. كان يقول: إن علياً يرجع إلى الدنيا، وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النسائي وغيره: متروك. وقال يحيى: لا يكتب حديثه ولا كرامة، قال ابن حجر: ضعيف رافضي.

(انظر: ميزان الاعتدال: 1/379-380، تقريب التهذيب 1/123، الضعفاء للعقيلي: 1/191-196).

أما هذا الجعفي في كتب الشيعة فأخبارهم في شأنه متناقضة، فأخبار تجعله ممن انتهى إليه علم أهل البيت، وتضفي عليه صفات أسطورية من علم الغيب ونحوه، وأخبار تطعن فيه.. لكنهم يحملون أخبار الطعن فيه على التقية، ويقولون بتوثيقه كعادتهم في توثيق من على مذهبهم، وإن كان كاذباً (انظر: وسائل الشيعة: 20/51، رجال الكشي: ص 191، جامع الرواة: 1/144). وانظر تفصيل ذلك في: "فصل عقيدتهم في السنة".].

وقد أشار إلى هذا التفسير طائفة من شيوخ الشيعة [الطوسي/ الفهرست ص: 70، أغا برزك/ الذريعة: 4/268، العاملي/ أعيان الشعية: 1/196.]، وكان هذا التفسير – كما تشير بعض رواياتهم – موضع التداول السري، فيروي الكشي بسنده عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: "سألت أبا عبد الله – عليه السلام – عن تفسير جابر؟ فقال: لا تحدث به السفلة فيذيعوه" [رجال الكشي: ص192.].

وتجد روايات كثيرة متفرقة في كتب الشيعة مروية عن هذا الجعفي، وينسبها لجعفر بن محمد أو أبيه [قال المظفر (من شيوخ الشيعة المعاصرين): "روي عن الباقر خاصة سبعين ألف حديث.. وقيل: إنه ممن انتهى إليه علم الأئمة". (محمد المظفر/ الإمام الصادق ص 143). ولكن في رجال الكشي عند ترجمته لجابر الجعفي. قال زرارة: سألت أبا عبد الله – رضي الله عنه – عن أحاديث جابر فقال: "ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط" (رجال الكشي: ص 191) وهذه شهادة منهم تثبت كذب جابر في مروياته عن الصادق وأبيه، وسيأتي مزيد بيان لهذا في فصل السنة.]. ويبدو أن الشيعة لا يمكن أن تثبت لها قدم، أو تحتج بدليل من كتاب الله إلا بمثل هذه التأويلات الباطنية، ولهذا بدأ هذا النهج مبكراً كما نلاحظ، بل يمكن أن يقال: إن جذور هذه العقيدة قد نبتت في أروقة السبئية.. لأن ابن سبأ هو الذي حاول أن يجد لقوله بالرجعة مستنداً من كتاب الله بالتأويل الباطل وذلك حينماً قال: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع. وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص، آية: 85، وهذا النص في: تاريخ الطبري 4/34، تاريخ ابن الأثير (3/77).].

وقد نقلت لنا بعض كتب أهل السنة نماذج من تأويلات الشيعة لكتاب الله، ولكن ما انكشف لنا اليوم أمر لا يخطر على البال. ويبدو أن ما نسبه بعض أئمة السنة لغلاة الشيعة من تأويلات قد ورثتها الاثنا عشرية. فالإمام الأشعري [مقالات الإسلاميين: 1/73.]، وكذلك البغدادي [الفرق بين الفرق: ص 240.]، والشهرستاني [الملل والنحل: 1/177.] وغيرهم يحكون عن المغيرة بن سعيد أحد الغلاة باتفاق السنة والشيعة والذي تنسب إليه طائفة المغيرية [المغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد، عدّهم أصحاب الفرق من غلاة الشيعة، نسب إليه القول بألوهية علي، ودعوة النبوة، والتجسيم، وضلالات أخرى، وقد جاء في كتب الاثني عشرية ذمة ولعنة عن الأئمة.. قتله خالد بن عبد الله القسري سنة (119ه‍).

انظر: تاريخ الطبري: 7/128-130، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/69-74، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 238-242، ابن حزم/ الفصل: 5/43-44، الشهرستاني/ الملل والنحل: 176-178، نشوان الحميري/ الحور العين: ص 168، الذهبي/ ميزان الاعتدال: 4/160-162، المقريزي/ الخطط: 2/353.

وانظر من كتب الشيعة: القمي/ المقالات والفرق: ص 55، رجال الكشي، الروايات رقم: 336، 339، 400، 402، 403، 404، 405، 406، 407، 408، 511، 542، 543، 544، 549.] أنه ذهب في تأويل الشيطان في قول الله جل شأنه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ} [الحشر، آية: 16.] بعمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.

وهذا التأويل بعينه قد ورثته الاثنا عشرية، ودونته في مصادرها المعتمدة، حيث جاء في تفسير العياشي [تفسير العياشي: 2/223.]، والصافي [الكاشاني/ تفسير الصافي: 3/84.]، والقمي [تفسير القمي (انظر: المصدر السابق: 3/84)، ولم أجده في الطبعة التي عندي من تفسير القمي.]، والبرهان [البحراني/ البرهان: 2/309.]، وبحار الأنوار [بحار الأنوار: 3/378 (ط. كمباني).]، عن أبي جعفر في قول الله: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} [إبراهيم، آية: 22.] قال: "هو الثاني، وليس في القرآن شيء: "وقال الشيطان" إلا وهو الثاني" فكأن كتب الاثني عشرية تزيد على المغيرة بوضع هذا الإلحاد في كتاب الله قاعدة مطردة.

وفي الكافي عن أبي عبد الله قال: "وكان فلاناً شيطاناً [الكليني/ الكافي (المطبوع بهامش مرآة العقول): 4/416.]، قال المجلسي في شرحه على الكافي: المراد بفلان عمر" [مرآة العقول: 4/416.].

فهذه الروايات التي تسندها كتب الشيعة الاثني عشرية إلى أبي جعفر الباقر هي من أكاذيب المغيرة بن سيعد وأمثاله، فقد ذكر الذهبي عن كثير النواء [كثير النواء: شيعي (وروي أنه رجع عن تشيعه، قال الذهبي: ضعفوه، ومشاه ابن حبان: الكاشف: 3/3).] أن أبا جعفر قال: "برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد، وبيان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت" [ميزان الاعتدال: 4/161.]، وروى الكشي في رجاله عن أبي عبد الله قال: "لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا" [رجال الكشي: رقم 336.]. وساق الكشي روايات عديدة في هذا الباب [مضى الإشارة إليها في ص: (250) هامش رقم: (5).]. وأشارت روايات الكشي إلى أن المغيرة بن سعيد كان يأخذ ضلاله من مصدر يهودي، ففي رجال الكشي أن أبا عبد الله قال يوماً لأصحابه: "لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها السحر والشعبذة (كذا) والمخاريق" [رجال الكشي: رقم 403.].

ويلاحظ أنه اتفق كل من الأشعري، والبغدادي، وابن حزم، ونشوان الحميري على أن جابر الجعفي الذي وضع أول تفسير للشيعة على ذلك النهج الباطني كان خليفة المغيرة بن سعيد [الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/73، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: 242، ابن حزم/ المحلى: 5/44، نشوان/ الحور العين ص 168.] الذي قال: بأن المراد بالشيطان في القرآن هو أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه -، فهي عناصر خطرة يستقي بعضها من بعض عملت على إفساد التشيع.

ب- أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن:

حين احتج شيخ الشيعة في زمنه – والذي إذا أطلق لقب "العلامة" عندهم انصرف إليه (ابن المطهر الحلي)- على استحقاق علي للإمامة بقوله: "البرهان الثلاثة قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} قال: علي وفاطمة، {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} النبي صلى الله عليه وسلم، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}، الحسن والحسين".

حينما احتج ابن المطهر بذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه. والتفسير بمثل هذا طريق الملاحدة، بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح والطعن فيه" [منهاج السنة: 4/66.].

وأقول: كيف لو رأى شيخ الإسلام ما أودع في الكافي والبحار، وتفسير العياشي، والقمي، والبرهان، وتفسير الصافي وغيرها من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً؟!.

وبين يدي مجموعة كبيرة من هذا اللون.. يستغرق عرضها المجلدات [كنت عملت قائمة من هذه التأويلات رتبت موادها على حروف المعجم، فأذكر في كل مادة: عدد المواضع التي ذكرت فيها في كتاب الله، وتأويلات الشيعة لها في هذه المواضع.. وخرجت من ذلك بمادة كبيرة جداً، إلا أن المشرف رأى – ووافقته على ذلك – الاستغناء عنها بما عرضنا هنا لأسباب منهجية.]، ركام هائل من الروايات.. حجبت الشيعة عن نور القرآن وهديه.. فالتوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل.. وجوهر رسالتهم.. هو عندهم ولاية الإمام، فيرون عن أبي جعفر أنه قال: "ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا، وذلك قول الله في كتابه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل، آية: 23.]. [تفسير العياشي: 2/261، البرهان: 2/343، تفسير الصافي: 3/134 تفسير نور الثقلين: 3/60.]. ورواياتهم في هذا الباب كثيرة – كما سيأتي – [في مبحث: عقيدتهم في توحيد الألوهية.].

والإله في كتاب الله هو الإمام، فقوله تعالى: {لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ} [النحل، آية: 51.] قال أبو عبد الله – كما يزعمون -: "يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد" [تفسير العياشي: 2/261، البرهان في تفسير القرآن: 2/373، تفسير نور الثقلين: 3/60.]. والرب هو الإمام عندهم. وقد يلتمس لهم في هذا التأويل عذر؛ لأن للرب في اللغة استعمالات أخرى كرب البيت، ورب المال بمعنى صاحب، ولكن يمنع من ذلك أن تأويلهم للرب في الإمام جرى في آيات هي نص في الله سبحانه ولا تحتمل وجهاً آخر. وفي قوله سبحانه عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان، آية: 55.]. قال القمي في تفسيره: "الكافر: الثاني (يعني عمر – رضي الله عنه وأرضاه -) كان على أمير المؤمنين عليه السلام ظهيراًط [تفسير القمي: 2/115.]. فاعتبر أمير المؤمنين علياً هو الرب. وقال الكاشاني "في البصائر" [يعني بصائر الدرجات لشيخهم الصفار.] عن الباقر – عليه السلام – أنه سئل عن تفسيرها فقال (كما يفترون): "إن تفسيرها في بطن القرآن: عليّ هو ربه في الولاية، والرب هو الخالق الذي لا يوصف"، فهذا قد يفهم منه أن علياً هو الرب الذي لا يوصف [لاحظ في هذا النص إشارة إلى مذهبهم في تعطيل الله من صفاته – كما سيأتي-، وانظر النص في: تفسير الصافي: 4/20، البرهان: 3/172، تفسير نور الثقلين: 4/25، مرآة الأنوار: ص59.] – كما يفترون -، لأن الآية نص في حق الباري سبحانه؟!

وقد حاول صاحب تفسير الصافي تفادي هذا الأمر فقال في توضيح النص السالف: "يعني أن الرب على الإطلاق الغير المقيد بالولاية هو الخالق جل شأنه" [تفسير الصافي: 4/20، مرآة الأنوار: ص 59.]. ولكن نص الآية لا يؤيده فيما ذهب إليه؛ إذ إن "الرب" الوارد في الآية لم يقيد بالولاية.. فهو لا ينصرف إلا إلى الحق جل شأنه، وليس هناك أية قرينة صارفة للفظ عن معناه؛ ولهذا قال طائفة من السلف في تفسيرها: "وكان الكافر معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته" [تفسير الطبري: 19/26-27، تفسير ابن كثير: 3/338.].

وفي قوله سبحانه: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر، آية: 69.] قال المفسرون: أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء [تفسير ابن كثير: 4/70.]. ولكن شيخ المفسرين عند الشيعة (إبراهيم القمي) يروي بسنده عن المفضل بن عمر أنه سمع أبا عبد الله – رضي الله عنه – يقول في قوله: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} قال: رب الأرض يعني إمام الأرض، فقلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزون (كذا) بنور الإمام [تفسير القمي: 2/253، البرهان: 4/87، تفسير الصافي: 4/331.].

ويؤولون الآيات المتعلقة بصفات الله سبحانه بالأئمة، وعلى سبيل المثال قالوا: "إن الأخبار المستفيضة تدل على تأويل وجه الله بالأئمة عليهم السلام" [مرآة الأنوار: ص 324.] يعنون أخبار الشيعة، وقد ذكر المجلسي جملة من هذه الأخبار في باب عقده بعنوان: "باب أنهم عليهم السلام جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها" [انظر: بحار الأنوار: 24/191.].

فهل يعني أنهم يفسرون قوله سبحانه: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} [القصص، آية: 88.]، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن، آية: 27.] بهذا المعنى -، وأن الأئمة لهم البقاء الدائم، بل ينفردون بذلك؟! ما كنت أظن أن الأمر يصل بهم إلى هذا حتى وقعت عيني على رواياته في كتبهم المعتمدة، ففي الآية الأولى يقول الصادق – كما يزعمون -: "نحن وجه الله" [انظر: تفسير القمي: 2/147، الكراجكي/ كنز الفوائد ص 219، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/63، بحار الأنوار: 24/193، تفسير شبر: ص378.]، وفي الآية الثانية يقول: "نحن الوجه الذي يؤتى الله منه" [تفسير القمي: 2/345، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/343، الكاشاني/ تفسير الصافي: 5/110، بحار الأنوار: 24/192.]. ولكن الأئمة ماتوا كالآخرين: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن، آية: 26.]. وقد حاول صاحب الكافي أن يجعل لأئمة الشيعة ميزة ينفردون بها في حكم الموت العام فقال: "إن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم" [أصول الكافي: 1/258.]. ولكنهم ماتوا على كل حال، ولو كان الموت حسب اختيارهم لما كان للتقية وجود.. ويقولون: إن الأسماء الحسنى الواردة في قوله سبحانه: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف، آية: 180.] هي الأئمة، ويروون عن أبي عبد الله أنه قال: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: {فَادْعُوهُ بِهَا} [تفسير العياشي: 2/42، تفسير الصافي: 2/254-255، البرهان: 2/51.].

وسيأتي المزيد من الشواهد في مبحث عقيدتهم في الأسماء والصفات – إن شاء الله -.

وهذه التأويلات التي تفسر الإله والرب و"الله" وصفاته بالإمام هي من آثار السبئية التي تذهب إلى القول بألوهية علي، وهذا الأثر السام لا يزال ينخر في كيان الاثني عشرية، ولهذا لا يزال إلى اليوم بعض شيوخ هذه الطائفة يصرح ويجاهر بهذه المقالة (كما سيأتي) [انظر: الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم من هذه الرسالة.]. وقد جاء في رجال الكشي بعض الروايات التي تفيد استنكار جعفر لهذه التأويلات الباطنية التي تؤله الأئمة، فقد ذكر عند جعفر – كما يروي الكشي – أن بعض الشيعة قال في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}[الزخرف، آية: 84.] قال: هو الإمام، فقال أبو عبد الله: "لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدًا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغّر عظمة الله تصغيرهم شيء قط.. والله لو أقررت بما يقول في أهل الكوفة لأخذتني الأرض وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء ضر ولا نفع" [رجال الكشي: ص 300.].

وكما يسمى الإمام بالرب والإله عندهم، فهو أيضاً يعبر عنه بالرسول. قال صاحب مرآة الأنوار: "قد ورد تأويل الرسول بالإمام، والرسل بالأئمة في بعض الآيات بحيث يمكن سحبه إلى غيرها" [مرآة الأنوار ص: 163.]. أي أنه يمكن اعتبار الرسل حينما وقعت في القرآن يراد بها الأئمة.. ومما يدل على ذلك قولهم: "إن عمدة بعثة الرسل لأجل الولاية فيصح تأويل رسالة الرسل بما يتعلق بها" [المصدر السابق: ص 163.]. وهذا ليس بدليل؛ لأنه مبني على تأويل باطني لا يسلم لهم، ذلك أن عمدة بعثة الرسل هي التوحيد؛ لأن الله يقول: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل، آية: 36.]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء، آية: 25.].

ومن أمثله تأويلهم للرسول بالإمام ما يرونه عن الصادق في تفسير قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس، آية: 47.]. قال: أي في كل قرن إمام يدعوهم إلى طريق الحق [مرآة الأنوار ص: 164، وانظر: تفسير العياشي: 2/123، البرهان: 2/186، تفسير الصافي: 2/405، بحار الأنوار: 24/306-307.]. والأئمة أيضاً يعبر عنهم بالملائكة في القرآن، جاء في أخبارهم – كما يقولون – ما يدل على أن المراد بالملائكة بحسب البطن في القرآن الأئمة سواء كان المذكر بلفظ الملائكة أو غيرها مما يفيد معناه كالذين يحملون العرش وأمثاله [مرآة الأنوار: ص 303.].

والأئمة هم القرآن – كما مر [انظر: ص (128-129) من هذه الرسالة.] – وهم الكتاب، ففي تفسير القمي عن الصادق في قوله سبحانه: {الم~، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة، آية: 1، 2.] قال: الكتاب علي ولا شك فيه [تفسير القمي: 1/30، تفسير العياشي: 1/26، البرهان: 1/53، تفسير الصافي: 1/91-92.]. وهم الكلمة في قوله سبحانه: {وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى، آية: 21.] قالوا: الكلمة الإمام [تفسير القمي: 2/274، البرهان: 4/121، بحار الأنوار: 24/174.]، وقوله سبحانه: {لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس، آية: 64.] قالوا: لا تغيير للإمامة [تفسير القمي: 1/314، بحار الأنوار: 24/175.]. وفي قوله سبحانه: {...سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان، آية: 27.] قال إمامهم (أبو الحسن علي بن محمد): نحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى [بحار الأنوار: 24/174، تحف العقول ص: 355، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 3/508، الاحتجاج ص 552.]. وأخبارهم في هذا كثيرة أورد منها المجلسي في البحار(25) رواية [انظر: بحار الأنوار: باب أنهم كلمات الله: 24/173-185.].

وإطلاق الكلمة على الإمام قد يوضح مدى التأثر بالنصرانية في إطلاق الكلمة على المسيح – عليه السلام – لكن تسمية المسيح كلمة الله؛ لأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة، وأما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس [منهاج السنة: 3/18.].

والصراط المستقيم – في قوله تعالى -: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة، آية: 6.]. هو أمير المؤمنين [تفسير القمي: 1/28، تفسير العياشي: 1/42، البرهان: 1/89، تفسير الصافي: 1/85، بحار الأنوار: 23/211.] عندهم.

والشمس هي علي، فيروون عن الصادق في قوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس، آية: 1.] قال: "الشمس أمير المؤمنين، وضحاها: قيام القائم" [البرهان: 4/467، مرآة الأنوار ص: 200، وانظر: تفسير القمي: 2/242، وفيه أن النهار هم الأئمة.]. فهل يعني هذا أنه لما مات أمير المؤمنين اختفت الشمس من الوجود؟!، والناس في ظلمة حتى يشرق ضحى القائم المنتظر؟‍!

والمسجد، والمساجد، والكعبة، والقبلة هي الإمام والأئمة، فيروون عن الصادق في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، آية: 29.]. قال: يعني الأئمة [تفسير العياشي: 2/12، البرهان: 2/8، تفسير الصافي: 2/188، مرآة الأنوار: ص175، نور الثقلين: 2/17]. وفي رواية أخرى عنه في قوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، آية: 31.] قال: يعني الأئمة [تفسير العياشي: 2/13، البرهان: 2/9.]. وفي قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن، آية: 18.] قال: إن الإمام من آل محمد فلا تتخذوا من غيرهم إماماً [البرهان: 4/393.]، ويقول الصادق- عندهم -: "..نحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله" [انظر: الكراجكي / كنز الفوائد ص: 2، بحار الأنوار: 24/303، مرآة الأنوار: ص 213.].

والسجود: هو ولاية الأئمة وبهذا يفسرون قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم، آية: 43.]. حيث قالوا: "أي يدعون إلى ولاية علي في الدنيا" [تفسير القمي: 2/383، البرهان: 4/372، تفسير الصافي: 5/214-215، مرآة الأنوار: ص 176.].

ولعل مثل هذه الروايات هي السبب في شيوع عبادة الأئمة، وأضرحتهم، وعمارة المشاهد وتعطيل المساجد، لأن المشاهد هي المساجد، والإمام هو كعبة الله وقبلته، ولهذا صنفوا كتباً سموها: "مناسك المشاهد" أو "مناسك الزيارات"، أو "المزار" [مثل كتاب: مناسك الزيارات للمفيد، وكتاب المزار لمحمد علي بن الفضل، والمزار لمحمد المشهدي، والمزار لمحمد بن همام، والمزار لمحمد بن أحمد. ذكرها العاملي في وسائل الشيعة ونقل عنها.

انظر: وسائل الشيعة: 20/48-49، وانظر: ابن تيمية: منهاج السنة: 1/175، الفتاوى: 17/498.]، واعتنوا ببيان فضائلها وآدابها، وأخذت هذه المسائل في كتبهم المعتمدة قسماً كبيراً [كما في أصول الكافي، والوافي، والبحار، ووسائل الشيعة وغيرها، وسيأتي ذكر مواضعها وشيء من نصوصها.] – كما سيأتي تفصيله – [انظر: "فصل عقيدتهم في توحيد الألوهية".].

والتوبة ومعناها معروف (الرجوع من المعاصي إلى طاعة الله) ولكن الشيعة تفسر التوبة بالرجوع من ولاية أبي بكر وعمر وبني أمية إلى ولاية علي، ففي قوله سبحانه: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر، آية: 7.] جاء تأويلها عندهم في ثلاث روايات، تقول الأولى: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية فلان وفلان (يعنون أبا بكر وعمر) وبني أمية، وتقول الرواية الثانية: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية الطواغيت الثلاثة (يعنون أبا بكر وعمر وعثمان) ومن بني أمية، {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} يعني ولاية علي، وتقول الثالثة: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} من ولاية هؤلاء وبني أمية {وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} هو أمير المؤمنين [البرهان: 4/92-93، تفسير الصافي: 4/335، وانظر: تفسير القمي: 2/255.].

وكل الروايات الثلاث المذكورة منسوبة لأبي جعفر محمد الباقر، وعلمه ودينه ينفيان صحة ذلك عنه.

وهذه الأخبار تقدّم لنا مفهوماً جديداً للتوبة، إذ هي في حقيقتها موالاة رجل، ومعاداة آخر، وليس هناك بُعْدٌ آخر غير هذا.. فالتوبة لا تكون إلا في مسألة ولاية الإمام، وغيرها لا يستحق الإنابة والرجوع، ولهذا لم يرد له ذكر، وكأن الشيعة بهذا تجعل من والى علياً ليس عليه ذنب، وإن بلغت ذنوبه مثل قراب الأرض، وتجعل موالاة أفضل الخلق بعد النبيين أبي بكر وعمر وعثمان هو الكفر الذي لا ينفع معه عمل.

فهل هذا هو الإسلام.. وهل الرسول وصحبه لم يجاهدوا إلا لإقرار هذا الأمر؟!

ثم ما تأثير مثل هذه الروايات على من يؤمن بها ويعتقد أنها صادرة من محمد الباقر؟ ألا تهون في نفسه المعصية، وتدفعه إلى ارتكاب كل موبقة.. وتثبطه عن عمل الخير، واصطناع المعروف.. بلى، إن هذا وراد، بل وراد، بل قد يكون حاصلاً، فقد اطلعت في الكافي على شهادة هامة في هذا الباب تتضمن شكوى أحد الشيعة لإمامه من سوء أخلاق أبناء طائفته، وأنه ليعجب من البون الشاسع بين ما يجده عند أصحابه وبين ما يراه عند أهل السنة [نصه ما يلي:

عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله – رضي الله عنه -: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً (يعني أبا بكر وعمر، وهو يشير بهذا لأهل السنة) لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم (يعني الشيعة) ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق؟ فاستوى أبو عبد الله – رضي الله عنه – جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} [البقرة: 257] يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله.. (أصول الكافي: 1/375).]، وقد نقل لنا الشوكاني ملاحظات قيمة في هذا سجلها أثناء خلطته مع الشيعة [يقول الشوكاني: "جربنا وجرب غيرنا فلم يجدوا رافضياً يتنزه عن شيء من محرمات الدين كائناً ما كان" (طلب العلم ص 73)، وستأتي – إن شاء الله – بقية ملاحظاته في فصل: "أثرهم في العالم الإسلامي".]، وسيأتي حديث في هذا الشأن في فصل "أثرهم في العالم الإسلامي".

والصلاة، والزكاة، الحج، والصيام.. أركان الإسلام ومبانيه العظام هي عند الشيعة بمعنى الأئمة في القرآن، فيروون عن أبي عبد الله: "نحن الصلاة في كتاب الله عز وجل ونحن الزكاة ونحن الصيام ونحن الحج" [بحار الأنوار: 24/303.].. بل إن الدين كله هو عندهم ولاية علي، ويروون عن جعفر الصادق في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} [البقرة، آية: 132.]. قال: "ولاية علي – رضي الله عنه – {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} لولاية علي" [البرهان: 1/156، مرآة الأنوار ص: 148.]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ..} [الشورى، آية: 13.] قال: الإمام، {وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، كناية عن أمير المؤمنين – رضي الله عنه -، {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من أمر ولاية علي، {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ} كناية عن علي – عليه السلام – [تفسير القمي: 2/274، البرهان: 4/120، تفسير الصافي (4/368-369)، بحار الأنوار: 36/84.].

وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا يسمى دين (المنتظر) أو دين الولاية، أو الولاية نفسها.. وحقيقة الأمر أن هذا دين آخر غير دين الإسلام، هذا الدين معناه طاعة رجل وقد ورثته الاثنا عشرية – فيما يظهر – عن الكيسانية [الكيسانية: من غلاة الشيعة، تقول بإمامة محمدين بن الحنفية، وسميت بالكيسانية نسبة للمختار بن أبي عبيد الثقفي؛ لأن لقبة كيسان، وكذلك تسمى بالمختارية عند بعض أصحاب الفرق، وقد ادعى المختار نزل الوحي عليه، وقال بالبداء، وضلالات أخرى، وقيل: إن الكيسانية سميت بذلك نسبة إلى رجل يقال له: كيسان، وهو مولى لبطن من جبيلة في الكوفة، وقيل: مولى لعلي بن أبي طالب.

والكيسانية فرق بلغت عند الأشعري إحدى عشرة فرقة. ويرجع محصّلها – كما يرى البغدادي – إلى فرقتين: فرقة تقول: إن محمد بن الحنفية لم يمت وهو المهدي المنتظر، وفرقة أخرى ينقلون الإمامة بعد موته إلى غيره، ويختلفون بعد ذلك في المنقول إليه.

انظر عن الكيسانية: الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/91، البغدادي/ الفرق بين الفرق: ص 23، 38، 53، ابن حزم/ الفصل 5/35-36، 40، 41، 43، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 93-95، نشوان الحميري/ الحور العين ص 157 وما بعدها، ابن المرتضى/ المنية والأمل: ص 82-83. وانظر: الناشئ الأكبر/ مسائل الشيعة ص 23-24، 27. وانظر: وداود القاضي/ الكيسانية في التاريخ والأدب.] – حيث إنهم – كما يقول الشهرستاني: "يجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل، حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على الرجال... ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ولا رجل له، لأنه (غائب في سردابه) فلا دين له.." [الملل والنحل: 1/147.]. فقد انحصر الدين عندهم بولاية رجل هو علي، وأصبح ما يدل عليه من الطاعة لله ورسوله واتباع المعروف والانتهاء عن المنكر.. خارجاً عن معنى الدين حسب رواياتهم.

ولفظ الأمة – ومعناه معروف – وقد ورد هذا اللفظ (49) مرة في كتاب الله، والشيعة تفسره بالأئمة أو بالشيعة. قال في مرآة الأنوار: "إن الله يستفاد من رواياتنا على اختلاف ألفاظها تأويل الأمة فيما يناسب بالأئمة عليهما السلام وبأهل الحق والشيعة المحقة وإن قلوا..." [مرآة الأنوار: ص 81.]. ثم ساق طائفة من رواياتهم في هذا التأويل نقلها من مجموعة من كتبهم المعتمدة، وإذا كانت الأمة بمعنى الأئمة فهذا يعني أن القرآن نزل للأئمة فقط، وأن الأمة غير مخاطبة بالقرآن ولا مكلفة به.

وليس ذلك فحسب بل إن الجمادات تفسر بالأئمة.

فالبئر – ومعناه واضح – ولكن الشيعة تفسره في القرآن "بعلي-رضي الله عنه-، وبولايته، وبالإمام الصامت – يعنون القرآن – والإمام الغائب، وبفاطمة وولدها المعطلين من الملك [بحار الأنوار: 36/104-105، مرآة الأنوار: 94، وانظر: تفسير القمي: 2/85، البرهان: 3/96-97، أصول الكافي: 1/427، معاني الأخبار: ص 111.]، وبذلك يفسرون قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج، آية: 45.]. وقد جاء في تفسير البرهان خمس روايات لهم في هذا المعنى [البرهان: 3/96-97.].

والبحر – وقد ورد في كتاب الله في أكثر من ثلاثة وثلاثين موضعاً بالمعنى المعروف -، ولكن الشيعة تفسر البحر والبحار بالإمام والأئمة وأعدائهم. وقد أورد صاحب مرآة الأنوار جملة من روايات طائفته في هذا التأويل، ثم قال: "ولا يخفى أن المستفاد من ذلك جواز تأويل البحر والبحار العذبة.. المشتملة على المدح والنفع بالإمام والأئمة، بل بفاطمة.. وتأويل البحر والبحار المالحة بأعدائهم [مرآة الأنوار: ص 94.]. وقد جاء في تفسير القمي وغيره عن أبي عبد الله في قوله سبحانه: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن، آية: 19.] قال: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} علي وفاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} الحسن والحسين [تفسير القمي: 2/344، تفسير فرات ص: 177، وابن بابويه/ الخصال ص 65، تفسير الصافي: 5/109، البرهان، وقد ذكر اثنتي عشرة رواية في هذا التأويل: 4/265، بحار الأنوار، وقد عقد لذلك باباً مستقلاً بعنوان: باب أنهم – عليهم السلام – (البحر واللؤلؤ والمرجان): 24/97، وانظر ما مضى من كلام ابن تيمية حول هذا التأويل ص: 175.].

وتفسير المعاني والمثل العليا بالإمامة والأئمة.

فالخير هو الولاية. يقول الكاظم – كما يدعون – في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج، آية: 77.] قال: الولاية [مرآة الأنوار: ص 139.]. وفي قوله سبحانه: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة، آية: 148.]، قال أبو جعفر: {الْخَيْرَاتِ} الولاية [البرهان: 1/163، تفسير الصافي: 1/200.].

والآيات الكونية تؤول بالأئمة، فالأئمة هم العلامات في قوله تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل، آية: 16.]. قال أبو عبد الله – كما يروون -: "النجم رسول الله، والعلامات هم الأئمة عليهم السلام" [تفسير القمي: 1/383، تفسير العياشي: 2/255، أصول الكافي: 1/206، البرهان: 2/362، تفسير الصافي: 3/129، تفسير فرات: ص 84، مجمع البيان: 4/62.]. وعقد الكليني باباً في هذا بعنوان: "باب أن الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه" [أصول الكافي: 1/206.]. وتبعه المجلسي وعنون لبابه بقوله: "باب أنهم عليهم السلام النجوم والعلامات" [بحار الأنوار: 24/67-82.]. وسياق الآية، وما ورد عن السلف ينفي ما ذهبوا إليه في تأويل الآية [انظر: تفسير الطبري: 14/92، تفسير ابن كثير: 2/612.].

وأحوال اليوم الآخر يفسرونها برجعة الأئمة أو الولاية، فالساعة، والقيامة، والنشور وغيرها من الأسماء التي تتعلق باليوم الآخر تفسر في الغالب عند هؤلاء برجعة الأئمة. ويقدم صاحب مرآة الأنوار قاعدة في هذا فيقول: "كل ما عبر به بيوم القيامة في ظاهر التنزيل فتأويله بالرجعة" [مرآة الأنوار: ص 303.].

ويقول المجلسي عن لفظ الساعة في القرآن: إن الساعة ظهرها القيامة، وبطنها الرجعة [بحار الأنوار: 24/334.]. وقد ورد أيضاً عندهم تأويل الساعة بالولاية، فيروون عن الرضا في قوله سبحانه: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ} [الفرقان، آية: 11.] قال: يعني كذبوا بولاية علي [النعماني/ الغيبة: ص 54، البرهان: 3/157، مرآة الأنوار: ص 182.].

والحياة الدنيا: هي الرجعة، قال صاحب مرآة الأنوار: جاء ما يدل على تأويل الدنيا بالرجعة، وبولاية أبي بكر وعمر [مرآة الأنوار: ص 150.]، ففي قوله سبحانه: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر، آية: 51.]. قال جعفر: يعني في الرجعة [تفسير القممي: 2/258-259، تفسير الصافي: 4/345، البرهان: 4/100.]، وفي قوله سبحانه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [الأعلى، آية: 16.]. قال: ولايتهم [أصول الكافي: 1/418، البرهان: 4/451.] (يعني ولاية أبي بكر وعمر وعثمان). والتأويلات الباطنية لا ضابط لها، فأنت ترى "أن الآخرة تؤول بالرجعة، والحياة الدنيا تؤول بها كذلك على ما بينهما من تفاوت، كما تلحظ أن الحياة الدنيا فسرتها تأويلاتهم مرة بالرجعة، ومرة بالولاية على ما بينهما من اختلاف.. فهي أقوال عشوائية لا تستند إلى أصل ولا فرع، بل ولا عقل".

وتأويلهم لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، ولقد تجاوزوا في هذه الدعاوى كل معقول، وأسفوا في تأويلاتهم إلى ما يشبه هذيان المعتوهين حتى قالوا: إن النحل في قوله سبحانه: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل، آية: 68.]. هم الأئمة، وروى القمي بإسناده إلى عبد الله قال: نحن النحل التي أوحى الله إليها {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة {وَمِنَ الشَّجَرِ} يقول: من العجم {وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} يقول: من الموالي.." [تفسير القمي: 1/387.].

وجمع المجلسي رواياتهم في هذا المعنى في باب بعنوان: "باب نادر في تأويل النحل بهم عليهم السلام" [بحار الأنوار: 24/110-113.]، كما جاء بروايات تقول: "إن الأئمة هم الماء المعين والقصر المشيد السحاب والمطر والفواكه وسائر المنافع الظاهرة" [انظر: بحار الأنوار: 24/100-110.].

وفي الباب الذي عقده بعنوان: «باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة [بحار الأنوار: 24/238-243.] جاء فيه: "نحن الأيام؛ فالسبت اسم رسول الله، والأحد كناية عن أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس، ابني الحسن بن علي، والجمعة ابن ابني.." [البحار: 24/239، الصدوق/ الخصال: ص395-396، والنص منسوب لإمامهم العاشر علي الهادي.].

ومن الطريف أن بعض الأيام حظيت في أخبار الشيعة بالذم كيوم الاثنين [انظر: سفينة البحار: 1/137.]، فهل يتوجه هذا الذم إلى بعض الأئمة ؛ لأن الأئمة هم الأيام؟!

ويروي جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر عن تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ..} [التوبة، آية: 36.] قال: فتنفس سيدي الصعداء ثم قال: "يا جابر، أما السنة فهي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهورها اثنا عشر شهراً فهو أمير المؤمنين إلي [أي هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن بعده من الأئمة حتى يصل إليّ، (المجلسي/ بحار الأنوار: 24/240).]. وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي، وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماماً... والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد: علي أمير المؤمنين – رضي الله عنه – وأبي علي بن الحسين، وعلي بن موسى، وعلي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي: قولوا بهم جميعاً تهتدوا" [الطوسي/ الغيبة: ص96، ابن شهراشوب/ مناقب آل أبي طالب: 1/244، بحار الأنوار: 24/240، البرهان: 2/122-123، نور الثقلين: 2/214-215، اللوامع النورانية: ص141.].

والبعوضة (وهي حشرة صغيرة معروفة) ورد ذكرها في سورة البقرة [الآية: 26.]. هي علي عندهم [تفسير القمي: 1/35، البرهان: 1/70.].

ولفظ (الذباب) يؤول بعلي في تفسير الشيعة [انظر: مرآة الأنوار: ص 150.]، كما أولوا البعوضة وحاول بعضهم أن يلطف من هذا التأويل فزعم أنه ذباب العسل [نفس الموضع من المصدر السابق.]، وفاته أنهم يؤولون به قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج، آية: 73.]. وما أدري ما السر في إطلاق أسماء أحط الحشرات على أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه وأرضاه – من طائفة تزعم محبته والتشيع له؟!. ولكن قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وتاريخهم الفعلي مع آل البيت أشد وأشنع.

وقبور الأئمة لها نصيب من تأويلاتهم، فالبقعة المباركة في قوله سبحانه: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} [القصص، آية: 30.] هي كربلاء [ابن قولويه/ كامل الزيارات: ص 48-49، البرهان: 3/336، مرآة الأنوار: ص99.]، ومن المعروف أنها كانت في طور سيناء بنص القرآن في الآية التي قبلها: {مِن جَانِبِ الطُّورِ}.

وكما خصت هذه الروايات أئمة الشيعة بهذه الآيات كذلك تخص أتباعها بآيات من كتاب الله حتى تذهب إلى أن الشيعة هي الشيء [انظر: أصول الكافي: 1/429، البرهان: 2/40، مرآة الأنوار: ص 192.] في قوله سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف، آية: 156.] لتقصر رحمة الله الواسعة على الشيعة، وتضيق ما وسعه الله على عباده.

ولفظ "الشر" و"الكفر" و"الردة" و"الضلال" في كتاب الله يؤولونه بغير ما يعرفه المسلمون من هذه "الألفاظ"؛ حيث يفسرون هذه الألفاظ بترك بيعة الاثني عشر (على الرغم من أنهم لم يتولوا الحكم ما عدا أمير المؤمنين علي)، وشواهد هذا كثيرة بلغت عشرات الروايات، وقد أشرنا فيما سلف إلى أن شيخهم المجلسي عقد أبواباً في بحاره تحمل عناوين في التأويل الباطني تضمن بعضها مائة رواية، ولكن هنا نذكر مجرد أمثلة لهذه الأحاديث، فقد روت كتب الشيعة في قوله سبحانه: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر، آية: 65.].

قالت: "لئن أشركت في إمامة علي ولاية غيره" [انظر: تفسير القمي: 2/251، تفسير فرات: ص 133، البرهان: 4/83، تفسير الصافي: 4/328.].

قال صاحب مرآة الأنوار: "فعلى هذا جميع المخالفين مشركون" [أبو الحسن الشريف/ مرآة الأنوار: ص 202.]. وقال: "إن الأخبار (أخبار الشيعة) متضافرة في تأويل الشرك بالله، والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة" [نفس الموضع من المصدر السابق.]، ولذلك حكموا على صحابة رسول الله بالردة – كما سيأتي [في فصل الإمامة.] – لمبايعتهم لأبي بكر دون علي.

وكذلك يؤولون الكفر بذلك، جاء في الكافي: "عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [لاحظ أنه جمع آيتين من سورتين على أنهما آية واحدة، مما يشير إلى أن واضع هذه الأساطير، ومفتريها على أهل البيت أحد الزنادقة الجهلة؛ حيث إن قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} من آل عمران، آية: 90، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ..} إلخ من النساء، آية: 137.]. قال: نزلت في فلان وفلان وفلان [يعنون: أبا بكر وعمر وعثمان كما جاء تفسير ذلك على لسان بعض شيوخهم كما سيأتي في فصل: "الإمامة".] آمنوا بالنبي – صلى الله عليه وآله – في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية.. ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين – عليه السلام – ثم كفروا حيث مضى رسول الله – صلى الله عليه وآله – فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء [أصول الكافي: «1/420، تفسير القمي: 1/159، تفسير العياشي: 1/276، البرهان: 1/421، تفسير الصافي: 1/511، بحار الأنوار: 23/375، مرآة الأنوار: ص 289.].

فأنت ترى أنهم خصوا أفضل الخلق بعد النبيين بهذا الحكم، فما بالك بمن دونهم من سائر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أشار بعض شيوخهم إلى وجه هذا التخصيص فقال: "ورد في بعض الروايات تأويل الكفر برؤساء المخالفين، لاسيما الثلاثة: (يعنون الخلفاء الراشدين) مبالغة بزيادة كفرهم وجحدهم" [مرآة الأنوار: ص 187.].

ولفظ: "الردة" يعني الردة عن بيعة أحد الاثنى عشر. جاء في أصول الكافي وغيره عن أبي عبد الله في قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى..} [محمد، آية: 25.]. (قال) فلان وفلان وفلان ارتدوا من الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين.. [أصول الكافي: 1/420، بحار الأنوار: 23/375، وانظر: تفسير القمي: 2/308، البرهان: 4/186، تفسير الصافي: 5/28.].

والضلال هو عدم معرفة الإمام، ففي قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ...} [النساء، آية: 44.]. قال: "يعني ضلوا في أمير المؤمنين" [تفسير القمي: 1/139.] وفي قوله سبحانه: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة، آية: 7.]. قال: "الضالين: الذين لا يعرفون الإمام" [تفسير القمي: 1/29.].

إن تفسير الكفر والشرك، والردة والضلال بترك بيعة الاثني عشر فضلاً عن أنه لا سند له من نقل أو عقل أو لغة أو شرع فإنه – ولعل ذلك هو هدف واضع الروايات – ينتهي بالمؤمن به إلى تفضيل الكفر والكافرين على سائر المسلمين من غير الشيعة، (لأن رأس الكفر ترك الولاية)، وهذا ما يصدقه تاريخ الشيعة مع المسلمين، كما أنه يهون أمر الشرك والإلحاد، وهذا هدم لأصول الإسلام، ومحاربة لرسالة محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام – الذي بعث لمحاربة الشرك والكفر والضلال، وإرساء قواعد التوحيد وشريعة الإسلام.

والكبائر وسائر المحرمات هي عندهم أعداء الأئمة. يقول أبو عبد الله – كما يزعمون -: "..وعدونا في كتاب الله عز وجل: الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام، والأوثان والجبت والطاغوت والميتة والدم ولحم الخنزير.." [بحار الأنوار: 24/303.]. وقد أشرنا من قبل إلى أن تأويل المحرمات بأعداء الأئمة قد جاء في أبواب عدة في البحار تضمنت عشرات الأحاديث.

وقد جاء في بعض مصادرهم المعتمدة عندهم ما يكشف واضع هذه الأسطورة، ويبين أن أصل تأويل المحرمات بأعداء الأئمة، وتأويل الفرائض بالأئمة هو: أبو الخطاب الذي تبرأ منه الأئمة ولعنوه، وففي رجال الكشي: "كتب أبو عبد الله إلى أبي الخطاب: بلغني أنك تزعم أن الزنا رجل وأن الخمر رجل وأن الصلاة رجل وأن الصيام رجل وأن الفواحش رجل، وليس هو كما تقول.." [رجال الكشي: ص 291، بحار الأنوار: 24/299.].

وتذكر كتب المقالات عن بعض غلاة الشيعة القول بأن المحرمات كلها أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم، وأن الفرائض أسماء رجال أمرنا بموالاتهم [الملل والنحل: 1/179.].

ويقول الشهرستاني: "إنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء رجال: هو أن من ظفر بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عنه التكليف وارتفع الخطاب" [الملل والنحل: 1/179.]. وكل ذلك ورثته الاثنا عشرية وأحيته وتولى كبر نشره القمي (صاحب التفسير)، والكليني، والعياشي، والكاشاني، والمجلسي، وغيرهم من شيوخ الدولة الصفوية الذين "أحيوا" كل أساطير غلاة الفرق الشيعية، وأدخلوه في المعتقد الاثني عشري كروايات عن الأئمة.

هذا وتأويلاتهم في هذا الباب يستغرق ذكرها مجلدات، ولهم في كل عقيدة شذوا بها كالرجعة، والغيبة، والتقية وغيرها تأويلات وافتراءات تربو على الحصر، وسنأتي – إن شاء الله – على شيء منها عند بحثنا لهذه المسائل. وما ذكرناه هنا جزء قليل مما جمعناه ولم نذكره خشيه الإطالة.. وما جمعناه هو كقطرة من بحر مظلم.. عرضه ونقده يستوعب المجلدات.. وكل مثال من هذه الأمثلة – في الغالب – يكشف لنا عن عقيدة من عقائد القوم في الألوهية والنبوة، والأسماء والصفات، وأركان الإسلام وغيرها.

هذا وقبل أن أرفع القلم عن هذا الموضوع أسجل الملاحظات التالية:

4-      فيما مضى من مباحث ذكرنا ما يقوله الشيعة من أن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم، ثم قدمت أمثلة لتحريف الشيعة لمعاني القرآن.. وكل ذلك يؤكد ما تذهب إليه الشيعة من القول بأن أكثر القرآن قد اشتمل على ذكر الأئمة الاثني عشر ومخالفيهم.. فهذه المسألة حشد لها شيوخ الشيعة آلاف النصوص كما أسلفنا الإشارة إلى شيء منها.. وبعد ذلك كله نجد من نصوصهم نفسها ما ينقض هذه الدعاوى كلها جملة واحدة.

يقول هذا النص الذي يروونه عن أبي عبد الله جعفر الصادق: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسلمين" [تفسير العياشي: 1/13، بحار الأنوار: 92/55، تفسير الصافي: 1/41، اللوامع النورانية: ص 547.]. فهذا اعتراف منهم بأنه ليس لأئمتهم ذكر في كتاب الله، ولم يرد لهم تسمية فيه.. فكأنهم يخربون بيوتهم بأيديهم. ولعل السر في ذلك أن واضع هذا النص قد اهتم بتأييد مسألة التحريف – وسيأتي بحثها – ونسي ما وضع من قبل، والاختلاف والتناقض قد يكون عقوبة إلهية لمن يضع في الدين ما ليس منه، كما يؤخذ ذلك من قوله سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء، آية: 82.]. فهو برهان أكيد على أنه ليس من عند الله سبحانه.. وقد مضى من قبل الإشارة إلى نص آخر لهم يجعل من كتاب الله سبحانه أربعة أقسام وليس في قسم منها ذكر للأئمة [انظر: ص (156-157).].

وجاء في رجال الكشي نص هام ينسف كل ما بنوه من هذا التفسير الباطني، فقد نقل لأبي عبد الله جعفر ما يقوله أولئك الزنادقة من تأويل آيات الله سبحانه بتلك التأويلات الباطنية "حيث قيل له: روي عنكم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال؟  فقال: ما كان الله عز وجل ليخاطب خلقه بما لا يعملون" [رجال الكشي: ص 291.]. أي يستحيل أن يخاطب الله سبحانه عباده بما لا سبيل لهم إلى معرفته والاهتداء إلى معناه؛ لأن هذا يتنافى مع الحكمة في إنزال القرآن لهداية الناس والدعوة إلى عبادة الله، ويتنزه الله سبحانه أن يأمر عباده بتدبر القرآن وهو غير قابل للتدبر والفهم، ويتقدس سبحانه أن يخاطب عباده بألغاز وطلاسم. وهذا القول من أبي عبد الله الذي ورد في أوثق كتب الرجال عند الشيعة يهدم كل ما بنوه من تلك التحريفات وذلك الإلحاد في كتاب الله وآياته.

هذا نقض للمسالة من نصوصهم نفسها، أو ما يسمى بالنقد الداخلي للنصوص، وإلا فإن المتأمل لآيات القرآن بمقتضى اللغة العربية التي نزل بها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف، آية: 2.] لا يجد فيه ذكراً لما يدعون، والروايات التي يذكرونها يكفي في بيان فسادها مجرد عرضها، فهي تحمل بنفسها ما يهدم بنيانها من الأساس، فهل يصدق أحد أن لعلي في القرآن (1154) اسماً؟ وهل يدخل عقل أحد أن من أسماء علي البعوضة والذباب؟ وهل يوافق مؤمن على القول بأن ما ورد من آيات عن اليوم الآخر هي خاصة بعقيدة رجعة الأئمة؟ وكيف تناقش من يقول بأن آيات الإيمان والمؤمنين هي في الأئمة الاثني عشر، وآيات الكفر والكافرين هي في الصحابة؟!

وإنني هنا أذهب إلى القول بأن هذا المستوى الذي هبط إليه هؤلاء هو من معجزات هذا الدين العظيم، فما من أحد ادعى نبوة أو وحياً وأراد أن يضع في الدين ما ليس منه إلا وفضحه الله على روؤس الأشهاد، وتالله إن هذه المقالات التي لا يمكن بحال أن تتفق مع العقل والنقل ولا اللغة والدين هي من أعظم فضائح القوم وعوراتهم.. وبها يكشف الله سبحانه وتعالى كذبهم وبهتانهم.

إن مطابع النجف وطهران وقم وبمبي قد أخرجت لنا تراثاً شيعياً ضخماً يمثل ديناً بأكمله، لعل أقرب تسمية له هو دين الولاية، أو الإمامة، ولم تتوفر هذه الكتب للمسلم كما توفرت اليوم.. دين وضعه المجلسي والكليني وغيرهما من أساطين التشيع، وسينكشف من خلاله أمور كثيرة لم تكن معروفة من قبل.. ويبدو من الاطلاع عليه عظمة هذا الدين الإلهي وسر خلوده، إذ بضدها تتميز الأشياء فلولا المر ما عرف طعم الحلو..

2- هذه التأويلات الباطنية المستفيضة في كتب الاثني عشرية هي مجهولة للكثير ممن يكتب عن هذه الطائفة.. وحسبك أن تجد ممن كتب عن الاثني عشرية من يعتبرها بعيدة كل البعد عن الاتجاه الباطني، ويظن أن التأويل الباطني مقصور أمره على طائفة الإسماعيلية. يقول بعض من كتب عن الفرق: "جعل الإسماعيلية للأئمة صفات لم تعرفها فرق الشيعة الأخرى، ذلك أنهم يقولون ظاهراً: إن الأئمة بشر كسائر الناس يأكلون وينامون ويموتون، ولكنهم في تأويلاتهم الباطنية يقولون: إن الإمام هو: "وجه الله" "ويد الله" "وجنب الله" [مصطفى الشكعة/ إسلام بلا مذاهب: ص 247-248.].

ويلاحظ أن هذا هو عين ما تذهب إليه طائفة الاثني عشرية، وجاءت أخبار كثيرة عندهم في إقرار هذا الغلو، وخصص المجلس لذلك باباً من أبواب بحاره – كما أسلفنا – وهو «باب أنهم – عليهم السلام – جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها" [بحار الأنوار: 24/191-203.].

والسر في هذا الجهل المتفشي بين طبقة من الكتاب هو أن كتب الاثني عشرية نوعان: كتب للدعاية للمذهب وضعت بأسلوب التقية.. والنوع الثاني:- وهو المعتبر عندهم – كتب الحديث الثمانية المعتمدة عندهم وكتب الرجال الأربعة، وما في درجة هذه الكتب من كتب شيوخهم. فمن يعتمد على الأول وحده يفوته الكثير من أمورهم، والتي قد تشير إليها كتب الدعاية إشارة لا يفهمها إلا شيوخهم، أو من هو على صلة وفهم لكتبهم المعتمدة.

3- يلاحظ أن هذه التأويلات ليست عندهم آراء اجتهادية في تأويل القرآن قابلة للأخذ والرد والمناقشة والتعديل، بل هي في مقاييسهم نصوص شرعية لها سمة الوحي وأهميته، وقدسية النص النبوي وشرعيته. وقد جاءت عندهم نصوص كثيرة تحذر وتنذر من رد أمثال هذه النصوص التي لا تتفق مع العمل والفطرة، ولا مع المنطق واللغة. وأن الواجب التسليم وعدم الاعتراض، على لغة: "أطفئ مصباح عقلك واعتقد"، وقد حاولوا توطين أتباعهم على قبول أمثال هذه النصوص فقالوا: "إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم" [البحار: 2/129.]. "وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله – عليه السلام -: جعلت فداك، إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار أو للنهار إنه ليل؟ قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني [البحار: 2/211-212، البحراني/ اللوامع النورانية ص 549-550.].

وأمثال هذه الروايات كثيرة، ويلاحظ أن في الرواية الأخيرة ما يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم، ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها، بل يعتبر من توقف في رواية من هذه الروايات وقال: "كيف جاء هذا، وكيف كان، وكيف هو؟، فإن هذا والله الشرك بالله العظيم [انظر: رجال الكشي: ص194.] وقد اهتم بهذه القضية صاحب البحار وذكر لها (116) حديثاً من أحاديثهم في باب عقده بعنوان: "باب أن حديثهم – عليهم السلام – صعب مستصعب، وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة وفضيلة التدبر في أخبارهم – عليهم السلام – والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" [انظر: بحار الأنوار: 2/182 وما بعدها.].

ولعل أول من أرسى دعائم هذا المعتقد صاحب الكافي والذي خصه بباب مستقل بعنوان: "باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب" وذكر فيه خمس روايات [انظر: أصول الكافي: 1/401-402.]. ولعل هذا الأسلوب هو الذي ساعد على تفشي تلك المقالات الأسطورية، وغياب الصوت العاقل الذي يجهر بالحق.. ويعري الباطل ويفضحه. وهذا نوع من الاستهواء الذي يطالب فيه الأتباع بالإيمان بأقوال الأئمة وإن خالفت العقل والنقل، وهو قريب من موقف الصوفية الذي يطالب فيه الشيوخ مريديهم بالتسليم لهم حتى إنهم قالوا: إن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله، وهذا الاستهواء هو الذي لجأ إليه فرعون مع قومه، وأشار إليه الله سبحانه بقوله: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف، آية: 54.] [انظر: المدخل إلى الثقافة الإسلامية: ص 113-115.].

4- إن للتفسير عندهم وجوهاً: ظاهرة، وباطنة، والجميع معتبر. قال أبو عبد الله – كما يزعمون -: إن قوماً آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفهم ذلك شيئاً، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا باطن إلا بظاهر، ولهذا يلاحظ أن بعض تفاسير الشيعة لم تذكر هذا التأويل، أو ذاك، وإنما ذكرت ما ظهر من الآية الذي قد يوافق اللغة أو ما جاء عن السلف، ولكن قد لا يعني هذا مخالفتهم لذلك التأويل الباطني لأنهم يقولون بأن لكل آية معنى باطناً ومعنى ظاهراً، والكل مراد، فقد يكتفي بعضهم بذكر الظاهر وحده، أو الباطن فقط، أو يذكر الوجهين جميعاً؛ لأن رواياتهم جاءت على نفس المنهج كما تدل على ذلك رواية صاحب الكافي في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج، آية: ص 29.].

قال: "... عن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله: إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعمله، قال: وما ذاك؟ قلت: قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} تلك المناسك، قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله – عليه السلام – فقلت: جعلت فداك، قول الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} قال: أخذ الشارب وقص الأظفار وما أشبه ذلك. قال: قلت: جعلت فداك، إن ذريحاً المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له: {لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} لقاء الإمام {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}تلك المناسك، فقال: صدق ذريح وصدقت، إن للقرآن ظاهراً وباطناً ومن يحتمل ما يحتمل ذريح" [الكليني/ فروع الكافي: 4/549، وانظر: ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 2/290-291، معاني الأخبار: ص 340، عيون أخبار الرضا: ص 366، الكاشاني/ تفسير الصافي: 3/376، الحويزي/ تفسير نور الثقلين: 2/492، البحراني/ البرهان: 3/88-89، المجلسي/ بحار الأنوار: 92/83-84، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 10/253، الموسوي/ مفتاح الكتب الأبعة: 5/228-229.].

ففي هذا النص – الذي أورده صاحب الكافي، وذكره أيضاً صاحب من لا يحضره الفقيه وغيره – التصريح بأن للقرآن معاني ظاهرة تقال لعامة الناس، وله معانٍ باطنة لا تذكر إلا للخاصة ممن يستطيع احتمالها، وهم قلة لا توجد "فمن يحتمل ما يحتمل ذريح". وإذا كان الأئمة يضنون بهذا العلم الباطني، ويتحاشون ذكره عند شيعتهم إلا من كان على مستوى ذريح فماذا خالفت كتب الاثني عشرية نهج أئمتها وأشاعت هذا "العلم" المضنون به على غير أهله للخاص والعام؟!

هذا ما يؤخذ من أقوال هؤلاء القوم.. ولعل قائلاً يقول: لماذا لا يكون هذا التأويل الذي يتفق وظاهر النص، وسياق القرآن، ولغة العرب، وما أثر من السلف، وما اتفق عليه جماعة المسلمين هو الذي يعتقد صدوره عن أمثال محمد الباقر، وجعفر الصادق وغيرهما من أئمة العلم والدين واللغة، وأن تلك التأويلات الباطنية التي لا تستند إلى أصل معتبر من نقل أو عقل أو لغة هي من وضع زنديق ملحد أراد الإساءة إلى كتاب الله ودينه، وإلى أهل البيت، ولاسيما أن تلك الأقوال الباطنية لا تذكر إلا خلسة وفي الظلام، ولا ينقلها إلا قلة كما يشير إليه نهاية الخبر، وتفسير القرآن لا يمكن أن يكون علماً سرياً لا يتحمله إلا خاصة الناس، فالله سبحانه أنزل كتابه لعباده كافة لا لفئة معينة، وهؤلاء الأئمة كان عصرهم يمثل العصر الذهبي للأمة في وقت عزة الإسلام والمسلمين، فهل يصبح تفسير القرآن في عصرهم "سرياً" وفي هذا العصر يعلن هذا التفسير؟!

وأئمة أهل البيت هم أجرأ وأشجع من أن يجبنوا عن بيان الحق، وأن يتخلوا عن الصدع بأمر الله وشرعه.

5- هذه التأويلات الباطنية هي من باب الإلحاد في كتاب الله وآياته – وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت، آية: 40.]. قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام في غير موضعه [تفسير الطبري: 24/123، فتح القدير: 4/520.] وذلك بالانحراف في تأويله [انظر: القاسمي/ محاسن التأويل: 14/211، الألوسي/ روح المعاني: 24/126.].

قال في الإكليل: "ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله والاتحادية والملاحدة" [السيوطي/ الإكليل: ص 354 (المطبوع على هامش جامع البيان في تفسير القرآن).]. وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا بالباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله كما قال تعالى: {لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [محمد شاه الكشميري/ إكفار الملحدين: ص 2.].

6- ربط شيوخ الشيعة هذه التأويلات أو التحريفات بأئمة أهل البيت لتحظى بالقبول عند الناس، ولأنها تأويلات غير عاقلة قالوا: بأن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي، ونسبوا هذا القول لجعفر الصادق كما يروي ذلك جابر الجعفي أنه قال له: "يا جابر، إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً، ثم قال: وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه، إن الآية لينزل أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه" [تقدم تخريج هذا النص من كتب الشيعة: ص (152).]. ولاشك أن هذا الحكم هو برواياتهم أليق وأوفق، ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله وتفسيره الصحيح.

7- قامت مصادرهم في التفسير – غالباً – على هذا المنهج الباطني في التأويل الذي استقته من أبي الخطاب وجابر الجعفي والمغيرة بن سعيد وغيرهم من الغلاة. ويلاحظ أنه في القرن الخامس بدأ اتجاه التفسير عندهم يحاول التخلص من تلك النزعة المغرقة في التأويل الباطني؛ حيث بدأ شيخ الطائفة عندهم أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة 460ه‍) يؤلف لهم كتاباً في تفسير القرآن يستضيء في تأليفه بأقوال أهل السنة، ويأخذ من مصادرهم في التفسير، ويحاول فيه أن يتخلص أو يخفف من ذلك الغلو الظاهر في تفسير القمي والعياشي وفي أصول الكافي وغيرها، وهو وإن كان يدافع عن أصول طائفته ويقرر مبادئهم المبتدعة، إلا أنه لا يهبط ذلك الهبوط الذي نزل إليه القمي ومن تأثر به. ومثل الطوسي في هذا النهج الفضل بن الحسن الطبرسي في "مجمع البيان" وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ذلك حيث قال: "الطوسي ومن معه في تفسيرهم يأخذون من تفاسير السنة، وما في تفسيرهم من علم يستفاد إنما هو مأخوذ من تفاسير أهل السنة" [انظر: منهاج السنة: ص 3/246.].

ولكن قد كشف لنا شيخ الشيعة في زمنه ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية، وأستاذ كثير من علمائهم الكبار عندهم كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغا بزرك الطهراني وغيرهما وعالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سراً عندهم بقي دفيناً، وأماط اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا وهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب التقية والمداراة للخصوم وإليك نص كلامه:

"ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج، وابن زيد وأمثالهم. ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة – عليهم السلام – إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون. بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم. وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة.. ومما يؤكد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجيل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: "ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب «التبيان» وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفضيل المكي على المدني والخلاف في أوقاته.. الخ. (هكذا لم يكمل النوري النص)" ثم قال هذا النوري معقباً على ما نقله على ابن طاوس: "وهو – يعني ابن طاوس – أعرف بما قال من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل" [فصل الخطاب: ص 35 (والورقة 17 من النسخة المخطوطة من الكتاب المذكور).].

فمن هذا النص يتبين أن التبيان للطوسي قد وضع على أسلوب التقية – كما هو رأي شيخ الشيعة المعاصر – أو أن يكون التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع عقلي بإسفاف ما عليه القوم من تحريف لمعاني القرآن سموه تفسيراً، وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه مع بعض علماء السنة في بغداد.. ومعنى هذا أن شيعة اليوم – والذي يمثلهم هذا النوري الطبرسي والذي ارتضوا كتابه (مستدرك الوسائل) مصدراً لهم في الحديث [انظر: فصل "السنة" من هذه الرسالة.]، كدليل على كبير مقامهم عندهم – هم أشد غلواً وتطرفاً، ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي ومن سار على منهجه إنما ألفت للخصوم، والتزمت بروح التقية (لتبشر) بالعقيدة الشيعية مع غير الشيعة.

ولعل القارئ يدرك من خلال هذا الرأي لشيخ الشيعة حول كتاب «التبيان» - أن التقية أسهمت في (تكريس) الغلو عند هذه الطائفة، وفي وأد كل صوت عاقل ورأي معتدل بحمله على التقية لأنه يوافق – بزعمهم – ما عند أهل السنة، فبقيت هذه الطائفة في هذه الدائرة المغلقة، قد جعلت من التقية حصناً تلجأ إليه كلما هبت عليها نسمات الإصلاح، ورياح التغيير – كما سيأتي في مبحث التقية -.

ثم لا ننسى أن نشير إلى أن ما قلناه عن كتاب الطوسي ينطبق على تفسير مجمع البيان للطبرسي لأنه سار على نهج الطوسي وأشار إلى ذلك في مقدمة تفسيره حيث قال: ".. إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة أستضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره" [مجمع البيان: 1/20.].

المبحث الثالث

هل الشيعة تقول بأن في كتاب الله نقصاً أو تغييراً:

مدخل للموضوع:

وجاء في هذا المبحث بهذه الصيغة الاستفهامية لثلاث أسباب:

أولاً: أن طائفة من أعلام الاثني عشرية يتبرأون من هذه المقالة – مثل الشريف المرتضى، وابن بابويه القمي وغيرهما -.

ثانيا: إن إجماع المسلمين كلهم قام على أن كتاب الله سبحانه محفوظ بحفظ الله له {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}. ومن قال بأن في القرآن نقصاً و تحريفاً فليس من أهل القبلة وليس من الإسلام في شيء، ومن هنا فإن العدل يقتضي أن نحتاط في دراستنا لهذه المسألة أبلغ الاحتياط، وأن نعدل في القول، فلا نرمي طائفة بهذه المقالة إلا بعد الدراسة والتثبت.

ثالثاً: إن هناك طائفة من المفكرين يرمون الشيعة بالقول بهذا الكفر، ويعممون ذلك، ولاشك بأن الشيعة فرقٌ، والشيعة طبقات، فلا يصح أن يقال مثلاً بأن متقدمي الشيعة يقولون بهذه المقالة [وقد انساق "إحسان إلهي ظهير" وراء مقالة صاحب فصل الخطاب بأنه لا يوجد من أنكر مقالة التحريف من الشيعة في القرون المتقدمة إلا هؤلاء الأربعة (يعني ابن بابويه القمي، والمرتضى، والطبرسي، والطوسي) فقال إحسان: "والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريباً جميعهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه". (الشيعة والسنة ص 122) (ط. دار الأنصار). الحقيقة أن هذه القضية بدأت عند الشيعة متأخرة عن نشأة الشيعة نفسها، وأن أوائل الشيعة ليسوا على هذا الضلال، وأن فرقاً من الشيعة ليست على هذا "الباطل".]، ولا يقبل أن يقال بأن الزيدية تقول بهذه الفرية.. فأسلوب التعميم غير مرضي ولا مقبول.

وبعد: فإن الباحث المسلم يعاني بلا شك من قراءة تلك الحروف السوداء، ومن الاستماع لأولئك الأقزام الذين يتطاولون على كلام الله سبحانه، يعاني من ذلك أبلغ المعاناة. وليعلم القارئ أن دراسة هذا الموضوع ليست من أجل الرد والدفاع، فكتاب الله لا تصل إلى مقامه بغاث الأحلام، ولا تنال من عظمته دعوى حاقد، ومزاعم مغرض. فهل تستر الشمس، أو تحجب القمر كف إنسان؟! ثم ما أسهل الادعاء الكاذب على حاقد مَوْتور، ومن ثم فليس علينا أن نتتبع كل دعوى كاذبة لنردها:

         لو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً     لكان كل مثقال بدينار

كما أن إهمال القول الكاذب قد يكون أحرى لإماتته وانصراف الأنظار عنه، ما لم يتفش هذا القول ويشتهر وتحمله طائفة، وتسير به كتب، فحينئذ يجب كشف المطبل وباطله.

وأقول: إن دراسة هذه المسألة ليست من أجل الرد والنقض، إنما هي لبيان هل الشيعة تقول بهذه المقالة أو لا؟-، وفي ثبوت ذلك أكبر فضيحة للشيعة يهدم بنيانها من الأساس ويزلزل كيانها من القواعد، ولن يقبل منها قول ولا يسمع منها كلمة.. ومن ذا الذي يمس كتاب الله ويقبل منه مسلم قولاً أو يرتضي منه حكماً [ولهذا رأينا الإمام بن احزم – رحمه الله – حينما احتج النصارى بما ينسب إلى الرافضة من القول بنقص القرآن وتغييره.. أجابهم ابن حزم بأن هؤلاء ليسوا من المسلمين وإنما هي فرقة طارئفة على الإسلام والمسلمين حدث أولها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة. (انظر: الفصل: 2/80).]. ومن ثم فنحن نكتب هذه الدارسة لبيان حقيقة نسبة هذه المسألة للشيعة؛ لأن من حاول المساس بكتاب الله والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإسلام وإن تسمى به، وأنه يجب كشفه لتعرف الأمة عدواته؛ لأنه يحارب الإسلام في أصله العظيم وركنه المتين.

ثم إن حكاية قول من قال ذلك – كما يقول أبو بكر الباقلاني – يغني عن الرد عليه [إعجاز القرآن: ص 24، تحقيق أحمد صقر.]؛  لما توافر لكتاب الله من وسائل الحفظ وأسباب الضبط التي يستحيل معها أن يتطرق إليه نقص أو تغيير تحقيقاً لوعد الله سبحانه في حفظه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر، آية: 9.]. هذا ومن أمر هذه الدعوى والتي وجدت في محيط الشيعة (وسندرس مدى موافقة الشيعة لها أو رفضها) أنها ولدت وفي أحشائها أسباب فنائها، وبراهين زيفها وكذبها، لم يحكم واضعها الصنعة في صياغتها، ولم يجد الحيلة في حبكها، فجاءت على صورة مفضوحة، وبطريقة مكشوفة، ولذلك نقضت نفسها بنفسها، فهي تقوم على دعوى أن القرآن ناقص ومغير.. وأن القرآن الكامل المحفوظ من أي تغيير هو عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم أورثه الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديهم المنتظر.

فهذه الدعوى ربطوها بأمير المؤمنين علي، ولكن علياً هو الذي حكّم القرآن في خلافته وقرأه وتعبد به، ولو كان لديه غيره لأخرجه للناس ولم يجز أن يتعبد الله بكتاب محرف وناقص، ولو كان شيء مما يدعون لأخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه، وعارض به هذا القرآن المحرف –كما يدعون – ولتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة، لأن من أقر الخائن على خيانته كان كفاعلها.. وقد حارب علي معاوية على أقل من هذا الأمر، فكيف لم يفعل ذلك أمير المؤمنين؟!!

لم يجد أصحاب هذا الافتراء ما يجيبون به عن هذا السؤال الكبير الذي ينسف بنيانهم من القواعد سوى قولهم على لسان عالمهم نعمة الله الجزائري [وله منزلته عندهم، وصفوه بأنه السيد السند، والركن المعتمد، المحدث النبيه، المحقق، النحرير، المدقق العزيز النظير، وقالوا بأنه من أكابر متأخري علماء الإمامية، محدث جليل القدر، ومحقق عظيم الشأن، إلى آخر أوصافهم، توفي سنة (1112ه‍) (انظر: أمل الآمل: 2/336، الكنى والألقاب: 3/298، سفينة البحار: 2/601، مقدمة الأنوار النعمانية).]: "ولما جلس أمير المؤمنين – عليه السلام – على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على ما سبقه" [الأنوار النعمانية: 2/362.].

هكذا يجيبون وبهذا يعتذرون.. وأي قدح وسب لأمير المؤمنين ممن يزعم التشيع له أبلغ من هذا وأشد.. إنهم يتهمون علياً – رضي الله عنه – بأنه راعى المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة، ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن.. سبحانك هذا بهتان عظيم!.

كما أنهم ربطوا وجود المصحف بإمامهم المنتظر الذي لم يولد أصلاً ولا وجود له – كما سيأتي – والإمام الغائب والمصحف الغائب كلاهما وهم وخيال.

والكلمات المفتراة والتي قدموها على أنها آيات ساقطة من المصحف انكشف بها كذبهم وظهر بها بهتانهم، فهي أشبه ما تكون بمفتريات مسيلمة المتنبئ الكذاب وادعاءاته.. لا تربطها بلغة العرب، وبلاغة اللسان العربي أدنى رابطة – كما سيأتي -، ثم إنهم رجعوا على أنفسهم وقالوا: لا اعتماد على تلك الكلمات ولا تعتبر من القرآن، ولا يجوز القراءة بها، لأن طريقها آحاد، والأئمة قرأوا هذا القرآن واستعملوه فلا يترك ما أجمعوا عليه بمثل هذه الروايات.. ثم انفصل منهم طائفة عاقلة تبرأت من هذا الكفر لما رأت من تناقضه ووضوح بطلانه.. وهاجمت من قال به من أصحابها وكشفت كذبه وكفى الله المؤمنين القتال.. وهذا الصراع الدائر بين الطائفتين ينكشف من خلال كتاب فصل الخطاب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، فحملت هذه المقالة أسباب فنائها في أحشائها، وانكشف عوارها وكذبها بكلمات أصحابها، وفي هذا آيات للمؤمنين، وبرهان من براهين عظمة هذا القرآن، وسر من أسرار إعجازه والتي لا تحيط بها العقول، وشاهد من شواهد تحقيق وعد الله بحفظه لكتابه العزيز.

وفيما يلي نبدأ بدراسة هذه القضية عند الشيعة، ومتى بدأت، وكيف امتدت، ومن الذي تولى كبر وضعها، وهل تقول الشيعة كلها بذلك أو فيها من أنكر وتبرأ؟ وسنذكر أولاً ما تقوله كتب السنة، ثم نرجع لتحقيق ذلك من كتب الشيعة الاثني عشرية نفسها:

بداية هذا الافتراء – كما تقوله مصادر أهل السنة:

يقول الإمام أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري [محمد بن القاسم بن محمد.. أبو بكر بن الأنباري، قال الخطيب البغدادي: "كان صدوقاً فاضلاً ديناً خيراً من أهل السنة، وصنف كتباً كثيرة في علوم القرآن.. والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة.. وكان من أحفظ الناس للغة وتفسير القرآن". (انظر: تاريخ بغداد: 3/181-186).]: "لم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون شرف القرآن وعلو منزلته.. حتى نبغ في زماننا هذا زائع عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة.. فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان – رضي الله عنه – باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذا كان قد سقط منه خمسمائة حرف.. (ثم ذكر ابن الأبناري) أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحاداً، فكان يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة)" [تفسير القرطبي: 1/28.].

هذا النص قاله ابن الأنباري المولود سنة (271ه‍) والمتوفى سنة (328ه‍) وهو يشير إلى أن هذا الافتراء بدأ في زمنه في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. ويدل النص المذكور أيضاً على: أن مصدر هذا الافتراء من طائفة الشيعة كما تفيده تلك الزيادة المفتراة (بسيف علي) كما يدل على أنه لم يكن للأمة المسلمة في ماضيها عهد بهذه المفتريات حتى ظهر هذا الزائغ عن الملة، وكأن ابن الأنباري بهذا يشير إلى شخص بعينه إلا أنه لم يذكره باسمه.. ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته.

بينما نجد المطلي (ت 377ه‍) يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم [هشام بن الحكم: أصله كوفي، وسكن بغداد، وتربى في أحضان بعض الزنادقة، وكان في الأصل على مذهب الجهمية، ثم قال بالتجسيم.. نقلت عنه مقالات ضالة وتنسب له كتب الفرق فرقة "الهشامية" من الشيعة. توفي سنة (179ه‍) كما في رجال الكشي، وقيل: (190ه‍) انظر: رجال الكشي: ص 255-280، رجال النجاشي: ص 338، وانظر: ابن حجر/ لسان الميزان: 6/194، وانظر عن الهشامية: الملطي/ التنبيه والرد: ص 24، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: 1/106، البغدادي الفرق بين الفرق: ص 65، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/184وغيرها.] فإنه زعم أن القرآن الذي في أيدي الناس وضع أيام عثمان، وأما القرآن فقد صعد به إلى السماء لردة الصحابة بزعمه [التنبيه والرد: ص 25.].

ولكن هشام بن الحكم توفي سنة (190ه‍) وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة، وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها.. إذا أدركنا ذلك فإنه لا يبعد أن يكون ما يقوله المطلي في أن هشاماً هو الذي تولى كبر هذا الافتراء.. لا يبعد أن يكون هذا واقعاً لاسيماً أن هشاماً كان من أول من تكلم في الإمامة، حتى قال ابن النديم: "إن هشام بن الحكم ممن فتق الكلام في الإمامة، وله من الكتب كتاب الإمامة" [الفهرست: ص175.]، وقال ابن المطهر الحلي: "وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب بالنظر" [رجال الحلي: ص 178.].

ويشفع لتأهيل هشام بن الحكم – أيضاً – لهذه الفرية ما جاء في رجال الكشي- عمدة الشيعة في كتب الرجال – ونصه: "هشان بن الحكم من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" [رجال الكشي: ص 278.]. وقال القاضي عبد الجبار (المعتزلي): "هشام.. ليس من أهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع أبي شاكر الديصاني [انظر: ابن النديم/ الفهرست: ص 338.]  صاحب الديصانية [الديصانية: إحدى فرق الثنوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، وتعتبر أصلاً للمانوية، وإنما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة (الملل والنحل: 1/250، الفهرست لابن النديم: ص 338-339).] وكان معروفاً به وبصحبته، فادعى أنه من الشيعة، فخلصه بعض أصحاب المهدي حين ادعى أنه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع أبي شاكر [انظر: تثبيت دلائل النبوة: ص 225.]، فهو قد تربى في أحضان الزنادقة، والشيء من معدنه لا يستغرب.. وقد أوعز إليه – كما في رجال الكشي – بلزوم الصمت حين جدّ المهدي العباسي بتتبع الزنادقة" [انظر: رجال الكشي: ص 265-266.]. قال هشام: "فكففت عن الكلام حتى مات المهدي" [رجال الكشي: ص 266.].

فتشير القرائن – كما ترى – إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه "الفرية" وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن الجاحظ قال: "أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر [كذا في الطبعة المحققة من "الفصل" ولعل الصواب أبو جعفر، لأن أباه علي كما هو المشهور في كتب التراجم.] الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحيت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة، آية: 40.]. قالا: فضحك والله شيطان الطاق طويلاً حتى كأنّا نحن الذي أذنبنا" [الفصل: 5/39.].

هذه الحكاية أوردها ابن حزم عن الجاحظ، وقد قال ابن حزم عن الجاحظ بأنه رغم مجونه وضلاله: "فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتاً لها، وإن كان كثيراً لإيراد كذب غيره" [الفصل: 5/39.]. وشيطان الطاق وهو محمد بن علي ابن النعمان أو جعفر الأحول توفي سنة (160ه‍) [نسب إليه أنه يقول: إن الله لا يعلم شيئاً حتى يكون، وضلالات أخرى، تنسب له فرقة "الشيطانية" أو النعمانية من غلاة الشيعة.

(انظر: رجال الكشي: ص 185، رجال النجاشي: ص 249، لسان الميزان: 5/300-301، فرق الشيعة للنوبختي: ص 78، سفينة البحار: 1/333، مقالات الإسلاميين: 1/111، الملل والنحل: 1/186، الانتصار لابن الخياط: ص14-48).]، والمعروف أن شيطان الطاق معاصر لهشام بن الحكم، قال ابن حجر: "قيل إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق" فقد يكون أحد الشركاء في هذه "الجريمة" مع هشام بن الحكم، فهو شريك في التأليف حول مسألة الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية.

شيوع هذه المقالة عندهم كما تقول كتب أهل السنة:

ثم فشت هذه المقالة في الشيعة الاثني عشرية والذي يلقبهم الأشعري وغيره بالرافضة كما أسلفنا حتى أصبحت – كما يذكر الأشعري – (المتوفى سنة 330ه‍) مقالة لطائفة من هؤلاء الروافض زعموا: "أن القرآن قد نقص منه، وأما الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غير منه شيء عما كان عليه، فأما ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه، والإمام يحيط علماً به" [مقالات الإسلاميين: 1/119-120.]، بينما اتجهت فرقة أخرى من هؤلاء يصفهم الأشعري بأنه ممن جمع القول بالاعتزال والإمامة إلى إنكار هذا القول وقالت: "إن القرآن ما نقص منه، ولا زيد فيه، وإنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه – عليه الصلاة والسلام – لم يغير ولم يبدل، ولا زال على ما كان عليه" [مقالات الإسلاميين: 1/119-120.]. وهناك فرقة ثالثة سقط – فيما يظهر- ذكر مذهبها [كما يبدو من خلال النسخة المطبوعة من مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ج‍1ص120) وفي المطبوعة الأخرى للمقالات تحقيق هلموت ريتر ذكر في تحقيقه للكتاب بأنه قد وجد في بعض النسخ الخطية تعليقة في الهامش تقول: "سقط فرقة من الترتيب والعدد وهم الذين يجوزون الزيادة ولا يجوزون النقص منه (انظر: هامش مقالات الإسلاميين: ص 47 تحقيق هلموت ريتر) وقد يكون هذا استنتاج من الناسخ؛ حيث لا يوجد من الشيعة قائل بذلك، فقد ذكر الطوسي في التبيان (1/15)، والطبرسي في مجمع البيان (1/30) أن الزيادة مجمع على بطلانها عندهم".].

كما يشير البغدادي (المتوفى سنة 429ه‍) إلى أن من الرافضة من زعم أن الصحابة غيروا بعض القرآن، وحرفوا بعضه، واعتبر ذلك من موجبات الحكم بكفرها وخروجهم عن الإسلام [انظر: الفرق بين الفرق: ص327.].

ويبدو أن هذا المنكر زاد انتشاره بين هؤلاء القوم حتى إننا نجد ابن حزم (المتوفى 456ه‍) ينسب هذه المقالة إلى طائفة الإمام كلها، ولم يستثن من أعلام الإمامية إلا ثلاثة نجوا من الوقوع في هذه الهاوية [انظر: الفصل: 5/40.].

وكذلك القاضي أبو يعلى (المتوفى سنة 458ه‍) ينسب هذه المقالة إلى طائفة الرافضة [المعتمد في أصول الدين: ص 258، ويشير القاضي أبو يعلى إلى جهل هؤلاء الروافض وإنكارهم للقضايا الضرورية ومكابرتهم في ذلك للحقاق المتواترة؛ حيث إن القرآن قد جمع بمحضر من الصحابة – بما فيهم علي رضي الله عنه – وأجمعوا عليه، ولم ينكره منكر، وإن مثل هذا لو كان لاستحال كتمانه في مستقر العادة، ولوجب على عليّ وغيره إنكاره، وقد كان علي – رضي الله عنه – يقرأه ويستعمله.. (المعتمد: ص258).] والتي هي من ألقاب الاثني عشرية – كما سبق -، بينما نجد شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى سنة 728ه‍) يعزو هذه المقالة – فيما يظهر – للباطنية حيث قال: "وكذلك – أي يحكم بكفره – من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية" [الصارم المسلول: ص 586.].

فهل شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر الاثني عشرية في عداد الباطنية، أو غاب عنه أنهم يذهبون هذا المذهب فلم يذكرهم، أو أن الشيخ في هذه النسبة ركز على المعنى الأخير وهو التأويل الباطني الذي تعتمده القرامطة الباطنية؟

علي أي الأحوال فإني لم أجد – فيما قرأت – لشيخ الإسلام أنه ينسب هذه الفرية لطائفة الاثني عشرية، لا في منهاج السنة الذي رد فيه على شيخهم ابن المطهر الحلي ولا في غيره من كتبه المنشورة التي اطلعت عليها.

ويكشف – ميرزا مخدوم الشيرازي (من القرن العاشر) وقد عاش بين الشيعة وقرأ الكثير من كتبهم – كما يقول [حيث يذكر أنه اضطر للبقاء بين ظهرانيهم، ولزمته مخالطتهم ومطالعة كتبهم.. وقد اطلع بسبب ذلك على الكثير من ضلالاتهم وأباطيلهم.

(انظر: النواقض: الورقة 110، 115، 165) (مخطوط) حتى قال: «لم يطلع أحد على تفصيل كتبهم وأقوالهم وشروح عاداتهم وأعمالهم كما اطلعت عليه، فلا يقدرون على أن يقولوا قد افترى علينا مثل ما يقولون في مقابلة ما نسبه سلفنا في كتبهم الكلامية إلى الرافضة (المصدر السابق الورقة: 87-أ).]– "أنهم ذكروا في كتب حديثهم وكلامهم أن عثمان – رضي الله عنه – نقص من آيات القرآن – بزعمهم – ويشير إلى أمثلة مما قالوه في القرآن كقولهم: إنه كان في سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ} بعد قوله سبحانه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} كان بعدها – كما يفترون – "وعلياً صهرك" [النواقض/ الورقة 103 (مخطوط) قال الشيخ محب الدين الخطيب: «وهم لا يخجلون من هذا الزعم مع عملمهم بأن سورة ) أَلَمْ نَشْرَحْ ( مكية وإنما كان صهره الوحيد العاص بن الربيع الأموي» (الخطوط العريضة: ص 15).].

ويذكر مطهر بن عبد الرحمن بن علي بن إسماعيل في كتابه: "تكفير الشيعة" والذي ألفه سنة (990ه‍) يذكر ما صنعه شيعة زمانه من إحراق المصاحف وإهانتها واختراعهم – كما يقول – مصحفاً محدثاً [تكفير الشيعة: الورقة 58 (مخطوط) ذكر ذلك في الفصل الذي عقده بعنوان: "فصل في أحوال طهماسب الزنيم وزندقته وبيان كفره وإلحاده" وطهماسب هذا هو: طهماسب بن الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي المولود سنة (919ه‍) وهو أحد سلاطين الدولة الصفوية، وتولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة (930ه‍) وهو من الشيعة الاثني عشرية (انظر: دائرة المعارف (الشيعية) ج‍6 ص321).].

ويشير الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت1206ه‍) إلى ما ذكرته كتب الشيعة من القول بنقص القرآن، ويذكر بأن شيعة زمنه – على ما قيل – أظهروا سورتين يزعمون أنهما من القرآن الذي أخفاه عثمان، كل سورة مقدار جزء وألحقوهما بآخر المصحف إحداهما سورة النورين والأخرى سورة الولاء [انظر: رسالة في الرد على الرافضة: ص14.].

كما أن الصورة تتضح أكثر عند صاحب التحفة الاثني عشرية شاه عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنة (1239ه‍) الذي يذكر بأن الاثني عشرية تقول بأن الصحابة قد غيروا ونقصوا في كتاب الله ما يتصل بفضل علي وأئمتهم الاثني عشر وذلك أعدائهم، وينقل بعض الشواهد على ذلك من كتبهم، ويبين أنهم خالفوا بذلك المنقول والمعقول، وما علم من الدين بالضرورة، وما تواترت به التواريخ والوقائع، كما يبين براءة أهل البيت من هذه العقيدة، وأن من شيوخ الشيعة أنفسهم من بدأ يتبرأ من هذه العقيدة كابن بابويه [انظر: مختصر التحفة الأثني عشرية: ص 82، وانظر أيضاً: ص 30، 50، 52.].

كما يتعرض أبو الثناء الألوسي (المتوفى سنة 1270ه‍) لهذه الفرية في تفسيره، ويذكر بعض شواهدها من كتبهم، ويبين فسادها؛ لما توافر لهذا الكتاب العظيم من أسباب الحفظ بما لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء بعد من القرآن، وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين.

ثم يقول: بأنه لما تفطن بعض علمائهم لما في قولهم هذا من الفساد جعله قولاً لبعض أصحابه، واستشهد على ذلك بما قاله شيخ الشيعة الطبرسي في مجمع البيان من أن الشيعة تنكر هذه المقالة، وأنها قول لقوم من أصحابها، والصحيح خلافه، ثم قال الألوسي: وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال [روح المعاني: 1/23 وما بعدها.].

ولعل الألوسي (أبا الثناء) أول من كتب بالعربية عن هذه القضية بذلك الاستيعاب (النسبي)؛ حيث عرض لهذه الفرية مقرونة بالاستشهاد المباشر من كتبهم، وعرض أحاديثهم كما جاءت في أصول الكافي وغيره، وذكر الجناح الآخر من الشيعة الذي أنكر هذه الفرية واستشهد بكلامه، وناقشه.

وكذلك قام حفيده علامة العراق أبو المعالي الألوسي (ت1342ه‍) ببيان وقوع الشيعة في هذا الكفر عبر رسائله التي ألفها أو لخصها حول الشيعة.

هذا ويتولى الشيخ محمد رشيد رضا (المتوفى سنة 1354ه‍) بعد ذلك إثارة هذه المسألة، وفضح الشيعة في هذا عبر مجلة المنار [انظر: المجلد 29 ص 436.]، ثم في رسالته "السنة والشيعة" وذلك حينما ألجأه إلى ذلك تعصب بعض شيوخ الشيعة وعدوانهم – كم يقول – فيذكر أن رافضة الشيعة تزعم أن ما بين الدفتين ليس كلام الله بل حذف منه الصحابة – بزعمهم – بعض الآيات وسورة الولاية [السنة والشيعة: ص 43.].

ومن بعد هؤلاء يأتي الشيخ موسى جار الله (ت1369ه‍) والذي عاش بين الشيعة فترة، وتجول في مدنها، وحضر حلقات دروسها في البيوت والمساجد والمدارس، وقرأ في العديد من أمهات كتبها [الوشيعة: ص 25-26.]. ورأى أن "القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات قد نزلت، وبتغيير ترتيب الكلمات والآيات، أجمعت عليه كتب الشيعة" [المصدر السابق: ص 104.] وأن هذه الكلمات والآيات كانت كما يزعمون في علي وأولاده، وأن الذي حذف ذلك هم صحابة رسول الله، وينقل عن بعض شيوخ الشيعة أنهم قالوا بأن أخبار هذه الفرية متواترة عندهم ويلزم من ردها رد سائر أخبارهم في الإمامة والرجعة وغيرها، والحكم ببطلانها" [انظر: المصدر السابق: ص 138.].

وقد لاحظ من خلال حياته مع الشيعة في تلك الفترة تأثر المجتمع الشيعي بهذه العقيدة؛ حيث إنه لم يجد من التلاميذ ولا من العلماء من يحفظ القرآن، ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، بل ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه وأنهم اتخذوا القرآن مهجوراً [وقد استفهم عن هذه الظاهرة الخطيرة بعض شيوخ الشيعة في ورقة صغيرة كتب فيها هذه المسألة مع مسائل أخر فلم يجد إجابة (انظر: الوشيعة ص: 27-28)، ثم كتب بعد ذلك رسالة ضمنها مجموعة من عقائد الشيعة الباطلة وقدمها لشيخ مجتهدي الكاظمية ببغداد، ثم نسخت في كراريس، ووزعتها الرابطة العلمية لأساتذة النجف، ثم يذكر بأنه بعدما راجع بهذه المسائل مجتهدي الشيعة انتظر سنة وزيادة ولم يسمع جواباً من أحد إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، فقد أجابه بكتاب من تسعين صفحة بكلمات في الطعن على العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة. (الوشيعة: ص 98، 117-118).]، ويقول: هل هذا بسبب أنهم ينتظرون ما وعدَتْهم به أساطيرهم من ظهور القرآن الكامل مع منتظرهم الموعود؟ [انظر: ص 30-31، 112.].

ثم يقوم الأستاذ محب الدين الخطيب (ت1389ه‍) بمناسبة إنشاء دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أنشأها الشيعة في أرض الكنانة لبث عقيدة "الرفض" بين أهلها يقوم بالكتابة عن الشيعة في مجلة الفتح، وفي رسالته "الخطوط العريضة" ويتحدث عن هذه الفرية، ويستشهد بما جاء في كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" الذي ألفه ميرزا حسين ابن محمد تقي النوري الطبرسي أحد كبار علماء النجف، والذي بلغ من إجلال الشيعة له عند وفاته سنة (1320ه‍) أنهم دفنوه في أشرف بقعة عندهم، ويقول بأن هذا الكتاب ينطوي على مئات النصوص عن علمائهم في كتبهم المعتبرة يثبت بها أنهم جازمون بالتحريف ومؤمنون به، ويستشهد بما جاء في كتاب الكافي للكليني والذي يقول بأنه كصحيح البخاري عند أهل السنة.

كما ينشر صورة لما يسمى: "سورة الولاية" ويقول بأنها منقولة فوتوغرافياً عن أحد مصاحف إيران، ثم قال: ويبقى أن هناك قرآنين أحدهما عام ومعلوم، والآخر خاص مكتوم ومنه سورة الولاية، ثم يستشهد بما جاء في بعض نصوصهم من الفتوى بقراءة المصحف العثماني، ولكن يقول: إن خاصة الشيعة يعلم بعضهم بعضاً ما يخالف ذلك مما يزعمون وجوده عند أئمتهم من أهل البيت" [الخطوط العريضة: ص 10-19.].

كما أن الشيخ محمود الملاح (ت1389ه‍) في العراق فضح الشيعة في هذه المسألة لمواجهة محاولة شيخ الشيعة الخالصي في نشر الرفض باسم الوحدة الإسلامية [انظر كتابه: "الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد".].

ومن بعد هؤلاء نرى الشيخ إحسان إلهي ظهير يكتب عن هذه القضية في كتابه: "الشيعة والسنة" ويذهب إلى القول بأن الشيعة كلها على هذا الكفر، وينقل الشواهد الكثيرة من كتبهم التي تتضمن أخبار هذه الأسطورة، ويعد إنكار المنكرين لهذه المسألة تقية لا حقيقة، ويرى أنه قام بدراسة هذه المسألة ببيان واضح، مستند، مفصل لم يسبق إليه [السنة والشيعة: ص14.].

ثم يحاول أن يتوسع أكثر في هذه المسألة فيخصص لها كتاباً مفرداً بعنوان "الشيعة والقرآن" ينتهي فيه إلى نفس الحكم الذي انتهى إليه في كتابه السابق، ومعظم هذا الكتاب هو عبارة عن نقل حرفي بدون أدنى تعليق لكتاب لا يوجد من كتب الشيعة أجمع لنصوص الفرية منه وهو كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، والغريب أن إحسان ينتهي إلى نفس النهاية التي انتهى إليها صاحب فصل الخطاب، مع أن صاحب فصل الخطاب ألف كتابه – كما سيأتي – لإقناع طائفة من قومه أنكرت هذا الكفر وأبت أن تهضمه، واحتجت بما قاله بعض شيوخها السابقين من إنكار هذه الفرية، فرد عليها صاحب فصل الخطاب بكتابه هذا، وعزا الإنكار من شيوخه السابقين إلى التقية أو إلى عدم توفير المصادر عندهم – كما سيأتي – فذهب إحسان إلى مذهب صاحب فصل الخطاب نفسه [في فصل الخطاب يتبين أن هناك جناحين من الشيعة، جناح يقول بالتحريف، ويعتبر إنكار من أنكر تقية ويدعي إجماع الشيعة على ذلك الكفر، ويشايع هذا الجناح صاحب فصل الخطاب والذي ألف هذا الكتاب كما قلنا من أجل الرد على من أنكر ذلك.

والجناح الآخر المنكر لرأي أولئك ويدعي الإجماع على خلافه ويسرد الأدلة القوية التي تؤيد مذهبه، إلا أن صاحب الشيعة والقرآن أغفل ذكر أدلة هذه الطائفة واكتفى بسرد ما عند الطائفة الأخرى بدون أي تعليق، وكأنه اعتبر هذا الإنكار تقية فلا لزوم لذكره، ولا شك أن الأمانة تقتضي ذكر المذهبين، كما أن بذكرهما يتبين أمور كثيرة تتصل باضطراب المذهب الشيعي وفساده.]، ونعمة الله الجزائري من أن إنكار المنكرين على سبيل التقية كما سيأتي بحثه ودراسته.

كما أن للأستاذ محمد مال الله كتاباً بعنوان: «الشيعة وتحريف القرآن» انتهى فيه إلى أن شيوخ الشيعة اتفقوا على القول بهذه الفرية، واستشهد على ذلك بكلام اثني عشر شيخاً من شيوخهم يقولون بهذا الافتراء، ولم يشر إلى وجود خلاف بينهم في هذا مع أن طائفة من شيوخهم أنكروه، كما قام بالاستشهاد بأكثر من مائتي رواية لهم قال بأنها نماذج من تحريفات الشيعة للقرآن، كما قام بإعداد جدول لهذا في تعليقه على كتاب الخطوط العريضة ووضعه في نهاية الكتاب، واستخرج ذلك من طائفة من كتب الشيعة في التفسير والحديث، إلا أن فيها ما ليس بصريح في هذا الأمر بل هو يندرج بشكل واضح في باب التأويل.

كما أنه وقع – كما وقع إحسان من قبله – بذكر بعض الروايات للشيعة والتي فيها ذكر قراءة للآية مروية عن السلف واعتبرها – بجهل – من قبيل التحريف. والسبب في ذلك هو اعتمادهم بدون تدبر على كتاب فصل الخطاب..، وهناك كتابات أخرى تشابه ما ذكرناه [مثل كتاب: وجاء دور المجوس (ص114) الذي يرى أنه إنكارهم للتحريف تقية، لأنهم يعتقدون خيانة الخلفاء الثلاثة ونفاقهم، وغيرهم من جلة الصحابة، والقرآن وصلنا عن طريقهم، كما أنهم يترحمون على شيوخهم المجاهرين بهذه الفرية ويجلونهم. (ص117).]، لكن الدكتور علي أحمد السالوس وهو أحد المهتمين بقضية الشيعة، لا يتفق مع الأستاذ محب الدين الخطيب وغيره في نسبة هذا الجرم الشنيع إلى الإمامية عامة ويرى أن ذلك خاص بالإخباريين فقط، أما الأصوليين منهم فهم يتبرؤون من هذه المقالة، لكن هذا التقسيم لم يكد يسلم له بطريقة جازمة، حيث قام بمقابلة أحد مراجع الشيعة الأخبارية وسأله عن رأيه في ذلك فقال: إن التحريف وقع في القرآن الكريم من جهة المعنى فقط.

يقول الدكتور السالوس: وأعطاني كتيباً كتبه تعليقاً على مقال يهاجم الشيعة، ومما جاء في هذا الكتيب: "مذهبنا – ومذهب كل مسلم – بأن القرآن الكريم المتداول بين أيدينا ليس فيه أي تحريف بزيادة أو نقصان، وما ذكر في بعض الأحاديث بأن فيه تحريفاً ونقصاناً فهو مخالف لعقيدتنا في القرآن الكريم الذي هو الذكر الحكيم، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".

وقال الدكتور: لعل القائلين بهذه الفرية هم فريق من الأخباريين لا كلهم، أو يكون الكلام في ذلك الكتيب مبعثه التقية، ويستدل على ذلك بأنه قال في نفس ذلك الكتيب: "لم يقل الشيعة وأئمتهم بما يحط من كرامة الخلفاء المرضيين.. وقد أجري الفتح والخير للمسلمين على يد أولئك الصالحين – عليهم سلام الله ورحمته ورضوانه أجمعين – ويقول بأنه من الواضح البين أن هذا ليس رأي الشيعة" [انظر: فقه الشيعة: ص148.].

هذا ولعلماء الهند وباكستان جهود في كشف هذه الفرية في كتب الشيعة وإعلانها للمسلمين بغير اللغة العربية [انظر- مثلاً – ما كتبه الشيخ عبد الشكور فاروقي الكهنوي بعنوان: «إفسانة تحريف قرآن. ومعنى إفسانة: حكاية أو رواية.].

هذا ونكتفي بهذه الإشارة للدراسات التي قامت حول هذه "الفرية" وندع الجانب التفصيلي من التقييم، والملاحظات على بعض هذه الدراسات حتى لا نخرج من موضوعنا الأساسي؛ لأنني سأحاول أن أكتب عن هذه القضية وفق منهج آخر، وذلك بدارسة أصولها وجذورها الأساسية، وتتبع مسارها التاريخي، وإفساح المجال للصوت المنكر لهذه الأسطورة، لسماعه وتحليله، فلم أر من اعتنى بمثل ذلك. بالإضافة لمسائل أخرى قد تكون جديدة تتعلق بهذه القضية.

وقبل أن أرفع القلم أشير إلى أن تلك الدراسات والأقوال قوبلت من طائفة من شيوخ الشيعة بالإنكار، وأخذوا ينادون ويصرخون بأنهم قد ظلموا في هذه القضية وأنهم أبرياء من هذه التهمة، فما حقيقة الأمر؟ لقد رأينا من المنتمين لأهل السنة [سالم البهنساوي في كتابه: "السنة المفترى عليها".]. من بلغ به الحماس إلى أن يجمع ما جاء في كتاب إحسان إلهي ظهير ومحب الدين الخطيب من نصوص حول هذه الفرية، مقروناً بمصادره التي نقلت عنها ويعرضه على أحد شيوخ الشيعة [وهو كما قال "محمد مهدي الآصفي" ووصفه بأنه: "الأخ الصديق الإمام" وهو يقيم في الكويت.] ويطلب منه الإجابة على ذلك.. فكان من جواب هذا الشيعي أن: سلامة القرآن الكريم من التحريف موضع اتفاق وإجماع علماء الشيعة الإمامية، ومن شذ منهم في هذه المسألة فلا يعبأ برأيه كما من شذ عن هذا الإجماع من علماء السنة" [لاحظ الكذب على علماء السنة، فلا يوجد من علمائهم من قال بهذا الافتراء.

ولكن هذه إشارة لها مغزى سيأتي الوقوف عندها وعند سائر أخطائه وتناقضاته في مبحث «الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم» إن شاء الله.].

ثم استدل ببعض أقوال شيوخهم في إنكار هذه الفرية، كما ذكر أن في كتب الحديث عندهم الصحيح وغيره، وأن الروايات التي ذكرها في رسالته غير معتبرة إجمالاً وقال: "وقد عرفنا إجماع الطائفة واتفاقها قائم على رفض التحريف في كتاب الله، فهذه الروايات إذن مهما كثرت فهي مردودة عندنا، ولا تسل لماذا تثبت هذه الروايات في المجاميع عندنا، فهي مجاميع خاضعة للنقد والاجتهاد، وليست صحاحاً للأخذ والعمل" [الآصفى/ البيان التوضيحي حول دعوى تحريف القرآن، ضمن كتاب: "السنة المفترى عليها": ص 68-75.].

ولكثرة إنكار الشيعة وشيوخها لهذا الفرية – إن حقيقة أو تقية – قال الدكتور رشدي عليان: "وأرى مادام المعتمدون من علماء الطائفة يذهبون إلى أنه لا تبديل ولا تحريف ولا نقص ولا زيادة في كتاب الله أن نكتفي بذلك ولا داعي لترديد بعض الآراء الشاذة وذكر الروايات الواهية الموضوعة في ذلك" [العقل عند الشيعة الإمامية: ص 49.].

وقال الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه إظهار الحق بعد نقله لكلام طائفة من شيوخهم في إنكار هذه الفرية: "فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو مما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.." [إظهار الحق: ص 77.].

وبعدما عرفنا ما جاء في كتب المنتمين لأهل السنة، ولاحظنا أن المتقدمين من أهل السنة كالأشعري يرى أن الشيعة فريقان: فريق يقول بهذا الكفر وفريق ينكره، ثم نرى هذه الفرية عند البغدادي وأبي يعلي تنسب إلى الرافضة عموماً، ولكن نلاحظ في بعض كتابات المتأخرين كأبي الثناء الألوسي، والدكتور السالوس وغيرهما أن الشيعة في هذا طائفتان، ويميز بينهما الدكتور السالسوس بالاسم فيرى بأن الأصوليين قد ردوا أخبار هذه الأسطورة بحكم منهجهم في نقد النصوص، بينما قبلها الأخباريون لأنهم يقبلون كل ما نسب لأئمتهم من روايات، كما ترى إشارة إلى شيء من الخلاف فيما جاء على لسان الشيخ رحمه الله الهندي، بينما يرى د. رشدي عليان ألا يذكر سوى هذا القول عن الشيعة؛ لأن ما سواه عندهم رأي شاذ موضوع. بينما نرى صنفاً آخر من المعاصرين كالشيخ محب الدين الخطيب وإحسان إلهي ظهير وغيرهما يرى أن الاثني عشرية كلها على هذا، ومن أنكر منهم ذلك فإنكاره من قبيل التقية وليس بحقيقة.

وبعد هذا نرجع إلى مصادر الشيعة المعتمدة عندها نستنطقها علّنا نعرف جلية الخبر عندها، هل ما يقال عنهم ليس بثابت عندهم؟ فلقد وجد من الطوائف ومن العلماء من افترى عليه وظلم وقيل عنه ما ليس فيه، وما ورد في كتب الفرق والمقالات نقول عن المخالف، وقد تكون تخريجات وإلزامات بعيدة عما يقتضيه المذهب، أو تكون ليست بثابتة، أو لها تأويل آخر عندهم، ولذا قبل: "إن نقل المخالف لا يعتد به" [القاسمي/ تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص 22.].

والعدل والإنصاف واجب ولازم {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء، آية: 58.]، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة، آية: 8.].

ما تقوله مصادر الشيعة في هذه الفرية:

وقبل أن نأخذ بيد القارئ في رحلة تبدأ من نقطة الصفر من أول كتاب وضعه الشيعة وألفوه، نعرض لصوتين مختلفتين ومتعارضين، هذان الصوتان المتعارضان كان لهما – في الغالب – وجود وصدى في كل الكتب الشيعية التي تعرضت لهذه القضية، فلنستمع إليهما ليتسنى إدراك وتصور هذه المسألة عند هؤلاء حتى لا يحصل غبش في تصورها في رحلة قد تطول مراحلها بين محطات الكتب الشيعية المختلفة.

يقول شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي (ت381ه‍) صاحب من لا يحضره الفقيه.. وهو واحد من أهم كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.. ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" [الاعتقادات: ص 101-102.].

هذا قول شيخهم الملقب عندهم بالصدوق، ويشايعه في قوله هذا آخرون من شيعته. ويقول المفيد (ت413ه‍): "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان" [أوائل المقالات: ص 54.] ويقول: "واتفقوا – أي الإمامية – على أن أئمة الضلال [يعني بهم كبار صحابة رسول صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنه ورضوا عنه، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة قبل علي رضي الله عنهم.] خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم" [أوائل المقالات: ص 13.]. ويقول بما قاله مفيدهم – الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام – طائفة من شيوخهم.

هذان قولان مختلفان ومتعارضان صدرا من شيخين من شيوخهم يجمعهما وحدة الزمان والمكان، ويتفقان في الهوية المذهبية، بل إن هذا المفيد هو تلميذ لابن بابويه القمي. فمن نصدق منهما؟ وأي القولين يعبر عن مذهب الشيعة؟ ونجد أن تلميذين من تلامذة المفيد ومن أكبر شيوخ الشيعة– وهما الطوسي، وابن المرتضى – يقولان بما قاله ابن بابويه وأن مذهب أهل التحقيق من الشيعة إنكار هذه الفرية – كما سيأتي -، وكل قول من هذين القولين يؤيده جناح من الشيعة، بل يدعي حيناً أن لا قول للشيعة سواه وغيره افتراء على الشيعة وكذب.. والتعرف على الحقيقة وسط هذا الركام من الأقوال المتعارضة والمتناقضة ليس بسهل المنال..

وإذا لاحظنا أن من أركان الدين عند هؤلاء «التقية» ولادين لمن لا تقية له؛ أدركنا أن الحقيقة محجوبة بغيوم من الكذب والتزوير، وركام من التناقضات والتعارضات، وعقبات من التقية والكتمان.. ولهذا سنرى في مبحث التقية أن الحقيقة التي تعبر عن مذهب الأئمة قد تخفى على شيوخ الشيعة أنفسهم فلا يعلمون أي القولين تقية، فكان هذا من أسباب ضياع مذهب الأئمة واستمرار الغلو.

ولهذا سنبدأ بدراسة هذه القضية من بدايتها، والتحري في صدق الأقوال من تقيتها، بتحليل الأقوال ومقارنتها مما صدر عن صاحبها في كتبه الأخرى، وأسأل الله سبحانه أن يعصمنا من اتهام الآخرين بما ليس فيهم، وأن يجنبنا مواضع الزلل في أقوالنا وأحكامنا.

وسنتناول هذه القضية الخطيرة التي يترتب على رمي الشيعة بها انفصالها عن المسلمين لمفارقتها للأصل الذي يتفقون عليه – سنتناولها فيما يلي وفق التصوير التالي:

أقوم أولاً بتتبع الكتب التي شاركت في وضع هذا الكفر بين الشيعة، وأعرض لها، وأتوقف في أول الأمر لدراسة أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية، ومن الذي وضعه، ورأى شيوخ الشيعة فيه؛ لما في ذلك من أهمية في بيان جذور هذا البلاء، واكتشاف الأيدي السبئية التي شاركت في هذه الجريمة، ثم نتحدث كيف امتدت منه إلى سائر كتب الشيعة.

وبعد ذلك نعرض لمضامين هذه الكتب ونصوصها المتصلة بقضية التحريف، وحجمها ووزنها عندهم، وما يقولونه في مصحف علي، وما يقال بأن عندهم مصحفاً سرياً يتداولونه فيما بينهم، وإنكار جملة من شيوخ الشيعة لهذا الكفر، وهل هذا الإنكار تقية أو حقيقة. كل ذلك نعرض له من كتب الشيعة نفسها، إلا ما جاء عرضاً في مناقشة بعض المسائل، وإن رأيت شيئاً من الإطالة في هذا المبحث فللخطورة الكبرى له، واختلاف الناس حول رمي الشيعة به – كما سلف الإشارة إلى ذلك -.

بداية الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة:

أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية هو: "كتاب سليم بن قيس [تقول كتب الشيعة: "سليم بن قيس الهلالي يكنى أبا صادق، كان من أصحاب أمير المؤمنين وكان هارباً من الحجاج لأنه طلبه ليقتله ولجأ إلى أبان بن أبي عياش فأواه، فلما حضرته الوفاة أعطاه (سليم) كتاباً وهو كتاب سليم بن قيس. توفي سنة (90ه‍)". (البرقي/ الرجال: ص 3-4، الطوسي/ الفهرست: ص 111، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، رجال الكشي: ص 167، رجال الحلي: ص 82، 83).]. الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش [أبان بن أبي عياش فيروز أبو إسماعيل، قال الإمام أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر، وقال: لا يكتب حديثه كان منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً، وقال شعبة: ابن أبي عياش كان يكذب في الحديث. توفي سنة (138ه‍).

(انظر: تهذيب التهذيب: 1/97-101، العقيلي/ الضعفاء: 1/38-41، ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل: 2/295-296) هذا بعض ما قاله أئمة أهل السنة، وفي كتب الشيعة. يقول ابن المطهر الحلي: أبان بن أبي عياش ضعيف جداً، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه، ومثل ذلك قال الأردبيلي (انظر: رجال الحلي: ص 206، جامع الرواة: 1/9).]، لم يروه عنه غيره [انظر: الفهرست: ص 219، الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83، الأردبيلي/ جامع الرواة: 1/374، البروجردي/ البرهان: ص104.]، وهو: "أول كتاب ظهر للشيعة" كما يقول ابن النديم [الفهرست: ص 219، وانظر: الذريعة: 2/152.] وغيره.

وقد أكثر الشيعة من مدحه وتوثيقه والثناء على كتابه [يروون عن أبي عبد الله أنه قال فيه: "من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم ابن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئاً، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله" مقدمة كتاب سليم بن قيس ص: 4، أغا بزرك الطهراني/ الذريعة: 2/152، وانظر: هامش وسائل الشيعة: 2/42 رقم (4).

وقال النعماني: "وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة – عليهم السلام – خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواه أهل العلم وحملة حديث أهل البيت – عليهم السلام  وأقدمها، لأن جميع ما اشتمل عليه الأصل إنما هو عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وأمير المؤمنين، والمقداد، وسلمان الفارسي، وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها". (انظر: النعماني/ الغيبية ص 61ط. الأعلمي بيروت، وص47 ط. إيران، وانظر: وسائل الشيعة: 20-210).

وقال المجلسي: "وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام"، ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن علياً ابن الحسين – برأه الله مما يفترون – قرئ عليه الكتاب وقال: "صدق سليم" (بحار الأنوار: 1/156-158، وانظر في بعض الروايات التي أشرنا إليها: رجال الكشي: ص 104-105).] رغم أنني لم أجد لمؤلفه ذكراً فيما رجعت إليه من مصادر [رجعت في البحث عنه إلى مصادر كثيرة من كتب أهل السنة فلم أجد له ذكراً، فلم أجده مثلاً في تاريخ الطبري كما يظهر ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي وضعه أبو الفضل إبراهيم، وكذلك تاريخ ابن الأثير كما يبدو من فهارسه التي وضعها إحسان عباس (أو سيف الدين الكاتب) وليس له ذكر في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، والبداية والنهاية لابن كثير، وطبقات ابن سعد، ولا في مجموعة من كتب الرجال مثل: لسان الميزان، أو التاريخ الكبير والصغير للبخاري، أو تهذيب الكمال للمزي.. إلخ مع أنه مؤلف أول كتاب في الإسلام، ولاحقه الحجاج لقتله.. إلخ فمن برز في هذين الاتجاهين الفكري، والسياسي يستبعد أن ينسى، ونسيانه دليل على أن ما تقوله الشيعة عنه مجرد دعوى، فقد يكون شخصية خيالية، أو نكرة من النكرات.]، ولو صدق بعض ما تذكره الشيعة فيه لكان شيئاً مذكوراً، ولكنه لم يذكر إلا في كتب الشيعة وحدها، بل إن من متقدمي الشيعة من قال: "إن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر" [رجال الحلي: ص83.] وإن كان هذا ليس بمرضي عند متأخري الشيعة. ورغم أن الكتاب يحمل أخطر آراء السبئية وهو تأليه علي ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين [جاء في بعض روايات الكتاب مخاطبة علي هذه الألقاب: "يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم"، ويقول: "إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وأنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات" (كتاب سليم بن قيس ص 38 ط: الأعلمي، وص 31-32 ط: النجف)، وهذه الأوصاف هي آثار السبئية التي تؤله علياً، والتي ورثتها الاثنا عشرية، واستبقت أقوالها في مصادرها، ونسبتها لآل البيت، فأزرت على الآل بهذا وأمثاله، وهي تدعي التشيع لهم.. وهذه أوصاف لرب العالمين: قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد، آية: 3].] فإن كل ذلك لم يحد من مبالغات الشيعة في مدحه وتوثيقه في روايات ينسبونها لآل البيت، وأقوال صدرت من كبار شيوخهم [انظر: ص(270) هامش رقم: (5).] حتى اعتبروه أصلاً من أصول آل محمد وسراً من أسرارهم، رغم أنه يحمل برهان وضعه سنداً ومتناً فهو من روايات أبان وهو متروك أو ضعيف عند أهل السنة، وضعيف في كتب الرجال عند الشيعة [انظر: ص (270) هامش رقم:  (2).] أيضاً، وسليم الذي يزعمون أنه مؤلف الكتاب مجهول، وقد لا يكون له وجود في إلا في خيالات الشيعة [انظر: ص(271) هامش رقم: (1).]، والكتاب مضطربة طرقه ولكنهم يقولون: "ما يتراءى من الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا" [الخوانساري/ روضات الجنات: 4/68.]. وجملة من متون الكتاب تجعله في عداد الكتب الباطنية الإلحادية، ومع ذلك فقد اعتمد النقل عنه أصحاب الكتب الأربعة المعتمدة عندهم وآخرون من شيوخهم [الكليني يعتمد عليه وأخرج له في عدة أبواب؛ كباب ما جاء في الاثني عشرية (انظر أصول الكافي: 1/252) وباب دعائم الكفر (انظر: المصدر السابق: 2/391) وغيرها. ومثله شيخهم ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق في من لا يحضره الفقيه (انظر: روضات الجنات 4/68، الذريعة: 2/154) ومثله الاحتجاج للطبرسي، والاختصاص للمفيد، وتفسير فرات وغيرها. انظر: مقدمة كتاب سليم ابن قيس ص 6.]. وسجل في هذا الكتاب جملة من عقائد غلاة الشيعة.

والمفاجأة في هذا الموضوع أن بعض شيوخ الشيعة أماط اللثام عن حقيقة هذا الكتاب، وكشف النقاب عن هويته؛ إذ قد رابهم شيء في هذا الكتاب فرأوا من الواجب كشفه قبل أن يقوض أساس التشيع الاثني عشري نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الذي رابهم وأشكل عليهم هو تأليه علي، أو الطعن في القرآن أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الخطر الذي اكتشفوه في الكتاب: "هو أنه جعل الأئمة ثلاث عشر" وهذه طامة كبرى تهدد بنيان الاثني عشرية بالسقوط، ولاسيما أن هذا وجد في كتاب يعتبر أبجد الشيعة، وأول كتاب ظهر لهم، ولهذا كفونا مؤنة نقض هذا الكتاب. فقرر فريق منهم أن "الكتاب موضوع لا مرية فيه" [انظر: رجال الحلي: ص 83، ابن داود/ الرجال: ص 413، 414.].

وبدأوا يبينون عيوب الكتاب وأمارات وضعه فقالوا: إنه خالف التاريخ بقوله: "إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي" مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات [انظر: الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، رجال الحلي: ص83.]، كما أنه جعل الأئمة ثلاث عشر، وقالوا: بأن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر، وأن أسانيد الكتاب مختلفة مضطربة [انظر: رجال الحلي: ص83، الخوانساري/ روضات الجنات: 4/67، ابن داود/ الرجال: ص 413-414.]، واتهموا في وضع الكتاب أبان بن أبي عياش [انظر: رجال الحلي: ص206، ابن داود/ الرجال: ص413-414.].

وحدد بعض المعاصرين تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح [هو: أبو الحسن الشعراني/ في تعليقه على الكافي مع شرحه للمازندراني: 2/373-374.]- ولم يبين دليله فيما ذهب إليه – وفريق منهم عزّ عليهم – فيما يبدو – أنه يفقدوا هذا الكتاب جملة واحدة مع أنه أصل من أصولهم وعمدة لشيوخهم.. فقال هذا الفريق: "والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه" [رجال الحلي: ص83، وسائل الشيعة: 20/210.] مع أن هذا الفاسد ينقض بنيان الاثني عشرية من الأساس وذلك في جعله الأئمة ثلاثة عشر.

ولهذا لم يرتض هذا القول من الدوائر الشيعية فرأى فريق منهم القيام بعمل جذري ينهي المشكلة التي أقلقتهم من أساسها فقاموا بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي.

وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: "إن ما وصل إلينا من نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند الموت" [روضات الجنات: 4/69.]. وقال الحر العاملي: "والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما استدل به على الوضع" [وسائل الشيعة: 20/210.]. وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر الشيعة والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب [ط: النجف بالمطبعة الحيدرية، وطبعة الأعلمي ببيروت.] فلم أجد لها ذكراً فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتبهم ويزيدون وينقصون. ومع هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار [بحار الأنوار: 1/32.]، والحر العاملي في الوسائل [وسائل الشيعة: 20/210.] وغيرهما.

هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية التي افترت هذه الفرية، إذ إننا نلاحظ أن الفرية بدأت من كتاب سليم بن قيس الذي اتهموا في وضعه أبان، وحدد بعضهم تاريخ وضعه بأنه في آخر الدولة الأموية. أما من تولى كبر هذا الوضع لهذه الفرية فإن بعض شيوخ الشيعة يتهم فيه أبان، وقد سبق أن ذكرنا أن الملطي يتهم فيه هشان بن الحكم، يعني أن هذه الفرية لم يكن لها وجود قبل القرن الثاني، وقد تتبعت الآراء المنسوبة لابن سبأ وطائفة السبئية فلم أجد أن هذه المقالة قد نقلت عن ابن سبأ لأنها – فيما يبدو – لم تخطر على باله لوضوح بطلانها أمام الجيل الذي عاصر التنزيل، ولأنها وسيلة سريعة لانكشاف كذبه، فلم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية. لم يقل إن الصحابة حرفوا القرآن ولكن عدل عن ذلك إلى القول: "بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" [الجوزجاني/ أحوال الرجال: ص38.]، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (ت95ه‍) وهو قوله: "ومن خصومه هذه السبئية التي أدركنا يقولوا (كذا) هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتماً شيئاً مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [كتاب الإيمان لمحمد بن أبي عمر المكي العدني: ص249-250 (مخطوط) والآية رقم (37) من سورة الأحزاب.].

فإذن لم تكن هذه القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة، ولا يجدي في هذا تتبع أسانيد روايات التحريف؛ لأن في أخبارها ما هو عار من السند كالروايات التي جاءت في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ولأن مسألة الإسناد عندهم قد وجدت بعض القرائن – كما سيأتي – التي تدل على أنها صنعت متأخرة، كما أن من أساليبهم وضع الأسانيد الصحيحة لمتون مكذوبة فلا يعطي سلوك هذا المنهج نتيجة جازمة.

شيوع هذه الفرية في كتب الشيعة:

قد لاحظنا أن البداية – إذا أخذنا بأقوالهم – كانت بكتاب سُليم وبدأت القضية بروايتين فقط، وليس فيها الصراحة التي نجدها عند من بعده – كما سترى أثناء عرضنا لروايات التحريف بعد نهاية هذه المسألة – فكأن المسألة في كتابه لا  تزال في بدايتها لم يكثر الوضع والكذب حولها، ولكنها بداية في كتاب قوبل بالرفض من بعض الشيعة؛ فهذا يعني الحكم بالموت على هذه المقالة، لولا أنه جاء في القرن الثالث من تلقف هذه الأسطورة وزاد عليها، وأرسى دعائمها الباطلة.

جاء شيخهم علي بن إبراهيم القمي هو شيخ الكليني صاحب الكافي وحشا تفسيره بهذه الأسطورة [انظر – على سبيل المثال -: تفسير القمي: 1/48، 100، 110، 118، 122، 123، 142، 159، ج‍2 ص21، 111، 125، وغيرها كثير، وسيأتي ذكر بعضها.] وصرح بها في مقدمة تفسيره [تفسير القمي: 1/10.]. ولهذا قال شيخهم الكاشاني: "فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه" [تفسير الصافي: 1/52.] وكذلك قال شيخهم الآخر النوري الطبرسي: "وقد صرح (يعني القمي) بهذا المعتقد في أول تفسيره وملأ كتابه من أخباره مع التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته" [الطبرسي/ فصل الخطاب الورقة (13) (النسخة المخطوطة) وص 26 من المطبوعة.]. ومع أن هذا الكتاب قد ملئ بهذه الزندقة فإن كبير علماء الشيعة اليوم "الخوئي" يوثق روايات القمي كلها – كلما سلف – [انظر نص ذلك عن الخوئي في مقدمة هذه الرسالة، أو معجم رجال الحديث للخوئي: 1/63.].

ومن بعد القمي جاء تلميذه الكليني المتوفى سنة (328ه‍) أو (329ه‍) الملقب عند الشيعة ب"ثقة الإسلام" ومؤلف أصح كتاب من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرواية عندهم.

وقد روى الكليني في الكافي من أخبار هذه الأسطورة الشيء الكثير [انظر: أصول الكافي، باب فيه نكت ونتف في التنزيل في الولاية من الجزء الأول ص 413 وما بعدها، وأرقام هذه الروايات كالتالي: 8، 23، 25، 26، 27، 28، 31، 32، 45، 58، 59، 60، 64.

وانظر: الجزء الثاني من الكافي باب أن القرآن يرفع كما أنزل ص 619 رقم 2، وباب النوادر ص627 وما بعدها رقم: 2، 3، 4، 23، 28، وهذه الروايات المشار إليها صريحة في القول بهذا الافتراء ويبعد حملها أو يتعذر على أنها من قبيل التفسير أو القراءات.] مع أنه التزم الصحة فيما يرويه [انظر: مقدمة الكافي: ص9، وتفسير الصافي المقدمة السادسة ص 52، ط: الأعلمي بيروت، وص14 ط: المكتبة الإسلامية بطهران.]، ولهذا قرر الكاتبون عنه عن الشيعة: "أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول كتابه أنه يثق بما رواه" [الكاشاني/ تفسير الصافي/ المقدمة السادسة ص 52، ط: الأعلمي، وص14 ط: طهران.]. والكافي للكليني عند شيوخ الرافضة في أعلى درجات الصحة، لأن الكليني كان معاصراً للسفراء الأربعة الذين يدعون الصلة بمهديهم الغائب المنتظر، ولهذا كان التحقيق من صحة مدوناته أمر ميسوراً له لأنه يعيش معهم في بلد واحد وهو بغداد [انظر: محمد صالح الحائري/ منهاج عملي للتقريب ضمن كتاب: "الوحدة الإسلامية" ص: 233، وبمثل هذا قال قدماء شيوخهم. انظر: ابن طاوس/ كشف المحجة ص159، وراجع ما جاء في مقدمة الرسالة.].

ولكن يلاحظ أن ابن بابويه القمي حكم بوضع ما روي في تحريف القرآن مع وجودها في الكافي الذي يصفونه بهذا الوصف، ويوثقونه هذا التوثيق.

وقد رجعت إلى مرآة العقول للمجلسي فرأيته يحكم على بعض أحاديث الكافي بالضعف، ولكنه حكم على روايات في التحريف بالصحة [كحكمه بصحة رواية: "أن القرآن الذي جاء به جبرائيل – عليه السلام – إلى محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم سبعة عشر ألف آية". وآيات القرآن كما هو معروف لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً. (انظر: مرآة العقول: 2/536).]، وكذلك الشافي شرح أصول الكافي [انظر: حكمه بالصحة على الرواية التي ذكرنها في الهامش السابق، الشافي شرح أصول الكافي: 7/227.]، وقد صدر حديثاً كتاب اسمه: "صحيح الكافي" [طبع سنة 1401ه‍ من تأليف أحد شيوخهم المعاصرين "محمد الباقر البهبودي" ويقع في ثلاثة أجزاء.] وقد راجعته فوجدت صاحبه قد جرده من الروايات التي تمس كتاب الله، وليس ذلك فحسب بل حذف أبواباً بكاملها مع أحاديثها [مثل: باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وهو من أبواب الكافي الصريحة في هذا الافتراء، حتى استظهر بعش الشيعة مذهبه في هذا من خلال عنوان هذا الباب (انظر: فصل الخطاب: ص26-27) وأبواب أخرى، كما حذف كل روايات "باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية" والبالغة (92) رواية، ما عدا روايتين فقط ليس فيهما الطعن في نص القرآن فيما انحراف في تأويله أي تحريف لمعناه وفق المنهج الباطني في التفسير عندهم، وهذا الباب المشار إليه هو أكثر أبواب الكافي جمعاً لأخبار هذه الأسطورة، حتى خصصه بذلك صاحب فصل الخطاب. (انظر: ص 26 من فصل الخطاب ).] في ذلك، كما حذف أبواباً تمثل جملة من العقائد التي تنتقد فيها الشيعة [مثل باب أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا، وباب أن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم، وباب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم، وغيرها.

(قارن في هذا كتاب الحجة من صحيح الكافي، وكتاب الحجة من أصول الكافي).] وما ندري تصرفه هذا تقية أم حقيقة.. لاسيما وأنه قد حذف أحاديث كثيرة لهم قد حكم عليهم بالصحة المجلسي في مرآة العقول، وصاحب الشافي.

ومن طبقة الكليني أيضاً العياشي له تفسير يسمى: "تفسير العياشي" وقد وجدت أسطورة التحريف مكانها في هذا التفسير في مواضع كثيرة ومتفرقة فيه [انظر من ذلك المواضع التالية: 1/13، 168، 169، 206 وغيرها.]. وهو من كتبهم المعتمدة – كما سلف [انظر مقدمة الرسالة.]- رغم أن رواياته لا سند لها ولا زمام، وزعم صاحب البحار أن الذي حذف أسانيده أحد النساخ [بحار الأنوار: 1/128.].

ومن القرن الثالث أيضاً فرات بن إبراهيم الكوفي له تفسير يسمى: "تفسير فرات" [طبع في المطبعة الحيدرية بالنجف وكتب على صفحة العنوان "التفسير القيم الذي طالما تشوقت لرؤيته نفوس العلماء، ضم (على صغر حجمه) ما لم تضمه التفاسير الكبيرة، مطابق تمام المطابقة لأحاديث وأخبار النبي والأئمة – رضي الله عنهم –".]. وقد ارتضى لنفسه أن ينقل من أخبار هذه الأسطورة [انظر من تفسير فرات: ص 18، 85 وغيرها.] وهو من كتبهم المعتبرة [انظر مقدمة الرسالة.] عندهم. ومن هذا القرن أيضاً محمد بن إبراهيم النعماني [قالوا: كان في عصر السفراء الأربعة لمهديهم المنتظر، وهو من تلامذة شيخهم الكليني صاحب الكافي، ولعله تلقى عنه هذا الكفر، بل قالوا بأنه هو الذي كتب الكافي، وساعد الكليني في تأليفه.

(انظر: رجال النجاشي: ص298، أمل الآمل: ص232، رجال الحلي: ص162).] روى في كتابه: "الغيبة" طائفة من الروايات في هذا الافتراء [انظر ص 218 من كتاب الغيبة.] وهو عندهم من أجلّ الكتب وأثبتها [انظر: بحار الأنوار: 1/30.].

ومن هذه الزمرة الحاقدة التي وجدت في هذه الفترة أبو القاسم الكوفي، وقد نسبته بعض كتب الانثي عشرية إلى الغلو [قال النجاشي: "علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي رجل من أهل كوفة كان يقول أنه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد: كتاب الأنبياء، كتاب الأوصياء، كتاب البدع المحدثة، كتاب التبديل والتحريف"، كما ذكر النجاشي بأن الغلاة يدعون فيه منازل عظيمة. توفي سنة (352ه‍).

(رجال النجاشي ص: 203، رجال الحلي: ص233) وقد حاول الرافضي المعاصر المقدّم لكتاب الاستغاثة والذي لم يفصح عن اسمه أن يدفع عنه صفة الغلو (انظر: ص ب من المقدمة).]، وشهد على نفسه في كتابه: "الاستغاثة" بأنه على هذا المنهج الضال [انظر: الاستغاثة (أو البدع المحدثة) ص: 25.]. وقد نسب له النجاشي كتاباً سماه: "التبديل والتحريف" [انظر: رجال النجاشي: ص203.] وقد فقد هذا الكتاب مع نظائر له، كما أشار إلى ذلك صاحب فصل الخطاب [انظر: فصل الخطاب: ص 30-31.] وهو يروي عن القمي مباشرة [انظر: الاستغاثة ص 29.] بعض روايات التحريف، فقد يكون تلقى عنه هذا الكفر.

ومن بعد هؤلاء نرى شيخهم المفيد (ت413ه‍) سجل في كتابه "أوائل المقالات" إجماع طائفته على هذا المنكر [انظر: أوائل المقالات ص 51.]، ونقل بعض أخباره في بعض كتبه كالإرشاد [انظر: الإرشاد ص 365.] وهو من كتبهم المعتبرة [انظر: بحار الأنوار: 1/27.].

هذا الزخم من المصنفات وغيرها لتأييد هذا الكفر وإثباته لا يشك مسلم أنه كيد زنديق حاقد على كتاب الله ودينه وأتباعه، وقد دفع هذا الفئة إليه – كما سيأتي في تحليل نصوص هذه الأسطورة ورواياتها – خلو كتاب الله مما يثبت شذوذهم، وما ذهبوا إليه من عقائد ليس لها أصل في كتاب الله، وليس في مقدورهم أن يفعلوا شيئاً لتغيير بعض آيات الله، كما فعلوا في السنة المطهرة حينما دسوا بعض الروايات والتي كشفها صيارفة هذا العلم وأربابه، فلما لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمراً لأنه فوق منالهم حينئذ ادعوا أن في كتاب الله نقصاً وتغييراً – وما أسهل الدعوى على حاقد موتور -.

وهي محاولة فيما يبدو لإقناع أتباعهم الذين ضجوا من خلو كتاب الله من ذكر أئمتهم وعقائدهم والتي لها تلك المكانة التي يسمعونها من رؤسائهم [كما سيأتي بيان ذلك في الإمامة وغيرها من عقائدهم.]، فادعوا هذه الدعوى ونشط شيوخهم في القرن الثالث والرابع في الحديث عنها، ولكنهم فيما يبدو لم يحسبوا لهذه الدعوى حسابها فارتدت عليهم بأسوأ العواقب؛ فقد فضحتهم أمام الملأ وكشفت القناع عن وجوههم وأبانت عن عداوتهم ونفاقهم، وقطعت صلتهم بالإسلام والقرآن وأهل البيت.

ولهذا في القرن الرابع أعلن كبير شيوخهم ابن بابويه القمي صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والموصوف عندهم ب"رئيس المحدثين" المتوفى سنة (381ه‍) أعلن براءة الشيعة من هذه العقيدة [انظر: كتاب الاعتقادات: ص101-102، وسيأتي نص كلامه إن شاء الله.]، وكذلك الشريف المرتضى المتوفى سنة (436ه‍) كان ينكر هذه المقالة، ويكفر من قال بها كما ذكر ذلك ابن حزم [الفصل: 5/22.]، وقد نقل إنكاره أيضاً شيوخ الشيعة كالطوسي [التبيان: 1/3.] والطبرسي [مجمع البيان: 1/31.]، وكذلك استنكر هذه المقالة وصلة الشيعة بها الطوسي صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وصاحب كتابين من كتب الرجال الأربعة المعتمدة عندهم [التبيان: 1/3.]، وكذلك الطبرسي [مجمع البيان: 1/31.]. صاحب "مجمع البيان".

وسننقل – بمشيئة الله – كلماتهم في ذلك ونقدم دراسة مقارنة لها مع ما قالوه في كتبهم الأخرى، وما قاله الشيعة في إنكارهم، ولكن رغم  هذا الإنكار من هؤلاء فإن القضية ما تمت، ففي القرن السادس تولى إثارة هذه القضية مرة أخرى الطبرسي صاحب الاحتجاج فحشا كتبه الاحتجاج من هذا الكفر [انظر: فصل الخطاب الورقة (32) النسخة المخطوطة.]، وسطر مجموعة من رواياتهم في ذلك وجاء بها مجردة منكل إسناد، وزعم في مقدمة كتابه أنه لم يذكر إسناداً في أكثر رواياته لأنها محل إجماع قومه، أو مشهورة عندهم فقال: "ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناد، إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف" [الاحتجاج: ص 14.]، وقد كان هذا الطبرسي المجاهر بهذا الكفر من معاصري أبي الفضل الطبرسي صاحب مجمع البيان الذي ينكر هذه المقالة ويبرئ الشيعة منها [وقد خلط بعض الكاتبين بينهما فنسب كتاب الاحتجاج لصاحب مجمع البيان مع أن صاحب الاحتجاج يجاهر بهذا الكفر، وصاحب مجمع البيان يتبرأ منه. وممن اشتبه عليه التفريق بين الرجلين: نبيلة عبيد في كتابها "نشأة الشيعة" ص 39-40، على الرغم من أنها شيعية.

كما اشتبه على بعضهم التفريق بين الطبرسي صاحب الاحتجاج والطبرسي صاحب فصل الخطاب فظنهما شخصية واحدة مع أن بينهما أكثر من ستة قرون. وممن اشتبه عليه ذلك: عبد المتعال الجبري/ حوار مع الشيعة: ص 187.].

ويبدو أن إنكار أولئك الأربعة كان له وقعه، أو أن القضية أصبحت سرية التداول، فلم نشاهد نشاطاً ملحوظاً لبعثها وترويجها بشكل ظاهر وكبير إلا في ظل الحكم الصفوي الذي شهد إثارة لهذه الأسطورة واختراع روايات لها، وترويجها أشد مما كان في القرن الثالث، كان ذلك على يد مجموعة من شيوخ الدولة الصفوية الذين نشطوا في بعث هذا الكفر، حتى يلاحظ أن هذه الأسطورة التي بدأت بروايتين في كتاب سليم بن قيس أصبحت كما يعترف شيخهم نعمة الله الجزائري أكثر من ألفي رواية [انظر: فصل الخطاب/ الورقة (125) (النسخة المخطوطة).]، حيث إن شيوخ الدولة الصفوية كالمجسلي في بحاره [انظر: بحار الأنوار: كتاب القرآن، باب تأليف القرآن وأنه على غير ما أنزل الله عز وجل: 92/66 وما بعدها.]، والكاشاني في تفسير الصافي [انظر: تفسير الصافي: المقدمة السادسة: ص 40-55، 136، 163، 399، 420.]، والبحراني في البرهان [البرهان في مواضع كثيرة، انظر – مثلاً – ج‍1 ص15 باب أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلا الأئمة، وص34، 70، 102، 140، 170، 277، 294، 295، 308 وغيرها كثير.]، ونعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية [انظر: الأنوار النعمانية: ص2/357-358.]، وما سواها من كتبه، وأبي الحسن الشريف في مرآة  الأنوار [انظر: مرآة الأنوار لأبي الحسن الشريف، المقدمة الثانية: ص 36-49.]، والمازنداني [فقد شرح الكافي ووافق مؤلفه على بلاياه حتى قال: وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى.. (انظر: شرح جامع الكافي: 11/76) ولك أن تعرف أن هذا التواتر المزعوم هو عند صنف آخر من شيوخ الشيعة نفسها من الكذب المعلوم.] شارح الكافي وغيرهم تولوا نشر هذه الفرية على نطاق واسع في ظل الحكم الصفوي الذي ارتفعت فيه التقية إلى حد ما.

وفي آخر القرن الثالث عشر وقعت الفضيحة الكبرى للشيعة في هذا الباب؛ فقد ألف شيخهم حسين النوري الطبرسي الذي يحظى بتعظيمهم [يحظى بتعظيم الشيعة حتى جعلوا كتابه "مستدرك الوسائل" مصدراً من مصادرهم المعتمدة في الحديث، كما سيأتي عند الحديث عن عقيدتهم في السنة، وبعد أن مات هذا الطبرسي وضعوه في أشرف بقعة عندهم "بين العترة والكتاب – كذا – يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة (في النجفة).

(أغا بزرك الطهراني/ أعلام الشيعة، القسم الثاني من الجزء الأول ص553).] مؤلفاً في هذا الكفر جمع فيه كل ما لهم من "أساطير" في هذا الباب وسماه "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" [وقد ارتكب جريمة تأليفه سنة 1292ه‍ وطبع في إيران سنة 1298ه‍، ولديّ صورة من النسخة المخطوطة مصورة من المتحف العراقي، ونسخة من المطبوعة. وسيأتي – إن شاء الله – حديث عنه في الباب الرابع.]، فأصبح هذا الكتاب عاراً على الشيعة أبد الدهر، فقد جمع فيه صاحبه رواياتهم المتفرقة وأقوال شيوخهم المتناثرة لإثبات أن الشيعة برواياتها وأقوال المحققين من شيوخها تقول بهذا الكفر.. وهو يؤلف كتابه هذا لمواجه جناح من الشيعة أبى أن يهضم هذه الأسطورة، ورفض قبول هذه المقالة كما يظهر واضحاً في رده عليهم في آخر كتابه المذكور [انظر: فصل الخطاب ص 360.].

وقد كشف بهذا الكتاب ما كان خفياً وأبان ما كان مستوراً. لقد وضع "المجهر" الذي كشف ما في زوايا كتب القوم وخباياها من كيد حاقد، وعداوة مبيتة للقرآن وأهله، وقد أبان هذا الملحد المسمى بالطبرسي عن غرضه المبيت ضد كتاب الله في مقدمة كتابه فقال:

"فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن محمد تفي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه (!): هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب.. وأودعت فيه من بدايع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني به في يوم لا ينفع مال ولا بنون" [فصل الخطاب: ص2.].

انظر كيف تتقنع "المجوسية" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه، وقد رام بعضهم أن يتستر على هذا "الهدف" فقال: "وقد يقال: إن نظره في تأليف ذلك الكتاب إلى جمع تلك الأخبار والشواذ والنوادر ولم يكن غرضه اعتقاد التحريف" [محمد الطبطبائي/ هامش الأنوار النعمانية: 2/364.]، ولكن هذه الدعوى ما تلبث أن تتلاشى بمجرد قراءة العنوان فضلاً عن المقدمة والكتاب، فلا يجدى شيئاً مثل هذا الدفاع فهي تقية مكشوفة [سيأتي – إن شاء الله  - عرض لموضوعات الكتاب ونقض لمزاعمه وشبهاته وكشف لمفترياته في باب الشيعة المعاصرين.]، هذا وبعد هذا العار الأكبر الذي كساه صاحب فصل الخطاب على الشيعة وكتبها.

وبعد هذه الفضيحة والخزي قام فئة من شيوخ الشيعة المعاصرين يتبرؤون من هذه المقالة وينكرونها كالبلاغي في آلاء الرحمن [آلاء الرحمن: 1/17-32.]، ومحسن الأمين في الشيعة بين الحقائق والأوهام [الشيعة بين الحقائق والأوهام: ص 160.]، وعبد الحسين شرف الدين في أجوبة مسائل جار الله [أجوبة مسائل جار الله: ص 27-37.]، والخوئي في تفسيره البيان [البيان: ص 226.]، ومحمد حسين آل كاشف الغطا في أصل الشيعة وأصولها [أصل الشيعة وأصولها: ص 88.]، ومحمد جواد مغنية في الشيعة في الميزان [الشيعة في الميزان: ص58.]، وفي عدد من كتبه، وغيرهم، وسنتوقف في مناقشة أقوالهم في فصل: "الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم".

فهل ننتهي من هذا كله إلى أن ما قاله الأشعري في المقالات من أن للشيعة في هذه المسألة أكثر من قول وأنهم لم يتفقوا على هذا الضلال هو الواقع، وأن الاثني عشرية فئتان: فئة تغلو في هذا وتشتط، وفئة تقول الحق كما ذكر ذلك بعض المنتمين لأهل السنة – كما سبق – وبعض الكاتبين من الشيعة [تفسير الصافي: 1/52-53 قوامع الفضول: ص298.] أو أن القول الحق هو تقية من الشيعة كما قال بذلك بعض أهل السنة كما سلف، وكما يزعمه من يقول بالتحريف من الشيعة كنعمة الله الجزائري [الأنوار النعمانية: 2/358-359، وسيأتي نص كلامه –إن شاء الله -.]، هذا كله سنتناوله بالدراسة والبيان في مبحث تالٍ.

مضامين روايات التحريف في كتب الشيعة:

بعد ما عرضنا للكتب التي نقلت هذه الأسطورة نبدأ الآن في بيان بعض مضامينها، وصورة البداية لهذه الفرية، وكيف تطورت وبماذا انتهت.

ونبدأ في ما تضمنه أول كتاب للشيعة، وأول كتاب تعرض لهذه الفرية وهو كتاب سليم بن قيس؛ حيث نجد الصورة لهذه الفرية في بدايتها فترد هذه المسألة في أثناء روايتين طويلتين يتعلقان بموضوع إمامة علي، فتذكر الراوية الأولى والتي يرويها أبان بن عياش المتفق على ضعفه – كما أسلفنا – عن سليم وفيها: "أن علياً لزم بيته حتى جمعه وكان في الصحف والرقاع" [كتاب سليم بن قيس: ص81.]. واعتذر عن المسارعة إلى بيعة أبي بكر بانشغاله بجمع القرآن فقال – لما بعث إليه أبو بكر لطلب البيعة -: "إني آليت على نفسي يميناً ألا أرتدي رداءً إلا للصلاة حتى أولف القرآن وأجمعه" [كتاب سليم بن قيس: ص81، ولاحظ في هذا النص المنقول أن علياً لم يعتذر عن المبادرة لبيعة أبي بكر إلا بانشغاله بجمع القرآن، ولم يعتذر بشيء آخر، فكأن الواضع لهذه الحكاية نسي القضية الأساسية عندهم وهي مسألة الإمامة، وأن علياً لم يبايع في نظرهم بسبب أنه يرى أنه هو الوصي المنصوص عليه... وهذه سمة مطردة في كثير من المسائل التي يريدون إثباتها.. حيث يثبتونها من وجه تنتفي معه العقيدة الأخرى، وهذه سمة الوضع والكذب على الدوام: الاختلاف والتناقض، كما قال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء، آية: 82]. فهذه الآية تدل على أن كل من يزعم أنه من عند الله وهو ليس من عند الله فلا محيص من وقوعه في فخ الاختلاف والتناقض.]. ومثل هذه الدعوى وردت في بعض كتب أهل السنة ولكنها لم تثبت بسند صحيح، ولهذا قال ابن حجر: وما يروى عن علي أنه قال: "آليت ألا آخذ ردائي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن"، فجمعه فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فمراده بجمعه حفظه في صدره، وما وقع في بعض طرقه: "حتى جمعته بين اللوحين" فوهم من روايه" [فتح الباري: 9/12-13. وانظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 16.].

قال ابن حجر: "وأصح منه وهو المعتمد ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال: سمعت علياً يقول: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر – رحمة الله على أبي بكر – وهو أول من جمع كتاب الله" [فتح الباري: ص 9/12.].

هذا وتصف رواية سليم جمع علي للقرآن بأنه لم يكن كله قرآناً بل جمع "تنزيله وتأويله والناسخ والمنسوخ منه" [كتاب سليم بن قيس: ص81.]، وهذا رغم أنه لم يصح من أصله إلا أنه يدل على أنه ليس وفق الأصول التي أمر بها النبي –صلى الله عليه وسلم- لجمع القرآن، ومنها قوله: "لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن" [رواه مسلم، كتاب الزهد رقم 72 ص2298-2299، والدارمي، مقدمة رقم 42 ص 119، وأحمد في مسنده: 3/12، 21، 39. قال أهل العلم: إن النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط. (النووي/ شرح صحيح مسلم: 18/130، الأبي/ إكمال إكمال المعلم: 7/305).]. فقد أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- بكتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره خشية أن يختلط بشيء آخر، وعلى أي الأحوال فإن قصارى ما في هذه الدعوى أن يكون لعلي مصحف مثل بعض الصحابة كابن مسعود وغيره [انظر: ابن أبي داود/ كتاب المصاحف: ص 60 وما بعدها.].. وهذا لا يتضمن الطعن في كتاب الله سبحانه.

ولكن الرواية لم تكتف بهذه الدعوى، بل قالت بأنه جاء به إلى الصحابة ودعاهم إليه فقال عمر – كما يزعمون -: "ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه" [كتاب سليم بن قيس: ص 82.]. وما دام قرآن علي المزعوم لم يكن كله قرآناً بل اشتمل على التفسير والآيات المنسوخة فإن الأصل الرجوع إلى المصحف الإمام فهو يغني عن غيره. لذا عادت هذه الزمرة التي وضعت في هذا الأسطورة لتتوسع في سبكها، وعرضها، ولعب فيها الخيال الحاقد دوره أكثر وأكثر فتحولت هذه الزيادة الأخيرة عند الطبرسي (من القرن السادس) في الاحتجاج إلى صورة أخرى كطبيعة الكذب الذي يزيد وينقص، تحولت إلى صراع بين علي وصحابة رسول الله – رضي الله عن الجميع وبرأهم الله مما يفتري المفترون -.

فإذا كانت رواية سليم تقول بأنهم ردوا مصحف علي حينما جاء به لأول وهلة، فإن رواية الطبرسي تشير إلى أنهم أخذوه "فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحه فضائح القوم" [الاحتجاج ص 156.]. وهي هنا تقدم لنا موضوعاً من موضوعات مصحف علي وهو فضائح القوم يعني الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين أن رواية سليم لا تتعرض لكتاب الله بطعن صريح، وهذا لا يطفئ الحقد الذي أكل قلوب هذه الزمرة الحاقدة تجاه الرعيل الأول الذين فتحوا ديارهم ونشروا الإسلام بينهم، بل لا تتغذى قلوبهم الحاقدة إلا على موائد سب الصحابة، ولا ترتوي نفوسهم السوداء إلا بالطعن فيهم. وآيات القرآن التي تثني عليهم وتعلي من شأنهم هي قوارع من حديد على رؤوسهم، وشهب من نار تهوي على أفئدتهم، فكان من الطبيعي أن يدعوا مثل هذه الدعوى..

وإذا كانت رواية سليم تكتفي بما أسلفنا فإن رواية الاحتجاج تضيف إليها فصلاً جديداً يقول: "ثم أحضروا زيد بن ثابت – وكان قارئاً للقرآن – فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد رأينا أن نؤلف القرآن (في حين أن رواية سليم تشير إلى أن القرآن كان مجموعاً عند أبي بكر وعمر) ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتهم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتهم؟ فقال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله" [الاحتجاج: ص 156 ط: الأعلمي.].

ثم يشرح في موضع آخر محاولة القتل المزعومة وتكليف خالد بذلك وأن أبا بكر تأسف وتراجع عن هذه المؤامرة خشية عواقبها فقال وهو في الصلاة: "لا تقتله يا خالد" إلى آخر هذه المسرحية المصنوعة [الاحتجاج: ص 89-90 ط: الأعلمي.].

ثم تواصل هذه الأسطورة فصولها فتذكر محاولة عمر لاستدراج علي وخداعه بدعوته إحضار القرآن حتى يعملوا به، وذلك محاولة عن عمر لتحريف مصحف علي، وأن علياً رفض ذلك، وأن عمر سأله متى أوان ظهوره؟ فقال: إنه سيظهر مع القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به – صلوات الله عليه – [الاحتجاج: 1/255-228 ط: النجف، أو ص: 155-156من ط: الأعلمي بيروت.].

والسؤال الذي لا تجيب عنه رواية الطبرسي، ولا كتب الشيعة الأخرى هو مادامت محاولتهم لقتل علي أخفقت، وتدبيرهم لتحريف مصحفه قد فشلت، فلماذا لم يخرج علي القرآن الذي معه؟!، وإذا كان يخشى منهم لأن السلطة بأيديهم فلماذا لم يخرجه أثناء خلافته، لماذا يتسبب في بقاء الأمة تائهة حائرة، ولماذا يتستر على خيانة الخائن وتحريف المحرف، ومن أقر خائناً على خيانته كان كفاعلها؟ لم تجد هذه الزمرة ما تجيب به إلا ما قالته على لسان عالمها نعمة الله الجزائري من أنه فضّل مجاملة من سبقه على هداية الأمة [وسبق نقل النص ص: ( 202-203).]، وهذا فوق أنه طعن في كتاب الله وهو من أبلغ القدح في علي – كما سبق – وأقول أيضاً: إذا كانت مجاملة علي تبلغ هذا المبلغ فلماذا لم يقتد الشيعة بإمامهم ويدعوا السب والطعن الذي سوّد صفحات المجلدات من كتبهم، فإما أن يكونوا كاذبين في اعتذارهم أو مجانبين لخطى إمامهم، وما ندري أي الأمرين يطوّح بهما أكثر من الآخر.

وأعود لذكر الرواية الأخرى في كتاب سليم بن قيس وهي تشبه الرواية الأولى وتزيد عليها بسؤال وجه من طلحة –رضي الله عنه – لعلي لماذا لم يخرج القرآن الذي معه؟، وسكوت علي عن الإجابة ومضيه في حديث عن أحقيته بالإمامة، ولكن طلحة يسأله مرة أخرى عن هذا فيقول: "ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه عن القرآن ألا تظهر للناس، قال: يا طلحة، عمداً كففت عن جوابك، قال: فأخبرني عما في كتب عمر وعثمان – كذا – أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن، قال طلحة: بل قرآن كله. قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا، فقال طلحة: حسبي، أما إذ هو قرآن فحسبي" [كتاب سليم بن قيس: ص 124.].

فهذه الراوية عند سليم تعرض عن الطعن في كتاب الله بطريقة صريحة، بل تؤكد بأن كل ما فيه قرآن، وأن فيه بيان حق أهل البيت وفرض طاعتهم، على حين أننا نجد روايات عندهم تناقض هذا، وتقول: "لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه لما خفي حقنا على ذي حجى" [البرهان: مقدمة ص 37، بحار الأنوار: 19/30، تفسير الصافي: 1/41.]، وتقول: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا فيه مسمين" [تفسير العياشي: 1/13، بحار الأنوار: 92/55، تفسير الصافي: 1/41، اللوامع النورانية: ص 547.] فهذا تطور آخر في هذه الأسطورة ينكشف من خلاله بعض الدوافع لوضعها وهي أن الأئمة الاثني عشر الذين جعلوا الإيمان بهم هو الإسلام.. وإنكار واحد منهم هو الكفر لا ذكر لهم في كتاب الله، وهذا يهدد جمعهم بالفشل وبنيانهم بالانهيار، ففزعوا يبحثون عن حيلة لمواجهة هذه المعضلة عندهم فلجؤوا إلى وسائل شتى، أخطرها هذه المقالة.

هذا وفي تطور آخر بدأت هذه الأسطورة تتخذ شكلاً عملياً ويزاد في أخبارها ورواياتها على يد علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير وتلميذه الكليني صاحب الكافي، وهذان الرجلان هما ممن أرسى دعائم هذه العقيدة الباطلة وعملا على ترويجها ونشرها والإكثار من الحديث عنها، وقد اكتملت صورة هذه الأسطورة على أيديهما فبدأت الروايات عند القمي والكليني تأخذ بهذه الأسطورة إلى مرحلة عملية فبدؤوا بإقحام كلمة "في علي" بعد أي آية فيها لفظ: "أنزل الله إليك"، "وأنزلنا إليك"، وزيادة لفظ: "آل محمد حقهم" بعد لفظ: "ظلموا" حيثما وقع في القرآن، وزيادة لفظ: "في ولاية علي" بعد لفظ: "أشركوا" حيثما جاء في القرآن، وتغيير كلمة "أمة" بكلمة أئمة حيثما وقعت.

وعلى هذا المنوال نسج القوم في القرآن كله، ومن شواهد هذا ما يروي الكليني عن القمي بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد "بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في علي) بغياً" [الآية 90 من سورة البقرة والكلام المحرف الذي ذكرته أعلاه في أصول الكافي: 1/417.].

وكذلك يقولون: "نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد هكذا: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا (في علي) فأتوا بسورة من مثله" [الآية 23 من سورة البقرة، والكلام المحرف المذكور في أصول الكافي: 1/417.].

ويروون عن أبي عبدالله أنه قال: "نزل جبرائيل – عليه السلام – على محمد بهذه الآية هكذا: "يا أيها الذين أتوا الكاب آمنوا بما نزلنا (في علي) نوراً مبيناً" [أصول الكافي: 1/417.]. ويلاحظ هنا أنه خلط بين أكثر من آية [فأول الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} هي الآية 47 من سورة النساء، فأقحم مع هذه الآية قوله: {نُورًا مُّبِينًا}، وهي جزء من آية أخرى في نفس السورة وهي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} الآية 174 من سورة النساء.].

وقال القمي: "وأما ما هو محرف فمنه قوله: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك (في علي) أنزله بعلمه والملائكة يشهدون" [النساء، آية: 166.]، وقوله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (في علي) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" [المائدة، آية: 67.]، وقوله: "إن الذين كفروا وظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم" [النساء، آية: 168، والكلام المقحم في تفسير القمي: 1/159.]. وقوله: "وسيعلم الذين ظلموا (آل محمد حقهم) في غمرات الموت" [لاحظ أن هؤلاء بعيدون عن كتاب الله روحاً وحساً فيخطئون حتى في نقل الآيات أو يتعمدون وينسبون ذلك لأهل البيت زوراً وبهتاناً، فتأمل كيف خلط بين آيتين بطريقة غبية جاهلة بين قوله سبحانه: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء، آية: 227]، وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام، آية: 93] فجعلها "وسيعلم الذين ظلموا في غمرات الموت".

ولاشك أن رؤية الظالمين في غمرات الموت يعانون من سكراته وآلامه هي محل للعبرة والذكرى، وهي أبلغ وأعظم من القول بأنهم سيعلمون في غيمرات الموت؛ لأنه سيأتي من يقول بأنهم في غمرات الموت قد ذهلوا فهم لا يكادون يفقهون شيئاً ولا يعلمون، ولا نسترسل أكثر من هذا فمثل هذه الأساطير لا تستحق المناقشة.] قال هذا القمي ومثله كثير نذكره في مواضعه [تفسير القمي: 1/10-11.]، وقد حشى كتابه بهذا الكفر كما وعد [انظر مثلاً: ج1 ص48، 100، 110، 122، 142، 159، 118، 123، 125، وغيرها.] وعلى نفس النسق الذي أشرنا إليه.

كما تزيد رواية أخرى له على قوله سبحانه: {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} [البقرة، آية: 59.] تزيد كالعادة عبارة "آل محمد" [تفسير القمي: 1/48.].

ويروي هذا القمي أيضاً عن أبي عبد الله أنه قرأ عنده قوله سبحانه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران، آية: 110.] قال أبو عبد الله: "خير أمة" يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين – عليهم السلام -؟ فقال القارئ: جعلت فداك كيف نزلت؟ قال: نزلت (كنتم خير أئمة أخرجت للناس)، ألا ترى مدح الله لهم {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}" [تفسير القمي: 1/110.] وهذا يعني أن الأمة بما فيها الشيعة لا خير فيها ماعدا الأئمة الاثني عشر. كما يلاحظ أن رواياتهم في تأويل القرآن، أثبتت الأمة، وأولتها بالأئمة – كما سلف – وروايات التحريف زعمت أن الأصل الأئمة لا الأمة أليس هذا تناقضاً؟!

ويروي الكليني عن الرضا في قول الله – عز وجل -: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ} (يزيدون) بولاية علي {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى، آية: 13.] (يزيدون) يا محمد من ولاية علي، هكذا في الكتاب مخطوطة [أصول الكافي: 1/418.]، وفي قول الله عز وجل: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الملك، آية: 29.]. (يزيدون): يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي – عليه السلام – والأئمة من بعده، من هو في ضلال مبين.

ثم يؤكدون هذا التحريف والكفر بقولهم: "هكذا نزلت" [أصول الكافي: 1/421.]، وفي قوله سبحانه: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (يزيدون): (بتركهم ولاية أمير المؤمنين عليه السلام) عذاباً شديداً في الدنيا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون [فصلت، آية: 27، والتحريف من الكافي: 1/421.].

والأمثلة في هذه كثيرة. وإذا قارنت بين ما جاء في تفسير القمي والكافي من هذه الروايات، وبين ما ذكره شيوخهم المتأخرون كالمجلسي والجزائري، والنوري الطبرسي منها، لاحظت أن روايات التحريف زادت عند المتأخرين بشكل ملحوظ مما يدل على أن العمل يجري في كل فترة على الزيادة في هذه المفتريات.

وهذه "الإضافات" التي تزعم الشيعة نقصها من كتاب الله ألا يلاحظ القارئ العربي أن السياق لا يتقبلها، وأنها مقحمة إقحاماً بلا أدنى مناسبة، ولذلك يكاد النص يلفظها، وأنها من وضع أعجمي لا صلة له بلغة العرب، ولا معرفة له بأساليب العربية، ولا ذوق له في اختيار الألفاظ، وإدراك المعاني.

إن الكلمات المفتراة التي قدمها أولئك المفترون أمثلة للآيات الساقطة بزعمهم، قد كشفت القناع عن كفرهم، كما أنها فضحت كذبهم، وكشف افتراءهم، فهي محاولات أشبه بمحاولات مسيلمة الكذاب في تقليد القرآن العظيم، كما ترى ذلك في الأمثلة التي قدمناها، وكما تراه في الألف مثال أو أكثر، والذي قدمها صاحب فصل الخطاب [انظر: فصل الخطاب ص 253 وما بعدها.].

وتكفي فصاحة القرآن وإعجازه البلاغي الذي سحر أساتذة البيان وفرسان العربية وأعياهم وأعجزهم أن يأتوا بسورة من مثله أو آية من مثله يكفي في كشف هذه المفتريات والأكاذيب، بل إن أغلب هذه المفتريات تنزل على مستوى أداء الإنسان العادي، وبها يتبين عظمة القرآن وسحره، فلولا المر ما عرف طعم الحلو، ولولا الملوحة ما تبين طعم العذوبة، وبضدها تتميز الأشياء، ولذلك فهي ناطقة بذاتها على كذب واضعيها بغض النظر عن البراهين والأدلة الأخرى على حفظ القرآن وسلامته.

إن هذه المحاولات الغبية لإقحام كلام البشر في كلام الله سبحانه وتعالى عملت شرذمة من هذه الطائفة قروناً متواصلةً.. عملت جاهد لإيجاد أكبر قدر ممكن منها، وهناك أمثلة عديدة لهذه المحاولات – بالإضافة لما مضى- ذكر المجلسي جزءاً منها في باب عقده بعنوان (باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عز وجل مما رواه مشايخنا..) [بحار الأنوار: 92/60 وما بعدها.]، كما أن كتب التفسير عندهم حوت من هذا الغثاء الشيء الكثير – كما أشرنا من قبل [انظر: ص (266) من هذه الرسالة.]- وجمعها كلها صاحب فصل الخطاب [فصل الخطاب: ص 253 وما بعدها.].

وعدّ الرافضة هذه المفتريات جزءاً مما سقط من كتاب الله، فقد روى الكليني في الكافي "أن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد (ص) وآله وسلم سبعة عشر ألف آية" [أصول الكافي: كتاب فضل القرآن، باب النوادر: 2/134.]، وآيات القرآن – كما هو معروف – لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، فهذا يقتضي سقوط ما يقارب ثلثي القرآن، فما أعظم هذا الافتراء! وهذه الرواية وردت في الكافي أصح كتاب عندهم، ولكن من الشيعة من يقول: ليس كل ما في الكافي صحيحاً [انظر – مثلاً – محمد جواد مغنية/ العمل بالحديث وشروطه عند الإمامية ضمن كتاب دعوة التقريب ص 383، محسن الأمين/ الشيعة بين الحقائق والأوهام ص 419-420.].

وإذا حملنا مثل هذا القول على الحقيقة لا على التقية، وإذا تجاوزنا ما يلاحظ على الإسناد عندهم، وما يلاحظ على ضوابط وأصول التصحيح والتضعيف لديهم، وما يرى من اختلافهم في هذا الشأن واضطرابهم فيه [سيأتي إيضاح هذا في فصل "عقيدتهم في السنة".]، وأن الحكم بالضعف قد يكون على الإسناد فقط حيث قالوا: "إن أكثر أحاديث الأصول في الكافي غير صحيحة الإسناد ولكنها معتمدة لاعتبار متونها، وموافقتها للعقائد الحقة ولا ينظر في مثلها إلى الإسناد" [الشعراني/ مقدمة شرح جامع: ص/ يب.]، إذا تجاوزنا ذلك كله وذهبنا نبتغي الإجابة من شيوخهم عن صحة إسناد هذه الرواية وذلك لنكون أكثر حيدة من قيامنا بمثل هذا عن طريق النظر في الإسناد على ضوء كتب "الرجال" عندهم – نجد أن شيخهم المجلسي يقول عن الرواية السابقة: "فالخبر صحيح" [مرآة العقول: 2/536.] وشهادة المجلسي هذا في غاية الاعتبار عندهم، لأنه "الشارح المتتبع للكافي الذي بين صحيحه من ضعيفه" [راجع: مرآة العقول، وانظر: محمد جواد مغنية/ العمل بالحديث وشروطه عند الإمامية ضمن كتاب دعوة التقريب: ص 383.].

وإذا أردنا شهادة من شيوخهم المعاصرين على صحة هذه الرواية عندهم فإننا نجد شيخهم عبد الحسين المظفر يقول: "إنه موثق كالصحيح" [الشافي شرح أصول الكافي: 7/227.]. ومن الإنصاف أن نذكر بأن صاحب "صحيح الكافي" وهو من شيوخهم المعاصرين – أيضاً – قد أغفل ذكر هذه الرواية [انظر: صحيح الكافي/ البهبودي: كتاب فضل القرآن، باب النوادر: 1/156-157.] فهل يعني إغفاله لها أنها ليست بصحيحة في نظره؟ هذا ما يظهر من صنيعه حسب منهجه الذي ألمح إليه في مقدمة كتابه، وقد يسلك مثل هذا العمل وأكثر وهو غير صادق بحكم عقيدة التقية عندهم، حتى قال أحد شيوخهم المعاصرين: "لكل مجتهد إمامي أن يرفض أي حديث لا يرتضيه في الكافي وغيره ويأخذ بحديث موجود في البخاري ومسلم، ولا يحق لأحد أن يحتج عليه من وجهة دينية أو مذهبية" [محمد جواد مغنية/ العمل بالحديث وشروطه عند الإمامية (ضمن كتاب دعوة التقريب ص384).]، لأن التقية تسمح له بذلك وإلا فالحقيقة غير هذا، ولهذا فإن شيخهم المجلسي يعقد باباً بعنوان: "الباب الثامن والعشرون ما ترويه العامة (أهل السنة) من أخبار الرسول صلى الله عليه وآله، وأن الصحيح من ذلك عندهم (يعني شيعته) والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم" [بحار الأنوار: 2/214.].

هذا عن صحة الرواية عندهم، أما عن معنى الرواية المذكورة عندهم فقد قال "المازندراني" [محمد صالح بن أحمد المازندراني توفي سنة (1081ه‍) أو (1086ه‍).] شارح الكافي: "إن القرآن ستة آلاف وخمسمائة" [هذا العدد الذي ذكره لآيات القرآن لم أجد له ذكراً ضمن الأقوال المأثورة في عدد الآي وذلك فيما رجعت إليه. انظر: تفسير القرطبي: 1/64-65، الإتقان: 1/89، الفيروزآبادي/ بصائر ذوي التمييز: 1/559-560.].. والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف" [شرح جامع (للكافي): 11/76.].. وقال المجلسي: "إن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره" [مرآة العقول: 2/536.].

هذا قول شيوخ الدولة الصفوية في تفسير هذه الرواية، والذين ساروا في التشيع أشواطاً حثيثة في الغلو، وبلغوا بها "الأوج" في ذلك، ولعلك تعجب إذا قارنت هذه التفسيرات لهذه الأسطورة والتي تجسم هذا الكفر وتنشر هذا الغلو عن شيوخ وجدوا في القرن الثاني إبان الحكم الصفوي، إذا قارنت هذه التفسيرات بما قاله ابن بابويه القمي من القرن الرابع الهجري عن هذه الرواية في كتابه "الاعتقادات" وهو بشهادة شيوخهم المعاصرين "من الكتب المعتبرة الموثقة" [الذريعة: 13/101.] عندهم، حيث قال: ".. إنه قد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبعة عشرة ألف آية، وذلك مثل قول جبرائيل.. عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه.." [الاعتقادات: ص 102.]. ثم ذكر طائفة من أمثال هذه الأقوال.

فانظر إلى هذا الاختلاف والتباين بين نص الكليني، ونص ابن بابويه، هذا يقول: "نزل من الوحي الذي ليس بقرآن" وذاك يقول: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل.." أي إن ابن بابويه يقول: إن النقص في غير القرآن، والكليني يصرح بأن النقص في القرآن، ولذلك جاء تفسير المجلسي والمازندراني للرواية بما يتمشى مع ظاهر النص الإلحادي، بينما نلاحظ أن ابن بابويه حمل زيادة العدد المذكور في الرواية عن عدد آيات القرآن حمل ذلك على الأحاديث القدسية؛ لأن ذلك يمكن أن يتمشى مع ظاهر القول الذي ذكره، ولكن الجميع جبن عن رد الرواية وتكذيبها.

وأقول: هل لرواية الكليني وجهٌ يمكن قبوله خلافاً لما يراه ويفتريه المجلسي والمازندراني وأضرابهما؟ لعله من الممكن لو كان لهؤلاء إرادة خير لمذهبهم وأتباعهم أن يحملوا ما زاد عن عدد آيات القرآن مما ذكرته الرواية أن يحملوا ذلك على منسوخ التلاوة إذا لم يكن لديهم الشجاعة على رد هذه الرواية وأمثالها، إذ لابد من تأويلها وأمثالها بنحو من الاعتبار وإلا فليضرب بها الجدار.

ثم إني رأيت صاحب الوافي ذكر هذا التأويل للرواية، حيث قال بعد ذكره لبعض الاحتمالات التي تؤيد ذلك الكفر قال بعد ذلك: "أو يكون – أي العد والزائد عما في القرآن – مما نسخ تلاوته" [الكاشاني / الوافي، المجلد الثاني: 1/274.]. ولكن شيخ الشيعة اليوم "الخوئي" [أبو القاسم الموسوي الخوئي يلقبونه بالإمام الأكبر والآية العظمى، زعيم الحوزة العلمية، يعيش حالياً في العراق، من تآليفه معجم رجال الحديث، البيان في تفسير القرآن.]. ومرجعها الأكبر – وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن – يرى أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف [الخوئي/ البيان: ص 210.]، وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب، ويرد هذه القاعدة الثابتة ليثبت بطريق ملتو عقيدة في نفسه يكاد يخفيها.. والفرق واضح بين النسخ والتحريف، فالتحريف من صنع البشر وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله. قال تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة، آية: 106.]. وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال.

وإذا كانت رواية الكليني تذهب إلى سقوط قرابة الثلثين فيعني هذا أنه لم يبق لدينا من كتاب الله إلا ما يتجاوزك الثلث بقليل، وإذا عرضنا روايته الأخرى التي تقول: "نزل القرآن أثلاثاً، ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" [أصول الكافي: 2/627.]. فأي الأثلاث الذي بقي لنا في نظرهم؟ أثلث السنن والأمثال أم ثلث الفرائض والأحكام؛ إذ لا ريب عند هذه الزمرة الملحدة إن ثلث الأولياء والأعداء قد أسقط لأنهم قالوا: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مسمين"، وهو بيت القصيد والهدف الظاهر من كل هذه المحاولات.

ومعنى هذا أن الأمة ضائعة كل هذه القرون الطويلة.. منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس معها سوى ثلث كتابها.. والأئمة تقف موقف المتفرج.. لديها القرآن الكامل – كما يزعمون – ولا تبلغه للأمة، لتتركها أسيرة ضلالها، لا تعرف وليها من عدوها، وتعدهم بظهوره مع منتظرهم، وتمر آلاف السنين ولا غائب يعود، ولا مصحف يظهر، فإن كانت الأمة تهتدي بدونه فما فائدة ظهوره مع المنتظر، وإن كان أساساً في هدايتها فلماذا يحول الأئمة بينه وبين الأمة، لتبقى الأمة في نظر هؤلاء حائرة ضالة تائهة، وهل أنزل الله سبحانه كتابه ليبقى أسيراً مع المنتظر لا سبيل للأمة للوصول إليه؟ مع أن الله سبحانه لم يترك حفظ كتابه لا لنبي معصوم ولا لمنتظر موهوم، بل تكفل بحفظه سبحانه.

تقول رواياتهم – كما تقدم – بأن علياً لم يستطع إخراجه خشية تحريفه، وهذا يعني أن الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس كتب عليها الشقاء والضلال لا يستثنى من ذلك إلا أصحاب المنتظر، لأنها ستبقى في معزل عن مصدر هدايتها، وأصل سعادتها وخيرها.

مع أن الأئمة يملكون من وسائل التبليغ ما لا يملكه حتى الأنبياء، فعلي بزعمهم يملك قدرات خارقة وكان بإمكانه بهذه القدرات نشر القرآن الكامل. فقد قال المجلسي في الباب الذي عقده بعنوان باب "جوامع معجزاته رضي الله عنه": "إن علياً مر برجل يخبط: هو هو، فقال: يا شاب، لو قرأت القرآن لكان خيراً لك. فقال: إني لا أحسنه ولوددت أن أحسن منه شيئاً. فقال: ادن مني، فدنا منه فتكلم بشيء خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه فحفظه كله" [بحار الأنوار: 42/17.].

فإذن علي يستطيع إبلاغ القرآن بهذه الطريقة "السحرية" إلى كل من يريد، ويستطيع أن يتخذ كل التدابير الكفيلة بمنع أي محاولة ضده، لأنه كما تقول أبواب الكافي: "يعلم ما كان وما يكون ولا يخفي عليه الشيء" [انظر: أصول الكافي: 1/260.]، كما أن الوصول إلى قتله بغير رضاه واختياره أمر ممتنع، لأن الأئمة كما تقول أبواب الكافي أيضاً: "يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيارهم" [أصول الكافي: 1/258.].

فلماذا لم يفعل؟‍! جاء في بعض رواياتهم أن أمير المؤمنين قال: "لو ثني لي الوسادة وعرف لي حقي لأخرجت لهم مصحفاً كتبته وأملاه علي رسول الله صلى الله عليه وسلم" [بحار الأنوار: 92/52.].

ونقف أولاً عند قوله: "لو ثني لي الوسادة" وهذا كناية عن توليه الحكم – كما قرره المجلسي [بحار الأنوار: 92/52.]- فكيف لم يخرج ما عنده بعد توليه الخلافة وهو يعد بهذا أم قد أخلف وعده كما يفتري واضح هذه "الأساطير"؟!.

ثم قوله: "وعرف لي حقي" كيف يعرف حقه ومصدر هذه المعرفة لم يظهر للناس؟

أما قوله: "أملاه علي رسول الله" فهذا يناقض أساطيرهم الأخرى التي تقول: إن الجمع تم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

والحقيقة أن كل هذه النصوص حول هذه الفرية هي من أبلغ الطعون في أهل البيت، ولا يبلغ مفتر ضد أهل البيت مبلغ هذه المفتريات، حتى لقد صدق فيهم قول إمامهم – كما تعترف بذلك كتبهم -: "لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا" [رجال الكشي: ص 307.].

ومن أعجب الروايات لهذه الأسطورة أن عمالمهم في القرن السادس "الطبرسي" في كتابه "الاحتجاج" جعل القول بهذه الفرية هي الإجابة المقنعة من أمير المؤمنين علي على اعتراض أحد الزنادقة، فقد روى في كتابه الاحتجاج وهو من كتبهم المعتبرة – كما قدمنا – أن عليا قال لأحد الزنادقة في محاورة طويلة منها "... إن الكناية عن أسماء الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وأنها من فعل المغيرين والمبدلين.

وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الائتمار لهم، والرضا بهم.. فلأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف، الآية: 35.].. فحسبك من الجواب عن هذا الموضوع ما سمعت، فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه.

وأما قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} [القصص، آية: 88.] فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبق الوجه، هو أجل وأعظم من ذلك، إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن، آية: 26، 27.]. ففصل بين خلقه ووجه.

وأما ظهورك على تناكر قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء، آية: 3.]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين [كذاب في الاحتجاج.] القول في اليتامى، وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كل مما أسقط وحرّف وبدّل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء" [الاحتجاج: ص 249-254.].

هذا النص رغم طوله هو جزء من محاورة طويلة يزعم صاحب الاحتجاج أنها جرت بين أمير المؤمنين علي، وزنديق من الزنادقة، وأن علياً يناظره ويحاول أن يهديه إلى الحق، فهل يمكن أن يكون أحد أشد زندقة، ممن يقول في كتاب الله سبحانه وصحابة رسول الله مثل هذا القول، وهل يبلغ كيد حاقد أكثر من هذا..؟ يقول موسى جار الله: "هل يجد أشد الناس عداوة مساغاً أَهْدَم للقرآن وأهْدَم للدين من مثل هذا القول الذي يسنده شيوخ الشيعة إلى أمير المؤمنين علي" [الوشيعة: ص 123.].

ولاحظ في هذه الرواية ذلك الحقد الأسود ضد خير جيل عرفته البشرية ضد صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم حيث كنّت عنهم هذه الرواية بأنهم: "أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين" لأن تلك الزمرة الحاقدة التي قد أكل الغيظ قلوبها، وملأ الحقد نفوسها ضد ذلك الجيل القرآني الفريد، لم تجد في كتاب الله ما يطفئ هذا الحقد فقالت: بأن القرآن مليء بأسماء المنافقين – وتعني بهم صحابة رسول الله – وإسقاطهم من فعل المبدلين. ورواياتهم في هذا الاتجاه كثيرة.

ثم تقول تلك الرواية إنه لا يسوغ التصريح بأسماء المبدلين بسبب التقية مع أنه في نفس الكتاب رواية تقول بأن الذين غيّروا – بزعمهم – هم: أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت [انظر: الاحتجاج: ص 156.]، وشيخهم النوري الطبرسي يزيد آخرين فيقول: "والذين باشروا هذا الأمر الجسيم هم أصحاب الصحيفة أبو بكر وعمر وعثمان أبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، واستعانوا بزيد بن ثابت" [فصل الخطاب: الورقة (73).].

هؤلاء هم رواد الفتح الإسلامي، والطليعة من الرعيل الأول الذين بنوا حضارة لم تعرف لها الدنيا مثيلاً، فهم قذى في عيون هؤلاء، وشجى في حلوقهم، فلهذا خصتهم هذه الزمرة بهذا الافتراء.

ثم تقول هذه الأسطورة: ولا يسوغ بحكم التقية الزيادة في آيات القرآن.

هل يعني هذا أن الخوف هو الذي قعد بهم عن إخراج مصحف مفترى وأنه لولا الخوف لفعلوا مثل هذا، وأنه يحتمل عند ارتفاع الخوف أن يفعلوا ذلك ويجاهروا به، ومع وجود الخوف قد يكون موضع التداول السري بينهم..؟!

لكن صاحب فصل الخطاب قدّم من كتب قومه أكثر من ألف "شاهد" زعم أنها آيات من كتاب الله أسقطت، واثبت تواطؤ معظم كتب الشيعة المعتمدة على هذا، وسجل بهذا أكبر فضيحة لقومه، وكشف أكبر جريمة ارتكبتها طائفته، فهل ارتفعت التقية، مع أن في نصوصهم أن التقية ملازمة لهم حتى رجعة مهديهم [انظر: فصل التقية في هذه الرسالة.]، أو هو قد خالف بهذا وصية إمامه، وخطة قومه؟ إنها أوهام يضرب بعضها بعضاً، وسيأتي بعد قليل تحقيق القول في هل للشيعة مصحف سري متداول؟

ثم تذكر رواية الاحتجاج بأن علياً واصل حديثه مع الزنديق وقال بأنه بسبب ظروف التقية لا يستطيع أن يصرح بأكثر من هذا لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل.

فمعنى هذا أن الخطاب مع الزنادقة ترتفع فيه التقية، وتتم فيه المصارحة بالكفر، وأما مع المؤمنين فالتقية واجبة، فهل تريد هذه الفئة أن تجعل أمير المؤمنين من حزب هذا الزنديق يتقى صحابة رسول الله ويصارح بأمر كتاب الله الزنادقة الملحدين؟! وبعد هذا التصريح بالكفر يقول: إن الزيادة على هذا فيه تقوية لحجج أهل التعطيل،إذا كان المراد بأهل التعطيل هم أهل الإيمان من الصحب الكرام، ومن تبعهم، فلا شك أن هذا يكفي لكشف ما عليه هذه الزمرة الحاقدة، وإن كانت الأخرى فكيف يكون الكفر بكتاب الله إذن؟!

ثم تزعم هذه "الزمرة" أن علياً قال للزنديق بأنه لا يستطيع أن يعلن ذلك ويفصله "لأن الصبر على ولاة الأمر مفروض.." إن مذهب الشيعة قائم على إنكار إمامة ما سوى الاثني عشر. وهذا النص يثبت بأن هناك ولاة أمر غيرهم مفروضة طاعتهم، وهذا ينقض المذهب من أصله، ويكشف أن الوضع والافتراء لا محالة له من التناقض والاختلاف.

ومن أعظم الافتراء على أمير المؤمنين علي القول بأنه يطيع غيره في معصية الله، ويرى أن هذا الأمر مفروض!! ومن المعلوم في الإسلام أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [لقمان، آية: 15.].

وهؤلاء يزعمون أن علياً وافقهم وأطاعهم في تغيير القرآن بحكم شريعة التقية، وهذا سب لعلي وتكفير له قبل أن يكون ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا ندرك أن هؤلاء أعداء لأهل البيت قبل أن يكونوا أعداء لسائر المسلمين.

ولاحظ كيف يستدل على طاعة الحاكم في الكفر بقوله سبحانه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ} فهذا يدل على أن واضع هذا النص من الجهلة؛ لأن هذه الآية تأمر بخلاف ما يدعو إليه تماماً، ونسبة هذا الاستدلال لعلي تجهيل له وافتراء عليه.

ويظهر من قوله: "وأما قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ} فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه.. إلخ" [الخطوط العريضة: ص6.] يظهر من النص أن واضعه أعجمي لا صله له بلغة العرب، ولا معرفة له بدلالات ألفاظها.. أو زنديق يتجاهل.

ثم زعم صاحب الاحتجاج أن علياً قال للزنديق بأنه "سقط أكثر من ثلث القرآن في موضع من سورة النساء، وأنه لو شرح كل ما أسقط وحرّف وبدّل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تمنع التقية إظهاره"، وهذا من أعظم الكذب على أمير المؤمنين، بدليل أنه لم يعلن في مدة خلافته على المسلمين هذا الثلث الساقط من القرآن، ولم يأمر المسلمين بإثباته والاهتداء بهديه والعمل بأحكامه. فهؤلاء الذين يدعون التشيع لأمير المؤمنين، وينسبون له هذه الأباطيل هم بهذا أشد عداوة لأمير المؤمنين من النصاب، لأنهم ينسبون له الرضا بالكفر والإقرار به.

وهم كلما أعيتهم الحيلة لإثبات الحجة لجأوا إلى التقية، فهو هنا يستر عجزه عن شرح ما أسقِط وبُدّل، بالتعلق بالتقية، وهي حيلة مكشوفة، وفرار من المواجهة، ثم إن غيره ممن حاول أن يقدم شيئاً من النموذج الساقط بزعمه افتضح أمره، وانكشف كيده، لأن هذا "النموذج" بالنسبة لآيات القرآن أشبه ما يكون بعبث الصبيان ولعب الأطفال، وأنى لهم أن يصلوا إلى شيء من محاكاة القرآن العظيم.

هذا وما دامت شريعة هذه الزمرة تخص الزنادقة بهذه المقالات الملحدة حلول كتاب الله كما في الرواية السابقة، فهل نصدق ما قيل بأن عند المستشرق "براين" مصحفاً إيرانياً فيه زيادات على كتاب الله، ومن هذه الزيادات "سورة" يسمونها "الولاية" [انظر: الخطوط العريضة: ص11.] وهذا يعني أن عند هؤلاء القوم مصاحف سرية يتداولونها.

هل لدى الشيعة مصحف سري يتداولونه؟

هل عند الشيعة مصحف يحوي كل هذه المتفريات وتكون فيه قراءة الشيعة عوضاً عن كتاب الله سبحانه؟ ماذا تقول أساطيرهم، وماذا يقول واقعهم بهذا الخصوص؟ هل قول الشيخ محب الدين الخطيب بأن "للشيعة مصاحف خاصة تختلف عن المصحف المتداول.." [انظر: هامش "مختصر التحفة الاثني عشرية" ص 32.]. هل هذا واقع؟ وقد نشر محب الدين صورة "لسورة مفتراة" يسمونها سورة "الولاية" [وقد نشر صورتها في: الخطوط العريضة ص 12، ومختصر التحفة ص 31، ومجلة الفتح العدد (842) ص9، وقد نشرها قبله الشيعي الأصل الأستاذ أحمد الكسروي في كتابه: "الشيعة والتشيع".] وقال بأنها مصورة من مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق مستر براين [قال الشيخ محب الدين بأنه قد اطلع عليه وصورها منه من وصفه ب"الثقة المأمون" محمد علي سعودي الذي كان – كما يقول الشيخ – كبير خبراء وزراء العدل بمصر (هامش مختصر التحفة: ص 32، الخطوط العريضة ص 11).]، وقبل ذلك أثبتها شيخ الرافضة في كتابه "فصل الخطاب" [ص 180.]. ومن قبل قال صاحب تكفير الشيعة: إنهم أحدثوا مصحفاً – كما سلف -، فعل للشيعة مصحف سري يتداولونه كما يقول هؤلاء؟

سأجيب من خلال استقراء نصوصهم وأقوال شيوخهم.. فأقول: لقد جاءت نصوص عندهم تأمرهم بالعمل بالقرآن ريثما يخرج مصحفهم مع إمامهم المنتظر. قال الكليني في الكافي ما نصه: ".. عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن– رضي الله عنه – قال: قلت: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن، ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بغلنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم" [أصول الكافي: 2/619.].

ومن هذا النص نأخذ أنهم فيما بينهم يتلون مفترياتهم كما يدل عليه قوله: "كما نسمعها"، "كما بلغنا عنكم" [وهناك روايات كثيرة تزعم أن أئمتهم يقرأون بغير ما في القرآن، كما جاء في تفسيرات فرات "عن حمران قال: سمعت أبا جعفر يقرأ هذه الآية: "إن الله اصطفى آدم ونوحاً و آل إبراهيم وآل محمد على العالمين" قلت: ليس يقرأ كذا، قال: أدخل حرف مكان حرف" (تفسير فرات ص 18، بحار الأنوار: 92/56) ومثله نصوص كثيرة تدل على أنهم ينسبون للأئمة أنهم يقرأون بغير ما أنزل الله، وبخلاف ما يقرأ المسلمون، فهل هؤلاء شيعة لأهل البيت؟!]، ثم إنهم اشتكوا أنهم لا يحسنون قراءة ما يسمعون أو ما يبلغهم فوعدهم إمامهم بأنه سيأتيهم من يعلمهم، وهذا الوعد كان في عهد إمامهم أبي الحسن – كما يفترون -. وعبارة "سيأتيكم" توحي بأن هذا المعلّم سيأتي هؤلاء الذين لا يحسنون القراءة، ولكن هذا المعلّم لم يأت ومرّ ذلك الجيل ومرت بعده قرون متطاولة.. وقد فسر شيوخ الشيعة فيما بعد المقصودَ بالمعلم بأنهم مهديهم المنتظر [انظر: المازندراني / شرح جامع (على الكافي): 11/47، وهناك نصوص كثيرة للرافضة تصرح بأنه القائم أو المهدي كما سنذكر بعد قليل.].

والشيعة مأمورة بقراءة القرآن، وانتظر ما يأتي به منتظرهم وعدم قراءة تلك المفتريات لأنهم لا يحسنون قراءتها كما يدل النص المذكور، وبالتالي لا تجعل في مصحف متداول بينهم، هذا ما تدل عليه رواية الكافي.

ويقول مفيدهم: "إن الخبر قد صح من أئمتنا – عيلهم السلام – أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا نتعداه، بلا زيادة فيه ولا نقصان منه، حتى يقوم القائم –عليه السلام – فيقرأ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين – عليه السلام –" [بحار الأنوار: 92: 74.].

وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: "قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه" [الأنوار النعمانية: 2/363-364.] فمادام الأمر كذلك، لماذا تروى عن كل إمام طائفة من الزيادات على كتاب الله؟ ثم ما دام قد غير كيف يصبح العمل به؟!

وهذه النصوص التي تدعو إلى العمل بالقرآن يكاد يقابلها نصوص أخرى تدعو بأسلوب "مقنع" وغير صريح إلى إهمال حفظ القرآن لأنه مغير – بزعمهم – ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به منتظرهم. فقد روى مفيدهم بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر أنه قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط، ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف [المفيد/ الإرشاد: ص413.].

هذه الرواية لمفيدهم الذي يقدسونه ويعظمونه حتى زعموا أنه فوق مستوى البشر، لأن إمامهم المنتظر خاطبه بالأخ السديد والمولى الرشيد [مقدمة الكتاب التي أحالت نصوص مخاطبة المهدي لمفيدهم، لكتاب الاحتجاج ص277.].. وهذه الرواية جاءت في كتابه الإرشاد وهو في قمة كتبهم المعتبرة حتى قال شيخهم المجلسي: "كتاب الإرشاد أشهر من مؤلفه" [المجلسي/ بحار الأنوار: 1/27.].. وكذلك روى النعماني في الغيبة ما يشبه الرواية السابقة، فقد روى بإسناده (الكاذب) إلى أمير المؤمنين علي قال: "كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت: يا أمير أو ليس هو كما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا إزراء على رسول الله – صلى الله عليه وآله – لأنه عمه" [النعماني/ الغيبة ص 171- 172، فصل الخطاب الونرقة (7)، بحار الأنوار: 92/60.].

وأورد النعماني روايتين [انظر: الغيبة ص 194، بحار الأنوار: 25/364.] بمعنى هذه الرواية.

ويبدو أن واضع هذه الأسطورة هو أعجمي زنديق، فهو يخص العجم بأسطورة التعليم الموعودة، كما أن الحقد المرير الذي يحمله إزاء صحابة رسول الله – رضوان الله عليهم – الذين فتحوا ديار قومه ونشروا الإسلام بينهم واضح في هذه الرواية، ولذلك فإن دعوى التغيير عنده تكمن في عدم وجود أسمائهم مع اسم أبي لهب.

ولقد كان لهذه الأساطير التي تدعو إلى إهمال حفظ كتاب الله أثرها في مجتمعات الشيعة كما شهد بذلك الشيخ موسى جار الله والذي عاش بين الشيعة فترة من الزمن فلم ير من تلاميذ الشيعة وعلمائهم من يحفظ القرآن، ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه فضلاً عن أن يعرف وجوه قراءاته، ورأى أن هذا قد يكون من أثر انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمد [الوشيعة: ص 116، وقد جاءت نصوص أخرى عندهم تدعو لتعلم هذا القرآن وحفظه، وتذكر ثواب من فعل ذلك؛ كقول أبي جعفر لأحد أصحابه ويدعى سعد الخفاف: "يا سعد، تعلموا القرآن.." (أصول الكافي: 2/596). وعقد صاحب الكافي باباً بعنوان: "باب من حفظ القرآن ثم نسيه" وذكر فيه ست روايات تتحدث عن الثواب الذي يضيع على من نسي شيئاً من كتاب الله (أصول الكافي: 2/607-609) وعقد باباً آخر بعنوان "باب في قراءته" وفيه عن أبي عبد الله قال: "القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية" (المصدر السابق: 2/609).

كما عقد باباً بعنوان: "باب البيوت التي يقرا فيها القرآن" وجاء فيه: "عن ليث بن أبي سليم رفعه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: "نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن ولا تتخذوها قبوراً" (المصدر السابق: 2/610).

وكذلك ذكر من الأبواب "باب ثواب قراءة القرآن" وجاء فيه سبع روايات تتحدث عن عظيم ثواب من قرأ القرآن وتعلمه.. (المصدر السابق: 2/611-613) وباب قراءة القرآن في المصحف، وذكر فيه خمس روايات تبين ثواب القراءة في المصحف (المصدر السابق: 2/ 613-614).

وأبواب أخرى في هذا الموضوع، وهذه تنقض تلك الروايات، بل تثبت من كتبهم زيف وكذب ما يفترونه على آل البيت من تلك "الأكاذيب" إذ كيف يأمرون بقراءة القرآن، ويذكرون الثواب العظيم لمن قرأه، وأنه ينبغي للمسلم أن يقرأه في كل يوم، وأن ينور بيته به. وهو يقولون: إنه مغير مبدل، ألي هذا يدل على عظيم التناقض في هذا المذهب؟!.]- فهل يقوم الشيعة بجمع أساطيرهم في مصحف ليسهل حفظ المصحف الموعود حين ظهوره؟ يقول المجلسي نقلاً عن المفيد:

".. نهونا عليهم السلام عن قراءة مما وردت به الأخبار من أحرف يزيد على الثابت في المصحف، لأنه لم يأت على التواتر وإنما جاء بالآحاد، وقد يلغط الواحد فيما ينقله، ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه مع أهل الخلاف، وأغرى به الجبارين، وعرض نفسه للهلاك، فمنعونا عليهم السلام من قراءة القرآن بخلاف ما يثبت بين الدفتين لما ذكرناه" [بحار الأنوار: 92/74 – 75.].

فهذا يعني أن (الآيات المفتراة) والمتفرقة في كتبهم، والمخالفة لكتاب الله لم تصل عندهم إلى وضعها في مصحف متداول بينهم لسببين: أحدهما: الخوف من المسلمين، والآخر: أن الطريق لثبوتها عندهم طريق آحاد، والواحد قد يغلط فيما ينقله، ويلاحظ أن عدم قبول الروايات التي طريقها أحاد مما يختص به "الأصوليون"، أما الأخباريون من الشيعة فإنهم يرون صحة ما رواه شيوخهم عن الأئمة في العشرات من الكتب التي صنفوها، وتواترها وثبوتها عن مؤلفيها، وثبوت أحاديثها عن أهل العصمة" [وسائل الشيعة: 20/61.].

فهم يقرون بكل نص ورد في هذه "الفرية" في كتب شيوخهم، ولذلك قال شيخ الشيعة الذي يصفونه ب"إمام الفقهاء العظام رئيس الإسلام" جعفر كاشف الغطا: "وصدرت منهم – يعني من الأخباريين – أحكام غريبة وأقوال منكرة، منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها.." [جعفر كاشف الغطا/ حق المبين عن: الطباطائي/ الأنوار النعمانية (الهامش) 2/359.].

إذن الأخباريون يرون ثبوت هذه الأساطير في كتب شيوخهم (ولك أن تعجب كيف يؤمنون بكل حرف ورد في هذه الكتب المنسوبة لشيوخهم، والمنكرة في أسانيدها ومتونها، ويشكون في كتاب الله سبحانه؟!‍ يصدقون بالأكاذيب الواضحة، ويكذبون بالحقائق الثابتة، فأي عقوبة أعظم من هذا المسخ، والانتكاس في الفطر والعقول والمقاييس.

وعلى ذلك فإن مسألة رد هذه الروايات لأنها أخبار آحاد مما لم يتفق عليه الشيعة، وأن السبب المانع الذي يتفق عليه الجميع هو الخوف، ومعنى هذا أن مسألة التداول السري لمصحف مفترى من الإخباريين أمر وارد، ولعل هذا يفسر ما نشره محب الدين الخطيب وأحمد الكسروي (الشيعي الأصل) من صورة "لسورة" تسمى الولاية مأخوذة من حصف إيراني" [وهذه المفتريات جمعها صاحب فصل الخطاب ورتبها على سور القرآن ولكن ليست كهيئة مصحف، وقد وصلني مصحف من باكستان طبعه الشيعة وقد حشاه طابعه بتلك المفتريات، ولكن لم تمتد أيديهم إلى الأصل، فقد طبع كطبعة تفسير الجلالين حيث وضع نص القرآن في الوسط، والتفسير في الحواشي.].

ولكن هذا يبقى مجرد جمع لتلك المفتريات، التي جاءت عندهم كأمثلة لما في مصحف علي المزعوم، أما مصحف علي فهو غائب منتظر، كالمهدي المنتظر عندهم، لم يخرج إلى الآن، والعمل بالقرآن إلى أن يظهر، ولكن جمع هذه المفتريات هو محاولة لإقناع المتشككين والحائرين من بني قومهم. والذي لاحظته من كلام شيوخهم أن قولهم بموجود مصحف لعلي أمر لا يختلفون فيه، حتى ليقول بذلك من يتظاهر بإنكار التحريف من القدامى والمعاصرين كابن بابويه القمي في الاعتقادات كما سيأتي نص كلامه، والخوئي في البيان [البيان: ص 223.].

لكن يبقى القول في زيادة مصحف علي المزعوم عما في كتاب الله وهل هي زيادة في النص أو من قبيل التأويل أو الترتيب؟ كما سيأتي.

مصحف علي:

تقدم الإشارة إلى أن مصحف علي "المزعوم": جاء الحديث عنه في أول كتاب وضعه الشيعة، وأنه قد جاءت بعض الروايات عنه عند أهل السنة ولكنها كما قال ابن حجر لا تصح، ولكن ما في كتب الشيعة صورة أخرى – كما سلف – وقد أكثر القوم من الحديث عن مصحف علي المزعوم والذي يحتوي – كما يزعمون – على زيادات على كتاب الله.

وقد اهتم بإشاعة هذه الفرية الكليني ثقة دينهم في كتابه الكافي وعقد لها باباً خاصاً بعنوان: "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام" وذكر فيه ست روايات لهم، منها ما رواه عن جابر الجعفي إنه سمع أبا جعفر يقول: "ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده" [أصول الكافي: 1/228، لاحظ أن هذه الرواية رواها جابر الجعفي وهو كذاب عن أهل السنة، كما أن كتب الشيعة اعترفت بأنه ليس على صلة معروفة بأبي جعفر (انظر: رجال الكشي ص191) فهذه الرواية من أكاذيبه، وتلقفها الكليني الذي يعمل إشاعة هذا الكفر.

وإذا كان لم يجمع القرآن إلا علي فأين ما جمعه؟ وإذا كان قد جمعه علي فما الحاجة لجمع الأئمة من بعده؟ إلا إذا كانوا يرون أنهم قد شاركوا في الجمع وهم لم يوجدوا.

ولماذا لم ير هذا الكتاب المجموع ولم يعرفه أحد من المسلمين؟

وكيف يصدق مثل هذا الإفك الذي نقله شرذمة من الكذابين وينكر إجماع الصحابة بما فيهم علي – رضي الله عنه – على العمل بهذا القرآن العظيم وتحكيمه وعلى نهجهم أئمة المسلمين بما فيهم علماء أهل البيت؟ إنها خرافات لا يصدقها عقل بريء من الهوى والغرض، ولا تدخل قلباً خالطته بشاشة الإيمان.].

وفي تفسير القمي – عمدة كتب التفسير عندهم – عن أبي جعفر – رضي الله عنه – قال: "ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن إلا وصي محمد صلى الله عليه وآله" [تفسير القمي: ص 744 ط: إيران، بحار الأنوار: 92/48.].

ويفهم من رواية الكليني أن كل إمام جمع القرآن، وكأننا أمام كتب متعددة لا كتاب واحد، بينما تعارضها رواية القمي وتذكر بصيغة الحصر أنه لم يجمعه سوى علي، ثم هم يقولون في رواياتهم وأبوابهم: من ادعى أنه جمع القرآن غير الأئمة فهو كذاب. مع أنهم زعموا أن القرآن كان مدوناً مجموعاً من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ويستدلون على هذا برواية جاءت في البحار [انظر: المرعشي/ المعارف الجلية: ص7.]. فهل كان الحسن والحسين وبقية الأئمة هم الذين يتولون جمعه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟!

وتذكر بعض هذه الأساطير أن بعض الشيعة اطلع على هذا المصحف المزعوم فتقول: ".. عن ابن الحميد قال: دخلت على أبي عبد الله – رضي الله عنه- فأخرج إليّ مصحفاً، قال: فتصفحته فوقع بصري على موضع منه فإذا فيه مكتوب: "هذه جنهم التي كنتم بها تكذبان. فاصليا فيها لا تموتان فيها ولا تحييان" قال المجلسي: "يعني الأولين" [بحار الأنوار: 92/48.]. يعنون حبيبي رسول الله، وصهريه وخليفتيه ووزيريه، وأفضل الخلق بعد النبيين أبا بكر وعمر – رضي الله عنهما -.

وإذا كانت هذه الرواية تسمح لخواص الأئمة بالاطلاع على ذلك المصحف المزعوم، فإن في الكافي رواية أخرى تخالف ذلك حيث جاء فيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبو الحسن مصحفاً وقال: "لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الذين كفروا؛ فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فعبث إليّ: ابعث بالمصحف" [أصول الكافي: 2/631.].

ففي هذه الرواية: الإمام يستودع المصحف أحد خواصه ويحظر عليه النظر فيه، ولكن يخالف أمر إمامه، ويخونه فيما استودعه ويقرأ في هذا المصحف، ويكشف بعض محتوياته. فهذا المصحف الذي تتحدث عنه هذه الرواية مصحف سري محجوب عن الخاص والعام لا يطلع عليه سوى الإمام، وهو يشير إلى أن من موضوعاته تكفير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ليس كتاب الله الذي نزل للناس كافة، والذي أثنى على الصحابة في جمل من آياته.. بل هو مصحف تتداوله الأيدي الباطنية بصفة سرية وتنسب بعض أخباره لأهل البيت لتسيء إليهم.

وهذه الأسطورة أراها تعرض مرة أخرى بصيغة مغايرة لتلك الرواية السابقة، حيث جاء في بصائر الدرجات عن البزنطي [البزنطي هو نفسه الراوي للأسطورة السابقة، وهذا الذي يروي هذه الأساطير، ويفتري على كتاب الله وعلى الصحابة والقرابة، هو ثقة عندهم (مع أنه قد خان إمامه وخالف أمره). جاء في معجم رجال الحديث للخوئي: "أحمد بن محمد بن أبي نصر زيد مولى السكوني أبو جعفر، وقيل: أبو علي المعروف بالبزنطي، كوفي ثقة لقي الرضا، وكان عظيم المنزلة عنده، روى عنه كتاباً، ومات سنة 221ه".

(معجم رجال الحديث: 2/231).]. أن الرضا عليه السلام أودع عنده ذلك المصحف المزعوم فقال هذا البنزنطي: وكنت يوماً وحدي ففتحت المصحف لأقرأ فيه، فلما نشرته نظرت فيه في "لم يكن" فإذا فيها أكثر مما في أيدينا أضعافه، فقدمت على قراءتها فلم أعرف شيئاً فأخذت الدواة والقرطاس فأردت أن أكتبها لكي أسأل عنها، فأتاني مسافر قبل أن أكتب منها شيئاً، معه منديل وخيط وخاتمه فقال: مولاي يأمرك أن تضع المصحف في المنديل وتختمه وتبعث إليه بالخاتم، قال: ففعلت [بصائر الدرجات: ص 246، عن بحار الأنوار: 92/51.].

هذا البزنطي يقول في هذه الرواية: لم أعرف منها شيئاً، وفي الرواية التي قبلها يقول إنه وجد فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم!!

وتأتي رواية أخرى له في رجال الكشي لتصوغ هذه الأسطورة بصورة ثالثة فتقول: "عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: لما أتي بأبي الحسن رضي الله عنه أخذ به على القادسية، ولم يدخل الكوفة، أخذ به على برّاني البصرة، قال: فبعث إليّ مصحفاً وأنا بالقادسية ففتحته فوقعت بين يديّ سورة "لم يكن" فإذا هي أطول وأكثر مما يقرأها الناس، قال فحفظت منه أشياء قال: فأتى مسافر ومعه منديل وطين وخاتم فقال: هات: فدفعته إليه فجعله في المنديل، ووضع عليه الطين وختمه فذهب عني ما كنت حفظت منه، فجهدت أن أذكر منه حرفاً واحداً فلم أذكره" [رجال الكشي: ص 588-589.].

هذه روايات ثلاث كلها عن هذا البزنطي في رواية بصائر الدرجات يزعم أنه لم يفهم شيئاً مما قرأ وحاول أن يكتب ما قرأ فاستعجله رسول إمامه قبل أن يكتب، وفي رواية الكشيء يزعم أنه حفظ جزءاً مما قرأ، ولكن هذا المحفوظ فارقه بمفارقة المصحف، وفي رواية الكافي نراه يعرف ما قرأه ويستذكر ما حفظ، وأن ذلك يتعلق بأعداء الأئمة من قريش. نصوص متناقضة كالعادة في كل أسطورة.

وإذا كان يصعب كتابة شيء منه، أو حفظ جزء منه، فكيف حفظت وكتبت تلك "الأساطي"؟ أنها أوهام يناقض بعضها بعضاً.

وروايات الشيعة تقول بأن هذا المصحف عند إمامهم المنتظر. قال شيخهم نعمة الله الجزائري: "إنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين – إلى أن قال: -وهو الآن موجود عند مولانا المهدي رضي الله عنه مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء" [الأنوار النعمانية: 2/360-362.]، ومع ذلك فقد ارتبطت مصاحف قديمة عند الشيعة أيضاً بعقيدة أنها مكتوبة بخط علي، ويذكر ابن النديم – وهو شيعي – أنه رأى قرآناً بخط علي يتوارثه بيت من البيوت المنتسبة للحسن [الفهرست: ص28.].

ويشير ابن عنبة – وهو ممن يدعي النسب العلوي – إلى وجود مصحفين بخط أمير المؤمنين علي، أحدهما يقع في ثلاثة مجلدات، والآخر يقع في مجلد واحد، قد رآه بنفسه، ولكنهما احترقا – كما يذكر – حين احترق المشهد [عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ص 130-131.].

وقال أبو عبد الله الزنجاني – من كبار شيوخ الشيعة المعاصرين -: ورأيت في شهر ذي الحجة سنة 1353ه‍ في دار الكتب العلوية في النجف مصحفاً بالخط الكوفي كتب على آخره: كتبه علي بن أبي طالب في سنة أربعين من الهجرة [الزنجاني/ تاريخ القرآن: ص67-68.]، ولهذا قال ميرزا مخدوم الشيرازي – وهو ممن عاش بين الشيعة، وقرأ الكثير من كتبها كما سلف – قال: "ومن الطرائف أنهم مع هذا (أي مع ما يدعونه من التحريف) يعتقدون في مصاحف كثيرة كونها مكتوب علي والأئمة من ولده، وليس فيها إلا ما في سائر المصاحف المتواترة والتي لا تحصى كثرة [النواقض: الورقة 104 (مخطوط).].

كما أن هذه المشاهدات المزعومة لمصحف علي، تناقض دعواهم أن المصحف الذي كتبه علي عند مهديهم المنتظر.

ولاشك بأن أمير المؤمنين علي ما كان يقرأ ويحكم إلا بالمصحف الذي أجمع عليه الصحابة، وهذا ما تعترف به كتب الشيعة نفسها – كما سلف [انظر: ص (203).]- ولهذا أخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي: "لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا" [فتح الباري: 13/18.]. وقد نقلت ذلك كتب الشيعة كما سيأتي بعد قليل. وقد جاء في صحيح البخاري بأن أمير المؤمنين عثمان – حين جمع القرآن – أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق [صحيح البخاري – مع فتح الباري: 13/11.]. ولعل هذا ينفي وجود مصحف بخط علي – كما يدعون -.

ويلاحظ أن من بين القراء المشهورين ما يرجع سند قراءته إلى أئمة أهل البيت، ولهذا استدل الدكتور عبد الصبور شاهين على براءة أهل البيت، وزيف ادعاءات الشيعة أن من بين القراء السبعة المشهورين حمزة الزيات، وسند قراءته هو: حمزة الزيات، عن جعفر الصادق، وهو قرأ على محمد الباقر، وهو قرأ على زين العابدين، وهو قرأ على أبيه الحسين، وهو قرأ على أبيه علي بن أبي طالب –كرم الله وجه – [عبد الصبور شاهين/ تاريخ القرآن: ص 170.]، فهؤلاء الأبرار من آل البيت لم يخرجوا على إجماع المسلمين على المصحف الإمام، وآية رضاهم به، إقراؤهم الناس بمحتواه دون زيادة أو نقص أو ادعاء يمس كمال كتاب الله سبحانه [عبد الصبور شاهين/ تاريخ القرآن: ص 165.].

وقال الدكتور محمد بلتاجي: "ونضيف إلى ذلك أن قراءة علي بن أبي طالب للقرآن قد رويت أيضاً بطريق زيد بن علي أخي الإمام الباقر وعم الإمام الصادق- وهذا ما يسلم به الإمامية الاثنا عشرية أنفسهم –" [مناهج التشريع الإسلامي: 1/189، وأحال في هذا الاعتراف إلى كتاب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص 285، 343، والفهرست للطوسي ص 115.].

قلت: أضيف – أيضاً – إقراراً واعترافاً آخر من شيخ الشيعة المجلسي حيث يقول: "والقراء السبعة إلى قراءته (يعني قراءة علي) يرجعون، فأما حمزة والكسائي فيعولان على قراءة علي.. وأما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءاتهم يرجع إلى ابن عباس، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي، والذي قرأ هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي فهو إذاً مأخوذ عن علي – عليه السلام -.

وأما عاصم فقراه على أبي الرحمن السلمي وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقالوا: أفصح القراءات قراءة عاصم لأنه أتى بالأصل وذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره، ويحقق من الهمز ما لينه غيره.. والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره، وإنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض التابعين" [بحار الأنوار: 92/ 53-54، مناقب آل آبي طالب: 2/ 42-43.].

بل يقولون – كما ذكره شيخهم علي بن محمد الطاووسي العلوي الفاطمي في كتابه سعد السعود: "ثم عاد عثمان فجمع المصحف برأي مونا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه –" [عن تاريخ القرآن/ للزنجاني (وهو من الاثني عشرية المعاصرين): ص67.].. يقولون: وقال علي أيضا: "أيها الناس الله الله إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حراق المصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" [عن تاريخ القرآن/ للزنجاني: ص 68.] بل قالوا أكثر من ذلك، قالوا: إنه ورد عن أهل البيت عليهم السلام أن عثمان بن عفان لما رأى اختلاف الصحابة في قراءة القرآن طلب من علي عليه السلام مصحف فاطمة الذي كانت هي – سلام الله عليها – دونته بإشارة أبيها، وطابقه مع المصاحف الأخرى التي كانت بيد الصحابة، فما طابق منها مصحف فاطمة نشره وما لم يطابقه أحرقه. فعلى هذا يكون المصحف الذي بأيدينا مصحف فاطمة لا مصحف عثمان، وعثمان كان ناشره لا مدونه ومرتبه [المرعشي/ المعارف الجلية: ص 27.].

أليس هذا كله ينقض كل ما ادعوه، ويهدم كل ما بنوه.. وهو دليل على اختلاف أخبارهم وتناقضها، والتناقض أمارة بطلان المذهب.

ويبدو من خلال النص الأخير أن ذلك محاولة منهم للرجوع عن تلك المقالة بعدما جلبت عليهم العار، وأورثتهم الذي والشماتة، وضرت مذهبهم ولم تنل من كتاب الله شيئاً، لكن الرجوع عن هذه المقالة يوقعهم في تناقض آخر وهو أن هذا القرآن العظيم وصل إلينا عن طريق أبي بكر وعثمان وإخوانهم، وهؤلاء لهم في مذهب الشيعة النصيب الأوفى من اللعن والتكفير، وكيف يجتمع حينئذ في قلب واحد وعقل واحد الاعتقاد بسلامة القرآن وخيانة جامعيه، ولعلهم وضعوا المقالة الأخيرة التي تقول إن عثمان قابل القرآن على مصحف فاطمة المزعوم، وضعوها للخروج من هذا المأزق، ولكن هذا يوقعهم في تناقض ثالث وهو مخالفة أخبارهم التي تقول إن مصحف فاطمة غير القرآن – كما سيأتي – [انظر الحديث عن فاطمة في مبحث (الإيمان بالكتب ).]. والثابت عن عثمان أنه أرسل إلى حفصة "أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف.. إلخ" [انظر: صحيح البخاري – مع فتح الباري -: 13/11.].

وهؤلاء جعلوا ذلك لفاطمة كعادتهم في نسبة فضائل الأنبياء، والصحابة إلى الاثني عشر، عن طريق تحوير الأحاديث، وصياغتها في كتبهم وتركيبها على الأئمة، أما في آيات القرآن فطريق ذلك التأويل الباطني أو دعوى التحريف، كما رأينا.

حجم أخبار هذه الأسطورة في كتب الشيعة ووزنها عندهم:

لقد رأينا أن معظم كتب الشيعة انغمست في هذا المستنقع الآسن، وسقطت في تلك الهوة الخطيرة، فما مقدار هذا السقوط وما مستواه؟ هل تلك الروايات السوداء التي وجدت طريقها إلى كتب القوم، وتسللت إلى مراجعهم الحديثية لتكسو من يركن إليها ثوباً من الخزي والعار، وتسلب من يده آخر علاقة له بالإسلام.. هل تلك الروايات مجرد روايات شاذة مندسة في كتب القوم لم تحظ برضى عقلائهم، ولا قبول محققيهم، وأنها قد تسربت إلى كتب هؤلاء، لأن الكذابين على الأئمة – كما تقول كتب الشيعة – قد كثروا في صفوف الشيعة، وكان التشيع مطية لكل من أراد الكيد للإسلام وأهله، كما أثبتته الأحداث والوقائع؟

قد لاحظنا أن هذه الأسطورة بدأت بروايتين اثنتين في كتاب سليم بن قيس حسب النسخة المطبوعة التي بين أيدينا، وما لبثت أن أخذت بعداً أكبر وزادت أخبارها. وقد تولى كبر هذه الفرية ووزر هذا الكفر شيخ الشيعة علي بن إبراهيم القمي، فقد أكثر من الروايات في هذا الباب، ونص في مقدمته على أنها كثيرة، وبدأت عنده محاولة التطبيق العملي لهذه الخرافة كما سبق. ويلاحظ أن معظم روايات الكليني صاحب الكافي هي عن هذا القمي الذي تلقف هذه الروايات عن كل أفاك أثيم وسجلها في تفسيره الذي يحظى بتقدير الشيعة كلها [انظر مقدمة الرسالة.]، وقد قال الذهبي وابن حجر عن تفسيره هذا: "وله تفسير فيه مصائب" [انظر: ميزان الاعتدال: 3/111، ولسان الميزان: 4/191.].

كانت دوائر الغلاة في القرن الثالث تعمل على الإكثار من صنع الروايات في هذا حتى أن شيخهم المفيد الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام والمتوفى سنة (413ه‍) يشهد باستفاضتها عند طائفته (الاثنا عشرية) يقول: "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان" [أوائل المقالات: ص 98.].

هذه الاستفاضة هي ثمرة الوضع والكذب على أهل البيت والذي نشط في القرن الثالث على يد شرذمة من شيوخهم.

ولو كان عند أهل البيت شيء لقرؤوا به دون ما سواه، ولأخرجوه للناس ولم يسعهم كتمانه. ولكن أهل البيت باعتراف الشيعة لم يقرؤوا إلا بكتاب الله، فعلم براءتهم من هذا الافتراء.. وثبت أن ديناً يستفيض فيه الباطل باطل.

هذا والمفيد يقول باستفاضة هذا الكفر بين طائفته، رغم أن شيخه ابن بابويه يقول: إن من نسب إلى الشيعة مثل هذا القول فهو كاذب – كما سبق [انظر: ص (218-219).]- وسلالة أهل البيت (الشريف المرتضى وهو من معاصري المفيد بل من تلامذته يقول: إن أخبارهم في هذا لا يعتد بها، لأنها أخبار ضعيفة لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) [انظر: مجمع البيان: 1/31.]. فهل كل شيخ من هؤلاء يمثل ومدرسة ونحلة والتشيع يجمعهم، أو هم يتلونون تلون الحرباء بحكم التقية، أو أنهم قد أحكموا خطتهم، وأزمعوا أمرهم على أن يظهر منهم حسب المناسبات والظروف صوتان مختلفان متعارضان حتى لا يتمكن أحد من الوقوف على حقيقة المذهب؟!

ولهذا نجد أيضاً في القرن السادس ظهور الطبرسي صاحب التفسير وإنكاره هذه المقالة كما سيأتي، ومعاصره الطبرسي الآخر صاحب الاحتجاج يصرح بهذا الكفر ويروي فيه عشر روايات، ويرى أن ما ذكره هو محل إجماع أو اشتهار بين طائفته كما سلف.

أم أن الوضع لهذا الروايات إنما وقع في العصور المتأخرة ونسب لشيوخهم القدامى ليحظى بثقة الأتباع الأغرار؟ سيأتي إن شاء الله دراسة هل الإنكار تقية أو حقيقة؟.. هذا وفي ظل الدولة الصفوة كثر الوضع الأخبار هذه الأسطورة فتجاوزت مرحلة ما سجله القمي أو الكليني، أو المفيد، أو فرات الكوفي، وغيرهم من شيوخهم في القرن الثالث والرابع تجاوزت الحجم الذي سجلته هذه الزمرة إلى درجة أن شهد شيخهم المجلسي صاحب بحار الأنوار بأن أخبارهم في هذا أصبحت تضاهي أخبار الإمامة؛ يقول: "وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً؛ بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة" [مرأة العقول: 2/536.].

هذه شهادة من المجلسي المتوفى سنة (1111ه‍)على تضخم أخبار هذه الأسطورة، والتي كانت مجرد روايتين في كتاب سليم بن قيس، وكانت عند ابن بابويه القمي المتوفى سنة (381ه‍) لا تكاد توجد حتى قال: إن من نسب للشيعة مثل هذا القول فهو كاذب، وشيخ الشيعة الطوسي أنكر نسبة هذا إلى الشيعة [انظر: تفسير التبيان: 1/3.]، وقد أرهق نفسه النوري الطبرسي صاحب فصل الخطاب ليجد وسيلة يتخلص بها من كلام الطوسي فقال: "والطوسي في إنكاره (يعني لتحريف القرآن) معذور لقلة تتبعه الناشئ من قلة تلك الكتب عنده" [فصل الخطاب الورقة 175 (النسخة المخطوطة).].

وهذا الاعتذار لا يمكن أن يوافق عليه صاحب فصل الخطاب الذي يصر على أن يجعل كل الشيعة على مذهبه في القول بتحريف القرآن، ذلك لأن الطوسي هو شيخ الشيعة في زمنه، وهو مؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، وكتابين من كتبهم المعتمدة في الرجال، فلا يتصور أن يوصف بقلة التتبع، أو بقلة الكتب عنده، كما يقول هذا الطبرسي. بل نحن نأخذ منقول الطوسي هذا شهادة هامة أو وثيقة تاريخية تثبت أن الوضع لهذه الأسطورة لم يتسع ويصل إلى هذا المستوى الموجود اليوم إلا في ظل الحكم الصفوي، ولا يستبعد أن تضاف روايات من هذه الروايات إلى شيوخهم القدامى لخدمة هذه الأسطورة، ولاسيما والشواهد قائمة على أن الكذب في الشيعة كثير، كما تشهد بهذا كتب أهل السنة وتقر بذلك كتب الشيعة نفسها – كما سيأتي – [انظر: فصل "اعتقادهم في السنة".].

هذا وشهادة شيوخ الدولة الصفوية بكثرة هذه الأخبار في زمنهم كثيرة، فكما شهد المجلسي يشهد شيخهم الآخر نعمة الله الجزائري وهو من معاصري المجلسي، ومن تلامذته [أشار إلى ذلك في الأنوار النعمانية: 4/232.] وموضع ثقة الشيعة وتقديرهم [انظر: ص (202) من هذه الرسالة.]. يقول: "إن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث" [انظر: فصل الخطاب، الورقة 125 (النسخة المخطوطة) وص 251 من المطبوعة.]، كما أنه يضع أساطيره، وكتاب الله سبحانه في كفة ميزان، ويرى أن القول بسلامة القرآن يؤدي إلى انعدام الثقة في أخبارهم فيقول– وهو يرد على شيوخهم المتقدمين – في قولهم بتواتر القراءات السبع.. يقول: "إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" [الأنوار النعمانية: 2/ 356-357.].

يعني والمحافظة على حرمة وسلامة أخباره وأساطيره أولى من القول بصيانة القرآن وحفظه! وهذا هو نفس ما قاله شيخهم المجلسي حينما قال – كما مر -: "وطرح جميعها (يعني جميع أخبار التحريف) يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً".

هذا هو الخيار الصعب في نظر هذه الزمرة، هل تفقد أخبارها وبها قوام دينها، ومنها تقتات رزقها باسم الخمس، وبها تستمد قداستها باسم النيابة عن الإمام أتخسر كل هذه المكاسب التي تجنيها.. أم تقول بتغير القرآن فتجني تكفير المسلمين لها، وصعوبة التبشير بدينها، وتقلص أتباعها وضمور مكاسبها من بعد ذلك؟ إنه خيار صعب أمام هؤلاء (الشيوخ).. هل يخرجون منه بالظهور أمام الناس بوجهين وقولين أو يرجعون إلى التقية والكتمان، أو يراعون الظروف والمناسبات والأجواء؟

الملاحظ أن شيوخ الدولة الصفوية هم أجرأ على التصريح بهذا الكفر بحكم ووجود قوة تسندهم فتخف التقية لديهم، ولهذا كثرت أقوالهم بتواتر هذا الكفر عندهم حتى زعم شيخهم أبو الحسن الشريف وهو من تلامذة المجلسي بأنه: "يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع" [مرآة الأنوار: ص49.].

وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت1081ه‍): ".. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كلما يظهر لمن تأمل كتب الأحاديث (يعني كتب أحاديثهم) من أولها إلى آخرها" [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي): 11/76.].

ويقول شيخهم محسن الكاشاني: "المستفاد.. من الروايات من طريق أهل البيت – عليهم السلام – أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه، كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها اسم علي – عليه السلام – في كثير من المواضع، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم" [تفسير الصافي: 1/49.].

هذا بعض ما قاله شيوخهم في تلك الفترة عن حجم الروايات والأخبار عندهم، وهي شهادة خطيرة تؤكد هذه الفرية عندهم، واستفاضتها في كتبهم، وهذا بلا شك دليل بطلان أخبارهم كلها، فما دام الكذب عندهم يصل إلى حد التواتر فلا ثقة بسائر أخبارهم، وكل من يذهب هذا المذهب فإنه ليس من الإسلام في شيء، وإن دين هؤلاء ليس دين الأئمة، بل هو دين المجلسي أو القمي أو الكليني أو العياشي أو غيرها. وإن مثل هؤلاء كمثل سائر الزنادقة الذين ظهروا في التاريخ الإسلامي، وإن ذلك القناع الذي أضفوه على حقيقتهم المعادية للإسلام وأهله قد انكشف بهذه الدعوى، وإن أخبارهم التي نسبوها زوراً وكذباً لأهل البيت قد ظهر كذبها واستبان زيفها بهذا الكفر المعلن.

وبناءً على حركة الوضع المستمرة عبر القرون، ولاسيما في إبان الدولة الصفوية رأينا شيخ الشيعة ومحدثها، وخبير رجالها، وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية (مستدرك الوسائل) وأستاذ كثير من شيوخهم المعتبرين كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغا بزرك الطهراني وغيرهما.. شيخ الشيعة حسين النوري الطبرسي يرى أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيد تلك الأساطير لتواترها من طرقهم؛ يقول: "إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه" [فصل الخطاب – الورقة 124 (النسخة المخطوطة).].

والخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره اليوم يقول: "إن كثرة الرويات (رواياتهم في تحريف القرآن) من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر" [الخوئي/ البيان ص 226.].

وبعد هذه الاعترافات من أساطين التشيع وشيوخه هل يشك أحد يقرأ هذه الدعاوى العريضة في أن القوم قد وقعوا في درك مظلوم وفي مستنقع آسن؟ وكم يتألم المسلم وهو يقرأ مثل هذه الكلمات المظلمة، وكم يشفق على قوم اعتمدوا في دينهم على كتب حَوَتْ هذا "الغثاء" وركنوا في أمرهم على شيوخ يجاهرون بهذا الكفر قد باعوا أنفسهم للشيطان، وجعلوا نواصيهم بيده. ولكن هل الشيعة كلهم على هذا الطريق المظلم؟ وهل هم جميعاً قالوا بهذا الكفر والإلحاد؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفقرة التالية:

هل الشيعة جميعاً تعتقد صحة هذه الروايات وتقول بتواترها؟

وبعدما رأينا أن معظم كتب الشيعة سقطت في هذه الهوة المظلمة، وعرضنا لشيء من مضامين هذه الروايات مما تتضح به صورتها وتتبين به حقيقتها، ثم حاولنا التعرف على القدر الكمي، والوزن الإسنادي لهذه الروايات، ورأينا أن مهندسي التشيع عملوا جاهدين على الوضع والزيادة لأخبار هذه الأسطورة عبر القرون، حتى اعترف طائفة من شيوخهم المعتبرين عندهم باستفاضتها وتواترها، وأنه لا ينبغي لذلك النظر في أسانيدها.. فهل جميع شيوخ الاثني عشرية يتفقون معهم في هذا الحكم؟

يقول شيخهم المفيد (ت413ه‍) في كتابه أوائل المقالات وهو من كتبهم المعتبرة عندهم باعتراف شيوخهم المعاصرين [محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان: ص 14.]، يقول: "واتفقوا – أي الإمامية – على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية" [أوائل المقالات: ص13.].

وهذه شهادة مهمة واعتراف صريح من مفيد الشيعة بأن سائر الفرق الإسلامية لم تقع في هذا الكفر الذي وقعت فيه طائفته. وهي شهادة تلجم أولئك الروافض الذين يحاولون من منطلق جبان أن يصموا أهل السنة من هذه الفرية؛ كمحاولة مكشوفة لإثبات هذا الكفر بطريق النسبة الكاذبة لأهل السنة. وعصمة أهل السنة من هذا الضلال لا تحتاج إلى هذا الاعتراف، ولكن ذكرناه هنا لأنه صادر من المخالف وإنصاف المخالف أشد وقعاً في النفس من إنصاف الموافق، ولأن في هذا وأمثاله ما يسكت أولئك المفترين الذين يفترون الكذب ولا يؤمنون.

كما أن مفيدهم يعترف أيضاً بأن إجماع طائفته قائم على هذا الكفر البين، ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا!! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت381ه‍) قد أنكر هذا في رسالته في "الاعتقادات" [الاعتقادات: ص 101-102.]. وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم – كما مر -، وتبعه على ذلك الشريف المرتضى [انظر: التبيان: 1/3، مجمع البيان: 1/31.] (ت436ه‍)، والطوسي [انظر: التبيان: 1/3.] (ت450ه‍) وهما من تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (ت548 أو561ه‍) فلِمَ لَمْ يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أو ماذا؟! وليس ذلك فحسب بل إن المفيد نفسه، وفي الكتاب ذاته ذكر أن طائفة من أهل الإمامة أنكرت ذلك [حيث ذكر أن "جماعة من أهل الإمامة (قالت): إنه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة" (انظر: أوائل المقالات: ص 55)، وسنرى في مبحث "عقيدتهم في الإجماع " اضطرابهم في أمر الإجماع حيث تجد الإجماعات المتعارضة، ودعوى الشخص منهم للإجماع مع نقله للخلاف فيه.].

ومثل دعوى المفيد يدعي النوري الطبرسي أن إجماع الشيعة قائم على هذا الكفر، إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك حتى قال: "إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائده" [فصل الخطاب، الورقة 111 (النسخة المخطوطة).].

ولعل القارئ يدرك محاولة هذا الطبرسي، لأن يجعل الشيعة منذ نشأتها كانت على مذهبه، وأن مخالفة هذا المذهب كانت طارئة، والحقيقة التي لا يماري فيها مسلم، ولا يشك فيها من سبر التطور العقدي عند هؤلاء القوم أن أوائل الشيعة ما كانت على هذا الكفر، ما كان خلاف الشيعة في أول الأمر إلا في مسألة الإمامة ومن أحق بالإمامة، ثم ما لبثت أن انجرت من بدعة إلى أخرى حتى رأينا شيوخهم في القرن الثالث يتسابقون للوقوع في هذا الكفر، فأورثهم ذلك ذلاً وعاراً ومقتاً من المسلمين، فأراد ابن بابويه الرجوع بهم إلى الأصل – كما هو الظاهر – ولكن عقيدة التقية لديهم جعلت محاولة ابن بابويه لا تثمر ثمارها، وتبع ابن بابويه ثلاثة آخرون من شيوخهم، كلهم أنكروا هذا – كما مر -.

ويذكر النوري الطبرسي بأنه لا يوجد من القرن الرابع إلى القرن السادس خامس لهؤلاء الأربعة الذين ذكرناهم، ويقول إنه: "لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء الأربعة" [فصل الخطاب: 15 (المخطوط) وص 34.].

إذن بعدما استشرى هذا البلاء في الإمامية لم نجد من شيوخهم من يعلن إنكاره لهذا إلا هؤلاء الأربعة [وقد نقل الشيخ إحسان إلهي ظهير هذا القول، وتحدى الشيعة أن تأتي بخامس لهؤلاء (الشيعة والسنة ص 124). والذي يجب ملاحظته في هذا الأمر ما يلي:

أولاً: أن مفيدهم ذكر أن الخلافة لهذا الكفر قد ذهب إليه جماعة من أهل الإمامة (انظر: أوائل المقالات ص 55)، فهل هو يشير بهذا إلى خلاف الثلاثة (لأن الطبرسي من القرن السادس) أو يشير إلى أكثر من ذلك ولاسيما أن وصفهم بأنهم جماعة، يشعر بكثرتهم؟.

وقد شك في هذا صاحب فصل الخطاب نفسه وقال: "ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد من جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" (انظر: فصل الخطاب ص 33).

ثانياً: أن أوائل الشيعة كلهم على خلاف هذا الكفر، وقد استحدث هذا القول فئة من الزنادقة قد اندسوا في الروافض، فقول النوري: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" هو كذب ظاهر؛ إذ إن كل أوائل الشيعة وقدمائها معهم.

ثالثاً: أن الأشعري في مقالات الإسلاميين نسب الإنكار لهذه الفرية إلى طائفة منهم، وهو يشعر بأنهم ليسوا بثلاثة فقط (انظر مقالات الإسلاميين: 1/ 119-120).]. وقد أشرنا من قبل إلى أن ابن حزم يذكر بأن الإمامية كلها على هذا الباطل إلا ثلاثة، ومن هؤلاء الثلاثة الشريف المرتضى.

وقد تحدث شيوخهم أن الإمامية لم تتفق على هذا الكفر. يقول صاحب "قوامع الفضول": "إن المحكي عن ظاهر الكليني وشيخه عليّ بن إبراهيم القمي والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج وقوع التحريف والزيادة والنقصان فيه، بل وحكي ذلك عن أكثر الأخباريين، وعن السيد الصدوق [لقب يطلقونه على ابن بابويه القمي صاحب من لا يحضره الفقيه.] والمحقق [يطلق لقب المحقق على محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، وعلى جعفر بن الحسن ابن يحيى المتوفى سنة (676ه‍) (انظر: أغابزرك/ الأنوار الساطعة ص 146) وهو هنا يريد الأول (الطوسي).] إنكار ذلك، بل وحكي عن جمهور المجتهدين، وظاهر الصدوق في اعتقاداته أن المراد بما ورد في الأخبار الدالة على أن في القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين – رضي الله عنه – كان زيادة لم يكن في غيرها أنها كانت من باب الأحاديث القدسية لا القرآن" [قوامع الفصول: ص 298.].

وكذلك أشار الطبرسي في فصل الخطاب إلى مثل ذلك وتوسع في ذكر الذاهبين إلى التحريف فمما قاله: "اعلم أن لهم في ذلك أقوالاً مشورها اثنان: الأول وقع التغيير والنقصان فيه"، ثم ذكر من قال بذلك من شيوخهم، ونقل كلمات بعضهم في هذا، ويلاحظ أنه يحاول المبالغة في جعل معظم رجالات طائفته على هذا القول، بل إنه ذكر مصنفات لا يوجد لها عين ولا أثر، وذكر أنها تسمى باسم "التحريف" أو "التبديل"، واستظهر أن أصحابها كانوا على مذهبه [انظر: فصل الخطاب: 30-31.]، ولمعارضه أن يقول: ما المانع أن تكون هذه المصنفات لنقد تحريف الشيعة لمعاني القرآن، أو لنقد دعواهم تحريف ألفاظه وأخذت ذلك الاسم.

ثم ذكر القول الثاني فقال: "الثاني: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في التبيان، ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منها الصدوق وأتباعه" [فصل الخطاب: ص 33.].

وقوله: "لم يعرف من القدماء موافق لهم" يعني قدماء شيوخه الإمامية، الرافضة، أم أسلافهم من الشيعة فلم يصل بهم الأمر إلى هذا الحد – كما تقدم -.

ثم قال هذا النوري: "ثم شاع هذا المذهب (يعني إنكار التحريف) بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع" [فصل الخطاب: ص 38.]. ثم حاول رد دعوى الإجماع.. ليجعل جل الشيعة الاثني عشرية على مذهبه.

فإذن هل ننتهي من هذا إلى أن الاثني عشرية لم يتفقوا على هذا الكفر، بل لهم قولان في هذه المسألة، كما أشار إلى ذلك الأشعري في مقالاته كما سلف، أو أنه قول واحد والإنكار تقية؟ هذا ما سنعرض له في المسألة التالية:

هل إنكار المنكرين لهذا الكفر (من الشيعة) من قبيل التقية؟

بعدما بيّنا أن الأمامية لم تتفق على هذا الضلال، وأنه قد أنكر ذلك كبار محققيهم كالشريف المترضى، وابن بابويه القمي والطوسي والطبرسي، ومن اتبعهم من المتأخرين، فإنه مع ذلك قد برز ناعق من شيوخ الدولة الصفوية يقول: إن إنكار هؤلاء كان على سبيل التقية.

يقول شيخهم نعمة الله الجزائري (وهو من الأخبارين) [ولهذا قال الخوانساري: "كان مع شرب الإخبارية كثير الاعتناء والاعتداد بأرباب الاجتهاد.." (روضات الجنات: 8/150).] والذي قال عنه الخوانساري: "كان من أعاظم علمائنا المتأخرين وأفاخم فضلائنا المتبحرين.." [روضات الجنات: 8/150.]: "والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليهم بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها" [الجزائري/ الأنوار النعمانية: 2/358.].

ثم قدم برهان دعواه بقوله: "كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا" [الجزائري/ الأنوار النعمانية: 2/358-359.].

وكذلك يرى هذا صاحب فصل الخطاب؛ فإنه نقل كلام الجزائري المذكور مؤيداً له، كما نقل ما ذكره شيخهم ابن طاوس من أن كتاب التبيان الذي أنكر فيه الطوسي هذا الضلال موضوع على غاية الحذر والمدارة للمخالفين [فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة).].

وقد نقلنا النص بتمامه فيما سبق [انظر: ص (197-198).].. فهل ما يقوله هؤلاء حقيقة؟

أقول: لا شك أن الجزائري وصحاب فصل الخطاب وغيرهما هم ممن يجاهر بهذا الكفر ويعلنه، ومن يفعل ذلك فليس من الإسلام في شيء، وإذا كنا نتثبت في خبر الفاسق، فما بالك بأخبار هؤلاء، فهم يودون أن يجعلوا كل شيعي على هذا الكفر فليس بغريب أن يحملوا آراء المعارضين على التقية. وأرى خطأ من يأخذ كلام هذا الجزائري ومن على شاكلته بإطلاق، ويحكم على طائفة بأكملها بهذا الكفر من غير دراسة وتحقيق.

وإذا كنا لا نأخذ بكلام هؤلاء الأفاكين الآثمين فهذا لا يعني أيضاً أن نتقبل بسذاجة ظاهرة، وبسطحية غافلة ما يقوله أصحاب الرأي الآخر بإطلاق، ونحن نعلم أن التقية من أصولهم، وأنها عندهم تسعة أعشار الدين، ولا دين لمن لا تقية له – كما سيأتي -.

وعلى هذا فلابد من دراسة متأنية وأمينة لهذا القضية، فأقول: كما نقل شيخهم المفيد إجماع طائفته على هذا الكفر كما أسلفنا، فإن من كبار شيوخهم المتأخرين من نقل إجماع الأصوليين من الشيعة على إنكار هذا الكفر [فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة).].

واعترف صاحب فصل الخطاب بأن مذهب إنكار التحريف قد شاع واشتهر بين أصحابه فقال: ".. شاع هذا المذهب بين الأصوليين من أصحابنا واشتهر بينهم حتى قال المحقق الكاظمي في شرح الوافية: إنه حكي عليه الإجماع" [فصل الخطاب: ص38 (النسخة المخطوطة).].

وقد غضب من هذا الأمر صاحب فصل الخطاب، لأنه – كما أسلفت – يريد أن يجعل مذهبه هو الأشهر والأكثر.. فقال: ".. إن دعواه – يعني دعوى الإجماع – جرأة عظيمة (!) وكيف يمكن دعوى الإجماع بل الشهرة المطلقة على مسألة خالفها جمهور القدماء وجل المحدثين وأساطين المتأخرين، بل رأينا كثيراً من كتب الأصول خالية عن ذكر هذه المسألة، ولعل المتتبع يجد صدق ما قلناه، ومع ذلك كله فالمتبع هو الدليل، وإن لم يذهب إليه إلا قليل كما قال السيد المرتضى – رحمه الله – في بعض مسائله: لا يجب أن يوحش من المذهب قلة الذاهب إليه والعاثر عليه، بل ينبغي ألا يوحش منه إلا ما لا دلالة له تعضده ولا حجة تعمده، وقال المفيد في موضع من المقالات: ولم يوحشني من خالف فيه؛ إذ بالحجة له أتم أنس ولا وحشة من حق" [فصل الخطاب: ص 38-39.].

نلاحظ من خلال هذه الكلمات أن هناك وميض نار مشتعلة بين فريقين وكل يدعي الشهرة والأحقية لمذهبه.. وأن هذا الرجل قد ارتدى ثوب الواعظ كما يصنع الشيطان أحياناً وراح يدعو قومه إلى نار جنهم وبئس المصير، وينادي بأن قوله هو الذي عليه الدليل من كتبهم، وهو الأصل الذي عليه قدماء الشيعة، وخلافه قول طارئ على مذهبهم، ودعوى الإجماع عليه أو الشهرة في نظره جرأة عظيمة.

إذن هناك – بلاشك – فئة من الشيعة لم تعد تهضم هذا المعتقد، وقد كثر أتباعها، ولهؤلاء – فيما يظهر – ألَّف صاحب فصل الخطاب كتابه ليردهم عن هذا الطريق الذي سلكوه، ويرفع عنهم تلك العماوة التي غشيتهم في نظره ويقول: إن الدليل أحق أن يتبع، وإن لم يذهب إليه أحد. وكأنه استوحش من مذهبه، والكفر كهف موحش مخيف، وخاف تقلص أتباعه واندراس أشياعه فراح يدعو إلى عدم الوحشة عند القلة فهي في نظره عنوان الحق على هذا القول، ومن الغريب أن يستعير كلمات الشريف المرتضى الذي يتبرأ من هذا الكفر، ويكفر من قاله، ويعظ بها قومه ويدعوهم إلى هذا الإلحاد.

ومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن فئة من الشيعة لم تعد تصدق بهذه الخرافة، وقد هاجمهم صاحب فصل الخطاب في مواضع متعددة، وقال معلقاً على كلام بعضهم: "ليس لداء قلة التتبع دواء إلا تعب المراجعة" [فصل الخطاب: الورقة 84 (النسخة المخطوطة) و ص 169 (من المطبوعة).].

كما ضاق ذرعاً بأمر الصدوق صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد كتبهم الأربعة المعتمدة في إنكاره لهذه الخرافة، وقال: إن أمره مضطرب، ويغير بعض الروايات لتوافق مذهبه في نفي هذه الخرافة، وأنه غير في بعض الروايات تغييرات تورث سوء الظن [فصل الخطاب: الورقة 120 (من المخطوطة) و ص 240 (من المطبوعة).] به، كما سيأتي بعد قليل إيراد نصوصه في هذا، مع العلم بأن كتابه "من لا يحضره الفقيه" هو أحد جوامعهم المعتمدة عندهم.

كما يعتذر أحياناً عن المنكرين من أصحابه لهذا الاعتقاد – الذي يؤكد أنه متواتر من طرقهم الكاذبة – بقوله: "إن أخبار التحريف متفرقة فلهذا لم يعرفوها" [فصل الخطاب: الورقة 176 (النسخة المخطوطة).].

ولقائل أن يقول: إنها لم تكن موجودة فلهذا لم يعرفوها ولدت فيما بعد، ونمت أخبارها وكثرت أساطيرها فأخذت بها أنت ومن معك اغتراراً أو تغريراً؛ إذ كيف يعقل أن تخفى على أمثال ابن بابويه وغيره من مؤسسي مذهبكم ومؤلفي مجاميعكم المعتمدة، وكذلك اعتذر عن الطوسي بنحو هذا – كما سيأتي – وحتى نعمة الله الجزائري الذي قال: إن إنكارهم تقية لم يكن على يقين من هذا، فتراه في شرح الصحيفة السجادية يتعجب من صنيعهم، ويحاول أن يرد على حجتهم، حيث يقول: "وأخبارنا متواترة بوقوع التحريف والسقط منه بحيث لا يسعنا إنكاره، والعجب العجيب من الصدوق وأمين الإسلام الطبرسي، والمرتضى في بعض كتبه كيف أنكروه وزعموا أن ما أنزله الله تعالى هو هذا المكتوب مع أن فيه رد متواتر الأخبار (يعني أساطيرهم)".

ثم حاول أن يجيب عما اعترض به عقلاء قومه من أن القول بتحريف القرآن يلزم منه ألا يعمل به لارتفاع الثقة عنه، وهذا مخالف لما عليه الشيعة والأئمة.. فقال: "وما قيل من طرفهم أنه يلزم عليه ارتفاع الموثوق بالآيات الأحكامية، وينتفي جواز الاستدلال بها لمكان جواز التحريف عليها. فجوابه: أنهم عليهم السلام أمرونا في هذه الأعصار بتلاوة هذا القرآن والعمل بما تضمنته آياته لأنه زمن هدنة، فإذا قامت دولتهم وظهر القرآن كما أنزل الذي ألفه أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وشده في ردائه وأتى إلى أبي بكر  وعمر وهما في المسجد في جماعة من الناس فعرضه عليهم فقالوا: لا حاجة لنا في قرآنك ولا فيك عندنا من القرآن ما يكفينا. فقال: لن تروه بعد هذا اليوم حتى يقوم قائمنا. فعند ذلك يكون ذلك القرآن هو المتداول بين الناس مع أن ما وقع من التحريف في الآيات الأحكامية أظهروه عليهم السلام، فيقوم الظن بأن ما لم يعرفونا تحريفه لم يكن فيه تحريف" [شرح الصحيفة السجادية: ص 43.].

وبعد هذا هل يحق لأحد أن يجزم بالقول: إن إنكار هؤلاء كان على سبيل التقية، والخلاف جاري بينهم وبين قومهم على أشده، والصراع واضح من خلال ما كتبه صاحب فصل الخطاب وغيره؟!

ولكن بقي أن ندرس البرهان الذي قدمه نعمة الله الجزائري في أن إنكار هؤلاء المنكرين كان على سبيل التقية بدليل أنهم "رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن، وأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا" [الأنوار النعمانية: 2/358-359.] كما سبق نقله، فهل هذا حقيقي بالنسبة لأولئك المنكرين؟

نبدأ بابن بابويه القمي "الصدوق" (ت381ه‍) باعتباره أول من أنكر على هؤلاء الغلاة، وأعلن أن هذا لا يمثل مذهب الشيعة وذلك في رسالته "الاعتقادات".

4-                                                                                          ابن بابويه وإنكاره لما ينسب لطائفته:

يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس، وليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربعة عشر [كذا في الأصل وهو خطأ لغوي، والصحيح "أربعة عشرة سورة".] سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب"، ثم استدل بما جاء في رواياتهم في ثواب من قرأ سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وأن هذا ينفي تلك الدعاوى الباطلة.

ثم قال: "بل نقول: إنه قد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدراً سبع عشرة ألف آية". واستشهد على ذلك ببعض الأحاديث القدسية الواردة عندهم، ثم قال: "ومثل هذا كثير كله وحي ليس بقرآن، ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه كما قال أمير المؤمنين لما جمعه، فلما جاء به فقال لهم: هذا كتاب الله ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك. فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون" [الاعتقادات: ص 101-103.].

هذا ما قاله ابن بابويه نقلته بطوله لندرة المصدر المنقول عنه، ولأن معظم من ينقل عنه من كتب الشيعة وغيرها يكتفي بنقل صدر كلامه مما لا يعطي تصوراً كاملاً عن مذهب الرجل.

ومن خلال الكلمات السابقة يلاحظ ما يلي:

أولاً: إن الرجل يعد هذا القول مذهب الشيعة الإمامية كلها، ولهذا قال صاحب فصل الخطاب بعد نقله لهذا النص: "وظاهر قوله: اعتقادنا، وقوله: نسب إلينا، اعتقاد الإمامية" [فصل الخطاب: ص33.] ثم انتقده في ذلك وقال: "وقد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل به غيره أو قال به قليل" [فصل الخطاب: ص33.].

وقد سبق أن قلت: إن صاحب فصل الخطاب متحمس لأن يجعل جميع الشيعة على مذهبه.

ثانياً: في قوله: "ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" تكذيب للكليني صاحب الكافي وشيخه القمي صاحب التفسير والنعماني صاحب الغيبة وغيرهم الذين يجاهرون بهذا المعتقد، ويعدونه من مذهب الإمامية، أو كأنه يعتبر من يقول بهذا ليس في عداد الشيعة.

ثالثاً: لا نرى إشارة منه إلى وجود رأي آخر في هذا عندهم، كما أشار إلى ذلك الأشعري وغيره، وكأنه يعتبر من يخالف في هذا خارج نطاق التشيع إلا إن كان في الأمر تقية.

رابعاً: كأنه في قوله: "... ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه سبع عشرة ألف آية" يفسر فيه رواية الكليني والتي تقول: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية" وآيات القرآن كما هو معروف لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، لكن الكليني ينص كما ترى على أنها من القرآن، بينما ابن بابويه ينص على أنها ليست من القرآن ويحملها على الأحاديث القدسية – كما سلف -.

خامساً: لم يتحرر – كما ترى – من رواسب وآثاره الروايات الأسطورية والتي علقت في ذهنه في هذا الباب.. فتراه يكاد ينقص ما قرره.. بالرواية الأخيرة التي ذكرها في عرض علي المصحف على الصحابة وردهم له.. إن إقراره لهذه الخرافة يفتح الباب لأن يقال فيه بأن إنكاره كان على سبيل التقية وهو ما قيل فعلاً من قبل بعض الشيعة، ومن لدن بعض أهل السنة، ولكنه على أية حال لم يتجرأ أن يقول في كتاب الله شيئاً وأراد إنقاذ سمعة طائفته من العار الذي لحقها، ولم يستطع أن يجابه قومه بإنكار روايتهم رأساً، أو لم يتمكن من الخلاص النهائي عن تلك السموم، أو أراد الإنكار على سبيل التقية وزرع في كلامه ما ينبئ عن ذلك. الله أعلم بالسرائر.

لكن أرى من الشيعة من يذهب إلى القول بأن إنكاره تقية كنعمة الله الجزائري، ولكن لا يقدم دليلاً معيناً على هذا القول، ويكتفي بمجرد الدعوى بأنه روى في كتبه بأن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت إلى هذا.. وبالرجوع إلى بعض كتب ابن بابويه المعروف عندهم بالصدوق للبحث عن روايات هذه الأسطورة في كتبه، فنجد من روايات هذه الأسطورة حكاية الزنديق الذي جاء لسؤال علي بن أبي طالب – كما يزعمون – والذي مر بنا نقل بعض نصوصه، والذي رواه شيخهم الطبرسي (من القرن السادس) في كتابه الاحتجاج وفيه تسعة مواضع كلها تدل على هذا الكفر [انظر: الاحتجاج ص 240.] كما شهد بذلك النوري الطبرسي [النوري/ فصل الخطاب: ص 240.]، نجد أن هذا الخبر يورده صدوقهم هذا في كتابه التوحيد وليس فيه ما يدل على أسطورة التحريف [انظر: التوحيد ص 255 وما بعدها.]. فهل هذه الأسطورة زادت بعد قرنين من عصر ابن بابويه لتحشى بهذا الكفر، أو أن ابن بابويه نفسه حذف ذلك.. على آية حال هي تشهد بسلامته من التلبس بحكاية هذا الكفر الذي حملته رواية الطبرسي.

وقد احتار صاحب فصل الخطاب في تعليل هذا فقال: "وساق (يعني صدوقهم) الخبر (خبر الزنديق) مع نقصان كثير عما في الاحتجاج، منه ما يتعلق بنقصان القرآن وتغييره، إما لعدم الحاجة إليه كما يفعل ذلك كثيراً، أو لعدم موافقته لمذهبه" [فصل الخطاب: ص 240.]. ولكن ألا يحتمل أن يكون الأصل هو ما في كتاب التوحيد، وأن تلك المفتريات المتعلقة بالتحريف زيادة بعد الصدوق من صاحب الاحتجاج أو غيرها، هذا احتمال وارد ولاسيما أن صدوقهم لم يشر إلى أن حذف منه شيئاً.

ولقد اغتاظ – فيما يبدو – صاحب فصل الخطاب من صدوقهم بسبب ذلك وقال – نقلاً عن بعض شيوخه -: ".. وبالجملة فأمر الصدوق مضطرب جداً، ولا يحصل من فتواه علم ولا ظن لا يحصل من فتاوى وأساطين المتأخرين وكذلك الحال في تصحيحه وترجيحه" [فصل الخطاب: ص 240.]، ثم قال: "وقد ذكر صاحب البحار حديثاً عنه في كتاب التوحيد.. ثم قال: هذا الخبر مأخوذ من الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق" [فصل الخطاب: ص 240، والمجلسي يقول هذا عن صدوقهم مع أنه يعتبر جميع كتبه ما عدا أربعة "لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار" (البحار: 1/26) وقد أخرج له في بحاره عن سبعة عشر منها (البحار: 1/73) وكتابه من لا يحضره الفقيه، أحد كتبهم الأربعة المعتمدة، فما هذا التناقض؟!].. كل ذلك بسبب أن صدوقهم لم ينقل ذلك الكفر الذي نقله صاحب الكافي. وساق هذه "الانتقادات" صاحب فصل الخطاب، لأن ابن بابويه لم يوافقه في مشربه.

ولكن لم تسلم كل كتب الصدوق من هذا "الإلحاد" فقد جاء في كتابه "ثواب الأعمال" في ثواب من قرأ سورة الأحزاب، عن أبي عبد الله رضي الله عنه قال: "من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه – إلى أن قال: - إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها" [ثواب الأعمال: ص 139، وانظر: بحار الأنوار: 92/50.].

وفي كتاب الخصال جاء برواية تقول: "يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل:  المصحف، والمسجد، والعترة. يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني.." [الخصال: 1/174-175.].

وقد وردت في بحار الأنوار [بحار الأنوار: 92/49.]. وعند بعض القائلين [إحسان إلهي/ الشيعة والقرآن: ص 68.] "حرفوني" وهي أدل على الوقوع في هذا الكفر، ولكنها خلاف الأصل.

وقد وردت بنحو ذلك في كتابه الأمالي، تقول الرواية التي يرويها صدوقهم بسنده عن جعفر الصادق عن أبيه عن آبائه رضي الله عنهم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... اذكروا وقوفكم بين يدي الله.. فإنه لابد سائلكم عما عملتم بالثقلين من بعدي: كتاب الله، وعترتي، فانظروا أن لا تقولوا: أما الكتاب فغيرنا وحرفنا.." [أمالي الصدوق: ص 231.]. وهذه الرواية لا تدل على فعلهم ولكنها تحذرهم، ولكن إذا قرنتها بما قبلها، وأنهم قد فعلوا – كما يزعمون – صارت من ذلك الكفر، وهناك روايات أخرى مماثلة نقلها صاحب فصل الخطاب بالواسطة أدع نقلها لعدم وقوفي عليها في كتب الصدوق [مثل ما نقله عن بشارة المصطفى للصدوق، بواسطة تفسير البرهان لمحدثهم "التوبلي" (فصل الخطاب: ص 157-158).].

كما أن ثمة روايات أخرى أوردها صاحب فصل الخطاب من كتب صدوقهم وهي قراءة واردة لا تدين الرجل وحدها [مثل الروايات الثلاث التي أوردها صاحب فصل الخطاب (ص 259) عن معاني الأخبار (انظر: معاني الأخبار: ص 331) بأن في مصحف عائشة وحفصة "حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر" وهذه قراءة ورادة. انظرهما في مصحف عائشة – تفسير الطبري: 5/173 وما بعدها رقم 5393، 5394، 5397، 5466، 5467 (تحقيق الأخوين أحمد ومحمود شاكر) وانظر: تفسير ابن كثير: 1/304، قال الشيخ أحمد شاكر: والخبر نقله الحافظ في الفتح: 8/146، والسيوطي: 1/304، ولم ينسباه لغير الطبري، وذكره ابن حزم في المحلى: 4/354، ورواه عبد الرزاق في المصنف: 1/128 (تفسير الطبري ص 176الهامش ج‍5) وانظر عن وجود هذه القراءة في مصحف حفصة: تفسير الطبري: 5/209، 210 رقم 5406، 5462، 5463، تفسير ابن كثير: 1/304.

وقد جاء في صحيح مسلم ما يدل على نسخ هذه التلاوة (صحيح مسلم: 1/438، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر).]، فليس هذا بغريب من ذلك الطبرسي، ولكن قد اغتر بصنيعه هذا بعض الكاتبين من السنة، وسلك مسلكه بلا تدبر [مثل: إحسان إلهي ظهير/ الشيعة والقرآن ص 96، محمد مال الله/ الشيعة وتحريف القرآن: ص 122.].

وننتهي من هذا إلى أنه جاء في كتب صدوقهم بعض روايات هذه الفرية، ومع ذلك فلا نجزم بالقول أنه هذه عقيدته وأن الإنكار تقية كما قال بعضهم، ذلك لأنه لا يوثق بخلو كتبه من الدس والزيادة عليه، وليس ذلك مجرد تخمين لا دليل عليه؛ بل إن الزيادة أمر ميسور عندهم، كما بدا لنا ذلك في كتاب: "سليم بن قيس" والذي اعترف بوضعه والتغيير فيه شيوخهم – كما سلف – وكما زادوا في روايات كتاب: "من لا يحضره الفقيه" لابن بابويه نفسه أكثر من الضعف كما سيأتي في فصل: "اعتقادهم في السنة".

2- الطوسي وإنكاره للتحريف:

أما شيخهم الطوسي (ت450ه‍) فقد قال: "وأما الكلام في زيادته ونقصانه مما لا يليق به أيضاً؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، ورويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً، فالأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها، ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما يخالفه يجتنب ولم يتلفت إليه، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر، لأنه لا يجوز أن يأمر الأمة بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه" [التبيان: 1/3.].

هذا كلام شيخهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم المعتمدة في الحديث عندهم، وكتابين من كتبهم المعتمدة في الرجال، فهل هذا الإنكار تقية..؟.

أقول: إن مسألة التقية من أماراتها التناقض والاختلاف، ولكن التناقض صار قاعدة مطردة في رواياتهم، بل وجد مثل ذلك في إجماعاتهم، كما وجد في كلام شيوخهم، وأصبح معرفة حقيقة المذهب ليست متيسرة حتى على شيوخهم الذين لا يجدون دليلاً على التمييز بين ما هو تقية وما حقيقة إلا بالاستناد إلى أصل وضعه زنديق ملحد وهو قولهم: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم" [البحار: 2/233.] يعني أهل السنة، فأوشك أن ينتهي بهم هذا المهذب إلى مفارقة الدين رأساً [سيأتي إن شاء الله بحث في هذه المسألة في: "فصل الإجماع".].

وعليه، فإن قضية الاختلاف هي ظاهرة طبيعية لكل دين ليس من شرع الله {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}: فهو حينما ينقل رواياتهم في كتبه فمن الطبيعي وجود مثل هذا الاختلاف، وبالتالي فإنه لا يدين الرجل إدانة أكيدة بعد إنكاره، ولا سيما أن العبرة بالنسبة لبيان مذهبه بما رأى لا بما روى.

لقد لوحظ أن الطوسي هذا نقل في تهذيبه لرجال الكشي بعض روايات هذه الأسطورة كنقله للرواية التي تقول: "لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، إنهم اؤتمنوا على كتاب الله جل وعلا فحرّفوا وبدّلوه.." [رجال الكشي: ص4.]. كما أنه قد نقل بعض أخبار هذه الأسطورة على أنها قراءة في تفسيره التبيان [كما في تفسيره قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: وفي قراءة أهل البيت: {وآل محمد على العالمين} وهذا تلطف في التعبير، أو محاولة للتغير في أساطيرهم التي تنص على أن هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التحريف بفعل الصحابة كما يفترون، (وسيأتي ذكر نصوصها بعد قليل في مناقشة الطبرسي). وهذا التغيير قد يكون الهدف منه التستر على الفضيحة، أو محاولة لانتشال طائفة من قومه من تلك الوهدة التي تردوا فيها بفعل ذلك الأساطير، وربما يكون ما عند الطوسي هو الأصل والزيادات التي تصرح بالتحريف هو ما جعل شيوخ الدولة الصفوية.

لكن يرد على ذلك أن تلك الروايات موجودة في كتب معاصرة للطوسي أو أقدم، كتفسير القمي والعياشي وفرات، إلا إذا قلنا إن الشيعة يغيرون في كتب قدمائهم كما فعلوا في كتاب سليم بن قيس.].

ولكن يرى أن كل هذه الروايات من قبيل روايات الآحاد التي لا يعتمد عليها – كما ذكره في إنكاره – ولا تدفع ما تضافر من رواياتهم التي توجب العمل بالقرآن والرجوع إليه عند التنازع.

أما صاحب فصل الخاطب فقد اختلفت أقواله في توجيه هذا الإنكار الذي يقلقه لمخالفته لمذهبه؛ فهو مرة يرى أن هذا القول لا يمثل إلا رأي الطوسي وفئة قليلة من الشيعة معه يقول: ".. إنه ليس فيه حكاية إجماع عليه، بل قوله: نصره المرتضى صريح في عدمه، بل في قلة الذاهبين إليه" [فصل الخطاب: ص 38.]، ثم يرجع ويقول: بأن هذا القول منه تقية، لأن هذا الإنكار جاء في تفسير التبيان و"لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المدارة والمماشاة مع المخالفين" [فصل الخطاب: ص 38.] ويعلل ذلك باستناده لأقوال أئمة أهل السنة في التفسير [وقد مضى نقل النص بتمامه ص: (198-199).]، ولا يكاد يجزم بهذا الحكم كما يشعر به قوله: " وهو – أي نقل الطوسي لأقوال أئمة السنة – بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة، فمن المحتمل أن يكون هذا القول – يعني إنكار التحريف – منه (من الطوسي) فيه (في تفسير البيان) على نحو ذلك (أي من المدارة والتقية)".

وثم يتجه وجهة أخرى ويشير إلى أن في كلام الطوسي تناقضاً يشعر أنه تقية فقال: "إن إخباره بأن ما دل على النقصان روايات كثيرة يناقض قوله: لكن طريقه الآحاد، إلا أن يحمل ما ذكرنا" [فصل الخطاب: ص 38.] أي من التقية.

ثم يعرض عن هذا كله ويقول: إن الطوسي "معذور (في إنكاره) لقلة تتبعه من قلة تلك الكتب عنده" [فصل الخطاب: ص 351.].

هذا جانب من حيرة الطبرسي في أمر الطوسي وغيره من المنكرين لهذه الفرية، فإذا كان هذا أمر شيوخهم لا يكادون يقفون على حقيقة مذهب أئمتهم وشيوخهم القدامى بسبب أمر التقية فنحن أعذر في عدم الوصول إليه نتيجة جازمة يقينية.

والطوسي كما يلاحظ في إنكاره قد دس في الشهد سماً، وتناقض في حكاية مذهبه كما لا يخفى [من ذلك زعمه أن العامة – يعني بهم أهل السنة – قد شاركوا طائفته في رواية هذا الكفر. وهذا كذب، وقد شهد شيخهم المفيد بتفرد طائفته بهذا البلاء (أوائل المقالات ص 13). وأجمل أهل السنة، بل المسلمون جميعاً على صيانة كتاب الله عز وجل وسلامته من التحريف أو الزيادة أو النقص، محفوظ بحفظ الله له. قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر، آية: 9].

وانظر ما قاله في هذا علماء التفسير من أهل السنة حول هذه الآية (انظر: القرطبي/ جامع أحكام القرآن: 10/65، النسفي/ مدارك التأويل: 2/179، تفسير الخازن: 4/47، تفسير ابن كثير: 2/592، تفسير البغوي: 3/44، البيضاوي/ أنوار التنزيل: 1/538، الألوسي/ روح المعاني: 14/16، صديق خان/ فتح البيان: 5/168، 169، الشنقيطي/ أضواء البيان: 3/120، سيد قطب/ في ظلال القرآن: 5/194 وغيرها.

وانظر في نقل أئمة السنة لإجماع المسلمين على حفظ كتاب الله وسلامته، وتكفيرهم لمن خالف ذلك: انظر: القاضي عياض/ الشفاء: 2/304-305، ابن قدامة/ لمعة الاعتقاد: ص20، البغدادي/ الفرق بين الفرق: ص 327، ابن حزم/ الفصل: 5/22 وغيرها.].

3- الشريف المترضى (ت 436ه‍) وإنكاره لهذه الفرية:

يقول: "إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما [لعلها "ما ذكرناه".] ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد".

ثم ذكر أنه لو رام أحد الزيادة أو النقص من كتاب مشهور ككتاب سيبوبه والمزني لعرف ونقل، لأن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميز وعلم أنه ملحق وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني.

ومعلوم أن العناية بالقرآن وضبطه أصدق من العناية بنقل كتاب سيبويه ودواوين الشعراء..

وإن من خالف ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته [انظر: مجمع البيان: 1/31.].

وكأن الجملة الأخيرة تشير إلى ما ذهب إليه الإخباريون من الشيعة من القول بهذا الضلال [ويرى الألوسي أنه يلمز بهذا القول أهل السنة، ويعقب عليه بقوله: وهو كذب أوسوء فهم، لأنهم أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآناً كما هو موجود بين الدفتين اليوم.. (روح المعاني: 1/24-25).].

وهذه كلمات شيخهم الشريف المرتضى (الذي استثناه ابن حزم من القائلين بهذا الكفر كما تقدم) نقلها عنه صاحب مجمع البيان وقال: إن المرتضى "قد استوفى في الكلام في نصرة هذا المذهب الحق في جواب المسائل الطرابلسيات" [انظر: مجمع البيان: 1/31.] ولم يقع لنا هذا الكتاب، وأغفل متأخرو الشيعة النقل عنه كما فعل الكاشاني في تفسير الصافي، والبحراني في البرهان، والمجلسي في البحار وغيرهم، ولم أجد منه – فيما اطلعت عليه – إلا هذا النص الذي حفظه الطبرسي في مجمع البيان.

ولكن قيل: إن هذه الإنكار تقية، لأنه كما قال صاحب فصل الخطاب: "قد عدّ هو في الشافعي من مطاعن عثمان ومن عظيم ما أقدم عليه جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه وإبطاله ما شك أنه من القرآن" [فصل الخطاب: ص33.].

وهذا بلا شك يناقض إنكاره لهذه الفرية، وبيانه بالدليل العقلي والتاريخي استحالة حصولهم، فإما أن يكون هذا النص مدسوساً عليه، فقد رأينا كيف يغيرون في كتبهم كما صنعوا بكتاب سليم بن قيس وغيره، لا سيماً أنه لو كانت هذه عقيدة الرجل لكثر حديثه عنها، ولكن لم يجد صاحب فصل الخطاب عليه سوى هذا النص.

وإما أن يكون الإنكار على سبيل التقية، وهذا احتمال أضعف مما قبله لما ذكرنا، وهذا النص علاوة على أنه طعن في كتاب الله سبحانه، فهو حكم بالضلال على الأمة عامة بما فيها علي – رضي الله عنه – من قوم يزعمون التشيع له وموالاته!!.

وكيف يتصور مسلم مثل هذا في ذلك الجيل القرآني الفريد الذين بذلوا المهج وهجروا الأهل الولد، وفارقوا الأوطان في سبيل الله وحده؟! ولمصلحة من، وفي سبيل من يضحون بسابقتهم، وجهادهم، ويبيعون دينهم ودنياهم فيوافقوا أحداً على المساس بدينهم وكتابهم؟! إن هذا لبهتان عظيم؛ بل الحق أن عمل عثمان هذا من أعظم مناقبه، ووقع بإجماع من الأمة، كما قال أمير المؤمنين علي – رضي الله عنه -: "لا تقولوا في عثمان إلا خيراً فوالله ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منها" [أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح كما قاله ابن حجر في فتح الباري: 13/18.] فجزاه الله عن الأمة خيراً.

4- الطبرسي وإنكاره لهذه الفرية:

أما الطبرسي فيقول: ".. ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله وروحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات" ثم ساق بعض كلامه في ذلك [تقدم ذكره ص (358).].

فهو يشير هنا إلى أن جماعة من أصحابه رووا روايات في نقص كتاب الله وتغييره، وأن مذهب محققي الشيعة على خلافه، ويحاول – كعادة هؤلاء – أن يشرك بعض أهل السنة الذي عبر عنهم "بحشوية العامة" في هذا الكفر كنوع من الدفاع عن المذهب، وحفظ ماء الوجه، ولون من النقد المبطن لأهل السنة، وهو كما قال الألوسي: "كذب أو سوء فهم، لأنهم أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر قرآناً كما هو موجود بين الدفتين اليوم.

نعم أسقط زمن الصديق ما لم يتواتر ونسخت تلاوته – وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ – وما لم يكن في العرضة الأخيرة ولم يأل جهداً رضي الله عنه في تحقيق ذلك إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق إلا زمن ذي النورين.." [روح المعاني: 1/25.] وقد ناقش الألوسي ما قاله الطبرسي وبين أوهامه [روح المعاني: 1/24-25.].

وقد ذكر الألوسي أن كلامه هذا في إنكار هذه الفرية دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال، والحمد لله على أن ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال [روح المعاني: 1/24.].

وقد اكتشفت أثناء قراءتي في مجمع البيان أن الطبرسي قد قام بحيلة أو محاولة لستر هذا العار، فأتى إلى بعض روايات أصحابه في هذه الأسطورة والتي فيها أن الآية كذا ثم غيرت إلى كذا، فغير صورة عرضها بما ينخدع به أهل السنة، أو بما لا تتضح به صورة هذا الخزي، فعبر عن بعض هذه الأساطير بأنها قراءة ورادة.

ولنعرض على سبيل المثال بعض الأمثلة لأساطيرهم في التحريف كما جاءت في مصادرهم، وتغيير الطبرسي لها:

جاء في تفسير القمي في قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران، آية: 33.]. قال العالم [كناية عن الإمام.]- رضي الله عنه – نزل: "وآل عمران وآل محمد على العالمين" فأسقطوا آل محمد من الكتاب [تفسير القمي: 1/100.].

وفي تفسير فرات عن حمران قال: سمعت أبا جعفر يقرأ هذه الآية: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين: قلت: ليس يقرأ هكذا، قال أدخل حرف مكان حرف) [تفسير فرات: ص18، بحار الأنوار: 92/56.].

وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: "هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضوا اسماً مكان اسم" [تفسير العياشي: 1/168، البرهان: 1/278، فصل الخطاب: ص 244.].

والهدف من هذا الافتراء والتزوير هو محاولة إثبات قولهم باثني عشر إماماً من كتاب الله، وفاتهم أن آل محمد لفظ عام، والاثني عشر عندهم هم عليّ وابناه وأولاد أحد أبنائه فقط، وما سواهم ينالون السب أو التفكير – كما سيأتي – فلم يتحقق الهدف لهم من التزوير ولا من التأويل، وهذه الأساطير التي تفتري على كتاب الله، وصحابة رسول الله بما فيهم أهل بيته، والتي تناقلتها كتب التفسير عندهم، نلاحظ أن صاحب مجمع البيان يعبر عنها بقوله: "وفي قراءة أهل البيت: وآل محمد على العالمين" [مجمع البيان: 2/62.]. وكذلك فعل في عدة من مفترياتهم جعلها قراءات [كما في قوله سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة، آية: 73]. جاء في تفسير القمي: "إنما نزلت: "جاهد الكفار بالمنافقين" لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاهد المنافقين بالسيف". (تفسير القمي: 1/301)، وهي أسطورة وضعت لتوافق مذهب الرافضة في الصحابة في رميهم بالنفاق، وزعمت أن الله يأمر رسوله بالاعتماد على المنافقين في الجهاد، وجعلت الجهاد في الإسلام قائماً على أكتاف المنافقين، فهي جهل فاضح بالإسلام، وتاريخ المسلمين، وتفسير القرآن، أو زندقة إلحاد، ومع ذلك فإن الطبرسي يعبر عن هذه الأسطورة بقوله: "وروي في قراءة أهل البيت: جاهد الكفار بالمنافقين"، وحاول أن يوجه الآية بقوله: "وإنما كان يتألفهم لأن المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم، إذ كانوا يظهرون الإيمان" (مجمع البيان: 3/100)، ولكن هذا التعليل لا ينسجم بحال مع معنى الآية، فالله يأمر نبيه بجاهد الكفار والمنافقين، فكيف تجعل تألف المنافقين هو جهاد للكفار بهم، ولم يقم الجهاد في الإسلام بالمنافقين {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة، آية: 47].

وقد قال السلف في تفسير الآية: جاهد الكفار بالسيف والقتل، وكذلك جاهد المنافقين باللسان وترك الرفق، كما قال ابن عباس، أو باليد أو اللسان أو القلب على حسب القدرة، ولا تلقهم إلا بوجه مكفهر كما قال ابن مسعود، أو بإقامة الحدود عليهم كما قال الحسن وقتادة. وكلها معان تدل على مجاهد المنافقين وعدم العفو عنهم.

ولهذا قال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح (انظر: تفسير الطبري: 12/183-174، تفسير البغوي: 2/311) وأنت ترى الفرق الكبير بين نص الآية الذي يأمر بجهاد المنافقين، وبين تلك القراءة المفتراة التي تأمر بالجهاد بهم.].

وأحياناً يجعل تلك الفرية معنى للآية؛ ففي أسطورتهم حول قوله جل شأنه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد، آية: 9.] قالت الأسطورة: "عن أبي جعفر نزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية هكذا: "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله (في علي) فأحبط أعمالهم" انظر إلى هذه الزيادة التي افتروها وهي قولهم: "في علي" [انظر: فصل الخطاب: 330 – 331.] تجدها تتحول عند الطبرسي إلى معنى للآية يقول: "كرهوا ما أنزل الله في حق علي رضي الله عنه" [مجمع البيان: 6/32.].

هذا بعض ما جاء في كتاب مجمع البيان، الذي سار في تأليفه على منهج الطوسي في التبيان، وقرر ثقة الشيعة في العصور المتأخرة "النوري الطبرسي" أن كتاب التبيان موضوع على أسلوب المداراة وتقية الخصوم، فإن صدق هذا الوصف انطبق على الاثنين معاً، لأن منهجهما واحد، وقد انخدع بأسلوب "مجمع البيان" قلة من المنتسبين لأهل السنة ممن ينتمي لدار التقريب في القاهرة، والتي كانت حية إلى وقت قريب قبل أن تتبين حقيقتها.. فقاموا بإخراج هذا الكتاب باسم التقريب وعمل على مراجعته وتصحيحه وضبطه ستة من الشيوخ المنتسبين لأهل السنة [انظر: مجمع البيان: 10/575 (كلمة ختامية) ط. دار التقريب.]، وذلك لأن من لم يتعرف على نصوصهم لا يدرك "الخدعة" التي انطوى عليها هذا التفسير.. ويبدو أن ذلك الأسلوب هو الذي جعل بعض الشيعة يعتبر إنكار الطبرسي تقية.

هؤلاء هم الأربعة الذين نقلت أقوالهم، وقد يكون هناك من أنكر غيرهم ولم تصلنا أقوالهم، فإن المفيد في أوائل المقالات نسب الإنكار إلى جماعة من الإمامية – كما سلف – ولا نجزم بأن هؤلاء الأربعة لا يوجد لهم خامس في القرون المتقدمة كصاحب فصل الخطاب الذي يريد أن يخنق هذا الصوت، ويجعل جل الشيعة على مذهبه [انظر: ص (338) هامش (2) من هذه الرسالة.].

وفي النهاية أقول: بأن هذا الموقف من كبار علماء الشيعة في رد وإنكار ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله – سبحانه – لا نقول: إنه تقية فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين، وإن كان البعض من السنة [انظر: ص (213).] والشيعة [انظر: ص (279).] قد ذهب إلى ذلك، فقد لاحظت الصراع الدائر بين الطائفتين في فصل الخطاب، كما تبين شيوع الكذب والدس فيكتبهم كما بينا، ثم إن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر.

وهذا الإنكار خطوة يجب أن تتلوها خطوات، وذلك بأن يعيدوا النظر في سائر ما شذوا به عن جماعة المسلمين، وقد أشار شيخهم المجلسي – كما مر – إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك، إذ يترتب في رأيه على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد في سائر أخبارهم.. وهذا حق، فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها وفشو الكذب فيها.

نتائج الموضوع:

أولاً: يحتمل أن هذه الأسطورة نشأت عند الشيعة في القرن الثاني، والذي تولى كبرها بعض الغلاة (وقد مر ذكر بعض أسمائهم)، وكان من أسبابها خلو كتاب الله مما يثبت بدعهم في الإمامة، والصحابة وغيرهما.

ثانياً: أكثر كتب الشيعة المعتمدة عندهم قد روت هذا الكفر، وجاءت معظم هذه الروايات صريحة في ذلك لا يمكن حملها على أنهم يقصدون تأويل الآية، أو بيان القراءات التي وردت فيها، بل جاءت تصرح بأن الآية هكذا والصحابة – بزعمها – غير ذلك، مثل الألفاظ التالية: "هذه الآية مما غيروا وحروفوا.." [بحار الأنوار: 92/ 55.]. يعنون الصحابة، وقولهم: "أنزل الله سبعة بأسمائهم فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب" [رجال الكشي: ص290، بحار الأنوار: 92/54.]، "كانت فيه أسماء رجال فألقيت" [تفسير العياشي: 1/12 بحار الأنوار: 92/55.]، وقولهم: "هكذا والله نزل به جبرائيل على محمد ولكنه فيما حرف من كتاب الله" [بحار الأنوار: 92/56.]، وقولهم: "بلى والله إنه لمثبت فيها وإن أول من غير ذلك لابن أروى" [تفسير فرات: ص 177، بحار الأنوار: 91/56.] ومثل ذلك كثير.

فمن يقل من الشيعة: إن رواياتهم الواردة في كتبهم من جنس روايات القراءات، ونسخ التلاوة فهو يتستر على هذا الكفر، ويساوي بين الحق والباطل.

ثالثاً: ادعى جمع من شيوخهم استفاضة هذه "الأساطير" وكثرتها في كتبهم المعتمدة، وهذا طعن في كتبهم لا في كتاب الله سبحانه، ولهذا حاول بعض عقلائهم الخروج بالمذهب من هذا "المأزق" الذي وقع فيه، أو التستر على هذه الفضيحة.. ولكن هذه الأسطورة كانت رواياتها تزيد – عبر القرون – رغم إنكار المنكرين، وتبنى إشاعتها طائفة من الزنادقة الذين اندسوا في الشيعة.. ولا ريب بأن من يقل بهذه الأسطورة فليس من الإسلام في شيء، ولا علاقة له بكتاب الله ودينه، ولا برسول الإسلام وأهل بيته، بل له دين آخر غير دين الإسلام.

لكن هؤلاء القائلون بتغير القرآن الناقلون لتلك الأساطير كالمجلسي في بحار الأنوار، والطبرسي في فصل الخطاب نراهم يستشهدون من كتاب الله، ويفتتحون كل باب من أبواب كتبهم بآيات من القرآن، كما يفعل المجلسي في بحاره، والطبرسي في "مستدرك الوسائل" وغيرهما، بل إن الطبرسي الذي كتب في فصل الخطاب ما كتب قد عقد في كتابه: "مستدرك الوسائل" باباً بعنوان: "باب استحباب الوضوء لمس كتابة القرآن ونسخه، وعدم جواز مس المحدث والجنب كتابة القرآن" [مستدرك الوسائل: 1/43.]، بل إن شيخ الشيعة المجلسي الذي قال – كما سلف –باستفاضة تلك الأساطير وأنها لا تقصر عن أخبار الإمامة يقول مع ذلك: "بأن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان" [بحار الأنوار: 92/75.].

ثم استشعر التناقض بين هذا القول وبين أساطيرهم في تحريف القرآن فقال: "فإن قال قائل: كيف يصحّ القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنهم قرؤوا: "كنتم خير أئمة أخرجت للناس" أو "كذلك جعلناكم أئمة وسطاً" وقرؤوا: "يسألونك الأنفال" وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس؟ قيل له:.. إن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به.. مع أنه لا ننكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين أحدهما ما تضمنه المصحف، والثاني ما جاء به الخبر، كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى" ثم أشار إلى بعض القراءات [بحار الأنوار: 92/75.].

فما دام هذه نهاية الذين أثاروا تلك العقائد الكفرية، فلماذا أثاروا تلك المفتريات وتناقلوها.. والجواب واضح من خلال ما سبق أن عرضناه وهو إقناع قومهم وأتباعهم بصحة ما هم عليه من معتقدات، وأن آيات من القرآن قد حذفها الصحابة تشهد لمذهبهم، ولهذا لاحظنا أنهم أيضاً ادعوا نزول كتب إلهية غير القرآن، وفزعوا إلى التفسير الباطني؛ كل ذلك لإثبات شذوذهم.. فإذن تحولت تلك الدعاوى إلى مجرد محاولات للتخلص من الإلزامات الواردة عليهم بخلو كتاب الله مما يثبت عقائدهم، ولكن تلك الروايات كان لها آثارها على فرق الشيعة [كالدروز الذين اتخذوا لهم مصحفاً سموه: "مصحف المنفرد بذاته".

(انظر: مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، مقدمة الطبعة الخامسة، الخطيب/ عقيدة الدروز ص138-184).]، بل على الاثني عشرية نفسها، فإن الأخباريين منهم يقدّمون أخبارهم على كتاب الله كما سلف [انظر: ص (116).]. حتى أشيع بأن الاثني عشرية لهم مصحف خاص بهم.

رابعاً: كما أن لديهم روايات تقول بالتحريف، فإن عندهم روايات أخرى تنفي هذا الباطل وتنكره مثل قول إمامهم: "واجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاحتجاج عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" [انظر: الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني) 2/414، وراجع تتمة النص في فصل: اعتقادهم في الإجماع.]. ومثل ما جاء عندهم في ثواب قراءة القرآن [انظر: أصول الكافي، كتاب فضل القرآن: 2/611.]، وفضل حامل القرآن [أصول الكافي: 3/603.]، ووجوب عرض أحاديثهم عليه [أصول الكافي / باب الرد إلى الكتاب والسنة: 1/59.]، والتمسك به إلى قيام الساعة، وهذا يبطل أن يكون محرفاً أو مخفياً عند منتظرهم.

خامساً: تبين لنا أن هذه الأسطورة حملت بذاتها باطلها، وتبين من عناصر تكوينها فسادها، وكان مجرد عرضها كافياً في الرد عليها. ويكفي في بيان كذب الروافض.. أن علي بن أبي طالب الذي هو عند أكثرهم إله خالق، وعند بعضهم نبي ناطق، وعند سائرهم إمام معصوم ولي الأمر وملك، فبقي خمسة أعوام وتسعة أشهر خليفة مطاعاً ظاهر الأمر.. والقرآن يقرا في المساجد في كل مكان وهو يؤم الناس به، والمصاحف معه وبين يديه. فلو رأى فيه تبديلاً كما تقول الرافضة أكان يقرهم على ذلك؟ ثم أتى ابنه الحسن وهو عندهم كأبيه فجرى على ذلك.

فكيف يسوغ لهؤلاء النوكى أن يقولوا إن في المصحف حرفاً زائداً أو ناقصاً أو مبدلاً مع هذا؟!

ولقد كان جهاد من حرف القرآن وبدل الإسلام أوكد عليه من قتال أهل الشام الذين إنما خالفوه في رأي يسير رأوه ورأى خلافة فقط، فلاح كذب

الرافضة ببرهان لا محيد عنه. والحمد لله رب العالمين [ابن حزم/ الفصل: 2/216-217.].

أصول مذهب الشيعة - الدكتور ناصر القفاري حفظه الله.


الشيعة والقرآن

الشيخ/ محمد حسان
** مقدمة **
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله و أصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أما بعد:
فنحن الليلة بإذن الله جل وعلا على موعد مع الدرس السادس عشر من دروس سلسلة الإيمان باليوم الآخر، كدرس خامس من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ضمن دروس العقيدة لمعهد إعداد الدعاة، ولا زال حديثنا ممتداً عن الفتن التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهورها قبل قيام الساعة، وأنهيت الحديث بفضل الله جل وعلا وتوفيقه في المحاضرة الماضية عن الفتنة الكبرى التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وذكرت بأنه قد خرج من فريق علي رضي الله عنه فريق آخر وفتنة أخرى، هي فتنة خطيرة لا تقل خطراً عن فتنة الخوارج، بل إنها الآن أشد خطراً من فتنة الخوارج، ألا وهي فتنة ظهور الشيعة، وأرجو أن تركزوا معي جيداً في هذه المحاضرات التي أسأل الله جل وعلا أن ينفع بها، والتي أستهلها من الليلة بإذن الله تعالى في الحديث عن الفرقة الأخرى التي خرجت بعد فتنة الخوارج أو بعد قضية التحكيم.
** تعريف الشيعة لغة **
وسأقف مع حضراتكم مع هذه الفرقة الضالة منذ بداية نشأتها، تلكم الفرقة هي الشيعة، والشيعة في اللغة بمعنى الأتباع والأنصار، كما جاء في القاموس: شيعة الرجل بكسر الشين، أي: أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة، أي: فهو له عون ونصير، هذا هو المعنى اللغوي للفظة شيعة، قال الأزهري: معنى الشيعة: الذين يبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متفقين، وهذا معنى إضافي جديد، ليس بالضرورة أن يكون كل هؤلاء متفقين، فالتشيع بمعناه اللغوي: المناصرة والمعاونة والمتابعة، أو الاجتماع على أمر، أو التحزب لشخص ما.
** تعريف الشيعة اصطلاحاً كما قال المفيد **
لكن الشيعة في الاصطلاح كما يقول شيخ الشيعة وعالمها في زمنه المفيد والمفيد هو أبو عبد الله –وأرجو أن تركزوا معي؛ فمثل هذه المسميات والأسماء سأحتاج إليها بعد ذلك بإذن الله تعالى -وهو عالم من علماء الشيعة الأكابر عندهم، من هو المفيد؟
هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد، من كبار مشايخ الشيعة، يقول المفيد: لفظ الشيعة يطلق على أتباع أمير المؤمنين علي، على سبيل الولاء والاعتقاد بإمامته –اسمع وانتبه لكل لفظة- والاعتقاد بإمامته –أي: بإمامة علي- بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. وليس بعد أبي بكر وعمر وعثمان.
ثم يقول: (بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بلا فصل)، ونفى الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، أي: عن أبي بكر وعمر وعثمان، ويوضح المفيد أيضاً هذا التعريف بشيء من التفصيل في كتابه الموسوم بالإرشاد (ص:12)، ولن أنقل كلاماً عن الشيعة إلا من كتبهم المعتمدة؛ حتى لا نتهم بأننا نشوش على هؤلاء، أو ننسب إليهم كلاماً من عند أنفسنا، أو من عند علماء أهل السنة والجماعة، لا، بل سأنقل لكم معتقد القوم الفاسد الباطل من كتبهم المشهورة المعتمدة، وسوف أذكر إن شاء الله تعالى كل كتاب، بل برقم الصفحة؛ للضرورة ليس من باب استعراض العضلات، لا والله، وإنما من باب دمغ القوم بالحجة؛ حتى لا نتهم بأننا نلقي التهم جزافاً، ونستشهد بمثل هذه الأقوال من كلام علمائنا من أئمة أهل السنة والجماعة.
يقول المفيد في كتابه الموسوم الإرشاد (ص:12): وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وسلم -اسمع- ثلاثين سنة. يعني: إمامة علي بعد موت النبي مباشرة، منها: أربعة وعشرون سنة وستة أشهر كان ممنوعاً من التصرف في أحكامها –أي: في أحكام الإمامة- مستعملاً للتقية –وهذا أصل من أصول الشيعة، سأشرحه كذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى- والمداراة، ومنها: خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين الناكثين والقاسطين والمارقين.
واضح من النص أن الشيعة يثبتون إمامة علي رضي الله عنه بعد موت النبي مباشرة، فيقصدون بالأربع وعشرين سنة وستة أشهر التي ظل فيها علي رضوان الله عليه ممتنعاً من التصرف في أحكام الإمامة، يقصدون بها المدة التي تولى الإمامة والخلافة فيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم ذكر فترة خلافة علي وقال: ومنها: خمس سنين وستة أشهر كان علي رضوان الله عليه في هذه المدة ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين. والمراد بالناكثين: الذين بايعوا علياً ونكثوا بيعته في البصرة، ويقصد بالقاسطين: فريق معاوية رضوان الله عليه؛ لأنه الفريق القاسط أي: الباغي أو الظالم، ويقصد بالمارقين: الخوارج الذين خرجوا على علي في النهروان، ومضطهداً بفتن الضالين –اسمع- كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها –أي: من أحكام النبوة- خائفاً ومحبوساً وهارباً، ومطروداً لا يتمكن من جهاد الكافرين، ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين.
ثم هاجر –أي: النبي صلى الله عليه وسلم- وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين، إلى أن قبضه الله عز وجل وأسكنه جنات النعيم. هذا كلام شيخ كبير من مشايخ الشيعة، ألا وهو المفيد كما ذكرت آنفاً.
** تعريف الشيعة عند الشهرستاني **
ويقدم الإمام الشهرستاني رحمه الله تعالى في كتابه الماتع (الملل والنحل) تعريفاً يعد من أشمل التعريفات للشيعة، فيقول: الشيعة هم الذين شايعوا علياً -شايعوا بمعنى ناصروا- رضي الله عنه على وجه الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية -ونصاً: أي: نص النبي صلى الله عليه وسلم على خلافته وإمامته من بعده، ووصية أي: أوصى النبي بذلك قبل موته، تدبروا كل لفظة-.
إما جلياً وإما خفياً، فمنهم من يظهر هذا، ومنهم من يخفي هذا؛ اعتقاداً منهم لأصل من أصولهم ألا وهو التقية –بفتح التاء وتشديد القاف، ولا حرج أن تضم على وجه من أوجه اللغة- واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاد علي، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحة تناط باختيار العامة -أي: لا ينبغي أن تترك هذه القضية الكبيرة لعوام المسلمين يختاروا فيها من يشاءون ومن يعتقدون، لا يعتقدون هذا- وينتصب الإمام بنصبهم –أي: بنصب العامة له، لا- بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين الذي لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة –وجوباً- عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك. والزيدية فرقة سأبين مجمل معتقدها الليلة إن شاء الله تعالى.
هذا تعريف الإمام الشهرستاني للشيعة اصطلاحاً، وسنرى أيضاً أن الشيعة الإثني عشرية يقولون بعقائد أخرى؛ كالغيبة، والرجعة، والبداء، وكل هذه الألفاظ سأفصلها تفصيلاً بإذن الله تعالى.
** تعريف الشيعة عند الأشعري **
لكننا نرى إماماً من أئمة أهل السنة -وهو أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى- يعرف الشيعة تعريفاً مقتضباً، فيقول: الشيعة إنما قيل لهم شيعة؛ لأنهم شايعوا -أي: ناصروا- علياً رضي الله عنه، وقدموه على سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الفرقة التي يتكلم عنها الإمام الأشعري لها مسمى آخر، تسمى هذه الفرقة من فرق الشيعة باسم المفضلة، أي: الذين فضلوا علياً على سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التعريف يصح وينطبق تماماً على أول فرق التشيع ممن ناصروا علياً رضي الله عنه، لكن سنرى الآن بإذن الله تعالى أن هذا التعريف قد تطور بأطوار ومراحل مختلفة، سنقف عليها إن شاء الله تعالى.
وبتعريف آخر للمفضلة: هم الذين يفضلون علي رضي الله عنه على أبي بكر وعمر وسائر أصحاب النبي رضوان الله عليهم جميعاً، والشيعة الإثنا عشرية لا يعتبرون مجرد تقديم علي رضوان الله عليه على سائر أصحاب النبي كافياً في التشيع، وإنما لابد من الاعتقاد بأن خلافة علي بعد رسول الله مباشرة بالنص والاعتقاد أي أنها قد بدأت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى استشهاده رضي الله عنه.
** تعريف الشيعة في نظر الشيخ (المحاضر) **
والتحقيق -أيها الإخوة- من خلال قراءاتي في كثير من مراجع الشيعة ومراجع السنة طيلة الأيام الماضية، التحقيق أن التعريف الدقيق للشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتها، ولأجل أن نقف على تعريف دقيق للشيعة؛ لا بد وأن نقف مع أطوار نشأتهم، فإن الشيعة قد مروا بكثير من المراحل العقدية والمذهبية، ولهذا كانوا في الصدر الأول في عهد علي وعثمان قبله رضوان الله عليهما لا يسمى المرء شيعياً إلا إن قدم علياً على عثمان، وهذا طور من الأطوار المهمة جداً؛ لنتعرف بعد ذلك على حجم الانحراف الذي وقع فيه الشيعة. كان لا يسمى الرجل شيعياً في أول الأمر إلا قدم علياً على عثمان، بل كان يقال لمن يقدم عثمان رضي الله عنه على علي: عثماني، ويقال لمن يقدم علياً على عثمان: شيعي، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -طيب الله ثراه- في منهاج السنة: إن الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي رضي الله عنه، كانوا يفضلون أبا بكر وعمر على علي –وهذا التفضيل لابد منه- ولما سأل سائل شريك بن عبد الله -وشريك بن عبد الله هو ابن أبي نمر القرشي، أبو عبد الله المدني، وهو من الشيعة- فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أم علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يفعل هذا فليس شيعياً. هذا على التأصيل الأول الذي ذكرت أن الشيعي كان يعرف بمن يقدم علي على عثمان فقط، فشريك يقول: نعم أقول بتفضيل أبي بكر على علي، ومن لم يقل بهذا فليس شيعياً، والله لقد رقى علي هذه الأعواد -يعني: أعواد المنبر- وقال: [[ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر]]. هذا قسم من علي رضي الله عنه، وفيه آثار كثيرة صحيحة يثبت فيها تفضيل أبي بكر وعمر عليه، يقول شريك بن عبد الله: فكيف نرد قوله -أي: كيف نرد قول علي- وكيف نكذبه، والله ما كان علي كذاباً.
ويقول أبو إسحاق السبيعي، وهو شيخ الكوفة وعالمها -ولفظة: (وهو شيخ الكوفة) لها مغزى ولها مدلول- يقول رحمه الله تعالى: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما على علي، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ووالله لا أدري ما يقولون. يقصد أنهم بدءوا يفضلون علي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين.
وقال ليث بن أبي سليم: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً. ثم أخذ التشيع –هذا هو الطور الأول- أبعاداً أخرى خطيرة؛ كرفض خلافة الشيخين: أبي بكر وعمر، وشتم وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والطعن فيهم، وادعاء العصمة لآل بيت النبي، والإيمان بالرجعة والوصية، والبداء، والغيبة، وغيرها من المعتقدات الباطلة التي لا يقرها الإسلام، ومن هنا –اسمع- أطلق على الشيعة أصحاب هذا المنهج الروافض أو الرافضة. تنبهتم لهذا؟ حتى نعرف كيف أتت كلمة الرافضة؟ وماذا يراد بها؟
أقول -وأكرر ما قلت-: ثم أخذ التشيع أبعاداً أخرى خطيرة؛ كرفض خلافة الشيخين أبي بكر وعمر، وشتم وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والطعن فيهم، وادعاء العصمة لآل بيت النبي، والإيمان بالرجعة والوصية، والبداء والغيبة –وكل هذه الأصول ستفصل بإذن الله تعالى- وغيرها من المعتقدات الباطلة التي لا يقرها الإسلام، ومن هنا أطلق على الشيعة أصحاب هذا المنهج: الروافض أو الرافضة، وهم ينقسمون –أي: الروافض- إلى فرق كثيرة جداً، حتى قال المسعودي رحمه الله تعالى في كتاب مروج الذهب: إن طوائف الشيعة بلغت ثلاثاً وسبعين فرقة، بل ومن أهل العلم -كالمقريزي مثلاً- من قال: إن طوائف الشيعة بلغت ما يقرب من ثلاثمائة فرقة. فإذاً: هي فرق كثيرة جداً، وأنا لن أتعرض للحديث عنها، أو عن فروعها، وإنما سأتكلم إن شاء الله تعالى عن أصول الفرق، بل عن أشهر هذه الفرق الموجودة في الأرض اليوم، فمجمل هذه الفرق كما قال أهل العلم -كالشهرستاني وغيره-: الإسماعيلية والزيدية والجعفرية، والجعفرية هي: الإثنا عشرية، أو الإمامية، وكل هذه مصطلحات ومسميات لطائفة الشيعة الإثني عشرية، فأرجو أن تنتبهوا معي وتركزوا معي أيها الأحبة الفضلاء.
• الشيعة الإسماعيلية:
أولاً -بإيجاز شديد جداً- أتكلم عن الإسماعيلية والزيدية -ولن أطيل- في دقائق معدودات؛ لأتحدث بعد ذلك إن شاء الله تعالى عن الفرقة المشهورة الكبيرة، التي ملأت الأرض اليوم، ألا وهي فرقة الإثني عشرية الإسماعيلية، كفرقة من فرق الشيعة، وهي فرقة من الفرق الكبيرة، وهي الفرقة التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وبإمامة محمد بن إسماعيل من بعده، وسميت بالإسماعيلية لذلك؛ لأنها تقول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فسميت بالإسماعيلية نسبة إليه.
مجمل معتقدها -بإيجاز شديد جداً- كما قال الإمام الغزالي صاحب الإحياء، في كتاب له في فضح معتقد الشيعة من الإسماعيلية سماه بفضائح الباطنية، وهو كتاب قوي جداً في هذا الباب، يقول: مجمل معتقد الإسماعيلية، أنه مظهر ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قوله: الإمام المعصوم، ثم فصل بعد ذلك القول في معتقدهم، لا أريد أن أقف مع هذا؛ لأنني أريد أن أقف مع أخطر فرقة نراها على ظهر الأرض اليوم.
وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه الماتع تلبيس إبليس، قال: فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات، وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق، وأن محمداً رسول الله، لكنهم يقولون: لذلك سر غير ظاهر، وقد تلاعب بهم إبليس، فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة.
وقال الإمام الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء –يعني: من الإسماعيلية الباطنية- على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار، وهم عدة فرق، ومقصودهم -على الإطلاق- إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة، إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء إلا بالآخرة.
ومن الإسماعيلية -يا إخوة- انبثقت فرق كثيرة حتى لا نغتر بالمسميات، فلا مشاحة في الاصطلاح كالقرامطة والحشاشون والفاطميون الذين خربوا معتقد أهل مصر؛ بحجة أنهم كانوا يرفعون راية حب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، والعجيب أنه قد خرج علينا من أهل العلم في عصرنا ممن يشار إليهم بالبنان من يدافع عن الباطنيين، وعن معتقداتهم الفاسدة والباطلة، فكل ما نجنيه الآن من ثمار مرة من ثمار البدع المرة؛ ما أدخلها إلى مصر -بعد الفتح الإسلامي- إلا الفاطميون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن الإسماعيلية انبثقت القرامطة والحشاشون- والحشاشون هؤلاء فرقة، وليس المراد بالحشاشين ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها.
والفاطميون والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة ووجوه مختلفة وألقاب كثيرة، يقول الشهرستاني: وأشهر ألقابهم: الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب؛ لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة، حملها الأئمة بعد أيام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الظاهر. يقولون: هذه الرسالة رسالة توضيح باطن النصوص، فالنصوص لها ظاهر ولها باطن. وأرجو أن تركزوا معي في كل كلمة، فوالله إن لكل كلمة معنى ومغزى، فالمراد أن الأخذ بالباطن هذا لا يكون إلا للأئمة، أما الظاهر فهذه وظيفة الرسول، فالرسول ما عليه إلا أن يأتي بالنص، إما الغوص في درر النص، والوقوف على كوامنه من الفتوحات والإشراقات والإلهامات؛ فهذا لا يكون إلا للأئمة، وسلك هذا الدرب الصوفية، فلا يمكن البتة أن تظهر فرقة شيعية إلا وهي ملتحفة بعباءة الصوفية، كادعاء حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد جاء في أحد الرسائل الإسماعيلية أنه لما كان الدين ظاهراً، هذه أربع رسائل إسماعيلية الرسالة الأولى في مسائل مجموعة من الحقائق والأسرار (ص:30) يقول: لما كان الدين ظاهراً وباطناً؛ قام النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الظاهر، وصرف إلى وصيه -أي: إلى الإمام الذي أوصى النبي بإمامته من بعده-.
وعلم التأويل هو معجزة الأئمة، كما أن علم التنزيل هو معجزة الرسول –أي: القرآن- وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام، يذكر الكوثري -في كتاب: مقدمة في كشف أسرار الباطنية- عدداً من ألقابهم، فيقول: إنهم يسمون في مصر بالعبيدية؛ نسبة إلى عبيد المعرور، وبالشام بالنصيرية والدروز والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية، وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية، نسبة إلى قبيلة في اليمن مشهورة بهذه الاسم، وفي بلد الأكراد يعرفون ويسمون بالعلوية، حيث يقولون: علي هو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ويعرفون ويسمون في بلاد الترك بالبكداشية والقزلباشية، وعلى اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم يعرفون بالبابية، ولهم فروع إلى يومنا هذا، تلبس لكل قرن لبوسه، وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة، وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية، باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة الأخرى بهذا الإسلام، أي: لانتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، هذا بإيجاز شديد جداً عن فرقة الإسماعيلية كفرقة كبيرة من فرق الشيعة.
• الشيعة الزيدية:
أما الفرقة الثانية: فهي فرقة الزيدية، والزيدية هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد افترقوا عن الإمامية الرافضة أو الجعفرية، حينما سئل زيد بن علي بن الحسن بن علي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال زيد فترضى عنهما، أي: قال على أبي بكر وعمر: رضي الله عنهما، وأثنى عليهما خيراً، فلما سمعوا زيداً يقول ذلك؛ رفضوه لرفضه أن يسب أبا بكر وعمر، فسموا بالرافضة أو الروافض، فهم الذين انشقوا على فرقة الزيدية؛ لأن زيداً أبى أن يسب أبا بكر وعمر، بل ولما سئل عنهما ترضى عنهما وأثنى عليهما خيراً، فسمي من لم يرفض من الشيعة زيدياً؛ لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خلافة هشام بن عبد الملك سنة (222 أو سنة 221 هـ)، على الراجح من أقوال أهل السيرة والتاريخ.
* الإمامة عند الزيدية:
والزيدية كما يقول الشهرستاني: ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن، أومن أولاد الحسين رضي الله عنهما، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل، ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقة في الصحابة؛ هو الترضي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما ينقل ذلك ابن الوزير عن الإمام الكبير المنصور بالله -وهو من أئمة الزيدية الكبار باليمن- أنه قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية: أما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة، فعذرنا أنهم أشرف قدراً، وأعلى أمراً، وأرفع ذكراً من أن تكون ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء، إلى أمر لم يسبق لهم به أنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس، فهم خير الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام خيراً، إلى أن قال –أي: الإمام الكبير المنصور بالله فهذا مذهبنا لم نكتمه تقية، كيف وموجبها سائل، ومن هو دوننا مكاناً وقدرة يسب ويلعن ويذم ويطعن، ونحن إلى سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي عليه السلام، وإلى قوله، وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة رضي الله عنهم، والبراءة منهم، فهذا قد تبرأ من محمد من حيث لا يعلم. هذا كلام إمام من أئمة الزيدية المعتدلين؛ الإمام المنصور بالله.
ولكن -يا إخوة- للأمانة: في الزيدية من هو رافضي قح، يقدم علياً على أبي بكر وعمر، بل ويسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة تماماً، كالطائفة المعروفة المشهورة بالجارودية، هذه الطائفة -من بين طوائف الزيدية- يعتقدون مذهب ومعتقد الإمامية أو الجعفرية أو الإثني عشرية في سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر الإمام الشهرستاني في كتابه الماتع: الملل والنحل فيقول: إن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية، ويقول إمام كبير من أئمتهم، وهو صالح بن مهدي بن علي المقبلي الصنعاني ثم المكي، يقول: إن الزيدية ليس لهم قاعدة محددة، فإنهم أحياناً يطعنون في بعض خيار الصحابة؛ كأبي هريرة، وجرير بن عبد الله البجلي، وأم المؤمنين حبيبة رضي الله عنهم؛ لأن هؤلاء رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم؛ قبلوه من طريق ذلك الصحابي، وإن كان أقل فضلاً ورتبة ممن طعنوا فيه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويتحدث أيضاً المقبلي فيقول: إنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار، وهو تكفير الصحابة ومن والاهم، صانهم الله تعالى، ولعل هذه الظاهرة -اعتناق الزيدية لمذهب الرفض- هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير؛ أخرج لك منه رافضياً كبيراً.
* عصمة أهل الكساء عند الزيدية:
ومن عقائد الزيدية: قولهم بعصمة فاطمة وعلي والحسين، ونحن نعلم أن العصمة للنبي صلى الله لعيه وسلم وحده، فمن معتقدهم أنهم يقولون بالعصمة لعلي وفاطمة والحسين رضي الله عنهم، ويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني -وهو من أكابر أئمة الزيدية أيضاً يقول-: إن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة –يعني: أن النبي قد نص قبل موته على إمامة علي ثم الحسن ثم الحسين رضي الله عنهم- ويعتقدون ثبوت إمامة من عداهم من أولادهم –أي: من أولاد علي: من أولاد الحسن أو الحسين- ويسمون بالإثني عشرية؛ لأنهم يقولون بأن الأئمة بعد الرسول اثنا عشر إماماً، وهم: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين –وهو المشهور بزين العابدين- ومحمد الباقر، وجعفر الصاق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، والمهدي المنتظر، هؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر عند هذه الفرقة التي تسمى بفرقة الإثني عشرية أو الإمامية أو الروافض، ويسمون أيضاً بالجعفرية؛ نسبة إلى جعفر الصادق، وهو الإمام السادس من الأئمة الذين ذكرت.
أما سبب تسميتهم بالروافض؛ فقد ذكرت قبل ذلك أنهم سموا بالروافض حينما رفض زيد أن يسب أبا بكر وعمر، فرفضوا مذهبه ومذهب من تابعه، وانشقوا عنه، فسموا حينئذٍ بالروافض.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يعلق على تعريف الإمام أبي الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين حينما قال: إنما سمي الروافض بالرافضة؛ لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، قلت: الصحيح بأنهم سموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك. وذكرت أنهم ما رفضوه إلا لترضيه على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ كأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، وهذه الطائفة -يا إخوة- طائفة الإمامية أو الجعفرية أو الإثني عشرية، هي الطائفة الكبرى في عالمنا اليوم، ولها أتباعها وبكثرة –بالملايين- في إيران والعراق والقطيف، ولبنان، والكويت، وباكستان، والهند، وليس في مصر ولا في بلاد شمال إفريقيا من هذه الطائفة شيء، إلا نبتات سوء -كما ذكرت في المحاضرة الماضية- وأفراد، لكنني أقول بيقين بأن أرض مصر أرض تلفظ بذرة التشيع، إلا إذا تدثر أهل هذا المذهب الفاسد بعباءة التصوف، ثم يدخلون على الناس بزعم أنهم يحبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
** دعوى التقريب بين السنة والشيعة وعدم الاختلاف **
فهذه الفرقة التي ادعى علماؤها أنهم لا يفصلهم عن أهل السنة –اسمع لهذا الكلام الخطير- كبير شيء، وإنما خلافهم مع أهل السنة في مسائل الفروع، هم يزعمون ذلك ويدندنون به، بل ولعل منكم من تابع دعوة التقريب المزعومة بين الشيعة وأهل السنة، ورفع لواء هذه الدعوة من الأكابر ممن يشار إليهم بالبنان، فهم يزعمون أنه لا توجد على الإطلاق أية فروق جوهرية بين مذهب الشيعة ومذهب أو معتقد أهل السنة، اللهم إلا في الفروع، هكذا يزعمون، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء -وهو من كبار شيوخ الشيعة، ومن أكابر مراجع الشيعة المعاصرين- الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين، ومذهب من مذاهب الإسلام، يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول، وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع، وردد هذا الكلام الخبيث الخطير بعض أهل السنة، نقلاً جزافاً عن هؤلاء الذين هم أكابر أئمة الشيعة، فهل هذه الدعوة حقيقة؟
تعالوا معي لنجيب إجابة مفصلة قد تحتاج إلى خمس محاضرات، وأرجو أن تسامحوني على هذه الإطالة، فالأمر والله جد خطير، ويحتاج إلى وقفة، وأنا أعلم أنه لا يتكلم في مثل هذه الموضوعات إلا القليل النادر. الإجابة على أن الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين، ومذهب من مذاهب الإسلام يحتاج إلى أن نرجع في تفنيده لا إلى كتبنا نحن أهل السنة، بل سنرجع في تفنيده إلى كتب الشيعة، وإلى كلام أكابر مراجعهم وعلمائهم، فإن مصادر القوم في هذه هي المعتمدة عند من يعتنقون مذهب الشيعة، فإنك لو ذهبت الآن لترد على نبتة سوء خرجت تعتقد مذهب الشيعة، لو ذهبت لترد عليه بأقوال أهل السنة؛ لألقى بقولك عرض الحائط، لكنك ستلقمه حجراً إذا رددت عليه بأقوال أئمة تشيعه، وأكابر مراجعهم في الماضي، بل وفي العصر الحاضر، فتدبر معي أيها الأخ الكريم لنقف مع أول أمر، بل مع أخطر أمر، ألا وهو اعتقادهم في مصادر التلقي، أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين، ما هي مصادر التلقي عند الشيعة، من أين استقى الشيعة؟ وأصول مذهبهم؟ وما هي نظرة الشيعة لهذه الأصول، وما هو معتقدهم فيها؟
** اعتقاد الشيعة في القرآن الكريم **
أولاً: اعتقادهم في القرآن الكريم، القرآن الكريم هو أول مصدر من مصادر التلقي عن المسلمين، لكن انظر إلى معتقد الشيعة في هذا المصدر -مصدر التلقي-.
أولاً: الشيعة يعتقدون أن القرآن الكريم محرف، وسأنقل لكم الأدلة على ذلك من أقوالهم، ومن كتبهم، ويعتقدون كذلك بأن هناك كتب نزلت من السماء بعد القرآن، يقولون بتحريف القرآن الكريم وبتزويره وبنقصه، وبخلل فيه، ثم يقولون بدعوى تنزل كتب بعد القرآن الكريم، ومعلوم أن الأمة قد أجمعت على حفظ كتاب الله جل وعلا؛ مصداقاً لقول الله سبحانه: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9]^، والقرآن الكريم تحدى الله عز وجل البشرية جمعاء، إذ لم يتغير فيه حرف، ولم تنقص منه كلمة، ولم تحذف منه آية، وقد فصلت ذلك وأنا أتحدث عن الإيمان بالكتب كركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا.
تقول فريات الشيعة -وأرجو أن تركزوا معي على القول- بأن هذا القرآن الكريم الموجود الذي بين أيدي المسلمين الآن ناقص ومحرف، وأن القرآن الكامل عند علي بن أبي طالب، ثم أورثه الأئمة من بعده، وهو اليوم عند المهدي المنتظر؛ هذا كلام الشيعة، وهذه المقالة الملحدة ممن يزعمون التشيع لعلي، فوق أنها طعن في كتاب الله وفي دينه، فهي طعن في علي، أليس كذلك؟ بلى.
أقول: إن هذه المقالة الملحدة فوق أنها طعن في كتاب الله وفي دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي طعن في علي نفسه رضوان الله عليه، إذ كيف يعلم علي أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين محرف وناقص، وأن القرآن الكامل عنده وحده، ثم لا يرد هذه الفرية ولا يبين للمسلمين هذا الباطل، لا سيما بعدما أصبح خليفة، فإذاً: هي طعن في علي رضي الله عنه.
ولما سئل الروافض عن ذلك، لم يجدوا ما يجيبون به سوى أنهم قالوا على لسان عالمهم الكبير الذي يلقب بنعمة الله الجزائري -هو نعمة الله بن محمد بن حسين الحسيني الجزائري الشيعي الإمامي، قال عنه الخوانساري: كان من أعظم علمائنا المتأخرين، وأفاضل فضلائنا المتبحرين، وقال فيه محدثهم القمي: كان (أي: نعمة الله) عالماً محققاً مدققاً جليل القدر- في كتابه الموسوم بالأنوار النعمانية، المجلد الثاني (ص:362).
قال: ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن –يقصد القرآن الصحيح المتكامل الذي لم يحرف ولم يزور- وإخفاء هذا –أي: الذي في أيدي المسلمين الذي زور وحرف- لما فيه من إظهار الشناعة على من سبقه من الصحابة، إذ لو فعل ذلك لبين أخطاء من سبقوه. انظر إلى هذا الضلال المبين، هكذا يعتذرون، وأي قدح أبلغ من هذا، إنهم يتهمون علياً رضي الله عنه بأنه جامل من سبقه من الصحابة على حساب كتاب الله، وعلى حساب دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا وربي بهتان عظيم، هذه فحوى الخرافة التي وجدت مكانها في دواوين الشيعة ومجامعهم الحديثية، وكتبهم المعتمدة في عشرات من النصوص والروايات.
تدبر معي بعض الروايات، لأكمل إن شاء الله تعالى في المحاضرة المقبلة.
يقول حسين النوري الطبرسي، وهو عندهم إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار أو الأزمان المتأخرة - في كتابه- واسمع عنوان الكتاب ويكفي -فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب- الذي ألفه ليثبت من كتبهم أن القرآن محرف -الذي نقل فيه -أي: في كتابه- مجموعة كبيرة من أخبار الشيعة التي تطعن في القرآن، جمعها كما يقول من الكتب المعتبرة التي عليها المعول، وإليها المرجع عند الأصحاب- واعلم أن تلك الأخبار منقولة عن الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية.
فهذه الكتب التي ذكرت هذه الأخبار الملحدة موثقة عند هؤلاء، عند علمائهم، ويتلقون عنها دينهم، وهي منسوبة لأكابر علمائهم ومراجعهم ومحدثيهم، كما سمعنا الآن.
ومن هذه الكتب: صحيحهم الكافي، وهو عندهم يوازي صحيح البخاري عند أهل السنة، ويعتبرون الكافي أصح كتبهم، ويلقبون مؤلفه -وهو محمد بن يعقوب الكليني- بأنه ثقة الإسلام، اسمع، وقد روى الكليني من هذه الأساطير والأقوال الملحدة الشيء الكثير، مع أنه –كما يقول هو- التزم الصحيح فيما يرويه، ولهذا قرر الكاتبون عنه من الشيعة أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن؛ لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي، ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه، هذا كتاب لإمام كبير من أئمتهم.
وهذه بعض النصوص:
يقول عالمهم المجلسي -صاحب كتاب: بحار الأنوار- أنه قد جعل هذه النقول والأخبار التي تثبت التحريف في كتاب الله جل وعلا في الكثرة والتواتر تساوي أخبار الإمامة التي هي لب التشريع وجوهره، فقال: وعندي –أي: في كتابه مرآة العقول المجلد الثاني (ص:536)- أن الأخبار في هذا الباب –أي: في باب تحريف القرآن- متواترة المعنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تكثر عن أخبار الإمامة؟
هل سمعتم ماذا يقول؟ لأن الذي نقل إليهم هذه الأخبار علماؤهم الذين نقلوا إليهم أخبار الإمامة والبداء والرجعة والغيبة.. إلخ هذه المعتقدات الفاسدة، فالذين نقلوا إليهم القول بالتحريف بالقرآن هم الذين نقلوا إليهم أصول مذهبهم الفاسد الباطل.
ويقول شيخهم المفيد –ترجمت له من قبل-: إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان. أقول: هذا الكلام في كتاب المفيد في أوائل المقالات (ص:98).
وقال ثقة الشيعة –هكذا يسمونه- محمد صالح المازندراني: وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها. قال ذلك المازندراني في شرح جامع الكافي المجلد الحادي عشر (ص:76).
ويقول شيخهم محسن الكاشاني -وهو من أكابر شيوخ الشيعة- المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا، ليس بتمامه كما أنزل على محمد. قفوا يا إخواننا على هذا المعتقد الخبيث، حتى لا يضحك عليكم الآن جاهل خدع بهذا المذهب الفاسد الباطل، فإنني أعلم أن نبتة سوء قد بدأت تظهر في المنصورة، تدعو لمثل هذا المذهب الخبيث الفاسد الباطل، وهي -ولله الحمد- لا تزيد على ثمانية أفراد، لكن هذا خطر، أتمنى أن يستمع الإخوة هؤلاء هذه المحاضرات بعد تمامها، أتمنى من أي أحد يعرف هذه المجموعة أن يطبع هذه الأشرطة ويأخذها مني كهدية؛ ليسلمها لهؤلاء ليستمعوا إليها بتجرد؛ لعل الله أن يشرح صدورهم إلى الحق، أسأل الله أن يردنا وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً.
يقول شيخهم محسن الكاشاني في كتابه: تفسير الصافي في المقدمة السادسة من تفسيره، يقول: المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت، أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد –صلى الله عليه وسلم- بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وإنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها اسم (علي) في كثير من مواضع القرآن، ومنها لفظة (آل محمد) في أكثر من موضع، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وقال: إن القرآن ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله.
وقد ذكرت لكم قبل ذلك ترتيب المصحف، ومراحل جمع القرآن الكريم؛ ابتداء من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهاءً بعهد عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وذكرت لكم إعجاز القرآن في بلاغته وفي حروفه وفي نظمه، وفي اتساقه الذاتي، وفي إعجازه الفكري وفي إعجازه البلاغي وإعجازه العلمي وإعجازه العقدي، ذكرت ذلك بالتفصيل في كثير من المحاضرات، قد تصل إلى ما يقرب من سبع أو ثمان محاضرات في حديثي عن الإيمان بالكتب، حينما تحدثت عن التوراة المحرفة والإنجيل المزور، ثم تكلمت بعد ذلك عن القرآن الكريم، أرجو أن تراجع هذه الأشرطة مرة أخرى.
وروى الكليني في كتابه الكافي بإسناده –اسمع- عن أبي جعفر عليه السلام قال: [[نزل جبريل بهذه الآية على محمد –صلى الله عليه وسلم- هكذا، ألا وهي قوله تعالى: (( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ))[البقرة:23]]]، روى بسنده الكليني إمام من أئمة الشيعة.
وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: [[هكذا نزل قول الله تعالى: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ))[النساء:66]]] يقولون: لفظة (في علي) حذفت من القرآن انظر إلى التحريف الرهيب في النصوص، وسأقف بعد ذلك مع بعض النصوص في التحريف بالتأويل، أي: في التفسير، يقرءون الآية ويؤولونها تأويلاً رهيباً لا يمت إلى الحقيقة ولا إلى الدين ولا إلى الواقع، بل ولا إلى العقل السليم بأدنى صلة، وأنا لا أدري كيف اغتر بهذا القول الفاسد الملايين؟!! نسأل الله أن يثبتنا على الحق (( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ))[الحديد:21].
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله عز وجل: (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً). انظر إلى هذا التحريف!!
ويروي الكليني بإسناده عن أبي الحسن- وهذا كله في كتاب الكافي باب: نكت ونتف من التنزيل في الولاية، هكذا عنون صاحب الكافي لهذا الباب الخبيث في المجلد الأول (ص: 417) و(ص421) لمن أراد ممن افتتن بهذا المذهب أن يراجع أصول هذا المذهب في كتبهم، فأنا أنقل الآن من كتبهم، قال: [[ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد ووصية علي]]. وحاشا علياً عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ومن ذلك أيضاً: ما رواه الكليني بإسناده إلى أحمد بن حمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبو الحسن عليه السلام -الذي هو علي رضوان الله عليه اسمع قول الخبيث هذا- مصحفاً، وقال: لا تنظر فيه –انظر التشويق، يعني: سيدنا علي أعطاه مصحفاً وقال له: لا تفتحه، فلماذا أعطاه إذاً؟-، يقول: ففتحته ونظرت فيه، وقرأت فيه (لم يكن الذين كفروا) ووجدت بعدها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم -يقصد من الصحابة رضوان الله عليهم، انظر الخبث! (لم يكن الذين كفروا) ووجدت بعد تلك الآية (الذين كفروا) اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم- قال: فبعث إلي –أي: علي- وقال: ابعث إلي بالمصحف –أي كما يقال: لا نريد فضايح-.
• فرية نقص القرآن وسورة الولاية:
وتمضي افتراءات الشيعة الروافض، فتخترع سوراً.. انظر الضلال، تخترع سوراً كاملة، وتزعم أن هذه السور قد حذفت من القرآن الكريم، كما قال شيخهم الطبرسي: نقصان السورة -وهو جائز-: سورة الحفد، وسورة الخلع، وسورة الولاية. هذا الكلام في كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي -الذي ذكرته آنفاً- (ص:24).
ثم في موضع آخر نقل سورة الولاية، واسمع لنص سورة الولاية، قال نص السورة: بسم الله الرحمن الرحيم، (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي، ويحذرونكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، إن الذين يوفون ورسوله في آيات كذا لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول، أولئك يسقون من ماء حميم) انظروا الضلال المبين!! أهذه سورة؟ بل كلام مسيلمة أفضل وأنظف منه، وكله يخرج من بوتقة كفر خبيثة واحدة، حينما قرأت هذا النص والله تذكرت كلام مسيلمة، قلت: سبحان الله! والله إن الكفر ملة واحدة، حينما ذهب إليه أهل الكفر من أهل الجزيرة وقد ادعى أن وحياً ينزل عليه كما ينزل الوحي على محمد، فقالوا: أسمعنا شيئاً مما نزل عليك، فجلس مسيلمة الكذاب يهذي كما يهذي هؤلاء المجرمون الخبثاء، جلس يقول: (والزارعات زرعاً، والحاصدات حصداً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً)؛ فضحك القوم، ففهم أن القوم قد تبين لهم كذبه وضلاله، فأراد أن يسمعهم شيئاً غير ذلك، فقال: (الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، وذيل قصير)؛ فضحك القوم، وهم أرباب بلاغة، وأرباب بيان، فقال في آية ثالثة: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين).,
فقالوا: يا مسيلمة! قال: نعم، قالوا: والله إنك لتعلم يقيناً أننا نعلم يقيناً أنك كذاب، وهؤلاء يكذبون بهذه الصورة السخيفة على الله جل وعلا، ويختلقون ويزيفون سوراً كاملة، ويزعمون أن هذه قد حذفت من القرآن الكريم.
وجاءت روايات كثيرة في كتب الشيعة تأمرهم بالعمل بالمصحف الموجود بين أيدي المسلمين الآن، لماذا؟ قالوا: ريثما يخرج قرآنهم الذي ورثه علي لإمامهم المهدي المنتظر، وهذا أصل من أصول مذهبهم التقية.
يقول نعمة الله الجزائري -الذي ترجمت له من قبل-: قد روي في الأخبار أن علياً والأئمة عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة القرآن الموجود في الصلاة وغيرها، وأن يعملوا بأحكامه، حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ بعد ذلك ويعمل بأحكامه.
أقف عند هذا القدر؛ لأواصل إن شاء الله تعالى تحريف الشيعة للأصل الأول من أصول التلقي، وللمصدر الأول من مصادر التلقي؛ ألا وهو القرآن، وكيف أنهم حرفوا أصول النصوص في القرآن، ولم يكتف الروافض بذلك، وإنما حرفوا التأويل أيضاً للقرآن، وهذا ما سنتعرف عليه إن شاء الله في المحاضرة المقبلة.
أحمد الله الذي هدانا للحق، وأسأل الله أن يثبتنا عليه، وأن يتوفانا عليه، إنه ولي ذلك ومولاه، وأكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


أين أنت من القرآن؟ 

* نداءات.. نداءات.. نداءات
نداءات الأمل في مفازات الهلاك.. نداءات الهدى في جهالات الضلال.. نداءات الحق في أوهام الخيال.
(( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ))[الانفطار:6-8].
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحج:73-74].
لقد جاء منادي الحق ينادي: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ))[المؤمنون:32].
فصار يهتف في طوفان نوح عليه السلام لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وراح يصدع في قوم الخليل عليه السلام وقد أبرموا أمرهم وأوقدوا نارهم أن: حسبي الله ونعم الوكيل، فجاءت بشرى: (( يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ))[الأنبياء:69]، وجاء متحدياً سحر آل فرعون وجبروته بـ: (( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ))[الشعراء:62] فانقلب السحر على الساحر.
وجاء تثبيت أنك أنت الأعلى وانتهت المؤامرة بانقلاب السحرة الكفرة إلى شهداء بررة، وليرفعوا لافتة: (( آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ))[الأعراف:121-122].
وتمخض عن دعاء زكريا عليه السلام: (( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ))[مريم:3-5].. (( لا تَذَرْنِي فَرْدًا ))[الأنبياء:89]، فجاءته الملائكة تزف له البشرى: (( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ))[مريم:7]، فما استكثر ذلك ولا استعظمه بوجود المانع وانتفاء الشرط، فالمرأة عاقر والكبر عتي حاضر، والعظم واهن، والرأس اشتعل شيباً، قال: (( كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ))[مريم:9].
وجاء بالحق ينادي في غيابات الفتنة بعد غيابات الجب عائذاً بالله: (( وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ))[يوسف:23]، فقال: (( مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ))[يوسف:23].. فهب عليه نسيم النجاة: (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))[يوسف:24].. ثم آل إلى السجن ليرسم للدعاة أن التوحيد ليس حكراً على حال: (( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))[يوسف:39-40]، وختم بالحبيب عليه أفضل الصلوات وأذكى التحيات في مؤامرة القتل والإبادة قائلاً: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) وتصدق السماء قول الحبيب عليه السلام: (( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))[التوبة:40].
فالحمد لله في الأولى والآخرة، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يشاركه في الملك أحد، (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))[الأنعام:1]، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه سبحانه، وأنى لنا ذلك وله كل كمال، وكل جلال، وكل ثناء، وكل مجد وكل مدح، وكل حمد، وكل عز وكل جمال، وكل خير وإحسان، وكل وجود وفضل منه وإليه.
فما ذكر اسمه جل وعلا في قليل إلا كثره، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلّق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العزة، ولا فقير إلا أصاره غنياً، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فبه تكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، وتستدفع السيئات، وتستجلب الحسنات، وباسمه تعالى قامت الأرض والسموات، وأنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وشرعت الشرائع، وقامت الحدود، وانقسمت الخليقة إلى السعداء والأشقياء، وبه حقت الحاقة، ووقعت الواقعة، ووضعت الموازين القسط، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار فهو سر الخلق والأمر، فالخلق به وإليه ولأجله، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً، أحداً فرداً صمداً، جل عن الأشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.. قلوب العباد ونواصيهم بين أصبعين من أصابعه وفي قبضته، لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وقد أحاط بكل شيء علما، فهو السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات على اختلاف اللغات وعلى تفنن اللهجات، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح السائلين في سؤاله، وهو البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلية الظلماء، حيث كانت من سهله أو جباله، العليم الذي يعلم السر وما يخفى في عاجل الأمر وآجله، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف تكون أحواله، فالغيب عنده شهادة، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في أرضه أو سمائه، وهو الغني بالذات عن خلقه، وكل خلقه إليه فقر في كل أحواله.
سبحان ذي الجلال والإكرام وذي الفضل والإنعام! فلو كان الشجر كله أقلاماً تكتب والبحار كلها مداداً يمدها وهي تكتب بالليل والنهار عن عظمته وكبريائه ونعوت جلاله وجماله وكماله لنفذت دون أن تحصي عليه الثناء، فلا إله إلا الله رب الأرض والسماء.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائم بحقه، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحسرة على الكافرين، وحجة على الخلق أجمعين، بعثه على حين فترة من الرسل، وغباوة من الأمم، وانقطاع من الزمان، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته، وتعظيمه، وتوقيره، والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائماً بأمر الله لا يرده عنه راد، ومستمراً في مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد، إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياءً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، فصلوات الله وسلامه عليه كلما غرد طير وطار.
أما بعد:
فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا، بل جعلهم للأمر والنهي محلاً، فلم يخلق سماءً مبنية ولا أرضا مدحية ولا إنساً ولا جان إلا لعبادته وحده دون ما سواه، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56].
فانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقرب وبعيد، وأعطاهم مواد العلم والعمل من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضيلاً، فمن استعمل ذلك في طاعته فقد اتخذ إلى مرضاة الله سبيلا، وفاز فوزاً مبيناً، ومن استعملها في شهواته وهواه ولم يرع حق خالقه فقد خسر خسراناً مبيناً، وسوف يحزن حزناً طويلاً، فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ))[الإسراء:36].
*بداية الشرك:
اعلم رحمك الله ووفقك لكل خير بأن الله جل وعلا خلق عباده موحدين حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأغارت على قلوبهم، وألقت عليهم شراك الغلو والفتنة، وألبست عليهم الحق بالباطل حتى استحسنوه تحت مظلة الحب للأولياء والصالحين، فأوحت إلى أوليائها زخرف القول غروراً: أن علامة صدق المحبين: خيال في العيون، وذكر في اللسان، ومثوى في الفؤاد بلا غياب.
فأوحت إليهم بعد موت الصالحين أن صورواً صور الصالحين، واصنعوا تماثيل الأولياء، وارفعوا قبور الأنبياء، فإنه أولى بالمحبين وذكرى للمشتاقين، وأقنعت المخالفين بأن هذا إنما هو محض ذكر الأولياء.
فلما طال عليهم الأمد وانتكست الفطرة، وطالت الفترة، ونسخ العلم وحل الجهل، وهلك القوم، وأنسيت الفكرة.
جاء قوم آخرون فألبسوا الحق بالباطل فصيروها أوثاناً وأصناماً تعبد من دون الله، وعلامة ودليلاً على الأنبياء والأولياء، ثم اتخذت بعدئذٍ مفاتيح الغوث والدعاء وترياق العليل والشفاء.
واستوى الأنبياء والأولياء بالله تعالى رب الأرض والسماء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل الكتاب بالحق والميزان، فأفصحوا عن نعوت جلاله وكماله وصفات كبريائه وعظمته، فاجتمعوا على كلمة واحدة وهي: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ))[المؤمنون:32].
وكشفوا عن حيلة إبليس باتخاذ الأنداد والوسطاء والشفعاء بأن هذا الاعتقاد إنما هو سوء ظن برب العالمين السميع، العليم المجيب.
وهو محض تعطيل للأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، والرازق بالمرزوق، الحي القيوم الذي لا يموت بالعبد الفقير الذي لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
قال تعالى: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ))[الأنعام:1]، أي: يجعلون له نداً مساوياً من خلقه.
وإذا جاء يوم القيامة؛ يوم الحسرة والندامة.. يوم تبلى السرائر، وتتجلى الحقائق، وتنكشف الضمائر بين يدي الحائر والمكابر يشهد أولئك بالقسم الصريح أنهم كانوا في ضلال مبين، قال تعالى مبيناً حالهم في ذلك اليوم: (( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ))[الشعراء:97-99].
*الفرق بين ملك الملوك وبين المملوك:
ولعمر الله إنه الضلال المبين، والطريق المظلم البهيم، والصراط الأعوج المهين، وسوء الظن برب العالمين، وتشبيه العلي القدير بالعبد الفقير الأسير، حيث زعموا بالقياس الفاسد البعيد أن الدخول على الله بالدعاء أمر عسير وأنه لا يجيب من دعاه ولا يسمع من ناداه إلا بواسطة الأولياء والصالحين، كالدخول على الرؤساء والأمراء، فإنه لا يكون إلا بواسطة المقربين والوزراء، فما أقبح هذا القياس والتشبيه وما أظلمه وأفسده! فهو قياس مع الفارق الكبير، كالفرق بين السيد والعبد، والخالق والمخلوق، والمالك والمملوك.
فكيف يقاس الله ذو الجلال والإكرام بالسلطان العبد الفقير إلى الله؟! فإن الملك أو السلطان لا يعلم ما وراء الجدران وهو محتاج أبداً إلى الجواسيس والأعوان، والله تعالى العليم الخبير الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الجنود والحرس والأعوان ليدفعوا عنه الكيد والعدوان، والله تعالى القوي العزيز أمره بين الكاف والنون متى أراد شيئاً كان.
والملك أو السلطان يحتاج إلى الطعام والشراب والنوم والخلان، والله تعالى الغني عن العالمين، تقدس عن الخلق أجمعين، واستغنى عن الولدان والزوجات والخلان.
وهذا سر الحكم بالشرك والكفران على من اتخذ الأولياء شفعاء ووسطاء إلى الله، فإن دعاء الوسطاء والشفعاء إنما هو تشبيه وتعطيل؛ تشبيه الخالق بالمخلوق وتعطيل الأسماء والصفات.
هذا وقد أبطل القرآن الكريم زعم المشركين أنهم لم يعبدوا الشفعاء والوسطاء وإنما جعلوهم باب الله الذي منه يدخلون، فيتوكلون عليهم وإليهم يلجئون، واعتبر ذلك كفراً وشركاً، قال تعالى: (( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ))[يونس:18]، فأنكر عليهم مبطلاً دعواهم وراداً حجتهم حجة التوسل والتشفع في تقريع وتوبيخ بقوله: (( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))[يونس:18].
أي: أنه سبحانه ليس بحاجة إلى وسيط أو شفيع ليرفع إليه حاجات الخلق؛ لأنه لا يخفى عليه شيء من حال عباده، بل أنكر عليهم التوسط بالأولياء والصالحين، موضحاً أن الأولياء والصالحين عباد أمثالهم، لا يملكون لأنفسهم جلب نفع أو دفع ضر، فضلاً أن يكشفوا عنهم ضراً أو يحولوا عنهم سوءاً، بل إنهم مع قربهم منه جل وعلا يتقربون إليه بالخوف منه والرجاء في رحمته، قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ))[الإسراء:56-57].
وقال تعالى: (( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ))[الزمر:3]، فما أشبه اليوم بالبارحة، فإن عامة الناس اليوم يقولون إذا أمرتهم بإخلاص الدعاء والعبادة لله وحده وترك دعاء الأولياء والصالحين: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
إذا علمت هذا علمت أنه لم يحسن الظن بربه من سأل غير الله ونسب إليه الرزق والشفاء والمولد والدواء، وما أحسن الظن بالله! من نسب الخير والنعمة إلى الأئمة والأولياء، والشر والنقمة لله.
وإذا علمت هذا علمت أنه ما أشرك أحد في هذا الملكوت إلا وهو مشبه للمخلوق بذي الكبرياء والجبروت، وسوى الله رب الأرباب بالعبد الفقير التراب، سوى الله جل وعلا بالعبد الذي ناصيته ونفسه بيد الله، وقلبه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته بيد الله، وسعادته وشقاوته بيده، وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته، وإن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله أسيراً.
وهذه آيات القرآن الكريم تخاطب العقل والفطرة والجنان لمن ألقى السمع واعياً وأحضر القلب شاهداً: (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ))[ق:37] حيث يبين الله جل وعلا أن سر الخلق والأمر هو العبودية لله، فما استحق الأنبياء والأولياء المدح والثناء إلا بقيامهم بالعبودية لله، قال تعالى: (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ))[الإسراء:1] وقال: (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ))[ص:45]، وقال عن أيوب عليه السلام: (( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ))[ص:30]، وقال: (( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ))[مريم:65]، وقال عن الملائكة: (( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ))[الأنبياء:26]، وقال: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))[الفاتحة:5].
أرأيتم إخواني الكرام، فإن منهج العبودية لا يقبل إلا الحصر والتخصيص، وهذا معنى شهادة (لا إله إلا الله) التي أفادت النفي والإثبات، نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها حصراً لله، أي: لا معبود بحق إلا الله.
والعبادة إنما هي الأقوال والأعمال التي يحبها الله ويرضاها الظاهرة والباطنة، كالدعاء، والصلاة، والذبح، والخوف، والرجاء، والاستعانة، والتوكل، والنداء، وهذه بمجموعها لا ينبغي منها شيء إلا لله إخلاصاً لا شائبة فيه أو رياء، قال تعالى: (( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ))[الزمر:3]، وقال تعالى: (( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ))[الزمر:2] كإخلاص يوسف عليه السلام وقد غلقت الفتنة عليه الأبواب وقالت: هيت لك بلا حياء أو ارتياب، بداعي الفتوة والشباب، فأدرك ألا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فانقطع عن جميع الأسباب، وأعرض عن جميع الأبواب، فألقى نفسه على باب سيده ومولاه فقال: معاذ الله! فاستحق أن يخلد في الكتاب: (( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))[يوسف:24].
وإخلاص يونس عليه السلام في ظلمات الهم والغم وشدة الحزن والكرب وقد أحاطت به من كل حدب وصوب، فنادى في بطن الحوت وهو مكظوم، وأطرق أبواب السماء بالدعاء: (( أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ))[الأنبياء:87]، فاخترق الدعاء السموات، وبدد الظلمات، وجاءته بشارات النجاة: (( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ))[الأنبياء:88]، وجعلها الله سنة للمؤمنين في كشف الكربات.. وكذلك ننجي المؤمنين.. قال تعالى: (( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[غافر:65].
فشتان بين من يندب إلهه وربه عند الكرب والشدة وبين من يندب علياً عليه السلام قائلاً: يا علي.. يا أبا الشدات! أدركني!
فسبحان ربي العظيم كيف وصلت الأمة إلى هذا الخذلان المبين والجهل المطبق العظيم! حيث فاقوا الأولين في الإشراك، فإن الأولين إنما كانوا يشركون في الرخاء وإذا أصابهم الكرب والشدة أخلصوا لله بالدعاء، قال تعالى: (( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ))[العنكبوت:65]، أما اليوم فإنهم إذا أصابهم الكرب وماج بهم البحر فلا تسمع إلا صرخات الدعاء: يا علي.. يا جيلاني.. يا رفاعي.. فلا إله إلا الله!!
ولو سألت عن مذاهب المجرمين وطرائق الضالين لوجدت أضل خلق الله من أشرك في عبادة الله جل وعلا أحداً من الصالحين والأولياء وهو يعتقد أن الولي يسمع سره ونجواه، قال تعالى: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ))[الأحقاف:5] وقال تعالى: (( يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ))[الحج:12].
لذلك جاء النهي الصريح من غير إشارة أو تلميح، فعن دعاء غير، الله تعالى على وجه العموم والتوضيح، فقال تعالى: (( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ))[الجن:18] ومعلوم في جميع مذاهب العلماء ومدارك العقلاء أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي أنها لا تفيد إلا العموم، وقال تعالى: (( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ))[غافر:66].
فهذا بيان قد بان لكل ذي بصر وعيان أن الدعاء لغير الله الواحد الديان مناف لدين الإسلام وعين الشرك برب العالمين.
قال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ))[الجن:20] وقال تعالى: (( وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))[القصص:87]، وقال تعالى: (( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ))[غافر:12].
*حسرة المشركين يوم القيامة:
ومع يقين المشرك وإيمانه وإصراره والتزامه فلا يزال يعيش في أوهامه وينتظر لحظة لقائه بالأولياء والصالحين، إذا فإذن الله تعالى ليوم الدين فهنالك تظهر الحسرات، وتتعالى الصرخات، وتخيم الندمات، عندما يتبرأ الملائكة والأنبياء والصالحون والأولياء من كل شرك وعبادة لهم أو دعاء، فينقلب الأمر عليهم بما لم يكن بالحسبان، قال تعالى: (( وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ))[النحل:86] فيا حسرة من أشرك وهو يثق بيقين أن الأولياء والصالحين شفعاء المشركين فيفاجأ أنه: (( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ))[غافر:18]، ويا حسرته وهو يتطلع إلى من أشرك وهو يرقبه بلهفة ورغبة وتربص وطمع أن ينفس كربته، وأن يرحم زلته، وأن يشفع فكرته، فيجد الأمر كله لله الواحد القهار، وبعد هذه اللهفة والرغبة يأتيه الجواب: (( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ))[النحل:86]، ثم يتبع ذلك بالبراءة من شرك المشركين بقولهم: (( تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ))[القصص:63]، وما أمرناهم بذلك بل كانوا يعبدون الشياطين، ونسوا وصية رب العالمين، وعهده على الآدميين، قال تعالى: (( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ))[يس:60-61].
وأنى للأنبياء والأولياء أن يصدّقوا على الشرك بالله تعالى وقد كانوا هم يدعون ربهم رغباً ورهباً وكانوا لله خاشعين؟! بل الأنبياء هم الذين جاءوا بالكتاب المبين الذي يحكم على الشرك بالله العظيم أنه الكفر الأكبر المبين، وعلى ذلك درج الأولياء والصالحين يدعون إلى توحيد الله وحده دون ما سواه ويحذرون من الشرك بالله قال تعالى: (( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ))[غافر:14] وقال تعالى: (( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ))[الأعراف:37]، لذلك يشهد المشركون بعد أن تتجلى الحقيقة في يقين أنهم إذا كانوا يلهثون في سراب وينادون من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً، فيقرون بهذه الحقيقة المرة، أنهم كانوا في ضلال بل لم يكونوا في الحقيقة يدعون شيئاً، قال تعالى: (( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ))[غافر:73-74].
*من يدفع الضر ويكشف السوء؟
إخواني الكرام:
كم من داعٍ اليوم يدعو باللفظ الصريح: يا علي.. يا جيلاني.. يا عباس! وكم من داع اليوم يدعو وهو يعتقد أن الأولياء يسمعونه حيثما كان وفي أي مكان! وكم من داع اليوم يدعو وهو يعتقد أن الأولياء على كل شيء يقدرون، وأن لهم اختصاصاً في كشف المضرات وإغاثة اللهفات! وكم من خائف وجل مرتجف من أن يحلف بالإمام زوراً وبهتاناً وهو ليس كذلك عندما يحلف برب الإمام!
إن هذا الاعتقاد يجعل الإمام نداً لله في العبادة، فالعباس عليه السلام عبد لله لم يكن على كل شيء قدير، ولم يكن قد أحاط بكل شيء علماً ولا زعم ذلك، حاشاه، بل كان يعرف قدر نفسه كونه عبداً لله، والعباس عليه السلام أعلم الناس بقول الله: (( وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ))[الأعراف:188] وهذا في حق الرسول عليه الصلاة والسلام وهو له من باب أولى، وهذه حقيقة ناطقة، فإن العباس عليه السلام لم يكن يعلم مؤامرة أهل العراق ولا خيانتهم لسيد شباب أهل الجنة، بل فوجئوا بالخيانة والفرار، ولم يكن يستطع أن يدفع القتل عن نفسه، وقاتل حتى قتل شهيداً عليه السلام.
فعندما يدعوه مائة شخص في العراق ومثلهم في الهند ومثلهم في أمريكا. فالعباس عليه السلام لا يستطيع أن يسمع في الحياة ولا أن يعلمهم فكيف وقد مات عليه السلام؟! بل هذا الأمر من خصائص الله الذي يعلم السر وما يخفى، ويسمع السر والنجوى، ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أما العباس عليه السلام وعامة الأولياء والصالحين ليس لهم من ذلك شيء، وإليك على ذلك الدليل والبرهان، قال تعالى: (( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ))[المائدة:116]، ومعلوم أن دعاء غير الله تأليه له كما قال تعالى: (( فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ))[هود:101] فما من المسيح عليه السلام إلا أن يقول الحقيقة التي أشرنا إليها آنفاً، فقال: (( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ))[المائدة:117] فأنعم النظر في قوله تعالى: (( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ )) أي: ليس لي علم إلا بما شاهدته وحضرته حال عيشي بينهم، ثم قارن ذلك مع قوله تعالى: (( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))، أما أنا فغائب عنهم لا أعلم من أحوالهم شيئاً، بل هذا إليك أنت وحدك: (( وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )).
ومثل هذا المعنى جاء في حديث الحوض، حيث يذاد أناس من الأمة ويحال بينهم وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عند الحوض فيقول: (أمتى أمتى، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، على هذا المعنى الدليل الصريح ونبأ العليم الخبير، قال تعالى: (( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ))[فاطر:14].
فيا خسار من أعرض عن الله في كربه وبلواه وألقى نفسه على العبد المخلوق! ويا خسار من بغى ومن تعدى وطغى على الله العلي المولى، السامع لكل شكوى.
يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الكافي الله
وإذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله
والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله
قال تعالى: (( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))[الأنعام:17]، وقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ... ))[النمل:62] هذا أيوب عليه السلام ألمت به المصيبة، وأحاط به الكرب، واشتد عليه البلاء فعمد إلى جبة العبودية فلبسها وألقى نفسه على عتبات باب أرحم الراحمين، ورفع لافتة الذل والانكسار، ولسان حاله ومقاله يهتف: يا ألله! وقدم إحسان الله ونعمته عليه وربوبيته إياه بقوله: ربِّ! ثم اتبع ذلك مناجاة المخلصين: (( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))[الأنبياء:83]، في استكانة وأدب وانكسار، فجاءته فاء التعقيب والفوز بالبشرى: (( فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ))[الأنبياء:84]، وتقلد وسام القدوة للعابدين، (( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ))[الأنبياء:84].
فالله -أيها الأحباب الكرام!- هو الذي كشف ضر أيوب عليه السلام، وهو الذي حفظ موسى بالتابوت، وهو الذي نجى يونس من بطن الحوت، وليس ذلك لأحد كما يزعم المبطلون.
وهذا سؤال يطرح نفسه قائلاً: إذا أصابك الكرب هل يقدر الله على كشفه أم لا يقدر؟ وهل يعلم حالك ويسمع صوتك ويجيب صرختك أم لا؟ فإن كان الجواب بلا كان قائله أكفر الخلق برب العالمين نصاً وإجماعاً، وإن كان الجواب: نعم. فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.. قال تعالى: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ))[الزمر:36]، وهذا عين السؤال المتقدم، فاختر لنفسك جواباً، فقال تعالى: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ))[النمل:62]. فاختر لنفسك جواباً واختر لنفسك مجيباً.
تعال -أخي الحبيب- للنظر في الكتاب المجيد وهو يبين لك بأن الله هو القريب المجيب وأن غير الله تعالى لا يسمع ولا يجيب:
قال تعالى: (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ))[البقرة:186]، وقال تعالى: (( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ))[الرعد:14]، وقال تعالى: (( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ))[الزمر:38]، وقال تعالى: (( وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ))[فاطر:14]، وقال تعالى: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ))[الأحقاف:5]، وقال تعالى: (( وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ))[القصص:64].
ومعرفة ذلك وإدراكه إنما يكون بمعرفة صفات المخلوقين ملائكة، وأنبياء، وأولياء، وصالحين، قال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ))[الأعراف:197]، فكم من نبي أوذي وكذب وقتل؛ قال تعالى: (( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ))[البقرة:87].
وقال تعالى: (( وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ ))[فاطر:22]، وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ))[النحل:20-21]، وفي هذه الآية نكتة عجيبة وكشف شبهة مريبة، وهو قول أهل الإشراك والقبور: إن هذه الآيات في حجارة الأصنام بالذات في عزى ومناة واللات. فهل الأحجار تبعث من القبور؟! لو كانوا يفقهون، فإن هذه الحجارة إنما هي تماثيل الصالحين وصورتهم وما سمي اللات لاتاً إلا لأنه كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحاج، ثم انظر إلى استخدام (الذين) أداة صلة موصولة بالعقلاء على الدوام وليس لها أي علاقة بالجمادات، فتأمل ذلك فإنها توصلك إلى الصواب بإذن الله. وقال جل وعلا في ذكر العباد المؤهلين من دون الله بأن صفات العبودية لازمة لهم على كل حال: (( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))[المائدة:75-76]، فتأمل أخي الكريم في قوله: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) فإنها قاعدة مضطردة في جميع المعبودات من دون الله، فإن الآية تبين أن عيسى عليه السلام وأمه كانا يأكلان الطعام، ولا شك أن الجميع يعلم أنهما كانا يأكلان الطعام، فلا بد أن الله تعالى أراد أن يبين بهذه الآية شيئاً آخر وهو: الإشارة إلى صفة الحاجة والفقر في المسيح وأمه، وإن الحاجة والفقر لا يليقان بالإله، فتعين كونهما مخلوقين عبدين لله وإنهما لا يملكان لأنفسهما ولا لغيرهما ضراً ولا نفعاً، لذلك جاءت الآية التي تلي هذه الآية مباشرة: (( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))، فقس على ذلك باقي الأنبياء والصديقين والأولياء تحصل على الهداية والنجاة، وهذا تقرير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الأبواب في هذا الباب بطريق الأولى كما جاء في الكتاب:
قال تعالى: (( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ))[الأعراف:188].
وقال تعالى: (( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ))[الجن:21].
وقال تعالى: (( وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ))[المائدة:41].
وقال تعالى في الأولياء: (( فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ))[الإسراء:56].
وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ))[فاطر:13].
أبعد هذه الآيات البينات يبقى لذي لب وعقل أدنى شك أو ظن في الفارق الكبير بين صفات الخالق والمخلوق من الإغاثة، والإجابة، والخلق والحفظ والشفاء وإنها لا تنبغي لغير الله؟ فمن أولى بصفات: سميع.. بصير.. مجيب.. كاشف.. مغيث؟ آلله تعالى أم العبد المخلوق الفقير؟
فيا لله لو رأيت النساء والرجال عند قبور الأولياء من الأئمة والصالحين، وقد خشعت قلوبهم، وذلت رقابهم قد طؤطئت رءوسهم في ذلة وانكسار وبكاء وإلحاح وإصرار، رافعين أكف الضراعة إلى قاضي الحاجات ومجيب الدعوات ومغيث اللهفات، وهم يهزون شباك الضريح، يندبون ويصيحون: جئناك قاصدين، فلا تخذلنا، وطالبين فلا تردنا، منك نريد مرادنا، وأما غيرك فلا!!
ولو أدرت البصر ذات اليمين وذات الشمال أبصرت من الأحوال والأقوال ما تكاد تنشق له الأرض وتخر له الجبال هدا أن زعموا لله نداً.
فهذه تصرخ في الشباك هناك: يا أبا الحسن! انقطعت الأسباب، وعجز الطب والطبيب، وأغلقت دوني الأبواب، ولك عليّ القربان العظيم، وما أطلب منك إلا الولد، وإياك أدعو يا لاهوت الأبد!
وتلك تدعو: يا أبا فاضل! لقد طالت الأيام، وتباعد بي الزمان، أسألك الزواج في العاجل قبل الآجل، ولك عليّ الدهر كله لك وعنك أفاضل!
وأخرى تطلب الرزق والجاه، وآخر يطلب كشف الضر بعاجل الشفاء، وآجل التوفيق والعطاء!
وهم يتهامسون بينهم: اطلب كل شيء فهو يعطي الحاجة باليد، وادعوه على من شئت، فإنه ينتقم بالحال كما إن رأسه حارٍ يقصم كل طاغية وجبار دون تأخير أو خيار، ويسطرون لذلك الحكايات والقصص يحفظها الصغار والكبار.
وآخرون اتخذوا إلهاً آخر هم به يثقون، يدعونه في الشدة والغوث: يا جيلاني.. يا من سمعت صوت الفتاة من الهند إلى بغداد.. يا غياث المستغيثين بقبقاب؟! يا من يجيب الدعوات على اختلاف اللغات! إياك أرجو قضاء حاجتي أن تنفس كربتي، وجعلوا لكل إمام نصيبه من الناس، فهذا إمام العشيرة الفلانية.
وذاك سبع الدجيل فهو اختصاص في إغاثة أهل الدجيل.. وآخر للجزيزة، وآخر لعقم النساء، وآخر للشفاء، وتقطعوا أمرهم بينهم كل قوم بما عندهم من الأولياء والقبور فرحين.
وما أبقوا شيئاً يذكر لله اللهم إلا الحلف الكاذب في البيع والشراء، فهضموا حقه تعالى وخالفوا أمره، وما قدروا الله حق قدره، وإذا ذكر الله وحده زمجرت وجوههم وضاقت صدورهم، وإذا ذكر الأئمة والأولياء إذا هم يفرحون ويباركون ويقولون: ما شاء الله! عنده يقين! أي: في الإمام، وحق عليهم قول الله تعالى: (( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ))[الزمر:45].
هذا الحال وغيره لا يحتاج إلى النظر والاستدلال، فلو اختلفت مع أي منهم في البيع والشراء لغلق عليك جميع الحلول إلا أن تجعل العباس عليه السلام بينك وبينه كفيلاً؛ لاعتقاده أن الكاذب سوف يكون حسابه مع الكفيل، فيطمئن ويرضى دون أي رد أو بديل! ولعمر الله إن هذا لهو الضلال البعيد والشرك الذي حرمه الله العزيز المجيد، وحرم الجنة على أهله حتى يتوبوا إلى الله بالتوحيد، قال تعالى: (( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ))[المائدة:72]، وكتب على أهله ألا يغفر لهم فقال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ))[النساء:48]، وضرب في ذلك الأمثال فقال: (( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ))[العنكبوت:41-43]، وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحج:73-74].
فحذارِ أخي الحبيب! الذنب العظيم والظلم العظيم: (( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))[لقمان:13]، فالله جل وعلا: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ))[الشورى:11]، ومهما نقبت في نعوت الأنبياء والأولياء والعظماء والحكماء والملوك والرؤساء، أعييت نفسك ولم تجد له سميا، وأتعبت عقلك ولم تدرك له شبيها سبحانه وتعالى عما يصفون.
فمن الذي أضحك وأبكى؟ ومن الذي أمات وأحيا؟ ومن الذي أغنى وأقنى؟ إنه الله جل وعلا.. من الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى؟ إنه الله تبارك وتعالى، فقال سبحانه وتعالى: (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ))[هود:6]، وقال سبحانه وتعالى: (( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))[هود:56] وقال: (( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ))[طه:50].
وكل خلقه في قبضته وتحت قهره وعلمه لا يضل ربي ولا ينسى، (( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ))[مريم:93-95].. (( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ))[النمل:26].. (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ))[طه:5-7].. (( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ))[الجاثية:6].. (( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ))[النجم:55]، فإياك والهوى فإنه يقود إلى الهوان ويضل عن سبيل الله.
نون الهوان من الهوى مسروقة فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ولا ترجع إلى الرضاع من الهوى بعد الفطام، فالرضاع للصغار الأطفال لا للرجال ولابد من الصبر على مرارة الفطام، فإن صبرت كوفئت بحلاوة الإيمان بديلا من مرارة الهوى.
قال تعالى: (( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ))[الأنفال:70].
ولا تكونن في زمرة الأشقياء الذين ورثوا الضلال والشقاء عن الأجداد والآباء، الذين يقولون عن حسرة الاقتداء: (( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ))[الزخرف:23].
وعليك بالقرآن الكريم والنور المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
الذي جعله الله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين. فقال في أوضح العبارة وألطف الإشارة: (( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ))[الأنعام:38].
ثم تأمل في مواضيع الكتاب، هل ترى قبور الأنبياء والأولياء؟ وهل ترى دعاءً لغير الله؟ هل ترى باباً مزاراً يدعى باب المراد، أو باب الحوايج؟ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير، فلن تجد إلا باباً واحداً هو باب: (( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ))[النمل:62]، ويغيث المستغيث إذا ناداه.. يا ألله! باب العلي القدير.
ثم تأمل في الموضوعات، فهل ترى ما يؤيد الطرق الموضوعات؟ فإن طريقة القرآن لذي الألباب معروفة ولذي الأبصار محسوسة ملموسة في أساليب الاهتمام، والإكثار من ذكر مسائل الدين الكبار كالتوحيد والصلاة والصيام والزكاة.
فأين الدليل على هذه الخرافات؟ أين الدليل على الإمامة بالنص والتعيين التي أصبحت أعظم من التوحيد والصلاة؟ أين الدليل على الطريقة التي يكون المسلم بغيرها في ضلال وحرمان ويكون شيخه الشيطان؟ (( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ))[الأنعام:143].. أين البرهان على قصد قبور الأنبياء والأئمة والأولياء للدعاء والشفاء؟ أين دليل الزيارات التي تلازم العبد مدى الحياة؟ أين دليل الطواف بالقبور والأضرحة وتنوع الطلبات على الإمام؟
لو فتشت في جميع الآيات فإنك لن تجد إلا هيهات هيهات، ومع هذا كله يأتي الدجالون والأفاكون ليوحوا إلى أوليائهم زخرف القول غرورا بالغلو والتعظيم أن الإمام علي عليه السلام كان مع الله في الأبد، وأنه لاهوت الأبد، وأنه كان قبل خلق الخلق ولأجله خلق، وإنه هو الذي نجى جميع الأنبياء في الأزمات والكربات، وغير ذلك من الأوهام والخيالات التي يضلون بها الناس بغير علم ولا دليل، فإن هذا الاعتقاد يجعل الولي برتبة أعظم من النبي والرسول. لا شك إن هذا هو الضلال المبين وتكذيب القرآن الكريم، وعلى ذلك توقيع رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على سيد الأولين والآخرين بلسان عربي مبين، فقال جل وعلا بعد ذكر طائفة النبيين: (( وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:86]، وقال تعالى: (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ))[النساء:69]، وقال تعالى: (( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ))[النساء:136]، وقال تعالى: (( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ))[النساء:165].
هذا وإنني على يقين أن الصورة قد تجلت بوضوح لكل ذي عينين بأن الله جل وعلا واحد في الخلق، وواحد في الأمر، وواحد في العبادة، وبهذا تبطل تعويذة إبليس، و يزول الظن، والتلبيس وما عليك إلا أن تقول: لا إله إلا الله أمر أن لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
فيا صاحب الذنب الكبير! ويا مسيء الظن برب العالمين! ألا من توبة وأوبة ورجعة إلى الله الواحد القهار، فإن هذا الذنب العظيم والظلم العظيم ليس له إلا توبة من قلب صادق سليم، يقول الله جل وعلا: (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ))[الفرقان:68-70]، ولابد من الإقلاع عن الذنب بالكلية دونما حنين، فإنها علامة الصادقين، قال تعالى: (( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ))[الفرقان:71].
ومن تاب ألقى نفسه بين يدي ربه وندم على ما قدمت يداه وجعل دمعته علامة على صدقه، وحسرته وأنينه علامة على استقامة قلبه.
وعالج عاجله بالحسنات التي تمحو السيئات، وجعل شعاره التقوى في كل مكان، فإنها شعار المؤمنين ودثار الصالحين، ووصية الله في الخلق أجمعين …
وألقى ثوب الأماني وراء ظهره وجد في الطاعة والخدمة ونافس التجار في أنفس البضاعة، فمن جد وجد، ومن سار على الدرب وصل، ومن سهر الليالي بلغ المعالي.
طوبى لعبد ألهث لسانه بذكر الله، أستغفر الله وأتوب إليه، حسبي الله ونعم الوكيل، لا قوة إلا بالله فإنه والله كفيل بأن يجعل لك من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجاً.
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


موقف علماء الشيعة من القرآن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه كلمات أكتبها لك أيها القارئ الكريم معطرة بالمودة ويفوح منها شذا المحبة لك. أخاطبك فيها، وأحادثك بها، وأخصك أنت بهذا الحديث لأنك صاحب العقل المستنير الذي ترك التبعية فيما بدا له فيه الخطأ الزلل.
ما أقوله هنا ليس مجاملة أو مداهنة أو مداراة بل هو الحق لأنك أتيت إلى "البرهان" تبحث عن الدليل والحجة والبيان، فإليك إياها مسطرة من كتب معتبرة حول قضية شائكة ومسألة عويصة ولكن … على من قلد وأتبع من دون بحث أو تحر، أما أنت أيها المطلع الكريم فما أيسرها عليك حيث سيتبين لك ومن خلال الاستقراء فقط بطلانها وهشاشة أساسها لأنك صاحب البصر والبصيرة. آن لك أن تسأل … ما هي القضية ؟ وأين المسألة ؟ فأقول:
هي قضية اعتقدها أكثر علماء الشيعة بل قد قال بعض الباحثين إن كلهم قال بذلك وهي مسألة وردت في أمهات الكتب لدى الشيعة فهي عقيدة أساسية في المذهب الشيعي ألا وهي القول بـ: " تحريف القرآن "
وخلاصة هذه العقيدة أن القرآن الموجود الآن محرف ومغير ومبدل. وهو على غير الصورة والهيئة التي أنزله الله – سبحانه وتعالى – بها.
وهذه العقيدة لم أقل بها من تلقاء نفسي أو أتقولها على أحد – فحاشا وكلا- بل هي عقيدة أخذتها من كتب علماء الشيعة ومحدثيهم أصحاب الشأن ودوري فقط هو النقل لبعض ماوجدته من كلام ورأيته من أقوال في المصادر الشيعية حول هذا الاعتقاد والذي بمجرد عرضه يتبنى لك يا صاحب النظر الثاقب والفكر النير بطلانه، كيف لا !!! والله عز وجل يقول { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } فالله يقول أنا أتكفل بحفظه وهذه العقيدة تقول بل ضيع وما حفظ.
والله عز وجل يقول في القرآن { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } وهذه العقيدة تقول بل أتاه الباطل من كل جانب.
هذا تذكير لي ولك أيها الحبيب وإلا فأنت أعلم بهذا الكلام مني، فهلم إلي وضع يدك في يدي لننطلق سوياً ونمضي معاً إلى هدف واحد أريده أنا كما تريده أنت، فهيا بنا لنسير على النهج السليم حتى نصل إلى الحق المبين مستعينين بالله ولنرفع أكفنا إليه ونقول: اللهم وفقنا إلى سبيل الهدى والرشاد اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
أيها القارئ المعمل لفكره والمتأمل بعقله، قبل أن أسوق إليك أقوال هؤلاء العلماء في إثبات عقيدة القول بتحريف القرآن أترجم لبعضهم لتتعرف على مكانتهم لدى الشيعة وعظم قدرهم وأهمية علومهم وكتبهم وأنهم ليسوا من الرعاع بل من القادة والزعماء الذين أسسوا المذهب الشيعي – وكما قلت لك فهدفنا جميعاً هو الحق حيثما وجد - والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها والمؤمن مرآة أخيه فإليك تراجم بعض من سأنقل عنهم القول بتحريف القرآن من المصادر والمراجع الشيعية ولك الحق في الرجوع إليها والبحث فيها إن شئت:
أولاً: أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي المتوفى عام 307 هـ وله كتاب في التفسير هو تفسير القمي.
قال المجلسي:" علي بن إبراهيم بن هاشم، أبو الحسن القمي من أجله رواه الأمامية ومن أعظم مشايخهم أطبقت التراجم على جلالته ووثاقته، قال النجاشي في الفهرست: ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح الذهب سمع فأكثر وصنف كتباً " مقدمة البحار ص 128
وقال الشيخ طيب الموسوي الجزائري في مقدمة للتفسير " لا ريب في أن هذا التفسير الذي بين أيدينا من أقدم التفاسير التي وصلت إلينا، ولولا هذا لما كان متناً متيناً في هذا الفن، ولما سكن إليه جهابذة الزمن فكم من تفسير قيم مقتبس من أخباره، ولم تره الا منوراً بأنواره كالصافي ومجمع البيان والبرهان … ثم قال بعد ذلك. وبالجملة فإنه تفسير رباني، وتنوير شعشعاني عميق المعاني قوي المباني عجيب في طوره، بعيد في غوره لا يخرج مثله إلا من عالم ولا يعقله إلا العالمون " مقدمة تفسير القمي بقلم طيب الموسوي الجزائري ص 14-16.
ولعل في هذا القدر كفاية في بيان مكانته ومكانة تفسيره لدى الشيعة.
ثانياً: أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني المتوفى عام 328هـ ومن مؤلفاته: الكافي.
قال الطوسي: " محمد بن يعقوب الكليني يكنى أبا جعفر الأعور جليل القدر، عالم بالأخبار وله مصنفات منها الكافي " رجال الطوسي ص 495.
وقال الأردبيلي:" محمد بن يعقوب بن إسحاق أبو جعفر الكليني، خاله علان الكليني الرازي، وهو شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنف كتاب الكافي في عشرين سنة " جامع الرواة 2/218، الحلي ص145.
وقال آغا بزرك الطهراني موثقاً الكافي:" الكافي في الحديث وهو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمدة لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني ابن أخت علان الكليني المتوفي سنة 328هـ " الذريعة 17/245.
كما قيل في الكافي والثناء عليه " هو أجل الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل مثله، قال المولي محمد أمين الاسترآ بادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه " " الكنى والألقاب للعباس القمي ج3ص98 ومثله في مستدرك الوسائل ج3ص532.
وقيل أيضاً:" الكافي … أشرفها وأوثقها وأتمها وأجمعها لاشتماله على الأصول من بينها وخلوه من الفضول وشينها " الوافي ج1ص6.
وذكر الخوانساري أن المحدث النيسابوري قال في الكافي بعد الكلام على الكليني والثناء عليه " وكتابه مستغن عن الإطراء لأنه رضي الله عنه كان بمحضر من نوابه عليه السلام وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب " الكافي " لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنف وشنف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا " ( روضات الجنات ج6ص116.
ثالثاً: محمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1111هـ ومن مؤلفاته: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. وكتاب: مرآة العقول في شرح أخبار الرسول. وكتاب جلاء العيون، وكتاب الأربعين وغيرها من الكتب. قال الأردبيلي: محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي الملقب بالمجلسي مد ظله العالي، استاذنا وشيخنا شيخ الأسلام والمسلمين، خاتم المجتهدين الإمام العلامة المحقق المدقق جليل القدر عظيم الشأن وفيع المنزلة وحيد عصره، فريد دهره، ثقة ثبت عين كثير العلم جيد التصانيف، وأمره في علو قدره وعظم شأنه وسمو رتبته وتبحره في العلوم العقلية والنقلية ودقة نظره وإصابة رأيه وثقته وأمامته وعدالته اشهر من أن تذكر وفوق ما يحوم حوله العبارة … له كتب نفيسة … منها: كتاب بحار الأنوار المشتمل على جل أخبار الأئمة الأطهار وشرحها كتاب كبير قريب من ألف ألف بيت " جامع الرواة 2/78-79 وتنقيح المقال للمامقاني:2/85.
رابعاً: أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالمفيد والمتوفى عام 413هـ ومن مؤلفاته: الإرشاد – أمالي المفيد – أوائل المقالات وغيرها.
قال يوسف البحراني في كتاب لؤلؤة البحرين ص356-357:" قال شيخنا في الخلاصة: محمد بن محمد بن النعمان يكنى أبا عبدالله ويلقب بالمفيد … من أجل مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم وكل من تأخر عنه أستفاد منه وفضله أشهر من أن يوصف ".
وقال عباس القمي:" شيخ مشايخ الجلة، ورئيس رؤساء الملة، وفخر الشيعة ومحيي الشريعة، ملهم الحق ودليله، ومنار الدين وسبيله، اجتمعت فيه خلال الفضل انتهت إليه رئاسة الكل واتفق الجميع على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته كان رحمه الله كثير المحاسن جم المناقب، حاضر الجواب، واسع الرواية خبير الرواية بالأخبار والرجال والأشعار، وكان أوثق أهل زمانه بالحديث وأعرفهم بالفقه والكلام وكل من تأخر عنه أستفاد منه " [ الكنى والألقاب 3/164]
خامساً: حسين محمد تقي الدين النوري الطبرسي المتوفى سنة 1320هـ ومن مؤلفاته:
مستدرك الوسائل – فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب [ كتاب كامل يثبت فيه من روايات أئمة الشيعة المنسوبة إليهم يثبت أن التحريف واقع في القرآن وحشد لذلك مئات الروايات ]
قال أغا بزرك الطهراني:" الشيخ ميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي بن الميرزا علي محمد تقي النوري الطبرسي إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار المتأخرة ومن أعاظم علماء الشيعة وكبار رجال الأسلام في هذا القرن … كان الشيخ النوري أحد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر فقد أمتاز بعبقرية فذة وكان آية من آيات الله العجيبة، كمنت فيه مواهب غريبة، وملكات شريفة أهلته لأن يعد في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الأعمال الصالحة ومن تصانيفه: فصل الخطاب في مسألة تحريف الكتاب.[ نقباء البشر ج2ص543،545،549،550].
أيها القارئ الكريم:
هذا تعريف ببعض من سأنقل كلامه وإن أردت الزيادة فعليك بكتب الرجال والتراجم لدى علماء الشيعة لتتعرف عليهم أكثر وتعرف قدرهم ومكانتهم وفقك الله لكل خير.
وإليك بعد ما سبق بعض ماورد من الأقوال التي جاء بها التصريح بتحريف القرآن وقد تركت نصوصاً صريحة خشية الإطالة والإملال، وتركت أقوالاً أخر لأنها لم تكن صريحة وإنما كان مافيها تعريف أوتلميح فخذ هذا الصريح البين من الأقوال وأنت الحكم لأنك أهل لأن تحكم يا ذا الذهن المتوقد والفطنة الحية فاحكم على هذه النصوص واحداً بعد الأخر:
النص الأول: من كلام القمي في تفسيره (1/10) حيث قال:
وأما ما هو خلاف ما أنزل الله فهو قوله "{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }" فقال أبو عبدالله عليه السلام لقارئ هذه الأية: " خير أمة "، يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهما السلام ؟ فقيل له: وكيف نزلت يا ابن رسول الله ؟ فقال: إنما نزلت "{ كنتم خير أئمة أخرجت للناس }" ألا ترى مدح الله لهم في أخر الآية: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ".
ومثله آية قرئت على أبي عبدالله عليه السلام: "{ الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً }" فقال أبو عبدالله عليه السلام: لقد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين إماماً. فقيل له: يا أبن رسول الله كيف نزلت ؟ فقال: إنما نزلت "{ الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وأجعل لنا من المتقين إماماً }".
وقوله:"{ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله }" فقال أبو عبدالله: كيف يحفظ الشئ من أمر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه ؟ فقيل له: وكيف ذلك با أبن رسول الله ؟ فقال: أنما نزلت "{ له معقبات من خلفه ورقيب من يديه يحفظونه بأمر الله }" ومثله كثير.
وأما ما هو محرف فهو قوله "{ لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون }" وقوله:"{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك في علي فإن لم تفعل فما بلغت رسالته}".
وقوله:"{ إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم }" وقوله:"{ وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون }" وقوله:"{ ولو ترى الذين ظلموا آل محمد حقهم في غمرات الموت }".
النص الثاني: ذكر الكليني في الكافي ( 1/457):
عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة (ع) وما يدريهم ما مصحف فاطمة ( ع ) ؟ قال: قلت وما مصحف فاطمة ( ع ) ؟ قال: مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله مافيه من قرآنكم حرف واحد. قال: قلت هذا والله العالم.
النص الثالث: ذكر الكليني في الكافي أيضاً ( 4/456):
عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: " إن القرآن جاء به جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية". مع أن عدد آيات القرآن ستة ألاف آية فانظر إلى الفرق يارعاك الله.
النص الرابع: جاء في الكافي أيضاً ( 4/433):
عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات من القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقراها كما بلغنا عنكم فهل نأثم ؟ فقال: لا ؛ اقرأوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم.
النص الخامس: وذكر أيضاً في الكافي (4/452 ):
عن عبدالرحمن بن أبي هشام عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس. فقال أبو عبدالله عليه السلام: كف عن هذه القراءة. أقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم عليه السلام. فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه وقال لهم هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وقد جمعته بين اللوحين فقالوا: هوذا عندنا مصحف جامع لا حاجة لنافيه. فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً.
النص السادس: ورد في الكافي أيضاً ( 1/441):
عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما أدعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب وما جمعه وحفظه كما أنزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده عليهم السلام.
النص السابع: في الكافي أيضاً (1/441):
عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ( ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن ظاهره وباطنه غير الأوصياء )
النص الثامن: قال أبو القاسم الكوفي في كتابه الاستغاثة ص 25 عند الكلام على أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ( ومن بدعه أنه لما أراد أن يجمع ما تهيأ من القرآن صرخ مناديه في المدينة من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به ثم قال: لا نقبل من أحد منه شيئاً إلا شاهدي عدل وإنما أراد هذه الحال لئلا يقبلوا ما ألفه أمير المؤمنين عليه السلام إذ كان ألف في ذلك الوقت جميع القرآن بتمامه وكماله من ابتدائه إلى خاتمته على نسق تنزيله فلم يقبل ذلك خوفاً أن يظهر فيه ما يفسد عليهم أمرهم فلذلك قالوا: لا نقبل القرآن من أحد إلا بشاهدي عدل ) أ.هـ
النص التاسع: قال الشيخ المفيد في كتابه أوائل المقالات ص 13:
( واتفقوا أي الإمامية على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تحريف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم )
النص العاشر: قال الأردبيلي في كتابه ( حديقة الشيعة ) ص 118-119 بالفارسية نقلاً عن الشيعة والسنة ص 137 ( إن عثمان قتل عبدالله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره )
وقال البعض: إن عثمان أمر مروان بن الحكم وزياد بن سمرة الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبدالله ما يرضيهم ويحذف منه ما ليس بمرض عندهم ويغسلا الباقي.
النص الحادي عشر: قال الطبرسي في كتابه الاحتجاج (1/370):
( إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى وإنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين واعتاضوا الدنيا من الدين وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: ( الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ) وبقوله: ( وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب) وبقوله: ( إذ يبنون ما لا يرضى من القول ).
النص الثاني عشر: قال الطبرسي أيضاً في الإحتجاج (1/224): ( ولما أستخلف عمر سأل علياً أن يدفع لهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم فقال أبا الحسن: إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه فقال علي عليه السلام:هيهات ليس إلى ذلك سبيل إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة: إن كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به. إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي
فقال عمر: فهل وقت لإظهار معلوم ؟ قال عليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به )
النص الثالث عشر: يقول الطبرسي أيضاً ( 1/377-378) من كتاب الاحتجاج:
( ولوشرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل وما يجري في هذا المجال لطال وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء )
النص الرابع عشر: ذكر الكاشاني في مقدمة تفسيره الصافي (1/32) بعد ذكر ما يفيد تحريف القرآن ونقصه من قبل الصحابة قال ما يلي: ( المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله ومنه ما هو مغير محرف وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم على عليه السلام في كثير من المواضع ومنها لفظة آل محمد صلى الله عليه وسلم غير مرة ومنها أسماء المنافقين في مواضعها ومنها غير ذلك وأنه ليس على الترتيب المرضي
عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي بن إبراهيم القمي ) أ.هـ
النص الخامس عشر: قال الكاشاني أيضاً في الصافي (1/33):
( لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن إذا على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك )
النص السادس عشر: يذكر الكاشاني أيضاً من سبقه ممن قال بالتحرف فيقول في الصافي أيضاً (1/34):
( وأما اعتقاد مشايخنا في ذلك – يعني تحريفه القرآن فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ويتعرض للقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه وأستاذه علي بن إبراهيم القمي فأن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه والشيخ الطبرسي فأنه أيضاً نسج على منوالها في كتاب الاحتجاج ) أ.هـ
النص السابع عشر: قال المجلسي في مرآة العقول في شرح أحاديث الرسول الجزء الثاني عشر ص 525 أثناء شرحه لحديث هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال:إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية ) قال عن هذا الحديث ( موثق في بعض النسخ هشام بن سالم موضع هارون بن سالم فالخبر صحيح ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر ) أ.هـ ومعنى كلامه: كيف يثبتون الإمامة بالخبر إذا طرحوا أخبار التحريف ؟.
النص الثامن عشر: قال الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية ( 2 / 357 ) في كلامه حول القراءات السبع:
" إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعرابا، مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها ".
النص التاسع عشر: ويقول الجزائري أيضاً في كلامه على من قال بعدم التحريف ( 2 / 358 ) من الأنوار النعمانية:
" والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها "
وهذا يعني أن نفيهم للتحريف من باب التقية وليس اعتقادا.
النص العشرون: ويزيد نعمة الله الجزائري في هذا الباب الكلام فيقول في الأنوار أيضاً ( 1 / 97 ):
" ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة فإنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد غيروا وبدلوا في الدين ما هو أعظم من هذا كتغييرهم القرآن وتحريف كلماته وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة الطاهرين وفضائح المنافقين وإظهار مساويهم كما سيأتي بيانه في نور القرآن "
النص الحادي والعشرون: قال أبو الحسن العاملي في مقدمة تفسيره ( مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ) ص 36:
" اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليهوسلم شيء من التغيرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات وأن القرآن، المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه إلا علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه الصلاة والسلام وهكذا إلى أن وصل إلى القائم عليه السلام وهو اليوم عنده صلوات الله عليه
ثم ذكر الفصول الأربعة التي اشتمل عليها كتابه حول إثبات تحريف القرآن وفي الباب الرابع منها الرد على من قال بعدم التحريف من الشيعة كالسيد المرتضى والطبرسي صاحب مجمع البيان.
النص الثاني والعشرون: قال الخراساني – وهو من علماء القرن الرابع عشر – في كتابه: بيان السعادة في مقامات العباد ( 1 / 12 ):
" اعلم انه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شك في صدور بعضها منهم ".
والمقصود بهذا الكلام القرآن الكريم !!
النص الثالث والعشرون: قال النوري الطبرسي في كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ) ص 31:
" قال السيد الجزائري ما معناه أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن ".
النص الرابع والعشرون: ذكر الطبرسي أيضاً في كتابه " فصل الخطاب " أقوال علماءهم في تحريف القرآن ص 29 وما بعدها فقال:
" وقال الفاضل الشيخ يحيى تلميذ الكركي في كتابه الإمامة في الطعن التاسع على الثلاث بعد كلام له ما لفظه: " مع إجماع أهل القبلة من الخاص والعام أن هذا القرآن الذي في ايدي الناس ليس هو القرآن كله وأنه قد ذهب من القرآن ما ليس في أيدي الناس ".
ومعلوم عند السنة والشيعة أن الثالث هو عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه.
النص الخامس والعشرون: قال نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية ج 2 ص 363:
" فإن قلت كيف جاز القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير ؟ قلت: قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن، الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام فيقرأ ويعمل بأحكامه ".
النص السادس والعشرون: قال المفيد في أوائل المقالات ص 91 دار الكتاب الإسلامي بيروت:
" إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه الظالمين – كذا كتبت- فيه من الحذف والنقصان ".
النص السابع والعشرون: قال العلامة الحجة السيد عدنان البحراني في كتاب ( مشارق الشموس الدرية ) ص 126 بعد أن ذكر الروايات التي تفيد التحريف في نظره:
" الأخبار التي لا تحصى كثيرة و قد تجاوزت حد التواتر ولا في نقلها كثير فائدة بعد شيوع القول بالتحريف والتغيير بين الفريقين وكونه من المسلمات عند الصحابة والتابعين بل وإجماع الفرقة المحقة وكونه من ضروريات مذهبهم وبه تضافرت أخبارهم ".
النص الثامن والعشرون: قال العلامة المحدث الشهير يوسف البحراني في كتابه " الدرر النجفية " ص 298 بعد ذكر الأخبار الدالة على تحريف القرآن في نظره قال:
" لا يخفى ما في هذه الأخبار من الدلالة الصريحة والمقالة الفصيحة على ما اخترناه ووضوح ما قلناه ولو تطرق الطعن إلى هذه الأخبار على كثرتها وانتشارها لأمكن الطعن إلى أخبار الشريعة كلها كما لا يخفى إذا الأصول واحدة وكذا الطرق والرواة والمشايخ والنقله ولعمري إن القول بعدم التغيير والتبديل لا يخرج من حسن الظن بأئمة الجور وأنهم لم يخونوا في الأمانة الكبرى مع ظهور خيانتهم في الأمانة الأخرى التي هي أشد ضرراً على الدين ).
النص التاسع والعشرون: قال أبو الحسن العاملي في المقدمة الثانية – الفصل الرابع التفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار:
" وعندي في وضوح صحة هذا القول – تحريف القرآن وتغييره – بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة "
النص الثلاثون: روى العياشي في تفسيره ( ج1: ص: 25 ) منشورات الأعلمي – بيروت ) عن أبي جعفر أنه قال: " لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي جحى، ولو قام قائمنا فنطق صدقه القرآن ".
النص الواحد والثلاثون: قال الحاج كريم الكرماني الملقب بمرشد الأنام في كتابه " إرشاد العوام ) ص 221 ج 3، باللغة الفارسية:
" إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن فيقول: أيها المسلمون هذا والله هو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد والذي حُرف وبُدل )
النص الثاني والثلاثون: قال ملا محمد تقي الكاشاني في كتاب هداية الطالبين ص 368 باللغة الفارسية ما نصه:
" إن عثمان أمر زيد بن ثابت الذي كان من أصدقائه وهو عدواً لعلي أن يجمع القرآن ويحذف منه مناقب آل البيت وذم أعدائهم، والقرآن الموجود حالياً في أيدي الناس والمعروف بمصحف عثمان هو نفس القرآن الذي جمعه بأمر عثمان ".
وبعد هذه النصوص لأعظم علماء الشيعة بل من أسس المذهب وبناء على قواعد الكتب التي الفها هل يوجد من علماء الشيعة من نفى هذه العقيدة ؟
الجواب هو نعم، هناك من فندها من العلماء المعتبرين في بعض المواضع لانه ليس من عادتي أخذ ما أريد وترك مالا أحب بل أقول الحق ولو على نفسي وهؤلاء العلماء واستثناهم علماء الشيعة الذين نقلوا القول بتحريف القرآن ممن قال بذلك، فنفوا القول بهذه العقيدة عن العلماء الآتية أسماؤهم:
( أبو جعفر محمد الطوسي، أبو علي الطبرسي صاحب مجمع البيان، والشريف المرتضى، أبو جعفر ابن بابويه القمي ( الصديق ) ) وممن ذكر ذلك النوري الطبرسي في كتابه ( فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ص 23 حيث قال:
" القول بعدم وقوع التغيير والنقصان فيه _ أي القرآن _ وأن جميع ما نزل على رسول اله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين وإليه ذهب الصدوق في فائدة وسيد المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم "
وقال نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية ج2 ص 357: " مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها – أي أخبار التحريف – والتصديق بها، نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي المصحف هو القرآن المنزل لاغير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل "
تساؤل وجواب:
ولكن هل من سبق بيان قولهم في التحريف وأنه غير موجود وهو قول صادر عن قناعة وعقيدة ؟ أم أنها طلب للأجر وكمال الإيمان بالتقية التي قال فيها أبو عبد الله كما يُنسب له عليه السلام: لا إيمان لمن لا تقية له كما في ( اصول الكافي ج 2، ص 222 ) وقال فيها أيضاً: " يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له " ( أصول الكافي ج 2، ص 220 ) ؟!.
الجواب مع الأسف:إأنها التقية كما بين ذلك من نقل عقيدتهم فيما سبق حيث قال النوري الطبرسي في كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ص 38:
" لا يخفى على المتأمل في كتابه التبيان للطوسي أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين "
ثم أتى ببرهان ليثبت كلامه فقال: " وما قاله السيد الجليل على بن طاووس في كتابه ( سعد السعود ) إذ قال: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر الطوسي في كتابه ( التبيان ) وحملته التقية على الاقتصار عليه ".
وكذلك نعمة الله الجزائري يقول في كتابه الأنوار النعمانية ج2 ص 357، 358:
" والظاهر أن هذا القول – إنكار التحريف – إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها ". وهذا الكلام من الجزائري يبين أن إنكار التحريف إنما صدر لأجل مصالح أخرى وليس عن عقيدة ".
أخيراً:
كم يعجبني ذلك الرجل الذي أعمل فكره بنفسه ولم يعط عقله لغيره بل تأمل بنفسه وتدبر بذاته واتبع ما تبين له الصواب فيه وأرجو أن تكون منهم أيها القارئ المبدع، أيها الباحث عن الحق - كما اتفقنا أولاً - ولا أدل على ذلك من كونك تأتي إلى البرهان تريد الحق مع الحجة والبيان فأهلاً ومرحباً مرتاداً دائماً لهذا الموقع زائراً له الآن ومن المساهمين فيه بعد آن


الشيعة والقرآن

ومن وصيته (عليه السلام) لَهُ

لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

لاَ تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُووُجُوه، تَقُولُ وَيَقُولُونَ، وَلكِنْ حاجّهُمْ بالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً. نهج البلاغة للشريف الرضي الجزء الثالث ص136

يقول آية الله الخامنئي:

مما يؤسف له أن بإمكاننا بدء الدراسة ومواصلتنا لها إلى حين استلام إجازة الاجتهاد من دون أن نراجع القرآن ولومرة واحدة!!! لأن دروسنا لا تعتمد على القرآن.

[ثوابت ومتغيرات الحوزة العلمية (ص:11.)]

ويقول آية الله محمد حسين فضل الله:

(فقد نفاجأ بأن الحوزة العلمية في النجف أوفي قم أوفي غيرهما لا تمتلك منهجاً دراسياً للقرآن).

[ثوابت ومتغيرات الحوزة العلمية (ص:111)]

يقول آية الله الخامنئي:

(إذا ما أراد شخص كسب أي مقام علمي في الحوزة العلمية كان عليه أن لا يفسر القرآن حتى لا يتهم بالجهل، حيث كان ينظر إلى العالم المفسر الذي يستفيد الناس من تفسيره على أنه جاهل، ولا وزن له علمياً؛ لذا يضطر إلى ترك دراسته ألا تعتبرون ذلك فاجعة؟!).

[ثوابت ومتغيرات الحوزة (ص:112)]

لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفا ومغيرا ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك. تفسير الصافي للفيض الكاشاني الجزء الأول ص51

واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي (ص). وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه. أوائل المقالات للمفيد ص51

4 - عن داود بن فرقد عمن أخبره عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لوقد قرء القرآن كما انزل لألفيتنا فيه مسمين. تفسير العياشي الجزء الأول ص13

6 - عن ميسر عن أبى جعفر عليه السلام قال: لولا انه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى، ولوقد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن. تفسير العياشي الجزء الأول ص13

فهل أعطى علمائكم القرآن حقه؟

الذي يقول بتحريف القرآن وهوالثقل الأكبر مجتهد معذور والذي ينكر المهدي وهوجزء من الثقل الأصغر كافر!!

وكذلك الحديث أيضا:

عن محمد بن الحسن بن أبي خالد قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم ولم تروعنهم. فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. فقال - أي أبا جعفر الثاني: حدثوا بها فإنها حق. الكافي للكليني الجزء الأول ص 53 ,فلا إسناد إذن، وإنما وجدوا الكتب قال حدثوا بها فإنها حق

يقول مصنف الكتاب: وصنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده، ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي. من لا يحضره الفقيه للصدوق الجزء الأول ص 2 - 3

وحق له أن يحذف الأسانيد إذا ما قرأنا الحديث الذي يليه فتأمل:

3 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن أبي عبد الله البرقي، عن خلف بن حماد، عن ذريح، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إن أبي نعم الأب رحمة الله عليه يقول: لووجدت ثلاثة أستودعهم العلم وهم أهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه بعدي إلى حلال ولا حرام وما يكون إلى يوم القيامة. بحار الأنوار للمجلسي الجزء الثاني ص213 (باب 27) * (العلة التي من أجلها كتم الأئمة عليهم السلام بعض العلوم والأحكام)

إذن لا يوجد ولا ثلاثة ثقات لدى الشيعة!!

11. - وعن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن رجلا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبوعبد الله عليه السلام: يقول لك: إني قلت لليل: إنه نهار، أوللنهار: إنه ليل؟ قال: لا. قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به، فإنك إنما تكذبني. بحار الأنوار للمجلسي الجزء الثاني ص211 - 212

116 - وقال صلى الله عليه واله من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة: الله، ورسوله والذي حدث به. بحار الأنوار للمجلسي الجزء الثاني ص211 - 212

عن محمّد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام، أوعن أبي عبدالله عليه السّلام قال: لا تكذّبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئ، ولا قدريّ، ولا حروريّ ينسبه إلينا، فإنّكم لا تدرون لعلّه شي ء من الحقّ، فيكذّب الله فوق عرشه. المحاسن للبرقي الجزء الأول ص23. - 231,بصائر الدرجات للصفار ص558

نعم طالما أنه لا يوجد ثقات فخذوا دينكم من كل من هب ودب.

حدثنا احمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام قال سمعته يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلى أورعهم وأفقههم وأكتمهم بحديثنا وان أسوأهم عندي حالا وامقتهم إلى الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأز منه وجحده وكفر بمن دان به وهولا يدرى لعل الحديث من عندنا خرج والينا سند فيكون بذلك خارجا من ولايتنا. بصائر الدرجات للصفار ص557

قال الطوسي: إن كثيرا من المصنفين وأصحاب الأصول كانوا ينتحلون المذاهب الفاسدة وإن كانت كتبهم معتمدة!!! الفهرست للطوسي ص32

فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل، لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما اعترف بذلك ثقة الإسلام وعلم الأعلام محمد بن يعقوب الكليني نور الله مرقده في جامعه الكافي، حتى أنه قدس سره تخطى العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للائمة الأبرار. فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على أنفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الأحكام وان لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة وان لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هوظاهر لمن تتبع قصصهم وأخبارهم وتحدى سيرهم وآثارهم.. الحدائق الناضرة للبحراني الجزء الأول ص5

في رواية الثقات، الأجلاء - كأصحاب الإجماع، ونحوهم - عن الضعفاء والكذابين، والمجاهيل، حيث يعلمون حالهم ويروون عنهم ويعملون بحديثهم ويشهدون بصحته. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص2.6

ومن المعلوم - قطعا - أن الكتب التي أمروا عليهم السلام بها كان كثير من رواتها ضعفاء ومجاهيل وكثير منها مراسيل. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص244

السابع: أنه لولم تكن أحاديث كتبنا مأخوذة من الأصول المجمع على صحتها، والكتب التي أمر الأئمة عليهم السلام بالعمل بها، لزم أن يكون أكثر أحاديثنا غير صالح للاعتماد عليها. والعادة قاضية ببطلانه، وأن الأئمة عليهم السلام وعلماء الفرقة الناجية لم يتسامحوا ولم يتساهلوا في الدين إلى هذه الغاية، ولم يرضوا بضلال الشيعة إلى يوم القيامة. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص256

الثامن: أن رئيس الطائفة في كتابي الأخبار وغيره من علمائنا، إلى وقت حدوث الاصطلاح الجديد بل بعده كثيرا ما يطرحون الأحاديث الصحيحة عند المتأخرين ويعملون بأحاديث ضعيفة على اصطلاحهم. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص256

العاشر: أن كثيرا ما نقطع - في حق كثير من الرواة -: أنهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث. والذي لم يعلم ذلك منه يعلم أنه طريق إلى رواية أصل الثقة الذي نقل الحديث منه، والفائدة في ذكره مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية ودفع تعيير العامة الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم!. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص258

الثاني عشر: أن طريقة المتقدمين مباينة لطريقة العامة، والاصطلاح الجديد (تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف) موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هومأخوذ من كتبهم كما هوظاهر بالتتبع، وكما يفهم من كلام الشيخ حسن وغيره. وقد أمرنا الأئمة عليهم السلام باجتناب طريقة العامة. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص259

الثالث عشر: أن الاصطلاح الجديد يستلزم تخطئة جميع الطائفة المحققة في زمن الأئمة، وفي زمن الغيبة كما ذكره المحقق في أصوله، حيث قال: أفرط قوم في العمل بخبر الواحد. إلى أن قال: واقتصر بعض عن هذا الإفراط، فقالوا: كل سليم السند يعمل به. وما علم أن الكاذب قد يصدق ولم يتفطن أن ذلك طعن في علماء الشيعة، وقدح في المذهب إذ لا مصنف إلا وهويعمل بخبر المجروح، كما يعمل بخبر العدل. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص259

الرابع عشر: أنه يستلزم ضعف أكثر الأحاديث، التي قد علم نقلها من الأصول المجمع عليها، لأجل ضعف بعض رواتها، أوجهالتهم أوعدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثا، بل محرما، وشهادتهم بصحتها زورا وكذبا. ويلزم بطلان الإجماع، الذي علم دخول المعصوم فيه - أيضا - كما تقدم. واللوازم باطلة وكذا الملزوم. بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق لأن الصحيح - عندهم -: (ما رواه العدل، الإمامي، الضابط، في جميع الطبقات). ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة، إلا نادرا، وإنما نصوا على التوثيق، وهولا يستلزم العدالة قطعا بل بينهما عموم من وجه، كما صرح به الشهيد الثاني وغيره. ودعوى بعض المتأخرين: أن (الثقة) بمعنى (العدل، الضابط). ممنوعة، وهومطالب بدليلها. وكيف؟ وهم مصرحون بخلافها حيث يوثقون من يعتقدون فسقه، وكفره وفساد مذهبه؟! وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص259 - 26.

وأصحاب الاصطلاح الجديد (تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف) قد اشترطوا - في الراوي - العدالة فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا لعدم العلم بعدالة أحد منهم إلا نادرا. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص 26.

الخامس عشر: أنه لولم يجز لنا قبول شهادتهم في صحة أحاديث كتبهم وثبوتها، ونقلها من الأصول الصحيحة والكتب المعتمدة وقيام القرائن على ثبوتها، لما جاز لنا قبول شهادتهم في مدح الرواة وتوثيقهم. فلا يبقى حديث صحيح، ولا حسن، ولا موثق، بل يبقى جميع أحاديث كتب الشيعة ضعيفة. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص 261

وإليكم هذه الطامة للكتب المعتبرة عند الشيعة:

الحادي والعشرون: أن أصحاب الكتب الأربعة وأمثالهم قد شهدوا بصحة أحاديث كتبهم، وثبوتها ونقلها من الأصول المجمع عليها. فان كانوا ثقاتا: تعين قبول قولهم وروايتهم ونقلهم لأنه شهادة بمحسوس. وإن كانوا غير ثقات: صارت أحاديث كتبهم - كلها - ضعيفة لضعف مؤلفيها، وعدم ثبوت كونهم ثقات بل ظهور تسامحهم وتساهلهم في الدين وكذبهم في الشريعة. واللازم باطل فالملزوم مثله. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص 264 - 265

الثاني والعشرون: أن من تتبع كتب الاستدلال علم - قطعا - أنهم لا يردون حديثا لضعفه - باصطلاحهم الجديد - ويعملون بما هوأوثق منه. ولا مثله، بل يضطرون إلى العمل بما هوأضعف منه، هذا إذا لم يكن له معارض من الحديث. ومعلوم أن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز. وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 3. ص 265

حُقّ للمُنصف أن يسأل:

" مِن أين تَأخذون دِينَكم.. ؟! "


الطعن في القرآن

أختاه: لقد أكرمنا الله تعالى بأن جعلنا من أُمةِ أفضلِ الأنبياء والمرسلين، وأكرمنا بإنزال خير كُتبه في العالمين، وخصَّنا من بين الأمم بذلك؛ قال سبحانه وتعالى: ((قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [المائدة:15 - 16].

إنه العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، فهوشفاءٌ لما في الصدور، والحَكم العدل عند شبهات الأمور، وهوالكلام الجزل، وهوالفصل ليس بالهزل، سِراجٌ لا يخبوضوءه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره، بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل منقول، بهر حُسن ارتباط أواخره بأوائله، وأعجزت بديع إشاراته وعجيب انتقالاته، من قصصٍ باهرة إلى مواعظ زاجرة وأمثال سائرة، ومواقع تَعجُّبٍ واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار، إن كان الكلام ترجيةً بسط، وإن كان تخويفاً قبض، وإن كان وعداً أبهج، وإن كان وعيداً أزعج، وإن كان دعوة جذب، وإن كان زجراً أرعب، وإن كان موعظة رأف، وإن كان ترغيباً شوّق، فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنىً وأعذب أسلوب؛ فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره واصطفاه للتذكير به وتذكُّره.

أختاه! إن هذا القرآن أنزله الله ليكون منهج حياة؛ هي خير حياة وأسعدها، ومرشداً إلى سبيل هي أقوم سبيل وأنجحها: ((فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)) [طه:123 - 124].

أُخيتي: كلام ربنا بين أيدينا نزّهه الله عن الخطأ والزلل، وجعله فصلاً في كل زمان ومكان: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42].

فبهِ اتضح سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم، فهوالضياء والنور، وفيه الشفاء لما في الصدور؛ من تمسك به فقد هُدي، ومن عمل به فاز، جعل الله فيه وبه الهداية لمن شاء من عباده المتقين: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة:1 - 2].

أختي الغالية: لقد وعد الله سبحانه أن يحفظ كتابه من عبث العابثين، وتحريف الغالين؛ قال جلّ في عُلاه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].

وإن من أسباب حفظه في القلوب والمصاحف؛ استدامة تلاوته، والمواظبة على دراسته والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة، فهذا -أُختاه- ما أراده الله عز وجل من إنزال كتابه، أن نأتمر بأمره، وننتهي عند نهيه، ونصدق أخباره وما فيه من الإخبار بالغيب، ونتعظ ونعتبر من قصص الأمم الماضية، لا لنتخذه ظهرياً؛ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) [ص:29].. ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:24].

أُختاه! إن القرآن الكريم منهج حياة ودستور ونظام وشريعة الله إلى أهل الأرض، قضى أن لا يحتكموا إلا إليه، وأمر أن لا يؤمنوا إلا بما وافقه، وأن يُعرضوا عن زبالات أذهان الناس من الشرق ومن الغرب.. فهوالحكم العدل، كما قال سبحانه: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) [المائدة:5].

وقال جل شأنه وتقدست أسماؤه: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)) [النساء:6 - 62]

((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) [النساء:63]

((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)) [النساء:64]

((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65].

إن الله قد جمع الهداية والفلاح في هذا الكتاب الكريم، فقال سبحانه: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)) [الإسراء:9].

ففيه الشفاء: ((قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) [فصلت:44].

إن آيات هذا الكتاب العظيم والسراج المنير قد أثرت في قلوب المشركين؛ وقلبتها من شركٍ إلى توحيد، ومن عصيان وطغيان إلى طاعة وعبادة؛ فهذا أحدهم يسمع النبي عليه الصلاة والسلام يتلوعند الكعبة آيات مما أوحى الله إليه، فيقول: (والله ما سمعتُ قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه) فأثرت كلمات القرآن في نفسه، وسرت إلى عقله وقلبه همسات دافئة هادئة تحمل هداية القرآن. وهذا رجل آخر كان جباراً في الجاهلية شديداً على المسلمين يومئذٍ، فلمّا سمع قوله تعالى: ((طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)) [طه:1 - 2] إلى قوله عز وجل: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) [طه:14] كسّرتْ تلك الآيات أعواد الشرك في قلبه، وأذابت صخور الجاهلية، وقال: (ما ينبغي لمن يقول هذا أن يُعبد معه غيره) فأصبح ذلك الرجل إذا سار في فجٍ سار الشيطان من فجٍ آخر، إنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

أُختاه! ألم تتفكري وتتدبري في جامعة القرآن! كيف أخرجت جيلاً مُميزاً في تاريخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جمعاء؟

إنه جيل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ هذا العدد النقي الصالح الذي لم يجتمع مثله بعد ذلك في مكانٍ واحد، وليس السبب في تجمعه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم قائم فحسب! ولكن ثمة سببٌ آخر: هوأن الصحابة رضوان الله عليهم استقوا من نبع القرآن، وتكيفوا به، وتخرجوا عليه، فكانوا يتلون القرآن للعمل به في أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم الذي يعيشون فيه.

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح، روح المعرفة المتمثلة في العمل به، وانظري مثال ذلك في حادثة (تحريم الخمر) من كُتب التفسير.

أما بعد.. أُختي الفاضلة:

فهذا الدستور الخالد منذ يومه الأول وهوآخذ بروعته عقول الناس، مؤمنهم وكافرهم، فقد خضعت له أعناق كُبراء الجاهلية وأسيادهم، وطأطأتْ له رءوس البلاغة والأدب..، شهادة إكبار وقول حق واعتبار، قام له العالم كله ولم يقعد هيبة لمطلعه النوراني، فهوكلام رب الأرباب، الآخذ بالقلوب والألباب.. المهيمن على جميع الكتب.. المُنزل على خير الرسل.. المشرِع لخير الأمم؛ ولا غروفقد شهد له بذلك الكافر! ونحن في غنى عن شهادته، فراجعي -أُختي- ما كتبه علماء الغرب والشرق في كتاب الله، وانظري على سبيل المثال كتاب: (قالوا عن الإسلام، لعماد خليل) لَتَريْ ما يهولكِ من اعترافات بصدق هذا الكتاب الخالد وقوةتأثيره وصداه عندهم!

ولكن أُختاه: ما حال مذهبكِ مع هذا القرآن العظيم؟

غاليتي: ليس غرضي من هذا السؤال التفرقة الطائفية! أوالفتنة المذهبية! أومن أجل التدليس الفردي! كلا والله، بل الأمر كلمات خرجت من القلب لتصل إلى القلب، ولتري نفسكِ -أُختاه- ومكانكِ تجاه كتاب الله تعالى؛ فتأخذي بيدي وآخذ بيدك لنحقق الوحدة الإسلامية المنشودة، انطلاقاً من كتاب الله تعالى أصل الأصول ودستور الحياة الخالد.

تعلمين -أختاه- ويعلم كل مسلم دور الحكومات الإسلامية في العالم واهتمامها بطباعة المصحف الشريف، ودور جامعاتها ومعاهدها ومدارسها بالعناية به، ولا يخفاكِ مسابقات القرآن الكريم العالمية، وحلقات التحفيظ الخاصة به، كل ذلك اهتماماً بكلام الله تعالى وتقدس، علاوة على إنشاء مؤسسات خاصة تشجع طباعته ودراسته وحفظه وتلاوته وتفسيره، ولنأخذ مثالاً وهو: الجامع الأزهر الشريف، بل الكلام عنه وعن اهتمامه بالقرآن قد يعتبر لغواً من الكلام! فهوغني عن التعريف، إنه جامع الأزهر، منارة القرآن وجامعة الحفاظ.. وقد خرَّج مئات الألوف من حفظة كتاب الله الذين علموا الدنيا كلها كيف يُرتل كتاب الله، وقد طبع الأزهر ملايين النسخ من القرآن خدمةً لكتاب الله.

أما الدراسات التي تخدم القرآن وتُدافع عنه فهي أكثر من أن تُذكر، ويكفي أن تطلعي على فِهرس الدراسات العليا للأزهر؛ لتري ما يُذهلكِ! وأما جامعات المملكة وتونس وسوريا والمغرب ودول الخليج، وبقية دول العالم الإسلامي فهي غير خافية.

ولكن أُختي: ما هوالدور الذي أدَّاه مذهبك واعتقده علماؤه ومفكروه تجاه القرآن الكريم؟ وحتى أكون بعيدة عن الظلم والاستبداد، وقريبة من المصداقية والعدل، سأوثق كلامي وأحيله إلى مصدر مطلع على الأمور، لا على جاهل شاذ أحمل كلامه وأُعممه على الجميع، وسأسند نقلي إلى مؤسسات علمية دينية معتمدة، لا على أفراد قد يكونون مقصرين.

- وعلى ما سبق أقول والله المستعان:

يقول الدكتور جعفر الباقري وهوأستاذ في طهران في كتابه: (ثوابت ومتغيرات الحوزة العلمية) يقول: (من الدعائم الأساسية التي لم تلق الاهتمام المنسجم مع حجمها وأهميتها في الحوزة العلمية هوالقرآن الكريم، وما يتعلق به من علوم ومعارف وحقائق وأسرار فهويمثل الثقل الأكبر والمنبع الرئيسي للكيان الإسلامي بشكل عام، ولكن الملاحظ هوعدم التوجه المطلوب لعلوم هذا الكتاب الشريف، وعدم منحه المقام المناسب في ضمن الاهتمامات العلمية القائمة في الحوزة العلمية، بل وإنه لم يدخل في ضمن المناهج التي يعتمدها طالب العلوم الدينية طيلة مدة دراسته العلمية، ولا يختبر في أي مرحلة من مراحل سيره العلمي بالقليل منها ولا بالكثير، فيمكن بهذا لطالب العلوم الدينية في هذا الكيان أن يرتقي في مراتب العلم، ويصل إلى أقصى غاياته وهو"درجة الاجتهاد"من دون أن يكون قد تعرف على علوم القرآن وأسراره أواهتم به ولوعلى مستوى التلاوة وحسن الأداء، هذا الأمر الحساس أدى إلى بروز مشكلات مستعصية وقصور حقيقي في واقع الحوزة العلمية لا يقبل التشكيك والإنكار). المرجع: [ثوابت ومتغيرات الحوزة العلمية، ص:19].

ويقول آية الله الخامنئي المرشد الديني للجمهورية الإسلامية الشيعية: (مما يؤسف له أن بإمكاننا بدء الدراسة ومواصلتنا لها إلى حين استلام إجازة الاجتهاد من دون أن نراجع القرآن ولومرة واحدة!! لماذا هكذا؟! لأن دروسنا لا تعتمد على القرآن). [نفس المرجع: ص11].

ويقول آية الله محمد حسين فضل الله: (فقد نفاجأ بأن الحوزة العلمية في النجف أوفي قم أوفي غيرهما لا تمتلك منهجاً دراسياً للقرآن). [نفس المرجع: ص111].

ويقول آية الله الخامنئي: (إن الانزواء عن القرآن الذي حصل في الحوزات العلمية، وعدم استئناسنا به أدى إلى إيجاد مشكلات كثيرة في الحاضر، وسيؤدي إلى إيجاد مشكلات في المستقبل، وإن هذا البعد عن القرآن يؤدي إلى وقوعنا في قصر النظر). [نفس المرجع: ص11].

ومما تقدم نقول مستفهمين: كيف تكون هناك جامعات دينية شرعية شيعية متخصصة تخرج الآيات العظام دون أن تدرسهم القرآن، ولوعلى مستوى التلاوة؟!! كيف يدرس الطالب من بداية دراسته وحتى يحصل على لقب (آية) وهولم يتعلم القرآن ولوعلى مستوى التلاوة؟!!

هذا خلل عظيم قد أصاب الثقل الأكبر!!

وبعد هذا النقل أُختاه: ألم تتساءلي في نفسكِ عن سبب عدم اهتمام الشيعة بالقرآن؟

وفي الجواب الفادحة الكبرى والرزيَّة العظمى!! إنهم يرون أن هذا القرآن اليوم ليس هوالذي أُنزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل هومُحرَّف ومبدَّل ومغيَّر زِيَد فيه وأُنقص منه!! وأستغفر الله من هذا الاعتقاد الذي لا يقبله المسلم مهما كانت عقيدته ومذهبه!

نعم أُختاه: هذه الحقيقة التي ربما أن كثيرات منكن لا يعلمن عنها شيئاً!! أوإنهن يعلمن ولكنهن لا يردن أن يُصدِّقنَ! لهول هذا المعتقد الذي يهدم الثقل الأكبر ويُنهي معالمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهل يعقل أن يهتم الكفرة بكتاب ربنا، ونقول نحن: إنه كتابٌ محرف؟

والآن إلى توثيق كلامي هذا من مصادرهم ومراجعهم المعتمدة وأقوال أكابر علماء الشيعة الثقات عندهم -والله المستعان-.

يقول الطبرسي: (1/ 377 - 378) في كتاب الاحتجاج: (ولوشرحت لك كل ما أسقط وحرِّف وبدِّل وما يجري في هذا المجال لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء).

ذكر الكاشاني في مقدمة تفسيره الصافي: (1/ 32) بعد ذكر ما يفيد تحريف القرآن ونقصه من قبل الصحابة قال ما يلي: (المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل ما هوخلاف ما أنزل الله، ومنه ما هومغير محرف وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها: اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد صلى الله عليه وسلم غير مرة، ومنها: أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي بن إبراهيم القمي) ا. هـ

قال الكاشاني أيضاً في الصافي (1/ 33): (لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن؛ إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً ويكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به.. إلى غير ذلك).

قال المجلسي في مرآة العقول في شرح أحاديث الرسول [الجزء الثاني عشر، ص:525] أثناء شرحه لحديث هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم (سبعة عشر ألف آية)، قال عن هذا الحديث: (موثق في بعض النسخ هشام بن سالم موضع هارون بن سالم، فالخبر صحيح ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر) ا. هـ.

ومعنى كلامه: كيف يثبتون الإمامة بالخبر إذا طرحوا أخبار التحريف؟

قال الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية: (2/ 357) في كلامه حول القراءات السبع: (إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً، مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها).

ويزيد نعمة الله الجزائري في هذا الباب الكلام، فيقول في الأنوار أيضاً: (1/ 97): (ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة! فإنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد غيَّروا وبدلوا في الدين ما هوأعظم من هذا؛ كتغييرهم القرآن، وتحريف كلماته، وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة الطاهرين، وفضائح المنافقين وإظهار مساويهم، كما سيأتي بيانه في نور القرآن).

قال أبوالحسن العاملي في مقدمة تفسيره: [مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار، ص:36]: (اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من التغيرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات، وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لَمّا أنزله الله تعالى ما جمعه إلا علي عليه السلام وحفظه، إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه الصلاة والسلام، وهكذا إلى أن وصل إلى القائم عليه السلام، وهواليوم عنده صلوات الله عليه).

قال النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب (ص:31): (قال السيد الجزائري ما معناه: إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن).

قال المفيد في أوائل المقالات: [(ص:9)، دار الكتاب الإسلامي بيروت]: (إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه الظالمين -كذا كتبت- فيه من الحذف والنقصان).

قال العلامة الحجة السيد عدنان البحراني في كتاب: [مشارق الشموس الدرية: (ص:126)] بعد أن ذكر الروايات التي تفيد التحريف في نظره: (الأخبار التي لا تحصى كثيرة، وقد تجاوزت حد التواتر ولا في نقلها كثير فائدة بعد شيوع القول بالتحريف والتغيير بين الفريقين وكونه من المسلمات عند الصحابة والتابعين، بل وإجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم وبه تضافرت أخبارهم).

وغيرها كثير جداً تركتها خشية الإثقال عليكِ بما لا تُحبين أن تسمعي عنه!!

أختي الغالية: أرأيتِ؟ فأنا لم أتهم أحداً، ولم أتقوّل على أحدٍ. حاشا وكلا. بل هي عقيدة أخذتها من كتب علماء الشيعة ومُحدثيهم أصحاب الشأن، ودوري فقط هوالنقل لبعض ما وجدته من كلام، ورأيته من أقوال في المصادر الشيعية حول هذا الاعتقاد الذي بمجرد عرضه يتبين لكِ يا صاحبة النظر الثاقب والفكر النير بطلانه، كيف لا؟ والله عز وجل يقول: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9].

فالله يقول: أنا أتكفل بحفظه، وتقول هذه العقيدة: بل ضَيَّع وما حفظ!! والله عز وجل يقول: ((لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)) [فصلت:42] وهذه العقيدة تقول: بل أتاه الباطل من كل جانب!!

فسبحان الله! كيف وصل بهم الهوى إلى هذا الدرك البعيد، ولكن حق عليهم قول المولى سبحانه وتعالى عن القرآن: ((وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)) [الحاقة:48 - 52].

أختي: كم والله تعجبني تلك الفتاة التي أعملتْ فكرها بنفسها، وخلت مع كتاب ربها بعقلها، وتدبرت وتأملت بذاتها، واتّبَعت ما تبين لها أنه الصواب.

ولنستعن بالله ولنرفع أكفنا إليه ولنقُلْ: اللهم وفقنا إلى سبيل الهدى والرشاد، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.


الشيعة والقرآن

حديثنا سيكون بحول الله تعالى حول العناصر التالية:

علماء الشيعة المتقدمين وإجماعهم على تحريف القرآن الكريم.

علماء الشيعة المتأخرين وقولهم بتحريف القرآن الكريم.

أسماء علماء الشيعة الذين قالوا بتحريف القرآن من المتقدمين ومن المتأخرين.

كبار علماء الشيعة الذين شهدوا أن محدث الشيعة الأول , محمد بن يعقوب الكليني , كان يعتقد بتحريف القرآن الكريم.

كبار علماء الشيعة الذين يقولون إن الروايات التي تطعن في القرآن الكريم هي روايات متواترة ومستفيضة.

أنواع التحريف المزعوم في القرآن الكريم عند الشيعة الإمامية.

إجابة عن السؤال الذي يقول: أين القرآن الصحيح في إعتقاد الشيعة الإمامية.

إجابة عن السؤال الذي يقول: لماذا يقرأ الشيعة هذا القرآن الموجود بين أهل السنة مع نقصه وتحريفه عندهم.

أمثلة لتفسيرهم المنحرف لكتاب الله تعالى.

إن الشيعة الإمامية يعتقدون بأن القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم ليس هوكما أنزله الله تعالى على عبده محمد صلى الله عليه وسلم , وإنما قد وقع فيه تحريف وتغيير على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذين غصبوا آل محمد حقهم على حد زعم الشيعة واعتقادهم , حيث أدعوا أن الصحابة قد حذفوا من القرآن الكريم كل الآيات التي نزلت في فضائل آل البيت , والآيات التي نزلت في مثالب الصحابة رضي الله عنهم , وآيات أخرى كثيرة حذفوها وأسقطوها من القرآن الكريم , على حد زعم الشيعة , حتى لم يبقى من القرآن إلا نحوثلثه.

وزعموا في مقابل ذلك أن القرآن الكامل الذي أنزله الله تعالى والسالم من أي تحريف موجود عند إمامهم الغائب , وهوالإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري , وهوالذي - بزعمهم - أن الذي جمعه هوعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , وهذه العقيدة إخواني في الله هي العقيدة التي يقول بها جميع علماء الشيعة المتقدمين والمتأخرين , ولم يخرج عن ذلك إلا عدد قليل تظاهروا بإنكار القول بتحريف القرآن الكريم من الشيعة الإمامية.

علماء الشيعة المتقدمين وإجماعهم على تحريف القرآن الكريم:

فالقول بوقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم ونقصانه هوإجماع المتقدمين من علماء الشيعة , حيث صرحوا بذلك في مؤلفاتهم , وشحنوها بالروايات المنسوبة إلى أئمتهم , وكلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم , ولم يخرج عن إجماعهم هذا إلا أفراد قلائل منهم , وقد حصرهم إمامهم النوري الطبرسي في كتابه المسمى " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " بأربعة أشخاص فقط.

وأنقل هنا بعض أقوال علمائهم المتقدمين وروايات أئمتهم الصريحة في تحريف القرآن وتبديله والنقصان منه من كتبهم المعتمدة والمشهورة عندهم للتدليل على ما يقوله أهل السنة عنهم في إجماعهم على هذا المعتقد الفاسد , لأنها أقوالهم بأنفسهم , وتصريحاتهم وليست منقولة عن غيرهم , وهي أقوى دليل في معرفة معتقد المرء من قول غيره عنه.

فمن علمائهم الذين قالوا بالتحريف:

محمد بن الحسن الصفار: والذي عقد باباً في كتابه الشهير " بصائر الدرجات " بعنوان (باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) , ثم ساق أخباراً تحت هذا الباب صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم , حيث روى عن أبي جعفر أنه قال: (ما يستطيع أحد أن يدعي أنه جمع القرآن غير الأوصياء - أي غير الأئمة-).

وروى أيضا بسنده عن سالم بن أبي سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام , وأنا أسمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس , فقال أبوعبد الله عليه السلام: (مه مه.. كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام فقرأ كتاب الله على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام) أهـ من كتاب بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد مجلد 4 ص 413.

أبونصر محمد بن مسعود والمعروف بالعياشي:

فهوأيضا ممن أكثروا روايات تحريف القرآن في مؤلفاته , فإنه قد شحن كتابه التفسير بتلك الروايات المنسوبة إلى أئمتهم , والتي تدل على ضياع كثير من القرآن , عياذاً بالله , وعلى زيادة بعض الكلمات فيه , ومن ذلك ما روى بسنده عن إبراهيم بن عمر قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: (إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هوكائن كانت فيه أسماء الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة) تفسير العياشي ج1 ص12.

وروى أيضا بسنده عن أبي جعفر قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى) , وهذا الخبر صريح بوقوع الزيادة في كتاب الله ونقصانه.

وروى أيضا بسنده عن أبي بصير قال: قال أبوجعفر بن محمد: (خرج عبد الله بن عمر من عند عثمان فلقي أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال له: يا علي بيتنا الليلة في أمر نرجوأن يثبت الله هذه الأمة فقال أمير المؤمنين: لن يخفى عليّ ما بيتم فيه حرفتم وغيرتم وبدلتم تسعمائة حرف ثلاثمائة حرفتم وثلاثمائة حرف غيرتم وثلاثمائة بدلتم , ثم قرأ: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)..

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي رواها إمامهم العياشي في تفسيره هذا , وهي كلها صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم , مما يؤكد لنا أنه مع القائلين بالتحريف ,لأن إكثاره لهذه الروايات دليل على أنه يسلم بها وبمضامينها , حيث لم يتعرض لها بشيء من النقد , مع ما فيها من تنقيص ظاهر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسكوت على المنكر وعدم تغييره له.

علي بن إبراهيم القُمي: وهوشيخ الكليني , وهومن أبرز القائلين بتحريف القرآن , ومن المكثرين فيه , حيث ملأ تفسيره بالروايات الصريحة في ذلك , كما صرح هوبذلك في مواضع من تفسيره , فقد جاء في مقدمة تفسيره هذه العبارة: (فالقرآن منه ناسخ ومنه منسوخ... ومنه حرف مكان حرف ومنه على خلاف ما أنزل الله) , ثم شرع في تفصيل ذلك فقال: (وأما ما كان على خلاف ما أنزل الله فهوقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فقال أبوعبد الله عليه السلام لقارئ هذه الآية: (خير أمة!! يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابنا علي عليه السلام) , فقيل له وكيف نزلت يا بن رسول الله , فقال: (إنما نزلت كنتم خير أئمة أخرجت للناس).

وقال أيضا: وأما ما كان محرف منه فهوقوله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون) تفسير القمي ج 1 ص 5.

وهكذا ينقل إمامهم القمي في تفسيره هذه الروايات المكذوبة , فكلمة " في علي " من زيادة الشيعة في هذه الآية , وأمثل هذه الزيادات كثيرة منهم في القرآن لا سيما في تفسير هذا الشيعي , وكل ذلك يؤكد بأن القمي من علماءهم القائلين بتحريف القرآن الكريم , وهوما أكده غير واحد من علمائهم , حيث يقول طيب الموسوي الجزائري في معرض ثنائه على تفسير القمي تحت عنوان تحريف القرآن , يقول ما نصه: (بقي شيء يهمنا ذكره وهوأن هذا التفسير كغيره من التفاسير القديمة يشتمل على روايات مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا لم يسلم من التحريف والتغيير وجوابه أنه لم ينفرد المصنف بذكرها بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين عامة وخاصة) أهـ من مقدمة طيب الموسوي على تفسير القمي ج 1 ص 22.

محمد بن يعقوب الكليني: وهومن أكابر علماء الشيعة , الذين تولوا كِبَرَ هذا القول وتزعموه , حيث ملأ كتابه الكافي , الذي هوأصح الكتب عندهم على الإطلاق , والمعتمد عندهم في أمور دينهم بروايات كثيرة دالة صريحة على تحريف القرآن الكريم بحيث لا تقبل أي تأويل , فقد جاءت تلك الروايات في مواضع كثيرة من كتابه أذكر بعضها هنا.

فمن ذلك ما رواه بسنده في باب " أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام وأنهم يعلمون علمه كله " , فعن جابر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده) أصول الكافي كتاب الحجة المجلد الأول ص 228.

وكذلك أورد أخبارا كثيرة في باب " نكت ونتف من التنزيل في الولاية " , منها ما روى بسنده عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: {بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغيا}) أهـ , فكلمة " في علي " في هذه الرواية ليست من القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم , وإنما هي من وضع الشيعة من عند أنفسهم.

كما روى الكليني أيضا بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلت في علي نوراً مبيناً}) أصول الكافي كتاب الحجة المجلد الأول ص 417 , ولا يخفى على أحد له أدنى معرفة بالقرآن الكريم أن هذا الذي ذكره الكليني ليس من القرآن البتة , وإن كان قصده الآية التي في سورة النساء فهي ليست على هذه الصيغة التي ساقها في هذه الرواية وإنما هي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} (1).

أبوعبد الله محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد: فقد صرح بوقوع التحريف والتغيير في القرآن الكريم , حيث يقول في كتابه أوائل المقالات في باب " القول في تأليف القرآن وما ذكر قوم فيه من الزيادة والنقصان ": (إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه - أي صحابة رسول الله رضوان الله عليهم - من الحذف والنقصان) كتاب أوائل المقالات ص 93.

وقال في موضع آخر: (واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا منه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) أوائل المقالات ص 52.

علماء الشيعة المتأخرين وقولهم بتحريف القرآن الكريم:

__________

(1) سورة النساء آية 47.

فالمتأخرون من الشيعة لا يختلفون عن المتقدمين في موقفهم من القرآن الكريم فالكل متفقون على أن القرآن الموجود بين الناس اليوم غير كامل , حيث وقع فيه تحريف وتغيير وحذف بزعمهم , وإن اختلفت طريقة إثبات هذا القول منهم , فالمتقدمون يثبتون التحريف بكل صراحة وجراءة كما تقدمت أقوالهم في ذلك , أما المتأخرون منهم فقد حاول بعضهم إظهار موافقتهم لأهل السنة - تقية في القول - بسلامة القرآن وعدم تحريفه , ولكن البعض الآخر منهم وهم الأغلب أظهروا ثباتهم على قول متقدميهم في القرآن الكريم , فصرحوا بوقوع التحريف في القرآن , ونقلوا قول من تقدم من علمائهم ورواياتهم المنسوبة إلى أئمتهم الصريحة في ذلك , فملئوا مؤلفاتهم بكل ذلك ومن علمائهم المتأخرين:

الفيض الكاشاني: الذي صرح بوقوع التحريف في القرآن الكريم , ونقل أخباراً كثيرة دالة على ذلك من كتب المتقدمين عليه وحتى جعله عنوان إحدى مقدمات تفسيره حيث قال في المقدمة السادسة " في نُبذ مما جاء في القرآن وتحريفه وزياداته ونقصه وتأويل ذلك " , ثم أورد تحت هذا العنوان روايات وأخبار كثيرة , ومن تلك الأخبار , ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي عبد الله قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: إن القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه) , ثم قال معلقا على هذه الأخبار: (أقول المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما انزل على محمد صلى الله عليه وآله , بل منه خلاف ما أنزله الله , ومنه ما هومغير محرف , وأنه قد حُذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي وفي كثير من المواضع , ومنها لفظة آل محمد صلى الله عليهم غير مرة , ومنها أسماء المنافقين في مواضعها , ومنها غير ذلك , وأنه ليس أيضا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله) أهـ كتاب الصافي في تفسير القرآن ج 1 ص 24.

هذا ما صرح به شيخهم الفيض الكاشاني من القول بتحريف القرآن الكريم.

الحر العاملي: محمد بن الحسين , وهوالذي أورد في كتابه وسائل الشيعة , أخبارا صريحة في وقوع التحريف في القرآن الكريم , من غير أن يتعرض لها بنقد مما يدل على صحتها عنده , والتسليم بما دلت عليه تلك الأخبار , فمن تلك الأخبار ما نقله عن إبراهيم بن عمر عنه عليه السلام قال: (إن في القرآن ما مضى وما هوكائن وكانت فيه أسماء الرجال فألقيت - يعني حُذفت - وإنما الاسم الواحد على وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة - يعني الأئمة -) أهـ من كتاب وسائل الشيعة ج18 ص 145.

أبوالحسن العاملي النباطي: حيث صرح بتحريف القرآن في مواضع كثيرة في مقدمته مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار , فمن ذلك قوله: " اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغيير وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرا من الكلمات والآيات - يقصد الصحابة رضي الله عنهم لأنهم هم الذين جمعوا القرآن - وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه عليّ وحفظه إلى أن وصل إلى أبنه الحسن وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم وهواليوم عنده " أهـ.

النوري الطبرسي: حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي , الذي يعد من أبرز القائلين بتحريف القرآن الكريم من المتأخرين , بل ومن أكبر من حملوا راية هذا القول منهم وبالغوا فيه , حيث أظهر ذلك بكل جراءة وشجاعة , وأثبت هذا القول هوقول الشيعة جميعا وكشف عن حقيقتهم , وما يبطنونه للإسلام ولذلك ألف كتابه المسمى " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " وبذل فيه كل ما في وسعه لإثبات هذا القول عندهم , فأكثر النقل عن أخبار أئمتهم وتصريحات المتقدمين منهم في ذلك واستدل على ذلك بكل ما عنده من بيان وتدليس , كما أنه فند فيه شبه المنكرين من أئمة الشيعة وشنع عليهم وألزمهم بهذا القول , وهويرى أنه بعمله هذا الخبيث يتقرب إلى الله تعالى , حيث قال في مقدمة كتابه هذا الآنف الذكر ما نصه: " وبعد فيقول العبد المذنب المسيء حسين تقي النوري الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه! هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن - عياذا بالله تعالى - وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " وجعلت له ثلاث مقدمات وبابين وأودعت فيه من بديع الحكمة ما تقر به كل عين وأرجوممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون) أعوذ بالله من هذا الضلال. أهـ من مقدمة " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ص 2.

وهذه أسماء علمائهم القائلين بتحريف القرآن المتقدمين منهم والمتأخرين في كتبهم المعتمدة:

علي بن إبراهيم القمي في مقدمة تفسيره.

نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية.

الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي.

أبومنصور الطبرسي في كتابه الإحتجاج.

محمد باقر المجلسي في كتابيه بحار الأنوار ومرآة العقول.

محمد بن النعمان الملقب بالمفيد في كتابه أوائل المقالات.

عدنان البحراني في كتابه مشارق الشموس الدرية.

يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفية.

النوري الطبرسي في كتابه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ".

ميرزا حبيب الخوئي في كتابه منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة.

محمد بن يعقوب الكليني في كتابه الكافي.

محمد العياشي في تفسيره.

أبوجعفر الصفار في كتابه بصائر الدرجات.

الأردبيلي في كتابه حديقة الشيعة.

الكرماني في كتابه إرشاد العوام.

الكاشاني في كتابه هدية الطالبين.

كبار علماء الشيعة الذين شهدوا أن محدث الشيعة الأول , محمد بن يعقوب الكليني , كان يعتقد بتحريف القرآن الكريم:

فقد شهد عليه كبار علماء الشيعة بأن الكليني كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن , ومن هؤلاء العلماء الذين شهدوا عليه:

المفسر الكبير محمد بن مرتضى الكاشاني الملقب بالفيض الكاشاني , حيث قال في تفسيره الشهير عند الشيعة والذي يسمى بتفسير الصافي ج1 ص 52 ما نصه: " وأما اعتقاد مشائخنا في ذلك - يعني تحريف القرآن - فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض للقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه) تفسير الصافي ج1 ص 52 ط الأعلمي بيروت.

الإمام أبوالحسن العاملي: الذي قال: " أعلم أن الذي يظهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات كثيرة في هذا المعنى في كتاب الكافي الذي صرح في أوله بأنه كان يثق فيما رواه فيه ولم يتعرض لقدح فيها ولا ذكر معارض لها) أهـ من كتاب تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار المقدمة الثانية للفصل الرابع والذي طبع كمقدمة لكتاب تفسير البرهان للبحراني.

النوري الطبرسي: حيث قال في المقدمة الثالثة من كتابه فصل الخطاب ما نصه: " أعلم أن لهم في ذلك أقوالا - أي علماء الشيعة في تحريف القرآن - مشهورها اثنان , الأول وقوع التغيير والنقصان فيه وهومذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني في تفسيره صرح في أوله وملأ كتابه من أخباره مع إلتزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا عن مشائخه وثقاته ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني رحمه الله على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة خصوصا في باب النكت والنتف من التنزيل وفي الروضة من غير تعرض لردها أوتأويلها) فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ص 23.

وبعد هذه الشهادة التي شهد بها كبار علماء الشيعة بأن ثقة الإسلام عند الإمامية الإثنى عشرية الكليني كان يعتقد بتحريف القرآن , فأقول للشيعة عامة وخاصة إذا كان هذا رأي كبار علمائكم في صاحب أوثق مصدر للحديث عندكم فلماذا تنكرون على أهل السنة إذا قالوا مثلما قال كبار علمائكم في صاحب الكافي , أرجوالإجابة بمنتهى الصدق والصراحة.

كبار علماء الشيعة الذين يقولون إن الروايات التي تطعن في القرآن الكريم هي روايات متواترة ومستفيضة:

فهذا شيخهم المفيد يقول في كتابه أوائل المقالات ما نصه: " إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإختلاف القرآن وما أحدثه بعد الظالمين فيه من الحذف والنقصان) أوائل المقالات ص 91.

وهذا إمامهم أبوالحسن العاملي الذي قال في المقدمة الثاني من تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ص 36: " أعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغييرات وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرا من الكلمات والآيات) أهـ.

وكذلك شيخهم نعمة الله الجزائري الذي قال في كتابه الأنوار النعمانية ج2 ص 357 ما نصه: " إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي - يعني القرآن الكريم - وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعراباً) أهـ.

أما محمد باقر المجلسي فقد قال في معرض شرحه لحديث هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية) قال عن هذا الحديث ما نصه: " موثق وفي بعض النسخ عن هشام بن سالم موضع هارون بن سالم , فالخبر صحيح , فلا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره.... وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة " كتاب مرآة العقول ج12 ص 525.

كما يقول شيخ الشيعة سلطان محمد الخراساني عن تواتر تحريف القرآن ما نصه: " أعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه - أي في القرآن - بحيث لا يكاد يقع شك " أهـ كتاب تفسير بيان السعادة في مقدمات العبادة ص 19 ط. مؤسسة الأعلمي.

وكذلك يقول علامتهم الحجة السيد عدنان البحراني في تواتر التحريف ما نصه: " الأخبار التي لا تحصى - أي أخبار تحريف القرآن - كثيرة وقد تجاوزت حد التواتر " كتاب مشارق الشموس الدرية ص 126 من منشورات المكتبة العدنانية - البحرين.

أنواع التحريف المزعوم في القرآن الكريم عند الشيعة الإمامية:

النوع الأول: حذف بعض السور من القرآن الكريم: حيث اختلق الشيعة بعض الخرافات وأدعوا أنها كانت سورا من القرآن الكريم , وحذفها الذين جمعوا القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , على حد زعمهم , وهذه السور المزعومة عندهم منها ما يسمونها بسورة النورين , ونصها كما يزعمون: (بسم الله الرحمن الرحيم , يا أيها الذين أمنوا آمِنوا بالنورين الذين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم , نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم ,.... ) إلى آخر هذه الترهات كما هي في كتاب فصل الخطاب وتذكرة الأئمة لإمامهم المجلسي ص 19.

ومنها ما يسمونها بسورة الولاية ونصها: (بسم الله الرحمن الرحيم , يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي والولي الذيّن بعثناهما يهديانكم إلى سراط مستقيم , نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير , إن الذي يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم , فالذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا به مكذبين , إن لهم في جهنم مقام عظيم , إذا نودي لهم يوم القيامة أين الضالون المكذبين للمرسلين , ما خلقهم المرسلون إلا بالحق وما كان الله لينظرهم إلى أجل قريب , وسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين) انتهت السورة من كتاب تذكرة الأئمة للمجلسي ص 19.

ومن السور السورة التي يسمونها بسورة الخلع ونصها: (بسم الله الرحمن الرحيم , اللهم إنّا نستعينك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك) انتهت السورة من كتاب تذكرة الأئمة للمجلسي.

وكذلك السورة التي تسمى عندهم بسورة الحفد ونصها: (بسم الله الرحمن الرحيم , اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد , وإليك نسعى ونحفد , نرجورحمتك ونخشى نقمتك إن عذابك بالكافرين ملحق) انتهت السورة من كتاب تذكرة الأئمة للمجلسي.

ومن غلوهم قولهم بأن سورة الفجر هي سورة الإمام الحسين , بل إن القرآن كله لأهل البيت وهذا من غلوهم في أهل البيت وفي الحسين...

النوع الثاني: حذف بعض الكلمات من بعض الآيات القرآنية , حيث ادعت الشيعة حذف كلمات كثيرة من القرآن الكريم , وزعموا أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أسقطوا تلك الكلمات من القرآن الكريم , وهذه الكلمات التي يزعمون حذفها يدور أغلبها حول كلمة علي وآل البيت وكلمات أخرى في أشياء شتى.

فأما كلمة " في علي " فقد زعموا أنها أسقطت من القرآن الكريم في مواضع كثيرة منها على سبيل المثال للحصر قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) كما في سورة البقرة , فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا - في علي - فأتوا بسورة من مثله) أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج 1 ص 417.

وكذلك في قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (1).

فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: نزل جبريل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا {بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ في علي بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}). أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج 1 ص 417.

__________

(1) سورة البقرة آية 9..

وأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} (1). فقد أسند الكليني عن أبي جعفر قال: (نزلت هذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا أنزلت في علي مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ").

أما تحريف الشيعة في قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} (2). فقد جاء في تحريفها عند الشيعة كما في تفسير القمي ج1 ص 142. بهذا النص {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ يا علي فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ}..

أما قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} (3). فإن الشيعة يحرفونها , كما أسند شيخهم الكليني عن أبي عبد الله قال: (هكذا نزلت هذه الآية {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ في علي عليه السلام لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}) أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج 1 ص 417. وكذلك كتاب البرهان في تفسير القرآن ج 5 ص 391.

__________

(1) سورة النساء آية 47.

(2) سورة النساء آية 64.

(3) سورة النساء آية 66.

وأما قول الله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} (1) , فقد حرف علماء الشيعة هذه الآية حيث روى إمامهم الكليني وشيخهم العياشي عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ بولاية علي ّ إِلاَّ كُفُوراً} أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج 1 ص 425 , وكذلك تفسير العياشي ج 2 ص 317.

أما قول الله تعالى: {وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (2). فقد أسند إمامهم الكليني عن أبي عبد الله قال: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في ولاية علي والأئمة من بعده فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.. هكذا نزلت والله) أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج 1 ص 414 , وكذلك في كتاب " السراط المستقيم " للبياضي ج 1 ص 279.

وهناك الكثير والكثير من المواضع التي ادعت الشيعة الإمامية حذف اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه منها وهي كثيرة جدا , والذي ذكرته فيه الكفاية لمعرفة ضلالهم في القرآن الكريم.

__________

(1) سورة الإسراء آية 89.

(2) سورة الأحزاب آية 71.

وأما لفظة " آل محمد " و" آل البيت " فقد ادعت الشيعة كذلك أنها حُذفت من مواضع كثيرة من القرآن الكريم , حيث رووا أخبارا كثيرة عن أئمتهم تصرح بحذف هذه الكلمة من الآيات التي يزعمون أنها وردت فيها , ومن ذلك على حد زعمهم كما في قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} (1) , فقد أسند إمامهم العياشي في تفسيره ج1 ص 45 , عن أبي جعفر قال: (نزل جبريل بهذه الآية هكذا {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ آل محمد حقهم غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ آل محمد حقهم رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}) أهـ.

إجابة عن السؤال الذي يقول: لماذا يقرأ الشيعة هذا القرآن الموجود بين أهل السنة مع نقصه وتحريفه عندهم؟:

ويجيب على هذا السؤال والمهم كبار علماء الشيعة الإمامية , وأولهم شيخهم نعمة الله الجزائري الذي يقول في كتابه " الأنوار النعمانية " ج2 ص 36. ما نصه: " روي أنهم في الأخبار عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام فيُقرأ ويُعمل بأحكامه " أهـ.

إذاً القرآن الصحيح في اعتقاد إمامهم الجزائري عند صاحب الزمان وهوالذي ألفه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسيخرج في آخر الزمان كما تعتقد الشيعة الأثنى عشرية.

__________

(1) سورة البقرة آية 59.

أما إمامهم أبوالحسن العاملي: فيقول في المقدمة الثانية لتفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ص 36 ما نصه: " إن القرآن المحفوظ عما ذُكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام وهكذا إلى أن وصل إلى القائم عليه السلام المهدي وهواليوم عنده صلوات الله عليه " أهـ.

إذا القرآن المعتمد والصحيح عند الشيعة هوعند المهدي المنتظر الموجود في سردابه كما صرح بذلك إمامهم وشيخهم أبوالحسن العاملي.

كما يقول شيخهم علي أصغر البروجردي في كتاب عقائد الشيعة ص 27 وهوباللغة الفارسية ما نصه: " الواجب أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يقع فيه تغيير وتبديل مع أنه وقع التحريف والحذف في القرآن الذي بعض المنافقين - أي الصحابة رضي الله عنهم - والقرآن الأصلي والحقيقي موجود عند إمام العصر عجل الله فرجه ".

أما إمامهم محمد بن النعمان والملقب بالمفيد: فيجيب عن السؤال السابق بقوله: " إن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم قد رأوا بقراءة ما بين الدفتين وألا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان منه إلى أن يقوم القائم عليه السلام فيقرئ الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام " كتاب المسائل السروية ص 78.

أمثلة لتفسيرهم المنحرف لكتاب الله تعالى:

ومن الأمثلة على ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} (1) , قالوا المراد بالصراط المستقيم هوعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , كما روى إمامهم علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي عبد الله قال: (الصراط المستقيم هوأمير المؤمنين ومعرفة الإمام) أهـ.

__________

(1) سورة الفاتحة آية 6.

وفي قوله تعالى: {الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3}} (1) , قالوا (ذلك الكتاب) هوعلي بن أبي طالب , وقوله (هدى للمتقين) المتقون هم شيعة علي , وقوله (الذين يؤمنون بالغيب) أي الذين يؤمنون بقيام قائمهم ,قد ذكر هذا التفسير شيخهم القمي في تفسيره ج1 ص3. , وشيخهم العياشي في تفسيره ج1 ص25.

وأما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} (2) , قالوا البعوضة هوعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , وقالوا فما فوقها هورسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد ذكر ذلك شيخهم القمي في تفسيره ج1 ص 34. وهذا التفسير فيه من الإستهزاء بعلي رضي الله عنه وتنقيص لقدره فإن المعروف أن البعوضة غالبا ما يُضرب بها المثل لدلالة على حقارة الممثَل له وتفاهته , فكيف يُتصور ن يُنزل علي بن أبي طالب رضي لله عنه مثل هذه المنزلة وهذه الإساءة إلى علي رضي الله عنه , وهذا ليس بمدح له أبداً.

أما في قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (3) , قال العياشي في تفسيره ج1 ص 42:" (وأوفوا بعهدي) أي أوفوا بولاية علي (أوف بعهدكم) أي أوفي لكم الجنة " وهذا تفسير يأباه سياق الآية فإن سياقها يتعلق ببني إسرائيل ودعوتهم إلى الوفاء بعهد الله وشكر النعم التي أنعم الله عليهم بها , ولا يدخل فيها ما يزعمه الشيعة تفسيرا لها.

__________

(1) سورة البقرة.

(2) سورة البقرة آية 26.

(3) سورة البقرة آية 4..

وأما قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} (1) , فقد فسروا هذه الآية بما يبعث على الضحك والعجب , حيث روى الفضل بن محمد الجعفي قال: سألت أبا عبد الله عن هذه الآية قال: (الحبة فاطمة والسبع السنابل سبعة من ولدها سابعهم قائمهم. قلت: الحسن , قال الحسن: إمام من الله مفترض طاعته ولكنه ليس من السنابل السبعة , أولهم الحسين وآخرهم القائم , فقلت: قوله في كل سنبلة مئة حبة , قال: يولد لكل رجل منهم في الكوفة مئة من صلبه وليس إلا هؤلاء السبعة) تفسير العياشي ج 1 ص 147.

وأما تفسيرهم لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يُشرَكَ به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} كما في سورة النساء , فقد روى العياشي بسنده عن أبي جعفر قال: (أما قوله {إن الله لا يغفر أن يُشرَكَ به} يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي وأما قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} يعني لمن والى علياً عليه السلام) تفسير العياشي ج 1 ص 245.

وهذا يؤكد لنا أحبابي في الله , أنهم يقدمون إمامتهم على عبادة الله وحده , ويرفعونها فوق وحانية الله , بل إمامتهم هي كل العبادة عندهم , وليس هناك شيء غيرها كما هوواضح من تفسيرهم هذا من حصر المغفرة لمن لا يشرك بأئمتهم وعدم المغفرة لمن يشرك بهم.

وأما قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} كما في سورة الأعراف , فقد فسروا هذه الآية أيضا بما يدل على جراءتهم على الله وتنقيصهم لعظمته وقدره حيث قالوا: إن أسماء الله الحسنى هي أئمتهم فقد روى إمامهم الكليني بسنده عن أبي عبد الله في الآية أنه قال: (نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا) أصول الكافي كتاب الحجة باب النوادر ج1 ص 143.

__________

(1) سورة البقرة آية 261.

وأما تفسيرهم في قوله تعالى: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} (1) , قالوا معنى " لا تتخذوا إلهين " أي لا تتخذوا إمامين , وقوله " إنما هوإله واحد "أي هوإمام واحد كما روى ذلك إمامهم العياشي في تفسيرة ج2 ص 261.

وأما قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} (2) , قالوا في تفسيرها إن إبراهيم عليه السلام من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وقد ذكر ذلك شيخهم هاشم البحراني في كتاب البرهان في تفسير القرآن ج24 ص 2. , وأقول إخواني في الله وهذا بطلانه أوضح من الشمس في رابعة النهار , فإن كل من عنده أدنى معرفة باللغة العربية يدرك أن ضمير الهاء في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ} أنه عائد إلى نوح عليه السلام المذكور قبله , أي أن إبراهيم من شيعة نوح عليهما السلام , وهذا بين لكل أحد إلا من أعمى الله بصيرته , إذ لا يوجد ذكر لاسم علي في هذه السورة البتة , فضلا عن هذه الآية.

وكذلك من غلوهم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم فسروا النفس في قوله تعالى: {ويحذركم الله نفسه} بأن النفس هنا هوعلي بن أبي طالب.

وأما قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} , قالوا " قوله (لئن أشركت) أي لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك" البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني ج24 ص83.

ومعنى هذا القول , لئن أمرت يا محمد بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين , عياذا بالله من هذا الكفر وهذا الإلحاد.

__________

(1) سورة النحل آية 51.

(2) سورة الصافات آية 83.

ومن غلوالشيعة كذلك أنهم يفسرون قول الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ} (1) , فهم يفسرون الآذان بأنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وأما تفسيرهم لقوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {1} وَطُورِ سِينِينَ {2} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ {3}} (2) , قالوا (َالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) الحسن والحسين , (وَطُورِ سِينِينَ) علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وقد ذكر ذلك شيخهم ومفسرهم هاشم البحراني في كتاب البرهان في تفسير القرآن ج3. ص 477.

إن الجمهور من أهل العلم يقولون على أن هذه السورة مكية ورجح ذلك الإمام القرطبي وغيره , وهومن علماء السنة , إذاً فكلها مكية نزلت قبل زواج علي بفاطمة رضي الله عنهما فضلا عن وجود الحسن والحسين , ومن هنا يُعلم فساد تفسيرهم لهذه الآيات وغيرها بولاية أئمتهم.

وبمثل هذا التفسير الباطل فسروا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السِلْمِ كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدومبين} (3) , فقالوا خطوات الشيطان هي ولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم , حيث روى إمامهم وشيخهم العياشي في تفسيره ج1 ص 1.2 , عن أبي بصير قال: " سمعت أبا عبد الله يقول في هذه الآية: (أتدري ما السِلْمُ؟) , قلت: أنت أعلم , قال: (ولاية علي والأئمة والأوصياء من بعده وخطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان) , وقد جاء تفسير قوله فلان وفلان في رواية عنه قال: (هي ولاية الثاني والأول) أهـ.

ويعنون بالأول الخليفة الأول أبوبكر الصديق والثاني الخليفة الثاني عمر بن الفاروق رضي الله عنهما وأرضاهما.

__________

(1) سورة التوبة آية 3.

(2) سورة التين.

(3) سورة البقرة.

وكذلك زعموا أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} (1) , قالوا إنها نزلت في عثمان ومعاوية رضي الله عنهما , فقد روى إمامهم العياشي في تفسيره ج1 ص147 بسنده عن أب جعفر قال في هذه الآية: (نزلت في عثمان وجرت في معاوية وأتباعهما).

وأما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} (2) , قالوا هذه الآية المراد بها الخلفاء الثلاثة أبوبكر وعمر وعثمان ومعاوية وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين كفروا على حد زعمهم , فقد روى إمامهم وحجتهم محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبد الله في الآية قال: (إنها نزلت في فلان وفلان وفلان آمنوا بالنبي في أول الأمر وكفروا حيث عُرضت عليهم الولاية حين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقروا بالبيعة ثم أزدادوا كفرا بأخذهم من بايعهم بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبقى فيهم من الإيمان شيء) أهـ أصول الكافي كتاب الحجة باب " فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية " ج1 ص42. , البرهان في تفسير القرآن ج 5 ص 421. والمقصود بفلان وفلان وفلان عندهم هم الخلفاء الثلاثة كما توضحه رواية إمامهم العياشي , عن جابر قال: قلت لمحمد بن علي عليه السلام في قول الله في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} قال: (هما أبوبكر وعمر والثالث عثمان والرابع معاوية وعبد الرحمن وطلحة وكانوا سبعة عشر رجلا) أهـ تفسير العياشي ج1 ص 279.

__________

(1) سورة البقرة آية 264.

(2) سورة النساء آية 137.

وأما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} (1) , قالوا الشجرة الملعونة في القرآن هم بنوا أمية وقد ذكر ذلك العياشي في تفسيره ج 2 ص 297.

وأما قوله تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} (2) , قالوا الظلمات أبوبكر وعمر , يغشاه موج عثمان , بعضها فوق بعض معاوية وفتن بني أمية وقد ذكر هذا التفسير إمامهم البحراني في كتاب البرهان في تفسير القرآن ج18 ص 133.

وبمثل هذه الخرافات فسروا قوله تعالى: {وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (3) , قالوا المراد بفرعون وهامان في الآية أبوبكر وعمر وقد ذكر هذا شيخهم نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية ج 2 ص 89.

وأما قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (4) , قالوا إن هذه الآية مثل ضربه الله لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما.

كما فسروا قوله تعالى: {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} يعني به من عثمان وعمله , {وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هم بني أمية وقد ذكر هذا التفسير إمامهم البحراني في كتاب البرهان في تفسير القرآن ج 29 ص 358.

__________

(1) سورة الإسراء آية 6..

(2) سورة النور آية 4..

(3) سورة القصص آية 6.

(4) سورة التحريم آية 11.

وكذلك فسروا قوله تعالى: {وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} (1) بمثل تلك الافتراءات الظالمة والجائرة في حق الصحابة رضوان الله عليهم , حيث روى شرف الدين النجفي بسنده عن حمران أنه سمع أبا جعفر يقول في هذه الآية: (وجاء فرعون يعني الثالث , ومن قبله يعني الأوليين , والمؤتفكات بالخاطئة يعني عائشة).

وكذلك يفسرون الفحشاء والمنكر في قوله تعالى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} (2) بولاية أبي بكر وعمر وعثمان , فيروون عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (تنهى عن الفحشاء الأول , والمنكر الثاني , البغي الثالث) تفسير العياشي ج2 ص 289 , والبحراني في تفسير البرهان ج2 ص381 , والمجلسي في بحار الأنوار ج7 ص 13.. ويقصدون بالأول أبوبكر الصديق رضي الله عنه , والمنكر يقصدون به الثاني وهوالخليفة الثاني عمر الفاروق رضي الله عنه , أما البغي فهوعندهم هوالخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنهم وأرضاهم وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يذب عن أعراض رسول الله , وعن أصحاب رسول الله وعن أمهات المؤمنين رضي الله عنهم.


الشيعة الإثنا عشرية والقرآن الكريم

الخلاف الذي يقع بين الناس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

خلاف منشؤه الاختلاف في الفهم، يفهم شخص من عبارة أوكلمة مفهوماً. ويفهم منها الثاني مفهوماً آخر.

والثاني منشؤه الجهل: إنسان يعلم شيئاً ويعرفه، وآخر يجهله ولا يعرفه.

ثالثاً: اختلاف مبني على العناد بقطع النظر عن علم واحد وجهل آخر. أوعن الخطأ في فهم عبارة أوكلمة أوتعبير.

فهذه هي الأقسام الثلاثة للخلاف الذي يقع فيه الناس.

وأما القسم الأول والثاني من الخلاف فيمكن رفعه ونزعه والقضاء عليه لأنه حينما يعلم الجاهل ويعرف غير العارف يرتفع الخلاف، وكذلك حينما يصح الفهم ويستقيم.

وأما الخلاف الذي منشؤه العناد فلا يمكن نزعه ورفعه لأنه مبني على المكابرة والإنكار، والمنكر لا يمكن أن يحاج بشيء ولا يحصل منه على نتيجة. لأنه ليس له قواعد وأسس يرجع إليها وقت الخلاف والنزاع بخلاف الأول والثاني فإنه يرجع وقت الخلاف إلى القواعد الثابتة والأسس الراسخة. وعلى ذلك فالخلاف الموجود بين مختلف طوائف المسلمين وفرقهم يرجع سببه إما إلى القسم الأول أوإلى القسم الثاني ولكن لاعتراف الجميع بالقواعد الثابتة والأسس المعتمدة يرتفع الخلاف ويزول النزاع، ويرجى بذلك أن يأتي يوم تذوب فيه الجماعات المختلفة والطوائف المتعددة. لأنه إذا ما رجع أصحاب الفكر وأهل البصيرة من كل طائفة إلى الأسس الأصلية والقواعد الأساسية انتهت الحزبية وقضي على التعدد والتفرق. وبهذا أمروا في كتاب الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} [سورة النساء الآية59].

وأما الخلاف الذي بينهم وبين غيرهم فلا يمكن رفعه وحله لأنه مبني على الإنكار والمكابرة، إنكار المبادئ والأسس ومكابرة الحق وبطره ورفضه وإبطاله.

وهناك من فرقوا كلمة المسلمين، وشقوا عصا طاعة جماعتهم، وخالفوا عن كلمتهم، ومزقوا جمعهم، وأنشئوا جماعات ورسخوا في قلوبهم وعقولهم الآراء والعقائد التي لا تمت إلى الإسلام بصلة وهؤلاء لا يمكن دمج عقائدهم مع عقائد المسلمين، حيث وضعوا مخططاً يشتمل على الإنكار المحض، والمكابرة الصرفة، وعلى عدم الاعتماد على القرآن، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه مع الإقرار بهذين الأصلين يمكن أن تتأتى الوحدة ويحصل الاتفاق، ولكن عند افتقادهم وإنكارهما لا يمكن أن تحصل وحدة في زمن من الأزمان أويوم من الأيام، فأبعد رؤساء الشيعة اتباعهم عن المسلمين إلى حد أن جعلوا في مخالفتهم، الحق، كما مر بيانه سابقاً.

وبعد هذا كله كيف يتصور أن يحصل الوئام، ويتأتى الوفاق والخلافات الموجودة بين أهل السنة والشيعة خلافات لا يمكن نزعها، ولا يحتمل رفعها.

ونتساءل: على أي شيء تعرض معتقداتهم؟ أعلى كتاب الله؟ هم لا يؤمنون به، أم على سنة رسول الله؟ هم لا يعتقدونها، لأن القرآن الموجود بأيدي الناس هومن جمع وترتيب وتأليف أبي بكر وعمر وعثمان، أعداء عليّ وأهل بيته، وغاصبي الخلافة، وظالمي أهل البيت - حسب زعم القوم - فكيف يؤتمن اللذين غصبوا حق علي وأولاده؟.

ألم يحذفوا من القرآن ما كان لإثبات أحقية علي بالخلافة وأولاده بعده، وما كان له من فضائل ومناقب ومحامد؟.

بل كيف نصدق أنهم لم يحذفوا من القرآن ما نزل في مساوئهم، وبيان نفاقهم وفسادهم - عياذاً بالله - والطعن فيهم والتعريض بهم؟ فالقرآن والحال هذه غير مصون من تلاعبهم، وغير محفوظ، إذاً فلا يعتمد عليه ولا يوثق فيه. ومن كان هذا شأنه أي لم يسلم من الحذف والتغيير بأيدي المخالفين كيف يرجع إليه لرفع المنازعات وحل الخلافات، ومع أولئك المخالفين؟!.

هذا في القرآن، وأما السنة فهي منقولة مروية من أناس ارتدوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - عياذاً بالله - وغيروا أحكامه، وبدلوا تعاليمه، ونبذوا إرشاداته وراء أظهرهم، ونكثوا بيعته ونقضوا ميثاقه الذي أخذه عليهم، والذين ظلموا أهل بيته، وآذوا ابنته واضطهدوا وصيه، وطردوا خليفته، واغتصبوا ماله وانتهكوا حرمته، وحرموا أهله من إرثه، واقتحموا عليهم بيتهم، وضربوا بضعته ولحمه ودمه - إلى غير ذلك من الأباطيل والأضاليل - فمن كان هذا شأنهم فكيف يوثق بهم، ويعتمد على رواياتهم التي ينقلونها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

ولذلك تراهم لا يلجئون إلى كتاب الله، وإلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام عند الاحتجاج واللجاج، بل يلجئون إلى أساطير وقصص اخترعوها واختلقوها لإحقاق باطلهم وإبطال الحق، ونسبوها إلى أهل علي رضي الله عنه، وهم منها براء.

والنتيجة إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس وسنة النبي الثابتة، أوبتعبير أصح منه: اعتقاد التحريف في القرآن بأنه غيّر وبدّل، وكذلك السنة النبوية، إنها منقولة بطريق المغيرين والمبدلين والمرتدين.

تلك بعض أسس المذهب الاثنى عشرية وبدون ذلك لا يثبت مذهبهم.

ولأجل ذلك قال السيد هاشم البحراني المفسر الشيعي الكبير في مقدمة تفسيره "البرهان":

وعندي في وضوح صحة هذا القول (بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة فتدبر" [البرهان في تفسير القرآن، مقدمة الفصل الرابع ص49 ط إيران].

ومثل هذا ما نقله النوري عن خاتمة محدثي الشيعة ملا باقر الملجسي، وزاد بعد سرد رواية تنص على تغيير القرآن وتحريفه قوله:

"لا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار صريحة في نقص القرآن وتغييره، متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل أظن أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر" [مرآة العقول للملا باقر المجلسي باب إن القرآن كله لم يجمعه إلا الأئمة عليهم السلام نقلاً عن فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي الشيعي ص253].

وبذلك قال المحدث الشيعي المشهور نعمت الله الجزائري رداً على من يقول بعدم التحريف في القرآن:

"إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" [الأنوار النعمانية للجزائري ج2 ص357 طبعة جديدة].

إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل الشيخ (الطوسي) أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" [أيضاً نقلاً عن فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص251].

وأما الطبرسي فقال:

واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [فصل الخطاب ص252].

وقال خاتمة محدثي القوم الملا باقر المجلسي في كتابه "حياة القلوب" إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلن يوم الغدير:

إن علي بن أبي طالب ولي ووصي وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر.. فغصب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي كتاب الله، فحرفوه، وغيروه، وعملوا به ما أرادوه" [حياة القلوب للمجلسي الفارسي ص554 وما بعده - ط إيران].

ومثل هذا كثير، ومن أراد الاستزادة في معرفة أقوال أئمة القوم وأعلامهم في هذا الباب، فليرجع إلى كتابنا (الشيعة والقرآن) حيث قد فصلنا القول فيه، وبينا هنالك أن أمر تحريف الصحابة للقرآن عقيدة عند الشيعة متواترة منقولة من سلفهم غير الصالح إلى خلفهم في جميع العصور والأدوار، وإنها لعقيدة القوم أجمعهم بلا استثناء، اللهم إلا من تظاهر بعدم القول بالتحريف تقية وتهرباً من إيرادات المعترضين وأدلة اعتراضاتهم.

ومن الغرائب أن المتظاهرين هؤلاء لم يزد عددهم أيضاً على الأربعة، من بين المتقدمين، كما ذكرهم محدثوالشيعة، ومفسروهم في كتبهم، وهم، ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق وأستاذ الفقيه محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد المتوفى سنة 381ه‍. والسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة 436ه‍، وأبوجعفر الطوسي تلميذ الشيخ المفيد المتوفى سنة 460ه‍. وأبوعلي الطبرسي المتوفى سنة 548ه‍.

فهؤلاء الأربعة من المتقدمين الذين تظاهروا بعدم اعتقاد التحريف في القرآن لا خامس لهم إطلاقاً من بين متقدمي الشيعة من مفسرين ومحدثيهم وفقهائهم. وبذلك صرح المحدث الغوري الطبرسي أن القائلين بعدم التحريف:

"هوالصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) ولم يعرف من القدماء موافق لهم.. وممن صرح بهذا القول أبوعلي الطبرسي.. وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشائخ الأربعة" [فصل الخطاب ص33، 34].

وإن هؤلاء الأربعة لم يلجئوا إلى التظاهر بإنكار هذه العقيدة التي عليها أساس المذهب الشيعي وبناؤه إلا خداعاً ومكراً، وتقية وكذباً كما أثبتناه في كتابنا (الشيعة والقرآن) بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والحجج اللامعة، ومن كتب الأربعة أنفسهم، وكما صرح بذلك علماء الشيعة أنفسهم، فها هوالمحدث الشيعي المشهور السيد نعمت الله الجزائري يقول بعد إثبات التحريف في القرآن بالأخبار المستفيضة والمتواترة:

نعم! قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هوالقرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تغيير ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن [وقد أثبتنا بفضل الله وتوفيقه من كتب هؤلاء أنفسهم في كتابنا (الشيعة والقرآن) أنهم يعتقدون التحريف في القرآن أيضاً حيث يسوقون روايات عديدة تدل عليه، ولا يسوقونها فحسب، بل يستدلون بها ويبنون عليها الأحكام ويستنبطون منها المسائل، فارجع إليه فإنه نفيس] وإن الآية هكذا أنزلت ثم غيرت.. وإنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين عليه السلام بوصية من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل، أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل، فقال له عمر بن الخطاب: لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك؛ عندنا قرآن كتبه عثمان، فقال لهم علي عليه السلام: لن تروه بعد هذا اليوم، ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي عليه السلام، وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة، وهوخال من التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها - صلى الله عليه وسلم -، وهي ألا يكذبون في أمر القرآن، بأن يقولوا: إنه مفترى، أوإنه لم ينزل به الروح الأمين، كما قاله أسلافهم، بل قالوه هم أيضاً، وكذلك جعل معاوية من الكتّاب قبل موته بستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضاً، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون إلا في المسجد مع جماعة الناس، فما يكتبون إلا ما نزل به جبريل عليه السلام بين الملأ.

أما الذي كان يأتي به داخل بيته - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين عليه السلام، لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً، فكان يتفرد بكتابة مثل هذا، وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هوخط عثمان، وسموه الإمام وأحرقوا ما ساه أوأخفوه، وبعثوا به زمن تخلفه (توليه الخلافة) إلى القطار والأمصار. ومن ثم ترى قواعد خطه تخالف قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد واوالمفرد وعدمها بعد واوالجمع وغير ذلك، وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم إطلاع عثمان على قواعد العربية والخط.

وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن تخلفه إلى علي عليه السلام بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي كان ألفه، وكان عليه السلام يعلم أنه طلبه لأجل أن يحرقه كقرآن ابن مسعود أويخفيه عنده حتى يقول الناس: إن القرآن هوهذا الكتاب الذي كتبه عثمان لا غير، فلم يبعث به إليه وهوالآن موجود عند مولانا المهدي عليه السلام مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء، ولما جلس أمير المؤمنين عليه السلام على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن، وإخفاؤه هذا راجع لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتمتعين، متعة الحج ومتعة النساء، حتى قال عليه السلام: لولا ما سبقني بنوالخطاب ما زنى إلا شفاً، يعني إلا جماعة قليلة، لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة" [الأنوار النعمانية لنعمت الله الجزائري ج2 ص357 وما بعد].

وبمثل ذلك ذكر علامة الشيعة في الهند السيد محمد اللكنوي، رداً على من قال بعدم التحريف في القرآن، وهذه هي عبارته:

"أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس فهومحل النظر، بل هوظاهر الفساد، لأن الروايات التي بلغت حد التواتر تدل على أن علي بن أبي طالب هوالذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فتبقى هذه الروايات لغواً محضاً، لا قيمة لها. وهذا مع أن الروايات قد كثرت عن المعصومين أن القرآن الحقيقي مخزون مودع مودع عند صاحب العصر عليه الصلاة والسلام" [ضرب حيدري ج2 ص78 - ط الهند].

ومثل هذا لكثير.

ومن الغرائب أن السيد الدكتور وافي، الذي لا يعرف عن عقائد الشيعة شيئاً، أويعرف ويتجاهل، كيف استساغ أن يرد على من يتهم الشيعة باعتقادهم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، والمضمون حفظه وسلامته من أي تغيير وتبديل، وصيانته من نقص وزيادة من قبل الله عز وجل؟ كيف يجيز لنفسه أن يرد على من يقول في الشيعة: بأنهم لا يؤمنون بهذا الكتاب؟ بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل يعتقدون وقوع التغيير والتبديل والتحريف فيه؟ ولا يقولونه من عند أنفسهم، بل بنقل الروايات الكثيرة الكثيرة، التي بلغت حد الاستفاضة والتواتر، وكلها منقولة من أئمتهم حسب زعمهم برواية الثقات عن الثقات، والعدول عن العدول، في صحاحهم وكتب الحديث التي تعد من الأصول، وكذلك في كتب التفسير والفقه، وحتى كتب العقائد؟!

ومن أين له أن يختلق لهم الأعذار التي لم يعتذر بها الشيعة أنفسهم، بنقل آراء الآحاد منهم، وفي النقل خيانة أيضاً - حسبنا الله -؟ وما كان في ظني أن أمثال الدكتور يأتون بها، ولولا لعبة واضحة لعب بها السيد الدكتور في كتيبه ما استعملت في حقه هذه الكلمات غير المناسبة، في شأنه ومقامه، ولكن على أي شيء أحمل كلامه في الدفاع عن الشيعة حول اعتقادهم في القرآن؟!

"وقد تصدى كثير من الشيعة الجعفرية أنفسهم للرد على هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها، وبطلان نسبتها إلى أئمتهم، وأنها ليست من مذهبهم في شيء" [بين الشيعة وأهل السنة للدكتور وافي ص38].

ولم يستطع بعد هذا الادعاء العريض أن يبرهن على ذلك بالدليل، ويستدل بالحجة، ويستند ولوبرواية واحدة عن أئمة القوم؟؟ وأنى له هذا؟ فقد عجز عنه الشيعة قاطبة بأن يأتوا برواية واحدة عن أئمتهم المعصومين بطرقهم أنفسهم تنص وتدل على أن القرآن الموجود بأيدي الناس هوقرآن كامل سالم من لحوق أي تغيير وتحريف فيه!.

نعم! قد ذكر السيد الدكتور بعد هذا الادعاء الفارغ بأنه جاء في تفسير الصافي:

"وأما الشيخ أبوعلي الطوسي فإنه قال في مجمع البيان: أما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان والتغيير فقد روى عن جماعة من أصحابنا وجمع من حشوية العامة، والصحيح من مذهبنا خلافه.. إلخ" [بين الشيعة وأهل السنة ص38، 39].

وأغرب ما يكون في الأمر هوتحمس الدكتور في الدفاع عن الشيعة حيث أنه عقب بعد هذه العبارة الطويلة ما نصه:

وجاء في كتاب مجمع البيان (للطوسي)

وأما الكلام في زيادته.. إلخ [بين الشيعة وأهل السنة ص38، 39].

يعني أعاد نفس الكلام الذي ذكره مقدماً، وعن نفس الرجل ونفس الكتاب بفرق أنه أولاً نقل كلامه من تفسير الصافي بواسطة، ثم عنه بلا واسطة، وبنفس المعنى والمفهوم، فلا ندري ما فائدة التكرار؟ أيكون لحاجة في نفس يعقوب قضاها؟..

أم لماذا؟..

والظاهر أنه أورد هذا لافتقاره وإفلاسه بأن يجد دليلاً على ما ادعاه، وبرهاناً على دعواه، "إن كثيراً من الشيعة أنفسهم تصدى لرد هذه الأخبار الكاذبة وبيان بطلانها".

فمن هم الكثيرون يا ترى؟

فاضطر لأن يعدد الواحد ويذكر عبارة واحدة عن كتابين مختلفين والصادرة عن شخص واحد.

فهل هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ؟

نعم! هنالك، حيث ادعى أن كثيراً من أئمة الشيعة أنفسهم ردوا هذا الاعتقاد، ولقد أوهم بأن صاحب تفسير الصافي وصاحب مجمع البيان أبا علي الطوسي من أئمة الشيعة، وليس الأمر كذلك إطلاقاً، لأن كلاً منهما ليس بإمام.

ثم خطأ آخر هوأنه أوهم بنقل هذه العبارة عن الصافي؛ أن صاحبه أي السيد المحسن الملقب بالفيض الكاشاني يعتقد بهذا الاعتقاد حسب ما ينقل عن أبي علي الطوسي، مع أن الكاشاني في تفسيره لم ينقل كلام الطوسي إلا للرد عليه والجواب على مقولاته، وبين اعتقاده واضحاً صريحاً مثل الآخرين من مفسري الشيعة ومحدثيهم وفقهائهم ومتكلميهم، ولذلك قال بعد نقل كلامه:

أقول لقائل أن يقول: كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم، والتغيير فيه إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هوعليه الآن، والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك، فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول:

إنه ما تغير في نفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هوعليه عند أهله وهم العلماء به. فما هوعند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.

وأما كونه مجموعاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما هوعليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً؟ وكان لا يتم إلا بتمام عمره؟ وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه" [تفسير الصافي لفيض الكاشاني ج1 ص35، 36، المقدمة السادسة -ط إيران].

وأطراف من هذا كله أن السيد الدكتور نقل عن أحد المحامين ببغداد الأستاذ الفكيكي أنه قال: إن الأخبار الواردة في نقصه وتحريفه ضعيفة شاذة، وأن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار، بل لقد كفروا من دعاها" [بين الشيعة وأهل السنة ص40].

ولا أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء؟

من يسأل الدكتور الناقل المحض بدون تدبر وتعقل: هل هذه هي الأدلة على ثبوت دعواه بأن أئمة الشيعة ردوا هذه الأخبار الكاذبة وبينوا بطلانها؟ ولم يستطع سيادة الدكتور في كتيبه كله أن ينقل تضعيف هذه الأخبار إلا من محام ببغداد لا نعرف من هو، وما مقامه في العلم ومكانته لدى الشيعة؟

ثم إن هذا المحامي أيضاً لم يضعف الروايات ولم يين شذوذها بطريقة علمية معروفة، بل ادعى أن مشائخ فقهاء الإمامية ضربوا بها عرض الجدار.

فمن هم أولئك المشائخ؟، وفي أي عصر كانوا؟ وبأي دليل قالوا؟ وأين وجدوا.. في أي أرض وفي أي قطر؟ وفي أي كتاب وأية صحيفة؟

دعوى بلا بينة، وكلام بلا برهان.

وزاد الطين بلة أن المحامي المذكور، ذكر كما نقل عنه الدكتور بخط مكبر جداً، بل لقد كفروا من ادعاها [انظر: صفحة 40 من كتيبه].

وإن كان الأمر كذلك فمن كان من أعيان الشيعة وعلمائها مسلماً.. بالله خبروا! أبوجعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب كتاب الكافي، إمام محدثي الشيعة وعمدتهم في الحديث، أم أستاذه علي بن إبراهيم القمي، صاحب تفسير القمي شيخ مشائخ الشيعة في التفسير وشيخ الكليني أيضاً، أم محمد بن مسعود العياشي، عين عيون الطائفة الشيعية، وصاحب أقدم تفسير شيعي، أم محمد بن الحسن الصغار، صحابي الحسن العسكري الإمام المعصوم عندهم، وأستاذ الكليني أيضاً، أم فرات بن إبراهيم الكوفي، المفسر الشيعي القديم، وأستاذ والد ابن بابويه القمي، وشيخ شيخه، أم محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، أستاذ شيخ الطائفة الطوسي، أم محمد بن إبراهيم النعماني، تلمي الكليني وصاحب كتاب الغيبة، أم المفسر محمد بن العباس الماهيار، أم شيخ المتكلمين أبوسهل إسماعيل بن علي، أم الفيلسوف أبومحمد حسن بن موسى، أم الشيخ الجليل إسحاق بن إبراهيم، أم إسحاق الكاتب، أم رئيس الشيعة الذي ربما قيل بعصمته أبوالقاسم حسين بن روح السفير الثالث بين الشيعة والغائب، أم شيخ الأقدمين فضل بن زاذان، أم محمد بن الحسن الشيباني الشيعي صاحب تفسير نهج البيان، أم محمد بن خالد البرقي، أم علي بن الحسن الفضال، أم محمد بن الحسن الصيرفي، أم أحمد بن محمد السيار من المتقدمين؟!

ومن المتأخرين الكثيرون ممن لا يعدون ولا يحصون من مفسري الشيعة، ومحدثيهم، وفقهائهم، ومتكلميهم، ممن ذكرنا أسماء الكثيرين منهم في كتابنا (الشيعة والقرآن).

وهؤلاء هم عمدة مذهب الشيعة وقدوتهم، نواب أئمتهم المعصومين، ومبلغوأخبارهم، وحفظة أحاديثهم، ونقلة آثارهم، وكلهم صرحوا بالتحريف والتبديل والتغيير في القرآن بدون إبهام ولا غموض. وقد صنف بعض منهم كتباً مستقلة، وألف البعض الآخر أجزاء منفصلة لبيان عقيدة الشيعة في القرآن وإثبات التبديل والتغيير فيه.

فإن كان هؤلاء كلهم كفرة، فمن كان من القوم مسلم؟!

ولا يهمنا ذلك ونحن نعلن على ملأ الأشهاد بأن الشيعة لوأعلنوا بهذا الاعتقاد، ووافق علماؤهم على هذا القول بأن كل من يقول بالتحريف والتغيير في القرآن أويعتقد الحذف والنقص فيه فهوكافر، أياً من كان، فنحن نوافقهم على ذلك، ونهنئهم ونبارك لهم بأن الله هداهم إلى سواء السبيل، فليعملوا مع أولئك الأعلام معاملة ما يقرون ويعلنون، ويرموا كتبهم في النار، ويتبرءوا منهم ومن كتبهم، ونحن نتبرأ مما قلناه عنهم، ومما نقوله، ونتوب إلى الله ونستغفره.

فهل من مقدم يقدم؟ وهل من مجيب يجيب؟ وهل من سامع يسمع ويستجيب؟ {وما أنت بمسمع من في القبور}.

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ثم إن الدكتور وافي لا يدري بأن هذا القول - أي القول بتحريف القرآن وتغييره وتبديله - ليس بقول شاذ، بل هوالقول المعمول به في جميع الأجيال الشيعية وعند جميع الطبقات قديماً وحديثاً، وهومبني على أقوال المعصومين حسب زعم القوم، وهم الحجة عندهم لا غيرهم؛ لأنهم لا يعتقدون العصمة في غيرهم ومن سواهم، ولم يخرج عن هذا الاعتقاد إلا من شذ وند، ولم يخرج هؤلاء الآحاد الشذاذ إلا تهرباً من العار الذي لحقهم، والفضيحة التي لزمتهم، ولم يكن رأيهم مبنياً على أصول شيعية ولا مستنبطاً من أقول المعصومين.

ولذلك قال سلطان علماء الشيعة - كما يلقبونه - السيد محمد دلدار علي.. بعد ذكر كلام المرتضى في عدم التحريف في القرآن:

"فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصوماً حتى يكون من الواجب أن يطاع، ولوثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه ولا ضير فيه" [ضربت حيدري ج2 ص81 - ط الهند].

وقال المحدث النوري:

اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [فصل الخطاب للنوري الطبرسي ص252 - ط إيران].

وقال خاتمة المحدثين لدى الشيعة الملا باقر المجلسي:

"لا يخفى أن كثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عليها رأساً" [مرآة العقول للمجلسي نقلاً عن فصل الخطاب ص353].

وقال الجزائري:

"إن الأخبار الدالة على هذا تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيره، بل إن الشيخ الطوسي أيضاً ذكر في التبيان كثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" [مرآة العقول للمجلسي نقلاً عن فصل الخطاب ص253].

والجدير بالذكر أننا أوردنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) أكثر من ألف حديث شيعي من مختلف الطرق ومختلف الرواة ومختلف الكتب، كلها تنص وتصرح بأن القرآن مغير ومحرف، زيد فيه ونقص منه كثير، غير ما ذكرناه في كتابنا (الشيعة والسنة). من الأسباب التي جعلت الشيعة يعتقدون هذا الاعتقاد الزائغ الخبيث بنقل روايات كثيرة كثيرة من أمهات كتب القوم.

وبعد هذا كله لا ندري كيف يجرؤ أحد ويجسر على خداع المسلمين بأن الروايات الشيعية التي تخبر وتدل على التحريف في القرآن روايات شاة وضعيفة.

فهل يحكم على المتواتر بالشذوذ والضعف؟

وأهكذا تقلب الحقائق؟ ويكذب الصدق؟

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أوكنت تدري فالمصيبة أعظم!

ومع ذلك فليس من يتظاهر بإنكار التحريف في القرآن من الشيعة، ولا من يدافع عنهم بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير من غير الشيعة، يستطيع أن يورد ولورواية واحدة ضعيفة أوشاذة مروية عن المعصومين لدى الشيعة تنص وتصرح بأن القرآن الموجود بأيدي الناس هوالمنزل من السماء، ومحفظ بحفظ الله له، غير مغير ولا مبدل فيه، لا يعتريه نقص ولا تلحقه زيادة.

فكيف يحق للشيعة والمناصرين لهم والمستميتين الدفاع عنهم والتأييد لهم، أن يقولوا: إن روايات بلغت التواتر تثبت التحريف.. هي روايات شاذة؟

ثم من يخبر سعادة الدكتور وافي، أن الرواية لا يحكم عليها بالضعف والشذوذ إلا بمكانة الراوي الذي رواها، ومكانة الكتاب الذي وردت فيه، لا كما قاله هو:

"ولووردت عن شيخ من شيوخهم أوفي مؤلف من أمهات مراجعهم، ولوأسندها هذا الشيخ أوهذا المؤلف إلى الإمام الصادق نفسه، فمن ذلك مثلاً ما ينسبه الكليني في كتابه (الكافي) إلى الإمام الصادق من القول بأن القرآن الذي نزل به الوحي على محمد يزيد على سبعمائة وسبع وسبعين آية عن الذي نقوله، وأن الباقي مخزون عند آل البيت.. فعلى الرغم من أن راوي هذه الأقوال ومدعي نسبتها إلى الإمام الصادق هوشيخ من أكبر شيوخهم وهوأبوجعفر الكليني، والذي يعد الرواية الأول لأخبارهم، وعلى الرغم من أن الكتاب الذي وردت فيه هذه الأخبار، وهوكتاب (الكافي) هوأحد الكتب الأربعة التي يعدونها الأصول لمذهبهم، وينزله كثير منهم منزلة البخاري عند أهل السنة على الرغم من هذا كله فإنهم يحكمون ببطلان ما ورد في هذا الكتاب من أقوال عن القرآن الكريم، فلا يصح أن نحاسبهم على رأي قد حكموا هم ببطلانه ولا أن نعده من مذهبهم مهما كانت مكانة راويه عندهم ومكانة الكتاب الذي ورد فيه" [بين الشيعة وأهل السنة ص29، 30 (م6 - بين الشيعة وأهل السنة)].

وإننا لا نكثر الاستغراب حينما نسمع رأياً مثل هذا الرأي عن شيخ جاوز الثمانين من عمره، وقد أفناه في التعلم والتعليم، والدرس والتدريس - اللهم إنا نعوذ بك أن نرد إلى أرذل العمر، وعن الجهل بعد العلم.

فلعل سيادته يريد أن يبتكر مصطلحاً جديداً في الحديث لأن كل واحد سواه، ممن له إلمامة بسيطة بالمصطلح، يعرف أن الحكم على الحديث والرواية لا يكون إلا بالإسناد، فالحديث الذي رواه الثقات العدول الضباط واحداً بعد واحد يحكم عليه بالصحة، والعكس صحيح، وكذلك كل رواية وردت في البخاري أومسلم عند السنة لا يلتفت إلى سنده حيث أن مؤلفيهما قد ألزما نفسيهما بإيراد الصحيح في كتابيهما لا غير خلافاً لمن لم يلتزم بذلك.

وكذلك الكافي عند الشيعة فإن ورد حديث فيه فلا يلتفت إلى سنده ورواته، لأنه مجرد وروده في الكافي يكفي للحكم على صحته وتوثيقه، كما صرح بذلك الكثيرون من محدثي الشيعة وعلمائهم، ومنهم المحدث النوري الطبرسي في آخر كتابه الكبير (مستدرك الوسائل) [مستدرك الوسائل ج3 ص532 - ط إيران].

هذا ولقد أكثر الشيعة الكلام في تمجيده والثناء عليه في كتب الرجال والمصطلح والشروح، وقد أوردنا بعضاً منها في كتابنا (الشيعة والقرآن).

ونكتفي بذكر عبارة واحدة عن الرجال المشهور العباس القمي، أنه قال في الكافي:

هوأجل الكتب الإسلامية وأعظم المصنفات الإمامية والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى محمد أمين الاستر آبادي في محكى فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أويدانيه" [الكنى والألقاب ج3 ص98 - ط إيران].

وفوق ذلك أنه موثق من قبل المعصوم - الغائب الموهوم - الذي لا يخطئ ولا يغلط" [روضات الجنات ج6 ص116، مقدمة الكافي ص25].

ثم لم ينفرد بسرد هذه الروايات الكليني وحده، بل شاركه في ذلك أساطين الشيعة وكبراؤهم في الحديث والتفسير والفقه والكلام قبله وبعده كما ذكرناه سابقاً، بل إن الذين تظاهروا بالإنكار أوردوا روايات التحريف كتبهم كما وضعنا النقاط على الحروف في كتابنا (الشيعة والسنة) و(الشيعة والقرآن) وعلى ذلك تناقل هذه العقيدة جيل بعد جيل من الشيعة، ولم يقتصر ذكرها في كتب الروايات بل أوردوها في كتب العقائد أيضاً، فهذا هوشيخهم المفيد، الذي يقولون فيه:

إنه أجلّ مشائخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وإنه أوثق أهل زمانه في الحديث، وإنه كان متقدماً في علم الكلام والفقه [مقدمة أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص24، 25 - ط مكتبة الداورى - ط إيران].

وإنه هوالذي سن طريق الكلام لمن بعده إلى اليوم [أعيان الشيعة ص237 الطبعة الأولى بدمشق].

وقال فيه ابن النديم الشيعي:

انتهت إليه رئاسة متكلمي الشيعة، مقدم في صناعة الكلام [الفهرست لابن النديم ص252 - ط مصر].

وإنه كان وحيد دهره في كل العلوم، انتهت إليه رئاسة الشيعة [تأسيس الشيعة العلوم للمحسن الصدر ص312 - ط العراق].

وهوتلميذ لابن بابويه القمي الملقب الصدوق وأستاذ للشريف الرضى، والشريف المرتضى الملقب بعلم الهدى، وأبي جعفر الطوسي الملقب بشيخ الطائفة [وهذان أي المرتضى والطوسي هما اللذان تظاهرا بإنكار التحريف في القرآن]، والنجاشي [انظر: كتب الرجال للشيعة].

المفيد هذا يذكر في كتابه العقائدي المشهور (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات) عند سرد عقائد الشيعة في الرجعة، والبداء، وتحريف القرآن:

"واتفقت الإمامية على وجوب الرجعة.. واتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه بموجب التنزيل وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية" [أوائل المقالات ص52].

هذا في التأليف أما الزيادة فيه والنقصان فقال:

"أقول: إن الأخبار د جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان، فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم، ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم يرتب بما ذكرناه.

وأما النقصان فإن العقول لا تحيله ولا تمنع من وقوعه، وقد امتحنت مقالة من ادعاء وكلمت عليه المعتزلة وغيرهم فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها في فساده - ثم يرد على من قال بحذف التأويل والتفسير، لا نفس القرآن - فيقول: من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة إليه أميل.. وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه، ويجوز صحتها من وجه.. ولست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه، وهذا المذهب خلاف ما سمعناه من بني نوبخت (قادة الشيعة وزعمائهم في عصرهم) رحمهم الله من الزيادة في القرآن والنقصان فيه، وقد ذهب إليه جماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار" [أوائل المقالات لمحمد بن نعمان العكبري الملقب بالمفيد ص93 وما بعدها].

فهذه هي عقيدة الإمامية، المثبتة في كتب العقائد أن القرآن على خلاف التنزيل، وأنه محرف منقوص، وأما الزيادة عليه.. فإليه ذهب بنونوبخت وجماعة من متكلمي الإمامية وأهل الفقه منهم والاعتبار، كما صرح بذلك من انتهت إليه رئاسة الشيعة: شيخ علم الهدى وشيخ الطائفة الطوسي وتلميذ ابن بابويه القمي في كتابه الذي وضعه لبيان عقائد الشيعة الاثنى عشرية، بعد تصريحه بأن الأخبار قد وردت مستفيضة عن الأئمة المعصومين باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين من الحذف فيه والنقصان.

ولقد تناول الشيعة هذه العقيدة، وتوارثوها، خلفاً عن سلف، وأثبتوها في كتب العقائد وجعلوها من لوازم مذهب الشيعة كما صرح بذلك الكثيرون الكثيرون، منهم مفسر الشيعة الكبير السيد هاشم البحراني حيث قال:

"اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات، وأن القرآن.. المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام، وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهواليوم عنده صلوات الله عليه".

"ولهذا كما قد ورد صرحاً في حديث سنذكره أن الله عز وجل كان قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين، إذ أنهم كلما اطلعوا على تصريح فيه ما يضر لهم، ويزيد في شأن علي عليه السلام وذريته الطاهرين، حاولوا إسقاط ذلك رأساً أوتغييره محرفين، فكان في مشيئته الكاملة من الطاقة الشاملة المحافظة على أوامر الإمامة والولاية، وممارسة مظاهر فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة، بحيث تسلم من تغيير أهل التضييع والتحريف، ويبقى لأهل الحق مفادها، مع بقاء التكليف، لم يكتف بما كان مصرحاً به منهما في كتابه الشريف، بل جعل جل بيانها بحسب البطون، وعلى نهج التأويل، وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق المجاز والتعريض، والتعبير عنها بالرموز والتورية، وسائر ما هومن هذا القبيل، حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً، ولوبعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل" البرهان، مقدمة تحت عنوان "المقدمة الثانية في بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وإنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله ص36 - ط إيران].

ثم قال بعد نقل هذه العقيدة عن كبار القوم وذكر أسمائهم:

"وعندي يقين من وضوح صحة هذا القول (أي القول بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع" [البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، الفصل الرابع من المقدمة ص49 - ط إيران].

وقال مثل ذلك الشيخ علي أصغر البروجردي من أعيان الشيعة في القرن الثالث عشر في الكتاب العقائدي:

"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل وهوموجود عند إمام العصر (الغائب) عجل الله فرجه، لا عند غيره، وإن المنافقين قد غيروا وبدلوا القرآن الموجود عندهم" [كتاب عقائد الشيعة فارسي ص27 - ط إيران].

وبمثل ذلك كتب الملا محمد تقي الكاشاني في كتابه هداية الطالبين [ص368 - ط إيران] وزين العابدين الكرماني في رسالته تذييل [ص13 وما بعد - ط مطبعة سعادة بكرمان إيران]، وأخوه في كتابه حسام الدين، وقبلهما أبوهما محمد كريم خان المتوفى سنة 1288ه‍، صرح بذلك في كتابه نصرة الدين وأيضاً في كتابه إرشاد العوام الذي ألفه في العقائد، والسيد علي بن نقي الرضوى مجتهد الشيعة بالهند في كتابه إسعاف المأمول [ص115 - ط مطبعة اثنا عشرى لكنؤ الهند سنة 1312ه‍] وغيرهم.

هذا ولقد ذكرنا في كتابنا (الشيعة والقرآن) وقبله في (الشيعة والسنة) بأن علماء الشيعة ألفوا كتباً ورسائل مستقلة في إثبات التحريف في القرآن في كل عصر وبلد وجدوا فيه، ولا يخلومكان أوزمان لم تصنف فيه مثل هذه الكتب كما أثبتنا أسماءهم وأسماء كتبهم في كتبنا المذكورة، ولم ينكر هذه العقيدة، من أنكر منهم، إلا مداراة للمسلمين، وتقية وخداعاً لأهل السنة، وسداً لباب المطاعن، ولم يبنوا إنكارهم هذا على رواية من أئمتهم المعصومين حيث يزعمون أن مذهبهم قائم على آرائهم وأفكارهم، ولا على أصول مطر موجود.

رغم أن القائلين بهذه المقولة، المتجاهرين بهذه العقيدة، بينوا أسباباً ألجأتهم إلى اعتناقها والاعتقاد بها. وأصول المذهب وأسسه التي وضع عليها.. تقتضي ذلك أيضاً، وساندها وناصرها رجال من الشيعة، لولاهم لما قام لديانتهم عود، ولا استقام لها عمود.

وهذا واضح وجلي، لا نظن أنه يخفى على عاقل وبصير [نظرة على ما كتبه البهنساوي:

من الغريب والمؤسف حقاً أن بعض من ينتسب إلى العلم من أهل السنة انخدع بأباطيل الشيعة وأكاذيبهم فكيف انخدع؟، وكيف خطف بصره بريق عقائدهم المزورة الكاذبة؟، وكيف سمح له علمه قبل ضميره ودينه أن يتصدى للدفاع عنهم، وعن عقائدهم الخبيثة الملتوية، وعن آرائهم - المعوجة، وأفكارهم الزائغة عن سواء السبيل؟.]، إلا من أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله؟!

كيف يكتب بدون معرفة وعلم، وبدون فقه وبصيرة؟ لقد ظهر جهله الكلي بأصول مذهب الشيعة الاثنى عشرية والأسس التي قام عليها، بسبب عدم اطلاعه على كتبهم الأصلية، ومراجعهم القديمة والحديثة الأصيلة، في التفسير والحديث والفقه والكلام والتاريخ، مثل السيد الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (بين الشيعة وأهل السنة) والأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها)، والدكتور عز الدين إبراهيم في كتابه (لا أساس للخلاف بين السنة والشيعة) وغيرهم من المخدوعين والمغترين بلا علم، وإن الله عز وجل يقول في كتابه: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [سورة الإسراء الآية36].

وقال جل وعلا: {.. ولا تكن للخائنين خصيماً، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهومعهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا} [سورة النساء الآية105 إلى 109].

ولقد بينا فيما سبق أغلوطات السيد الدكتور وفي ومغالطاته وجهله، أوتجاهله لكتب الشيعة وعقائدهم، ونريد أن نذيل بحثنا هذا بنظرة خاطفة على ما كتبه الأستاذ سالم علي البهنساوي في كتابه (السنة المفترى عليها) حيث تعرض سيادته لما كتبنا عن الشيعة وعن عقائدهم وآرائهم حول القرآن في كتابنا (الشيعة والسنة) فوقف موقف المدافع عن الشيعة، والمكذب لما قلناه عنهم جاهلاً قواعد البحث، ومبادئ الخلاف، وأصول المناقشة، كما أثبت على نفسه أنه لا يعرف عن معتقدات الشيعة وكتبهم التي تبحث فيها، كثيراً ولا قليلاً.

فإن السيد الأستاذ البهنساوي عقد فصلاً مستقلاً في كتابه بعنوان (حوار حول دعوى تحريف الشيعة للقرآن) [صفحة 26 - ط دار البحوث العلمية الكويت الطبعة الأولى سنة 1979م]، فكتب يقول:

"لقد وجدنا بين أهل السنة ومن ينشر كتباً تتضمن أن الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة يراد بها تقريب السنة إلى معتقدات الشيعة التي تزعم أن القرآن الكريم محرف، وهذه وغيرها من البدع التي تنسجها الأيدي اليهودية التي هي وراء الشيعة الإمامية".

وما جاء في هذه الكتب عن تحريف القرآن (أما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الموجود بين أيدي الناس والمحفوظ من قبل الله العظيم.. مكابرين للحق وتاركين للصواب.

فهذا هوالاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة أوبالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاد أن القرآن هوالذي بلغه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسلمين بأمر من الله عز وجل).

واستند هذا الكتاب وغيره إلى روايات للمحدث الشيعي الكليني في (الكافي في الأصول) واعتبره كالبخاري عند أهل الشيعة. كما نقل الكاتب هذا عن ابن بابويه القمي، ووصفه بأنه صدوق الشيعة" [السنة المفترى عليها لسالم علي البهنساوي ص66 - ط دار البحوث العلمية سنة 1979م].

وبدلاً من أن يبحث في الروايات ويتحقق من نسبتها إلى الكتب التي عزونا إليها، أونقدها نقداً علمياً معقولاً، بدل هذا كله كتب مقيماً الحجة عليه وعلى عدم علمه ومعرفته فقال:

"ولما كان البحث في كتب إخواننا الشيعة لكل من قرأ كتب إحسان ظهير ومحب الدين الخطيب وغيرهما ليس يسيراً فقد جمعت ما تضمنته هذه الكتب وقرنه بالمصادر والمراجع التي نقلت عنها من كتب الشيعة، وعرضت ذلك على الأخ الصديق الإمام محمد مهدي الآصفي ليبين رأي أئمتهم في هذا الموضوع" [السنة المفترى عليها ص67].

فمن كان هذا مبلغ علمه أله أن يحكم بين الناس؟ وأن يبين الحق من الباطل؟ وأن يفصل في القضية؟ أويبدي رأيا حاسماً للنزاع بالترجيح أوالتكذيب؟

وهل في العالم شخص يقر على نفسه وعلى أهله بالخطأ والغلط؟ ويعترف بقصوره وجريمته؟

وهل ذكرنا كلاماً منقولاً عن غير أئمتهم حتى يسأل شيعياً عن رأي أئمته في الموضوع؟

ثم ماذا كان رد العالم الشيعي غير الكلام الفارغ والدعوى بلا دليل أوبهان، دون التطرق إلى نقد الروايات التي أوردناها في كتابنا وأرسلها إليه الأستاذ البهنساوي حسب قوله، وبيان منطوقها ومفهومها، ودون بطلان نسبتها إلى قائليها، أوتجريح الكتب التي وردت فيها وغير ذلك من الأمور التي يتطلبها البحث العلمي والنقد الموضوعي، اللهم إلا ما ذكر عن السيد الخوئي ومحمد رضا المظفر والبلاغي وكاشف الغطاء والطباطبائي بأنهم أنكروا التحريف في القرآن [انظر: صفحة 68 وما بعد من الكتاب المذكور].

والجدير بالذكر أولاً: أن هؤلاء الخمسة كلهم من المتأخرين ومن عصرنا هذا، وليسوا من العمدة في المذهب، ولا يعدون من أئمة التشيع.

ثانياً: أن بعضاً منهم كتبوا مقولاتهم هذه في كتب دعائية لم تكتب للشيعة بل كتبت لخداع المسلمين أهل السنة، ولسد باب المطاعن عليهم.

ثالثاً: أن جميع المذكورين ممن يدينون بدين التشيع، الدين الذي قالوا فيه نقلاً عن جعفر أنه قال:

"إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" [الكافي للكليني ج2 ص222 - ط إيران وج1 ص485 - ط الهند].

و"إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له" [الكافي في الأصول ج2 ص217 - ط إيران وج1 ص482 - ط الهند].

سوف نذكر هذا البحث في محله من هذا الكتاب إن شاء الله.

رابعاً: أن كل واحد من هؤلاء لم يفصح عن سبب اعتقاده عدم التحريف في القرآن، ولا الجواب على ما ورد عن أئمتهم وروداً مستفيضاً متواتراً.

خامساً: لم يدع واحد من هؤلاء أن مذهب التشيع مبني على آرائه وأقواله، كما لم يدع العصمة لنفسه مع إقراره وإعلانه أن مذهبه مأخوذ من أئمته المعصومين الاثنى عشر من علي وأولاده، ومبني على أقوالهم، وأفكارهم، وهذه الآراء والأفكار لم تنقل إلا من كتب الأصول الأربعة، أهمها وأجلها الكافي للكليني، والكتب الأخرى التي نقلنا منها تلك المرويات التي تدل صراحة على التحريف في القرآن.

سادساً: أن ليس أحد من هؤلاء يساوي أويضاهي أويداني واحداً ممن جاهر بالقول بالتحريف من المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والمفسرين والفقهاء والمتكلمين، ولم يذكر هؤلاء الخمسة أولئك المجاهرين بالتحريف إلا بكل التعظيم والتكريم والإجلال والتفخيم وتلقيبهم إياهم بالأئمة والكبراء والزعماء والقادة، فأين الخوئي من الصفار؟ والبلاغي من الكليني؟ والطباطبائي من القمي والعياشي والفرات الكوفي؟ والمظفر وكاشف الغطاء من المفيد، والطبرسي؟ أين هؤلاء من أولئك؟

سابعاً: لم يستطع هؤلاء التقول بأنهم لم يكونوا معتقدين التحريف في القرآن.

ثامناً: لم يبنوا فساد مقولتهم وسبب ضعف أقوالهم وعلة الضعف؟.

تاسعاً: بعض هؤلاء أنفسهم أوردوا في كتبهم نفس الروايات التي تنص على التحريف في القرآن دون التعرض لها بالنقد والجرح.

عاشراً: لم يتجرأ واحد منهم على أن يكتب كتاباً أوجزءاً مستقلاً أورسالة مستقلة لإثبات عدم التحريف في القرآن والرد على قائليه مع بيان بطلان ما ذهبوا إليه.

{تلك عشرة كاملة.. } [سورة البقرة الآية196]، {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهوشهيد} [سورة ق~ في الآية37].

{.. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} [سورة الزمر الآية9].

ولوكان مجرد الإنكار يكفي فلا يلزم خصم من العالمين بشيء لأنه أنكر، ووجد من ينكر معه من جماعته اثنين أوثلاثة، فالسني مثلاً لا يلزم بشيء ورد في الصحيحين، أوفي الصحاح الأخرى غيرهما، أوالمجاميع والمسانيد، ولوبطريق الثقاة الضباط العدول؛ لأنه ينكر صحته.! دون الرجوع إلى قواعد ثابتة وأسس متينة، وكذلك الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي، وأكثر من ذلك اليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، يمكن أن يتظاهر الواحد منهم بإنكار أي شيء لا يجد الجواب عنه، ويجد نفسه في مأزق ضيق حرج.. مع إقرار قادتهم وسادتهم وأئمتهم وزعمائهم وعمدائهم، وحججهم، ومع إقرارهم بمذهبهم ودياناتهم.

نعم! يمكن الإقرار بالتبرؤ من ذلك المذهب وتلك الديانة بأني لا أؤمن بالمذهب الذي هذه تعليماته وإرشاداته، وتلك الديانة التي هذه آراؤها، وأفكارها وتلك قواعدها وأسسها.

فكل من ينتسب إلى أهل السنة لا يسعه إنكار ما ورد من سنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عنه وما كان عليه أصحابه ما دام سنياً.

وأما إذا أراد ذلك (الإنكار) فله، ولكن ليس له أن يعد نفسه من أهل السنة.

فعلى هذا ليس على الشيعة الاثنى عشرية أن ينكروا ما ثبت من عقائدهم وما تفرع وقام عليه مذهبهم ما داموا يدعون التشيع.

ولهم أن ينكروا كل ما يرونه مخالفاً للإسلام ومنافياً للفطرة والعقل مع ثبوته في مذهبهم ومسلكهم، وكونه من العقائد الأساسية لديانتهم ولكن مع التبرؤ من هذه الديانة الزائفة التي تشتمل على مثل تلك العقائد الفاسدة الواهية.

وإننا لنرحب بكل من يقدم على هذا، ويقول بهذا القول، ويعلن بهذا الاعتقاد، وبذلك سيرتفع الخلاف، ويحسم النزاع، ونكون عباد الله إخواناً، وإخوة في العقيدة، يؤمنون كلهم بما نزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، وتولى الله حفظه وصيانته من التغيير والتحريف بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [صورة الحجر: 9].

وبقوله جل وعلا: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [سورة فصلت: 42].

ولقد أدرك خطر هذا الاعتقاد أي اعتقاد عدم التحريف في القرآن محدثوالشيعة ومفسروهم وأهل الكلام والفقه منهم، فلذلك قال قائلهم:

"اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" [المحدث النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب ص252].

و"إن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر" [خاتمة محدثي الشيعة الملاك باقر المجلسي في كتابه مرآة العقول نقلاً عن فصل الخطاب ص353].

و"إن هذه العقيدة لمن ضروريات مذهب التشيع" [المفسر الشيعي المشهور في مقدمة تفسيره البرهان الفصل الرابع ص52].

وإن كان من ينكر هذا الاعتقاد مع انتسابه إلى الشيعة لا ينكر إلا تقية، وقد نص على ذلك الكثيرون من علماء الشيعة، ومنهم السيد أحمد سلطان أحد أعيان القوم في الهند:

"إن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية" [تصحيف كاتبين ص18 - ط الهند].

وهذه العبارة نص في المسألة.

وقبل أن ننتقل إلى موضوع آخر نريد أن نذكر ههنا أن السيد الآصفي الذي أرسل إليه السيد البهنساوي - حسب مقولته - الروايات التي أرودناها في كتابنا (الشيعة والسنة) لبيان عقيدة الشيعة في القرآن، والتي تزيد على ستين رواية لم يبين العالم الشيعي المذكور فيها رأيه حسب البحث العلمي السليم، كما لم يتكلم في قيمة الكتب التي وردت فيها هذه الروايات، وكذلك لم يستطع أن ينكر علينا قولنا بأن الكليني عند الشيعة كالبخاري عندنا، وابن بابويه القمي هوالملقب بالصدوق عند الشيعة، اللهم إلا ما ذكر عن رواية أوردناها في كتابنا عن علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي:

إن أبا الحسن علي بن موسى الرضا - الإمام الثامن عند الشيعة- قرأ آية الكرسي هكذا: "الله لا إله إلا هوالحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم" [تفسير القمي ج1 ص84 ط إيران].

فقال بعد ذكر هذه الرواية: إنها رواية غير معتبرة وضعيفة لأن الحسين بن خالد الصيرفي أحد الرواة في سلسلة الحديث لم تثبت وثاقته [السنة المفترى عليها للبهنساوي ص73].

ويا ليته عمل هذا العمل في جميع الروايات التي أوردناها، وانتقدها انتقاداً علمياً، حتى يعلم الجميع ويعرف الكل، أن الروايات التي وردت في هذا الموضوع ضعيفة فعلاً لدى الشيعة، ومجروحة، فليس لمخالف في الرأي والعقيدة أن يلزمهم بمثل هذه الروايات الواهيات، ولكن أنى له ولغيره أن يتجرأ على هذا؟ لأن الأحاديث في هذا الموضوع جاوزت ألفي حديث وخبر.

ثم من يشجع السيد الآصفي ومن يسلك مسلكه ويطمئنهم على أن أهل السنة لا يعرفون عن رواة الشيعة شيئاً، ويجهلون كتب رجال القوم، من يضمن لهم كل هذا؟!. فلذلك ترى أنهم عند تهربهم من مثل هذه المآزق وتسللهم بعيداً عن هذه الأبحاث لا يلتجئون إلى البحث الموضوعي والنقد العلمي إلا إلى الإنكار المحض الذي لا يشبع ولا يغني من جوع.

فحمداً لله أن السيد المذكور تجاسر وأقدم على هذا حتى وجده الأستاذ البهنساوي والدكتور عز الدين إبراهيم كافياً للرد علينا وعلى محب الدين الخطيب.

لكن ما هي الحقيقة؟ وما هوالصدق؟ تعالوا انظروا معي لكي ينجلي الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون.

فالسيد الآصفي على دأب أسلافه الذين جعلوا الكذب دينه وديدنه، فإنه يدعي، نقلاً عن أحد المعاصرين، أن أحد رواة هذه الرواية، وهوالحسين بن خالد الصيرفي لم تثبت وثاقته، مع أنه من أصحاب موسى الكاظم - الإمام السابع المعصوم عند الشيعة - وعلي بن موسى الرضا - الإمام الثامن المعصوم عندهم - ولقد صرح بذلك الطوسي الملقب بشيخ الطائفة الشيعية في رجاله، فذكر أنه من أصحاب الكاظم [رجال الطوسي ص347 - ط قم إيران]، وأنه من أصحاب الرضا [ص373].

وكذلك الرجالي الشيعي القديم أبوجعفر أحمد البرقي عدّه من أصحاب موسى الكاظم [انظر: كتاب الرجال للبرقي ص53 - ط طهران].

وكذلك الأردبيلي الحائري في كتابه (جامع الرواة) [انظر: ج1 ص238 - ط قم إيران].

وقال فيه آية الله الزنجاني، الذي يلقبونه بالفقيه المحقق المدقق سماحة الحجة آية الله الشيخ موسى:

الحسين بن خالد الصيرفي عدّه الشيخ من أصحاب الرضا عليه السلام وقبله من أصحاب الكاظم، ثم ذكر بعض مروياته ومن روى عنه، ومن يروي عنهم، ثم قال:

وجل رواياته دالة على حسن اعتقاده، أحاديثه على كثرتها وجودتها في غاية الاستقامة، والغالب روايته عن الرضا عليه السلام، والأكثر رواية عنه علي بن معبد، لا أحسب الرجل إلا ثقة جليلاً، وأعد ما رواه في الصحيح" [الجامع في الرجال ج1 ص594 - ط قم إيران سنة 1394ه‍].

فهذا هوالرجل الذي قال عنه السيد الآصفي: لم تثبت وثاقته، والذي لأجله ضعف الرواية.

فماذا يقول المنصفون فيه بعد ثبوت صحابيته لإمامهم ووثاقته؟

زِد على ذلك أن هذه الرواية ليست بفريدة في موضوعها، بل لها شواهد ومتابعات في تفسير القمي وغير القمي.

والسيد الآصفي معذور في ذلك، حيث اختار رواية واحدة، من روايات كثيرة أوردناها من تفسير القمي في هذا الموضوع، وهذه حقيقة نقده وجرحه، وجرأته على مثل هذا الإقدام.

ثم اختار السيد المذكور رواية واحدة كذلك من الكافي للكليني، وتكلم على أحد رواتها مع أنه أئمته في الرجال ذكروا بأن ذلك الراوي وهومعلي بن محمد يعتمد عليه شاهداً، ولكي لا يطول بنا الحديث نسأله هو، وليفهم البهنساوي وغيره:

لماذا لم يتكلم على أول رواية أوردناها في كتابنا من الكليني في كافيه لإثبات عقيدة التحريف والحذف والنقصان في القرآن؟ هي رواية مشهورة معروفة، ونص في الموضوع نسوقها فيما يلي:

"عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (جعفر) عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - يزيد سبعة عشر آلف آية" [الكافي في الأصول للكليني، كتاب فضل القرآن ج2 ص634 - ط إيران].

مع أن القرآن الموجود بأيدي الناس آياته ستة آلاف آية وكسر" [وقد أخطأ الدكتور وافي في هذا أيضاً حيث قال: إن الكليني ينسب إلى الإمام الصادق من القول: إن القرآن الذي نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - يزيد سبعمائة وسبع وثلاثين آية على القرآن الذي نتلوه].

فماذا يقول الآصفي ومن دونه من علماء الشيعة أجمعين في هذه الرواية ورواتها حيث أنها صريحة في معناها، واضحة في مفهومها، لا تحتمل التأويل والتفسير، وإن رواتها لمعدودون على الأنامل، معروفون مشهورون لدى الشيعة؟

أما محمد بن يعقوب الكليني فهوهو، وأما علي بن الحكم فقد كتب عنه الأردبيلي الحائري بعد ما ذكر أنه هوالذي روى الرواية المذكورة في باب فضل القرآن وفي باب النوادر:

"ثقة جليل القدر" [جامع الرواة ج1 ص575].

والتفرشي في كتابه نقد الرجال [ص234 - ط قم إيران].

وأما هشام بن سالم فقد ذكره شيخ الطائفة الطوسي في أصحاب جعفر الصادق [رجال الطوسي ص329].

وكذلك في أصحاب موسى الكاظم [ص363].

وقال الرجالي الشيعي القديم النجاشي:

هشام بن سالم الجواليقي.. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. ثقة ثقة [رجال النجاشي ص305 - ط قم إيران].

ونقل الحائري بعد ذكر هذا كله عن شيخ الطائفة في فهرسته أنه صحيح العقيدة معروف الولاية غير مدافع [جامع الرواة ج2 ص315].

وقد ذكر الكشي في مدحه روايات [انظر لذلك: رجال الكشي ص239].

وأما أب عبد الله جعفر بن الباقر فمقامه معروف لدى الشيعة حيث يعدونه معصوماً لا يخطئ. فهذه هي الرواية الأولى التي أوردناها في مبحثنا: الشيعة والقرآن: في كتابنا (الشيعة والسنة) الذي أرسله الأستاذ البهنساوي إلى السيد الآصفي، فلا ندري لماذا تخطى السيد الآصفي هذه الرواية والروايات الكثيرة الأخرى المنقولة في الكافي أيضاً إلى الرواية التي جعلها غرضاً لنقده وجرحه؟ إلا أنه لم يجد في رواة بقية الروايات من يستطيع أن يتكلم فيهم؟

وها نحن نعلن بأننا نرحب بكل عالم شيعي ينبري ويتصدى لتضعيف روايات أوردناها في كتبنا حول هذا الموضوع من أمهات كتب الشيعة وأهم مراجعهم سالكاً مسلك النقد والجرح المعروف، وملتزماً القواعد الثابتة والأسس المعروفة في هذا الشأن.

فهذه حقيقة رد الشيعة علينا، وهذه حقيقة الحوار المزعوم حول عقيدة الشيعة في القرآن.

ولوكان الأستاذ البهنساوي متحرياً عن الحق وطالباً الحقيقة لكان عليه أن يتثبت من الموضوع ويرسل بيان الآصفي إلينا قبل إدراجه في كتابه، سامحنا الله وإياه وغفر له ما بدر منه على إضلاله كثيراً من المسلمين أهل السنة.

وقبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع نريد أن نبين شبهة أخرى يثيرها الشيعة، ويقع فيها كثير من سُذَّج أهل السنة بهذا الخصوص، وهي:

أن الشيعة لا يقرءون إلا هذا القرآن ولا يتناقلون بينهم إلا هذا نفسه، وإن كان لهم قرآن غير هذا فأين هو؟

فإن لم يكونوا يؤمنون به، ويعتقدون فيه التحريف والحذف والنقصان فلماذا يقرءونه؟

فالجواب: إن من يقول بهذا الكلام من أهل السنة لا يقوله إلا جهلاً بمعتقات الشيعة ومروياتهم ومن يقوله من الشيعة لا يقوله إلا خداعاً للمسلمين أهل السنة وتغطية للحق وتعمية للأبصار، لأن القوم نصوا على ذلك وصرحوا بأن القرآن الأصلي المحفوظ هوعند القائم من ولد علي رضي الله عنه، وأن الشيعة أمروا بقراءة هذا القرآن إلى أن يخرج القائم كما يروي الكليني في كافيه عن سالم بن سلمة أنه قال:

قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس فقال أبوعبد الله عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام، وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرءوه" [الكافي في الأصول ج2 ص633 - ط طهران].

وروى أيضاً بسنده:

عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له:

"جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كم نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال:

لا! إقرءوها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم" [الكافي باب أن القرآن يرفع كما أنزل ج3 ص119 - ط طهران، وص664 - ط الهند].

وأيضاً ما رواه الطبرسي في (الاحتجاج) كذباً على أبي ذر رضي الله عنه أنه قال:

لما توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر فقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي عليه السلام وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن، فقال له عمر: إن علياً عليه السلام جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما قد عملتم؟ ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد، فلم يقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.

فلما استخلف عمر سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن! إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه، فقال علي عليه السلام: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أوتقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر:

فهل وقت لإظهاره معلوم؟

قال علي عليه السلام: نعم! إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السنة به" [الاحتجاج للطبرسي ج1 ص228، الصافي للكاشاني ج1 ص27].

وعلى ذلك جعلوا من عقائدهم:

"وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، وهوالموجود عند إمام العصر الغائب عجل الله فرجه لا عند غيره" [عقائد الشيعة الفارسي علي أصغر البروجردي ص27 - ط إيران].

وقال الكرماني:

"وقع التحريف والتصحيف والنقص في القرآن.. وأن القرآن المحفوظ ليس إلا عند القائم.. وإن الشيعة لمجبورون على أن يقرءوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد عليهم السلام" [تذييل في الرد على هاشم الشامي ص13 وما بعد-ط كرمان إيران].

وقال المفسر الفيض الكاشاني في تفسيره رداً على من يقول بعدم التحريف في القرآن:

أقول: يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزله الله محفوظاً عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي" [تفسير الصافي المقدمة السادسة ج1 ص36].

وقال السيد نعمت الله الجزائري مجيباً على نفس هذه الشبهة:

فإن قلت: قد جازت القراءة في هذا القرآن مع ما لحقه من التغيير؟

قلت: قد روى في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءتهم هذا القرآن الموجود بأيدي الناس في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين عليه السلام فيقرأ ويعمل بأحكامه.. والأخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة جداً" [الأنوار النعمانية للجزائري ج2 ص363، 364].

وأخيراً ننقل ما ذكره المفسر الشيعي المشهور السيد هاشم البحراني المتوفى عام 1108ه‍:

اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء من التغييرات، وأسقط الذي جمعوه كثيراً من الكلمات والآيات، وإن القرآن المحفوظ عما ذكر، الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام، وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام، وهواليوم عنده صلوات الله عليه" [البرهان في تفسير القرآن مقدمة ص36].

وبعد هذا كله لا نرى أن أحداً ينطلي عليه كذب القوم أوتخفى عليه عقيدتهم الحقيقية الأصلية ونسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، وجعلنا وإياهم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه ويعرف الخطأ ولا يصر عليه ولا يعاند، بل يرجع إلى الحق والصواب.


الشّيعة والقرآن

من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هواعتقاد أهل السنة كجميع طوائف المسلمين بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هوالكتاب الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن يتحرف إلى أن تقوم الساعة، وهوالموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه وصيانته نم أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة على خلاف الكتب المنزلة القديمة، السالفة، من صحف إبراهيم وموسى، وزبور وإنجيل وغيرها، فإنها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل، ولكن القرآن حينما أنزله سبحانه وتعالى قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [سورة الحجر الآية9]. وقال: {إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه} [سورة القيامة الآية 17، 18، 19]. وقال: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [سورة حم السجدة الآية42].

وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والإيمانيات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات والمحتملات فلا.

وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، والمحفوظ من قبل الله العظيم، مخالفين جميع الفرق المسلمة، والمذاهب الإسلامية، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة في القرآن والسنة، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة، مكابرين للحق وتاركين للصواب.

فهذا هوالاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة، أوبالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة [ولقد كان الشيخ السيد محب الدين الخطيب صادقاً في رسالته "الخطوط العرفة" حين قال: وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب والوحدة، هم لا يعتقدون بذاك "ثم ذكر بعض الأمثلة من صفحة 9 إلى 16 التي تدل على أن الشيعة لا يعتقدون القرآن الذي في أيدينا وأيدي الناس بل يظنونه محرفاً، مغيراً وناقصاً. وقد رد عليه لطف الله الصافي في كتابه "مع الخطيب في خطوطه العريضة" من ص 48 إلى ص 82 بحماس وشدة وأنكر اعتقاد الشيعة بتحريف القرآن وتغييره إنكاراً لا يستند إلى دليل وبرهان. فأولاً:- ما استطاع الشيخ الشيعي "لطف الله الصافي" أن ينكر ما ذكره بالخطيب من نصوص الشيعة الدالة على التحريف والتغيير في القرآن، كما لم يستطع إنكار كتاب الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ومرتبته وشأنه عند الشيعة، بل قد اعترف بتضلعه في الحديث وعلومقامه عندهم. ثانياً:- ذكر الصافي نفسه بعض العبارات في كتابه التي هي بمنزلة الاعتراف باعتقاد الشيعة بالتحريف في الكتاب المبين. ثالثاً:- التجأ الشيخ الشيعي أخيراً إلى أنه لا ينبغي أن يثار مثل هذا الموضوع لأنه يعطى سلاحاً في أيدي المستشرقين للرد على المسلمين بأن القرآن الذي يدعونه محفوظاً مصوناً قد وقع فيه الخلاف أيضاً مثل التوراة والإنجيل - فقوله هذا، ليس إلا إقراراً واعترافاً بالجريمة، وإلا فالمسألة واضحة كما سيجيء مفصلاً إن شاء الله رابعاً:- أن الصافي لم يورد في مبحثه حول القرآن رواية من الاثني عشر - المعصومين عندهم - تدل وتنص على اعتقادهم بعدم التحريف في القرآن بخلاف الخطيب فإنه ذكر روايتين عن الاثنين منهم، تصرح بأن القرآن وقع فيه التغيير والتحريف - وها نحن ذاكرون عديداً من الأحاديث والروايات من كتبكم أنتم أيها الصافي! التي لا تقبل الشك في أن الشيعة

اعتقادهم في القرآن هوكما ذكره الخطيب رحمه الله ولا تنكرونه إلا تقية وخداعاً للمسلمين]. لأنه لا يكون الإنسان مسلماً إلا باعتقاده أن القرآن هوالذي بلّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين بأمر من الله عز وجل.

وإنكار القرآن ليس إلا تكذيباً بالرسول.

وها هي النصوص التي تدل على عقيدة الشيعة بالقرآن، فيروي المحدث الشيعي الكبير الكليني الذي هوبمنزلة الإمام البخاري عند المسلمين. في "الكافي في الأصول": عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر آلف آية" ["الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن، باب النوادر ص634 ج2 ط طهران 1381ه‍].

والمعروف أن آيات القرآن لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، وقد ذكر المفسر الشيعي أبوعلي الطبرسي في تفسيره تحت آية من سورة الدهر "جميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية" [تفسير "مجمع البيان" للطبرسي ص406 ج10 ط طهران 1374ه‍].

ومعنى هذا أن الشيعة فقد عندهم ثلثا القرآن، وتنص على هذا رواية الكافي أيضاً "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، أهاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبوعبد الله ستراً بينه وبين بيت آخر، فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علّم علياً باباً يفتح منه ألف باب؟ قال فقال: علّم رسول الله صلى الله عليه وآله علياً ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هوبذاك، قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدس، وضرب بيده إلي، فقال لي: تأذن يا أبا محمد؟ قال قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذي مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هوالعلم، قال إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال قلت: وما مصحف فاطمة؟: قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد" الخ ["الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة، ص239 و240 و241 ج1 ط طهران].

فيصرف النظر عما فيها من السخافات والخرافات والأباطيل التي تبتني عليها عقائد الشيعة صرح في هذه الرواية أن ثلاثة أرباع القرآن قد حذف وأسقط من المصحف الموجود، المعتمد عليه عند المسلمين قاطبة سوى الشيعة. فماذا يقول الشيعة المتظاهرون بالإنكار على من قال بالتحريف في القرآن - تقية وخداعاً للمسلمين - ماذا يقولون في هاتين الروايتين اللتين يرويهما محمد بن يعقوب الكليني، الذي له لقاء مع سفراء صاحب الأمر "المهدي المزعوم" في كتابه "الكافي الذي عرض بوساطة السفراء على "صاحب الأمر" ونال رضاه، ووجد زمان الغيبوبة الصغرى؟

ماذا يقولون في هذا وماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟

من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء! ومن صاحب الجريمة؟

الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار، أوالذي يدل على الجريمة أنها ارتكبت، وعلى الفضيحة بأنها اكتسبت؟ والرواية ليست واحدة واثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة، بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر فيقول صاحب "بصائر الدرجات" حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد بن سليمان بن داؤد عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال قال أبوجعفر: دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله، كتاب الله وعترتي والكعبة، البيت الحرام، ثم قال أبوجعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فاقتلوا، وكل ودايع الله فقد تبروا" ["بصائر الدرجات" الجزء الثامن، الباب السابع عشر ط إيران 1285ه‍].

وهل هناك أكثر من هذا؟ نعم هناك أكثر من هذا وأصرح وهوما يرويه الكليني في الكافي "أن أبا الحسين موسى عليه السلام كتب إلى علي بن سويد وهوفي السجن: ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله، فحرفوه وبدلوه" ["الكافي" "كتاب الروضة" ص125 ج8 طهران وص61 ط الهند].

ومثل هذه الرواية، رواية أبي بصير كما رواها الكليني "عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: قول الله عز وجل {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} قال فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله هوالناطق بالكتاب قال الله جل ذكره "هذا كتابنا ينطق (بصيغة المجهول) عليكم بالحق، قال قلت جعلت فداك، إنا لا نقرأها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ولكنه فيما حرف من كتاب الله" [كتاب "الروضة من الكافي" ص50 ج8 ط طهران وص25 ج1 ط الهند].

ويروي صدوق الشيعة ابن بابويه القمي في كتابه "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي قال حدثنا عبد الله بن بشر قال حدثنا الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني" الخ [كتاب "الخصال" لأن بابويه القمي ص83 ط إيران 1302ه‍].

وينقل المفسر الشيعي المعروف الشيخ محسن الكاشي عن المفسر الكبير الذي هومن مشائخ المفسرين عند الشيعة "أنه ذكر في تفسيره عن أبي جعفر عليه السلام قال: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى - ولوقد قام قائمنا صدقه القرآن" [تفسير "الصافي" للمحسن الكاشي، المقدمة السادسة ص10 ط طهران].

من حرّف القرآن وغيّره؟

وأصرح من ذلك كله ما رواه الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" المعتمد عليه عند جميع الشيعة ما يدل على اعتقاد الشيعة حول القرآن وما يكنونه من الحقد على عظماء الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم وأرضاهم عنه، فيقول المحدث الشيعي: وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله، جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار، وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي عليه السلام وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئاً للقرآن، فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار، فجاء به زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت نم القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ - قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحليلة، فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك - فلما استخلف عمر، سألوا علياً عليه السلام أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال عمر: يا أبا الحسن! إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة {إنا كنا عن هذا غافلين} أوتقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه" ["الاحتجاج" للطبرسي ص76 و77 ط إيران 1302ه‍].

فأين المنصفون؟ وأين العادلون؟ وأين القائلون بالحق والصدق؟ فإن كان عمر هكذا كما يزعمه الشيعة، فمن يكون أميناً، صادقاً، محافظاً على القرآن والسنة من صحابة الرسول عليه السلام.

فماذا يقول فيه دعاة التقريب من الشيعة في بلاد السنة؟

وماذا يقول فيه المتشدقون بوحدة الأمة واتحادها؟ أتكون الوحدة على حساب عمر وأصحاب رسول الله البررة، الأمناء على تبليغ الرسالة، رسالة رسول الله، الأمين، والناشرين لدعوته، والرافعين لكلمته، والمجاهدين في سبيل الله، والعاملين لأجليه؟

وهل من أهل السنة واحد يعتقد ويظن في علي رضي الله عنه وأولاده ما يعتقده الشيعة في زعماء الملة، الحنيفية، البيضاء، وخلفائه الراشدين الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ومن والاهم وتبعهم إلى يوم الدين، فما معنى لهذا الشعار "أيها المسلمون! {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.

هل يقصد به أن نترك عقائدنا ونغمض عن أعراض أسلافنا التي تنتهك من قبل "إخواننا" الشيعة، ونصفح عن جراحات أكلت قلوبنا وأقلقت مضاجعنا.

أهذه هي دعوة التقريب بين الشيعة وأهل السنة بأن نكرمكم وتهينونا، ونعظمكم وتذلونا، ونسكت عنكم وتسبونا، ونحترم أسلافكم وتحتقروا أسلافنا، ونحتاط في أكابركم وتخوضوا في أكابرنا، ونجتنب الكلام في علي وأولاده وتشتموا أبا بكر وعمر وعثمان وأولادهم، فوربك تلك إذاً قسمة ضيزى.

ومثل تلك الرواية المكذوبة على الأئمة التي رواها الطبرسي في "الاحتجاج" توجد رواية أخرى في بخاريهم "الكافي" عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: رفع إليّ أبوالحسن عليه السلام مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه {لم يكن الذين كفروا} فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إلي ابعث إليّ بالمصحف" ["الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن ص631 ج2 ط طهران ص62 ط الهند].

وذكر كمال الدين ميسم البحراني في شرح نهج البلاغة مطاعن الشيعة على ذي النورين، عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وفيها "أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل" ["شرح نهج البلاغة لميسم البحراني" ص1 ج11 ط طهران].

وقال السيد نعمة الله الحسيني في كتابه "الأنوار": قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين" ["الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد نعمة الله الجزائري].

ويؤيد هذه الرواية ذلك الحديث الشيعي المشهور، الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده" ["الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، ص228 ج1 ط طهران].

من عنده المصحف؟

فأين ذلك المصحف الذي أنزله الله على محمد والذي جمعه وحفظه علي بن أبي طالب؟ - يجيب على ذلك الحديث الشيعي الذي يرويه أيضاً الكليني "عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله - عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال أبوعبد الله عليه السلام: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حدة، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام، وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه" ["الكافي في الأصول" ص533 ج2 ط طهران].

فلأجل ذلك يعتقد الشيعة أن مهديهم المزعوم الذي دخل في السرداب ولم يزل هناك، دخل ومعه ذلك المصحف ويخرجه عند خروجه من ذلك السرداب الموهوم كما يذكر شيخ الشيعة أبومنصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفي سنة 588ه‍ في كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج" الذي قال عنه في مقدمته معرفاً للروايات التي سرد فيه "ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أوموافقته لما دلّت العقول إليه، أولاشتهاره في السير والكتاب بين المخالف والموالف" ["الاحتجاج للطبرسي" مقدمة الكتاب].

يذكر في هذا الكتاب "أن الإمام المهدي المزعوم حينما يظهر: يكون عنده سلاح رسول الله، وسيفه ذوالفقار ولا أدري ماذا يفعل بهذا السلاح في زمن الصواريخ والقنابل الذرية --- بالله خبروا؟ --- وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، وهوإهاب كبش فيه جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة عليها السلام" ["الاحتجاج على أهل اللجاج" ص223 ط إيران 1302ه‍].

وقد مر ذكره قبل ذلك أيضاً حيث قال علي فيما يزعمون "إذا قام القائم من ولدي".

وورد أيضاً في الكافي ما رواه الكليني بسنده "عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا أقرؤها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم" ["الكافي في الأصول" باب أن القرآن يرفع كما أنزل ص619 ج2 ط طهران ص664 ط الهند].

ومثل هذه الرواية يذكرها السيد نعمت الله الحسيني الجزائري المحدث الشيعي وهوتلميذ لعلامة الشيعة محسن الكاشي مؤلف التفسير الشيعي المعروف بالصافي، يذكرها في كتابه "الأنوار النعمانية في بيان معرفة نشأة الإنسانية" الذي أكمل تسويده في شهر رمضان سنة 1089ه‍ والذي قال عنه في مقدمته "وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين عليهم السلام، وما صح عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التاريخ أكثرها قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود ولهذا كان أكثر فيها الأكاذيب الفاسدة والحكايات الباردة" ["الأنوار للجزائري" مقدمة الكتاب].

فيقول المحدث الشيعي الجزائري في هذا الكتاب قد ورد في الأخبار أنهم (أي الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ ويعمل بأحكامه" [الأنوار للجزائري].

فهذه هي عقيدة الشيعة كاد أن يتفق عليها أسلافهم سوى رجال معدودين لا عبرة بهم، وهم ما أنكروا هذه العقيدة إلا لأهداف سنذكرها فيما بعد.

وأيضاً إنكارهم ليس بقائم على دليل وبرهان لأنهم لم يستطيعوا أن يردوا هذه الأخبار والأحاديث المستفيضة عند الشيعة كما يذكر العلامة الشيعي حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ناقلاً عن السيد نعمة الله الجزائري" أن الأخبار الدالة على ذلك (أي على التحريف في الكتاب الحكيم) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الدماد، والعلامة المجلسي وغيرهم" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي ص227 ط إيران 1298ه‍].

ونقل أيضاً عن الجزائري "أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" ["فصل الخطاب" ص30].

وذكر مثل هذا المفسر الشيعي المعروف محسن الكاشي حيث قال: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرهم من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بل منه ما هوخلاف ما أنزل الله، ومنه ما هومغير، محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة.... وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله" ["تفسير الصافي"، المقدمة السادسة].

ويقول علي بن إبراهيم القمي أقدم المفسرين للشيعة، وقد قال فيه النجاشي (الرجالي المعروف): ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب "--- وقد قيل في تفسيره "أنه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما السلام" "قال هذا المفسر الشيعي في مقدمة تفسيره: فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه... ومنه على خلاف ما أنزل الله ["تفسير القمي" مقدمة الكتاب ص5 ج1 ط نجف 1386ه‍].

وقال عالم شيعي الذي علق على تفسير القمي ذاكراً أقوال العلماء في تحريف القرآن "ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين، المتقدمين منهم والمتأخرين، القول بالنقيصة كالكليني، والبرقي، والعياشي، والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها" ["مقدمة تفسير القمي" للسيد طيب الموسوي ص23 و24].

فتلك بعض الروايات والأحاديث المروية من أئمة الشيعة المنسوبة إلى المعصومين عندهم، الصحيحة النسبة والرواية حسب قولهم، المروية في صحاحهم، المعتمدة عندهم، وهذه بعض الآراء لأكابريهم في هذه المسألة، وهناك روايات لا تعد ولا تحصى حتى زادت على ألفي حديث ورواية كما ذكره الميرزا نوري الطبرسي --- وبعد هذا لا يبقى مجال للشك بأن الشيعة يعتقدون التحريف في القرآن الحكيم الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وللتفكر والتدبر للناس كافة، والذي قال فيه: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} [سورة البقرة الآية1]. و {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [سورة حم السجدة" الآية42] و {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [سورة الحجر الآية9] و {إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه} [سورة القيامة الآية 17 و18 و19] و {أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [سورة هود الآية1] و {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من ربك} [سورة المائدة الآية67] و {وما هوعلى الغيب بضنين} [سورة التكوير الاية24] و {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً} [سورة بني إسرائيل الآية106] و {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [سورة آل عمران الآية13] و {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [سورة محمد24].

وصدق الله العظيم {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [سورة بني إسرائيل الآية9].

أمثلة التحريف

بعد ما أثبتنا من كتب الشيعة المعتمدة عندهم أنهم يعتقدون أن القرآن المبين محرّف، مغير فيه، نسرد للقارئ والباحث أمثلة من الكتب الشيعية، المعتبرة لديهم، في الحديث، والتفسير، والفقه، والعقائد، التي تنص على أن التحريف والتغيير قد وقع في القرآن المجيد، والروايات عن هذا أيضاً مروية عن الأئمة المعصومين حسب زعمهم، الواجب اتباعهم وإطاعتهم على كل شيعي، والتي لا غبار عليها من حيث الجرح والتعديل، فمنها ما رواه الشيعي علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي "أن أبا الحسن موسى الرضا (أحد الأئمة الاثني عشر) قرأ آية الكرسي هكذا: {الم، الله لا إله إلا هوالحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم} ["تفسير القمي" ص84 ج1 تحت آية الكرسي].

السطر الأخير لا يوجد في القرآن المجيد غير أن الشيعة يعتقدون أنه جزء لآية الكرسي.

وذكر القمي آية {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} فقال: فإنها قرأت عند أبي عبد الله صلوات الله عليه فقال لقاريها: ألستم عرباً؟ فكيف تكون المعقبات من بين يديه؟ وإنما العقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا؟ فقال نزلت {له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله} ["تفسير القمي" ص360 ج1 ومثله في تفسير العياشي، والصافي].

فها هنا شنع أبوعبد الله جعفر الإمام السادس لهم على من يقرأ له معقبات من بين يديه ومن خلفه "ومن أمر الله" بدل بأمر الله، حتى قال: ألستم عرباً؟ --- وهذا إن دلّ على شيء دلّ على أن أبا جعفر لا يعرف لغة العرب حسب رواية القمي، ومعناه أنه نفسه ليس بعربي حيث لم يفهم أن العرب يستعملون "المعقب" في معنيي "للذي يجيء عقب الآخر"، و"للذي يكرر المجيء"، ولم يستعمل العقب ها هنا إلا في المعنى الأخير كما قال لبيد:

حتى تهجر في الرواح، وهاجه

طلب المعقب حقه المظلوم

أي كرر ورجع، وكما قال سلامة بن جندل:

إذا لم يصب في أول الغزوعقبا

أي غزا غزوة أخرى ["لسان العرب" ص614 و615 ج1 ط بيروت 1968م].

وأيضاً لم يعلم بأن "من" في "من أمر الله" استعمل بمعنى "بأمر الله" حيث أن "من" يستعمل في معاني، منها معنى الباء، وهذا كثير في لغة العرب.

ونقل القمي أيضاً تحت قوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماماً} أنه قرئ عند أبي عبد الله عليه السلام "واجعلنا للمتقين إماماً" فقال: قد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين أئمة، فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول الله؟ قال: إنما أنزل الله "واجعل لنا من المتقين إماماً" ["تفسير القمي" ص117 ج2 سورة الفرقان] وزاد الكاشي بعد ذكر هذه الرواية "وفي الجوامع ما يقرب منه" (تفسير الصافي) وذكر أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" ونقل عنه الكاشي أيضاً "أن رجلاً من الزنادقة سأل عن علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه مفسراً بعض الآيات "أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة --- وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنفره" ثم قال: وأما ظهورك على تناكر قوله {فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء.... فهومما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن" ["الاحتجاج" ص119 و"الصافي" ص11].

وذكر الكليني في صحيحه الكافي "عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل "ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة بعده فقد فاز فوزاً عظيماً، هكذا نزلت" ["الكافي الحجة ص 414 ج1 ط طهران].

ويعرف الجميع أن "في ولاية علي والأئمة بعده" ليس من القرآن.

وذكر الكاشي في تفسيره تحت آية "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" وفي المجمع في قراءة أهل البيت - يا أيها النبي جاهد الكفار بالمنافقين" ["تفسير الصافي" تحت آية يا أيها النبي الخ ص214 ج1 ط طهران].

وهناك رواية أغرب من هذه الروايات كلها وهي "عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسي، هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله" -كذب ورب الكعبة-["الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب فيه نكت وتنف من التنزيل في الولاية، ص416 ج1 ط طهران].

ويذكر القمي تحت آية "أن تكون أمة هي أربى من أمة" قال فقال جعفر بن محمد عليهما السلام "أن تكون أثمة هي أزكى من أثمتكم" فقيل يا ابن رسول الله: نحن نقرؤها هي أربى من أمة، قال: ويحك ما أربى؟ وأومأ بيده بطرحها" ["تفسير القمي ص389 ج1، وذكر هذه الرواية الكاشي في تفسير "الصافي" عن الكافي أيضاً].

وهنالك روايات كثيرة غير تلك في صحاح الشيعة وغيرها من الكتب، سنذكر بعضها قريباً إن شاء الله في هذا المعنى تحت عنوان آخر.

لِمَ قالوا بالتّحريف؟

اعتقد الشيعة التحريف في القرآن لأغراض، منها:

أهمية الإمامة عندهم

أولاً: - أن الشيعة يعتقدون أن مسألة الإمامة داخلة في المعتقدات الأساسية، يكفر منكرها ويسلم معتقدها، فتتعلق بالإيمانيات كالإيمان بالله وبالرسول كما يروي الكليني في "الكافي" عن أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة" ["كتاب الحجة من الكافي" باب فرض طاعة الأئمة، ص186 ج1 ط طهران].

وأصرح من هذا وأشد ما رواه الكليني أيضاً "عن أبي عبد الله عليه السلام سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا لا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكر كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة" ["كتاب الحجة من الكافي" ص187 ج1 ط طهران].

وروي عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت، ومن لم يعرف الله عز وجل ولا يعرف الإمام منا أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا، والله ضلالاً" ["كتاب الحجة من الكافي"، باب معرفة الإمام ص181 ج1 ط طهران].

وجعلوها كالصلاة والزكاة والصوم والحج فهذا محدثهم الكليني يروي في صحيحه "الكافي" عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: بني الإسلام على خمس، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" ["الكافي في الأصول" كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام ص18 ج2 ط طهران ص369 ط الهند].

فانظر إلى كلمة "ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" ومعناها أن الولاية أهم من الأربع الأول، وقد صرح في رواية أخرى عند الكليني أيضاً كما ذكر "عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة قلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل" ["الكافي في الأصول" ص18 ج2 ط طهران ص368 ج1 ط الهند].

فينشأ هنالك سؤال في الذهن إذا كانت الولاية هكذا وبهذه المرتبة فكيف يمكن أن يكون للصلاة والزكاة ذكر في القرآن ولا يكون للولاية أي أثر فيه، والولاية ليست فقط ركناً من أركان الإسلام وبناء من بناءاته بل هي مدار للإسلام وهذه هي المقصود من الميثاق الذي أخذ من النبيين كما يروي صاحب البصائر "حدثنا الحسن بن علي بن النعمان عن يحيى بن أبي زكريا بن عمروالزيات قال: سمعت من أبي ومحمد بن سماعة عن فيض بن أبي شيبة عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي وأخذ عهد النبيين بولاية علي" ["بصائر الدرجات" باب9 ج2 ط إيران 1285ه‍].

فيا ترى! كيف يمكن عدم الذكر لهذا الميثاق والعهد في القرآن المجيد والفرقان الحميد؟ وليس هذا فحسب - بل هناك أكاذيب أكثر من هذا، فيقولون إن الولاية ليست فقط عهد النبيين وميثاقهم بل هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض، فروى أيضاً في البصائر مسنداً "قال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أقرّ بها من أقرّ، وأنكرها من أنكر، - وفرية كبيرة، نسأل الله الاستعاذة منها - أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها" ["بصائر الدرجات" للصاف باب10 ج2 ط إيران].

فهذه هي الأمانة وقد اهتم بها الله سبحانه وتعالى فما بعث الله نبياً إلا بها كما يرويه صاحب البصائر أيضاً - عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله أنه قال: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها" ["بصائر الدرجات" باب9 ج2 ط إيران].

ولم كان هذا الاهتمام فما كان إلا أن يؤمن بها كل مؤمن وحتى الملائكة في السماء، فقد آمنوا فعلاً كما يدعون ويزعمون "قال صاحب البصائر: حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر قال قال: والله إن في السماء لسبعين صنفاً من الملائكة، لواجتمع أهل الأرض أن يعدوا عدد صنف منهم ما عدوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا" ["بصائر الدرجات" باب6 ج2 ط إيران].

فهل من المعقول أن يكون الشيء بهذه الأهمية والحيثية ولا يذكرها الله في كلامه وخاصة حين لا يصح شيء من العبادات والاعتقادات إلا بالاعتقاد بها، فها هوالكليني يروي عن جعفر الصادق أنه قال: أثافي الإسلام" ["أثافي جمع الأثفية وهي الأحجار التي توضع عليها القدور، وأقلها ثلاثاً] ثلاثة، الصلاة والزكاة، والولاية لا تصح الواحدة منهن إلا بصاحبتها" ["الكافي في الأصول" ص18 ج2 ط طهران].

وروي أيضاً عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن عليه السلام قال ولاية علي عليه السلام مكتوبة في جميع صحف - الأنبياء - فضلاً عن القرآن - ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي عليه السلام" ["كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية ص437 ج1 ط طهران].

فلما وقعت هذه المشكلة لجأوا لحلها فزعموا أن القرآن محرف، مغير فيه، حذف عنه آيات كثيرة، وأسقطت منه كلما غير قليلة، حذفها أجلة الصحابة وأكابر الأمة الإسلامية حقداً على علي، وعناداً لأولاده، وضياعاً لتراث رسول الله صلى الله عليه وآله.

أمثلة لذلك

فمثلاً يروي محمد بن يعقوب الكليني عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: لم سمي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين" ["كتاب الحجة من الكافي" باب النوادر ص412 ج1 ط طهران وص261 ط الهند].

ويعلم الجميع "أن محمداً رسولي وأن علياً أمير المؤمنين" ليس من كلام رب العالمين، وقد سوغ الشيعة هذه الفرية كذباً على الله إثباتاً لعقيدتهم الزائفة، الزائغة،

وروي أيضاً عن جابر قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد هكذا "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله" ["كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت ونتف من التنزيل، ص417 ج1 ط طهران ص263 ط الهند].

وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع، ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله" ["كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت.. ص422 ج1 ط طهران ص266 ط الهند].

وروي عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا "فأبى أكثر الناس - بولاية علي إلا كفوراً، قال: ونزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا" وقل الحق من ربكم في ولاية علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين آل محمد ناراً" ["كتاب الحجة من الكافي" أيضاً ص425 ج1 ط طهران ص268 ط الهند].

وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال هكذا نزلت هذه الآية "ولوأنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيراً لهم" ["كتاب الحجة من الكافي" أيضاً ص424 ج1 ط طهران ص268 ط الهند].

وعن منخل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله بهذه الآية هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نوراً مبيناً" ["كتاب الحجة من الكافي" 417 ج1 ط طهران ص264 ط الهند].

وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا "بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً" ["كتاب الحجة من الكافي" 417 ج1 ط طهران ص262 ط الهند].

ويذكر علي بن إبراهيم القمي في مقدمة تفسيره "أنه طرأ على القرآن تغيير وتحريف ويقول: وأما ما كان خلاف ما أنزل الله فهوقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" فقال أبوعبد الله عليه السلام لقارئ هذه الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي؟ فقيل له: فكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: نزلت أنتم خير أئمة أخرجت للناس". - وقال -: وأما ما هومحذوف عنه فهوقوله: لكن الله - يشهد بما أنزل إليك في علي "كذا نلزت، وقوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي" ["تفسير القمي" مقدمة المؤلف ص10 ج1 ط نجف].

وروى الكاشي في تفسيره الصافي عن العياشي في تفسيره "عن أبي عبد الله عليه السلام لوقرئ القرآن كما أنزل ألفينا فيه مسمين" ["تفسير الصافي" مقدمة الكتاب ص11 ط إيران].

وروى الكليني عن الحسين بن مياح عمن أخبره قال قرأ رجل عند أبي عبد الله عليه السلام "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" فقال: ليس هكذا إنما هي والمأمونون "فنحن المأمونون" ["كتاب الحجة من الكافي" ص424 ج1 ط طهران ص268 ط الهند].

وروي أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا "يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي، فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا بولاية علي فإن لله ما في السماوات والأرض" ["كتاب الحجة من الكافيط 424 ج1 ط طهران ص267 ط الهند].

فهذه هي الروايات في الولاية ومثلها كثيرة وكثيرة في كتب حديثهم وتفسيرهم وغيرهما، وأما الرواية في الوصاية فهي كما يرويها الكليني "عن معلى رفعه في قول الله عز وجل فبأي آلاء ربكما تكذبان أبالنبي أم بالوصي" نزلت في الرحمن" ["الكافي في الصول" باب أن النعمة التي ذكرها الله ص217 ج1 ط طهران].

وهناك روايات أخرى في هذا المعنى.

فالمقصود أنهم يقولون بالتحريف في القرآن لأغراض منها إثبات مسألة الإمامة والولاية التي جعلوها أساس الدين وأصله كما نقلوا عن الرضا أنه قام خطيباً وقال: إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج" ["كتاب الحجة من الكافي" باب النوادر ص200 ج1 ط طهران].

وهذا لا يستقيم إلا بادعاء التغيير والتبديل في القرآن حتى يتمكنوا من بناء هذه العقيدة الزائفة عليه.

ثانياً: - إن الشيعة اعتقدوا التحريف في القرآن لغرض آخر ألا وهوإنكار فضل أصحاب رسول الله الكريم حيث يشهد القرآن على مقامهم السامي وشأنهم العالي، ومرتبهم الراقية، ودرجاتهم الرفيعة، إذ ذكر الله عز وجل المهاجرين والأنصار مادحاً أخلاقهم الكريمة، وسيرتهم الطيبة، ومبشراً لهم بالجنة التي تجري تحتها الأنهار، وواعداً لهم وخاصة خلفاء رسول الله الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً - رضي الله عنهم - بالتمكن في الأرض، والخلافة، الربانية، الإلهية في عباده، ونشر الدين الإسلامي الصحيح الحنيف على أيديهم، المباركة، الميمونة في أقطار الأرض وأطرافها، ورفع راية الإسلام والمسلمين، وإعلاء كلمته، وتشريفه بعضهم بذكره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنزال السكينة على رسوله وعليه في كلامه، الخالد، المخلد إلى الأبد، كما قال الله عز وجل في القرآن المجيد الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأعطاه ضمان حفظه إلى يوم الدين، قال فيه مادحاً المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم" [سورة التوبة الآية100].

وقال: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا، أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم مغفرة ورزق كريم" [سورة الأنفال الآية74].

وقال: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير" [سورة الحديد الآية10].

وقال: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون" [سورة الأعراف الآية157].

وقال في أصحابه صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في الحديبية وبايعوه على الموت: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم" [سورة الفتح الآية10].

وقال مبشراً لهم بالجنة: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلمما في قلوبهم وأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريباً" [سورة الفتح الآية18].

وقال الله في صحابته البررة: محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانه، سيماهم في وجوههم من أثر السجود - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجراً عظيماً" [سورة الفتح الآية29].

وقال: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون. والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" [سورة الحشر الاية8 و9].

وقال: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم" [سورة الحجرات الآية7 و8].

وقال في الخلفاء الراشدين: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً" [سورة النور الآية55].

وقال في صاحبه: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين" [سورة التوبة الآية40].

وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.

فهذه الآيات الكريمة هي قنابل ذرية على الشيعة ومن والاهم، ولا يمكن لهم أما هذه النصوص الدامعة الصريحة أن يكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وإخوانهم أصحاب الرسول عليه السلام، رضوان الله عليهم أجمعين، فيتخلصون من هذا المارق بالقول بتحريف القرآن وتغييره، أوبالتأويل الباطل الذي تنفر منه القلوب، وتشمئز منه العقول، والمعروف أن عقيدتهم لا تبنى ولا تستقيم إلا على تكفير الصحابة عامة، والخلفاء الراشدين الثلاثة ومن رافقهم وساعدهم وشاركهم في الحكم خاصة، ولأجل ذلك يقولون: "كان الناس أله الردة بعد النبي إلا ثلاثة - قاله أبوجعفر - أحد الأئمة الاثني عشر - وذكره كبير مؤرخي الشيعة الكشي في رجاله" ["رجال الكشي" ص12 تحت عنوان سلمان الفارسي ط كربلاء عراق].

وروى الكشي أيضاً عن حمدويه قال: حدثنا أيوب بن نوح عن محمد بن الفضل وصفوان عن أبي خالد القماط عن حمران قال قلت لأبي جعفر "ع" ما أقلنا لواجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ قال فقال: ألا أخبرك بأعجب من ذلك قال فقلت بلى قال: المهاجرون والأنصار ذهبوا... إلا ثلاثة" ["رجال الكشي" ص13 أيضاً].

وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات والأباطيل.

فأين هذا من ذاك؟ فما كان لهم جواب ذلك إلا الإنكار والتأويل، فقالوا إن هؤلاء الناس زادوا في كلام الله في مدحهم ما ليس منه، كما أنهم أسقطوا ما أنزل في مذمتهم وتكفيرهم وإنذارهم بالنار، كما يروي الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبوالحسن عليه السلام مصحفاً فقال: لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه "لم يكن الذين كفروا" فوجدت اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم" ["الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن، باب النوادر ص631 ج2 ط طهران ص670 ج1 ط الهند].

وقد مر سالفاً عن رواية شيعية "أن علياً عرض القرآن على المهاجرين والأنصار، ولما فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح المهاجرين والأنصار فردوه إلى علي وقالوا لا حاجة لنا فيه" ["انظر أول المقال" برواية الطبرسي في الاحتجاج ص86 و88].

ويقول عالم شيعي ملا محمد تقي الكاشاني في كتابه الفارسي "هداية الطالبين" ما ترجمته حرفياً "أن عثمان أمر زيد بن ثابت الذي كان من أصدقائه هو، وعدواً لعلي، أن يجمع القرآن ويحذف منه مناقب آل البيت وذم أعدائهم، والقرآن الموجود حالياً في أيدي الناس والمعروف بمصحف عثمان هونفس القرآن الذي جمع بأمر عثمان" ["هداية الطالبين" ص368 ط إيران 1282ه‍].

ويكتب أحد أعلام الشيعة الذي يلقبونه بشيخ الإسلام وخاتمة المجتهدين الملا محمد باقر المجلسي "أن المنافقين غصبوا خلافة علي، وفعلوا بالخليفة هكذا، والخليفة الثاني أي كتاب الله فمزقوه" ["حيات القلوب" باب حجة الوداع نمرة49 ص681 ج2 - فارسي- ط نولكشور الهند].

ويصرح في كتاب آخر "أن عثمان حذف عن هذا القرآن ثلاثة أشياء، مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذم قريش والخلفاء الثلاثة مثل آية" يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلاً" ["تذكرة الأئمة" ص9 قلمي].

ثالثاً: - لما أراد الشيعة أن ينكروا مقام أصحاب الرسول عليه السلام الذين مدحهم الله تبارك وتعالى في كلامه المجيد كان عليهم أن لا يقبلوا ذلك الكلام المبين لشيء آخر وهوكونه محفوظاً بمجهودات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وخاصة أبا بكر وعمر وعثمان حيث لم يجمع بين الدفتين إلا بأمر من الصديق وإشارة الفاروق وما كانت نهايته إلا في العهد العثماني، الميمون، المبارك، فقد اكتسبوا بهذا فضلاً عظيماً، وأسأل الله أن يجازيهم عليه أحسن الجزاء، فلما رأى الشيعة أن الله حفظ القرآن الكريم بأيدي الخلفاء الراشدين الثلاثة رضوان الله عليهم، وهوالأساس الحقيقي للإسلام، والله قد خصهم بهذا الفضل نقموا عليهم وجرهم الحقد الذي أكل قلوبهم والبغض الذي أقلق مضاجعهم إلى هدم ذلك الأساس والأصل، فقالوا بالتغيير والتحريف، وقد ذكر الميسم البحراني في المطاعن العشرة على ذي النورين التي يطعن بها الشيعة في ذلك الخليفة الراشد: السابع من المطاعن - أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل" ["شرح نهج البلاغة" ص1 ج11 ط إيران].

وأيضاً كان المقصود من هذا تشنيعاً عليهم وتعريضاً بأن مثل هؤلاء الذين اغتصبوا حق علي وأولاده في الخلافة والإمامة لما وجدوا نصوصاً صريحة في القرآن تطعن في حقهم أسقطوها من القرآن وحذفوها لأن الآيات الكثيرة كانت تدل على حق علي وأولاده في الخلافة - كما زعموا - لأنهم ما كانوا يريدون أن يبقى في القرآن آية تنبئ عن شنيعتهم، ومثلوا لذلك بآيات اختلقوها من عند أنفسهم، فروى الكليني في الكافي "عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا "إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً" ["كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت ونتف ص424 ج1 ط طهران، ص268 ط الهند].

وروي أيضاً "عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا "فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون" ["كتاب الحجة من الكافي" أيضاً ص424 ج1 ط طهران ص267 ط الهند].

وذكر القمي تحت قوله "ولوترى إذ الظالمون آل محمد حقهم في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون" فقال: عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: نزلت هذه الآية في معاوية وبني أمية وشركائهم وأئمتهم" ["تفسير القمي ص211 ج1 ط نجف].

وقال في آخر سورة الشعراء "ثم ذكر الله آل محمد عليهم السلام وشيعتهم المهتدين فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا" ثم ذكر أعدائهم ومن ظلمهم فقال: وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون" هكذا والله نزلت" ["تفسير القمي" ص125 ج2 آخر سورة الشعراء].

والمعروف "أن (آل محمد حقهم) في هذه الروايات ليس إلا بهتاناً عظيماً وفرية من فريات الشيعة على الخالق المتعال. وأخيراً نذكر رواية طويلة ذكرها الطبرسي في "الاحتجاج" تبين هذه الوجوه كلها حسب زعم الشيعة، فيذكر الطبرسي أن رجلاً من الزنادقة سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه "ولم يكن عن أسماء الأنبياء تجرداً وتعززاً بل تعريضاً لأهل الاستبصار أن الكناية فيه عن أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى وأنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله قصص المغيرين بقوله: الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، وبقوله: وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب، وبقوله: إذ يبيتون ما لا يرضى من القول بعد فقد الرسول مما يقيمون به باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره، يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوا فيه وحرفوا فيه، وبين إفكهم وتلبيسهم وكتمان ما علموه منه ولذلك قال لهم: لم تلبسون الحق بالباطل" وضرب مثلهم بقوله: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهويضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره، ولا يجوز مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والملل المنحرفة

عن قبلتنا.

وأما ظهورك على تناكر قوله "فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء" وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتاماً فهومما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولوشرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء. وأما ما ذكر له من الخطاب الدال على نهجين النبي صلى الله عليه وآله والإزراء به والتأنيب له مع ما أظهره الله تعالى من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدواً من المشركين كما قال في كتابه، وبحسب جلالة نبينا صلى الله عليه وآله عند ربه كذلك محنته بعدوه الذي عاد منه إليه في شقائه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه واجتهاده ومن والاه على كفره وعناده ونفاقه وإلحاده في إبطال دعواه وتغيير ملته ومخالفة سنته، ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر منه، وممن وافقه على ظلمه وبغيه وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا"وقال: يريدون أن يبدلوا كلام الله "فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل وأن ذلك يظهر نقض ما عقدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا وكذلك قال: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون، ثم دفعهم الاضطرار لورود المسائل عليهم مما لا يعلمون تأويله إلى جمعه

وتأليفه وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله عليهم السلام، فألفه على اختيارهم، وما يدل على اختلال تميزهم وافترائهم أنهم تركوا منه ما قد رأوا أنه لهم وهوعليهم، وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين فقال: ذلك مبلغهم من العلم" وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم وافترائهم، والذي بدأ في الكتاب من الازدراء على النبي صلى الله عليه وآله من فرية الملحدين - ولذلك قال: يقولون منكراً من القول وزوراً" ["الاحتجاج" للطبرسي من ص119 إلى منتهاه].

رابعاً: - اعتقد الشيعة التحريف في القرآن للأغراض المذكورة ولغرض آخر وهوالإباحية وعدم التقيد بأحكامه - والعمل على حدود الله حيث أنه ما دام ثبت في القرآن التحريف والتغيير فكيف يمكن العمل به، والتقيد بأحكامه، والتمسك بأوامره، والاجتناب عن نواهيه، لأنه محتمل في كل آية من آياته، وكلمة من كلماته، وحرف من حروفه أن يكون محرفاً مغيراً فهكذا يسهل الخروج من حدود الشرع، والبقاء تحت كفه، والتمتع بمنافعه، ولأجل ذلك لا يعتقد أكثر الشيعة أنهم يعاقبون بالمعاصي والفسوق والفجور ما داموا داخلين في مذهب الشيعة وأقاموا المآتم على الحسين بن علي رضي الله عنهما وسبوا أصحاب جده رسول الله، فليس الدين عندهم إلا حب لعلي وأولاده فقد وضعوا لذلك روايات وأحاديث منها ما رواه الكليني في "الكافي" عن يزيد بن معاوية [يزيد بن معاوية هذا ليس حفيد أبي سفيان بل هوحفيد العباس صاحب العلم] قال قال أبوجعفر عليه السلام: وهل الدين إلا الحب" وقال: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أحب المصلين ولا أصلي، وأحب الصوامين ولا أصوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أنت مع من أحببت" [كتاب الروضة من الكافي في الفروع ج8].

فهذه هي الأسباب التي جرتهم إلى القول بمثل هذه الأباطيل...

أدلة عدم التحريف وإيرادات الشيعة عليها.

والمعروف أن كل هذا ليس إلا فرية افتروها وأكذوبة تفوهوا بها وبهتاناً اخترعوه لأن المسلمين قاطبة سوى الشيعة يعتقدون أن حرفاً من حروف القرآن لم يتغير، وكلمة من كلماته لم تتبدل، ونقطة من نقاطه لم تحذف، وحركة من حركاته لم تسقط والذي ينكر هذا ما ينكر إلا الشمس وهي طالعة فيقول إن الشمس لم تطلع، وإن الظلام لم يطو، فلا يقال له إلا أن يعالج عيونه ويشفى ذهنه، لأن أدلة الحفظ والصيانة للقرآن الكريم من أي تغيير وتحريف، والحذف منه والزيادة عليه، أدلة العقل والنقل، تتضافر وتتواتر حتى لا يمكن الكلام عليها.

والدليل القطعي الذي لا غبار عليه هوقوله سبحانه وتعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" هاتان الآيتان صريحتان لا غموض فيهما ولا إشكال، ولكنك تجد الشيعة يروون هذه النصوص ويؤولونها تأويلاً باطلاً واضح البطلان [ولا أدري كيف يقول لطف الله الصافي: أن الشيعة لا يعتقدون التحريف في القرآن وهم الذين قالوا ما هوالآتي] فيقول عالم شيعي: وأما الأدلة التي تبين عدم وقوع التحريف والنقصان فقوله تعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "فإنه دلالة على ما ادعوا - وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" لا يدل على عدم التغيير في القرآن الذي هوبأيدينا، والمحفوظ هوالقرآن عند الأئمة مع احتمال كون "الحافظون" بمعنى "العاملون، وما قيل أن القرآن الذي هوبأيدينا أيضاً محفوظ من أن يتطرق إليه نقص أوزيادة فهوليس مصداق الآية كما لا يخفى" ["منبع الحياة" للعلامة الشيعي، نعمة الله الجزائري المنقول من "الإسعاف" لعالم شيعي أبي الحسن علي النقي ص115 ط مطبع اثنا عشري سنة 1312ه‍ الهند].

وبنفس هذا الكلام تكلم عالم إيراني شيعي "علي أصغر البرجردي" في كتابه الذي ألفه في عهد محمد شاه القاجار بطلب من الشيعة ليبين مهمات عقائد الشيعة فقال فيه: والواجب أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يقع فيه تغيير وتبديل مع أنه وقع التحريف والحذف في القرآن الذي ألفه بعض المنافقين، والقرآن الأصلي الحقيقي موجود عند إمام العصر - (المهدي المزعوم) عجل الله فرجه" ["عقائد الشيعة" ص27 ط إيران].

وقال عالم شيعي هندي آخر "أن معنى حفظ القرآن في قوله ليس إلا حفظه في اللوح المحفوظ كما قال في كلامه: بل هوقرآن مجيد في لوح محفوظ" ["موعظة تحريف القرآن" للسيد على الحائري اللاهوري بترتيب السيد محمد رضى القمي -اردو- ص48 ط لاهور 1923م].

وهناك نصوص كثيرة في هذا المعنى.

ويعرف ركاكة هذه التأويلات الفاسدة والأجوبة الكاسدة كل من له أدنى إلمام بالقرآن المجيد.

أولاً: - لأنه لويقال أن المحفوظ هوما عند الإمام، فما الفائدة من حفظه وصيانته إذ عند عدم وجود الإمام يبقى القرآن غير محفوظ من التغيير والتحريف، ومثل هذا لا يكون هادياً وذكراً للمؤمنين، فلا يعتمد عليه في الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والأحكام الأخرى، وأيضاً هوأساس الإسلام وبناؤه فيبقى الإسلام بلا أساس يقوم عليه، ويبقى الناس غير مسؤولين عما يعملون لعدم وجود ما يهديهم إلى سبيل الرشاد، وتبقى الشريعة معطلة ما دام لا يوجد دستورها، ولا يكون القرآن ذكراً للعالمين بعد بعثة محمد بل يكون ذكراً بعد خروج المهدي المزعوم الذي لا يعرف خروجه وظهوره أين يكون ومتى يكون؟.

وثانياً: - هذا هوالجواب لمن قال أنه محفوظ في اللوح المحفوظ.

وأيضاً فأي الميزة تبقى حينئذ فيه حيث أن التوراة والإنجيل وغيرهما من الصحف محفوظة عند الله وفي اللوح المحفوظ.

ثالثاً: - أن الآية تصرح بأن الحفظ لا يكون إلا بعد النزول حيث قال الله عز وجل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ولا يقع التحريف إلا في المنزل لا قبل النزول وهذا من البديهيات، ولكن الشيعة لحقدهم على الإسلام وزعمائه والمسلمين لا يبالون بها حتى يلتجئون إلى أقويل يمجها العقل ويزدريها الفهم.

وكما أن هنالك أدلة نقلية كثيرة من القرآن والسنة تدل على عدم وجود أي تغيير وتحريف في القرآن فهناك أدلة عقلية متوافرة متظافرة تفرض على الإنسان ذي العقل والشعور أنه لا يقول بالتحريف في القرآن، لأنه نقله جيل عن جيل من السطور والصدور، ففي مثل هذا الزمان زمان الفساد والإلحاد يوجد ملايين من البشر الذين يحملون القرآن الكريم بكامله في صدورهم ويحفظونه عن ظهر قلب، وتشاهد في رمضان في التراويح أن حفظة القرآن وقرائه يصلون بالناس ويقرؤون القرآن ولا يخطئون بكلمة أوبحرف وحتى نقطة وشوكة إلا ويبادر من خلفه بتلقينه بلا تأخير، وقال الشاطبي: وأما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لوزيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر فضلاً عن القراء الأكابر" ["الموافقات" للشاطبي ص59 ج2 ط مصر].

ومن الجدير بالذكر أن في مقاطعة بنجاب باكستان الويتان "كجرات" و"جهلم" لا يوجد في قراها ومدنها شخص من الرجال والنساء إلا ويحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويتجاوز عدد سكانه أربعمائة ألف نسمة - وهذا في هذا الزمان وكيف ذاك الزمان المشهود له بالخير.

لِمَ أنكروا التحريف

أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول بأن الشيعة لا يعتقدون التحريف والتغيير في الكلام المبين، نعم هنالك بعض الأعيان من الشيعة الذين أظهروا أنهم يعتقدون أن القرآن غير محرف ومغير فيه، ومحذوف منه، ومنهم محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق عندهم المتوفى سنة 381ه‍ مؤلف كتاب "من لا يحضره الفقيه" وهوفي القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن، وإلا لا يوجد في الشيعة المتقدمين منهم إلى القرن الرابع وحتى بعد ما مضى نصفه الأول أيضاً رجل واحد وفيهم أئمتهم الإثنا عشر، لم ينقل من أي واحد منهم ولم ينسب إليهم بأنهم قالوا أوأشاروا إلى عدم التحريف وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن، والزيادة عليه، قد وقع.

وهل في الدنيا نعم في الدنيا كلها واحد من علماء الشيعة وأعلامها من يستطيع أن يقبل هذا التحدي ويثبت من كتبه هوأن واحداً منهم في القرون الأربعة الأولى قال بعدم التحريف وأظهره. لا ولن يوجد واحد يقبل هذا التحدي [وحتى الصافي في رسالته "مع الخطيب" لم يبد الإظهار أنهم يعتقدون بهذا القرآن إلا بنقل عبارة بن بابويه القمي ولم يجد لإثبات دعواه وللرد على الخطيب أن يتمسك بقول أحد قبله وحتى من أئمته المعصومين].

فالمقصود أن عقيدة الشيعة التي بناها مصطنعوها لم تكن قائمة إلا على أساس تلك الفرية لأنه كما ذكر مقدماً هم مضطرون لرواج عقائدهم الواهية على أن لا يعتقدوا بهذا القرآن الذي يهدم أساس مذهبهم المنهار وإلا تروح معتقداتهم المدسوسة في الإسلام أدراج الرياح.

ونحن نفصل القول في هذا حتى يعرف الباحث والقارئ السر في تغيير منهج بعض الشيعة بعدما مضى القرن الثالث ومنتصف الرابع، وقد عرف مما سبق من الأحاديث والروايات الصحيحة الثابتة عندهم، وأقوال المفسرين وأعلامهم وأئمتهم أنهم يعتقدون أن القرآن الموجود في أيدي الناس لم يسلم من الزيادة والنقصان، والقرآن الصحيح المحفوظ ليس إلا عند "مهديهم المزعوم" --- فيولد في لاقرن الرابع نم الهجرة محمد بن علي بن بابويه القمي ويرى أن الناس يبغضون الشيعة وينفرون منهم لقولهم بعدم صيانة القرآن، ويشنعون عليهم لأنه لوسلم قولهم كيف يكون العمل على الإسلام، والدعوة إليه، وأيضاً كيف يمكن التمسك بمذهب الشيعة حيث يقولون أن الرسول عليه السلام أمر بالتمسك بالثقلين، القرآن وأهل البيت حسب زعمهم [ذكرنا معنى هذا الحديث ومرتبته في موضع آخر بالتفصيل] وحينما لا يثبت الثقل الأكبر وهوالقرآن، كيف يثبت الثقل الأصغر والتمسك به.

ولما رأى هذا لجأ إلى القول "اعتقدنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد هوما بين الدفتين، وهوما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك - إلى أن قال --: ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهوكاذب" ["اعتقادات لابن بابويه القمي باب الأعقاد في مبلغ القرآن ط إيران 1224].

وتبعه في ذلك السيد المرتضى، الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة 436ه‍ فقد نقل عنه مفسر شيعي أبوعلي الطبرسي وقال: أما الزيادة فمجمع على بطلانه وأما النقصان فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهوالذي نصره المرتضى" ["تفسير مجمع البيان" ص5 ج1 ط إيران 1284ه‍].

ثم حذا حذوهما أبوجعفر الطوسي المتوفى سنة 460 فقال في تفسيره "التبيان": أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به -- إلى أن قال --: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي... وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر التمسك به" ["التبيان" ص3 ج1 ط نجف، وتفسير الصافي ص15].

ورابعهم هوأبوعلي الطبرسي المفسر الشيعي المتوفى سنة 548ه‍ وقد مر كلامه في تفسير "مجتمع البيان".

فهؤلاء هم الأربعة من القرن الرابع إلى القرن السادس لا خامس لهم الذين قالوا بعدم التحريف في القرآن.

ولا يستطيع عالم من علماء الشيعة أن يثبت في القرون الثلاثة هذه خامساً لهؤلاء الأربعة من يقول بقولهم بل وفي القرون الثلاثة الأولى أيضاً لا يوجد موافقهم كما ذكرنا سابقاً،- وعلى ذلك يقول العالم الشيعي الميرزا حسين تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة 1325ه‍: الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هوالموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق ي عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم --- إلى أن قال --- وإلى طبقته --- أي أبي علي الطبرسي --- لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشائخ الأربعة" ["فصل الخطاب" ص34 ط إيران].

فهؤلاء الأربعة أيضاً ما أنكروا التحريف في القرآن وأظهروا الاعتقاد به إلا تحرزاً من طعن الطاعنين، وتخلصاً من إيرادات المعترضين كما ذكرناه قبل ذلك، وكان ذلك مبنياً على التقية والنفاق الذي جعلوه أساساً لدينهم [ولهذه المسألة بحث مستقل في محل آخر] أيضاً، وإلا ما كان لهم أن ينكروا ما لوأنكر لانهدم مذهب الشيعة وذهب هباءً منثوراً.

أولاً: - لأن الروايات التي تنبئ وتخبر عن التحريف روايات متواترة عند الشيعة كما يقول السيد نعمة الله الجزائري المحدث الشيعي في كتابه "الأنوار" ونقل عنه السيد تقي النوري فقال: قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه: أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص30 ط إيران].

ونقل عنه أيضاً: أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم، بل الشيخ (أبوجعفر الطوسي) أيضاً صرح في "التبيان" بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة --- إلى أن قال --- واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية" ["فصل الخطاب" ص227].

وإنكار هذه الروايات يستلزم إنكار تلك الروايات التي تثبت مسألة الإمامة والخلافة بلا فصل لعلي رضي الله عنه وأولاده بعده عندهم، لأن الروايات عنها ليست بأكثر من روايات التحريف، وقد صرح بهذا علامة الشيعة الملا محمد باقر الملجس حيث قال: وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر" [نقلاً عن كتاب "فصل الخطاب"].

ثانياً: - مذهب الشيعة قائم على أقوال الأئمة وآرائهم فقد أثبتنا آرائهم وأقوالهم مقدماً أنهم لا يرون القرآن الموجود في أيدي الناس قرآناً، كاملاً، محفوظاً باستثناء هؤلاء الأربعة الذين أظهروا إنكار التحريف ولم يستندوا إلى قول من الأئمة المعصومين (حسب قولهم) ولم يأتوا بشاهد منهم، وأما القائلون بالتحريف فإنهم أسسوا عقيدتهم على الأحاديث المروية من الأئمة الاثني عشر، الأحاديث الصحيحة، الثابتة، المعتمدة عليها.

ثالثاً: - لم يدرك واحد من هؤلاء الأربعة القائلين بعدم التحريف زمن الأئمة الاثني عشر "المعصومين" - حسب زعمهم - بخلاف متقدميهم القائلين بالتحريف والمعتقدين به، فإنهم أدركوا زمن الأئمة، وجالسوهم، وتشرفوا برفقتهم، واستفادوا من صحبتهم، وصلوا خلفهم، وسمعوا وتعلموا منهم بلا واسطة، وتحدثوا معهم مشافهة.

رابعاً: - الكتب التي رويت فيها أخبار وأحاديث عن التحريف والتغيير كتب معتبرة، معتمد عليها عند الشيعة، وقد عرضت بعض هذه الكتب على الأئمة المعصومين، ونالت رضاهم مثل الكافي للكليني، وتفسير القمي، وغيرهما.

خامساً: - ومن العجائب أن هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا إنكار التحريف يروون في كتبهم أنفسها - أحاديث وروايات عن الأئمة وغيرهم تدل وتنص على التحريف بدون تعرض لها ولسندها ورواتها.

فمثلاً ابن بابويه القمي القائل بأنه "من نسب إلينا القول بالتحريف فهوكاذب" هوالذي يروي نفسه في كتابه "الخصال" حديثاً مسنداً متصلاً "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجصاني قال: حدثنا عبد الله بن بشر قال: حدثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال: حدثنا أبوبكر بن عياش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني "الحديث" ["الخصال" لابن بابويه القمي، ص83 ط إيران 1302ه‍].

وأبوعلي الطبرسي الذي ينكر التحريف بشدة هونفسه يروي في تفسيره أحاديث يعتمد عليها تدل على أن التحريف قد وقع، فمثلاً يعتمد في سورة النساء على رواية تضمنت نقصان كلمة "إلى أجل مسمى" من آية النكاح فيقول: وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فاتوهن أجورهن، وفي ذلك تصريح بأنالمراد به عند المتعة" ["مجمع البيان" للطبرسي، ص32 ج3 ط طهران 1374ه‍].

ومثل هذا كثير عندهم وهذا يدل دلالة واضحة أنه ما أنكر بعضهم التحريف إلا نفاقاً وتقية ليخدعوا به المسلمين، والمعروف في مذهب الشيعة أنهم يرون التقية أي التظاهر بالكذب أصلاً من أصول الدين [فانظر لهذا بحثنا المستقل "الشيعة والكذب"] كما يذكر ابن بابويه القمي هذا في رسالته "الاعتقادات": التقية واجبة من تركهاكان بمنزلة من ترك الصلوات - إلى أن قال -: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} قال: أعملكم بالتقية" ["الاعتقادات للصدوق" باب التقية، ص إيران 1274].

فما كان ذاك إلا لهذا وإلا كيف كان ذلك؟

سادساً: - لوسلم قول الأربعة لبطلت الروايات التي تنص على أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن بي طالب رضي الله وأنه عرضه على الصحابة فردوه إليه وقالوا لا حاجة لنا به، فقال: لا ترونه بعد هذا إلا أن يقوم القائم من ولدي" وهناك رواية في "الكافي" عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن، ظاهره وباطنه غير الأوصياء" ["كتاب الحجة من الكافي" باب أنه لم يجمع القرآن كله غير أمير المؤمنين، ص218 ج1 ط طهران].

وأيضاً تبطل الأراجيف التي تقول أن الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أدرجوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما كان داخلاً فيه، - ويعترف بمجهودات الصحابة وفضلهم الذين جمعوا القرآن وتسببوا في حفظه بتوفيق من الله، وعنايته، ومنّه، وكرمه.

وفسد أيضاً الاعتقاد أنه لا تقبل عقيدة ولا يعتمد على شيء لم تصل إلينا من طريق الأئمة الاثنى عشر، والثابت أن القرآن الموجود في الأيدي لم ينقل إلا من مصحف الإمام عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وأن جمع القرآن كان بدايته من الصديق ونهايته من ذي النورين رضي الله عنهما.

ولأجل ذلك لم يقل هذا المتقدمون منهم ولم يقبله المتأخرون بل ردوا عليهم -. فهذا مفسر شيعي معروف محسن الكاشي يقول في تفسيره الصافي بعد ذكر أدلة السيد المرتضى: أقول لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين، المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم - إلى أن قال -: وأما كونه مجموعاً في عهد النبي على ما هوعليه الآن فلم يثبت، وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً وكان لا يتم لا بتمام عمره" ["تفسير الصافي" ص14 ج1 مقدمة الكتاب].

وقال أحد أعلام الشيعة في الهند رداً على كلام السيد المرتضى: فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى (المرتضى) معصوماً حتى يجب أن يطاع، فلوثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه" ["ضربة حيدرية" ص81 ج2 ط الهند].

وقال الكاشي رداً على الطوسي بعد ما نقل عبارته فقال: أقول يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله محفوظاً عند أهله، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام كذلك" ["تفسير الصافي" ص14 ج1].

سابعاً: - قد ذكرنا سابقاً أن عقيدة الشيعة كلها في القرآن هوأن القرآن محرف ومغير فيه غير هؤلاء الأربعة فهم ما أنكروا التحريف إلا لأغراض.

منها سد باب الطعن لأنهم رأوا أن لا جواب عندهم لأعداء الإسلام حيث يعترضون على المسلمين "إلى أي شيء تدعون وليس عندكم ما تدعون إليه؟ وكان أهل السنة يطعنون عليهم "أين ذهب حديث الثقلين عند عدم وجود الثقل الأكبر؟ وكيف تدعون الإسلام بعد إنكار شريعة الإسلام"؟

فما وجدوا منه مخلصاً إلا بإظهار الرجوع عن العقيدة المتفقة عليها عند الشيعة الإمامية كافة، ونقول ظاهراً لأنهم يبطنون نفس العقيدة وإلا ما يبقى لهم مجال للبقاء على تلك المهزلة التي سميت بمذهب الشيعة، وقد تخلصوا منه أيضاً بالتحريف في المعنى حيث يؤولون القرآن بتأويل لا يقبله العقل، ولا يؤيده النقل، وقد اعترف بهذا السيد الجزائري حيث قال بعد ذكر اتفاق الشيعة على التحريف: نعم قد خالف فيها المرتضى، والصدوق، والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هوالقرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل... والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليه - ثم يبين أنه لم يكن إلا لهذه المصالح بقوله -: كيف هؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا" [الأنوار للسيد نعمة الله الجزائري].

وفعلاً فقد أورد هؤلاء الذين أظهروا الموافقة لأهل السنة في القرآن، أورد هؤلاء أنفسهم روايات في كتبهم تدل صراحة على التحريف والتغيير في القرآن، فنحن ذكرنا قبل ذلك أن ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق أحد الأربعة أنكر التحريف في "الاعتقادات" وأثبته في كتاب آخر، وهكذا أبوعلي الطبرسي يتظاهر بالاعتقاد بعدم التحريف ولكن في تفسيره يعتمد على أحاديث وروايات تدل على التحريف.

وأما الشيخ الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، فقد قال الشيعة أنفسهم في تفسيره: ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب "التبيان" أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين... ومما يؤكد وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في (كتابه) "سعد السعود" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص34].

ثامناً: - أن الأربعة سالفي الذكر لم يكن قولهم مستنداً إلى المتقدمين أوالمعصومين عندهم، وهكذا لم يقبله المتأخرون، فهؤلاء أعلام الشيعة وزعمائهم وأكابرهم ينكرون أشد الإنكار قول من يقول بأن القرآن لم يتغير ولم يتبدل، فيقول الملا خليل القزويني، شارح "الصحيح الكافي" المتوفى سنة 1089ه‍ تحت حديث "إن للقرآن سبعة عشر ألف آية، يقول: وأحاديث الصحاح التي تدل على أن كثيراً من القرآن قد حذف، قد بلغ عددها إلى حد لا يمكن إنكاره،.... وليس من السهل أن يدعي بأن القرآن الموجود هوالقرآن المنزل بعد الأحاديث التي مر ذكرها، والاستدلال باهتمام الصحابة والمسلمين بضبط القرآن وحفظه ليس إلا استدلال ضعيف جداً بعد الاطلاع على أعمال أبي بكر وعمر وعثمان" ["الصافي شرح الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن ص75 ج8 نولكشور الهند - الفارسي -].

ويقول المفسر الشيعي الكاشي في مقدمة تفسيره: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هوخلاف ما أنزل الله، ومنه ما هومغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله وبه قال إبراهيم" ["مقدمة تفسير الصافي" ص14].

ويقول: أما اعتقاد مشائخنا رحمهم الله في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه "الكافي" ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر يف أول الكتاب أنه يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي فإن تفسيره مملوء وله غلوفيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدس سره أيضاً نسج على منوالهما في كتابه "الاحتجاج" ["مقدمة تفسير الصافي" ص14].

وقال المقدس الادبيلي العالم الشيعي الكبير ما معناه: إن عثمان (الخليفة الراشد رضي الله عنه) قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره، وقال البعض أن عثمان (رضي الله عنه) أمر مروان بن الحكم، وزياد بن سمرة، الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبد الله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضى عندهم ويغسلا الباقي" ["حديقة الشيعة" للاردبيلي ص118 وص119 إيران - الفارسي].

وذكر خاتمة مجتهديهم الملا محمد باقر المجلسي في كتابه: أن الله أنزل في القرآن سورة النورين ["وقد ثبت بهذا أن سورة النورين التي ذكرها الخطيب نقلاً عن كتاب شيعي "دبستان مذاهب" لم ينفرد بذكرها ملا محسن الكشميري بل وافقه علامة الشيعة المجلسي أيضاً حيث ذكرها في كتابه، فماذا يقول - لطف الله الصافي الذي أنكر نسبة الكتاب إلى الشيعة؟ فهل "تذكرة الأئمة" كتاب شيعي أم كتاب سني؟ وهل المجلسي من أعيان الشيعة أم لا؟ فلم التحمس إلى هذا الحد؟ وقد طبعت هذه السورة في الهند أكثر من مرة وأقرئه علماء الشيعة في القارة الهندية الباكستانية مثل السيد علي الحائري وغيره] وهذا نصها بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا بالنورين أنزلناهما عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا لوصي الرسول أولئك يسقون من حميم... - إلى أن ذكر عدة آيات ثم قال -: لما أسقط أولئك الفجرة حروف آيات القرآن وقرؤوها كما شاءوا" [تذكرة الأئمة "للمجلسي نقلاً من "تحفة الشيعة" لبرفسور نور بخش التوكلي ص318 ج1 ط لاهور].

وكتب الميرزا محمد باقر الموسوي: أن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود ليطلب منه مصحفه حتى يغيره ويبدله مثل ما اصطنع لنفسه حتى لا يبقى قرآن محفوظ صحيح" ["بحر الجواهر" للموسوي ص347 ط إيران].

ويقول الحاج كريم خان الكرماني الملقب "بمرشد الأنام" في كتابه: إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلوالقرآن، فيقول - المسلمون هذا والله هوالقرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد، والذي حرف وبدل" ["إرشاد العلوم" ص121 ج3 - الفارسي - ط إيران].

ويقول المجتهد الشيعي الهندي السيد دلدار علي الملقب "بآية الله في العالمين" يقول: ومقتضى تلك الأخبار أن التحريف في الجملة في هذا القرآن الذي بين أيدينا بحسب زيادة الحروف ونقصانه بل بحسب بعض الألفاظ وبحسب الترتيب في بعض المواقع قد وقع بحيث مما لا يشك مع تسليم تلك الأخبار ["استقصاء الأفحام" ص11 ج1 ط إيران].

ويصرح عالم شيعي آخر: أن القرآن هومن ترتيب الخليفة الثالث ولذلك لا يحتج به على الشيعة" ["ضربة حيدرية" ص75 ج2 ط مطبع نشان مرتضوي الهندي - الفارسي].

وقد ألف عالم شيعي الميرزا النوري الطبرسي في ذلك كتاباً مستقلاً كبيراً سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "وقد ذكرنا عدة عبارات قبل ذلك منه، وقال في مقام آخر" ونقصان السورة وهوجائز كسورة الحقد وسورة الخلع [وقد ذكر السيد الخطيب رحمه الله في "الخطوط العريضة" أن الشيعة يعتقدون بسورة "الولاية" في القرآن وأنها أسقطت، فيرد عليه الصافي في كتيبه "مع الخطيب" بشدة وحماس بقوله: فانظر ما في كلامه هذا من الكذب الفاحش والافتراء البين - ليس في فصل الخطاب "لا في ص180 ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله. فنقول في جوابه وفي أسلوبه، أيها الصافي! ألا تستحي من الله؟ ولا تتفكر بأن في الناس من يظهرون كذبك؟ اتق الله يا أيها الصافي! ما مات العلم بموت الخطيب وإن في أهل السنة من يستطيعون أن يبينوا عواركم وكذبكم فهذا هوالطبرسي يمثل لنقصان في القرآن بسورة الولاية] وسورة الولاية" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص33 ط إيران].

وقد ذكرنا عبارات المتقدمين منهم والمتأخرين قبل ذلك فلا فائدة لتكرارها.

والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريباً جميعهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه، محذوف عنه حسب - روايات "الأئمة المعصومين"- كما يزعمون - فها هوالمحدث الشيعي يقول وهويذكر القراءات المتعددة" الثالث أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" ["الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد الجزائري].

فهذه حقيقة ما يدندنون حوله، ويطبلون ويزمرون.

أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول أن الشيعة يعتقدون بالقرآن ويقولون أنه لا زائد على ما بين الدفتين ولا ناقص منه؟

ثم ما عذر من اعتذر منهم أنها روايات ضعيفة وقليلة لا غير كما يوجد بعض الروايات عند أهل الستة.

فهل هناك مسألة بعض الروايات أم مسألة الاعتقاد والإيمان، فإن كان بعض الروايات فلم التصريح من أئمة الشيعة وأكابرها بوقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ ولم الرد على من قال بعدم وقوع التحريف ولونفاقاً، وتقية، وخداعاً للمسلمين.

وأيضاً ليس الروايات قليلة أوضعيفة عند الشيعة بل الروايات في هذا بلغت حد التواتر عند الشيعة وتزيد على ألفي رواية في قول، وأكثرها في صحاحهم الأربعة.

عقيدة أهل السنة في القرآن؟

وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا تحكم وتجبر، والحق أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمدة عليها عندهم رواية واحدة صحيحة تدل على أن القرآن الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته نقص منه أوزيد فيه بل صرح أكابر المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية، البيضاء، كما أنهم نصوا بأن الشيعة هم القائلون بهذا القول الخبيث.

فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم "الفصل في الملل والنحل" ما نصه: ومن قول الإمامية كلها قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير" - ثم يقول: القول بأن بين اللوحين تبديلاً كفر صريح وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم" ["الفصل في الملل والنحل" للإمام ابن حزم الظاهري، ص182 ج4 ط بغداد].

وقال أيضاً رداً على قول الشيعة بأن القرآن محرف ومغير فيه فقال: واعلموا أنه لورام اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة أوشعر زهير كلمة أوينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت، وتخالفه النسخ المثبتة، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر الأندلس، وبلاد البربر، وبلاد السودان إلى آخر السند، وكابل، وخراسان، والترك، والصقالية، وبلاد الهند فما بين ذلك - فظهر حمق الرافضة - وقال قبل ذلك بأسطر -: وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر ألف مصحف من مصر إلى العراق، إلى الشام، إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل، ثم ولى عثمان فزادت الفتوح واتسع الأمر فلورام أحد إحصاء مصاحف أهل الإسلام ما قدر" ["الفصل في الملل والنحل لابن حزم الظاهري، ص80 ج2 ط بغداد].

وهوالذي قال في كتابه "الأحكام": ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هوعهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيهم أن هذا القرآن هوالمكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه، فكان هوالأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه "ما فرطنا في الكتاب من شيء" ["الأحكام في أصول الأحكام" للحافظ ابن حزم الأندلسي الظاهري، ص95 ج1 ط مصر الباب العاشر].

وقال الأصولي الشافعي المعروف: الأول في الكتاب أي القرآن وهوما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواتراً" ["التوضيح في الأصول" ص26 ج1 ط مصر].

وقال الشارح على هذا: والمصنف اقتصر على ذكر النقل في المصاحف تواتراً لحصول الاحتراز بذلك عن جميع ما عدا القرآن، لأن سائر الكتب السماوية وغيرها الأحاديث الإلهية والنبوية ومنسوخ التلاوة لم ينقل شيء منها بين دفتي المصاحف لأنه اسم لهذا المعهود المعلوم عند جميع الناس حتى الصبيان" ["التلويح ص27 ج1 ط مصر].

وقال الأصولي الحنفي: "أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول عليه السلام، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة" ["المنار في الأصول" ص9 ط الهند].

وقال الآمدي: وأما حقيقة الكتاب هوما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلاً متواتراً" ["الأحكام للآمدي" ص228 ج1 ط مصر].

وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفاً، قال: قال القاضي أبوبكر في الانتصار -: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هوهذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه" - وقال البغوي في شرح السنة: إن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أونقصوا منه شيئاً" ["الاتقان للسيوطي" ص63 ج1 ط مطبع حجازي بالقاهرة سنة 1368ه‍].

وقال الخازن في مقدمة تفسيره: وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله عز وجل على رسول الله من غير أن زادوا فيه أونقصوا منه شيئاً. فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا أوأخروا شيئاً، أووضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله... فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحوالذي هوفي مصاحفنا الآن" ["تفسير الخازن" ص7 و8 المقدمة ج1 ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1955ه‍].

وقال القاضي في الشفاء: اعلم أن من استخف بالقرآن أوالمصحف بشيء منه، أوسبهما، أوكذب به، أوجحده، أوجزءاً منه، أوآية، أوكذب به، أوبشيء منه، أوكذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أوخبر، أواثبت ما نفاه، أونفى ما أثبته على علم منه بذلك، أوشك في شيء من ذلك، فهوكافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" ["الشفاء" للقاضي عياض].

هذا وقد بوب الإمام البخاري باباً في صحيحه بعنوان "باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين" ثم ذكر تحت ذلك حديثاً: أن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية" ["صحيح البخاري" كتاب فضائل القرآن].

فهذا ما رواه بخارينا وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة وذلك ما قاله أئمتهم.

وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتابه "البرهان" بعد ذكر قول القاضي في "الانتصار" وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجود الغلط والتخليط، وذلك يوجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته" ["البرهان في علوم القرآن" ص127 ج2 ط أولى 1957م].

وقد ذكر مفسروأهل السنة تحت آية {وإنا له لحافظون} بأن القرآن محفوظ عن أي تغيير وتبديل وتحريف، وكان أن يتفق على هذا كلهم وشذّ من ندر، فمثلاً يقول الخازن في تفسيره: وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني من الزيادة فيه والنقص والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أوينقص منه حرفاً واحداً، أوكلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، ولما تولى الله عز وجل حفظ هذا الكتاب بقي مصوناً على الأبد، محروساً من الزيادة والنقصان" ["تفسير الخازن" ص89 ج3].

وقال النسفي في تفسيره تحت هذه الآية "إنا نحن": فأكد عليهم أنه هوالمنزل على القطع وأنه هونزله محفوظاً من الشياطين، وهوحافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فيما بينهم بغياً فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه" ["تفسير المدارك" للنسفي، ص189 هامش الخازن ج3].

وقال الإمام ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هوالذي أنزل عليه الذكر وهوالقرآن، وهوالحافظ له من التغيير والتبديل" [تفسير ابن كثير ص547 ج2 ط القاهرة].

وقال الفخر الرازي: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة، والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وقال: ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً: فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه، والجواب أن جمعهم القرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه قال لما أن حفظه قيضهم لذلك - إلى أن قال -: إن أحداً لوحاول تغييره بحرف أونقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لواتفق له لحن أوهفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هوالمراد من قوله: وإنا له لحافظون: واعلم أنه لم يتفق بشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أوفي القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات" ["تفسير مفاتيح الغيب للرازي" ص380 ج5 ط مصر القديم].

كتب الشيعة لإثبات التحريف

فهذه عقيدة السنة في القرآن وهذه هي الأقوال لعلمائهم وأكابرهم، وبعكس ذلك أن الشيعة ما اقتصروا على سرد الروايات والأحاديث خلاف ذلك من أئمتهم ومعصوميهم فحسب بل وقد صنفوا بخصوص هذا في كل عصر من العصور كتباً مستقلة تحت عنوان "التغيير والتحريف في القرآن" وأفردوها لنقل هذه العقيدة الخبيثة وإثباتها بالأدلة والبراهين حسب زعمهم.

فقد صنف في ذلك شيخ الشيعة الثقة عندهم "أحمد بن محمد بن خالد البرقي" كتاب التحريف "كما ذكره الرجالي الشيعي المشهور الطوسي في كتاب "الفهرسة" والنجاشي في كتبه.

وأبوه محمد بن خالد البرقي صنف أيضاً "كتاب التنزيل والتغيير" كما ذكره النجاشي.

والشيخ الثقة الذي لم يعثروا له زلة في الحديث حسب قولهم "علي بن الحسن بن فضال" فقد أفرد في هذا الباب "كتاب التنزيل من القرآن والتحريف".

ومحمد بن الحسن الصيرفي صنف في هذا "كتاب التحريف والتبديل" كما ذكر الطوسي في الفهرست.

وأحمد بن محمد بن سيار "كتاب القراءات" وهوأستاذ لمفسر شيعي معروف ابن الماهيار - كما ذكر في "الفهرست" و"الرجال" للنجاشي.

وحسن بن سليمان الحلي "التنزيل والتحريف".

والمفسر الشيعي المشهور محمد بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام له "كتاب قراءة أمير المؤمنين وقراءة أهل البيت.

وأبوطاهر عبد الواحد بن عمر القمي له كتاب "قراءة أمير المؤمنين" - ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء.

وذكر علي بن طاؤس "الشيخ الجليل لهم" في كتابه "سعد السعود" كتباً أخرى في هذا الموضوع، فمنها "كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله" ومنها كتاب "قراءة الرسول وأهل البيت" ومنها "كتاب الرد على أهل التبديل" كما ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه، "ومنها كتاب السياري" ["نقلاً من كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص29].

وكما صنف المتقدمون في هذا الموضوع صنف أيضاً المتأخرون منهم، فمنها الكتاب المعروف المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "للميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي 1320ه‍ وهوكتاب شامل مفصل بحث فيه المحدث الشيعي بحثاً وافياً في إثبات التحريف في القرآن ورد على من أنكر أوأظهر التناكر من الشيعة ثم أردفه بكتاب آخر "لرد بعض الشبهات عن فصل الخطاب" [أفبعد هذا مجال لأحد أن يقول: بأن النوري الطبرسي لم يقل في هذا الكتاب عن التحريف بل بعكس ذلك أثبت أنه لا تحريف في الكتاب ولا تبديل" فمن الذي يريد الصافي أن يخدعه بهذا الكلام؟ أيظن أنه لا يوجد عند غيره "فصل الخطاب" أم يريد أن يكذب بجرأة حتى يظنه المستمعون أنه صدق، لا يا أيها الصافي! لا يمكن أن يكون ما تريده ففي الناس من يبينون كذبكم وعواركم ما دمتم تكذبون، فاسمعوا وعوا لن ولن يمكن أن تقلبوا الحقائق فيخدع بها سليم القلب. إن كتاب النوري الطبرسي ليس إلا وثيقة مهمة مشتملة على عقيدة الشيعة من أولهم إلى آخرهم بأنهم لا يؤمنون بهذا القرآن الموجود بين الدفتين، وقد ذكرنا عدة عبارات منه في بحثنا هذا وتركنا الباقي وفيه أكثر وأفظع بكثير مما ذكرناه].

وفي القارة الهندية أيضاً صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة، فقد ألف أحد علمائها من الشيعة كتاباً سماه "تصحيف كاتبين، ونقص آيات كتاب مبين" واسمه ميرزا سلطان أحمد الدهلوي.

"وضربة حيدرية" للسيد محمد مجتهد اللكنوي، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألفت في اللغة الفارسية، والعربية، والأردية.

وهناك كثيرون منهم، الذين بوبوا لبيان هذه العقيدة المتفقة عليها عندهم، فمنهم أستاذ الكليني علي بن إبراهيم القمي، والثاني شيخهم الأكبر في الحديث محمد بن يعقوب الكليني، والسيد محمد الكاظمي في "شرح الوافية" وسماه "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة"، والشيخ الصفار في كتابه "البصائر، باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله"، وسعد بن عبد الله في كتابه "ناسخ القرآن ومنسوخه" باباً باسم "باب التحريف في الآيات"، وهلم جراً.

ولا يخلوكتاب من كتبهم في الحديث والتفسير، والعقائد، والفقه، والأصول، لا يخلومن قدح بالقرآن العظيم - ونحن ندعوالذين ينكرون هذا الاعتقاد من الشيعة ونسألهم: ما دمتم ادعيتم أنه لم يزد على كتاب الله ولم ينقص منه فماذا تقولون في من يعتقد مثل هذا الاعتقاد؟

هل تكفرونه؟ لأنه مما يوجب التفكير، وهل تفتون أنه خرج عن الملة الحنيفية البيضاء؟ كما أفتى به أئمة أهل السنة وعلمائها وزعمائها، فلننظر إلى أي حد تستعملون التقية والخداع للمسلمين.

وهذا مما لا شك فيه كما أثبتنا في بحثنا الطويل أن الشيعة قاطبة، وفي كل عصر من عصور الإسلام قد اعتقدوا بهذا الاعتقاد ويعتقدونه إلى الآن، وليس إنكارهم مبنياً على الصدق والحقيقة ولكنه ليس إلا الشرود والفرار من إيرادات المسلمين وطعن الطاعنين، أوشعورهم بكشف السر المكنون، وافتضاح الأمر المستور [وإلا لم المدح لميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي من قبل السيد لطف الله الصافي الذي يتكلف الحماس لرفع هذه "التهمة" عن الشيعة بأنهم لا يعتقدون التحريف في الكتاب، فما رأينا المنافاة في القول مثل هذا فإن الصافي يدفع هذا الاعتراض في مرة ويرد عليه ثم يمدح في نفس المبحث الرجل الذي يعتقد بهذه العقيدة الخبيثة ولا يعتقد فحسب بل يثبتها بالأدلة الصحيحة الصريحة الواضحة الدامغة عند الشيعة ويؤلف فيه كتاباً ضخماً وافياً كاملاً شاملاً لإحاطة جميع النواحي لهذا المبحث، ولم المدح للعلماء المتقدمين الأكابر عند الشيعة مع تصريحهم بوقوع التحريف في القرآن؟ ولم تمجيدهم والاحترام لهم؟ والمعروف أن من ينكر أساساً من أسس الدين لا يحترم ولا يعظم، لأن المنكر لضرورة من ضروريات الدين مهان مصغر ومحتقر بإجماع المسلمين لا العكس...] وإلا الحق قد انجلى، والحقيقة قد انكشفت، والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين.


الشيعة والقرآن

كل من يريد أن يعرف عقيدة الشيعة في القرآن، ويتحقق فيه ويبحث لا بد له من أن يرجع إلى أمهات كتب القوم ومراجعهم الأصلية في الحديث والتفسير حتى يكون منصفاً في الحكم، وعادلاً في الاستنتاج، لأنه عليها مدار عقائدهم ومعول خلافاتهم مع الآخرين، وبالتمسك برواياتهم التي رووها حسب زعمهم عن أئمتهم المعصومين من سلالة علي t من طرقهم الخاصة وأسانيدهم المخصوصة يتميزون عن الفرق الأخرى من المسلمين كما قال شيعي معاصر في الرد علينا:

أما ديننا فهو منزه من كل ما يشين ويزري لأن أصوله وفروعه ممتدة من أهل بيت النبي الذين هم أدرى بما عند النبي، وأدرى بما في القرآن الذي تنزل على جدهم، والذين هم خزانة علمه، وباب حكمته، وتراجمة وحيه، وأولهم علي بن أبي طالب الذي هو أخو الرسول وصهره ووصيه والمطلع على جميع أسراره، والذي احتاج إلى علمه كل الصحابة بما فيهم الخلفاء ولم يحتج هو لأحد منهم، والذي قال فيه شوقي:
نفس النبي المصطفى وفرعه          ودينه عند اللقا وشرعه
العمران يأخذان عنه                  والقمران نسختان منه
ولا خير في دين لم يستند لهذا البيت الذي قرنه رسول الله مع كتابه المجيد وجعلهما سبب الهداية للبشر ما إن تمسكوا بهما ولن ينفلك بعضهما عن البعض" ["كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص98، 99 ط دار الزهراء بيروت].
وأيضاً: فأهل البيت الذين هم منبع ديننا ومرشدوا أحكامنا" ["كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص114].
وقال آخر:
والشيعة لا ذنب لهم غير ولائهم لعترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بهم، وبسيرتهم" ["صوت الحق ودعوة الصدق" للطف الله الصافي ص38 ط بيروت].
هذا ومثل هذا التفاخر كثير وكثير، وكتب القوم كلها مليئة منه، ولكننا اكتفينا بعبارة الاثنين الذين تصديا للرد علينا.
فيلزم الباحث المنصف أن لا ينسب شيئاً إلى القوم إلا أن يكون ثابتاً من أئمتهم، والظاهر أنه لا يثبت إلا حينما يكون وارداً في الكتب التي خصصت لإيراد مروياتهم وأحاديثهم، وهذه الكتب إما أن تكون من كتب الحديث أو التفسير، وخاصة الكتب القديمة التي روت هذه الروايات بالسند، أو وافق على صحتها أئمة القوم المعصومين.
ونحن نلزم أنفسنا في هذا الباب أن لا نورد شيئاً إلا ويكون صادرا من واحد من الأئمة الاثنى عشر، ومن كتب الشيعة أنفسهم المعتمدة لديهم والموثوقة عندهم، لبيان أن الشيعة في عصر الأئمة قاطبة من بكرة أبيهم – ولا أستثني منهم واحداً – كانوا يعتقدون أن القرآن محرف ومغير فيه، زيد فيه ونقص منه كثير.
فنبدأ من (الكافي) للكليني، الذي قيل فيه:
هو أجلّ الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليها، لم يكتب مثله في المنقول من آل الرسول، لثقة الإسلام محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي المتوفى سنة 328ه‍" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآغا بزرك الطهراني ج17 ص245].
و"هو أجلّ الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال المولى محمد أمين الاسترآبادي في محكي فوائده: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام تاب يوازيه أو يدانيه" [الكنى والألقاب" للعباس القمي ج3 ص98، ومثله في "مستدرك الوسائل" ج3 ص532].
وأيضاً "الكافي.... أشرفها وأوثقها، وأتمها وأجمعها لاشتماله في الأصول من بينها، وخلوه من الفضول وشينها" ["الوافي" ج1 ص6].
وذكر الخوانساري أن المحدث النيسابوري قال في الكافي:
"ثقة الإسلام، قدوة الأعلام، والبدر التمام، جامع السنن والآثار في حضور سفراء الإمام عليه أفضل السلام، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محيي طريقة أهل البيت على رأس المائة الثالثة، المؤلف لجامع (الكافي) في مدة عشرين سنة، المتوفى قبل وقوع الغيبة الكبرى t في الآخرة والأولى، وكتابه مستغن عن الإطراء، لأنه t كان بمحضر من نوابه عليه السلام وقد سأله بعض الشيعة من النائية تأليف كتاب (الكافي) لكونه بحضرة من يفاوضه ويذاكره ممن يثق بعلمه، فألف وصنف وشنف، وحكى أنه عرض عليه فقال: كاف لشيعتنا" ["روضات الجنات" ج6 ص116].
وقال الحسين على المقدم عن (الكافي):
يعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم (أي الإمام الثاني عشر الغائب المزعوم) صلوات الله عليه، فاستحسنه وقال: كاف لشيعتنا" [مقدمة "الكافي" ص25].
و"روى الكليني عمن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت عليهم السلام ورجالهم ومحدثيهم، فكتابه خلاصة آثار الصادقين عليهم السلام وعيبة سننهم القائمة" [مقدمة "الكافي" ص25].
هذا قليل من كثير مما قالوه في كتابه
وأما ما قالوه فيه، فقال النجاشي:
شيخ أصحابنا في وقته بالرأي، ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم" ["رجال النجاشي"].
وقال ابن الطاؤس:
الشيخ المتفق على ثقته وأمانته، أبلغ فيما يرويه، وأصدق في الدراسة" ["كشف المحجة" ص258 و"فرج الهموم" ص190 نقلاً عن مقدمة الكتاب].
وقال القمي:
كان مجدداً مذهب الإمامية على رأس المائة الأولى محمد بن علي الباقر (ع) – الإمام الخامس عند القوم -، وعلى رأس المائة الثانية علي بن موسى الرضا (ع) – الإمام الثامن عندهم -، وعلى رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني" ["الكنى والألقاب" ج3 ص99، أيضاً "روضات الجنات" ج6 ص111].
وقال الخوانساري:
وبالجملة فشأن الرجل أجل وأعظم من أن يختفي على أعيان الفريقين، أو يكتسي ثوب الإجمال لدى ذي عينين، أو ينتفي أثر إشراقه يوماً من البين، إذ هو في الحقيقة أمين الإسلام. وفي الطريقة دليل الأعلام. وفي الشريعة جليل مقدام، ليس في وثاقته لأحد كلام، ولا في مكانته عند أئمة الأنام، وحسب الدلالة على اختصاصه بمزيد الفضل وإتقان الأمر، اتفاق الطائفة على كونه أوثق المحمدين الثلاثة الذين هم أصحاب الكتب الأربعة، ورؤساء هذه الشرعة المتبعة" ["روضات الجنات" للخوانساري ج6 ص112].
فذاك هو الكافي وهذا هو الكليني.
فهذا الكليني يروي في ذاك الكافي:
عن علي بن الحكم عن هشام بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية" ["الكافي" للكليني ج2 ص634 كتاب فضل القرآن].
والمعروف أن القرآن ستة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، ومعناه أن ثلثي القرآن راح على أدراج الرياح، والموجود هو الثلث، ولقد صرح بذلك جعفر بن الباقر كما ذكر الكليني في كافيه أيضاً تحت باب "ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام".
"عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عبد الله الحجال عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بينه وبين آخر فأطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علّم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال: قلت: هذا والله العلم قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
قال: ثم قال: يا أبا محمد! وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إلي فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا – كأنه مغضب – قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وليس بذاك.
ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، علم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.
ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.
قال: قلت: جعلت فداك فأي شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر من بعد الأمر، والشيء بعد الشيء، إلى يوم القيامة" ["الأصول من الكافي" ج1 ص239، 240].
فأي قسم الذي حذف؟ يبينه الكليني أيضاً من إمامه المعصوم محمد الباقر – الإمام الخامس عند القوم – حيث يروي:
"عن أبي علي العشري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن إسحاق بن عمار عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام" ["الكافي" في الأصول، كتاب فضل القرآن ج2 ص628].
ومثله روي عن علي t حيث أورد الرواية:
"عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعاً عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول:
نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن أمثال، وثلث فرائض وأحكام" ["الكافي" ج2 ص627].
ومثال لذلك الحذف؟ – يبينه الكليني أيضاً ي كافيه:
عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن جعفر بن محمد بن عبيد الله، عن محمد بن عيسى القمي، عن محمد بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل" كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم "فنسي" هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم" ["الكافي" ج1 ص16].
وأيضاً "علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلى أبو الحسن عليه السلام مصحفاً وقال لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه "لم يكن الذين كفروا" فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فابعث إلي بالمصحف" ["الكافي" ج2 ص631].
وأين هذا القرآن الآن؟
روى الكليني أيضاً "عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عيه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على حد. وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جمعته من اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان على أن أخبركم حين جمعته لتقرؤه" ["الكافي" ج2 ص633].
هذه، ومثل هذه الروايات كثيرة كثيرة في أوثق كتاب من كتب القوم، الذي عرض على الإمام الغائب فأوثقه وجعله كافياً لشيعته أعرضنا عنها لما أنها وردت في كتاب (فصل الخطاب) الذي خصصنا له الباب الرابع من هذا الكتاب تجنباً عن التكرار.
والمقصود أن الكليني روى هذه الروايات من أئمته المعصومين وأنهم كانوا يقولون بالتحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس، كما كانوا يوعزون إلى شيعتهم أن يعتقدوا بمثل هذا الاعتقاد، ولقد وردت في هذه الروايات الثمانية عقيدة الأربعة من الأئمة – علي بن أبي طالب، محمد الباقر، ابنه جعفر، وأبي الحسن [والكلام تنازلاً على معتقدات الشيعة. وإلا فنحن نؤمن بأن كل هذه الروايات خرافات وأباطيل، لا صحة لها مطلقاً وبتاتاً لأن هؤلاء الأجلة مبرؤون عما يتهمهم هؤلاء الأفاكون الكذابون، واعتقادهم في القرآن اعتقاد جميع المسلمين – وهم قادتهم وقدوتهم – أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وضمن الله حفظه بقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
وهذه هي العقيدة التي هي من أهم الفوارق بين المسلمين عامة وبين الشيعة] وفي الكتاب إثبات لهذه العقيدة من أئمته الآخرين الذين لم نورد رواياتهم للسبب الذي ذكرناه آنفاً، وسوف تأتي في محلها إن شاء الله.
ونذكر بعد هذا كتاباً آخر قديماً، معتمداً عند القوم، وهو الكتاب الذي ألف أيضاً في زمن أئمة الشيعة المعصومين لديهم. ألا وهو تفسير القمي.
فالقمي علي بن إبراهيم هو شيخ مشائخ الشيعة في الحديث وفي التفسير، حيث أن محمد بن يعقوب الكليني صاحب أهم كتاب من الصحاح الأربعة الشيعية أكثر الرواية عنه في كتابه (الكافي) فهو تلميذه، وقال عنه النجاشي:
ثقة في الحديث، ثبت، معتمد، صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنف كتباً، وله كتاب التفسير" ["رجال النجاشي" ص183].
و"هو من أجلّ رواة أصحابنا، ويروي عنه مشائخ أهل الحديث، ولم نقف على تاريخ وفاته إلا أنه كان حياً في سنة 307ه‍" ["الكنى والألقاب" ج3 ص68].
و"كان في عصر أبي الحسن محمد الإمام العسكري عليه السلام" ["الذريعة" لآغا بزرك الطهراني ج4 ص302].
هذا وكتبوا في تفسيره:
أولاً: إن هذا التفسير أصل أصول للتفاسير الكثيرة.
ثانياً: إن رواياته مروية عن الصادقين عليهما السلام مع قلة الوسائط والإسناد ولهذا قال في الذريعة: إنه في الحقيقة تفسير الصادقين عليهما السلام.
ثالثاً: مؤلفه كان في زمن الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
رابعاً: أبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابياً للإمام الرضا عليه السلام.
خامساً: إن فيه علماً جماً من فضائل أهل البيت عليهم السلام التي سعى أعداؤهم لإخراجها من القرآن الكريم.
سادساً: إنه متكفل لبيان كثير من الآيات القرآنية التي لم يفهم مرادها تماماً إلا بمعونة إرشاد أهل البيت عليهم السلام التالين للقرآن" ["مقدمة تفسير القمي" للسيد طيب موسوي الجزائري ص15].
فذاك القمي يذكر في مقدمة تفسيره:
"فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه، ومنه عام ومنه خاص، ومنه تقديم ومنه تأخير، ومنه منقطع ومنه معطوف، ومنه حرف مكان حرف، ومنه على خلاف ما أنزل الله" ["تفسير القمي" ج1 ص5].
وأيضاً "وأما ما هو كان على خلاف ما أنزل اله فهو قوله ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [ فقال أبو عبد الله عليه السلام لقارئ هذه الآية (خير أمة) يقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي عليه السلام؟ فقيل له وكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال إنما نزلت (كنتم خير أئمة أخرجت للناس) ألا ترى مدح الله بهم في آخر الآية (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ومثله آية قرأت على أبي عبد الله عليه السلام ] الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً [ فقال أبو عبد الله عليه السلام لقد سألوا الله عظيماً أن يجعلهم للمتقين إماماً فقيل له يا ابن رسول الله كيف نزلت؟ فقال إنما نزلت (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعل لنا من المتقين إماماً) وقوله ] له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ فقال أبو عبد الله كيف يحفظ الشيء من أمر الله وكيف يكون المعقب من بين يديه فقيل له وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟ فقال إنما نزلت (له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله) ومثله كثير" ["تفسير القمي" ج1 ص10].
وقد كتب على ظهر هذا الكتاب المطبوع:
"هو من أقدم التفاسير التي كشفت القناع عن الآيات النازلة في أهل البيت عليه السلام".
وكذلك العياشي محمد بن مسعود بن عياش السلمي المعروف بالعياشي.
قال فيه النجاشي: ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة" ["رجال النجاشي" ص247].
وقال الخوانساري نقلاً عن (معالم العلماء): أنه كان أكبر أهل الشرق علماً وفضلاً وأدباً وفهماً ونبلاً في زمانه، صنف أكثر من مائتي مصنف" ["روضات الجنات" ج6 ص130].
وقال القمي: قال مشائخ الرجال:
إنه ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الأخبار، بعيد بالرواية، مضطلع بها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنف، منه كتاب التفسير المعروف، ونقل عن ابن النديم أنه قال في حقه: من فقهاء الشيعة الإمامية أوحد دهره وزمانه في غزارة العلم" ["الكنى والألقاب" ج2 ص449، 450].
وقال الطباطبائي: هو من أعيان علماء الشيعة وأساطين الحديث والتفسير بالرواية ممن عاش في القرن الثالث من الهجرة، وأما كتابه فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألف إلى يومنا هذا – ويقرب من أحد عشر قرناً – بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض إليه بطرف" [مقدمة حول الكتاب ومؤلفه لمحمد حسين الطباطبائي ص ح].
وكتب الطهراني في (الذريعة):
"تفسير العياشي لأبي النضر محمد بن مسعود.... وهو من مشائخ الكشي، ومن طبقة ثقة الإسلام الكليني" ["الذريعة" ج4 ص295].
فهذا العياشي يذكر في مقدمة تفسيره عن الأصبغ بن نباتة قال:
سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدون، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" [مقدمة التفسير تحت عنوان "فيما أنزل القرآن" ج1 ص9، وأورد هذه الرواية المجلسي في "البحار" ج19 ص30، والصافي في تفسيره ج1 ص14، والبحراني في "البرهان" ج1 ص21].
و"عن داؤد بن فرقد، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو قد قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين" ["العياشي" ج1 ص13، أيضاً "مقدمة البرهان" ص37].
و"عن ميسر عن أبي جعفر عليه السلام:
لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي" ["البرهان" مقدمة ص37، وورد هذا الحديث في "البحار" ج19 ص30، و"إثبات الهدى" ج3 ص43، 44] وغيرها من الروايات الكثيرة التي يأتي ذكرها في محلها.
ورابعهم محمد بن الحسن الصفار الذي قال عنه النجاشي:
كان وجهاً في أصحابنا القميين، ثقة. عظيم القدر، راجحاً، قليل السقط في الرواية. له كتب، منها كتاب (بصائر الدرجات) توفي في سنة 290ه‍" ["رجال الكشي" ص251، ومثله في "الكنى والألقاب" ج2 ص379].
و"هو من تلامذة حسن العسكري – الإمام الحادي عشر المعصوم عند القوم –" ["الذريعة" ج3 ص125].
يورد في كتابه عقيدته في القرآن عن إمامه المعصوم بروايته المتصلة الموصولة:
حدثنا علي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داؤد، عن يحيى بن أديم، عن شريك، عن جابر قال: قال أبو جعفر (ع): دعا رسول الله أصحابه بمنى، فقال:
يا أيها الناس! إني تارك فيكم حرمات الله: وعترتي، والكعبة البيت الحرام ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا، وكل ودايع الله فقد تبرؤا" ["بصائر الدرجات" الجزء الثامن، الباب السابع عشر ط إيران 1285ه‍].
وأيضاً، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول:
ما من أحد من الناس ادعى أنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده" [نقلاً عن "البرهان" ج1 ص15].
وأيضاً "عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر أنه قال:
في القرآن ما مضى وما يحدث، وما هو كائن، وكانت فيه أسماء رجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد في وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة" [نقلاً عن "البرهان" ج1 ص15].
وخامسهم فرات بن إبراهيم الكوفي فنكفي بذكره وذكر تفسيره عن الطهراني في كتابه (الذريعة).
تفسير فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي المقصور على الروايات عن الأئمة الهداة عليهم السلام، وقد أكثر فيه من الرواية عن الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي نزيل قم والمتوفى بها الذي كان من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، وقد شارك أخاه الحسن في رواية الكتب الثلاثين كما شاركه ابنه أحمد بن الحسين في الرواية عن جميع شيوخ أبيه، وكذلك أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن محمد بن مالك البزاز الفزاري الكوفي (المتوفى حدود 300) وكان هو المربي والمعلم لأبي غالب الزراري (المولود 285) بعد إخراجه عن الكتب وجعله في البزازين كما ذكره أبو غالب في رسالته إلى ابن ابنه، وكذلك أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير العامري الكوفي (المتوفى 214) مؤلف كتاب "التخريج" الذي ذكرناه في (ص1) من هذا الجزء، وقد ذكر لكل من هؤلاء مشايخ كثيرة وأسانيد عديدة، وكذلك يروى فيه عن سائر مشايخه البالغين إلى نيف وماية كلهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمة الأطهار عليهم السلام وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أصولنا الرجالية، ولكن من الأسف أنه عمد بعض إلى إسقاط أكثر تلك الأسانيد واكتفى بقوله مثلاً (فرات عن حسين بن سعيد معنعناً عن فلان) وهكذا في غالب الأسانيد فأشار بقوله معنعناً إلى أن الرواية التي ذكرها فرات كانت مسندة معنعنة، وإنما تركتها للاختصار، ويروي التفسير عن فرات والد الشيخ الصدوق، وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه (المتوفى 329) كما أنه يروي والد الصدوق أيضاً عن علي بن إبراهيم المفسر القمي (الذي توفي بعد 307)، ولعل فرات أيضاً بقي إلى حدود تلك السنة، وأما الشيخ الصدوق فيروي في كتبه عنه كثيراً إما بواسطة والده أو بواسطة شيخه الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، وكما يروي الهاشي هذا عن فرات كذلك يروي عن والد أبي قيراط جعفر بن محمد (الذي توفي 308) فيقول احتمال أن فرات أيضاً أدرك أوائل المائة ارابعة كوالد أبي قيراط، ونسخه كثيرة في تبريز والكاظمية والنجف الأشرف أوله: (الحمد لله غافر الذنوب، وكاشف الكروب، وعالم الغيوب، والمطلع على أسرار القلوب)، واعتمد عليه من القدماء بعد الصدوقين الشيخ الحاكم ابو القاسم الحسكاني، فينقل عن هذا التفسير في كتابه (شواهد التنزيل) وينقل عنه غياث بن إبراهيم في تفسيره الذي مر آنفاً وهو من مآخذ كتاب (البحار) قال العلامة المجلسي في أوله: وتفسير فرات وإن لم يتعرض الأصحاب لمؤلفه بمدح ولا قدح لكن كون أخباره موافقاً لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة وحسن الضبط في نقلها مما يعطي الوثوق بمؤلفه وحسن الظن به)" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآغا بزرك الطهراني ج4 ص489، 499].
وبهذا يظهر قيمة الرجل وقيمة كتابه.
وقال السيد الصدر عنه: إنه كان في عصر الإمام الجواد بن الرضا عليه السلام" ["كتاب الشيعة وفنون الإسلام" نقلاً عن ترجمة المؤلف من الكتاب].
وقال الأورد باري:
لم يزل علماؤنا يعون على هذا الكتاب منذ ألف إلى وقتنا الحاضر كما هو ظاهر من تقدم ذكرهم من مترجميه وحسبه ثقة رواية مثل أبي الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي والد شيخنا الصدوق عنه، الذي عكف العلماء على العمل بفتاواه في رسالته إلى ولده عنه أعواز النصوص، لأنه لم يثبت فيها إلا عيون ألفاظ رواها عن أئمة الهدى عليهم السلام ثقة منهم بما يرويه.
وإن من جملة ما استأثره بالرواية هذا التفسير كما يدلنا عليه كتاب والده رئيس المحدثين الشيخ الصدوق في (الأمالي) وكتاب (أخبار الزهراء) وغيرهما من كتبه عن فرات بوساطة أبيه تارة وعن شيخه الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي تارة أخرى.
واعتماد الصدوق عليه بعد والده كما يكشف عنه إكثاره وإصراره على الرواية عنه بأحد الواسطتين من أوضح شواهد الوثاقة وأعظم مرجحات العمل وعلى مثله المدار في التمييز في الصحيح والسقيم" ["تفسير الفرات الكوفي" ص2، 3].
وقال الخوانساري:
فرات بن إبراهيم المحدث العميد والمفسر الحميد، صاحب كتاب التفسير الكبير الذي هو بلسان الأخبار، وأكثر أخباره في شأن الأئمة الأطهار عليهم سلام الله الملك الغفار، وهو مذكور في عداد تفسيري العياشي وعلي بن إبراهيم القمي، ويروي عنه في (الوسائل) و(البحار) على سبيل الاعتماد والاعتبار، ذكره المحدث النيسابوري في رجاله بعد ما تركه سائر أصحاب الكتب في الرجال، فقال: له كتاب تفسيره المعروف عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني، قال شيخنا المجلسي رحمه الله في كتابه (يحار الأنوار) تفسير فرات وإن لم يتعرض من الأصحاب لمؤلفه بمدح وقدح لكن كون أخياره موافقة لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة، وحسن الضبط في نقلها ما يعطي الوثوق لمؤلفه وحسن الظن به.
وقد روى الصدوق رحمه الله عنه أخباراً بتوسط الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي.
وروى عنه الحاكم أبو القاسم الحسكاني" ["روضات الجنات" ج5 ص353، 354].
فهذا الفرات أيضاً سرد روايات كثيرة تدل دلالة واضحة على أن القرآن محرف ومغير فيه، كما أنه في مقدمة كتابه أورد رواية عن علي بن أبي طالب:
"أنزل القرآن أربعة أرباع" [انظر مقدمة الكتاب ص1].
وبقية الأحاديث تأتي في محلها.
وهكذا سليم بن قيس العامري الذي يعدونه من أصحاب علي t أورد روايات في كتابه مثل التي ذكرناها قبل.
فهؤلاء محدثو القوم ومفسروهم ورواتهم الأجلة في العصور الأولى لقوا أئمتهم ورووا عنهم بلا واسطة وبواسطة. فكلهم يروون مثل هذه الروايات، ويعتقدون بهذه العقيدة أي عقيدة تحريف القرآن وتغييره وهؤلاء هم عمدة المذهب، وتلك كتبهم عليها مدار عقائد الشيعة، لولاهم ولولاها لما ثبت لهم شيء، ولأجل ذلك قال النوري الطبرسي:
اعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتمدة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص252].
ثم خلفهم خلف من المحدثين والمفسرين، كلهم انتهجوا منهجهم وسلكوا مسلكهم، وأوردوا روايات وذكروا أحاديث صريحة في مدلولها، وواضحة في معناها بلغت حد التواتر وزادت عليه، حتى قال السيد نعمت الله الجزائري:
إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً والتصديق بها" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص31].
وقد ذكر رواة هذه الأحاديث والمعتقدين بها وعدهم محدث القوم النوري الطبرسي ي كتابه (فصل الخطاب) واحداً بعد واحد تحت عنوان "المقدمة الثالث في ذكر أقوال علمائنا رضوان الله عليهم أجمعين في تغيير القرآن وعدمه" فيقول:
فاعلم أن لهم في ذلك أقوالاً مشهورها اثنان.
الأول وقوع التغيير والنقصان فيه وهو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني في تفسيره صرح بذلك في أوله وملأ كتابه من أخباره مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني رحمه الله على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة خصوصاً في باب النكث والنتف من التنزيل وفي الروضة من غير تعرض لردها أو تأويلها واستظهر المحقق السيد محسن الكاظمي في شرح الوافية مذهبه في الباب الذي عقده في وسماه "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام" فإن الظاهر من طريقته أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه قلت وهو كما ذكره فإن مذاهب القدماء تعلم غالباً من عناوين أبوابهم، وبه صرح أيضاً العلامة المجلسي في مرآة العقول، وبهذا يعلم مذهب الثقة الجليل محمد بن الحسن الصفار في كتاب البصائر من الباب الذي له أيضاً فيه وعنوانه هكذا "باب في الأئمة عليهم السلام أن عندهم لجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وهو أصرح في الدلالة مما في الكافي ومن باب "أن الأئمة عليهم السلام محدثون" وهذا المذهب صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعمان تلميذ الكليني صاحب كتاب الغيبة المشهور في تفسيره الصغير الذي اقتصر فيه على ذكر أنواع الآيات وأقسامها وهو بمنزلة الشرح لمقدمة تفسير علي إبراهيم، وصريح الثقة الجليل سعد بن عبد الله القمي في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه كما في المجلد التاسع عشر من البحار، فإنه عقد فيه باباً ترجمته باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عز وجل مما رواه مشائخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد عليهم السلام" ثم ساق مرسلاً أخباراً كثيرة تأتي في الدليل الثاني عشر فلاحظ، وصرح السيد علي بن أحمد الكوفي في كتاب بدع المحدثة وقد نقلنا سابقاً عنه ما ذكره فيه في هذا المعنى، وذكر أيضاً في جملة بدع عثمان ما لفظه "وقد أجمع أهل النقل والآثار من الخاص والعام أن هذا الذي في أيدي الناس من القرآن ليس هذا القرآن كله، وإنه ذهب من القرآن ما ليس هو في أيدي الناس، وهو أيضاً ظاهر أجلة المفسرين وأئمتهم الشيخ الجليل محمد بن مسعود العياشي، والشيخ فرات بن إبراهيم الكوفي، والثقة النقد محمد بن العباس الماهيار فقد ملئوا تفاسيرهم عن الأخبار الصريحة في هذا المعنى كما يأتي ذكرها، بل روى الأول في أول كتابه أخباراً عامة صريحة فيه، فنسبة هذا القول إليهم كنسبته إلى علي بن إبراهيم، بل صرح بنسبته إلى العياشي جماعة كثيرة، وممن صرح بهذا القول ونصره الشيخ الأعظم محمد بن محمد بن النعمان المفيد فقال في المسائل السرورية على ما نقله العلامة المجلسي في مرآة العقول، والمحدث البحراني في الدرر النجفية ما لفظه "إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله وليس فيه شيء آخر من كلام البشر وهو جمهور المنزل والباقي مما أنزله الله تعالى قرآناً عند المستحفظ للشريعة، المستودع للأحكام لم يضيع منه شيء وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك.
منها قصوره عن معرفة بعضه.
منها ما شك فيه.
ومنها ما تعمد إخراجه، وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخر، وألفه بحسب ما وجب من تأليفه فقدم المكي على المدني والمنسوخ على الناسخ ووضع كل شيء منه في موضعه ولذا قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أما والله لو قرء القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا وقال عليهم السلام: نزل القرآن أربعة أرباع، ربع فينا وربع في أعدائنا، وربع قصص وأمثال، وربع قضايا وأحكام، ولنا أهل البيت فضائل القرآن" ثم قال: غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم قد أمروا بقرائة ما بين الدفتين وأن لا نتعداه إلى زيادة فيه ولا إلى نقصان منه إلى أن يقوم القائم عليه السلام فيقرأ الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام وإنما نهونا عن قرائة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر وإنما جاء بها الأخبار والواحد قد يغلطه فيما ينقله ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه من أهل الخلاف وأغرى به الجبارين وعرض نفسه للهلاك فمنعونا من قراءة القرآن بخلاف ما أثبت بين الدفتين" انتهى وقال في موضع من كتاب المقالات: واتفقوا أي الإمامية على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال في موضع آخر: فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني لم ير فرقاً فيما ذكرناه وعد النجاشي من كتبه "كتاب البيان في تأليف القرآن" والظاهر أنه مقصور على إثبات هذا المطلب والله العالم، ويأتي إن شاء الله ما رواه في إرشاده من الأخبار الصريحة في وقوع التغيير فيه، نعم مال في موضع من الكتاب المذكور بعد ما صرح بورود الأخبار المستفيضة باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان وأنه ليس أن يدعي عدم النقصان فيه حجة يعتمد عليها إلى تأويل تلك الأخبار، وإن المراد منها أنه حذف من مصحف أمير المؤمنين عليه السلام ما كان من التأويل والتفسير، وهذا مناف لبعض وجوه النقص التي ذكرها في المسائل السرورية، ثم إنه رحمه الله نسب بعد ذلك القول بالنقصان من نفس الآيات حقيقة بل زيادة كلمة أو كلمتين مما لا يبلغ حد الإعجاز إلى بني نوبخت رحمهم الله وجماعة من متكلمي عصابة الشيعة، وأعيانهم مذكورون في كتب الرجال، وقد التزم في هذه الكتب بنقل أقوالهم.
منهم شيخ المتكلمين ومتقدم النوبختيين أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت صاحب الكتب الكثيرة التي منها كتاب التنبيه في الإمامة قد ينقل عنه صاحب صراط المستقيم. وابن أخته الشيخ المتكلم الفيلسوف أبو محمد حسن بن موسى صاحب التصانيف الجيدة منها كتاب الفرق والديانات وعندنا منه نسخة، والشيخ الجليل أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت صاحب كتاب الياقوت الذي شرحه العلامة ووصفه في أوله بقوله: شيخنا الأقدم وإمامنا الأعظم.
ومنهم إسحاق الكاتب الذي شاهد الحجة عجل الله فرجه، ورئيس هذه الطائفة الشيخ الذي ربما قيل بعصمته أبو القاسم حسين بن روح بن أبي بحر النوبختي السفير الثالث بين الشيعة والحجة صلوات الله عليه، وممن يظهر منه القول بالتحريف العالم الفاضل المتكلم حاجب بن الليث بن السراج كذا وصفه في رياض العلماء، وهو الذي سأل عن المفيد المسائل المعروفة قال في بعض كلماته ورأينا الناس بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اختلفوا اختلافاً عظيماً في فروع الدين وبعض أصوله حتى لم يتفقوا على شيء منه وحرفوا الكتاب وجمع كل واحد منهم مصحفاً زعم أنه الحق إلى آخر ما تقدم، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ الثقة الجليل الأقدم فضل بن شاذان في مواضع من كتاب الإيضاح. وممن ذهب إليه من القدماء الشيخ الجليل محمد بن الحسن الشيباني صاحب تفسير "نهج البيان عن كشف معاني القرآن" في مقدماته ويظهر من تراجم الرواة أيضاً شيوع هذا المذهب حتى أفرد له بالتصنيف جماعة.
فمنهم الشيخ الثقة أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن المشتمل على كتب كثيرة، وعد الشيخ الطوسي في الفهرست والنجاشي من كتبه "كتاب التحريف".
ومنهم والده الثقة محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه "كتاب التنزيل والتغيير".
ومنهم الشيخ الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث كما ذكروا علي بن الحسن بن فضال، عد من كتبه "كتاب التنزيل من القرآن والتحريف".
ومنهم محمد بن الحسن الصيرني، في الفهرست له "كتاب التحريف والتبديل.
ومنهم أحمد بن محمد بن سيار، عد الشيخ والنجاشي من كتبه "كتاب القرآن" وقد نقل عنه ابن ماهيار الثقة في تفسيره كثيراً وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصاير وسماه "التنزيل والتحريف" ونقل عنه الأستاذ الأكبر في حاشية المدارك في بحث القراءة وعندنا منه نسخة.
ومنهم الثقة الجليل محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف المقصور على ذكر ما نزل في أهل البيت عليهم السلام ذكروا أنه لم يصنف في أصحابنا مثله، وأنه ألف ورقة، وفي الفهرست له "كتاب قراءة أمير المؤمنين عليه السلام" وكتاب "قراءة أهل البيت عليهم السلام" وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه كما يأتي:
ومنهم أبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي. ذكر ابن شهر آشوب في معالم العلماء أن له كتاباً "في قراءة أمير المؤمنين عليه السلام وحروفه" والحرف في الأخبار وكلمات القدماء يطلق على الكلمة كقول الباقر والصادق عليهما السلام في تبديل كلمة آل محمد بآل عمران حرف مكان حرف، وعلى الآية كقول بعض الصحابة في سورة أنى أحفظ منها حرفاً أو حرفين يا أيها الذين آمنوا إلى آخر الآية ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام والله ما حرف نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا وأنا أعرف فيمن نزل وفي أي موضع نزل، وعلى الحروف الهجائية وهي كثيرة، وعلى الأعم من الأول والأخير كقول أبي جعفر عليه السلام ولم يزد فيه أي في القرآن إلا حروف أخطأت به الكتاب، وله إطلاقات آخر لا ربط لها بالمقام.
ومنهم صاحب كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله وناسخه ومنسوخاً محكمه ومتشابهه وزيادات حروفه وفضائله وثوابه روايات الثقات عن الصادقين من آل رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين، كذا في سعد السعود للسيد الجليل علي بن طاؤس ره.
ومنهم صاحب كتاب ذكر السيد في الكتاب المذكور أنه مكتوب فيه مقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وزيد ابني علي بن الحسين وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر صلوات الله عليهم ونقل عنهم حديثاً يأتي في سورة آل عمران.
ومنهم صاحب كتاب الرد على أهل التبديل ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه كما في البحار ونقل عنه بعض الأخبار الدالة على أن مراده من أهل التبديل هو العامة وغرضه من الرد هو الطعن عليهم به لأن السبب فيه إعراض أسلافهم عن حافظه وواعيه" ["فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص26 إلى ص31 ط إيران 1298ه‍].
"فارجع البصر هل ترى من فتور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير" [سورة الملك الآية3، 4].
فأولئك هم أعيان الشيعة وأساطينها، وهذه هي كتبهم أعدها وأعدهم الطبرسي واحداً بعد واحد.
وزاد على تلك الأسماء السيد طيب موسوي الجزائري في مقدمته على تفسير القمي تحت عنوان "تحريف القرآن" السيد نعمت الله الجزائري والحر العاملي والعلامة الفتوني والسيد البحراني [هل يستطيع الصافي أو واحد ممن يؤيده ويسانده أن يثبت واحداً من السنة صرح باسمه أنه كان يعتقد التحريف في القرآن ويستدل من الأحاديث أو الروايات المزعومة التي تنسبها الشيعة إلى السنة؟ وأعيد القول هل أحد من الشيعة يستطيع أن يثبت عن السنة مثل ما أثبتناه عن الشيعة ويذكر أسمائهم وبالألفاظ الصريحة أنهم يعتقدون التحريف في القرآن، وأما ذكر الصافي (الفرقان) الذي ألفه أحد الملاحدة في مصر سنة 1948م فلا يلزم به أهل السنة؟ لأننا نعد كل من يقول مثل هذا القول كافراً، خارجاً عن الملة الحنيفية البيضاء، جاحداً قول الله عز وجل:
"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
وقول الله عز وجل: "ذلك الكتاب لا ريب فيه"، ولذلك قام أهل السنة بمصر بالاحتجاج ضد هذا الكتاب، وطلبوا مصادرته بعد ما بينوا بالدلائل والبراهين أوجه البطلان والفساد، فاستجابت الحكومة السنية في مصر آنذاك هذا الطلب وصادر الكتاب، وهذا هو موقف السنة من القرآن ومن يخالفه ويعارضه ويقول فيه ما يهويه ويشتهيه.
فالعدل العدل! أليس منكم رجل رشيد؟
فنحن لسنا بمنافقين، وليس من عقائدنا النفاق حتى نسمي رجلاً يعتقد التحريف في القرآن مفسراً ومحدثاً وفقيهاً وإماماً، ثم ننكر لخداع الآخرين ما يعتقده ويتبناه. فنحن الصرحاء لا نقول لمن يخالف نصوص القرآن عالماً وفاضلاً، فضلاً عن المحدث والفقيه و... و...
وهلا سميت أيها الصافي واحداً ممن ينتسب إلى العلم من السنة الذي يثني على من ألف (الفرقان) الذي زعمته؟ أو يسميه عالماً، وحتى عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية، الذي نقلت كلامه لم يسم كاتب (الفرقان) باسم العالم والفاضل، بل ذكره كالمجاهيل والمجانين.
أو بمثل هذه الأشياء الواهية تستند وتستدل على السنة؟ وتجيب على قادتك ومحدثيك ومفسريك وأئمتك؟.
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (سورة يونس آية 35)] وقال بعد ذلك إن هؤلاء:
"قد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات [أو بعد هذا مجال لقائل أن الشيعة يؤمنون بالموجود ولا يعتقدون تحريفه وتغييره ولا يقول به أحد؟ كما ادعى السيد لطف الله الصافي في كتابه (صوت الحق) والمغنية في (الشيعة في الميزان) وغيرهما في غيرهما] والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها" [مقدمة "تفسير القمي" للسيد موسوي ص23، 24 ط مطبعة النجف].
ولا يستطيع أحد في العالم الشيعي أن يثبت أن واحداً من أئمتهم، وعلمائهم، ومحدثيهم، ومفسريهم، ورواتهم اعتقد غير هذا الاعتقاد فضلاً عن ادعاء وجود الروايات المتواترة [كما تخيلها السيد لطف الله الصافي في (صوت الحق) صفحة 27] الناطقة بعدم التغيير والتحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس بين الدفتين في القرون الثلاثة الأولى.
فهل من مجيب؟.
الباب الثاني
عقيدة الشيعة في الدور الثاني من القرآن
نحن ذكرنا فيما مر أن الشيعة كانوا يعتقدون التحريف في القرآن في الدور الأول بما فيهم أئمة مذهبهم، وواضعوا شرعتهم حسب مروياتهم، ولم يثبت عن واحد منهم أنه كان يعتقد خلاف ذلك، لأنه بعد ما أسسوا مذهباً خاصاً بهم جعلوا من أصله وأساسه الإمامة والولاية، وقالوا:
إن الإسلام بني على خمس: الصلاة والزكاة الصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" [الكافي في الأصول" كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام ج2 ص18، وللتفصيل راجع كتابنا "الشيعة والسنة" باب الشيعة والقرآن].
وقال البحراني نقلاً عن تفسير الإمام أنه قال:
إن تمام الإسلام باعتقاد ولاية علي عليه السلام، ولا ينفع الإقرار بالنبوة مع جحد إمامة علي كما لا ينفع الإقرار بالتوحيد من جحد بالنبوة" ["البرهان" مقدمة ص24].
وكذب على علي t أنه قال:
من لم يقر بولايتي لم ينفعه الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم" ["البرهان" مقدمة ص24].
ونقل عن محمد بن الحسن الصفار في بصائره عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
ما بعث الله نبياً إلا وقد دعاه إلى ولايتك – أي علي – طائعاً أو كارهاً" ["البرهان" مقدمة ص25].
فوجدوا أن الولاية والوصاية والإمامة التي اختلقوها واصطنعوها، ليس لها وجود في القرآن البتة، فكيف يثبتونها وقد وجد ذكر غير الأهم منها – حسب زعمهم – في القرآن بالتكرار والإصرار. فالتجئوا لدفع هذا الإيراد إلى القول بأن القرآن قد غير ونقص منه أشياء. ولقد غيره وحذف منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عامة، وخلفاؤه ونوابه الذين خلفوه ونابوا عنه لقيادة هذه الأمة المجيدة المرحومة خاصة، لدفع علي وأهل بيته عن حقهم، ولايتهم وإمامتهم، فأسقطوا من القرآن كل ما كان يدل على إمامته ووصايتهم، وخلافتهم ونيابتهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسب زعمهم كما رووا عن الطبرسي من كتابه (الاحتجاج) أن زنديقاً جاء إلى علي t وقال له:
لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم:
- ثم طرح عليه أسئلة فأجابه بقوله -:
إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: ] الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً [ وبقوله:
] وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب [ وبقوله: ] إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [ بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من: تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: ] يريدون ليطفئوا نور الله بأفواهه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون [ يعني: أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه فيه، وبيّن عن إفكهم، وتلبيسهم، وكتمان ما عملوه منه، ولذلك قال لهم: لم تلبسون الحق بالباطل"، وضرب مثلهم بقوله: ] فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل، ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي: محل العلم وقراره.
وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العالم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الإيتمار لهم، والرضا بهم، ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدداً من أهل الحق، فلأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ] فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل [ وإيجابه مثل ذلك على أوليائه، وأهل طاعته بقوله: ] لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه ["الاحتجاج" للطبرسي ج1 ص370، 371 ط النجف].
و"إنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره، وغير أنبيائه وحججه في أرضه. لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون، من إسقاط أسماء حججه منه. وتلبيسهم ذلك على الأمة ليعينوهم على باطلهم، فإثبت به الرموز، وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها، من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه وجعل أهل الكتاب المقيمين به، والعالمين بظاهره وباطن من: ] شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها [، أي: يظهر مثل هذا العلم لمحتمله في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها، لأسقطوها ما أسقطوا منه، ولكن الله تبارك اسمه وماضٍ حكمه بإيجاب الحجة على خلقه، كما قال الله تعالى: فلله الحجة البالغة" أغشى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوا بحاله، وحجبوا عن تأكيد الملتبس بإبطاله، فالسعداء ينتبهون عليه، والأشقياء يعمون عنه، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته، ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل وقسماً، لا يعرفه إلا من صفي ذهنه، ولطف حسه، وصح تميزه، ممن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً، لا يعرفه إلا الله، وإمناؤه، والراسخون في العلم، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المتسولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الكتاب ما لم يجعل الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الإيتمار لمن ولاه أمره فاستكبروا عن طاعته، تعزراً وافتراء على الله عز وجل، واغتراراً بكثرة من ظاهرهم، وعاونهم، وعاند الله عز وجل ورسوله.
فأما ما علمه الجاهل والعالم، فمن فضل رسول الله في كتاب الله، فهو قول الله عز وجل: ] من يطع الرسول فقد أطاع الله [ وقوله: ] إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً [ ولهذه الآية ظاهر وباطن فالظاهر قوله: "صلوا عليه" والباطن قوله: "وسلموا تسليماً" أي سلموا لمن وصاه واستخلفه، وفضله عليكم، وما عهد به إليه تسليماً، وهذا مما أخبرتك: نه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، وصفي ذهنه، وصح تمييزه، وكذلك قوله: سلام على آل ياسين" لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ] ياسين والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين [ لعلمه بأنهم يسقطون قوله الله: سلام على آل محمد كما أسقطوا غيره، وما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم، ويقربهم، ويجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل في إبعادهم بقوله: ] واهجرهم هجراً جميلاً [ وبقوله: ] فما للذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما يعلمون [ وكذلك قول الله عز وجل: ] يوم ندعو كل أناس بإمامهم [ ولم يسم بأسمائهم. وأسماء آبائهم وأمهاتهم.
وأما قوله: ] كل شيء هالك إلا وجهه [ أنزلت كل شيء هالك إلا دينه، لأنه من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه، هو أجل وأكر وأعظم من ذلك، إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: ] كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ ففصل بين خلقه ووجهه.
وأما ظهورك على تناكر قوله ] فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء. ولا كل النساء أيتام، فهو: مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناب الأولياء، ومثالب الأعداء" ["الاحتجاج" ج1 ص376، 377، 378].
و"أما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإرزاء به، والتأنيب له، مع ما أظهره الله تعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه. فإن الله عز وجل جعل لكل نبي عدواً من المشركين. كما قال في كتابه، وبحسب جلالة منزلة نبيناً صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك عظم محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته، وتكذيبه إياه، وسعيه في مكارهه، وقصده لنقض كل ما أبرمه، واجتهاده ومن والاه على كفره، وعناده، ونفاقه، وإلحاده في إبطال دعواه، وتغيير ملته، ومخالفته سنته، ولم ير شيئاً أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه، وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر، منه وممن وافقه على ظلمه، وبغيه، وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: ] إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا [ وقال: ] يريدون أن يبدلوا كلام الله [ ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل، والتنزيل، والمحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، لم يسقط منه: حرف ألف ولا لام: فلما وقفوا على ما بينه الله من: أسماء أهل الحق والباطل، وإن ذلك أن أظهر نقض ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، وكذلك قال: ] فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون [.
دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله، إلى جمعه، وتأليفه، وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائهم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقه على معاداة أولياء الله، فألفه على اختيارهم، وما يدل للمتأمل له على اختلال تمييزهم، وافترائهم، وتركوا منه ما قدروا أنه لهم، وهو عليهم. وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره: وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين، فقال: ] ذلك مبلغهم من العلم [ وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم، وافترائهم.
والذي بدا في الكتاب من الازدراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من فرقه الملحدين ولذلك قال: ] ويقولون منكراً من القول وزوراً [ ويذكر جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: ] أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته [ يعني: أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعانيه من نفاق قومه، وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى الشيطان المعرض لعداوته عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه، والقدح فيه، والطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، ولا تصغي إليه غير قلوب المنافقين، والجاهلين، ويحكم الله آياته بأن: يحمي أوليائه من الضلال والعدوان، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: ] بل هم أضل سبيلاً [ ["الاحتجاج" للطبرسي ص382، 383، 384].
وكما رووا رواية التي ذكرناها عن العياشي عن جعفر أنه قال:
لو قرء القرآن كما أنزل لألفينا فيه مسمين" ["العياشي" ج1 ص13].
ولقد صرح بذلك البحراني في مقدمة تفسيره بقوله:
اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام وهو اليوم عنده صلوات الله عليه ولهذا كما قد ورد صريحاً في حديث سنذكره لما أن كان الله عز وجل قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين وأنهم بحث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد في شأن علي عليه السلام وذريته الطاهرين حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين وكان من مشيته الكاملة ومن الطاقة الشاملة محافظة أوامر الإمامة والولاية ومحارسة مظاهر فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل الحق مفادها مع بقاء التكليف لم يكتف بما كان مصرحاً به منها في كتابه الشريف، بل جعل جل بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل، وأشار إلى جمل من برهانها بطريق التجوز والتعرض والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل" ["البرهان" مقدمة، تحت عنوان "المقدمة الثانية في بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وإنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله والإشعار بذلك على سبيل التجوز والرموز والتعريض في ظاهر القرآن وتنزيله" ص36].
وأكثر من ذلك أنه قال في مقام آخر بعد نقل هذه العقيدة من كبار القوم وذكر أسمائهم:
"وعندي في وضوح صحة هذا القول (أي القول بتحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع [فماذا يقول السيد الصافي -"العالم الشيعي الجليل"- على هذا؟
فمن الصادق ومن الكاذب؟
نحن الذين لم نقل عن الشيعة إلا ما قاله الشيعة أنفسهم عنهم.
أم الصافي، وصاحب نقاب س – خ –. ومغنية، وعبد الحسين، والسيد محسن الأمين، الذين لم ينكروا هذه العقيدة إلا تقية وخداعاً للمسلمين؟
ثم ومع التصريحات من محدثي الشيعة ومفسريهم وأئمتهم كيف يجترئ السيد لطف الله الصافي أن يقول:
أنا أطلب من الجميع أن يجولوا في البلاد الشيعية في إيران، والعراق وسوريا، ولبنان واليمن، والبحرين، والكويت، وسائر إمارات الخليج، والهند وباكستان، والقطيف والإحساء، وأفغانستان، وسائر البلاد الإسلامية، ويسألوا ويفحصوا عن الشيعة، وعن شأن القرآن المجيد الموجود بين الدفتين عندهم، وعند جميع المسلمين، وعقيدتهم فيه، وعن كيفية معاملتهم له حتى يعرفوا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، وتقديسهم، وتعظيمهم له.
ولو أتى إحسان إلهي ظهير المتخرج من جامعة المدينة المنورة، بأضعاف ما أتى به من الأحاديث الضعاف، والمتشابهات مع تعمده كتم الأحاديث الصحيحة المتواترة في جوامع حديث الشيعة، وكتبهم المعتبرة المصرحة بأن الكتاب الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو هذا الكتاب الموجود المطبوع المنتشر في أقطار الأرض يكذبه هذا الفحص، والتجوال.
ولو بالغ في نسبة التحريف إلى الشيعة فإن كتبهم، وتصريحاتهم المؤكدة تكذبه وتدفعه كما أن احتجاجهم بالقرآن في مختلف العلوم، والمسائل الإسلامية في الأصول والفروع، واستدلالهم بكل آية آية، وكلمة كلمة منه، واعتبارهم القرآن أول الحجج وأقوى الأدلة يظهر بطلان كل ما افتراه.
فيا علماء باكستان، ويا أساتذة جامعة المدينة المنورة ما الذي يريده إحسان إلهي ظهير، وموزع كتابه الشيخ محسن العباد نائب رئيس الجامعة من تسجيل القول بتحريف القرآن، على طائفة من المسلمين يزيد عدد نفوس أبنائهم عن مئة مليون نسمة، وفيهم من أعلام الفكر، والعلماء العباقرة، أقطاب تفتخر بهم العلوم الإسلامية.
وما فائدة الإصرار على ذلك إلا جعل الكتاب الكريم في معرض الشك والارتياب؟
ولماذا ينكران على الشيعة خواصهم، وعوامتهم، وسوقتهم قولهم الأكيد بصيانته من التحريف.
ولماذا يتركان الأحاديث الصحيحة المتواترة المروية بطرف الشيعة عن أئمة أهل البيت المصرحة بأن القرآن مصون بحفظ الله تعالى عن التحريف؟" (صوت الحق للطف الله الصافي ص28، 29، 30).
فمعذرة أيها القراء عن نقل هذه العبارة الطويلة الخالية من الدليل والبرهان، ومن العقل والحجى، التي لم أنقلها إلا لبيان إصرار القوم في غلوائهم وتماديهم في أكاذيبهم وخداعهم للسذج من المسلمين.
ولأول مرة أدعو السيد الصافي ومن يؤيده ويسانده، ويتبعه ويصححه: إن قلتم ما قلتم ولم يكن عندكم الخبر والعلم بعقيدة الشيعة الأصلية وكتبهم وعباراتهم وأحاديثهم ورواياتهم المستفيضة المتواترة في تحريف القرآن، وقولهم إن هذا لمن لوازم مذهب الشيعة وضروريات معتقدهم، فارجعوا إلى الحق والصواب وتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وتبرؤوا من هذا الدين الشائن، الذي تقشعر جلودكم، وتخجل ضمائركم، وتذهل وتذوب قلوبكم عند ذكره وحقيقته.
توبوا إلى الله وتبرؤوا منه قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، واتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، ولا تأخذكم العزة بالإثم. فارجعوا إلى الله وإلى كتابه المنزل المحفوظ. فنكون خدمكم ومحبيكم، المخلصين لكم.
وإن كنتم عارفين عالمين، فاتركوا الجبن والنفاق والخديعة والعذر، واصرحوا بالحق، واجهروا بالقول كما جهر به النوري الطبرسي، والبحراني، والجزائري، والمجلسي، وغيرهم من المتأخرين، والقمي، والكليني، والصفار، والعياشي، والعامري، والطبرسي، وغيرهم من المتقدمين.
أيهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم.
فهل يسمح لي القراء أن أتمثل ههنا بقول شاعر عربي قديم:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرون القول حين نقول] وإنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر" ["البرهان" مقدمة ص49 الفصل الرابع].
فهذا هو السبب والمحرض الذي جعلهم يقولون بذاك القول الباطل، ولكنهم لم يدركوا أنهم بإظهار هذه العقيدة أظهروا ما كانوا يريدون كتمانه من التظاهر بالإسلام. والتغلف بغلاف التقية، والتنقب بنقاب الخديعة لإضلال المسلمين بلبس ملابسهم. والصلاة بصلاتهم، والتوجه إلى قبلتهم، وأكل ذبيحتهم حيث انفصلوا عنهم انفصالاً كاملاً لإنكارهم ذلك الكتاب الإلهي السماوي الذي به اهتدى من اهتدى، وبنوره تنور من آمن به وتعليماته، إرشاداته وتوجيهاته، استقام من اعتصم به وتمسك، والرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه لم يكن مبلغاً إلا إياه. ولم يكن تالياً إلا آياته، ولم يكن معلماً إلا حكمه ومواعظه ولا مبيناً إلا أسراره وغوامضه. فمن أنكر هذا فبأي شيء آمن؟
وسهل على المسلمين معرفة القوم وحقيقتهم، فاضطرب عليهم أمرهم واجتمع عمداؤهم وكبراؤهم ففكروا وتدبروا كثيراً حتى يخفوا ما ظهر ويكتموا ما بدا وصدر فلبسوا لباس الخداع والتقية مرة أخرى، وأظهروا ما لم يكونوا يعتقدون لخداع المسلمين وعشهم. فأول من برز في الشيعة بالقول المخالف لهذه العقيدة العتيقة، الراسخة الثابتة كان ابن بابويه القمي أستاذ الفقيه "المفيد" الذي لقبوه بالصدوق المتوفى سنة 381ه‍ لا سابق له في القوم كما أنه نفسه لم يستند لقوله إلى مستند شيعي ثابت من رواية مروية من واحد من الأئمة الاثنى عشر عكس مخالفيه. حيث أنهم لم يؤسسوا مذهبهم وعقيدتهم في القرآن إلا على الروايات التي تواترت وبلغت أكثر من ألفين رواية كما ذكرنا سابقاً من السيد نعمت الله الجزائري، وكما حاسبناها وعددناها أنفسنا من كتب القوم.
فانظر إليه ماذا يقول:
اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربعة عشر سورة، وعندنا أن "الضحى" و"ألم نشرح" سورة واحدة و"لإيلاف" و"ألم تر كيف" سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب. وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في ركعة، والنهي عن القران بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلناه في أمر القرآن، وأن مبلغه ما في أيدي الناس. وكذلك ما روي في النهي عن قراءة القرآن كله في ليلة واحدة، وأنه لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلنا أيضاً" ["الاعتقادات" لابن بابويه القمي ط إيران 1224ه‍].
وتبعه في ذلك السيد المرتضى مؤلف نهج البلاغة ومرتبه المتوفى سنة 436ه‍ كما ذكر أبو علي الطبرسي في مقدمة تفسيره (مجمع البيان) تحت الفن الخامس:
"ومن ذلك الكلام في نقصان القرآن وزيادته فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً. والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات، وذكر في مواضع أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد. وقال أيضاً قدس الله روحه:
إن العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بحملته. وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني. فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف، وميز، وعلم أنه ملحق، وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني:
ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وظبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وذكر أيضا (t) أن القرآن كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وإنه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتلى عليه. وإن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة ختمات، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث. وكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم" ["مجمع البيان" لأبي علي الطبرسي ج1، مقدمة ص15 ط دار إحياء التراث العربي بيروت، لبنان].
وثالثهم أبو جعفر الطوسي تلميذ السيد المرتضى والشيخ المفيد المتوفى سنة 460ه‍ فقد قال في تبيانه:
وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى ره، وهو الظاهر في الروايات – إلى أن قال – ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته، والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه، وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه، وما خالفه تجنب، ولم يلتفت إليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، وترك ما سواه" ["التبيان" ج1 ص3 ط النجف].
فهؤلاء الثلاثة الذين أظهروا الإنكار من التحريف في القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، لا رابع لهم طوال القرون الخمسة الأولى كما صرح بذلك علماء الشيعة ومحققوها، وكما ذكر محدث القوم وشيخ مشائخهم [كما يذكره بهذا اللقب محدثوا القوم، وفقهاؤهم، كتابهم، ورجاليوهم – انظر لذلك "الكنى والألقاب" للقمي، و"الذريعة" للطهراني] النوري الطبرسي حيث يذكر مذهبين للقوم، فيقول بعد ذكر القائلين بالتحريف في القرآن وتغييره وذكر مقالاتهم:
"الثاني: عدم وقوع النقص والتغيير فيه، وإن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في (التبيان)، ولم يعرف من القدماء موافق لهم" ["فصل الخطاب" ص32].
ورابعهم الذي أخذ بقولهم، وانتهج منهجهم، وسلك مسلكهم لإظهار هذا القول هو الذي جاء بعدهم بقرن أبو علي الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان) المتوفى سنة 548ه‍.
فهؤلاء هم الأربعة في الدور الثاني.
يعني لا وجود لهذا القول إلى منتصف القرن الرابع في الدور الأول، حيث أن أئمة القوم كلهم، ورواتهم المتقدمين، ومحدثيهم، ومفسريهم المعتمدين الموثوقين لم يقولوا، ولم يصرحوا إلا بعكس ذلك – حسب مرويات القوم ومزعوماتهم -.
وأما في الدور الثاني أي بعد منتصف القرن الرابع إلى القرن السادس في القرنين كلها صدر هذا القول أول مرة في الشيعة من هؤلاء الأربعة لا خامس لهم كما تتبعنا كتب القوم من الحديث والتفسير والاعتقادات، وبذلك قال النوري الطبرسي بعد ذكر الثلاثة الأول:
ومن صرح بهذا القول الشيخ أبو علي الطبرسي في (مجمع البيان) –إلى أن قال-:
وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة" ["فصل الخطاب" ص34].
وهذا مع أن عقيدتهم التي أظهروها للناس لم تكن مستندة إلى قول من معصوميهم، ورواية عن أئمتهم الذين يعتقدون أنهم هم الذين وضعوا بذرة الشيعة وأسسوا قواعدها وإن مذهبهم ليس إلا مستقى من أقوالهم ومستمداً من إرشاداتهم، تعليماتهم وتوجيهاتهم، بل وبعكس ذلك هم أنفسهم رووا في كتبهم أخباراً وأحاديث من أئمتهم المعصومين تخالفهم وتناوئها كما سنبينه إن شاء الله.
فهذا كل ما عند القوم لخداع المسلمين عامة وأهل السنة خاصة. ولذلك ترى أنه كلما يظهر لهم عوارهم، ويبين لهم فسادهم، ويثبت انفصالهم عن المسلمين والشريعة السماوية الغراء التي لم تقم إلا على أساس القرآن إن لا يوجد لم توجد، التجئوا إلى هؤلاء الأربعة، وركنوا إليهم، ودخلوا في كنفهم، واستظلوا بظلهم، وتحصنوا وراء مقولاتهم كما فعل صاحبنا هذا" [في كتابه "مع الخطيب في خطوطه العريضة" ص50 وما بعد] وقبله مغنية وغيره.
وقد فصلنا القول في هذا، وأوردنا عباراته الكاملة لكي لا يخفى خافية.
وقبل أن نحلل كلامهم، ونخبر عن السر الذي ألجأهم إلى الاكتناف بها القول والإظهار بهذه العقيدة نتريث لحظة، ونتوقف برهة، ونطالبهم جميعاً هل يستطيع أحد منهم أن يثبت أن في القوم أحداً من سبقهم إلى هذا القول؟ أولهم خامس أظهر هذه المقالة؟
كلا! لا، ولن يستطيع أحد أن يفعل ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً:
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
وهؤلاء الأربعة لم يقولوا بتلك المقالة إلا خوفاً من بطش الحق ونفرة الناس، وتجنباً عن العار والفضيحة، واكتشاف الأمر الذي طالما حاولوا إخفاءه للالتباس على المسلمين، وكتمان نواياهم الأصلية ومقاصدهم الحقيقية. وإلا فهم أنفسهم في داخلهم كانوا يعتقدون تلك العقيدة التي رسخت فيهم، وتوارثوها جيلاً بعد جيل، والتي تفرد بها طائفتهم من أول يوم أسس مذهبهم وكونت شرعتهم ووضع منهاجهم، وكانت هذه العقيدة من لوازم مذهب التشيع كما ذكره البحراني وقد مر ذكره. ودليل الصدق على ذلك نفاق القوم، الذي أعطوه صبغة دينية وسموه "التقية".
فبالصراحة والوضوح إن هؤلاء الأربعة لم يقولوا بهذا القول إلا تقية ونفاقاً، كي ينخدع المسلمون، ويلتبس عليهم الأمر.
وقد نص على ذلك كبيرهم "السيد المعتمد الجليل الأواه نعمت الله بن الفاضل المنتجب الأصيل السيد عبد الله الحسيني الموسوي الجزائري".
"الذي كان من أعاظم علمائنا المتأخرين، وأفاخم فضلائنا المتبحرين، وواحد عصره في العربية والأدب والفقه والحديث، وأخذ حظه من المعارف الربانية بحثه الأكيد وكده الحثيث، لم يعهد مثله في كثرة القراءة على أسانيد الفنون، ولا في كسبه الفضائل من أطراف الخزون بأصناف الشجون.
كان من مشرب الأخبارية كثير الاعتناء والاعتداد بأرباب الاجتهاد، وناصر مذهبهم في مقام المقالة منهم بأصحاب العناد وأعوان الفساد، صاحب قلب سليم ووجه وسيم وطبع مستقيم، ومؤلفات مليحة، ومستطرفات في السير والآداب والنصيحة، ونوادر غريبة في الغاية وجواهر من أساطير أهل الرواية، وأبسط تصانيفه شرحه الكبير على "تهذيب الحديث" في نحو إثني عشر مجلداً، وكتاب "أنواره النعمانية" المشتملة على ما كان من ثمر عمره جيداً" [نص ما ذكره الخوانساري في "روضات الجنات" ج8 ص150].
قال هذا المحدث الشيعي الكبير رداً على ما يقول بعدم التحريف في القرآن:
إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحّتها والتصديق بها. نعم! قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو هذا القرآن المنزّل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل. ومن هنا ضبط شيخنا الطبرسي آيات القرآن وأجزاءه، فروى عن النبي أن جميع سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وستة وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاث مائة ألف حرف وواحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً.
والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليهم بأنه ذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف له. وسيأتي الجواب عن هذا" ["الأنوار النعمانية" لنعمت الله الجزائري ج2 ص357 ط جديد].
وسنذكر بقية كلامه حول هذه المسألة عند ذكر عبارات الآخرين وهذه هي النقاط على الحروف:
أولاً: إن ابن بابويه القمي الملقب بالصدق الذي أصدر هذا القول أول مرة في الشيعة أورد نفسه روايات كثيرة في كتبه التي ألفها والتي تدل على تغيير القرآن وتحريفه ونقصانه بدون أن يقدح فيها ويطعن، ما يدل على أن عقيدته الأصلية كانت طبق ما اعتقدها القوم فنورد ههنا روايات تسعة من الأحاديث الكثيرة التي أوردها في كتبه، وقد يأتي ذكر بعضها في الباب الرابع.
فأولها ما أوردها في كتابه (من لا يحضره الفقيه) الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية في كتاب النكاح تحت باب المتعة، فيقول:
أحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتعة، ولم يحرمها حتى قبض – واستدل على ذلك بقوله – وقرأ ابن عباس ] فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة من الله [ ["من لا يحضره الفقيه لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق" ج3 ص459].
والمعروف أن "إلى أجل مسمى" ليس من القرآن، وكذلك "من الله" بعد "فريضة".
وثانيها ما أوردها في كتابه (الخصال):
"حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجعابي قال: حدثنا عبد الله بن بشير قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: المصحف، والمسجد، والعترة.
يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثوا للركبتين للخصومة، فيقول الله جل جلاله لي: أنا أولى بذلك" ["كتاب الخصال" ص174، 175. باب الثلاثة].
وثالثها ورابعها وخامسها ما أوردها في كتابه (معاني الأخبار):
"حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني قالا: حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري قال: حدثنا أحمد بن أبي الصباح: قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن هشام بن سعد بن زيد بن أسلم، عن أبي يونس قال:
كتبت لعائشة مصحفاً، فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى أمليها عليك، فلما مررت بها أملتها علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر".
و"حدثنا علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبد الله (قال: حدثنا أحمد) بن أبي خلف الأشعري قال حدثنا سعد بن داؤه عن أبي هر عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عمرو بن نافع، قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر).
و"حدثنا علي بن عبد الله الوراق، وعلي بن محمد بن الحسن القزويني قالا حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال حدثنا أحمد بن أبي خلف الأشعري قال حدثنا سعد بن داؤد عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر قوموا لله قانتين) ثم قالت عائشة: سمعتها والله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ["معاني الأخبار" لابن بابويه القمي ص313، 314 ط مكتبة الفريد].
ثم قال بعد ذكر هذه الأخبار الثلاثة:
قال مصنف هذا الكتاب: فهذه الأخبار حجة لنا على المخالفين والصلاة الوسطى صلاة الظهر.
والرواية السادسة ما أوردها النوري في (فصل الخطاب) نقلاً عن (الأمالي) و(العيون) لابن بابويه:
"عن الرضا عليه السلام أن في قراءة أبي بن كعب: وأنذر عشيرتك الأقربن ورهطك منهم المخلصين" ["فصل الخطاب" ص145].
والرواية السابعة هي التي ذكرها النوري في (فصل الخطاب) أيضا نقلاً عن (الأمالي) لابن بابويه القمي:
"عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أمر الله نبيه أن ينصب أمير المؤمنين (ع) للناس في قوله تعالى: ] يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي [ ["فصل الخطاب" ص282].
والرواية الثامنة ما أوردها الطبرسي عنه في صدد الرد عليه بعد الاستدلال بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t أنه جمع القرآن:
"فلما جاء به فقال: هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه، عندنا مثل الذي عندك، فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون" ["فصل الخطاب" ص32].
والرواية التاسعة "أن أبا الحسن موسى عليه السلام – الإمام السابع عند القوم – قال:
ولا تلتمس دين من لي من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم وتدري ما خانوا أماناتهم؟
ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه" ["فصل الخطاب" ص244].
هذه ومثلها فإنها لكثيرة، وإنها تدل دلالة صريحة على أن القوم لم يلتجئوا إلى القول بعدم التحريف إلا تقية.
وأما الطوسي فليس بمختلف عن ابن بابويه القمي، وهو قد ملأ كتابه بمثل هذه الروايات التي نقلنا عن متبوعه، وكذلك المرتضى والطبرسي.
ونود أن نذكر ههنا بعض العبارات من كبراء الشيعة الذين ردوا على هؤلاء الأربعة أقوالهم في عدم التحريف في القرآن وكل هؤلاء لهم شأن ومقام عند القوم: فنبدأ "بالعالم، الفاضل، الكامل، العارف، المحدث، المحقق، المدقق، الحكيم، المتأله محمد بن مرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالكافي والوافي والشافي إلى غير ذلك مما يقرب من مائة تصنيف المتوفى سنة 1091ه‍" ["الكنى والألقاب" ج3 ص32، 33].
قال هذا في تفسيره بعد ما ذكر كلام الطبرسي والمرتضى أي أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث:
أقول: لقائل أن يقول:
كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين، كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم. والتغيير فيه. إن وقع فإنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما، بل لقائل أن يقول:
إنه ما تغير في نفسه، وإنما التغيير في كتابتهم إياه، وتلفظهم به. فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل، وبقي الأصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به. فما هو عند العلماء به ليس بمحرف، وإنما المحرف ما أظهروه لأتباعهم.
وأما كونه مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه الآن فلم يثبت وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً، وكان لا يتم إلا بتمام عمره. وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لا تمامه" ["الصافي" لفيض الكاشاني ج1 ص35، 36، المقدمة السادسة].
ويقول رداً على كلام ابن بابويه القمي المذكور في أول المقال:
يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزله الله محفوظاً عند أهله ووجود ما احتجنا إليه منه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام عليه السلام كذلك، فإن الثقلين سيان في ذلك. ولعل هذا هو المراد من كلام الشيخ. وأما قوله: ومن يجب اتباع قوله فالمراد به البصير بكلامه، فإنه في زمان غيبتهم قائم مقامهم لقولهم عليهم السلام:
انظروا من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فاجعلوه بينكم حاكماً. فإني قد جعلته عليكم حاكماً. الحديث" ["الصافي" ص36،37].
كما رد على هؤلاء الأربعة "الفاضل، العالم، الماهر، المدقق، الفقيه، العارف بالتفسير والعربية والرجال، والمحدث الفاضل، والجامع المتتبع للأخبار بما لم يسبق إليه السابق سوى شيخنا المجلسي، صاحب كتاب تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني" ["روضات الجنات" للخوانساري ج8 ص181].
قال في مقدمة تفسيره في الفصل الرابع تحت عنوان "بيان خلاصة أقوال علمائنا في تفسير القرآن وعدمه، وتزييف استدلال من أنكر التحريف":
اعلم أن الذي يظهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات كثيرة في هذا المعنى في كتاب الكافي الذي صرح في أوله بأنه كان يثق فيما رواه فيه ولم يتعرض لقدح فيها ولا ذكر معارض لها، وكذلك شيخه علي بن إبراهيم القمي ره فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه قال t في تفسيره: أما ما كان من القرآن خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى: ] كنتم خير أمة أخرجت للناس [ فإن الصادق t قال لقارئ هذه الآية خير أمة تقتلون علياً والحسين بن علي t فقيل له فكيف نزلت؟ فقال إنما نزلت خير أئمة أخرجت للناس ألا ترى مدح الله لهم في آخر الآية: تأمرون بالمعروف الآية، ثم ذكر رحمه الله آيات عديدة من هذا القبيل ثم قال:
وأما ما هو محذوف عنه فهو قوله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي قال: كذا نزلت أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، ثم ذكر أيضاً آيات من هذا القبيل ثم قال: وأما التقديم فإن آية عدة النساء الناسخة التي هي أربعة أشهر قدمت على المنسوخة التي هي سنة وكذا قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة فإنما هو "ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى" ثم ذكر أيضاً بعض آيات كذلك ثم قال وأما الآيات التي تمامها في سورة أخرى: فقال موسى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم: وتمامها في سورة المائدة فقالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون: ونصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة. ثم ذكر آيات أيضاً من هذا القبيل ولقد قال بهذا القول أيضاً ووافق القمي والكليني ره جماعة من أصحابنا المفسرين كالعياشي والنعماني وفرات بن إبراهيم وغيرهم، وهو مذهب أكثر محققي محدثي المتأخرين، وقول الشيخ الأجل أحمد بن أبي طالب الطبرسي كما ينادي به كتابه الاحتجاج وقد نصره شيخنا العلامة باقر علوم أهل البيت عليه السلام وخادم أخبارهم عليه السلام في كتابه بحار الأنوار، وبسط الكلام فيه ما لا مزيد عليه.
وعندي في وضوح صحة ذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر حتى تعلم توهم الصدوق ره في هذا المقام حيث قال في اعتقاداته بعد أن قال: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك وأن من نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب: وتوجيه كون مراده علماء قم فاسد، إذ علي بن إبراهيم الغالي في هذا القول منهم، نعم قد بالغ في إنكار هذا الأمر السيد المرتضى ره في جواب المسائل الطرابلسبيات. وتبعه أبو علي الطبرسي في مجمع البيان حيث قال: أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانه.
وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس روحه وكذا تبعه شيخ الطوسي في التبيان حيث قال: وأما الكلام في زيادته ونقصانه يعني القرآن فما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه وأما النقصان منه فالظاهر أيضاً من المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا: كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخامسة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحية لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه فما وافقه عمل عليه وما يخالفه يجتنب ولا يلتفت إليه وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر الأمر بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه.
أقول: أما ادعائهم عدم الزيادة أي زيادة آية أو آيات مما لم يكن من القرآن فالحق كما قالوا إذا لم نجد في أخبارنا المعتبرة ما يدل على خلافه سوى ظاهر بعض فقرات خبر الزنديق في الفصل السابق وقد وجهناه بما يندفع عنه هذا الاحتمال، وقد مر في الفصل الأول وفي روايات العياشي أن الباقر عليه السلام قال أن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت بها الكتبة وتوهمها الرجال، وأما كلامهم في مطلق التغيير والنقصان فبطلانه بعد أن نبهنا عليه أوضح من أن يحتاج إلى بيان وليت شعري كيف يجوز لمثل الشيخ أن يدعي أن عدم النقصان ظاهر الروايات مع أنا لم نظفر على خبر واحد يدل عليه، نعم دلالتها على كون التغيير الذي وقع غير مخل بالمقصود كثيراً خلال كحذف اسم علي وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحذف أسماء المنافقين وحذف بعض الآيات وكتمانه ونحو ذلك وأن ما بأيدينا كلام الله وحجة علينا كما ظهر من خبر طلحة السابق في الفصل الأول مسلمة، ولكن بينه وبين ما ادعاه بون بعيد وكذا قوله رحمه الله وأن الأخبار الدالة على التغيير والنقصان من الأحاد التي لا توجب علماً، مما يبعد صدوره عن مثل الشيخ لظهور أن الآحاد التي احتج بها الشيخ في كتبه وأوجب العمل عليها في كثير من مسائله الخلافية ليست بأقوى من هذه الأخبار لا سنداً ولا دلالة على أنه من الواضحات البينة أن هذه الأخبار متواترة معنى، مقترنة بقرائن قوية موجبة للعلم العادي بوقوع التغيير ولو تمحل أحد للشيخ بأن مراده أن هذه الأخبار ليست بحد معارضة ما يدل على خلافها من أدلة المنكرين، فجوابه بعد الإغماض عن كونه تمحلاً سمحاً ما سنذكره من ضعف مستند المنكرين.
ومن الغرائب أيضاً أن الشيخ ادعى إمكان تأويل هذه الأخبار وقد أحطت خبراً بأن أكثرها مما ليس بقابل للتوجيه، وأما قوله ره ولو صحت الخ فمشتملة على أمور غير مضرة لنا بل بعضها لنا لا علينا إذ:
منها عدم استلزام صحة أخبار التغيير والنقص الطعن على ما في هذه المصاحف، بمعنى عدم منافاة بين وقوع هذا النوع من التغيير وبين التكليف بالتمسك بهذا المغير، والعمل على ما فيه لوجوه عديدة كرفع الحرج ودفع ترتب الفساد وعدم التغيير بذلك عن إفادة الأحكام ونحوها وهو أمر مسلم عندنا ولا مضرة فيه علينا بل به نجمع بين أخبار التغيير وما ورد في اختلاف الأخبار من عرضها على كتاب الله والأخذ بالموافق له.
ومنها استلزام الأمر بالتمسك بالثقلين ووجود القرآن في كل عصر ما دام التكليف، كما أن الإمام عليه السلام الذي قرينه كذلك ولا يخفى أنه أيضاً غير ضار لنا بل نافع إذ يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله مخصوصاً عند أهله أي الإمام الذي قرينه ولا يفترق عنه، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام الذي هو الثقل الآخر أيضاً كذلك لا سيما في زمان الغيبة فإن الموجود عندنا حينئذ أخباره وعلماؤه القائمون مقامه، إذ من الظواهر أن الثقلين سيان في ذلك، ثم ما ذكره السد المرتضى لنصرة ما ذهب إليه: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حداً لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بالغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلفوا فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.
وذكر أيضاً: أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمازني مثلاً فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفاصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه مثلاً باباً في النحو ليس من الكتاب يعرف ويميز ويعلم أنه ليس من الكتاب إنما هو ملحق، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وجوابه: إنا لا نسلم توفر الدواعي على ضبط القرآن في الصدر الأول وقبل جمعه كما ترى غفلتهم عن كثير من الأمور المتعلقة بالدين، ألا ترى اختلافهم في أفعال الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكررها معهم في كل يوم خمس مرات على طرفي النقيض؟ ألا تنظر إلى أمر الولاية وأمثالها؟ وبعد التسليم نقول أن الدواعي كما كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهو أهم، والتغيير فيه إنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلأننا في بينهما.
وأيضاً أن القرآن الذي هو الأصل الموافق لما أنزل الله سبحانه لم يتغير ولم يحرف بل هو على ما هو عليه محفوظ عند أهله وهم العلماء به، فلا تحريف كما صرح به الإمام في حديث سليم الذي مر من كتاب الاحتجاج في الفصل الأول من مقدمتنا هذه، وإنما التغيير في كتابه المغيرين إياه وتلفظهم به فإنهم ما غيروا إلا عند نسخهم القرآن فالمحرف إنما هو ما أظهروه لأتباعهم، والعجب من مثل السيد أن يتمسك بأمثال هذه الأشياء التي هي محض الاستبعاد بالتخيلات في مقابل متواتر الروايات فتدبر.
ومما ذكر أيضاً لنصرة مذهبه طاب ثراه: أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين علي جماعة من الصحابة في حفظهم له وإن كان يعرض على النبي ويتلى، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوت وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.
وجوابه: أن القرآن كان مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه الآن غير ثابت بل غير صحيح وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً وكان لا يتم إلا بتمام عمره، ولقد شاع وذاع وطرق الأسماع في جميع الأصقاع أن علياً عليه السلام قعد بعد وفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته أياماً مشتغلاً بجمع القرآن، وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه، ومن أعجب الغرائب أن السيد ره حكم في مثل هذا الخيار الضعيف الظاهر خلافه بكونه مقطوع الصحة حيث أنه كان موافقاً لمطلوبه واستضعف الأخبار التي وصلت فوق الاستفاضة عندنا وعند مخالفينا بل كثرت حتى تجاوزت عن المائة مع موافقتها للآيات والأخبار التي ذكرناها في المقالة السابقة كما بينا في آخر الفصل الأول من مقدمتنا هذه، ومع كونها مذكورة عندنا في الكتب المعتبرة المعتمدة كالكافي مثلاً بأسانيد معتبرة وكذا عندهم في صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم مثلاً اللذين هما عندهم كما صرحوا به تالي كتاب الله في الصحة والاعتماد بمحض أنها دالة على خلاف المقصود وهو أعرف بما قال والله أعلم.
ثم ما استدل به المنكرون بقوله: إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وقوله سبحانه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: فجوابه بعد تسليم دلالتها على مقصودهم ظاهر مما بيناه من أن أصل القرآن بتمامه كما أنزل الله محفوظ عند الإمام ووراثه عن علي عليه السلام فتأمل والله الهادي" نص ما أورده السيد هاشم البحراني في مقدمة تفسيره ["البرهان" لهاشم البحراني المقدمة ص49، 50، 51 ط إيران].
كما رد عليهم فيمن رد محدث القوم السيد نعمت الله الجزائري في كتابه (الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية)، الذي كتب في مقدمته:
"وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين عليهم السلام، وما صحّ عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التواريخ أكثرها.... قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود، ولهذا كان أكثر فيها من الأكاذيب الفاسدة، والحكايات الباردة".
يقول في هذا الكتاب بعد ذكر القراءات وحيثيتها:
إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزر به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها، نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل ومن هنا ضبط شيخنا الطبرسي آيات القرآن وأجزاءه فروى عن النبي أن جميع سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائة آية وستة وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلث مائة ألف حرف وإحدى وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً.
والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليه بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف له، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا، الرابع أنه قد حكى شيخنا الشهيد طاب ثراه عن جماعة عن القراء أنهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع أو العشر أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءة فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلاً عن غيرهم، فإذا اعترف القراء بمثل هذا فكيف ساغ لنا الحكم على هذه القراءة كلها بالتواتر كما قاله العلامة طاب ثراه في كتاب المنتهى، وكيف ظهرت لنا القراءة المتواترة حتى نقرأ بها في الصلاة وكيف حكمنا بأن الكل قد نزر به الروح الأمين فإن هذا القول منهم رجوع عن التواتر، الخامس أنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصية من النبي فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزل فقال له عمر بن الخطاب لا حاجة لنا إليك ولا إلى قرائتك عندنا قرآن جمعه وكتبه عثمان، فقال: لن تروه بعد هذا اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة وهو خال عن التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها وهي أن لا يكذبوه في أمر القرآن بأن يقولوا أنه مفترى أو أنه لم ينزل به الروح الأمين كما قال أسلافهم بل قالوه هم أيضاً، وكذلك جعل معاوية من الكتاب قبل موته ستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضاً، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون إلا في المسجد مع جماعة الناس فما كانوا يكتبون إلا ما نزل به جبرئيل بين الملأ وأما الذي كان يأتي به داخل بيته فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً فكان يتفرد بكتابة مثل هذا وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان وسموه الإمام وأحرقوا ما سواه وأخفوه وبعثوا به زمن تخلفهم إلى الأقطار والأمصار، ومن ثم ترى قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد الواو المفردة وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم اطلاع عثمان على قواعد العربية والخط، وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن خلافته إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي هو ألفه وكان يعلم أنه إنما طلبه لأجل أن يحرفه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس أن القرآن هو هذا الذي كتبه عثمان لا غير فلم يبعث به إليه، وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء.
ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وأخفاه، هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء حتى قال لولا سبقني ابن الخطاب ما زنى إلا شقاء يعني إلا جماعة قليلة لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة، وقد بقي القرآن الذي كتبه عثمان حتى وقع إلى أيدي القراء فتصرفوا فيه بالمد والإدغام والتقاء الساكنين مثل ما تصرف فيه عثمان وأصحابه وقد تصرفوا في بعض الآيات تصرفاً فنفرت الطباع منه وحكم العقل بأنه ما نزل هكذا، وفي قريب هذه الأعصار ظهر رجل اسمه سجاوند أو نسبة إلى بلده فكتب هذه الرموز على كلمات القرآن وعلمه بعلامات أكثرها لا يوافق تفاسير الخاصة ولا تفاسير العامة، والظاهر أن هذا أيضاً إذا مضت عليه مدة مديدة يدعي فيه التواتر وأنه جزء القرآن فيجب كتابته واستعماله، والحاصل أن الغارة إذا وقعت اشترك فيه العدو والولي ["كتاب الأنوار" لنعمت الله الجزائري ج2 ص356 وما بعد ط جديد تبريز إيران].
وأما النوري الطبرسي فلقد رد أيضاً على هؤلاء الأربعة بقوله:
الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين وإليه ذهب الصدوق في عقائده والسيد المرتضى وشيخ الطائفة في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة والظاهر أنه أراد منها الصدق واتباعه، ولا بأس بنقل عباراتهم. ففي العقائد، اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو ما بين الدفتين ليس بأكثر من ذلك قال: ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب، ثم استدل على ذلك بإطلاق لفظ القرآن على هذا الموجود في الأخبار ثم حمل ما ورد من الحذف والنقصان على أنه من الوحي الذي ليس بقرآن ثم ذكر بعض الأحاديث القدسية وقال: ومثل هذا كثير، كله وحي ليس بقرآن ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه، كما كان أمير المؤمنين عليه السلام جمعه فلما جاء به فقال: هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف فقالوا: لا حاجة لنا فيه عندنا مثل الذي عندك فانصرف وهو يقول:  فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون: انتهى، وظاهر قوله: اعتقادنا وقوله: نسب إلينا، وإن كان اعتقاد الإمامية والنسبة إليهم إلا أنه قد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل به أحد غيره، أو قال به قليل كعده مثله في الأمالي من دين الإمامية، وقد أشار المفيد في شرحه وطعن عليه بما لا مزيد عليه وربما يوجه أن مراده منهم علماء، ثم كما ذكر في موضع آخر أن علامة الغلاوة والمفوضة نسبتهم مشائخ قم وعلمائهم إلى التقصير، وفيه أن من مشائخ القميين علي بن إبراهيم الغالي في القول بالتغيير وكذا الصفار، والأولى توجيهه بما توجه به كلام السيد والشيخ، والخبر الذي استشهد به يدل على نقيض مطلوبه بل كلامه في معاني الأخبار مخالف لما ذكره، هذا ويأتي ذكره في الأخبار الخاصة، وقد ذكر، الثاني بعد الاستدلال على مذهبه بتوفر الدواعي كما يأتي وجملة كلام تقدم ذكره، أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى.
قلت قد عد هو في الشافي والشيخ في تلخيصه من مطاعن عثمان ومن عظيم ما أقدم عليه جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن ولولا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعناً، وقال الشيخ رحمه الله أما الكلام في زيادته ونقصانه يعني القرآن فمما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل لها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءة والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه وما يخالفه يجتنب ولم يلتفت إليه، وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر الأمة بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه انتهى.
ويظهر للمتأمل فيه أن ميله إلى القول بعدم النقصان لعدم وجود دليل صالح على النقصان لا لوجود دليل قاطع على العدم من توفر الدواعي على الحراسة وغيره بحيث يجب تأويل ما خالفه أو طرحه كما عليه السيد فالتقية في قوله وهو الأليق الخ إنما هي من حيث موافقة المذهب الصحيح من عدم جواز القول بشيء مخالف الأصل إلا بعد وجود دليل عليه يوجب العلم ولوجود هذه الموافقة في مورد ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع الإمامية عليه وإن لم يظهر له قائل، وهذا هو المعتبر عند أصحابنا بالإجماع على القاعدة وبه صحح شيخنا الأنصاري تغمده الله برحمته الإجاعات المتعارضة من شخص واحد ومن معاصرين أو متقاربي العصر ورجوع المدعي عن الفتوى التي ادعى الإجماع فيها ودعوى الاجتماع في مسائل غي معنونة في كلام من يقدم على المدعى وفي مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدعى بل في زمانه بل ما قبله، قال كل ذلك مبني على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه انتهى.
لكنه لا يدفع الإيراد عن الإجماعات المتعارضة التي لا تبتني على القاعدة كدعوى السيد الإجماع على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، ودعوى الشيخ الإجماع على أنها هي الظهر، وليس مراده بالصحيح من مذهبنا أي مذهبنا في هذه المسألة إذاً ليقية شيء بشيء تحتاج إلى المغائرة بينهما ولو من حيث الكلية والفردية، فظهر أنه ليس فيه حكاية إجماع عليه، بل قوله كما نصره المرتضى صريح في عدمه بل في قلة الذاهبين إليه وظهر أيضاً أنه لو كان هناك أخبار جامعة لشرائط الحجية عند الشيخ لا يجوز عده من أصحاب هذا القول، ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المدارة والمماشاة مع المخالفين فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريح والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه فيه على نحو ذلك ومما يؤيد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاؤس في سعد السعود وهذا لفظه: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب التبيان وحمله التقية على الاقتصاد عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته إلخ.
وهو أعرف بما قال من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل. ويظهر من قوله وإذا كان الموجود بيننا الخ أن النزاع في قراءته ما روي بالآحاد لا في أصل وجود النقص ويومي إليه كلام السابق فإن أخباره بأن ما دل على النقصان روايات كثيرة يناقض قوله لكن طريقه الآحاد إلا أن يحمل على ما ذكرنا ويأتي إن شاء الله بيان سائر ما في كلماته في محله، وممن صرح بهذا القول الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان قال رحمه الله: فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً أو نقصاناً والصحيح من مذهبنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى: ثم ساق كلامه هذا ولكنه اعتمد في سورة النساء على أخبار تضمنت نقصان كلمة إلى أجل مسمى من آية المتعة وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشائخ الأربعة" ["فصل الخطاب" ص33، 34، 35].
وقال أحد علماء الشيعة في الهند في كتابه (عماد الإسلام في علم الكلام) ["عماد الإسلام في علم الكلام" يقال له مرآة العقول لتاج العلماء دلدار علي بن محمد معين نصير آبادي المتوفى سنة 1235ه‍ في خمس مجلدات ضخام: الأول في التوحيد، الثاني في العدل، الثالث في النبوة، الرابع في الإمامة، وفي آخره المطاعن، والخامس في المعاد" (الذريعة ج15 ص330)] رداً على المرتضى بعد ذكر اختلاف القراءات عن الشافي في الحديث:
أقول: وينقدح من ههنا أن مآل قول السيد المرتضى بعدم تطرق التغير والتحريف في القرآن أصلاً هو ما يكون بحسب الآية أو الآيتين، لا ما يشتمل التغير بحسب مفردات الألفاظ أيضاً. وإلا فكلامه صريح ههنا في أن القرآن كان في زمان رسول الله مختلفة النسخ بحسب اختلاف القراءات" [نقلاً عن "ضربت حيدرية" ج2 ص78].
وابنه سلطان العلماء السيد محد دلدار علي يكتب في كتابه (ضربت حيدري ["الضربة الحيدرية لكسر الشوكة العمرية أو "ضربت حيدري" فارسية لسلطان العلماء السيد محمد ابن دلدار علي النصير آبادي المتولد 1199 كتبها في رد "الشوكة العمرية" التي صنفها رشيد الدين خان تلميذ عبد العزيز الدهلوي صاحب "التحفة الاثنى عشرية" زاعماً أنها جواب "البارقة الضيغمية" في مبحث المتعة، من تصانيف السيد محمد المذكور أيضاً. ولما فتح الرشيد في شوكته باب التأويل في الحجج المذكورة في البارقة حسب جهده وطاقته، صنف سلطان العلماء "الضربة الحيدرية" في رده. أولها (الحمد لله الذي هدانا...). وقد طبعت مجلدين في مطبعة مجمع العلوم بلكهنو 1296 في 431ص" (الذريعة ج15 ص116)] بعد ذكر كلام المرتضى:
فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصوماً حتى يجب أن يطاع. فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه، ولا ضير فيه" ["ضربت حيدري" ج2 ص81].
فهذا البعض من الكثير الذي ذكرناه من أهم كتب القوم [ولا ندري ماذا نقول للسيد لطف الله الصافي المسكين الذي كتب رداً علينا في كتابه الذي سماه (صوت الحق ودعوة الصدق)، وكان الأجدر أن يسميه (صوت الباطل ودعوة الكذب). يقول في كتابه هذا:
ولو أتى إحسان إلهي ظهير المتخرج من جامعة المدينة المنورة. بأضعاف ما أتى به من الأحاديث الضعاف والمتشابهات مع تعمده كتم الأحاديث الصحيحة المتواترة في جوامع حديث الشيعة وكتبهم المعتبرة المصرحة بأن الكتاب الذي نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو هذا الكتاب الموجود المطبوع المنتشر في أقطار الأرض يكذبه هذا الفحص، والتجوال.
ولو بالغ في نسبة التحريف إلى الشيعة فإن كتبهم، وتصريحاتهم المؤكدة تكذبه وتدفعه كما أن احتجاجهم بالقرآن في مختلف العلوم، والمسائل الإسلامية في الأصول والفروع، واستدلالهم بكل آية آية، وكلمة كلمة منه، واعتبارهم القرآن أول الحجج وأقوى الأدلة يظهر بطلان كل ما افتراه.
فيا علماء باكستان. ويا أساتذة جامعة المدينة المنورة ما الذي يريده إحسان إلهي ظهير. وموزع كتابه الشيخ محسن العباد. نائب رئيس الجامعة من تسجيل القول بتحريف القرآن، على طائفة من المسلمين يزيد عدد نفوس أبنائها عن مئة مليون نسمة. وفيهم من أعلام الفكر، والعلماء العباقرة أقطاب تفتخر بهم العلوم الإسلامية.
وما فائدة الإصرار على ذلك إلا جعل الكتاب الكريم في معرض الشك والارتياب؟
ولماذا ينكران على الشيعة خواصهم، وعوامتهم، وسوقتهم قولهم الأكيد بصيانته من التحريف.
ولماذا يتركان الأحاديث الصحيحة المتواترة المروية بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت، المصرحة بأن القرآن مصون بحفظ الله تعالى عن التحريف؟
ولماذا يقدحان في إجماع الشيعة وضرورة مذهبهم، واتفاق كلمات أكابرهم ورجالاتهم على صيانة القرآن الكريم من التحريف ("صوت الحق ودعوة الصدق" للطف الله الصافي ص29، 30).
ولا نريد أن نقول له أكثر من ذلك:
ولمن هذه الكتب أيها العجوز الطيب؟
ومن تريد خداعه؟
وقد نبهتك في كتابي "الشيعة والسنة" أن لا يغرنك أنه لا يوجد في السنة من يعرف خباياكم. فإن فيهم م يعرف خباياكم وخفاياكم، ومن لا يتكلم بكلام وإلا يثبته بالأدلة الصادقة والبراهين الصافية الجلية، وينقل النصوص من كتبكم أنتم.
أو بعد ذلك لا تنتهي من هذه الجرأة الكاذبة لخداع الآخرين، فهل أنتم منتهون؟.] في الحديث والتفسير والعقائد.
وقد ثبت من هذه الردود كلها أن القوم قاطبة كانوا يعتقدون التحريف في القرآن في الصدر الأول بما فيه الزيادة والنقصان كما ذكرناه في الباب الأول مستنداً بالروايات ومؤيداً بالأحاديث المروية من معصوميهم حسب زعمهم.
ثانياً: أن الشيعة أجمعهم كانوا على نفس العقيدة في الدور الثاني اللهم إلا من تظاهر بخلاف ذلك من الأربعة. وحتى لم يوافقهم تلامذتهم وأساتذتهم الأجلاء في ذلك مثل علي بن إبراهيم، والصفار من مشائخ ابن بابويه، والمفيد من مشيخة الطوسي وتلامذة ابن بابويه وغيرهم الكثيرين الكثيرين الذين ذكر أسماؤهم فيما قبل.
ثالثاً: أن الأربعة هؤلاء أيضاً لم يسندوا عقيدتهم في القرآن إلى معصوم أي إلى واحد من أئمة الاثنى عشر حيث أن مذهب الشيعة (حسب زعمهم) مبني على أقوال المعصومين وتعليماتهم، ولم تحصل لهؤلاء الأربعة العصمة، ولا حق لهم بتكوين وتخليق المذهب، كما لا عبرة بهم، وهم ليسوا من بناته ومؤسسيه. بل كل ما لهم هو حق النشر والترويج.
رابعاً: أن واحداً منهم لم يدرك زمن الأئمة المعصومين خلاف غيرهم القائلين بالتحريف، فإنهم أدركوهم، ورووا منهم مباشرة.
خامساً: أن كتب هؤلاء، التي أدرجوا فيها هذه العقيدة لم تعرض على المعصومين، ولا على الغائب المزعوم منهم، خلاف الكتب الأخرى التي نصت على التحريف عرضت عليهم، واستحسنوها.
سادساً: أنهم في باطنهم كانوا يعتقدون نفس العقيدة التي يعتقدها الآخرون، والتي هي من لوازم مذهب الشيعة.
سابعاً: لم يقولوا بهذه المقالة إلا مماشاة ومداراة لهم مع المسلمين.
ثامناً: أو قالوها تقية وخداعاً للسنة.
تاسعاً: أو لمصالح أخرى، وسداً لباب المطاعن من قبل المسلمين.
عاشراً: أنهم أنفسهم خالفوا هذه العقيدة عملياً حيث أدرجوا تلك الروايات والأحاديث التي تنص على التغيير والتحريف في القرآن في كتبهم.
فتلك عشرة كاملة وإنها كافية لمن أراد التبصر ومعرفة الحق.
الباب الثالث
عقيدة الشيعة في الدور الثالث من القرآن
إن شيعة الدور الأول قاطبة اعتقدوا أن القرآن مبدل ومغير فيه بما فيهم أئمتهم وبناة مذهبهم ومؤسسوا شريعتهم.
وكذلك شيعة الدور الثاني اللهم إلا الأربعة منهم، فإنهم تظاهروا الخلاف في ذلك، ولم يكن خلافهم مبنياً على منقول أو معقول، بل قالوا بتلك المقولة تقية [انظر لمعرفة هذا المبدأ عند الشيعة الذي هو أساس الأسس التي قام عليها مذهبهم بحثاً ظريفاً جامعاً في كتابنا "الشيعة والسنة" ط إدارة ترجمان السنة لاهور، ودار الأنصار مصر، ودار طيبة بالمملكة العربية السعودية، والمكتب الإسلامي في بيروت – لبنان]. ومداراة للآخرين كما بيناه في الباب الثاني من هذا الكتاب، وكما صرح أحد علماء الشيعة في الهند أحمد سلطان أن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية ["تصحيف كاتبين" ص18].
ثم جاء الدول الثالث، وأدرك علماء الشيعة وقادتها خطر هذا القول وعاقبته حيث أن التقول والاعتقاد به يهدم أساس مذهبهم وبناء عقائدهم من الولاية والإمامة والوصاية [وهناك أغراض أخرى لإنكار القرآن الموجود.
أولاً: أنه مليء بمدح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتحريض المؤمنين باتباعهم واقتدائهم.
ثانياً: لكون هذا القرآن مجموعاً على أيدي الخلفاء الراشدين المهديين، وإليهم يرجع هذا الفضل، وخاصة عثمان t الذي جمع الناس على هذه القراءة، وهذا مما لا يرضيهم، وغير ذلك من الأشياء الكثيرة التي تضرب القوم ضربات قوية. فصلنا القول فيها في كتابنا "الشيعة والسنة".] كما أشرنا إليها سابقاً، وهذا مع اجتثاث بنيانها واستئصال بذرتها وقطع جذرتها، وإيقاع التشكيك في الكتب التي عليها مدار المذهب وأساس الأحكام، وهي منبع ومصدر المسائل والعبادات والمعاملات، وخاصة العقائد حيث بلغ عدد الروايات والأحاديث في هذه المسألة حد الاستفاضة والتواتر، وجاوزت ألفي حديث ورواية، كما قال الجزائري:
إن الأخبار الدالة على هذا تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي وغيره، بل الشيخ (أي الطوسي) أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" ["الأنوار النعمانية" للجزائري].
وقال الطبرسي:
واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" ["فصل الخطاب" ص252].
وقال خاتمة محدثي القوم الملا باقر المجلسي [قد ذكرنا تراجم هؤلاء جميعاً في كتابنا "الشيعة وأهل البيت"] في مرآة العقول في شرح باب "إن القرآن كله لم يجمعه إلا الأئمة عليهم السلام" ما لفظه:
لا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر، فإن قيل أنه يوجب رفع الاعتماد على القرآن لأنه إذا ثبت تحريفه ففي كل آية يحتمل ذلك، وتجويزهم (أي الأئمة) عملنا بهذا القرآن ثبت بالآحاد فيكون القرآن بمنزلة خبر واحد في العمل، قلنا ليس كذلك إذ تقريرهم على قراءة هذا القرآن والعمل به متواتر معلوم إذا لم ينقل من أحد من الأصحاب أن أحداً من أئمتنا أعطاه قرآناً أو علمه قراءة وهذا ظاهر لمن تتبع الأخبار، ولعمري كيف يجترئون على التكلفات الركيكة في تلك الأخبار مثل ما قيل في هذا الخبر أن الآيات الزائدة عبارة عن الأخبار القدسية أو كانت التجزئة بالآيات أكثر وفي خبر لم يكن أن الأسماء كانت مكتوبة على الهامش على سبيل التفسير" [نقلاً عن "فصل الخطاب" ص353].
وهذه العبارة صريحة وواضحة وصادقة في التعبير وظاهرة.
وعلى هذا تداركوا الأمر قبل أن يكبر، وكتبوا كتباً، وألفوا مصنفات، وخصصوا أجزاء لإثبات هذه العقيدة وبيانها، وتسابقوا إلى جمع الروايات، والرد على المخالفين. فلم يمض قرن ولا زمان إلا وقد أصدروا فيه كتباً عديدة مليئة من هذه الروايات من أئمتهم المعصومين، والردود على المنكرين ولو تقية. ذكرنا بعضاً منها في الباب الأول. والبعض الآخر سنذكرها في الباب الرابع عند ذكر (فصل الخطاب).
والجدير بالذكر أنه كما لم يخل زمان لم يكتب فيه مثل هذه الكتب من قبل القوم، فهكذا لم تخل بلدة في العالم يوجد فيها الشيعة إلا وقد ساهموا في نشر هذه الأباطيل وجمعها في كتب، وتخصيص القسم من مؤلفاتهم لبيان هذه العقيدة. فمثلاً القارة الهندية حيث يوجد فيها أكبر عدد للشيعة بعد إيران صنف فيها علماؤها أيضاً كتباً عديدة لبيان هذه العقيدة منها (استقصاء الأفهام واستيفاء الانتقام) للسيد حامد حسين الكهنوي.
ذكره الطهراني في (الذريعة) بقوله:
استقصاء الأفهام واستيفاء الانتقام في رد منتهى الكلام تصنيف بعض أهل السنة، للأمير السيد حامد حسين بن الأمير قلى.... المتوفى بلكهنؤ سنة 1306ه‍ صاحب العبقات وغيره من التصانيف الكثيرة، المؤلفة أكثرها باللغة الفارسية لتعميم المنفعة. وهذا أيضاً فارسي مبسوط... واستقصى فيه البحث في المسألة المشهورة بتحريف الكتاب" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" ج2 ص31].
ومنها (تصحيف كاتبين أو تاريخه قرآن مبين) كما ذكره صاحب (الذريعة): "تصحيف كاتبين أو تاريخه قرآن مبين لمرزا أحمد سلطان" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" ص195].
و(رشق النبال على أصحاب الضلال) للسيد ناصر حسين.
و"(مصباح الظلم) لشمس العلماء السيد امداد الإمام زيدي المستبصر العظيم آبادي مطبوع بلغة أردو" ["الذريعة إلى تصانيف الشيعة" ج21 ص113].
و(ضربت حيدري) للسيد محمد دلدار علي.
و(عماد الإسلام) لأبيه السيد دلدار علي، وقد مر ذكرهما سابقاً.
و(الإنصاف في الاستخلاف) للمرزا أحمد علي:
"الإنصاف في تحقيق آية الاستخلاف لمرزا أحمد علي الأمر تسرى الهندي، المطبوع بلغة أردو" ["الذريعة" ج21 ص113] خصص فيها باباً لبيان هذه العقيدة.
وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي كتبت خصيصاً لهذا الغرض، أو خصص قسم منها لأجل هذا.
فالحاصل أن كثيراً من علماء الشيعة وكبراءهم في الدور الثالث والأخير والممتد إلى زماننا هذا، صرحوا بهذه العقيدة وصنفوا فيها. وجل علمائهم – إن لم نقل كلهم – اعتقدوا ويعتقدون بهذه العقيدة. ولا يظهر خلاف هذه إلا من يريد التمويه والتزييف وخداع السنة. مثل الشيخ الجليل للشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء مؤلف (أصل الشيعة وأصولها)، وغيره من حذى حذوه وانتهج منهجه لاصطياد الناس وإيقاعهم في حبائهم وتغريرهم بالباطل. وأكبر دليل على ذلك أن كاشف الغطاء هذا قال في كتابه الذي لم يؤلفه للشيعة بل للسنة:
فمن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص، وإذا اقتصر على تلك الأركان الأربعة فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم، تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك لأنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً (معاذ الله)" ["أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء ص103، 104].
مع أن من يعرف المباديات من مذهب الشيعة يعرفه أنه لا دين لمن لا يدين بالإمامة ولا إيمان لمن لا يؤمن بها [انظر لتفصيل ذلك كتابنا "الشيعة وأهل البيت" حيث أوردنا فيه روايات كثيرة في هذا الخصوص من أئمتهم المعصومين حسب قولهم]، وكما قال المفيد شيخهم الأكبر في (كتاب المسائل):
اتفق الإمامية على من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته فهو كافر، ضال، مستحق الخلود في النار" [نقلاً عن "البرهان" في تفسير القرآن، مقدمة ص20].
وأين هذا من ذاك؟
وأين كاشف الغطاء من المفيد؟
وبهذا يثبت قولنا أن هذه الكتب لم تؤلف لبيان عقائد الشيعة، بل ألفت تقية للمداراة والمماشاة، ولخداع المسلمين عامة وللسنة خاصة، وما الله بغافل عما يعملون.
ولإيضاح الحق الذي هو واضح من قبل، وإقامة البرهان على ما قلناه وهو مبرهن ثابت، نختار بعض المقتبسات من الكتب المختلفة المؤلفة في مختلف الفنون وفي مختلف الأزمان والأمكنة للكتاب والمؤلفين الذين لم نذكرهم في كتابنا (الشيعة والسنة)، أو لم نذكرهم في الأبواب السابقة من هذا الكتاب من المتأخرين أهل الدور الثالث، وأيضاً لم يأت ذكرهم في (فصل الخطاب).
نذكرها حتى لا يبقى مجال لمخادع أن يخدع، وماكر أن يمكر، ومشكك أن يشكك ويزيف ويوه، ولمنسحب أن ينسحب، ومعرف أن يعرض.
فنقول وبالله التوفيق:
نبدأ بالبحراني المتوفى سنة 1108ه‍، المفسر الشيعي المشهور الذي خصص مواضع في مقدمة كتابه، وفي المجلد الأول من تفسيره لبيان عقيدته في القرآن. فيكتب في المقدمة الثانية من مقدمة كتابه تحت عنوان "بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وأنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة، والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله، والإشعار بذلك على سبيل التجوز والرموز والتعريض في ظاهر القرآن وتأويله" يكتب تحت هذا العنوان الطويل العريض ما نصه:
"اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغييرات وأسقط الذي جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي عليه السلام وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن عليه السلام وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم عليه السلام وهو اليوم عنده صلوات الله عليه ولهذا كما قد ورد صريحاً في حديث سنذكره لما أن كان الله عز وجل قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين وأنهم بحيث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد في شأن علي عليه السلام وذريته الطاهرين حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين وكان في مشيته الكاملة ومن ألطافه الشاملة محافظة أو أمر الإمامة والولاية ومحارسة مظاهر فضائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل الحق مفادها مع بقاء التكليف لم يكتف بما كان مصرحاً به منها في كتابه الشريف بل جعل جل بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل وأشار إلى جمل من برهانها بطريق التجوز والتعريض والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل ويستبين صدق هذا المقال بملاحظة جميع ما نذكره في هذه الفصول الأربعة المشتملة على كل هذه الأحوال" ["البرهان" مقدمة ص36].
ثم ذكر في الفصل الأول إحدى وعشرين رواية من أهم كتب القوم، نذكر منها أحد عشر رواية ما لم يرد ذكرها قبل، ونترك الباقي لورودها مقدماً في الأبواب السابقة.
الأول: روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال:
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: إن القرآن خلف فراشي في الصحف والجريد والقراطيس، فخذوه، واجمعوه، ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر، ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه. قال كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه.
وفي ثواب الأعمال بإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا ابن سنان إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها.
وفيه أيضاً كما مر في آخر الفصل الأول من المقالة الأولى عنه عليه السلام أن القرآن فيه ما مضى وما يحدث وما هو كائن كانت فيه أسماء الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة.
وفيه عنه قال أن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت بها الكتبة وتوهمتها الرجال.
وفي كنز الفوائد بإسناده عن الصادق عليه السلام أنه قال في حديث له ذكر فيه بعض ما محي من القرآن أن عمرو بن العاص قال على منبر مصر محي من القرآن ألف حرف بألف درهم وأعطيت مائة ألف درهم على أن يمحى إن شانئك هو الأبتر فقالوا لا يجوز ذلك معاوية فكتب إليه قد بلغني ما قلت على منبر ولست هناك وفي الكنز أيضاً عن الصدوق بإسناده عن ميسر قال سمعت الرضا عليه السلام يقول: والله لا يرى منكم في النار اثنان لا والله ولا واحد قلت وأين ذلك من كتاب الله تعالى؟ قال عليه السلام في سورة الرحمن هو قوله تعالى: فيومئذ لا يسئ عن ذنبه منكم أنس ولا جان فقلت له ليس فيها منكم قال: إن أول من غيرها ابن أروى وذلك أنها حجة عليه وعلى أصحابه ولو لم يكن فيها منكم لسقط عقاب الله عن خلقه إذ لم يسأل عن ذنبه أنس ولا جان فلمن يعاقب إذاً يوم القيامة وفي تفسير فرات بن إبراهيم بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في حديث له قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا علي لا تخرج ثلاثة أيام حتى تؤلف كتاب الله كيلا يزيد فيه الشيطان فلم يزد فيه الشيطان شيئاً ولم ينقص منه شيئاً.
وفي غيبة النعماني عن ابن نباته قال سمعت علياً عليه السلام يقول كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت: يا أمير المؤمنين أوليس هو كما أنزل؟ فقال لا محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك أبو لهب إلا للإزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عمه، وتأتي متفرقة عند تفسير بعض الآيات والكلمات المغيرة روايات دالة على المقصود.
وفي كتاب الاحتجاج عن أبي ذر الغفاري أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه فأخذه علي عليه السلام فانصرف ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارياً للقرآن فقال إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط عنه ما كان فيه فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر فما الحيلة؟ قال زيد أنتم أعلم بالحيلة فقال عمر ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه فدبروا في قتله علي يد خالد بن الولد ولم يقدروا على ذلك فلما استخلف عمر سئل علياً عليه السلام أن تدفع إليهم القرآن ليحرفوه فيما بينهم فقال ي أبا الحسن إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه فقال عليه السلام هيهات ليس إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به أن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر فهل وقت لإظهار معلوم؟ قال علي عليه السلام نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فيجري السنة به صلوات الله عليه.
وفي الكتاب المذكور عن كتاب مسلم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه نقل كلاماً طويلاً جرى بينه وبني معاوية في محضر جماعة، منهم الحسن بن علي عليهما السلام إلى أن قال فقال الحسن عليه السلام: أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أجمع القرآن وأكتبه في مصحف فابعث إلي بما كتبت من القرآن، فأتاه وقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك، وال: ولم؟ قال: لأن الله تعالى قال: ] لا يمسه إلا المطهرون [: قال: إياي عني ولم يعنك ولا أصحابك، فغضب عمر وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أن أحداً ليس عنده علم غيره، من كان يقرأ شيئاً من القرآن فليأتني به، فإذا جاء رجل وقرأ شيئاً وقرأ معه رجل آخر فيه كتبه وإلا لم يكتبه. ثم قال الحسن: وقد قالوا: ضاع منه قرآن كثير بل كذبوا والله بل هو مجموع محفوظ عند أهله. ثم قال عليه السلام ثم أن عمر أمر قضاته وولاته أن اجتهدوا بآرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق فما يزال هو وولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتج بما عليهم، فتجتمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، الخبر.
وفي الكتاب المذكور أيضاً في جملة احتجاج علي عليه السلام على جماعة من المهاجرين والأنصار أن طلحة قال له في جملة مسائلة عنه: يا أبا الحسن شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت أيها الناس: إني لم أزل مشتغلاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغسله وتكفينه ودفنه ثم اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته فهذا كتاب الله عندي مجموعاً لم يسقط منه حرف واحد، ولم أر ذلك الذي كتبت وألفت وقد رأيت عمراً بعث إليك أن ابعث به غلي، فأبيت أن تفعل فدعا عمر بالناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها وإن لم يشهد عليها غير رجل واحد رجاها فلم يكتب عمر. فقال عمر: وأنا أسمع أنه قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرؤون قرآناً لا يقرأه غيرهم فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها والكاتب يومئذ عثمان.
وسمعت عمر وأصحابه الذين ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون أن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة وأن النور نيف ومائة آية والحجر تسعون ومائة آية فما هذا وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس.
وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب وحمل الناس على قراءة واحدة فمزق مصحف ابن أبي كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار فقال له عليه السلام يا طلحة إن كل آية أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد، وكل حلال وحرام، أو حد أو حكم، أو شيء يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله وخط يدي حتى أرش الخدس، قال طلحة: كل شيء من صغير أو كبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب؟ قال: نعم، وسر ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسر إلي في مرضه مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم وساق الحديث إلى أن قال ثم قال طلحة: لا أريك يا ابن الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن ألا تظهره للناس؟ فقال: يا طلحة! عمداً كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمر وعثمان القرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله، قال إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا، قال طلحة: حسبي أما إذا كان قرآناً فحسبي، ثم قال طلحة فأخبرني عما في يدك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام إلى من تدفعه ومن صار فيه بعدك؟ قال إن الذي أمرني رسول الله أن أدفعه إليه وصيي وأولى الناس بعدي ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه، هم مع القرآن لا يفارقونه، والقرآن معهم لا يفارقهم، الخبر.
وسيأتي في الفصل الثالث خبر آخر من كتاب الاحتجاج أيضاً مشتمل على التصريح بتغيير القرآن وعلى السر في جعل الإشارة إلى ما يتعلق بالإمامة على التعريض والتأويل وقد مر في الفصل الخامس من المقالة الثانية من المقدمة الأولى من حديث كتاب المختصر للحسن بن سليمان مشتمل على قول أبي محمد العسكري: أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب. الخبر.
أقول: قد وردت في زيارات عديدة كزيارة الغدير وغيرها وفي الدعوات الكثيرة وكدعاء صنمي قريش وغيره عبارات صريحة في تحريف القرآن وتغييره بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكفى في هذا الباب ما ذكرناه في المقالة السالفة من الأخبار الدالة على اقتفاء هذه الأمة سنن من كان قبلهم من الأمم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. إذ من الأمور الجليلة الواضحة التي لا نكير فيها أن الأمم السابقة غيروا صحفهم وحرفوا كتبهم لا سيما التوراة والإنجيل كما هو صريح القرآن والأخبار، منها خبر أول هذا الفصل وقد مر في المقالة السابقة قول الباقر عليه السلام أن بني إسرائيل اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم صلوات الله عليه، يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم ويضرب أعناقهم، فتأمل ولا تغفل عن دلالة هذه الأخبار أيضاً على وجود القرآن المحفوظ من الزيادة والنقصان في كل عصر مع إمام الزمان وأنه الذي جمعه علي عليه السلام، وأن ما في أيدينا اليوم هو الحجة لدينا بلا لوم إلى أن يظهر الحق وأهله والله الموفق" ["البرهان" مقدمة ص36 إلى 39 بألفاظه].
وكذلك ذكر في المجلد الأول من تفسيره تحت عنوان:
"باب في أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلا الأئمة عليهم السلام"، وأورد فيه روايات كثيرة ذكرنا بعضاً منها مقدماً.
كما ذكر أيضاً عنوان "أما ما هو على خلاف ما أنزل الله، وما هو محرف منه" ثم ذكر تحته أحاديث عديدة، نتركها لأنها سوف تذكر في الباب الرابع.
والثاني الذي نريد أن نورد منه كلامه هو مفسر شيعي آخر محمد محسن الملقب بالفيض الكاشاني.
فإنه ذكر في مقدمة تفسيره تحت: المقدمة الثالثة: بعنوان "نبذ مما جاء في جمع القرآن وتحريفه، وزيادته ونقصه".
وأورد فيها روايات تتجاوز الخمسين، ثم قال الصافي:
أقول ويرد على هذا كله إشكال وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً، أو يكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غي ذلك، وأيضاً قال الله عز وجل: ] وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ وقال: ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟ وأيضاً قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفاً فما فائدة العرض؟ مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله، ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال والعلم عند الله أن يقال: إن صحت هذه الأخبار فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال كحذف اسم علي وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحذف أسماء المنافقين عليهم لعاين الله، فإن الانتفاع بعموم اللفظ باق، وكحذف بعض الآيات وكتمانه فإن الانتفاع بالباقي باق مع أن الأوصياء كانوا يتداركون ما فاتنا منه من هذا القبيل، ويدل على هذا قوله عليه السلام في حديث طلحة إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا" ["الصافي في تفسير القرآن" للفيض الكاشاني ص33،34 ط إيران].
ومحدثهم الكبير ولعانهم الذي لا يوجد له نظير، يكتب في كتابه (حياة القلوب) شاتماً، ساباً أصحاب رسول الله وخاصة الصديق والفاروق، تحت عنوان (بيان حجة الوداع) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلن:
"إن علي بن أبي طالب وليي، ووصيي، وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى، فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر – أستغفر الله من نقل هذه الخرافة والخبث الذي يتدفق من القوم ويظهر ما في باطنهم – (إلى أن قال) فغضب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي الكتاب الذي أنزله فحرفوه، وغيروه، وعملوا به ما أرادوه" ["حياة القلوب" للمجلسي ج2 ص541 وما بعد].
ومثل في كتابه هذا وفي كتبه الأخرى أيضاً أمثلة عديدة للتغيير الذي حصل، والتحريف الذي وقع، مستنداً إلى أحاديث وروايات من أئمته ومعصوميه" [انظر لذلك "حياة القلوب" تحت عنوان "الآيات التي أنزلت في الإمامة" ج3 ص125 وما بعد].
ولقد نقل هذا المجلسي أيضاً في كتابه عن (تفسير كازر [قد ذكر هذا التفسير الطهراني في كتابه "الذريعة" ج4 ص309] السورة التي أخرجها عثمان بن عفان t من القرآن، وخاصة من مصحف عبد الله بن مسعود حسب زعمه الباطل. ونصها:
"يا أيها الذين آمنوا بالنبي وبالولي الذي بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم، نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم. والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين. فإن لهم في جهنم مقاماً عظيماً إذا نودي لهم يوم القيامة أين الظالمون المكذبون للمرسلين. ما خلفهم المرسلين إلا بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب. سبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين" [نقلاً عن "تذكرة الأئمة" ص9، 10، وهذه هي السورة بعينها، التي ذكرها الخطيب في رسالته "الخطوط العريضة"].
وقال الشيخ علي أصغر البروجردي من أعيان القرن الثالث عشر، الذي كان في عصر محمد شاه القاجاري، في كتابه (عقائد الشيعة [ذكره "الطهراني في الذريعة" ج15 ص284])ك
وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، هو الذي ليس إلا عند إمام العصر (الغائب) عجل الله فرجه، ولكن المنافقين غيروا وحرفوا القرآن الذي عندهم" ["عقائد الشيعة" فارسي ص27 ط إيران].
وهكذا كتب ملا محمد تقي الكاشاني في كتابه (هداية الطالبين) المؤلف في سنة 1275ه‍ تحت "مطاعن عثمان".
"إن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود مرتين، مرة لأنه صلى علي أبي ذر، وثانياً لأنه طلب منه مصحفه حتى يجعله مثل قرآنه الذي زاد فيه ونقص... وأيضاً روى عنه أنه أمر زيد بن ثابت الذي كان يصادقه ويعاند علياً أن يجمع القرآن، فأسقط منه مناقب أهل البيت وذم أعدائهم والقرآن الموجود بأيدي الناس الآن المعروف بقرآن عثمان هو عين القرآن الذي جمعه زيد" ["هداية الطالبين" ص368].
وقال "قدوة العلماء الربانيين، وأسوة الحكماء الصمدانيين، وحافظ ثغور الدين المبين، زين العابدين الكرماني" في رسالته (تذييل):
إن كيفية جمع القرآن أثبت أن التحريف والتصحيف والنقص وقع في القرآن، ولو أن هذا سبب لتذييل المسلمين عند اليهود والنصارى بأن طائفة منا تدعي الإسلام ثم تعمل مثل هذا العمل ولكنهم كانوا منافقين، الذين فعلوا ما فعلوا، وأن القرآن المحفوظ ليس إلا عند الإمام الغائب – ثم أورد روايات أئمته – وقال:
إن الشيعة مجبورون أن يقرؤوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد عليهم السلام" ["تذييل في الرد على هاشم الشامي" ص13 إلى 23 الطبعة الثانية مطبع سعادت كرمان إيران].
وقبل ذلك أخوه كتب مثل ما كتبه هو في كتابه (حسام الدين).
وقبلهما أبوهم محمد كريم خان المتوفى سنة 1288ه‍ صرح بمثل هذا في كتابه (نصرة الدين [ذكره صاحب الذريعة ج24 ص175]) و(إرشاد العوام [ذكره صاحب الذريعة ج1 ص515]) الذي ألفه في العقائد.
وقال علي بن النقي الرضوي علامة الشيعة بالهند في كتابه (إسعاف المأمول [قد ورد ذكره في الذريعة ج2 ص59]:
وأما تواتر جميع ما نزل على محمد فمشكل توضيحه، قد اختلف في وقوع التحريف والنقصان في القرآن، فعن أكثر الأخباريين أنه وقع، وهو الظاهر من كلام الكليني قدس سره، وشيخه علي بن إبراهيم القمي، والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج.
وقال السيد والصدوق والمحقق الطبرسي وجمهور المجتهدين بعدم وقوعه، وقد ذكر السيد العلامة نعمة الله في رسالته (منبع الحيوة) أدلة الأوائل، منها الأخبار المستفيضة، بل المتواترة، ما روى عن أمير المؤمنين لما سئل عن المناسبة بين قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. وبين: فانكحوا. فقال: لقد سقط بينهما أكثر من ثلث القرآن.
وما روي عن الصادق في قوله: كنتم خير أمة، قال كيف هذه الأمة خير أمة وقد قتلوا ابن رسول الله؟ ليس هكذا نزلت، وإنما نزلت وكنتم خير أئمة من أهل البيت، ومنها الأخبار المستفيضة في أن آية الغدير هكذا نزلت "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" إلى غير ذلك مما لو جمع لصار كثير الحجم، ومنها أن القرآن كان ينزل منجماً على حسب المصالح والوقائع وكتاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلاً من الصحابة وكان رئيسهم أمير المؤمنين. وقد كانوا في الأغلب ما يكتبون إلا ما يتعلق بالأحكام وإلا ما يوحى إليه في المحافل والمجامع، وأما الذي كان يكتب ما ينزل عليه في خلواته ومنازله فليس هو إلا أمير المؤمنين لأنه كان يدور معه كيف دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف، فلما مضى رسول الله إلى لقاء حبيبه وتفرقت الأهواء بعد جمع أمير المؤمنين القرآن كما أنزل وشده بردائه وأنى به إلى المسجد فقال لهم هذا كتاب ربكم كما أنزل، فقال عمر: ليس لنا فيه حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان فقال لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر القائم – إلى أن قال: وهذا القرآن كان عند الأئمة يتلونه في خلواتهم وربما أطلعوا عليه لبعض خواصهم كما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مرقده بإسناده إلى سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرئها الناس فقال أبو عبد الله: مه كف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حده وأخرج المصحف الذي كتبه على، ونحون ذلك ذكر كثيراً لا نوردها روماً للاختصار.
وأما الأخبار الدالة على وجوب التمسك بالكتاب والأمر باتباعه وعرض الأخبار عليه فلا ينافي ما ذكر من وقوع التغيير في الكتاب كما أنه أمرنا بالتمسك بأهل البيت، وقد صاروا ممنوعين عن التبليغ كما هو حقه وفيه ما فيه، وأما أن الأخبار الواردة عن الأئمة في التمسك واتباعه فيجوز أن يكون قد جوزوا العمل به من باب التقية وحكم الله الظاهري كما يقال في القراءات السبعة المتواترة، ونحو ذلك، لا يخفى عليك أن القول بجواز العمل من باب التقية في كل الأحوال سواء كان محل التقية أم لا بعيد غاية البعد وكذا القول بالتحريف والنقصان مطلقاً في القرآن يوجب مفاسد شتى ولا يبقى الاعتماد عليه، نعم لو قيل بأن المخالفين والمنافقين لما كانوا يبذلون جهدهم في إطفاء أنوار أهل البيت واختفاء فضائلهم ومناقبهم لئلا يظهر على الخلق مراتبهم التي عند الله لهم ولا تكون حجة على الخلائق لاستحقاقهم الرياسة والخلافة ولئلا تبطل خلافة الخلفاء المتغلبين ولا يحصل لهم الغلبة والسلطنة على الناس كي تكون خلافة المتغلبين هباء منثوراً. نقصوا وبدلوا الآيات التي كانت تثبت فضائلهم ومناقبهم ورياستهم وخلافتهم عليهم السلام، والأخبار الواردة في النقصان أيضاً تدل على مثل هذا النقصان، وأما دون تلك الآيات فهي باقية إلى الآن كما كان من دون تغير وتبدل أصلاً فليس له غاية بعد، فتأمل في هذا المقام فإنه من مزال الأقدام، ويقتضي بسطاً في الكلام لكن الوقت لا يرخصنا بالاتمام" ["إسعاف المأمول" لعلي بن السني ص115 ط مطبع اثنا عشرى لكهنؤ – الهند سنة 1312ه‍].
ومثل ذلك ذكر السيد محمد الكهنوي حيث قال رداً على المرتضى:
أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس فهو محل النظر، بل هو ظاهر الفساد. لأن الروايات التي بلغت إلى حد التواتر التي تدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبقى عوضاً ولغواً محضاً. مع أنه ورد في الروايات عن المعصومين أنه مخزون مودع عند صاحب العصر عليه السلام" ["ضربت حيدري" للسيد محمد اللكهنوي ج2 ص78].
ومثل ذلك قال أئمة الشيعة الآخرون في الهند مثل دلدار علي اللكهنوي في (عماد الإسلام)، والسيد حامد حسين في (استقصاء الأفهام)، والملا محمد في رسالته (بارقية ضيغمية)، والملا ناصر حسين في (رشق النبال)، وغيرهم في غيره، وإنه لكثير جداً.
ولا يخلو كتاب من كتب الشيعة في الدور الثالث الممتد إلى عصرنا هذا إلا وفيه بحث في هذا الخصوص، وهذا أيضاً مما يدل على أن في الأمر شيئاً.
نعم! قد ظهر حالياً بعض الرجال المنتسبين إلى العلم من الشيعة، الذين بدؤوا يتظاهرون إنكار التحريف والتغيير والتبديل ولكن إنكارهم هذا ليس إلا إنكار التقية كما صرح بذلك علماؤهم، المتقدمون منهم والمتأخرون كما مر بيانه.
وإلا لوجب عليهم البراءة من هذه الكتب التي امتلأت بمثل هذه الروايات، ومن الرواة الذين ملأوا كتبهم بمروياتهم، الذين هم مدار أحاديث القوم ورواياتهم عن الأئمة المعصومين من أهل البيت حسب زعمهم.
وإننا لنرحب كل من يقول بهذا القول، ويعلن بهذا الاعتقاد. لأن بذلك سيرتفع الخلاف الواقع والموجود بينهم وبين السنة، لأن هذه الكتب، وهؤلاء الرواة هم الذين سببوا الفرقة والبعد عن السنة وأهلها، وهداة الأمة وقادتها، بامتلائها واختلاقهم القصص الخرافية، والأساطير الوهمية، والروايات الباطلة، التي تصور للناس عامة وللمسلمين خاصة باختلاف موجود في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تولية الخلافة والإمامة، بين الصديق والفاروق وذي النورين وعامة الأصحاب، وبين علي وبني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين.
والروايات والأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله الصادق الأمين التي تنبئ أن الصادق المصدوق هادي الأمة إلى سبيل الرشاد والعمل الصالح. من عبادة الله وحده ورعاية حقوق العباد لم يرسل إلا لرفع مكانة علي وتبليغ وصايته وإمامته للخلق، وإيثار أسرته بالمناصب والمراتب وأمره الناس بالعبودية لهم دون الآخرين. معاذ الله أن يكون رسول الله إلى الخلائق أرسل لهذا الغرض المحدود.
فهلموا أيها القوم وأسرعوا، واطرحوا هذه الخلافات التي لم تؤسسها ولم ترسخها إلا الأيدي الأثيمة، والأقلام المأجورة المزورة، والرجال الذين باعوا ضمائرهم بالدنيا، وآثروها على الآخرة.
وارجعوا أيها القوم إلى كتاب الله المحفوظ المصون الذي نزل به جبرائيل على سيد البشر صلوات الله وسلامه عليهما، وضمن الله حفظه إلى قيام الساعة. ليهتدي به المهتدون، ويسلك بنوره السالكون.
وإن لم نؤمن بصيانته عن التغيير والتحريف فبأي كتاب نهتدي وندعو الكون إلى رب الكون؟.
اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان، واجعلنا من المؤمنين الحقيقيين الذين يعتقدون هذا الاعتقاد بأن:
"ذلك الكتاب لا ريب فيه" [سورة البقرة، الآية1].
و ] إنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين [ [سورة الشعراء الآية192، 193، 194].
وإنه ] لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [ [سورة فصلت الآية42].
وصدق الله مولانا العظيم.

عقيدة الشيعة في القرآن الكريم

... ذهب أكثر علماء الشيعة أمثال الكليني صاحب الكافي، والقمي صاحب التفسير، والمفيد، والطبرسي صاحب الإحتجاج، والمجلسي، وغيرهم من علماء الشيعة - وسيأتي ذكر الباقي منهم - إلى القول بتحريف القرآن، وأنه أُسقط من القرآن الكريم كلمات بل آيات، حتى إن بعض علمائهم المتأخرين ويلقبونه بخاتمة المحدّثين " النوري الطبرسي صنّف كتباً أسماه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "، أورد فيه كلام علماء الشيعة القائلين بالتحريف، غير أن بعض علماء الشيعة أمثال الطوسي صاحب التبيان، والمرتضى الذي هوثاني إثنين شاركا في تأليف " نهج البلاغة " المنسوب زوراً وبهتاناً إلى علي رضي الله عنه، والطبرسي صاحب مجمع البيان، والبعض منهم في العصر الحاضر أنكروا التحريف.

... ربما يظن القارىء المسلم أن ذلك الإنكار صادر عن عقيدة، بل إن الواقع إنما صدر منهم ذلك لأجل التقية التي يحتمون بها لاسيما من المسلمين.

... وفي ذلك نقل النوري عن الجزائري صاحب "الأنوار النعمانية" قوله: إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن.

... وقال الجزائري أيضاً: إن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث وإدّعى إستفاضتها جماعة كالمفيد والمحقّق الدامادا والعلامة المجلسي وغيرهم، بل الشيخ (1) [9]) أيضاً صرّح في التبيان بكثرتها، بل إدّعى تواترها جماعة (2) [1.]).

وأما إنكار المرتضى للتحريف فيرد عليه أحد علماء الشيعة الهنود في كتابه "ضربة حيدرية" 2/ 81 بقوله: فإن الحق أحق أن بالإتباع، ولم يكن السيد

علم الهدى معصوماً حتى يجب أن يُطاع، فلوثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا إتباعه ولا خير فيه ".

... وبعد هذا البيان الموجز نجد الشيخ القرضاوي يقول في كتابه " المرجعية العليا في الإسلام " ص 14: قد يقول البعض: إن الشيعة الجعفرية الإثنا عشرية يقولون بأن القرآن الحالي لا يحتوي على الوحي المُنزّل من عند الله. وهذا مذكور في الكافي وفي بعض كتبهم. ولكن المحققين منهم (!!!) يرفضون هذه الروايات، ويعتبرونها من كلام الإخباريين والعمدة هم الأصوليون، ولهذا لا يوجد عند الشيعة مصحف غير مصحف سائر المسلمين، فهوالذي يطبعونه، ويُحفّظونه لأولادهم، ويذيعونه في إذاعاتهم وتلفازهم، ويُفسرّونه في كتبهم، وهم مجمعون (!!!) على أن ما بين دفتي المصحف كلام الله بيقين، أما السنة فهم لا يرفضونها من حيث المبدأ، ولكن يشرطون أن تُروى عن طريق رجالهم وحدهم، وهذا ما نُنكره عليهم، كما أنهم يضمون إلى سنة النبي (سنة الأئمة الإثني عشر المعصومين في إعتقادهم، وهوما نخالفهم فيه أيضاً.

... هذا الكلام غريب جداً أن يصدر عن الشيخ القرضاوي، أهوناتج عن جهل الشيخ بعقيدة الشيعة في القرآن الكريم؟ أم محاباة للشيعة الذين يزورهم في إيران؟.

__________

(1) أبوجعفر الطوسي.

(2) 1.]) فصل الخطاب للنوري ص227.

أما الإحتمال الأول فهوبعيد جداً، فالشيخ عالم بخفايا الشيعة ومعتقداتهم، وقد حدثني بعض المدافعين عن الشيخ القرضاوي بأنه حاضر في جلسة خاصة عن الشيعة وبيّن أخطائهم العقائدية، وإن الشيخ لا يجهل عقائد الشيعة، بل إنه على علم بأصولهم ومعتقداتهم، ولكن الشيخ القرضاوي لا يستطيع أن يجاهر بذلك مراعاة للشيعة وإن التصريح بذلك يفتح عليه جبهة هوفي غنى عنها. والإحتمال الثاني الذي أطمئن عليه وأميل اليه، أن الشيخ القرضاوي متساهل جداً جداً في هذه المسائل لئلا يفقد صلة الوّد مع الشيعة، والشيخ لم ينفرد بهذا الموقف بل له سلف في ذلك.وليت الشيخ حفظه الله تعالى سلك هذا

المسلك مع الذين يخالفونه في الفروع دون الأصول، أم إن هؤلاء لا يستحقون معشار ما يستحقه الرافضة.

... ولنا سؤال للشيخ القرضاوي أرجوأن يتفضل علينا بالإجابة: هل الذين قالوا بالتحريف من علماء الشيعة هم من الإخباريين دون الأصوليين؟. ومتى نشأ هذا التقسيم؟.

هل الكليني والقمي والمفيد والطبرسي والطوسي من الإخباريين أم من الأصوليين؟ والمسمّى بـ "الخميني" إخباري أم أصولي؟.

ومن هوالذي يستطيع أن يميّز أن الحق مع الأصوليين دون الإخباريين وبالعكس؟ وهل يصل الإختلاف بين الفرقتين إلى درجة أنه ليس هناك نقاط مشتركة بينهما؟.هل الشيخ الفاضل قرأ كتاب " مصادر الإستنباط بين الأصوليين والإخباريين " (1) [11]) لمؤلفه محمد الغراوي والذي طبعه مكتب الإعلام بقم، حتى يستطيع فضيلة الشيخ التفوّه بهذا الإدعاء؟.

وهل إطلّع الشيخ على نص واحد لا أكثر على تكفير المفيد أوالكليني أوالجزائري بقولهم بتحريف القرآن؟ هل هم كما قال الخوئي: إن حديث تحريف القرآن خرافة وخيال لا يقول به إلا ضعف عقله (2) [12]). هل يوجد في المعاصرين

من علماء الشيعة يقول بأن الكليني والمفيد وغيرهما من علماء الشيعة الذين يقولون بالتحريف ضالون بقولهم هذا وضعاف عقول لا يعون ما يقولون؟.

... يا فضيلة الشيخ: إن دفاعك عن الشيعة ونفي تحريف القرآن عنهم لا طائل من ورائه، فأصغر طالب علم يعرف أن قولك هذا غير صحيح بل هوغش وخداع للمسلمين في تجميل عقائد الشيعة والله تعالى سائلك عن هذا.

__________

(1) 11]) الكتاب في الأصل رسالة ماجستير، جامعة الكوفة (كلية الفقه)، تحت إشراف عدنان علي البكاء، والكتاب فيه مغالطات وأكاذيب على أهل السنة، من ذلك حصره أهل السنة بالأشاعرة والمعتزلة والماتريدية 193 - 2.3 وغير ذلك من الأكاذيب، ولا أدري كيف مُنح هذا الباحث الماجستير على كتابه هذا، ولا عجب إذا كانت الجامعة هي " جامعة الكوفة ".

(2) 12]) البيان في تفسير القرآن ص 278.

... وأما قولك " لكن المحققين منهم يرفضون هذه الروايات" فهوبعيد جداً عن الواقع الذي نعيشه، فهاهي مطابع بيروت وإيران تطبع تلك الكتب وعلى رأسها الكافي وكتب أخرى يندى لها الجبين وفيها ما فيها من التطاول على القرآن الكريم، فهل قام الناشرون بحذف ما يدل على التحريف، أم إنهم يعتقدون بأن هذا من صلب العقيدة لا يجوز حذفه؟، وشاه إيران على ضلاله وفسقه لم يسمح بطبع بعض الأجزاء من موسوعة " بحار الأنوار " للمجلسي وهي الأجزاء من 29 إلى آخر ما لم يُطبع من البحار بحجة تطاول المجلسي لا رحم الله فيه مغرز إبرة على الصحابة، ولكن بعد مجيء الخميني الذي تعتبره قائداً إسلامياً وبايعه بعض الذين على نهجك سمح بطباعة تلك الأجزاء لينال مرضاة الله تعالى والتقرّب اليه ببغُض الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً.

يا فضيلة الشيخ: نحن لا نعيش في أصقاع نائية عن الشيعة، بل نخالطهم ونعرف أنهم يضمرون لنا العداوة والبغضاء وإن كُرههم لنا لأشد من كره اليهود والنصارى والذين أشركوا، ولا نقول هذا تعسفاً بل عن معتقد مسطور في كتبهم، وقد فصّلت هذا في فصل " عقيدة الشيعة في أهل السنة " من هذا الكتاب. وأنت يا شيخ تعيش بين ظهرانيهم في قطر وتعرف حقائق كثيرة عن الشيعة نحن نجهلها، فهل من الأمانة أن يكتم العالم علمه، وأن يُضلّل العامة بأشياء ما أنزل الله تعالى بها من سلطان؟. أنت يا فضيلة الشيخ أكبر من هذا

بكثير، فإتق الله تعالى في هذه الأمة ولا تزيدها جهلاً فوق الجهل المزمن في عقول الكثيرين منهم.

وقولك " لا يوجد عند الشيعة مصحف غير مصحف سائر المسلمين، فهوالذي يطبعونه " إلى آخر كلامك. ولا أدري هل هذا الكلام للإستهلاك الجماهيري، أم أن هذا القول نابع من التتبع لكتب الشيعة وأقوال علمائها؟.

وأقول لك حفظك الله تعالى وهداك: أدع الإجابة على هذا الكلام الغريب والغير منطقي لأحد علماء الشيعة الذين لهم مكانة عظيمة في نفوس الشيعة قديمهم وحديثهم، ألا هوشيخهم " المفيد " الذي يقول في كتابه " المسائل السروية " ص 81 - 82:

... إنهم (1) [13]) أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا يتعداه إلى زيادة فيه ولا نقصان منه حتى يقوم القائم عليه السلام فيقرأ للناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام. وإنما نهونا عليهم السلام عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر، وإنما جاء بها الآحاد، وقد يغلط الواحد فيما ينقله. ولانه متى قرأ الإنسان بما خالف ما بين الدفتين غرر بنفسه وعرض نفسه للهلاك. فنهونا عليهم السلام عن قراءة القرآن بخلاف ما ثبت بين الدفتين لما ذكرناه.

... ويقول أيضاً نعمة الله الجزائري في " الأنوار النعمانية " 2/ 363: قد روي في ألأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا من القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويُخرج القرآن الذي ألّفه أمير المؤمنين عليه السلام فيقرأ ويعمل بأحكامه.

ويقول المجلسي: ولأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرّر بنفسه مع أهل الخلاف (2) [14]) وأغرى به الجبارين وعرّض نفسه للهلاك، فمنعونا عليهم السلام عن قراءة القرآن بخلاف ما ثبت بين الدفتين لما ذكرناه (3) [15]).

__________

(1) 13]) أي الأئمة المعصومين عند الشيعة.

(2) 14]) أي أهل السنة.

(3) 15]) انظر: مرآة العقول 3/ 31، بحار الأنوار ج92 ص 65 وكلاهما للمجلسي.

ويقول حسن العصفور البحراني في كتابه " الفتاوي الحسينية في العلوم المحمدية " ص 156: ويجب أن يقرأ بأحد القراءات المُدّعى تواترها المقبولة عندهم ولا يجوز أن يقرأ بغيرها وإن كان هي القراءة المُنزّلة الأصلية الثابتة عن أهل الذكر عليهم السلام لأن الزمان زمان هدنة وتقية ولهذا أتى الأمر منهم عليهم السلام بالقراءة كما يقرأ الناس حتى يأتيكم من يُعلّمكم.

... وربما يقول فضيلة الشيخ كما قال قبله محمد الغزالي في كتابه " دفاع عن العقيدة والشريعة " ص 264 - 265، والذي إستشهد به الرافضي مرتضى الرضوي في كتابه " في سبيل الوحدة الإسلامية (!!!) " ص 22 - 23، يقول الغزالي عن جهل تام بعقيدة الشيعة في القرآن:

إنني آسف لأن بعض من يرسلون الكلام على عواهنه، لا بل بعض ممن يسوقون التُهم جزافاً غير مبالين بعواقبها دخلوا في ميدان الفكر الإسلامي بهذه الأخلاق المعلولة فأساؤا إلى الإسلام وأمته شر إساءة. سمعت واحداً من هؤلاء يقول في مجلس علم: إن للشيعة قرآناً آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف.

فقلت له: وأين هذا القرآن؟. إن العالم الإسلامي الذي إمتدت رقعته في ثلاث قارات ظل من بعثة محمد (إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرناً لا يعرف إلا مصحفاً واحداً مضبوط البداية والنهاية، معدود السور والآيات والألفاظ فأين هذا القرآن الآخر؟ لماذا لم يطلّع الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يُساق هذا الإفتراء؟ ولحساب من

تفتعل هذه الإشاعات، وتلقى بين الأغرار ليسوء ظنهم بإخوانهم (1) [16]) وقد يسوء ظنهم بكتابهم. إن المصحف واحد يطبع في القاهرة فيقدّسه الشيعة في النجف (!!!) أوفي طهران (!!!) ويتداولون نسخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أن يخطر ببالهم شيء بتة إلا توقير الكتاب ومُنزّله - جل شأنه - ومُبلّغه (، فلم الكذب على الناس وعلى الوحي (2) [17]).

__________

(1) 16]) لا نظن أن مسلماً يعتقد أن محرّفة الكتاب ولاعني الأصحاب هم إخوانه.فلا معتقد ولا أُخوّة تجمع بيننا وبينهم.

(2) 17]) عوام الشيعة لا يعرفون أن علمائهم يقولون بالتحريف، ولذا فإنهم على الفطرة بإعتقادهم أن القرآن الذي يقرأونه هوالقرآن المُنزّل، ولا أدري ما ذنب أهل السنة إذا لم يُبين علماء الشيعة معتقدهم الصحيح في القرآن الكريم، أيخشون أن تثور ثائرة العامة عليهم؟ أم يفتضح أمرهم وينكشف للعامة أنهم على دين غير دين الإسلام. وكان الأحرى بالغزالي أن لا ينساق وراء عاطفته الملتهبة نحوالشيعة، بل كان من الواجب أن يسأل المُتحدّث عن دليله في قوله ذاك، ولكن لا يحق للشيعة أن يُلزموا أهل السنة بقول الغزالي أوغيره ممن يجهلون عقيدة الشيعة، وكنا نتمنى من الغزالي قبل موته أن يكون رقيقاً وليناً مع أهل السنة مثلما كان مع الشيعة، وأن لا يتهكم على الإسلام وأهله كما فعل في كتابه الذي سفّه عقائد علماء المسلمين ولا أحتاج إلى ذكره فهومعروف لدى العلماء وطلبة العلم.

والجواب من كتب الشيعة لا من كتب لمسلمين: يقول الطبرسي في كتاب الاحتجاج ج 1 ص 225: عن أبى ذر الغفاري انه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه واله جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه رسول الله صلى الله عليه واله، فلما فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام وانصرف.ثم احضروا زيد بن ثابت - وكان قاريا للقرآن - فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة

وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: إذا فرغت من القرآن على ما سألتم واظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: انتم اعلم بالحيلة، فقال عمر: فما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك. فلما استخلف عمر سئل علياً عليه السلام أن يدفع اليهم القرآن فيحر فوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبى بكر حتى نجتمع عليه، فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبى بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أوتقولوا ما جئتنا به ان القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويجمل الناس عليه، فتجري السنة به (1) [18]).

ومن أراد الإستزادة فعليه بمراجعة: الإرشاد للمفيد 365،الأنوار النعمانية للجزائري 2/ 36. يوم الخلاص لكامل سليمان ص271 -.272، تاريخ ما بعد الظهور للصدر 638.

__________

(1) 18]) نقل هذه الرواية: الفيض الكاشاني في المقدمة السادسة من تفسيره الصافي 1/ 43 - 44، المجلسي في بحار الأنوار 92/ 42، محمد باقر الأبطحي في جامع الأخبار والآثار 1/ 44 - 45، الإصفهاني في مكيال المكارم 1/ 59 - 6.، الحويزي في تفسيره نور الثقلين 5/ 226، العاملي في مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار 38، البحراني في الدرر النجفية 298، حبيب الله الخوئي في منهاج البراعة 2/ 2.8، عدنان البحراني في مشارق الشموس الدرية 138 وغيرهم من علماء الشيعة.

... وهل يعلم فضيلة القرضاوي إن للشيعة مصحفاً آخر يُسمّى " مصحف فاطمة" فإذا كان لا يعلم - وعندي شك في ذلك - فأرجومن فضيلته مراجعة المصادر التالية، وهي كلها مراجع شيعية ليس بينها مرجعاً إسلامياً واحداً:

1. بصائر الدرجات: 173، 174، 176، 177، 179، 18.، 181، 19..

2. الامامة والتبصرة: 12.

3. الكافي ج1: 239، 24.، 241. ج8: 58.

4. من لايحضره الفقيه ج4: 419.

5. الخصال: 528.

6. معاني الاخبار: 1.3.

7. روضة الواعظين: 211.

8. خاتمة المستدرك ج23: 315.

9. الايضاح: 461، 462.

1.. شرح الاخبار ج1: 241،

11. الارشاد ج2: 186.

12. إعلام الورى بأعلام الهدى ج1: 536.

13. الاحتجاج ج2: 134.

14. الخرائج والجرائح ج2: 894.

15. مناقب آل ابي طالب ج3: 374.

16. كشف الغمة ج2: 384.

17. الصراط المستقيم ج1: 1.5.

18. تأويل الآيات ج1: 1.2، 374، ج2: 723، 724.

19. المحتضر: 114،.

2.. الفصول المهمة في أصول الأئمة ج1: 5.6، 5.9.

21. مدينة المعاجز ج2: 267، ج5: 329، 33..

22. ينابيع المعاجز: 127، 129، 13.، 131، 132، 195

23. بحار الانوار ج22: 546. ج26: 18، 38، 39، 4.، 41، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 156. ج35: 35. ج37: 176. ج43: 79،8.، 195، ج47: 32، 65، 271، 272.ج1.8: 36.. ج1.9: 67.

24. شرح زيارة الجامعة ج1: 82.

25. مصباح الهداية: 225.

26. مسند الامام الرضا (ع) ج1: 1.2.

27. معجم أحاديث الامام المهدي ج3: 388.

وعند الشيعة قصة شهيرة تُسمّى " الجزيرة الخضراء" وهي جزيرة خاصة بمهدي الشيعة وأبنائه، إخترعها أحد رواة الشيعة وهوعلي بن فاضل المازندراني، وهي قصة طويلة جداً سمجة ركيكة، وقد رأى هذا الراوي أحد أبناء مهدي الشيعة والمسمّى شمس الدين محمد، وقد ورد في هذه القصة أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قد أجمعوا على تحريف القرآن وأسقطوا منه الآيات الدالة على فضل آل البيت رضوان الله عليهم، وحذفوا فضائح المهاجرين والأنصار.

وربما يقول فضيلة الشيخ القرضاوي أن هذا من الأساطير، فأقول له بارك الله فيه وجعله ممن طال عمره في طاعة الله تعالى وحسُن عمله وختم له بالخاتمة الحسنة: إن هذه الرواية مذكورة في أكثر من أربعين مصدر من مصادر الشيعة، وأذكر بإختصار من ذكرها لكي يطمئن فضيلة الشيخ أننا لا نسلك مسلك الشيعة في إتهام خصومهم (1) [19]):

1. محمد باقر المجلسي في كتابه بحار الأنوار 52/ 159.

2. محمد مكي الملّقب عند الشيعة بالشهيد الأول في الأمالي بإسناده عن علي بن فاضل.

3. محمد كاظم الهزارجريبي في كتاب المناقب.

__________

(1) 19]) رجعت في ذلك إلى: " فصول البيان في تحريف الشيعة للقرآن " 1/ 174 للأخ ابراهيم عيسى السامرائي، وهذا الكتاب من أفضل الكتب التي بحثت في التحريف عند الشيعة، وهومخطوط لم يُطبع بعد، يسّر الله تعالى لمؤلفه إتمامه وإعادة صياغته من جديد لكي يظهر بالمظهر اللائق والجدير بالجهد الرائع الذي بذله في تجميع المادة العلمية، وقد وعدني بذلك.

وكذلك " الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا " لمؤلفه ناجي النجار، وهذا الشيعي تلاعب في نص الرواية وحذف منها مواضع التحريف ووضع مكانها نقط، ليُدلّس على القراء، وقد فضحه الأخ ابراهيم السامرائي في الكتاب السابق وبيّن المواضع التي حذفها النجار الدالة على التحريف، وهذا شأن الرافضة في كل زمان ومكان.

4. النوري الطبرسي في كتابه جنّة المأوى ص 181.

5. الكركي والملّقب عند الشيعة بالمحقق الثاني في كتابه ترجمة الجزيرة الخضراء.

6. شمس الدين محمد بن مير أسد الله التستري في كتابه رسالة الغيبة وإثبات وجود صاحب الزمان.

7. نور الله المرعشي في كتابه مجالس المؤمنين.

8. مير لوحي في كتابه المهتدي في المهدي.

9. ميرزا محمد رضا في كتابه تفسير الأئمة لهداية الأمة.

1.. الحر العاملي في كتابه إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات.

11. هاشم البحراني في كتابعه تبصرة الولي في من رأى القائم المهدي.

12. نعمة الله الجزائري في رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار.

13. محمد هاشم الهروي في كتابه إرشاد الجهلة المصرّين على إنكار الغيبة والرجعة.

14. عبدالله بن الميرزا عيسى بيك في كتابه رياض العلماء وحياض الفضلاء.

15. أبوالحسن الفتوني العاملي في كتابه ضياء العالمين.

16. عبدالله بن نور الله البحراني في كتابه عوالم العلوم والمعارف.

17. شبر بن محمد الحويزي في كتابه رسالة الجزيرة الخضراء.

18. الوحيد البهبهاني في كتابه الحاشية على مدارك الأحكام، وقد إستشهد بهذه القصة على أدلة وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة.

19. محمد عبدالنبي (!!!) النيسابوري في كتابه الكتاب المبين والنهج المستبين.

2.. أسد الله الكاظمي في كتابه مقابيس الأنوار ونفائس الأسرار.

21. عبدالله شبر في كتابه جلاء العيون.

22. أسد الله الجيلاني الإصفهاني في كتابه الإمام الثاني عشر المهدي.

23. مير محمد عباس الموسوي اللكهنوي في كتابه نسيم الصبا في قصة الجزيرة الخضراء.

24. إسماعيل النوري الطبرستاني في كتابه كفاية الموحدين في عقائد الدين.

25. علي بن زين العابدين في كتابه الزام الناصب في إثبات الحجة الغائب.

26. مصطفى الحيدري الكاظمي في كتبه بشارة الإسلام في ظهور صاحب الزمان.

27. محمد تقي الموسوي الإصفهاني في كتابه مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم.

28. علي أكبر النهاوندي في كتابه العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان.

29. بحر العلوم في كتابه تحفة العالم في شرح خطبة العالم.

3.. الفيض الكاشاني في كتابه النوادر في جمع الحديث.

31. يوسف البحراني في كتابه أنيس المسافر وجليس الخواطر ويسمّى الكشكول أيضاً.

32. هاشم البحراني في كتابه حلبة الأبرار في أحوال محمد (وآله الأطهار.

33. محسن العصفور في كتابه ظاهرةالغيبة ودعوى السفارة، وهومعاصر.

34. محمد صالح البحراني في كتابه حصائل الفكر في أحوال الإمام المنتظر.

35. الخوانساري في روضات الجنات في ترجمة المرتضى.

36. محمد ميرزا التكابني في كتابه قصص العلماء في ترجمة وأحوال جعفر بن يحيى بن الحسن.

37. محمد تقي المامقاني في كتابه صحيفة الأبرار.

38. محمد هادي الطهراني في كتابه محجة العلماء 14..

39. بحر العلوم في الفوائد الرجالية 3/ 136.

4.. محمد الغروي في كتابه المختار من كلمات المهدي 2/ 116 و447

41. عبدالله عبدالهادي في كتابه المهدي وأطباق النور 55، 56، 1.2

42. الأردبيلي في كتابه حديقة الشيعة 729.

43. زين الدين النباطي في كتابه الصراط المستقيم لمستحقي التقديم 2/ 264 - 266.

44. أسد الله التستري في كتابه كشف القناع 231.

45. محمد رضا الحكيمي في كتابه حياة أُولي النُهى الإمام المهدي 512.

46. حسن الأبطحي في كتابه المصلح الغيبي وكتابه الكمالات الروحية

47. ياسين الموسوي في هامش النجم الثاقب للنوري الطبرسي 2/ 172

ونتحف فضيلة الشيخ القرضاوي ببعض أسماء علماء الشيعة وكتبهم الذين يقولون بالتحريف لئلا يطول بنا المقام، ومن أراد الإستزاده فعليه بمراجعة كتابنا " الشيعة وتحريف القرآن " حيث ذكرنا أقوالهم بالتفصيل. ونحن على إستعداد بتزويد فضيلة الشيخ بمصورات من كتبهم إذا إقتضى الحال ورغب فضيلته في ذلك.

(1) الكليني في الكافي حيث ذكر الكثير من روايات التحريف والآيات المحرّفة على حد زعمه دون أن يعلّق عليها، وهي مبثوثة في نماذج من الآيات المحرّفة عند الشيعة من هذا الفصل.

(2) القمي في تفسيره 1/ 1..

(3) أبوالقاسم الكوفي في كتابه" الإستغاثة في بدع الثلاثة " ص 25.

(4) المفيد في كتابه " أوائل المقالات" ص 13، وكتابه المسائل السروية 81 - 81.

(5) الأردبيلي في كتابه "حديقة الشيعة" 118 - 119.

(6) علي أصغر في كتابه " عقائد الشيعة " ص27.

(7) الطبرسي في كتابه " الإحتجاج " 1/ 222.

(8) الكاشاني في " تفسير الصافي " 1/ 32 (الطبعة القديمة).وكتابه "هداية الطالبين " ص368

(9) المجلسي في " تذكرة الأئمة " ص 49 و"حياة القلوب" 2/ 681، وفي كتابه " بحار الأنوار" العشرات بل المئات من روايات التحريف وذكر الآيات المحرّفة على حد زعم الشيعة وقد ذكرنا اليسير منها في هذا الفصل.

(1.) نعمة الله الجزائري " الأنوار النعمانية " 2/ 257.

(11) أبوالحسن العاملي في المقدمة الثانية لتفسير مرآة الأنوار36، وطبعت كمقدمة لتفسير البرهان للبحراني.

(12) الخراساني في كتابه "بيان السعادة في مقامات العبادة " 1/ 12.

(13) علي اليزدي الحائري في كتابه "إلزام الناصب" 1/ 477،2/ 259و266.

(14) حسين الدوردآبادي في كتابه "الشموس الساطعة" ص 425.

(15) محمد كاظم الخراساني في"كفاية الأصول" 284 - 285.

(16) ميرزا حبيب الله الخوئي في كتابه"منهاج البراعة" 2/ 119 - 121.

(17) عدنان البحراني في كتابه " مشارق الشموس الدرية " ص 125 و135.

(18) ميزا محمد الإصفهاني في كتابه " مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم " 1/ 58 - 62، 2.4، 218، 233.

(19) المازندراني في كتابه " نور الأبصار "ص426، 428، 439، 442، وفي كتابه "الكوكب الدري" 2/ 56.

(2.) علي البهبهاني في كتابه "مصباح الهداية"ص 246و277.

(21) أحمد المستنبط في كتابه " القطرة في مناقب النبي والعترة" 1/ 112و234 - 235 و2/ 379.

(22) إبن شاذان في " الفضائل" 151.

(23) مرتضى الأنصاري في "فرائد الأصول" 1/ 66.

(24) يوسف البحراني في " الدرر النجفية" 294 - 296.

(25) الحر العاملي في "الفوائد الطوسية" 483.

(26) حسين الدرازي في "الأنوار الوضية"27.

(27) ميرزا حسن الإحقاقي في "الدين بين السائل والمجيب" 94.

(28) عبدالحسين (!!!) دستغيب في " أجوبة الشبهات" 132.

(29) محمد رضا الحكيمي في " القرآن خواصه وثوابه" 242.

(3.) علي الكوراني في " عصر الظهور" 88.

(31) محمد باقر الأبطحي في "جامع الأخبار" 267 و28. - 281.

(32) محمد حسين الأعلمي في "دائرة المعارف" ج14 ص 313 - 315.

(33) محمد الغروي في " المختار من كلمات الإمام المهدي" 2/ 342.

(34) جواد الشاهرودي في " الإمام المهدي وظهوره" 191 - 192 و255. وأيضاً في كتابه " المراقبات من دعاء المهدي" 175.

(35) محمد تقي المدرسي في " النبي وأهل بيته" 1/ 161 - 162.

(36) محمد علي دخيل في " الإمام المهدي" 2.5.

(37) عزالدين بحر العلوم في "أنيس الداعي والزائر" 1.4.

(38) أحمد الجزائري في " قلائد الدرر" 1/ 21.

(39) داود المير صابري في " الآيات الباهرة" 124، 291، 374.

(4.) محمد علي أسبر في " الإمام علي في القرآن والسنة" 1/ 112، 141، 153، 154، 215، 365.

(41) عز الله العطاردي في " مسند الإمام الرضا" 1/ 522، 586، وقد ذكرنا جملة من الآيات المحرّفة من مسنده في هذا الفصل.

(42) بشير المحمدي في " مسند زرارة بن أعين " 1.2.

(43) أبوطالب التبريزي في " من هوالمهدجي" 52..

(44) الزعيم الإيراني " الخميني " الذي يحظى بتأييد الشيخ القرضاوي في كتابه " شرح دعاء السحر" 7. - 71.

وبعد أن ذكرنا علماء الشيعة الذين يقولون بالتحريف نضع بين يدي فضيلة الشيخ نماذج من الآيات المحرّفة عند الشيعة وهي تتجاوز الأربعمائة والخمسين ولدينا نماذج تزيد على ضعفي هذا العدد ولكن رغبتنا في عدم زيادة صفحات هذا الكتاب جعلنا نقتصر على العدد المذكور وهذا في إعتقادي مجرد فتح شهية وإذا رغب فضيلة الشيخ القرضاوي المزيد فنحن تحت أمره وطوع بنانه، وقد أعرضنا صفحاً عن ذكر روايات التحريف لئلا يطول بنا المقام ونحن على إستعداد لبيان ذلك إذا إقتضى الأمر، ويمكنه بارك الله فيه أن يتأكد من صحة ذلك، حيث ذكرنا المصادر التي استقينا منها هذه الآيات المحرّفة. ولا أدري هل علماء الشيعة يملكون الشجاعة الأدبية بنقد تلك الروايات نقداً علمياً وفق منهجهم لا منهجنا، وينشرون ذلك في كتاب ليقرأه الناس ليعلموا أن كل من ذكر أن الشيعة يعتقدون بالتحريف كاذب ومفتري؟. وأخص بذلك حوزة قم والنجف وكافة التجمعات الشيعية في العالم بدون إستثناء، وهل نطمع بأن يقوم أحد علماء الشيعة بنقد كتاب " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب الأرباب" للنوري الطبرسي ويُثبت أنه كذّاب فيما نسبه إلى علماء الشيعة وإن المصادر التي إعتمدها غير ثابتة، وهل يستطيعون تكفير من يقول بالتحريف؟. فهل من مجيب؟. والعجيب أن تلميذ النوري وهوآغا بزرك الطهراني أنه قام بتأليف رسالة بعنوان " النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف " حاول فيها تأويل ما عُرف عن شيخه من القول بتحريف القرآن الكريم، وقدمه للشيخ محمد آل كاشف الغطاء يطلب رأيه في الكتاب، فقرّظه الشيخ ورجح عدم نشره، ومن ثمّ لم يطبعها إمتثالاً لأمره. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أحجم آغا بزرك الطهراني عن نشر الكتاب الذي يدافع فيه عن

شيخه؟. فهل في كتابه إثبات أن النوري ليس وحده القائل بالتحريف بل هومعتقد كثير من علماء الشيعة، لاسيما وإن النوري إستشهد على دعواه بمئات المراجع وأكثر من ألف رواية تُثبت معتقد الشيعة في القرآن الكريم؟. ليس من الإنصاف في شيء القول بأن النوري وحده يعتقد بالتحريف دون سائر علماء الشيعة، بل إن هذا الأمر من ضروريات دين الشيعة

وقد ردّ على النوري بعض علماء الشيعة مثل محمد حسين الشهرستاني الهالك سنة 1315هـ صاحب كتاب " حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف " وكذلك محمود بن القاسم الشهير بالمعرّب الإصفهاني الهالك سنة 1313هـ له كتاب بعنوان" كشف الإرتياب في عدم تحريف الكتاب" فرغ منها في 17 جمادى الثاني 13.2هـ، وقد ردّ النوري على هذا الكتاب مدافعاً عن كتابه " فصل الخطاب ".

والعجيب أن محمد هادي معرفة كذب على النوري فقال في كتابه " صيانة القرآن من التحريف "ص 9.: (فكان يقول (أي النوري) دفاعاً عن نفسه بعد أن وصلته رسالة الرد: لا أرضى عن الذي يطالع فصل الخطاب أن يترك النظر في الرسالة الجوابية على كشف الإرتياب. وكان يُوصي كل من عنده نسخة من فصل الخطاب أن يضم اليه تلك الرسالة، فإنها بمنزلة المتمّم لذلك الكتاب والكاشف عن مقصود مؤلفه). فيُوهم القراء بأن النوري أوصى بإضافة رسالة الإصفهاني إلى فصل الخطاب، ولكن الحقيقة أن النوري في رده على الإصفهاني طلب بأن يُضم رده إلى فصل الخطاب كتتمة له، وفي ذلك يقول آغا بزرك الطهراني في الذريعة ج 18 ص 9: (كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب) للفقيه الشيخ محمود ابن أبي القاسم الشهير بالمعرب الطهراني، المتوفى أوائل العشر الثاني بعد الثلاثمائة كتبه رداً على " فصل الخطاب " لشيخنا النوري، فلما عرض على الشيخ النوري كتب رسالة مفردة في الجواب عن شبهاته (لا عن موافقة النوري وإعتذاره ورجوعه لما أورده في فصل الخطاب كما زعم هادي معرفة)، وكان يوصى كل من كان عنده نسخة من " فصل الخطاب " بضم هذه الرسالة إليها، حيث أنها بمنزلة المتممات له.

ويقول أيضاً في الذريعة ج11: ص 188: (كشف الارتياب) التى أوردها على (فصل الخطاب) في تحريف الكتاب لشيخنا النورى مرت بعنوان (رد كشف الارتياب). وقد كتبت أنا في تأييد النورى (النقد اللطيف).

فإذا كان هادي معرفة يكذب على علمائه فهل يؤمل منه أن يكون صادقاً مع أهل السنة. وقد أخبرني الأخ ابراهيم السامرائي بأنه بصدد الرد على هذا الرافضي وكشف كذبه وتدليسه وإن كتابه أوهى من بيت العنكبوت.

ولكن للآسف فإن هذين الكتابين في الرد على النوري لم أعثر عليهما رغم تتبعي الشديد لهما. فيا ليت الذين عندهم نسخة منهما أن يقوم بتحقيقهما ويطبعهما ليدفع حقيقة عقيدة الشيعة بالتحريف، وليسأل فضيلة الشيخ القرضاوي الصديق التسخيري إذا كان يملك نسخة منهما أن يُظهرهما وينشرهما على الملأ ويقول بملء فمه: إن أهل السنة كذّابون ومفترون علينا وهذا هوالدليل.وإن النوري حاطب ليل لا يعي ما يقول.فهل يملك التسخيري الجرأة في ذلك؟.


عقيدة الشيعة في القرآن


المبحث الأول: مسألة كلام الله تعالى وأقوال الناس فيها:
تعريف الكلام: هذه المسألة كثرت فيها أقوال الناس واضطربوا إلا من اعتصم بالكتاب والسنة قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون وقد بلغوا فيها إلى تسعة أقوال وعامة الكتب المصنفة في الكلام وأصول الدين لم يذكر أصحابها إلا بعض هذه الأقوال إذ لم يعرفوا غير ما ذكروه فمنهم من يذكر قولين ومنهم من يذكر ثلاثة ومنهم من يذكر أربعة ومنهم من يذكر خمسة وأكثرهم لا يعرفون قول السلف.
أحدها: قول من يقول إن كلام الله ما يفيض على النفوس من المعاني التي تفيض إما من العقل الفعال عند بعضهم وإما من غيره وهذا قول الصابئة والمتفلسفة الموافقين لهم كابن سينا وأمثاله ومن دخل مع هؤلاء من متصوفة الفلاسفة ومتكلميهم كأصحاب "وحدة الوجود".
وثانيها: قول من يقول: إنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه وهذا قول هذا الإمامي وأمثاله من الرافضة المتأخرين والزيدية والمعتزلة والجهمية.
وثالثهًا: قول من يقول إنه معنى واحد قديم قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة وهذا قول ابن كلاب([1]) ومن وافقه كالأشعري وغيره.
ورابعهًا: قول من يقول: إنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل وهذا قول طائفة من أهل الكلام وأهل الحديث ذكره الأشعري في المقالات عن طائفة وهو الذي يذكر عن السالمية([2]) ونحوهم...
وخامسهًا: قول من يقول: إنه حروف وأصوات لكن تكلم به بعد أن لم يكن متكلمًا وكلامه حادث في ذاته كما أن فعله حادث في ذاته بعد أن لم يكن متكلما ولا فاعلا وهذا قول الكرامية([3]) وغيرهم وهو قول هشام بن الحكم وأمثاله من الشيعة...
وسادسهًا: قول من يقول إنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء بكلام يقوم به وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن نوع الكلام أزلي قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديما وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
وسابعهًا: قول من يقول كلامه يرجع إلى ما يحدث من علمه وإرادته القائم بذاته ثم من هؤلاء من يقول لم يزل ذاك حادثا في ذاته كما يقوله أبو البركات صاحب "المعتبر"([4]) وغيره ومنهم من لا يقول بذلك وأبو عبدالله الرازي يقول بهذا القول في مثل المطالب العالية.
وثامنها: قول من يقول كلامه يتضمن معنى قائما بذاته وهو ما خلقه في غيره ثم من هؤلاء من يقول في ذلك المعنى بقول ابن كلاب وهذا قول أبي منصور الماتريدي([5]) ومنهم من يقول بقول المتفلسفة وهذا قول طائفة من الملاحدة الباطنية متشيعهم ومتصوفهم.
وتاسعها: قول من يقول كلام الله مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات وهذا قول أبي المعالي([6]) ومن اتبعه من متأخري الأشعرية.
وبالجملة أهل السنة والجماعة أهل الحديث ومن انتسب إلى السنة والجماعة من أهل التفسير والحديث والفقه والتصوف كالأئمة الأربعة وأئمة أتباعهم والطوائف المنتسبين إلى الجماعة كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية يقولون إن كلام الله غير مخلوق والقرآن كلام الله غير مخلوق وهذا هو المتواتر المستفيض عن السلف والأئمة من أهل البيت وغيرهم)([7]).
ثم أيد هذا القول بأنه مذهب السلف بذكر مؤلفاتهم التي ذكروا فيها هذا القول ونصروه بالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، وأن نقل هذا عنهم متواتر. فقال: (والنقول بذلك متواترة مستفيضة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعي تابعيهم وفي ذلك مصنفات متعددة لأهل الحديث والسنة يذكرون فيها مقالات السلف بالأسانيد الثابتة عنهم وهي معروفة عند أهلها وذلك مثل كتاب "الرد على الجهمية" لمحمد بن عبدالله الجعفى([8]) ولعثمان بن سعيد الدارمي([9]) وكذلك نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسى([10]) "والرد على الجهمية" لعبد الرحمن بن أبي حاتم([11])، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد رضي الله عنه([12])، ولأبي بكر الأثرم([13])، وللخلال، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري([14]) وكتاب "التوحيد" لأبي بكر بن خزيمة([15]) وكتاب "السنة" لأبي القاسم الطبراني([16])، ولأبي الشيخ الأصبهاني([17]) ولأبي عبدالله بن منده([18])، "والأسماء والصفات" لأبي بكر البيهقي([19])، "والسنة" لأبي ذر الهروي([20])، "والإبانة" لابن بطة([21])، وقبله "الشريعة" لأبي([22]) بكر الآجري، "وشرح أصول السنة" لأبي القاسم اللالكائي([23])، "والسنة" لأبي حفص بن شاهين([24])، "وأصول السنة" لأبي عمر الطلمنكي([25]) وأمثال هذا الكتب ومصنفوها من مذاهب متبوعة مالكي وشافعي وحنبلي ومحدث مطلق لا ينتسب إلى مذهب أحد)([26]).
ثم وضح رحمه الله بعض الأدلة التي يستدل بها أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق فقال: (والسلف y وجمهور أهل السنة يطردون أصلهم ولهذا احتج الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أعوذ بكلمات الله تعالى التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر»([27]) قالوا لا يستعاذ بمخلوق وكذلك ثبت عنه أنه قال: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك» وقالوا لا يستعاذ بمخلوق وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرضا والمعافاة فكان ذلك عند أئمة السنة مما يقوم بالرب تعالى كما تقوم به كلماته ليس من المخلوقات التي لا تكون إلا بائنة عنه)([28]).
(والمتكلم من تكلم بفعله ومشيئته وقدرته وقام به الكلام)([29]).
(فمن قال: إن المتكلم هو الذي يكون كلامه منفصلاً عنه، فقد قال ما لا يفعل. بل إن كل من سمع ما بلغته الرسل عن الله يعلم بالضرورة أن الرسل لم ترد بكلام الله ما هو منفصل عنه بل ما هو متصف به)([30]).
(والكلام صفة كمال والمتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل لا يعقل متكلم إلا كذلك ولا يكون الكلام صفة كمال إلا إذا قام بالمتكلم)([31]).
(ولكن هذا الموضع زلت فيه الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة الذين يقولون ليس لله كلام إلا ما خلقه في غيره وليس له فعل إلا ما كان منفصلا عنه فلا يقوم به عندهم لا فعل ولا قول وجعلوا كلامه الذي يكلم به ملائكته وعباده والذي كلم به موسى والذي أنزله على عباده هو ما خلقه في غيره.
فيقال لهم الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها لم يكن المتحرك بها هو الخالق لها وكذلك إذا خلق لونا أو ريحا أو علما أو قدرة في محل كان ذلك المحل هو المتلون بذلك اللون المتروح بتلك الريح العالم بذلك العلم القادر بتلك القدرة فكذلك إذا خلق كلاما في محل كان ذلك المحل هو المتكلم بذلك الكلام وكان ذلك الكلام كلاما لذلك المحل لا لخالقه فيكون الكلام الذي سمعه موسى وهو قوله: )إِنِّي أَنَا اللَّهُ(([32]) كلام الشجرة لا كلام الله لو كان ذلك مخلوقا)([33]).
 
مذهب الرافضة في القرآن، ونماذج من تأويلاتهم الفاسدة
قد اختلف الروافض في القرآن وصاروا قسمين وقد نقل شيخ الإسلام قول الأشعري في المقالات فقال: (قال الأشعري: واختلفت الروافض في القرآن وهم فرقتان فالفرقة الأولى منهم هشام بن الحكم وأصحابه يزعمون أن القرآن لا خالق ولا مخلوق وزاد بعض من يخبر عن المقالات في الحكاية عن هشام فزعم أنه كان يقول لا خالق ولا مخلوق ولا يقال أيضا غير مخلوق لأنه صفة والصفة لا توصف.
قال وحكى زرقان([34]) عن هشام بن الحكم أنه قال: القرآن على ضربين إن كنت تريد المسموع فقد خلق الله الصوت المقطع وهو رسم القرآن فأما القرآن فهو فعل الله مثل العلم والحركة لا هو هو ولا غيره.
والفرقة الثانية: منهم يزعمون أنه مخلوق محدث لم يكن ثم كان كما تزعم المعتزلة والخوارج قال وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم.
قلت: ومعلوم أن قول جعفر بن محمد الصادق وهؤلاء الذين قالوا من السلف ليس بمخلوق لم يريدوا أنه ليس بمكذوب بل أرادوا أنه لم يخلقه كما قالت المعتزلة وهذا قول متأخري الرافضة)([35]).
(فإن طائفة من متأخري الإمامية كأبي القاسم الموسوي المعروف بالمرتضى([36]) وغيره لما وافقوا المعتزلة على أنه محدث منفصل عن الله وأنه لم يكن يمكنه أن يتكلم ثم صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما وليس له كلام يقوم به بل كلامه من جملة مصنوعاته المنفصلة عنه ثم سمعوا عن السلف من أهل البيت مثل جعفر بن محمد وغيره أنهم قالوا إنه غير مخلوق قالوا لا نقول إنه مخلوق متابعة لهؤلاء بل نقول إنه محدث مجعول موافقة لما ظنوه من لفظ القرآن في قوله: )إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا(([37]).
وقوله: )مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ(([38]))([39]).
وقال بعد ذلك -مبينا مخالفة الرافضة لأئمة أهل البيت: (وأما الشيعة فمتنازعون في هذه المسألة [يعني القرآن] وقد حكينا النزاع عنهم فيما تقدم وقدماؤهم كانوا يقولون القرآن غير مخلوق كما يقوله أهل السنة والحديث وهذا القول هو المعروف عن أهل البيت كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره مثل أبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد الصادق وغيرهم.
ولكن الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس في أئمة أهل البيت - مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق من كان... يقول بخلق القرآن....) إلخ([40]).
وقد بين أن الرافضة لا يعتمدون على القرآن، ولا على الحديث موضحًا عدم اهتمامهم بالقرآن فقال: (والرافضة لا تعتني بحفظ القرآن ومعرفة معانيه وتفسيره وطلب الأدلة الدالة على معانيه ولا تعتنى أيضا بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة صحيحه من سقيمه والبحث عن معانيه ولا تعتنى بآثار الصحابة والتابعين حتى تعرف مآخذهم ومسالكهم ويرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسول بل عمدتها آثار تنقل عن بعض أهل البيت فيها صدق وكذب)([41]).
وقال: (ولهذا قراءة القرآن فيهم قليلة ومن يحفظه حفظا جيداً فإنما تعلمه من أهل السنة وكذلك الحديث إنما يعرفه ويصدق فيه ويؤخذ عن أهل السنة وكذلك الفقه والعبادة والزهد والجهاد والقتال إنما هو لعساكر أهل السنة وهم الذين حفظ الله بهم الدين علما وعملا بعلمائهم وعبادهم ومقاتليهم)([42]).
وقال عن تحريفهم للقرآن: (لذلك يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ويحرفون الكلم عن مواضعه كقولهم في قوله تعالى: )لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(([43]) أي ذنب آدم وما تأخر من ذنب أمته فإن هذا ونحوه من تحريف الكلم عن مواضعه)([44]).
ثم وضح كونه تحريفًا فقال:
(أما أولا: فلأن آدم تاب وغفر له ذنبه قبل أن يولد نوح وإبراهيم فكيف يقول له: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ذنب آدم.
وأما ثانيا: فلأن الله يقول: )وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(([45]) فكيف يضاف ذنب أحد إلى غيره؟
وأما ثالثا: فلأن في حديث الشفاعة الذي في الصحاح أنهم يأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته اشفع لنا إلى ربك فيذكر خطيئته ويأتون نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر([46]) فكان سبب قبول شفاعته كمال عبوديته وكمال مغفرة الله له فلو كانت هذه لآدم لكان يشفع لأهل الموقف.
وأما رابعا: فلأن هذه الآية لما نزلت قال أصحابه y يا رسول الله هذا لك فما لنا فأنزل الله تعالى: )هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ(([47]) فلو كان ما تأخر ذنوبهم لقال هذه الآية لكم.
وأما خامسا فكيف يقول عاقل إن الله غفر ذنوب أمته كلها وقد علم أن منهم من يدخل النار وإن خرج منها بالشفاعة فهذا وأمثاله من خيار تأويلات المانعين لما دل عليه القرآن من توبة الأنبياء من ذنوبهم واستغفارهم وزعمهم أنه لم يكن هناك ما يوجب توبة ولا استغفار ولا تفضل الله عليه بمحبته وفرحه بتوبتهم ومغفرته ورحمته لهم فكيف بسائر تأويلاتهم التي فيها من تحريف القرآن وقول الباطل على الله ما ليس هذا موضع بسطه)([48]).
ثم ذكر نماذج أخرى من تحريفهم للقرآن فقال: (وحرفوا القرآن تحريفا لم يحرفه غيرهم مثل قولهم إن قوله تعالى: )إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(([49]) نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة.
وقوله تعالى: )مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ(([50]) علي وفاطمة )يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(([51]) الحسن والحسين )وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(([52]) علي بن أبي طالب: )إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ(([53]) هم آل أبي طالب واسم أبي طالب عمران([54]) )فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ(([55]) طلحة والزبير )وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ(([56]) هم بنو أمية )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً(([57]) عائشة )لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ(([58]) لئن أشركت بين أبي بكر وعلي في الولاية.
وكل هذا وأمثاله وجدته في كتبهم ثم من هذا دخلت الإسماعيلية([59]) والنصيرية([60]) في تأويل الواجبات والمحرمات فهم أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكذب في المنقولات والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين فهم قطعا أدخلوا في دين الله ما ليس منه أكثر من كل أحد وحرفوا كتابه تحريفًا لم يصل غيرهم إلى قريب منه)([61]).
 
بيان مذهب أهل السنة في القرآن
مذهب أهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق قال شيخ الإسلام في معرض رده على الرافضي: (وقد استفاض عن جعفر الصادق أنه سئل عن القرآن؟ أخالق هو أم مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله([62]) وهذا مما اقتدى به الإمام أحمد في المحنة. فإن جعفر بن محمد من أئمة الدين باتفاق أهل السنة وهذا قول السلف قاطبة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق)([63]).
ثم ذكر أقول الأئمة في إثبات أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فقال: (ما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قيل له حكمت مخلوقا قال لم أحكم مخلوقا وإنما حكمت القرآن([64]).
وما رواه ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية قال كتب إلى حرب الكرماني([65]) ثنا محمد بن المصفى([66]) ثنا عبدالله بن محمد([67]) عن عمرو بن جميع([68]) عن ميمون بن مهران([69]) عن ابن عباس قال: (لما حكم علي الحكمين قالت الخوارج حكمت رجلين قال ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن)([70]).
حدثنا الأشج([71]) ثنا يحيى بن يمان([72]) ثنا حسن بن صالح([73]) عن عبد الله بن الحسن([74]) قال: قال علي للحكمين: (احكما بالقرآن كله فإنه كله لي)([75]).
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي([76]) ثنا الصهيـبي([77]) ابن عم علي بن عاصم([78]) وعلي بن صالح([79]) عن عمران بن حدير عن عكرمة([80]) قال: كان ابن عباس في جنازة فسمع رجلا يقول يا رب القرآن ارحمه فقال ابن عباس: (مه القرآن منه القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود)([81]).
حدثنا محمد بن عمار بن الحارث([82]) ثنا أبو مروان الطبري([83]) بمكة يعنى الحكم بن محمد ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: (سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق) وفي رواية: (منه بدأ وإليه يعود)([84]) وهذا رواه غير واحد عن سفيان بن عيينة عن عمرو([85]) ورواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد([86]).
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا العباس بن عبد العظيم([87]) ثنا رويم بن يزيد المقري([88]) ثنا عبد الله بن عباس([89]) عن يونس بن بكير([90]) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال سئل على بن الحسين عن القرآن فقال: (ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الخالق)([91]).
ورواه أبو زرعة([92]) عن يحيى بن منصور عن رويم فذكره...... حدثنا عبدالله مولى المهلب بن أبي صفرة([93]) ثنا علي بن أحمد بن علي بن جعفر بن محمد([94]) عن أبيه عن جده عن أخيه موسى بن جعفر قال: (سئل أبي جعفر بن محمد عن القرآن خالق أو مخلوق؟ قال: لو كان خالقا لعبد ولو كان مخلوقا لنفد)([95]).
ومثل هذه الآثار كثيرة عن الصحابة والتابعين والأئمة من أهل البيت وغيرهم فعلي رضي الله عنه لم يرد بقوله: (ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرآن) أي ما حكمت كلاما مفترى فإن الخوارج إنما قالوا له حكمت مخلوقا من الناس وهما أبو موسى([96]) وعمرو بن العاص([97]) فقال: (لم أحكم مخلوقا وإنما حكمت القرآن وهو كلام الله)...... فهذا هو مراد علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد وغيرهما من أهل البيت رضوان الله عليهم وسائر سلف الأمة بلا ريب فتبين أن هؤلاء الرافضة مخالفون لأئمة أهل البيت وسائر السلف في مسألة القرآن كما خالفوهم في غيرها)([98]).
وقد وضح الرد على قول الرافضة إنه مجعول فقال: (وأما قولهم: (إنه مجعول) فالله لم يصفه بأنه مجعول معدى إلى مفعول واحد بل قال: )إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا(([99]) فإذا قالوا هو مجعول قرآنا عربيا فهذا حق وأما قوله تعالى: )مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ(([100]) فهذه الآية تدل على أن الذكر نوعان محدث وغير محدث كما تقول ما جاءني من رجل عدل إلا قبلت شهادته وصفة النكرة للتخصيص وعندهم كل ذلك محدث والمحدث في القرآن ليس هو المحدث في كلامهم فلم يوافقوا القرآن.
ثم إذا قيل هو محدث لم يلزم من ذلك أن يكون مخلوقا بائنا عن الله بل إذا تكلم الله به بمشيئته وقدرته وهو قائم به جاز أن يقال هو محدث وهو مع ذلك كلامه القائم بذاته وليس بمخلوق وهذا قول كثير من أئمة السنة والحديث وقد احتج البخاري وغيره على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة»([101]) ومعلوم أن الذي أحدثه هو أمره أن لا يتكلموا في الصلاة لا عدم تكلمهم في الصلاة فإن ذلك يكون باختيارهم ومنهم من تكلم بعد النهي لكن نهوا عن ذلك ولهذا قال: «يحدث من أمره ما يشاء»)([102]).
ثم وضح - رحمه الله - أن القرآن يحكم ويقص ويفتي وذكر أدلة ذلك، فقال: (وهو سبحانه يصف كلامه بأنه يحكم ويقص ويفتي كقوله )إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل(([103])، وكقوله: )وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ(([104]) أي وما يتلى عليكم يفتيكم فيهن وقوله: )وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ(([105]) وإذا أضيف الحكم والقصص والإفتاء إلى القرآن الذي هو كلام الله فالله هو الذي حكم به وأفتى به وقص به كما أضاف ذلك إلى نفسه في غير موضع)([106]).
وقبل أن أختم هذا المبحث فلا بد من بيان اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بجمع القرآن في المصحف حفظًا له من الضياع. قال شيخ الإسلام في بيان سبب جمع القرآن: (لأن الدين كمل واستقر بموته صلى الله عليه وآله وسلم فلم يبق فيه نسخ، ولهذا جمع القرآن بعد موته لكماله واستقراره بموته)([107]).
وقال: (وكان زيد بن ثابت([108]) قد انتدبه قبل ذلك [قبل عهد عثمان] أبو بكر وعمر لجمع المصحف في المصحف، فندب عثمان من ندبه أبو بكر وعمر، وكان زيد بن ثابت قد حفظ العرضة الأخيرة، فكان اختيار تلك أحب إلى الصحابة، فإن جبريل عارض النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن في العام الذي قبض فيه مرتين([109]))([110]).
وقال مبينا أن الاهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه: (كجمع أبي بكر وعمر القرآن في المصحف، ثم جمع عثمان له في المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار، فكان الاهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه)([111]).


([1]) هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري، الذي صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم، وهو من متكلمة الصفاتية، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل السنة، لكن فيها نوع بدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته، لكن له في الرد على الجهمية نفاة الصفات والعلو من الدلائل والحجج وبسط القول، ما يبين به فضله في هذا الباب. الفتاوى 12/ 366، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان 36، المقالات 1/350، 2/225، السير 11/ 174- 176، لسان الميزان 3/290، 291.

([2]) أتباع أحمد بن محمد بن سالم أبو الحسن، وهم والحنبلية كالشيء الواحد إلا في مواضع مخصوصة، وفيهم تصوف، الفتاوى 6/56، الشذرات 3/ 36.

([3]) هم أتباع محمد بن كرام السجتاني وهم إحدى فرق المرجئة، يقولون: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب، وكانوا يثبتون الصفات إلا أنهم ينتهون فيها إلى التشبيه، الملل 1/108، الفرق بين الفرق /215، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين / 67 البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان / 35.

([4]) هو أبو البركات هبة الله بن ملكا، صاحب كتاب «المعتبر في الحكمة» مختلف في اسمه، وفي سنة وفاته، فقيل سنة 547 هـ، وقيل سنة 560 هـ، وقيل: سنة 570هـ، وهو طبيب وفيلسوف، كان يهوديا فأسلم، وكتابه «المعتبر» مطبوع في الهند سنة 1357 هـ، الأعلام 8/ 74، 75، الصفدية تحقيق د. محمد رشاد سالم 1/ 45، جامع الرسائل لابن تيمية (المجموعة الأولى) صـ 180، 181.

([5]) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي من أئمة علماء الكلام، نسبته إلى ماتريد، «محلة بسمرقند» من كتبه «التوحيد»، و«أوهام المعتزلة» و«الرد على القرامطة» و«مآخذ الشرائع» في أصول الفقه، وكتاب «الجدل» ت سنة 333هـ، الأعلام 71/ 19، معجم المؤلفين 11/ 300.

([6]) هو الإمام الكبير شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية الجويني ثم النيسابوري ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف ومنها: الإرشاد في أصول الدين، ت سنة 478، السير 18/ 468- 477، العبر 2/339، الشذرات 3/358- 362، الأعلام 4/160.

([7]) انظر المنهاج 2/358- 363، 3/222، 353، 358- 361.

([8]) لم أجد بهذا الاسم غير الهرواني، وهو محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله الجعفي الكوفي الحنفي، ولد سنة 305 هـ، وحدث ببغداد، قال الخطيب كان ثقة ت سنة 402، وقد عاش 97 سنة، ولم أر من ذكر له كتاب الرد على الجهمية، انظر السير 17/101- 102، تاريخ بغداد 5/472- 473، غاية النهاية 2/177- 178، الشذرات 3/165، العبر 2/203.

([9]) عثمان بن سعيد الدارمي السجستاني، أبو سعيد محدث هرات له تصانيف في الرد على الجهمية ت سنة 280 هـ، تذكرة الحفاظ 2/621، السير 13/ 319، 326، طبقات الحنابلة 1/221، الشذرات 2/176.

([10]) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي، المتكلم رأس الجهمية في وقته، قال الذهبي: وقع كلامه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ فصنف مجلدا في الرد عليه. ت سنة 218، السير 10/199- 202.

([11]) هو عبد الرحمن بن محمد «أبي حاتم» بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي أبو محمد، من كبار حفاظ الحديث له تصانيف كثير منها «الجرح والتعديل» و«الرد على الجهمية» ت سنة 327 هـ، السير 13/263، 269، تذكرة الحفاظ 3/829، 832، طبقات الحنابلة 20/55.

([12]) هو عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي، أبو عبد الرحمن من أهل بغداد حافظ للحديث له «زوائد المسند» ت سنة 290 هـ السير 13/516- 526، طبقات الحنابلة 1/180- 188، تهذيب التهذيب 5/141- 143، الشذرات 2/203، 204، تهذيب الكمال 14/285- 292، تاريخ بغداد 9/375، 376.

([13]) هو أحمد بن محمد بن هانئ الأسكافي الأثرم الطائي، أبو بكر الحافظ، قال عنه الكلبي أحد الأعلام وصنف السنن تلميذ الإمام أحمد، له مصنف في علل الحديث ت سنة 261 هـ، السير 12/623- 628، الشذرات 2/141، 142، طبقات الحنابلة 1/66، 74، تذكرة الحفاظ 2/570- 572، العبر 2/42.

([14]) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري أبو عبد الله، حبر الإسلام والحافظ لحديث الرسول r، ولد في بخارى. سنة 194 هـ ت سنة 256 هـ، السير 12/391- 417، الجرح والتعديل 7/191، تذكرة الحفاظ 2/555- 557، تهذيب التهذيب 9/47- 55، تاريخ بغداد 2/4- 34، طبقات السبكي 2/2- 19، طبقات الحنابلة 1/271- 279، مقدمة الفتح 477 - 493، الشذرات 2/134- 136.

([15]) هو محمد بن إسحاق بن خزيمة الحافظ الحجة، شيخ الإسلام إمام الأئمة أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف، من أشهرها كتاب التوحيد ولد سنة 223هـ، وعني في حداثته بالحديث والفقه، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم، والإتقان، ت سنة 311هـ، انظر، سير أعلام النبلاء 14/365- 382، الجرح والتعديل 7/196، البداية والنهاية 11/149، الشذرات 2/262- 261.

([16]) هو سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، إمام حافظ ثقة محدث الإسلام له مؤلفات عديدة، أشهرها «المعاجم الثلاثة» ت سنة 360هـ، وكتابه «السنة» ذكره الذهبي في السير. انظر السير 16/119- 130، طبقات الحنابلة 2/49- 51، تذكرة الحفاظ 3/912- 917، الشذرات 3/30.

([17]) هو الإمام الحافظ الصادق، محدث أصبهان، أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، المعروف بأبي الشيخ، صاحب التصانيف ولد سنة 274 هـ، ت سنة 369 هـ. قال الذهبي: «لأبي الشيخ كتاب السنة مجلد، وكتاب السنن في عدة مجلدات» السير 16 / 276- 280، الشذرات 3/69، تذكرة الحفاظ 3/945- 947.

([18]) وجدت عالمين كل منهما أبو عبد الله بن منده، ولم أجد لأي منهما كتاب السنة، أما الأول فهو: الإمام الكبير الحافظ المجود محمد بن يحيى بن منده أبو عبد الله جد صاحب التصانيف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق (وهو الثاني وستأتي ترجمته) ولد في حدود سنة 220هـ، ومات سنة 301هـ، ولم أجد من ذكر له كتاب السنة، وقد قال عنه الذهبي «جمع وصنف» وفي طبقات الحنابلة روى عنه قول للإمام أحمد، وهو (من قال: لفظي بالقرآن مخلوق كافر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل). السير 14/182- 193: طبقات الحنابلة 1/328، الشذرات 2/234، والثاني هو الإمام الحافظ الجوال، محدث الإسلام، أبو عبد الله، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، مولده سنة 310 هـ، وله كتاب «الإيمان»، و«التوحيد» و«الصفات» وغيرها ولم أر من ذكر له كتابًا يسمى «السنة» ت سنة 395 هـ، السير 17/28- 43، مقدمة كتاب «الإيمان» لابن منده تحقيق الفقيهي 1/22- 51، طبقات الحنابلة 2/167، البداية والنهاية 11/336.

([19]) هو أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي ولد سنة 384هـ، كان أوحد أهل زمانه في الحفظ والإتقان والفقه والتصنيف، وكان فقيها محدثا أصوليا، له مؤلفات كثيرة منها: «شعب الإيمان»، «ودلائل النبوة» «والسنن الكبرى» والأسماء والصفات، وغيرها، ت سنة 458هـ، السير، 18/ 163، 170، البداية والنهاية 12/94، الشذرات 3/304، 305.

([20]) هو الحافظ الإمام المجود العلامة، شيخ الحرم أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، المعروف ببلده «بابن السماك» الأنصاري الخراساني الهروي المالكي له مصنفات عدة منها «السنة» ت سنة 435 هـ، السير 17/554- 563، البداية والنهاية 12/50، 51، تاريخ بغداد 11/141.

([21]) هو عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري، عالم بالحديث من فقهاء الحنابلة من مصنفاته «الإبانة الكبرى»، «والإبانة الصغرى» توفي سنة 387، طبقات الحنابلة 2/144، العبر 2/171، الشذرات 3/122- 124.

([22]) هو الإمام المحدث القدوة، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجري صاحب التواليف منها «الشريعة» في السنة و«الرؤية» و«الغرباء» وغير ذلك وكان صدوقا خيرا عابدًا صاحب سنة واتباع، ت سنة 360 هـ، السر 16/133- 136، تاريخ بغداد 2/243، الشذرات 3/35، البداية والنهاية 11/270.

([23]) هو الإمام الحافظ المجود أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن منصور الطبراني الرازي الشافعي اللالكائي مفيد بغداد في وقته، قال الخطيب: «كان يفهم ويحفظ وصنف كتابا في السنة» ت سنة 418هـ، السير 17/419- 420، وكتابه «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» حققه د. الغامدي، تاريخ بغداد 14/70، 71.

([24]) هو الشيخ الصدوق الحافظ العالم، صاحب التفسير الكبير أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي الواعظ، ولد سنة 297 ت سنة 385هـ، السير 16/ 431- 435، البداية والنهاية 11/316- 317، وتاريخ بغداد 11/ 265- 268.

([25]) هو الإمام المحقق المحدث الحافظ الأثري، أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلس الطلمنكي «وطلمنك ميلاده» كان من بحور العلم ت سنة 429هـ، قال الذهبي «رأيت له كتابا في السنة في مجلدين عامته جيد» السير 17 / 566- 569، ترتيب المدارك للقاضي عياض 8/32، 33، معرفة القراء الكبار للذهبي 1/385- 387.

([26]) المنهاج 363- 367.

([27]) رواه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب: «يزفون النسلان في المشي» 4/119، ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب: «في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء» 4/2080- 3081.

([28]) المنهاج 2/374- 375.

([29]) انظر المنهاج 2/377.

([30]) انظر المنهاج 2/376.

([31]) المنهاج 3/360، انظر المنهاج 2/373، 374.

([32]) طه آية/14.

([33]) المنهاج 1/456، 457، انظر المنهاج 2/371، 374.

([34]) هو محمد بن شداد بن عيسى المسمعي البصري ثم البغدادي المتكلم المعتزلي من أصحاب النظام له مجالس وكتب، منها «كتب المقالات» ت سنة 279هـ، السير 13/148- 149، اللباب 3/212، ميزان الاعتدال 3/579. الأعلام 6/157.

([35]) المنهاج 2/248، 249.

([36]) هو علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى، أبو القاسم، ويعرف «بالشريف المرتضي» المتكلم الرافضي، صاحب التصانيف، وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة. هلك سنة 436 هـ، لسان الميزان 4/223- 224، العبر 2/272، 273، البداية والنهاية 12/53.

([37]) الزخرف/ 3.

([38]) الأنبياء /2.

([39]) المنهاج 2/249، انظر 2/245، 246.

([40]) المنهاج 2/367، 368، انظر 3/353.

([41]) المنهاج 5/163، 164، انظر 1/69.

([42]) المنهاج 7/415.

([43]) الفتح آية / 3، ولم أجد هذا القول فيما بين يدي من المراجع إلا على أنه قول مردود، بدعوى منافاته للعصمة ولعل هذا من التقية، انظر مثلا: الطبرسي 9/110.

([44]) انظر المنهاج 2/401.

([45]) الإسراء آية /150.

([46]) رواه البخاري كتاب بدء الخلق باب قوله تعالى: )إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً(... إلخ السورة 4/105، 106، وفي كتاب التوحيد باب قوله تعالى: )لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ(8/172، 173، وباب قوله تعالى: )وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( 8/183، 184، وفي كتاب تفسير القرآن سورة البقرة قوله تعالى: )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا( 5/146، 147، ومسلم كتاب الإيمان باب «أدنى أهل الجنة منزلة فيها» 1/180-187، وغيرها من المواضع.

([47]) الفتح آية/ 4، وانظر تفسير ابن كثير 4/183، وقال: «أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به»، ولم أجده فيهما حتى الآن، فتح القدير 5/46.

([48]) المنهاج 2/401- 403.

([49]) المائدة آية /55، انظر: تفسير الطبرسي: 3/210- 211، البرهان: 1/480- 485.

([50]) الرحمن آية / 19.

([51]) الرحمن آية / 22، انظر الطبرسي: 9/201، البرهان: 4/265، 266.

([52]) يس آية / 22، انظر: البرهان / 4/6.

([53]) آل عمران آية /33، ولم أجد هذا القول فيما بين يدي من المراجع.

([54]) هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من قريش، والد علي رضي الله عنه، وعم النبي r وكافله ومربيه ومناصره، توفي قبل الهجرة بثلاث سنوات، من عقلاء قريش وخطبائهم، ومن أسيادهم، نزلت فيه الآية )إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ(
القصص آية /56، الأعلام 4/166، اللباب 2/269.

([55]) التوبة آية / 12، انظر تفسير العياشي 2/77- 79، الطبرسي 5/11، الطوسي 5/214.

([56]) الإسراء آية 60، انظر: العياشي 2/297، الطبرسي 6/434، الطوسي 6/493- 494، البرهان: 2/424، 425، وغيرها.

([57]) البقرة آية 67، وهذا القول لم أجده فيما بين يدي من المراجع.

([58]) الزمر آية 65، انظر: البرهان في تفسير القرآن للبحراني: 4/83.

([59]) هم المنتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وهم من الباطنية ويزعمون أن لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا، فيزعمون أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته... إلخ، وهم زنادقة دهريون، يقولون بقدم العالم وإنكار الإله إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة، الفرق بين الفرق / 28، الملل والنحل 1/191، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان / 62.

([60]) هم أتباع محمد بن نصير النميري «من غلاة الرافضة» ادعى النبوة ثم الربوبية ويزعم أتباعه أن الله يحل في علي، ويعتقدون إباحة المحارم إلى غير ذلك من ضلالاتهم. الملل والنحل 1/188، الفرق بين الفرق / 255، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان / 67، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين / 61.

([61]) المنهاج 3/404، 405.

([62]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/242، شرح السنة للبغوي باب «الرد على من قال بخلق القرآن» 1/187، السنة لعبد الله بن الإمام أحمد تحقيق القحطاني1/151، 152، «خلق أفعال العباد» للبخاري/115، 136، و«الرد على الجهمية للدارمي»/164، «الاعتقاد للبيهقي»/65، «سنن البيهقي الكبرى» باب ما ترد به شهادة أهل الأهواء 10/206، و«الرد على بشر المريسي» للدارمي/19، و«الشريعة» للآجري/77، و«الأسماء والصفات» للبيهقي /317.

([63]) المنهاج/ 245، 246.

([64]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/227، 228، 229، والأسماء والصفات 313، وقال: «هذه الحكاية عن علي t شائعة فيما بين أهل العلم، ولا أراها شاعت إلا عن أصل، والله أعلم».

([65]) هو حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني أبو محمد، قال عنه الخلال: رجل جليل ت سنة 280هـ، وقال الذهبي عنه: «صاحب الإمام أحمد حافظ فقيه نبيل، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة» طبقات الحنابلة1/145، السير 13/244، 245، الجرح والتعديل 3/253.

([66]) هو محمد بن مصفى بن بهلول الحافظ الإمام عالم أهل حمص، ت سنة 246هـ روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه السير 12/94- 96، طبقات الحنابلة 1/325، تهذيب التهذيب 9/460، 461.

([67]) لم أعرفه وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة: لم يذكر بين محمد بن المصفى وعمرو بن جميع أحد.

([68]) هو عمرو بن جميع الكوفي، روى عن الأعمش وغيره، كان على قضاء حلوان، كذبه يحيى بن معين، وقال البخاري: منكر الحديث. لسان الميزان 4/358، 359.

([69]) هو ميمون بن مهران الرقي أبو أيوب فقيه من القضاة، وكان ثقة في الحديث، كثير العبادة، ت سنة 117هـ، السير 5/71- 78، الشذرات 1/154 تذكرة الحفاظ 1/98، 99، البداية والنهاية 9/314.

([70]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/228.

([71]) هو عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج الكندي الكوفي، المفسر الحافظ الإمام الثبت، ت سنة 257هـ، السير 12/182- 185، الخلاصة 2/61.

([72]) هو يحيى بن اليمان العجلي الكوفي، أبو زكريا حافظ مفسر، كان ثقة كثير الحفظ سريعه، ت سنة 189هـ، تذكرة الحفاظ 1/268، السير 8/356، 357، ميزان الاعتدال 4/416، الشذرات 1/325.

([73]) هو الحسن بن صالح بن حي الفقيه الهمداني ولد سنة 100 هـ، وت سنة 169 هـ، وقيل: 167هـ، التاريخ الكبير 2/295، تهذيب الكمال 6/177- 191.

([74]) هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو محمد ثقة جليل القدر ت سنة 145هـ روى له الأربعة انظر التقريب/ 300 الخلاصة 2/49.

([75]) لم أجده بهذا اللفظ.

([76]) هو أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي حافظ الحديث من أقران البخاري ومسلم ت سنة 377هـ، انظر تاريخ بغداد 2/73، طبقات الحنابلة 1/284، تهذيب التهذيب 9/ 31.

([77]) لم أجده.

([78]) هو علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي مولاهم صدوق يخطئ، ويصر، ورمي بالتشيع ت سنة 201هـ، وقيل بعدها، روى له الإمام مسلم والأربعة، تقريب التهذيب /402، الخلاصة 2/250.

([79]) هو عمران بن حدير بمهملات مصغرًا السدوسي أبو عبيدة، ثقة، توفي سنة 149هـ، روى له مسلم وغيره، تقريب التهذيب / 429، الخلاصة 2/300.

([80]) هو أبو عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير ت سنة 104هـ، وقيل بعدها، روى له الجماعة، تقريب التهذيب/ 397، الخلاصة 2/240.

([81]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/230- 231، الأسماء والصفات /312، شرح السنة 1/185، 186.

([82]) هو محمد بن عمار بن الحارث، أبو جعفر، من أهل الري، قال ابن أبي حاتم: «كتبت عنه وهو صدوق ثقة» الجرح والتعديل 8/43، الثقات لابن حبان 9/138.

([83]) هو الحكم بن مروان الطبري، أبو مروان نزيل مكة صدوق وثقه ابن حبان ت سنة مائتين وبضعة عشر، تقريب 176، الخلاصة 1/246.

([84]) هو عمرو بن دينار ثقة ثبت ت سنة 126 هـ، تقريب التهذيب /421، والأثر في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/134، السنن الكبرى للبيهقي باب «ما ترد به شهادة أهل الأهواء» 10/205، صريح السنة للطبري /19، الأسماء والصفات / 315، العلو للذهبي / 115 الرد على المريسي/ 116، 117، الاعتقاد للبيهقي /64، الرد على الجهمية للدارمي /163، شرح السنة «باب الرد على من قال بخلق القرآن» 1/186.

([85]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/234، الأسماء والصفات /315، العلو / 115، وقال: «وقد تواتر هذا عن ابن عيينة»، التاريخ الكبير للبخاري 2/332، شرح السنة «باب الرد على من قال بخلق القرآن» 1/186.

([86]) صـ 11، «تحقيق بدر البدر».

([87]) عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل العنبري أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، ت سنة 240، تقريب التهذيب / 293، الخلاصة 2/35، وفيه ت سنة 246هـ.

([88]) رويم بن يزيد أبو الحسن المقري، ثقة سكن بغداد، ت سنة 211 هـ، تاريخ بغداد 8/429، 430.

([89]) عبد الله بن عياش بن عباس القتباني أبو حفص الإمام العالم الصدوق، ت سنة 170هـ، انظر السير 7/333، 334، الكنى والأسماء لمسلم 1/202، والثقات لابن حبان 7/51، تهذيب الكمال 15/410- 412، الخلاصة 2/86.

([90]) يونس بن بكير بن واصل الشيباني، صدوق يخطئ ت سنة 199هـ، تقريب التهذيب /613، الخلاصة 3/192.

([91]) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد 1/153، شرح أصول اعتقاد أهل السنة 1/236، 237، الأسماء والصفات /316، الاعتقاد للبيهقي /65.

([92]) هو الإمام سيد الحفاظ محدث الري عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد، أبو زرعة، من حفاظ الحديث، ولد بعد نيف ومائتين، ت سنة 264هـ، السير 13/ 65- 85، الجرح والتعديل 1/328- 349، 5/324، 326.

([93]) عبد الله بن عثمان بن عطاء الخرساني الرملي، هو مولى آل المهلب بن أبي صفرة الأزدي، قال ابن حبان: «يعتبر حديثه إذا روى عنه غير الضعفاء»، وقال الذهبي: «ليس بذاك» التاريخ الكبير 5/146، 147، الثقات 8/347، تهذيب الكمال 15/286، 287، الكاشف 2/97، تهذيب التهذيب 5/317.

([94]) لم أجده فيما بين يدي من المراجع.

([95]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/243.

([96]) هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار أبو موسى الأشعري صحابي مشهور أمّره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، ت سنة 50 هـ، وقيل بعدها، تقريب التهذيب /318، الخلاصة 2/89، وفيه عبد الله بن قيس بن سليمان وفيه ت 42هـ.

([97]) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي، الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية ولي مصر مرتين، ت سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين، روى له الجماعة تقريب التهذيب /423، الخلاصة 2/288.

([98]) المنهاج 2/251- 256.

([99]) الزخرف آية / 3.

([100]) الأنبياء آية / 2.

([101]) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله عز وجل )كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(
8/207 عن ابن مسعود معلقًا، والنسائي كتاب السهو باب «الكلام في الصلاة» 3/19، المسند تحقيق أحمد شاكر 5/200، وقال: «إسناده صحيح».

([102]) المنهاج 2/256، 257.

([103]) النحل آية/ 76.

([104]) النساء آية / 127.

([105]) البقرة آية / 213.

([106]) المنهاج 2/251- 255.

([107]) المنهاج 1/83.

([108]) زيد بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري أبو سعيد وأبو خارجة صحابي مشهور من كتاب الوحي. قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، ت سنة 45هـ، أو 48 هـ، وقيل: بعد الخمسين، تقريب التهذيب / 222، الخلاصة 1/ 350.

([109]) رواه البخاري كتاب فضائل القرآن باب «كان جبريل يعرض القرآن على النبي r» 6/101، 102، ومسلم في فضائل الصحابة باب (فضائل فاطمة) 4/1904، 1905، وغيرهما.

([110]) المنهاج 6/252- 253.

([111]) المنهاج 7/424.


عقيدة الشيعة الإمامية  في القرآن


ؤ من الإشادة بالجهد الذي بذله فضيلة الشيخ ناصر القفاري –حفظه الله- عند إخراجه رسالته لنيل درجة الدكتوراة في عقيدة الشيعة الإمامية. فالمطلع على هذه الرسالة يرى أنه اطلع على كثير من كتبهم وقرأ الكثير منها، ونقل لنا خلاصتها، ولذا فإن من يقرأ هذه الرسالة الموسومة ب: (أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية – عرض ونقد )، يكاد يلم بهذا المذهب. ولذلك فإنك سوف تجدني أكثر   النقل منه وحق لنا أن ننقل منه !. وقد يقول قائل: لما ذا الإمامية بالذات من بين فرق الشيعة ؟ والجواب: أن يقال إن الشيعة الإمامية يكاد يكون مذهبهم هو الغالب الآن بين الشيعة. وثانياً: أن دولة إيران تتبنى هذا المذهب وتدعو إليه وسفاراتها في الدول بمثابة مراكز دعوة لهذا المذهب !. ثالثاً:  عظم تأثيرها في الأمة بما تحمله من أفكار وعقائد.

-وسوف نستعرض  عقيدة الشيعة الإمامية في القرآن، وفي الحقيقة هي جملة من العقائد، نستعرضها واحدة واحدة ونستعين بمولانا في بيان بطلانها وفسادها:

 أ- اعتقادهم وقولهم: بأن القرآن ليس بحجة إلا بقيم.

ففي أصول الكافي للكليني: (... إن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم.. وأن علياً كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله ) [ أصول الكافي: 1/188].  ومعنى ذلك أن النص القرآني لا يمكن الاحتجاج به إلا بالرجوع إلى الإمام !، ومؤدى كلامهم ولازمه أن أن القرآن بنفسه ليس بحجة  بل لا بد من إمام يبين معانيه ويسفر عن مرامه، !. وهو قولٌ لم يسبقه إليهم أحد من طوائف المسلمين. ولذلك فهم يروون عن علي رضي الله عنه  أنه قال: ( هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق ) [ الحر العاملي / الفصول المهمة ص 235]. وفي أصول الكافي: ( ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم، أخبركم عنه.... ) [ أصول الكافي  1/61].  وحاصل كلامهم: أن كلام إمامهم أفصح من كلام الرحمن وأبين !. ولاشك أن هذا القول مصادم لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم. وفساد هذا القول يُعلم بتصوره وعرضه علىالنصوص.

يقول الشيخ القفاري عن هذه المصادمة والمخالفة الصريحة قال: إنها أقوال يضرب بعضها ببعض، وهو برهان أكيد على أنها من وضع زنديق يريد إفساد دين المسلمين. [أصول مذهب الإمامية 1/129].

 ب- اعتقادهم بأن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن لا يشركهم فيه أحد.

 تحرير المسألة:

نزل القرآن بلغة العرب وبالتحديد بلغة قريش، وأعجزهم ببيانه وفصاحته، وكان الواحد منهم إذا سمع آية منه فهم المراد منها إلا جوانب يسيرة يُشكل معناها عليهم فيبينها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصحابة نزل عليهم القرآن، وشاهدوا مواقع التنزيل، وحضروا الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فكانوا أولى و أجدر من غيرهم في فهم معاني القرآن ومعرفة المراد منه. فإذا جاءنا مدعي وقال إن معاني القرآن لا تعلم إلا عند آل البيت، أو عند الطائفة الفلانية. رددنا عليه قوله؛ وقلنا: وما ذا كان يصنع الناس قبل وجود طائفتكم هل كانوا على ضلالة ؟ فإن قالوا:نعم. فقد كذبوا. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة.

والشيعة الإمامية تدعي أن لدى أئمتها علم في معرفة معاني القرآن لا يشركهم فيه أحد ولا يعرفه غيرهم، ويتبين هذا بالرواية التالية  التي وضعها ابن سبأ قال: ( أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي ) [الجوزجاني / أحوال الرجال ص 38]. وفي تفسير فرات: (... إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره، فالاهتداء بنا وإلينا ) [تفسير فرات ص 91/ ووسائل الشيعة 18/149]  . وفي الكافي والبحار –وهي من أعظم كتبهم – مجموعة من الأبواب التي رتبوا عليها أحاديث كثيرة:

-         باب: أهل الذكر الذين أمر اله الخلق بسؤالهم هم الأئمة. [أصول الكافي: 1/210].

-          باب: إنهم [أي الأئمة] خزان الله على علمه. [البحار 26/ -105].

-         وفي وسائل الشيعة للحر العاملي: باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية وظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الائمة رضي الله عنهم. وفيه ثمانون حديثاً من أحاديثهم. [وسائل الشيعة  18/129-152].

-         قلت: وهذه الفرية منقوضة، فندها علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فعن أبي جحيفة( سألت علياً: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطيه الله الرجل في كتابه... الحديث ) والحديث مخرج في البخاري. وهذا السؤال من أبي جحيفة بعدما أشيع أن أهل البيت اختصوا بعلم وفهم للقرآن لا يشركهم فيه أحد. وبظهور هذه العقيدة، فإنها تحيل بين الشيعة وبين معرفة ما أراد الله من عباده معرفته، إذ أنها تسوغ لأئمتهم وعلمائهم أن يحدثوا في دين الله ما شاءوا فيصدونهم عن الحق المبين  .

 ت- اعتقادهم  أن قول الإمام ينسخ القرآن، ويقيد مطلقه، ويخصص عامه.

وهذه عقيدة تخفى على كثير من الناس، وهي أن الإمام عند الشيعة الإمامية له حق نسخ القرآن، وله حق أن يقيد ما أطلقه القرآن، وله حق أن يخصص ما عممه القرآن ‍‍‍!. وعند التأمل نجد أن هذه العقيدة محصلة للعقيدة الأولى التي سقناها وهي أن القرآن ليس بحجة إلا بقيم. والقيم هو الإمام الذي يبين غامضه ويحل إشكاله، ويصرف ظاهره إلى معنى آخر. ومن كان كذلك فإنه لا يمنع من نسخ بعض آي القرآن أو تقيد مطلقه أو تخصص عامه، مادام أنه هو القيم !. والحق أقول: أنني كنت سابقاً اتعجب من تأويلات الشيعة الإمامية لنصوص الكتاب والسنة، ولكن بعد إطلاعي على هذه العقيدة زال عجبي وعلمت أن بيان القرآن والسنة عند الشيعة ليس إلى القرآن وليس إلى الله، بل إلى علمائهم وأئمتهم !!.

يقول المازندراني في شرحه على الكافي: ( أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله عزوجل، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قول الله تعالى ) [2/272].

ويقول أحد المعاصرين هو: محمد حسين كاشف آل الغطاء: ( أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه –سلام الله عليه -  أودعها عند أوصيائه: كل وصي يعهد به إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة من عام مخصص، او مطلق أو مقيد، أو مجمل مبين، إلى أمثال ذلك. فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلاً بل يودعه عند وصيه إلى وقته ) [أصل الشيعة ص 77].

قلت: وقولهم ذا يقتضي أن محمد صلى الله عليه وسلم توفي ولم تكتمل شريعته، والله أخبر أنها قد كملت: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ). ونحن أمامنا كتاب الله يخبرنا أن الشريعة قد كملت، وأمامنا نصوص الشيعة الإمامية التي تدل على أن أئمتهم عندهم علم مودع يظهر في حينه ووقته!. فهل نترك كتاب ربنا لخزعبلات وبواطيل ؟!.

قال أبو جعفر اننحاس في الناسخ والمنسوخ: وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام ينسخ ما شاء.  فقال أبو جعفر بعد أن بين أن شنع على هذه المقالة وعدها من الكفر، قال: لإن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم  إلا بالوحي من الله عزوجل، إما بقرآن مثله على قول، وإما بوحي من غير القرآن، فلما ارتفع  هذان بموت النبي صلى الله عليه وسلم، ارتفع النسخ )  ( ص8-9).

ث-  اعتقاد الشيعة بأن للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهرة:

إن تفسير القرآن بمعانٍ أخرى غير  ما دلت عليه ظواهر الآيات، طريق الفلاسفة والملاحدة الذين أخضعوا نصوص القرآن لما توصلت إليه فلاسفة اليونان ونظارهم من مقدمات ونتائج وأفكار، ولما حصلوه بأنفسهم من خواطر نفسية، وأوهام وخيالات. فجعلوا للقرآن ظاهر وباطن؛ فالظاهر لعوام الناس، والباطن للخواص !.

وطريقة جعل القرآن له ظاهر وباطن، لا يمكن أن تأتي بها شريعة من الشرائع، وحتى الرسل الذين كانوا يُرسلون إلى أممهم بخاصة لم  يفرقوا في دعوتهم بين الخواص والعوام، ولم تكن التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب لفئة معينة، فكيف بالقرآن الذي نزل لهداية الجن والإنس إلى صراط الله المستقيم، فهل يعقل أن يقال إن له معانٍ ظاهرة وباطنة، ثم يختص الشيعة بمعرفة معانيها الباطنة دون الناس كلهم !!، هذا لا يمكن بحال؛ إلا أن يقولوا بمقولة اليهود بأنهم شعب الله المختار !.

وجعل القرآن له ظاهر وباطن طريقة تحير الناس وتجعلهم في شك من قبول ظواهر النصوص القرآنية، بل حتى الشيعة أنفسهم قد يتردد الواحد منهم في قبول النص القرآني حتى يسأل إمامه عن معناه الباطن !. ونحن لا نتجنى على القوم، وإليك نصوص أئمتهم وعلمائهم في هذا:

-جاء في أصول الكافي: (... عن محمد بن منصور قال: سألت عبداً صالحاً [يعنون به: موسى الكاظم ] عن قول الله عز وجل: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن }. قال: إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور[وأئمة الجور عندهم: كل ما عدا أئمتهم فهم أئمة جور ]، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق !. [أصول الكافي: 1/374].

-بل يظهر هذا جلياً في الرواية التالية:  عن جابر الجعفي قال: ( سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت: جعلت فداك كنت قد أُجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم، فقال لي: يا جابر. إن للقرآن بطناً، وللبطن بطناً وظهراً، وللظهر ظهراً يا جابر... إلخ )  [تفسير العياشي 1/11].

ج-  اعتقادهم بأن جل القرآن نزل فيهم وفي اعدائهم: 

يزعم الشيعة أن جل القرآن إنما نزل فيهم (أي في  أئمتهم الاثني عشرية) وفي أوليائهم، وفي اعدائهم. [تفسير الصافي 1/24 ]. وبهذا القول يتبين لنا بطلان زعمهم فإننا نقرأ القرآن  ولا نجد ما يزعمونه، بل  لا نجد ذكر أئمتهم لا من قريب ولا من بعيد، فكيف يقال جل القرآن نزل في أئمتهم وفي اعدائهم !!. إلا إذا حرفوا القرآن وقلبوا ظاهره وجعلوا له معانٍ باطنة،فسيستقيم لهم ما يريدون، وهذا هو عين ما فعلوه.

-يقول أبو الحسن الشريف –أحد شيوخهم-: ( إن الأصل في تنزيل آيات القرآن إنما هو الإرشاد إلى ولاية النبي والأئمة –صلوات الله وسلامه عليهم- بحيث لا خير خبّر الله به  إلا وهو فيهم وفي أتباعهم وعارفيهم، ولا سوء ذكر فيه إلا وهو صادق على أعدائهم وفي مخالفيهم ) [مرآة الأنوار (مقدمة البرهان) ص 4 ].

-ويقول:  الفيض الكاشاني: (وردت أخبار جمة عن أهل البيت في تأويل كثير من آيات القرآن  بهم وبأوليائهم، وبأعدائهم حتى أن جماعة من أصحابنا صنفوا كتباً في تأويل القرآن على هذا النحو جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل القرآن آية آية، إما بشيعتهم، أو بعدوهم على ترتيب القرآن....) [الكاشاني/ تفسير الصافي: 1/24-25].

 قال الشيخ ناصر القفاري –حفظه الله- رداً على زعمهم السابق-: (...  أنك لو فتشت في كتاب الله وأخذت معك قواميس اللغة العربية كلها وبحثت عن اسم من أسماء هؤلاء الاثني عشر فلن تجد لها ذكراً، ومع ذلك فإن شيخهم البحراني يزعم بأن علياً وحده ذكر في القرآن (1154) مرة ويؤلف في هذا الشأن كتاباً سماه: (اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية )[طبع في المطبعة العلمية بقم 1394ه] يحطم  فيه كل مقاييس لغة العرب، ويتجاوز فيه أصول العقل والمنطق، ويفضح من خلاله قومه على رؤوس الأشهاد بتحريفاته التي سطرها في هذا الكتاب...)  (أصول الشيعة الإمامية الاثني عشرية 1/156).

 ح- نماذج من تأويلات الشيعة للقرآن الكريم:

اعلم أن الصحابة رضي الله عنهم جميعاً لم يُشكل عليهم فهم القرآن، فهو قد نزل بلغتهم أي بلغة العرب، وبالتحديد بلغة قريش، وكان الصحابة إذا أشكل عليهم فهم آية يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرهم بمراد الله منها، وأما أغلب آيات القرآن فكانوا يفهمونها حين نزولها على ما تقتضيه اللغة العربية. ولم يُحتج إلى التفسير إلا بعد القرون المفضلة –فيما أعلم -. وطريقة السلف للتفسير وهي الأصح والأسلم: أنهم كانوا يفسرون القرآن بالقرآن، فإن لم يوجد في القرآن طلبوا تفسيره في السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبوا تفسيره من أقوال الصحابة وما قالوا في تفسير الآية، وإن لم يجدوه في تفسير الصحابة وتأويلهم، ذهب بعض العلم إلى الأخذ بأقوال التابعين.

هذه هي الطريقة السليمة في تأويل كلام الله، ولكن الشيعة لم تسلك هذا المسلك ولم ترتضه ديناً، بل اعتمدت في تفسيرها لآيات الله على أحاديث أسانيدها منقطعة، أو رواتها مجاهيل لا يعرفون، أو أقوال أئمتهم ليس لها زمام ولا خطام... إلخ. ولا شك أن هذه الطريقة لا يمكن الاعتماد عليها بحال في تأويل كلام الله، ولكن ما ذا نفعل بالشيعة التي سلكت في هذا الباب مسالك القول على الله بغير علم، والافتراء على الله. 

وسوف نسوق بعض تأويلهم للآيات، ورغبة في الاختصار فإننا لن نسوق أقوال السلف في تفسير الآية فمظانها معروفة. فمن تأويلاتهم للآيات:

-           في قوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } قالوا: إنه علي. [اللوامع النورانية في أسماء علي وأهل بيته القرآنية: هاشم البحراني: ص321-323].

-          في قوله تعالى: {والشجرة الملعونة في القرآن } قالوا: بأنها بنو أمية. [تفسير القمي: 2/12، تفسير العياشي:2/29، تفسير الصافي: 3/199-202، البرهان: 2/424.. ].

-         في قوله تعالى: {فقاتلوا آئمة الكفر }  قالوا: المراد بها طلحة والزبير –رضي الله عنهما- !! [البرهان 2/106-107، تفسير الصافي: 2/324، تفسير العياشي: 2/77-78].

-         وفي قوله تعالى: {وقال الشيطان لما قُضي الأمر } قال أبو جعفر: هو الثاني وليس في القرآن شيء. وقال الشيطان إلا وهو الثاني. [يريد بذلك عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-] [تفسير العياشي:2/223، وتفسير الصافي: 3/84، وبحار الأنوار 3/378]. وفي الكافي عن أبي عبد الله قال: (وكان فلان شيطاناً )، قال المجلسي في شرحه على الكافي: المراد بفلان عمر ) [الكافي المطبوع بمرآة العقول: 4/416]

-         وفي قوله تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد } قال أبو عبد الله: -كما يزعمون-: يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد !!!. [تفسير العياشي: 2/261، والبرهان في تفسير القرآن: 2/373، وتفسير نور الثقلين: 3/60].

-         وفي قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم }: هو أمير المؤمنين عندهم [تفسير القمي: 1/28].

  واكتفي بهذا القدر من تأويلات الشيعة التي يعلم المسلمون بطلانها وفسادها.

والله الهادي إلى صراطه المستقيم.

 10 -  عقيدة الشيعة في القرآن: هل القرآن ناقص أو محر ف أو مبدل ؟  (2).

هل الشيعة تقول بأن كتاب الله الذي بين أيدينا ناقص أو محرف ومبدل ؟.

  بادي ذي بدء يجب أن لا نعمم الحكم على جميع الشيعة بأنهم يقولون بهذه المقالة، وهذا من العدل والإنصاف الذي أمرنا به الله جل في علاه.  فالشيعة المتقدمين أكثرهم لم يقولوا بهذه المقالة، وكذا هناك فرق من الشيعة لا تقول بذلك، ومنها الزيدية، وقد يكون هناك أفراد منهم يقولون بذلك، ولكن لا يكون هذا حكماً عاماً ينسحب على الطائفة كلها. وأغلب المتأخرين يقولون بهذه المقالة الشنيعة وإن كان فيهم أفراد ينكرون هذا القول ويأباه.

ودراستنا لهذه المقالة التي اشتهرت عن الشيعة لا لأجل الرد عليها، لأن الله تكفل بحفظ كتابه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. فلا خوف علىكتاب الله من التحريف والتبديل ما دام أن الذي أنزله تكفل بحفظه. ولكن نريد أن نبين نسبة هذه المقالة إلى الشيعة من كتبهم ورسائلهم.

وقبل ذكر مصادرهم يحسن بنا أن نعرج على ما قاله أهل السنة في هذه الفرية الشنيعة. قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (المولود سنة 271ه): لم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون شرف القرآن وعلو منزلته.. حتى نبغ في زماننا هذا زائغ عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة.. فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان-رضي الله عنه- باتفاق أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف... (ثم قال ابن الأنباري: ) وأخذ هذا الزنديق يقرأ آيات من القرآن على غيره وجهها زندقة وإلحاداً فكان يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر [بسيف علي] وأنتم أذلة !!)[تاريخ بغداد 3/181-186].  وكلام الملطي (ت377ه) يشير إلى أن هذا الزنديق هو هشام بن الحكم [المطلي/ التنبيه والرد: ص 338]، فهو قد زعم بأن القرآن الذي بأيدي الناس من وضع عثمان، وقال بالتجسيم، وله أمور كثيرة منكرة.

وجنوح الشيعة الغلاة إلى هذه الفرية، هو إيجاد مستند لهم في إثبات الإمامة؛ لإن القرآن ليس فيه ذكر للإمامة والأئمة لا من قريب ولا من بعيد، فأحدثوا هذا القول حتى يقولوا إن ذكر الإمامة والأئمة في الآيات التي سقط أو حُرف وبُدل !.

 و هذا المبحث وإن طال –بعض الشيء- سوف نتكلم عن عدة أمور وهي:

1-                التطور التأريخي لهذه العقيدة.

2-                هل لدى الشيعة مصحف آخر غير الذي بين أيدينا، يتلونه ويتدارسونه بينهم  ؟.

3-                هل الشيعة مجتمعة على هذه العقيدة ؟.

فأولاً: التطور التأريخي لعقيدة أن القرآن ناقص وفيه تحريف وتبديل.

 أول مصدر من مصادر الشيعة يطالعنا بهذه الفرية هو كتاب سليم بن قيس الهلالي المتوفي سنة (90ه). وقد سبق الكلام عن هذا الكتاب، وذكرنا أن الشيعة كفتنا مؤنة إبطال هذا الكتاب وبيان زيفه -مع ضعف ناقله وهو أبان بن عياش المتفق على ضعفه-، ومع ذلك فهذا الكتاب معظم عند أكثرهم، ومن طريقه ظهرت بعض العقائد.

وفي هذا الكتاب أول إشارة إلى فرية التحريف ولكنها لم تكن صريحة، فقد جاء في كتاب سليم: ( أن علياً لزم بيته حتى جمعه وكان في الصحف والرقاع ) [كتاب سليم بن قيس: ص 81] وفي رواية أخرى بينت سبب تأخر علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- عن إجابة أبو بكر الصديق والمسارعة في بيعته قال –أي: علي بن أبي طالب-: (إني آليت ألا آخذ ردائي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن، فجمعه) وقد ضعف ابن حجر هذه الرواية في فتح الباري [9-12-13].  ولنا على هذه الرواية الضعيفة ملاحظتان:

  الأولى: أن الجمع الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، ليس صريحاً في أنه يجمع قرآناً غير الذي بأيدينا، فقد يكون علياً يجمع مصحفاً لنفسه، كما كان عند ابن مسعود مصحفاً خاصاً به.

الثانية: أن هذه الرواية تنسف ما يقرره الشيعة من أن تأخر علي رضي الله عنه كان من أجل أن الصحابة غصبوا حقه في الخلافة وعهدوا بها إلى أبي بكر الصديق. ففي هذه الرواية أن تأخر علي رضي الله عنه كان من أجل جمع القرآن !!. ولكن الشيعة كما قال الشيخ ناصر القفاري عنهم:  (...وهذه سمة مطردة في كثير من المسائل التي يريدون إثباتها.. حيث يثبتونها من وجه تنتفي معه العقيدة الأخرى  ) [أصول مذهب الشيعة: 1/236].

المرحلة الثانية:

توضحه روايات ذكرها الطبرسي (صاحب كتاب الاحتجاج)-وسوف يأتي بيانه- حيث تبين هذه الروايات أن أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب حاولا قتل علي بن أبي طالب !!، ولما لم يقدرا على ذلك حاولا استدراج علي بن أبي طالب وأخذ القرآن الذي معه لاتلافه أو تحريفه ولكنهما عجزا عن ذلك.

وسأل عمر عن هذا المصحف متى أوان ظهوره ؟ فقال –أي:علي – ( إنه سيظهر مع القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به ) [الاحتجاج للطبرسي 1/225-228 ط: النجف ].

وهنا تكمن عدة أسئلة:

1-                مادام أن محاولات الشيخان والصحابة باءت بالفشل، فلم لم يظهر علي المصحف المذكور ؟

2-                ثم لما ذا لم يخرج علي رضي الله عنه هذا المصحف في فترة خلافته، وقد أمن ؟.

3-                والمهم في الأمر أنه كيف تُترك الأمة طوال هذه القرون الطويلة وهم بدون هداية، وهم يقرؤون كتاب محرف مبدل ناقص. وهل هذا من الأمانة، وهل هذا إلا غش للأمة  ؟. إن من يتأمل في هذه الروايات يجزم أن هذه الروايات مصنوعة لخدمة المذهب الشيعي،وإلا كيف ننسب لعلي بن أبي طالب هذه اللوازم التي لا محيد عنها ! ؟.

ولقد عجز الشيعة عن الأجابة عن هذه المسائل المحرجة، وتخلص شيخهم نعمة الله الجزائري بجواب، تصوره كافٍ في بيان فساده وبطلانه. قال: (ولما جلس أمير المؤمنين –عليه السلام- على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاءه هذا لما فيه من إظهار الشناعة على من سبقه ) [الأنوار النعمانية: 2/362]. أي: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه،  راعى شعور من سبقه من الصحابة ولم يظهر هذا المصحف لمافيه من إظهار الشناعة عليهم، ولا يهم بعد ذلك أن تضل الأمة قروناً طويلة حتى يخرج المهدي !!.

وهنا كلامٌ جميل لم استطع تجاوزه، قال الشيخ القفاري: (ومعنى هذا أن الأمة ضائعة كل هذه القرون الطويلة.. منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليس معها إلا ثلث كتابها.. والأئمة تقف موقف المتفرج.. لديها القرآن الكامل –كما يزعمون – ولا تبلغه للأمة، لتتركها أسيرة ضلالها، لا تعرف وليها من عدوها، وتعدهم بظهوره مع منتظرهم، وتمر آلاف السنين ولا غائب يعود، ولا مصحف يظهر فإن كانت الأمة تهتدي بدونه فما فائدة ظهوره مع المنتظر، وإن كان أساساًً في هدايتها فلماذا يحول الأئمة بينه وبين الأمة، لتبقى الأمة في نظر هؤلاء حائرة ضالة تائهة، وهل أنزل الله سبحانه كتابه ليبقى أسيراً مع المنتظر لا سبيل للأمة الوصول إليه؟ مع أن الله سبحانه لم يترك حفظ كتابه لا لنبي معصوم ولا لمنتظر موهوم، بل تكفل بحفظه سبحانه  )  [أصول مذهب الشيعة الإمامية: 1/248]..

المرحلة الثالثة:

جاءت هذه  المرحلة لبيان ماهية الناقص من القرآن الذي بأيدينا، وقد صرحوا بذلك، وزعموا أن الجزء الناقص من القرآن فيه ذكر النص على الإمامة، وذكر الأئمة الاثني عشر من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

جاء في بعض الروايات: ( لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه لما خفي حقنا على ذي حجى ) [البرهان -المقدمة-ص 37، وبحار الأنوار: 19/30، وتفسير الصافي: 1/41].

وأخرى تقول: (لو قريء القرآن كما أنزل لألفينا مسمين به )[تفسير العياشي: 1/13، بحار الأنوار: 92/55، وتفسير الصافي: 1/41].

وقد افتروا على الله سورة الولاية يتداولونها بينهم، ويزعمون أنها مما نقص من القرآن، ومن قرأ العربية، ويقرأ هذه السورة المزعومة يعلم أنها من جنس قرآن مسيلمة الكذاب شيطان اليمامة. [انظر: الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب: ص 12 حيث نشر هذه السورة وأخبر أنها مصورة من مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق براين ].

المرحلة الرابعة:

وهي بمثابة توطيد هذه الفرية وتمكينها في المعتقد الشيعي، وقد تزعم هذه المرحلة بعض شيوخ القرن الثالث والرابع، حيث قاد زمامها شيخهم علي بن إبراهيم القمي، وتبعه تلميذه الكليني، فعملا علىنشرها في كتبهم. وقد اتخذت هذه المرحلة إقحام بعض الكلمات التي تدعم قولهم بالنص على الإمامة وذكر الأئمة في القرآن الذي بأيدينا وزعم أنه من القرآن ولكنه أًسقط على أيدي الصحابة، بناء على ما يعتقدونه في القرآن من النقص، قال  المازندراني شارح الكافي: (إن آي القرآن ستة آلاف وخمسمائة، والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف )[شرح جامع للكافي: 11/76].

 وطريقة إقحام الكلمات في نصوص القرآن تتخذ الشكل التالي:

-          فالكلمات التي فيها لفظ: (أنزل الله إليك) أو: (أنزلنا إليك )  يجعلون بعدها لفظ: (في علي ).  وشاهد ذلك ما يرويه الكليني عن القمي بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد:-بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في علي)بغياً -. [أصول الكافي: 1/417].

-         والكلمات التي  فيها لفظ: (اشركوا أو كفروا) يأتون بعدها لفظ (في ولاية علي ).   ففي قوله تعالى: ( فلنذيقن الذين كفروا ) [يزيدون] (بتركهم ولاية أمير المؤمنين عليه السلام  عذاباً شديداً في الدنيا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ). [سورة فصلت آية 27(والتحريف من الكافي: 1/421)]

-         والكلمات التي فيها ذكر (أمة)، يجعلونها (أئمة ). فقالوا في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس ) يجعلونها (خير أئمة أخرجت للناس )[تفسير القمي: 1/110]

المرحلة الخامسة:

وهذه المرحلة فاقت كل المراحل بشدة إظهار هذه الفرية وإشاعتها في المذهب الشيعي، وحمل لوائها كثير من مشايخة الشيعة في زمن الدولة الصفوية، فقد تجرأ شيوخ الشيعة في هذه الفترة علىالتصريح بهذه الفرية لأمنهم من العقوبة ولا رتفاع التقية قليلاً.

ولذا تجد في كلام (المجلسي، ونعمة الله الجزائري، وأبي الحسن الشريف، والمازندراني، والكاشاني ) ممن عاش في القرن السادس، ما لا تجده عند غيرهم وسبقوهم في القرن الرابع. –وسوف نأتي بكلامهم في حلقة قادمة إن شاء الله –

 وفائدة القول:

إن الشيعة في أول أمرها لم تعرف هذه المقالة النكراء، ولم تتكون كعقيدة إلا في أواخر القرن الثاني وبداية الثالث تقريباً، ولم يعرف في صدر الإسلام هذه المقالة الشنيعة من الشيعة إلا بعد زمن.  والمشهور عنهم في أول أمرهم وكلامهم حول الإمامة، أما زعمهم بنقص القرآن وتحريفه فلم يعهد إلا بعد مدة من الزمن.

ثانياً:  هل لدى الشيعة مصحف آخر غير الذي بين أيدينا، يتلونه ويتدارسونه بينهم  ؟  

نشر محب الدين الخطيب في الخطوط العريضة (ص12) صورة فوتغرافية لسورة الولاية، وقال إنها مصورة من مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق (براين ). وهذه السورة مما يدعي الشيعة أنها مما نقص من القرآن.

وكثير من الشيعة إذا حدثتهم بهذا ينكرونه إما جهلاً بمذهبهم أو تقية وهم الأكثر. ولكن سوف نخاصمهم بكتب أئمتهم والتي أُلفت لهم وبها يتدارسون وبها يعملون، فلا تقية حينئذٍ. وقبل ذكر هذه الروايات نود أن نوضح أن أخبارهم في هذه المسألة اتخذت ثلاثة إتجاهات:

الاتجاه الأول:  أخبار جاءت بالأمر بقراءة القرآن الذي بين أيدينا والعمل به حتى يقوم القائم (مهديهم المنتظر ). ومن نصوص هذا الاتجاه ما يحدث به المفيد قال: (إن الخبر قد صح من أئمتنا –عليهم السلام- أنهم أمروا بقراءة القرآن ما بين الدفتين وأن لا نتعداه بلا زيادة فيه ولا نقصان منه، حتى يقوم القائم –عليه السلام- فيقرأ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين-عليه السلام- ) [بحار الأنوار: 92/74].

-وكذلك ما أخبر به شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه ) [الأنوار النعمانية: 2/363-364].

الأتجاه الثاني: أخبار جاءت لتزهيد الناس في القرآن الذي بين أيدينا، ومن حفظه فإنه يعسر عليه حفظ القرآن الذي يأتي به القائم.

-         ومن نصوص هذا الاتجاه  :  ما رواه  المفيد بإسناده إلى جعفر الجُعفي عن أبي جعفر أنه قال: ( إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله، ضرب فساطيط، ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف ) [الإرشاد: ص413].

  قلت: ولا يخفى أن هذه الرواية وأشباهها تجعل الشيعي لا يحرص كثيراً على تلاوة القرآن أو حفظه فضلاً عن تدبره والعمل به. والواقع يشهد بذلك فإنك تجد الشيعة لا يحرصون على تلاوة كتاب الله أو حفظه إيماناً منهم بالعقيدة المزعومة بظهور القرآن الذي كتبه علي رضي الله عنه، وعهده به إلى الأئمة من بعده.

ومن تأمل هذه الرويات التي في هذا الصدد يجزم أنها مصنوعة والذي صنعها يبتغي الكيد للإسلام.

الاتجاه الثالث: أخبار تشير إلى  وجود مصحف غير المصحف الذي بأيدينا، لا يطلع عليه إلا الخواص. ومن روايات هذا الاتجاه: ما رواه المجلسي في بحار الأنوار: (... عن ابن عبد الحميد قال: دخلت على أبي عبد الله –رضي الله عنه- فأخرج إلي مصحفاً، قال: فتصفحته فوقع بصري على موضع منه فإذا فيه مكتوب: (هذه جهنم التي كنتم بها تكذبان. فاصليا فيها لا تموتان فيها ولا تحييان ). قال المجلسي: (يعني الأولين ) [بحار الأنوار:92/48]. أي أبا بكر وعمر !!

- وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبو الحسن مصحفاً وقال: ( لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه: لم يكن الذين كفروا. فوجدت فيه اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إليّ، ابعث إليّ بالمصحف ) [أصول الكافي: 2/631].

قلت: وهذا الاتجاه يدعم ما نشره محب الدين الخطيب لسورة الولاية. ولكن الحيرة تنتاب كل من يطالع هذه الرويات المتعارضة، فإن كان عندهم مصحفاً فلم لم يخرجوه  ويهتدي به العباد في دينهم ودنياهم، وقد أمنوا في زمن الدولة الصفوية، ثم ما يمنعهم الآن وقد بُسط المذهب الشيعي في إيران وأظهروا شعائر دينهم، فأين القرآن المزعوم، ولما ذا يتسترون بالتقية ؟ !. ثم إن كان المصحف عند إمامهم المنتظر فما هذا المصحف الذي تشيره إليه هذه الروايات، وقد أخبر عنه ابن النديم:  ( بأنه رأى قرآناً بخط علي يتوارثه بيت من البيوت المنتسبة للحسن ). [الفهرست: ص28 ].

وخلاصة القول:

أن الشيعة مضطربة حائرة في كتاب ربها، هل تقرأ في الكتاب الموجود الآن ؟ هل تحفظه؟ هل تعمل به ؟ أو تنتظر حتى يقوم القائم ؟ !.

وأهل السنة والجماعة كفتهم آية في كتاب ربهم: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. وهي تقضي على كل خبر مهما علا سنده أو تواتر نقله. فلله الحمد والمنة على برد اليقين في القلوب.

ثالثاً: هل الشيعة مجتمعة علىهذه العقيدة، مع بيان  اختلاف مشايخ وعلماء الشيعة في مسألة هل القرآن ناقص أو محرف ومبدل !  .

 أ – موقف علماء الشيعة المتقدمين  :

 وبعد فإن الناظر في كتب الشيعة والمطلع عليها ليحتار أشد الحيرة عندما يرى اختلافهم وتناقض أقوالهم على مسألة تُعد من أهم مسائل الدين، وهو بيان المصدر الأول للتشريع: هل هو محفوظ بحفظ الله  ؟ أم أنه قد ناله التحريف والتبديل والنقصان  ؟ 

أقول: انقسم علماء الشيعة في تقرير هذه المسألة إلى فريقين:

الفريق الأول وهم الأقل:أنكروا أن يكون القرآن قد ناله النقص أو التحريف والتبديل. ومنهم:

1- ابن بابويه القمي (ت381ه) يلقب عند الشيعة بالصدوق، صاحب (من لا يحضره الفقيه) وهو أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والموصوف عندهم برئيس المحدثين  .   أنكر مقالة التحريف وقال: (اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبينا محمد هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.... ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب )[الاعتقادات: ص 101-102].

2- أبو الفضل الطبرسي صاحب كتاب (مجمع البيان) وهو غير الطبرسي الآخر صاحب كتاب (الاحتجاج). حيث أنكر الطبرسي الأول هذه المقالة وبرأ الشيعة منها فقال:  (ومن ذلك  الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنه لا يليق بالتفسير، فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى قدس الله روحه... ) [انظر مجمع البيان: 1/31].. قلت: وفي قوله –آخر كلامه- إن حشوية العامة  خالفوا في ذلك. مراده بذلك أن أهل السنة اختلفوا في هذه المسألة كما اختلف الشيعة. وهذا كذب ترده كتب أهل السنة قاطبة، فإنهم أجمعوا على أن القرآن الذي بأيديهم  تام كامل محفوظ بحفظ الله. ولكنه –أي الطبرسي – حاول أن يجد لقومه العذر في هذا الاختلاف، فأراد أن يشرك أهل السنة مع بني قومه في هذا الاختلاف الضال.

3- الشريف المرتضى (ت436) كان ينكر هذه المقالة ويكفر من قال بها:  (إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توافرت على نقله وحراسته.... [إلى أن قال:] فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد...  [انظر أصول مذهب الشيعة الإمامية 1/293]

 4- الطوسي (ت450) صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وصاحب كتابين من كتب الرجال الأربعة المعتمدة عندهم. يقول: (وأما الكلام في زيادته ونقصانه ممما لا يليق به أيضاً، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاًَ من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، ورويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً، فالأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها لأنه يمكن تأويلها...) [التبيان: 1/3].

  وبعد أن سقنا كلام بعض مشايخ الشيعة علمائها المعتبرين عندهم، لا بد أن نذكر جملة من كلام الطرف الآخر المؤيد لمقالة وقوع النقص والتحريف في كتاب الله عز وجل. فمنهم:

 1- شيخهم المفيد (ت413ه) فقد سجل في كتابه أوائل المقالات إجماع طائفته على وقوع النقص والتحريف في القرآن فقال: (إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وسلم باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان ) [أوئل المقالات ص54]..

2- علي بن إبراهيم القمي –شيخ الكليني صاحب الكافي – له تفسير باسمه (تفسير القمي ) حشاه من هذا القول المفترى وصرح في مقدمته بهذا [انظر على سبيل المثال: تفسيره 1/84، 100، 110، 118.. ].  قال الكاشاني –وهو من شيوخ الشيعة- عن تفسيره: (فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه ) [تفسير الصافي: 1/52].   ونود أن نشير إلى أن علي بن إبراهيم القمي  هذا معظم عند بعض المعاصرين ككبير علماء الشيعة اليوم (الخوئي ) فهو يوثق روايتها كلها فقال: (ولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم القمي الذي روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين ) [أبو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث: 1/63].

3- الكليني (ت328ه) وهو يلقب عند الشيعة ب (ثقة الإسلام) ومؤلف أصح كتاب من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرواية وهو (الكافي ) وروياته عند شيوخ الشيعة في أعلى درجات الصحة. يقول الكليني: ( إن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد (ص) [هكذا] وآله وسلم  ، سبعة عشر ألف آية ) [أصول الكافي: 2/134]. والمعلوم أن آيات القرآن أقل من هذا العدد بكثير، ومعنى القول: أن هناك آيات كثيرة ساقطة من القرآن. ولذا فإن الكاشاني يقول عن الكليني: (إنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول كتابه أنه يثق بما رواه  ) [تفسير الصافي: المقدمة السادسة ص 52] ط: الأعلمي.

4- ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي: مؤلف كتاب: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ). وهذا الكتاب هو الذي أظهر خلاف الشيعة في هذه المسألة، أو بمعنى آخر أجج الخصومة بين الشيعة، حيث حشد فيه من الأدلة وأقوال من سبقوه على إثبات التحريف والنقص في كتاب الله، ورد على المخالفين الذين ينكرون التحريف. ولا نحتاج إلى أن نعزو شيئاً من صفحاته، بل تأمله من أوله إلى منتهاه فإنه لا تخلو صفحة منه من تقرير أن القرآن الذي بأيدينا ناقص ومحرف ومبدل.

   هذا غيض من فيض ولقد تركنا ذكر بعض مشايخ الشيعة خوفاً من الإطالة، ونكتفي بسرد سريع لهم:

6- العياشي في تفسيره  (1/13،168،169).

7-فرات بن إبراهيم الكوفي  ( تفسير فرات: ص18، 85)

8- محمد بن إبراهيم النعماني  ، كتاب الغيبة (ص218).

9- إبو القاسم الكوفي: كتاب الاستغاثة (ص29).

10-الطبرسي (صاحب كتاب الاحتجاج ) (ص14).

11-المجلسي (ت1111) (مرآة العقول: 2/536).

12- نعمة الله الحزائري: الأنوار النعمانية 2/356.

13-المازندراني (ت1081) شارح الكافي:  (11/76)

وغيرهم.

 ولكن ومع ظهور مقالات الشيعة وتكاثرها في كتبهم إلا أنك لا تظفر بشيء منهم فيما لو ناقشتهم في هذه المسألة، فتارة يحيلونك إلى التقية، وتارة إلى أن هذا الأمر لم يكن من طريق التواتر، وغير ذلك من الطرق الملتوية التي يلبسونها على غير شيعتهم، ولكنهم فيما بينهم مختلفون، فمنهم من يقر بهذا التحريف وأنه واقع في القرآن وهم الأكثر، ومنهم من لا يقر به وهم القليل. وصاحب كتاب فصل الخطاب: يهون من شأن المخالفين له ويصف بعضهم بقلة العلم كما قاله في حق الطوسي، قال: (والطوسي في إنكاره [يعني لتحريف القرآن ] معذور لقلة تتبعه الناشيئ من قلة تلك الكتب عنده) [فصل الخطاب ورقة 175].

أو يلجأ إلى التقية إن لم يجد ما يفند به قول خصمه. وأما الخلاف بينهم فهو واقع وتشهد به كتبهم. والحمد الله الذي هدانا ولم يضلنا في كتابه.

 ب: موقف علماء الشيعة المعاصرون وكتابها من عقيدة نقصان القرآن وتحريفه.

 اختلف علماء الشيعة المعاصرون  في هذه المسألة كما اختلف اسلافهم، ولكن مع اختلاف بسيط فيما بينهم. وسوف يأخذ البحث محورين:

المحور الأول: إنكار بعض المعاصرين من الشيعة لمقالة التحريف.

المحور الثاني: الاعتراف بوجود هذه المقالة في كتبهم ومحاولة تبريرها.

 فالأول: إنكار بعض المعاصرين من الشيعة لمقالة التحريف.

         ومنهم:

1- عبد الحسين الأمين النجفي في كتابه الغدير. حيث خطأ ابن حزم في نسبة هذه المقالة إلى شيعته، فقال: (ليت هذا المجتريء أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً.... ثم قال: وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه ) [الغدير: 3/94-86].

   والجواب عنه: قول النجفي هذا تقية بلا شك، وإلا هل يُعقل أن يجهل شيخ من شيوخهم ما تحتويه بعض كتب الشيعة من إنكار هذه الفرية، أو حتى ذكر الخلاف فيه. وقوله إن الإمامية مجمعة على ذلك: كذب لا شك فيه، تكذبه كتب الشيعة. وقد سقنا في الحلقات الماضية ما يثبت ذلك من واقع كتبهم.

2- عبد الحسين شرف الدين الموسوي قال: (نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته ) [أجوبة مسائل جار الله: 28-29]..

   والجواب عنه: أما تعوذه بالله من هذا القول فنحن نوافقه على ذلك، وأما إنكار نسب هذا القول لبعض مشايخ الشيعة فيقال فيه ما قيل في الجواب السابق. ولكن ينبغي أن يلحظ أن قوله:  ( فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا..  )  . ففي هذا القول إيهام للقاريء. فماذا يقصد من طرقنا ؟ فإن كان يقصد من طريق المسلمين جميعهم فنحن نوافقه، فالقرآن تواتر عند المسلمين جميعهم. وإن كان يقصد تواتر من طرقهم أي من طرق الأئمة المعصومين، أي القرآن المنتظر الغائب، فهذا هو الذي لانوافقه عليه بل نضلل قائله.

3- لطف الله الصافي، وأغا برزك الطهراني. حيث ذهبا إلى محاولة (غبية مكشوفة ) في بيان قصد النوري الطبرسي من تأليفه كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب). فقالا: إن مراد المؤلف هو الرد على من أثبت هذه الفرية، والقصد  من تأليفه هو محاربة هذه المقالة !!.

   والجواب عنه: أن اسم الكتاب ظاهر من عنوانه لا يحتاج معه إلى تأويل. وثانياً: أن مؤلف الكتاب نفسه قد صرح بهذا الغرض في مقدمة كتابه، وكتابه كله في تقرير هذه المسألة وبيان وقوع التحريف والنقص في كتاب الله. وبهذا يتبين فساد قول الصافي والطهراني.

    المحور الثاني: الاعتراف بوجود هذه المقالة في كتب الشيعة ومحاولة تبريرها.

 وهذا الصنف من علماء الشيعة لم يسعهم إنكار ما سطرته كتبهم واطلع عليها المسلمون وغيرهم، فلم يمكنهم من إنكار ما تحويه كتبهم فيكونوا مكذبين لعلمائهم ومشايخهم، فذهب أولئك إلى تلمس الأعذار وجلب التأويلات، والبحث في بطون كتبهم علهم يجدون شيئا يتشبثون به  . وقد اختلفوا في تبرير هذه المقالة، وهي محاولة منهم لحفظ عقيدة الشيعة من الظهور أمام المسلمين  بمخالفتها لما استقر عندهم من حفظ الله لكتابه.

 1- فذهبت طائفة إلى القول: أن الروايات التي فيها ذكر هذه المقالة: (ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فأما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار  )[محمد حسين آل كاشف الغطا (أصل الشيعة 63-64)].

    والجواب عنه:

 إن ذكر أن هذه الأخبار ضعيفة وشاذة وأخبار آحاد، لا يستقيم مع ما ذكره علمائهم ومشايخهم المعتبرين عندهم كالمفيد والكاشاني والمجلسي الذين صرحوا باستفاضة هذه الروايات وتواترها عندهم وشهرتها وصحتها.  واعتماد هذا القول من شيخهم المعاصر ينسف ما قرره أولئك الاوائل !. فبأي قول تأخذ الشيعة ؟ أم أن الأمر يعود تقية ؟ هذا ما نخشاه !.

 2- وذهبت طائفة إلى القول بأن القرآن الذي بأيدينا ليس فيه تحريف، ولكنه ناقص قد سقط منه ما يختص بولاية علي ( وكان الأولى أن يعنون المبحث تنقيص الوحي أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفاً باعتراف طائفة من المسلمين ) [أغا برزك الطهراني (الذريعة3-313)].  .

   والجواب عنه:

ما الفرق بين أن يقال تحريف القرآن، أو تنقيص القرآن ؟. كلاهما تلاعب بالآيات. والدعوى بأن ما سقط هو ما يختص بولاية علي رضي الله عنه، هو تأكيد لما يقرره جمهور الشيعة من وجود النقصان في القرآن الذي بأيدينا !.  ولا يخفى عليك أخي ما تحمله كلمة (باعتراف طائفة من المسلمين ). فهو يريد التلبيس على المسلمين بأن فيهم من قال بهذه المقالة، والحق أن هذا القول انفرد به الشيعة دون غيرهم من الطوائف.

3-  وذهبت طائفة إلى القول: بأن القرآن الذي بين الدفتين هو كلام الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم بدون زيادة ولا نقصان، ولكن: ( أننا معاشر الشيعة –الاثني عشرية – نعترف بأن هناك قرآناً كتبه الإمام علي رضي الله عنه بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد النبوي فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلاً للمسلمين حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن فرده الإمام علي إلى بيته ولم يزل كل إمام يحتفظ به كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظاً عند الإمام المهدي القائم عجل الله تعالى فرجنا بظهوره  )  [الخراساني (الإسلام على ضوء التشيع: 204)]..

    والجواب عنه:

  إن كان مصحف علي رضي الله عنه  ، كما كان عند ابن مسعود مصحف خاص به، لا يختلف عن مصاحف المسلمين، فلا حاجة بنا إلى رد هذه المقالة لا تفاقنا وإياهم على ذلك. وإن كان مصحف علي رضي الله عنه الذي عهد به إلى الأئمة بعده يخالف ما عندنا وفيه زيادة على القرآن الذي بين أيدينا، عاد الأمر إلى أصله وهو أننا نقرأ في قرآن ناقص، وأن قوله تعالى: {إنانحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ليس على حقيقته. –نعوذ بالله من ذلك -. ثم إن غياب هذا المصحف طوال هذه القرون إلى أن يظهر المهدي فيه إشقاق على الناس وضلالهم عن الهدى.

4- وطائفة تقول: (وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف ولهم عذرهم، كما لهم اجتهادهم، وإن أخطأوا بالرأي، غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت عندنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا عليه ) [الشيعة والسنة في الميزان، محاكمة بقلم س خ، نشر نادي الخاقاني ص 48-49].

    والجواب عنه:

ونحن نقول بأن القرآن لم يحرف، وأن جمهور علماء الشيعة كانوا في ضلال في هذا الباب، ونحن نطالب بأن يكون هذا هو الذي تجمع الشيعة عليه الآن  لا تقية  .  ولكن الواقع يكذب ذلك ولا يصدقه، فما تزال بعض الكتب المعاصرة الشيعية تطفح بهذا المقالة وتنصرها،  وإن كان الأعم الأغلب منها يقررها ولكن بطرق خفية.

والحاصل: أن المعاصرين من علماء الشيعة إن كانوا صادقين فيما يدعونه فليظهروا هذا الأمر وليطبقوه واقعاً وليشهروه علنا صريحاً بلا مواربة. أما سرد العبارات الملبسة أو الصريحة المغلفة بالتقية بدون عمل فلا. ويبقى الأمر في خلفهم كما هو في سلفهم.


ألف حديث شيعي في إثبات التحريف في القرآن

من كتاب فصل الخطاب لمحدث شيعي النّوري الطبرسي

إننا خصصنا هذا الباب لنقل جزء من كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) لمحدث القوم حسين بن محمد التقي النوري الطبرسي، الكتاب الذي أزاح اللثام عن وجه عقيدة القوم الأصلية في القرآن، وأثار ضجة كبرى في الأوساط الشيعية. لا من حيث أنه تفرد لبيان هذه العقيدة، أوورد فيه شيء جديد غير مألوف مخالف لمعتقداتهم المنقولة المتواترة من أهل البيت حسب زعمهم، بل لأنه كشف النقاب عن الشيء الذي غلفوه بتقيتهم مدة طويلة عن الآخرين، وجمع فيه من الأحاديث والروايات من أمهات الكتب وأهمها نقلاً عن الأئمة الاثنى عشر، التي بلغت حد التواتر وزادت عليه.

كما أن الكتاب بين للناس أن الشيعة قاطبة من اليوم الذي وجدوا لم يعتقدوا في القرآن الموجود بأيدي الناس، بل ظنوه مبدلاً ومحرفاً، زيد فيه ونقص منه، غير فيه وحرف منه، ولم يقل أحد من القوم خلاف هذا إلا مماشاة ومداراة أوتقية وخداعاً.

ثم وإن الكتاب مع قيمته العلمية ومقامه السامي وشأنه الرفيع حيث يشتمل على ألفي رواية قريباً كلها من الأئمة المعصومين لم يؤلف من قبل شخص عادي لا يعبأ به ولا يلتفت إليه، بل ألفه أحد جهابذة القوم وماهر في العلوم وخاصة في علم الحديث والرجال حيث أنه مؤلف أحد المجاميع الشيعية الثلاثة (مستدرك الوسائل) الكتاب الذي لا يقل كماً وكيفاً ووزناً عن (الوسائل) الذي طبع في عشرين مجلداً قبل مدة بالقطع المتوسط المائل إلى الصغر، حيث أن المستدرك في مجلدات ثلاثة ضخمة. ومع (المستدرك) فإنه ألف ما يقارب الثلاثين من الكتب في الحديث والرجال والعقائد، وهومن أصحاب مجدد القرن الثالث عشر الشيعي السيد الشيرازي، المعتمد لديه والموثق عنده والمرجح على غيره، كما أنه تلمذ عليه أكابر القوم وأعيانهم في الحديث والرجال مثل الشيخ عباس القمي صاحب (الكنى والألقاب) و (منتهى الآمال) وغيره من الكتب الكثيرة، والشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب (أعلام الشيعة) و (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) وغيرها من الكتب الكبيرة الكثيرة، كما أنه كان شيخ مشائخ نجف في زمانه، البلدة التي تعد الأولى الشيعية بالنسبة للجامعات والمدارس والحوزات العلمية الشيعية، وأكثر من ذلك كان يقصده علماء الشيعة وأقطابها من البلدان الشيعية الأخرى ويعكفون عنده ويلتمسون فضله ويرجون فيضله وينالون بالمعلومات.

وكان من عادته التنقيب والتدقيق والتفحص والتتبع وتقنص الشوارد والتقصي فلذلك جاء كتابه شاملاً كاملاً، شاملاً لأخبار الأولين، وكاملاً لجمع روايات موضوعية. وجامعاً أقوال كل مخالف ومؤالف.

ومما زاد قيمة الكتاب أنه حلل كلام المتقدمين والمتأخرين تحليلاً علمياً منطقياً منقولياً معقولياً وواقعياً، وبين وجوه الترجيح. فلولا الخوف لضخامة حجم الكتاب لكان في ودنا أن نطبعه كاملاً ولكن لما أنه كان يشتمل على بعض المواضيع التي لا علاقة لها رأساً ومباشرة بموضوعنا [مثل ثبوت التحريف في التوراة والزبور والأناجيل وغير ذلك من المواضيع] اكتفينا بطبع الجزء الأخير منه.

والقارئ والباحث ليرى العجائب حيث يورد هذا الشيخ الشيعي روايات كثيرة من الأعيان الأربعة الذين تظاهروا من القوم بعدم التحريف، روايات صريحة واضحة جلية في تحريف القرآن وتبديله.

وقبل أن نورد هذا الجزء نريد أن نذكر ترجمة هذا العالم الشيعي الجليل الذي أزعج قلوب أصحاب التقية والنفاق وزلزل أقدامهم، من الشيعة أنفسهم ومن كبراء القوم، وترجمة كتابه لتعيين منزلته وقيمة كتابه، وكما نحن نذكر خلال ذلك بعض الكتب التي كتبت تأييداً له ورداً عليه، وحقيقة الرد من بل القوم أنفسهم.

فلقد كتب الشيخ عباس القمي الرجالي الشيعي المشهور في كتابه المعروف المعتمد الموثوق (الكنى والألقاب) بعد ما يذكر ترجمة أبي علي الطبرسي صاحب (مجمع البيان) ما نصه:

وقد يطلق الطبرسي على شيخنا الأجل ثقة الإسلام الحاج ميرزا حسين بن العلامة محمد تقي النوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل)، شيخ الإسلام والمسلمين، مروج علوم الأنبياء والمرسلين (ع) الثقة الجليل والعالم الكامل النبيل المتبحر الخبير والمحدث الناقد البصير، ناشر الآثار وجامع شمل الأخبار، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة والعلوم الغزيرة الباهرة بالرواية، والرافع لخميس المكارم أعظم راية، وهوأشهر من أن يذكر وفوق ما تحم حوله العبارة، كان شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي وانضيت إلى موائده بعلات رحالي فوهبني من فضله ما لا يضيع وحنى علي حنوالظئر على الرضيع فعادت علي بركات أنفاسه وأضاءت من ضياء نبراسه فما يسفح قلمي إنما هومن فيض بحاره وما ينفح بها كلمي هومن نسيم أسحاره.

هر بوى كه ازمشك وقر نقل شنوى

ازدولت آن زلف جه سنبل شنوى

لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر وكنت أستفيد من جنابه في البين إلى أن نعب بيننا غراب البين فطوى الدهر ما نشر، والدهر ليس بمأمون على بشر، فتوفي في أواخر ج2 سنة 1320 ودفن في جوار أمير المؤمنين (ع) في الصحن الشريف وكتب هورحمه الله ترجمة نفسه في آخر المستدرك" [كتاب "الكنى والألقاب" للعباسي القمي ج2 ص405].

كما ترجم له في كتابه الرجالي الكبير، الممزوج بالفارسية والعربية (فوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية) وبدأ كلامه بهذا:

شيخنا الأجل الأعظم، وعمادنا الأرفع الأقوم، صفوة المتقدمين والمتأخرين، خاتم الفقهاء والمحدثين، سحاب الفضل الهاطل، وبحر العلم الذي ليس له ساحل، مستخرج كنوز الأخبار، ومحيي ما اندرس من الآثار، كنز الفضائل ونهرها الجاري، شيخنا ومولانا العلامة المحدث الثقة النوري أنار الله تعالى برهانه وأسكنه بحبوحة جنانه" ["فوائد الرضوية" ص148].

وبعد أن ذكر أحواله في الفارسية التي يأتي ذكرها من آغا الطهراني قال:

ولازم السيد السند حجة الإسلام ونادرة الأيام أستاذ البشر ومجدد المذهب في القرن الثالث عشر، المنتهي إليه رياسة الشيعة في عصره والمطاع الذي انقاد الجابرة لنهيه وأمره، الذي يعجز عن بيان معاليه اللسان رئيس المسلمين الحاج ميرزا محمد حسن الشيرازي قدس الله تربته الشريفة المتوفي في شعبان 1312 بسامراء، المدفون في جوار جده أمير المؤمنين عليه السلام" ["فوائد الرضوية" ص150].

ثم يذكر علاقته به ويقول:

ويحق لي أن أقول ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر وبقيت في الدهر ولكن بقاء الثلج في الحر، فقد كان له رحمه الله علي من الحقوق الواجب شكرها ما لم أستطع ذكرها، وهوشيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي وأنضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي فوهبني من فضله ما لا يضيع وحنى علي حنوالظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه وألقمني ندى معلومه فعادت علي بركات أنفاسه واستضاءت من ضياء نبراسه فما يسفح به قلمي إنما هومن فيض بحاره وما ينفح بها كلمي إنما هومن نسيم أسحاره وأنا أتوسل إلى رب الثواب والجزاء أن يجمل نصيبه من رضوانه أوفى الأنصباء، وكم له رحمه الله من الله تعالى ألطاف خفية ومواهب غيبية ونعم جليلة فائقة تبلغ عدد كتبه ما يقرب من ثلثين تخبر كل واحد من طول باعه، وهي كتاب مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل في مجلدات تقرب من تمام الوسائل، كتاب نفس الرحمن في فضائل سيدنا سلمان عليه السلام وهوأول مؤلفاته بعد الشجرة المؤنقة العجيبة في سلسلة إجازات العلماء المسماة بمواقع النجوم، ومرسلة الدر المنظوم، كتاب دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام في مجلدين وقد اختصرته أنا ولم يتم، كما أن له رحمه الله ترجمة المجلد الثاني منه ولم يتم، كتاب فصل الخطاب، كتاب معالم العبر في استدراك البحار السابع عشر، جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة عليه السلام في الغيبة الكبرى، رسالة فيض القدسي في أحوال العلامة المجلسي ره، الصحيفة الثانية

العلوية، الصحيفة الرابعة السجادية، النجم الثاقب في أحوال الإمام الغايب صلوات الله عليه بالفارسية، رسالة ميزان السماء في تعين مولد خاتم الأنبياء بالفارسية، الكلمة الطيبة بالفارسية، ظلمات الهاوية، رسالة في رد بعض الشبهات على كتابه فصل الخطاب، البدر المشعشع في ذرية موسى المبرقع، كشف الأستار عن وجه الغايب عن الأبصار عجل الله فرجه، سلامة المرصاد، رسالة مختصرة بالفارسية في مواليد الأئمة عليهم السلام على ما هوالأصح عندنا، مستدرك مزار البحار لم يتم، حواشي علي لم يتم، شاخه طوبى فيما يتعلق بعيد البقر، لؤلؤ ومرجان درشرط بله أول ودوم روضه خوانان.

تحية الزائر بلغة المجاور، وهي آخر مؤلفاته رضوان الله عليه ولم يمهله الأجل حتى يتمها، ومن الله تعالى علي بإتمامها إلى غير ذلك من الحواشي والرسائل.

وكان رحمه الله حسن المحاضرة سريع الكتابة كثير الحافظة مقبلاً على شأنه مستوحشاً عن أوثق إخوانه، وكان شديد العبادة كثير الزهادة لم يفته صلوات الليل والقيام في طاعة ربه في آناء الليل.

وكان جامعاً أعلى كل مكرمة وشرافة، وأسنى كل خصلة وفضيلة، وبلغ من كل خير ذروته وأخذ من كل علم شريف جوهره وحقيقته، أما علمه فأحسن فنه الحديث ومعرفة الرجال والإحاطة بالأقوال والاطلاع بدقائق الآيات ونكات الأخبار بحيث يتحير العقول عن كيفية استخراجه جواهر الأخبار عن كنوزها وترجع الأبصار حاسرة عن إدراك طريقته في استنباط إشاراتها ورموزها فسبحان الله المتعال من كثرة اطلاعه وطول باعه وشدة تبحره في العلوم والأخبار والسنن والآثار، كان بحراً مواجاً وسراجاً وهاجاً وكان ضنياً بعمره بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره ونفيس جوهر حياته يمضي بلا فائدة ويفنى بلا عايدة بل أخذ منه حظه ونصيبه إما بجمع شتات الأخبار وتأليف متفرقات ما ورد عن الأئمة الأطهار، وإما بالذكر وتلاوة الآيات أوبالصلاة والنوافل المندوبات مواظب لكل سنة سنية ومؤد لميسور دقائق الآداب الدينية، كان واعظاً لغيره بأفعاله وداعياً إلى الله بمحاسن أحواله يذكر الله تعالى رؤيته ويزيد في العلم منطقه ويرغب في الآخرة عمله، ما قام أحد من مجلسه إلا بخير مستفاد جديد وشوق إلى الثواب وخوف من الوعيد، لا يختار من الأعمال المندوبة إلا أحمزها وأتعبها ولا يأخذ من السنن إلا أحسنها، أفعاله كانت منطبقة على كلامه وكلامه مقصور على ما خرج عن إمامه، لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر والليل والنهار وكنت أستفيد من جنابه في البين إلى أن نعب بيننا غراب البين فطوى الدهر ما نشر والدهر ليس بمأمون على بشر فتوفى في سنة عشرين وثلثمائة وألف حشره الله تعالى مع الأئمة الاثنى عشر عليهم السلام.

وفي خلال استفادتي منه رحمه الله استجزت عنه أن يجيزني برواية مؤلفات الأصحاب رضي الله عنه بطرقه الخمسة فمن على في أواخر أيام حياته بإنجاح مسألتي فأجازني أن أروي عنه مؤلفات أصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين قديماً وحديثاً في التفسير والحديث والفقه والأصوليين وغيرها خصوصاً الكتب الأربعة التي عليها أساس المذهب وفروع الدين، وكتاب الوسائل والبحار ومستدرك الوسائل الذي أنعم الله تعالى عليه بتأليفه وغيرها مما ساغ له إجازته وصح له روايته بطرقه المعهودة عن مشايخه العظام أتقنها وأسدها ما أخبره بها إجازة فخر الشيعة وتاج الشريعة خاتم المحققين ومؤسس القواعد التي خلت عنها زبر السابقين واللاحقين الشيخ الأجل الأعلم والأستاذ الأعظم وطود العلم الباذخ الأشم أستاذ المجتهدين وخاتمة الفقهاء والمحققين، المنتهى إليه رياسة كافة الإمامية في عصره، الأستاذ الأكبر الأكمل الحاج شيخ مرتضى الأنصاري تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته عن الشيخ الفقيه النبيه الحبر القمقام ومستنده في مناهج الأحكام المولى المحقق أحمد النراقي رحمه الله عن البرح المتلاطم الزخار وعيبة العلم والفضل والأدب والأنوار صاحب الكرامات الباهرة والآيات النيرة آية الله العلامة الطباطبائي المدعوببحر العلوم قدس الله روحه عن شيخه المحدث المحقق العالم العليم صاحب اللؤلؤة بطرقه المذكورة فيها مع ساير مشايخه رحمهم الله بطرقه المشروحة في خاتمة المستدرك فإنا أروي عنه ره بطرقه الخمسة جميع ما صحت له روايته وجاءت له إجازته والحمد لله رب العالمين وكان ذلك في يوم الجمعة لست مضت من شهر ربيع الأول سنة 1320 في الكوفة المتبركة على شاطئ الفرات بقرب الجسر" ["فوائد الرضوية" للعباس ص150 إلى 153].

فهذا هوالنوري الطبرسي في نظر "شيخ المتتبعين في عصره، وأستاذ المحدثين في دهره، سلمان زمانه في الورع والتقوى، ووحيد أوانه في نشر راية الهدى، ركن الإسلام وغوث المسلمين حضرة الحاج الشيخ عباس القمي" [غلاف كتاب "الكنى والألقاب" ج1].

وأما ما قاله زعيم القوم آغغا بزرك الطهراني صاحب مؤلفات كبيرة مثل (الذريعة) و (أعلام الشيعة) وغيرها من كتب الحديث والفقه في حقه فجدير أن يلتفت إليه.

يقول آغا بزرك الطهراني في كتابه (أعلام الشيعة) في الجزء الأول من القسم الثاني بعد ما يكتب اسمه: الشيخ الميرزا حسين النوري: وقبل أن يبدأ في ترجمته:

ارتعش القلم بيدي عندما كتبت هذا الاسم واستوقفني عندما رأيت نفسي عازماً على ترجمة أستاذي النورين وتمثل لي بهيته المعهودة بعد أن مضى على فراقنا خمس وخمسون سنة، فخشعت إجلالاً لمقامه، ودهشت هيبة له، ولا غرابة فلوكان المترجم له غيره لهان الأمر، ولكن كيف بي وهومن أولئك الأبطال غير المحددة حياتهم وأعمالهم، أما شخصية كهذه الشخصية الرحبة العريضة فمن الصعب جداً أن يتحمل المؤرخ الأمين وزر الحديث عنها، ولا أرى مبرراً في موقفي هذا سوى الاعتراف بالقصور عن تأدية حقه. فها أنا ذا أشير إلى طرف من ترجمته، أداء لحقوقه علي والله المسؤول أن يجزيه عن الإسلام خير جزاء العاملين المحسنين" ["أعلام الشيعة" لآغا بزرك الطهراني، القسم الثاني الجزء الأول ص543 ط المطبعة العلمية النجف 1385ه‍].

فهذا هوالرجل وهذا هومقامه ومنزلته الرفيعة عند أجلة القوم.

ثم يبدأ في ترجمته بقوله:

هوالشيخ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي بن الميرزا علي محمد بن تقي النوري الطبرسي إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار المتأخرة ومن أعاظم علماء الشيعة وكبار رجال الإسلام في هذا القرن.

ولد في (18 - شوال 1254) في قرية (يالو) من قرى نور إحدى كور طبرستان ونشأ بها يتيماً، فقد توفي والده الحجة الكبير وله ثمان سنين وقبل أن يبلغ الحلم اتصل بالفقيه الكبير المولى محمد علي المحلاتي. ثم هاجر إلى طهران واتصل فيها بالعالم الجليل أبي زوجته الشيخ عبد الرحيم البروجردي فعكف على الاستفادة منه، ثم هاجر معه إلى العراق في (1273) فزار أستاذه ورجع وبقي هوفي النجف قرب أربع سنين، ثم عاد إلى إيران، ثم رجع إلى العراق في (1278) فلازم الآية الكبرى الشيخ عبد الحسين الطهراني الشهير بشيخ العراقين وبقي معه إلى مشهد الكاظمين (ع) فبقي سنتين أيضاً وفي آخرهما رزق حج البيت وذلك في (1280)، ثم رجع إلى النجف الأشرف وحضر بحث الشيخ المرتضى الأنصاري أشهراً قلائل إلى أن توفى الشيخ في (1281) فعاد إلى إيران في (1284) وزار الإمام الرضا عليه السلام، ورجع إلى العراق أيضاً في 186) وهي السنة التي توفي فيها شيخه الطهراني، وكان أول من أجازه ورزق حج البيت ثانياً، ورجع إلى النجف فبقي فيها سنين لازم خلالها درس السيد المجدد الشيرازي، ولما هاجر أستاذه إلى سامراء في (1291) لم يخبر تلاميذه بعزمه على البقاء بها في بادي الأمر ولما أعلن ذلك خف إليه الطلاب وهاجر إليه المترجم له في (1292) بأهله وعياله مع شيخه المولى فتح علي السلطان آبادي وصهره على ابنته الشيخ فضل الله النوري وهم أول المهاجرين إليها ورزق حج البيت ثالثاً ولما رجع سافر إلى إيران ثالثاً في (1297) وزار مشهد الرضا عليه السلام ورجع فسافر إلى الحج رابعاً في (1299) ورجع فبقي في سامراء ملازماً لأستاذه المجدد حتى توفي في (1312) فبقي المترجم له بعده بسامراء إلى (1314) فعاد إلى النجف عازماً على البقاء بها حتى أدركه الأجل انتهى ملخصاً عما ترجم به نفسه في آخر الجزء الثالث من كتابه (المستدرك) مع بعض الإضافات.

كان الشيخ النوري أحد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر، فقد امتاز بعبقرية فذة، وكان آية من آيات الله العجيبة، كمنت فيه مواهب غريبة وملكات شريفة أهلته لأن يعد في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب، وحياته صفحة مشرقة من الأعمال الصالحة، وهوفي مجموع آثاره ومآثره إنسان فرض لشخصه الخلود على مر العصور وألزم المؤلفين والمؤرخين بالمناية به والإشادة بغزارة فضله، فقد نذر نفسه لخدمة العلم ولم يكن فيه غير البحث والتنقيب والفحص والتتبع، وجمع شتات الأخبار وشذرات الحديث ونظم متفرقات الآثار وتأليف شوارد السير، وقد رافقه التوفيق وأعانته المشيئة الإلهية، حتى ليظن الناظر في تصانيفه أن الله شمله بخاصة ألطافه ومخصوص عنايته، وادخر له كنوزاً قيمة لم يظفر بها أعاظم السلف من هواة الآثار ورجال هذا الفن، بل يخيل للواقف على أمره أن الله خلقه لحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم).

تشرفت بخدمته للمرة الأولى في سامراء في (1313) بعد وفاة المجدد الشيرازي بسنة وهي سنة ورودي العراق، كما أنها سنة وفاة السلطان ناصر الدين شاه القاجاري، وذلك عندما قصدت سامراء زائراً قبل ورودي إلى النجف فوفقت لرؤية المترجم له بداره حيث قصدته لاستماع مصيبة الحسين عليه السلام وذلك يوم الجمعة الذي ينعقد فيه مجلس بداره. وكان المجلس غاصاً بالحضور الشيخ على الكرسي مشغول بالوعظ، ثم ذكر المصيبة وتفرق الحاضرون، فانصرفت وفي نفسي ما يعلمه الله من إجلال وإعجاب وإكبار لهذا الشيخ إذ رأيت فيه حين رأيته سمات الأبرار من رجالنا الأول. ولما وصلت إلى النجف بقيت أمني النفسي لوأن تتفق لي صلة مع هذا الشيخ لأستفيد منه عن كثب، ولما اتفقت هجرته إلى النجف في (1314) لازمته ملازمة الظل ست سنين حتى اختار الله له دار إقامته، ورأيت منه خلال هذه المدة قضايا عجيبة لوأردت شرحها لطال المقام، وبودي أن أذكر مجملاً من ذلك ولوكان في ذلك خروج عن خطتنا الإيجازية. فهذا - وأيم الله - مقام الوفاء، ووقت إعطاء النصف، وقضاء الحقوق، فإني لعلى يقين من أنني لا ألتقي بأستاذي المعظم ومعلمي الأول بعد موقفي هذا إلا في عرصات القيامة. فما بالي لا أفي حقه وأغنم رضاه.

كان - أعلى الله مقامه - ملتزماً بالوظائف الشرعية على الدوام وكان لكل ساعة من يومه شغل خاص لا يتخلف عنه، فوقت كتابته من بعد صلاة العصر إلى قرب الغروب، ووقت مطالعته من بعد العشاء إلى وقت النوم، وكان لا ينام إلا متطهراً ولا ينام مر الليل إلا قليلاً، ثم يستيقظ قبل الفجر بساعتين فيجدد وضوءه - ولا يستعمل الماء القليل بل كان لا يتطهر إلا بالكثير - ثم يتشرف قبل الفجر بساعة إلى الحرم المطهر، ويقف - صيفاً وشتاء - خلف باب القبلة فيشتغل بنوافل الليل إلى أن يأتي السيد داؤد نائب خازن الروضة وبيده مفاتيح الروضة فيفتح الباب ويدخل شيخنا، وهوأول داخل لها وقتذاك، وكان يشترك مع نائب الخازن بإيقاد الشموع ثم يقف في جانب الرأس الشريف فيشرع بالزيارة والتهجد إلى أن يطلع الفجر فيصلي الصبح جماعة مع بعض خواصه من العباد والأوتاد ويشتغل بالتعقيب وقبل شروع الشمس بقليل يعود إلى دار فيتوجه رأساً إلى مكتبته العظيمة المشتملة على ألوف من نفائس الكتب والآثار النادرة العزيزة الوجود أوالمنحصرة عنده، فلا يخرج منها إلا للضرورة، وفي الصباح يأتيه من كان يعينه على مقابلة ما يحتاج إلى تصحيحه ومقابلته مما صنفه أواستنسخه من كتب الحديث وغيرها.

وكان إذا دخل عليه أحد في حال المقابلة اعتذر منه أوقضى حاجته باستعجال لئلا يزاحم وروده اشتغاله العلمية ومقابلته أما في الأيام الأخيرة وحينما كان مشغولاً بتكميل (المستدرك) فقد قاطع الناس على الإطلاق، حتى أنه لوسئل عن شرح حديث أوذكر خبر أوتفصيل قضية أوتاريخ شيء أوحال راوأوغير ذلك من مسائل الفقه والأصول. لم يجب بالتفصيل بل يذكر للسائل مواضع الجواب ومصادره فيما إذا كان في الخارج، وأما إذا كان في مكتبته فيخرج الموضوع من أحد الكتب ويعطيه للسائل ليتأمله كل ذلك خوف مزاحمة الإجابة الشغل الأهم من القراءة أوالكتابة وبعد الفراغ من أشغاله كان يتغذى بغذاء معين كماً وكيفاً ثم يقيل ويصلي الظهر أول الزوال وبعد العصر يشتغل بالكتابة كما ذكرنا.

أما في يوم الجمعة فكان يغير منهجه، ويشتغل بعد الرجوع من الحرم الشريف بمطالعة بعض كتب الذكر والمصيبة لترتيب ما يقرؤه على المنبر بداره، ويخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة إلى مجلسه العام فيجلس ويحيي الحاضرين ويؤدي التعارفات ثم يرقى المنبر فيقرأ ما رآه في الكتب بذلك اليوم، ومع ذلك يحتاط في النقل بما لم يكن صريحاً في الأخبار الجزمية، وكان إذا قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته وبعد انقضاء المجلس يشتغل بوظائف الجمعة من التقليم والحلق وقص الشارب والغسل والأدعية والآداب والنوافل وغيرها، وكان لا يكتب بعد عصر الجمعة - على عادته - بل يتشرف إلى الحرم ويشتغل بالمأثور إلى الغروب كانت هذه عادته إلى أن انتقل إلى جوار ربه.

ومما سنه في تلك الأعوام، زيارة سيد الشهداء مشياً على الأقدام، فقد كان ذلك في عصر الشيخ الأنصاري من سنن الأخيار وأعظم الشعائر، لكن ترك في الأخير وصار من علائم الفقر وخصائص الأدنون من الناس، فكان العازم على ذلك يتخفى عن الناس لما في ذلك من الذل والعار، فلما رأى شيخنا ضعف هذا الأمر اهتم له والتزمه فكان في خصوص زيارة عيد الأضحى يكتري بعض الدواب لحمل الأثقال والأمتعة ويمشي هووصحبه، لكنه لضعف مزاجه لا يستطيع قطع المسافة من النجف إلى كربلاء بمبيت ليلة كما هوالمرسوم عند أهله. بل يقضي في الطريق ثلاث ليال يبيت الأولى في (المصلى) والثانية في (خان النصف) والثالثة في (خان النخيلة) فيصل كربلا في الرابعة يكون مشيه كل يوم ربع الطريق نصفه صبحاً ونصفه عصراً، ويستريح وسط الطريق لأداء الفريضة وتناول الغذاء في ظلال خيمة يحملها معه وفي السنة الثانية والثالثة زادت رغبة الناس والصلحاء بالأمر وذهب ما كان في ذلك من الإهانة والذل إلى أن صار عدد الخيم في بعض السنين أزيد من ثلاثين لكل واحدة بين العشرين والثلاثين نفراً، وفي السنة الأخيرة يعني زيارة عرفة (1319) - وهي سنة الحج الأكبر التي اتفق فيها عيد النيروز والجمعة والأضحى في يوم واحد ولكثرة ازدحام الحجيج حصل في مكة وباء عظيم هلك فيه خلق كثير - تشرفت بخدمة الشيخ إلى كربلا ماشياً، واتفق أنه عاد بعد تلك الزيارة إلى النجف ماشياً أيضاً - بعد أن اعتاد على الركوب في العودة - وذلك باستدعاء الميرزا محمد مهدي ابن المولى محمد صالح المازندراني الأصفهاني صهر الشيخ محمد باقر بن محمد تقي محشى (المعالم)، وذلك لأنه كان نذر أن يزور النجف ماشياً ولما اتفقت له ملاقاة شيخنا في كربلاء طلب منه أن يصحبه في العودة ففعل، وفي تلك السفرة بدأ به المرض الذي كانت فيه وفاته يوم خروجه من النجف وذلك على أثر أكل الطعام الذي حمله بعض أصحابه في إناء مغطى الرأس حبس فيه الزاد بحرارته

فلم ير الهواء وكل من ذاق ذلك الطعام ابتلي بالقيء والإسهال، وكانت عدة أصحاب الشيخ قرب الثلاثين ولم يبتل بذلك بعضهم لعدم الأكل - وأنا كنت من جملتهم -: وقد ابتلي منهم بالمرض قرب العشرين وبعضهم أشد من بعض وذلك لاختلافهم في مقدار الأكل من ذلك، ونجا أكثرهم بالقيء إلا شيخنا فإنه لما عرضت له حالة الاستفراغ أمسك شديداً حفظاً لبقية الأصحاب عن الوحشة والاضطراب. فبقاء ذلك الطعام في جوفه أثر عليه كما أخبرني به بعد يومين من ورودنا كربلا قال: إني أحسن بجوفي قطعة حجر لا تتحرك عن مكانتها. وفي عودتنا إلى النجف عرض له القيء في الطريق لكنه لم يجده، وابتلي بالحمى وكان يشتد مرضه يوماً فيوماً إلى أن توفي في ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الثانية (1320) ودفن بوصية منه بين العترة والكتاب يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة وكان يوم وفاته مشهوداً جزع فيه سائر الطبقات ولا سيما العلماء. ورثاه جمع من الشعراء وأرخ وفاته آخرون منهم الشاعر الفحل الشيخ محمد الملا التستري المتوفى (1322) قال:

مضى الحسين الذي تجسد من

نور علوم من عالم الذر

قدس مثوى منه حوى علماً

مقدس النفس طيب الذكر

أوصافه عطرت فأنشقنا

منهن تأريخه (شذى العطر)

ولجثمانه كرامة، فقد حدثني العالم العادل والثقة الورع السيد محمد بن القاسم الكاشاني النجفي قال: لما حضرت زوجته الوفاة أوصت أن تدفن إلى جنبه ولما حضرت دفنها - وكان ذلك بعد وفاة الشيخ بسبع سنين - نزلت في السرداب لأضع خدها على التراب حيث كانت من محارمي لبعض الأسباب، فلما كشفت عن وجهها حانت مني التفاتة إلى جسد الشيخ زوجها فرأيته طرياً كيوم دفن، حتى أن طول المدة لم يؤثر على كفنه ولم يمل لونه من البياض إلى الصفرة.

ترك شيخنا آثاراً هامة قلما رأت عين الزمن نظيرها في حسن النظم وجودة التأليف وكفى بها كرامة له، ونعود إلى حديثنا الأول فنقول: لوتأمل إنسان ما خلفه النوري من الأسفار الجليلة، والمؤلفات الخطيرة التي تموج بمياه التحقيق والتدقيق وتوقف على سعة في الاطلاع عجيبة، لم يشك في أنه مؤيد بروح القدس لأن أكثر هذه الآثار ما أفرغه في قالب التأليف بسامراء وهويوماك من أعاظم أصحاب السيد المجدد الشيرازي وقدمائهم وكبرائهم، وكان يرجع إليه مهام أموره وعنه يصدر الرأي، وكان من عيون تلامذته المعروفين في الآفاق فكانت مراسلات سائر البلاد بتوسطه غالباً وأجوبة الرسائل تصدر عنه وبقلمه، وكان قضاء حوائج المهاجرين بسعيه أيضاً كما كان سفير المجدد ونائبه في التصدق لسائر الأمور كزيارة العلماء والأشراف الواردين إلى سامراء واستقبالهم، وتوديع العائدين إلى أماكنهم، وتنظيم أمور معاش الطلاب وإرضائهم، وعيادة المرضى وتهيئة لوازمهم وتجهيز الموتى وتشييعهم، وترتيب مجالس عزاء سيد الشهداء عليه السلام والإطعامات الكثيرة وسائر أشغال مرجع عظيم كالمجدد الشيرازي، وغير ذلك كالزمن الذي ضاع عليه في الأسفار المذكورة في أول ترجمته، وكانت له عند السيد المجدد مكانة سامية للغاية فكان لا يسميه باسمه بل يناديه بـ (حاج آغا) احتراماً له وورث ذلك عنه أولاده فقد كان ذلك اسم النوري في أيام سكننا بسامراء - أفترى أن من يقوم بهذه الشواغل الاجتماعية المتراكمة من حوله يستطيع أن يعطي المكتبة نصيبها الذي تحتاجه حياته العلمية نعم إن البطل النوري لم يكن ذلك كله صارفاً له عن أعماله فقد خرج له في تلك الظروف ما ناف على ثلاثين مجلداً من التصانيف الباهرة، غير كثير مما استنسخه بخطه الشريف من الكتب النادرة النفيسة، أما في النجف وبعد وفاة السيد المجدد فلم يكن وضعه المادي كما ينبغي أن يكون لمثله وأتخطر إلى الآن أنه قال لي يوماً إني أموت وفي قلبي حسرة وهي أني

ما رأيت أحداً مدة عمري يقول لي يا فلان خذ هذا المال فاصرفه في قلمك وقرطاسك أواشتر به كتاباً أوأعطه لكاتب يعينك على عملك. ومع ذلك فلم يصبه ملل أوكسل فقد كان باذلاً جهده ومواصلاً عمله حتى الساعة الأخيرة من عمره، وتصانيفه صنفان (الأول) ما طبع في حياته وانتشرت نسخه في الآفاق وهو (نفس الرحمن) في فضائل سيدنا سلان طبع في (1285) و (دار السلام) فيما يتعلق بالرؤيا والمنام فرغ من تأليفه بسامراء في (1292) وطبع في طهران كلا جزأيه في 0135) ضمن مجلد ضخم كبير وطبع الجزء الأول منه مستقلاً مرة ثانية ذكرناه مفصلاً في (الذريعة) ج8 ص20 و (فصل الخطاب) في مسألة تحريف الكتاب فرغ منه في النجف في (28 - ج2، 1292) وطبع في (1298) وبعد نشره اختلف بعضهم فيه وكتب الشيخ محمود الطهراني الشهير بمعرب رسالة في الرد عليه سماها (كشف الارتياب) عن تحريف الكتاب. وأورد فيها بعض الشبهات وبعثها إلى المجدد الشيرازي فأعطاها للشيخ النوري وقد أجاب عنها برسالة فارسية مخصوصة نذكرها في القسم الثاني المخطوط من تآليفه (ومعالم العبر) في استدراك (البحار) السابع عشر و (جنة المأوى) فيمن فاز بلقاء الحجة عليه السلام في الغيبة الكبرى من الذين لم يذكرهم صاحب (البحار) أورد فيه تسعاً وخمسين حكاية فرغ منه في (1302) وطبعه المرحوم الحاج محمد حسن الأصفهاني الملقب بـ (الكمياني) أمين دار الضرب في آخر المجلد الثالث عشر من البحار الذي هوتميم له طبع ثانياً في طهران في (1333) راجع تفصيل ما ذكرناه في (الذريعة) ج5 ص159 - 160 و (الفيض القدسي) في أحوال العلامة المجلسي، فرغ منه في (1302) وطبع بها في أول (البحار) طبعة أمين الضرب المذكور و (الصحيفة الثانية العلوية) و (الصحيفة الرابعة السجادية) و (النجم الثاقب) في أحوال الإمام الغائب (ع) فارسي (الكلمة الطيبة) فارسي أيضاً و (ميزان السماء) في تعيين مولد خاتم الأنبياء فارسي ألفه بطهران في زيارته (1299) بالتماس

العلامة الزعيم المولى علي الكني و (البدر المشعشع) في ذرية موسى المبرقع، فرغ منه في (ع1 - 1308) وطبع فيها بمئبى على الحجر وعليه تقريظ المجدد ونسخة منه بخطه أهداها كتابة للحجة الميرزا محمد الطهراني وهي في مكتبته بسامراء كما فصلناه في ج3 ص68 و (كشف الأستار) عن وجه الغائب عن الإبصار في الرد على القصيدة البغدادية التي تضمنت إنكار المهدي عليه السلام و (سلامة المرصاد) فارسي في زيارة عاشوراء غير المعروفة وأعمال مقامات مسجد الكوفة غير ما هوالشائع الدائر بين الناس الموجود في المزارات المعروفة و (لؤلؤ ومرجان) درشرط بله أول ودوم روضه خان، يعني في الدرجة الأولى والثانية للخطيب يعني بذلك الإخلاص والصدق ألفه قبل وفاته بستة وطبع مرتين و (تحية الزائر) استدرك به على (تحفة الزائر) للمجلسي وطبع ثلاث مرات وهوآخر تصانيفه حتى أنه توفي قبل إتمامه فأتمه الشيخ عباس القمي حسب رغبة الشيخ وإرادته كما فصلناه في ج3 ص484، وطبع أيضاً ديوان شعره الفارسي بقطع صغير ويسمى بـ (المولودية) لأنه مجموع قصائد نظمها في الأيام المتبركة بمواليد الأئمة وفيه قصيدة في مد سامراء وهي قافيته وفيه قصيدته التي نظمها في مدح صاحب الزمان في (1295) وعد السيد محمد مرتضى الجنفوري في رسالته التي ألفها فهرساً لتصانيف الشيخ النوري من تصانيفه الفارسية المطبوعة، جوابه عن سؤال السيد محمد حسن الكمال بوري المطبوع في (البركات الأحمدية) وأهم آثاره المطبوعة وغير المطبوعة وأعظمها شأناً وأجلها قدراً هو (مستدرك الوسائل) استدرك فيه على كتاب (وسائل الشيعة) الذي ألفه المحدث الشيخ محمد الحر العاملي المتوفي في (1104) والذي هوأحد المجاميع الثلاث المتأخرة وهذا الكتاب في ثلاث مجلدات كبار بقدر الوسائل اشتمل على زهاء ثلاثة وعشرين ألف حديثاً جمعها من مواضيع متفرقة ومن كتب معتمدة مشتتة مرتباً لها على ترتيب الوسائل، وقد ذيلها بخاتمة ذات فوائد جليلة لا توجد في

كتب الأصحاب وجعل لها فهرساً تاماً للأبواب نظير فهرس الوسائل الذي سماه الحر بـ (من لا يحضره الإمام). ولكن مباشر الطبع عمل جدولاً من نفسه للفهرست وكتب كل باب في جدول فأدرج كلماً يسعه الجدول من الكلمات وأسقط الباقي فصار الفهرس المطبوع ناقصاً، وبالجملة لقد حظي هذا الكتاب بالقبول لدى عامة الفحول المتأخرين ممن يقام لآرائهم الوزن الراجح فقد اعترفوا جميعاً بتقدم المؤلف وتبحره ورسوخ قدمه وأصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة، فيجب على عامة المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليه ويرجعوا إليه في استنباط الأحكام عن الأدلة كي يتم لهم الفحص عن المعارض ويحصل اليأس عن الظفر بالمخصص حيث أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين للمؤلف ممن أدركنا بحثه وتشرفنا بملازمته، فقد سمعت شيخنا المولى محمد كاظم الخراساني صاحب (الكفاية) يلقي ما ذكرناه على تلامذته الحاضرين تحت منبره البالغين إلى خمسة مائة أوأكثر بين مجتهد أوقريب من الاجتهاد بأن الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لا تتم قبل الرجوع إلى (المستدرك) والاطلاع على ما فيه من الأحاديث انتهى، هذا ما قاله بنفسه عندما وصل بحث: العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص. وكان بنفسه يلتزم ذلك عملاً، فقد شاهدت عمه على ذلك عدة ليال وفقت فيها لحضور مجلسه الخصوصي في داره الذي كان ينعقد بعد الدرس العمومي لبعض خواص تلامذته كالسيد أبي الحسن الموسوي، والشيخ عبد الله الكبا يكانى، والشيخ علي الشاهرودي، والشيخ مهدي المازندراني، والسيد راضي الأصفهاني وغيرهم، وذلك للبحث في أجوبة الاستفتاءات، فكان يأمرهم بالرجوع إلى الكتب الحاضرة في ذلك المجلس وهي (الجواهر) و (الوسائل) و (مستدرك الوسائل) فكان يأمرهم بقراءة ما في المستدرك من الحديث الذي يكون مدركاً للفرع المبحوث عنه كما أشرت إليه في (الذريعة) ج2 ص110 - 111، وأما شيخنا الحجة شيخ الشريعة الأصفهاني فكان من الغالين في المستدرك ومؤلفه: سألته

ذات يوم - وكنا نحضر بحثه في الرجال - عن مصدره في المحاضرات التي كان يلقيها علينا فأجاب: كلنا عيال علي النوري. يشير بذلك إلى المستدرك، وكذا كان شيخنا الأعظم الميرزا محمد تقي الشيرازي وغير هؤلاء من الفطاحل مقر له بالعظمة رحمه الله.

و (الصنف الثاني) من آثار المترجم له مؤلفاته غير المطبوعة وهي (مواقع النجوم) ومرسلة الدر المنظوم. والشجرة المؤنقة العجيبة. وهي سلسلة في إجازة العلماء من عصره إلى زمن الغيبة، وهوأول مؤلفاته فرغ منه ليلة الاثنين (24 - رجب - 1275) ورسالة فارسية في جواب شبهات فصل الخطاب، و (ظلمات الهاوية) في مثالب معاوية و (شاخهء طوبى) في عشرة آلاف بيت في الختوم وأعمال شهر بيع الأول وبعض المطايبات. وتقريرات بحث أستاذه الطهراني وتقريرات المجدد رآهما بخطه الشريف في مكتبة الميرزا محمد العسكري لكنه احتمل أن الثاني لغيره وإنما استنسخه بخطه ومجموعة في المتفرقات فيها فوائد نادرة و (الأربعينات) مقالة مختصرة كتبها على هامش نسخة (الكلمة الطيبة) المطبوع جمع فيها أربعين أمراً من الأمور التي أضيف إليها عدد الأربعين في أخبار الأئمة الطاهرين عليهم السلام كما ذكرته في ج1 ص436 و (أخبار حفظ القرآن) ورسالة في ترجمة المولى أبي الحسن الشريف رأيتها بخطه على تفسير الشريف الموجود في (مكتبة الميرزا محمد العسكري) في سامراء وفهرس كتب خزانته رتبه على حروف الهجاء ورسالة في مواليد الأئمة (ع) على ما هوالأصح عنده أخذها الآغا نور محمد خان الكابلي نزيل كرمانشاه و (مستدرك مزار البحار) لم يتم و (حواشي رجال أبي علي) لم تتم و (حواشي توضيح المقال) الذي طبع في آخر رجال (أبي علي) نقلت جملة منها على نسختي وضاعت مني وله ترجمة المجلد الثاني من (دار السلام) لم تتم إلى غير ذلك من الحواشي والرسائل الغير تامة و (أجوبة المسائل) والأوراق المتفرقة وقد كتب ما كان يمليه في مجالس وعظه من الأخلاق والآداب جماعة منهم، المولى محمد

حسين القمشهي الصغير الذي مر ذكره في القسم الأول من هذا الكتاب ص520 كما أنه لم يدع كتاباً في مكتبته وعلق عليه وشرع موضوعه وأحوال مؤلفه، وما هنالك من الفوائد، وأسفي شديد على ضياع تلك المكتبة وتفرقها حيث كان فيها بعض الأصول الأربعمائة التي لم يقف عليها أحد قبله، وله في جمع الكتب قضايا، مر ذات يوم في السوق فرأى أصلاً من الأصول الأربعمائة في يد امرأة عرضته للبيع ولم يكن معه شيء من المال فباع بعض ما عليه من الألبسة واشترى الكتاب، وأمثال ذلك كثير وهوسند من أجل الأسناد الثابتة ليوم المعاد، وكيف لا وهوخريت هذه الصناعة وإمام هذا الفن سبر غور علم الحديث حتى وصل إلى الأعماق فعرف الحابل من النابل وماز الغث من السمين، وهوخاتمة المجتهدين فيه أخذه عنه كل من تأخر من أعلام الدين وحجج الإسلام وقلما كتبت إجازة منذ نصف قرن إلى اليوم ولم تصدر باسمه الشريف، وسيبقى خالد الذكر ما بقي لهذه العادة المتبعة من رسم، وهوأول من أجازني وألحقني بطبقة الشيوخ في سن الشباب وقد صدرت عنه إجازات كثيرة بين كبيرة ومتوسطة ومختصرة وشفاهية ذكرنا منها في (الذريعة) ج1 ص181 ست إجازات وقد ترجمنا والده في القسم الأول من (الكرام البررة) ص222، ولشيخنا أربعة أخوة كلهم أكبر منه (1) الفقيه الكبير الشيخ الميرزا هادي اشتغل في النجف مدة طويلة وعاد إلى بلاده بعد وفاة والده بسنين فصار مرجعاً للأمور ثلاث عشرة سنة إلى أن توفي في حدود (12) وخلف ولده الميرزا مهدي (2) العالم الحكيم الآغا ميرزا علي، كان فقيهاً فيلسوفاً انتهت إليه المرجعية بعد أخيه المذكور إلى أن توفي في نيف وتسعين ومائتين وألف. وولدته ابنة الميرزا ولي المستوفي (3) و (4) الميرزا حسن والميرزا قاسم كانا من الفضلاء الأعلام كما كانا يدرسان سطوح الفقه والأصول وتوفيا قبل (1300) ولعل الغير يرى فيه إطناباً أوإغراقاً أما أنا فلم أكتب عنه سوى مختصر مما رأيته أيام معاشرتي له،

والله شهيد على ما أقول فقد رأيته عالماً ربانياً إلاهياً. وما خفي عني أكثر وأكثر والله المحيط. وقد ذكرته في (هدية الرازي) وفي (الإسناد المصطفى) إلى آل بيت المصطفى المطبوع في النجف (1356) ص5 - 6 وحصل هناك في اسم جده تقديم وتأخير فقد جاء هناك: محمد علي وصحيحه كما هومثبت هنا على محمد" ["أعلام الشيعة" للطهراني الجزء الأول من القسم الثاني ص544 إلى 555].

هذا ما قاله آغا الظهراني في صاحبنا هذا النوري الطبرسي الذي نحن بصدد إصدار جزء من كتابه، وبهذا يعرف مقام الرجل وقيمته.

هذا وبهذا كله ظهر شأن الرجل وقيمته، وما دمنا خصصنا له ولكتابه هذا الباب بل وبتعبير صحيح هذا الكتاب لا بأس أن ننقل ههنا ما ذكره محسن الأمين في موسوعته (أعيان الشيعة) عنه فيقول:

الميرزه حسين ابن الشيخ محمد تقي بن محمد علي أوعلي محمد النوري الطبرسي ولد في 18 شوال سنة 1254 في قرية يالومن قرى نور يلفظ اسم الضياء إحدى كور طبرستان وتوفي بالنجف ليلة الأربعاء 27 جمادى الآخر في سنة 1320، ودفن في الصحن الشريف في الإيوان الثالث منه عن يمين الداخل من جهة القبلة.

كان عالماً فاضلاً محدثاً متبحراً في علمي الحديث والرجال، عارفاً بالسير والتاريخ منقباً فاحصاً ناقماً على أهل عصره عدم اعتنائهم بعلمي الحديث والرجال زاهداً عابداً لم تفته صلاة الليل وكان وحيد عصره في الإحاطة والاطلاع على الأخبار والآثار والكتب الغريبة وجمع من نفائس المخطوطات كتباً كثيرة دخلت عليه مرة وهي منضدة حوله لكنها تفرقت بعد موته أيدي سبا وكان لا يفتر عن المطالعة والتأليف يحكى عنه أنه كان في زيارة كربلا فرأى عند رجوعه في السوق امرأة بيدها كتابان تريد بيعهما فنظرهما فإذا هما من نفائس الكتب وقد كان له مدة يطلبهما ولا يجدهما فساومها عليهما فطلبت منه قيمة فدفع لها باقي نفقته فلم تكف فنزع عباءته وأعطاها الدلال فباعها فلم تكف قيمتها فنزع قباءه وباعه وأتم لها القيمة ومؤلف هذا الكتاب يجد من نفسه أنه لواتفق له ما اتفق للمترجم لم يتوقف عن أن يفعل كما فعل وكان يقرأ بنفسه في مجالس الذكرى التي يقيمها في داره لوفيات أهل البيت عليهم السلام وحضرت يوماً في بعض تلك المجالس فسمعته يقول أن الكلام المنسوب إلى الأصبغ بن نباتة أنه خاطب به أمير المؤمنين عليه السلام لما ضربه ابن الملجم الذي فيه أن البرد لا يزلزل الجبل الأشم ولفحة الهجير لا تجفف البحر الخضم والليث يقوى إذا ارتعش لا أصل له ولم يروفي كتاب.

ثم إني حينما ألفت في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام فتشت فلم أجد له أثراً" ["أعيان الشيعة" ج27 ص139، 140، 141 الطبعة الأولى مطبعة الإتقان دمشق عام 1367].

وبعد ذلك تكلم عن مشائخه وتلامذته ومصنفاته وأخباره وأحواله التي مر بيانها من قبل.

وقد ترجم له الكحالة ووصفه بأنه محدث، عارف بالرجال والسير والتاريخ والكتب مشارك في بعض العلوم" [انظر لذلك "معجم المؤلفين" للكحالة ج4 ص46 ط الترقي دمشق 1957م].

كما ترجم له علي أكبر دهخدا في موسوعته (لغت نامه) [شماره 29 ص140 ط مطابع مجلس طهران 1335 شمسي].

وترجم لنفسه نفسه في آخر كتابه (مستدرك الوسائل) [المجلد الثالث ص877، 878 ط دار الخلافة طهران 1321ه‍].

وذكره إياه ومصنفاته كل من الزركلي في (الأعلام) [ج2 ص282 الطبعة الثانية] وصاحب (إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون) [ج1 ص369].

وأما كتابه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) فلقد ذكر الطهراني في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) بقوله:

فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب لشيخنا الحاج الميرزه حسين النوري الطبرستاني.... وقد رد عليه الشيخ محمود الطهراني الشهير بالمعرب برسالة سماها (كشف الارتياب عن تحريف الكتاب) فلما بلغ ذلك الشيخ النوري كتب رسالة فارسية مفردة في الجواب عن شبهات (كشف الارتياب) وكان ذلك بعد طبع كتاب (فصل الخطاب) ونشره.... وطبع (فصل الخطاب) في طهران وكان قد فرغ منه في النجف لليلتين بقيتا بالجمادى الأخرى في سنة 1292ه‍ أوله: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ["الذريعة" ج16 ص231، 232].

فرد على هذا الكتاب الشيخ محمود المعرب الطهراني بكتابه (كشف الارتياب) وذكره الطهراني في (الذريعة):

"كشف الارتياب للفقيه الشيخ محمود بن أبي القسم الشهير بالمعرب الطهراني، المتوفى أوائل العشر الثاني بعد الثلاثمائة كتبه رداً على (فصل الخطاب لشيخنا النوري. فلما عرض على الشيخ النوري كتب رسالة مفردة في الجواب عن شبهاته، وكان يوصي كل من كان عده نسخة من (فصل الخطاب) بضم هذه الرسالة إليه، حيث أنها بمنزلة المتممات له. أول (كشف الارتياب):

(الحمد لله الذي أنز على عبده الكتبا) وفرغ منه في السابع عشر من جمادى الآخرة في 1302 ["الذريعة" ج18 ص9].

فرد عليه النوري بكتابه كما ذكره الطهراني:

الرد على (كشف الارتياب) الذي ألفه الشيخ محمود المعرب الطهراني وأورد فيه شبهاته على (فصل الخطاب) تأليف شيخنا النوري الميرزا حسين بن المولى محمد تقي الطبري المتوفى ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الآخرة عشرين وثلثمائة وألف وهومؤلف الرد أيضاً وكان يوصي كل من عنده (فصل الخطاب) أن يضم إليه هذه الرسالة التي هي في دفع الشبهات التي أوردها الشيخ محمود عليه، وهي فارسية لم تطبع بعد. رأيت نسخة منه بخط المولى علي محمد النجف آبادي ألحقها بنسخة (فصل الخطاب المطبوع التي كانت عنده والموجودة في مكتبة (التسترية) اليوم. أوله (الحمد لله رب...) وألفه في المحرم سنة 1303 واستنسخه المولى المذكور 1304" ["الذريعة" ج0 ص220، 221].

وأيده كذلك ملا باقر بن إسماعيل الكاجوري بكتابه (هداية المرتاب في تحريف الكتاب) كما ذكره الطهراني في (الذريعة) [ج25 ص191].

كما نصره أيضاً ملا محمد بن سليمان بن زوير السليماني ذكره صاحب، الذريعة في كتابه:

"استوفى فيه جملة من الأخبار ما يزيد على مائتين وخمسين خبراً، وعقب ذلك بذكر كلام بعض المثبتين وذكر بعض الدافعين" [انظر لذلك "الذريعة ج18 ص27].

كما أيده أيضاً الشيخ هادي النجفي في كتابه (محجة العلماء).

وكذلك (الكفاية) للخراساني" ["الذريعة" ج16 ص232، وج20 ص144].

كما كتب رداً عليه (نزاهة المصحف) للشريف الشهرستاني" ["الذريعة" ج24 ص105].

مع أنه ظاهر البطلان، ولا يخفى على كل من يقرأ ويطالع (فصل الخطاب) وقد سماه مؤلفه نفسه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) ولأجل ذلك يقول الطهراني: لكننا صرفنا النظر عن نشره".

فهذا هوالكتاب وهذا ما قيل فيه، وقد ذكره محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الشيعي في كتابه (أحسن الوديعة) الذي كتبه تتميماً لروضات الجنات للخوانساري تحت ترجمة النوري هذا:

"هوالشيخ المحدث الحاج الميرزه حسين النوري المتولد في الثامن عشر من شهر شوال من سنة أربع وخمسين بعد المائتين والألف، والمتوفى في ليلة الأربعاء سابع عشر من شهر جمادى الثانية سنة 1320ه‍، والمدفون في إيوان حجرة بانوعظمى بنت سلطان الناصر لدين الله وهوإيوان الحجرة الثالثة القبلية عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف المرتضوي من الباب الموسوم بباب القبلة هذا، وله مؤلفات منها (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) طبع في إيران على الحجر بقطع (الأمالي) لشيخنا الطوسي وليته ما ألفه، وقد كتب في رده بعض العلماء رسالة شريفة بين فيها ما هوالحق، وشنع على المحدث النوري علماء زمانه، وقد أخبرني بعض الثقات أن المسيحيين ترجموا هذا الكتاب بلغاتهم ونشروها، ["أحسن الوديعة" للأصفهاني ص89، 90 ط مطبعة النجاح].

فهذا هوالكتاب، وذاك هوالكاتب.

والآن نبدأ في سرد كلام النوري الطبرسي، القسم الأخير من كتابه (فصل الخطاب) من صفحة 235 من الدليل الحادي عشر في إثبات التحريف في القرآن وقد يحسن بنا قبل البدء أن نذكر بداية الكتاب وفهرسته كي يسهل على القارئ الفهم وربط الموضوع بالسابق كما نثبت صورة الصفحة الأولى والثانية والأخيرة من الطبعة الأولى التي طبعها المصنف نفسه.

وأيضاً يجدر بنا أن نقول إننا أبقينا أسلوب النوري لبيان العدد حيث يعدد كالعادة القديمة بحروف الأبجد، ولكننا أضفنا نحن على ذلك التركيب العددي أرقاماً لسهولة العدد ولمعرفة أرقام الروايات مسلسلاً وبدون كلفة.

بداية كتاب فصل الخطاب

فهذا هوبداية الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم: فهرست ما في هذا الكتاب الشريف من المطالب إجمالاً.

المقدمة الأولى في ذكر الأخبار التي وردت في جمع القرآن وسبب جمعه وكونه في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع وأن تأليفه يخالف تأليف المؤمنين.

المقدمة الثانية في بيان أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن والممتنع دخوله فيه.

المقدمة الثالثة في ذكر أقوال علمائنا في تغيير القرآن وعدمه.

الباب الأول

في ذكر ما يدل أواستدلوا به على وقوع التغيير والنقصان في القرآن.

الدليل الأول مركب من أمور:

(ألف) وقوع التحريف في التوراة والإنجيل بطرز حسن لطيف.

(ب) في أن كلما وقع في الأمم السالفة يقع في هذه الأمة.

(ج) في ذكر موارد شبه فيها بعض هذه الأمة بنظيره في الأمم السابقة مدحاً أوقدحاً.

(د) في أخبار خاصة فيها دلالة على كون القرآن كالتوراة والإنجيل في وقوع التغيير فيه.

الثاني - أن كيفية جمع القرآن مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه وفيه إجمال حال كتاب الوحي.

الثالث - في إبطال وجود منسوخ التلاوة وأن ما ذكروه مثالاً له لا بد وأن يكون مما نقص من القرآن.

الرابع - في أنه كان لأمير المؤمنين عليه السلام قرآناً مخصوصاً يخالف الموجود في الترتيب وفيه زيادة ليست من الأحاديث القدسية ولا من التفسير والتأويل.

الخامس - أنه كان لعبد الله بن مسعود مصحفاً معتبراً فيه ما ليس في القرآن الموجود.

السادس - أن الموجود غير مشتمل لتمام ما في مصحف أبي المعتبر عندنا.

السابع - أن ابن عفان لما جمع القرآن ثانياً أسقط بعض الكلمات والآيات وفيه كيفية جمعه وبعض ما أسقطه واختلاف مصاحفه وما أخطأ فيه الكتاب.

الثامن - في أخبار كثيرة دالة صريحاً على وقوع النقصان زيادة على ما هورواها المخالفون.

التاسع - أنه تعالى ذكر أسماء أوصيائه وشمائله - كذا - في كتبه المباركة السالفة فلا بد أن يذكرها في كتابه المهيمن عليها وفيه ما وصل إلينا من ذكرهم (ع) في المصحف الأولى مما لم يجمع في كتاب.

العاشر - إثبات اختلاف القراء في الحروف والكلمات وغيرها وإبطال نزوله على غير وجه واحد وفيه شرح أحوال القراء وإثبات وجود التدليس في أسانيدهم.

الحادي عشر - في أخبار كثيرة دالة صريحاً على وقوع النقصان في القرآن.

الثاني عشر - في أخبار خاصة كك رتبناها على ترتيب سور القرآن وفيه ذكر الجواب عن شبهات أوردها على الاستدلال بها.

الباب الثاني

ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير من الآيات والأخبار والاعتبار والجواب عنها مفصلاً وفيه ذكر وقوع التحريف في التوراة ثانياً في عهد الرسول (ص).

القسم الأخير من كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب

لمُحَدِّث الشيعة النوري الطبرسي

الدليل الحادي عشر في إثبات التحريف في القرآن

الأخبار الكثيرة المعتبرة الصريحة في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن زيادة على ما مر متفرقاً في ضمن الأدلة السابقة وأنه أقل من تمام ما نزل إعجازاً على قلب سيد الإنس والجان من غير اختصاصها بآية أوسورة، وهي متفرقة في الكتب المعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأصحاب. جمعت ما عثرت عليها في هذا الباب بعون الله الملك الوهاب.

(ألف) 1ـ ثقة الإسلام في آخر كتاب (فضل القرآن) من (الكافي) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أن القرآن الذي جاء به جبرائيل (ع) إلى محمد - - صلى الله عليه وسلم - سبعة عش ألف آية.

(ب) 2ـ المولى محمد صالح في (شرح الكافي) عن (كتاب سليم بن قيس الهلالي) أن أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه ويؤلفه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه كله، وكتب على تنزيله الناخس والمنسوخ منه، والمحكم والمتشابه، والوعد والوعيد، وكان ثمانية عشر ألف آية.

(ج) 3ـ أحمد بن محمد السياري في (كتاب القراءات) عن علي بن لحكم عن هشام بن سالم، قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد - - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف آية.

(د) 4ـ في (الكافي): عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا. كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم. فسيجيئكم من يعلمكم.

(ه‍) 5ـ وفيه عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن هاشم، عن سالم بن أبي سلمة، قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأها الناس، فقال: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأها الناس حتى يقوم القائم عليه السلام، فإذا قام القائم (ع) قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام ورواه الصفار في (البصائر) عن محمد بن الحسين مثله.

(و) 6ـ عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن علي بن الحكم عن عبد الله بن جندب عن سفيان بن سمط، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تنزيل القرآن، فقال: اقرؤوا كما علمتم.

(ز) 7ـ الثقة الجليل محمد بن مسعود العياشي في تفسيره بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجي، ولوقد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن، قال المحدث البحراني في (الدرر النجفية): يمكن حمل الزيادة في هذا الخبر على التبديل حيث أن الأصحاب ادعوا الإجماع على عدم الزيادة فيه، والأخبار الواردة في هذا الباب مع كثرتها ليس فيها ما هوصريح في الزيادة، فتأويل هذا الخبر بما ذكرنا لا بعد فيه إلا أنه يأتي الإشارة إلى زيادة بعض الحروف، ويأتي ذكره في محله.

(ح) 8ـ وعنه بإسناده عن الصادق (ع): لوقرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين.

(ط) 9ـ وعنه بإسناده عن إبراهيم بن عمرو، قال: قال أبوعبد الله (ع)، أن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هوكائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى، يعرف ذلك الوصاة.

ورواه الصفار في (البصائر) عن أحمد بن محمد بن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر وعنه (ع).

(ي) 10ـ وعنه بإسناده عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن القرآن طرح منه آي كثير ولم يزد فيه إلا حروفاً أخطأت به الكتبة وترهمتها الرجال.

(يا) 11ـ علي بن إبراهيم في تفسيره عن علي بن الحسين عن أحمد بن أبي عبد الله عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: لوأن الناس قرؤوا القرآن كما أنزل الله ما اختلف اثنان" قال في (الدرر): وهوواضح الدلالة في المطلوب، والمراد لا تعتريه شائبة الشبهة والإيراد، قلت وهوكك [يعني به كذلك] إذ الظاهر أن المراد رفع الاختلاف في أمر الإمامة والرياسة أوما هومثلها والظاهر أن ما به يزول الاختلاف من جهة قراءته كما أنزل هووجود اسم الرئيس فيه بحيث لا يحتمل غيره، وإلا فالاختلاف موجود وحمل الخبر على حمله على أسباب نزوله ينافي كون رافع الاختلاف القراءة كما أنزل إذ هوعلى ما ذكر تفسيره كك [يعني به كذلك] وهوخلاف ظاهر مع أن رافع الاختلاف في أسباب النزول لتعارض ما ورد فيه هوظاهر القرآن أيضاً، فلا يتوقف هوعليه.

(يب) 12ـ الشيخ أبوعمروالكشي في رجاله في ترجمة أبي الخطاب عن أبي خلف بن حماد عن أبي محمد الحسن بن طلحة عن أبي فضال عن يونس بن يعقوب عن بريد العجلي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش سبعة وتركوا أبا لهب.

(يج) 13ـ محمد بن إبراهيم النعماني في غيبته عن أحمد بن هوذه عن النهاوندي عن عبد الله بن حماد عن صباح المزني عن الحارث بن الحصيرة عن أصبغ بن نباتة، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل: قلت: يا أمير المؤمنين أوليس هوكما أنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبولهب إلا للإزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله [أي - - صلى الله عليه وسلم -] لأنه عمه:

(يد) 14ـ محمد بن العباس ماهيار في تفسيره على ما نقله عنه الشيخ شرف الدين النجفي في تأويل الآيات الباهرة في سورة زخرف عن محمد بن مخلد الدهان عن علي بن أحمد العريضي بالرقة عن إبراهيم بن علي بن جناح عن الحسن بن علي بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى علي عليه السلام إلى أن قال: قام الصادق عليه السلام: ولقد قال عمروبن العاص على منبر مصر: محي من كتاب الله ألف حرف، وحرف منه بألف درهم، وأعطيت ألف درهم على أن يمحى "إن شانئك هوالأبتر"، فقالوا: لا يجوز ذلك، فكيف جاز ذلك لهم ولم يجز لي؟ فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه: قد بلغني ما قلت على منبر مصر ولست هناك.

(يه) 15ـ عماد الدين محمد بن أبي القاسم في (بشارة المصطفى) عن الشيخ أبي البقاء إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم البصير قراءة عليه في المحرم سنة 16ه‍ في مشهد أمير المؤمنين عليه السلام عن أبي طالب محمد بن الحسن بن عيينة عن أبي الحسن محمد بن الحسين بن أحمد عن محمد بن وهبان الديبلي عن علي بن أحمد بن كثير العسكري عن أحمد بن الفضل أبوسلمة الأصفهاني عن أبي علي راشد بن علي بن وابل القرشي عن عبد الله حفص المدني، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن سعد بن زيد بن أرطأة عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته إليه، وهي طويلة شريفة جامعة لفوائد كثيرة، وفيها: يا كميل إن الله عز وجل كريم حليم عظيم رحيم، دلنا على أخلاقه وأمرنا بالأخذ بها، وحمل الناس عليها، فقد أديناها غير مختلفين وصدقناها غير مكذبين، وقبلناها غير مرتابين، لم يكن لنا والله شياطين يوحي إليها وتوحي إلينا كما وصف الله تعالى قوماً ذكرهم الله عز وجل بأسمائهم في كتابه لوقرء كما أنزل: شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً: الوصية".

(يو) 16ـ الحسين بن حمدان الحضيني في هدايته وفي كتابه الآخر الذي وصل إلينا منه ما يتعلق بالإمام الثاني عشر عليه السلام عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان عن الحسنين عن أبي شعيب عن محمد بن نصير عن عمروبن فرات عن محمد بن المفضل عن مفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام في حديث طويل في أحوال القائم عليه السلام، وفيه: أنه يسند ظهره (ع) إلى الكعبة ويقول - إلى أن قال -: ثم يتلوالقرآن، فيقول المسلمون: هذا وإنه القرآن حقاً الذي أنزله الله على محمد - - صلى الله عليه وسلم -، وما أسقط وبدل وحرف، لعن الله من أسقطه وبدله وحرفه، وفي موضع آخر منه أن الحسني يقول للمهدي صلوات اله عليه: إن كنت مهدي آل محمد عليه السلام فأين المصحف الذي جمعه جدك أمير المؤمنين عليه السلام بغير تغيير ولا تبديل؟

(يز) 17ـ غير واحد من أجلة المحدثين عن الحسن بن سليمان الحلي. قال: وجدت بخط مولانا أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام: أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب ونسوالله رب الأرباب والنبي وساقي الكوثر في مواقف الحساب، فنحن السنام الأعظم، وفينا النبوة والولاية والكرم، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا ويقتفون آثارنا.

(يح) 18ـ الشيخ الطبرسي في (الاحتجاج) قال: جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم، وساق الخبر وهوطويل، وفيه تسعة مواضع فيه دلالة صريحة على النقصان والتحريف ذكرناها في حال مصحف أمير المؤمنين (ع).

واعلم أنه رحمه الله قال في أول كتابه، ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أوموافقته لما دلت عليه العقول أولاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والموالف إلا ما أوردته عن أبي محمد عليه السلام الخ. وروى هذا الخبر الشيخ الصدوق (ره) في (كتاب التوحيد) عن أحمد بن الحسن القطان عن أحمد بن يحيى عن بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب بن مطر، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن عبد العزيز الأحدث، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا طلحة بن زيد عن عبد الله عن أبي معمر السعداني أن رجلاً أتى أمير المؤمنين عليه السلام - وساق الخبر مع نقصان كثير عما في (الاحتجاج) منه ما يتعلق بنقصان القرآن وتغييره إما لعدم الحاجة إليه كما يفعل ذلك كثيراً فيه وفي سائر كتبه أولعدم موافقته لمذهبه.

قال المحقق النحرير الشيخ أسد الله الكاظميني في (كشف القناع) في جملة كلام له:

وبالجملة فأمر الصدوق مضطرب جداً، ولا يحصل من فتواه غالباً علم ولا ظن، لا يحصل من فتاوى أساطين المتأخرين وكذلك الحال في تصحيحه وترجيحه، وقد ذكر صاحب (البحار) حديثاً عنه في (كتاب التوحيد) عن الدقاق عن الكليني بإسناده عن أبي بصير عن الصادق عليه السلام، ثم قال: هذا الخبر مأخوذ من (الكافي)، وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق، وأنه إنما فعل ذلك لتوافق مذهب أهل العدل انتهى، وربما طعن عليه بعض القدماء بمثل ذلك في حديث رواه في العمل في الصوم بالعدد، وهذا عجيب من مثله، وكيف كان فالأول أظهر.

(يط) 19ـ أحمد بن محمد السياري في (كتاب القراءات) عن محمد بن سليمان عن مروان بن الجهم عن محمد بن مسلم قال: قرأ أبوجعفر عليه السلام بين يدي آيات من كتاب الله جل ثناؤه، فقلت له: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: صدقت نقرؤه والله كما نزل به جبرائيل على محمد - - صلى الله عليه وسلم -، ما يعرف القرآن إلا من خوطب به.

(ك) 20ـ عن سيف وهوابن عميرة عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لوترك القرآن كما أنزل لألفينا [هكذا في الكتاب، وفي الأصل "ألفيتنا" كما هومذكور في (تفسير الصافي)] فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا.

(كا) 21ـ عن أبي سالم عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: أنه قال: يا حبيب إن القرآن قد طرح منه آي كثير، ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت بها الكتاب وتهمتها الرجال.

(كب) 22ـ عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمير النجفي، قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: إن القرآن فيه خبر ما مضى وما يحدث وما كان وما هوكائن، وكانت أسماء الرجال فألقيت.

(كج) 23ـ عن علي بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن مسكان عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: لولا أنه زيد في القرآن ونقص ما خفي حقنا على ذي حجي، ولوقد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن.

(كد) 24ـ وعن ابن فضال عن داؤه بن زيد عن بريد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزل القرآن في سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركت أبا لهب.

(كه) 25ـ وعن الحجال عن قطبة بن ميوون عن عبد الله الأعلى، قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: أصحاب العربية يحرفون كلام الله عز وجل عن مواضعه، والظاهر أنه (ع) أشار إلى التغييرات التي وقعت في القرآن من جهة تصرفات القراء وأرباب الأدبية فيه يما يقتضيه قواعدهم الغير المنتهية إلى النبي (- - صلى الله عليه وسلم -) ولا إلى أهل اللسان كما أشرنا. وكفى في ذلك بعض أقسام الإدغام الواجب عند بعضهم المغير لهيئة الكلمة لسقوط حرف منها وتبديله بآخر يقاربه في المخرج وهكذا.

(كو) 26ـ النعماني في غيبته عن ابن عقدة عن علي بن الحسين عن الحسن ومحمد ابني يوسف عن سعدان بن مسلم عن صباح المزني عن الحارث بن حضيرة عن حبة العوفي، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل، أما إن قام قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته.

(كز) 27ـ النعماني رحمه الله في تفسيره عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة عن جعفر بن أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي عن إسماعيل بن مهران عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن إسماعيل بن جابر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: في القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه إلى أن عد (ع) من الأقسام ومنه حرف مكان حرف، ومنه ما هومحرف عن جهته، ومنه ما هوعلى خلاف تنزيله، ثم شرح الإمام وذكر لكل واحد أمثلة إلى أن قال: وأما ما حرف من كتاب الله فقوله تعالى: كنتم خير أمة، وعد بعض الآيات المحرفة كما يأتي، وقال في آخره: ومثل هذا كثير.

(كح) 28ـ الشيخ الكشي في أول رجاله عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي، قال: حدثني علي بن حبيب المدايني عن علي بن سويد التائي، قال: كتب إلي أبوالحسن الأول عليه السلام وهوفي السجن:

وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم إنهم ائتمنوا على كتاب الله عز وجل وعلا، فحرفوه وبدلوا فعليهم لعنة الله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة.

(كط) 29ـ محمد بن الحسن الصفار في (بصائر الدرجات) عن أحمد بن محمد عن الحسين قال: حدثني أحمد بن إبراهيم عن عمار عن إبراهيم بن الحسين بن بسطام عن عبد الله بن بكير، قال: حدثني عمر بن يزيد عن هشام الجواليقي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن لله مدينة خلف البحر سعتها مسير أربعين يوماً، فيها قوم لم يعصوا الله قط - إلى أن قال -: إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إليه إذا حبسنا ظنوا أن ذلك من سخط يتعاهدون ساعة التي تأتيهم فيها لا يسئمون ولا يفترون، يتلون كتاب الله كما علمناهم، وإن فيما نعلمهم ما لوتلي على الناس لكفروا به ولأنكروه.

(ل) 30ـ الشيخ محمد بن الحسن الشيباني، في أول تفسيره المسمى بـ (نهج البيان) قال بعض المفسرين ممن روى عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) فقال: إن القرآن المجيد يشتمل على أمر ونهي، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وبيان ومبين، ومجمل ومفسر، ومطلق ومقيد" وحقيقة ومجاز، وعام وخاص، ومقدم ومؤخر، وعلى المعطوف المنقطع وعلى الحرف مكان الحرف، وفيه ما هوعلى خلاف الظاهر في التنزيل - إلى أن ذكر من أمثلة الأخير - قوله تعالى: ولما ضرب ابن مريم إذا قومك منه يضجون، فحرفوها يصدون وكقوله تعالى: "بلغ ما أنزل إليك من ربك" في علي عليه السلام فمحوا اسمه.

(لا) 31ـ الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي عن صفوان بن يحيى عن أبي الجارود عن عمران بن هيثم عن مالك بن حمزة عن أبي ذر قال لما نزلت هذه الآية: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: ترد علي أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الأمة، فاسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون: أما الأكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه، فأقول: ردوا إلي النار ظمئاً مظمئين، مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية فرعون هذه الأمة، فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أما الأكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه، وأما الأصغر فعاديناه وقاتلناه، فأقول لهم: ردوا إلى النار ظماء مظمئين، مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية مع سامري هذه الأمة، فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أما الأكبر فعصيناه وتركناه وأما الأصغر فخذلناه وضيعناه وصنعنا به كل قبيح، فأقول: ردوا إلى النار ظماء، مظمئين، مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية ذي الثدية مع أول الخوارج وآخرهم فاسألهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أما الأكبر فمزقناه وبرئنا منه وأما الأصغر فقاتلناه، فاقول لهم: ردوا إلى النار ظماء مظمئين، مسودة وجوهكم، ثم ترد علي راية مع إمام المتقين وسيد الوصيين وقائد الغر المحجلين فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون أما الأكبر فاتبعناه وأما الأصغر فأحببناه وواليناه وأردناه ونصرناه حتى اهريقت فيهم دماءنا، فأقول لهم: ردوا إلى الجنة، روى مرويين مبيضة وجوهكم، ثم تلا رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - "يوم تبيض وجوه وتسود جوه" الآية.

(لب) 32ـ السيدان الجليلان أبوالقاسم بن رضي الدين بن طاؤس في (زوائد الفوائد) والسيد المحدث الجزائري في (أنوار النعمانية) عن الشيخ العالم أبي جعفر محمد بن جرير الطبري قال: أخبرنا الأمين السيد أبوالمبارك أحمد بن محمد بن أردشبر الدستاني قال: أخبرنا السيد أبوالبركات محمد الجرجاني قال: أخبرنا هبة الله القمي واسمه يحيى قال: حدثنا إسحاق بن محمد قال حدثنا الفقيه الحسن السامري أنه قال كنت أنا ويحيى بن أحمد بن جريح البغدادي فقصدنا أحمد بن إسحاق البغدادي وهوصاحب الإمام الحسن العسكري عليه السلام بمدينة "قم" فقرعنا عليه الباب، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية، فسألناها عنه؟ فقالت: هومشغول وعياله فإنه يوم عيد، فقلنا: سبحان الله، الأعياد عندنا أربعة، عيد الفطر، عيد النحر، والغدير، والجمعة قالت: روى سيدي أحمد عن إسحاق عن سيده العسكري عن أبيه علي بن محمد عليهما السلام أن هذا يوم عيد وهوخيار الأعياد عند أهل البيت عليهم السلام وعند مواليهم - إلى أن ذكر - خروج أحمد بن إسحاق إليهم، ورواية عن العسكري عن أبيه أن حذيفة دخل في يوم التاسع من ربيع الأول على رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - وذكره بعض فضائل هذا اليوم ومثالب من يقتل فيه، قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، في أمتك وأصحابك وفي هذا الحرم قال (- - صلى الله عليه وسلم -): جبت من المنافقين يظلم أهل بيتي، ويستعمل في أمتي الربا، ويدعوهم إلى نفسه، ويتطول على الأمة من بعدي، ويستجلب أموال الله من غير حله وينفقها في غير مناعة، ويحمل على كتفه درة الخزي، ويضل الناس عن سبيل الله، ويحرف كتابه، ويغير سنتي - إلى أن قال - ثم قام رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - فدخل بيت أم سلمة فرجعت عنه وأنا غير شاك في أمر الشيخ الثاني، حتى رأيته بعد رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - قد فتح الشر، وأعاد الكفر والارتداد عن الدين، وحرف القرآن.

(لج) 33ـ الشيخ الجليل سعد بن عبد الله القي في (بصائره) على ما نقله عن الشيخ حسن بن سليمان الحلي في (منتخبه) عن القاسم بن محمد الأصفهاني. عن سليمان بن داود المنقري المعروف بالشاد كوني، عن يحيى بن آدم عن شريك بن عبد الله عن جابر بن زيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: دعا رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - بمنى فقال: أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين، أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي والكعبة البيت الحرام، ثم قال أبوجعفر عليه السلام، أما كتاب الله فحرفوا وأما الكعبة فهدموا وأما العترة فقتلوا، وكل ودايع الله قد نبذوا، منها قد تبرأوا، ورواه الصفار في الجزء الثامن من (بصائره) عن علي بن محمد عن القاسم بن محمد مثله.

(لد) 34ـ الصدوق في (الخصال) عن محمد بن عمر الجعاني عن عبد الله بن بشير عن الحسن بن الزبرقان عن أبي بكر بن عياش عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - - صلى الله عليه وسلم - قال: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة، يا رب قتلونا وطردونا، فأحبثوا للركبتين في الخصومة فيقول الله لي: أنا أولى بذلك.

(له) 35ـ ثقة الإسلام في (روضة الكافي) عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران عن محمد بن منصور الخزاعي عن سويد ومحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن عمه حمزة بن بزيع عن علي بن سويد والحسن بن محمد عن محمد بن أحمد النهدي عن إسماعيل بن مهران عن محمد بن منصور عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهوفي الحبس كتاباً، أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة احتبس الجواب عني شهراً ثم أجابني بجواب. هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين - إلى أن قال -: ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، وتدري ما خانوا فإنهم أماناتهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه، الخبر. ورواه الصدوق بسند صحيح مثله.

(لو) 36ـ الثقة الجليل حسين بن سعيد الأهوازي في كتابه على ما نقله عنه في البحار عن أبي الحسن بن عبد الله بن أبي يعفور قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده نفر من أصحابه فقال لي: يا ابن يعفور هل قرأت القرآن؟ قال: قلت: نعم قرأت هذه القرانة قال: عنها سألتك ليس من غيرها قال: فقلت: نعم جعلت فداك، ولم قال؟ لأن موسى حدث قومه بحديث لم يحتملوه عنه، فخرجوا عليه بمصر فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم ولأن عيسى حدث قومه بحديث فمل يحتملوه عنه فخرجوا عليه بتكريث فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم وهوقول الله عز وجل: - {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين -} وإنه أول قائم يقوم منا أهل البيت يحدثكم بحديث لا تحتملونه فتخرجون عليه بزميلة الأسكرة فتقاتلونه فيقاتلكم وهي آخر خارجة تكون الخبر قال المجلسي ره قوله: ولم: أي ولم تسألني عن غير ذلك القراءة وهي المنزلة التي ينبغي أن يعلم فأجاب عليه السلام بأن القوم لا يحتملون تغيير القرآن ولا يقبلونه واستشهد عليه السلام بما ذكر.

(لز) 37ـ الشيخ الطوسي في (المصباح في دعاء قنوت الوتر) اللهم العن الرؤساء والقادة والأتباع من الأولين والآخرين الذين صدوا عن سبيلك، اللهم أنزل بهم بأسك ونقمتك فإنهم كذبوا على رسولك وبدلوا نعمتك وأفسدوا عبادك وحرفوا كتابك، وغيروا سنة نبيك، الدعا.

(لح) 38ـ وفيه روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه يستحب أن يصلي على النبي - - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر يوم الجمعة بهذه الصلاة، ثم ساقها وفيها، اللهم العن الذين بدلوا دينك وكتابك وغيروا سنة نبيك.

(لط) 39ـ الشيخ ره في غيبته عن أحمد بن علي الرازي عن أبي الحسنين محمد بن جعفر الأسدي قال: حدثني الحسنين بن محمد بن عامر الأشعري قال: حدثني يعقوب بن يوسف الضراب العسان الأصفهاني قال: حججت في ستة 281 وقال في متهجده دعاء آخر مروي عن صاحب الزمان عليه السلام، خرج إلى ابن الحسن الضراب الأصفهاني بمكة بإسناد لم نذكره اختصاراً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم إلى قوله (ع)، اللهم جدد ما امتحى من دينك وأحي به ما بدل من كتابك. الدعا.

(م) 40ـ الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه في (كامل الزيارة) عن محمد بن جعفر الرزاز عن الحسنين بن الخطاب عن ابن أبي نجران عن يزيد بن إسحاق عن الحسن بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام، اللهم العن الذين كذبوا رسلك وهدموا كعبتك وحرفوا. كتابك. الزيارة.

(ما) 41ـ وفيه عن الحسنين بن محمد بن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتيت القبر بدأت فأثنيت على الله عز وجل - إلى أن قال (ع) في سياق الدعا: اللهم العن الذين كذبوا رسلك وهدموا كعبتك وحرفوا كتابك وسفكوا دم أهل بيت نبيك صلى - - صلى الله عليه وسلم -.

(مب) 42ـ العلامة المجلسي في (البحار) عن (مزار المفيد) في زيارة لأبي عبد الله عليه السلام غير مقيدة بوقت، وفيها: الله العن الذين كذبوا رسولك وهدموا كعبتك، واستحلوا حرمك، وألحدوا في البيت الحرام، وحرفوا كتابك.

(مج) 43ـ السيد رضي الدين علي بن طاؤس ره في (الإقبال) روينا بإسنادنا إلى عبد الله بن جعفر الحميري عن الحسن بن علي الكوفي عن الحسن بن محمد الحضرمي عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام في زيارة فيها، وخالفوا السنة، وبدلوا الكتاب.

(مد) 44ـ الشيخ الطوسي ره في (المصباح) في زيارة يوم عاشورا روى عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) في حديث شريف فيه ذكر زيارة فيها: اللهم إن كثيراً من الأئمة ناصبت المستحفظين من الأئمة إلى قوله (ع) حرفت الكتاب، ورواه محمد بن المشهدي في (مزاره) كما في (البحار) عن عماد الدين محمد بن أبي القاسم الطبري عن أبي علي بن شيخ الطائفة عن أبيه عن المفيد عن ابن قولويه والصدوق عن الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان.

(مه) 45ـ الكفعمي في (البلد الأمين) وفي (جنته المعروف بالمصباح) عن عبد الله بن عباس عن علي عليه السلام أنه كان يقنت بدعاً صنمي قريش وقال: إن الداعي به كالرامي مع النبي - - صلى الله عليه وسلم - في بدر وحنين بألف ألف سهم وقال: أيضاً: إنه من غوامض الأسرار وكرائم الأذكار، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يواظب عليه في ليله ونهاره وأوقات أسحاره وفي موضع آخر، اللهم العنهم بكل آية حرفوها، والشيخ العالم أسعد بن عبد القاهر شرح على هذا الدعا سماه (رشح الولاء) كما فيهما وفي (أمل الآمل) للمحدث الحر العاملي.

وشرحه أيضاً المولى علي العراقي في سنة 1878 وكذا الفاضل الماهر المولى مهدي بن العالم الجليل المولى علي أصغر القزويني في أواخر الصفوية.

(مو) 46ـ السيد بنطاؤس ره في (منهج الدعوات) بإسناده إلى سعد بن عبد الله في كتابه (فضل الدعاء) عن أبي جعفر محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام وبكير بن صالح عن سليمان بن جعفر الجعفري عن الرضا (ع) قالا: دخلنا عليه وهوفي سجدة الشكر فأطال في السجود. ثم رفع رأسه فقلنا له أطلت السجود؟ فقال: من دعا في سجدة الشكر بهذا الدعا كان كالرامي مع رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، قال: قلنا: فنكتبه قال: إذا أنت سجدت سجدة الشكر فقل: اللهم الذين بدلا دينك إلى قوله (ع) وحرفا كتابك.

(مز) 47ـ ابن شهر آشوب في المناقب كما في (البحار) بإسناده إلى عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن عبد الله في خطبة أبي عبد الله عليه السلام يوم عاشورا، وفيها فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفئة الشيطان وعصية الآثام ومحرفوالكتاب. الخطبة. ونسبته التحريف إليهم مع كونه من فعل أسلافهم كنسبة قتل الأنبياء إلى اليهود المعاصرين لجده - - صلى الله عليه وسلم - في القرآن العظيم لرضاهم جميعاً بما فعلوه واقتفائهم بآثارهم واقتدائهم بسيرتهم.

(مح) 48ـ السيد بن طاؤس رحمه الله في (مصباح الزائر) ومحمد بن المشهدي في (مزاره) كما في (البحار) عن الأئمة عليهم السلام في زيارة جامعة طويلة معروفة وفيها في ذكر ما حدث بعد النبي - - صلى الله عليه وسلم - وعقت سلمانها، وطردت مقدادها ونفت جندبها وفتقت بطن عمارها، وحرفت القرآن وبدلت الأحكام.

(مط) 49ـ السيد قاس سره في (مهجه) عن نسخة عتيقة فيها: حدثني الشريف أبوالحسن محمد بن محمد بن المحسن بن يحيى الرضا أدام الله تعالى تأييده عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن صدقة عن سلامة بن محمد الأزدي عن أبي محمد جعفر بن عبد الله العقيلي وعن أبي الحسن محمد بن زنك الرهاوي عن أبي القاسم عبد الواحد الموصلي عن أبي محمد جعفر بن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب عن أبي روح النسائي عن أبي ا لحسن علي بن محمد الهادي عليهما السلام في دعاء طويل له شرح عجيب وفيه: وأدل ببواره الحدود المعطلة والأحكام المهملة، والسنن الدائرة، والمعالم المغيرة، والتلاوات المغيرة، والآيات المحرفة الدعا.

(ن) 50ـ الشيخ الكشي في ترجمة زارة عن حمدويه بن نصير عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن زرارة وعن محمد بن قولويه والحسنين بن الحسن عن سعد بن عبد الله عن هارون بن الحسن بن محبوب عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين عن عبد الله بن زرارة قال: قال لي أبوعبد الله عليه السلام: اقرأ مني على والدك السلام - إلى أن قال -: عليكم بالتسليم والرد إلينا، وانتظار أمرنا وأمركم، وفرجنا وفرجكم، ولوقد قام قائمنا وتكلم بتكلمنا ثم استأنف بكم تعليم القرآن، وشرايع الدين والأحكام، والفرائض كما أنزله على محمد - - صلى الله عليه وسلم - لأنكر أهل البصائر فيكم ذلك اليوم إنكاراً شديداً ثم لم تستقيموا على دين الله وطريقته إلا من يحب حد السيف فوق رقابكم، إن الناس بعد نبي الله - - صلى الله عليه وسلم - ركب الله به سنة من كان قبلكم، فغيروا وبدلوا وحرفوا وزادوا في دين الله ونقصوه، فما من شيء عليه الناس اليوم إلا وهومحرف عما نزل به الوحي من عند الله قال المحقق الداماد لام التعليل الداخلة على أن باسمها وخبرها على ما في أكثر النسخ متعلقة باستئناف التعليم وفتكم بفتح الفاء وتشديد التاء المثنات من فوق جملة فعلية على جواب لو، وذلك اليوم منصوب على الظرف وإنكار شديد مرفوع على الفاعلية والمعنى شق عصاكم وكسر قوة اعتقادكم وبدد جمعكم وفرق كلمتكم وفي بعض النسخ إنكاراً شديداً نصباً على التمييز أوعلى نزع الخافض، وذلك اليوم بالرفع على الفاعلية وفيكم بحرف الجر المتعلقة بمجرورها بأهل البصائر للظرفية أوبمعنى منكم وذلك بالنصب على الظرف وإنكاراً شديداً منصوباً على المفعول المطلق وعلى التميز فليعرف، انتهى، وأفرد الضمير في قوله ركب به لإفراد لفظ الناس.

(فا) 51ـ النعماني ره في (غيبته) عن علي بن الحسين عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسن الرازي عن محمد بن علي الكوفي عن أحمد بن محمد بن نصر عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال: قال أبوجعفر عليه السلام: يقوم القائم عليه السلام بأمر جديد وكتاب جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا السيف ولا تأخذه في الله لومة لائم. ورواه أيضاً بطريق آخر.

(نب) 52ـ السياري في كتاب (القراءات) عن سيف بن عميرة عن أبي بكر بن محمد قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لوقرء القرآن على ما أنزل ما اختلف فيه اثنان.

(نج) 53ـ ثقة الإسلام في (الكافي) عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن محبوب عن ابن حمزة عن أبي حيى عن الأصبغ بن غباته قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نزل القرآن أثلاثاً ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.

(ند) 54ـ وعن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عن الحجال عن علي بن عقبة عن داؤد بن فرقد عم نذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القرآن نزل على أربعة أرباع، ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان من قبلكم ونبأ ما لم يكن بعدكم وفصل ما بينكم.

(نه) 55ـ وعنه عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن إسحاق بن عمار بن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل القرآن على أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام.

(نو) 56ـ العياشي في تفسيره عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نزل القرآن على أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع في فرائض وأحكام، وربع سنن وأمثال ولنا كرائم القرآن.

(نز) 57ـ وعن محمد بن خالد الحجاج الكرخي عن بعض أصحابه رفعه إلى خيثمة قال: قال أبوجعفر عليه السلام: يا خيثمة نزل القرآن أثلاثاً، ثلث فينا وفي أحبائنا، وثلث في أعدائنا وعدومن كان قبلنا، وثلث سنة ومثل.

(نح) 58ـ فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره عن أحمد بن موسى عن الحسين بن ثابت عن أبيه عن شعبة بن الحجاج عن الحكم عن ابن عباس قال: أخذ النبي يد علي صلوات الله عليهما فقال: إن القرآن أربعة أرباع، ربع فينا أهل البيت خاصة، وربع في أعدائنا، وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام، ورواه ابن المعالي من الجمهور في مناقبه كما نقل عنه في البرهان.

(نط) 59ـ وعن محمد بن سعيد بن رحيم الهمداني ومحمد بن عيسى بن زكريا عن عبد الرحمن بن سراج عن حماد بن أعين عن الحسن بن عبد الرحمن عن الأصبغ بن نباته عن علي عليه السلام قال: القرآن أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا. وربع فرائض وأحكام، وربع حلال وحرام، ولنا كرائم القرآن.

(س) 60ـ وعن أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن صبيح والحسن بن علي بن الحسين السلولي عن محمد بن الحسين بن المطهر عن صالح بن الأسود عن حميد بن عبد الله النخعي عن كريا بن ميسرة عن الأصبغ بن نباته قال: قال علي (ع): نزل القرآن أرباعاً وذكر قريباً منه.

(سا) 61ـ السياري في كتاب (القراءات) عن الحسين بن سيف بن عميرة عن أخيه عن أبيه عن أبي حمزة الشمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل القرآن أرباعاً، ربعاً في عدونا وربعاً فينا، وربعاً في سنن وأمثال، وربعاً فيه فرائض وأحكام.

قلت: هذه الطائفة من الأخبار. قد استدل بها المفيد رحمه الله في المسائل المروية كما تقدم في المقدمة الثالثة، وهومبني على كون بناء التقسيم فيها على التسوية الحقيقية كما هوظاهر التربيع والتثليث لا مجرد التقسيم وإن زاد بعضه على بعض فإن المناسب أن يقال: نزل على ثلاثة أقسام أوأربعة وعلى أن المراد تقسيم ظاهر القرآن بحسب تنزيله لا ما يشتمل البطون والتأويل، وللفروض أن الموجود لا يلائم هذه القسم فإن المشهور أن آيات الأحكام نحومن خمسمائة آية أويزيد عليها أوينقص بقليل، وجميع الآيات كما تقدم ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون على قول. في لا تبلغ العشر بل ولا تبلغ أحد التحديدين، وإن اعتبر بحسب الكلمات والحروف وضم آيات الأصول إلى الفروع، واكتفى بمجرد الإشعار الغير البالغ حد الظهور كما أشار إليه العلامة الطباطبائي في فوايده ولذا رفع اليد عن ظهور الربع والثلث في التقسيم الحقيقي وقال: والوجه حمل الأثلاث والأرباع على مطلق الأقسام والأنواع، وإن اختلف في المقدار، وحمل الربع على ما البطون والثلث على ما يعمه، وبطون البطون أوالأول على غاية ما يصل إليه أفكار العلماء، والثاني على ما يعمه والمختص بالأئمة (ع) أوحملها على أحكام الآيات مع الاكتفاء في الثلث بالأشعار أوتعميمه بحيث يشمل البطون ولا ريب أن الأول أكثر من الثاني وقد تقدم في الحمل على مطلق الأقسام شيخ شيخه الشيخ أبوالحسن الشريف، في تفسيره، وهوغير بعيد بالنظر إلى الاختلاف الواقع في تلك الأخبار من تثليث تارة وتربيعه أخرى ثم الاختلاف في كل واحد منهما ففي خبر الأصبغ أدرج ما نزل في أعدائهم عليهم السلام في ثلثهم وذكر للفرائض والأحكام ثلثاً مستقلاً، وفي خبر خثيمة أدرج الثاني في السنن والأمثال وذكر لعدوهم ثلثاً برأسه ومثله في أخبار التربيع ولا حاجة لنا إلى التمسك بها، لأن في الأخبار المتقدمة غنى وكفاية لتماميها سنداً ومتناً، أما الأول فواضح لأن

فيها الصحيح والموثق مع أن حلها موجودة في الكتب المعتبرة التي ضمن بعض أربابها أن لا يدرج فيها إلا الصحيح بالمعنى القديم الذي عليه النباء وإلى أن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توب سد باب التواتر المعنوي فيها، بل هوأشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه، وأما الثاني فكذلك بالنسبة إلى أكثرها خصوصاً فيما تضمن لفظ النقط والمحور الإلقاء، والحذف والطرح، والنقص وتحديد القرآن فلوأراد أحد أن يذكره مثل تلك الدعوى في كتاب أورسالة، لما يزيد في كلامه على تلك الكلمات شيئاً، وكذا ما اشتمل على لفظ التحريف على ما هوالظاهر المتبادر منه، فإن معناه لغة التغيير قالوا: وتحريف الكلام تغييره عن مواضعه، وهوظاهر في تغيير صورته بأحد الوجوه المتقدمة، بل وهوالشايع منه في استعماله في أمثال تلك الموارد، فروى الصدوق في (الفقيه) عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا عليه السلام، يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن الرسول - - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل في كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا فقال: لعن الله المحرفين الكلام عن مواضعه، والله ما قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -، ذلك إنما قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكاً إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير وليلة الجمعة في أول الليلة فيأمره فينادي الخ.

وفي طب الأئمة مسنداً عن الصادق عليه السلام أن رجلاً قال له: يا ابن رسول الله إن قوماً من علماء العامة يروون أن النبي - - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله يبغض اللحامين ويمقت أهل البيت الذي يؤكل فيه كل يوم اللحم فقال (ع): غلطوا غلطاً بيناً إنما قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: إن الله يبغض أهل بيت يأكلون في بيوتهم لحم الناس أن يغتابونهم فإنهم لا يرحمهم الله، عمدوا إلى الكلام فحرفوه بكثرة رواياتهم.

وفي صفات الشيعة للصدوق بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: همكم معالم دينكم وهم عدوكم بكم وأشرب قلوبكم بكم بغضاً، يحرفون ما يسمعونه منكم كله، ويجعلون لكم أنداداً ثم يرمونكم به بهتاناً فحسبهم بذلك عند الله معصية وفي تفسير الإمام (ع) وقد كان فريق منهم يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل يسمعون كلام الله في أصل جبل طور سيناء وأوامره ونواهيه، ثم يحرفونه عما سمعون إذا أدوه إلى من ورائهم من سائر بني إسرائيل من بعد ما عقوله وعلموا أنهم فيما يقولونه كاذبون وهم يعلمون أنهم في قبلهم كاذبون.

وفي الكشاف في قوله تعالى في سورة النساء - {يحرفون الكلم عن مواضعه -} يميلونه عنهم ويزيلونه، لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلماً غيره فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعه الله فيها وأزالوه عنها وذلك نحوتحريفهم اسم ربه عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم أطول مكانة ونحوتحريفهم الرجم بوضعهم الحديد له وقال قريباً من ذلك في قوله تعالى: - {يسمعون كلام الله ثم يحرفونه -} وقال الشيخ الطبرسي: - {يحرفون الكلم عن مواضعه -}، أي يبدلون كلام الله وأحكامه عن مواضعها وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة، وذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفات النبي - - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك جميع الأخبار الدالة على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل، وهوبهذا المعنى عند الجميع.

ثم أنه لوسلمنا عدم ظهوره فيه فنقول: لا بد لنا من حمل التحريف في تلك الأخبار على التحريف اللفظي، والتغيير الصوري لا التحريف المعنوي لقرائن كثيرة.

منها أن الألفاظ المذكورة المتكررة في تلك الأخبار بالسقط والمحووغيرها صريحة في المطلوب، فتكون قرينة تحمل التحريف عليه أيضاً لوحدة سياق تلك الأخبار مع ما ورد من أن أخبارهم يفسر بعضها بعضاً.

منها ذكره مع بعض الألفاظ المذكورة كقوله (ع): لعن الله من أسقطه وبدله وحرفه وقوله: فحرفوه وبدلوه ووقوعه بياناً له كقوله محي من كتاب الله ألف حرف وحرف منه بألف درهم ويظهر منه حال غيره بالتقريب.

منها تمثيله (ع) للآيات المحرفة بما غيرت صورتها وحذف حرف أوكلمة منها كما في خبري النعماني والشيباني.

منها إنا لم نعثر على التحريف المعنوي الذي فعله الخلفاء الذين نسب إليهم التحريف في تلك الأخبار في آية أوأكثر وتفسيرهم لها بغير ما أراد الله تعالى منها، ولووجد ذلك لكان في غاية القلة، وإنما شاع التحريف المعنوي والتفسير بالرأي والأهواء في الطبقات المتأخرة عنهم من المفسرين الذين عاصروا الأئمة عليهم السلام، كقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل أوتأخروا عنهم (ع) كالبلخي والقاضي والزمخشري والرازي وأضرابهم وإنما الذي صدر من الخلفاء مخالفة القرآن في مقام العمل للدواعي النفسانية والشبهات الإبلسية، وليس هذا تحريفاً ويوضح ما ذكرنا ما في أخبار المناشدة وغيرها من تصديقهم ما عده أمير المؤمنين عليه السلام من مناقبه من الآيات البينات، وإن لم يعملوا بلازمه نعم فسرها الزمخشري والرازي وأمثالها بما يلزم منه التحريف المعنوي فلاحظ ما ذكروه في قوله تعالى: - {يا أيها الرسول بلغ -} وقوله تعالى: - {إنما وليكم الله -} الآية.

منها قلة إطلاق التحريف على تغيير المعنى في مقام بيانه مع ذكره بغيره من الألفاظ كالنهي عنه في أخبار كثيرة ادعى تواترها، وليس في خبر منها من حرف القرآن فهوكذا أومثال ذلك، وإنما الموجود فيه من فسر القرآن برأيه، ومثله ومن ذلك كثير من الآيات المفسرة عند العامة بغير ما أنزله الله الشائعة في عصر الأئمة عليه السلام كآية الوضوء والتيمم والسرقة أمثالها، ولم توصف بالتحريف في خبر أوكلام أحد من الأصحاب.

منها مناسبة هدم الكعبة وقتل الذرية، لكون المراد من تحريف القرآن المذكور معها تنقيص بعض أجزائه الظاهرة.

منها ما ر من تشبيه تحريف المنافقين بتحريف اليهود والنصارى، ومر أن تحريفهم كان تحريفاً لفظياً كما هوصريح القرآن في مواضع كثيرة إلى غير ذلك من القرائن التي يجدها المتأمل المنصف بل يظهر للمتتبع أنه بهذا المعنى هوالشايع في كلمات الأصحاب قديماً وحديثاً، وفي السنة المخالفين حتى أنهم عبروا في تحرير الخلاف في سقوط بعض القرآن وعدمه بهذا اللفظ وتقدم في المقدمة الثالثة ذكر الكتب المصنفة في التحريف اللفظي من القدماء والتعبير عنها بكتاب التحريف أوبكتاب التحريف والتبديل، وأما ما في "رسالة أبي جعفر" عليه السلام، إلى سعد الخير وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا رفوا حروفه وحدوده، فهم يروونه ولا يرعونه فهوإشارة إلى الأحبار والرهبان من أهل الكتاب لقوله (ع) قبل ذلك: وكل أمة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه وكان من نبذهم الخ وقوله (ع) بعد شرحه لذلك ثم اعرف أشباههم من هذه الأمة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده ثم أن الظاهر من الفقرتين أن علماء اليهود والنصارى، وعلماء العامة أقاموا حروفه، يعني بفطرتهم له بالأصوات الحسنة والألحان المستحسنة، والمحافظة على الآداب المذكورة في علم القراءة والواجبات المستحبات المصطلح عليها بينهم والمداومة على ختمه وحرفوا حدوده بتفسيرهم له بآرائهم وعقولهم من غير استناد في معرفة أحكامه وحلاله وحرامه إلى أهل الذكر المأمور بالرجوع إليهم في ذلك وهذا مما لا ننكره وليس في الخبر دلالة ولا إشارة إلى كون المراد من التحريف في سائر الأخبار، تغيير المعنى إذا المحرف فيها هوالقرآن أوالآيات أوالحروف، وفي هذا الخبر حدود القرآن، ولا يخفى اختلاف مفاد العبارتين بحسب الظهور ولا منافاة بينهما توجب رفع اليد عن أحديهما، والمحرفون فيها الخلفاء وفيه علماء

العامة وأشرنا إلى تغاير فعلهما مع أن عدم كونه صارفاً لما ورد في تحريف التوراة والإنجيل مما قامت عليه الضرورة وجعه صارفاً في المقام يوجب التفكيك المستهجن فيه بل صرف الأخبار المذكورة الصريحة بعضها على المطالب لظاهر هذا الخبر الضعيف المبني على التقية لقوله (ع) في آخره ولولا أن يذهب بك الظنون عني لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ولكني اتقيتك الخ، وظاهر الخبر أن الحق المكتوم هوما يشبه الأمر المذكور للأسرار المخزونة خروج عن الاستقامة والإنصاف.

الدليل الثاني عشر

الأخبار الوارد في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور بإحدى الصور المتقدمة وهي كثيرة جداً حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيرهم بل الشيخ ره أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها بل ادعى تواترها جماعة يأتي ذكرهم في آخر المبحث. ونحن نذكر منها ما يصدق دعواهم مع قلة البضاعة ونبين في آخرها ضعف بعض الشبهات التي أوردها عليها جماعة ما لا ينبغي صدورها عنهم من ضعفها مرة وقلتها أخرى، وعدم دلالتها على المطلوب تارة مخالفتها للمشهود أخرى.

واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية إلا كتاب (القراءات) لأحمد بن محمد السياري، فقد ضعفه أئمة الرجال، فالواجب علينا ذكر بعض القرائن الدالة على جواز الاستناد إلى هذا الكتاب ليكون حاله كحال غيره مما نقلنا عنه في هذا الباب فنقول قال الشيخ في الفهرست أحمد بن محمد بن سيار أبوعبد الله الكاتب بصري كان من كتاب الطاهر في زمن أبي محمد عليه السلام، ويعرف بالسياري ضعيف الحديث فاسد المذهب محفوالرواية كثير المراسيل وصنف كتباً منها كتاب (ثواب القرآن) (كتاب الطب) (كتب القراءات) (كتاب النوادر) أخبرنا بالنوادر خاصة الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا أبي قال: حدثنا السياري إلا بما كان فيه من غلوأوتخليط، وأخبرنا بالنوادر وغيره جماعة من أصحابنا منهم الثلاثة الذين ذكرناهم عن محمد بن أحمد بن داود قال: حدثنا سلامة بن محمد قال: حدثنا علي بن محمد الحنائي قال حدثنا السياري وقال النجاشي ره أحمد بن محمد بن سيار أبوعبد الله الكاتب بصرى كان من كتاب الطاهر في زمن أبي محمد عليه السلام ويعرف بالسياري ضعيف الحديث فاسد المذهب، ذكر ذلك لنا الحسين بن عبيد الله محفوالرواية كثير المراسيل له كتب وقع إلينا منها كتاب (ثواب القرآن) (كتاب الطب) (كتاب القراءات) (كتاب النوادر) و (كتاب الغارات)، أخبرنا الحسين بن عبيد الله قال حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى، وأخبرنا أبوعبد الله القزويني قال حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه قال حدثنا السياري إلا ما كان من غلووتخليط وظاهرها بعد كون مستنداً لتضعيف الغضايري المعروف ضعف تضعيفاته الاعتماد على ما رواياته الخالية عن الغلووالتخليط، وإلا فلا داعي لذكر الطريق إليها وكيف يروي عنه شيخ القيمين محمد بن يحيى العطار الثقة الجليل، وقد قال النجاشي في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك بعد تضعيفه

وذكر فساد مذهبه، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبوعلي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة أبوغالب الرازي رحمهما الله تعالى، وفي باب الفيء والأنفال من (الكافي) عن علي بن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابنا أظنه السياري وظاهره عدم الاعتناء بما قيل فيه بناء على ظهور أصحابنا في مشايخ الإمامية أومشائخ أرباب الرواية، والحديث المعتبرة رواياتهم ويؤيده ما ذكره الشيخ محمد بن إدريس في آخر كتاب السرائر ما لفظه باب الزيادات، وهوآخر أبواب هذا الكتاب مما استنزعته واستطرفته من كتب المشيخة المصنفين والرواة المخلصين وستقف على أسمائهم إلى أن قال: ومن ذلك ما استطرفته من كتاب السياري واسمه أبوعبد الله صاحب موسى والرضا عليهما السلام وفي قوله صاحب موسى (ع) الخ، نظر لا يخفى على الناظر ومما يؤيد الاعتماد على روايات خصوص كتاب قراءات، وإن قلنا بفساد مذهبه كثرة رواية الشيخ الجليل محمد بن العباس بن ماهيار عنه عن كتابه هذا في تفسيره بتوسط أحمد بن القاسم وعدم وجود حديث فيه يشعر بالغلوحتى على ما اعتقده القيون نفيه فيهم (ع) ومطابقة أكثر روايات العياشي لما فيه بل لا يبعد أخذه منه إلا أنه لم يصل إلينا سند الأخبار المودعة في تفسيره لحذف بعض النساخ بل ما تفرد به في هذا الكتاب قليل لإنكاره فيه، فلا بأس بتخريجه شاهداً على كل حال، فنقول مستمداً من آل الرسول عليهم السلام.

عدد مرات القراءة:
18859
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :