فهذا أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه ينهى بعض من كان في جيشه عن سب معاوية مع كونه دون الشيخين في الفضل ويقول: <كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين>. (1) ولقد سأل جابر الجعفي الإمام محمد بن علي أبا جعفر الباقر عليه السلام عن الشيخين رضي الله عنهما: <أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا، وأنا أحبهما وأتولاهما وأستغفر لهما(2). أما الإمام الصادق رحمه الله - إمام القوم السادس - فلم يكن يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بتوليهما أيضا، فقد روى الكليني - في كتاب الكافي الذي هوعند الشيعة بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة - بسنده عن الصادق أنه قال لامرأة من الشيعة سألته عن أبي بكر وعمر، أأتولاهما وأحبهما؟ فقال لها: <توليهما>. قالت: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: <نعم(3). وقد ورد المدح للصديق أبي بكر عن محمد الباقر أيضا كما رواه علي بن عيسى الأربلي الشيعي المشهور في كتابه: كشف الغمة في معرفة الأئمة: أنه سئل الإمام أبوجعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال نعم قد حلى أبوبكر الصديق سيفه بالفضة، فقال (السائل): أتقول هذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم، الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق، فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة(4). وأخبر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أصحابه أنه لم يسمع أحدا من آبائه يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما نقل ذلك عنه الشيعة (1). وآباؤه هم علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأبوه وجده. أفلا يسع الشيعة ما وسع أئمتهم من تولي الشيخين والترضي عنهما، وعدم التبرىء منهما، فضلا عن لعنهما؟!. ولم يكتف زيد بن علي رضي الله عنهما بقوله هذا، بل وافقه بفعله، وذلك حين جاءه قوم ممن ينتحلون التشيع ومودة آل البيت، وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى يبايعوه - وذلك حينما خرج على الأمويين - فقال لهم كلمته الرائعة التي ألجمت أفواههم، وبينت لهم معنى التشيع الحق: <أنا أتبرأ ممن يتبرأ منهما(2)، <البراءة من أبي بكر وعمر براءة من علي(3)، فقالوا له: <إذن نرفضك(4). فهذه أقوال من يزعم الشيعة أنهم أئمة لهم، وهذه حالهم، يتولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، بل وسائر الصحابة، ويترحمون عليهم، ولا يتبرؤون منهم، بل ويأمرون الناس بتوليهم ومحبتهم، ويحذرونهم من بغضهم وسبهم. فكيف يدعي من يزعم الانتساب إليهم أن البراءة من الشيخين والصحابة واجبة؟!. فضلاً عن كونها شرطاً للإيمان. سؤال أترك الإجابة عليه للشيعة أنفسهم؟ (5). ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم عامة: فقد ذكر ابن بابويه القمي في كتابه <الخصال<عن أبي عبدالله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر ألفا (1)، ثمانية آلاف من المدينة وألفان من أهل مكة، وألفان من الطلقاء لم ير فيهم قدري، ولا مرجي، ولا حروري، ولا معتزلي ولا صاحب رأي كانوا يبكون الليل والنهار(2). وذكر المجلسي في كتابه بحار الأنوار عن الصادق عن آبائه عن علي عليه السلام قال: <أوصيكم بأصحاب نبيكم لا تسبوهم الذين لم يحدثوا بعده حدثاً ولم يؤوا محدثا، فإن رسول الله أوصى بهم الخير(3). وفي البحار أيضا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم <طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني(4)، (5). وعن موسى بن جعفر (إمامهم السابع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها مادام فيكم من قد رآني(1). وبالأسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أرحم خلفائي ثلاث مرات قيل له يارسول الله ومن خلفاؤك قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي وسنتي فيسلمونها الناس من بعدي (2). وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الراشد الرابع، والإمام الأول عندهم يمدح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أرى أحدا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، وقد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب (3). وقال رضي الله تعالى عنه في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: وكان أفضلهم في الإسلام كما زعمت وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصديق، والخليفة الفاروق، ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم وإن المصاب بهما لجرح في الاسلام شديد. رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا(1). وعن منصور بن حازم قال قلت لأبي عبدالله عليه السلام ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان قال قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقوا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم كذبوا؟ قال بل صدقوا. قال قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضا (2). الاعتراف بخلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة: واعترف علي رضي الله تعالى عنه وأولاده بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وأقروها لهم، وكان علي وزيرا ومشيرا لهم، كما ثبت عنه وعن أولاده مدح لهؤلاء الأعاظم، فقد قال: <لله بلاء فلان (أبي بكر) (1) فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه(2). وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين شاوره في الخروج إلى غزوالروم: إنك متى تسر إلى هذا العدوبنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة (3) دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فأبعث إليهم رجلا مجربا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءاً للناس ومثابة للمسلمين (4). وقال مثنيا على خلافة الثلاثة: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أوبدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى (5)
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video