روى محمد بن يعقوب الكليني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية (1).
مع أن القرآن الموجود بين أيدينا ستة آلاف وستمائة وست وستون آية فسقط منه الثلثان تقريبا وما بقي إلا الثلث فقط.
ويقول صاحب (مرآة العقول) في التعليق على هذا الحديث: فالخبر صحيح ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيرا من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر (2).
وليس هذا فقط بل يروي الكليني أن عندهم قرآناً آخر يعدل القرآن الموجود عند المسلمين ثلاث مرات، ولا يوجد فيه حرف واحد مما يوجد في القرآن الكريم.
جاء في كتاب الحجة من الكافي عن أبي بصير عن أبي عبدالله أنه قال وإن عندنا لمصحف فاطمة، وما يدريك ما مصحف فاطمة عليها السلام. قال: قلت وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد(3).
ويقول الملا خليل القزويني شارح الكافي بالفارسية ما ترجم بالعربية:
إن المراد منه أن آيات كثيرة طرحت من القرآن وليست في المصاحف المشهورة والأحاديث الصحيحة بالطرق الخاصة والعامة دالة على سقوط كثير من القرآن وهذه الأحاديث بلغت في الكثرة حداً يعتبر تكذيب جميعها جرأة ... ودعوى (أن القرآن هوهذا الموجود في المصاحف) لا يخلوعن إشكال والاستدلال باهتمام الصحابة وأهل الإسلام في ضبط القرآن استدلال ضعيف بعد الاطلاع على عمل أبي بكر وعمر وعثمان. وهكذا الاستدلال بآية {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} استدلال ضعيف، لأن الآية هنا بصيغة الماضي وفي سورة مكية وقد نزلت سور عديدة بمكة بعد هذه السورة وهذا ما عدا السور التي نزلت بالمدينة بعدها بكثير فلا دلالة فيها على أن جميع القرآن محفوظ .... وأيضا حفظ القرآن لا يدل على أن يكون محفوظاً عند عامة الناس فإنه يمكن أن يراد منه أنه محفوظ عند إمام الزمان وأتباعه الذين هم أصحاب أسراره (1).
وقال شارح نهج البلاغة ميرزا الخوئي عن قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. إن أصل القرآن الكريم محفوظ عند الأئمة عليهم السلام (2).
وقد ذكر القمي في كتابه الخصال رواية تدل على التحريف والنقصان.
عن أبي الزبير عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يارب حرفوني ومزقوني ويقول المسجد: يارب عطلوني وضيعوني. وتقول العترة: يارب قتلونا وطردونا وشردونا فأجثوا للركبتين للخصومة، فيقول الله جل جلاله لي: أنا أولى بذلك (1).
وعن جابر قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزله الله إلا كذاب وما جمعه وحفظه كما أنزله الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده (2).
وروى العياشي: عن أبي عبدالله >لوقُرِءَ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مُسَّمين>.
وروى عن أبي جعفر >لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه، ماخفي حقنا على ذي حجى، ولوقد قام قائمنا فنطق صدَّقه القرآن>.
وذكر العياشي أيضا عن أبي جعفر: >إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت بها الكتبة وتوهمها الرجال(3).
ما الذي أخفاه الصحابة من القرآن
قال نعمة الله الجزائري متهما أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحريفهم لكتاب الله: >ولا تعجب من كثرة الأخبار الموضوعة، فإنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد غيروا وبدلوا في الدين ما هوأعظم من هذا، كتغييرهم القرآن وتحريف كلماته، وحذف ما فيه من مدائح آل الرسول والأئمة الطاهرين، وفضائح المنافقين وإظهار مساويهم(1).
وقال عدنان البحراني بعد ما ذكر روايات استدل بها على تحريف الصحابة للقرآن: >والمستفاد من هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل منه ما هوخلاف ما أنزل الله، ومنه ما هومغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم (علي) عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة (آل محمد) صلى الله عليه وآله وسلم غيرمرة، ومنها (أسماء المنافقين) في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضا على الترتيب المرضي عند الله، وعند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (2).
وروى العياشي في مقدمة تفسيره: عن أبي جعفر أنه قال: >نزل القرآن على أربعة أرباع، ربع فينا، وربع في عدونا، وربع فرائض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن (3).
ويزعم الطبرسي أن الله تعالى عندما ذكر الجرائم في القرآن صرح بأسماء مرتكبيها، لكن الصحابة حذفوا هذه الأسماء، فبقيت القصص مكناة: يقول: >إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائم العظيمة من المنافقين في القرآن، ليست من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين(1).
ولم يكتف الطبرسي بتحريف ألفاظ القرآن، بل أخذ يؤول معانيه تبعا لهوى النفس، فزعم أن في القرآن الكريم رموزا فيها فضائح المنافقين، وهذه الرموز لا يعلم معانيها إلا الأئمة من آل البيت، ولوعلمها الصحابة لأسقطوها مع ما أسقطوا منه (2).
وقال الملا محمد تقي الكاشاني في كتابه (هداية الطالبين):
>إن عثمان أمر زيد بن ثابت الذي كان من أصدقائه هووعدواً لعلي، أن يجمع القرآن ويحذف منه مناقب آل البيت وذم أعدائهم، والقرآن الموجود حالياً في أيدي الناس والمعروف بمصحف عثمان هونفس القرآن الذي جمعه بأمر عثمان(3).
دعوى أن فضائح الصحابة في القرآن
روى الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع عليّ رضي الله عنه القرآن وجاء به الى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما فتحه أبوبكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر فقال: ياعلي أردده فلا حاجة لنا فيه فأخذه علي عليه السلام وانصرف ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئا للقرآن فقال له عمر: إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار. فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألَّفه أليس قد بطل كل ما قد عملتم. ثم قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة. فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه. فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك وقد مضى شرح ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليا أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم. قال: يا أبا الحسن إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه. فقال عليّ عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أوتقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي فقال عمر فهل وقت لإظهاره معلوم؟ قال علي عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به (1).
لذا فقد بوب الكليني باباً بعنوان (إنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله) (1).
1 - عن أبي عبدالله عليه السلام قال: >أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم، فمحت قريش ستة وتركوا أبا لهب (2)
2 - وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: دفع إليَّ أبوالحسن عليه السلام مصحفا، فقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه، {لم يكن الذين كفروا} (3) فوجدت فيها سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال فبعث إليّ ابعث إليّ بالمصحف (4).
3 - وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه ثمَّ قال: سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم، ياابن سنان: إنَّ سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب، وكانت أطول من سورة البقرة، ولكن نقصوها وحرفوها (5).
فضائل آل البيت وإمامة علي في القرآن
بوب ثقة الإسلام الشيعي محمد بن يعقوب الكليني في كتابه الكافي باب (نكت ونتف من التنزيل في الولاية) وذكر في هذا الباب أحاديث كثيرة تدعي التحريف في القرآن أختصِرُ منها:
1 - ما رواه أبوبصير عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل {ومن يطع الله ورسوله (في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده) فقد فاز فوزا عظيما} هكذا نزلت (1).
2 - وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع} ثم قال: هكذا والله نزل بها جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم (2).
3 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرائيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: {فبدل الذين ظلموا (آل محمد حقهم) قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا (آل محمد حقهم) رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون} (3).
4 - عن أبي جعفر عليه السلام قال نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا {إن الذين ظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا}. ثم قال: {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم (في ولاية علي) فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا (بولاية علي) فإن لله ما في السموات وما في الأرض} (1).
5 - عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال هكذا نزلت هذه الآية: {ولوأنهم فعلوا ما يوعظون به (في علي) لكان خيرا لهم} (2).
6 - قرأ رجل عند أبي عبد الله {قل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فقال: ليس هكذا هي، إنما هي والمأمونون، فنحن المأمونون (3).
7 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبريل بهذه الآية هكذا: {فأبى أكثر الناس (بولاية علي) إلا كفوراً}. قال: ونزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا: {وقل الحق من ربكم (في ولاية علي) فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. إنا أعتدنا للظالمين (آل محمد) نارا} (4).
وقال القمي في تفسيره: وأما ما هومحرف منه فهوقوله {لكن الله يشهد بما أنزل إليك (في علي) أنزله بعلمه والملائكة يشهدون} (5). وقوله {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (في علي) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (6). وقوله: {إن الذين كفروا وظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم} (7). وقوله {وسيعلم الذين ظلموا (آل محمد حقهم) أي منقلب ينقلبون} (8). وقوله {ولوترى الذين ظلموا (1) (آل محمد حقهم) في غمرات الموت} (2). ثم قال ومثله كثير نذكره في مواضعه (3).
وقد ذكر العلامة الشيعي ميرزا الخوئي في كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة روايات كثيرة تدل على التحريف والنقصان في القرآن. ووضع هذه الروايات تحت عنوان: الأدلة الدالة على وجود النقصان.
وقد استخرج هذه الأحاديث من كتاب تذكرة الأئمة عن تفسير الكازر، والمولى فتح الله عن مصحف ابن مسعود، وهي آيات كثيرة في سور متعددة.
ففي المائدة {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك (في شأن علي) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}.
وفي الرعد {إنما أنت منذر (وعلي) لكل قوم هاد}.
وفي الشعراء {وسيعلم الذين ظلموا (آل محمد حقهم) أي منقلب ينقلبون}.
وفي الصافات: {وقفوهم إنهم مسئولون (في ولاية علي) ما لكم لا تناصرون}.
وفي النساء: {أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم (وآل محمد) الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}.
وفي الزمر {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (بعلي بن أبي طالب)}.
وفي طه {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل (كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين فنسي) ولم نجد له عزما} ورواه أيضا في الكافي عن الصادق عليه السلام إلا أن في آخره والأئمة من ذريتهم بدل قوله والتسعة، ثم قال هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1).
وفي النجم {فأوحى إلى عبده (في علي ليلة المعراج) ما أوحى}.
وفي آية الكرسي {الله لا إله إلا هوالحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض (وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة هوالرحمن الرحيم) من ذا الذي يشفع عنده} (2).
وفي الأحزاب قوله {وكفى الله المؤمنين القتال (بعلي بن أبي طالب) وكان الله قويا عزيزا}.
ومنها سورة الولاية {بسم الله الرحمن الرحيم ياأيها الذين آمنوا بالنبي والولي الذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم نبي وولي بعضهما من بعض، وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم، فالذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين، إن لهم في جهنم مقام عظيم، نودي لهم يوم القيامة أين الضالون المكذبون للمرسلين، ما خلفهم المرسلين إلا بالحق، وما كان الله لينظرهم إلى أجل قريب فسبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين} (1).
وقال العلامة الشيعي ميرزا الخوئي أيضاً: ومنها سورة النورين (2)، تركت ذكرها لكونها مع طولها مغلوطة لعدم وجود نسخة مصححة عندي يصح الركون إليها (3).
دعوى علماء الشيعة تحريف القرآن
قال فيلسوف الفقهاء الشيعي الفيض الكاشاني <وأما اعتقاد مشايخنا <رهفي ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه كان روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه، وكذلك استاذه علي ابن ابراهيم القمي (ره) فإن تفسيره مملوء منه وله غلوفيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي فإنه أيضاً نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج، وأما الشيخ أبوعلي الطبرسي فإنه قال في مجمع البيان: أما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصاحبنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصانا(1).
وقال السيد طيب الموسوي الجزائري صاحب مقدمة تفسير القمي: -
أما الخاصة فقد تسالموا على عدم الزيادة في القرآن بل ادعى الإجماع عليه، أما النقيصة فإنه ذهب جماعة من العلماء الإمامية إلى عدمها أيضاً وأنكروها غاية الأنكار كالصدوق والسيد المرتضى وأبي علي الطبرسي في <مجمع البيانوالشيخ الطوسي في التبيان (2)، ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة كالكليني، والبرقي، والعياشي، والنعماني، وفرات بن ابراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج، والمجلسي، والجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، وعدنان البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الأغماض عنها (1).
وقد سئل آية الله علي الأصفهاني في كتابه (آراء حول القرآن) عن من يقول بتحريف القرآن من علماء الشيعة مع ذكر أدلتهم؟
فأجابهم قائلا: إن جماعة من المحدثين وحفظة الأخبار استظهروا التحريف بالنقيصة من الأخبار، ولذلك ذهبوا إلى التحريف بالنقصان.
وأولهم فيما أعلم علي بن ابراهيم في تفسيره، ويظهر ذلك من الكليني حيث روى الأحاديث الظاهرة في ذلك ولم يعلق شيئا عليها، وذهب السيد الجزائري الى التحريف في شرحيه على التهذيبين وأطال البحث في ذلك في رسالة سماها <منبع الحياة>.
وقال الشيخ محمد حسين الأصفهاني النجفي والد شيخنا في الرواية أبي المجد الشيخ آغا رضا النجفي (قدهما) في تفسيره: والأحاديث الظاهرة في تغيير القرآن وتبديله والتقديم والتأخير والزيادة والنقيصة وغير ذلك كثيرة، حتى نقل بعض العارفين المحدثين عن السيد نعمة الله الجزائري أنه ذكر في الرسالة الصلاتية - أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وذكر أنه لم يقف على حديث واحد يشعر بخلاف ذلك، وقال: القرآن الموجود الآن ستة آلاف آية وستمائة وست وستون آية تقريبا، والمروي في صحيحة هشام الجواليقي: <أن القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة عشر ألف آية وفي رواية ثمانية عشر ألف آية(1)، ونقل عن سعد بن ابراهيم الأردبيلي من علماء العامة في كتاب <الأربعينأنه روى بإسناده إلى المقداد بن الأسود الكندي قال: كنت مع رسول الله متعلقا بأستار الكعبة ويقول: <اللهم أعني واشدد أزري واشرح صدري وارفع ذكريفنزل جبريل (ع) وقال له اقرأ: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك}، فقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ابن مسعود فألحقها في تأليفه وأسقطها عثمان (2)، انتهى المقصود من كلامه، ولعل المراد من ألفي حديث، الطرق المتعددة من الشيعة وأهل السنة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة رضي الله عنهم. ورأينا من بعض السادة الأجلة من الجامعين للأخبار رسالة فيها مباحث روائية وبالغ في ذكر الأخبار التي يظهر منها وقوع التحريف ولاسيما بالنقيصة، وقال السيد صدر الدين في شرحه على قول المولى في الوافية: وقد وقع الخلاف في تغييره (3).
وأقول إن السيد نعمة الله (قده) قد استوفى الكلام في هذا المطلب في مؤلفاته كشرح التهذيب والاستبصار ورسالته (منبع الحياة) وأنا أنقل ما في الرسالة لأن فيه كفاية، قال (ره): <إن الأخبار المستفيضة بل المتواترة قد دلت على وقوع الزيادة والنقصان والتحريف في القرآن>، منها ما روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه لما سئل عن التناسب بين الجملتين في قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (1)، فقال: <لقد سقط من بينهما أكثر من ثلث القرآن>.
ومنها ما روي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: {كنتم خير أمة} (2)، قال: <كيف تكون هذه الأمة خير أمة وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس هكذا أنزلت وإنما نزلت خير أئمة(3)، أي الأئمة من أهل البيت.
ومنها الأخبار المستفيضة في أن آية الغدير هكذا نزلت: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} في علي (4) {وأن لم تفعل فما بلغت رسالته} (5)، إلى غير ذلك مما لوجمع لصار كتاباً كبير الحجم، وأما الأزمان التي ورد على القرآن فيها التحريف والزيادة والنقصان فهما عصران: العصر الأول عصره صلى الله عليه وآله وسلم وأعصار الصحابة وذلك من وجوه (6). ا. هـ.
وقال ميرزا الخوئي في كتابه منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: <إنه لابد أن يعلم أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وآله أجمعين هل هوما بين الدفتين وما وصل إلينا وتناولته أيدينا أم لا؟ بل الواصل إلينا بعض القرآن وأن القرآن الأصيل الذي نزل به جبريل قد حرف وبدل وزيد عليه ونقص منه، واختلف فيه الأصحاب.
فالذي ذهب إليه أكثر الأخباريين على ما حكى عنهم السيد الجزائري في رسالة منبع الحياة وكتاب الأنوار هووقوع التحريف والزيادة والنقصان.
وإليه ذهب علي بن ابراهيم القمي وتلميذه محمد بن يعقوب الكليني، والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمحدث العلامة المجلسي قدس الله روحهم (1).
يقول إمامهم المقدس الذي لا يكادون يخالفون له أمرا في هذا العصر (ونائب إمامهم المعصوم) الخميني في كتابه الفارسي (كشف الأسرار) والذي أعلن فيه الخميني عن عقيدته في القرآن وفي الصحابة صراحة دون اللجوء إلى التقية: ما نصه <لوكانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن، فإن أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلا لأغراض الدنيا والرئاسة، كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة، ويحذفون تلك الآيات من صفحاته ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد، ويلصقون العار - وإلى الأبد - بالمسلمين وبالقرآن ويثبتون على القرآن ذلك العيب الذي يأخذه المسلمون على كتب اليهود والنصارى (2).
وجاء في كتاب تحرير الوسيلة للخميني هذا النص: <يكره تعطيل المسجد، وقد ورد أنه أحد الثلاثة الذين يشكون إلى الله عز وجل(3).
وبالرجوع إلى مصادرهم المعتمدة نتعرف على الثلاثة الذين يشكون إلى الله تعالى الذين أشار إليهم الخميني جاء في كتاب الخصال <يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: المصحف والمسجد والعترة يقول المصحف يارب حرفوني ومزقوني(1).
وأما عامة الشيعة فإنهم يعملون بتحريف القرآن وهم لا يشعرون في وضوئهم للصلاة. فإنهم يبدأون غسل أيديهم أثناء الوضوء من المرافق مخالفين فيها قول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} (2).
وقد بوب النوري الطبرسي في كتابه مستدرك الوسائل بابا بعنوان: (وجوب الابتداء في غسل الوجه باعلاه، وفي غسل اليدين بالمرفقين).
عن جعفر بن محمد الباقر، عن آبائه (صلوات الله عليهم): أن التنزيل في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام): {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق} (3).
وقد روى عن الصادق عليه السلام أن الآية نزلت هكذا {وأيديكم من المرافق} (4).
ومما يدل على إجماع علماء الشيعة المعاصرين على عقيدة التحريف ما جاء في كتاب (تحفة عوام مقبول) المطبوع باللغة الأردية، والموثق من عدد من آياتهم المعاصرين والمشهورين عندهم، جاء ذكر أسمائهم على الصفحات الأولى من الكتاب بالخط العريض وهم:
1 - العلامة الفقيه آية الله العظمى الحاج السيد محمود الحسيني (نجف أشرف).
2 - العلامة الفقيه آية الله العظمى الحاج السيد أبوالقاسم الخوئي (نجف أشرف).
3 - العلامة الفقيه آية الله العظمى الحاج السيد محمد كاظم شريعتمداري (قم).
4 - العلامة الفقيه آية الله العظمى الحاج السيد محسن حكيم الطبطبائي (نجف أشرف).
5 - العلامة الفقيه آية الله العظمى الحاج السيد روح الله الخميني.
6 - العلامة الفقيه سيد علي نقي النقوي (1).
كما جاء تقريظ هذا الكتاب ممن أطلقوا عليه لقب (ثقة الإسلام) الحاج محمد بشير أنصاري (2).
وقد تضمن هذا الكتاب نصا بالعربية في حدود صفحتين، وهودعاء يسمى عندهم دعاء (صنمي قريش) - يعنون بهما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما - وفي هذا الدعاء من اللعن والسب والشتم للشيخين ما لا يمكن وصفه (3).
وسأكتفي من هذا النص بموضع الشاهد للحديث هنا <بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم العن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وإفكيهما، وابنتيهما، اللذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك ... اللهم العنهما بكل آية حرفوها(1).
استفاضة روايات التحريف عند علماء الشيعة
ذكر النوري الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) في الفصل الحادي عشر من الباب الأول الذي عنون له بقوله (الأخبار الكثيرة المعتبرة الصريحة في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن).
وفي الفصل الثاني عشر من الباب نفسه الذي كان عنوانه (الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن الدالة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور).
ذكر تحت هذين الفصلين فقط حشدا كبيرا من الروايات الدالة على وقوع التحريف في القرآن بلغ عددها (2.61) رواية - هذا غير ما ذكره في الفصول العشرة الأولى وفي المقدمة - وقال معتذرا عن قلة ما جمعه ونحن نذكر منها ما يصدق به دعواهم مع قلة البضاعة (1). وقال موثقا هذه الروايات واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية(2).
هذا ما ذكره النوري الطبرسي في كتابه من روايات التحريف، مع قلة بضاعته!! وليكن في المعلوم أن تلك الروايات موثقة عند علمائهم كما ذكر الطبرسي وقد ادعى استفاضتها بل تواترها غير واحد من علماء الشيعة المشهورين.
قال عدنان البحراني: القول بالتحريف والتغيير من المسلمات، وهوإجماع الفرقة المحقة، وكونه من ضروريات مذهبهم (1).
قال علي الكوفي أبوالقاسم: أجمع أهل النقل والآثار من الخاص والعام، أن هذا الذي في أيدي الناس من القرآن ليس هذا القرآن كله (2).
قال المفيد: إن الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى، من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان (3)، (4).
وقال أبوالحسن العاملي الشيعي الكبير في مقدمة تفسير البرهان <اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها: أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء من التغييرات، وأسقط الذين جمعوه بعده كثيرا من الكلمات والآيات(5).
وقال أيضاً وعندي في وضوح صحة هذا القول (تحريف القرآن وتغييره) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة (1).
ويقول محمد باقر المجلسي في شرحه لبعض الروايات الدالة على التحريف: <والأخبار من طريق الخاصة والعامة في النقص والتغيير متواترة، والعقل يحكم بأنه إذا كان القرآن منتشرا عند الناس، وتصدى غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع(2).
وقال نعمة الله الجزائري: <إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث. وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيره بل الشيخ الطوسي أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها بل ادعى تواترها جماعة(3).
وقال أيضاً إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي (يريد القراءات السبع)، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين، يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة، الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن، كلاما، ومادة، وإعرابا، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها(4).
ومما يدل على استفاضة هذه الروايات وتواترها عندهم: أن هناك كثيراً من علماء الشيعة قد صنفوا كتبا مستقلة لإثبات التحريف، مما يدل على كثرة الروايات عندهم واشتهار هذه العقيدة بينهم:
قال النوري الطبرسي في (فصل الخطاب) <ويظهر من تراجم الرواة أيضاً شيوع هذا المذهب حتى أفرد له بالتصنيف جماعة فمنهم: -
1 - الشيخ الثقة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، صاحب كتاب المحاسن، المشتمل على كتب كثيرة، وعد الشيخ الطوسي في الفهرست والنجاشي من كتبه (كتاب التحريف).
2 - والده الثقة محمد بن خالد عدّ النجاشي من كتبه (كتاب التنزيل والتغيير).
3 - الشيخ الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث، كما ذكروا علي بن الحسن بن فضال، عد من كتبه: (كتاب التنزيل من القرآن والتحريف).
4 - محمد بن الحسن الصيرفي، في الفهرست له (كتاب التحريف والتبديل).
5 - أحمد بن محمد بن سيار، عدّ الشيخ والنجاشي من كتبه (كتاب القراءات) وقد نقل عنه ابن ماهيار الثقة في تفسيره كثيرا، وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصاير، وسماء (التنزيل والتحريف).
6 - الثقة الجليل محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار، المعروف بابن الحجام. وفي الفهرست له: (كتاب قراءة أمير المؤمنين عليه السلام) وكتاب (قراءة أهل البيت عليهم السلام).
وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه.
7 - أبوطاهر عبدالواحد بن عمر القمي، ذكر ابن شهر أشوب في معالم العلماء أن له كتابا في (قراءة أمير المؤمنين عليه السلام وحروفه).
8 - صاحب كتاب (تفسير القرآن وتأويله، وتنزيله، وناسخه، ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، وزيادات حروفه، وفضائله، وثوابه، روايات الثقات عن الصادقين من آل رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين) كذا في (سعد السعود) للسيد الجليل علي بن طاؤس.
9 - صاحب كتاب (مقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بن أبي طالب والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد وزيد ابني علي بن الحسين وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر صلوات الله عليهم).
1. - صاحب كتاب (الرد على أهل التبديل) ذكره ابن شهر أشوب في مناقبه، كما في البحار، ونقل عنه بعض الأخبار الدالة على أن مراده من أهل التبديل: هوالعامة، وغرضه من الرد هوالطعن عليهم به، لأن السبب فيه إعراض أسلافهم عن حفّاظه وواعيه(1)، (2).
أين القرآن المحفوظ عند الشيعة؟
إن معتقد الشيعة في القرآن هوأنه محفوظ عند المهدي المنتظر وقد أخذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الصحابة بعد أن عرضه عليهم ورفضوه وأعطاه الحسن ثم إلى الحسين إلى أن أصبح القرآن عند المهدي المنتظر وبعد ذلك يخرج القرآن مع خروج المهدي.
فقد روى المجلسي رواية استخرجها من كتاب الغيبة للنعماني: عن أبي بصير قال: قال أبوجعفر عليه السلام: <يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلا بالسيف لا يستتيب أحدا ولا تأخذه في الله لومة لائم(1).
وقد روى الكليني في كافيه عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال له رجل: قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم(2).
قال الكاشاني معلقا على الحديث: أقول يعني به صاحب الأمر عليه السلام (3).
وذكر الكليني في كافيه عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبدالله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس. فقال أبوعبدالله عليه السلام: كف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم عليه السلام فإذا قام قرأ كتاب الله تعالى على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام، وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد جمعته بين اللوحين فقالوا هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه فقال: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه (1).
وقال آية الله الأصفهاني في كتابه (آراء حول القرآن) وهذا القرآن كان عند الأئمة يتلونه في خلواتهم وربما أطلعوا عليه بعض خواصهم كما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مرقده بإسناده إلى سالم بن سلمه وذكر الحديث (2).
وقال نعمة الله الجزائري: روي في الأخبار أنهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتي يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلي السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين (ع) فيقرأ ويعمل بأحكامه(3).
وقال أبوالحسن العاملي: إن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى، ما جمعه علي (ع) وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن (ع) وهكذا إلى أن وصل إلى القائم (ع) <المهديوهواليوم عنده صلوات الله عليه(1).
وقال الحاج كريم خان الكرماني الملقب <بمرشد الأنام>: <إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلوالقرآن، فيقول أيها المسلمون هذا والله هوالقرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد والذي حرف وبدل(2).
وقال علي أصغر البرجردي: <الواجب أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يقع فيه تغيير وتبديل مع أنه وقع التحريف والحذف في القرآن الذي ألفه بعض المنافقين، والقرآن الأصلي الحقيقي موجود عند إمام العصر عجل الله فرجه(3).
وقال محمد بن النعمان الملقب بالمفيد: <إن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام بقراءة هذا القرآن إلى أن يقوم القائم (ع) فيقرىء الناس على ما أنزل الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين (ع) (4).
انكار القول بتحريف القرآن تقية
وبعد هذه النصوص التي تم إيرادها من كتب علمائهم المعاصرين نخرج بالنتيجة التالية:
إن علماء الشيعة جميعهم يقولون بتحريف القرآن الكريم، وأن الصحابة قد حذفوا منه كثيرا من الآيات الدالة على فضائل آل البيت بهدف توليهم للسلطة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأما ما يصرح به بعض علمائهم اليوم من القول بعدم التحريف إنما هو(تقية) يتقون بها النتائج الخطيرة التي قد تلحق بهم فيما لوصرحوا بهذه العقيدة الخبيثة.
وقد صرح بهذا أحد كبار علمائهم في الهند أحمد سلطان أحمد عندما قال: <إن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية(1).
وقال نعمة الله الجزائري: <والظاهر أن هذا القول (2) إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها(3).
وقال النوري الطبرسي: لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان للطوسي أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين>.
ثم أتى ببرهان ليثبت كلامه إذ قال: وما قاله السيد الجليل علي ابن طاووس في كتابه <سعد السعودإذ قال ونحن نذكر ما حكاه جدي أبوجعفر الطوسي في كتابه <التبيانوحملته التقيه على الاقتصار عليه (1).
وقال السيد عدنان البحراني: فما عن المرتضى والصدوق والطوسي من إنكار ذلك (2) فاسد(3).
وقال ميرزا الخوئي في كتابه منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة <إن الأئمة عليهم السلام إنما أمرونا بالرجوع إلى هذا الكتاب الموجود بأيدينا مع ما هوعليه من التحريف والنقصان لأجل التقية والخوف على أنفسهم وشيعتهم، فيكون ما استفدناه حكما ظاهريا بالنسبة إلينا فافهم(4).
وهذا أبومنصور أحمد الطبرسي في كتابه الاحتجاج: ينقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: <ولوشرحت لك كلما أسقط وحرف وبدل، مما يجري هذا المجري لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء، ومثالب الأعداء(5).
نسخ التلاوة
لقد كان الأجدر بالشيعة الاثنى عشرية عندما ثبت عندهم أن علماءهم يقولون بتحريف القرآن أن يتبرؤا منهم ويكفروهم كما فعل ابراهيم عليه السلام وأصحابه قال تعالى {قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ربكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} (1) ولكن هل فعل الشيعة ما فعله نبي الله ابراهيم؟ كلا.
إنهم ذهبوا يبحثون لهم الأعذار، وأحيانا ينكرون أنهم قالوا ذلك الكفر الصراح مع أن أولئك يثبتونه في كتبهم.
ولما لم يجد الشيعة مخرجا من هذا الخزي رأوا أن السبيل إلى الخروج منه هواتهام أهل السنة بهذا الكفر عن طريق نسخ التلاوة الذي يقول به أهل السنة.
قال الخوئي: إن القول بنسخ التلاوة هوبعينه القول بالتحريف والإسقاط.
وقال: إن القول بالتحريف هومذهب أكثر (2) علماء أهل السنة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة (3). وصار الآن كثير من الشيعة يلهجون بهذا الكلام، وهذا كلام باطل من وجوه:
أولاً: نسخ التلاوة ثابت بالقرآن الكريم.
- قال تعالى} ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها أومثلها} (1).
- قال تعالى} وإذا بدلنا آية وكان آية} (2).
- قال تعالى} يمحوالله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (3).
- قال تعالى} ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} (4).
والنسخ أما أن يكون للفظ أوالحكم أوهما معاً.
ثانياً: إن نسخ التلاوة ثابت في الكتب السماوية السابقة وإلا كانت الشرائع السابقة باقية إلى الآن.
ثالثاً: أكثر علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف والذين يتظاهر الشيعة الاثنى عشرية بالتمسك بأقوالهم كالمرتضى وأبى علي الطبرسي صاحب التفسير وشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي كلهم وغيرهم قالوا بنسح التلاوة.
- قال المرتضى: فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم (5).
- قال أبوعلي الطبرسي: النسخ في القرآن على ضروب ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم (6).
- قال أبوجعفر الطوسي: النسخ في القرآن من أقسام ثلاثة: منها ما نسخ لفظه دون حكمه كآية الرجم وهي قوله: <والشيخ والشيخة إذا زنيا (1).
وقال: فصل في ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم. جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه (2).
- قال النوري الطبرسي: أعلم أنهم اختلفوا في نسخ التلاوة، فالمنقول عن جمهور الأصوليين هوالجواز بل في نهاية العلامة ذهب إليه أكثر العلماء ونسب الخلاف إلى شاذ من المعتزلة (3).
- وقال محمد باقر المجلسي عندما صحح آية الرجم التي رواها الكليني في كافيه (4) قال: وعدت هذه الآية مما نسخت تلاوتها دون حكمه (5). وغيرهم كثير (6).
رابعا: قد شهد كثير من علماء الشيعة لأهل السنة بأنهم بريئون من القول بتحريف القرآن.
- قال المفيد: واتفقوا (يعني الإمامية) علي أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي.
وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية (1).
وقد نقل التيجاني عن الخوئي أنه قال: فالمسلمون أخوة سواء كانوا شيعة أم سنة فهم يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا، وقرآنهم واحد ونبيهم واحد (2).
فهنا برأ الخوئي أهل السنة من القول بالتحريف مع أنهم جميعاً يقولون بنسخ التلاوة وهذا لا يخفى على الخوئي.
فهل قال هذا تقية أوكذب عليه التيجاني؟! (3).
القراءات
وقد لبّس بعض علماء الشيعة على عوامهم بأن أهل السنة يقولون بالتحريف لأنهم يقولون بتعدد القراءات. وهذا يدل على جهلهم وعنادهم فالقراءات السبع ثابتة متواترة وإنكارها كفر صريح. ثم ان علماء الشيعة أنفسهم أثبتوا هذه القراءات.
فقد بوب الحر العاملي في موسوعته وسائل الشيعة بابا بعنوان (وجوب القراءة في الصلاة وغيرهما بالقراءات السبعة المتواترة دون الشواذ والمروية) (1).
وقد بوب أيضا أبوجعفر ابن بابويه القمي في كتابه الخصال بابا بعنوان (القرآن نزل على سبعة أحرف) وكتب فيه أحاديث منها:
1 - عن حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إن الأحاديث تختلف عنكم قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للإمام أن يفتى على سبعة وجوه. ثم قال: {هذا عطاؤنا فأمنن أوأمسك بغير حساب} (2).
2 - عن عبدالله الهاشمي عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني آت من الله فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت يارب وسع على أمتي ... فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف (3).
3 - وقد نقل صاحب البحار محمد المجلسي عن حفيد المهدي المنتظر ونائبه الخاص أنه قال: إنما القرآن نزل على سبعة أحرف قبل الهجرة من مكة إلى المدينة (1).
4 - عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف، كاف، أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل (2).
5 - قال الخميني: الأحوط عدم التخلف عن إحدى القراءات السبع، كما أن الأحوط عدم التخلف عما في المصاحف الكريمة الموجودة بين أيدي المسلمين، وإن كان التخلف في بعض الكلمات مثل <مَلِكِ يوم الدينو<كُفُواً أحدغير مضر، بل لا يبعد جواز القراءة بإحدى القراءات (3).
6 - قال الخوئي: تجوز قراءة مالك يوم الدين، وملك يوم الدين ويجوز في الصراط بالصاد، والسين، ويجوز في كفواً، أن يقرأ بضم الفاء وبسكونها مع الهمزة، أوالواو.
وقال: الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى جواز القراءة بجميع القراءات التي كانت متداولة في زمان الأئمة عليهم السلام (4).
مسألة البسملة
وكذا من تلبيسهم أنهم قالوا إن أهل السنة لا يقرأوا البسملة في الفاتحة في صلاتهم فهم قد حرفوا القرآن وهذا باطل لأن أهل السنة لم يختلفوا في اثباتها في المصحف ولكن في قراءتها في الصلاة ثم إن الشيعة أنفسهم أثبتوها في كتبهم.
1 - عن مسمع البصري قال: صليت مع أبي عبد الله عليه السلام فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (1).
2 - عن محمد بن علي الحلبي أن أبا عبدالله سئل عمن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد أن يقرأ فاتحة الكتاب.
قال: نعم، إن شاء سراً، وإن شاء جهراً فقيل: أفيقرأها مع السور الأخرى؟ قال: لا (2).
وقال الحر العاملي: ذكر الشيخ (يعني الطوسي) وغيره أن هذه الأحاديث محمولة على التقية، وذكر محامل أخرى.
قلت: ولا يسلم لهم ذلك لأن التقية تحرم في البسملة.
- فعن جعفر بن محمد قال: التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث: في شرب المسكر، والمسح على الخفين، وترك الجهر بسم الله الرحمن الرحيم (3).