وأما عمر بن الخطاب، فارس الإسلام وأمير المؤمنين، عبقري الملة، وقطب رحى المسلمين، وباني مجدهم، ومؤسس شوكتهم، وفاتح القيصرية، وهازم الكسروية، ورافع راية الله، ومعلي كلمته، موصل الدين من قلب الجزيرة إلى أقصى العالم، وناشر العدل، ومنفذ الشريعة الغراء على كل قريب وبعيد، ومساوبين كل جبار عنيد ومحتقر حقير، غير خائف في الحق لومة لائم، ولا آبه من عذل عاذل، ماحي الشرك والبدعة والكفر والضلال، حامي الحق والشريعة، الفارق بين الحق والباطل، العادل بين الرعية خاصتهم وعامتهم أميرهم ومأمورهم، المعز لدين الله والحق، والمذل للطاغوت والكفر والأوثان، الأمين الراشد، المرشد المصلح رضي الله تعالى عنه كان محبوباً إلى أهل بيت النبي كما كان حبيباً إلى سيد ولد آدم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه صلوات الله وسلامه عليه وهويمشي على الأرض رضي الله عنه: دخلت الجنة… .. ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب" [متفق عليه]. وقال عليه السلام، والذي لا ينطق عن الهوى إن هوإلا وحي يوحى: بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة (الصديق)، فنزع منها ذنوباً [الذنوب: الدلووفيها ماء] أوذنوبين وفى نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً [دلوعظيمة] فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقرياً ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن [أي حتى أرووا إبلهم فأبركوها، وضربوا لها عطناً، وهومبرك الإبل حول الماء (من تعليقات الشيخ الألباني على مشكاة المصابيح)]- وفى رواية - حتى روى الناس وضربوا بعطن" [متفق عليه]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" [رواه الترمذي]. فهذا هوعمر بن الخطاب رضي الله عنه بلسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولقد ذكرنا منه أحاديث ثلاثة من إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي - صلى الله عليه وسلم - من كتب السنة المعتبرة خلاف عهدنا ودأبنا في هذا الكتاب بأننا لا ننقل شيئاً إلا من كتب القوم أنفسهم لأننا سوف نروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - سيد أهل البيت، والإمام المعصوم الأول عند القوم - أنه يؤيد هذه الأحاديث الثلاثة بأقواله الواضحة، وتصريحاته المكشوفة، والمروية المذكورة المورودة في بطون كتب القوم وأوراقها وصفحاتها. فلنرى ماذا يقول أهل البيت وسادتهم في هذا المصلح المحسن للأمة الإسلامية البيضاء. فيقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهويذكر الفاروق وولايته مصدقاً لرؤيا سيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - الذي رآه وبشر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه. "ووليهم وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" ["نهج البلاغة" بتحقيق صبحي الصالح تحت عنوان "غريب كلامه المحتاج إلى التفسير" ص557 ط دار الكتاب بيروت، أيضاً "نهج البلاغة بتحقيق الشيخ محمد عبده ج4 ص107 ط دار المعرفة بيروت]. وقال الميثم البحراني الشيعي، شارح نهج البلاغة، وكذلك الدنبلي شرحاً لهذا الكلام "أن الوالي عمر بن الخطاب، وضربه بجرانه كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن العير البارك من الأرض" ["شرح نهج البلاغة" لابن الميثم ج5 ص463، أيضاً "الدرة النجفية" ص394]. ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي تحت هذه الخطبة، ويذكرها من أولها "وهذا الوالي هوعمر بن الخطاب، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - واختصاصه له، وإفضائه بأسراره إليه حتى قال فيها: فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلاً منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج4 ص519]. فانظر إلى عليّ وكيف يطبق هذا الأوصاف على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تصديقاً لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرفاً بحرف، ويجعل الفاروق مصداقاً لبشارته عليه السلام، وكيف يقر ويعترف بأن الدين قد استقر في عهده المبارك، والإسلام قد تمكن في الأرض في أيام خلافته الميمونة، فهل لمتمسك أن يتمسك من الشيعة بقول علي بن أبي طالب - الإمام المعصوم عندهم الذي لا يخطئ -؟ ثم والخطبة التي مدح فيها عمر، وجعله مورد ومصداق بشرى الرسول هي خطبة ألقاها في أيام خلافته حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية الشيعية التي ألصقوها تهمة بخيار الخلائق رضوان الله ورحمته عليهم. وكم هناك من خطب لعليّ، المنقولة في نهج البلاغة، التي تدل على نفس المعنى بأن الفاروق كان سبباً لعز الدين، ورفعة الإسلام، وعظمة المسلمين، وتوسعة البلاد الإسلامية، وأنه أقام الناس على المحجة البيضاء، واستأصل الفتنة، وقوم العوج وأزهق الباطل، وأحيا السنة طائعاً لله خائفاً منه، فانظر إلى ابن عم رسول الله ووالد سبطيه وهويبالغ في مدح الفاروق، ويقول: لله بلاد فلان، فقد قوم الأود، وداوى العمد وخلف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال، ولا المستيقن المهتدي" ["نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص350، "نهج البلاغة" تحقيق محمد عبده ج2 ص322]. ويقول ابن أبي الحديد: العرب تقول: لله بلاد فلان أي در فلان… .. وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر… .. وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي: هوعمر، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال: نعم" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج3 ص92 جزء12]. ومثله ذكر ابن الميثم [انظر لذلك شرح نهج لابن الميثم ج4 ص96، 97] والدنبلي وعلي نقي في الدرة النجفية [ص257] وشرح النهج الفارسي [ج4 ص712]. هذا فلينظر كيف يعلن علي رضى الله عنه على ملأ الشهود عن الفاروق رضي الله عنه بصوته الرفيع أنه قوم العوج، وعالج المرض، وعامل بالطريقة النبوية، وسبق الفتنة وتركها خلفا، لم يدركها هو، ولا الفتنة أدركته، وانتقل إلى ربه وليس عليه ما يلام عليه، أصاب خير الولاية والخلافة، ولحق الرفيق الأعلى، ولم يلوث في القتل والقتال الذي حدث بين المسلمين طائعاً لله، غير عاص، واتقى الله في أداء حقه، ولم يقصر فيه ولم يظلم. فهذا هوالذي يليق أن يضرب الدين في عصره العطن. وكان عليّ وهوقائد أهل البيت يعد الفاروق ملجأ للإسلام، ومأوى للمسلمين ومرجعهم، فانظر كيف يصفه بهذه الأوصاف ولقد استشاره في الخروج إلى غزوالروم فقال له: إنك متى تسر إلى هذا العدوبنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأ للناس ومثابة للمسلمين" ["نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص193]. ويكتب ابن أبي الحديد تحته شرحاً لهذه الخطبة "فتنكب مجزوم لأنه عطف على تسر وكهفة أي كهف يلجأ إليه، ويروي كانفة أي جهة عاصمة… .. ، وحفزت الرجل أحفزه أي دفعته وسقته سوقاً شديداً وردأ أي عوناً، ومثابة أي أمنا، ومنه قوله تعالى: {مثابة للناس وأمنا}، أشار عليه السلام أن لا يشخص بنفسه حذراً أن يصاب فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث أميراً من جانبه على الناس ويقيم هوفي المدينة، فإن هزموا كان مرجعهم إليه" ["شرح نهج البلاغة" ج2 جزء8 ص369، 370]. والقارئ حينما يقرأ هذه الخطبة يعرف الحب المتدفق من خلال الكلمات للفاروق والحرص على شخصه وحياته، والرجاء والتمني لبقائه في الحكم والخلافة ذخرا للإسلام والمسلمين رغم أنوف المبغضين والطاعنين فيه، ثم الجدير بالذكر أن الفاروق رضي الله عنه كان مصمماً للمسير إلى المعركة بنفسه والمرتضى علي رضي الله عنه كان يعرف ذلك، ومع ذلك أراد منعه قدر المستطاع لما كان يراه سبباً لعز الإسلام ومجده وشموخه، وأن لا يمسه سوء حتى لا تنقلب على الإسلام ودولته قالة ولا تدور عليه الدائرة، وأكثر من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يريد أن ينيب عنه في العاصمة الإسلامية علي بن أبي طالب رضي الله عنهما [يأتي ذكره في محله مفصلاً] وكانت له فرصة ذهبية لأخذه زمام الأمور واسترداد الحقوق الموهمة التي يظنها القوم بأنها سلبت، وقد ملئوا من ذكرها الكتب والصحف ولطالما بكوا عليها بكاء مراً وبكاء إخوة يوسف حيث القضية بالعكس تماماً، لأن الذي ينيبون عنه، ويصيرون وكلاءه ومحاميه ومدافعيه، بل ومحاربيه ومقاتليه يظهر الأمر منعكساً تماماً، وكان عليّ طوال مدة خلافته هكذا معه لا يريد أن يلقي نفسه في المخاطر فصار كالرقيب عليه، محافظاً على حياته، ساهراً على مصالحه، راجياً له البقاء والدوام، ناصحاً مناصحاً لله وفي الله وصلاح الأمة وفلاحها، ولذلك لما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه منعه من ذلك وقال له: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة. وهودين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه: فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم، وإن كانوا قليلاً، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع! فكن قطباً واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هوأكره لمسيرهم منك، وهوأقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة" ["نهج البلاغة" بتحقيق صبحي ص203، 204 تحت عنوان "ومن كلام له (أي علي) عليه السلام وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه"]. فهل بعد ذلك شك لشاك بأن علياً رضي الله عنه كان يعدّ الفاروق مصداقاً لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أخبر عنه، وبشر به المسلمين بأن الإسلام يبلغ مداه في عصره وعهده، ولذلك يقول علي رضي الله عنه: ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده الخ. فإنه بذلك يشير إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ثم استحالت غرباً فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقرياً ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن". صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأكثر من ذلك يلفت أنظار الناس بكلامه هذا إلى وعد الله عز وجل كما ورد في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} " [سورة التوبة الآية55]. فالمقصود من انتباهه وتوجيهه بقوله: ونحن على موعود من الله: بأن الله وعد المؤمنين والعاملين الصالحات التمكن في الأرض والاستخلاف، فنحن المؤمنين وأنت أيها الفاروق أميرنا، والله ينجز وعده في عهدك وخلافتك، وينصر جنده الذين يقاتلون تحت رايتك وقيادتك الحكيمة وتوجيهاتك الرشيدة لأن دين الله لا بد له أن يظهر ويغلب - حتى يبلغ بجرانه، لأنك أنت القيم بأمره، ومدبر لقضاياه، وبك شأنه ومكانه، فإن أنت فقدت ضاع الأمر، وانتشر الجمع، وضعفت القوة، وانكسرت الشوكة، وافترق الناس حتى لن يرجى اجتماعهم واتحادهم بعد ذلك أبداً [فكان كما قال، فتحت أبواب الفتن بعد شهادته ولم تغلق بعده حتى اليوم، وقد ورد في ذلك المعنى حديثاً أيضاً]، فإذا انقطع النظام تفرق الجزر وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. وأيضاً أشار بذلك إلى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب - رواه المجلسي في "بحار الأنوار" عن محمد الباقر -" ["بحار الأنوار" ج4 كتاب السماء والعالم] فإن دعاء الرسول لا بد له أن يقبل. ونبّه سيد أهل البيت الناس مع من فيهم الذين يدعون أنهم شيعته بأن الفاروق ليس كواحد من الناس، بل إنه قطب، وعليه يدور رحى الإسلام والعرب المسلمين، فلولا القطب ليس للرحى بأن تدور، وأنى لها ذلك؟ ولذلك يلح عليه بقوله: فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها: لأنهم يعرفون أن الفاروق هوالأصل، وإن استؤصل لا يبقى للفرع أثر، وإنه هوالقطب، وإن كسر تنكسر الرحى ولا تدور، وأيضا إنك أنت الحامي حمى القوم، وحافظ عوراتهم، فلا نتركك بأن تبرح عنا وتدخل نفسك في غمار الموت، لأننا لا نستغني عنك، ونستغني بك قوماً آخرين. فما أحسن ما عبّر بهم علي بن أبي طالب ما يختلج في صدره، ويكنه في ضميره، ويعتقد به في معتقداته تجاه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ورضيا عنه. هذا وكان علي رضي الله عنه يعتقد أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وكان يرى بأنه محدث بأخبار الرسول، ولذلك لم يكن يخالف سيرته وعمله حتى وفي الأمور الصغيرة والتافهة، وقد نقل الدينوري [هوأبوحنيفة الدينوري أحمد بن داؤد من أهل الدينور، مدينة من أعمال الجبل من همدان. "ثقة فيما يرويه، معروف بالصدق كما وصفه كذلك ابن النديم، توفي سنة 281 أو282 أوسنة 290، وإن أكثر أخذه من يعقوب بن إسحاق الليث النحوي لتشيعه، وهومن أبناء الفرس يستظهر إماميته" ("الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآقابزرك الطهراني ج1 ص339 ط طهران)] الشيعي أنه لما قدم الكوفة "قيل له: يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة" ["الأخبار الطوال" لأحمد بن داؤد الدينوري ص152]. وكذلك لما تكلم في رد فدك أبى أن يعمل خلاف ما فعله عمر، فهذا هوالسيد مرتضى يقول: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (ع) كلم في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً منع منه أبوبكر، وأمضاه عمر" ["كتاب الشافي في الإمامة" ص213، أيضاً "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد]. وننقل هنا روايات ثلاثة تأييداً لهاتين الروايتين نقلناها من كتب القوم. الأولى من حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه قال: لا أعلم علياً خالف عمر، ولا غيّر شيئاً مما صنع حين قدم الكوفة" ["رياض النضرة" لمحب الطبري ج2 ص85]. والرواية الثانية "أن أهل نجران جاءوا إلى علي يشتكون ما فعل بهم عمر، فقال في جوابهم: إن عمر كان رشيد الأمر، فلا أغير شيئاً صنعه عمر" ["البيهقي" ج10 ص130، "الكامل" لابن أثير ج2 ص201 ط مصر، "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ج4 ص145 ط الهند، "كتاب الخراج" لابن آدم ص23 ط مصر، "كتاب الأموال" ص98، "فتوح البلدان" ص74]. والرواية الثالثة أن علياً قال حين قدم الكوفة: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر" ["كتاب الخراج" لابن آدم ص23، أيضاً "فتوح البلدان" للبلاذري ص74 ط مصر]. وما كان كل هذا إلا لأنه يراه رجلاً ملهماً حسب إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ورجلاً مسدداً يدور معه الحق أينما دار. وأما كون عمر رجلاً من أهل الجنة كما ورد في ذلك حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رويناه، فلقد شهد بذلك علي بن أبي طالب وابن عمه وأحد قواده من المعتمدين وأمرائه الموثوقين عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين. ولقد أورد هذه الرواية ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعن، وطعنه أبولؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد بن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم فيقول ابن عباس: فسمعنا صوت أم كلثوم (بنت علي رضي الله عنه) واعمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر لهم، فقلت: والله! إني لأرجوأن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها}: إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي، فاستوى جالساً فقال: أتشهد لي بهدايا ابن عباس؟ فكعكعت أي جبنت، فضرب عليّ عليه السلام بين كتفي وقال: اشهد، وفى رواية لم تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزاً، وإمارتك فخراً، ولقد ملأت الأرض عدلاً، فقال: أتشهد لي بذلك يا ابن عباس! قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي عليه السلام: قل: نعم، وأنا معك، فقال: نعم" ["ابن أبي الحديد" ج3 ص146، ومثل هذا في "كتاب الآثار" ص207، "سيرة عمر" لابن الجوزي ص193 ط مصر]. وأكثر من هذا أن علياً - وهوالإمام المعصوم الأول عند القوم - كان يؤمن بأنه من أهل الجنة لما سمعه من لسان خيرة خلق الله محمد المصطفى الصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم -، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر رضي الله عنه في حياته، كما رواه كل من السيد مرتضى وأبوجعفر الطوسي وابن بابويه وابن أبي الحديد. لما غسل عمر وكفن دخل علي عليه السلام فقال: صلى الله عليه وآله وسلم ما على الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (أي المكفون) بين أظهركم" ["كتاب الشافي" لعلم الهدى ص171، و"تلخيص الشافي" للطوسي ج2 ص428 ط إيران، و"معاني الأخبار" للصدوق ص117 ط إيران]. ووردت هذه الرواية في كتب السنة بتمامها في المستدرك للحاكم [ج3 ص93]، مع "التلخيص" للذهبي "ومسند أحمد" مسندات علي "وطبقات ابن سعد" [أحوال عمر ج3 ص269، 270 ط ليدن] ومثله ورد في البخاري ومسلم. وأما ابن أبي الحديد فيذكر "طعن أمير المؤمنين فانصرف الناس وهوفي دمه مسجى لم يصل الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فرفع رأسه وقال: لاها الله إذن، لا حظ لامرئ في الإسلام ضيع صلاته، ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دماً فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب جرحه، ثم صلى وذكر، ثم التفت إلى ابنه عبد الله وقال: ضع خدي إلى الأرض يا عبد الله! قال عبد الله: فلم أعج بها وظننت أنها إختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى: ضع خدّي إلى الأرض يا بني، فلم أفعل، فقال الثالثة: ضع خدّي إلى الأرض لا أم لك، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه هوإلا ما به من الغلبة، فوضعت خدّه إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خا رجة من أضعاف التراب وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينه، فأصغيت أذني لأسمع ما يقول فسمعته يقول: يا ويل عمر وويل أم عمر إن لم يتجاوز الله عنه، وقد جاء في رواية أن علياً عليه السلام جاء حتى وقف عليه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى" ["شرح النهج" لابن أبي الحديد ج3 ص147]. فهل بعد ذلك مجال لقائل أن يقول بأن علياً وهوسيد أهل البيت لم يكن يعدّ عمر رجلاً من أهل الجنة؟ فمن من الناس يرجى أن يكون عمله وصحيفته كصحيفته وعمله؟. فهل هناك أكثر من ذلك؟ نعم! هناك أكثر وأكثر، فلقد شهد علي رضي الله عنه: "إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر وعمر" ["كتاب الشافي" ج2 ص428]. وقال فيه وفي أبي بكر في رسالته: إنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام، والمقتدى بهما بعد رسول الله، ومن اقتدى بهما عصم" ["تلخيص الشافي" للطوسي ج2 ص428]. وأيضا روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر" ["عيون أخبار الرضا" لابن بابويه القمي ج1 ص313، أيضاً "معاني الأخبار" للقمي ص110، أيضاً "تفسير الحسن العسكري"]. والجدير بالذكر أن هذه الرواية رواها عليّ عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وقد رواها عن علي ابنه الحسن رضي الله عنهما. مدح أهل البيت الفاروق هذا ولقد مدحه ابن عباس رضي الله عنه وهوأحد أعلام أهل بيت النبوة وسادتهم وابن عم النبي عليه السلام بقوله: رحم الله أبا حفص كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف الضعفاء، ومعقل الحنفاء، وقام بحق الله صابراً محتسباً حتى أوضح الدين، وفتح البلاد، وآمن العباد" ["مروج الذهب" للمسعودي الشيعي ج3 ص51، "ناسخ التواريخ" ج2 ص144 ط إيران]. هذا وقد بالغ في مدحه سائر أهل البيت كما مر في ذكر الصديق رضي الله عنه عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي، وعن ابنه محمد الباقر، وزيد الشهيد، وعن ابن الباقر جعفر، الملقب بالصادق، وأنه كان يأتي إلى قبرهما ويسلم عليهما، وكان يتولاهما، كل شيء من ذلك في ضمن ذكر الصديق أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما. وقبل أن ننتقل إلى شيء آخر نريد أن نضيف إلى ما ذكرنا رواية أخرى أوردها الكليني في كتاب "الروضة من الكافي". إن جعفر بن محمد - الإمام السادس المعصوم لدى الشيعة - لم يكن يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بولايتهما أيضاً، فيقول صاحبه المشهور لدى القوم أبوبصير: كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه. فقال أبوعبد الله عليه السلام: أيسرّك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها. قال: وأجلسني على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما (أي أبى بكر وعمر) فقال لها: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم" ["الروضة من الكافي" ج8 ص101 ط إيران تحت عنوان "حديث أبي بصير مع المرأة"]. فهذا هوالإمام السادس للقوم الذي جعلوا مذهبهم على اسمه، وشريعتهم على رسمه، حيث سموا أنفسهم جعفريين، ومذهبهم الجعفري، لا يتولى أبا بكر وعمر نفسه بل يأمر أتباعه أيضاً بتوليهما، فرحمة الله عليهم جميعاً، ورحمة ربنا على من يتمثل بأمره وأمر آبائه في ولاية أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وغيرهما وأصحاب النبي صلوات الله وسلامه ورضوانه عليهم أجمعين. تزويج المرتضى أم كلثوم من الفاروق وعلى هذا زوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته التي ولدتها فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفاروق رضي الله عنه حينما سأله زواجها منه رضي بما يطلب، وثقة فيه، واعتماداً به، وإقراراً بفضائله ومناقبه، واعترافاً بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من اليهود وأعداء الأمة المجيدة، ويرغم أنوفهم، ولقد أقر بهذا الزواج كافة أهل التاريخ والأنساب وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم، ولقد أوردنا روايات بخصوص ذلك في كتابنا "الشيعة والسنة". وإتماماً للفائدة وإكمالا للبحث نورد ههنا بعض الروايات الأخرى التي لم نوردها هناك، فيقول المؤرخ الشيعي أحمد بن أبي يعقوب في تاريخه تحت ذكر حوادث سنة 17 من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، وأمها فاطمة بنت رسول الله، فقال علي: إنها صغيرة! فقال: إني لم أرد حيث ذهبت. لكني سمعت رسول الله يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله، فتزوجها وأمهرها عشرة آلاف دينار" [تاريخ اليعقوبي ج2 ص149، 150]. وأيضاً ذكر ذلك الطبري في تاريخه "تاريخ الأمم والملوك" [ج5 ص16 ط مصر القديم] وابن كثير في "البداية والنهاية" [ج7 ص139] وابن الأثير في "الكامل" [ج3 ص29 ط دار الكتاب بيروت] وطبقات ابن سعد [ص340 ط ليدن] وأبوالفداء في تاريخه وغيرهم وهم كثيرون. وأقر بذلك الزواج أصحاب الصحاح الأربعة الشيعية أبوجعفر محمد بن يعقوب الكليني في كافيه بأن علياً زوج ابنته أم كلثوم من الفاروق رضي الله عنهما. وروى أيضاً عن سليمان بن خالد أنه قال: ... سألت أبا عبد الله عليه السلام - جعفر الصادق - عن امرأة توفي زوجها أين تعتد؟ في بيت زوجها أوحيث شاءت؟ قال: بلى حيث شاءت، ثم قال: إن علياً لمّا مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته" ["الكافي في الفروع" كتاب الطلاق، باب المتوفى عنها زوجها ج6 ص115، 116، وفي نفس الباب رواية أخرى عن ذلك، وأورد هذه الرواية شيخ الطائفة الطوسي في صحيحه "الاستبصار"، أبواب العدة، باب المتوفى عنها زوجها ج3 ص353، ورواية ثانية عن معاوية بن عمار، وأوردهما في "تهذيب الأحكام" باب في عدة النساء ج8 ص161]. وهنالك رواية أخرى رواه الطوسي عن جعفر - الإمام السادس عندهم - عن أبيه الباقر أنه قال: ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخرة وصلي عليهما جميعاً" ["تهذيب الأحكام" كتاب الميراث، باب ميراث الغرقى والمهدوم، ج9 ص262]. وذكر هذا الزواج من محدثي الشيعة وفقهائها السيد مرتضى علم الهدى في كتابه "الشافي" [ص116] وفى كتابه "تنزيه الأنبياء" [ص141 ط إيران]، وابن شهر آشوب [هورشيد الدين أبوجعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني "فخر الشيعة ومروج الشريعة، يحيي آثار المناقب والفضائل، والبحر المتلاطم الزخار، شيخ مشائخ الإمامية وصاحب كتاب "المناقب" وغيره، وكان إمام عصره، ووحيد دهره .. وهوعند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنة، مات سنة 588 بحلب" (الكنى والألقاب ج1 ص321)] في كتابه "مناقب آل أبي طالب" [ج3 ص162 ط بمبئى الهند] والأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة" [ص10 ط إيران القديم] وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" [ج3 ص124] ومقدس الأردبيلي في "حديقة الشيعة" [ص277 ط طهران] والقاضي نور الله الشوشتري الذى يسمونه بالشهيد الثالث في كتابه "مجالس المؤمنين" [ص76 ط إيران القديم، أيضاً ص82]. ويقول وهويذكر المقداد بن الأسود: إن النبي أعطى بنته لعثمان، وإن الولي زوج بنته من عمر" ["مجالس المؤمنين" ص85]. وأيضاً ذكر هذا الزواج في كتابه "مصائب النواصب" [ص170 ط طهران]، وأيضاً السيد نعمت الله الجزائري في كتابه "الأنوار النعمانية" والملا باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" [باب أحوال أولاده وأزواجه ص621 ط طهران]، والمؤرخ الشيعي المرزه عباس علي القلي في تاريخه ["تاريخ طراز مذهب مظفري" فارسي، باب حكاية تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب]، ومحمد جواد الشري في كتابه ["أمير المؤمنين" ص217 تحت عنوان "علي في عهد عمر" ط بيروت]، والعباسي القمي في "منتهى الآمال" [ج1 ص186 فصل6 تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين" ط إيران القديم] وغيرهم الذين بلغ عددهم حد التواتر، ولا ينكر ذلك إلا مكابر جاهل أومجادل متنكر. ولقد استدل بهذا الزواج فقهاء الشيعة على أنه يجوز نكاح الهاشمية من غير الهاشمي، فكتب الحلّي في شرائع الإسلام "ويجوز نكاح الحرة العبد، والعربية العجمي، والهاشمية غير الهاشمي" ["شرائع الإسلام" في الفقه الجعفري للحلي، كتاب النكاح، المتوفى 672]. وكتب تحت هذا شارح الشرائع زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني "وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بأبي العاص بن الربيع، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمروبن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم" ["مسالك الأفهام" شرح شرائع الإسلام، باب لواحق العقد ج1]. ونريد أن نختم الكلام في هذا الموضوع برواية ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي. "إن عمر بن الخطاب وجه إلى ملك الروم بريداً، فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيباً بدنانير، وجعلته في قارورتين وأهدتهما إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارورتين جواهر، فدخل عليها عمر وقد صبت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهوعوض هديتي؟ قال: بيني وبينك، أبوك، فقال علي عليه السلام: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله" ["شرح نهج البلاغة" ج4 ص575 ط بيروت 1375ه]. ولقد ذكر هذا الزواج علماء الأنساب والراجم أيضاً مثل البلاذري في "أنساب الأشراف" [ج1 ص428 ط مصر]، وابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" [ص37، 38 ط مصر]، والبغدادي في كتابه "المحبر" [تحت عنوان أصهار علي ص56 و437 ط دكن]، والدينوري في "المعارف" [تحت عنوان بنات علي ص92 ط مصر وأيضاً ص79، 80 تحت عنوان أولاد عمر بن الخطاب]، وغيرهم. إكرام الفاروق أهل البيت واحترامه إياهم ولم تكن هذه العلاقات من طرف واحد بل كل الأطراف كانوا معتنين بهذه العلاقات فكان الفاروق يجل أهل بيت النبي أكثر مما كان يجل أهل بيته هو، وكان يحترمهم ويقدمهم في الحقوق والعطاء على نفسه وأهل بيته، ولقد ذكر المؤرخون قاطبة أن الفاروق لما عيّن الوظائف المالية والعطاءات من بيت المال قدّم على الجميع بني هاشم لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولاحترامه أهل بيته عليه الصلاة والسلام. فها هواليعقوبي يذكر ذلك بقوله: ودون عمر الدواوين، وفرض العطاء سنة 20، وقال: قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف [وكلهم أقرباء علي أخوه وأبناء عمه، هكذا كان الفاروق، فالعدل - العدل]، وقال اكتبوا الناس على منازلهم وابدءوا ببني عبد مناف، فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف [اللهم إلا أهل السنة، فإنهم ذكروا في كتبهم أن الفاروق "فرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسناً وحسيناً فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففرضت لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (طبقات ابن سعد ج3 ص213، 214، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص43، 44 ط مصر، وفتوح البلدان ص454، 455، وكتاب الأموال لأبي عبيد بن سلام) ولقد روى البلاذري، ويحيى بن آدم، والطرابلسي وغيرهم عن جعفر بن محمد الباقر عن محمد الباقر وعن عبد الله بن الحسن وعن علي بن أبي طالب "إن عمر أقطع علياً ينبع فأضاف إليها غيرها" (فتوح البلدان للبلاذري ص20، وكتاب الخراج ليحيى بن آدم ص78 ط مصر القديم والإسعاف في أحكام الأوقاف للطرابلسي ص8 ط مصر)] … .. ولنفسه أربعة آلاف [ومع هذا لا يتستحي من الله من يقول: إن عمر غصب حقوق أهل البيت، وهذا هواليعقوبي يلطم على وجوههم لطمات من الحق الذي وفقه الله أن يقره ويعترف به، وعمر يومئذ أمير المؤمنين، وعلي دونه] … .. وكان أول مال أعطاه مالاً قدم به أبوهريرة من البحرين [نعم! أبوهريرة الذي يبغضه القوم أشد البغض، ليس إلا لأنه روى أحاديث سمعها من لسان رسول الله في مناقب أصحابه البررة، وخاصة الصديق والفاروق، نعم! ذلك أبوهريرة الذي جاء بالمال، فأخذ كلهم من مال الله الذي أتى به هو] مبلغه سبعمائة ألف درهم، قال (يعنى الفاروق): اكتبوا الناس على منازلهم، واكتبوا بني عبد مناف، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه، فلما نظر عمر قال: وددت والله أني هكذا في القرابة برسول الله، ولكن ابدءوا برسول الله ثم الأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله" ["تاريخ اليعقوبي" ج2 ص153 ط بيروت]. وأما ابن أبي الحديد فقال: لا بل ابدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبأهله، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم ببني عبد المطلب ثم بعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش، فقسم عمر مروطاً بين نساء المدينة، فبقي منها مرط حسن، فقال بعض من عنده: أعط هذا يا أمير المؤمنين! ابنة رسول الله التي عندك يعنون أم كلثوم بنت علي عليه السلام، فقال: أم سليط أهديه فإنها ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت تزفر لنا يوم أحد قرباً" ["نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج3 ص113، 114]. هذا ولقد ثبت أن الفاروق كان يقدر ويكرم أهل البيت، ويكن لهم من الاحترام ما لم يكن للآخرين، وحتى وأهل بيته وخاصته. وذكر أن ابنة يزدجرد كسرى إيران أكبر ملوك العالم آنذاك لما سبيت مع أسارى إيران أرسلت مع من أرسل إلى أمير المؤمنين وخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر الفاروق الأعظم رضي الله عنه، وتطلع الناس إليها وظنوا أنها تعطي وتنفل إلى ابن أمير المؤمنين والمجاهد الباسل الذي قاتل تحت لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوات عديدة، لأنه هوالذي كان لها كفو، ولكن الفاروق لم يخصها لنفسه ولابنه ولا لأحد من أهل بيته، بل رجح أهل بيت النبوة فأعطاها لحسين بن علي رضي الله عنهما، وهى التي ولدت علي بن الحسين رضي الله عنه الذي بقي وحيداً من أبناء الحسين في كربلاء حياً وأنجب وتسلسل منه نسله" [فليحذر الذين يدعون أنهم من نسل الحسين، ثم يسبون الفاروق، ويعدونه ظالماً حق آل محمد، وغاصباً لخلافتهم، لولاه لما كان لهم وجود، وإن كان غاصباً فكيف رضي الحسين بأخذ الجارية منه التي سبيت في معركة من معاركه التي أقيمت تحت لوائه وحسب توجيهاته؟ فليتدبر، وهل من مفكر؟]. ولقد ذكر ذلك نسابة شيعي مشهور ابن عنبة "إن اسمها شهربانوقيل: نهبت في فسخ المدائن فنفلها عمر بن الخطاب من الحسين عليه السلام" ["عمدة الطالب في أنساب أبي طالب" الفصل الثاني تحت عنوان عقب الحسين ص192]. كما ذكر ذلك محدث الشيعة المعروف في صحيحه الكافي في الأصول، عن محمد الباقر أنه قال: لما قدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: أف بيروج باداهرمز، فقال عمر: أتشتمنى هذه وهمّ بها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ليس ذلك لك، خيرها رجلاً من المسلمين وأحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين عليه السلام، فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين: بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله! لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت على بن الحسين عليه السلام، وكان يقال لعلي بن الحسين عليه السلام: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدائلي قال فيه: وإن غلاماً بين كسرى وهاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم" ["الأصول من الكافي" ج1 ص467، ناسخ التواريخ ج10 ص3، 4]. وقبل ذلك ساعد أباه علياً في زواجه من فاطمة رضي الله عنهما كما مر سابقاً. وإن الفاروق كان يبدأ الخمس والفيء بأهل بيت النبوة كما كان الرسول عليه السلام يعمل به، وبعده أبوبكر، ولقد ذكرنا هذا سابقاً عند ذكر الصديق وفدك "وكان أبوبكر يأخذ غلتها ويدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، ثم كان عليّ (على شاكلتهم وطريقتهم) كذلك" ["شرح نهج البلاغة" لابن ميثم ج5 ص107، أيضاً "الدرة النجفية" ص332، وابن أبي الحديد أيضاً]. ومن إكرامه وتقديره لأهل البيت ما ذكره ابن أبي الحديد عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر عمر الحسين بن علي عل أن يأتيه في بعض الحاجة فلقي الحسين عليه السلام عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج3 ص110]. هذا وكان يقول في عامة بني هاشم ما رواه علي بن الحسن عن أبيه حسين بن علي أنه قال: قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة" ["الآمالي" للطوسي ج2 ص345 ط نجف]. ... ونقل الطوسي هذا والصدوق أيضاً أن عمر لم يكن يستمع إلى أحد بطعن في علي بن أبي طالب ولم يكن يتحمله، ومرة "وقع رجل في علىّ عليه السلام بمحضر من عمر، فقال: تعرف صاحب هذا القبر؟ … .. لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره" ["الآمالي" للطوسي ج2 ص46، أيضاً "الآمالي" للصدوق ص324، ومثله ورد في مناقب لابن شهر آشوب ج2 ص154 ط الهند]. حب آل البيت ومبايعتهم إياه وكان أهل بيت النبوة يتبادلون معه هذا الحب والتقدير والاحترام، ولم يستمعوا ولم يصغوا إلى من يتكلم فيه، أويطعنه بطعنة، أويعرّضه بتعريض، بل تبرؤا ممن فعل به هذا، وأنكروا عليه كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى. وأكثر من ذلك كافئوه على احترامه لهم وتقديره بهم حتى أعطوه ثمرة من ثمار النبوة، وزوّجها منه، وأطاعوه، وأخلصوا له الوفاء والطاعة، وناصحوه، وشاوروه بأحسن ما رأوه، واستوزرهم وتوزروه، وأنابهم فقبلوا نيابته، وجاهدوا تحت رايته، ولم يتأخروا في تقديم النصيحة له وما يطلب منهم وفق الكتاب والسنة، وبذلوا له كل غال وثمين. فها هوعلي بن أبي طالب يقر بذلك في رسالته التي أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر عامله على مصر، فيقول بعد ذكر الأحداث التي وقعت عقب وفاة الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه: "فتولى أبوبكر تلك الأمور…فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاّه فسمعنا وأطعنا وناصحنا [وهذا رغم أنف كل من يأبى وينكر، ورغم أنف المتستر بنقاب س-خ، والملتجئ إلى الكذب، القائل في كتابه رداً علينا - وفي رده يثبت ما قلناه ويقر ما أثبتناه - وهويظن بأنه يكذبنا ويكذب الحقائق الدامغة التي لا مفر عنها، فيقول بعد ما ينقل فضائل أبي بكر وعمر التي أوردناها يقول: لوكنت حاضراً تحت منبر علي حينما بكى، وخطب هذه الخطبة المفصلة في الثناء عليهما لقلت له: ما جرّأنا على مخالفتهما وانتقاصهما إلا أنت يا علي! لامتناعك أنت وأهل بيت رسول الله والخلّص من أصحاب رسول الله عن البيعة لهما مما اضطررتم عمر أن يحمل الحطب، ويأتي لدارك يريد حرقها بمن فيها. وفيها ابنة رسول الله ويقال له: إن فيها ابنة رسول الله. ويقول: وإن .. حتى أخرجاك قهراً. ولم تبايع أنت إلا بعد ستة أشهر وبعد موت زوجتك غاضبة عليهما على فعلتهما معك ومعها، حتى أوصتك أن تدفنها ليلاً - وقد فعلت - احتجاجاً على فعلهما معكما؟. فإذا كنت تعلم - يا علي - أن هذه منزلتهما عند رسول الله فلماذا فعلت - أنت وأصحابك وزوجك - هذا الفعل وجرأتمونا على نقدهما على ارتكابهما ذلك الفعل؟. ثم ولم تكتف - يا علي - حتى تدعي في خطابك مع معاوية بن أبي سفيان الذي عيرك هذه الحادثة وذكر أنهم أخرجاك كالجمل المخشوش، فقلت له مفتخراً: وأوجب لي رسول الله فيكم ولايته غداة غدير خم ثم وكيف تدعي يا علي (أن رسول الله لا يرى كرأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما حباً) وإنا نقرأ في التاريخ عدة قضايا رغب فيها عمر وخالفه رسول الله. فقد رأى عمر بعد وقعة بدر، أن يقدم رسول الله عمه العباس ويضرب عنقه، وتقدم أنت أخاك عقيلاً وتضرب عنقه، وخالفه رسول الله لأنه أخذ الدية وأطلقهما. وهكذا رأى عمر يوم فتح مكة أن يأمره رسول الله بضرب عنق أبي سفيان فامتنع رسول الله وأطلق سراحه وجعل بيته مأمناً للخائفين. وأخيراً وليس آخراً. قول رسول الله عند موته: آتوني بكتف وقرطاس لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. فخالف عمر في ذلك وقال: عندنا كتاب الله ما فرط فيه من شيء مما أوجد رسول الله وأغضبه فطرده. وقال: قوموا فقاموا. إلى كثير من أمثال هذه المخالفات فلماذا لا تقول الصحيح يا علي؟ ثم هبك - يا علي - علمت أنه في حياته لم يتجاوزوا أمره ورأيه، ولكن كيف علمت ذلك بعد وفاة رسول الله. وهل أعلمك رسول الله بذلك. وحينما وقعت بينهما - بين أبوبكر وعمر - مشادة في قضية خالد بن الوليد، كان رأي رسول الله مع من منهما. ولا شك أن علياً سيقول: لعن الله الكاذب المفتري" (كتاب الشيعة والسنة في الميزان لصاحب قناع س - خ ص88، 89، 90 ط بيروت). نعم وأنا أيضاً أقول: لعن الله الكاذب المفتري سواء كان صاحب برقع س-خ أوالصافي. فشركما لخيركما الفداء ولقد كذّبه علي بن أبي طالب حيث يقول: أيها السائل الكاذب المفتري الجريء على الجلوس تحت منبر لا أراك إلا من سلالة ابن ملجم حيث تسب وتشتم صهري زوج بنتي من فاطمة الزهراء بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتنسب إليّ ما لم أقله وما لم أفعله، وتكذب الفاروق وتكذبني، ثم تدعي حبي وولائي، وتقول بأنني أنا جرأتك عليهما، لست إلا من سلالة ابن سبأ الذي تنكر وجوده خوفاً ووجلاً من أفعاله وأعماله وأقواله التي تطابق أقوالك وآرائك حتى لا تفضح، ولا يطلع الناس على سريرتك وفضائحك. وأنت تعلم أنني أنا الذي قتلته وحرقته لما أراد فتنة في الدين. وفساداً في الشريعة واضطراباً ف المسلمين، وقد ذكره أسلافك وقومك، فتأتي أنت في القرن الرابع عشر وتنكر وتتنكر، وقبلك كلهم اعترفوا بوجوده وأعماله القبيحة الشنيعة فلعنة الله على الكاذب والمنكر والمفتري. {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}. فمن الكاذب والمفتري، أنت أوصاحبك؟ وأما سيد أهل البيت فمعاذ الله أن يناله سوء سريرتك وسلاطة لسانك، ثم وكم من خطب علي تنكرها؟، وأي عدد من العبارات تنكر عليها، وها قد ذكرنا خطبة علي وتدعي موالاته من كتابك أنت، نعم أنت وقومك، فأنتم جعتموه، وأنتم علقتم عليه وحققتموه، وأنتم طبعتموه أنتم، ثم وأنتم قدمتموه إلى العالم بقولكم: ولأجل ذلك صار كتابه (أي الغارات) هذا، وسائر كتبه مرتعاً للشيعة، ومشرعاً لهم، فقلما تجد كتاباً معروفاً للشيعة يخلومن ذكره وروايته فالأولى أن نشير إلى جماعة ممن يروي عنه أوعن كتبه بلا واسطة أومعها" (مقدمة "الغارات" للثقفي ص ع). ومعنى هذا أن هذا الكتاب من أهم مراجع الشيعة، ومنها سرقوا كثيراً، فبفضل الله ومنّه فقد أثبتنا مرغمين أنوف المنكرين بأن علياً بايع الصديق والفاروق، وأخلص لهما الوفاء، ويقر بذلك نفسه وهذا بعد وفاتهما، فماذا يقول المنصفون؟ ألا يقولون: لعن الله الكاذب والمفتري. عبد الله بن سبأ وأما إنكار عبد الله بن سبأ اليهودي فليس إلا إنكار للحقيقة الساطعة كالشمس الطالعة في منتصف نهارها، ولم يوجد في المتقدمين أحد من أنكر وجوده، وما أدري أيهم أكثر علماً وإلماماً بالحقائق؟ المتقدمون أوالمتأخرون، الخائفين المذعورين من والد ولدهم، ومؤسس أوجدهم، فنحن ندعوالقوم ونتحداهم أن يثبتوا واحداً من المتقدمين منهم، لا منّا، من ينكر وجوده، ويعده من الخيال والوهم فهؤلاء وكم هم؟ ومنهم صاحبنا الذي أعجبه أن يرد علينا فيا ليت استطاع الرد، ولكم اشتقت حينما سمعت بأن واحداً اجترأ على الرد حتى أراه وأعرفه بماذا ردّ عليّ؟ إن كان صادقاً فأعترف بخطأي، وأقر بقصوري وغلطتي، ولكم تمنيت أن شيئاً مما نقلت رد عليه بأن النقل من كتب القوم غير صحيح، أوالمصدر غير موثوق، أوعبارة منسوبة غير صحيحة إلى من نسبت إليه، أواستنتجت فأخطأت الاستنتاج والاستدلال؟ وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل، وأين أنا وقد اعترف بإمكان صدوره علي بن أبي طالب المتهم بالعصمة كذباً وافتراء، وها هويقول: لا تكفوا عن مقالة بحق أومشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ" ["الكافي في الأصول" نقلاً عن "أعيان الشيعة" ج1 ص136، إن كان احتمال الخطأ منافياً للخلافة والإمامة فإنه حاصل لأئمتكم أنتم، فباعترافهم هم أنفسهم، وفي أقدس كتاب عندكم، فما معنى إذاً؟]. فتمنيت هذا، ولكن ولله الحمد والمنة بأن كل هذه المهاترات، والسباب والشتائم والتعريضات، والتنابز بالألقاب، والكذبات المتكررة لم تجعلني إلا ثقة واعتماداً بأنه وفقني سبحانه وتعالى بالدفاع عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ورفاقه الكرام البررة، واكتشاف القوم ونواياهم وخباياهم بالواقع والحقيقة، ومن كتبهم أنفسهم، وما استطاعوا، ولن يستطيعوا أن يكذبوا شيئاً مما ذكرت اللهم إلا أن ينكروا كتبهم، ويكذبوا محدثيهم، وفقهائهم، وأئمتهم. والجدير بالذكر أننا لم نذكر عبد الله بن سبأ نجل اليهودي عند ما ذكرناه في كتابنا "الشيعة والسنة" نقلاً عن ابن حجر العسقلاني، ولا الذهبي، ولا ابن حبان، ولا ابن ماكولا، ولا البخاري، ولا، ولا، بل ذكرناه من الكشي إمامهم في الرجال، والنوبختي إمامهم في الفرق، ومؤرخ شيعي في الروضة الصفا: وكل من الكتب الثلاثة من كتبهم هم، ألفها كبارهم، ثم، من تحقيقهم أنفسهم حتى لا يتوهم بأنه أدرج فيها من المحقق والمعلق، ثم وكيف يحق له أن يقول مسفهاً العقلاء، ومبلداً العلماء العارفين: ولكن من هوابن سبأ هذا؟ ومن أي جاءته هذه القدرة العجيبة؟ التي جعلتنا نشاهده مرة في مصر ومرة في العراق. مرة في البصرة ومرة في الكوفة وهوحاضر في كل وقعة، مطلع على كل حادثة، ومن أين جاءته هذه الاستطاعة التي مكنته من أن يفعل ما يشاء متى شاء، ولماذا أهمل ذكره المؤرخون الأولون، ولماذا لم يتشك منه الخليفة عثمان الذي تشكى من أبي ذر وعمار وعبد الرحمن. وفعل بهم ما فعل وهم أصحاب رسول الله والمقدرون بين المسلمين، فلماذا لم يفعل بهذا اليهودي الطارئ ما فعل بهم بل ولماذا لم يذكره في أحاديثه وشكاياته؟ إن هذا اليهودي ابن السوداء العربي السبئي الذي جمع المتناقضات، والذي لا وجود له إلا في مخيلة من أراد الاعتذار عن عثمان بن عفان لهوشيء عجيب والأعجب منه الإصرار على وجوده الخارجي مع قيام الأدلة على تكذيبه" ["كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص31، 32 ط بيروت]. فمن تسأل يا من لا يسفه إلا رأيه ولا يحجر إلا عقله؟ ممن تسأل، منا أومن كشيك ونوبختيك؟ فيا لضياع الحق خذلانه وظهور الباطل ونصرته والغضب له! ويا للكذب والإصرار به والخداع والتمادي به! أيضن الظانون بأنهم يستطيعون بمثل هذه الكلمات النابية الرنانة أن يرعبوا الآخرين ويبهروا الكاشفين أسرارهم، المظهرين فضائحهم وقبائحهم، ثم أعد النظرة إلى كلماته كم التمادي في الباطل والإصرار في الكذب؟ فيا لمهزلة العقل! والتطاول في التزييف والتضليل، ليقرأ المخدوع والجاهل أوغير العارف بأصل القصة والقضية فينخدع، كم هؤلاء مساكين، مهتمين بأشياء لا أصل لها ولا جذر ولا بذر ولكن من للقوم أن ينجيهم من بطش الحق وقبضة العارفين؟ ثم ويقول في محل آخر: ونحن الشيعة غربلنا التاريخ في قضية ابن سبأ فعرفنا أن هذه الشخصية من خلق الرابع الهجري" [ملخ ما قاله ص83، 84]. فنحن نقول: وكيف غربت التاريخ؟ مقلباً الحقائق، ومغمضاً عينيك التي قلما ترى الحقيقة والصدق، مغلفاً قلبك وخاتماً عليه. وإن لم تكن هكذا ما تلفظت بهذا القول، وما كتبت هذه الكتابة وأنت تعرف أنك لا تجد أحداً ينصرك في هذا من قومك وقبيلتك قبل القرن الرابع عشر من الهجرة، نعم! وإلا فأتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وأنت لم تقلد في هذا القول إلا رجالاً مثلك، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وهذا مع دعواك في مبحث التحريف "أما غيرنا وهنا الليلة فلم يقل بعدم التحريف إلا تقليداً لمن جمع القرآن، وهذا التقليد هوالذي يسمى بالتقليد الأعمى، والذي نرفضه في الأصول والفروع، والذي ذمه الله سبحانه وتعالى حينما ذم اليهود والنصارى باتباعهم الرهبان والأحبار، وأخذهم بأقوالهم من غير تمحيص. فعبر عنهم الله بالعبادة والتعبد. وهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أحلوا لهم حلالاً، وحرموا عليهم حراماً، فأخذوا بما أمروهم من دون مجوز شرعي بل تقليداً فعبدوهم وهم لا يشعرون" [ص49، 50]. فانظر التناقض والتعارض والتخالف، وهذا كله من لوازم الكذاب الأفاك المفتري، تنكر شيئاً ثم تأتيه؟ عار عليك إذا فعلت عظيم تنكر على السنة بأنهم قالوا بعدم التحريف في كتاب الله تقليداً لمن جمع القرآن أي الصديق والفاروق وذي النورين، وتقلد أنت سيد حيدر، ومحمد جوار مغنية، والوردي، والشيبي، وطه حسين أوبعض المستشرقين، وكلهم أولاد هذا القرن، ولم يستندوا إلى دليل وبرهان في إنكاره، ولواستندوا ما اضطررت إلى أن تقول: إن هذه الشخصية من خلق القرن الرابع الهجري: لأن كلمة القرن الرابع نفسها تكذبك وتسفه رأيك، وتبله قولك، ولوفكرت قليلاً لما أطلقتها لأن المصدر الذي نقلنا منه حكايات ونشاطات عبد الله بن سبأ نجل اليهود هوالمصدر الموثوق المعتمد الشيعي المشهور، قد ألف وأوجد في الوجود قبله بقرن أي القرن الثالث من الهجرة، ألا وهوكتاب "فرق الشيعة" للنوبختي لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي المكتوب تحته بخط أسود مثل سواد قلوب الجاحدين المنكرين المكابرين - من علماء القرن الثالث للهجرة -. وما أدري كيف استطاع الأستاذ أسد حيدر وقد أراد في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ أن يستند إلى دليل غير الكلام الفارغ والأقول اللاطائلة، المبنية على الوهم والخيال مثل تفوه الوردي والشيبي ومغنية طه حسين وغيرهم، فقال: قلما يصدر كتاب يتناول البحث عن تاريخ الإسلام [بل تاريخ الشيعة بتعبير صحيح] إلا وعبد الله بن سبأ يحتل مكاناً في البحث [وهذا هوالذي يقلق مضاجعهم، ويجعلهم إلى إنكار وجوده] ويشغل صحائف الكتب - إلى أن قال - لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء فنكشف حقيقة نشأة هذه الأسطورة - فلم لم يكشف أحد من القدامى يا أستاذ! أوتركوك أنت وأهل عصرك تتعب ويتعبون؟ ونقف على عوامل تلك الأباطيل التي طالما ظلت أيد سوداء ممتدة فوقها في سكون وصمت ["الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ج6 ص456 ط بيروت]. فلنحن ننظر كيف يكشف، وبماذا يكشف؟ ولكنه يريد أن يمهد المسألة أكثر مما مهد فيقول: يخطئ من يقول: بأن بحث قضية ابن سبأ من الأمور التي لا مندوحة في بحثها الآن وإثارتها في هذا العصر، فالزمن قد تغير، وهذه من دفائن الماضي، وليس من الصحيح نبش تلك الدفائن ونشر صحائف مطوية، أكل الدهر عليها وشرب. وإننا نقول: إن هذه القضية ليست كما يتوهمه المتوهمون بأنها من الصحائف المطوية، والآثار المنسية، بل هي في كل وقت غضة جديدة لا تغيرها الأيام مهما طال زمانها، فهي تنشر في كل وقت وتجعل من الأسس التي يستند إليها أكثر كتاب عصرنا الحاضر كوسيلة للطعن على الشيعة ["الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص457]. نعم! إن هذه القضية ليست كما يتوهم المتوهمون بأنها من الصحائف مطوية، بل هي غضة جديدة في كل وقت من الأوقات عند ما يبحث تاريخ الشيعة، وجذور معتقداتهم، والأسس التي قام عليها مذهبهم، لأنها حقيقة ثابتة لا تغيرها الأيام مهما كثرت الأكاذيب، وعلت أصوات الإنكار الغير المستندة إلى دليل، ومهما طال الزمن، لأنها وسيلة لاكتشاف أصل الشيعة وأصولها، ومؤسسيها، وبناتها، والذين نسجوا حبائلها وحبائكها لاصطياد الأمة الإسلامية المجيدة، نعم! إنها هي كما قال، ثم ماذا؟ ثم بعد تسويد صفحات ستة يقول: إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتّاب المستشرقين وغيرهم فأحاطوها بعناية خاصة، ومنحوها مزيداً من البيان فأسبغوا عليها ألفاظاً براقة خلابة دبجتها أقلامهم وصاروا يكررونها ويرددونها ترديد المؤمن بصحتها، الواثق بوقوعها، وكأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك" ["الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص463]. نعم إنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك، ولكنه يريد أن يبني عمارته على الرمال ومثلها لا تقوم، وبعد الكلام الطويل يقول: ربما يظن أن لهذه القضية مصدراً موثوقاً به نظراً لشهرتها وانتشارها، في عدة كتب من كتب التاريخ والأدب، ولكن كل ذلك لم يكن، وليس لها أي مصدر يمكن الركون إليه كما سنبينه إن شاء الله" ["الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص464]. ونحن لا نملك إلا أن نمشي معه قائلاً: يا أستاذ! اترك كل هذا وبيّن؟ ولكنه لا يريد أن يترك، ثم يمشي في الهواء ويطير في القضاء إلى أن يضيع صفحات أربعة أخرى حتى يعنون بعنوان "المصدر" فيكتب: "نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة، ونقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها، ولكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن الثقات، من المؤرخين، الأمر الذي يعوإلى عدم طرحها ولكنه ينفي المبالغات التي فيها" ["الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص468]. ثم وبعد تمهيد آخر أخذ فيه صفحة كاملة [قصداً ذكرنا هذه الصفحات وهذه الأرقام حتى يعرف نفسية القائل، فعلماء النفس يقولون: إن الضعيف والكاذب لا يستطيع أن يأتي رأساً إلى المقصود لأنه يعرف الضعف والكذب الذي يحاول أن يكتمه، ففي كتمانه يلف يميناً ويساراً حتى يطمّن نفسه أولاً بأنه استطاع إبعاد الضعف بهذا اللف والدوران، وأما الصادق والقوي فلا يحتاج إلى ذلك، بل يباشر المقصود بلا تردد والتفاتة يميناً ويساراً] يقول: نعم! المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد [ينبغي الانتباه والمراعاة لهذه الكلمة لأنها مقصودة، وهي أساس البناء، ولينظر بأنه كيف تحكم بالقول وتجبر] إلى ذكرها هوأبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 صاحب التفسير الكبير، ومؤلف تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري. وهوالمصدر الوحيد لهذه القصة وجميع ما يتعلق بأخبار عبد الله بن سبأ. وأخذ عن ابن جرير كل من ابن الأثير المتوفى سنة 630 وابن كثير المتوفى سنة 774 وابن خلدون المتوفى سنة 808 وغيرهم [ص469]. وبعد هذا أراد الأستاذ أسد أن يحمل مشقة البحث والنقد في ثقاهة الطبري ومن نقل عنهم الشهادة في كتابه في 24 صفحة تقريباً بعد ما ضيع في التمهيد 14 صفحة. فنحن نقول له: يا من نهجت منهج الاستقامة والإنصاف والتدبر في النقد والاتزان" [انظر صفحة 492 من هذا الكتاب حيث يختم البحث]. لا نكلفك كل هذا العناء، ولا نحملك كل هذا الثقل، ونغنيك عن المشقة والتعب من النظر في كتب الرجال والإسناد [وإن أنصف الأستاذ وأمعن نظره في كتب الرجال مذهب ثلاثة أرباع مذهبه على أدراج الرياح لأنه ما قام إلا على الأساطير والقصص والأوهام والأفكار المستوردة، ولم ينقله إلا الكذابون الأفاكون الذين اشتكى عنهم أئمتهم وصلحاء أهل البيت وسادتهم، وإليك رواية واحدة منهم، ينقل الكشي عن أبي الحسن الرضا - الإمام -"كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان مغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب على محمد بن فرات، قال أبويحيى: وكان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة" (رجال الكشي ص256 ط كربلاء)]، ونختصر عليك الطريق ومن سبقك في هذا القول وتبعك، فنقول له ما قلناه سابقاً للسيد صاحب نقاب س-خ ومن معه: بأننا نحن حينما ننقل لا ننقل من الطبري، وغير الطبري، ابن الأثير وابن الكثير بل ننقل عن النوبختي، وإن النوبختي قطعاً لا ينقل عن الطبري، ولا أحد من الشيعة اتهمه بذلك، وهووإن لم يتقدم عنه فليس بمتأخر عنه وهومعاصر لثابت بن قرة المتوفى سنة 288ه [مقدمة "فرق الشيعة" للنوبختي ص14 ط نجف] وهوالمدار والمحور لجميع من كتب من الشيعة في الفرق، وثم ننقل أيضاً عن الرجالي الشيعي المتعصب السباب اللعان على المخالفين، المشهور بالكشي المعاصر لابن فولديه المتوفى 369، وكتابه أهم الكتب وأولها في الرجال "ومن الأصول الأربعة التي عليها المعول في هذا الباب" [مقدمة رجال الكشي ص4]. ولقد تبعهما في ذكر عبد الله بن سبأ بدون إنكار ولا ترديد كل من الطوسي الملقب بشيخ الطائفة في رجاله، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والحلي في خلاصته، والقمي في تحفة الأحباب، والخوانساري في روضات الجنات، والمامقاني في تنقيح المقال، والمرزه في ناسخ التواريخ، والتستري في قاموس الرجال، والعباسي القمي في الكنى والألقاب، وغيرهم الكثيرون الكثيرون وكلهم أخذوا من غير الطبري، فلم يكلف الأستاذ نفسه؟ ولم يتكلف بأن يبحث في الطبري وعقيدته، وسنده؟ ولنسهل على الأستاذ ومن والاه في هذا الزمان، الزمان الذي أخبر عنه المرتضى علي بن أبي طالب رضي الله عنه "سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" ["نهج البلاغة" ص82 ط دار الكتاب بيروت]. نعم! نسهل عليهم وعلى غيرهم أن عبد الله بن سبأ ذكر وقبل أن يذكره الطبري في تاريخه. فها هوالثقفي أبوإسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الشيعي المتعصب الذي صنف أكثر من خمسين كتاباً لرواج مذهبه وترويج مسلكه يذكر في كتابه "الغارات" الذي يعدّ من أهم مراجع القوم، وقد أكثر الرواية منه ابن أبي الحديد، والحلي، والمجلسي، والحر العاملي، والنوري، والقمي، والشيرازي، والخوئي، والمرزه محمد تقي المامقاني وغيرهم [انظر مقدمة "الغارات" ص خط]. يذكر في كتابه هذا "عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب قال: دخل عمروبن الحمد وحجر بن عدي وحبة العوفي والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ [كلهم قتلة الإمام المظلوم عثمان بن عفان رضي الله عنه] على أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما افتتحت مصر وهومغموم فقالوا له: بيّن ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال علي عليه السلام: وهل فرغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي، وكونوا على الحق أعواناً" ["الغارات" للثقفي ص302، 303 ج1 ط انجمن آثار ملى إيران]. والمعروف أن الطبري ألف تاريخه وجمعه بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأما الثقفي فقد ألف كتابه هذا قريباً من الخمسينات بعد المأتين من الهجرة وكانت وفاته سنة 283ه تقريباً، وهوشيعي متعصب مشهور، روى القوم عن تشيعه وتصلبه روايات وحكايات عديدة [من أاراد الاطلاع عليها فلينظر إلى ترجمته في كتاب رجال القوم، أومقدمة الكتاب]. فالكتاب كتابكم والمحقق هوالمحدث الشيعي المعاصر المشهور، والطابع مطبعة شيعية، ونشرته لجنة شيعية المكونة لنشر كتب القوم. فهل بعد هذا يحتاج ذاك إلى الرد بأن المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد إلى ذكرها هوأبوجعفر الطبر وهوالمصدر الوحيد لهذه القصة، وههنا أحب أن أتمثل بعجز الشعر الفارسي، وأثبته أصلاً. اين كناهيست كه در شهر شما نيز كنند إن كانت هذه جريمة فمرتكبوها من بلدتكم أنتم، ولنعم ما قيل. وأخيراً نقول للأساتذة أصحاب الغيرة والنخوة من الشيعة الذين يرون أن هذا العار قد لحقهم، وهذه الوقاحة والشتيمة لزمتهم فكلما يذكر مذهبهم يذكر بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ نقول لهم: ننشدكم بالله ألا تنكرون وجوده وشخصيته تقية [ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع كتابنا "الشيعة والسنة" فإن فيه ما يكفي للباحث ويروي الغليل، ويشفي العليل، ولا جواب عليه بفضل الله ومنه وكرمه] خوفاً من الفضيحة وكشف الحقيقة؟ لأنكم "على دين من كتمه أعزه الله، ومن اذاعه أذله الله" ["الكافي في الأصول" باب التقية ج2 ص222 ط إيران]. ونسبتم إلى محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم لديكم - أنه قال: التقية في كل ضرورة [ثم وكيف يجترئ من جعل نفسه محاكماً في كتابه "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" بقوله: والتقية التي دل عليها العقل والنقل، هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى الشرح والتوضيح. وأي عقل يقول لإنسان يواجه ذئباً كاسراً ثم يقول له: تقدم لهذا الذئب الكاسر واعرض نفسك أمامه وأنت أعزل لا سلاح لديك، أترى أن مثل هذا لوفعل مثل هذه الفعلة، أتراهم لا يقولون إنه انتحر وأهلك نفسه من دون غاية شريفة يقره عليها العقل ويرتضيها الشرع والعرف" (ص43). وأيضاً "إن هذا الباكستاني وأمثاله ممن شتموا الشيعة لقولهم بالتقية، لوأنصفوا لنزلوا باللائمة على من ألجأهم إلى التقية، وعلى تلك المظالم التي أيدوها في كثير من العصور الإسلامية. إنهم لوفعلوا ذلك لكانوا بفعلهم أقرب إلى شريعة الإسلام المليئة بالعطف والإحسان والرحمة. ولكن كيف يفعلون ذلك ويلومونهم على ظلمهم وهم ما زالوا يرقصون على نغمهم، وينتشون من بقايا أسلافهم، ويتمرغون أمام رغباتهم، بالرغم من ذهابهم وذهاب مظالمهم. ولم يأسف هذا الباكستاني وأمثال إلا بكونه لم يشترك في تلك المظالم التي سبح بها خلفاؤه الجلادون وغاصوا بها إلى الآذان وهم في كل ذلك يعيشون في القرن العشرين، قرن الحريات والمساواة ولكن أرواحهم ما زالت منغمسة في قرن الجهالات والضلالات (ومن أحب عمل قوم حشر معهم). رحم الله صديقنا المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر حيث قال في كتابه القيم (عقائد الإمامية) الذي رجونا أن يقرأه المسلمون في أقطار الأرض ويعرفوا الشيعة وعقائدهم ومبانيهم وإخلاصهم الديني وحبهم للإسلام والمسلمين. يقول رحمه الله: إن عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإمامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأنهم كان لا يشفي غليلهم إلا أ تقدم رقابهم إلى السيوف لاستئصالها عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعباسيين بله العثمانيين" (ص45، 46). فيا ليت كيف يعرف من الصادق منهما؟ التابع أوالمتبوع، الإمام المعصوم أم المؤتم الأثيم؟] وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" ["الكافي في الأصول" باب القية ج2]. وإلا هل هنالك شك لشاك وريب لمرتاب أنه كان، وعقائده لا زالت كائنة موجودة عند القوم يحفظونها ويتشبثون بها ويعتقدونها ويعملون بها، فالله الهادي إلى سواء السبيل، ولقد أردنا أن نفرد لعبد الله بن سبأ مختصراً إن شاء الله ويسّر، فبيده التوفيق]- ثم يمدحه حسب عادته أنه لا يذكره إلا ويبالغ في مدحه - وتولى عمر الأمر، وكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة ["الغارات" للثقفي ج1 ص307، والنقيبة هي النفس، وقيل: الطبيعة "رجل ميمون النقيبة مبارك النفس، مظفر بما يحاول" كما قال ابن منظور الأفريقي، وقال ابن السكيت: إذا كان ميمون الأمر ينجح فيما حاول ويظفر، وقال ثعلب: إذا كان ميمون المشورة، وفي حديث مجدي بن عمرو: إنه ميمون النقيبة أي متنجح الفعال، مظفر المطالب" (لسان العرب لابن منظور الأفريقي ج1 ص768)]. أي لم نتأخر في بيعته، ولم نبخل بالسمع والطاعة والمناصحة، لأن سيرته كانت طيبة، ونفسه كان ميموناً مباركاً، ناجحاً في أفعاله، مظفراً في مطالبه. ولقد أثبت هذا الطوسي شيخ الطائفة لدى القوم في أماليه حيث يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة، ودخلت حيث أدخلني" ["الأمالي" للطوسي ج2 ص121 ط نجف]. فبايعه علي بن أبي طالب، وسمعه، وأطاعه، وناصحه، ورضي بما أمر به، ودخل اللجنة التي جعلها لانتخاب الخليفة منها، وكان وزيره ومشيره وقاضيه، ولقد ذكرنا مواقع عديدة استشار فيها الفاروق من مستشاريه، وكان من بينهم عل بن أبي طالب رضي الله عنه، وعمل بمشورة فيها دون غيره كما ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي: "إن عمر شاور أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور علياً، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء! ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي" ["تاريخ اليعقوبي" ج2 ص151، 152]. وكذلك وردت الروايات الكثيرة في المسائل القضائية أن علياً كان في طرف والباقين في جانب آخر فرجح الفاروق قضاء عليّ ورأيه، ولقد بوب المفيد الملقب بالشيخ باباً مستقلاً بعنوان "ذكر ما جاء من قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب" وأورد تحته قضايا مختلفة كثيرة حكم فيها عمر بقضاء علي رضي الله عنهما، ومنها: "إن عمر أتى بحامل قد زنت فأمر برجمها فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هب أن لك سبيلاً عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله تعالى يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبوالحسن ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد، فسرى بذلك عن عمر وعول الحكم به على أمير المؤمنين عليه السلام" ["الإرشاد" ص109]. وأيضا ذكر المفيد: إنه استدعى امرأة كانت تتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل ثم مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الحكم في ذلك فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدباً، ولم ترد إلا خيراً، ولا شيء عليك في ذلك وأمير المؤمنين عليه السلام جالس لا يتكلم في ذلك، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال: قد سمعت ما قالوا: قال: فما عندك؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا الدية على عاقلتك لأن قتل الصبى خطأ تعلق بك فقال: أنت والله نصحتني من بينهم والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ["الإرشاد" ص110]. وأيضاً "عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} ويقول جل قائلاً: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} فإذا تمت المرأة، الرضاعة سنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا" ["الإرشاد" ص110]. وأيضاً "إن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضاً، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ردوها واسألوها فلعل لها عذراً، فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا وكان في إبله لبن، فنفذ مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكبر {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها. وعمل الفاروق في جميع هذه القضايا بقضاء عليّ، ونفّذ ما قاله لأنه كان يقول حسب رواية شيعية: علي أقضانا" ["الأمالي" للطوسي ج1 ص256 ط نجف]. فهذه قضاءاته، وتلك مشوراته، أفبعد هذا يمكن القول بأن علياً كان يخالف عمر رضى الله عنهما، أوكان بينهما شيء؟، حتى ويقال إنه لم يبايعه هووذووه. فهل يتصور أن شخصاً لا يعترف ولا يقرّ بولاية أحد وخلافته ثم يشترك في الشورى في المسائل المهمة والنوائب الملمة، ويبدي رأيه الصائب، ويؤخذ بقوله ويقضى بين الناس، وينفذ قضاؤه؟. وأكثر من ذلك وأصرح ما ورد أنه لم يكن قاضياً ومشيراً ووزيراً لصهره ونائب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب فحسب، بل كان نائباً له في الحكم والحكومة فأنابه عمر سنة 15 من الهجرة لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين وشاور أصحابه فمنعه علي، وقال له: لا تخرج بنفسك، إنك تريد عدواً كلباً، فقال عمر: إنص أبادر بجهاز العدوموت العباس ابن عبد المطلب إنكم لوفقدتم العباس لينقض بكم الشر - فانظر حب الفاروق لأهل بيت النبي وخاصة لعمه - كما ينتقض الحبل" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج2 جزء 8 ص370]. فشخص عمر إلى الشام. "وإن علياً عليه السلام هوكان المستخلف على المدينة" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج2 جزء 8 ص370]. هذا ولقد ذكر المؤرخون أن الفاروق رضي الله عنه أناب المرتضى رضي الله عنه ثلاث مرات في الحكم وعلى عاصمة المؤمنين سنة 14 من الهجرة عندما أراد غزوالعراق بنفسه. وسنة 15 عند شخوصه لقتال الروم" [البداية والنهاية لابن كثي ج7 ص35 وص55 ط بيروت، أيضاً "الطبري" ج4 ص83، وص159 ط بيروت]. وعند خروجه إلى أيلة سنة 17 من الهجرة" [الطبري]. ولأجل ذلك قال علي رضي الله عنه لما عزموا على بيعته: أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" [نهج البلاغة ص136 تحقيق صبحي]. يشير بذلك إلى وزارته أيام الصديق وخاصة عصر الفاروق رضي الله عنهم. ولأجل ذلك كان يقاتل هووبنوه وأهله وذووه تحت رايته، ويقبلون منه الغنائم والهدايا والجواري والسبايا، ولولم يكن خلافته حقاً لما كان القتال تحت رايته جهاداً، ولم يكن الجواري والإماء جوارياً وإماءً، ولم يجز قبولها والتمتع بها، وقد ثبت هذا كله كما ذكرناه سابقاً، وكما روى الشيعة أن حسن بن علي سبط رسول الله عليه الصلاة والسلام قاتل تحت لواء الفاروق، وجاهد أيام خلافته وتحت توجيهاته وإرشاداته في الجيش الذي أرسل إلى غزوإيران ويقولون: إن في أصفهان مسجداً يعرف بلسان الأرض! ولقد سمي بهذا الاسم لأن حضرة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لما جاء إلى أصفهان أيام خلافة عمر بن الخطاب مجاهداً في سبيل الله غازياً وفاتحاً لهذه البلاد مع عساكر الإسلام نزل في موضع هذا المسجد فكلمت معه الأرض فسميت هذه البقعة لسان الأرض لتكملها معه" ["تتمة المنتهى" للعباس القمي ص390 ط إيران]. وهذا وذلك دليل صدق على ما قلناه. وأخيراً نريد أن نختم هذا البحث على مظهر يدل دلالة واضحة على حب أهل البيت الفاروق الأعظم رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك المظهر هوتسمية أهل البيت أبنائهم باسم الفاروق عمر، حباً وإعجاباً بشخصيته، وتقديراً لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقراراً بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة، والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم. فأول من سمى ابنه باسمه الإمام الأول المعصوم الذي لا يخطئ حسب معتقد القوم، ولقد سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية التي منحها الصديق أبوبكر رضي الله عنه، عمر كما ذكر المفيد واليعقوبي والمجلسي والأصفهاني وصاحب الفصول، فيقول المفيد في باب "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسماءهم": فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى (1) الحسن (2) الحسين…. (6) عمر (7) رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة" ["الإرشاد" للمفيد ص176]. ويقول اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكراً الحسن والحسين ومحسن مات صغيراً، أمهم فاطمة بنت رسول الله… .. وعمر، أمه أم حبيب بنت ربيعة البكرية" ["تاريخ اليعقوبي" ج2 ص213، كذلك "مقاتل الطالبين" ص84 ط بيروت]. وأما المجلسي فيذكر "عمر بن علي من الذين قتلوا مع الحسين في كربلاء، وأمه أم البنين بنت الحزام الكلابية" ["جلاء العيون" فارسي، ذكر من قتل مع الحسين بكربلاء ص570]. وصاحب الفصول يقول تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهى الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليه خالد بن الوليد بعين التمر، وعمّر عمر هذا حتى بلغ خمسة وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي عليه السلام، وذلك أن جميع إخوته وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (ع) - يعني أنه لم يقتل معهم - بالطف فورثهم" ["الفصول المهمة" منشورات الأعلمي طهران ص143، "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" ص361 ط نجف، "تحفة الإهاب" ص251، 252، "كشف الغمة" ج1 ص575]. هذا وتبعه الحسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فسمى أحد أبنائه عمر أيضاً. يكتب المفيد في باب "ذكر ولد الحسن بن علي عليهما السلام وعددهم وأسماؤهم". "أولاد الحسن بن علي (ع) خمسة عشر ولداً ذكراً وأنثى (1) زيد…. (5) عمر (6) قاسم (7) عبد الله أمهم أم ولد" ["الإرشاد" ص194، "تاريخ اليعقوبي" ج2 ص228، "عمدة الطالب" ص81، "منتهى الآمال" ج1 ص240 "الفصول المهمة" ص166]. ويقول المجلسي: كان عمر بن الحسن ممن استشهد مع الحسين بكربلاء" ["جلاء العيون" ص582]. ولكن الأصفهاني يرى أنه لم يقتل، بل كان ممن أسر فيقول: وحمل أهله (الحسين بعد قتله) أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنوالحسن بن علي بن أبي طالب" ["مقاتل الطالبين" ص119]. وابنه الثاني من فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسين رضي الله عنه أيضاً سمى أحد أبنائه باسم عمر، كما ذكر المجلسي تحت ذكر من قتل من البيت مع الحسين بكربلاء "قتل من أبنائه الحسين كما هوالمشهور على الأكبر، وعبد الله الذي استشهد في حجره، وبعضهم قالوا: أيضاً قتل من أبنائه هوعمر وزيد" ["جلاء العيون" للمجلسي ص582]. هذا ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه أيضاً باسم عمه وزوجة عمته وصديق جده، عمر، كما ذكر المفيد في باب "ذكر ولد علي عليه السلام" قال: ولد علي بن الحسين عليهما السلام خمسة عشر ولداً (1) محمد المكنى بأبي جعفر الباقر (ع) أمه أم عبد الله بنت الحسن… (6) عمر لام ولد" ["الإرشاد" ص261، "كشف الغمة" ج2 ص105، "عمدة الطالب" ص194، "منتهى الآمال" ج2 ص43، "الفصول المهمة" ص209]. وأما الأصفهاني فيذكر أن عمر هذا كان من أشقاء زيد بن على من أمه وأبيه كما يقول تحت ترجمة زيد بن على: وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب…. وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيداً وعمر وعلياً وخديجة…. اشترى المختار جارية بثلاثين ألفاً، فقال لها: أدبري فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحداً أحق بها من علي بن الحسين فبعث بها إليه وهى أم زيد بن على" ["مقاتل الطالبين" ص127]. والجدير بالذكر أن كثيراً من أولاد عمر هذا خرجوا على العباسيين مع من خرج من أبناء عمومتهم ["وتفاصيلهم موجودة في "المقاتل" وغيره من كتب هذا النوع]. وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم - الإمام السابع لدى القوم - سمى أحد أبنائه باسم عمر كما ذكر الأربلي تحت عنوان أولاده ["كشف الغمة" ص216]. فهؤلاء الأئمة الخمسة المعصومون لدى القوم يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له وبعد وفاته بمدة. أوَ هناك مظهر أكبر من هذا المظهر على ودهم وإخلاصهم لشخصية إسلامية فذة، وعبقري لم يفر أحد فريه، عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبعد هؤلاء الوجوه جرى هذا الاسم في أولادهم كما ورد ذكر أولئك في كتب الأنساب والتاريخ والسير، وأورد بعضاً منها الأصفهاني في "المقاتل" والأربلي في "كشف الغمة" يقول الأصفهاني: فمن الذين خرجوا طلباً للحكم والحكومة من الطالبيين مثل يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج أيام المستعين. وعمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين "الذي خرج مع الحسين المعروف بصاحب فخ أيام موسى الهادي" ["مقاتل الطالبين" للأصفهاني ص456 ط بيروت]. و"عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن" ["مقاتل الطالبين" أيضاً ص446]. إلى يومنا هذا غير هذا الشيعة منهم. ولكننا اكتفينا بالخمسة الأول لما لهم حجة على القوم لقولهم بعصمتهم وإمامتهم، فهذا هوموقف أهل البيت من صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عمر الفاروق الأعظم، رضي الله عنهم أجمعين، مثل الصديق رضي الله عنه كانوا يجلونه، ويوقرونه، ويعظمونه، ويتولونه، ويخلصون له الوفاء والطاعة، ويحيون اسمه بعده بتسمية أبنائهم باسمه، ويصاهرونه، ويتقربون إليه.
فارس الاسلام وأمير المؤمنين، عبقري الملة، وقطب رحى المسلمين، وباني مجدهم، ومؤسس شوكتهم، وفاتح القيصرية ، وهازم الكسروية، ورافع راية الإسلام ، ومعلي كلمته، موصل الدين من قلب الجزيرة الى أقصى العالم ، وناشر العدل، ومنفذ الشريعة الغراء على كل قريب وبعيد، ومساو بين كل جبار عنيد ومحتقر حقير، غير خائف في الحق لومة لائم، ولا آبه من عذل عاذل ،ما حى الشرك والبدعة والكفر والضلال ، حامى الحق والشريعة،الفاروق بين الحق والباطل، العادل بين الرعية خاصتهم وعامتهم أميرهم ومأمورهم ،المعز لدين الله والحق ، والمذل للطاغوت والكفر والأوثان، الأمين الراشد المرشد المصلح رضي الله عنه كان محبوبا الى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كما كان حبيبا الى سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم وهو يمشي على الأرض رضي الله عنه : "دخلت الجنة …رأيت قصراً بفناءه جارية ، فقلت : لمن هذا؟ فقالوا : لعمر بن الخطاب"وقال صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى:بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله ، ثم أخذهاابن أبي قحافة (الصديق) فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فاخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا ينزع نزع عمرحتى ضرب الناس بعطن -وفي رواية- حتى روى الناس وضربوا بعطن وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولقد ذكرنا أحاديث ثلاثة من إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي صلى الله عليه وسلم من كتب السنة المعتبرة خلاف عهدنا ودأبنا في هذا الكتاب بأننا لا ننقل شيئا إلا من كتب القوم أنفسهم لأننا سوف نروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه –سيد أهل البيت والإمام المعصوم الأول عند القوم- أنه يؤيد هذه الأحاديث الثلاثة باقواله الواضحة، وتصريحاته المكشوفة، والمروية المذكورة الموردة في بطون كتب القوم وأوراقها وصفحاتها.فلنرى ماذا يقول أهل البيت وسادتهم في هذا المصلح المحسن لأمة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم الذي رآه وبشر به، عمر بن الخطاب رضي الله عنه."ووليهم والٍ، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه"وقال الميثم البحراني الشيعي ، شارح نهج البلاغة، وكذلك الدنبلي شرحا لهذاالكلام "أن الوالي عمر بن الخطاب، وضربه بجرانه كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن البعير البارك من الأرض "ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي تحت هذه الخطبة ، ويذكرها من أولها "وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي صلى الله عليه وسلم واختصاصه له، وإفضائه بأسراره اليه حتى قال فيها:فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال ، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه"فانظر الى عليّ وكيف يطبق هذه الأوصاف على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين تصديقاً لرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حرفا بحرف ويجعل الفاروق مصدقا لبشارته عليه الصلاة والسلام ، وكيف يقر و يعترف بأن الدين قد استقر في عهده المبارك ، والاسلام قد تمكن في الارض في أيام خلافته الميمونة ، فهل لمتمسك ان يتمسك من الشيعة بقول علي بن ابي طالب الامام المعصوم عندهم الذي لا يخطئ.ثم والخطبة التي مدح فيها عمر بن الخطاب وجعله مورد ومصداق بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم هي خطبة ألقاها في أيام خلافته حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية الشيعية التي ألصقوها تهمة بخيار الخلائق رضوان الله ورحمته عليهم.وكم هناك من خطب لعليّ رضي الله عنه المنقولة في نهج البلاغة، التي تدل على نفس المعنى بأن الفاروق كان سببا لعز الدين ورفعة الاسلام ، وعظمة المسلمين وتوسعة البلاد الإسلامية ، وأنه أقام الناس على المحجة البيضاء واستأصل الفتنة ، وقَوَّمَ العوج وأزهق الباطل وأحيا السنة طائعا لله خائفا منه، فانظر الى ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالد سبطيه وهو يبالغ في مدح الفاروق ويقول:لله بلاد فلان ، فقد قَوَّمَ الأود، وداوى العمد وخلف الفتنة وأقام السنة ذهب نقى الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال ولا يستيقن المهتدي.ويقول ابن أبي الحديد: العرب تقول : لله بلاد فلان أي در فلان.وفلان المكنى هو عمر بن الخطاب ، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر … وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي : هو عمر ، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال: نعم نقلا عن إحسان الهي ظهير رحمه الله.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video