لا خلاف بين المسلمين أن السنة النبوية الشريفة هن العمود الثاني من أعمدة هذا الدين، وأن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا في محكم كتابه العزيز بطاعة رسوله محمد أمينه على وحيه ، وخيرته من خلقه ، وسفيره بينه وبين عباده صلى الله عليه وآلة وسلم ، وقرن طاعة رسوله بطاعته في العديد من الآيات البينات(69) كما فرض الله سبحانه طاعة رسوله وذكرها في العديد من الآيات وحدها(70) . وليس لمؤمن بعد هذا كله أن يختار شيئا بعد أمره صلى الله عليه وآلة وسلم ، بل إذا أمر صلى الله عليه وآلة وسلم فأمره حتم وجب على جمبع المكلفين اتباعه وحرّم عليهم مخالفته، فلا حكم لأحد معه ولا قول لأحد معه.
ومعلوم أنه بحسب متابعة الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية وجعل شقاوة الدارين في مخالفته ، فلأتباعه الهدى ، والأمن ، والنجاح ، والعزة، والكفاية، والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة ، والشقاء في الدنيا والآخرة (71). وإنما تكون متابعة الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم معرفة الصحيح الثابت من سنته والعمل بها أو بما يستفاد منها .
وغلاة الفرس ممن خلطوا دين الإسلام بالمجوسية ينكرون السنة النبوية التي نقلها إلينا أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وآلة وسلم ، لأنهم يجمعون على أن أصحابه قد أرتدوا كلهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم بما فيهم سادة بني هاشم وغيرهم من الأنصار والمهاجرين إلا ثلاثة: المقداد، وأبوذر وسلمان الفارسي – كما سيأتي بيانه مفصلا بعد قليل -، وهؤلاء لم يٌروُ عنهم إلا قليل كما هو معروف،وأما البقية فلا يطمئن إليهم ولا إلى مروياتهم لانقلابهم على أعقابهم إلى الكفر – والعياذ بالله – فلا يعتمد عليهم ولا يوثق بأخبارهم، فإنها ساقطة مكذوبة موضوعة، وقسموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم إلى ثلاثة أقسام :
1- معلوم العدالة ، مثل سلمان والمقداد وأبي ذر .
2- معلوم الفسق والكفر ، ممن أظهر في زعمهم العداوة والحرب لآل البيت، فهذا يدل على أنهم لم يكونوا آمنوا ، بل كانوا منافقين أو أنهم ارتدوا بعد النبي، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وأبي عبيدة بن الجراح وعائشة ونحوهم ممن يحبهم ويؤيدهم ، وهؤلاء يتقربون إلى الله ورسوله بسبهم وبغضهم وبغض من أحبهم (72).
مجهول الحال :
لذلك أنكروا صحة جميع ما رواه المسلمون من السنة في كتب الصحاح، فقالوا :" فصحاح العامة كلها وجميع ما يروونه غير صحيح (73).
ولم يكتفوا بذلك ، بل قالوا بوجوب مخالفة أصحاب المذاهب الإسلامية جميعا بحيث إن مقياس صحة الخبر عندهم هو مخالفته للبقية ، فنسب ابن بابويه القمي الإيراني كذبا وزورا إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام أنه سئل: يحدث الأمر لا أجد بدا من معرفته ، وليس في البلد الذي أنا فيه من أستفتيه من مواليك ؟ فقال: ائت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك وخذ بخلافه فإن الحق فيه(74) ، وعقد ابن بابويه القمي في كتابه " علل الشرائع" بابا بعنوان:" العلة التي من أجلها يجب الأخذ بخلاف ما تقوله العامة" قال فيه كاذبا: " إن عليها عليه السلام لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره ، إرادة لإبطال أمره ، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه ، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلبسوا على الناس " (75).
لأجل ذلك قال نعمة الله الجزائري الإيراني:" إنا لا نجتمع معهم على إله"، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون : إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وآلة وسلم نبيه ، وخليفته بعده أبو بكر ، ونحن لا نقول بهذا الرب ، ولا ذلك النبي نبينا " (76).
وهذا الدين الجديد الذي ابتدعه العجم ثابت عندهم من مئات السنين وإلى يوم الناس هذا ، فانظر إلى دجال العصر الخميني ماذا كتب في رسالته:" التعادل والترجيح" المطبوعة المشهورة المتداولة ، حيث عقد فصلا عنوانه :" في حالة الأخبار الواردة في مخالفة العامة " ، قال فيه: " وهي طائفتان: إحداهما: ما وردت في خصوص الخبرين المتعارضين، وثانيهما: ما يظهر منها لزوم مخالفتهم وترك الخبر الموافق لهم مطلقا " .
ثم ساق الدجال مجموعة من الأكاذيب المفتراه على الأئمة – عليهم السلام- زورا في وجوب مخالفة المسلمين وعلق عليها بقوله :" ولا يخفى وضوح دلالة هذه الأخبار على أن مخالفة العامة مرجحة في الخبرين المتعارضين مع اعتبار سند بعضها ، بل صحة بعضها على الظاهر، واشتهار مضمونها بين الأصحاب ، بل هذا المرجح هو المتداول العام الشائع في جميع أبواب الفقه وألسنة الفقهاء (77) .
ثم يخلص من بحثه إلى القول: " فنحصل من جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن المرجح المنصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة (78) .
فأي سنة هذه التي تخالف مجموعة المذاهب الإسلامية الأخرى وما جمعت عليه الأمة الإسلامية ؟ ولذلك فإنه يعرض إعراضا تاما عن كل كتب السنة النبوية المعتبرة ، ويرفض الاستدلال بأية رواية منها، ولا سيما في كتابه" الحكومة الإسلامية " .
وبدلا من ذلك عمد العجم إلى وضح الحديث الكثير على لسان أئمة أهل البيت – عليهم السلام – وكذّبوا عليهم ونسبوا إليهم أشياء يمجّها العقل والذوق وتخالف ما أجمع عليه المسلمون (79).
وكان الإمام جعفر الصادق عليه السلام في مقدمة من تصدى لعملية الدس والوضع فقال:" إن الناس أغروا بالكذب علينا حتى كأن الله عز وجل افترضه عليهم لا يريد منهم غيره …... وذلك بأنهم لا يطلبون دينا وإنما يطلبون دنيا (80) .
ولكن رغم الموقف الحازم لأئمة آل البيت – عليهم السلام- في التصدي لهذا الموجة الوثنية التي قادها الشعوبيون الفرس، إ أنهم لم يحققوا كل النجاح فانتشرت هذه الأحاديث الموضوعة المختلقة في كتب العجم المعتمدة ، وكان كل مؤلف يأتي يضيف إلى سابقه حتى امتلأت بها المكتبات بحيث كونت اليوم قناعة عندهم بأنها صحيحة .
إن نظرة واحدة لكتاب " بحار الأنوار" لخاتمة محدثي العجم المجلسي الذي طبع أخيرا في مئة وعشرة مجلدات تبين الكم الهائل من الأحاديث والأخبار الموضوعة التي أثرت في العقلية الإيرانية تأثيرا سيئا للغاية فجعلت من دينهم دينا يغاير دين المسلمين في كل شئ .