نورد هنا بعض آراء المستشرقين في عمر بن الخطاب فمما قاله الأستاذ [ص 62] موير(164) في كتابه "تاريخ الخلافة الإسلامية" ما ترجمته:
"كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر. وأظهر ما اتصفت به إداراته عدم التحيُّز. والتعبد. وكان يقدر المسؤولية حق قدرها" وقال: "وكان شعوره بالعدل قوياً ولم يحابِ أحداً في اختيار عماله. ومع أنه كان يحمل سوطه ويعاقب المذنب في الحال - حتى قيل: إن سوط عمر أشد من سيف غيره - إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقة. من ذلك شفقته على الأرامل والأيتام".
وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية:
"كان عمر حاكماً عاقلاً، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة".
وكتب الأستاذ واشنجتون إيرفنج(165) في كتابه "محمد وخلفاؤه":
"إن حياة عمر من أولها إلى أخرها تدل على أنه كان رجلاً ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الإمبراطورية الإسلامية، ونفَّذ رغبات النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم وثبتها بنصائحه أثناء خلافته القصيرة. ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلاد التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصاراتهم لأظهر دليل على كفاءته الخارقة للحكم، وكان ببساطة أخلاقه واحتقاره للأُبَّهة والترف مقتدياً بالنبي وأبي بكر، وقد سار على أثرهما في كتبه للقواد" [ص 65].
-------------------
(164) هو وِلْيَم مُوير (1234هـ - 1323هـ، 1819م - 1905م) مستشرق بريطاني من أصل اسكتلندي، أمضى حياته في خدمة الحكومة البريطانية بالهند، دخل البنغال وعمل في الاستخبارات تعلم الحقوق في جامعتي (جلاسجو وايدنبرج) وكان سكرتيراً لحكومة الهند سنة 1865-1868م، ثم عُيِّن مديراً لجامعة ايدنبرج سنة 1885-1902م له: شهادة القرآن لكتب أنبياء الرحمن، السيرة النبوية، تاريخ الخلافة الإسلامية، تاريخ دولة المماليك في مصر، وله مقالات في شعراء العرب.
(165) هو إيرفينج واشنطن (1783م-1859م) أديب أميركي، من رواد الأدب في أميركا الشمالية. للاستزادة راجع: المنجد في اللغة والأعلام.حكم من قلل من قدر الصحابة أو يقدح في عدالتهم
فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى
ما تقولون فيمن يقلل من شأن الصحابة ويقدح في عدالتهم ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الصحابة رضي الله عنهم أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً وأحسنها حالاً . قوم سمحت نفوسهم بالنفس والمال والأهل والدار ففارقوا الأوطان وهجروا الأباء والإخوان وبذلوا النفوس صابرين وأنفقوا الأموال محتسبين وناصبوا من ناوأهم متوكلين فآثروا رضاء الله على الغناء والذل على العز والغربة على الوطن ([1]) وقد اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه فأخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور أهل الطغيان إلى عدل الإسلام .
وقد أثنى الله على جميع الصحابة ومدحهم ووصفهم بالفوز العظيم فقال ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } .
والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فشملت الآية حينئذٍ جميع الصحابة كما أن قوله تعالى { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... إلى آخر الآية . عامة لكل الصحابة فإن كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ولو ساعة من الزمن ومات على ذلك فقد عمّه لفظ الصحبة وشمله المدح والثناء والرضى عنه يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الحديد { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } أي الجنة .
والشهادة لهم بالجنة دليل على عدالتهم وهي الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة فهم حملة الشريعة وأنصار الدين ووزراء رسول رب العالمين .
فمن تزبَّع ونصب نفسه حكماً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه المطاعن إلى أحد منهم وسلبهم العدالة وجعلهم كسائر الناس لهم ما لهم وعليهم ما عليهم أو ادعى أن العدالة لا تثبت إلا للمهاجرين والأنصار ومن عداهم يتطرق إليه الطعن والنقد ولا تثبت عدالته إلا بما تثبت به عدالة من جاء بعدهم من التابعين .
فهذا قد تعرض لأمر عظيم . وفتحَ الباب للزنادقةِ و الملاحدةِ من الرافضة وغيرهم في الطعن في حقائق الشريعة ومسلَّماتها أو التشكيك في معالمها وسننها .
وقد ذكر غيرُ واحد من أهل العلم الإجماع على عدالة الصحابة من حيث الجملة والتعيين وليس هذا بلازم لعصمة الواحد منهم أو استحالة حدوث المعصية منه كما تدَّعيه الرافضة في أهل البيت .
فالذنب يصدر من الواحد منهم عن تأويل سائغ واجتهاد وغير ذلك وليس بقادح في عدالته فقد رضي الله عنهم وأثنى عليهم مع علمه بما سيقع منهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وجود الفتنة ووقوع القتال
بين أصحابه ولم يكن هذا مانعاً من عدالتهم فإن هذه الأمور والوقائع الحادثة بينهم كانت عن اجتهاد وتأويل فللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد وخطؤه مغفورله لأنه متأوّل فيما فعل مجتهد فيما أقدم عليه
وهذا مما لا نزاع فيه وأدلته كثيرة .
وقد خالفت في ذلك الخوارج والمعتزلة وأشباههم وألحقوا بأهل الاجتهاد والأعذار أدلة الوعيد على التعيين ، وهذا القول فاسد وليس له وجه . فأدلة الوعيد لا تلحق أحداً من أهل العلم المجتهدين ولا سيَّما الصحابة
رضي الله عنهم فليس فيهم من يُعتقد فيه أو يظن أنه يتعمد مخالفة الأدلة .
فظهر بهذا القطعُ بعدالةِ الصحابة كلهم وإحسان الظن في جميعهم .
فمن بسط لسانه في التقليل من شأنهم أو القدح في عدالتهم فقد خالف المتواتر المقطوع به وتكلم في هذا الباب بجهل وظلم لا بعلم وعدل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق
مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه )) . متفق عليه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة ( 1 / 57 ) وابن ماجه ( 162 )
بسند صحيح من طريق سفيان عن نُسير بن ذعلوق عن ابن عمر رضي الله عنه قال ( لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره ) .
قاله
سليمان بن ناصر العلوان 26 / 5 / 1421 هـ