معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حديث نزول الرب وسائر ما يتعلق به ..

النزول والمجيء

يقول الورداني ص74 متهكماً: يروى عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: ينزل تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا.

الجواب: نص الحديث كما هو: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حيث يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ".

وإن حديث النزول ثابت عند أهل السنة والجماعة ويرون أن نزوله حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء.

ولبيان كذب الورداني وتدليسه فإننا نذكر له من كتب قومه بعض روايات المجيء والنزول ثم نتحداه بإنكارها لأن سادته من علماء القوم سوف يغضبون عليه ويقولون له: إن مراجعنا ليست مباحة كما هي مراجع أهل السنة.

عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله (ع)... قال سأله عن (الرحمن على العرش استوى)؟.

قال أبوعبد الله (ع): بذلك وصف نفسه، وكذلك هومستول على العرش، بائن من خلقه، من غير أن يكون العرش حاملاً له، ولا أن يكون العرش حاوياً له، ولا أن العرش محتاز له، ولكنا نقول: هوحامل العرش، وممسك العرش، ونقول من ذلك ما قال: (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش أوالكرسي حاوياً له، وأن يكون عزَّ وجلَّ محتاجاً إلى مكان أوإلى شيء مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه.

قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحوالأرض؟.

قال أبوعبد الله (ع): ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عزَّ وجلَّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحوالعرش لأنه جعله معدن الرزق، فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم حين قال: (ارفعوا أيديكم إلى الله عزَّ وجلَّ) وهذا يجمع عليه فرق الأمة كلها.

قال السائل: فمن أين أثبت أنبياء ورسلاً؟.

قال أبوعبد الله (ع): إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجهم ويحاجوه فثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم: فثبت الآمرووالناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلوأرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته.

قال السائل فتقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا؟.

قال أبوعبد الله (ع): نقول ذلك لأن الروايات قد صحت به والأخبار.

قال السائل: وإذا نزل أنيس قد حال عن العرش، وحؤوله عن العرش انتقال؟

قال أبوعبد الله (ع): ليس ذلك على ما يوجد من المخلوق الذي ينتقل باختلاف الحال عليه والملالة والسآمة، وناقل ينقله ويحوله من حال إلى، بل هوتبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال، ولا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي متى تنحى عن مكان خلا منه المكان الأول، ولكنه ينزل إلى السماء الدنيا بغير معاناة ولا حركة فيكون هوكما في السماء السابعة على العرش كذلك هوفي سماء الدنيا، إنما يكشف عن عظمته ويري أولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته، ومنظره في القرب والبعد سواء (1).

__________

(1) بحار الأنوار 1./ 198 وما بعدها.

عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: إن أعمال العباد تعرض كل خميس على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإذا كان يوم عرفه هبط الرب تبارك وتعالى وهوقول الله تبارك وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}.

فقلت: جعلت فداك أعمال من هذه؟.

قال: أعمال مبغضينا ومبغضي شيعتنا (1).

وقال الرضا (ع): من حج بثلاثة من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله عزَّ وجلَّ بالثمن، ولم يسأله من أين اكتسب ماله، من حلال أوحرام ومن حج أربع حجج لم تصبه ضغطة القبر أبداً، وإذا مات صور الله الحجج التي حج في صورة حسنة أحسن ما يكون من الصور بين عينيه، يصلي في جوف قبره حتى يبعثه الله من قبره، ويكون ثواب تلك الصلاة له، واعلم أن الركعة من تلك الصلاة تعدل ألف ركعة من صلاة الآدميين، ومن حج خمس حجج لم يعذبه الله أبداً، ومن حج عشر حجج لم يحاسبه الله أبداً، ومن حج عشرين حجة لم ير جهنم ولم يسمع شهيقها ولا زفيرها، ومن حج أربعين حجة قيل له: اشفع فيمن أحببت ويفتح له باب من أبواب الجنة يدخل منه هومن يشفع له، ومن حج خمسين حجة بني له مدينة في جنة عدن فيها ألف قصر، في كل قصر ألف حوراء من الحور العين، وألف زوجة، ويجعل من رفقاء محمد صلَّى الله عليه وآله في الجنة، ومن حج أكثر من خمسين حجة كان كمن حج خمسين حجة مع محمد والأوصياء، وكان ممن يزوره الله تبارك وتعالى في كل جمعة، وهوممن يدخل جنة عدن التي خلقها الله عزَّ وجلَّ بيده ولم ترها عين، ولم يطلع عليها مخلوق، وما أحد يكثر الحج إلا بناها الله له بكل حجة مدينة في الجنة، فيها غرف، كل غرفة فيها حوراء من الحور العين مع كل حوراء ثلاثمائة جارية لم ينظر الناس إلى مثلهن حسناً وجمالاً (2).

__________

(1) بصائر الدرجات 446، ينابيع المعاجز للبحراني 1.3، بحار الأنوار 23/ 345.

(2) وسائل الشيعة 8/ 9. - 91، من لا يحضره الفقيه 2/ 217 مختصراً.

والله تعالى عند الرافضة يزور قبور أئمتهم مع الملائكة والأنبياء:

عن أبي وهب القصري قال: دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله (ع) فقلت له: جعلت فداك أتيتك ولم أزر قبر أمير المؤمنين (ع).

فقال: بئس ما صنعت لولا إنك من شيعتنا ما نظرت إليك، ألا تزور من يزوره الله مع الملائكة ويزوره الأنبياء (ع) ويزوره المؤمنون!!

قلت: جعلت فداك ما علمت ذلك.

قال: اعلم أن أمير المؤمنين (ع) أفضل عند الله من الأئمة وله ثواب أعمالهم وعلى قدر أعمالهم فضّلوا (1).

وعن منيع بن الحجاج بن صفوان الجمال قال: قال لي أبوعبد الله (ع) لما أتى الحيرة قال: هل لك في قبر الحسين؟.

أتزوره جعلت فداك؟.

قال: كيف لا أزوره والله يزوره في كل ليلة جمعة يهبط مع الملائكة إليه والأنبياء والأوصياء ومحمد أفضل الأنبياء ونحن أفضل الأوصياء.

فقال صفوان: جعلت فداك أفزوره في كل جمعة حتى أُدرك زيارة الرب؟.

قال: نعم يا صفوان إلزم زيارة قبر الحسين (2).

ويقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في "شرح العقيدة الواسطية" 398 معلقاً على حديث النزول المشهور: وهذا الحديث قال بعض أهل العلم: إنه من الأحاديث المتواترة، واتفقوا على أنه من الأحاديث المشهورة المستفيضة عند أهل العلم بالسنة.

__________

(1) الكافي 4/ 58.، فرحة الغرى لابن طاووس 1.2، الغارات للثقفي 2/ 854، التهذيب 6/ 2.، كتاب المزار للمفيد 3.، بحار الأنوار 25/ 361 و97/ 258، مصابيح الجنان 192، وسائل الشيعة 1./ 293، كامل الزيارات لابن قولويه 89، مزار المشهدي 36، المختصر للحلي 89.

(2) بحار الأنوار 98/ 6.، كامل الزيارات لابن قولويه 223، وسائل الشيعة 1./ 374، مدينة المعاجز 4/ 2.8.

ويقول رحمه الله تعالى ص399 وما بعدها: بهذا يتبين لكل إنسان قرأ هذا الحديث أن المراد هنا نزول الله نفسه، ولا نحتاج أن نقول: بذاته، مادام الفعل أُضيف إليه، فهوله، لكن بعض العلماء قالوا: ينزل بذاته، لأنهم لجؤوا إلى ذلك، واضطروا إليه، لأن هناك من حرّفوا الحديث وقالوا: الذي ينزل أمر الله. وقال آخرون: بل الذي ينزل رحمة الله! وقال آخرون: بل الذي ينزل ملكٌ من ملائكة الله!.

هذا باطل! فإن نزول أمر الله دائماً وأبداً، ولا يختص نزوله في الثلث الأخير من الليل، قال الله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} (1) وقال: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} (2).

وأما قولهم: تنزل رحمة الله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر! فسبحان الله! الرحمة لا تنزل إلا في هذا الوقت! قال الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (3)، كل النعم من الله، وهي من آثار رحمته، وهي تترى كل وقت!!.

ثم نقول: أي فائدة لنا بنزول الرحمة إلى السماء الدنيا؟.

ثم نقول لمن قال: إنه ملك من الملائكة: هل من المعقول أن الملك من ملائكة الله يقول: من يدعوني فأستجيب له... إلخ؟.

فتبين بهذا أن هذه الأقوال تحريف باطل يبطله الحديث.

ووالله، ليسوا أعلم بالله من رسول الله، وليسوا أنصح لعباد الله من رسول الله، وليسوا أفصح في قولهم من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

يقولون: كيف تقولون: إن الله ينزل؟! إذا نزل، أين العلو؟! وإذا نزل، أين الاستواء على العرش؟! إذا نزل، فالنزول حركة وانتقال، وإذا نزل، فالنزول حادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث.

فنقول: هذا جدال باطل، وليس بمانع من القول بحقيقة النزول.

هل أنتم أعلم بما يستحقه الله عزَّ وجلَّ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟!

__________

(1) السجدة: 5.

(2) هود: 123.

(3) النحل: 53.

فأصحاب الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ما قالوا هذه الاحتمالات أبداً، قالوا: سمعنا وآمنا وقبلنا وصدقنا.

وأنتم أيها الخالفون المخالفون تأتون الآن وتجادلون بالباطل وتقولون: كيف؟! وكيف؟!

نحن نقول: ينزل، ولا نتكلم عن استوائه على العرش، هل يخلومنه العرش أولا يخلو؟!.

أما العلو، فنقول: ينزل، لكنه عال عزَّ وجلَّ على خلقه، لأنه ليس معنى النزول أن السماء تقله، وأن السماوات الأخرى تظله، إذ أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته.

فنقول: هوينزل حقيقة مع علوه حقيقة، وليس كمثله شيء.

أما الاستواء على العرش فهوفعل، ليس من صفات الذات، وليس لنا حق - فيما أرى - أن نتكل هل يخلومنه العرش أولا يخلو، بل نسكت كما سكت عن ذلك الصحابة رضي الله عنهم.

وإذا كان علماء أهل السنة لهم في هذا ثلاثة أقوال: قول بأنه يخلو، وقول بأنه لا يخلو، وقول بالتوقف.

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الرسالة العرشية" يقول: إنه لا يخلومنه العرش، لأن أدلة استوائه على العرش محكمة، والحديث هذا محكم، والله عزَّ وجلَّ لا تقاس صفاته بصفات الخلق، فيجب علينا أن نبقي نصوص الاستواء على إحكامها، ونص النزول على إحكامه، ونقول: هومستوعلى عرشه، نازل إلى السماء الدنيا، والله أعلم بكيفية ذلك، وعقولنا أقصر وأدنى وأحقر من أن تحيط بالله عزَّ وجلَّ.

القول الثاني: التوقف، يقولون: لا نقول: يخلو، ولا: لا يخلو.

والثالث: أنه يخلومنه العرش.

وأورد المتأخرون الذين عرفوا أن الأرض كروية وأن الشمس تدور على الأرض إشكالاً، وقالوا: كيف ينزل في ثلث الليل؟! وثلث الليل إذا انتقل عن المملكة العربية السعودية، ذهب إلى أوربا وما قاربها؟! أفيكون نازلاً دائماً؟!

فنقول: آمن أولاً بأن الله ينزل في هذا الوقت المعين، وإذا آمنت، ليس عليك شيء وراء ذلك، لا تقل: كيف؟ وكيف؟! بل قل: إذا كان ثلث الليل في السعودية، فالله نازل، وإذا كان في أمريكا ثلث الليل، يكون نزول الله أيضاً، وإذا طلع الفجر، انتهى وقت النزول له في كل مكان بحسبه.

إذاً، موقفنا أن نقول: إنا نؤمن بما وصل إلينا عن طريق محمد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، بأن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، ويقول: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له"؟.


 شبهات حول حديث النزول

قبلَ البدءِ بذكرِ الشُّبهاتِ الواردةِ على حديثِ النزولِ والردِّ عليها أذكرُ كلامًا نفيسًا يزيلُ كثيرًا منَ الشُّبهاتِ في هذا البابِ وغيرهِ.
اعلمْ رحمكَ اللهُ بأنَّ صفاتِ الله لا يتوهَّمُ فيها شيءٌ منْ خصائصِ المخلوقينَ لا في لفظهَا ولا في ثبوتِ معناهَا. فإثباتهَا للرَّبِّ تعالى لا محذورَ فيهِ بوجهٍ، بلْ تثبتُ لهُ على وجهٍ لا يماثلُ فيها خلقهُ، ولا يشابههم، فمنْ نفاها عنهُ لإطلاقهَا على المخلوقِ ألحدَ في أسمائهِ، وجحدَ صفاتِ كمالهِ. ومنْ أثبتهَا على وجهٍ يماثلُ فيها خلقهُ فقدْ شبَّههُ بخلقهِ، ومنْ شبَّهَ الله بخلقهِ فقدْ كفرَ، ومنْ أثبتهَا لهُ على وجهٍ لا يماثلُ فيها خلقهُ، بلْ كما يليقُ بجلالهِ وعظمتهِ فقد برىءَ من فرثِ التَّشبيهِ ودمِ التَّعطيلِ، وهذا طريقُ أهلِ السنَّةِ.
فما لزمَ الصفَّة لإضافتها إلى العبدِ وجبَ نفيهُ عَنِ الله كما يلزمُ حياةُ العبدِ منَ النَّومِ والسِّنةِ والحاجةِ إلى الغذاءِ والمرضِ والموتِ، وكذلكَ علمهُ محفوفٌ بنقصينِ: جهلٌ سابقٌ، ونسيانٌ لاحقٌ؛ وكذلكَ ما يلزمُ إرادتهُ عنْ حركةِ نفسهِ في جلبِ ما ينتفعُ بهِ ودفعِ ما يتضررُ بهِ، وكذلكَ ما يلزمُ علوُّهُ من احتياجهِ إلى ما هو عالٍ عليهِ وكونهِ محمولًا بهِ مفتقرًا إليهِ محاطًا بهِ، كلُّ هذا يجبُ نفيهُ عنِ القدُّوسِ السَّلامِ - تباركَ وتعالى .
فإذا أحطتَ بهذهِ القاعدةِ خبرًا وعقلتهَا كما ينبغي خلصتَ مِنَ الآفتينِ اللتينِ هما أصلُ بلاءِ المتكلِّمينَ، آفةُ التَّعطيلِ وآفةُ التَّشبيهِ، فإنَّكَ إذا وفَّيتَ هذا المقامَ حقَّهُ أثبتَ لله الأسماءَ الحسنى والصفِّاتِ العلى حقيقةً، فخلصتَ مِنَ التَّعطيلِ ونفيتَ عنهَا خصائصَ المخلوقينَ ومشابهتهم فخلصتَ مِنَ التَّشبيهِ.
فعليكَ بمراعاةِ هذا الأصلِ والاعتصامِ بهِ، واجعلهُ جُنَّتَكَ التي ترجعُ إليهَا في كلِّ ما يطلقُ على الرَّبِّ تعالى وعلى العبدِ.
وبعدَ هذا الكلامِ النَّفيسِ نذكرُ شبهاتِ القومِ ونأتي عليهَا مِنَ القواعدِ بإذنِ العليِّ الأعلى الكبيرِ المتعالِ سبحانه وتعالى.

الشبهة الأولى ‏‎:‎‏ تأويلهم للنزول على أنه نزول الملك أو الأمر من الله أو الرحمة.

والرد على هذا التأويل المعتزلي الأشعري من عدة ‏أوجه‎:‎

الوجه الأول‎:‎أن أمره‎ ‎وملائكته ورحمته دائما ‏تنزل أناء الليل وأطراف النهار وفي كل ساعة فلما ‏تخصيص الثلث‎ ‎الأخير من الليل فقط؟‎!
قال الطبري رحمه الله((‎ويهبط إلى السماء‎ ‎الدنيا ‏وينزل إليها كل ليلة,ولا نقول:معنى ذلك ينزل ‏أمره,بل نقول:أمره نازل إليها‎ ‎كل لحظة وساعة وإلى ‏غيرها من جميع خلقه الموجودين مادامت ‏موجودة.ولا تخلو ساعة من‎ ‎أمره,فلا وجه لخصوص ‏نزول أمره إليها وقتا دون وقت,مادامت موجودة‎ ‎باقية‎)(‎‏25‏‎).
قال‎ ‎ابن عبد البر رحمه الله‎ (‎وقد قال قوم:إنه ينزل ‏أمره وتنزل رحمته‎ ‎ونعمته.وهذا ليس بشيء ,لأن ‏أمره بما شاء من رحمته ونقمه ينزل بالليل والنهار بلا‎ ‎تقويت ثلث الليل ولا غيره‎)(‎‏26‏‎)
وقال ابن خزيمة‎(‎وأنه تعالى‎ ‎ينزل إلى السماء ‏الدنيا,ومن زعم أن علمه ينزل أو أمره ضل‎)(‎‏27‏‎)

الوجه الثاني‎:‎كيف نجيب عن قوله‎ "‎من يدعوني ‏‏...إلخ" فهل يعقل أن يكون هذا قول الملك؟ فإنه ‏حينئذ يكون ‏كافراً‎. ‎قال تعالى‎ {‎وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ ‏مِّن دُونِهِ‎ ‎فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ‎}.‎‏‎

الوجه‎ ‎الثالث‎:‎أن ألفاظ الحديث تبطل التأويل بنزول ‏الملك,ففي بعض الروايات أن‎ ‎الرب تعالى يقول‎(‎أنا ‏الملك,أنا الملك,من يدعوني فأستجيب‎ ‎له‎)(‎‏28‏‎(
‎وفي ‏بعضها أن تعالى يقو(‎لا أسأل عن عبادي أحدا‎ ‎غيري‎)(‎‏29‏‎)
‎وكلاهما صحيح‎.
قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله‎(‎وهذان ‏الحديثان يقطعان تأويل كل متأول ويدحضان حجة كل‎ ‎مبطل)

ومعلوم أن الكلام المذكور في الحديث هو كلام الله ‏الذي لا‎ ‎يقوله غيره فإن الملك لا يقول‎(‎لا أسأل عن ‏عبادي أحدا‎ ‎غيري‎) ‎ولا يقول‎(‎من يسألني ‏فاعطينه‎).‎بل الذي يقول‎ ‎الملك:ما ثبت في الصحيح ‏عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‎(‎إن الله تعالى ‏إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا ‏فأحببه، فيحبه جبريل،‎ ‎ثم ينادي في السماء فيقول: إن ‏الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع‎ ‎له ‏القبول في الأرض‎)‎وذكر البغض مثل ذلك‎.
فالملك إذا نادى عن الله لا‎ ‎يتكلم بصيغة المخاطب,إنما ‏يقول:إن الله أمر بكذا وكذا وقال بكذا‎.
والسلطان إذا‎ ‎أمر خادمه بشيء فإن الخادم لن يقول ‏مباشرة كذا كذا بل يقول:قال لكم السلطان كذا‎ ‎وكذا‎.

الوجه الرابع‎:‎أنه قال(من ذا‎ ‎يدعوني فأستجيب ‏له؟من ذا الذي يسألني فأعطينه؟من ذا الذي يستغفرني ‏فأغفر له؟حتى‎ ‎يطلع الفجر)ومعلوم أنه لا يجيب ‏الدعاء ولا يغفر الذنوب إلا الله‎ ‎تعالى‎.
الوجه الخامس‎:‎نزول رحمته وأمره لا يكون إلا منه ‏وهذا‎ ‎يقتضي أن الله في العلو ,وإلا من تنزل ‏الرحمة؟‎!!
ولهذا قال بعض النفاة لبعض‎ ‎المثبتين:ينزل أمره ‏ورحمته,فقال المثبت:فممن ينزل؟ما عندك فوق العالم ‏شيء ,فممن‎ ‎ينزل الأمر؟من العدم المحض؟؟؟فبهت ‏النافي وكان كبيرا‎ ‎فيهم(31‏‎)
قال الإمام‎ ‎الدارمي رحمه الله‎(‎ونفس الحديث يبطل هذا ‏التفسير ويكذبه,غير أنه‎ ‎أغيظ حديث للجهمية,وأنقض ‏شيء لدعواهم,لأنهم لا يقرون أن الله فوق عرشه فوق‎ ‎سمواته,ونفس الحديث ناقض لدعواهم وقاطع‎ ‎لحججهم‎)(‎‏32‏‎)

الوجه السادس‎:‎لو كان‎ ‎النزول هو نزول ‏الملائكة والرحمة والأمر لكان أخبرنا بذلك النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏‎ ‎الذي تركنا على المحجة البيضاء ‏لا يزيغ عنها إلا هالك فلا شك أن صرف النصوص ‏المحكمة‎ ‎الصريحة عن ظاهرها يعتبر تحريفا للشرع ‏وتكذيب للإسلام شعروا بذلك أم لم‎ ‎يشعروا‎.
الوجه السابع‎:‎إن سلف الأمة‎ ‎وأئمتها مجمعون ‏على إثبات صفة النزول لله تعالى من غير تحريف ولا ‏تكييف ولا‎ ‎تمثيل.ولم يثبت عن أي واحد منهم أنه تأول ‏شيئا من الصفات ألبتة‎
بل الثابت عن‎ ‎السلف والأئمة أنه لما ظهرت الجهمية ‏والزنادقة وأنكروا نزول الله تعالى ردوا عليهم‎ ‎وشنعوا عليهم وبينوا أن الله عز وجل ينزل إلى السماء ‏دنيا نزولا حقيقيا يليق بجلاله‎ ‎وعظمته‎.
حدث الإمام حماد‎ ‎بن سلمة رحمه الله(167ه) بحديث ‏النزول ثم قال‎(‎من رأيتموه ينكر‎ ‎هذا فاتهموه‎)(‎‏33‏ ‎)
وقال الإمام نعيم بن حماد رحمه ‏الله(228ه‎)(‎حديث نزول يرد على الجهمية ‏قولهم‎)(‎‏34‏‎)
وأفرد الإمام أبو داود‎ ‎في (كتاب السنة) بابا في الرد ‏على الجهمية وأورد حديث‎ ‎النزول(11‏‎).

وقال‎ ‎عباد بن العوام‎(‎قدم علينا شريك بن عبد الله منذ ‏نحو من خمسين سنة‎ ,‎فقلت له:يا أبا عبد الله إن عندنا ‏قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث(أي أحاديث‎ ‎النزول)قال:فحد ني بنحو من عشرة أحاديث في ‏هذا.وقال:أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن‎ ‎التابعين عن ‏أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عمن‏‎ ‎أخذوا‎)(‎‏35‏‎)
وقد‎ ‎وقع بين إسحاق بن راهويه وبين إبراهيم بن ‏صالح المعتزلي، وبينه وبين منصور بن طلحة‎ ‎أيضاً ‏منهم كلام، بعضه عند عبد الله بن طاهر بن عبد الله ‏المعتزلي، وبعضه عند‎ ‎أبيه طاهر بن عبد الله‎.
قال إسحاق بن راهويه‎: ‎جمعني وهذا‎ ‎المبتدع يعني ‏إبراهيم بن صالح مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، ‏فسألني الأمير عن‎ ‎أخبار النزول فسردتها، فقال ‏إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، ‏فقلت آمنت‎ ‎برب يفعل ما يشاء، قال فرضي عبد الله ‏كلامي وأنكر على إبراهيم. وقد أخذ إسحاق‎ ‎كلامه ‏هذا عن الفضيل بن عياض رحمه الله فإنه قال: إذا ‏قال الجهمي: أنا أكفر برب‎ ‎ينزل ويصعد، فقل آمنت ‏برب يفعل ما يشاء، ذكره أبو الشيخ ابن حبان في ‏كتاب السنة‎.‎

الشبهة الثالثة ‏‎:‎‏احتجاجهم بما رواه النسائي في(عمل اليوم والليلة‎)(‎أن ‏الله عز وجل يمهل‎ ‎حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر ‏مناديا ينادي فيقول هل من داع فيستجاب له‎).‎
والجواب على ذلك:‏

أولاً: أن هذه الرواية لا ذكر فيها: لا لنزول الله ولا نزول الملك، فمن أين ‏حكمت بأن النزول هو نزول الملك بأمره؟ فالتعويل على هذه الرواية يلغي موضوع ‏النزول برمته.‏
ثانياً: أنه تفرد بهذه اللفظة حفص بن غياث (38) وهو ‏ممن تغير حفظه قليلا بأخرة,وخالفه غير‎ ‎واحد من ‏الثقات ,مثل:شعبة ومنصور بن المعتمر وفضيل بن ‏غزوان ومعمر بن راشد,فرووه‎ ‎بلفظ(إن‎ ‎الله يمهمل ‏حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ,نزل إلى السماء‎ ‎الدنيا,فيقول:ه من مستغفر‎....).
فروايته السابقة شاذة وإن صحت فلها وجه‎ ‎وهو‎:‎
الثالث ‏‎:‎‏ إن هذا إن كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم فإن الرب يقول ذلك,..ويأمر مناديا‎ ‎فينادي...لا ‏أن المنادي يقول(من يدعوني فاستجيب له) ومن ‏روى عن النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم أن المنادي يقول ‏ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه‎ ‎وسلم فإنه-مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر ‏الذي نقلته الأمة خلفا عن‎ ‎السلف-فاسد في ‏المعقول,يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين,كما روى ‏بعضهم(يُنزِّل ‎) ‎بالضم وكما قرأ بعضهم(وكلم اللهَ ‏موسى تكليما)(39) ونحو ذلك من تحريفهم للفظ‎ ‎والمعنى‎.‎
الرابع ‏‎:‎‏ أن الرواية على ضعفها خبر آحاد وتمسككم ينقض ما زعمتم ‏التزامه وهو عدم الاحتجاج بحديث الآحاد في العقائد.‏
الخامس ‏‎:‎‏ أن تحريفكم هذا يحقق حكم أبي الحسن الأشعري فيكم أنكم من ‏أهل الزيغ والضلالة. فقد روى الحافظ ابن عساكر عن أبي الحسن الأشعري أن الله هو ‏الذي "يقول (هل من سائل هل من مستغفر) خلافاً لما قاله أهل الزيغ والضلالة(40)‏
وقال "ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله ‏أهل الرواية عن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ قال: ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا(41)‏
فاعدد: كم من المسائل خالفت بها الأشعري ووافقت بها المعتزلة.‏


الشبهة الرابعة ‏‎:‎‏ قولهم(هل يستلزم نزول الله عز ‏وجل أن يخلو العرش منه أو لا؟)‏.
والجواب ‏‎:‎
‏(علينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله، ومع كونه ‏استوى على العرش، فهو‎ ‎ينزل كما يليق به عز وجل ليس كنزولنا، إذا ‏نزل فلان من السطح خلا منه السطح، وإذا‎ ‎نزل من السيارة خلت منه ‏السيارة فهذا قياس فاسد له؛ لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، ولا‎ ‎يشبه ‏خلقه في شيء من صفاته. كما أننا نقول استوى على العرش على ‏الوجه الذي يليق به‎ ‎سبحانه، ولا نعلم كيفية استوائه، فلا نشبهه ‏بالخلق ولا نمثله، وإنما نقول استوى‎ ‎استواء يليق بجلاله وعظمته، ‏ولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك‎ ‎حيرة ‏عظيمة حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية، حتى قالوا: لا داخل ‏العالم‎ ‎ولا خارج العالم، ولا كذا ولا كذا، حتى وصفوه بصفات معناها ‏العدم وإنكار وجوده‎ ‎سبحانه بالكلية، ولهذا ذهب أصحاب رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم وأهل السنة والجماعة‎ ‎تبعاً لهم فأقروا بما جاءت ‏به النصوص من الكتاب والسنة، وقالوا لا يعلم كيفية صفاته‎ ‎إلا هو ‏سبحانه، ومن هذا ما قاله مالك رحمه الله: (الاستواء معلوم، والكيف ‏مجهول،‎ ‎والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) يعني عن الكيفية، ‏ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة‎ ‎رضي الله عنها عن ربيعه بن أبي عبد ‏الرحمن شيخ مالك رحمهما الله: (الاستواء غير‎ ‎مجهول، والكيف غير ‏معقول، والإيمان بذلك واجب)، ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات‎ ‎كثيرة ومن اعتقادات لأهل الباطل كثيرة عديدة، وحسبنا أن نثبت ما ‏جاء في النصوص وأن‎ ‎لا نزيد على ذلك، وهكذا نقول يسمع ويتكلم ‏ويبصر، ويغضب ويرضى على وجه يليق به‎ ‎سبحانه، ولا يعلم كيفية ‏صفاته إلا هو، وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة، وطريق‎ ‎العلم ‏وهو مذهب السلف الصالح، وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم، ‏وبذلك يسلم‎ ‎المؤمن من شبهات المشبهين، وضلالات المضللين، ‏ويعتصم بالسنة والكتاب المبين، ويرد‎ ‎علم الكيفية إلى ربه سبحانه ‏وتعالى، والله سبحانه ولي‎ ‎التوفيق‎.‎‏) من فتوى للشيخ ابن باز رحمه ‏الله.‏

هل النزول يستلزم أن تكون السماء الدنيا تقله، والسماء ‏الثانية فوقه ؟‎
والجواب ماقاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح العقيدة السفارينية:272‏‎:‎‏ ‏‎ ‎لا يلزم ‏، بل نعلم أنه لا يمكن، وذلك لأنه لو أقلته السماء الدنيا لكان محتاجاً‎ ‎إليها، ولو أقلته ‏السماء الثانية لكانت فوقه، والله سبحانه وتعالى له العلو‎ ‎المطلق أزلاً وأبداً، إذاً فليست ‏السماء الدنيا تقله ولا السماء الأخرى تظله‏‎.
المبحث الثالث: هل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أو لا يخلو‎ ‎؟‎
في هذا ثلاثةُ أقوال لعلماء السنة‎:
‎•‎فمنهم من قال: إن العرش يخلو منه‎.
‎•‎ومنهم من قال: إن العرش لا يخلو منه‎.
‎•‎ومنهم من توقف‎.
فأما الذين‎ ‎قالوا: إن العرش يخلو منه، فقولهم باطل، لأن الله أثبت أنه استوى على العرش ‏بعد‎ ‎خلق السموات والأرض، ولم ينفِ هذا الاستواء في الحديث حين قال الرسول صلى ‏الله‎ ‎عليه وسلم: (ينزلُ ربنا إلى السماء الدنيا)، فوجب إبقاء ما كان على ما كان،‎ ‎وليس الله عز وجل كالمخلوقات، إذا شغل حيزاً فرغ منه الحيز الآخر، نعم، نحن إذا‏‎ ‎نزلنا ‏مكاناً خلا منا المكان الآخر، أما الله عز وجل فلا يقاس بخلقه. فهذا القول‎ ‎باطل لا شك ‏فيه‎.
ويبقى النظر في القولين الآخرين، وهما: التوقف، أو أن نقول‎: ‎إنه لا يخلو منه العرش‎.
فذهبت جماعة من العلماء رحمهم الله إلى التوقف،‏‎ ‎وقالوا: ما لنا ولهذا السؤال أصلاً. ولا ‏ينبغي أن نورد هذا السؤال ؛ لأننا لسنا‎ ‎أشد حرصاً على العلم بالله من الصحابة رضي الله ‏عنهم، ولم يسألوا الرسول عليه‎ ‎الصلاة والسلام عن هذا، فنقول: هذا السؤال من أصله ‏غير وارد، ونقول لمن أورده‎: ‎أنت مبتدع ودعنا من هذا‎.
وعندي أن هذه الطريقة أسلم طريقة ؛أن لا نسأل عن شيء‎ ‎لم يسأل عنه الصحابة رضي الله ‏عنهم، وأن نلقم من سأل عنه حجراً، فإذا قال قائل‎: ‎أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل ‏عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا‎ ‎الأمر فلا تفكر فيه ما دام لم يأتك خبر ‏عنه‎.
وللأسف فإن بعض الناس يجادل ويقول‎: ‎دعوني أتصور النزول حقيقة حتى أتبين هل خلا ‏منه العرش أم لا ؟، فنقول: سبحان‎ ‎الله ! ألا يسعك ما وسع الصحابة رضي الله عنهم ؟ ‏اسكت واترك هذا الكلام الذي لم‎ ‎يقله الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه ‏وسلم، وهم أشد الناس حرصاً على‏‎ ‎العلم بالله، وأعلم الناس بالله‎.
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يخلو منه‎ ‎العرش، لأن الله تعالى ذكر أنه استوى على ‏العرش حين خلق السموات والأرض، ولم يذكر‎ ‎النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا نزل خلا ‏منه العرش، فالواجب بقاء ما كان على ما‎ ‎كان، فهو سبحانه استوى على العرش، ولم ‏يزل مستوياً عليه، وينزل إلى السماء‎ ‎الدنيا في هذا الوقت، والله على كل شيء قدير، ‏وهو سبحانه لا يقاس بخلقه‎.
كما‎ ‎إننا نقول جزماً: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا لم يكن نازلاً على المخلوقات، بل‎ ‎هو ‏فوق كل شيء، وإن كان نازلاً إلى السماء الدنيا ؛ لأن الله لا يقاس بخلقه، والى‎ ‎هذا ذهب ‏شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن العرش لا يخلو منه. ولكني أميل إلى‎ ‎ترجيح القول ‏الثاني وهو التوقف وألا يورد هذا السؤال أصلا، وإذا كان الإمام مالك‎ ‎رحمه الله لما قال له ‏القائل: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى ؟ قال: السؤال‎ ‎عن هذا بدعة، فإننا ‏نقول في هذا: السؤال عنه بدعة‎.‎
الشبهة السابعة ‏‎:‎نسبتهم التأويل للإمام مالك رحمه الله
قال الحبشي "فقد ثبت التأويل عن مالك في حديث النزول أنه قال: نزول رحمة لا نزول نقلة"(49)

وقوله هذا مردود من وجوه عديدة:‏

أولاً: أن هذه الرواية إن صحت (وهي ضعيفة السند) تعارض رواية مالك الصحيحة المشهورة في الاستواء.‏
والأشاعرة تتناقض موافقهم ففي حديث العلو يحتجون بقول مالك (وكيف عنه مرفوع) وفي حديث النزول يجعلون الكيف معقولاً ومؤولاً بنزول ‏الرحمة.‏
ففي حين ينهى مالك عن إعطاء كيفية للاستواء يجيز حسب هذه الرواية إعطاء تكييف للنزول بأنه رحمة لا نقلة. وكان بإمكانه أن يقول في الاستواء ‏‏(علو مكانة لا علو جهة وتحيز). فكيف ينهى مالك عن طلب الكيفية في الاستواء ثم يفصل النزول بكيفية نزول؟ هذا تناقض!‏
ثانياً: أن المعتمد عند الحبشي وعند عامة الأشاعرة والماتريدية أن السلف فوضوا آيات الصفات ولم يتأولوها وإنما كان التأويل بدعة الخلف. فكيف ‏يذهب مالك إلى قول الخلف؟
ثالثاً: أن الرواية عن مالك لم تصح، فيها حبيب بن أب حبيب قال أحمد "كان يكذب" وقال أبو داود "كان من أكذب الناس" وقال ابن حبان "أحاديثه كلها ‏موضوعة، كان يُدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم"(50).‏
وقال الحافظ ابن عبد البر شيخ المالكية في عصره عن رواية حبيب "وأنكره آخرون فقالوا: هذا ليس بشيء لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبداً في ‏الليل والنهار". وشكك الذهبي في صحة الروية عن حبيب(51).‏
وفيها محمد بن علي الجبلّي فقيل إنه كان رافضياً شديد الرفض(52).‏

وفيها جامع بن سوادة "ضعيف"(53) ومطرف بن عبد الله بن مطرف اليساري أبو مصعب المدني ابن أخت الإمام مالك: كان مضطرب الحديث وكان ‏يحدث عن مالك وغيره بالمناكير فلعل هذا من مناكيره(54).‏
فرواية الاستواء قد تلقاها سائر أهل العلم بالقبول وتواترت عندهم. أما رواية النزول فهي واهية معلولة لو صحت لكانت شاذة فكيف وقد ثبت ضعفها!‏
رابعاً: أن الثابت عن مالك خلاف ذلك، فقد ذكر البيهقي صفات الفوقية والنزول والإتيان، ثم روى بسنده عن الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك ‏والثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا "أمرّوها كما جاءت"(55).‏
هكذا أثبته الصابوني عنهم في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث، وأثبته ابن عبد البر عن مالك: وهو أعلم بمذهب مالك من غيره.‏
ولذا حكى الشيخ عبد القادر الجيلاني عقيدة أهل السنة وذكر منها إيمانهم بأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ونسب تأويل ‏النزول بنزول الرحمة إلى الأشاعرة والمعتزلة(56).‏
خامساً: أن مالكاً لم يتأول صفة الاستواء حين سأله السائل عن كيفية الاستواء، وإنما اكتفى بالقول: الاستواء معلوم والكيف مجهول. ولو كان متأولاً ‏شيئاً من صفات الله لتأول صفة الاستواء من باب أولى. وسئل أبو حنيفة عن النزول فقال "ينزل بلا كيف" فأثبت أبو حنيفة النزول ولم يبطله بنزول ‏الملك بأمره أو نزول رحمته. وليس من العقل الجمع بين النقيضين كأن نقول: ينزل، ولكن ينزل الملك بأمره!‏
أن تأويل النزول بنزول الرحمة باطل فإن الرحمة لا ينقطع نزولها. وتأويلها بنزول الملائكة أكثر بطلاناً فإن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار ‏وليس في الثلث الأخير من الليل فقط.‏

وقولهم ينزل أمره باطل ومتناقض فإنه ليس عندهم في السماء شيء فمن أين ينزل أمره؟ أليس ينزل الأمر ممن هو فوق؟.‏
ومن المعلوم عند أهل الكلام أن الرحمة صفة، وأن الصفة لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل، وهي لا تتكلم بنفسها ولا تقول أنا الله، فالقائل هو الله ‏حقيقة والفاعل هو الله حقيقة. ثم إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم يتنزل إلينا فأي منفعة لنا في ذلك؟
سابعاً: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع فهو تنازع يُرَدّ إلى الكتاب والسنة. وهو تنازع مسبوق بتنازع الصحابة في ‏تفسير القرآن وغيره. فقد اختلف ابن عباس وابن مسعود في قوله تعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} قال ابن عباس "هو دخان يجيء قبل ‏يوم القيامة، بينما قال ابن مسعود "هو ما أصاب قريشاً من الجوع.‏
وروى البخاري عن الفضيل بن عياض أنه قال "إذا قال لك الجهمي أننا لا نؤمن بربٍ ينزل عن مكانه فقل له أنت: أنا أؤمن بربٍ كيف يشاء"(57).‏
وسئل ابن المبارك عن حديث النزول – كيف ينزل؟ فأجابك "ينزل كيف يشاء"(58).‏
فلماذا الميل إلى تأويل صفة النزول؟ أخوفاً من التشبيه، فإنه لا يعتبر تشبيهاً إلا عند أهل الوسوسة. فكما أنهم يؤمنون بإرادةٍ لله ليست كإرادتنا وبكلام ‏ليس ككلامنا: فما الذي يمنعهم أن يؤمنوا بنزول ليس كنزولنا وباستواء ليس كاستوائنا؟!‏

وأما احتجاجهم بقول الحافظ ابن حجر أن "المشبهة حملوا النزول على ظاهره"(59).‏
والجواب: أننا نحتج عليكم وعلى الحافظ رحمه الله بقوله هو "أن المعتزلة والجهمية تذرّعوا بالذريعة عينها فقالوا من أثبت هذه الصفات فهو مشبّه. ثم ‏نقل عن الجويني ارتضاؤه في نهاية المطاف ترك 60().‏
ونقول: نعم، من حمله على ظاهره من غير الضابط الحاسم للنزاع وهو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهو مشبه حقاً، أما أهل السنة والجماعة فإنهم يراعون هذه ‏الآية دائماً عند إثبات كل صفة أثبتها الله لنفسه.‏
-----
‎(‎‏25‏‎)‎التب صير في معالم الدين 'ص142-147) طبعة دار العاصمة‎ 1416
‎(‎‏26‏‎)‎الاس تذكار(8/ 148‏‎).‎
‎‎(‎‏27‏‎)‎تذكر ة‎ ‎الحفاظ(2/ 728‏‎).
‎‎(‎‏28‏‎) ‎أخرجه مسلم (758)من حديث‎ ‎أبي هريرة رضي الله عنه‎.
‎(‎‏29‏‎)‎أخرج ه النسائي في(اليوم والليلة)(475‏‎) ‎والدارمي(1481و1482) وأحمد(4/ 16-‏‏17)(16265و16268) وصححه الألباني‎.
‎(‎‏31‏‎)‎مجمو ع‎ ‎الفتاوى(5/ 416‏‎).
‎(‎‏32‏‎) ‎نقضه على المريسي(1/ 500‏‎).
‎(‎‏33‏‎9)‎سير أعلام‎ ‎النبلاء(7/ 451‏‎).
‎(‎‏34‏‎)‎التم هيد(7/ 44‏‎)
‎(‎‏35‏‎1)‎سنن أبي‎ ‎داود(4/ 243)(4733‏‎)
‎(‎‏36‏‎)‎رواه البيهقي في الأسماء والصفات(949) بسند صحيح
‏(37) بيان تلبيس الجهمية (2|229‏‎)‎
‏(38) وقد حكم بضعف اللفظة المذكورة الشيخ الألباني في ‏السلسلة الضعيفة(3897‏‎)‎
‏(39) النساء164 وتوجيه التحريف نصب لفظ الجلالة ‏على أنه مفعول ورفع موسى على أنه الفاعل‎ ‎وهذا من ‏تحريفات المعتزلة‎..‎
‏(40) تبيين كذب المفتري ص 161 الإبانة 25.‏
‏(41) الإبانة 88 وانظر مقالات الإسلاميين 290-291.‏
‏(42)مجموع الفتاوى(18/ 129-130).‏
‏(43) الذيل على طبقات الحنابلة(4/ 34).‏
‏(44) المهذب في اختصار السنن الكبير (2 / 470‏‎)‎
‏(45)مجموع الفتاوى(16/ 426)‏
‏(46) مجموع الفتاوى(16/ 432)‏
‏(47)مجموع الفتاوى(8/ 23).‏
‏(48) طريق الهجرتين ص295‏
‏(49) الدليل القويم 49.‏
‏(50) تهذيب التهذيب 2/ 181 وانظر التقريب (1087).‏
‏(51) التمهيد 7/ 143 سير أعلام النبلاء 8/ 105.‏
‏(52) انظر ترجمته: تاريخ بغداد 3/ 101-103 والمنتظم لابن الجوزي 8/ 135 وميزان الاعتدال 3/ 657 ولسان الميزان 5/ 343 ترجمة رقم ‏‏(7805).‏
‏(53) ميزان الاعتدال 1/ 387 لسان الميزان 2/ 119 ترجمة رقم (1896).‏
‏(54) الكامل لابن عدي 6/ 2374 ميزان الاعتدال 4/ 124 تهذيب التهذيب 10/ 175.‏
‏(55) الأسماء والصفات 569.‏
‏(56) الغنية لطالبي طريق الحق 57.‏
‏(57) رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص 17 وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي 3/ 452 وعقيدة السلف للصابوني 1/ 118 واحتج بها الشيخ عبد ‏القادر الجيلاني في كتابه الغنية لطالبي الحق (ص 58) وانظر الأسماء والصفات للبيهقي 569 أو 2/ 197 تحقيق حيدر.‏
‏(58) رواه البيهقي في الأسماء والصفات 569 نسخة حيدر 2/ 198-199 وهذا القول من ابن المبارك يبطل تحريف الأشاعرة لقول السلف (بلا ‏كيف).‏
‏(59) مجلة منار الهدى 11/ 28.‏
‏(60) فتح الباري 13/ 407.‏

لا تعارض بين النزول والعلو
لا تعارضَ بينَ نزولهِ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا في الثلثِ الأخيرِ منْ كلِّ ليلةٍ مع اختلافِ الأقطارِ، وبينَ استوائهِ عزَّ وجلَّ على العرشِ؛ لأنَّهُ سبحانهُ لا يشبهُ خلقهُ في شيءٍ منْ صفاتهِ، ففي الإمكانِ أن ينزلَ كمَا يشاءُ نزولًا يليقُ بجلالهِ في ثلثِ الليلِ الأخيرِ بالنسبةِ إلى كلِّ قطرٍ، ولا ينافي ذلكَ علوَّهُ واستواءهُ على العرش، لأننا في ذلكَ لا نعلمَ كيفيَّةَ النزولِ، ولا كيفيَّةَ الاستواءِ، بلْ ذلكَ مختصٌّ بهِ سبحانهُ، بخلافِ المخلوقِ فإنَّهُ يستحيلُ في حقِّهِ أنْ ينزلَ في مكانٍ ويوجدُ بمكانٍ آخر في تلكَ اللحظةِ كمَا هو معلومٌ، إلَّا الله عزَّ وجلَّ، فهوَ على كلِّ شيءٍ قدير. ولا يقاسُ ولا يمثَّلُ بهم لقوله عزَّ وجلَّ: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74]، وقولهِ سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11][1].
قال إسْحاق بنُ راهويه رحمه الله (238ه): دخلتُ على ابنِ طاهرٍ فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروونَ أنَّ الله ينْزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا؟ قلتُ: نعمْ، رواها الثقاتُ الذينَ يروونَ الأحْكامَ. فقالَ: ينْزلُ ويدعُ عرْشهُ؟ فقلتُ: يقْدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ قال: نعمْ. قلتُ: فلمَ تتكلَّم في هذَا[2].
قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله: وعبدُ الله بنُ طاهرٍ - وهوَ منْ خيارِ منْ وليَ الأمرَ بخراسان - كانَ يعْرفُ أنَّ اللهَ فَوْقَ العَرْشِ، وأشْكلَ عليهِ أنَّهُ ينزلُ لتوهمهِ أنَّ ذلكَ يقْتضي أنْ يخْلوَ منهُ العرشُ، فأقرَّهُ الإمامُ إسحاقُ على أنَّهُ فوقَ العرشِ، وقالَ لهُ: يقدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ فقالَ لهُ الأميرُ: نعمْ. فقالَ لهُ إسْحاق: لمَ تتكلَّمْ في هذا؟
يقولُ: فإذا كانَ قادرًا على ذلكَ لمْ يلزمْ من نزولهِ خلوُّ العرشِ منهُ، فلا يجوزُ أنْ يعترضَ على النزولِ بأنَّه يلْزمُ منهُ خلوُّ العرشِ، وكان هذا أهْونَ من اعْتراضِ منْ يقولُ: ليسَ فوقَ العرشِ شيءٌ، فينكرُ هذا وهذا[3].
وممَّا ذكرنا يتضحُ لكَ أنَّهُ لا تعارضَ بينَ نزولِ الله تبارك وتعالى واستوائهِ على العرشِ.

--------------------------------------------------------------------------------
[1] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (3/ 136)، فتوى رقم (1643).
[2] أخرجه الذهبي في «العلو» (ص1125)، وصحّح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح حديث النزول» (ص152).
[3] مجموع الفتاوى (5/ 377).

إعتراضهم على دليل الإسراء والمعراج في إثبات العلو:
قال ابن جهبل: (ولم يرد في حديث المعراج أن الله فوق السماء أو فوق العرش حقيقة ولا كلمة واحدة واحدة من ذلك).
ومثل ذلك ذكره السقاف واحتج بحديث نقله عن الزبيدي وهو((لا تفضلوني على يونس بن متى) وادعى أن قرب النبي صلى الله وسلم في المعراج لا يختلف عن قرب يونس في بطن الحوت.

والجواب عليهما من أوجه:

الوجه الأول: لقد أقام السقاف الحجة على نفسه بنفسه حيث قال في ص62(وفي صحيح مسلم (1 / 161) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله  هل رأيت ربك، قال: " نور أنى أراه ". وفي البخاري (8 / 606) ومسلم (1 / 159) عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه هل رأى محمد  ربه ؟ فقالمت: لقد قف شعري مما قلت ! ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت * (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) *. * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب)
ومن هنا تأتي حجتنا فلم يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم (هل رأيت ربك) بعدما علموا أنه عرج به إلى السماء ؟
الجواب: أنهم يعتقدون أن الله في السماء فلما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء فكروا في احتمال رؤيته لربه فتأمل.
الوجه الثاني: إن ألفاظ الحديث تهدم تأويلاتكما وإنكاركما للعلو مثل قوله(ودنى الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أوأدنى) ومنها قوله(ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك قال عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة قال إن أمتك لا تستسطع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أي نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه يارب خفف عنا) الحديث.
فياليت شعري ماذا يقولان في تردد النبي صلى الله عليه وسلم بين موسى وربه صعودا وهبوطا؟.
الوجه الثالث: أما الإستدلال بحديث(لا تفضلوني على يونس بن متى) فلا دلالة فيه على إنكار العلو كما حاول أن يفعل السقاف وهنا نقول: لا ذكر في الحديث للعرش ولا للعلو ولا للسماء لا نفيا ولا إثباتا!
و هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح {لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى} وفي رواية {من قَالَ: إني خير من يونس بن متى فقد كذب}
وقد اختلف العلماء في فهم هذا الحديث، فبعض العلماء فهم من هذا أنه يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي: لا أحد يقول: إنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من يونس.
والبعض الآخر قالوا: إن المقصود من قوله: إني -أي المتكلم- خير من يونس بن متى، فقد كذب، ويقول الحافظ ابن حجر: الرواية الأخرى {من قَالَ: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب} هي في صحيح البُخَارِيّ وتدل عَلَى أن المقصود من قوله "إني" أي المتكلم، لأنه يقول: من قال "أنا"، فأي أحد من النَّاس يقول: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب، لكن يُقال له:
وعَلَى فرض أنها ثبتت، فإن هذا المعنى الذي فهمه بعض العلماء، ليس عَلَى إطلاقه، لكن عَلَى فرض ذلك فلا يكون تفسيره بأن قرب مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ربه ليلة الإسراء والمعراج مثل قرب يونس، وهو في بطن الحوت، هذا المعنى باطل؛ لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما اختص الملائكة قَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ [الأنبياء:19] وقَالَ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب [فاطر:10].
فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما عرج به إِلَى السماء كَانَ في موضع التكريم، وهناك ما يدل عَلَى أن العلو كلما كَانَ أكثر، كلما كَانَ فيه تكريم، وقرب من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنده، ولهذا سمى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الملأ الأعلى بهذا الإسم، لأنهم أعلى من أهل الدنيا لقربهم منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكما جَاءَ في الحديث الآخر {وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه}.
فالشاهد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما وصل إِلَى ذلك المقام الأعلى الذي لم يصل ولن يصل إليه مخلوق قط، كَانَ هذا تكريماً له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو في هذه الحالة وبهذا العمل أفضل من كل النَّاس الذين لم يصلوا إليه وكذلك الأَنْبِيَاء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لم يحظوا بأن يصلوا إِلَى هذه الدرجة وإلى هذه المكانة، فهذا تعظيم للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو أفضل من يونس بن متى عليهما الصلاة والسلام.
فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لا يقل أحد: إني خير من يونس بن متى} ليس فيه منع تفضيل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يونس عَلَيْهِ السَّلام، وإنما الذي فيه النهي بأن أحداً لايجوز له أن يفضل نفسه عَلَى يونس عَلَيْهِ السَّلام، بأن يقول: إن يونس فعل ما يلام عليه، وأنا لم أفعل ما ألام عليه، ومع ذلك فإن يونس عَلَيْهِ السَّلام قد استغفر وتاب، وقَالَ: سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]. وفي قوله هذا دليل عَلَى أنه فعل ما يلام عليه، كما خاطب الله تَعَالَى نبيه بقوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48].
فالرد على هذا التأويل أن الحديث عام وتخصيصه بهذا الأمر تحكم مكشوف والمعنى الصحيح أن منع التفضيل من حيث النبوة والرسالة قال تعالى (لا نفرق بين أحد من رسله) ويدخل في ذلك غير الأنبياء من باب أولى
فمنع التفضيل -عليه الصلاة والسلام- وهذا محمول على حالة واحدة وهي:إذا ما اقتضى المقام تنقص المفضل عليه، إذا اقتضى المقام تنقص المفضول، يقال: لا تفضلوا الأنبياء، وإلا فالتفضيل بين الأنبياء في منطوق الكتاب العزيز تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [(253) سورة البقرة] والمنع من تفضيل الأنبياء(لا تفضلوا بين الأنبياء) معروف أنه حينما يقتضى هذا التفضيل التنقص للمفضول كما هو ظاهر في قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى)، لأن ما حصل من يونس -عليه السلام- قد يتطاول عليه بعض السفهاء الذي لا يعرف منازل الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذي يقرأ عنه قد يقع في نفسه شيء من التنقص، لكن الله -جل وعلا- أنجاه {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [(143- 144) سورة الصافات] {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [(87) سورة الأنبياء] دعوة أخي ذو النون، وليست خاصة به بل له ولغيره ممن يقولها في هذه المضايق {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [(88) سورة الأنبياء] ليست خاصة بيونس، على كل حال إذا اقتضى التفضيل تنقص المفضول منع وحسمت مادته (لا تفضلوا بين الأنبياء)، وإلا فالأصل أن التفضيل واقع وثابت في منطوق القرآن.

الوجه الرابع: أن يقال:ما الذي يمنع من أن يكون الله فوق العرش عال على خلقه ويكون أقرب إلى عباده ؟ فلا تعارض بين علو الله تعالى على خلقه وبين قربه إلى عباده كما يشاء لأننا لا نعلم لا كيفية العلو ولا كيفية القرب فالأولى إثباتهما معا بدلا من ضرب بعضهما ببعض
ف(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

قولهم بأن الليل ينتقل من مكان إلى مكان ‏

قال أحد الأحباش( ويلزم من حديث النزول أن يكون الله فيما بين النصف الثاني من الليل والفجر ‏مستمراً في النزول والصعود، وذلك أن الليل يختلف باختلاف البلاد، فنصف الليل في بلد هو أول النهار في ‏بلد آخر).
والجواب عليه ‏‎:‎
قال الحافظ "وقد استشكل ذلك (الحديث) وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ‏ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه ‏الصلاة والسلام‏ في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب ‏بأن أمور الآخرة لا تُدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة"(2).

فإذا كان العقل لا يدرك كيفية رجوع الروح إلى جسد النبي فمن باب أولى أن لا ‏يدرك كيفية نزول الله. ولكن أهل البدع يتناقضون: فتارة يقدّمون العقل على النقل وتارة ‏يقدمون النقل على العقل وتارة يجوّزون عقلاً ما لا يجوز شرعاً وتارة يجوّزون شرعاً ‏ما لا يجوز عقلاً.‏
وهذا المثال يظهر به ما تعانيه نفوسهم من مرض التشبيه، وحيازتهم لأدواء ‏فاسدة يسمونها التأويل يظنون أن بها شفاءهم.‏
والحجة الدامغة في ذلك أن أفاضل هذه الأمة رووا هذا الحديث وكتبوه في كتبهم ‏وسئلوا عن معناه فلم يعارضوه بعقولهم ولم يضربوا له مثل السوء الذي ضربتموه، بل ‏المعروف عنهم عدم التعرض لأحاديث الصفات بما يعرض للعقول من وساوس.‏
ولهذا أجاب الحافظ ابن رجب(3) على من قال "إن ثلث الليل يختلف باختلاف ‏البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين" فقال رحمه الله "معلوم بالضرورة قبح ‏هذا الاعتراض وأن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ وخلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ‏ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين".‏
وقد رد على هذه الشبهة السخيفة شيخ الإسلام ابن تيمية فقال ‏: (ومن هنا يظهر عما ذكره ابن حزم ‏وغيره في حديث النزول حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم "‎ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ‏ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ‏حتى يطلع الفجر‎". 
فقالوا: قد ثبت أن الليل يختلف بالنسبة إلى الناس فيكون أوله ونصفه وثلثه بالمشرق قبل ‏أوله ونصفه وثلثه بالمغرب قالوا فلو كان النزول هو النزول المعروف للزم أن ينزل في جميع ‏أجزاء الليل إذ لا يزال في الأرض ليل قالوا أو لا يزال نازلا وصاعدا وهو جمع بين الضدين‎. 
وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم وهذا عين التمثيل ثم إنهم ‏بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره ‏عن جمعه وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة كل منهم يراه مخليا به ويناجيه ‏لا يرى أنه متخليا لغيره ولا مخاطب لغيره, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "‎إذا قال العبد الحمد لله رب ‏العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي‎". 
فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك ولا يشغله شأن عن شأن, وذلك ‏كما قيل لابن عباس كيف يحاسب الله تعالى الخلق في ساعة واحدة فقال: كما يرزقهم في ‏ساعة واحدة‎. 
ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس القدرية فكيف بمن ‏مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته‎. 
يقال لهؤلاء أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا ‏تختلف ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم‎, ‎وغاربة عن آخرين, وقريبة من ‏قوم وبعيدة من آخرين؛ فيكون عند قوم عنها ليل وعند قوم نهار وعند قوم شتاء وعند قوم ‏صيف وعند قوم حر وعند قوم برد؛ فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في ‏وقت واحد لطائفتين وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف يمتنع على خالق كل ‏شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه إياهم في ثلث ليلهم, وإن كان مختلفا ‏بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ولا يحتاج أن ينزل عن هؤلاء ثم ينزل ‏على هؤلاء بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثا عند هؤلاء وفجرا عند هؤلاء يكون نزوله ‏إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا فسبحان الله الواحد القهار سبحان ‏ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين‎".
 
جمال البليدي
المصدر: موقع الألوكة..


قولهم بأن النزول يقتضي الحركة ‏والإنتقال وهذا من خصائص الأجسام


والجواب من عدة أوجه ‏‎:‎
الأول ‎:‎‏ إن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق ‏بالحق ,وأنصح الخلق للخلق, وأفصح الخلق في بيان ‏الحق, وأحرص الخلق في هداية الخلق, فما بينه من ‏أسماء الله وصفاته هو الغاية في هذا الباب" فإن كان ‏كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس ‏‏,وأجهلهم وأسوئهم أدبا, بل يجب تأديبه ‏وتعزيره, ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم عن الظنون الباطلة, والإعتقادات ‏الفاسدة"(42)‏
ولفظ(الحركة) لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة ‏وبالتالي هو لفظ مجمل يجب الإستفصال في معناه في ‏إن كان حق قبلناه وإن كان باطلا رددناه‎. 
فإن كان قصدكم بالحركة أن الله إستوى العرش وكلم ‏موسى وينزل كل ليلة في الثلث الأخير وأنه خلق ‏السموات وخلق الخلق وأنه أنزل الله الكتب وأنه يجيء ‏يوم القيامة ليحاسب العباد فهذا المعنى حق دل عليه ‏الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة‎ (‎واتفق أهل السنة ‏على القول بمقتضى ما دل عليه الكتاب والسنة من ‏ذلك غير خائضين فيه، ولا محرفين للكلم عن ‏مواضعه، ولا معطلين له عن دلائله. وهذه النصوص ‏في إثبات الفعل، والمجيء، والاستواء، والنزول ‏إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله فالحركة ‏له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن ‏كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة‎)(1). 
أما إذا كنتم تقصدون بلفظ(الحركة) أن الله يماثل أحد ‏مخلوقاته في شيء من صفاتهم فهذا المعنى باطل ‏ننكره والإمام الدارمي ينكره كذلك‎. 
لكن اللفظ حادث وموقف أهل السنة من الألفاظ الحادثة هو‎: 
‎-‎إما نفيها تماما والوقوف على الألفاظ الواردة فقط 
‎-‎إما إثبات المعنى الصحيح منها وترك المعنى الخاطئ وإبقاء اللفظ(وهذه طريقة الدارمي) 
‎-‎إما إثبات المعنى الصحيح والوقف عن اللفظ وعدم ‏القول به(وهذه طريقة بعض السلف وطريقة ابن ‏تيمية رحمه الله).‎

الثاني ‏‎:‎ إن الإنتقال إن لزم من إثبات ما أثبته الله تعالى ‏ورسوله صلى الله عليه وسلم ,فلا بد من إثباته ‏ضرورة ,إذ لا زم الحق حق, وإن لم يكن ذلك لازم ‏له, فأنتم معترضون على الرسول صلى الله عليه وسلم ‏كاذبون عليه, متقدمون بين يديه, فبطل إلزامك إن صح.‏
قال ابن رجب رحمه الله ‏‎:‎‏(لا نسلم لزومه, فإن نزوله ‏ليس كنزول المخلوقين)(43)
وقال الحافظ الذهبي ‏‎‎ (الصواب في حديث النزول ‏ونحوه ما قاله مالك وأقرانه يُمر كما جاء بلا كيفية , و لازم ‏الحق حق , و نفي الإنتقال و إثباته عبارة ‏محدثة , فإن ثبتت في الأثر ‏رويناها و نطقنا بها , و ان نفيت ‏في الأثر نطقنا بالنفي , و إلا ‏لزمنا السكوت و آمنا بما ثبت في الكتاب و السنة ‏على مقتضاه " اه(44)‏
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ‏‎:‎ ( والأحسن في هذا ‏الباب مراعاة ألفاظ النصوص. فالألفاظ التي جاء بها ‏الكتاب والسنة في الإثبات تثبت ,والتي جاءت في ‏النفي تنفى.والألفاظ المجملة كلفظ(الحركة) ‏و(النزول) و(الإنتقال) يجب أن يقال فيها ‏‎:‎أنه منزه ‏عن مماثلة المخلوقين من كل وجه, لا يماثل المخلوق ‏لا في نزول, ولا في حركة ولا انتقال ولا زوال ولا ‏غير ذلك(45).وهذه سبيل من اعتصم بالعروة ‏الوثقى(46))‏.

الثالث ‏‎:‎ يقال لهم ‏‎:‎رب العالمين إما أن يقبل الاتصاف ‏بالإئتيان والمجيء والنزول وجنس الحركة, وإما أن لا ‏يقبله, فإن لم يقبله كانت الأجسام التي تقبل الحركة ولم ‏تتحرك أكمل منه, وإن قبل ذلك ولم يفعله كان ما ‏يتحرك أكمل منه, فإن الحركة كمال للمتحرك, ومعلوم ‏أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه ‏التحرك ,وما يقبل الحركة أكمل ممن لا يقبها(47)‏
قال ابن القيم رحمه الله ‏‎:‎ (ومن نزهه عن نزوله كل ‏ليلة إلى السماء الدنيا, ودنوه عشية عرفة من أهل ‏الموقف, ومجيئه يوم القيامة للقضاء بين عباده فرار ‏من تشبيهه بالأجسام, فقد شبهه بالجماد الذي لا ‏يتصرف ولا يفعل ولا يجيئ ولا يأتي ولا ‏ينزل) (48).

الرابع ‎:‎قولكم أن هذه الأمور كالمجيئ والإتيان ‏والنزول من خصائص أجسام قول باطل قطعا لأن ‏الأعراض كذلك توصف بذلك فيقال ‏‎:‎جاء البرد ,جاء ‏الحر, جاء الصيف ,وجاءت الحمى...فهل هذه أجسام ‏عندكم؟ وبالتالي قولكم هذا من الهذيان والهراء والحمد ‏لله.‏
الخامس ‏‎:‎ أن يقال ‏‎:‎المجيء والإتيان والصعود ‏والنزول توصف بها روح الإنسان التي تفارقه ‏بالموت, وتسمى النفس, وتوصف به الملائكة.وليس ‏نزول الروح وصعودها من جنس نزول البدن ‏وصعوده, فإن روح المؤمن تصعد إلى فوق السموات ‏ثم تهبط إلى الأرض فيما بين قبضها ووضع الميت في ‏قبره.وهذا زمن يسير لا يصعد البدن إلى فوق ‏السماوات ثم ينزل إلى الأرض في مثل هذا الزمن.‏
وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، علم أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه. وعروج الملائكة ونزولها من ‏جنس عروج الروح ونزولها، لا من جنس عروج البدن ونزوله. وصعود الرب عز وجل فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه تعالى أبعد عن مماثلة ‏كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق.‏
فتدبر أيها القارئ اللبيب.‏
 
جمال البليدي
المصدر: موقع الألوكة..


لا تعارض بين النزول والعلو

لا تعارضَ بينَ نزولهِ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا في الثلثِ الأخيرِ منْ كلِّ ليلةٍ مع اختلافِ الأقطارِ، وبينَ استوائهِ عزَّ وجلَّ على العرشِ؛ لأنَّهُ سبحانهُ لا يشبهُ خلقهُ في شيءٍ منْ صفاتهِ، ففي الإمكانِ أن ينزلَ كمَا يشاءُ نزولًا يليقُ بجلالهِ في ثلثِ الليلِ الأخيرِ بالنسبةِ إلى كلِّ قطرٍ، ولا ينافي ذلكَ علوَّهُ واستواءهُ على العرش، لأننا في ذلكَ لا نعلمَ كيفيَّةَ النزولِ، ولا كيفيَّةَ الاستواءِ، بلْ ذلكَ مختصٌّ بهِ سبحانهُ، بخلافِ المخلوقِ فإنَّهُ يستحيلُ في حقِّهِ أنْ ينزلَ في مكانٍ ويوجدُ بمكانٍ آخر في تلكَ اللحظةِ كمَا هو معلومٌ، إلَّا الله عزَّ وجلَّ، فهوَ على كلِّ شيءٍ قدير. ولا يقاسُ ولا يمثَّلُ بهم لقوله عزَّ وجلَّ: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: 74]، وقولهِ سبحانه{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11][1].
قال إسْحاق بنُ راهويه رحمه الله (238ه): دخلتُ على ابنِ طاهرٍ فقال: ما هذه الأحاديث؟ تروونَ أنَّ الله ينْزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا؟ قلتُ: نعمْ، رواها الثقاتُ الذينَ يروونَ الأحْكامَ. فقالَ: ينْزلُ ويدعُ عرْشهُ؟ فقلتُ: يقْدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ قال: نعمْ. قلتُ: فلمَ تتكلَّم في هذَا[2].
قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله: وعبدُ الله بنُ طاهرٍ - وهوَ منْ خيارِ منْ وليَ الأمرَ بخراسان - كانَ يعْرفُ أنَّ اللهَ فَوْقَ العَرْشِ، وأشْكلَ عليهِ أنَّهُ ينزلُ لتوهمهِ أنَّ ذلكَ يقْتضي أنْ يخْلوَ منهُ العرشُ، فأقرَّهُ الإمامُ إسحاقُ على أنَّهُ فوقَ العرشِ، وقالَ لهُ: يقدرُ أنْ ينزلَ منْ غيرِ أنْ يخلوَ منهُ العرشُ؟ فقالَ لهُ الأميرُ: نعمْ. فقالَ لهُ إسْحاق: لمَ تتكلَّمْ في هذا؟
يقولُ: فإذا كانَ قادرًا على ذلكَ لمْ يلزمْ من نزولهِ خلوُّ العرشِ منهُ، فلا يجوزُ أنْ يعترضَ على النزولِ بأنَّه يلْزمُ منهُ خلوُّ العرشِ، وكان هذا أهْونَ من اعْتراضِ منْ يقولُ: ليسَ فوقَ العرشِ شيءٌ، فينكرُ هذا وهذا[3].
وممَّا ذكرنا يتضحُ لكَ أنَّهُ لا تعارضَ بينَ نزولِ الله تبارك وتعالى واستوائهِ على العرشِ.

----------------------------------------------------------------- [1] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (3/136)، فتوى رقم (1643).
[2] أخرجه الذهبي في «العلو» (ص1125)، وصحّح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح حديث النزول» (ص152).
[3] مجموع الفتاوى (5/377).
 
جمال البليدي
موقع الألوكة..


ان الله جل وعز ينزل الى السماء الدنيا وله في كل سماء كرسي – جلس على كرسيه

قال الامام الالباني : " 6334 - (إن الله جل وعز يَنْزِلُ إلى سماءِ الدنيا، وله في كل سماء كُرْسِيٌّ، فإذا نزل إلى سماءِ الدنيا، جلسَ على كرسيِّه، ثم مدَّ
ساعِدَيه فيقولُ: مَنْ ذا الذي يُقْرِضُ غَيْرَ عادِمٍ ولا ظَلومٍ، من ذا الذي
يَسْتَغْفِرُنِي فأغفرَ له ؟، من ذا الذي يتوبُ فأتوبَ عليه ؟. فإذا كان عند
الصبحِ، ارتفعَ، فجلسَ على كرسيِّه).
باطل بذكر (الكرسي والجلوس).
أخرجه ابن منده في "الرد على الجهمية"
(ص 80): أخبرنا عبد العزيز بن سهل الدباس - بمكة -: ثنا محمد بن الحسن
الخرقي البغدادي: ثنا محفوظ بن أبي توبة عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري
عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ... فذكره، وقال: "هكذا رواه الخرقي، عن محفوظ، عن أبي توبة، عن عبد الرزاق، وله أصل عن سعيد بن المسيب مرسل".
قلت : وهذا إسناد واهٍ جداً ، مَن دون عبد الرزاق لم أجد لهم ترجمة، غير
محفوظ بن أبي توبة: قال الذهبي في "الميزان":
"ضعَّف أحمد أمره جداً ... ولم يترك".
ولهذا ذكر العقيلي في "الضعفاء" (4/267)، لكن سقط منه عزوه لأحمد،
فراجع "الميزان" و "اللسان" و "تاريخ بغداد" (13/192) و "الجرح" ، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (9/204) ! وذكر أن وفاته كانت سنة (237)، وكذا في "التاريخ"، وساق له حديث ابن عباس في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين
كفرو ليثبتوك}، قال:"تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، أثبتوه بالوثاق – يريدون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... " الحديث، وفيه بيات علي على فراش النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الغار، وأن المشركين اقتصوا أثره حتى مروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ... الحديث.
رواه من طريق عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر: أخبرني عثمان الجزري أن
مقسماً مولى ابن عباس حدث عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ ... به.
والجزري هذا - هو: عثمان بن عمرو بن ساج -: قال الحافظ:
"فيه ضعف".
قلت : فالعلة منه أو من محفوظ .
وحديث الترجمة قد رواه عبد الرزاق في "المصنف" (10/444/19653) عن
معمر عن الزهري، لكنه قال:"يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ،حِتى يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ إلى السماء الدنيا، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟".
وهكذا رواه جمع من الثقات عن عبد الرزاق عند ابن أبي عاصم (1/217/
494)، والآجُري (308) ... ليس فيه تلك المنكرات من الكراسي والجلوس عليها، فهو المحفوظ عن عبد الرزاق ، وفي سائر طرق الحديث - وهي كثيرة جداً -، وعن جمع من الصحابة، ولذلك قال جماعة من الحفاظ بأنه حديث متواتر، منهم الحافظ ابن عبدالبر في "التمهيد" (7/128).
ثم رأيت للحديث طريقاً أخرى عن عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن يحيى
بن أبي كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن البيلماني قال: "ما من ليلة إلا ينزل ربكم عَزَّ وَجَلَّ إلى السماء، فما من سماء إلا وله فيها كرسي، فإذا أتى السماء، خر أهلها سجوداً حتى يرجع، فإذا أتى السماء الدنيا، أطت وترعدت من خشية الله عَزَّ وَجَلَّ، وهو باسط يديه يدعو عباده: يا عبادي !
من يدعوني، أجبه، ومن يتب إلي، أتب عليه، ومن يستغفرني، أغفر له، ومن
يسألني، أعطه، من يقرض غير معدم، ولا ظلوم. أو كما قال ".
أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص 313) بسند صحيح عن عبد الرزاق،
لكنه مع كونه موقوفاً على عبد الرحمن بن البليماني فإنه ضعيف أعني ابن
البيلماني هذا ، وقد قيل: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة.
وقد روى الأوزاعي هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير: حدثنا أبو سلمة
ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة ... مرفوعاً، نحو حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة المتقدم، وزاد:"حتى ينفجر الصبح ".
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "الظلال" (1/2018/497)، وليس فيه – ولا في شيء من طرق الحديث الكثيرة - ما فِي حَدِيثِ ابن البيلماني هذا من الأطيط والترعيد، فهو منكر أيضاً، نعم في بعضها الجملة الأخيرة منه بلفظ:
"ثم يبسط يديه تبارك وتعالى يقول: من يُقرض غير معدوم، ولا ظلوم".
رواه مسلم وغيره، وهو في "الإرواء" (1/196 - 197).
وجملة القول : أن هذه الزيادات - التي جاءت فِي حَدِيثِ الترجمة وحديث
ابن البيلماني دون سائر طرق الحديث المتواترة - هي زيادات باطلة، لضعف
إسنادها، ومخالفتها للأحاديث الصحيحة .
وهناك حديث آخر منكر أيضاً ، لعلة المخالفة - وإن كان إسناده خيراً من هذا
بكثير -، رواه النسائي في "عمل اليوم " من طريق عمر بن حفص بن غياث: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش: حدثنا أبو إسحاق: حدثنا أبو مسلم الأغر: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فذكره بلفظ -: "إن الله عَزَّ وَجَلَّ يمهل حتى يمضي شطر الليل الاول، ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داعٍ يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من سائل يعطى ؟".
ولا أريد هنا النتبيه على أن أحد الدجاجلة المتجهمة المعطلة في تعليقه على
كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه" (ص 193) قد صحح هذا الحديث المنكر !
بادعائه أن حفص بن غياث الذي في إسناده إنما حدث به من كتابه ! ونسب ذلك إلى الحافظين المزي والعسقلاني في "التهذيب"، وهو كذب عليهما، كما أوهم القراء أن ذلك مذكور في إسناد الحديث، وهو كذب أيضاً - كما هو ظاهر للعيان -.
وقد نقلت عبارته بذلك هناك مع تفصيل القول على أكاذيبه المذكورة. والله
المستعان على كثرة الفتن في هذا الزمان !
(فائدة) : الموقف الذي يجب على كل مسلم أن يتخذه تجاه النزول الإلهي هو
نفس الموقف الذي وقفه السلف الصالح والأئمة، وجواب مالك لمن سأله عن
الاستواء معروف، وقد وقفت على جواب للإمام أبي جعفر الترمذي في النزول
يشبه جواب مالك المذكور، فقال الذهبي في "السير" (13/547):
"قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر فسئل عن حديث
النزول ؟ فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب،والسؤال عنه بدعة". [1]
{ ان الله يضع السماء على اصبع والارض على اصبع... }
قال الامام البخاري : " 7451 - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ»: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] " اه. [2]
وقال الامام احمد : " 4368 - حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. قَالَ: " فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ " تَصْدِيقًا، لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [الزمر: 67] إِلَى آخِرِ الْآيَةَ (2)
__________
 (2) إسناده صحيح على شرط الشيخين " اه. [3]
فيعترض بعض الرافضة على الحديثين ويقولون جاء في رواية ان الاصابع خمسة , وفي الاخرى ستة.
والجواب:
انه لا تعارض بين الحديثين , وذلك لانه لم يرد في الحديث حصر للعدد فاعتراض الرافضة باطل , ولقد جاء في القران ذكر صفة اليد لله تعالى بالافراد والتثنية , قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (10): الفتح } , وقال تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75): ص }.
وخلاصة الامر ان اهل السنة عندهم ان الله تعالى ليس كمثله شيء , ولا يجعلون لوازم صفات الخالق , مثل لوازم صفات المخلوقين.
ولقد وردت صفة الاصابع في كتب الرافضة , قال ابن ابي جمهور : " (139)
 وقال النبي  صلى الله عليه وآله: " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان " اه. [4]
وقال الصدوق : " 75 - حدثنا أحمد بن محمد عن أبيه عن محمد بن أحمد عن موسى بن عمر عن ابن سنان عن أبي سعيد القماط عن حمران، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إذا كان الرجل على يمينك على رأي ثم تحول إلى يسارك فلا تقل إلا خيرا ولا تبرأ منه حتى تسمع منه ما سمعت وهو على يمينك فان القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء ساعة كذا وساعة كذا وان العبد ربما وفق للخير. (قال مؤلف هذا الكتاب رحمه الله) قوله: بين إصبعين من أصابع الله - يعني  بين طريقين من طرق الله يعني بالطريقين طريق الخير وطريق الشر، وان الله عز وجل لا يوصف بالأصابع ولا يشبه بخلقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا " اه. [5]
لقد ذكر الامام الباقر بأن لله تعالى اصابع , ولم يرد عن الامام المعصوم ان الاصبع بمعنى الطريق , فيبقى الامر على حقيقته ما لم يأت دليل على التأويل من كلام الامام المعصوم , واما تأويل الصدوق للاصبع بالطريق فهو مردود وذلك لان الرواية فيها (بين اصبعين من اصابع الله) فطريق الله تعالى لا يخرج من ان يكون طريق الخير , او طريق الشر , فلا توجد طرق اخرى , والرواية ذكرت اصبعين من اصابع الله , فلو كان الاصبع بمعنى الطريق فيلزم من هذا ان يكون لله تعالى اكثر من طريقين , فما هي الطريق الاخرى لله تعالى غير طريق الخير , والشر ؟ !!! , ثم نسال الرافضة ونقول هل تقولون بأن طريق الشر هو طريق الله ؟ !!!.


1 - سلسلة الاحاديث الضعيفة والموضوعة – محمد ناصر الدين الالباني – ج 13 ص 740 – 744.
2 - صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ} – ج 9 ص 134.
3 - مسند الامام احمد – تحقيق شعيب الارناؤوط – ج 7 ص 377 – 378.
4 - عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي - ج 4 - ص 99.
5 - علل الشرائع - الصدوق - ج 2 ص 604 – 605.


تأويل الإمام مالك للنزول

والجواب عنها:
المنقول عن الإمام مالك ليس تأويل النزول بالرحمة وإنما نزول الأمر ولا يثبت ذلك عن الإمام مالك لأمور
1-أنها من رواية حبيب كاتب مالك وهو كذاب قال أبوداود: هو من أكذب الناس))وقال ابن حبان(يروي الموضوعات عن الثقات))ميزان الاعتدال (452/1)
2- وللأثر طريق آخر ذكره ابن عبدالبر في التمهيد من طريق محمد بن علي الجبلي عن جامع بن سوادة عن مطرف عن مالك أنه سئل عن حديث النزول فقال: يتنزل أمره
وهذا إسناد مظلم فإن محمد بن علي الجبلي قال عنه الخطيب((قيل كان رافضيا شديد الرفض)) وأما جامع بن سوادة فمجهول وقد روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثا ثم قال((الحديث باطل وجامع ضعيف)) وقال ابن الجوزي عنه في الموضوعات جامع مجهول
3الأثر مخالف لمذهب مالك المستفيض عنه من إمرار الصفات على ظاهرها وعدم التعرض لها بتأويل كما نقل البيهقي.

عدد مرات القراءة:
3499
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :