معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حكم سب الصحابة رضي الله عنهم ..

أن ظاهرة سب الصحابة رضوان الله عليهم لم تكن وليدة اليوم ولا الأمس القريب وإنما تفشت وظهرت على حيز الوجود منذ مؤازرة ومناصرة أولئك الأخيار الأطهار للمصطفى عليه الصلاة والسلام وإن الطعن في الصحابة طعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أنهم لم يستطيعوا الطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم صراحة لئلا ينكشف أمرهم فعمدوا إلى تشويه سيرة أصحابه وتسويد صحائفهم البيضاء النقية ووضع المثالب فيهم ليقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل سوء ومن أجل ذلك صاحب أولئك الأشرار على حد زعمهم وان الذين يقودون حملة سب الصحابة قديماً أوحديثاً ماهم إلا أراذل الناس عقلاً وديناً .
 
ومن المكابرة أن يزعم أولئك الطاعنون في الصحابة أنهم مسلمون مع أنهم يرمون زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبيرة الزنا وبعض أصحابه المقربين إليه بالشذوذ الجنسي والحشع المادي الدنيوي وأن صحبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ماهي إلا استتار لتحقيق مأربهم المادية والكيدية وبدعوته صلى الله عليه وآله وسلم .
 
(عدالة الصحابة من القرآن الكريم)
كفى فخرا للصحابة رضوان الله عليهم اجمعين أن الله سبحانه وتعالى اصطفاهم لصحبة نبيه عليه السلام وأنّ ذكرهم في القرآن الكريم باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
 
يقول الحق تبارك وتعالى واصفاً نبيه عليه الصلاة والسلام وصحابته الأبرار :
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }
 
وقال جل جلاله مخبراً برضاه عن أولئك السابقين إلى الإسلام من المهاجرين و الأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وإعداده تعالى لهم جنات فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر .
 
{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّلهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم }.
 
وقال المولى تبارك وتعالى { للفقراء المهاجرين الذين إخرجوا من ديارهم وأمولهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم }
وقال جل وعلى:{ والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم }
وقال تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا }
وقال تعالى{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدماكاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تـاب عليـهم إنه بهم رؤف رحيم } وقال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } . وقوله تعالى:{ وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وماجعلنا القبلة التي كنت عليها إلالنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وماكان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم . }
 
(عدالة الصحابة من السنة)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام الناس فيقولون لهم فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون : لهم نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام الناس فيقال فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم )
 
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أوثلاثه ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولايستشهدون ويخونون ولايؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن ) وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته )
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( آية الإيمان حب الأنصار وآية المنافق بغض الأنصار )
 
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( لاتسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولانصفيه )
 
وعن عبدالله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الله الله في أصحابي لاتتخذوهم غرضاً من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن أذاهم آذاني ومن آذاني فقد آذاى الله ومن آذاى الله فيوشك أن يأخذه )وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة ) .
 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم ) .
عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فالعنوهم )
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (النجوم أمنةًللسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أنا اتى اصحابي مايوعدون )
وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(النجوم أمان لأهل السماء إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض )
 
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل أمتي أصحابي وخيرهم أتقاهم قال أبو سعيد أتقاهم أعقلهم )
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:( من احب الانصار احبه الله ومن بغض الأنصار ابغضه الله ).
 
(قول ائمة الاسلام في الصحابه )
اجمع علماء الاسلام على ان الصحابة عدول لايجوز للمسلم ان ينتقصهم بل يذكر محاسنهم والا عراض عما شجر بينهم . قال الامام احمد: اذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء فا تهمه على الاسلام .
وقال اسحاق بن راهويه :من شتم اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعاقب ويحبس .
وقال الامام مالك :من شتم النبى صلى الله عليه وآله وسلم قتل ، ومن سب اصحابه أدب .
وقال القاضى ابو يعلى :الذى عليه الفقهاء فى سب الصحابة ان كان مستحلا لذلك كفر وان لم يكن مستحلا فسق .
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: من زعم ان الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا نفراً قليلا فهذا لا ريب فيه كفر.
وقال ابو زرعة الرازي :اذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم انه زنديق وذلك ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حق ، والقران حق ، وماجاء به حق ، وانما ادى الينا ذلك كله الصحابة ، وهؤلاء الزنادقه يريدون ان يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنه فالجرح بهم أولى .
 
(ثناء أكابر اهل البيت على أبى بكر وعمر رضي الله عنهما )
قال الامام على بن ابي طالب رضي الله عنه : لايفضلنى احد على ابي بكر وعمر رضي الله عنهما الاجلدته حد المفتري .
وسأل رجل عليا رضي الله عنه نسمعك تقول في الخطبة اللهم أصلحنا بماأصلحت به الخلفاء الراشيدين المهدين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هما حبيباى أبوبكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمفتدي بهما عُصم ومن إتبع أثرهما هدى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله تعالى .
وسئل عبدالله الملقب بـ(النفس الزكية) أتمسح على الخفين ؟
فقال : أمسح فقد مسح عمر .
فقال له السائل : إنما أسالك أنت تمسح .
قال: ذلك أعجز لك أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيى فعمرخير مني وملء الأرض مثلي.
فقيل له هذا تقيه ؟
فقال : نحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولي في السر والعلانية فلا تسمع قول أحد بعدي . ثم قال من هذا الذي يزعم أن عليا كان مقهوراً وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بأمر فلم ينفذه فكفى بهذا إزراء ومنقصة ؟ .
نـترك التعليق على هذا الأثر للرافضة ومن شايعهم ونقول لهم موتوا بغيظكم ياأحفاد أهل النفاق والشقاق .
وجاء رجل إلى زين العابدين وقال له : أخبرني عن أبي بكر فقال عن الصديق .
فقال الرجل : وتسميه الصديق ؟
فقال له : ثكلتك أمك قد سماه صديقاً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار ومن لم يسمه صديقاً : فلا صدق الله قوله في الدنيا والأخره ، اذهب فأحب أبابكر وعمر رضي الله عنهما .
وقال جعفر بن محمد : اللهم إني أتولى أبا بكر وعمر وأحبهما اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلانالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة .
وقال جعفر الصادق من تبرأ من أبي بكر وعمر فأنا برىء منه .
 
فصل (في حكم سب الصحابة "لإبن حجر الهيثمي")
أعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه الكريم
 
منها قوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فأثبت الله تعالى لهم الخيرية على سائر الأمم ولاشئ يعادل شهادة الله تعالى لهم بذلك لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها بل لايعلم ذلك غيره تعالى فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل واحد إعتقاد ذلك والإيمان به وإلاكان مكذباً بالله في إخباره ولاشك أن من ارتاب في حقيقة شئ مما أخبربه الله تعالى أورسوله عليه السلام كان كافراً بإجماع المسلمين ومنه قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة ، فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولاً وخياراً ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة ، وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أويمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فقبح الله الرافضة ولعنهم وخذلهم ماأحمقهم ؟ وماأجهلهم ؟ وأشهدهم بالزور والإفتراء والبهتان !!.
 
ومنها قوله تعالى { يوم لايخزي الله النبي والذين أمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وأغفرلنا إنك على كل شئ قدير } فأمَّنَهُم الله تعالى من خزيه ولايأمن خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه وتعالى راضٍ عنهم ، فأمنهم من الخزي الصريح لهو من أعظم الادلة على كمال وحقائق الإحسان وان الله تعالى لم يزل راضياً ، عنهم حيث يقول الحق تبارك وتعالى :{لقد رضي الله عن المؤمنين إذيبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } فصرح الله تعالى برضاه على أولئك الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين وهم الف ونحو أربعمائه ومن رضي عنه تعالى لايمكن وفاته على الكفر لأن العبرة بالوفاة على الإسلام وأن الرضا من الله تعالى لايقع إلا على من موته على الإسلام .
 
وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه راضٍ عنهم فعلم أن كلا من هذه الآيه وما قبلها رد صريح فيما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز ، إذيلزم من الإيمان به الإيمان بمافيه . وقد علمت أن الذى فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول خيار وأن الله تعالى لايخزيهم وأنه رضي عنهم فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما في القرآن بمالايحتمل التأويل كان كافراً جاحداً ملحداً مارقاً ومنها قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدلهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ابداً ذلك الفوز العظيم } .
 
وقوله تعالى { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدروهم حاجة مماأوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفرلناولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنو ربنا انك رءوف رحيم } فتأمل ماوصفهم الله به هذه الآيات تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة ورميهم بماهم بريئون منه .
 
ومنها قوله تعالى{ محمد رسول الله والذين معه آشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطاه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }،فأنظر إلى عظيم مااشتملت عليه هذه الآيه فإن قوله تعالى محمد رسول الله جملة مبينة للمشهود به في قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق . ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنىّ بالثناء على أصحابه رضوان الله عليهم بقوله{والذين معه آشداء على الكفار رحماء بينهم}
 
وقوله تعالى{ ياأيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } .
 
فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص وسعة الرجاء في فضل الله تعالى ورحمته بإبتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت في وجوههم حتى أن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم ومن ثم قال الإمام مالك رضي الله عنه : بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضوان الله عليهم الذين فتحوا الشام قالوا : والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا ، وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصاً الصحابة رضوان الله عليهم لم يزل ذكرهم معظماً في الكتب كما قال الله تعالى { ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فأستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }.فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ازروه وايدوه ونصروه فهم معه كاالشطء مع الزرع ليغيظ بهم الكفار ، ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم اجمعين ، حيث يقول: لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظة الصحابة فهو كافر ، وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآيه ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله عنه في قوله بكفرهم ووافقه أيضاً جماعة من الأئمة أمثال الإمام أحمد بن حنبل والقاضي أبى يعلى وابن تيمية .
 
ويكفيهم شرفاً أي شرف ثناء الحق تبارك وتعالى عليهم في الآيات السابقة حيث ذكر تعالى رضاه عنهم ووعده اياهم جميعاً بالمغفرة والأجر العظيم ووعدُ الله صدق وحق لايتخلف ولايُخلف ولا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ، ولو لم يَرِدُ من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فيهم شئ مما سبق لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والإعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الذين جاؤا من بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولم يخالف فيه إلاشذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا فلايلتفت إليهم ولايعول عليهم وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ البخاري: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حق والقرآن حق وماجاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح بمن جرحهم الصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب الفساد هوالأقوم الأحق .
 
وقال ابن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً قال تعالى{ لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بماتعملون خبير } . وقال تعالى { أن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } . فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لايدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة ولايتوهم أن التقيد بالإنفاق أوالقتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف بذلك منهم لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أوبالعزم ثم الصحابة أصنناف ، فمنهم المهاجرون والأنصارُ ومن أسلم يوم الفتح أوبعده فأفضلهم إجمالاً المهاجرون ، فمن بعدهم على الترتيب المذكور وأما تفصيلاً فسباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين وسباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار .
 
وقال أبو منصور البغدادي : أجمع أهل السنة والجماعة أن أفضل الصحابة أبوبكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعة الرضوان بالحديبية ثم من أسلم قبل الفتح ثم من أسلم بعد الفتح ويجب الإمساك عما وقع بينهم من الإختلاف صفحاً عن أخبار المؤرخين لاسيما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم . إنتهى .
 
وقال القاضي أبو يعلى : الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلاً لذلك كفر وإن لم يكن مستحلاً فسق .
وقطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب وكفّر الصحابة .
قال محمد بن يوسف الفريابي : وسئل عمن شتم أبابكر قال : كافر قيل فيصلى عليه إذا مات .
قال : لا .
وسأله كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله قال : فلا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه حفرته .
وقال أحمد بن يونس : لو أن يهودياً ذبح شاة وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي ولم أكل ذبيحة الرافضي ، لأن الرافضي مرتد عن الإسلام .
وكذلك قال أبوبكر بن هاني : لاتؤكل ذبيحة الرافضي والقدرية كما لاتؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي ، لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد وأهل الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية .
وكذلك قال عبدالله بن ادريس من أعيان أئمة الكوفة:ليس الرافضي شفعة على المسلم .
وقال فضيل بن مرزوق : سمعت الحسن بن الحسن يقول: لرجل من الرافضة : والله إن قتلك لقربه إلى الله ، وفي رواية قال : رحمك الله انما تقول هذا تمزح قال : لا والله ماهو بالمزح ولكنه الجد ، قال : وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم .
وصرح جماعة من العلماء بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان . ويكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة ، وقال أبوبكر بن عبد العزيز في المقنع : فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلايزوج ، قال أحمد في رواية أبى طالب في الرجل يشتم عثمان : هذه زندقة وقال في رواية المروزي : من شتم ابابكر وعمر وعائشة ماأراه على الإسلام .
 
وماورد في السنة في الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لاتسبوا اصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن احدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه ) ، وفي رواية لمسلم واستشهد بها البخاري قال : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لاتسبوا أصحابي فإن احدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه) ، وفي رواية للبرقاني في صحيحه (لاتسبوا أصحابي دعوا لي أصحابي فإن احدكم لوأنفق كل يوم مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه ) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه :(من أبغضهم فقد ابغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم إن الله اختارني واختارلي أصحاباً جعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لايقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولاعدلاً .
 
وعن عبدالله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) . رواه الترمذي .
 
وعن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار محنة فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ولا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق) .
 
وروي هذا المعنى من حديث أنس رضي الله عنه ولفظه من سب أصحابي
فقد سبني ومن سبني فقد سب الله . رواه إبن البناء .
وعن عطاء بن أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لعن الله من سب أصحابي ) . رواه أبو أحمد الزبيري،وكذلك روي في المعجم الكبير للطبراني.
وعن جابر بن عبد الله قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس يكثرون وأصحابي يقلون فلا تسبوهم لعن الله من سبهم ) وعن نسير بن زعلوق قال: كان بن عمر يقول : (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره )
 
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله منه صرفاً ولاعدلاً . وإيذاء الله ورسوله كفر موجب للقتل كما تقدم وبهذا يظهر الفرق بين اذاهم قبل إستقرار الصحبة وإيذاء سائر المسلمين وبين اذاهم بعد صحبتهم له فإنه أعلى فقد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقاً ويمكن أن يكون مرتداً فاما إذا مات مقيماً على صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير متهم بنفاق فأذاه أذى مصحوبه (أي من آذى الصحابي كأنه آذىصاحبه وصاحبه هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم )
قال عبدالله بن مسعود : اعتبروا الناس باقرانهم وقلوا :
عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال مالك رضي الله عنه : إنما هؤلاء أقوام يقصد الروافض أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين أوكما قال : وذلك مامنهم رجلاً أي الصحابة إلا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وماله ويعينه على إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة وهو حينئذ لم يستقر أمره . إي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه ومعلوم أن رجلاً لو عمل نحو هذا ثم أذاه أحد لغضب له صاحبه وعُد ذلك أذى له وإلى هذا أشار إبن عمر قال : لاتسبوا أصحاب محمد فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله . رواه اللالكائي .
 
وكأنه أخذه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً مابلغ مد أحدهم أونصفيه .
ومن ذلك ماروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لايحبك إلامؤمن ولايبغضك إلامنافق . رواه مسلم .
ومن ذلك في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار ) وفي لفظ قال في الأنصار : لايحبهم إلامؤمن ولايبغضهم إلا منافق .
 
وفي الصحيحين أيضاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الأنصار : ( لايحبهم إلامؤمن ولايبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) .
 
ولمسلم عن إبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لايبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر ) .
 
وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لايبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ، فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقاً لايؤمن بالله ولاباليوم الآخر ). وإنما خص الأنصار الله أعلم لأنهم هم الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصروه وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال ، وكان المهاجرون إذ ذاك قليلون غرباء فقراء مستضعفين . وبالإجمال فبغض من نصر الله ورسوله من الصحابة نفاق ومن هذا مارواه طلحة بن مصرف قال : كان يقال : بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كاالشاك في السنة .
 
ومارواه كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يظهر من أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام هكذا ) . رواه عبدالرحمن بن أحمد في مسند أبيه .
 
وروى أبو يحي الحماني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أو النخعي عن عمه عن علي قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( ياعلي أنت وشيعتك في الجنة وإن قوماً لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون ) . قال علي : ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنهم يشتمون أبابكر وعمر رضي الله عنهما .
 
وعن فاطمة بنت محمد قالت:نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي فقال:(هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يعلمون الإسلام ثم يرفضونه لهم نبز يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون ).
 
وعن بن عباس قال:كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حبنا أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة فاقتلوهم فإنهم مشركون )
 
ورواه عبدالله بن أحمد حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحى ورواه أبوبكر الأثرم في سننه حدثنا معاوية بن عمر وحدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي جناب عن أبي سليمان الهمداني عن رجل من قومه قال : قال علي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أدلك على عمل إن عملته كنت من أهل الجنة وإنك من أهل الجنة إنه سيكون بعدنا قوم لهم نبز يقال لهم: الرافضة فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنهم مشركون ) وقال علي رضي الله عنه :سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا يكذبون علينا مارقة آية ذلك أنهم يسبون أبابكر وعمر رضي الله عنهما ) .
 
ورواه أبو القاسم البغوي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا محمد بن حازم عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أن علياً رضي الله عنه قال : ( يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم : الرافضة يعرفون به وينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا وأية ذلك أنهم يشتمون أبابكر وعمر أينما أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون ) .
 
وقال سويد حدثنا مروان بن معاوية عن حماد بن كيسان عن أبيه وكانت أخته سرية لعلي رضي الله عنه قال : سمعت عليا يقول : ( يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون ) وروى هذا المعنى مرفوعاً من حديث أم سلمة وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك .
 
وروى بن بطة بإسناده عن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله اختارني واختارلي أصحابي فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري وإنه سيجئ في آخر الزمان قوم يبغضونهم: ألا فلا تواكلوهم ولاتشاربوهم ، ألا فلا تناكحوهم ألا فلا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم عليهم حلت اللعنة ) .
وعن عياض الأنصاري وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال احفظوني في أصحابي وأصهاري فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه أوشك أن يأخذه )
عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( احفظوني في أصحابي فإنهم خيار أمتي )
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظوني في أصحابي وأزواجي واصهاري )
وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) رواه البخاري ومسلم والفظ للبخاري .
 
وعبد الرحمن بن سالم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل اختارني واختار لي أصحابا فجعل منهم وزراءا وأصهارا وأنصارا فمن سبهم فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله عز وجل منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا )
قال ابن تيمية : وفي هذا الحديث نظر.
 
وعن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال : ( قلت لأبى : ياأبت لو كنت سمعت رجلاً يسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكفر أكنت تضرب عنقه قال : نعم ) . رواهما الإمام أحمد وغيره .
 
ورواه ابن عيينة عن خلف ابن حوشب عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزي قال : قلت لأبي : لو أتيت برجل يسب أبابكر ماكنت صانعاً ؟
قال : أضرب عنقه . وعبدالرحمن بن أبزي من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدركه وصلّى خلفه وأقره عمر عاملا على مكة واستعمله علي رضي الله عنه عاملا على خراسان .
 
وروى قيس بن الربيع عن وائل عن البهي قال : وقع بين عبيدالله بن عمر وبين المقداد كلام فشتم عبيدالله المقداد فقال عمر: عليَّ بالحداد اقطع لسانه لايجترئ أحد بعده يشتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي رواية فَهَمَ عمر بقطع لسانه فكلمه فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه حنبل وابن بطه واللالكائى وغيرهم ولعل عمر انما كف عنه لما شفع فيه اصحاب الحق ، وهم اصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم ولعل المقداد كان فيهم ويؤيد ذلك ماروى الحكم بن حجل قال :سمعت عليا يقول لايفضلنى احد على ابى بكروعمررضي الله عنهماالاجلدته حدالمفترى .
 
وعن علقمة بن قيس قال :خطبنا على رضي الله عنه فقال :انه بلغنى ان قوما يفضلونى على ابى بكر وعمر ولوكنت ، الى ان قال ومن قال شيئا من ذلك فهومفترعليه ماعلى المفترى خيرالناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابو بكر ثم عمر ،رواهما عبدالله بن احمد .
 
وروى الامام احمد باسناد صحيح عن ابن ابى ليلى قال : تداروا في ابي بكر وعمر فقال رجل من عطارد : عمر أفضل من ابي بكر، فقال الجارود : بل أبوبكر افضل منه قال : فبلغ ذلك عمر ، قال :فجعل يضربه ضربا حتى شغر برجله ثم أقبل الى الجارود فقال : إليك عني ، ثم قال عمر: أبوبكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كذا وكذا ، ثم قال عمر : من قال غير هذا أقمنا عليه مانقيم على المفتري ، فاذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفترى من يفضل عليا على أبي بكر مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولاعيب علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير .


حكم سابّ الصحابة عند أهل السنة والجماعة


يعتقد أهل السنة والجماعة أن سب الصحابة، أو تجريحهم، أو الطعن فيهم، أو الحطّ من شأنهم؛ محرم بنص الكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ((وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً)) [الحجرات:12] وأدنى أحوال السابّ للصحابة أن يكون مغتاباً لهم.
-وقوله سبحانه: ((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)) [الهمزة:1]، والهمز واللمز: أزدراء الناس، وانتقاصهم بالقول والفعل([461]).
وأدنى أحوال السابّ للصحابة: أن يكون مزدرياً بهم، متنقصاً لهم.
-وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [الأحزاب:58].
قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: (أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه، ولم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم. ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم. وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبداً..)([462]).
ومعلوم أن السب أحد أنواع الإيذاء، فمن سب الصحابة رضي الله عنهم- وهم خير المؤمنين بعد الأنبياء والمرسلين- فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا.
أما أدلة تحريم سب الصحابة من السنة، فمنها:
[1]- قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي...»([463])
وهو من الأحاديث المتفق عليها([464]).
[2]- قوله صلى الله عليه وسلم: «الله اللـهَ في أصحابي! الله اللـَه في أصحابي! لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»([465]).
وقد نهى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن بغض الصحابة، وعن إيذائهم، ومعلوم أن أدنى أحوال الساب لهم أن يكون مبغضاً لهم، وفعله نوع من أنواع الإيذاء لهم.
وهناك أقوال لبعض الصحابة تنهى عن ذلك، منها:
1- قول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة)([466]).
 2 - قول ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سيقتتلون)([467]).
 3 - قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسبـّوهم)([468]).
إذاً: سب الصحابة محرم بنص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع أهل السنة والجماعة، بل وتحريم سبهم (مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان)([469])، كما ذكر ذلك الألوسي رحمه الله تعالى.
فـأهل السنة والجماعة متفقون على حرمة سب الصحابة، وعلى عظيم إثم من سبـّهم، أو انتقصهم رضي الله تعالى عنهم.
ولكنهم اختلفوا في حكم من سبـّهم هل يكفر ويحل قتله، أو يفسق ويكفي في حقه التعزير والتأديب- على قولين-.
القول الأول: من قال بكفر سابّ الصحابة، وحل قتله:
ذهب فريق من علماء أهل السنة إلى كفر من سب الصحابة رضي الله عنهم، أو طعن في عدالتهم، وأنه يقتل بسبب ذلك.
وممن ذهب إلى ذلك منهم: الإمام مالك في رواية([470])، ومحمد بن يوسف الفريابي([471])، والإمام أحمد في رواية([472]) وعبد العزيز بن جعفر غلام الخلال([473]). -، وأبو زرعة الرازي([474])، والسرخسي([475])، والطحاوي([476])، والحميدي([477])، والقرطبي([478])، وأحمد بن يونس([479])، وأبو بكر بن هانئ([480])، وعبد الله بن إدريس([481])، وفضيل بن مرزوق([482])، وطلحة بن مصرف([483])، وجماعة من الحنابلة([484]) وطائفة من الفقهاء من أهل الكوفة، وغيرهم([485]).
وقد استدلوا على مذهبهم بالأدلة التالية:
[1]- قوله تعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29]، وأدنى أحوال السابّ لهم والطاعن فيهم أن يكون مغتاظاً منهم.
قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ...)) [الفتح:29] إلى قوله((لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ)) [الفتح:29)]([486]).
[2]- قوله عليه الصلاة والسلام عن أصحابه: «.. ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى...»([487])
وفي معنى هذا الحديث قال الحسن بن علي البربهاري: (من تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه إنما أراد محمداًَ، وقد آذاه في قبره)([488]).
ومعلوم أن [الأذى لله ولرسوله يوجب القتل، ويوجب نقض العهد، ويوجب الردة]([489]).
أما قوله عليه السلام: (ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم). فقد فسـّره الإمام مالك بن أنس رحمه الله بقوله عمـّن قدح في الصحابة: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين)([490]).
[3]- ومن أدلتهم على كفر من سب الصحابة: قولهم: (إن الطعن في الصحابة، وانتقاصهم، وتجريحهم، والقول بعدم عدالتهم يؤدي إلى إبطال الشريعة؛ إذ هم الذين حملوها ونقلوها وبلغوها).
قال الإمام أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآنحق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة)([491]).
وقال القرطبي معلقاً على قول الإمام مالك بكفر من اغتاظ من الصحابة: (لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحداً منهم- يقصد من الصحابة-، أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين)([492]).
[4]- ومن أدلتهم على كفر من سب الصحابة؛ قولهم: إن في سب الصحابة وانتقاصهم رد لما تواتر في القرآن والسنة من مدحهم، والثناء عليهم، والإشادة بهم. ومن انتقصهم أو طعن عليهم فقد عارض الله في ثنائه عليهم في كتابه، وعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدحه لهم في سنته.
قال الألوسي عن انتقاص الروافض للصحابة، وطعنهم عليهم: (إن في ذلك إنكار ما قام الإجماع عليه قبل ظهور المخالف، من فضلهم، وشرفهم، ومصادمة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفى عند ربهم)([493]).
ومعلوم أن معارضة الله تعالى في خبره مخرجة عن دائرة الإسلام - عياذاً بالله تعالى-؛ قال الشيخ صديق حسن خان: (من خالف الله ورسوله في إخبارهما وعصاهما بسوء العقيدة في خُلـّص عباده ونخبة عباده فكفره بواح لا سترة عليه)([494]).
وهناك أدلة أخرى استدل بها من قال بكفر سابّ الصحابة، وكلها من الأدلة المعتبرة.
القول الثاني: من قال بفسق سابّ الصحابة، ولم يقل بكفره، وقال بتعزيره، ولم يقل بقتله: ذهب فريق من علماء أهل السنة إلى أن من سب الصحابة رضي الله عنهم لا يكفر، بل يفسق. ولا يقتل، بل يعزر ويؤدب.
وممن قال بذلك منهم: الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه([495])، والإمام مالك في رواية([496])، والإمام أحمد في رواية([497])، وعاصم الأحول([498])، وإسحاق بن راهويه([499])، وعبد الملك بن حبيب([500])، وابن المنذر([501]). وإبراهيم النّخعي([502])، وعبد الله بن محمود الموصلي([503])، وابن عابدين([504])، والتفتازاني([505])، وأبو الشكور السالمي([506])، وملا علي القاري([507])، والقسطلاني([508])، والنووي([509]). والرملي([510])، والباقلاني([511])، وابن تيمية([512])، وغيرهم([513]).
وقد استدلوا على هذا المذهب بأدلة منها:
[1]- إن مجرد سب الصحابة غير مستلزم للكفر والخروج من الملة، وهو يختلف عن سب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والله تعالى قد ميـّز بين مؤذي الله ورسوله، ومؤذي المؤمنين؛ فجعل الأول ملعوناً في الدنيا والآخرة، وقال في الثاني: ((فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)) [النساء:112]، ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل، وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة؛ فتكون عليه عقوبة مطلقة، ولا يلزم من العقوبة جواز القتل..."([514]).
[2]- قالوا: (إن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم؛ فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)([515]).
وبهذا يتضح أن حكم سابّ الصحابة من المسائل الخلافية عند أهل السنة؛ فرغم اتفاقهم على حرمة الفعل، اختلفوا في حكم الفاعل على قولين- كما تقدم-، واستدل كل واحد منهم على مذهبه بأدلة قوية ومعتبرة.
والراجح أنه لا يقطع بكفر من سب الصحابة لمجرد السب؛ لأن السب قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبمسمع منه فلم يحكم بكفر السابّ، ولم يهدر دمه، وإنما اكتفى بالنهي عن ذلك بقوله: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي..»([516])، فلو كان سابّ الصحابة كافراً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، ولما اكتفى بمجرد النهي عن السبّ.
ولقد كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يتـّهم من يسب الصحابة في دينه، ولكنه كان يجبن عن قتله كما صرح بذلك رضي الله عنه بقوله: (ما أراه على الإسلام)، (اتهمه على الإسلام)، (اجبن عن قتله)([517]). وهذا التورع منه عن قتله يدل على أنه لم يكن يقطع بكفره؛ إذ لو كان يقطع بكفر من سب الصحابة لما تردد في قتله.
هذا بالنسبة لمن أتى بمجرد السبّ الذي هو الشتم، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفر سابّ الصحابة من أهل العلم؛ فإن "من سبهم سبـّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك- فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك"([518]).
أما من قرن مع السب أمراً آخر، فحكمه يتوقف على الأمر الذي قرنه:
[1]- (فإن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً)، أو فسّق عامتهم، (فهذا لا ريب أيضاً في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعيـّن؛ فإن مضمون هذه المقالة: أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران:110].
وخيرها هو القرن الأول- كان عامتهم كفاراً أو فساقاً، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكُفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام...)([519]).
قال القاضي عياض المالكي: (نقطع بتكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة)([520]).
وقال الحافظ الذهبي: (من قال لمسلم بعد إيمانه كافر، فهو كافر بإجماع الأمة)([521]).
وقال الشيخ محمد بن سليمان التميمي رحمه الله: (.. ومن نسب جمهور أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى الفسق والظلم، وجعل اجتماعهم على الباطل، فقد ازدرى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وازدراؤه كفر)([522]).
إذاً: لا خلاف بين علماء أهل السنة في أن من نسب الصحابة رضي الله عنهم إلى الكفر والارتداد: فإنه كافر لا شك في كفره بل إن يشك في كفره فإن كفره متعيـّن- كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله([523]).
[2]- وكذا من كَفَّر الشيخين؛ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فلا شك في كفره.
قال الحافظ الذهبي: (كل من أحب الشيخين فليس بغال. بل من تكلم فيهما فهو غال مغتر، فإن كفّرهما والعياذ بالله جاز عليه التكفير واللعنة)([524]).
[3]- وكذا من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة، فلا شك في كفره، ومن شك في كفره فهو كافر.
قال القاضي أبو يعلى: (من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم)([525]).
وقد نقل القاضي أبو يعلى قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن: لأن الله تعالى قال: ((يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [النور:17])([526]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من نسب عائشة رضي الله عنها وعن أبيها إلى الفاحشة، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر؛ لأن هذا وأمثاله لا يمكن إنكاره إلا بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إنكار التواتر..)([527]).
وقال العلامة ابن عابدين الحنفي: (نعم، لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة رضي الله عنها، أو أنكر صحبة الصديق)([528]).
ويتلخّص مما تقدم: أن قول من قال بعدم تكفير من سب الصحابة ليس على إطلاقه، إذ أن من سب الصحابة بنسبتهم إلى الارتداد والكفر، أو سبّ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقذفها، ونسبتها إلى الفاحشة، فهذا لا خلاف في كفره بإجماع أهل السنة والجماعة.
وبهذا يتضح معتقد أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم يعتبرونهم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وينزلونهم المنزلة التي أنزلهم الله تعالى، وأنزلهم رسوله عليه الصلاة والسلام إياها.


 ([461]) تفسير ابن كثير 4/548.
([462]) تفسير ابن كثير 3/517-518.
([463]) صحيح البخاري 5/72، ك فضائل الصحابة، باب منه، وصحيح مسلم- واللفظ له- 4/1967-1968، ك فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم.
([464]) وقد أفرد الحافظ ابن حجر لطرقه مصنفاً، أسماه: [جزء في تخريج طرق حديث (لا تسبوا أصحابي..).
([465]) أخرجه الترمذي في جامعه 5/358، ك المناقب، باب من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وقال: هذا حديث حسن غريب-، وأحمد في مسنده 4/87، 88، 5/54-55، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن للهيثمي ص 568-569، ك المناقب، باب فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم)، والمقدسي في النهي عن سب الأصحاب ق 2/ب-3/أ.
([466]) أخرجه ابن ماجه في سننه 1/57، المقدمة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحمد في فضائل الصحابة 1/57-58، 2/907، وقال محققه: (إسناده صحيح).
([467]) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة 1/59.
([468]) أخرجه مسلم في صحيحه 4/2317، ك التفسير، وأحمد في فضائل الصحابة - بإسناد صحيح- 1/57.
([469]) الأجوبة العراقية للألوسي ص49.
([470]) أصول السنة للحميدي 2/546، وتفسير ابن كثير 4/339، وتفسير القرطبي 16/297.
([471]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([472]) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول ص 571، 579.
([473]) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول ص 571، 579.
([474]) نقله عنه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ص97.
([475]) أصول السرخسي 2/134.
([476]) العقيدة الطحاوية ص528.
([477]) أصول السنة للحميدي 2/546.
([478]) تفسير القرطبي 16/297.
([479]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([480]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([481]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([482]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([483]) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم ص570.
([484]) ذكر ذلك ابن تيمية في الصارم المسلول ص570-571.
([485]) ذكر ذلك ابن تيمية في الصارم المسلول ص570-571.
([486]) نقله عنه القرطبي في تفسيره 16/297.
([487]) أخرجه الترمذي في جامعه 5/358، ك المناقب، باب من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وقال: هذا حديث حسن غريب-، وأحمد في مسنده 4/87، 88، 5/54-55، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن للهيثمي ص 568-569، ك المناقب، باب فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم)، والمقدسي في النهي عن سب الأصحاب ق 2/ب-3/أ.
([488]) كتاب شرح السنة للبربهاري ص54.
([489]) الصارم المسلول لابن تيمية ص403.
([490]) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول ص580.
([491]) أسنده إليه الخطيب البغدادي في [الكفاية] ص97.
([492]) تفسير القرطبي 16/297.
([493]) الأجوبة العراقية للألوسي ص49.
([494]) الدين الخالص لصديق حسن خان 3/381-382.
([495]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([496]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([497]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([498]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([499]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([500]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص568-569.
([501]) ذكر قوله في ذلك شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص 568-569.
([502]) الصارم المسلول ص578.
([503]) في كتابه الاختيار 4/238.
([504]) في كتابه تنبيه الولاة والحكام 1/366.
([505]) ذكر ذلك ابن عابدين في كتابه: تنبيه الولاة والحكام 1/367.
([506]) ذكر ذلك ابن عابدين في كتابه: تنبيه الولاة والحكام 1/367.
([507]) ذكر ذلك ابن عابدين في كتابه: تنبيه الولاة والحكام 1/367.
([508]) في كتابه إرشاد الساري 6/94.
([509]) في شرحه على صحيح مسلم 16/93.
([510]) في كتابه نهاية المحتاج 7/416.
([511]) في الإنصاف ص68.
([512]) في الصارم المسلول571.
([513]) راجع للاستزادة كتاب "صحابة رسول الله" للأستاذ عيادة الكبيسي ص339-341.
([514]) الصارم المسلول لابن تيمية ص578.
([515]) الصارم المسلول لابن تيمية ص 579.
([516]) صحيح البخاري 5/72، ك فضائل الصحابة، باب منه، وصحيح مسلم- واللفظ له- 4/1967-1968، ك فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم.
([517]) الصارم المسلول لابن تيمية ص568.
([518]) الصارم المسلول لابن تيمية ص 586.
([519]) الصارم المسلول لابن تيمية ص586-587.
([520]) الشفا في حقوق المصطفى للقاضي عياض 2/286.
([521]) المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص536-537.
([522]) رسالة في الرد على الرافضة للتميمي ص8.
([523]) الصارم المسلول لابن تيمية ص87.
([524]) تذكرة الحفاظ للذهبي 2/775.
([525]) نقله عنه ابن تيمية في الصارم المسلول ص565-566.
([526]) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص566.
([527]) بغية المرتاد لابن تيمية ص343-344.
([528]) حاشية ابن عابدين 2/294.


حكم سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها


أما من سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه ، فقد أجمع العلماء انه يكفر .
قال القاضي أبو يعلي : (( من قذف عائشة رضي الله عنها بما براها الله منه كفر بلا خلاف )) .
 
وقد حكي الإجماع على هذا غير واحد من الأئمة لهذا الحكم .
فروي عن مالك : (( من سب أبا بكر جلد ، ومن سب عائشة قتل . قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف القرآن )) . ( الصارم المسلول ص 566 ) .
 
وقال ابن شعبان في روايته ، عن مالك : (( لأن الله تعالى يقول : { يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا إن كنتم مؤمنين } فمن عاد فقد كفر )) . ( الشفا 2 / 1109 ) .
 
والأدلة على كفر من رمى أم المؤمنين صريحة وظاهرة الدلالة ، منها :
 
أولا : ما استدل به الإمام مالك ، ان في هذا تكذيبا للقرآن الذي شهد ببراءتها ، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر .
 
قال الإمام ابن كثير : (( وقد اجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه يكفر ، لأنه معاند للقرآن )) . ( راجع تفسير ابن كثير 3 / 276 ، عند تفسير قوله تعالى { إن الذين يرمون المحصنات . . . } ) .
 
وقال ابن حزم - تعليقا على قول الإمام مالك السابق - : (( قول مالك هاهنا صحيح ، وهي ردة تامة ، وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها )) . ( المحلي 11 / 15 ) .
 
ثانيا : إن فيه إيذاء وتنقيصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عدة وجوه ، دل عليها القرآن الكريم ، فمن ذلك : إن ابن عباس رضي الله عنهما فرق بين قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء } وبين قوله { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } ، فقال عند تفسير الآية الثانية : (( هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهي مبهمة ليس توبة ، ومن قذف أامرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة . . . إلى آخر كلامه . . . قال : فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر )) . ( انظر ابن جرير 18 / 83 ، وعنه ابن كثير 3 / 277 ) .
 
فقد بين ابن عباس ، ان هذه الآية إنما نزلت فيمن قذف عائشة وامهات المؤمنين رضي الله عنهن ، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه ، فغن قذف المرأة أذى لزوجها ، كما هو أذى لابنها ، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه ، وإن زنى امرأته يؤذيه اذى عظيما . . ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله اعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف . ( الصارم المسلول ص 45 ، والقرطبي 12 / 139 ) .
 
وكذلك فإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالإجماع .
قال القرطبي عند قوله تعالى { يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا } : (( يعني في عائشة ، لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول بعينه ، او فيمن كان في مرتبته من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ، وذلك كفر من فاعله )) . ( القرطبي 12 / 136 ، عن ابن عربي في أحكام القرآن 3 / 1355 - 1356 ) .
 
ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ما أخرجه الشيخان في صحييهما في حديث الإفك عن عائشة ، قالت : (( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي سلول )) ، قالت : (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر - : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في اهل بيتي . . )) كما جاء في الصحيحين .
فقوله : (( من يعذرني )) أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من اذاه في أهل بيتي ، والله أعلم . فثبت انه صلى الله عليه وسلم قد تاذى بذلك تأذيا استعذر منه .
وقال المؤمنون الذين لم تاخذهم حمية : (( مرنا نضرب اعناقهم ، فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم )) ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم . ( الصارم المسلول ص 47 ) .
 
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : (( ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، لما صح ذلك عنه ، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين .
ولسان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن أذاني في أهلي . { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا مبينا } . . فأين أنصار دينه ليقولوا له : نحن نعذرك يا رسول الله )) . (الرد عل الرافضة 25-26 ) .
 
كما أن الطعن بها رضي الله عنها فيه تنقيص برسول الله صلى الله عليه وسلم من جانب آخر ، حيث قال عز وجل : { الخبيثات للخبيثين .. } .
قال ابن كثير : (( أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة ، لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا ، ولهذا قال تعالى { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان )) . ( ابن كثير 3 / 278 ) .
سعود


حكم سب الصحابة عند الحنفية


والحاصل: أنه ليس (1) بمنقولٍ عَن أحدٍ مِنْ أئمتنا المتقدمين كأبي حَنِيفة وأصحابه، وَأمَّا غَيرهم فَهم رجَال وَنحنُ رجَال، فلاَ نُقلد قَولهم مِنْ غَير دَليل عقلي وَنقلي، يؤتى به مِنْ طَرِيق ظنّي أوقطعي، مَع أنهُ مُخالف للأدلة القطعية والظنية المأخوذة مِنْ الكتاب وَالسنة المروية [4/ب] التي تفيد في العَقائد الدينية أوتفيد (2) في القَواعدِ الفقهية، فإن ما وَردَ فيها إمَّا ضَعِيف في سندِهِ أومُؤول في مسَتندِهِ، لئلا يعَارض القَواعِد الشرعية، فإن القولَ بالتكفير مُعارض لمَّا نص عليه أبُوحَنِيفة في (الفِقه الأكبَر)، مُوافقٌ لمَّا عَليه جَمع المتكلِميَن مِنْ أهل القبِلة لا يكفر، وعليه الأئمة الثلاثة مِنْ مَالِك وَالشافِعي وَأحمد، وَسَائر أهل العِلم المعتَمد في المعتقد.

وَقد صرحَ العلامة (3) التفتازَاني (4) في (شرح العَقائد) (5) بأن سَب الصَحابة بدعَة وفسق (6)، وكذا

__________

(1) أنه ليس) سقطت من (د).

(2) في (د): (تعتبر).

(3) في الأصل (علامة) ولا تصح، وقد سقطت هذه الكلمة من (د).

(4) هوسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، من أئمة العربية والفقه والمنطق والبيان، له مؤلفات عديدة، وفاته سنة 793هـ. الدرر الكامنة: 6/ 112؛ شذرات الذهب: 6/ 391.

(5) المسماة (شرح العقائد النسفية). هدية العارفين: 2/ 430.

(6) كذا ذكر المؤلف، وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء، قال القاضي أبويعلى: ((الذي عليه الفقهاء في سبِّ الصحابة، إن كان مستحلاً لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاً فسق، ولم يكفر سواء كفرّهم أوطعن في دينهم مع إسلامهم، وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة)). الصارم المسلول: 3/ 1061.

صَرح أبُوالشكور السالمي (1) في (تمهيده) (2): أنَّ سَبَّ الصَّحابة ليسَ بكفر، وَقد وَردَ عَنهُ - صلى الله عليه وسلم -: ((أن مَنْ سَب الأنبيَاء قتل، ومَنْ سَب أصحَابي جلد)) رَواهُ الطبَراني عن علي كرمَ الله وَجهَهُ (3)، رَواه أيضاً عَن ابن عَباس: ((مَنْ سَبّ أصحَابي فعَلَيه لعَنةُ اللهِ وَالملائكة وَالنَّاسِ أجَمعِينَ)) (4).

__________

(1) هوأبوشكور محمد بن عبد السيد بن شعيب الكشي السالمي الحنفي. كشف الظنون: 1/ 484.

(2) هو(التمهيد في بيان التوحيد)، قال حاجي خليفة: ((وهومختصر في أصول المعرفة والتوحيد)). كشف الظنون: 1/ 484.

(3) المعجم الصغير: 1/ 393؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 38/ 103. قال الهيثمي: ((وفيه عبيد الله بن محمد العمري، رماه النسائي بالكذب)). (مجمع الزوائد: 6/ 260، والحديث (موضوع) كما حكم عليه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع: رقم 5616.

(4) المعجم الكبير: 12/ 142، رقم 12709؛ الخلال، السنة: 3/ 515؛ ابن عدي، الكامل: 5/ 212؛ الجرجاني، تاريخ جرجان: ص 274. قال الشيخ الألباني (حديث حسن). الجامع الصحيح: رقم 6285.

ثم لا وَجه لتخصِيص الشيخَين فيما ذكر، فإن حكم الحسَنين كذلك، بَل سائر الصحَابة هنالك، كما يُستفَاد مِنْ (1) عُموم الأحَاديثِ وَخُصوصها، فَقد ورَدَ عَنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلاَم: ((مَنْ سَبّ عَليَّاً فَقَد سَبني، وَمَنْ سَبني فَقَد سَبَّ الله)) رَواهُ أحَمد وَالحاكم عَن أمِّ سَلَمة (2).

بَل وَقد بالغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقال: ((مَنْ سَب العَرب فأولئكَ هُم المشركونَ)) روَاهُ البيهَقي عَن عُمر - رضي الله عنه - (3).

__________

(1) في (د): (عن).

(2) مسند الإمام أحمد: 6/ 323، رقم 26791؛ المستدرك: 3/ 130، رقم 4615؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 42/ 266. والحديث في إسناده أبوعبد الله الجدلي واسمه: عبد بن عبد، وثقه ابن حبان (تهذيب التهذيب: 12/ 165)، ورماه ابن سعد بالتشيع حيث قال: ((يستضعف في حديثه، وكان شديد التشيع)). (الطبقات: 6/ 228). ولهذا السبب قال الشيخ الألباني عن الحديث (ضعيف)، كما في ضعيف الجامع: رقم 5681.

(3) الحديث أخرجه ابن عدي، الكامل: 6/ 379؛ العقيلي، الضعفاء: 4/ 217؛ البيهقي، شعب الإيمان: 2/ 231؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 10/ 294. والحديث (موضوع) كما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة مطرف بن معقل (لسان الميزان: 6/ 48). وهوالحكم نفسه الذي أطلقه الألباني على الحديث. ضعيف الجامع: 5617.

إلا أنه يَجبُ حَمله على أنه أراد باللام الاستغراق، أوالجنس الشامِل للنبي الصَّلاة وَالسَّلام بالاتفاق، فَهذا تحقيق هذِهِ المَسألةَ المشكلة عَلى مَا ذكرَ في (الموَاقف) (1).

وأمَّا مَا في كتب (2) العَقائد، فمَنْ اعتقد غَير هذاَ فليَحذر (3) عقيَدته، وَليَتب عَن تعَصّبه وَحمَاقتِهِ، وَيترك حمية جاهليته، وإلاَّ فيلهث (4) غِيَظاً على حقدِهِ وحسَدِهِ وَطغيتهِ، وَيُدفن في تربة خباثته وَنجاسُته ظنيته إلى أن يتَبينَ بُطلان مَظنته في سَاعَة قيامتهِ [5/أ] ? يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ? [الطارق: 9]، فَيظهر ضمائر وَيتمَيز الكفر مِنْ الإسلام وَالكبائر مِنْ الصغَائر.

__________

(1) كتاب (المواقف في علم الكلام) تصنيف عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الأيجي القاضي (ت 756هـ). حيث يشير القاري إلى قول الإيجي في آخر كتابه: ((ولا نكفر أحداً من أهل القبلة، إلا بما فيه نفي للصانع والأفضلية القادر العليم أوشرك أوإنكار للنبوة، أوما علم مجيئه ضرورة، أولمجمع عليه كاستحلال المحرمات، وأما ما عداه فالقائل به مبتدع غير كافر)). الموقف: ص 717.

(2) في (د) وردت العبارة: (وفي كتب العقائد).

(3) في (د): (فليجدد).

(4) في (د): (فليمت).

ثم [مَنْ] (1) ادعى بطلان هَذا البيان، فعَليَه أن يظهر في ميدان البَرهان، إمَّا بتقرير اللسَان هو، وَإمَّا بتحرير البَيان والله المستعان، وَالحِق يَعلوولا يعلى إلا (2) البطلان، وَقد ثبت عنه عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلام: ((أن الله يَبِعَث لِهَذِهِ الأمة على رأس مائة سَنة مَنْ يجدد لها دِينها)) وَرَوَاه أبودَاود وَالحاكم وَالبيهَقي في (المَعرفة) عَن أبي هريرة (3).

فوالله العَظيم، وربَّ النبي الكَريم، أني لَوعَرفت أحَداً أعلم مِنّي بالكِتَاب وَالسّنة، مِنْ جهة مَبناها أومِنْ طريق مَعناها (4)، لَقصَدت إلَيه ولوحبواً بالوقوف لَدَيه، وهذا لا أقوله (5) فَخراً، بَل تَحدّثاً بنعِمةِ الله وَشكراً، وَاستزيد مِنْ ربي مَا يَكون لي ذِخراً.

حديث: من سب أصحابي فعليه لعنة الله:

نَعَمْ ورَد: ((حبُّ أبي بكر وَعُمَر رَضي اللهُ عَنهما مِنْ الإيمان وَبغضهَما كفر، وَحبُّ الأنصَار مِنْ الإيمان وَبغضهَم كفر، وَحبُّ العَرب مِنْ الإيمان وَبغضهم كفر، وَمِنْ سبّ أصحَابي فعَلَيه لَعنة الله، ومَنْ

__________

(1) زيادة من: (د).

(2) كذا في النسختين.

(3) سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة: 4/ 109، رقم 4291؛ المستدرك: 4/ 567، رقم 8592؛ الطبراني، المعجم الأوسط: 6/ 324؛ تاريخ بغداد: 2/ 61؛ الداني، السنن الواردة في الفتن: 3/ 743. الحديث صححه الحاكم، قال العجلوني: ورجاله ثقات: (كشف الخفاء: 1/ 282). قال الشيخ الألباني: (صحيح). صحيح الجامع: رقم 1874.

(4) في (د): (معناهما).

(5) كذا في النسختين (أقول).

حَفظني فيهم فأنا أحفظ يَوم القيامة)) رواه ابن عَسَاكر عَن جَابر (1).

المراد بالكفر كفران النعمة:

وَالمُراد بالكفرِ كفران النعمة أوكفر دونَ كفرٍ، أوأريد به التغلِيظ وَالوعيد والتهديد الشدِيد مُبَالغة في الزجر وَالنهي، كَمَا هومَعروف في الكتابِ وَالسّنة.

سباب المسلم:

وجاءَ في حَدِيثٍ كادَ (2) أنْ يكُونَ مُتَواتراً: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) رَواهُ أحَمد وَالبخارِي وَالترمذِي وَالنسَائي وَابن مَاجَة عَن ابن مَسْعُود (3).

__________

(1) تاريخ دمشق: 44/ 222. وأخرجه ابن عساكر من طريق علي بن الحسن وهو: بن يعمر الشامي المصري، قال ابن عدي: ((أحاديثه بواطل لا أصل لها))، وقال ابن حبان: ((يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب)). (ابن الجوزي، الضعفاء والمتروكين: 2/ 192). وأخذه الشامي عن خليد بن دعلج، وهذا الأخير وإن كان أحاله أفضل من حال تلميذه، إلا أنه ضعيف أيضاً كما ذكر الحافظ ابن حجر (تقريب التقريب: ص 195)، وقال عنه ابن المديني: ((روى المناكير)). (المغني في الضعفاء: 1/ 129). فالحديث أقل ما يقال عنه أنه (ضعيف جداً).

(2) في (د): (كان).

(3) مسند الإمام أحمد: 1/ 385، رقم 3639؛ صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله: 1/ 27، رقم 48؛ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - باب المسلم فسوق: 1/ 81، رقم 64؛ سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشتم: 5/ 21، رقم 1983؛ سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، باب قتال المسلم: 7/ 121، رقم 4105؛ سنن ابن ماجة، باب في الإيمان: 1/ 27، رقم 69.

وَابن مَاجَة أيضاً عَن أبي هريَرة (1) وعَن سَعد (2)، وَالطبَراني عَن عَبد الله بن مغفل (3)، وَعن عمَروبن (4) النعمان بن مقرن (5)، والدّارقطني في (الأفراد) عن جابر، وَالطبَراني أيضاً عَن ابن مسعود، وَزادَ:

((وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ)) (6).

__________

(1) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب سباب المسلم فسوق: 2/ 3000، رقم 3940.

(2) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب سباب المسلم فسوق: 2/ 1300، رقم 3941.

(3) في (م): (مفضل). والحديث في المعجم الأوسط: 1/ 223. وعبد الله بن مغفل بن غنم المازني، صاحبي شهد بيعة الشجرة، ووفاته بالبصرة سنة 59هـ. الاستيعاب: 3/ 996؛ الإصابة: 4/ 242.

(4) عمروبن) سقطت من (د).

(5) المعجم الكبير: 17/ 39، رقم 80. عمروبن النعمان بن مقرن المازني، والده من مشاهير الصحابة، واختلف في رفع روايته، ورجح الحافظ ابن حجر كونها مرسلة، ثم أورد هذا الحديث. الإصابة: 4/ 693.

(6) المعجم الكبير: 10/ 159، رقم 10316؛ وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: 1/ 446، رقم 4262؛ أبويعلى، المسند: 9/ 55، رقم 5119. قال الشيخ الألباني (حسن). الجامع الصحيح: رقم 3596.

فَهِذا الحَديثِ صَريح في أنَّ سَبَّ المُسْلِمِ فسق غاية أنَّ الفسق لَهُ المراتب، كَمَا أن المُسلمينَ (1) لهم تفَاوُت باختِلافِ المناقِبِ، كَمَا رَوى ابن عسَاكر [5/ب] عن البَراء موَقوفاً: ((لا تسبّوا أصحَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوَالذِي نفسِي بيدِهِ لمقامُ أحَدهم مَع رَسُولِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضَل مِنْ عَمل أحَدكم عُمره)) (2) فكأنه أشارَ إلى قوله تعَالى: ? لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ ًوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ? [الحديد: 10].

[ذم التعصب في دين الله]:

ثُمَّ اعلم أنَّ التعَصب في دِينِ اللهِ [تعَالَى] (3) على وَجه التشدد وَالتصَلب ممنوع وَمَحظور؛ لأنه يترتب عَلَيه أمُور في كلِّ مِنها ضَرر ومحذور، قَالَ الله تَعَالَى: ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ ? [النساء: 171]، و? قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ? [المائدة: 77]، وقالَ عَز وَجل: ? وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ? [العنكبوت: 46].

__________

(1) في (د): (للمسلمين).

(2) ابن عساكر، تاريخ دمشق: 18/ 398؛ وأخرجه أيضاً ابن عدي، الكامل: 7/ 190.

(3) زيادة من (د).

وَقالَ سُبحانه: ? وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ? [الأنعام: 108] وَاستدَل بهذِهِ الآية شيخِنَا المبرور (1) المغفُور محمد بن أبي الحسَن البكري (2)، في منع معرف كان بمكةَ في مقام الحنفي، ويقولُ بالصوتِ الَجلي: ((لعَن الله الرافضَة من الأوبَاشِ وَطائفَة القزلباش (3)))، وقالَ هَذا يكون تسبيباً سَبهم (4) طائفة أهل السّنة وَالجماعة، كَمَا عَلَيْه أهل العِناد في الصناعةِ.

__________

(1) في (م): (المبرد).

(2) هوقطب الدين محمد بن الشيخ أبي الحسن محمد بن محمد الشافعي الأشعري المصري الصديقي البكري، يعود نسبه إلى أبي بكر الصديق، برع في الكلام والتفسير والأصول، وفاته سنة 993هـ. النور السافر: ص 369؛ شذرات الذهب: 4/ 431.

(3) القزلباش: من أشد القبائل في إيران وأصلهم تركي يتكون من تسع قبائل، وقد كان أفراد كثيرون قد أسرهم تيمور لنك بعد انتصاره العثمانيين ثم توسط (خواجة علي سياهمبوش) في فك أسرهم، ومنذ ذلك الوقت التفوا حول الأسرة الصفوية وقدموا لها فروض الطاعة، وكانوا من أشد المناصرين لها، وكان دعمهم العسكري من أبرز وسائل القوة التي مكنت الصفويين من السيطرة على إيران. الدولة الصفوية: ص 41.

(4) في (د): (بسبهم).

وَلقد صَدقَ الصديقي (1) في مَقامِه الحقيقي، وَوَافق كلام أستاذي المرحُوم في عِلم القراءة، مَولانا معين الدين بن الحافظ زين (2) الدين (3) من أهل زيارتكاه، وهوَ أول مِنْ استشهد أيام الرافضَة في سَبيلِ الله، وَذلك أنه لما ظهَر سُلطانهم المسَمى بشاه إسمِاعيل (4)، وَفتحَ مَلك العِراق بَعدَ القالَ والقيل (5)، وَفشوّا القِتال وَالقتِيل، أرسَلَ إلى خراسان مكتوباً فيه إظهار غلبَته في هَذا الشأن، وكَتبَ [6/أ] في آخِرهِ ِسَبّ بَعض الصحَابة مِنْ الأكابر والأعيان.

__________

(1) يعني به شيخه محمد بن أبي الحسن البكري الذي مر ذكره قبل قليل.

(2) في (م): (بن).

(3) هومعين الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسني الأيجي الشافعي الصفوي، مفسر له أكثر من مؤلف، وفاته سنة 905هـ. الضوء اللامع: 8/ 37؛ كشف الظنون: 1/ 610؛ الموسوعة الميسرة: ص 2148.

(4) هوإسماعيل بن حيدر بن جنيد الصفوي، يعيد الشيعة نسبه إلى موسى الكاظم، ولم يكن أهله من الملوك وإنما كانوا من مشائخ الصوفية، ولكن عندما تغلب على الأمور في تبريز وقوي أمره أظهر عقيدة الإمامية في إيران، وتعصب لذلك وقتل كل من يعترض أمر عقيدته، فقتل العلماء والعامة على السواء، قال الشوكاني: ((كاد أن يدعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره)) مات في سنة 931هـ/ 1620م. البدر الطالع: 1/ 271؛ أعيان الشيعة: 3/ 321.

(5) في (د): (القيل والقال).

وكانَ الحِافظ المذكور خَطيباً في جامع بَلد هراة المشهُور، فأمرَ بقراءتهِ فوَقَ المنبر بالاملاء عندَ حضُور العلماء والمشَائخ وَالأمَراء، ومِنْ جُملِتهم العَلامَة الوَلي شيخ الإسلام الهروي (1) سبط المحقق الرباني مَولانا سعد الدين التفتازاني، فلما وَصَل الخطيب إلى مَحِل السَبِّ انتقل مِنه (2) عَلى طَريق الأدب، فتعصّب كلاَب (3) الأرفاض لهَذَا السبب، وقالوا: تركت المقصُود الأعظم وَالمطلوب الأفخم، فأعد الكلام لتكُون على وجه التمَام، وَتوقف الَخطيبُ في ذلك المقام، فأشارَ شيخ الإسلام إليه أن يقرأ ما هوالمسطور لَدَيه، لأن عَندَ الإكراه (4) لا جناحَ عَليه، فأبى عَن السبِّ وصمم عَلى اختيار العزيمة على الرخصة (5) الذميمة، فنزلوُه وقتلوه وحَرقوه.

ثُمَّ لمَا جاءَ السلطَان إلى خراسَان، وطلبَ شيخ الإسلام وسائر أكابر الزمان، وأمرَ الشيخَ بالسبِّ في ذلك المكان، أمتنعَ عَنه رضاء للرحمةِ، فاعترضَ عَليه بأنَّك أمرتَ بِهِ الخطيب سَابقاً، فكيَفَ تخالف الأمر لاحقاً، فقالَ: ((ذاكَ فتوى، وَهَذا كَمَا ترى تقوى، وَأيضاً ذلكَ الوُقت كانَ أيامَ الفتنة التامة، وَهجُوم الخلائق وَالعَامة، وَرأيت اليَوم في تَخت السّلطنة التي تجبُ عليك فيه العَدَالة، وَسماعَ مَا يتعَلق بِهَذِهِ المقَالَة، وَتَصحِيح مَا يكُون العَمل بِهِ أولى في هَذِهِ الحَالَة)).

فسَألَهُ عَن كيفِيته وَتحقِيق مَاهِيته وكميته؟.

فقالَ له: ((أفعلْ أحَد [هذين] (6) الشيئين مِنْ الأمرَين الحسنين:

__________

(1) هوسيف الدين أحمد بن محمد بن سعد الدين مسعود التفتازاني الحنفي، يعرف بحفيد التفتازاني، رئيس العلماء بهراة، قتل سنة 916هـ. هدية العارفين: 1/ 138.

(2) في (د): (عنه).

(3) في (د): (كلام).

(4) في (م): (الإكرام).

(5) في (د): (الرفضة).

(6) زيادة من (د).

أولهما: أني اثبت لك أنَّ مذهب أهل السنة وَالجماعَة هوالحق وغيره هُوَ البَاطِل المطلق، وذلك بأني أظهر لكَ تصَانيفَ آبائكَ وَأجدَادكَ مِنْ المَشائخ الذين سَلَفوا في بلادكَ بخطُوطهم، وَتعمل بما في سُطوُرهم وفق مَا في صدوُرهم، وإنْ كانُوا الآن في قبورهم.

وَثانِيهما: أنَّكَ تنادي عُلماء مذهَبك [6/ب] وفضلاء مشربك فتبَاحثت في مَجلسكَ، فمَنْ غَلب في الحجة نَقلاً وَعقلاً، فَيُتِبع فرعاً وأصلاً)).

فشاور وزرائه وأمرَائه وعلمائه وفقهائه (1)، فقالُوا لهُ: ((هَذَا عَالمٌ كبَيرٌ وفضله كثير لا يغلبه أحَدٌ منا في الكلاَمِ، وآبائكَ وَأجدَادكَ صَنفوا (2) في زمَان السنة، وَكانَ يجبُ عَليهم التقيَّة في هَذِهِ القضِية)) فتبعهم وَصَارَ مِنْ أهل الطغيان وَالكفران، كفرعَونَ حَيثُ شاورَ هَامَانَ، فقتله شهيداً وجَعلهُ سَعِيداً.

والحاصل: أن ولدَ الخطيب (3) الذي هوَ أستاذي الأديب، كانَ يقولُ: إنَّ زيادة التعَصب وَالعناد في

__________

(1) في كلا النسختين: (وزرائه وأمرائه وعلمائه وفقهائه).

(2) في (م): (صنعوا).

(3) هوعلاء الدين أبوالحسن علي بن جلال الدين محمد البكري الصديقي الشافعي، كان بارعاً في الفقه والتفسير والتصوف، وفاته سنة 952هـ. النور السافر: ص 369؛ شذرات الذهب: 8/ 292.

هَذِهِ الطائفة اللعِينة، إنما وقعَت مِنْ تعَصبَاتِ (1) الطبقة الأزبكية (2)، حَيثُ إذَا رَأوا شخصاً يبتدئ في غسل الأيدِي مِنْ مَرقٍ أومسَحَ عَلى رجلهِ (3)، أووَضعَ حَجراً في مَسجدِهِ قتلوُه، فعَارضَهم بأن مَنْ غسَل رجله أومسَحَ رقبتِهِ وَأذنِهِ قَتلوُه، وكلُّ مَنْ صَلى مُرسِلاً يدَيه قتلهُ هؤلاء، فعارضُوهم بأن مَنْ صلى وَاضِعاً يَديه قتَلوُه، إلى (4) أن زدَادَ التعَصب بَينَ الطائفتين.

فَمَنْ سَبَّ الصحَابة وَلومَكرهاً قتلوهُ، فَزادُوا عَلَيهم في القبَاحَةِ وَالوقاحَةِ، بأن أمرُوا أهلَ السّنة بسَبِّ الصحَابة فَمَنْ امتنعَ عَنه (5) قتلوُه، وأشتد الأمرُ عَلى القبيلَتَين حَتى كان مَدَار العقيدَة عَلى هَذا بَينَ (6) المَسْألتين، وَكفَّر كل وَاحِد غيره مِنْ الطائفَتين (7).

[أصل الفساد بسبب ترك السنة وفعل البدعة:]

وَأصل هَذا الفساد، وَإنما وقعَ بَينَ العِبادِ وَشايَة ترك السّنة وَفعل البدعَة، حَيثُ اختارَ بَعض السلاَطين وَالأمَراء أنْ يذكر اسمهُ فَوقَ المنبَرِ عَلى ألسَنةِ الخطبَاءِ، فقِيل لهمُ لم يتصَور ذَلكَ بأن يذكر الخلفاء الأربَعة أولاً هنالك.

__________

(1) في (م): (التعصبات).

(2) نسبة إلى أزبك خان، وهي قبائل وفدت إلى إيران من هضاب آسيا، وكان هؤلاء على مذهب أهل السنة والجماعة، ودخلوا في صراع عنيف مع الصفويين، ولكن الإمكانيات المتواضعة للأزبك جعلت كفة الصفويين هي الراجحة في معظم المعارك. الدولة الصفوية: ص 55.

(3) في (د): (رجليه).

(4) في (م): (إلا).

(5) عنه) سقطت من (د).

(6) في (د): (هذين).

(7) يتضح من كلام القاري هنا أنه كان شاهد عيان على هذه الأحداث التي كان معاصراً لها، خاصة ما قام به الصفويون من مجازر في حق أهل السنة في إيران.

ثم أحدثَ بنوأمية سَبَّ علي وَاتباعه في الخطبة مُدة مَعُينة (1)، إلى أنْ أظهرَ الله سُبحانه عُمَر بن عبد العزيز (2) [وأعز الله الإسلام به انتهاء، كما أعزَّ الله الإسلام بعمر بن الخطاب] (3) ابتداءً، فاظهر غاية العَدَالة وَنهاية الرعَاية في الرغبَة وَالجمَالة، فأول مَا خطبَ (4) عُمَر هذا على المنبر، حَمدَ اللهَ سبُحانه (5) وأثنى وَشكر وَوعظ وَنصح لمن اعتبَرَ [7/أ] ثم لمَّا وَصَلَ إلى مَوضِع سَبِّ الخطباء لخاتم الخلفاء وخاتم الحنَفاء قَرأ هَذِهِ الآية: ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ? [النحل:90] أوصيكم عِبادَ اللهِ بتقوى الله، وَنزلَ عَن المنبَرِ، فصَارَ قراءة هَذِهِ الآيَة المقررَة المعتبرة (6).

سب الصحابة الكرام من أكبر الكبائر:

وَحَاصِل الكلام وتحقيق المرام أن سَبَّ الصحَابة الكرَام مِنْ أكَبَرِ الكبَائرِ، بَل متضَمن أكثرهَا عِندَ أهل السَّرائرِ؛ لأنه أجتمعَ فِيه حَق الله وَحَق العَبد وَحَق رَسُوله [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه لا يهون عليه إهانة مَن يَكُون مقرباً لديه] (7) وَمنسُوباً إلَيه.

__________

(1) لم يثبت بسند معتبر أن بني أمية سبوا علياً أوأهل بيته، وهي من الأخطاء الشائعة تاريخياً التي نبه عليها العلماء، وبينوا عدم صحتها.

(2) في (م) (الخطاب).

(3) زيادة من (د).

(4) في (م): (ظهر).

(5) في (د): (تعالى).

(6) لم ترد هذه الرواية أيضاً بسند معتبر، بل وردت في كتب التاريخ على سبيل الحكاية. ينظر: الكامل في التاريخ: 4/ 315.

(7) زيادة من (د).

وأيضاً مِنْ المقرر إجماعاً أن قتل النفس أكبرُ الكبَائر بَعدَ الشِركِ باللهِ تعَالى، وَقتل المؤمن متعَمداً إنما يَقع المؤمن حَال كمَال غضَبه وذهَاب عقله وَأدَبه حَتى يكاد أن يكُون مجنوناً (1)، ثُمَّ لاَ شَك أنْ يكُون بَعد ذلَك نَادماً وَمحزوناً، وَيتَوبُ إلى اللهِ وَيتضَرع إلى مَولاه، بخلاَفِ الرّفضَة (2) حَيثُ يسبونَ في حَالِ اختِيارهم وَوَقت اقتِدارهم وَيُصَمّمُونَ على ذلَكَ ولا يَرجعُونَ عَمّا صَدر عَنهم هُنالك إذ لم يعتقدوا قبحه، بَل يتوَهّمُونَ (3) رجحه.

وَكَذَا قيل ليسَ [تقبل] (4) توبة لأهِل البدعَة؛ لأن بدَعتهم عندهم قَربَة وَطاعَة، وَأمَّا مَا ذكر بَعض المَشائخ أنهم لم يسبّوا أصحَابَ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإنما سبّوا جميعاً زعِموا فيهم أنهُم ظلمُوا عَلياً كرّمَ اللهُ وَجهَهُ، وَأخذوا حَقه مَعَ جَعله عَليه الصلاة وَالسلام وصيّه، وَليسَ هَؤلاء بهَذا الوَصف مَوجُودينَ، وَلا بهذا النعت مشهورينَ، فلا يفيدُ ذلَك وَلاَ يكُون عُذراً هنالك، كَمَا قالَ بَعض جَهَلة الصوفية أن عَبدَة الأصنام إنما عَبدُوا الملك العَلام، سَوَاءٌ عَلمُوا هَذا المعنى أوعقلُوا عَن هَذَا المبَنى، فإن الشريعَة الغراء تُبطل (5) مثل هَذِه الأشيَاء، فنحنْ نحكم بالظاهر وَالله اعلم بالسَرائرِ.

__________

(1) في (م): (مجموعا).

(2) كذا يسمي المؤلف الرافضة في بعض الأحيان.

(3) في (د): (يتوهموا).

(4) زيادة من (د).

(5) في كلا النسختين (بطل).

ولا يخفى أن طائفة الشيعة تغاير (1) طَوائف المبتَدعَة الشنيعَة، لمَّا لم يتبعُوا (2) الأحَادِيثَ وَالأخبار [7/ب] وَحرمُوا حَقائق الأسرار وَدقائق الأنوار التي حَملَته العُلماء الأبرار وَنقلَته الفضَلاء الكبَار عَن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بروَاية الأصحَاب وَالتابعِينَ، وَأتبَاعهم مِنْ العُلماءِ العَامِلين وَالمشائخ الكامِلين بأسَانيد عدُول ضابِطين وَثقة حَافظِين، وَقعُوا فيما وقعُوا مِنْ الخطأ والخطل وافسدوا ما عندهم مِنْ العِلم وَالعَمل، وَاعتَقدُوا مَا بَنوُه على ما طاحَوا فيه مِنْ الزلل، وَإلا فكيفَ يبغض مَنْ كَانَ صَاحِب النّبي صلى صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغَار، ورَفيقه في سَائر الأسفار، وَأول مَن آمَنَ بِهِ مِنْ الرجَالِ الكبَارِ.

__________

(1) في (م): (وتغاير)، وفي (د): (تتغاير).

(2) في (د): (يتتبعوا).

وَقد جَعله الصَّلاة والسَّلام خليفةً في مَدِينةِ الإسلام بمنصّب الإمَامة لعَامة الأنام، كَمَا أجمعَ عَلَيه العُلماء الأعلاَم، حَتى قال عَلي كَرّمَ الله وجهه في هَذا المقَام: ((قَد رضيهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لديننا أفَلا نَرضاهُ لدُنيانا)) (1) فإن لم يكن هَذا الأمر منه الصَّلاة والسَّلام صَريحاً في الوَصِية، فأقل مَا يكون جَعله إشارَةً إلى القضِيةِ، مَع أن المعَقول المقرر عِندَ أربَابِ العَقل المُعتبر أن الصحَابة الذينَ فدوا أنفسهم وَأموَالهم في الإيمان بالله وَمحبةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -،لم يكونُوا مُجتمعين (2) على الضَّلالةِ بتركِ الحَق الوَاضِح لعلي رعَايةً لأبي بكر الصدَّيق - رضي الله عنه -، مَع عُلونسَبِ عَلي وَكثرةِ قَومه وَقبيلته وشجاعَته وَشوكته، وَقلة قومِ أبي بكر وَأهل حمية.

إجماع المفسرين:

__________

(1) هي مشهورة بهذا اللفظ، وأخرجها ابن سعد بلفظ قريب عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم، نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا)). الطبقات: 3/ 183؛ ابن عبد البر، الاستيعاب: 3/ 971.

(2) في (د): (مجمعين).

وَأيضاً فقد ورَدَ النصّ القطعِي- وَلوكان مجملا - في [أبي بكر] (1) رضي الله تعالى عنهُ وَعَن (2) الصحَابةِ مجملاً (3) بقَولِهِ: ? وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? [التوبة: 100] وَأجمعَ المفسُرونَ على أنَّ أبَا بكر [رضي اللهُ تعالى عَنِه] (4) مِنْ السابقِين الأولينَ، وَكَذا عَلي وَخَديجةَ وَزَيد وَبلال - رضي الله عنهم - أجمَعِين.

فبأيِّ دليلٍ مِنْ الكِتابِ أوالسّنة أوإجماع الأمة يَستحق أبَا (5) بكر الصدّيق [8/أ] شيئاً مِنْ الِملامَةِ وَالمذمةِ، وَإنما الحِكمة في ذلَكَ أن لَعنَ (6) لاعِنيه يرجع إلَيْهم، وَيَكون سَبباً بغَضَبِ الله عليهم، وَمُوجباً لهُ في زيَادةِ الدرجَاتِ العَالِيَّة وَالمقامَات الغَاليَّة، كَمَا أن مُسَابقته في الإيمَانِ صَارت بَاعثاً لمشارَكتِهِ في ثوابِ إسلام أهل الإيمَانِ (7).

[خراسان ليست بدار حرب]

وَبَهذَا الذي قررناهُ وفي هَذا المَقَام حررناه، تبَين أن خراسان ليست بدارِ الحَرب، كَمَا تَوهم (8) بَعض الفقهاءِ، بَل دار بدعَة (9) كَمَا هُوَ ظاهِرٌ عندَ العُلماء، وَتوضِيحه أن أكثر سُكانه على مَذهَبِ أهل السنة والجماعَة، وَغِالبهم الحنَفِية وَفيهِم بَعض الشافِعية، وإنما العَسكرية جماعَة مَعِدُودَة وشَرذمة قليلة، يَدعون أنهم الشيعَة [ولا يتحاشون عن الشنيعة] (10).

__________

(1) غير موجودة في النسختين يقتضيها السياق.

(2) في (د): (ومن).

(3) في (د): (كملا).

(4) سقطت من (د).

(5) في (م): (أبي).

(6) في (د): (لعنة).

(7) في (د): (الاتقان).

(8) في (د): (توهمه).

(9) في (د): (البدعة).

(10) زيادة من (د).

وَقد صَرحَ علماء الكلامية بأن الشيعة من الطوَائف الإسلامِية، نَعَمْ فيهم طوائف، فَمنهِم مَن يُحبّ وَلاَ يسَبّ، وإنما يفضل عَلياً عَلى البقِية، وَمنهم مَنْ لاَ يُحب وَلاَ يسَبّ [زعماً منهُ أنهُ عَلى الطريقة النقِية، وَمنهم مَنْ يسَبّ] (1) وَلاَ يَستَحل السَبّ، وإنما يشتم عِندَ الغضب، وَمنهم مَنْ يستَحل وَيستبيح (2) وَلاَ يُبَالي مِنْ العتَبِ، وَمنهم مَنْ يَعد السَبّ قربة وَطاعَة وَيجعَلهُ وَظِيفة وَصنَاعة.

وَلقد سمَعت عَن سَيدي وسَندي في عِلم التفِسير، الشيخ عَطيّة المكي السّلمي (3): أن خارِجياً مِمن يزعم أنه مِنْ الفضلاءِ العُلماءِ (4)، كَانَ ورده سَبّ علي كرم الله وَجهه ألفَ مَرة، بَين صَلاة الصّبح وصَلاة العشاء، فسُبحانَ مَنْ خَلقَ في ملكه مَا يشاء.

وَقد وَرد: ((لا تسبَوا الشيطان وَتعَوذوا بالله مِنْ شرِهِ)) (5) وَفيه تنبيه نبيه عَلى الترقي مِنْ حَال التفرقة المعَبر عَنها بالأبنية إلى مَقامِ التوحيد الصّرف وَالجمعية، وَالحمدُ لله عَلى مَا أعطاني مِنْ التوفيق وَالقدرَة عَلى الهجرة مِنْ دَار البدعة إلى خير ديار السّنة، التي هِي مُهِبط الوحي وظهِور النبوة، وَأثبتِني عَلى الإقامَة مِنْ غَير حَول مِنّي ولا قوة.

__________

(1) سقطت من (د).

(2) في (د): (ويبيح).

(3) هوعطية بن علي بن حسن السُّلمي المكي، عالم مكة وفقيهها، له تفسير للقرآن الكريم، وفاته سنة 983هـ. الأعلام: 4/ 238؛ الموسوعة الميسرة: 2/ 1533.

(4) في (د): (والعلماء).

(5) الحديث أخرجه الديلمي، في مسند الفردوس: 5/ 11، رقم 7290. قال الشيخ الألباني (صحيح). صحيح الجامع: رقم 7381.

وَمع هَذا أكَره رُؤية هَذِهِ الطائفة الرديئة خصُوصاً عندَ طوافِ (1) الكعبَة [8/ب] الشريفة العَلية، مَع أنهم كالمنَافقِينَ في مَقام التقيّة، وَالتسَتر فيمَا بَينَ الجمَاعَة الشافعِية التقيّة حتى يسمعُوا الشافعية، وَبهذَا المُوجب اشتبَه، قالَ بَعض الشافعِية [عند السادة الحنفية لكن الفرق الشافعية] (2) يقبضونَ أصابعهم وَيشرون بالمسَبحة (3) عندَ التشهّد (4)، كَمَا هُوَ المعتمد في مَذَهبَنا (5)، بخلاف الشيعَة (6)، فإنهم تركُوا هذِه السنة مِن سُنن الشريعَة مخالف لمِذَاهِب أهل السنة وَالجماعَة البديعَة المنيفة (7).

وَمِنْ عَلاماتهم في الطواف أنهم يوسوسُونَ (8) في ابتدائِهِ، ويحرفونَ (9) عَن الكعبَة حَالَ إنشائه، ثم في الشوط السابع قبل انتهائه يقفُونَ منحرفين في المستجار، نعوذ بالله من حال أهل النار.

هذا وَإذَا تبَين لَكَ (10) أن خرَاسَان مِنْ دَارِ البدعة لاَ مِنْ دَار الحَرب، ظهر بُطلاَن مَا يفعَله الأزبك في حقِهم مِنْ قتِلِ العَام وَعدم التمييز بَين الأنَامِ، وَسَبي نسَائهم وَذرَاريهم في تِلكَ الأيام، إلى أن وَقع النَّاسُ في كفر ظاهِر مِنْ استحلاَل فروُجهن وَاستخدَام أولادهن.

__________

(1) في (د): (طوائف).

(2) زيادة من (م).

(3) في (م): (المسجد).

(4) ينظر تفاصيل هذه المسألة الفقهية عند الشافعية عند النووي، المجموع: 3/ 400.

(5) ينظر تفاصيل هذه المسألة الفقهية عن الحنفية عند الكاساني، بدائع الصنائع: 1/ 214.

(6) حيث أنكروا الإشارة بالمسبحة عند التشهد، ينظر ما قرره الحلي في منتهى الطلب: 1/ 294.

(7) ينظر للفائدة: ابن قدامة، المغني: 1/ 313.

(8) في (د): (يوسوس).

(9) في (د): (ويحرمون).

(10) لك) سقطت من (د).

وَأغرب من هذا أنهم فعلوا مثلَ هَذَا في بلاد أهِلِ السّنة، مثلَ تاشكنة (1) وَغَيره مقام العلماء وَالسّادَةِ، حَتى بَاعُوا في سُوق بخارى بنت الأمير سَيف الدين (2)، كانَ سَيداً وَمُفتياً وَصَالحاً مِتقياً بَعدَ حُكم سُلطانهم بقتل (3) عَامة البلَد، حَتى النسَاء وَالأطفَال وَالعُلمَاء وَالمَشائخ والسَّادَات وَأربَاب الأحَوال، لذَنب وقعَ مِن (4) بَعضِ العَسَاكر الجهالِ فإنا لله وإنا إليه رَاجعُونَ، كيفَ يدعونَ الإَسلام وَيفعَلونَ هَذِهِ الذنوب العِظاَم.

وَقد ذَكر ابن الهمام (5): أن مَن فتح قَلعَة مِنْ بلاد أهل الكفر وَكَانوا ألُوفاً مُجتَمَعة، وَيقال إن فيهم وَاحِداً مِنْ أهل الذمة لاَ يَجُوز قتلهم على العُموم.

مسألة سلطان الزمان:

__________

(1) في (م): (صنعوا).

(2) في (د): (تقي الدين). لم أقف على ترجمة له.

(3) في (م): (يقتل).

(4) في (د): (في).

(5) هومحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد الأسكندراني الحنفي، كمال الدين المعروف بابن الهمام، كان عارفاً بالأصول والتفسير والفرائض، وفاته سنة 861هـ. الضوء اللامع: 8/ 127؛ شذرات الذهب: 7/ 224.

وَأغرب مِنْ هَذَا أن بَعْضَ العَوام يسمّونَ سُلطاَنهم عَادلاً، وَقد صَرح عُلماؤنا مِنْ قبل هَذا الزمَان أن مِنْ قالَ سلطان زمَاننِا عادلاً فهوكافر، نَعَمْ هُوعَادِل عَن الخلِق [9/أ] كَمَا قَالَ تعَالى: ? ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ? وَقد ظهرَ الفسَاد في البر وَالبَحر بما يَعملونَ، ولكن (1) قَد وَردَ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ)) روَاهُ الشيخان عَن المغيرة (2).

ثُمَّ إنَّي لم أقلْ بكفر الطائفة الأزبكية، كَمَا قالَ بعض العُلماء الحنفية، فإنهم - وَإن فَعلوا مَا فَعَلوا - لم يعرف مِنْ بوَاطِنهم أنهم مِنْ المستبيحِينَ لِذلَكَ، أومِنْ المستقبحِينَ لما هنالك، فالسكَوت عَنهم أيضاً أسَلم، والله سُبحانه اعلم.

مسألة: هل معك دليل ظني على كفر الرفضة؟

فإن قلت: هَل مَعَك دَليل ظني عَلى كفر (3) الرفضة؟ قلتُ: نَعَمْ أمَّا الكتاب فَمنه قوله تَعَالَى: ? مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ} الآية [الفتح: 29] فإنه يشير إلى تكِفيرهم (4) مِنْ وَجهَينَ:

__________

(1) في (د): (ولكن).

(2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -: 3/ 1331، رقم 3441؛ صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزال طائفة من أمتي: 3/ 1523، رقم 1921.

(3) في (م): (الكفر).

(4) في (د): (كفرهم).

أحَدُهما: أنَّ الله سُبِحانه وتعالى بيّنَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأصحَابه وَأتباعه وَأحبَابه، مَذكورونَ (1) في الكتب السالفِة مِنْ التوراة وَالإنجيل بما بينه مِنْ طَريقِ التمثيل، ثُمَّ ذكرَ وَعدهم بأن لهم مَغفرة وَأجراً عَظيمًا في العُقبَى لما أصَابهم مِن المَحن والبَلوى في مَحبة المَولى وَطريق المُصطفى في الدنيا، فمَنْ أبغضَهم يكون شراً مِنْ اليَهودِ والنصَارى؛ لأنهم قائلونَ بأن أفضلَ الخلق أصحاب مُوسى وَعيسَى، ولا شك أن الخلفاء الأربَعة هُم السّابقونَ الأولوُن مِنْ المهاجرينَ، وَقد قالَ الله تعَالى في حَقهم: ? رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ? [التوبة: 100] ثُمَّ قوله سُبحانَه في الآيةِ السابقةِ: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ? [الفتح: 29] (2) بلَفظ ليسَ لإخراج بَعضهم - كَمَا زَعَم الرفضة - فإن (مِنْ) لِلبيَانِ لا لِلتبعِيض المنافي لمقام المنَّة (3).

__________

(1) في كلا النسختين (مذكورين).

(2) قوله تعالى: ? مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ?، سقطت من (د).

(3) في (د): (السنة). وقد رد العلامة الآلوسي شبهة الرافضة هذه في تفسيره روح المعاني: 26/ 127. فراجعه.

وثانيهما: أنه فسّر قوله: ? وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ? [التحريم: 8] (1) بأبي بكر الصّديق - رضي الله عنه - (2)، الذي رزق التوفيق بكوَنِه مَعَه في الدار وَالغار، وَفي سائر الأسفار إلى أن دُفن مَعه في بَرزَخِ داَر القرار، وَقد قالَ سَيد الأبرار: ((إنه يحشر أبوبَكر في اليَمين وَعُمر في اليسارِ [9/ب] رَضِي اللهُ عَنهِمَا)) (3) وَهكذا يَدخل مَعَهُما في الجنَّة بإذن الملك الغفار.

__________

(1) كذا في الأصل والسياق يفيد بأن المؤلف يتكلم على آية الفتح وهي (وَالَّذِينَ مَعَهُ).

(2) كما روى ذلك البغوي عن الحسن البصري، تفسير البغوي: 4/ 206.

(3) لم أجده بهذا اللفظ، ولكن أخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحشر أنا وأبوبكر وعمر هكذا وأخرج السبابة والوسطى والبنصر، وأراه قال ونحن مشرفون على الناس)). نوادر الأصول: 1/ 166.

وَفسّر: ? أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ? بعمر بن الخطاب (1) الفاروق، المبَالغ في الفَرق بَينَ الخَطأ وَالصّوَاب (2) المبين لقبه في الكتاب، حَيثُ قتل المنافق الذِي ما رَضي لحكم النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليهَودي في فَصْلِ الخِطاب (3).

وَفسّر: ? رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? بعثمان بن عَفّان، الذي استحى مِنْهُ مَلائكة الرحمَن، وَالذِي رزق الحَظ بالسرورَين (4) في تلقِيبه بذِي النورين، حَتى مِنْ كَمال رَحمه عَلى رَحمه له مَا جَرى في أنواع البلوى (5).

__________

(1) بن الخطاب) سقطت من (د).

(2) في (د): (الثواب).

(3) يشير المؤلف إلى ما روي في كتب التفسير من قصة قتل عمر بن الخطاب لرجل من المنافقين بعد أن احتكم مع يهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرضَ بحكمه، ثم إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلم يرضَ بحكمه: ((فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر، فلم يرضَ فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم، قال: رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله وهرب اليهودي)). القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 5/ 263.

(4) في (د): (في السرورين).

(5) تفسير البغوي: 4/ 206.

وَفسّر: ? تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ? يِعَني (1) المرتضى، وَابن (2) عَمِّ المصطفى، وَزَوج البتول الزّهراء (3)؛ لكثرة ركوعه وَخشوعه، ولإطَالِة سُجودِهِ مَع كمال كرَمه وَجُوده (4)، حَتى جَادَ في حَالِ ركوُعهِ، وَفي مقام (5) شُهوده كَمَا يشير إليه قوله تعَالى: ? إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ? [المائدة: 55] (6)

__________

(1) في (د): (بعلي).

(2) في (د): (بن).

(3) في (د): (الزهرى).

(4) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات، وهوالشدة على الكفار والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وأنهم يبتدؤون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر العظيم، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة)). دقائق التفسير: 2/ 112.

(5) في (د): (قيام).

(6) يشير القاري إلى الأثر المروي عن عمار بن ياسر قال: ((وقف على علي بن أبي طالب سائل وهوراكع في تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه)). أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط: 6/ 218. وأخرجه الطبري عن السدي عن علي - رضي الله عنه - في تفسيره: 6/ 228.وقد استعرض ابن كثير طرقه وعدها كلها واهية حيث قال: ((وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها)). التفسير: 2/ 72. وقد تناول طرق هذا الأثر أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية وبين بأنها كلها ضعيفة واهية ثم قال: ((أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه وأن عليا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع)). منهاج السنة النبوية: 7/ 11.

وَالتعبير بصِيغةِ الجمع: أمَّا تَعظيماً لشأنِه وَحَاله (1)،

أوتنبيهاً عَلى أن المراد هُوَ مَع أمثاله في تحسِين أقواله وَتزيين أفعَاله وَأحَوالِهِ (2).

تفسير قوله أشداء:

وَالمقصُود أن قوله سبحانه: ? أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ? [إشعاراً بأنه كان شديد على الكفار الأولين فكذا على الكفار] (3) الآخرين، فإن شِدة الرّفضة في حَقِهِ مِنْ الأمر الظاهِر الذي لا ينكرهُ إلا المعَاند المكابر، حَتى يقولَ أحَدهم مَا حب عمري (4) لتجنِيسه بعمري، وَيقوي هَذَا المَعنَى مَا رَتبهُ سُبحانَهُ عَلى وَجِهةِ التَمثِيل مِنْ تعِليل المبنى بقِولِهِ: ? لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَمَنْ في مَعناهُم مِنْ الفجّار.

__________

(1) في (د): (وحالته).

(2) ردد المؤلف هنا أقوال الشيعة في الاحتجاج بهذه الآية على إمامة علي قبل الثلاثة رضي الله عنهم أجمعين، وقد رد علماء أهل السنة شبهات الشيعة نقلاً وعقلاً، بما لا يدع مجالاً للشك. ينظر ذلك عند ابن تيمية، منهاج السنة النبوية: 7/ 12 وما بعدها؛ الآلوسي الكبير، روح المعاني: 6/ 167، الآلوسي الصغير، السيوف المشرقة (مخطوط): 87/أ.

(3) زيادة من (د).

(4) في (م): (عمر).

وَيؤكد هَذَا التحقيق مَا وَرَد في حَقِّ الصديق: ((أبى الله وَالمسُلمُون إلاَّ أبا بكر)) (1)، وَذلَك عِندَ منصبِ الإمَامة المشير إلى صحة الخلاَفة (2)، فمن أباه بعد أن النبي صلى الله [تعالى] (3) عليه وسلم أجتبَاه، لا يكونُ دَاخِلاً في أهل الإسلام، [وَيكون خارجاً] (4) عَن مقامِ الإكرام، وَهذا كَانَ سَبَب إجماع الصحَابة عَلى خلاَفِته، وَعدَم الالتفات إلى مَنْ توقفَ في إطَاعَته [10/أ] حَيثُ قالوا: ((رَضيَهُ عَلَيه الصَّلاة والسَّلام لِديننا، أفَلا نَرضَاهُ لِدُنيَانا؟)) (5) وقد صح أيضاً [عن] (6) علي (7) هذِهِ المقَالة في تلك الحَالة.

[منع الفيء عن من سب الصحابة:]

__________

(1) الحديث أخرجه مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ((ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)). كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر الصديق: 4/ 1857، رقم 2387؛ وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في مسنده: 6/ 106، رقم 24795؛ ابن حبان، الصحيح: 14/ 564، رقم 6598، الطبراني، المعجم الأوسط: 4/ 324، رقم 4331؛ البيهقي، الاعتقاد: 1/ 341.

(2) في (د): (الخلاف).

(3) زيادة من (د).

(4) سقطت من (د).

(5) تقدم تخريج هذه الرواية.

(6) زيادة من (د).

(7) علي): سقطت من (د).

وَمِنه قَوله تعَالى: ? لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ? [الحشر: 8] إلى قَوله: ? وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَان ? [الحشر: 9] إلى أن قال: ? وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ? الآية [الحشر: 10] (1) فإن الله تعالى قسَم الفيء المأخذ مِن الكفار بين ثلاث طَوَائف: المؤمِنين الأبرَار وَبَدأ بالمهاجرين وَالأنصَار، ثُمَّ ختم بمَنْ بَعدهم مِنْ التَابِعيَن، وَمَنْ بَعدهم مِنْ سَائر المؤمِنيَن أجمعين إلى يوم الدين، بوصف أنهم: ? يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ ًلِلَّذِينَ آمَنُوا ? [الحشر: 10] (2)

__________

(1) جاءت الآية في النسختين غير تامة.

(2) وروى الشيعة الإمامية عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه وفد عليه رجال من أهل العراق، فنالوا من أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ((ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون: ? الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ?؟ قالوا: لا، قال فأنتم الذين: ? تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم ?؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم ممن قال الله تعالى فيهم: ? وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا ? أخرجوا عني فعل الله بكم وفعل)).الأردبيلي، كشف الغمة عن معرفة الأئمة: 2/ 78.

.

فخرج هَؤلاء الطائفة مِنْ بَين المؤمنين؛ لأنهم [لم] (1) يَستغفُروا للسَّابقينَ المُوقنِيَن، بَل جَعَلُوا غِلهم في قلوبهم حَتى عَكسُوا (2) القضِية، وَبدلُوا طلب المغفرَة وَالرحمة بالسَبِّ وَالمذمةِ (3)، بَل بَنُوا مدَار مَذهَبهم عَلى اللعنَةِ، وَمَا أحسَن قَول بَعض أهلِ الفطنة: لعن الله عَلى مَذهَب مَدَاره عَلى اللَعنةِ وَالطعنة، مَع أن لعنهم يَرجع إلَيهم في العَاقبَة، وَيكُون سَبَب زيَادَة الرحمة للِصحَابة، كَمَا رَواهُ ابن عَسَاكر عن جَابر بن عَبد الله - رضي الله عنهم - قَالَ: ((قيل لعَائشة: إن ناساً يتنَاولون أصحَاب رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتى إنهم يتنَاوَلُونَ أبَا بكر وَعُمر، فقالَت: أتعجبُونَ مِن هَذا؟! إنما قطعَ عَنهم العَمل فأحبَّ الله أنْ لاَ ينقطع عَنهم الأجر)) (4).

[الدليل من السنة على كفرهم:]

__________

(1) زيادة من (د).

(2) في (د): (يمسكوا).

(3) وقد أخذ الإمام مالك هذه الآيات دليلاً على أن من سب الصحابة منع من الفيء، كما نقل عنه البيهقي، السنن الكبرى: 6/ 372؛ الشاطبي، الموافقات: 3/ 363. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الرأي أيضاً عن بعض أصحاب الإمام أحمد. مجموع الفتاوى: 28/ 564.

(4) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: 11/ 276؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 44/ 387؛ الهندي، كنز العمال: 13/ 16.

وَأمَّا الدليل مِنْ طريق السنة عَلى كفرهم في مَقامِ العِنَاد، فَقد وَردَ في أخبارِ الآحَاد مَا يصلح الجملَة للاسِتناد بالاعتماد، وَلوكَانَ بغالِب الظن في بَابِ الاعِتقادِ؛ لأن أصل [تفصيل] (1) هَذه المَسْألة مِن تَفضِيل الصحابة، بَل تَفضِيل الأنبياء [عَلى بَعضهِم] (2)، وَتَفضِيل الملائكة عَلى البَشر ونحوه، مِنْ بحث الإمَامَة [10/ب] والخلاَفة كلها مِنْ الظنيات الفَرعيات المُنَاسب ذكرها في المَسَائل الفقهياتِ، لأن مَدار الاعِتقاد عَلى الدلالاَتِ القَطعِيات، إذ مِنْ المعَلُوم أنه لَووَجدَ شخصٌ وَلم يعلم تفصِيل (3) هَذِهِ الحالاَتِ، لم يحكم بكفره ولا ينقصُه في مَقام الديَاناتِ، وَلقد أخطأ خطاءً فَاحشاً مَنْ عَدَّ مثل هذِهِ الأمور المذكورة مِما عُلم مِن الدين بالضرورَة (4).

__________

(1) زيادة من (د).

(2) سقطت من (د).

(3) في (د): (تفضيل).

(4) هذا الكلام فيه نظر، إذ إن منكر الحكم سواء كان ظنياً أم قطعياً يعتمد على المسألة عينها، قال التفتازاني: ((إن الحكم الشرعي المجمع عليه إن كان إجماعه ظنياً كفر بمخالفته، وإن كان قطعياً ففيه خلاف)). شرح التلويح على التوضيح: 2/ 384. بقي أن نحدد هل أن مسألة سب الصحابة من القطعيات أم من الفرعيات؟ وهذا يعتمد على دلالة النص مما سيأتي المؤلف على استعراضه، ونجد من المناسب هنا أن ننقل كلاماً نفيساً للنووي قال فيه: ((إن جحد مجمعاً عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة كفر إن كان فيه نص، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح، وإن لم يعلم من دين الإسلام ضرورة بحيث لا يعرفه كل المسلمين لا يكفر)). روضة الطالبين: 10/ 65.

فَمِنها مَا وَردَ عَن علي كرَّمَ اللهُ وَجهَهُ قالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَيَأتي قَومٌ لهَمُ نبزٌ (1) - أي لقب - يقال لهم الرّافضَة إن لقيتهم فاقتلُوهم فإنهم مُشركونَ، قلتُ: يَا نبي اللهِ مَا العَلاَمةِ؟ قال: يفرطُونك بَما ليسَ فيكَ وَيَطعَنونَ عَلى أصحَابي وَيشتمُونَهم)). رَوَاهُ ابن [أبي] (2) عَاصِمِ (3)

في (السنة) (4) وَابن (5) شاهِين (6).

__________

(1) في (م): (نبذ).

(2) غير موجودة في كلا النسختين.

(3) هوأبوعاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري الحافظ، كان يلقب بالنبيل لنبله وعقله، ذلك أنه لم يحدث إلا من حفظه، وفاته سنة 212هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 366؛ طبقات الحفاظ: ص 159.

(4) ابن أبي عاصم، السنة: 2/ 474؛ الهندي، كنز العمال: 11/ 324. قال الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الكتاب الأول: (وإسناده ضعيف).

(5) في (د): (وبن).

(6) هوأبوحفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الحافظ، قال ابن ماكولا: ((ثقة مأمون صنف ما لم يصنفه أحد إلا أنه كان لحاناً ولا يعرف الفقه))، وفاته سنة 385هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 987؛ طبقات الحفاظ: ص 393.

فهَذَا الحَديث يَدُلُ عُلى أن بَاغِض عَلي وَسَائر الصحَابة كَلّهم رَفضة، وإن اختصَ بَاغِض عَلي بالخَوِارِجِ بخرُوجهم (1) عَلى عَليّ وَقتَ الفتنَة، وَذلَك لأن الرفض بِمَعنَى الترك لغةً، ثُمَّ نُقلَ إلى تركِ مَحَبة الصحَابة، فلاَ وَجه لتِخصِيص سَبِّ الشيخين للكفر (2)، إلا لِكُونهما زيَادَة في الفَضِيلةِ بناءً عَلى قول جمهُور أهل السّنة؛ لأن أبا بكر أفضَل، وَقيل عُمَر وَهوَ (3) المسمّى بالفارُوقية، وَقيل عَباس وَهم طائفة مِنْ العَباسِية [يقال لهم الراوندية (4)، وَقيل عَلي وَهُم الإمَامِيَّة] (5)، وَقالَ بَعض المتكلِمينَ باِلسوية، وقال بَعضهم إلى التوَقف في القضِية أو(6) الفُضيلة، إن كانت بَمعنَى أكثرية المَثوبَة فهي غَيَر مَعْلُومَة لنَا، وإن كَانتَ بمعنَى أكثرية العِلم وَالِحلم فالأدلة فيه مُتعَارضَة عندَنا.

وَاختلف هل عُثمان أفضَل أم عَلي؟ وَمَال الأكثر إلى الأول وَجمعَ إلى الثاني، وَالقولان مَرويّانِ عن (7) إمَامنا الأعظم وَالله سبحانَه [وتعالى] (8) أعلَم.

__________

(1) في (د): (لخروجهم).

(2) في (م): (لكفر).

(3) في (د): (وهن).

(4) ينظر الأشعري: مقالات الإسلاميين: ص 21؛ الفرق بين الفرق: ص 341.

(5) سقطت من (د).

(6) القضية أو) سقطت من (د).

(7) في (م): (عن).

(8) زيادة من (د).

وَهذَا وَقد ذكرَ الكردري (1) في (مَناقِب أبي حَنِيفةَ) (2) قال: إنَّ مَنْ اعترفَ بِالخلافَةِ وَالفَضيلة للِخلفَاء، وَقالَ أحبّ عَلياً أكثر لاَ يؤاخذ (3) إن شاء الله تعالى؛ لِقوله عَلَيه [11/أ] أفضَل الصَّلاة

وَالسّلام: ((اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ)) (4).

[التفضيل] فيما عدا العشرة المبشرين بالجنة:

__________

(1) هوتاج الدين عبد الغفور بن لقمان بن محمد الحنفي، نسبته إلى (كردر: من قرى خورازم) تولى قضاء حلب، وفيها وفاته سنة 562هـ، له مؤلفات عديدة. سير أعلام النبلاء: 23/ 112؛ الفوائد البهية: ص98.

(2) طبع مع كتاب مناقب الإمام أبي حنيفة للموفق بن أحمد بالهند سنة 1321هـ.

(3) في (د): (يؤاخذه).

(4) الحديث أخرجه الترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، السنن، كتاب النكاح، باب التسوية بن الضرائر: 3/ 446، رقم 1140؛ النسائي، السنن، كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: 7/ 63، 3943؛ أبوداود، السنن، كتاب النكاح، باب القسم بين النساء: 2/ 242، 2134؛ ابن ماجة، السنن، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء: 1/ 633، 1971.

وَأغربُ مِنْ هَذَا كله قول طائفة - مِنهم ابن عَبد البَر المالكي (1) -: ((إنَّ مَنْ توفي مِنْ الصحَابة حَال حَيَاته أفضَل مِمن بقي بعدهما)) (2)، وَلعَله محمُول على مَا عَدا العَشرة المبشرة، وَممن كَمل في صِفَاتِهِ وَأمنَ الفتنة في وَقتَ وَفاتِهِ.

وَقالَ بَعض المَشائخِ: إن عَلياً في آخِر أمره وَانتهاء عمره، صَارَ أفضَل مِن أبي بَكر الصدّيق وّغَيره؛ لِزيادةِ المَكاسِبِ العِلِميَّة وَالمراتب العَملية (3).

__________

(1) يوسف بن عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، أبوعمر، كان فقهياً حافظاً عالماً بالقراءات وبعلوم الحديث والرجال، وفاته سنة 463هـ. وفيات الأعيان: 7/ 66؛ سير أعلام النبلاء: 18/ 100.

(2) ذكر ذلك في مقدمة الاستيعاب: 1/ 18. وينظر بحثنا المنشور في مجلة الحكمة (العدد 24): جهود الحافظ ابن عبد البر في دراسة الصحابة: ص 251.

(3) نقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع العلماء - بما فيهم الأئمة الأربعة - على تفضيل أبي بكر ثم عمر على سائر الصحابة، ثم قال: ((فأئمة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم متفقون على هذا ثم من بعدهم ... )). منهاج السنة النبوية: 7/ 287.

فهَذا الاختلافُ بَيْنَ هَذِهِ الطَوَائفِ الإسلامية دَليلٌ صَريحٌ عَلى أن مَسْألة التفضِيل لَيْسَت مِنْ الأمَور القطعِية؛ لأن الأحَادِيث المَروية - مَع كَونها ظنية - مُعترضة مَانعَة مِنْ كَونها مِن الأمُور اليقينِيّة، عَلى أنه لَيْسَ فِيهَا تَصريح بأن الأفضَلِية من أي (1) الحَيثية، ليعلم أنه بِمَعْنَى الأكثَر ثواباً عِندَ اللهِ في العُقبَى، أوبِمَعْنَى الأعِلَميَّة باباً عِندَ الخلقِ في الدنيا، فترك الفَوز (2) في هذه المبَحث هُوَ الأولى؛ لأن المدُار عَلى طَاعَة المَولى؛ وَلقوله تَعَالى: ? تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [البقرة:134] أي بَل تُسْأَلونَ عَن تَحسِين أعمالكم وَتزيين أحَوالكم (3).

وَلقولِهِ الصَّلاة وَالسَّلام: ((إنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ)) (4).

فَقد حُكي أن بَعض الصَّوفية لمَّا سمع الحديث قال: كفاني.

__________

(1) أي) سقطت من (د).

(2) في (د): (الفتور).

(3) ينظر تفسير هذه الآية عند القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 2/ 139؛ ابن كثير، التفسير: 1/ 187.

(4) الحديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، السنن، كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس: 4/ 558، رقم 2317؛ ابن ماجة، السنن ن كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة: 2/ 1315، رقم 3976.

وَهَونظير صحَابي قرأ عَلَيه - صلى الله عليه وسلم - قوله تعَالَى: ? فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ صدق الله العظيم وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ? [الزلزلة: 7 - 8] [فقال: حَسبي] (1).

وَقد ورَد عَنه الصَّلاة والسَّلام أنه قَالَ: ((إني أعلَم آيةً لوعمل (2) بها جَمِيع الخلّق لكفتهم: ? وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً صدق الله العظيم وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ? [الطلاق: 2 - 3])) (3)، وذلك لأن مَن اتقى (4) الله عَلمُه الله مَا يَأمرهُ وَنهاه، كَمَا يُشِير إلَيه قوله تعَالى: ? وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ? [البقرة: 282].

__________

(1) سقطت من (د). والحديث عن صعصعة بن معاوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليه هذه الآية فقال: ((حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها)). المسند: 5/ 59، رقم 20070؛ الحاكم، المستدرك: 3/ 711، رقم 6571 وصححه؛ النسائي، السنن الكبرى: 6/ 520، رقم 11695؛ الطبراني، المعجم الكبير: 8/ 76، رقم 7411؛ ابن سعد، الطبقات: 7/ 39. قال الهيثمي: ((ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح)). مجمع الزوائد: 7/ 141.

(2) في (م): (علم).

(3) الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي ذر - رضي الله عنه -، المسند: 5/ 178، رقم 21591؛ ابن ماجة، السنن، كتاب الزهد، باب الورع والزهد: 2/ 1411، رقم 4220؛ الحاكم، المستدرك: 2/ 534، رقم 3891؛ الدارمي، السنن: 2/ 392، رقم 2725؛ النسائي، السنن الكبرى: 6/ 494، رقم 11603؛ البيهقي، شعب الإيمان: 2/ 113، رقم 1330. والحديث (ضعيف) كما ذهب إلى ذلك الشيخ الألباني في ضعيف الجامع: رقم 6372.

(4) في (د): (اتقَ).

وَقد وَردَ: ((مَنْ عَمل بما عَلم وَرثه الله عِلم مَا لم يعلم)) (1).

وروي [11/ب]: ((مَا أتخذ اللهُ وَلياً جَاهِلاً وَلواتخذَه لعَلمَهُ)) (2) أي بالعِلم الكَسِبي، أوالعِمل اللدُني الوُهِبي، كَمَا يشير إليَه قوله سُبحانه وَتعَالى: ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ? [محمد:17].

وَعَن زفر (3) أن الإمام سُئل عَن عَلي وَمَعاوية وَقتلى صفين، فقال: ((إذا قدمت عَلى الله يَسألني عَما كلفني وَلاَ يَسألني عَن أمورهم)).

وروي أنه قالَ: ((تلكَ دماء طهّرَ اللهُ مِنْها سناتنا (4) أفلاَ نطهر مِنها لسَاننا؟!)) (5) وَفي روَاية قرأ تلك الآية (6).

__________

(1) هذه الرواية مروية عن أحمد بن حنبل عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم عليه السلام، قال أبونعيم: وقد وهم بعض الرواة فرواها بإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حلية الأولياء: 10/ 15؛ ابن كثير، التفسير: 4/ 529.وقد وهم السيوطي في (الدر المنثور: 1/ 372) فنسبها للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

(2) قال عنه المؤلف في كتاب آخر له: (موضوع). المصنوع: ص 156.

(3) زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي، من أصحاب أبي حنيفة، قال ابن حبان: كان متقناً حافظاً قليل الخطأ لم يسلك مسلك صاحبه في قلة التيقظ في الروايات وكان أقيس أصحابه، وفاته سنة 158هـ. الثقات: 6/ 339؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 38.

(4) في (د): (سيئاتنا).

(5) هذه الرواية مشهورة عن عمر بن عبد العزيز كما في حلية الأولياء: 9/ 114؛ التدوين في أخبار قزوين: 1/ 192. ولم أجدها منسوبة لأبي حنيفة.

(6) في (د): (تلك أمة).

وَإنما بنيت هَذِهِ المسألة المعضِلة (1) لمَا فيها مِن العَوارض المشكِلة المحتَاجَة إلى الأقِوالِ المفصَّلةِ، وَمما يَدُل عَلى عَدَم قطع الأفضَلِية مَا صَدرَ عَن عُمر في الشورَى، حَيثُ جَعَلَ الأمر لأحَدٍ مِنْ الستة، فإنه لوكَانَ أفضَلية عثُمان أوعَلي قطعيَّاً، لَكانَ تعين للخَلافةِ بالأولوية، مَع أنه يجوز صِحة الخلاَفة بشرائطها الشرعيّة في المفضول إجماعاً، خِلافاً لِطَائفةِ الشيعَة في أكاذيبهم الشنِيعَة.

وَمنها مَا [روي] (2) عَن عَلي أيضاً قال: قال رَسِول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يا علي ألا أدلك عَلى عَمل إذَا فعلته كَنت مِن أهل الجنةِ - وَإنكَ مِن أهل الجنة - إنهُ سَيَكون بَعدِي أقوَامٌ يقال لهم الرافضَة، فإن أدركتهم فاقتلهُم فإنهم مُشركون وَقالَ عَلي: سَيَكونُ بَعْدَنا أقوامٌ ينتحلونَ مُودتنا تكونُونَ عَلينَا بارقة، وَآية ذلَك أنهم يَسبُّونَ أبَا بكر وعمر رضي الله عَنهما)) (3) رَواهُ خثيمة بن سُليَمَان الطرابلسِي (4) في (فَضائل الصحَابة) وَاللالكائي (5) في (السنة).

وَفي روَاية لَهُ [عنه] (6) أيضاً: ((يكون في آخِر الزّمَانِ قومٌ لهم نبز يسمّونَ الرافضِة يَرفضُونَ الإسلام،

__________

(1) في (د): (المفصلة).

(2) زيادة من (د).

(3) الطبري، الرياض النظرة: 1/ 363؛ الهندي، كنز العمال: 11/ 324.

(4) أبوالحسن خثيمة بن سليمان بن حديرة القرشي الشافعي، أحد الثقات، جمع كتاباً في فضائل الصحابة، وفاته سنة 343هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 858؛ طبقات الحفاظ: ص 355.

(5) في كلا النسختين (الالكائي).هوأبوالقاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الشافعي، الحافظ الفقيه، قال عنه الذهبي: محدث بغداد، وفاته سنة 418هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 1083؛ طبقات الحفاظ: ص 412.

(6) زيادة من (د).

فاقتلُوهم (1) فإنهم مُشركُونَ)) (2) أي كالمشركينَ في الخروج عَن كمالِ دِينِ المُسلِمينَ، أوأطلق وَيُرَاد بِهِ للِزّجر وّالمبَالغَة في التهدِيد وَالوعيد، وكَذَا قوله (3): ((يَرفضُونَ الإسلام)) أي بَعض مَا يَجبُ عَلَيهم مِنْ الأحكام.

وَمنها عَن عَلي كَرّم اللهُ وَجهَه أن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ لهُ: ((إن سَرك (4) أنْ تكُون مِن أهلِ الجَنَّةِ، فإن قوماً ينتحلُونَ حَبكَ يَقرؤونَ [12/أ] القرآنَ لاَ يَجُاَوز تراقيهم، لهم نبزٌ يقال لهم الرافضَة، فإن أدرَكتهم فَجاهِدهُم فإنهم مُشركونَ)) (5). رواه ابن بشران (6) وَالحاكم (7) في (الكنى).

__________

(1) في (د): (قاتلوهم).

(2) الحديث أخرجه الطبراني، المعجم الكبير: 12/ 242، رقم 12997؛ ابن أبي عاصم، السنة: 2/ 275؛ الإمام أحمد، فضائل الصحابة: 1/ 417؛ عبد الله بن حنبل، السنة: 2/ 546؛ البزار، المسند: 2/ 139، رقم 499؛ أبونعيم، حلية الأولياء: 4/ 95؛ ابن عدي، الكامل: 7/ 207؛ الطبري، الرياض النضرة: 1/ 364. والحديث (ضعيف) كما ذكر ذلك ابن الجوزي في العلل المتناهية: 1/ 163؛ الذهبي، ميزان الاعتدال 5/ 288؛ والألباني في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم.

(3) في (د): (وقوله).

(4) في (د): (أبشرك).

(5) الهندي، كنز العمال: 11/ 324.

(6) هوأبوالحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي البغدادي، قال الخطيب: كان تام المروءة ظاهر الديانة صدوقاً ثبتاً، وفاته سنة 415هـ. سير أعلام النبلاء: 17/ 311؛

(7) أبوأحمد محمد بن محمد بن أحمد النيسابوري، يعرف بالحاكم الكبير، قال عنه الذهبي: محدث خراسان الإمام الجهبذ مؤلف كتاب الكنى 378هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 976؛ طبقات الحفاظ: ص 389.

فَهَذِهِ الأحَادِيث وَإن كَانت أسَانيدهَا ضَعيفة، لِكن يتقوى بَعضها بَبعضٍ، فتَرتقي إلى دَرجَةِ الحِسَنِ، الذِي يَصِح الاستدلال بِهِ في الأمُورِ الظنيّة الفقهيّة، فيَقتل السّابُ للِصحَابة مِنْ الطائفة الخَارِجَة وَالرّافضَة، وَإنما قلنا بِطريقِ السَياسَة العُرفيَّة الفرعيّة (1)، لاَ بِطَريقِ الأصَالةِ مِنْ الأمَور الشرعية؛ لِئلاَ يُخَالف القواعِدِ الكليَّة الثابتة مِن الكِتاب وَالسنة النبوية، أنه لا يقتل أمرؤٌ مُسلم إلاَّ بِإحدى ثلاث: قتل النفس بِالنفس، وَزنا بإحصان وَارتدَاد.

وَالسيَاسَة وَاردَة في الأخبَار وَمشاهِير الآثار، وَمِن جُملتها تَغرِيب العَام للزاني وَقطع يَدِّ النبَاش وَأمثالهما، وَمنها قتل تارك الصَّلاة في مذهب الشافِعية، فانَدفعَ اعترَاضهم عَلى الحنَفِية في قتل الرّفضَة، حَيثُ وَهمُوا أنهم لَيْسَ لَهُم دَليل في ذلَكَ، وَلم يحقق مَا قدمنا هنالكَ.

وَيُؤخذ مِنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ أيضاً جَواز مقاتلة الأرفَاضِ، وَيؤيدهُ مُقاتلة عَلي للخَوارج في حَالِ الاعتراض (2)، إلاَّ أنه يُعَامل مَعَهم مُعَاملة عَلي مَع أمثالِهم مِنْ عَدم سَبي نِسَائهم وَذرَاريهم، وَعَدم التعَرض لإِفرادِهم بَعدَ فَراغ قتالهم وَدخُولهم في الإطاعَة، كَمَا حَققَ هَذِهِ الأمُور جَميعاً في مَحالها المفصلة في بَيان أحوالهم.

__________

(1) الفرعية) سقطت من (د).

(2) في (د): (الاعراض).

وَمنها عَن عَلي - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ ليّ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أنتَ وَشيعتك في الجَنَّة، وَسَيَأتي قَومٌ لَهُم نبزٌ يُقَال لَهُم الرّافضَة، فإذا لقيتمُوهم فاقتلُوهم فإنهم مُشركونَ)) (1) رَواه أبونُعيم (2) في (الحلية) والخَطِيب (3) وَابن الجَوزي (4) في (الوَاهِيات) (5)، وَفيه: محمد بن حَجر (6)، ثقة غالٍ في التشِيع رَوى [له] (7) الشيخَان (8)، وَلاَ شبهة

__________

(1) الطبراني، المعجم الأوسط: 6/ 355، رقم 6605؛ الخطيب، تاريخ بغداد: 12/ 358؛ الطبري، الريضا النضرة: 1/ 364. والحديث ضعيف كما ذكر ابن الجوزي في العلل المتناهية: 1/ 167؛ الهيثمي ن مجمع الزوائد: 10/ 22.

(2) هوأبونعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المهراني الأصبهاني، الحافظ الكبير محدث العصر صاحب حلية الأولياء وغيرها، وفاته سنة 430هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 1092؛ طبقات الحفاظ: ص 423.

(3) أبوبكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، الحافظ الكبير ومحدث العراق، صاحب تاريخ بغداد، مع كثرة عنايته بعلوم الحديث، وفاته سنة 463هـ. تذكرة الحفاظ: 3/ 1135؛ طبقات الحفاظ: ص 433.

(4) أبوالفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي الحنبلي، الحافظ المفسر صاحب المعارف والفنون في الرجال والتاريخ والفقه والوعظ وغيرها، وفاته سنة 597هـ. وفيات الأعيان: 3/ 140؛ سير أعلام النبلاء: 18/ 186.

(5) كذا يسميها المؤلف وهي (العلل المتناهية).

(6) هومحمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، أبوالخنافس، قال البخاري: فيه بعض النظر، وقال أبوحاتم: كوفي شيخ، وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي، وقال الذهبي: له مناكير. ميزان الاعتدال: 3/ 337؛ لسان الميزان: 5/ 119.

(7) زيادة من (د).

(8) كذا ذكر المؤلف، ولم أجد له رواية في الصحيحين أوحتى في الكتب الستة.

أن شيعَته كلُّ مَنْ شايعه في سُنته (1)، وَتابَعهُ في طِريقتهِ وَسيرتهِ المطابقة لمَا هِيَ عَليه النبي وَأصحَابه [12/ب] في ظَاهِره وِسريرَتهِ، وَيقويه قَوله تعَالى: ? إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ? [الأنعام:159].

ويؤيّدُه مَا رَواه الدينُوري (2) عَن المدَائني (3) قَالَ: نَظَرَ عَلي بن أبي طَالب إلى قومٍ ببابه، فقال لقنبر (4): ((يَا قنبر (5) من هؤلاء؟ قَالَ: هَؤلاءِ شيعَتكَ، قَالَ: وَمَا ليَّ لاَ أرى فيهم سيما (6) الشيعَة؟ [قال: وما سيمى الشيعة؟] (7) قال: خَمْص البُطون مِن الطوى (8)، يبسَ الشفاه من الضمأ، عش العيون مِن البكاء)) (9).

__________

(1) في (د): (سنة).

(2) هوعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبومحمد، قال الخطيب: كان ثقة ديناً فاضلاً ولي قضاء الدينور وكان رأساً في اللغة والعربية والأخبار وأيام الناس، وفاته سنة 276هـ. تاريخ بغداد: 10/ 170؛ سير أعلام النبلاء: 13/ 296.

(3) أبوصالح شعيب بن حرب المدائني، قال عنه الذهبي: ((الإمام القدوة العابد شيخ الإسلام))، من رجال البخاري، وفاته سنة 197هـ. سير أعلام النبلاء: 9/ 188؛ تهذيب التهذيب: 4/ 306.

(4) في (د): (للقنبر). وقنبر هومولى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال الذهبي: ((لم يثبت حديثه))، وكان في آخر عمه ينتقص من عثمان - رضي الله عنه -. ميزان الاعتدال: 5/ 475؛ لسان الميزان: 4/ 475.

(5) يا قنبر) سقطت من (د).

(6) في (د): (بسيما).

(7) زيادة من (د).

(8) في (د): (الطول).

(9) المرتضى، الأمالي: 1/ 13؛ الهندي، كنز العمال: 11/ 325.

وكأنه - رضي الله عنه - وَكَرّمَ وَجهُهُ أشارَ إلى تفِسير قَوله تعَالَى: ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? [الفتح: 29] وقوله سبحانه} وتعَالى في حقِّ أهِل الصفة: ? تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ? [البقرة: 273] وقوله سبحانه {(1) وتعالى في حق المنافقين: ? وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ? [محمد: 30] (2).

وَمِن اللطائف مَا وَقعَ مِن أربَابِ الظرائف، وهو: كَانَ سنياً (3) في غايَة مِن حسن الصّورة وَنور البَصِيرة، لِكنُه مُولع بالفِسقِ مِن شرب الخَمرِ وَغيرها مِن الأمُور الخطيرة، وَهَومِن ندماء الشيعَي مِن الأمرَاء، فَذَكرَ في مَجلسِهِ بيَان أمَارَات الأتقِيَاء وَعَلامَات الأشقِيَاء، فَقالَ السَّني: ((أنا مِن فسّاق أهل السّنة وَانظروا في وَجهي مِن سِيما نُور أهل الجَنة، وَأبصروا في طلعَة الحسَامي وَغاظ (4) الشيعَة وَاتقِيَائهم عَلى مَظِنتهم الشيعَة تروا عَلَيه مِن غبر (5) الظلَمة المشَاهدة، على أنه من حملة الظلَمة)).

ولعَلهُ أخَذَ هَذا المعنى اللطِيف وَالمبَنَى الظريف مِن قوله تعَالَى: ? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ صدق الله العظيم ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ صدق الله العظيم وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ صدق الله العظيم تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ صدق الله العظيم أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ? [عبس: 38 - 42].

__________

(1) ما بين المعقوفتين} {زيادة من (د). وينظر للفائدة تفسير ابن كثير: 1/ 326.

(2) قال القرطبي: ((ولتعرفنهم في لحن القول: أي في فحواه ومعناه)). الجامع لأحكام القرآن: 16/ 252.

(3) في (د): (شاباً).

(4) في (د): (وغلظ).

(5) في (د): (غبرة).

وَقدَ ورَدَ: ((كَمَا تعِيشونَ (1) تموتون، وكَمَا تموتوِنَ تحشرونَ)) (2).

وَقد صحَ: ((أن الظاهر عنَوان البَاطِنِ)) (3).

وَهِذا أصل في بَابِ الفراسَة (4) وَكتَاب الكيَاسَة، وَقد قَالَ تعَالَى: ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ? [الحجر: 75] أي المتقين.

وَفي الحَديث: ((اتقوا فراسَة المؤمن، فإنه ينظر بنورِ الله)) (5) وَهذا قد يَكون بأمَارَات الظاهِرية، وَقد يكُون بِعلامَة بَاطِنية تتجَلى عَندَ أصحَاب نتِكشف لأربَابِ الأبصار [13/أ] والبَصِيرة (6) وَالأسرَار.

وَمنها مَا [روي] (7) عَن جحيفَة (8) سَمعت: عَلياً عَلى المنَبر يَقول: ((هَلكَ فيّ رجُلان مُحِبٌ غالٍ،

__________

(1) في (د): (تبعثون).

(2) لم أقف عليه.

(3) كلام المؤلف يوهم أنه حديث، ولم أقف عليه.

(4) الفراسة في اللغة التثبت والنظر، وفي اصطلاح الصوفية: هي مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب. التعريفات: ص 212.

(5) الحديث أخرجه الترمذي عن أبي سعيد، السنن: 5/ 298، رقم 3127؛ البخاري، التاريخ الكبير: 7/ 354؛؛ الخطيب، تاريخ بغداد: 3/ 191؛ أبونعيم حلية الأولياء: 10/ 281؛ الطبراني عن أبي هريرة، المعجم الأوسط: 3/ 312؛ القضاعي عن عبد الله عمرو، مسند الشهاب: 1/ 387، رقم 662؛ ابن عدي عن أبي إمامة، الكامل: 6/ 406؛ البيهقي كتاب الزهد: 2/ 159، رقم 358؛ أبونعيم، حلية الأولياء: 6/ 118؛. والحديث (ضعيف) كما حقق ذلك الشيخ الألباني، ضعيف الجامع: رقم 127.

(6) في (م): (البصيرة).

(7) زيادة من (د).

(8) كذا ذكره المؤلف، والأصح (أبوجحيفة): وهب بن عبد الله السوائي، ويقال له وهب الخير، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته، ثم كان على شرطة علي، وفاته سنة 73هـ. سير أعلام النبلاء: 3/ 202؛ الإصابة: 6/ 626.

وَمُبغضٍ غالٍ)) (1) رَوَاهُ العشاري (2) في (فضائل الصديق) وَابن أبي عَاصم (3) وَاللالكائي (4) في (السنّة).

وَفي روَاية لاِبن أبي عَاصِم عَن علي قَالَ: ((يهلك (5) فينا أهل البيَت فَريقان: مُحب مطرٍ وَباهت مفترٍ)) (6) وَالإطراء: هوالمجاوزَة عَن الحَدِّ في الثنَاءِ، وَالبَاهتُ: هُوَ الذي يَأتي بِالبُهتان علَى طَريقِ الافِتراء.

وَفي رواية أخُرى لهُ عَنهُ قال: ((يحبني قَومٌ حَتى يدخلهُم حبّي النَّار، وَيبغضني قومٌ حَتى يدخِلهُم بغضي النار)) (7).

__________

(1) ابن أبي عاصم، السنة: 2/ 477، رقم 987، قال الشيخ الألباني في تعليقه على الكتاب (إسناده ضعيف). وروى الحديث أيضاً الشيعة في كتبهم، فقد رواه المرتضى في نهج البلاغة: 4/ 2؛ خصائص الأئمة: ص 124.

(2) أبوطالب محمد بن علي بن الفتح الحربي العشاري، قال الخطيب كتبت عنه وكان ثقة صالحاً، وفاته سنة 451هـ. تاريخ بغداد: 3/ 107؛ سير أعلام النبلاء: 18/ 48.

(3) أبي) سقطت من (د).

(4) في (د): (الاسكافي).

(5) في (د): (هلك).

(6) ابن أبى عاصم، السنة: 2/ 484، رقم 1005. قال الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الكتاب (إسناده ضعيف جداً).

(7) ابن أبي عاصم، السنة: 2/ 477، رقم 986؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق: 42/ 293. قال الشيخ الألباني في تعليقه على الكتاب الأول: (إسناده جيد). وقد روى الحديث أيضاً الشيعة في كتبهم كما عند الطوسي، الأمالي: ص 256؛ ابن شهر آشوب، المناقب: 1/ 227.

وَفي روَاية أخَرى عَنهُ - ورواية الأصبهاني (1) في (الحجة) (2) عَنهُ أيضاً - بلفظ: ((يهلكُ (3) فيّ رَجَلانِ مُحبٌّ مُفرطٌ، وَمُبغضٌ مُفرطٌ)) (4) ولا شك أن المحب الغالي هُوَ الرّافضَي، والمُبغضُ الغالي هُوَ الخَارِجي.

__________

(1) أبوالقاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الأصبهاني، الحافظ الملقب بقوام السنة، أملى وصنف وتكلم في الرجال وأحوالهم، وفاته سنة 535هـ. تذكرة الحفاظ: 4/ 1278؛ طبقات الحفاظ: ص 463.

(2) هوكتاب (الحجة في بيان المحجة). كشف الظنون: 1/ 631.

(3) في (د): (تهلك).

(4) ابن أبي عاصم، السنة 2/ 477، رقم 987؛ الخلال السنة: 1/ 293. قال الشيخ الألباني في تعليقه على الكتاب الأول: (إسناده ضعيف).

وَأمَّا السنّي: فَمُحبٌّ لعَليٍّ في المقام العَالي؛ لأنه في الوسِط الذِي هوالقسط الذي أشَارَ إلَيهِ قَوله تعَالَى: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ? الآية (1) [البقرة: 143] وتحقِيقه أن خيرَ الأمُور أوسَطها، وَهَذا يجَري في الاعِتقاد، وَفي الأفعَال وَالأخلاق وَسَائر الأحَوالِ، كَمَا لاَ يخفَى عَلى أربَاب الكِمال، فإن مَدَار التوحيد عَلى التوسّطِ بَيْنَ التشبيه وَالتنزيه، كَمَا في الآيَاتِ وَالأحَادِيث المتشَابهاتِ، [وكقولهم] (2): لا عَينَ ولا غَير في تحقيق صفَاتِ الذاتِ كَذَا مَذهبهم (3)

__________

(1) قوله تعالى: ? وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ? زيادة من (د).

(2) زيادة من (د).

(3) هذا هوقول الماتريدية، وقد توقف المحققون من أهل السنة في ذلك، قال ابن أبي العز: ((كان أئمة السنة (رحمهم الله تعالى) لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره ولا أنه ليس غيره؛ لأن إطلاق لفظ الغير فيه إجمال فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل، إن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها)). شرح العقيدة الطحاوية: ص 129. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فإذا قيل: الصفات مغايرة للذات لم يكن في هذا من المحذور ما في قولنا: إن صفات الله غير الله، فإن اسم الله يتناول صفاته، فإذا قيل إنها غيره فهم من ذلك أنها مباينة له، وهذا باطل؛ ولهذا كان النفاة إذا ناظروا أئمة المسلمين، كما ناظروا الإمام أحمد بن حنبل في محنته المشهورة، فقالوا له: ما تقول في القرآن وكلام الله أهوالله أم غير الله؟ عارضهم بالعلم وقال: لهم ما تقولون في علم الله أهوالله أم غير الله؟)). الجواب الصحيح: 5/ 17 - 18.

، وَبَيْنَ (1) المعَطْلةِ وَالمجسّمة وَبَينَ القَدرية والجَبرية وَبَيْنَ الرفض وَالخروج.

وَكذا يعتَبر التوسط في استحِسَانِ الأخلاق كالشجاعَة، فإنهُ حَالة بَيْنَ التهوّر وَالجُبن، والسّخاوَة بَيْنَ التبذِير وَالبُخل، وَالتواضع بَيْنَ الكِبر وَالمهَانة وَنَحوها عِندَ مَن يعرف عِلم الأخلاق، وَيفرق بَيْنَ الخَسَّة وَالذميمة، وَقد قال تعَالَى في عِلم المعَاشِ: ? وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ? [الفرقان: 67].

ما عال من اقتصد:

وَفي [الحديث] (2): ((الاقتِّصَادِ نِصف المعِيشة)) (3) وَفي روَاية: ((مَا عَال مَنْ اقتصَد)) (4) وَقال تعَالَى: ? وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ [13/ب] ذَلِكَ سَبِيلاً ? [الإسراء: 110] وَقالَ تعَالَى حِكايةً عَن وصَية لقمَان: ? وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ? [لقمَان: 19].

__________

(1) في (د): (وعين).

(2) زيادة من (د).

(3) والحديث عن ابن عمر كما أخرجه الطبراني بلفظ: ((الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم)). (المعجم الأوسط: 7/ 25، رقم 6744) من طريق مخيمس بن تميم عن حفص بن عمر، ومن الطريق نفسها أخرجه البيهقي، شعب الإيمان: 5/ 254، رقم 6568. قال أبوحاتم: ((هذا حديث باطل، ومحيس وحفص مجهولان)). (علل ابن أبي حاتم: 2/ 284). وقال الشيخ الألباني (موضوع). ضعيف الجامع: رقم 2286.

(4) الحديث عن ابن مسعود، أخرجه الإمام أحمد: 1/ 447، رقم 4269؛ االطبراني، المعجم الأوسط: 5/ 206، رقم 5094؛ البيهقي، شعب الإيمان: 5/ 255، رقم 6559؛ ابن عدي، الكامل: 3/ 462. والحديث (ضعيف) كما حكم عليه الشيخ الألباني، ضعيف الجامع: رقم 4269.

فإذا عَرفتَ ذلَك عَلمتَ أن شِيعَة عَليٍّ ليسَ إلاَّ أهل السّنة هنالكَ، فإن غيرهم إمَّا مُبغضٌ مُفرطٌ كالَخوراجِ، حَيثُ سَبوه وَلعَنُوهُ وَكفَّرُوه وَحَاربُوه، وَإمَّا مُحِبٌّ مُفرطٌ كالرّوَافِضِ، فإنهم فَضلُوه عَلى غَيرَ النبّي صلى الله تعالى عليه وسلم مِن سَائرِ الأنبيَاء وَالرسُل الأصفِياء، كَمَا يُنادي منَاديهم: ((مَا بَيْنَ الأرضِ وَالسماء محمد وَعلي خير البَشر)) (1).

وَهَذَا مَع كَونه بدعَة قبيحَة في إدخَالهِ بَيْنَ كَلماتِ (2) الأذان، كلمة كفر فيها فضِيحَة عِندَ الأعيَان، بخِلاِف بدعَتهم في قولهم (3): ((حَي عَلى خير العَمل)) فأمرٌ سَهلٌ، حَيثُ يَصِحّ في المعنَى، وَإن لم يرد في الآذان هَذَا المَبنى (4)، مَع أنه مُستدرك مُستغنى عَنه بَعْدَ قَولهُ: ((حَي عَلى الصَّلاة، حَي عَلى الفَلاح)).

ثُمَّ بَالغَ طائَفةٌ مِنهم فكفرّت أبَا بكر لأخذه حَق عَلي وَمخالفَته، وَكفرّت عَلياً لِسكوتِهِ عنه وَرضَائه بموَافقتِه، وَنَفُوا جَواز التَقيَّة، فإنها لَوكَانَت جَائزة لكانَ أولى أن يقاتل (5) مَع مُعَاوية بهَذِهِ القَضِية، فإنه كانَ أكثر جنُوداً مِنْ الصديق، وَأكبَر قَبيلَة مِنُه عِندَ التحقِيق.

__________

(1) وهذه اللفظة مستحبة عند فقهاء الإمامية، كما ذهب إلى ذلك المرتضى، الرسائل: 1/ 279؛ ابن براج، جواهر الفقه: ص 257.

(2) في (م): (كلمة).

(3) في (د): (أقوالهم).

(4) وردت آثار في هذا المعنى، فقد روى ابن أبي شيبة عن نافع قال كان ابن عمر قد زاد في آذانه حي على خير العمل. المصنف: 1/ 196، رقم 22410؛ عبد الرزاق، المصنف: 1/ 464، رقم 1797؛ البيهقي، السنن الكبرى: 1/ 424، رقم 1842. قال البيهقي: ((لم يثبت هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما علم بلالا وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه)).

(5) في (د): (يقال).

ثُمَّ بَالغ طَائفة منهم في محبّته حَتى فَضلتهُ عَلى النبي وَسَائر أمتِهِ (1)، كَمَا اشتهر عَن بَعضِ شعرَائهم المعتَبر عند كبرائهم أنه قَالَ: لم يَكن غرض مَن كسرَ الأصنامَ إلا أنه يُوصلُ المصُطفى كتفه إلى قَدم المرتَضى

وَيتشرف في ذلَكَ المقَامِ إلاَّ عَلي (2).

وَمضمون هَذَا البيَت مَشهُور الآن في المكان ويقرؤونه وَينقلونَهُ وَيستَحسُنونه، وَلم يعرفُوا مِن كَمال حَماقَتِهم في مَرتبَة العَقل وَجَهالتهم في مقام النقل أن كسرَ الأصنام فرض في دِين الإسلام، وَأنه قط لم يفضل وَليٌّ عَلى نَبي في شيء مِن الأحكام.

__________

(1) الشيعة الإمامية يتفقون على أن علياً هوأفضل من الأنبياء عدا نبينا صلى الله عليه وسلم، وبعضهم توقف في فضيلة علي والأئمة على أولي العزم، وقد رجح المفيد بأن الأئمة أفضل من أولي العزم (تفضيل أمير المؤمنين: ص 9) أما ابن شهر آشوب المازندراني ففضله على سائل الأنبياء بما فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: ((وفي بعض الروايات أن مرتبة الإمامة أعلى من مرتبة النبوة)). شرح أصول الكافي: 5/ 116.

(2) يشير المؤلف إلى ما تواتر في كتب الشيعة الإمامية من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل علياً على كتفيه يوم الفتح لتكسير الأصنام، والرواية لا تستحق أن نوردها ينظر عند ابن بابويه الرازي، الأربعون حديثاً: ص 23؛ المازندراني، المناقب: 1/ 398؛ المجلسي، بحار الأنوار: 38/ 85.ولا تعجب إن نسب الشيعة هذه الروايات إلى كتب أهل السنة كمسند أحمد وغيره من كتب الحديث كذباً وزوراً، كما فعل الأميني في كتابه الغدير: 7/ 9. ويمكن الاطلاع على بعض الأشعار التي أوردها حول هذه الرواية المزعومة في الكتاب نفسه.

ثُمَّ بَالغَ طَائفة مِنهم في سِوء الاعِتقاد مِن جَعل النبي وعَلي في الإيجاد بوَصفِ الاتحادِ في المَعنَى، وَلوتَغَاير في المَبنَى (1).

ثُمَّ بَالغَ طائفة مِنهم فَقالُوا [14/أ] أخطأ جِبريل في إيصَال التنزيل، حَيثُ أنزلَه عَلى النّبي [صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (2) وَغَفل عَن عَلي، وَيسمّونَ هَذِه الطائفة بالغِرابية حَيثُ توهمُوا أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يُشَابه عَلياً في كمال الصورَة، بحيث يتوهم الاتحاد حَال الضرورَة (3).

وَمَن عَرفَ شمائله عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلام في الخَلق وَالخُلق، عَرفَ أنه لاَ مُناسَبة بَيْنَه وَبَيْنَ علي، لاَ (4) في الصَّوَرة وَلاَ في السيرة، مَعَ أن تخطِئة جبريل مُستلزم لتخطِئة الربِّ الجليل، حَيثُ إنه سُبحانه مَا نبه جبريل عَليه وَلاَ أشارَ إليه في مُدةِ ثلاث وَعشرِينَ سَنةِ بِنجُومِ مُفَرقة، مَع قَوله تعَالَى: ? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ صدق الله العظيم عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ صدق الله العظيم بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ? [الشعراء: 193 - 195] وَهَذَا كَمَا تَرى كفرٌ صَرِيحٌ وَإلحاد قبيح.

ثُمَّ بالغ طَائفة مِنهم تُسَمى النصيريةَ يقولون لِعَلي بالإلوهية (5)، وَنحوذَلَكَ مَما بيناه في مَواضِع مما ألفنَاهُ.

[مشابهة علي لعيسى بن مريم:]

__________

(1) قال أبوحيان عند الكلام في قوله تعالى: ? ولكن رسول الله وخاتم النبيين ?: ((ومن ذهب إلى أن الولي أفضل من النبي فهوزنديق يجب قتله)). البحر المحيط: 7/ 228.

(2) زيادة من (د).

(3) ينظر: الفرق بين الفرق: ص237؛ التبصير في الدين: ص 128؛ المواقف: ص 673.

(4) لا) سقطت من (د).

(5) ويسمون أيضاً: الإسحاقية. ينظر المواقف: ص 47.

وَالَحاصِل أن عَلياً لَهُ مُشابَهة بعِيسَى بن مَريَم في هَذِهِ القضِية، حَيثُ كفرَ اليَهُود بِسَبب إفراطِهم في بغضِهِ وَنسَبته إلى مَا لاَ يَلِيق به مَما يصَان عَنهُ اللسَان، وَكفر النصَارى في إفراطِهم في حبّه ونسبته إلى التثليث وَالاتحاد وَالعِينية، المُشاركة لهم في هذِهِ بخصُوصِهَا الطائفة الوجُودية، وبطلاَن (1) أقَوال هَذِهِ الطوَائف ظاهِر لأهِل الإسلام مِن الخَوِاص وَالعَوام، وَقد أوضَحنَا هَذِهِ (2) الأدِلة العقلية النقلية في كتُبنا المتعَلقة بالتفِسير والأحَادِيث وَأقوال الصوفية.

__________

(1) في (م): (بطلان).

(2) هذه) سقطت من (د).

ثُمَّ مِن اللطائف مَا ذكرَه ُالمِرغيناني (1): أن الشيطانَ الطاق (2) - وَهوشيخ الرافضَة عَلى الإطلاَقِ - كَان يتَعرض للإمَامِ الأعظم كثيراً مِن الأيَام، فَدخل الشيطان يوماً في الحمّام، وَكانَ فِيه الإمَام، وَكَانَ قَريب العَهد بموَتِ الأستَاذ حَماد (3)، فَقالَ الشيطان: مَات أستاذكم فاسترضاه منه، فقال الإمَام: أستاذنَا مَاتَ وَأستاذكم مِن المنظِرينَ إلى يومِ الوَقت المعلُوم (4)، فتحَير الرافضِي وَكشفَ عَورته، فغمضَ الإمَام ناظره فَقالَ الشيطَان: يَا نعمَان مُذ (5) كم أعمَى الله بصَرك؟ [14/ب] فقال: مُذ (6) هتكَ الله ستركَ، فبَادر الإمَام إلى الخرُوج مِن الحمام (7)، وانشَأ هَذَا الكلام [يقول] (8):

__________

(1) أبوالفتح زين الدين عبد الرحيم بن أبي بكر بن علي السمرقندي، فقيه حنفي، من أعيان المفتين، وفاته سنة 670هـ. الفوائد البهية: ص 93؛ هدية العارفين: 1/ 560 ..

(2) هومحمد بن علي بن النعمان البجلي الكوفي، الملقب بشيطان الطاق، نسب إلى سوق طاق المحامل بالكوفة، وكان صاحبه هشام بن الحكم شيخ الرافضة يسميه مؤمن الطاق، ويقال أول من لقبه بذلك أبوحنيفة، وله مناظرات معه. الملل والنحل: 1/ 186؛ منهاج السنة النبوية: 2/ 227؛ لسان الميزان: 5/ 300 ..

(3) أبوإسماعيل حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي، الإمام فقيه العراق، كان أحد العلماء الأذكياء، وفاته سنة 120هـ. طبقات ابن سعد: 6/ 332؛ سير أعلام النبلاء: 5/ 331.

(4) الشطر الأول من القصة ورد في تاريخ بغداد: 13/ 436. ولكن وردت بصورة معكوسة، إذ القائل العبارة الأخيرة هوشطان الطاق، وكان ذلك عند وفاة محمد الباقر حسب رواية الخطيب البغدادي.

(5) في (د): (منذ).

(6) في (د): (منذ).

(7) الرواية وردت في المستظرف من كل فن مستظرف: 1/ 134 - 135.

(8) زيادة من (د).

أقول وَفي قولي بلاغ وحكمة (1)

وَمَا قلت قولا حَيثُ فيه بِمُنكر

ألا يَا عِبَاد الله خافُوا إلهكم

وَلاَ تدخلوا الحمّام إلا بِمِزر (2)

وَمنهَا مَا قَالَ أبُوالفَضل الكرمَاني (3): ((إنه لما (4) دخل الخَوارج الكُوفة، وَرأيهم تكِفير كل مَن أذنَب، وَتكفر كل تكفره، قِيلَ لَهَم هَذَا شيخ هَؤلاء، فأخذُوا الإمَام وَقَالُوا: تب مِن الكفر فَقالَ: أنا تائب مِن كلِّ كفر، فَقِيل لَهم: إنه قَالَ أنا نائب مِن كفركَم فاخَذوهُ، فَقَالَ لهُم: العلم (5) قلتم أم نظن، قالوا: نظنّ، قال: إن بَعض الظن أثم، وَالأثم ذَنب فتوبُوا مِن الكفر، قالُوا: تبْ أيضاً مِن الكفر، فَقالَ: أنا تائبٌ مِن كلِّ كفر)). فهَذَا الذي قالَهُ الخصُوم: ((إن الإمَام استتب مِن الكفر مرتين)) (6)، وَلبسُوا عَلَى النَّاس، انتَهى.

__________

(1) وحكمة) سقطت من (د).

(2) لم أقف عليه منسوباً لأبي حنيفة.

(3) هومحمد بن يوسف بن علي الكرماني البغدادي، صنف في العربية والكلام والمنطق، وله شرح على صحيح البخاري، وفاته سنة 785هـ. الدرر الكامنة: 5/ 72؛ البدر الطالع: 2/ 292.

(4) في كلا النسختين: (لا).

(5) في (د): (أيعلم).

(6) العقيلي، الضعفاء: 4/ 282؛ ابن حبان، المجروحين: 3/ 64؛ الخطيب، تاريخ بغداد: 13/ 391.

وَوَقعَ لي نظر هَذَا الحال مَع بَعضِ الجهال مِن قضاة الأروَام (1)، فإنه لما سَمعَ بي (2) أني طعنت في كَلام ابن عَرِبي (3) وَهوَ مُعتقد، قال: تب إلى اللهِ، فقلت: أتوب إلى الله مِن جَميع مَا ذكرَهُ الله.

__________

(1) جمع روم. وهي على (أفعال). وسلاجقة الروم مسلمون سكنوا غرب تركيا الحالية، وأطلقت عليهم هذه التسمية لمجاورتهم للروم.

(2) في (م): (لي).

(3) في (د): (العربي). وهومحي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد أبوبكر الطائي الأندلسي الصوفي، اشتهر بتصوفه، وكان له شعر يدل على اعتقاده بوحدة الوجود، مات سنة 638هـ. العبر: 5/ 158؛ لسان الميزان: 5/ 307.

وَمنهَا ذَكرَهُ الغزنوي (1) عَن شريك بن عَبد الله (2) قال: ((كَنا عِندَ الأعمَش (3) في مَرَضهِ الذي توفي فيه، فدَخلَ عَلَيه أبوحَنِيفَة وَابن أبي ليَلَى (4) وَابن شبرمَة (5)، وَكان الإمَام أكبر فبدأ بالكلام، وَقَالَ: اتقِ الله فإنكَ في أولِ يوم من أيّام الآخِرَة، وَقِد كَنتَ تَحدثت عَن عَلَي - رضي الله عنه - بأحَادِيث لَكانَ أمسَكتها لَكانَ خيراً لَكَ، فقال الأعمُش: اسندوني ألمثلي يُقال هَذَا؟! حَدثني أبوالمتوكل الشامي (6) عَن أبي

__________

(1) هوأحمد بن محمد بن سعيد الحنفي، فقيه أصولي، له مؤلفات عديدة، وفاته سنة 593هـ. الجواهر المضيئة: 1/ 120؛ الأعلام: 1/ 216.

(2) هوأبوعبد الله شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، قال الذهبي: حسن الحديث إماماً فقيهاً ومحدثاً، ليس هوفي الإتقان كحماد بن زيد، وفاته سنة 177هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 232؛ تهذيب التهذيب: 4/ 293.

(3) هوسليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبومحمد الكوفي الأعمش، ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع لكنه يدلس، وفاته سنة 147هـ. الجرح والتعديل، 4/ 146؛ سير أعلام النبلاء، 6/ 226؛ تهذيب التهذيب، 4/ 195.

(4) أبوعبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، الفقيه والقاضي والمقرئ، قال العجلي: كان فقيهاً صدوقاً صاحب سنة، وفاته سنة 148هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 171؛ تهذيب التهذيب: 9/ 268.

(5) أبوشبرمة عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر الضبي الكوفي، القاضي الفقيه، من رجال مسلم وأخرج له البخاري في المتابعات، وفاته 144هـ. سير أعلام النبلاء: 6/ 347؛ تهذيب التهذيب: 5/ 220.

(6) كذا في (م) وفي (د): (النامي). والأصح - كما في أصول الروايات - أبوالمتوكل الناجي: علي بن داود الساجي البصري، حديثه في الكتب الستة، وفاته سنة 108هـ. الثقات: 5/ 161؛ تهذيب التهذيب: 7/ 280.

سَعِيد الخُدري قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذَا كَانَ يَوم القِيامة قَالَ اللهُ تعَالَى لي وَلعَلي بن أبي طَالب: أدخلا الجنة مَنْ أحبكما وَأدِخل النَّار مَن أبغَضكما، وَذلَكَ قوله تعَالَى: ? أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ? [قّ: 24] (1) فَقالَ الإمَام قومُوا حَتى لا يجيء بأكثر مِن هَذَا، قال: فوالله مَا جزنا البَاب حَتى مَات)) (2).

وَمنها مَا ذكرَهُ الكردري أن للرافضَة [15/أ] أحَاديث مَوضُوعات وَتأوِيلات بَاطِلة في (3) الآيَات، وزيادَات (4) وَتصحيفَات كزيادَة: (وَالعصر ونَوائب الدهر) (5)، وَكقولَه تعَالى: ? إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ?

__________

(1) جاءت الآية الكريمة في (د) ناقصة.

(2) القصة مع الحديث موضوعة، ذكر ذلك ابن الجوزي فقال: ((هذا الحديث موضوع وكذب على الأعمش، والواضع له إسحاق النخعي، وقد ذكرنا أنه من الغلاة في الرفض الكذابين، ثم قد وضعه على يحيى بن عبد الحميد الحماني وهوكذاب أيضاً)). الموضوعات: 1/ 400. قلت: ومما يدل على وضعه أيضاً أن ابن شبرمة توفى سنة 144هـ، والأعمش وفاته سنة 147هـ، أي أن ابن شبرمة دخل على الأعمش رغم أنه توفى قبل ذلك بثلاث سنوات!!.

(3) في (د): (وفي).

(4) في (د): (زيادات).

(5) وقد رويت هذه الرواية عن علي - رضي الله عنه - من طريق عمروبن ذي مر فأخرجها الطبري في تفسيره: 30/ 290؛ والحاكم في المستدرك: 2/ 582، رقم 3971 وعزاها السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف، الدر المنثور: 6/ 392. كلهم من طريق عمر بن ذي مر الهمداني الكوفي وهومجهول كما ذكر ذلك ابن عدي والبخاري (ميزان الاعتدال: 5/ 354).

[الليل:12] [صحفوه بحذف النون فغيروا: (إن عليًا للهُدى) (1)] (2).

وَهم قومٌ بهت يزعمُون أن عُثمان أسقط خمسمائة كلمة مِن القرآن (3)، مِنها قَوله تعَالَى: ? وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ? [آل عمران: 123] وزادوا فيه: (بسَيف علي (4)).

قال علي (5): وَهذَا وَأمثاله كفر، قَالَ الله (6) تعَالَى: ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر: 9] فَمَن أنكر حَرَفاً مما في مصَحف عثمَان أوزَادَ فيه أونقصَ فقد كفر، انتهى.

وَقد صحَّفَ النَّصَارى قَوله سُبحانه [وتعالى] (7) في (الإنجيل): وَلَّت (8) عيسى (بتشديد اللام) فخففُوها وَخرجوا (9) عَن الإسلام باعتِقاد هَذا الكلام.

__________

(1) روى الحسيني وغيره من الإمامية عن فيض بن مختار عن أبي عبد الله أنه قرأ: (إن علياً للهدى وإن له الآخرة والأولى). تأويل الآيات: 2/ 808؛ المجلسي، بحار الأنوار: 24/ 46؛ مصطفى الخميني، تفسير القرآن الكريم: 2/ 377.

(2) ما بين المعقوفتين سقطت من (د).

(3) قال الآلوسي: ((وأيضاً من الثابت عندهم، والمقرر لديهم، والمشهور فيما بينهم أن بعض السور ساقط بتمامها، مثل سورة الولاية، وبعضها قد سقط أكثرها مثل سورة الأحزاب، فإنها كانت مثل سورة الأنعام، فقد سقط من هذه السورة فضل أهل البيت وأحكام إمامتهم)).سعادة الدارين (مخطوط): 7/أ. ينظر ما قال الطبرسي (وهومن مشاهير علمائهم) بهذا الخصوص في كتابه الاحتجاج: 1/ 222.

(4) علي) زيادة من (د). والرواية وردت عند الشيعة الإمامية. تأويل الآيات: 2/ 808؛ المجلسي، بحار الأنوار: 24/ 46.

(5) علي) سقطت من (د).

(6) لفظ الجلالة زيادة من (د).

(7) زيادة من (د).

(8) في (د): (ولدت).

(9) في (م): (وحزوا).

ومِنهَا أنه كَانَ في الكوفة زمَن أبي حِنيفة رَافضِي لَهُ بغلتان، سمى أحدهما (1) أبَا بكر وَالأخرى عُمر، وَكانَ يضربهما في الخدمة وَيُعَذبهما، فانتشر الخبر: أن أحدهمَا (2) رفصته (3) حَتى قتلته، فَقَالَ الإمَام انظروا فإن البَغلة التي سَميّها بِعُمر (4) هي التي قتلته، فَفحصُوا عَن القضِية فرأوا أن الأمر كما ذكر (5).

أقول: وَمَا ذاكَ إلاَّ لَكون عُمر مِن مَظِاهر الجلاَل، كَمَا أن الصّديق مِن مَظاهِر الجمال، وَلذِا كَانَ أشدَّ عَلَى الكفار وَالرافضَة الفجَّار.

__________

(1) في (د): (إحداهما).

(2) في (د): (احديهما).

(3) في (د): (رفصت).

(4) في (م): (لعمر).

(5) القصة أوردها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 13/ 364 - 365.

وَلقد قَالَ عَليه السَّلام حِينَ شاوَر أصحَابه (1) الكرَام في أسَارى بَدر، فأشارَ أبُوبكر بأخذ الفَداء مِنهم بلاَ هلاك [وعمر بالهلاك] (2) فيهم، فَقَالَ (3): إنَّ مثلك يَا أبا بَكر كمثل إبرَاهيم [عليه السلام] (4) حَيثُ قال: ? وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [إبراهيم: 36] وَكعِيَسى [عليه السلام] (5) في قَولهِ: ? إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? [المائدة: 118] وَمثلك يَا عُمر كَمثل نوح [عليه السلام] (6) في قوله تعالى (7): ? رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ? [نوح: 26] وَكمُوسَى في قولِهِ تعالى (8): ? رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ? الآية [يونس: 88] (9).

__________

(1) في (د): (الصحابة).

(2) زيادة من (د).

(3) فقال) سقطت من (د).

(4) زيادة من (د).

(5) زيادة من (د).

(6) زيادة من (د).

(7) تعالى) زيادة من (د).

(8) تعالى) زيادة من (د).

(9) وقد أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود، المسند: 1/ 383؛ الحاكم، المستدرك: 3/ 24؛ الطبراني، المعجم الكبير: 10/ 143.

وَبهَذَا ظهَرَ صِحة مَعنَى مَا اشتهر عنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلام: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) (1) وإن كَانَ مَبناهُ مِما لاَ أصل لَهُ عندَ المحدّثين، غفل عَن هَذا السيّد جمال الدّين (2)، حَيثُ ذَكَرهُ بِعنَوان الحدَيث في صدُور (رَوضَة الأحباب) (3) [15/ب] وَالله اعلَم بالصّوَاب.

__________

(1) قال الحافظ ابن حجر لا أصل له وتبعه في ذلك السيوطي. (كشف الخفاء: 2/ 82) وذكره القاري في المصنوع: ص 133.

(2) هوعطاء الله بن فضل الله بن عبد الرحمن الدشتكي الشيرازي، ذهب الخونساري إلى أنه من أهل السنة، وادعى الشيعة أن كان يتقي أهل السنة ويخفي تشيعه، وفاته في حدود سنة 953هـ. الذريعة: 11/ 285؛ معجم المؤلفين: 6/ 285.

(3) روضة الأحباب في سيرة النبي والآل والأصحاب) قال صاحب الذريعة: ((فارسي في ثلاث مجلدات)). الذريعة: 11/ 285. قلت: وعنوان الكتاب يدل على أنه من أهل السنة، إذ قرن مصنفه بين النبي صلى الله عليه وسلم وآله من جهة، وبين أصحابه رضي الله عنهم من جهة أخرى. ولا يغرنك ذكر صاحب الذريعة له لأنه عادة ما يذكر علماء أهل السنة وينسبهم للرفض.

وَمنهَا مَا أخرِجَهُ ابن أبي الدنيَا (1) عَن أبي إسحَاق (2) قَالَ: ((دعيت إلى مَيت لأغسله (3)، فلما كشفت الثوب عَن وَجهه، فإذا أنا بحَية قد تطوقت عَلَى حَلقِهِ، فذكُروا أنه كان يسب الصّحَابة - رضي الله عنهم -)) (4).

وَأخرَجَ أيضاً عَن أبي إسحَاق الفزاري (5) أنه أتَاهُ رَجلٌ فقال لهُ: ((كنتُ أنبش (6) القبور، وكنتُ أجد قوماً وجوههم لِغَيرِ القِبلة، فَكتبَ إلى الأوزاعي يَسألهُ، فقال: أولئك قومٌ مَاتوا على غَيرِ السنّة)) (7).

وقد سئل الأوزاعي: ((أنهُ يمَوت اليهُودي وَالنصَراني وَسَائر الكفار ولا ترى (8) مثل هذا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أولئك لا شك أنهم في النار، وَيَريكم في أهل التوحيد لِتعتَبرُوا)) (9)، ذَكرَه السيُوطي في (شرح الصدُور في أحوَال القبور) (10).

__________

(1) هوأبوبكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان الأموي مولاهم البغدادي، ابن أبي الدنيا الحافظ صاحب التصانيف المشهورة، وفاته سنة 281هـ. سير أعلام النبلاء: 13/ 397؛ طبقات الحفاظ: ص 299.

(2) هوأبوإسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي، نزيل الشام، قال ابن معين: ثقة ثقة، حديثه مخرج في الكتب الستة، وفاته سنة 186هـ. الثقات: 6/ 23؛ تهذيب التهذيب: 1/ 132.

(3) في (م) و(د): (لأعلمه). والتصحيح من كتاب السيوطي.

(4) السيوطي، شرح الصدور: ص 232.

(5) في (د): (القراري).

(6) في (م): (أنيس). وما أثبتناه أصح وهوروية شرح الصدور أيضاً.

(7) شرح الصدور: ص 232.

(8) في (د): (نرى).

(9) الذهبي، الكبائر: ص 37.

(10) والمطبوع يحمل اسم: (شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور).

ثُمَّ يتَعلق بهَذَا المبَحَث مَسَائل مهمة ودلائل متمة، تركنَاهَا مَخِافة ملالة (1) أربَاب الجهالة وَضلالَة العَامة، وَإن كَانَ الله سُبحَانهُ أختار لنا الطريقة الملاَئمة (2)، فطَائفَة الأزبكية وجهلَة مَا ورَاء النهرية، ينسبُونَ أهل خرَاسَان إلى الروافض وَهُمْ بَريئونَ مِنهُم، وَجماعَة القلزبَاشية (3) وَالعراقية الاوبَاشية ينسبُونهم إلى الخوَارِج، وهم مُنزهونَ عَنهم.

من كمل من العلماء ابتلي بأربع:

وقد قيلَ مَن كَملَ مِن العُلمَاء ابتنى بأربَعةِ مِنْ الأشيَاء: ((شماتة الأعداء وملامة (4) الأصدِقاء وطَعن الجُهَلاء وَحسدَ العُلماء)) (5)، لِكنني أقول كَمَا قَالَ وَكيع (6) مِن قول بَديعِ (7) الشعرِ:

إن يحسدُوني فإني غَير لائمهم

قبلي مِنْ الناسِ أهل الفَضل قَد حسدوا

فَدَامَ لي وَلهم مَا بي وَمَا بهم

وَمَات أكثرنا غيظاً لما وجدُوا (8)

وَقَالَ الله تعَالَى: ? قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ? [آل عمران: 199] وَقالَ تعَالَى عَز وَجَل: ? مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ? [الحج:15].

__________

(1) في (د): (ملامة).

(2) في (د): (الإسلامية).

(3) في (د): (القزلباشية).

(4) في (م): (سلامة).

(5) مقولة أوردها أيضاً العراقي، المستخرج على المستدرك: ص 21.

(6) أبوسفيان وكبع بن الجراح بن مليح الرواسي الكوفي، الحافظ الثبت محدث العراق وأحد الأعلام، وفاته سنة 196هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 309؛ تهذيب التهذيب: 11/ 109.

(7) في (د): (البديع).

(8) البيت ينسب لبشار بن برد، ديوانه: ص 397. ونسبه الخطيب لأبي حنيفة. تاريخ بغداد: 13/ 368.

وَلقد أحسَن محمد بن الحسَن في قَول أبي (1) الحَسَن شعر [16/أ]:

لم (2) يحسدُوا (3) شر النَّاس مَنزلة مَنْ عَاشَ في النَّاس يَومَاً غَير مَحسود (4)

قال تعالى: ? أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? [النساء:54].

وللهِ دَر قائله:

مَا يضر البَحرَ أمسَى زَاخِراً

إن رَمى فيهِ غَلامٌ بِحَجَر (5)

وَقد عَرف فانصف (6) أن مَن صنّفَ فَقد استهدف، فأيُّ كلامٍ أفصح مِن كلام رَبِّ العالمين وَقد قالوا: ? أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ? [الأنعام: 25].

وَقد قَالَ زَين العَابِدين (7) - رضي الله عنه - وَعن آبَائه أجمَعِين:

يا رُبَّ جَوهَرِ عِلمٍ لَوأبوحُ بهِ

لَقِيلَ لي أنتَ مِمَّن يَعبدُ الوَثَنا

وَلاسَتَحَلَّ رجالٌ مُسلمونَ دَمي

يَرونَ أقبَحَ مَا يَأتونَهُ حَسَنا (8)

__________

(1) أبي) سقطت من (د).

(2) في (د): (هم).

(3) في (د): (يحسدوني).

(4) تاريخ بغداد: 13/ 364.

(5) البيت ينسب للأخطل، ديوانه: ص 472.

(6) في (م): (الصف).

(7) هوعلي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب زين العابدين أبوالحسين الهاشمي المدني حضر كربلاء مريضاً فقال عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة وأحبهم إلى عبد الملك، وهوالإمام الرابع عند الإمامية، وكان يسمى زين العابدين، مات في ربيع الأول سنة 94هـ. طبقات ابن سعد: 5/ 211؛ تذكرة الحفاظ: 1/ 74؛ تهذيب التهذيب: 7/ 268.

(8) البيت نسبه الخطيب لعمروبن كلثوم كما في تاريخ بغداد: 12/ 489، ولم أجده في ديوان عمروبن كلثوم التغلبي، وقد نسبه ابن أبي الحديد للحلاج كما في شرح نهج البلاغة: 11/ 222. وربما أخذ القاري نسب هذا البيت إلى علي بن الحسين من الشيعة الذين نسبوه إليه. ينظر: الأميني، الغدير: 7/ 36.

ثُمَّ مَا يَجبُ عَلينا التنبيه مما ثبتَ لدينا، وهوأنه قَد علم مِمَّا (1) قَدّمنا أنه لم يثبت الكفر إلا بالأدلة القطعية، وَإذا جوزَ عُلماؤنا الحنفية قتلَ الرافضِي بالشُروطِ الشرعية، عَلى طريق السَياسَية العرفيّة (2)، فَلاَ يجوز إحرَاقه (3) بالنار وَنحوه مِن أنواع القتل الشنيعة (4)، بَل يقتل بالسّيف وَنحَوه مِن آلات الموت (5) السّريعَة، بقولِ (6) صَاحِب الشريعَة: ((إذَا قتلتم فاحسنوا القتلة)) (7) وَلِقَولهِ عَليه أفضل (8) الصّلاةِ وَالسّلامِ: ((لاَ تعذبُوا عَذابَ (9) اللهِ)) (10).

ثُمَّ الرجم مختَصّ بالزاني المحصن لا سِواهُ، فَقدَ وَرَدَ: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (11) وَلم يقل فارجموه، بل اللائق به أنه يستتاب، وإن ظهرَ شبهة يؤتى لهُ بِالجوَاب لِيظهر لِهُ وَجه الصوَاب.

__________

(1) في (د): (من).

(2) في (م): (العرضية).

(3) في (د): (إحراق).

(4) في (م): (الشيعة).

(5) الموت) زيادة من (د).

(6) في (د): (لقول).

(7) الحديث أخرجه مسلم عن شداد بن أوس - رضي الله عنه -، الصحيح، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل: 3/ 1548، رقم 1955؛ الترمذي، السنن، كتاب الديات، باب النهي عن المثلة: 4/ 23، رقم 1409، أبوداود، السنن، كتاب الضحايا، باب في النهي أن تصبر البهائم: 3/ 100، رقم 2815؛ ابن ماجة، السنن، كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة: 5/ 278، رقم 3170.

(8) أفضل) سقطت من (د).

(9) في (د): (بعذاب).

(10) هوجزء من حديث ابن عباس وقد تقدم تخريجه.

(11) تقدم تخريجه.

فعن (الخلاصة) (1): ((الجَاهِل إذَا تكلم بكلمة الكفر وَلم يدرِ أنها كفر، قَالَ بَعضُهم: لاَ يكُون كفراً وَيعذر بالجهل، وَقَالَ بَعضُهم: يَصير كافِراً، ثُمَّ قَالَ: وَإذَا كانَ في المسألة وَجُوه يوجبُ التكَفِير، وَوَجه وَاحد يمنع فعلى المفتي أن يمَيل إلى ذلك الوجه)) (2)، انتهى.

مسألة من اعتقد الحرام حلالا إنما يكفر إذا كانت الحرمة ثابتة بدليل مقطوع:

فيَجبُ أن يتفحصّ عَنه هَل سبَّ جَاهلاً وَخاطِئاً (3) أومكرها أومستحلاً؟ فِفي (الخلاصَة): أن مَن اعتقدَ الحَرام حَلالاً، إنما يكفُر إذا كانت الحرمة ثابِتَة بِدَليل مَقطوع به، أمَا إذَا [16/ب] كَانتَ بأخبَار الآحَاد لا يكفر (4).

__________

(1) هي (خلاصة الفتاوى) في الفقه الحنفي: تصنيف افتخار الدين طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البخاري الحنفي، وفاته سنة 542هـ. هدية العارفين: 1/ 430.

(2) نقلها عنه ابن أبي اليمن الحنفي في لسان الحكام: ص 414. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هوقول طائفة من الحنفية، وذهب جمهور العلماء إلى القول الأول بأن الجاهل إذا نطق بالكفر كفر، قال الخطيب الشربيني: ((كفر من نسب الأمة إلى الضلال أوالصحابة إلى الكفر، أوأنكر إعجاز القرآن شيئا منه، أوأنكر الدلالة على الله في خلق السماوات والأرض، بأن قال ليس في خلقهما دلالة عليه تعالى ... أوقال: الأئمة أفضل من الأنبياء - هذا إن علم معنى ما قاله - لا إن جهل ذلك لقرب إسلامه أوبعده عن المسلمين فلا يكفر لعذره)) (مغني المحتاج: 4/ 136) واستثنى ابن القيم من ذلك: ((الجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أوالغضب أوالمرض ونحوهم لم يكفر)). إعلام الموقعين: 3/ 95.

(3) في (د): (أوخاطئاً).

(4) وردت بالنص نقلاً عن الخلاصة في البحر الرائق: 5/ 132؛ حاشية ابن عابدين: 1/ 297.

ثُمَّ بَعدَ قتله يَجبُ عَلى المُسلِمينَ تكفِينه وَتدفينه وَالصّلاة عَلى جنَازَته (1)؛ لأن الشارع جَعلَ هَذهِ الكلمة من فروض الكفَاية الوَاجب عَلى بَعض أهِل الإسلام القِيام بالرعَاية بقَولِهِ عَليه الصَّلاة والسَّلام:

((صلوا على كلِّ برٍّ وَفاجر)) (2).

هَذَا وَقد وَرَدَ: ((إذَا أرَادَ الله بقوم خيراً أكثر فقهاؤهم وأقل جُهالهم، فإذا تكلم الفِقيه وَجد أعوَاناً [فإذَا تكلم الفقيه قهر] (3))) رَواهُ الديلمي (4) عَن ابن (5) عُمر (6).

__________

(1) هذا على قول معظم الحنفية، (ينظر: السرخسي، المبسوط: 10/ 199)، وهذا الرأي منقول عن جمهور الشافعية (النووي: المجموع: 3/ 16)، وذهب الحنابلة إلى خلافه قال ابن قدامة في حكم تارك الصلاة: ((هل يقتل لكفره , أوحداً؟ فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد , فلا يغسل , ولا يكفن , ولا يدفن بين المسلمين , ولا يرثه أحد , ولا يرث أحدا , اختارها أبوإسحاق بن شاقلا وابن حامد , وهومذهب الحسن , والنخعي , والشعبي , وأيوب السختياني , والأوزاعي , وابن المبارك وحماد بن زيد , وإسحاق , ومحمد بن الحسن)).

(2) الحديث أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، السنن: 2/ 57؛ البيهقي، السنن الكبرى: 4/ 19. والحديث (ضعيف) كما حكم عليه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2/ 35؛ الألباني في ضيف الجامع: رقم 3478.

(3) ما بين المعقوفتين سقطت من (د).

(4) هوشيرويه بن شهردار بن شيرويه بن خناخسره الديلمي الحافظ المحدث، وصاحب كتاب الفردوس، كان حافظاً متقناً، وفاته سنة 509هـ. سير أعلام النبلاء: 19/ 294؛ طبقات الحفاظ: ص 457 ..

(5) في (د): (بن).

(6) الفردوس: 1/ 246، رقم 952. قال الشيخ الألباني (ضعيف). ضعيف الجامع: رقم 340.

وَقالَ عز وجل: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ? [المائدة: 105].

[الترغيب بالعزلة عند فساد الزمان:]

وَفي الخَبرِ الصَحِيح: ((إذَا رأيت شحاً مُطاعاً وَهَوى مُتبعاً وَدنيا مُؤثرة، وَأعجابَ كلّ ذي رَأي بَرأيه، وَرَأيت الأمر لا بد لك منهُ، فعَليكَ نفسك وَدَع أمرَ القَوم، فإن ورَائكم أيام الصّبر، فمَن صبر فيهم قبض عَلى الجَمر، للعَالم فيهن مثل أجر خَمسِين رَجُلاً يعملُونَ عَمله)) (1)، وَقالَ ابن المبَارك (2): وَزادَ في روَايَة: ((قيلَ: يَا رَسُول الله أجر خَمسِين مِنهم؟ قَالَ: أجر خَمسِينَ مِنكم)) (3).

وَإلى هَذا أشَار وَلي الله الشاطِبي (4) في قَصِيدَته:

وَهَذَا (5) زَمَان الصبر مَن لك بالتي كقبض عَلى الجمر (6) فَتنجوا مِن البلاء

__________

(1) الحديث أخرجه الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني، السنن، كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة: 5/ 257، رقم 3058؛ أبوداود، السنن، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي: 4/ 123، رقم 4341؛ ابن ماجة، السنن، كتاب الفتن، باب قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم: 2/ 1330، رقم 4014. قال الشيخ الألباني عن الحديث (ضعيف). ضعيف الجامع: رقم 2344.

(2) عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، وفاته سنة 181هـ. التاريخ الكبير، 5/ 212؛ تذكرة الحفاظ: 1/ 274.

(3) هذه الزيادة وردت عند الترمذي.

(4) أبومحمد القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير، ناظم الشاطبية وغيرها، وشيخ القراء في زمانه، انتقل من الأندلس إلى مصر وفيها وفاته سنة 587هـ. وفيات الأعيان: 4/ 71؛ سير أعلام النبلاء: 21/ 261.

(5) في (د): (وهكذا).

(6) في (د): (جمر).

وَزَمَانه كَانَ في قرنِ خمسمائة، وَأمَّا اليَوم فَقد تجاوزَ الألف بضعَة عَشر، فتَدبَر فيما زَادَ مِن الكدَر.

وَلقد أجمعَ السلَف الصّالح عَلى التحذير من أهِل زمَانهم وَمِن قرب مَكانِهم، وَآثروا العزلةَ وَالخلوةَ وَاجتنبُوا الخلطَة وَالحلوة، وَأمرُوا بِذلكَ وَتواصوا به هُنالك، وَلا شك أنهم كانوا أنصَح وَبأمِر الدين أبصر، وَأن الزمَان ليسَ بَعدهم خَيراً ممَا كَانَ بَل شراً مِنهُ وَأمَرّ (1)، وَفي مَعنَاه مَا وَرَدَ في الخبَر المعُتَبر: ((لا يَأتي زمَان إلاَّ الذي بَعْدَهُ شرٌّ مِنهُ)) رَوُاهُ البخاري (2).

وَفي (الكبَير) للطَبراني عَن أبي الدرداء مَرفوعاً: ((مَا مِن عَام إلاَّ ينقص الخَير فيه [17/أ] ويزيد الشر)) (3) وَذلَكَ لأن كَلَّ مَن أبعدَ عَن نور المشعل المحِمدي، وَقعَ في نوع مِن ظلمة الجِهَل الرديء.

ويؤيدهُ مَا أخرجهُ الطبراني عَن ابنِ عَباس: ((مَا مِن عَام إلا وَيحدث النَّاس بدعَة وَيميتون سُنة حَتى تمَات السَنن وَتحيى البَدع)) (4).

وأخرج الترمذِي عَن أنَس: ((مَا مِن عَام إلا وَالذي بَعدَه شرٌّ مِنهُ حَتى تلقوا رَبكم)) (5).

__________

(1) في (د): (وامروا).

(2) في (د) جاء لفظ الحديث: (لا يأتي على أمتي زمان إلا الذي بعده شر منه). والرواية التي في الأصل هي رواية البخاري عن أنس في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه: 6/ 2591، رقم 6657. ولا أجد الحديث بالزيادة التي في (د).

(3) قال العجلوني: ((رواه الطبراني بسند جيد)). (كشف الخفاء: 2/ 249)، ولم أجده في المطبوع، وربما هوفي المفقود من المعجم الكبير.

(4) المروزي، السنة: ص 32؛ كشف الخفاء: 2/ 162.

(5) السنن، كتاب الفتن: رقم 2206.

وَرَوى أحمد وَالبخَاري وَالنسَائي عَن أنَس: ((لا يأتي (1) عَليكم عَام وَلاَ يَوم إلا وَالذِي [بعده شرٌ منه حَتى تلقوا ربَّكم)) (2).

وَعن الثوري (3): وَالذِي] (4) لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ، لقَدَ حلت العزلة في هَذا الزمَان)) (5) قَالَ الغزالي (6): ((وَلئنَ حلت في زمَانِهَ فَفي زماننا هذا وجبت)) (7).

وَكتبَ رجلٌ عَلى دَاره - لِيضع (8) نظر اعتبار عَلى آثارِه -: ((جزا الله مَنْ لا يعرفنَا خيراً كافة، وَلاَ جزى بذلك أصدقائنا خاصة، فَمَا أوذينا قط إلاَّ مِنهم، وَمَا صَدَر في صَدرنا مِن الهمِّ إلاَّ عَنهُم، فالبُعد عَنهم هُوَ السّعد)).

ولله در القائل [حيث قال] (9):

جَزَى الله عَنا الخير مَن ليسَ بَيْنَنا وَبَينَهُ ودٌّ ولاَ (10) نتعَارفُ (11)

__________

(1) في (د): (ليأتي).

(2) الصحيح، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه: 6/ 2591، رقم 6657؛ مسند الإمام أحمد: 3/ 132، رقم 12369. ولم أجده في سنن النسائي الصغرى أوالكبرى.

(3) أبوعبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأحد الأئمة، وفاته سنة 161هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 203؛ طبقات الحفاظ: ص 96.

(4) ما بين المعقوفتين زيادة من (د).

(5) حلية الأولياء: 6/ 388.

(6) أبوحامد محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، من مشاهير الفقهاء العارفين بعلم الكلام، وكان يقظاً ذكياً واسع التصانيف، وفاته سنة 505هـ. وفيات الأعيان: 4/ 216؛ سير أعلام النبلاء: 19/ 332.

(7) إحياء علوم الدين: 5/ 121.

(8) في (د): (ليقطع).

(9) زيادة من (د).

(10) في (م): (لا).

(11) في (د): (تعارف).

فما أصَابنا (1) همٌ وَلا نالنا الأذى (2) مِنْ النَّاس إلاَّ مَن نود ونعرفُ (3)

وَقَالَ الفضيل (4): ((هَذَا زمَان احفظ فيه لسَانَك، وأخفِ مَكانك، وَعالج جفانَك، وخذ مَا تعرف وَدَع مَا تنكر لتصلح شأنكَ)) (5).

وَقالَ الثوري: ((هَذَا زمان السّكُوت، وَلزُوم (6) البيُوت، والرّضا بالقوت إلى أن تَمُوت)) (7).

قلت: وَكَذَا صَحَ: ((مَن صَمت نجا)) (8).

__________

(1) في (م): (صابنا).

(2) في (د): (ولا لنا الذي).

(3) البيتان وردا عند أبي حيان التوحيدي (الصداقة والصديق: ص 43) قال: ((بعض السلف: إياك وكثره الإخوان، فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف وأنشد:

جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ولا بينه ود ولا نتعارف

فما سامنا ضيماً ولا شفنا أذى من الناس إلا من نود ونألف)).

(4) أبوعلي الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي المروزي، شيخ الحرم والإمام القدوة، أشتهر بزهده مع ثقته في الحديث، وفاته سنة 181هـ. تذكرة الحفاظ: 1/ 245؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 421.

(5) حلية الأولياء: 8/ 94؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 436.

(6) في (د): (ولزم).

(7) ابن عبد البر، التمهيد: 17/ 443.

(8) الحديث أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمروبن العاص، السنن، كتاب صفة القيامة: 4/ 660، رقم 2501؛ الدارمي، السنن، كتاب الرقائق، باب الصمت: 2/ 387، رقم 2713؛ الإمام أحمد، المسند: 2/ 159، رقم 6481. قال الشيخ الألباني عن الحديث (صحيح). صحيح الجامع: رقم 6367.

لِكن ورَدَ في صَحيح الأخبَار: ((مَن علم بعلمه مَن كتم عِلماً حكمة ألجّمه الله بلجَام مِن نار)) (1)، وَلعَلهُ مقتبس من قولِه تعَالَى: ? وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ? (2) [آل عمران: 187].

__________

(1) كذا ورد الحديث في كلا النسختين، وعباراته غير مستقيمة. والحديث كما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن علم علمه ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)). السنن، كتاب العلم، باب في كتمان العلم: 5/ 29، رقم 2649؛ وأخرجه أيضاً أبوداود، السنن، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم: 3/ 321، رقم 3658؛ ابن ماجة، السنن، كتاب المقدمة، باب من سئل عن علم فكتمه: 1/ 98، رقم 266.

(2) في (د) جاءت الآية ناقصة.

فقد ظهَر قَوم غَلبَ عَليهم الجَهل وَطمهُم (1) وَأعماهم (2) حُب الرئَاسة وأصَمهُم، وَتحرك عرق الحسَد فِيهم وَعِمهُم، قد لكنوا (3) عَن عِلم الشِريعَة مِنَ الكتاب وَالسّنة وَنسوه، وَاكبوا عَلى عِلم الفلاسِفة وَدرسُوهُ، يريد [17/ب] الإنسَان مِنهم أنْ يتقَدمَ، وَيأبى الله إلا أن يزيدهُ تأخِير، ويبتغي أحَدُهم العِزة وَلاَ عَلم عندَه، فلا يجد لَهُ ولياً وَلاَ نَصِيراً، وَمَع ذَلكَ فلاَ ترى هُنالكَ إلا أنوفاً مُسمَّرة، وَقلوباً عَن الخلقِ مُستكبَرة، وَأقوالاً تصدُر عَنهم مُفتراة مزورَة، كَلمَا هَديتهم إلى الحَق كان أصَم وَأعمَى لهم، كأن الله لم يُوكل بِهم حَافظين يَطلبونَ أقوالهم وَأعمالَهم، فالعَالم بينهم مَحزُون يتلاعب به الجَهال وَالصبيَان، وَالعَاقِل عِندَهم مَجنُون دَاخِل في ميدَان النقصَان، وَاللهُ المُستعان وَإليه المشتكى وَعَليه التكلان.

[لا تقبل شهادة مظهر سب السلف:]

__________

(1) في (د): (ولحمهم).

(2) في (د): (وأعمالهم).

(3) كذا في (م)، وفي (د): (اكبوا).وربما هي (ركنوا).

ثم أريد أن أزيد التوضيح وَالبيَان، بإيَراد مَا بلغني مِن الروَاياتِ في هَذَا الشأن، ففي متون المذهب مِن الكتب المُهذب: ((أنه لا يقبل شهادَة مُظهر سَبّ السلف الصّالح، قال الحدادي (1) (شَاِرح القدُوري (2)): لظهُور فسقِهِ، وَالمراد بالسَّلَف الصّحابَة والتابعُونَ)) (3) انتهى.

__________

(1) أبوالفضل محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن مهران الحدادي المروزي الحنفي، كان فقيهاً فاضلاً ولي قضاء بخارى وغيرها، وفاته سنة 388هـ. سير أعلام النبلاء: 16/ 470؛ الجواهر المضيئة: ص 50.

(2) أبوالحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر البغدادي القدوري، شيخ الحنفية في وقته، قال الخطيب وكان صدوقاً حسن العبارة، له مختصر مشهور في فقه الحنفية حمل اسمه، وفاته سنة 427هـ. سير أعلام النبلاء: 17/ 575؛ الجواهر المضيئة: ص 93.

(3) الهداية: 3/ 123؛ البحر الرائق: 7/ 92. وقال الحنابلة أيضاً برد شهادة من سب الصحابة كما في المغني: 10/ 168؛ وهورأي المالكية أيضاً كما في الفواكه الدواني: 2/ 226؛ واختلف الشافعية في ذلك فمنهم من قبلها ومنهم من لم يقبلها كما في الروضة: 11/ 240.

وَهذا تصريح بِعَدَم تكفِيره (1)، كَمَا لاَ يخفَى أفادته في فَصل مَن لاَ تقبل شهادَته لِفسقِهِ، وَتكلمُوا فِي الفِسق الذِي يمنَع الشهادَة، وَاتفقوا عَلى أن الإعلان بكبيرة تَمنَع الشهادة، ثُمَّ قَالَ: وَمَن كَانَ يشتم أولاده وَأهله وَجيرانه، ذكر في بَعضِ الروَايُاتِ أنه لا يقبَل (2) شهادَته، وَقيل: مَن اعتادَ بَطلت عَدَالته، وَإن فعِلَ ذلَكَ أحياناً لم تَبطل، قال: أبوالليث (3): إن لم يكن قذفاً لاَ تبطل عَدَالَته (4).

ثُمَّ قالَ قاضِي خان (5): لاَ تقبَل شهادَة مَن أظهر شتم أصحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَن أبي يُوسُف (6): إن كانَ تبرأ مِنهم لاَ تبطل عَدَالَته، وإن شتمهُم بطلت

__________

(1) هذا على رأي الحنفية كما في حاشية ابن عابدين: 7/ 162؛ واختلف العلماء في تكفير من سب الصحابة على تفصيل كما عند ابن مفلح، المبدع: 10/ 223؛ ابن تيمية، مجموع الفتاوى: 35/ 198؛ الخطيب الشربيني، مغني المحتاج: 4/ 436؛ الدسوقي، حاشية الدسوقي: 2/ 369. وخير من فصل في هذه المسألة الآلوسي الكبير في نهج السلامة (بتحقيقنا): ص 92 وما بعدها.

(2) في (د): (تقبل).

(3) أحمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل السمرقندي الحنفي، كان مقدماً له شرح على الجامع الصغير، وفاته سنة 552هـ. الجواهر المضيئة: ص 86.

(4) البحر الرائق: 7/ 87؛ حاشية ابن عابدين: 7/ 114.

(5) في المصادر التي اطلعت عليها (قاضيخان) فخر الدين حسن بن منصور الفرغاني الحنفي، وفاته سنة 592هـ. كشف الظنون: 2/ 1227؛ هدية العارفين: 1/ 280.

(6) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد الأنصاري الكوفي، قاضي القضاة، قال عنه الذهبي: الإمام المجتهد، العلامة المحدث، وفاته سنة 182هـ. تاريخ بغداد: 14/ 242؛ سير أعلام النبلاء: 8/ 535.

عَدالَته (1)، فَهَذِهِ الروَاية عَن أبي يُوسُف صَريحة في بطلان عَدالَته، دُونَ كفره وَضَلالته (2).

__________

(1) وردت هذه الرواية عن أبي يوسف في الدر المختار: 5/ 488.

(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وقد صرح الشافعي في كتبه بقبول شهادة أهل البدع والصلاة خلفهم، وكذلك قال مالك وأحمد والشافعي في القدري إن جحد علم الله كفر ... وسئل أحمد عن القدري فقال: إن جحد العلم كفر)). ينظر مجموع الفتاوى: 23/ 349. وينظر أيضاً للفائدة: روضة الطالبين: 1/ 355؛ المغني: 10/ 168.

ثم قالَ قاضِي خَان: وَشهادَة أهل الأهَواء جائزة إلا الخَطابية (1)، وَيروى ذلكَ عَن أبي حَنِيفة وأبي يوسف (2)، فَهذِهِ الروَاية عَن الإمَامَين صَريحة [18/أ] في قبول شهادَة الرافضِي، وَهوَ لاَ يُنَاقضُ مَا سَبق مِن أن مَن أظهرَ سَبَّ الصحِابَة لاَ تقبل شهادَته؛ لأنه مُقِيد بِالإظهار والإعلان، وَهُوَ قيدٌ مُعَتبر في هَذا الشأن (3)، فإنهم قالوا لا تقبل شهادَة مُدمن الخمر وَلاَ بد مِن السَّكر (4).

__________

(1) الخطابية من فرق الشيعة وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي، زعموا أن الأئمة أنبياء وأن أبا الخطاب كان نبياً، وأن الأنبياء فرضوا على الناس طاعته. الفصل في الملل والأهواء والنحل: 2/ 33؛ الملل والنحل: 1/ 179، منهاج السنة النبوية: 2/ 502.

(2) البحر الرائق: 7/ 93؛ حاشية ابن عابدين: 7/ 107.وهذا القول مشهور عن الشافعي (روضة الطالبين: 1/ 355). ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: ((ما تعجبي شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة)). المغني: 10/ 168.

(3) ونجد هنا كلاماً نفيساً لابن قدامة يقول فيه: ((الفسوق نوعان: أحدهما من حيث الأفعال، فلا نعلم خلافا في رد شهادته، والثاني من جهة الاعتقاد، وهواعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا، وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبوعبيد وأبوثور وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم رافضي يزعم أن له إماما مفترضة طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرب، وقدري يزعم أن المشيئة إليه)). المغني: 10/ 168.

(4) هذا هوالمشهور من رأي الحنفية كما في البحر الرائق: 7/ 87؛ المسبوط: 16/ 131.

قَالَ قاضِي خَان: وَإنما شرط الإدمان (1) ليظهر ذلَكَ عَندَ النَّاسِ، فإن مَن اتهم بِشربِ الخمر تبطل العدالة (2)، وَقالَ محمد: ((مَا لم يظهر ذلكَ يكُون مستور الحال)) (3).

وَفي (خزانة المفتينَ) (4): وَلا يقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السَلف (5) [بخلاف من يكتمه.

__________

(1) في (م): (الأديان).

(2) في (د): (عدالته).

(3) حاشية ابن عابدين: 7/ 150. قال الشافعية: ((ومن شربها عامدا عالما بحالها حد وردت شهادته سواء شرب قدرا يسكره أم لا)). (روضة الطالبين: 11/ 231) وهورأي الحنابلة أيضاً كما في كشف القناع: 6/ 420. قال ابن عبد البر المالكي: ((ومن جلس مجلساً واحداً مع أهل الخمر في مجلسهم سقطت شهادته وإن لم يشربها)). الكافي: ص 464.

(4) كتاب في فروع الحنفية، تصنيف: حسين بن محمد السمنقاني الحنفي وفاته سنة 746هـ، فرغ من تأليفه سنة 740هـ. كشف الظنون: 1/ 703.

(5) في (د): (السب للسلف).

وفي (الإصلاح والإيضاح) (1): تقبل شهادة أهل الأهواء (2)، وقال الشافعي: لا تقبل لأنه أغلظ وجوه الفسق - ولنا أنه فسق من حيث الاعتقاد - ثم قال: إلا الخطابية وهم قوم من غلاة الروافض، يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم، ويقولون المسلم لا يحلف كاذباً سواء كان صادقاً أوكاذباً، وقيل يجوزون الشهادة لشيعتهم واجبة، ثم قال: أويتول أويأكل فيه أويظهر سب السلف] (3) - يَعني الصّالحينَ مِنهُم - وَهم: الصَحِابة وَالتابعُون وَالعلماء المجتهدون كَأبي حنِيفَة وَأصَحابه، انتهى (4).

وَلاَ يَخفَى أنه جَعلَ سَبَّ الصَحِابة وَالتابعين وَأبي حَنِيفَة وَأصَحابه رضي الله عنهم أجَمعِينَ في حكمٍ وَاحِد، مِن عَدَم قبُول شهادَتهم، وَلوكَانَ سَبَّ الصَحِابة كفراً (5) لمَا أدخل غَيرهم مَعَهُم.

__________

(1) هوكتاب في فروع الحنفية، تصنيف: شمس الدين أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا، وفاته سنة 940هـ، وكان قد شرح متن الوقاية فسماه (إصلاح الوقاية)، ثم شرح شرحه فسماه (الإيضاح). كشف الظنون: 1/ 109.

(2) يعني بهم أصحاب البدع التي لا تكفر صاحبها - على حسب رأي بعض الحنفية - كالجبر والقدر والرفض. ينظر الدر المختار: 6/ 15.

(3) ما بين المعقوفتين سقطت من (م).

(4) البحر الرائق: 7/ 92؛ شرح فتح القدير: 7/ 415.

(5) في (د): (كفر).

وَفي (حَاشيَة) (1) شيخ الإسلام الهَروي (2) عَلى (شرح الوقِايَة) (3): أن الرافضة: الجماعَة الطاغية في الصَحِابة مِن الرفض بِمَعْنَى الترك، وَسمّوا بذلَكَ لِتركهم زيد بن عَلي (4)، حِينَ نَهَاهم عَن الطِعن في الصَحِابة (5)، وَالخَوارج عَلى اختِلاف فرقها يَجَمعها القول بتكفِير عثمَان وَعَلي وَطلحة وَالزبَير وَعَائشة وَمُعَاوية، انتهى.

__________

(1) ذكرها لها صاحب هدية العارفين: 1/ 138. وهذه الحاشية هي كانت على شرح الوقاية لصدر الشريعة. كشف الظنون: 2/ 2022.

(2) وهوالمعروف بالحفيد التفتازاني، وقد تقدم التعريف به.

(3) أصل الكتاب هو: (وقاية الرواية في مسائل الهداية) تصنيف المحبوبي الموصلي (ستأتي ترجمته) متن مشهور من كتب الفقه للحنفية، طبع أول مرة في المطبعة القازانية سنة 1318هـ. معجم المطبوعات: 2/ 1200.

(4) هوزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، إمام الزيدية، كانت إقامته بالكوفة، وفيها خرج على بني أمية، فقتل سنة 122هـ. طبقات ابن سعد: 5/ 325؛ وفيات الأعيان: 5/ 122؛ سير أعلام النبلاء: 4/ 401.

(5) تاريخ الطبري: 4/ 204؛ المنتظم: 7/ 211؛ الكامل في التاريخ: 4/ 452.

وَلاَ يَخفى أنهم مَع هَذا عدوا مِن الطوائف الإسلامِِيَّة، كَمَا هَوفي الكتب الكلامية، وَإذَا كَانَ تكِفير هَؤلاء الأكابر مِنْ الصَحِابة لاَ يكُون كفراً، كيف يكون سَبّ الشيخين كفراً أيضاً؟ وَلوكَان سَبُّ الصَحِابة كفراً لم يذكر في فَصل مَن لا يقبل شهادته؛ لأنه مَوضُوع في حَقِّ طَوائف المُسِلمين (1).

وَقالَ في (الذخيرة) (2): وَشهادَة أهل الأهواء مَقبُولة عندَنا إذا كَانَ هَوى لاَ يكفر به صَاحِبه، وَلاَ يَكون بإخبَار يكُون عَدلاً في تعَاطِيه، وَهوَ الصّحيح، قال: لأنهم إنما وَقعُوا في الهوى بالتأوِيل وَالتعَمق في الدين، ألا ترى أن مِنهم مَن يعظم الذنب حَتى يجعَلهُ كفراً، وَفسقهم مِن حَيث ُالاعتِقاد لاَ يَدَل عَلى كَذبِهم [18/ب] عَمَداً (3)، انتهى.

وَلعله أراد: ((بهوى (4) يكفر صَاحِبه)) نَحوالمجُسمة وَالمشبهة وَالحلُولية وَالاتحادية وَالوجودية، وَقول بَعض غلاة الرفضة مَن أن عَلياً هوالإله الأكبر، وَجعفر الصادق هوَ الإله الأصغَر.

ثُمَّ قال: وَمَا ذكرَ في الأصل - من أن شهادتهم جَائزَة عَندَ أبي حَنِيفة - مَحمُول عَلى هَذا.

__________

(1) قال أبوالثناء الآلوسي: ((إن تكفير الاثني عشرية فيما ذهبوا إليه من التفصيل هومذاق الفقهاء المكتفين في المطالب بالظواهر، وعدم تكفيرهم فيه مذاق المتكلمين الملتزمين بالقواطع في ذلك، وأنا أقول ما ذهبوا إليه مما هومفصل في محله، إن لم يكن كفراً فهومن الكفر أقرب)). نهج السلامة: ص 99.

(2) هوكتاب (الذخيرة البرهانية) في الفقه الحنفي، تصنيف برهان الدين محمد بن أحمد بن الصدر الشهيد البخاري الحنفي (ت 570هـ). معجم المؤلفين: 12/ 146.

(3) ورد النقل عن الذخيرة بالنص عند علاء الدين، تكملة حاشية رد المحتار: 1/ 580.

(4) في (د): (هوى).

وَنقلَ في (النهاية) (1) هَذِه الرواية بلاَ ذكر خِلاف.

وَفي (شرح المجمع) (2) لابن فرشته (3): وَترد شهادَة مَن يظهر سَبَّ السّلفَ؛ لأنه يَكُون ظاهر الفِسق، وَتقبل مِن أهِل الأهَواء: الجبر وَالقدر (4) وَالرفض وَالخَوارج وَالتشبيه وَالتعِطيل، ثُمَّ يَصِير كلّ وَاحِد

مِنهِم اثني عَشر فرقة، فَيبلغ إلى اثنين وَسَبعِين فرقة (5).

__________

(1) هي (النهاية في شرح الهداية) تصنيف بدر الدين العيني الآتية ترجمته. كشف الظنون: 2/ 2035.

(2) أصل الكتاب هو(مجمع البحرين وملتقى النهرين) في فروع الحنفية، تصنيف: مظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب المعروف بابن الساعاتي البغدادي (ت 664هـ). (كشف الظنون: 2/ 1955). ولم يسمه حاجي خليفة الشرح ولكن أشار إليه فقال: شرح المجمع لابن فرشته وهوشرح معتبر متداول. كشف الظنون: 2/ 1601. وكذلك لم يسمه صاحب هدية العارفين: 1/ 617.

(3) محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز ابن ملك الرومي الحنفي، المعروف بابن فرشته، له مؤلفات في الفقه الحنفي، وفاته سنة 801هـ. الضوء اللامع: 4/ 329؛ هدية العارفين 2/ 198.

(4) في (د): (الجبرية والقدرية).

(5) البحر الرائق: 8/ 37. وقال ابن قدامة في حق من أجاز شهادة أهل الأهواء: ((ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام أشبه الاختلاف في الفروع؛ ولأن فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق، ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الأفعال)). ثم قال: ((ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولأن المبتدع محمود فترد شهادته للآية والمعنى)). المغني: 10/ 168.

وَفي (شرح المجمع) (1) للعيني (2): لاَ تقبل شهادَة مَن يظهر سَبّ السلَف بالإجماعِ، لأنه إذا أظهَر ذلَكَ فَقدَ ظهَر فسقه (3)، بِخلافِ مَن يكتمه لأنه فاسِق مسَتور الحال (4).

وَفي (شرح الكِنز) (5) للزيلعي (6) قَوله: أويَبُول أويَأكل عَلى الطريق، وَيظهر سَبَّ السلَف، يَعني الصالحِين مِنهِم وَهُم الصَحابة وَالتابعُون؛ لأن هَذِهِ الأشيَاء تدُل عَلى قصُور عقله (7) وَقلة مُرؤته؛ وَمن لم يمتنع عَن مثلهما لا يمتَنع عَن الكذب عَادة، بِخلاِف مَا [إذا] (8) كَانَ يخفي السبّ، ثم قَالَ: [ولا يقبل من يكثر شتم أبله ولا في شتم الفاسق ثم قال:] (9) وَأهل الأهوَاء إلا الخطابية.

__________

(1) هو(المستجمع في شرح المجمع)، وقد أضاف إلى شرحه أقول الأئمة الثلاثة ولوح إلى الأصح من أقواله. كشف الظنون: 2/ 1600.

(2) بدر الدين محمود بن محمد العيني القاضي المصري، من فقهاء الحنفية، محدثاً أديباً مؤرخاً، له شرح على صحيح البخاري، وفاته سنة 855هـ. الضوء اللامع: 10/ 131؛ شذرات الذهب: 7/ 286.

(3) في (د): (بفسقه).

(4) علاء الدين، تكملة حاشية ابن عابدين: 1/ 851.

(5) أصل الكتاب هو(كنز الدقائق) في فروع الحنفية لأبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي، وفاته سنة 710هـ (كشف الظنون: 2/ 1515)، للزيلعي شرح عليه سماه (تبيين الحقائق لما في الكنز من الدقائق). كشف الظنون: 2/ 1515.

(6) فخر الدين أبومحمد عثمان بن علي الزيلعي (وهوغير عبد الله الزيلعي صاحب نصب الراية)، فقيه حنفي أصله من الصومال سكن القاهرة وفيها وفاته سنة 743هـ. الدرر الكامنة: 2/ 446؛ الجواهر المضيئة: ص 115.

(7) في (م): (مقلد).

(8) غير موجودة في النسختين.

(9) زيادة من (د).

وَقال الشافِعي: لاَ تقبل شهادَة أهل الأهوَاء؛ لأنهم فَسقَة (1)، إذ (2) الفسق [من حيث الاعتقاد

أغلظ في الفسق] (3) مِن حَيثُ التعَاطي وَلاَ شهادَة للفاسِق، ولنا أن الفاسِق إنما تردّ شهادَته لتِهمة الكذب وَالفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد، وَلاَ يَدُل عَلى ذلَك بَل مَا أوقعَهُ فيه إلا تدينه، ألا ترى أن فيهم من يكفر بالذنب (4)، وَمنهم مَن يَجعَل منَزلَته بين (5) الإيمَان وَالكفر (6)، فَيكون هوَ أقوى اجتنِاباً عَن الكذِب حَذراً عَن الخروج مِن الدين؛ وَلأنه مُسلم عَدل لا يتعَاطى الكذب فوجَبَ قبُول شهادَته، قياساً عَلى غَير صَاحِب الهَوى وَهَواه عَن تأوِيل وَتدَين، فَلاَ تبطل عدالته به، كَمَن يبيح [19/أ] المثلث (7) أومَتروك التسِميَة (8).

واستدَل محمد (رَحمهُ الله) عَلى قبول شهادته، فقَالَ: أرَأيت أن أصَحاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعدوا مُعَاوية عَلى مخالفَة عَلي، وَلوشهُدوا بَيْنَ يَدي عَلي أكانَ يردّ شهادَتهم؟ وَمخالفَة عَلي بَعدَ عثمَان بدعَة وهَوى، فكيفَ الخُروج عَليه بالسّيف؟ وَلكن لما كَانَ عَن (9) تأويلٍ وَتدينٍ، لم يمنَعْ قبول شهادَتِهِ أن يكونَ هوى لا يكفر بِهِ صَاحِبه.

__________

(1) النووي، روضة الطالبين: 11/ 239.

(2) في (م): (أو).

(3) زيادة من (د).

(4) هذا القول مشهور عن الخوارج.

(5) هذا القول مشهور عن المعتزلة.

(6) في (م): (بدين).

(7) المثلث: هوالشراب المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقاً وصار مسكراً. بدائع الصنائع: 5/ 122.

(8) متروك التسمية: مصطلح يطلق على الذبيحة التي تعمد من ذبحها ترك التسمية عليها. الرازي، تحفة الملوك: ص 216.

(9) في (د): (عند).

وأَّما مَا ذَكره القهُستاني (1) مِن أنه لا يقال: إن أهل الأهواء فاسقون بهَذِهِ الاعِتقادَاتِ، فكَيفَ تقبل شهادَتهم مُطلقاً؟ لأنا نقول لاَ نسَلم أنهم فاسَقونَ، فإن الفِسق لاَ يُطلق عَلى فِعل القلب - كَمَا في الكرمَاني - فخَطأ فَاحِش مِن قائلِهِ وَناقِله، بَلاَ تقدم مِن أن الفِسق مِن حَيثُ الاعتِقاد اغلظَ إلى الفِسق من حَيثُ التعَاطِي، وَلأن بَغض الصَحِابة فسقٌ بالإجماعِ وَمحله القلب؛ وَلأن مَن في قلبه من الأخلاقِ الذمِيمة كالكِبر وَالحَسَد وَحبّ الدنيَا مِن الفسقة، كَمَا في (الإحَياء) وَغَيره مِن كتب الأخلاَقِ (2).

ويدل عليه قوله تعالى: ? وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ? [البقرة: 283] وَقوله: ? وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ? [البقرة: 282] ولأن الفِسق لغَةً وَشرعاً هُوَ الخرُوج عَن الطاعَة، وَعُرفاً مُختَص بالكبَائر دونَ (3) الكُفر وَالصِغائر، وَالله اعَلم بالسَرائر.

__________

(1) شمس الدين محمد بن حسام الدين الخراساني القهستاني الحنفي، كان مفتياً ببخارى، له مؤلفات في الفقه، وفاته في حدود سنة 953هـ. شذرات الذهب: 8/ 300؛ هدية العارفين: 2/ 244.

(2) في (د): (الإطلاق).

(3) في (د): (يريدون).

وَمِنْ هنا قالَ بَعض الأكابر: مَنْ لم يتغَلغل في علوم الصوفية ماتَ (1) مُصِراً عَلى الكبَائر وَلا يعلم، وَالله الهَادي إلى سَواء السّبيل (2).

في (شرح البرجندي) (3): وَتقبل الشهادَة (4) مِن أهل الأهَواء، وَهوَ مِن زاغَ عَن طَرِيقة أهل السّنة وَالجماعة، وَكانَ مِن أهل القبلة، كذا في (المغرب) (5).

__________

(1) في (م): (بات).

(2) هذا الكلام مردود على المؤلف (رحمه الله)، فكان الأولى به أن يستشهد بما ورد في السنة في هذا الباب من أحاديث وما ورد عن السلف من آثار وأخبار، مثل قول معاذ بن جبل قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال: ((لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمداً، فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمراً، فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله عز وجل، وإياك والفرار من الزحف، وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله)). مسند الإمام أحمد: 5/ 238.

(3) هوعبد العلي بن محمد بن حسين البرجندي (مدينة بتركستان)، من فقهاء الحنفية، له شرح على الوقاية سماه (شرح النقاية مختصر الوقاية)، وفاته في حدود سنة 935هـ. هدية العارفين: 1/ 586؛ معجم المؤلفين: 5/ 266.

(4) في (د): (شهادة).

(5) هوكتاب في لغة الفقه، تصنيف: أبوالفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي الحنفي، وفاته سنة 610هـ. كشف الظنون: 2/ 1747.

قال: وَكبَار فرقهم سبعٌ عَلى مَا في (المَواقِف) (1)، وَالمعتزلَة وَهم عَشُرونَ صِنفاً، وَالشيعة وَهم اثنان وَعشرون صنفاً، وَالخوارج وَهم عشرون صِنفاً، وَالمرجئة وَهم خمسَة أصنَاف، وَالنجارية (2) ثلاثة أصنَاف، وَالجَبرية وَالمشبهة وَهم صِنفان، فَفرق أهل [19/ب] الأهَواء اثنان وَسبعُونَ (3)، وَشهادَة الكل تقبَل؛ لأن وقوعه في الاعتِقَاد البَاطِل إنَما هُوَ الديَانَة والكذب حَرام عِندَ الجِمَيع.

قَالَ: وَمِن مشائخنا مَن فرّق بَيْنَ الهوى الذي هوكفر [وَبَيْنَ الهَوى الذي ليس بكفر، فمِن الذي هُوكفر] (4) اعِتقاد بعض الروَافض كان الأئمة آلهة، وَأحكامهم أحكام المرتدين (5).

ثُمَّ قَالَ وَقد سَألِني (6) مِن أهل الأهَواء مَن يظهر سَبّ السلف، وَإنما لم يذكره هنا لأنهُ سَيذكر فيما بَعد، أولأن رَد شهادَتهم احتمل أن يكُونَ لأِجل السَبِّ، ولوسَبَّ وَاحِداً مِن النَّاس لاَ يجُوز شهادَته، فهَنا أولى (7) إليه، أشار في (الذخيرة) (8).

__________

(1) يعني فرق الخوارج كما في المواقف: ص 692.

(2) أصحاب محمد بن الحسين النجار، وافقوا المعتزلة في نفي الصفات الوجودية وحدوث الكلام ونفي الرؤية، ولذلك عدها البعض من فرق المعتزلة. الفرق بين الفرق: ص 19؛ المواقف: ص 710.

(3) هذا على تقسيم الأيجي، وهناك من قسم أصول الفرق غير هذا التقسيم. ينظر كتابنا ابن حزم الأندلسي ومنهجه في دراسة العقائد والفرق الإسلامية: ص 185.

(4) زيادة من (د).

(5) علاء الدين، تكملة حاشية رد المحتار: 1/ 580.

(6) في (د): (سبني).

(7) في (د): (أولا).

(8) الهداية: 3/ 123؛ البحر الرائق: 7/ 92. وينظر أيضاً المغني: 10/ 168؛ مغني المحتاج: 4/ 436.

ثُمَّ قَالَ: وَمَن أنكر إمَامَة أبي بكر [الصديق] (1)؟ فَقالَ بَعضهم: إنه مُبتدع وَليسَ بِكافرٍ، وَالصحيح أنه كافرٌ، وَكذَا مَن أنكرَ خِلافة عُمر عَلى أصَح الأقوال، كذا في (الظهيرية) (2).

ثُمَّ قَالَ: وَلاَ تقبَل شهادَة مَن يظهر سَبّ السَلف لِظهُور فسقِه، بخلاف مَن يَكتمه، قال: وَذكر في (الخلاَصَة): إذا كَانَ يسبّ الشيخين وَيلعَنهما فَهوَ كافرٌ، انتَهى (3).

وَأنتَ تَرى أن هَذا مخالفٌ لمَا سَبقَ عَن (4) الجمهُور (5)، كَمَا لاَ يَخفَى على ذوِي النّهى، وَفيه تعليل مَنقول لتخصّص (6) الشيخين وَجه مَعقول (7)، ثُمَّ اعلَم أنه لاَ بد لِلمفتي المقلد أن يعلم حَال مَن يفتي بِقولهِ، وَمَعرفة مَرتبته في الروَاية وَدرجَته في الدرَاية؛ ليكُونَ عَلى بَصِيرةٍ (8) وَافيَة (9) في التمّييز بَيْنَ القائلِين المتخالفِينَ، وَقدرة كَافيَة في الترجيح بيَنَ القولَين المتعَارضَين.

في قول كمال باشا زادة إن الفقهاء سبع طباق:

__________

(1) زيادة من (د).

(2) البحر الرائق: 1/ 370؛ حاشية ابن عابدين: 1/ 561.

(3) لسان الحكام: ص 414؛ حاشية ابن عابدين: 4/ 237.

(4) في (د): (على).

(5) يعني هنا جمهور الحنفية، ولكنه بواقع الحال موافق لما عليه جمهور العلماء من رد شهادة من يظهر سب السلف كما تقدم نقله عن ابن قدامه وغيره. قال السبكي: ((في تكفير من سب الشيخين وجهان لأصحابنا، فإن لم نكفره فهومحمود لا تقبل شهادته، ومن سب بقة الصحابة فهومحمود مردود الشهادة، ولا يغلط فيقال شهادته مقبولة)). مغني المحتاج: 4/ 436.

(6) في (د): (لتخصيص).

(7) في (د): (منقول).

(8) في (د): (البصيرة).

(9) في (م): (واقية).

فقد قال كمال بَاشا زَادة (1): إن الفقهاء سَبع طبَاق (2):

طبقة المجتهدين في الشرع:

الأولى: طبَقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربَعة وَمَن سَلكَ مَسلكهم في تأسِيسِ قواعِدِ الأصُول، وَاستنبَاط أحكام الفُروع عَن الأدلة الأربَعة الكتِابِ وَالسّنة وَالإجماع وَالقَيِاس، عَلى حَسب تلكَ القَواعِد مِن غَير تقِليد لأحَد لاَ في الفرُوع وَلا في الأصُول.

المجتهدين في المذاهب:

وَالثانية: طَبقة المجتَهدينَ في المذهَب (3)، كأبي يُوسُف وَمحمد وَسَائر أصَحِاب أبي حَنِيفة، القادِرين عَلى استخراج الأحكام مِن الأدِلة المَذكورَة عَلى القَواعِد [20/أ] التي قررَهَا أستَاذهم أبَوحَنِيفة، وَإن خَالفُوه في بَعضِ الفروع، لِكن يقلدُونه في قَواعِد الأصُول، وَبه يَمتَازونَ عَن المعَارضِينَ في المذهَب كَالشافِعي وَنظرائه المخالفينَ، كأبي حَنِيفة في الأحكام غَير مُقلدينَ لَهُ في الأصُول.

المجتهدين في المسائل:

__________

(1) أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي القاضي، له مؤلفات في فنون مختلفة، وفاته سنة 940هـ. الشقائق النعمانية: ص 226؛ شذرات الذهب: 8/ 238.

(2) النص ورد في ترجمة أبي حنيفة للمؤلف، وهي رسالة ملحقة بكتاب الجواهر المضيئة: ص 558.

(3) في (د): (المذاهب).

والثالثة: طبقة المجتَهدينَ في المَسَائل التي لاَ روَايِة فيها عَن صَاحِب المذهب، كالخَصاف (1) وَأبي جَعفر الطحاوِي (2) وَأبي الحَسَن الكرخي (3) وَشمس الأئمة الحلوَاني (4) وَشمس الأئمة السرخسِي (5) وَفخر الإسلام البزدوي (6) وَفخر الدين قاضِي خَان وَأمثالهم، فَإنهم لاَ يقدرون عَلى المخالفة لِشيخٍ (7) في الأصُول وَلاَ في الفُروع، لِكنهم يستنبطُون الأحكام في المَسَائل التي لا نَص عَنهُ (8) فيهَا عَلى حَسَب أصول قَررَها وَمُقتضى قَواعِد بَسطها وَحرَرها.

أصحاب التخريج من المقلدين:

__________

(1) أبوبكر أحمد بن عمروبن مهير الشيباني الحنفي، الفقيه المحدث العلامة، وفاته سنة 261هـ. سير أعلام النبلاء: 13/ 123؛ الجواهر المضيئة: ص 87.

(2) أبوجعفر أحمد بن محمد بن سلمة الطحاوي الحنفي المصري، الحافظ الكبير ومحدث الديار المصرية وفقيهها، وفاته سنة 321هـ. سير أعلام النبلاء: 15/ 27؛ الجواهر المضيئة: ص 102.

(3) أبوالحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي، من مشاهير فقهاء الحنفية، وإليه انتهت رئاسة العلم، وفاته سنة 340هـ. طبقات الفقهاء: ص 148؛ الجواهر المضيئة: ص 337.

(4) أبومحمد عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلواني الحنفي، الملقب بشمس الأئمة، له أكثر من كتاب في فقه الحنفية، وفاته سنة 448هـ. سير أعلام النبلاء: 18/ 177؛ الأنساب: 4/ 194.

(5) أبوبكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي، شمس الأئمة القاضي، أشتهر بكتابه المبسوط في فقه الحنفية، وفاته سنة 483هـ. الجواهر المضيئة: ص 28؛ كشف الظنون: 1/ 164.

(6) أبوالحسن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي الحنفي، فخر الإسلام، شيخ الحنفية، عالم ما وراء النهر، وفاته سنة 482هـ. سير أعلام النبلاء: 18/ 602؛ الجواهر المضيئة: ص 118.

(7) في (د): (للشيخ).

(8) في (د): (عليه).

الرابعة: طبَقة أصحاب التخريج مِن المقلدِين، كالفَخرِ الرازِي (1) وَأضرَابه، فإنهم عَلى تفضِيل قَول مجمل (2) ذِي وَجهَين، وَحكم مُبهم محتمل لأمرين، مَنقول عَن صَاحِب المذهَبِ أوعَن أحَدٍ مِن أصحَاب المجتهدِينَ، بِرَأيهم وَنَظرهم في الأصُول وَالمقايسَة عَلى أمثالِه وَنظرائه مِن الفرُوع، وَمَا وَقعَ في بَعضِ الموَاضِع مِن (الهدَاية) في قولِهِ كَذا في تخريج الكرخي وَتخريج الرازي مِن هَذا القَبيل.

أصحاب الترجيح من المقلدين:

الخامسة: طبَقة أصحَاب الترجيح مِن المقلدِين، كأبي الحَسَن القدَوري وَصاحِب (الهدَاية) (3) وَأمثَالها، وَشأنهم تَفضيل بَعض الروَايَاتِ عَلى بَعضِ أخر بقَولهم: هَذا أولَى وَهذا أصَح روَاية، وَهذا أرفق لِلنَّاسِ.

طبقة أصحاب التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف:

__________

(1) أبوعبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسين التيمي البكري، المعروف بالفخر الرازي، عالم بالتفسير والفقه والأصول، وهومشهور بميله للاعتزال، وفاته سنة 606هـ. سير أعلام النبلاء: 21/ 500؛ لسان الميزان: 4/ 504.

(2) في (د): (محمد).

(3) هومحمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر البخاري، برهان الدين المرغيناني، من أكابر فقهاء الحنفية، له مؤلفات عديدة أشهرها الهداية، وفاته سنة 616هـ. سير أعلام النبلاء: 21/ 242؛ هدية العارفين: 2/ 404.

السادسة: طبَقة المقلدِين القادِرين عَلى التمييز بَيْنَ الأقوى وَالقَوي وَالضعِيف وَظاِهر المذهَب وَظِاهر الروَاية، [والروَاية] (1) النادرَة كأصَحاب المتُون المُعَبرة عَن المتأخِرينَ (2)، مثل صَاحب (الكنز) (3) وَصَاحِب (المختار) (4) وَصَاحِب (الوقاية) (5) وَصَاحِب (المجمع) (6)، وَشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم إلا الأقوال المردُودَة وَالروَايَات الضعِيفة.

المقلدون الذين لا يقدرون على ما ذكر:

السابعة: طبَقة المقلدِين [20/ب] الذينَ لاَ يقدرونَ عَلى مَا ذكر، وَلا يفرقُون بَيْنَ الغَثِّ وَالسِمينَ وَلا يمَيزونَ الشمال عَن اليَمِين، بَل يخفونَ مَا يجدُونَ كَحاطبِ الليل لهُمْ، فالوَيل لهم وَلمَن قلدَهم [كل الويل] (7)، انتهى.

__________

(1) زيادة من (د).

(2) في (د): (من التأخير).

(3) هوالزيلعي (وقد تقدمت ترجمته).

(4) المختار) في فروع الحنفية لأبي الفضل مجد الدين عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، ولي قضاء الكوفة، واستقر في بغداد وفيها وفاته سنة 683هـ. الفوائد البهية: ص 106؛ كشف الظنون: 2/ 1622.

(5) هوبرهان الدين محمود بن عبيد الله المحبوبي الحنفي، ويعرف بصدر الشريعة وفاته سنة 747هـ. الفوائد البهية: ص 109؛ كشف الظنون: 2/ 2020.

(6) هوابن الساعاتي تقدمت ترجمته صاحب كتاب (مجمع البحرين وملتقى النهرين).

(7) زيادة من (د).

وَفي أصُول البزدَوِي (1): أجمعَ العُلماء وَالفقهَاء أن المفتي يَجبُ أن يَكونَ مِن أهِل الاجتهادِ، [فإن لم يكن مِن أهِل الاجتهادِ] (2) لا يَحل لَهُ أن يفتي إلاَّ بِطريق الحكايَة، فَيحكي مَا يحفظ مِن أقوالِ الفقهاء، وَلاَ يَحل لَهُ أن يفتي (3) فيما لا يحفظ فِيه قَولاً مِن أقوال المتقدمِينَ (4).

وفي (الظهيرية): روي عَن أبي حَنِيفة أنه قال: ((لاَ يحل لأحَد أن يفتي بقولنَا مَا لم يعلم مِن أينَ قلنَا)) (5)، انتهَى.

العالم [هو] العالم بأقوال الفقهاء:

فإذا كَانَ لاَ يَجُوز [تَقلِيد الإمَام مِن غَير دليلٍ في الأحَكامِ، فَكَيف يَجُوز] (6) تَقلِيد المقلدينَ الذينَ مَا وَصَلُوا إلى مَقام المجتَهدين؟ نَعَم يَجُوز لِلعَامي أن يقلد العَالم - وَلومُقلد الضرورَة - أمر الدين، وَالمرادُ بِالعَالم هُوَ العَالم بِأقوالِ الفقهاء، لا النَحوي والصّرفي (7) وَالمنطِقي وَغيرهم مِمن يَزعمُ أنه مِن الفُضَلاء، ثُمَّ العَامي إذا استثنى في الحَادِثة، وَوقعَ في الاختِلاَف فيما بَيْنَ الفقهاء، يَأخذ بِقول مَن هوَ أفقه وَأورَع مِن العُلمَاءِ (8) عَلى مَا في (المحيط) (9).

__________

(1) أصول البزدوي): طبع في الاستانة سنة 1307هـ بهامش كشف الأسرار. معجم المطبوعات العربية: 1/ 538.

(2) سقطت من (د).

(3) في كلا النسختين جاءت العبارة: (ولا يحل له لأحد أن يفتي فيما ... ). وهي لا تستقيم بهذا المعنى.

(4) لسان الحكام: ص 218.

(5) المصدر نفسه: ص 218.

(6) سقطت من (د).

(7) في (د): (والصوفي).

(8) ينظر تفاصيل هذه المسألة عند الغزالي، المستصفى: 1/ 351؛ إعلام الموقعين: 1/ 46.

(9) المحيط البرهاني في الفقه) لمحمود البخاري (صاحب الذخيرة). معجم المؤلفين: 12/ 146. وقد حقق الكتاب على يد مجموعة من طلبة الدراسات العليا في كلية العلوم الإسلامية ببغداد.

وَفي (شرح المجمع المختار) (1): أن الفاسِق لاَ يَصلح أن يَكُونَ مُفتياً - يَعني وَلوكَانَ عَالماً - لأنه رُبما يكذب في مَقالهِ، وَرُبما يُرَاعي صَاحِبه في حَالهِ، وَرُبما ينقل روَاية في مَقامِ انتِقالِهِ، وَمِن المعلُومِ أن الفاسِق لا تصِح لَهُ الروَاية، فكذا مقامهُ في باب الدّرَاية، وَاللهُ وَلي الهدَاية في البدَاية وَالنهايَة؛ وَلأن مَبنَى الفَتوى عَلى الأمَانة والاحترَاز عَن (2) الخيَانة، فإن بهمَا (3) يتم أمر الدّيانة، وَقيلَ يصلح للنَّاسِ أن يكُون مُفتِياً لا يَحتَاط فِيه للِسمعة وَالرّياء كيَلا ينسب إلى الخطأ (4).

[ثُمَّ الاجتهاد لغة هُوبَذل المجهود لِنيلِ المقصُود] (5)، وَأمَّا أهليته: فأهل الاجتهاد مَن يكون عَالماً بِالكِتابِ وَالسّنة وَالآثار وَوجُوه الفِقه، كذَا في (المحيط) (6) [21/أ].

وَفي (الظِهيرية): أن شرط صَيرورَة المَرء مُجتَهداً، إن لم يعلم مِن الكتاب والسّنة مقَدار مَا يتعَلق بِهِ الأحكام دُونَ مَا يتعلق بِهِ المَواعِظ وَالقصَص (7).

وَفي (الهداية): وَحاصله أن يَكُونَ صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ ليعرف مَعاني الآثار، أوصَاحِب فِقه لَهُ مَعرفة بِالحَدِيث كيلاَ يشتَغل بالقِيَاس في النصُوص عَليَه (8)، انتهى.

__________

(1) هولابن فرشته، وقد تقدم التعريف به.

(2) في (م): (والإصرار على).

(3) في (د): (بها).

(4) حاشية ابن عابدين: 5/ 359؛ وينظر للفائدة: الجويني، البرهان: 1/ 441.

(5) سقطت من (د).

(6) ينظر: السبكي، الإبهاج: 3/ 246؛ المناوي، التعاريف: ص 35.

(7) ينظر شروط الاجتهاد عند ابن بدران، المدخل: ص 367؛ السمعاني، قواطع الأدلة: 2/ 302.

(8) الهداية: 3/ 101.

وَمعنَى قَوله: ((صَاحب حدِيث لَهُ مَعرفة بالفِقهِ)) أي مَنسوب إلى الحَدِيث لِزيادَة عِلمه وَدرسه فيه، وَلكن لَهُ فقه أيضاً وَليسَ هُوبِقدر علمه في الحَدِيث، أو((صَاحِب فقه له مَعرفة بِهِ)) أي مَنسُوب إلى

الفِقهِ، وَلكن لَهُ عِلم بالحَدِيثِ أيَضاً وَليسَ هُوبِقدر عِلمه بالفِقه (1)، كذاَ ذَكرَه ابن الضياء (2).

ومجُمله أنه لاَ يكُون فقيهاً مُجرداً يحفظ الروَاية، وَلاَ مُحدثاً خَالياً عَن الفِقه وَالدرَاية، بَل يَكُون جَامِعاً بينَهما في بابِ الهدَايَة، قيل: وَأن يكُون صَاحِب قريحة يعرف بها عَادَات النَّاس؛ لأن من الأحكام مَا يبتني عَليهَا في مقام القِيَاسِ (3).

__________

(1) السرخسي، المبسوط: 16/ 109؛ شرح فتح القدير: 7/ 259.

(2) أبوالبقاء محمد بن أحمد بن الضياء محمد القرشي المكي الحنفي القاضي، له شرح على مجمع البحرين، ولادته ووفاته بمكة سنة 854. الضوء اللامع: 7/ 84؛ البدر الطالع: 2/ 120.

(3) الهداية: 3/ 101؛ البحر الرائق: 6/ 288.

وَفي (شرحِ (1) الأتقاني (2)): وَإذا بَلغ الرجُل أن يكُون عَالماً بالمنصُوص (3) مِن الكتابِ وَالسنة، مِما يتعَلق بِهِ الأحكَام الشرعية يَصِير مجتهداً، وَيَجبُ عَليه العَمل بِاجتهادِهِ، وَيحرم (4) عَلَيه تقليد غَيره (5)، كَذا في (المِيزان) (6).

وفي (أصول (7) البزدوي): الصحيح أن أهل الاجتهاد في مَسائل الفِقه، [مَن يكون عالماً بدلائل الفقه] (8) وهي الكِتابِ وَالسنَة وَالإجِماع وَالقِياس (9).

وَفي (فصول (10)) الاسروشني (11) قَالَ بَعضهُم: إذا كَانَ صَوابه أكثر من خطئه [حلَّ] (12) لَهُ الاجتهاد (13).

__________

(1) هوشرح على الهداية اسمه: (غاية البيان ونادرة الاقران في آخر الزمان). كشف الظنون: 2/ 2023؛ معجم المؤلفين: 3/ 4.

(2) هوأمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الفارابي الحنفي، قوام الدين كانت له معرفة بالفقه والحديث واللغة، وفاته سنة 758هـ. الدرر الكامنة: 1/ 414؛ شذرات الذهب: 6/ 185.

(3) في (د): (النصوص).

(4) في (د): (فيحرم).

(5) ينظر للفائدة: السبكي، الإبهاج: 3/ 270؛ الغزالي، المنخول: ص 455.

(6) في فروع الحنفية، ذكره صاحب كشف الظنون ولم يشر إلى مؤلفه: 2/ 1918.

(7) أصول) سقطت من (د).

(8) زيادة من (د).

(9) ينظر: الرازي، المحصول: 4/ 282.

(10) في (د): (أصول). فصول الاسروشني في فروع الحنفية في المعاملات فقط. كشف الظنون:2/ 1266.

(11) هوأبوالفتح مجد الدين محمد بن محمود بن حسين الحنفي، نسبته إلى (أسروشنة) شرقي سمرقند وفاته سنة 632هـ. كشف الظنون: 2/ 1266.

(12) زيادة من (د).

(13) ينظر لسمعاني، قواطع الأدلة: 2/ 311.

وَفي (النهايَة): وَأمَّا حُكم الاجِتهاد فالإصَابة بِغَالِبِ الرأي، حَتى قلنَا إن المجتهَد يخطئ ويُصِيب ? اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ? [الشورى: 13] (1).

وَقدَ ورَدَ: ((أن المجتَهد إذَا أصَابَ فلَهُ أجرَانِ، وَإن أخطأ فلَهُ أجر وَاحِد)) (2).

ينبغي للقاضي أن يعرف الناسخ والمنسوخ:

وَفي (المحيط): ينبَغي للِقَاضِي أن يقضي بمَا في كِتَابِ اللهِ تعَالَى، وَينبَغي [21/ب] أن يَعرف مَا في كتاب اللهِ مِن الناسِخ وَالمنسُوخ، وَأن يَعرف المتشابه، وَمَا فيه اختِلاَف العُلماء لُيَرجح قول البَعضِ عَلى البَعضِ بِاجتهادِهِ، فإن لم يَجد في كِتابِ اللهِ، يقضِي بما جَاءَ عَن رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وَينَبغي أن يعَرف النَاسخ وَالمنَسوخ مِن الأخبار، فإن اختلف الأخبَار يَأخذ بَما هوالاشبَه، وَيميل اجتهَاده إلَيه، وَيَجبُ أن يعلم [المُتَواتِر وَالمشهُور، وَمَا كَانَ مِن أخبَار الآحَاد، وَيَجبُ أن يَعلم] (3) مَراتب الروَاة، فإن مِنهمْ مَن عرفَ بالفِقهِ وَالعدالة كَالخلفاء الراشدينَ وَالعَبادِلة وَغيرهم، وَمنهم مَن يَعرف بَذلكَ، وَمنهُم مَن لم يَعرف بِطُول الصَّحبة.

__________

(1) وقد جاءت الآية الكريمة في (د) محرفة.

(2) لم أجد حديثاً بهذا اللفظ، ولكن الحديث الذي أخرجه البخاري عمروبن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)). الصحيح، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم: 6/ 2676، رقم 6919.

(3) سقطت من (د).

وَإن كَانتَ حَادِثة لم يرد فيهَا شيء عَن رَسُول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يَقضِي فيها بما اجتمعَ علَيه الصحَابة، فإن كَانتَ الصحَابة فيها مختلفِينَ، يَجتَهد (1) في ذلك وَيُرجح قَوِل بَعض عَلى البَعْضٍ إذا كان مِن أهل الاجتهاد، وَليسَ لَهُ أن يخالفهُم جَميعاً باختراع قَولٍ ثالث؛ لأنهم مَع اختِلافهم اتفقوا عَلى أن مَا عَدا القولينَ بَاطِل، وَكانَ الخَصّاف يَقول ذلَك، وَالصحيح مَا ذكرنَا، وَلاَ يفضل (2) قول الجماعَة عَلى قَولِ الوَاحِد.

قَالَ الفِقيه أبُوجَعفَر: وَهذا عَلى أصلِ أبي حَنِيفة، أمَّا عَلى أصل محمد فيفضل (3) قَول الجماعَةِ عَلى قول الوَاحِد، ثم إجماع الصحَابةِ [ينعقد بطريقين: أحدهما اتفاق كل الصحابة] (4) عَلى حكم بأقوالهم، وَهذا متفقٌ عَليه، وَالثاني تنصِيص البَعِض وَسُكُوت البَاقين بأن اشتهر قول بَعض فقهائهمْ، وَبلغَ البَاقِينَ ذَلكَ فسَكتُوا وَلم ينكرُوا ذلكَ وَهذَا مَذهبنا، وَلكن هَذَا الإجمَاع في مَرتبة دُونَ الأول؛ لأن الأول مجمعٌ عَليه وَالثاني مُختلفٌ فيه، يَعني فالأول إجَماعٌ قَطعِي وَالثاني ظني، وَإن (5) وجدَ مِن كلِّ الصحَابةِ اتفاقٌ عَلى حَكم الأوَحد، فإن خالَفهم فَعَلى قَولِ الكرخي لاَ يثبت حكم الإجماع، وَهوقَول الشافعي (6).

__________

(1) في (م): (تجتهد).

(2) في (د): (يفصل).

(3) في (د): (فيفصل).

(4) زيادة من (د).

(5) في (د): (فإن).

(6) ينظر أقوال العلماء في هذه المسألة عند الغزالي، المستصفى: 1/ 152؛ السمعاني: قواطع الأدلة: 2/ 4.

وَالصحِيحُ عَندَنا أنهم إن (1) سوغوا لَهُ الاجتهاد، لاَ (2) ينعَقد الإجمَاعُ مَع مَخالفته، نحوخَلافِ ابن عَباس في زوجَينَ [22/أ] وَأبوَين، قال: ((للأم ثلث جميع (3) المال)) (4)، وَإن لم يسوغُوا لَهُ الاجتهاد، بَل أنكَرُوا عَليه الإجمَاع بَدونَ قوله، نَحوخِلاَف ابن عَباس في ربَا النقد، فإن الصحَابَة لمَّا أنكروا عَليه ثبت الإجماع بَدونِ قَوله، حَتى لَوْ قَضَى قَاضٍ بَجواز بيَع الدرَاهم بالدرهمَين ينفذ قضاؤه، فإن جَاءَ حَديث وَاحد مِن الصحَابة، وَلم ينقل عَن (5) غَيرهِ خِلاَف ذلكَ (6).

فعن أبي حَنِيفة روَايَات، فِفي روَاية قَالَ: [أقلد مِنهم مِن كَانوا مِن القضَاة وَالمفتيّن (7).

__________

(1) أنهم إن) سقطت من (د).

(2) في (م): (ولا).

(3) في (د): (جمع).

(4) قال السرخسي: ((ويختلفون أيضا في زوج وأبوين، فعلى قول عمر وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي والباقي للأب وهوقول جمهور الفقهاء، وعلى قول ابن عباس: للأم ثلث جميع المال والباقي للأب)). المبسوط: 29/ 146. وينظر للفائدة: المحلى: 9/ 260.

(5) عن) سقطت من (د).

(6) ينظر تفاصيل هذه المسألة عند الآمدي، الإحكام: 1/ 295.

(7) أبوشامة المقدسي، مختصر المؤمل: ص 63.

وَفي روَاية قالَ] (1): ((أقلدَ جمَيع الصحَابة إلا ثلاثة مِنهم: أنسَ بن مَالك وَأبَا هريرَة وَسمرة بن جندب، أمَّا أنسَ فإنه بلغِني أنه اختلط عَقله في آخِر عمْرهِ (2)، وَكانَ يستفتي عَلقَمة (3)، وَأنا لاَ أقلد عَلقمة، فَكيف أقلد مَن يستفتي عَلقمة؟ (4) وَأمَّا أبَا هريرة فإنه (5) لم يكنْ مِن أهل الفَتِوى، بَل كَانَ مِن الرواة فيمَا يروى، لاَ يتأمل في المعنَى، وَكانَ لاَ يعرف الناسِخ والمنسُوخ (6)، وَلأجلِ ذَلكَ حَجَرَ عَليه عُمر عَلى الفَتوى في آخِرِ عُمرِهِ (7)

__________

(1) سقطت من (د).

(2) لم أجد هذه الرواية بسند أوبدون سند في كتب الجرح والتعديل، بل ثبت عكس هذا من دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - له كما روى الإمام أحمد وغيره أن أم سليم التمست له الدعاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أنس: ((فما ترك يومئذ خيراً من خير الدنيا ولا الآخرة إلا دعا لي به، ثم قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه، قال أنس: فأخبرتني ابنتي إني قد دفنت من صلبي بضعا وتسعين، وما أصبح في الأنصار رجل أكثر مني مالا)).المسند: 3/ 248؛ الطبراني، المعجم الكبير: 1/ 248؛ أبونعيم حلية الأولياء: 8/ 267. وينظر أيضاً الإصابة: 1/ 127.

(3) هوعلقمة بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي، قال عنه الذهبي: فقيه الكوفة وعالمها الحافظ المجتهد الإمام أبوشبل، وفاته سنة 62هـ. تاريخ بغداد: 12/ 296؛ سير أعلام النبلاء: 4/ 53.

(4) لم يكن علقمة من تلاميذ أنس، ولم يثبت لقائه له، إذ كان الأول يسكن الكوفة، والثاني يسكن البصرة، ولم يذكر ضمن شيوخه، فكيف يستفتيه؟!. ينظر تهذيب الكمال: 20/ 301.

(5) فإنه) سقطت من (د).

(6) في (د): (من المنسوخ).

(7) هذه الرواية هي كسابقتها، فلم أجدها بسند أوبدون سند إلا ما أورده أبوشامة المقدسي، فقد ورد عن ابن عمر ما يناقضها، إذ أخرج الترمذي عنه أنه قال لأبي هريرة: ((يا أبا هريرة: كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه)).السنن: 5/ 684، رقم 3836؛ الإمام أحمد، المسند: 2/ 2، رقم 4453. وينظر الإصابة: 7/ 439.

، وَأمَّا سَمرة بن جندب فقَدَ بلغني عَنه أنهُ أمر شانٍ، وَالذَي بَلغَهُ عَنهُ أنه كَانَ يتَوسع في الأشربَةِ المُسكرة سِوَى الخمَر، وَكَانَ يتدَلك في الحمَّامِ بالغُمْرِ (1))) فَلَمْ يقلدهم في فتواهُم لهذا (2)، وَأمَّا فَيما روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه (3) كَانَ يأخُذ بِروَايتهم.

وَفي روَايةٍ قال: أقلد جَميع الصحَابة وَلاَ أستجيز خلاَفهم، وَهوَ الظاهِر (4) في المَذهَبِ (5).

__________

(1) في حاشية (د): (الغمر: بالضم: الزعفران على ما في القاموس). قلت: وهوكما قال. لسان العرب: 5/ 32. وهذه الرواية عن سمرة بن جندب لا أثر لها في كتب الحديث أوالفقه أوالرجال.

(2) هذه الرواية نقلها أبوشامة المقدسي (ت 665هـ) عن محمد بن الحسن بلا سند. (مختصر المؤمل: ص 63)، وقد تتبعت أصول هذه الرواية فلم أجد لها ذكراً أوسنداً في كتب الفقه أوالحديث أوالرجال، وعلامات الوضع لائحة عليها.

(3) في (د): (أنه).

(4) في (م): (ظاهر).

(5) وهذه الرواية هي الراجحة بنظرنا عن أبي حنيفة، إذ لم يستثنِ أحداً من الصحابة في ذلك.

وَإذا اجتمَعت الصَحابة عَلَى حُكم وَخالَفَهم وَاحِد مِن التابعِينَ - إن كَانَ المخالف مِمن لم يدرك عهد الصحَابة - لاَ يعتبر خِلافه حَتى لوقَضَى القَاضِي بِقولِهِ - بخِلافِ إجماع الصحَابة - كَانَ بَاطِلاً، وَإن كَانَ مِمن أدرك عَهد الصحَابة، وَزاحمَهُم في الفَتوى وسَوغُوا لَهُ الاجتهاد: كشريح (1) وَالنخعي (2)

وَالشعبي (3) لاَ ينعَقد الإجماع مَع مخَالفتِه (4).

[وَلهذا قَالَ أبوحَنِيفة: لاَ ينعَقد الإجماع مَع مخَالفتِه، وَلهَذا] (5) قَالَ أبُوحَنيفة: لاَ يَثبت إجماع الصحَابة في الأشَعار (6)؛ لأن إبراهيم النخعي كَانَ يَكرهُهُ [22/ب] وَهوَ مِمن أدرك عَصر الصحَابة، فَلاَ يثبت الإجمَاع بدُون قوله.

__________

(1) في (م): (وكشريح). هوأبوأمية شريح بن الحارث بن قيس بن جهم بن سنان الكوفي، القاضي الفقيه، لم تصح له صحبة، وفاته سنة 78هـ. سير أعلام النبلاء: 4/ 100؛ تهذيب التهذيب: 4/ 287.

(2) أبوعمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، الفقيه الحافظ، حديثه في الكتب الستة، وفاته سنة 96هـ. الثقات: 4/ 8؛ تهذيب التهذيب: 1/ 155.

(3) عامر بن شراحيل الشعبي أبوعمروالكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وفاته سنة 104هـ. طبقات ابن سعد، 6/ 246؛ تهذيب التهذيب.

(4) مختصر المؤمل: ص 63. وينظر للفائدة: الجويني، البرهان: 1/ 460؛ الآمدي، الإحكام: 1/ 291.

(5) سقطت من (د). وقد تكررت عبارة (لا ينعقد الإجماع مع مخالفته) في (م).

(6) في (د): (الأسعار).

وَإن كَان حَادِثة ليسَ فيها إجماع الصحَابة وَلاَ قول أحَد (1) مِن الصحَابة، لِكن فيها إجماع [التابعِيِن، فإنه يقضي بإجماعِهم، إلا أن إجماع التابعِين في كوَنِه حُجة دُونَ إجماع الصحَابة، وَكَذلكَ إجماع كل قرَن بَعدَ ذلَك َ] (2) حُجة، وَلكنُه دُونَ الأول في كونِه حُجة (3).

وَإن كانَت حَادِثة فيها اختلاف بَيْنَ التابعِينَ، يجتَهد القاضِي في ذلك - إذا كَانَ مِن أهِلِ الاجتهادِ - وَيقضي بما هوَ أقرب مِن الصوَاب وَأشبَه بِالحق، وَليسَ لَهُ أن يخالفهم جَميعاً باختراعِ قولٍ ثالِثٍ عِندَنا، عَلى نَحومَا ذكرنا في الصحَابة، وَإن جَاءَ عَن بَعضِ التابعِينَ وَلم ينقل عَن غَيرهم، فِيه شيءٌ فعَن أبي حَنِيفة روَايتانِ، في روَاية قال: لا أقلدُهم هُمْ رجَالٌ اجتهَدُوا وَنحنُ رجَالٌ نجتهد، وَهوَ ظَاهِر المَذهَبِ (4).

__________

(1) في (د): (فواحد).

(2) سقطت من (د).

(3) ينظر للفائدة: الآمدي، الإحكام: 1/ 290؛ الرازي، المحصول: 4/ 287؛ الغزالي، المستصفى: 1/ 149.

(4) السرخسي، المبسوط: 11/ 3؛ ابن أمير حاج، التقرير والتحبير: 2/ 415.

وَفي روَاية (النوادر) (1) قَالَ: مَن كَانَ منهُم أفتَى في زَمَنِ الصحابَة، وَسَوغوا لَهُ الاجتهاد: كشريح (2) وَمسرُوق بن الأجدع (3) وَالحسن فأنا أقلدهم (4)، فإن لم يَجد (5) إجمَاع مِن بعدهم، وَكَانَ فيه اتفاقٌ بَيْنَ أصحَابنا: أبي حَنِيفة وَأبي يُوسُف وَمُحمد، يَأخذ بِقَولِهم وَلا يَسعهُ أن يخالِفهُم بِدَايةً؛ لأن الحَق لا يعدوهم (6)، فإن أبَا (7) يُوسُف كَانَ صَاحِب حَدِيث، حَتى يروى أنه قَالَ: ((أحفظ عِشرينَ ألف حَدِيث مِن المنسُوخ)) (8) فمَا ظنَكَ مِن الناسخ؟ وَكانَ صَاحِب فِقه وَمعنى (9)، وَمُحمد (10) كَانَ صَاحِب فِقه [ومقرء] (11)، وَكَانَ صَاحِب قريحَة أيضاً؛ وَلهَذَا قَلَّ رجُوعه في المسَائل، وَكَانَ مُقدماً في اللغَة وَالإعراب، وَلهُ مَعرفة بالحديث

__________

(1) هي نوادر الفتاوى لأبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني ثم البغدادي الحنفي، وفاته بعد سنة 200هـ. إيضاح المكنون: 2/ 681.

(2) في كلا النسختين (شريح).

(3) أبوعائشة مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الوادعي الهمداني الكوفي، الإمام القدوة، عداده في كبار التابعين والذين اسلموا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفاته سنة 63هـ. سير أعلام النبلاء: 4/ 63؛ تهذيب التهذيب: 9/ 416.

(4) في (د): (نقلدهم).

(5) في (د): (يجدوا).

(6) في (د): (يعدهم).

(7) في (د): (أبي).

(8) لم أجد هذه الرواية فيما وقع تحت يدي من مصادر، ولكن روي عن الإمام أحمد أنه قال: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف، كان أميل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمد، وقال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف. سير أعلام النبلاء: 8/ 537.

(9) ومعنى) سقطت من (د).

(10) في (د): (وأما محمد).

(11) زيادة من (د) وجاء مكانا فراغا ًفي (م).

أيضاً (1).

وَ أبوحَنِيفة (2) كَانَ مُقدماً في هَذا كَله، إلا أنه قلّت روَايته لمذهبِ تفردَ بِهِ في بَابِ الحَدِيث، [وَهوَ أنه إنما يجدُ روَاية الحَدِيث] (3) لمَن يحفظ مِن حِين يسمع إلَى أن يروي، وإن اختلفوا فيما بينهم، قَالَ عَبد الله بن المبَارك: يأخُذ بِقولِ أبي حَنِيَفة لاَ محالة.

وَالمتأخرون من مشايخنا اختلفوا، بعضهم قَالُوا: إذَا اجتمعَ [23/أ] اثنان مِنهم عَلى شيءٍ، وَفيهمَا أبوحَنِيَفة يَأخُذ بِقولِ أبي حَنِيَفة، وَإن كَانَ أبوحَنِيَفة في جَانِب وَأبويوسُف وَمُحمد في جَانِب، فإن كَانَ القَاضِي مِن [أهل الاجتهاد يَجتَهد، وَإن لم يكن مِن] (4) أهِل الاجتهاد وَيستفتي (5) غَيره، وَيأخُذُ (6) بِقولِ المفتي بمنزلة العَامي (7)، وَبَعضهم قَالُوا: [أي] (8) إذا كَانَ القَاضِي مِن أهِل الاجتهاد يَعملُ بِرأيِهِ وَيأخُذُ بِقولِ الوَاحِد ويترك قولَ المثنى، سوَاءٌ كَانَ في المثنى أبوحنيفة أولم يكن، وَإن كَانَ أبوحَنِيَفة عَلى رتبة، وَإن لم يَكنْ مِن أهِل الاجتِهاد، يَأخُذُ (9) بِقولِ أبي حَنِيفة وَلاَ ترك مَذهَبه.

المفتي بالخيار:

__________

(1) لم يعتنِ محمد بن الحسن عناية أبي يوسف في الحديث، وكان أميل إلى الفقه، ومع ذلك فقد قال عن نفسه، كتبت سبع مائة حديث عن مالك، وكان قد صحبه أكثر من ثلاث سنين، وقال إبراهيم الحربي: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ قال: من كتب محمد بن الحسن. سير أعلام النبلاء: 9/ 135.

(2) في (د) زيادة: (وقيل كان أبوحنيفة ... ).

(3) ما بين المعقوفتين سقطت (د).

(4) سقطت من (د).

(5) في (د): (يستفتي).

(6) في (د): (ويؤخذ).

(7) في (د): (القاضي).

(8) زيادة من (د).

(9) في (د): (ويأخذ).

وَفي (فتاوى الخلاصة) قَالَ: المفِتي بالخيار إن شاءَ أخذَ بِقولِ أبي حَنِيفة، وإن شاءَ أخذَ بقولهما، وَفي (القنية) (1) - وعزاه شمس الأئمة الحلوَاني -: أن المسَائل التي تتعلق بانقِضاء (2) الفَتوى فيهما (3) عَلَى قول أبي يُوسُف؛ لأنه حَصَلَ لَهُ زيادَةُ عِلمٍ بِالتجربة انتهى.

وَفي (المحيط): وَلوَ لم يجَد الروَاية عَن أبي حَنِفية وَأصحَابه، وَوجدَ عَن المتأخرِينَ يقضي بِهِ وَلواختلفَ المتأخرونَ فيِه، يختار وَاحِداً مِنْ ذَلكَ، وَلولم يجَدْ عَن المتأخرين يجتَهد فيه، [برواية إذا كان يعرف وجوه الفقه، ويشاور أهل الفقه فيه] (4) وَذكرَ شِمس الأئمة السرخسِي: أن الإجماع اللاحِق يرفع الخلافَ السّابق (5).

وَفي (الفتاوى العتابية) (6): قاضٍ استفتى في حَادثة، فأفتى ورَأيه (7) بخلاف رَأي المفتي، فإنه يعمل بِرَأي نفَسه - إن كَانَ مِن أهِل الرَأي - فإن ترك رَأيه وَقضَى بِرأي المفتي لم يجز عَندهما، كَمَا في التحري، وَعَندَ أبي حَنِيفة ينفذ لمصَادفته فصلاً مُجتهداً فيه.

__________

(1) هي (قنية المنية على مذهب أبي حنيفة) لأبي الرجاء نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الحنفي وفاته سنة 658هـ. كشف الظنون: 2/ 1357.

(2) في (د): (بالقضاة).

(3) في (د): (فيها).

(4) زيادة من (د).

(5) ينظر: التقرير والتحبير: 3/ 143.

(6) هي جامع جوامع الفقه المعروفة بـ (الفتاوى العتابية) لأبي نصر أحمد بن محمد العتابي البخاري الحنفي وفاته سنة 586هـ. كشف الظنون: 1/ 567 ..

(7) في (د): (برأيه).

وَأمَّا اجتهاد الصحَابي في زمَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِفيهِ خلافٌ بَينَ العُلماء، قَالَ في (المحيط): يَجبُ أن يعلم أن العُلماء اختلفوا في هَذا عَلى ثلاثة أقوال: مِنهِم مَن قَالَ كَانَ لَهُ أن يجتهدَ، وَمِنهِم مَن كَانَ يبعد عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ الاجتهاد مُطلقاً (1).

وَاختلَفوا أيضاً أنه عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلام: هل كَانَ يَجتهدُ فيمَا لم يوحَ (2) إليه؟ فيفصل الحكم باجتِهادِهِ بَعضهم، قالوا: [23/ب] مَا كَانَ يجتهد بَل كَانَ ينتظر الوَحي، وَمنهم مَن قال: يرجع فيه إلَى شريعَة مَا قبله، وَمِنهم مَن قَالَ: كَانَ لاَ يَعمل بالاجتهاد إلى أن ينقطعَ طمعَهُ عَن الوَحي، فإذا انقطَعَ حينئذ كَانَ يجتَهد، فإذا اجتهدَ صَارَ ذلَكَ شريعة لَهُ، وَإذا نَزَلَ الوَحي بِخلافِهِ يصَيِرُ ناسِخاً، وَنسَخ السنة بالكتاب جَائز عندَنا، وَكَانَ لاَ ينقض (3) مَا قضى بالاجتهاد، وَكَانَ يَستأنف القضاء في المُستقبل، انتهى كلام (المحيط) (4).

وَفي (تهذيب الأسماء والكتاب) (5) في ترجَمةِ معَاذ: الذين يفتونَ في زمَن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثةٌ مِن المهاجِرينَ عُمر وَعثمان وَعلي، وَمن الأنصَار ثلاثةٌ أُبيّ بن كعب وَمَعاذ بن جَبل وَزَيد بن ثابت رضوَان الله [تعالى] (6) عَلَيهم أجَمعِينَ (7).

__________

(1) ينظر تفاصيل هذه المسألة عند الآمدي، الإحكام: 4/ 212 ابن أمير حاج الحنفي، التقرير والتحبير: 3/ 398.

(2) في (د): (فيما يوحى).

(3) في (د): (ينقص).

(4) في (د): (ينقص).

(5) كذا يذكره المؤلف والمعروف أن اسم الكتاب هو(تهذيب الأسماء واللغات) للنووي، وهومطبوع متداول.

(6) زيادة من (د).

(7) تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 404.

وَفي (التحقيق) (1) شرح الأخسيكثي (2): وَاختلفَ في كَونه عَليه الصَّلاَة وَالسَّلام مُتعبداً بالاجتهاد فيمَا لَمْ يُوحَ (3) إلَيهِ مِن الأحكَامِ، فأنكرَت الأشعَرية وَأكثر المُعتزلة كَون الاجتهاد حظّ النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأحكام الشرعيَّة (4)، وَقالَ عَامةُ أهِل الأصول: كَانَ [له] (5) العَمل في أحكام الشرع بالوحي وَالرأي جَميعاً، وَهوَ منقولٌ عَن أبي يُوسُف مِن أصحَابنا، وَهوَ مَذهَبُ مَالكٍ وَالشافِعي وعَامة أهِل الحَدِيث (6).

وَقَالَ أكثر أصحَابنا: إن كَانَ عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلام متعَبداً بانتِظاَر الوَحي في حَادِثة ليْسَ فيهَا وَحي، فإن لم ينزل الوَحي بَعدَ الانتظار كَانَ ذلَكَ (7) دلالَة عَلَى الأذنِ في الاجتهاد، ثُمَّ قيلَ مُدة انتظار الوَحي مُقدرَة بثلاَثة أيَامٍ، وَقيلَ مُقدرَة بِخَوفِ فوت الفرَض، وَذلَكَ يختَلِف بِاختِلافِ الحَوادِث.

__________

(1) التحقيق: أوشرح الحسامي المعروف بغاية التحقيق أوشرح المنتخب الحسامي، شرحه عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري الحنفي، وفاته سنة 730هـ، مطبوع في الهند سنة 1876م. معجم المطبوعات العربية: 1/ 406.

(2) في (د): (الاغلبي). والصحيح ما في (م): هومحمد بن محمد بن عمر الاخسيكثي، حسام الدين الحنفي، نسبته إلى (أخسكيث) من بلاد فرغانة، له كتاب (المنتخب في أصول المذهب) ويعرف بالمنتخب الحسامي، وفاته سنة 644هـ. الفوائد البهية: ص 188؛ كشف الظنون: 2/ 1818.

(3) في (د): (فيما يوحى).

(4) ينظر قول البصري المعتزلي في المعتمد: 2/ 210.

(5) زيادة من (د).

(6) تناول أهل الأصول هذه المسألة بالتفصيل. فينظر ما كتبه الآمدي في الإحكام: 4/ 172؛ آل تيمية، المسودة: ص 451؛ الشوكاني، إرشاد الفحول: 1/ 426.

(7) ذلك) سقطت من (د).

ثُمَّ اجتهاده عَلَيه أفضَل الصَّلاة وَالسّلام لاَ يحتمل الخَطأ عِندَ أكثرِ العُلماء (1)، وَعندَ أكثرِ أصحَابِنا يحتمل الخَطأ، لكِنه لاَ يحتمل القرار عَلى الخَطأ، فإذَا أقره الله تعَالَى دَلَّ أنه كَانَ هوَ الصّواب، فَيُوجبُ عِلم اليقِين كَالنصِ، فيكُون مخَالفته حَراماً وَكفراً بِخلافِ اجتهادِ غَيره مِن الأمَّة، حَيثُ يَجوزُ مخالفَته لمجتَهدٍ [24/أ] آخرَ؛ لأن احتمال الاجتهَاد وَالخطأ وَالقرار عَلَيه جَائزان في حَقِّ الأمَّة، فَلاَ يتعَينُ الصّوَاب في حَقِّ أحَدٍ، وَإن كَانَ الحَقُّ لاَ يعدوهم (2)، فيَجُوزُ لِكلِّ وَاحدٍ مخَالفَة الآخر بِالاجتهادِ، وَلاحتمال الصّوَاب في اجتهادِه وَاحِتمال الخطأ في اجتهَادِ غَيره (3).

ثُمَّ الاجتهَادُ في أنه قطعي مِن النبي صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دونَ غيره - نَظِيرَ الإلهامِ - وَهُوَ القذف في القلِبِ مِن غَيرِ نظَر في نص وَاستدلال بحجة، فإنه حجة قاطِعة في حِقِّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حَتى لم يَجز لأحدٍ مخالفَته بوجه للِتيقن أنه مِن عِندِ الله، وَعصَمته عَن الإقرار (4) عَلى الخَطأ، وَإلهام غَيره ليسَ بحجة أصلاً، انتهى كلام (التحقيق) والله ولي التوفيق.

وَقد كرّه بَعضهم الإفتاء بقوله عَلَيه الصَّلاة وَالسَّلام: ((أجرؤكم على النار أجرؤكم على الفتوى)) رواه الدارمي مرسلاً (5).

وَعَن سَلمَان الفارِسي: أن ناساً كَانوا يستفتونه فَقالَ: ((هَذَا خير لكم وَشر لي)) (6).

__________

(1) المقدسي، روضة الناظر: ص 356؛ آل تيمية، المسودة: ص 453؛ الغزالي، المستصفى: 1/ 347.

(2) في (د): (يعذرهم).

(3) ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير: 3/ 450.

(4) في كلا النسختين (القرار).

(5) الدارمي، السنن: 1/ 51، رقم 157. قال الشيخ الألباني (ضعيف): رقم 147.

(6) ابن المبارك، الزهد: ص 13.

وَعَن عبد الرحمن بن أبي ليَلَى قَالَ: ((أدركتُ مائة وَعَشرينَ مِن أصحَاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمَا مِنهُم مِن أحَد يُسأل عَن حَدِيث أوفَتوى إلا ودَّ أن أخَاه كفاه ذلكَ)) (1).

وَالصَّحيحُ أنَهُ لاَ يكره لمَن كَانَ أهلاً لَهُ لِقولِهِ تعَالَى: ? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ? [الأنبياء: 7] وكان هَذَا أمراً (2) بالإجابة عن السؤال.

وَعَن أبي هُريرة - رضي الله عنه - عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَن أفتى مفتياً غَير ثبت فإنمَا أثمه عَلى الذَي أفتَاهُ)) رواه أحمد وأبوداود (3).

__________

(1) الدارمي، السنن: 1/ 65؛ ابن المبارك، الزهد: ص 19.

(2) في كلا النسختين (أمر).

(3) أخرجه الإمام أحمد بلفظ: ((من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه، ومن أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه)). المسند: 2/ 231، رقم 8249؛ أبوداود، السنن، كتاب العلم، باب التوقي الفتيا: 3/ 331، رقم 3657. قال الشيخ الألباني عن الحديث (حسن). صحيح الجامع: رقم 6068.

وَقَالَ في (1) (الملتقط) (2): وَلاَ يَنبغَي لأحدٍ أنْ يفتي إلاَّ أن يعرفَ أقاويل العُلماء، وَيعلم مِن أين قالوا، وَيعرف مُعَاملاتِ النَّاس، فإن سُئل عَن مَسألة يعلم أن العُلماء (3) الذين ينتحل مَذهبهم قَد اتفقوا عَلَيه، فَلاَ بَأسَ بأن يقول هَذا جَائز وَهذا لاَ يَجُوز، وَيكُون قَولِهِ عَلى سِبيل الحكَاية، وَإن كَانَت مَسألة قد اختلَفُوا فيها فلا بَأسَ بأن يقول: هَذا جَائز في قَولِ فلانٍ، وَفي قَولِ فلانٍ لاَ يَجُوز وَليسَ لَهُ الخيَار، فيَجبُ بِقَولِ بَعضهم (4) [24/ب] مَا لم يَعرف حجته (5).

وَعَن أبي يُوسُف وَزُفر وَعَافية (6) بن يزيد (7) أنهم قَالُوا: ((لاَ يحل لأحدٍ أن يفتي بقولنا، مَا لم يعلم مِن أين قَلنَا)) (8).

__________

(1) في (د): (وفي في).

(2) الملتقط: في فتاوى الحنفية، لناصر الدين محمد بن يوسف الحسيني السمرقندي، وفاته سنة 556هـ. كشف الظنون: 2/ 1813.

(3) في كلا النسختين (علماء) ولا يستقيم المعنى بها.

(4) في (د): (فيجب بقولهم ما لم ... ).

(5) ينظر للتفاصيل في هذه المسألة ابن حمدان الحنبلي، صفة الفتوى: ص 13 وما بعدها؛ ابن الصلاح، أدب المفتي والمستفتي: ص 85 وما بعدها.

(6) في (د): (وعقبة).

(7) عافية بن يزيد بن قيس بن عافية القاضي الأودي الكوفي، قال ابن معين: ثقة مأمون، وفاته سنة 180هـ. تاريخ بغداد: 12/ 307؛ تهذيب التهذيب: 5/ 53.

(8) نقله عن أبي حنيفة وزفر ابن أمير حاج الحنفي، التقرير والتحبير: 3/ 462؛ ونقله الدهلوي عن الثلاثة الذين ذكرهم المؤلف، عقد الجيد: ص 19.

قيلَ لعصَام بن يُوسُف (1): ((إنك تكثر الخلاف لأبي حَنِيفة، فقَالَ: لأن أبي حنيفة أوتي مِن الفَهم مَا لم نُؤتَ، فأدرك بفهمِهِ مَا لَم ندركهُ، وَلاَ يسَعنا أن [نفتي بقوله ما لم نفهم)) (2).

وعن محمد بن الحسن أنه سُئل] (3): ((متى يحل للرَّجلِ أن يفتي؟ قَال: إذا كَانَ صَوَابهُ أكثر مِن خَطأه)) (4).

وَعَن أبي بَكر الإسكافي البلخَي (5) عَن عَالم في بَلدِهِ ليْسَ هناك اعلم مِنه، هل يسَعهُ أن لاَ يفتي؟ قَالَ: ((إن كَانَ مِن أهِل الاجتهادِ [لا يَسعهُ، قيلَ: كيفَ يَكون مِن أهل الاجتهاد؟] (6) وَقال: أن يَعرف وجُوه المسَائل وَيُناظر أقرانه إذا خَافوُهُ)) (7).

وَعَن ابن مَسعُود قَالَ: ((مَن سُئل مِنكم عَن عِلم وَهوَ عَنده فليَقل به، وَإن لم يَكن عندَه، فليقل الله أعلم، فإن مِن العِلم أن يقولَ لمَا لاَ يعلم لا أعِلم)) (8).

__________

(1) عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة البلخي، روايته عن ابن المبارك، قال ابن حبان: كان صاحب حديث ثبتاً في الرواية وربما أخطأ، وفاته سنة 210هـ. الثقات: 8/ 521؛ الجواهر المضيئة: ص 347.

(2) الدهلوي، الإنصاف: ص 105.

(3) زيادة من (د).

(4) البركتي، قواعد الفقه: ص 565.

(5) أبوبكر محمد بن أحمد البلخي الحنفي، كان فقيهاً زاهداً، وفاته سنة 330هـ. الجواهر المضيئة: ص 239؛ كشف الظنون: ص 569.

(6) سقطت من (د).

(7) الدهلوي، الإنصاف: ص 106. ولكن رواها عن محمد بن الحسن.

(8) مسلم، الصحيح، كتاب صفة القيامة، باب الدخان: 4/ 2155، رقم 2798؛ الدارمي، السنن: 1/ 73، رقم 173.

وَسُئل شداد بن حكيم (1) عَن قوله صَلَّى اللَّهُ تَعَالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن اللهَ خَلقَ آدم عَلى صُوَرته)) (2)، فقَالَ: نؤمن وَلا نقس، قَالَ أبُواللّيث: بِهَذا أمرَ اللهُ تعَالَى بِقولِهِ: ? وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ? [آل عمران: 7].

وَعَن ابن مَسعُود: ((إنَّ الذِي يفتي بِهِ النَّاس [في كلِّ] (3) مَا يَسألونه مَجنونٌ (4))) (5).

وَعَن الثوري: ((العَالم الفاجر فتنَةٌ لِكلِّ مفتون)) (6).

وَعَن ابن شبْرمة: ((أن [من] (7) المَسَائل مَا لاَ يحل للسائل أن يَسأِل عَنها، وَلاَ لِلمُجيب أن يجيبَ عَنها)) (8)، وَكَأنه اقتبسَ من قَولهِ تعَالَى: ? لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ? [المائدة: 101].

__________

(1) أبوعثمان شداد بن حكيم البلخي، روايته عن زفر، قال ابن حبان: كان مرجئاً مستقيم الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وهوصدوق، لم أقف على وفاته. الثقات: 8/ 310؛ لسان الميزان: 3/ 140.

(2) الحديث أخرجه البخاري، الصحيح، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام: 5/ 2299، رقم 5873؛ مسلم، الصحيح، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل الطير: 4/ 2183، رقم 2841.

(3) زيادة من الحديث كي يستقيم المعنى.

(4) في كلا النسختين (بمجنون).

(5) الطبراني، المعجم الكبير: 9/ 214. قال الهيثمي: ورجاله موثقون. مجمع الزوائد: 1/ 183.

(6) ابن المبارك، الزهد: ص 18؛ البيهقي، شعب الإيمان: 2/ 308.

(7) زيادة من (د).

(8) لم أقف عليها منسوبة لابن شبرمة، ولكن نسبها الخطيب البغدادي وغيره إلى أياس بن معاوية، تاريخ بغداد: 9/ 36؛ سير أعلام النبلاء: 10/ 333.

وَعَن الشعبي قَالَ: ((سَلُوا عَمَا كَانَ وَلاَ تسَألوا عَمَا يكُون)) (1).

وَحُكي: ((أن أبَا يُوسُف دَخل عَلى هارُون الرشِيد، وَعندَه اثنان يتناظرَان في الكَلامِ، فَقَالَ هارُون أحكم بَينَهما، فقَالَ لَهُ أبُويُوسُف: أنا لاَ أخُوض فيمَا لاَ يعني، فقَالَ لَهُ الخليفَة: أحسنَت، وَأمرَ لَهُ بمائة ألف درهم، [وَأمرَ أن يكتب في الدوَاوين أن أبا يُوسُف: أخَذَ مائة ألف درهم] (2) بترك مَا لاَ يعنيه)) (3).

سئل مالك عن أربعين مسألة:

وَذكرَ ابن الحاجب (4): أن مَالكاً سُئل عَن أربَعينَ مَسألة، فقَالَ في سِت وَثلاثينَ مِنها: ((لاَ أدرِي)) (5).

وَسُئل الشعبي عَن مَسألَةٍ [25/أ] فقَالَ لاَ عِلم لَنا بها، فقيل لَهُ: ((ألا تَستحي؟ قال: وَلِمَ استحي مِما لم يستحي منه الملاَئكة حَتى قَالَت: ? لا عِلْمَ لَنَا ? [البقرة: 32])) (6).

وَعَن ابن مَسعُود: ((جنة العَالم لاَ أدري)) (7).

وَسُئل ابن عُمر - رضي الله عنه - عَن فِرَيضةٍ، فقَالَ (8): ((ائتِ سَعِيد بن جبير فإنه اعَلم بالفرائض مِنّي)) (9).

وَعن الشعبي مَا حَدّثوك عَن أصحَابِ مُحمدٍ صلى الله تعالى عليه وسلم فخذُه (10)، وَمَا قَالُوه برَأيهم فبل عَليه.

__________

(1) روي ذلك عن أكثر من واحد من السلف، ينظر: جامع العلوم والحكم: ص 92.

(2) سقطت من (د).

(3) لم أقف عليها.

(4) أبوعمروعثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي المالكي، كان عالماً بالعربية والقراءات والأصول، وفاته سنة 646هـ. سير أعلام النبلاء: 23/ 264؛ شذرات الذهب: 6/ 223.

(5) الآمدي، الإحكام: 4/ 171؛ المقدسي، روضة الناظر: ص 354.

(6) ابن حمدان، صفة الفتوى: ص 9.

(7) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 8/ 77.

(8) في (د): (فقيل).

(9) الثوري، الفرائض: ص 21.

(10) في (د): (فخذوه).

وَفي (الملتقط): وَينبَغي للمفِتي إذا ظِهرَ عِندَه أنه أخَطأ، أن يَرجعَ عَنه وَلاَ يستحيي وَلاَ يأنف.

وَعَن أبي حَنيفة: ((لأن يخطئ الرجل عَن فهم خير مِن أن يصيب مِن غير فهم)) (1).

وقيلَ: ((مَنْ قلت فكرته كثرت عِثرته)).

ثُمَّ مَا ذكرَ في شرائطِ المفتي: أنه لاَ يَجُوز للمفِتي أن يفتي بِمَسألةٍ حَتى يعلمَ مِن أين قلنا، هل يَحتَاج في زمَانِنا إلى هَذا أم (2) يكفي الحفظ؟ فقَالَ بعضهم: يكتفي باِلحفظِ نقلاً عَن الكتُب المصَححة، وَقَالَ بعضهم: الحفظ لاَ يكفي، وقيل: هذَا يختلفُ باختِلافِ الحُفّاظ، وَقيلَ لاَ بدَّ مِن ذَلكَ الشرط كلِّ زمَان (3).

مسألة: إذا أجاب المفتي ينبغي أن يكتب عقب جوابه:

__________

(1) البركتي، قواعد الفقه: ص 581.

(2) في (د): (أو).

(3) الدهلوي، عقد الجيد: ص 19؛ الإنصاف: ص 105.

وَفي (أصُول الفِقه) (1) لأبي بَكر الرازي (2): فأمَّا مَا يُؤخذ مِن كَلامِ رَجُل وَمذهَبه في كتاب مَعروف قد تدَاولته النسخ، يَجُوز لمَن نظَرَ فيه أن يَقولَ: قَالَ فلانٌ كَذا، وَإن لم يسمعهُ مِن أحَدٍ، نَحوكتب مُحمد بن الحسَن وَمُوطأ مَالك ونحوها مِن الكتب المصَنفَة في أصناف العُلُوم؛ لأن وجُودهَا عَلى هَذَا الوَصْف بمنزلَة خَبر المتواتر وَالاستِفاضة لا يَحتاج مِثلهُ إلى إسناد، وَينبغي أن يقدم المفتي مَن جَاءَ أولاً وَلاَ يقَدم الشريف عَلى الضعِيف (3)، وَإذا أجَابَ المفتي ينبغي أن يكتبَ عَقبَ جَوابه: وَالله اعلم، وَنحَوذلكَ، وَقيلَ في المَسُائل الدّينية التي أجمعَ عَليها أهِل السّنة وَالجماعَة ينَبغِي أن يكتبَ: وَالله الموفق، وَبالله العصمة، وأمثاله (4).

وَإذا سُئل عَن مَسألة ينبَغي أن يمعِن النظَر فيها، وإن كَانَت مِن جنسِ مَا يفصل في جَوابها يفصل، وَلاَ يَجبُ عَلى الإطلاق فإنه يكُون مخطئاً، وَعن أبي يُوسُف سَمِعتُ أبَا (5) حَنِيفة يَقول: ((لَولاَ الخَوف مِن الله [تعالى] (6) مَا أفتيت أحَداً لكون الهناء لهَمُ [25/ب] وَالوزر عَلينَا)) (7).

وَقد نَظم الإمَام سِرَاج الدين الغزي (8) أخوصَاحِب (المحيط) هَذَا المَبنى وَزادَ في المَعْنَى حَيثُ قَالَ شِعراً (9):

تركت الكتب في الفتوى وإني

__________

(1) ذكره له صاحب كشف الظنون: 1/ 111.

(2) أبوبكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص الحنفي، سكن بغداد وعنه أخذ فقهاؤها، وفاته سنة 370هـ. الفوائد البهية: ص 84؛ شذرات الذهب: 3/ 71.

(3) ذكره البركتي، قواعد الفقه: ص 567.

(4) البركتي، قواعد الفقه: ص 583؛ ابن حمدان، صفة الفتوى: ص 59.

(5) في (د): (أبي).

(6) زيادة من (د).

(7) لم أقف عليها.

(8) لم أقف على ترجمته سوى إشارة له في الجواهر المضيئة: ص 373.

(9) شعراً) سقطت من (د).

لمحُتَسب بهذا الترك أجرا

وَمَا تركي لعَجزي مِنهُ لكن (1)

أكرر مِن أصُول الشرع وَقرا

وَأمَّا مَا درست بغَير حِفظ

فَيعظم ذكرهَا عدًا وَحصرا

وَلي مِن سَائر الأنواعِ حَظٌ

وَمَا قولي مَعاً وَالله كبرا

وَلكن أذكر النعماء عندِي

مِن الرحَمن (2) إيماناً وَشكرا

وَلكن قد يكُون الحكم طورًا

خلافياً وَبالإجماع طُورا

فَترتَعد الفَرِائص عِندَ كتبي

نَعم أولاَ بظني ذَاك خَيرا

وَتركي قول مُجتَهد سوَاهُ

لظنّ قد يكُون الظنّ وزرا

تدبّرت الأمور وَكأنَ كتبي

لَدى الأمر (3) حيثاً وَذكرَا

فقلت هدَاكَ إن النَّاس طرا

قد اتخَذُوك للِنيرانِ جسرا

فَلاَ يغرركَ ذكر الناسِ وَاجهد

لتكسب عندَ رب العَرش ذكرا

وَبادِر في قبُول الحَق وَأحذَر

قضاء لازماً مَوتاً وَحشرَا

وَدع عَنكَ العلوتكون عَبدًا

قنُوعًا صًالحاً سِرّاً وَجَهَرا

وَلا تركن إلى الدنيَا وَشمّر

لما يُدعَي لَدَى الرحمَن ذُخَرا

فَلاَ يغني مَقال الحَق عَنّي

هُوَ المغني لما أرهقت عُسَرا

فحسَبي عَفورَبي عندَ تركي

وَحَسِبي كتبه البَاقِينَ عذرا

[وَالله سبحَانه وتعَالَى اعلم بالصوَاب، وإليَه المرجع وَالمآب] (4)، وَصَلى الله عَلى سَيدنا محمّد، وَعَلى آله وَصَحبه وَسَلم [تسليماً كثيراً إلى يوم الدين] (5).

__________

(1) في (د): (ولكن).

(2) في (م): (الرحمة).

(3) في (م) زيادة (إلى) ولا يستقيم البيت.

(4) سقطت من (د).

(5) زيادة من (د).


سب الصحابة ناقضاً من نواقض الإيمان


أ- أن في سب الصحابة - رضي الله عنهم - تكذيباً للقرآن الكريم، وإنكاراً لما تضمنته الآيات القرآنية من تزكيتهم والثناء الحسن عليهم.

ب- أن سب الصحابة - رضي الله عنهم - يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى، أوالعبث في تلك النصوص الكثيرة التي تقرر الثناء الحسن على الصحابة وتزكيهم.

ج- من سب الصحابة - رضي الله عنهم - ورماهم بالكفر أوالفسق، فقد تنقص الرسول صلى الله عليه وسلم وآذاه، لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم، ومن المعلوم أن تنقص الرسول صلى الله عليه وسلم كفر وخروج عن الملة.

د- أن سب الصحابة - رضي الله عنهم - والطعن في دينهم هوطعن في الدين، وإبطال للشريعة، وهدم لأصله، لعدم توافر الناقل المأمون له.

هـ- أن سب الصحابة - رضي الله عنه - يستلزم تضليل الأمة المحمدية، ويتضمن أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام" (1).

"الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال يوماً لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله عز وجل، فقال له الرجل: إنك تمزح فقال: والله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد" (2).

"قال أبوبكر الباقلاني: وفيما ذهب إليه الرافضة إبطال لدين الإسلام بتمامه" (3) *.

"فمن له أدنى خبرة بدين الإسلام يعلم أن مذهب الرافضة مناقض له " (4).

"دمر الله على أعداء الإسلام من الروافض وغيرهم، ممن يظن أن الشيخين غصبا حق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم " (5).

__________

(1) نواقض الإيمان القولية والعملية - د. عبدالعزيز بن محمد العبداللطيف ص426 - 435 - باختصار.

(2) البداية والنهاية - جـ9، ص2.2.

(3) الدين الخالص - جـ3، ص31 ..

(4) مختصر منهاج السنة جـ2، ص9.8.

(5) الدين الخالص - جـ3، ص342.

"الرافضة نصبوا للصحابة العداوة، وألصقوا بهم التهم، وحملوا عليهم كل الجرائم، ورموهم بالقذائف، ورموهم بالكفر، ووسموهم بالنفاق كذباً وبهتاناً" (1).

"في الحديث "أن الشيطان يفر من ظل عمر"، وفيه دليل واضح على أن الروافض شياطين، يفرون من اسمه الشريف، ويسلكون غير فجه، وهذا مشاهد، ونفرتهم عنه وعداوتهم له لا تخفى على أحد" (2).

"التشيع بذرة نصرانية، غرستها اليهودية، في أرض مجوسية" (3).

"قال الشوكاني - رحمه الله -: وقد جربنا وجرب من قبلنا فلم يجدوا رجلاً رافضياً يتنزه عن محرمات الدين كائناً من كان" (4).

1. - وصار لأهل الرفض والشرك صولة

وقام بهم سوق الردى والمناكر

وعاد لديهم للواط وللخنا

معاهد يغدونحوها كل فاجر

وشتت شمل الدين وانبتّ حبله

وصار مضاعاً بين شر العساكر

وأذن بالناقوس والطبل أهلها

ولم يرض بالتوحيد حزب المزامر

وأصبح أهل الحق بين معاقب

وبين طريد في القبائل صائر (5)

"وقولك: إنا أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها، وأخذنا أموالها، فالحمد لله رب العالمين، ولا نتعذر من ذلك، ونقول: "وللكافرين أمثالها" (6).

"وباستعمال أهل النفاق والخيانة والظلم يزول الملك، ويضعف الدين، ويسود القبيلة شرارها، ويصير على ولاة الأمر كفعل من فعل ذلك، فالسعيد من وعظ بغيره، وبما جرى له وعليه، وأهل الدين هم أوتاد البلاد ورواسيها، فإذا قعلت وكسرت مادت وتقلبت" (7).

* الشيخ علي الحذيفي:

__________

(1) حقيقة الرافضة - شريط.

(2) الدين الخالص - جـ3، ص296.

(3) عقيدة الشيعة - شريط. / (3) بروتوكولات آيات قم، ص94.

(5) الدرر السنية - جـ8، ص4 .. - الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن - رحمه الله -.

(6) المصدر السابق جـ9، ص284 - الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود - رحمه الله-.

(7) المصدر السابق جـ9، ص296 - الشيخ عبدالرحمن بن حسن - رحمه الله -.

13."وكيف يكون هناك تقريب بين السنة والشيعة!! أهل السنة الذين حملوا القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ الله بهم الدين وجاهدوا لإعلاء منارة الإسلام وصنعوا تاريخه المجيد، والرافضة الذين يلعنون الصحابة ويهدمون الإسلام، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين نقلوا الدين لنا فإذا طعن أحد فيهم فقد هدم الدين.

كيف يكون تقريب بين أهل السنة والرافضة وهم يسبون الخلفاء الثلاثة!! وسبهم لوكان لهم عقول يفضي إلى الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم فإن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - صهران لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووزيراه في حياته، وضجيعاه بعد موته، ومن ينال هذه المنزلة، من ينال هذه المنزلة، وجاهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته ويكفي هذا الدليل لبطلان الرفض. وعثمان رضي الله عنه زوج ابنتين للرسول صلى الله عليه وسلم والله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا أفضل الأصهار، فكيف لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم عداوة الخلفاء الثلاثة للإسلام ويحذر منهم إن كانوا صادقين بزعمهم؟! بل سب هؤلاء الثلاثة طعن في علي - رضي الله عنه - فقد بايع أبا بكر في المسجد راضياً وزوج عمر ابنته أم كلثوم وبايع عثمان مختاراً وكان وزيراً لهم محباً ناصحاً - رضي الله عنهم أجمعين - فهل يصاهر علي - رضي الله عنه - كافراً أويبايع كافراً "سبحانك هذا بهتان عظيم".

ولعنهم لمعاوية - رضي الله عنه - طعن في الحسن - رضي الله عنه - الذي تنازل بالخلافة لمعاوية ابتغاء وجه الله وقد وفق لذلك ومدحه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فهل يتنازل سبط رسول الله لكافر يحكم المسلمين "سبحانك هذا بهتان عظيم" فإن قالوا بأن علياً والحسن كانا مكرهين فلا عقول لهم لأن هذا تنقص لهما ما بعده تنقص أبداً. وكيف يلعنون أم المؤمنين عائشة التي نص الله في كتابه على أنها أم المؤمنين في قوله تبارك وتعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} ولا شك أن من يلعنها فإنها ليست له بأم وأما من كانت أماً له فإنه لا يلعنها بل يحبها.

وكيف يكون بين تقريب أهل السنة والرافضة، وقد جعلوا الخميني إمام الضلالة معصوماً حيث أقروه على أنه نائب مهديهم الخرافة الذي قالوا بأنه دخل سرداب سامراً، والنائب له حكم المستنيب فإذا كان المهدي معصوماً فالخميني معصوماً لأنه نائب له فما هذا التناقض!!

إن الرافضة في قولهم بولاية الفقيه قد نسفوا مذهبهم من أساسه، والباطل يحطم بعضه بعضاً ويشتمل ويتضمن على الردود وتحطيم نفسه بنفسه، وأهل البيت براء منهم ومن هذا القول، والأدلة على بطلان مذهب الرافضة شرعاً وعقلاً لا تحصى إلا بالمشقة، ألا فليدخلوا في الإسلام وأما نحن أهل السنة فلن نقترب منهم شعرة واحدة أوأقل من ذلك فهم أضر على الإسلام من اليهود والنصارى، ولا يوثق بهم أبداً، وعلى المسلمين أن يقفوا لهم بالمرصاد قال تعالى: {هم العدوفاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} (1).

__________

(1) من خطبة جمعة في المسجد النبوي عام 1418هـ.

14. "فلا يجوز نسبة شيء من الأقوال والأفعال المكفرة وغير المكفرة لأحد من المسلمين بمجرد الظن والتخرص ثم بناء الأحكام عليها إلا أن يكون من طائفة تتدين بالكتمان والتقية كطوائف الباطنية والرافضة، فإن الواحد من هؤلاء له حكم الطائفة المنتسب إليها وإن لم يظهر معتقدها، لأن هؤلاء يتدينون بالنفاق وإظهار الموافقة للمسلمين مع المخالفة لهم في الباطن" (1).

15. "وأما إن كان أهل البدع معروفين بغشهم للمسلمين وعدم نصحهم لهم فلا تجوز الاستعانة بهم مطلقاً، سواء أكان ذلك الغش ناتجاً عن خلق يختص به بعض الأفراد، أوناتجاً عن دين تتدين به بعض الطوائف المخالفة للسنة مثل طوائف الباطنية بأنواعها، وطائفة الرافضة، فإن هذه الطوائف تتدين بأذية المسلمين وغشهم والإضرار بهم بل يستبيحون دماءهم وأموالهم" (2).

16. "وقد رأينا بعض أهل السنة اليوم قد اتخذوا من الرافضة - ممن ابتلينا بمجاورتهم في هذه المدينة النبوية - طهرها الله منهم - أخداناً وأصدقاء، يلقون إليهم بالمودة ويزورونهم في بيوتهم، ويشاركونهم في المأكل والمشرب، حتى وصل الأمر ببعضهم أن يختم صيامه في بعض أيام رمضان بإفطاره على موائد الرافضة، تلك الموائد التي يشتم ويلعن عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين، وقبل ذلك وبعده لربما وضعوا لهم ودسوا في الطعام من الأنجاس والقاذورات ما يتضررون به في أبدانهم بعد ذلك الضرر الكبير الذي لحقهم في دينهم، فيخرج هؤلاء المساكين بفساد القلوب والأبدان، فنعوذ بالله من عمى البصيرة والخذلان" (3) *.

__________

(1) موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع - د. إبراهيم الرحيلي - جـ1، ص426.

(2) المصدر السابق - جـ2، 7.5.

(3) المصدر السابق - جـ2، ص481.

17. "أما طلب الرافضة أن يعينوا كمدرسين في المدارس، فهذا لا يجوز، ولوكان ذلك في المواد غير الدينية" (1).

18. "ويجب أن يحال بين الرافضي وبين أولاده في حال حياتهم، لأنه لابد أن يفسد دينهم" (2).

19. "الرافضة إذا تولوا التدريس فالغالب أنهم لا يدرسون تدريساً صحيحاً في العقيدة لأبناء المسلمين بل إما أن يشككوهم في عقيدتهم، وإما أن يتركوهم على جهلهم بالعقيدة الصحيحة السليمة، وهم إذا تولوا مثلاً الطب، فلا يؤمنون إذا عالجوا أهل السنة أن يمكروا بهم وأن يكيدوا لهم ما يسبب زيادة المرض أوالموت أوالعقم أوما أشبه ذلك، وكذلك إذا تولوا توليد النساء لم يؤمن في الأطفال المواليد أن يضروهم كما ذكر ذلك في كثير من المولدين ونحوهم" (3).

2 .. " (الرافضة والباطنية) "سوف يضللون هذه الأمة فلا تفيق!! فإذا جاءتهم فترة انتهاء التقية وابتداء فترة الظهور إلا ونحن لا وجود لنا ولا كيان، وإذا بهم قد غزونا من كل ناحية، وقد ظهروا علينا من كل جانب" (4).

21. "ووسائل الرافضة لتنفيذ مخططاتهم متنوعة حتى قال عنها الخبير بمذهبهم، والعارف بحالهم - عبدالعزيز شاه ولي الله الدهلوي - بأنها "كثيرة جداً لا تدري اليهود بعشرها" (5).

22. "فيجب أن نكون على وعي وعلى بصيرة، وعلى إدراك ومعرفة بما يخطط لنا أولئك الأعداء" (6).

23. "وإن الغفلة عن الخطر تقود إلى الوقوع فيه، وإن التغافل لن ينجي من الشر، ولا يحمي من النار، فالغفلة والتغافل كلاهما شر مستطير، والتغافل ليس سياسة ولا كياسة ولا فطنة، فاتقاء الخطر لا يكون بالتغافل عنه، ولكن يكون بمواجهته إن لم يكن هناك سبيل إلا مواجهته" (7).

__________

(1) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - جـ2، ص321.

(2) مختصر فتاوى ابن تيمية - محمد البعلي، ص51 ..

(3) حقيقة الرافضة - شريط.

(4) عقيدة الشيعة - شريط.

(5) بروتوكولات آيات قم، ص7.

(6) عقيدة الشيعة - شريط.

(7) الفتنة الخمينية، ص7.

24. "فعلى المسلم أن يعرف أعداء الله وأن لا ينخدع بدعاياتهم وبأقوالهم وبما هم عليه" (1).

دعوة ونداء

حتى متى عبرات العين تنحدر

والقلب من زفرات الشوق يستعر

والنفس طائرة، والعين ساهرة

كيف الرقاد لمن يعتاده السهر

يا أيها الناس إني ناصح لكم

كونوا على حذرٍ قد ينفعُ الحذرُ

إني اخاف عليكم أن يحل بكم

من ربكم غيرٌ ما فوقها غبر

ما للروافض أضحت بين أظهركم

تسير آمنةً ينزوبها البطرُ

تؤذي وتشتمُ أصحاب النبي وهم

كانوا الذين بهم يستنزل المطرُ

مهاجرون لهم فضلٌ بهجرتهم

وآخرون هم آووا وهم نصروا

كيف القرارُ على من قد تنقصهم

ظلماً وليس لهم في الناس منتصرُ

إنا إلى الله من ذلّ أراه بكم

ولا مرد لأمرٍ ساقهُ القدر

حتى رأيتُ رجالاً لا خلاق لهم

من الروافض قد ضلوا وما شعروا

إني أحاذر أن ترضوا مقالتهم

أوْ لا فهل لكم عذر فتعتذروا

رأيُ الروافض شتم المهتدين فما

بعد الشتيمة للأبرار يُنتظر

لا تقبلوا أبداً عذراً لشاتمهم

إن الشتيمة أمر ليس يُغتفر

ليس الإله براضٍ عنهم أبداً

ولا الرسولُ ولا يرضى به البشرُ

الناقضون عرى الإسلام ليس لهم

عند الحقائق إيرادٌ ولا صدرُ

والمنكرون لأهل الفضل فضلهم

والمفترون عليهم كُلما ذُكروا

قد كان عن ذا لهم شُغلٌ بأنفسهم

لوأنهم نظروا فيما به أُمروا

لكن لشقوتهم والحينُ يصرعُهم

قالوا ببدعتهم قولاً به كفروا

قالوا وقلنا، وخيرٌ القول أصدقه

والحق أبلجُ والبهتانُ منشمر

وفي عليَّ وما جاء الثقاتُ به

من قوله عبرٌ لوأغنتِ العبرُ

قال الأميرُ عليٌ فوق منبره

والراسخون به في العلم قد حضروا

خيرُ البرية من بعد النبي أبو

بكر وأفضلُهم من بعده عمر

هذا مقالُ عليٌ ليس ينكرهُ

__________

(1) حقيقة الرافضة - شريط.

إلا الخليعُ وإلا الماجنُ الأشرُ

فارضوا مقالته أوْ لا فموعدُكم

نارٌ تُوقد لا تُبقي ولا تذرُ

وإن ذكرتُ لعثمانٍ فضائلهُ

فلن يكون من الدنيا لها خطرُ

وما جهلتٌ علياً في قرابته

وفي منازل يعشودونها البصرُ

إن المنازل أضحت بين أربعةٍ

هم الائمةُ والاعلامُ والغررُ

أهلُ الجنانٍ كما قال الرسولُ لهم

وعداً عليه فلا خُلفٌ ولا غُدرُ

وفي الزبير حواريٍّ النبيِّ إذا

عُدت مآثره زلفى ومفتخرُ

واذكر لطلحة ما قد كنت ذاكره

حُسن البلاء وعند الله مُدكَّرُُ

إن الروافض تُبدي من عداوتها

أمراً تُقصرُ عنه الرومُ والخزرُ

ليست عداوتها فينا بضائرةٍ

لا بل لها وعليها الشينُ والضررُ

لا يستطيعُ شفا نفسٍ فيشفيها

من الروافض إلا الحيةُ الذكرُ

ما زال يضربها بالذل خالقها

حتى تطاير عن أفحاصها الشعرُ

داوالروافض بالإذلال إن لها

داء الجنون إذا هاجت بها المررُ

كل الروافض حُمرٌ لا قلوب لها

صمٌ وعميٌ فلا سمعٌ ولا بصرُ

ضلوا السبيل أضل الله سعيهمُ

بئس العصابة إن قلوا وإن كثروا

شًينُ الحجيج فلا تقوى ولا ورعٌ

إن الروافض فيها الداءُ والدبرُ

لا يقبلون لذي نصح نصيحته

فيها الحميرُ وفيها الابلُ والبقرُ

والقوم في ظلمٍ سودٍ فلا طلعت

مع الأنام لهم شمس ولا قمرُ

لا يُأمنون وكلُّ الناس قد أمنوا

ولا أمان لهم ما أورق الشجرُ

لا بارك الله فيهم لا ولا بقيت

منهم بحضرتنا أنثى ولا ذكر (1)

خاتمة

__________

(1) المغني عن مجالس السوء - خالد أبوصالح - جـ2، ص178 - 179 - 18 ..

من المسلّم به، أن كل إنسان يسعى إلى تحقيق مصلحته، ولكن المسلم المتمسك بدينه، الراجي عفوربه، لا يسعى إلى تحقيق مصلحته، ما دامت لا تتحقق إلا بسخط الله ومقته، بل متى ما أراد أن يقدم على أمر، فإنه ينظر أولاً: هل هومخالف لأوامر الله أم لا؟ هل فيه إضرار بدينه؟ أوبنفسه؟ أوبالمسلمين؟ ومن المتقرر أن: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأنه لا ضرر ولا ضرار، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة. ومن هذا المنطلق فإن الواجب على المسلمين، أن لا تكون الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، بل يجب أن تكون أوامر الله ونواهيه هي المقدمة عندهم في جميع شؤونهم وأمورهم، ومن ذلك: التعامل مع الخلق، فإن هذا التعامل لابد أن يكون مضبوطاً بضابط الشرع والدين ..

وعلى كل مسلم أن يتعلم كيف يعامل الناس، فإن للعلماء معاملة، وللصالحين معاملة، ولعامة المسلمين معاملة، وللحاكم معاملة، وللعصاة الفساق معاملة، ولأعداء الدين معاملة .. ومن علم فلابد أن يعمل.

... ولقد تبين فيما سبق من صفحات، كيفية التعامل مع طائفة الشيعة الرافضة - أعداء الإسلام والمسلمين - وذلك بالأدلة والبراهين ..

فحري بكل مسلم أن يعاملهم بتلك الكيفية، وأن يبين خطرهم، ويحث من حوله على الحذر منهم، والتقرب إلى الله بمقتهم وبغضهم والبراءة منهم ..

وإن كابر مكابر، وعاند معاند، وأصرّ مُصرّ، على أنهم إخواننا!! وأنهم مسلمون!! برغم معرفته بمعتقداتهم وأحوالهم، فجوابه القولُ الصائب:

وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

... وهوفي عمله هذا، على خطر عظيم، وليراجع نواقض الإسلام، فإن من نواقضه عدم تكفير الكافرين.

... اللهم ثبت على الحق قلوبنا، ووفقنا والمسلمين إلى ما تحب وترضى، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، اللهم فرج عن المستضعفين من المسلمين، واكفنا شرور أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك صلى اله عليه وسلم وعبادك المؤمنين. اللهم بصّرنا وإخواننا بما يخطط ويكاد لنا، ووفقنا لإبطاله وإزهاقه، اللهم رد كيد الكائدين في نحورهم، وأدم علينا الإيمان والأمان…آمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

عدد مرات القراءة:
9759
إرسال لصديق طباعة
الثلاثاء 1 رمضان 1442هـ الموافق:13 أبريل 2021م 04:04:26 بتوقيت مكة
مو لازم تعرف اسمي 
زي وجهكك الجواب
 
اسمك :  
نص التعليق :