معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

هل قُتلت فاطمة الزهراء؟ ومتى قال الشيعة بذلك؟ ولماذا؟ وعلى أي أساس؟ ..

هل قُتلت فاطمة الزهراء؟ ومتى قال الشيعة بذلك؟ ولماذا؟ وعلى أي أساس؟

تلعب أسطورة "قتل عمر لفاطمة الزهراء بعد اقتحام بيتها وإحراق باب دارها بالنار وعصرها وراء الباب واسقاط جنينها " التي تنتشر في الأوساط الشعبية الشيعية منذ قرون ، دورا سلبيا في إثارة الفتنة بين المسلمين الذين يصدق بعضهم الأسطورة فيتخذ موقفا سلبيا من الخليفة الأول أبي بكر والخليفة الثاني عمر بن الخطاب "انتصارا" للسيدة فاطمة الزهراء، بينما يعتبر معظم المسلمين الرجلين وخصوصا عمر بن الخطاب نموذج الإمام العادل، وهكذا ينشأ الصدام بين المسلمين وتتعمق العداوة والبغضاء فيما بينهم، ولذلك يجدر بنا إلقاء الضوء على هذه الأسطورة لنرى كيف نشأت وكيف انتشرت؟ ومتى ؟ ومن كان وراءها؟ وماذا كان موقف أئمة أهل البيت والشيعة في القرون الأولى من عمر بن الخطاب وأبي بكر (رضي الله عنهما)؟

الروايات الشيعية

ان الروايات التي تداولها الشيعة الإمامية عن الموضوع، ارتقت لدى بعضهم الى درجة "التواتر والتظافر والاجماع" وشكلت بذلك شبهة أو عقدة في نظرتهم الى عمر بن الخطاب. ومع انهم لم يستطيعوا عبرها ان يعيدوا الخلافة الى أهل البيت، ولكنهم نجحوا في زرع العداوة والبغضاء ضدهم في قلوب محبي أبي بكر وعمر من بقية المسلمين.

ان السؤال هو هل كانت هذه القصة أو الشبهة معروفة لدى الشيعة في الأجيال الأولى؟ وهل تستند على مصادر موثقة قديمة لدى الشيعة؟ أم انها وليدة الروايات الأسطورية المختلقة في العصور اللاحقة؟

يقول السيد محمد الحسيني الشاهرودي:" ان الأخبار الواردة حول ما لاقته أم الأئمة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، من ممارسات تعسفية على أيدي الحاكمين، مثل كسر ضلعها وإسقاط جنينها المسمى بمحسن بن علي، ولطمها على خدها ومنعها من البكاء وما الى ذلك، أخبار كثيرة متظافرة متواترة إجمالا". ويقول السيد علي الميلاني:" إنّ إحراق بيت الزهراء من الاُمور المسلّمة القطعيّة في أحاديثنا وكتبنا، وعليه إجماع علمائنا ورواتنا ومؤلّفينا".[2]

 فما هي تلك الروايات "المتواترة" و "المتظافرة"؟

بعد أن اطلعنا على روايات المؤرخين "السنة" يجدر بنا أن نطلع على حقيقة روايات الشيعة، لننظر مدى قيمتها العلمية، وفيما اذا كانت حقا متواترة؟ أم ليست سوى إشاعات  وأساطير وروايات غير مسندة؟

1- رواية إبراهيم الثقفي

ان أول رواية شيعية تصلنا عبر التاريخ هي رواية إبراهيم بن محمد الثقفي، المتوفى سنة 280 ه‍  في كتابه (أخبار السقيفة أو الغارات)، يرويها عن أحمد بن عمرو البجلي، عن أحمد ابن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) قال:" والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته". و كتاب السقيفة هذا لم يصلنا ولم نعرف له أثرا، وانما نقل هذه الرواية عنه الشريف المرتضى في كتاب (الشافي في الإمامة) في القرن الخامس ، أي بعد فاصلة زمنية تقدر بأكثر من مائة عام، وبلا أي سند.

ولعل هذه الرواية هي نفسها التي رواها الشيخ المفيد (استاذ المرتضى) في أماليه ص 38، عن الثقفي، ولكن عن كتاب (الغارات). وكان هذا الكتاب يتضمن شرحا للوضوء يختلف عن رأي الشيعة المعروف، وهذا ما دفع مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني، للتعليق عليه بالقول:"إن الرواية المذكورة في كتاب الغارات لا يمكن الاعتماد عليها ، وذلك لمعارضتها لروايات متواترةٍ صحيحة تصف الوضوء على طريقة الإمامية المتعارفة المتبعة ، لذا فهي ساقطة عن الاعتبار ، وقد روى هذه الرواية الشيخ المفيد في أماليه بنفس السند إلاّ أن نصها يؤكد طريقة وضوء الإمامية خلاف النص الوارد في كتاب الغارات مما جعل المحقق النوري صاحب المستدرك على الوسائل أن يعتبر ما ورد في نص كتاب الغارات هو من تصحيف العامة . أي من تحريفهم ...".

وهذا ما يؤكد تعرض الكتاب المذكور غير المسند الى تلاعب وتحريف وتصحيف، ومع ذلك فانه لم يصلنا ولا نعرف عنه شيئا. فكيف يمكن أن نثق بأية رواية فيه يرويها رجال جاءوا بعده بسنين طويلة؟ وكيف يمكن ان نصدق رواية الثقفي عن الامام الصادق حول عدم بيعة الامام علي لأبي بكر الا بعد رؤيته للدخان في بيته؟ وهل يمكن اعتبار هذه الرواية مسندة وصحيحة؟ واذا كان يمكن للعامة أن يحرفوا الكتاب فلماذا لا يمكن للخاصة أن يفعلوا ذلك؟ ويضيفوا عليه ما يشاؤون؟

 2- رواية سليم بن قيس الهلالي

الرواية الثانية الأشهر، والأكثر تفصيلا ، هي رواية سُليم بن قيس الهلالي، في كتابه المعروف والمنسوب اليه، والذي انتشر في القرن الرابع الهجري، واحتوى على أمور أسطورية غريبة وعجيبة، في نفس الوقت الذي انتشرت فيه كتب وتفاسير أخبارية حشوية مليئة بالخرافات والأساطير والأحاديث الموضوعة والمنكرة كتحريف القرآن الكريم، مثل تفسير القمي وتفسير العياشي وتفسير ابن فرات ، فيما عرف بالمرحلة الأخبارية الأولى، قبل أن يقوم علماء الشيعة الأصوليون بتهذيب تلك الأخبار والتأكد منها وتصفيتها ورفض الدخيل منها.

وكما نعرف فان الكتب في السابق كانت عرضة للتحريف والتصحيف والزيادة والنقصان، ولذلك كان علماء الحديث يتوقفون في النقل عن الكتب الا برواية الثقة، ويرفضون "الوجادة" فيها، وربما كان هذا هو سبب امتناع أئمة أهل البيت عليهم السلام من تأليف الكتب ونشرها بين الناس، وتحذيرهم من التلاعب والتزوير والكذب في الرواية عنهم.

في هذا الجو انتشر (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يَزعم أو يُزعم أنه جاء من نجد وهو شاب صغير، وعاصر خمسة من الأئمة هم علي بن أبي طالب والحسن والحسن وعلي بن الحسين ومحمد الباقر (عليهم السلام) وأنه كان يدور حاملا قلمه وقراطيسه ليسجل أدق التفاصيل التي حدثت يوم السقيفة وعند استخلاف أبي بكر، وخاض حروب الامام علي كلها، وعاش الى زمن الحجاج الى أن هرب منه الى مدينة فارسية هي (نوبندجان) ثم أودع كتابه قبيل وفاته حوالي سنة 76 عند راو صغير هو أبان بن أبي عياش  الذي كان قد ولد في حدود سنة  62 هـ ليحتفظ هذا الطفل بكتابه سراً سبعين عاما، الى يوم وفاته سنة 138 ، ويسلمه الى راوٍ آخر  هو عمر بن أذينة، الذي سينقله من واحد الى آخر حتى ينتشر الكتاب في القرن الرابع.

ماذا تقول رواية سليم؟

انها تقول إن الامام علي رفض بيعة أبي بكر، وحمل زوجته فاطمة الزهراء على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين ، وراح يدور على بيوت المهاجرين والأنصار، ويذكرهم بحقه ويدعوهم الى نصرته، ولكنهم لم يستجيبوا له الا أربعة  وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم ومعهم سلاحهم ليبايعوا على الموت، فأصبحوا، فلم يواف منهم أحد الا أربعة هم سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير، فلما رأى غدرهم وقلة وفائهم لزم بيته، وأقبل على القرآن يجمعه... وأرسل أبو بكر اليه :"أجب خليفة رسول الله" فأتاه الرسول فقال له ذلك، فقال له:" سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري..  سبحان الله ما والله طال العهد فينسى. فوالله إنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين"..

وتقول الرواية إن أبا بكر أرسل شخصا اسمه قنفذ فانطلق فاستأذن على علي، فأبى أن يأذن له، فقال عمر: اذهبوا فان أذن لكم والا فادخلوا عليه بغير إذن! ..فقالت فاطمة: "أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن". فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء! ثم أمر أناسا حوله أن يحملوا الحطب، فجعلوه حول منزل علي، ثم نادى :"والله لتخرجن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله وإلا أضرمت عليك بيتك النار"! ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت:"يا أبتاه يا رسول الله" فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها، ثم رفع السوط فضرب به ذراعها فنادت:"يا رسول الله، لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر". فوثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاه به. فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلا! وحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط ، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته، ثم انطلق بعلي عليه السلام يعتل عتلا حتى انتهي به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه.

وتضيف الرواية: أن قنفذ ضرب فاطمة بالسوط وألجأها إلى عضادة باب بيتها ودفعها فكسر ضلعا من جنبها فألقت جنينا من بطنها. فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة.

وتقول أيضا: ان الامام علي رفض أن يبايع تحت تهديد السيف، وقال: فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قالوا: نقتلك ذلا وصغارا فقال عليه السلام: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله. فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فما نقر بهذا.

ثم قال عمر: قم يا بن أبي طالب فبايع. فقال: فإن لم أفعل؟ قال: إذا والله نضرب عنقك، ثم مد يده من غير أن يفتح كفه، فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه.فنادى علي عليه السلام قبل أن يبايع - والحبل في عنقه -:"يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني".

وتقول الرواية أيضا: إن أبا بكر وعمر سألا عليا عن فاطمة في مرضها، وطلبا عيادتها ودخلا عليها وسلما ثم قالا: ارضِ عنا رضي الله عنك، ولكنها رفضت الصفح عنهما.[3]

وبناء على هذه الرواية، أو بالتزامن معها، قال في القرن الرابع، كل من المؤرخ الشيعي علي بن الحسين المسعودي (-346)  في (إثبات الوصية):"انهم هجموا عليه واستخرجوه من منزله كرها، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطوا محسنا". وقال المؤرخ الشيعي الأخر محمد بن جرير بن رستم الطبري (- 358) في رواية عن أبي عبد الله عليه السلام :" كان سبب وفاتها أن قنفداً مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ".[4] وقال محمد بن علي الصدوق (-380)، في رواية استباقية ينقلها عن النبي الأكرم (ص) يتنبأ بما سيقع على ابنته في المستقبل:" و أمّا ابنتي فاطمة كأنى بها و قد دخل الذل بيتها و انتهكت حرمتها ، وغُصِب حقّها ومنعت ، وكسرت جنبها ، و أُسقطت  جنينها".[5]  وروى ابن قولويه في (كامل الزيارات) عن جبرئيل (ع) أنه خاطب النبي يخبره بما سيقع على الزهراء قائلا:"وأمّا ابنتك فتظلم ، و تُضرب و هى حامل  ، و يُدخل حريمها و منزلها بغير إذن و تطرح ما في بطنها من ذلك الضرب ".[6]  وروى العياشي في (تفسيره):" أن فاطمة أغلقت الباب في وجوههم، فضرب عمر الباب برجله فكسره".[7] وقال الشيخ المفيد في (أماليه):"أن عمر أضرم عليهم الباب نارا".[8] وفي القرن السادس نسب ابن شهر آشوب (المتوفى سنة 588 ه‍ ) قصة إسقاط الجنين محسن، الى ضربة قنفذ.[9]

ونتيجة لذلك انتشرت في القرن الرابع "زيارات" منسوبة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) تتضمن اللعن الصريح لأعداء أهل البيت، مثل زيارة عاشوراء والجامعة.

ومع أن هؤلاء  المؤرخين والمفسرين والكتاب يروون بدون اسناد متصل أو صحيح، وينسبون روايات الى مؤلفين لم يروهم ماتوا قبلهم منذ مئات السنين، وبالتالي فان رواياتهم لا يمكن أن ترقى الى درجة (خبر الآحاد) فان السيد محمد الشاهرودي ، يقول اعتباطاً:" ان تلك الروايات فوق التواتر". وذلك في محاولة واضحة لاستغلال مصطلح: "التواتر" واستخدامه استخداما دعائيا.

ولكن السيد علي الميلاني يعترف بأن روايات القوم في هذا الموضع (إسقاط الجنين محسن) مشوشة جدّاً، وان كلّ من يراجع رواياتهم وأقوالهم وكلماتهم يعرف ذلك. ولكنه يفترض فيقول:"من الطبيعي أنْ لا يصلنا كلّ ما وقع، وأنْ لا تصلنا تفاصيل الحوادث، مع الحصار الشديد المضروب على الروايات والاحاديث، ومع ملاحقة المحدثين والرواة، ومع منعهم من نقل الاحاديث المهمة، وحتى مع حرق تلك الكتب التي اشتملت على مثل هذه القضايا أو تمزيقها وإعدامها بأيّ شكل من الاشكال...فإذن، من بعد هذه القرون المتطاولة، ومن بعد هذه الحواجز والموانع، لا نتوقّع أنْ يصل إلينا كلّ ما وقع، وإنّما يمكننا العثور على قليل من ذلك القليل الذي رواه بعض المحدّثين وبعض المؤرخين... ولكنّنا لا نتوقّع أنْ نعثر على كلّ تفاصيل تلك القضايا، وحتّى لو عثرنا على الخمسين بالمائة من القضايا يمكننا فهم الخمسين البقيّة". ويضيف:"أنّ القوم قد منعوا من نقل القضايا والحوادث، وجزئيّات الاُمور، وتفاصيل الوقائع، أتتوقّعون أن ينقل لكم البخاري أنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً أحرقوا دار الزهراء بأيديهما ؟! بهذا اللفظ تريدون ؟! لقد وجدتم البخاري ومسلماً وغيرهما يحرّفون الاحاديث التي ليس لها من الحسّاسيّة والاهميّة ولا عشر معشار ما لهذه المسألة.

لقد نصّت رواياتهم على أنّه كان لعلي (عليه السلام) من الذكور ثلاثة أولاد: حسن، وحسين، ومحسن ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سمّى هؤلاء بهذه الأسامي تشبيهاً بأسماء أولاد هارون: شَبَر شُبير ومشبّر، وهذا موجود في: مسند أحمد ، وموجود في المستدرك وقد صحّحه الحاكم ، والذهبي أيضاً صحّحه، وموجود في مصادر أُخرى. فيبقى السؤال: هل كان لعلي ولد بهذا الاسم أو لا ؟ قالوا: كان له ولد بهذا الاسم... فأين صار ؟ وما صار حاله ؟".[11]

وهكذا ، وبواسطة الافتراض والتخمين، يحاول الميلاني أن يكمل الصورة، وأن ينسب الى أفضل الصحابة أبشع الاتهامات.

وقبل ان نتوقف عند الرواية الرئيسية الأهم، وهي رواية سليم بن قيس الهلالي، يجدر بنا أن نشير الى رواية أخرى مناقضة يرويها الطبرسي صاحب (الاحتجاج)، حيث يقول: ان عمر هدد المعتصمين في بيت فاطمة قائلا:"و الذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه". فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله و آثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، و أنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: "ما بالكم! أتروني فعلت ذلك؟ إنما أردت التهويل".[12]

وهذا ما يؤكده ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) حيث يقول:"..فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة عليها السلام، وأنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار، فصاحت: يا أبتاه يا رسول الله! وألقت جنيناً ميتاً، وجعل في عنق علي عليه السلام حبل يقاد به وهو يعتل، وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان، وأن علياً لما أحضر سألوه البيعة فامتنع، فتهدد بالقتل ... فكله لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله".[13]

--------------------------------------

[2]  - في محاضرة له عن (مظلومية الزهراء) نشرها مركز الأبحاث العقائدية، التابع لمكتب السيد السيستاني.

[3]  - المجلسي، بحار الأنوار ج 43  ص 179  و  ج 28 ص 297 ح 48 

[4]  -  قال الطبري: حدثني ابو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري ، عن أبيه ، قال حدثني محمد بن همام بن سهيل،  قال روى  أحمد بن محمد البرقي ، عن أحمد بن محمد الاشعري القمي ، عن عبد الرحمن بن بحر ، عن عبد الله ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قبضت فاطمة عليها السلام في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء خلون منه سنة احدى عشر من الهجرة ، وكان سبب وفاتها أن قنفداً مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ، ولم تدع أحداً ممن آذاها يدخل عليها".

الطبري محمد بن جرير ( - 358) دلائل الامامة ، ص 45، المطبعة الحيدرية النجف 1383

وهذا الكتاب لم يصلنا مسندا، ولم يذكره الطوسي في الفهرست ولا النجاشي في كتب الطبري، وانما ذكرا كتابا آخر تحت اسم (المسترشد في الإمامة) وقالا أيضا عن (أحمد بن محمد بن خالد البرقي): إنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل. ولا يوجد ذكر لعبد الرحمن بن بحر، وانما (عبد الرحمن بن أبي نجران) وقال النجاشي عن (عبد الله بن سنان (183) انه ليس بثبت ، وكان خازنا للمنصور والمهدي والهادي  والرشيد. وربما كان هناك تقديم وتأخير في ذكر اسم عبد الله بن سنان الأكبر من ابن مسكان (-203) والمتوفي قبله بحوالي عشرين عاما. أما أبو بصير فهو عدة أشخاص لم يتضح المقصود منه، فهناك الأزدي الواقفي، وهناك الأسدي المخلط، وهناك غيرهما. مما يضعف الرواية من ناحية السند، وحتى لو صح السند فهناك شبهة الوضع أو الانحياز والتسرع تحوم حول كل روايات الإمامية الذين كانوا ينطلقون في اتهام عمر بضرب الزهراء من منطلق أيديولوجي مسبق. ولذلك رفض ابن أبي الحديد رواياتهم كلها.

[5]  - أمالي الصدوق ، ص  68 الى 82

[6]  - ابن قولويه،كامل الزيارات، ص 232 الى 235 

[7] - العياشى ، التفسير، ج 2 ص 66 الى 67 

[8]  - المفيد في أماليه ص 38 ، وروى المفيد في كتابه (الاختصاص): ان فاطمة استنزعت كتابا من أبي بكر برد  فدك اليها ، فخرجت والكتاب معها ، فلقيها عمر فقال : يا بنت محمد ! ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت : كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك ، فقال : هلميّه إليّ ، فأبت أن تدفعه إليه ، فرفسها برجله ـ وكانت عليها السلام حاملة بابن اسمه : المحسن ـ فأسقطت المحسن من بطنها ، ثم لطمها ، فكأني به أخذ الكتاب فخرقه. فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة من ضربة عمر ثم قبضت . http://www.rafed.net/research/05/03.html

[9]  - وذلك نقلا عن كتاب (المعارف) لابن قتيبة. وهو غير صحيح لأن ما يوجد في الكتاب المحقق الذي بين أيدينا اليوم، ما لفظه: "أما محسن بن علي فهلك وهو صغير". دون إشارة الى عملية الضرب والإسقاط. وفي محاولة لتصحيح عمل ابن شهر آشوب، يفترض السيد علي الميلاني: أنّ اليد الآثمة العابثة هي التي حرفت كتاب (المعارف) لابن قتيبة وأسقطت هذه الكلمة، التي نقلها ابن شهر آشوب عنه، دون أن يفترض الكذب في نسبة ابن شهر آشوب اليه.

[11]  - السيد علي الحسيني الميلاني، مظلومية الزهراء، مركز الأبحاث العقائدية ـ سلسلة الندوات العقائدية (21) و (22)

[12]  - في الاحتجاج ، ج 1 ص 51 فقال عمر أرسل اليه قنفذاً و كان فظّاً غليظاً ، ثم أمر أُناساً حوله ، فحملوا حطباً ، و حمل معهم عمر و جعلوه حول منزله و فيه عليّ و فاطمة وابناهما (عليهم السلام) ، ثم نادى عمر والله لتخرجنَّ أو لأضرمنّ عليك بيتك ناراً ، ثم قال أبو بكر لقنفذ ان خرج و الاّ فاقتحم عليه ، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم ناراً ، وحالت فاطمة (عليها السلام) بين زوجها و بينهم عند باب البيت ، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها و انّ بعضدها مثل الدملج من ضرب قنفذ إيّاها . والمصدر : ج 1 / ص 201 ـ 203 وفي هذه الرواية أيضا لا يوجد دليل على حرق البيت، وانما تدعي ضرب قنفذ للزهراء بالسوط. وكما هو  معروف فان كتاب (الاحتجاج) من أضعف الكتب الحشوية غير الموثقة، والمليئة بالخرافات والأساطير. وهو ينقل الرواية عن الكتب الضعيفة السابقة من غير سند.

[13]  - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ، ص 123  ويقول ابن أبي الحديد في شرح النهج : 14 /193 في قصة خروج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله الى المدينة ومتابعة الكفار لطلبها ، فأدركها هبار بن الاسود فروّعها وكانت حاملاً فطرحت ما في بطنها ، فلذلك أباح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة دم هبار ، يقول ابن أبي الحديد قرأت هذا الخبر على النقيب أبو جعفر ، فقال : إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبار لأنه روّع زينب فألقت ما في بطنها ، فظهر الحال انه لو كان حياً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها . فقلت : اروي عنك ان فاطمة رُوّعت فألقت المحسن ، فقال :" لا تروه عني ولا تروي بطلانه ". وليس في قوله هذا أي دليل على صحة الدعوى، لأنها ليست رواية، ولم يقل بها أبو جعفر بقوة.

عدد مرات القراءة:
46962
إرسال لصديق طباعة
السبت 24 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق:6 يناير 2024م 03:01:32 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها علل:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له ترجمة.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض)، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ… معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ… مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض)، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواية وردت فيها بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) أيضاً ولم يرد فيها حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، وهذه الرواية في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أن مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• الطيالسي في "المسند" (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/250): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/43): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/543): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه.
وقد قال الإمام الذهبي بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "المصنف" (430/7)، وأحمد في "المسند" (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كانت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/3998) (1549/4)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759) (1380/3)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كي لا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر، فإن جميع رواياتها - سواء ورد فيها حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو لم يرد - لم تثبت.

………………………………………………………
الأربعاء 14 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق:27 ديسمبر 2023م 05:12:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها علل:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له ترجمة.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض)، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض)، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواية وردت فيها بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) أيضاً ولم يرد فيها حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، وهذه الرواية في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أن مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• الطيالسي في "المسند" (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/250): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/43): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/543): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه.
وقد قال الإمام الذهبي بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "المصنف" (430/7)، وأحمد في "المسند" (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كانت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/3998) (1549/4)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759) (1380/3)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كي لا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر، فإن جميع رواياتها - سواء ورد فيها حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو لم يرد - لم تثبت.

………………………………………………………
الجمعة 25 جمادى الأولى 1445هـ الموافق:8 ديسمبر 2023م 04:12:14 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها علل:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له ترجمة.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أن مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• الطيالسي في "المسند" (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/250): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/43): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/543): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "المصنف" (430/7)، وأحمد في "المسند" (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كانت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/3998) (1549/4)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759) (1380/3)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
السبت 22 ربيع الأول 1445هـ الموافق:7 أكتوبر 2023م 04:10:09 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له ترجمة.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• الطيالسي في "المسند" (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/250): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/43): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/543): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "المصنف" (430/7)، وأحمد في "المسند" (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كانت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/3998) (1549/4)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759) (1380/3)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الجمعة 29 صفر 1445هـ الموافق:15 سبتمبر 2023م 03:09:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الأربعاء 27 صفر 1445هـ الموافق:13 سبتمبر 2023م 01:09:57 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الأحد 24 صفر 1445هـ الموافق:10 سبتمبر 2023م 06:09:46 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - بغض النظر عن توثيقه من قبل الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - قد خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الأثنين 11 صفر 1445هـ الموافق:28 أغسطس 2023م 03:08:04 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الأربعاء 6 صفر 1445هـ الموافق:23 أغسطس 2023م 03:08:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………
الأربعاء 14 رمضان 1444هـ الموافق:5 أبريل 2023م 04:04:06 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.

الحاصل: إن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، وأما الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها - فهي لم تثبت .

………………………………………………………..
الجمعة 24 شعبان 1444هـ الموافق:17 مارس 2023م 06:03:28 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) والتي وقعت - كما بينا سابقاً - في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الثلاثاء 7 شعبان 1444هـ الموافق:28 فبراير 2023م 09:02:41 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق أبي بكر البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) - ومن ضمنها رواية جعفر بن محمد بن شاكر من طريق عفان بن مسلم -؛ إذ وقعت - كما بينا سابقاً - هذه البيعة في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الخميس 2 شعبان 1444هـ الموافق:23 فبراير 2023م 06:02:36 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه:
"لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) - ومن ضمنها رواية جعفر بن محمد بن شاكر من طريق عفان بن مسلم -؛ إذ وقعت - كما بينا سابقاً - هذه البيعة في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الثلاثاء 30 رجب 1444هـ الموافق:21 فبراير 2023م 12:02:30 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) - ومن ضمنها رواية جعفر بن محمد بن شاكر من طريق عفان بن مسلم -؛ إذ وقعت - كما بينا سابقاً - هذه البيعة في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الأثنين 29 رجب 1444هـ الموافق:20 فبراير 2023م 03:02:35 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) - ومن ضمنها رواية جعفر بن محمد بن شاكر من طريق عفان بن مسلم -؛ إذ وقعت - كما بينا سابقاً - هذه البيعة في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الأربعاء 18 جمادى الآخرة 1444هـ الموافق:11 يناير 2023م 05:01:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب (رض) لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
فكما نرى، فإن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في صحيحي البخاري ومسلم قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، على عكس بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الواردة في روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة والروايات المروية عن أبي سعيد الخدري (رض) - ومن ضمنها رواية جعفر بن محمد بن شاكر من طريق عفان بن مسلم -؛ إذ وقعت - كما بينا سابقاً - هذه البيعة في بداية الأمر.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الأثنين 25 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:19 ديسمبر 2022م 04:12:04 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذه الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

ومن الجدير بالذكر أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا في ألفاظ منها ورود بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر، كما وردت هذه البيعة في رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، وقد سبق البيان أن في ثبوت روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ورواية ابن أبي شيبة بعض التردد.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أيضاً أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بعد حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
السبت 23 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:17 ديسمبر 2022م 01:12:47 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي (أبو عمرو الكوفي) لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذا الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك أيضاً رواية ورد فيها أن علياً (رض) والزبير (رض) قد بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة، وهذه الرواية في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، وأخذها عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويها بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء مع حدوث هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو تهديده (رض) بحرق دارها (رض) قبل البيعة أو بدونها.

………………………………………………………..
الجمعة 22 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:16 ديسمبر 2022م 04:12:45 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب (أبو معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ) لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي (أبو عمرو الكوفي) لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذا الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ولا تهديده (رض) بحرق دارها (رض)، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. وأخذ الرواية عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويه بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر سواء بهجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) أو بتهديده (رض) بحرق دارها (رض) أو بدونهما.

………………………………………………………..
الأثنين 18 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:12 ديسمبر 2022م 02:12:27 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب (أبو معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ) لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي (أبو عمرو الكوفي) لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذا الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ولا تهديده (رض) بحرق دارها (رض)، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. وأخذ الرواية عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويه بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر.

………………………………………………………..
الأحد 17 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:11 ديسمبر 2022م 12:12:42 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، وموسى بن عقبة، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب (أبو معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ) لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي (أبو عمرو الكوفي) لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذا الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ولا تهديده (رض) بحرق دارها (رض)، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. وأخذ الرواية عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويه بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر.

………………………………………………………..
الأثنين 11 جمادى الأولى 1444هـ الموافق:5 ديسمبر 2022م 03:12:07 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذا الإسناد فيه موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين وقال: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى من "طبقات المدلسين لابن حجر العسقلاني" (ص/26)، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى ، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذا الإسناد فيه محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (59/8).
وفيه موسى بن عقبة، وقد سبق بيان حاله، ولو راجعنا ترجمته فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وعليه فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الخمسين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد ابن شهاب الزهري، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذا الإسناد فيه محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في"التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب (أبو معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ) لم يدرك الحادثة، حيث توفى زياد بن كليب في سنة (ت: 119هـ)، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك. وللمزيد حول وفاة زياد بن كليب، راجع ترجمته في "تاريخ الإسلام للذهبي" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذا الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفى سليمان التيمي سنة (ت: 143هـ) كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (125/4)، إلا إنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب لأبن حجر العسقلاني" (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفى عبد الله بن عون سنة (ت: 151هـ) وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك. وللمزيد حول وفاة عبد الله بن عون، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (371/6).

• رواية إبن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال إبن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (56/2): قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مسلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر. كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر، اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر: وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص، كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة عليها السلام، تبكي وتصيح فنهنهت من الناس، وقالوا: ليس عندنا معصية ولا خلاف في خير اجتمع عليه الناس، وإنما اجتمعنا لنولف القرآن في مصحف واحد، ثم بايعوا أبا بكر، فاستمر الأمر واطمأن الناس".
وهذا الإسناد فيه أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" "انتهى من الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي الجرجاني" (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/244) (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
3- مسلمة بن عبد الرحمن، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وقال ابن أبي حديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي. قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: قم يا عمر، فقم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر، فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر أسرع ما أغرتم على أهل البيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذا الإسناد فيه إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/35): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (رقم/92) (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي (أبو عمرو الكوفي) لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد في السنة الإحدى والعشرين من الهجرة، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك. وللمزيد حول مولد عامر الشعبي، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء للذهبي" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ...»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى. وعليه فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) بدون الهجوم على دارها، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين" (ص/210). وقد تفرد محمد بن بشر العبدي عن عبيد الله بن عمر بهذا الرواية التي فيها تهديد عمر (رض) بحرق دار فاطمة (رض)، فروى ما لم يروه الرواة عنه. بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة في وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي" (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق محمد بن بشر العبدي مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد أن علياً (رض) والزبير (رض) بايعا أبا بكر (رض) في بداية الأمر بدون هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) ولا تهديده (رض) بحرق دارها (رض)، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد أيضاً، فقد رُويت الرواية من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. وأخذ الرواية عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه، ثلاثة منهم يرويه بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته، وهم:
• عفان بن مسلم، كما سيأتي تخريج الرواية عنه، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ.
• أبو داود الطيالسي في "المسند" (رقم/603) (495/1)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (314/19).
وابو داود الطيالسي ثقة، إلا إنه يغلط في أحاديث، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/2550): "ثقة حافظ، غلط في أحاديث" انتهى.
• زهير بن إسحاق السلولي، وهو راوٍ ضعيف، حيث قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/217): "زُهَيْر بن إِسْحَاق ضَعِيف" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "ليس هو بشئ" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (590/3)، وقد روى الرواية من طريقه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (189/4) وقال: "وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب، ولزهير أحاديث صالحة، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي، وأرجو أنه لا بأس به، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة" انتهى.
• وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً). وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (رقم/6838): "ثقة ثبت" انتهى، وقد روى الرواية من طريقه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8) كالآتي:
" أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ الْإِسْفِرَائِينِيُّ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا: ثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، ثَنَا وُهَيْبٌ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَسْوِي بَدَنَةً، فَقُلْتُ: يَسْوِي بَدَنَةً؟ بَلْ هُوَ يَسْوِي بَدْرَةً" انتهى.
وقوله: "فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ" يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحاً في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (277/30) من طريق الإمام البيهقي نفسه .
وقد قال الإمام الذهبي - رحمه الله - بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة: "مع جودة سنده فيه أشياء تنكر، فتدبره" انتهى من "المهذب في اختصار السنن الكبير" (3240/6).
وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله:
اختلف على عفان بن مسلم على وجهين:
الوجه الأول: يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر (رضي الله عنهم جميعاً)، ولفظه: "لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْتُكُمْ".
رواه عنه أبو بكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (430/7)، أحمد بن حنبل في "المسند" (رقم/21616) (489/35)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (159/3)، والبلاذري في "أنساب الأشراف" (84/10)، وأحمد بن القاسم بن المساور الجواهري: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4785) (114/5).

الوجه الثاني: يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم، بسياق مطول، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا لفظه: "حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ فبايعه، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهُ فَبَايَعَاهُ".
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (246/8)، من طريق جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا وُهَيْبٌ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ...
وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في "تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (102/2) - إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر (رض) في ذلك الموقف.

ومن الجدير بالذكر أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم، حيث وقعت متأخرة بضعة أشهر.
فعَنْ عَائِشَةَ (رض): "أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في"صحيحه" (رقم/4240)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759)، من طريق اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وإسناده صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب (رض) الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، ولم تثبت - كما بينا سابقاً - الروايات التي وردت فيها بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) في بداية الأمر.

………………………………………………………..
الخميس 26 رمضان 1443هـ الموافق:28 أبريل 2022م 02:04:13 بتوقيت مكة
كرار حسن 
في فقرة من مقالكم ادعيتم أن أهل البيت لم يؤلفوا الكتب لسبب ذكرتموه، والحقيقة التي غفلت عنكم إذ أنكم تدعون التضلع بالمذهب الشيعي وهي أنهم عليهم السلام ألفوا الكتب والرسائل ونشروها بين الناس حقا، فهذا كتاب الصحيفة السجادية لزين العابدين والاهليجلة والتوحيد وغيرها للصادق وفقه الرضا وطب الرضا للامام الرضا وكذلك الكم الكبير من مكاتيبهم ورسائلهم التي احتفظت بها الكتب كثيرة.
الأثنين 26 شوال 1442هـ الموافق:7 يونيو 2021م 02:06:38 بتوقيت مكة
فاعل خير 
ماشاء الله عليكم تنشرو الكذب من غير ما تقضو الصحيح أمامه يعني كمية معلومات ما ليها اي لازمة وياريتها صح او كاتبين تصحيحها حتي ده حتي، ربنا يخفف من جهلكم
الجمعة 26 شعبان 1442هـ الموافق:9 أبريل 2021م 02:04:59 بتوقيت مكة
مورنكاش 
انا هون مين بدي صدق؟
الأربعاء 26 رجب 1442هـ الموافق:10 مارس 2021م 11:03:48 بتوقيت مكة
عابر  
اين بني هاشم من مقتل فاطمه عليها السلام؟؟؟
 
اسمك :  
نص التعليق :