معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

التوسل وموقف إبن تيمية ..

التوسل وموقف إبن تيمية

يرى المناوئون لابن تيمية رحمه الله جواز التوسل بذوات المخلوقين من الأنبياء والصالحين، وأن هذا من شريعة الإسلام، قد جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. 

فمن الكتاب يستدلون بقوله تعالى: { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } [المائدة: 35] . 

إذ الوسيلة عامة تشمل التوسل بالأشخاص، والتوسل بالأعمال، بل يرون أن المتبادر من التوسل في الشرع هو هذا وذاك رغم تقول كل مفتر (1) . 

وأما من السنة فيستدلون بحديث توسل عمر (ت - 23هـ) رضي الله عنه بالعباس (ت - 32هـ) رضي الله عنه وبغيره (2) . 

وأما الإجماع: فقد حكى الإجماع على جواز التوسل بذوات الأنبياء في حياتهم حضوراً أو غائبين، وبعد مماتهم: جمع منهم، ويرون أن هذا هو اتفاق 

(1) انظر: محق التقول في مسألة التوسل للكوثري ضمن مقالات الكوثري ص450. 

(2) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص451، مصباح الأنام للحداد ص63، حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء عليهما السلام لمخلوف ص37 - 38. 

 السلف عبر القرون المفضلة الأولى، حتى جاء ابن تيمية رحمه الله بعد القرن السابع، وخرق هذا الإجماع: 

(وقد جرى عمل الأمة على التوسل والزيارة إلى أَنِ ابتدع إنكار ذلك الحراني) (1) . 

(الخلاف هو على التوسل بالميت الصالح، ولم يكن يختلف على جوازه أحد من السلف إلى القرن السابع، حيث ابتدع ابن تيمية هذا الخلاف الفتان) (2) . 

(وطوال أربعة عشر قرناً: لم ينكره أحد سوى ابن تيمية وتلاميذه في القرن الثامن الهجري!) (3) . 

(التوسل بالأموات زعم ابن تيمية أنه ممنوع) (4) . 

وقال السبكي (ت - 756هـ) : (لم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) (5) . 

ولا يكتفي المناوئون لابن تيمية رحمه الله بإباحة التوسل بالأنبياء والصالحين، واستحبابه، بل يرون أن التوسل مشروع بعامة المسلمين وخاصتهم (6) . 

وينكرون على من منع سؤال أولياء الله الموتى، بأنه لا حجة لهم إذا استدلوا بحديث: (( إذا سألت فاسأل الله )) (7) ، لأن الأموات الصالحين أحياء في 

(1) محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص468. 

(2) الإفهام والإفحام لمحد زكي إبراهيم ص7. 

(3) الوهابية في الميزان لمحمد السبحاني ص162. 

(4) مصباح الأنام للحداد ص54. 

(5) شفاء السقام ص153. 

(6) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص466. 

(7) الحديث أخرجه أحمد في مسنده 1/293 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ وصححه الألباني كما في صحيح الجامع 2/1317 - 1318. 

قبورهم يتصرفون، وأنه تواتر عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم على أن موتى المؤمنين في البرزخ يعلمون، ويسمعون، ويرون، ويقدرون على الدعاء، وأن الشكوى لهم من ظلم الظالم قد تفيد، فلهم ما شاء الله من التصرفات (1) . 

ويرون تخطئة ابن تيمية رحمه الله حين فرق بين التوسل بالأحياء الحاضرين القادرين، وبين التوسل بالميت، بأنه لا دليل على التفريق بين الحي والميت، ومن فرق بين الحي والميت فهو دليل على أنه يرى فناء الأرواح، وهذا يؤدي إلى إنكار البعث (2) . 

ويذكرون مثالاً على جواز التوسل بالصالحين الموتى: أن الشافعي (ت - 204هـ) رحمه الله كان يتوسل بأبي حنيفة (ت - 150هـ) رحمه الله ببغداد، يأتي إلى ضريحه ويركع ركعتين، ويتوسل به (3) . 

(1) انظر: حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص261 - 262. 

(2) انظر: محق التقول للكوثري ضمن مقالاته ص450. 

(3) انظر: مصباح الأنام للحداد ص57. 

المطلب الثاني 

مناقشة الدعوى 

حين يزعم المناوئون لابن تيمية رحمه الله أنه أول من قال بتحريم التوسل بالذوات مطلقاً، أو الأموات مطلقاً، أو الأحياء فيما لا يقدرون عليه، أو في مغيبهم، فليس هذا افتراءً على ابن تيمية رحمه الله وحده، بل هي فرية على القرون السبعة الأولى أنهم يحرمون ما أجازه الله ورسوله، ثم هو افتراء على الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، من غير دليل صحيح فيتبع، أو أثر فيقتفى، فليس في الكتاب العزيز، ولا السنة المطهرة أي دليل يجيز أو يشير إلى إباحة هذا التعلق بالذوات، والتجاء القلب إلى المخلوق وترك الخالق. 

وابن تيمية رحمه الله قد أخذ عهداً على نفسه أن لا يقول بأي قول جديد لم يسبقه إليه صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتابعوهم، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة الأخيار، فهو متبع لا مبتدع، ويرى أنه قد كُفي بمن سبقه؛ بما بينوا وأوضحوا من غوامض النصوص، ودقائق المسائل. 

يقول رحمه الله عن نفسه: (المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قاله بعض العلماء) (1) . 

ثم قال: (فمن كان يسلك هذ المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصور أن يكون الإجماع واقعاً في مورد النزاع؟) (2) . 

(1) الرد على الأخنائي ص195. 

(2) الرد على الأخنائي ص195. 

ثم بيّن رحمه الله السبب في تسرع بعض الناس إذا وجد قولاً أو قولين حكم بالإجماع بأنه ناتج عن الظن الفاسد، والجهل بأقوال أهل العلم، مما ينتج عنه عدم معرفة مظان الإجماع فيقول: (لكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطيء في هذا الظن لا مصيب، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي) (1) . 

وإذا ادعى مدع أن غيره خالف الإجماع فلا يقبل قوله إلا إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك؛ لأن دعوى الإجماع من علم خاصة العلماء الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، وغاية الأمر أن مدعي الإجماع لا يعلم منازعاً في المسألة، لا أنه يجزم بنفي المنازع؛ لأن عدم العلم لا يعني العلم بالعدم (2) . 

ومن زعم أن ابن تيمية رحمه الله قد خالف الإجماع، فإن هذه الدعوى تقلب عليه لينقلب مدحوراً، فيطالب بدليل واحد من القرآن يبيح ما أفتى ابن تيمية بحرمته، أو بدليل من السنة، أو بقول أحد من الصحابة، أو التابعين، أو المشهود لهم بالعلم والتقى والاعتقاد الحق من سلف الأمة، ولن يجدوا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فلم يخالف ابن تيمية رحمه الله إلا أهواء المبتدعة، وتحريفهم لمعاني نصوص الكتاب والسنة، وأغاليطهم على سلف الأمة. 

فالإجماع على خلاف ما ذكروه، كما يقول رحمه الله (ثم سلف الأمة، وأئمتها، وعلماؤها إلى هذا التاريخ سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين، ولم يذكر أحد منهم في ذلك التوسل بالأموات، لا من الرسل ولا من الأنبياء، ولا من الصالحين. 

فمن ادعى أنه علم هذه التسوية التي جهلها علماء الإسلام، وسلف الأمة، وخيار الأمم، وكفّر من أنكرها، وضلله: فالله تعالى هو الذي يجازيه 

(1) الرد على الأخنائي ص195. 

(2) انظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية 194 - 195. 

على ما قاله وفعله) (1) . 

ومن باب ذكر المثال ممن تقدم ابن تيمية رحمه الله من السلف على تحريم التوسل، ما نقله فقهاء الحنفية عن أبي حنيفة (ت - 150هـ) رحمه الله وصاحبه أبي يوسف (2) ، 

رحمه الله من أنهما يحرمان التوسل بحق فلان، أو بحق الأنبياء والرسل (3) . 

وحين يلزم ابن تيمية رحمه الله في باب العبادات التوقيف؛ فما ورد فإنه يقبل، وما لم يرد فإنه يرفض ويرد، فإن المناوئين لا تعجبهم هذه المنهجية الدقيقة؛ لأنها تحجر عليهم كثيراً من بدعهم، ومخترعاتهم في الشرع، فيزعم زاعم أنه ربما وقعت بعض أنواع التوسل التي ينكرها ابن تيمية لكنها لم تنقل إلينا، وبعضهم يرى أن ابن تيمية يتيه في بيداء العدم حين يلتزم بهذه المنهجية (4) . 

لكن هذه المزاعم مرفوضة: فلو وقعت أنواع من التوسل غير ما ذكر في الأحاديث والآثار الصحيحة لنُقل أيضاً؛ لأن الشرع محفوظ فقد نقل الصحابة ما هو أدق من هذا الموضوع المهم، فكيف يجمع الصحابة ويطبقون على عدم 

(1) الرد على البكري 126 - 127. 

(2) أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم، القاضي، المشهور بأبي يوسف، صاحب أبي حنيفة، ت سنة 183هـ. 

انظر في ترجمته: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص90، الجواهر المضية للقرشي 3/611. 

(3) انظر: حاشية الدر المختار لابن عابدين 2/630، شرح الإحياء للزبيدي 2/285. 

لكن المخالفين يتبعون أهواءهم، فكلما وجد نص من سلف الأمة وأئمتها يخالف ما قررته عقولهم وأهواؤهم، فإنهم يعطلون هذا النص بزعمهم أنه ربما لم يبلغ هذا العالم الأدلة الأخرى التي تخالف هذا القول، انظر: على سبيل المثال المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية للحبشي ص111. 

(4) انظر: حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء عليهما السلام لمخلوف ص36، التوسل بالنبي لحامد مرزوق ص114. 

نقله: إما أن يكونوا جهلة، أو أنهم يكتمون الحق لغرض في نفوسهم، وكلا الأمرين باطل ممتنع، فلا يبقى إلا القول بأنه لم يقع في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا عهد الصحابة شيء من ذلك ويقرون عليه. 

ويجاب عنهم - أيضاً: بأن هذه العبارة وهي قولهم: إنه يتيه في بيداء العدم يلزم منها عدم كمال الدين، وعدم تبليغ الرسول صلّى الله عليه وسلّم البلاغ المبين، حتى يجتهد أولئك في اختراع عبادات لم تكن في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، على احتمال أن تكون وقعت ولم تنقل إلينا، وقد أخبر الله بكمال الدين في قوله تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً } [المائدة: 3] . 

لكن المناوئين لابن تيمية: لا يقولون بهذا إلا فيما يخالف أهواءهم، وإلا فهم يذكرون عن مسائل أنها لا تجوز لعدم ورودها، ومع ذلك لا يرد بعضهم على بعض فيها، وهذا يدل على أنهم يتبعون أهواءهم، والله تعالى يقول: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ } [القصص: 50] . 

مثال ذلك قول ابن حجر الهيتمي (ت - 973هـ) : (أنكر العز بن جماعة (1) هذا الموقف كالعَود بعد السلام على الشيخين رضي الله عنهما (2) إلى موقفه الأول محتجاً بأن واحداً منهما لم يرد عن الصحابة، ولا التابعين) (3) وأقره عى هذا. 

وقال - أيضاً: (ويظن من لا علم له أنه - أي الانحناء للقبر الشريف - من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض له؛ لأنه لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم) (4) . 

(1) العز بن جماعة: عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي المصري الحموي الأصل، الحافظ، ولي قضاء الديار المصرية، وجاور الحجاز فمات بمكة سنة 767هـ. 

انظر في ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي 10/79، الدرر الكامنة لابن حجر 2/489. 

(2) أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الزيارة. 

(3) الجوهر المنظم ص127 - 128. 

(4) الجوهر المنظم ص161. 

والمناوئون يسلكون كل الطرق لإقناع الناس بشبهاتهم وبدعهم، ومن عجيب أمرهم مع ابن تيمية رحمه الله أن قال بعضهم بأنه يرى التوسل البدعي!، ويوافق عليه، فإذا أجاز التوسل بدعائه، فقد أجاز التوسل بذاته، وأن ابن تيمية أثبت جواز التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم دون تفريق أو تفصيل بين حياته وموته، وحضوره وغيابه (1) . 

وهذا من عجائب المناوئين، فلا يدرون: أيقولون بأنه يمنع التوسل البدعي: تحذيراً لمن يضللونه من ابن تيمية، أم يقولون بأنه يقول بقولهم ويوافقهم: ويحرفون النصوص لأجل ذلك؛ إثارة للفتنة، وتلبيساً على العامة. 

وأما التوسل بالشخص سواء كان نبياً أو ولياً صالحاً، فلم يمنع ابن تيمية رحمه الله ذلك، وإنما قال: إن هذا اللفظ فيه إجمال واشتراك: - 

فإن أريد به التوسل بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم في حياته، والتوسل بدعاء الصالحين في حياتهم فهذا جائز. 

وأما إن أريد به: التوسل بذات النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو ذوات الصالحين في حياتهم أو بعد مماتهم فهذا غير جائز، ولا يقره ابن تيمية رحمه الله ولا السلف السابقون. 

فقال رحمه الله عن الأول الجائز: (دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع، إذا جعل الله تعالى المحل قابلاً له) (2) . 

وقال عن دعاء الصالحين بعد ما بين أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته: (فهذا كان توسل الصحابة به في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، كدعاء العباس، وكما استسقى معاوية، بيزيد بن الأسود 

(1) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص55 - 57، وانظر مناقشته في: هذه مفاهيمنا لآل الشيخ ص83 - 85. 

(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص240. 

الجرشي (1) (2) . 

وقال عن الثاني الممنوع، وهو التوسل بذات النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو ذوات الصالحين: (وأما التوسل بدعائه وشفاعته - أي الرسول صلّى الله عليه وسلّم - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل هو بذاته، لكان هذا أولى من التوسل بالعباس) (3) . 

وأما استدلال المناوئين باستسقاء عمر (ت - 23هـ) بالعباس (ت - 32هـ) رضي الله عنهما على جواز التوسل بالذوات، وبالصالحين، فهو استدلال ظاهر البطلان، وذلك من جوه: 

1 - أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ويدل بعضها على بعض، وحديث توسل عمر (ت - 23هـ) رضي الله عنه مما يتفق فيه المبتدعة وأهل السنة على تقدير محذوف فيه، ولكن ما هو هذا التقدير في قوله: (كنا نتوسل إليك بنبينا.. وبعم نبينا) . 

أما المناوئون، فيرون أن المحذوف تقديره: بجاه نبينا، وقد بينا بطلان التوسل بالجاه - كما تقدم -. 

وأما أهل السنة فيرون أن تقدير المحذوف: بدعاء نبينا، وبدعاء العباس، وهذا تقدم بيانه ويوضحه الوجوه القادمة - أيضاً -. 

2 - أن الصحابة إذا أجدبوا، واحتاجوا الماء كان من عملهم أن يأتوا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته فيطلبون منه أن يدعو الله لهم، وأن يسأل الله إنزال الغيث فيفعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مراراً. 

(1) يزيد الجرشي: يزيد بن الأسود الجرشي، أبو الأسود، صحابي، أدرك الجاهلية، وكان من العباد الخُشّن، وعداده في الشاميين. 

انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر 3/660، الإصابة لابن حجر 3/673. 

(2) قاعدة عظيمة ص77. 

(3) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص82. 

ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - إذا احتاجوا إلى المطر والسقيا يذهبون إلى بيوتهم ويمكثون فيها، ويقولون: اللهم بنبيك محمد اسقنا الغيث، وهذا معلوم لمن نظر واستبصر بالنصوص. 

3 - أن قول عمر (ت - 23هـ) رضي الله عنه (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) معناه: أننا توسلنا بأمر يقدر عليه العباس (ت - 32هـ) ، ولا يقدر عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو الدعاء في هذا الوقت بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فطلبنا منه أن يدعو لنا لتغيثنا، فالتوسل بالعباس (ت - 32هـ) ممكن، والتوسل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته غير ممكن، ولهذا عدل عمر (ت - 23هـ) عن التوسل برسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى التوسل بعمه العباس (ت - 32هـ) . 

قال ابن تيمية رحمه الله (لو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم. فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به، والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟. وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعونه ويأتون العباس؟) (1) . 

4 - ليس من المعقول أن يقر الصحابة عمر (ت - 23هـ) رضي الله عنه على الانصراف عن التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم إلى التوسل بغيره، ولم ينكروا عليه، فيلزم أحد أمرين: 

(إما أن يكون المهاجرون والأنصار جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق. أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق) (2) . 

5 - لو كان التوسل بالذوات بعد الممات ممكنا - كما يقوله المبتدعة - لكان العدول عن التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم إلى العباس (ت - 32هـ) في أصعب الظروف 

(1) الرد على البكري ص126. 

(2) الرد على البكري لابن تيمية ص126. 

سخفاً ترفضه العقول السوية، خاصة وأنهم يقولون بحياة الأنبياء في قبورهم حياة حقيقية كحياتهم الدنيوية. 

6 - أن الحديث بين أن عمر بن الخطاب (ت - 23هـ) كان إذا قحطوا، استسقى بالعباس (ت - 32هـ) . 

وفي هذا اللفظ إشارة إلى تكرار استسقاء عمر (ت - 23هـ) بالعباس (ت - 32هـ) رضي الله عنهما، وليس من باب التعليم للناس بجواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. 

7 - أن الآثار قد بينت دعاء العباس (ت - 32هـ) رضي الله عنه ربه في الاستسقاء، وفي هذا رد على من قال إن التوسل كان بذاته لا بدعائه. 

8 - لو كان التوسل بذات العباس (ت - 32هـ) وجاهه عند الله، لما جاز أن يترك التوسل بذات الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجاهه، لجاه غيره وذاته. 

9 - أن عمر (ت - 23هـ) رضي الله عنه قد أُمرنا بالاقتداء به شرعاً، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )) (1) . 

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر )) (2) . 

وقد وافق القرآن مرات عديدة. 

فعدوله رضي الله عنه عن التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد مماته، إلى التوسل بدعاء غيره هو من سنة الخلفاء الراشدين (3) . 

(1) الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه 1/15 - 16، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، والدارمي في سننه 1/44 - 45 المقدمة، باب اتباع السنة، وصححه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه 1/13. 

(2) الحديث أخرجه الترمذي في سننه 5/609 كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وابن ماجه في سننه 1/37 المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصححه الألباني. انظر: صحيح الجامع 1/254، سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/233 - 236. 

(3) انظر: التوسل للألباني ص55 - 70، التوسل للحميدي (رسالة ماجستير) ص138 - 148، وانظر: الرد على البكري لابن تيمية ص124، 233، اقتضاء الصراط المستقيم له 2/684. 

وأما سؤال الخلق فهو قسمان: سؤال الخلق في حياتهم، وسؤال الخلق بعد مماتهم. 

أما سؤال الخلق: فهو في الأصل محرم، ويجوز في حالات، وتركه توكلاً أفضل كما قال تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } [الشرح: 7 - 8] ، أي ارغب إلى الله لا إلى غيره. 

وعن عوف بن مالك (1) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بايع طائفة من أصحابه وأسرّ كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئاً. 

قال عوف: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه) (2) . 

ومن الحالات التي يجوز فيها أن يسأل المرء غيره شيئاً: 

1 - إن كان له عند غيره حق من دين أو عين كالأمانات فله أن يسألها ممن هي عنده. 

2 - وللرجل أن يطلب حقه من أموال الغنائم من ولي أمر المسلمين. 

3 - وكذلك سؤال النفقة لمن تجب له: كالزوجة والأولاد. 

4 - وأمور البيع والشراء: البائع يطلب الثمن، والمشتري يطلب السلعة. 

5 - ومن السؤال ما لا يكون مأموراً به، إلا أن المسؤول مأمور بإجابة السائل، كما قال تعالى: { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ } [الضحى: 10] ، وقال: 

(1) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، أسلم عام خيبر، ونزل حمص، شهد الفتح، وكانت معه راية أشجع، وسكن دمشق، آخى النبي بينه وبين أبي الدرداء، ت سنة 73هـ. 

انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر 3/131، الإصابة لابن حجر 3/43. 

(2) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه 2/721 كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس. 

{ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } [المعارج: 24 - 25] . 

وقد يكون السؤال منهياً عنه نهي تحريم أو تنزيه، وإن كان المسؤول مأموراً بإجابة سؤاله، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان من كماله أن يعطي السائل، وإن كان نفس سؤال السائل منهياً عنه، قال ابن تيمية رحمه الله في ذلك: (ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم، وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين) (1) ، وضرب لذلك دليلاً بقول عمر (ت - 23هـ) لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نحر بعض الدواب خوف ملاقاة العدو وهم جياع: (إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها، ثم تدعو الله بالبركة، فإن الله يبارك لنا في دعوتك) (2) . 

ومن السؤال ما يكون مأموراً به، ويكون المسؤول مأموراً بإجابته - أيضاً - لمن كان عنده إجابته كسؤال العلم، فإن الله أمر بسؤال العلم، كما في قوله تعالى: { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [النحل: 43] ، وقال: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } [يونس: 94] ، وقال: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } [الزخرف: 45] . 

وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه، أو يدعو له فلم يؤمر به (3) . 

وأما من طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله مثل أن يطلب شفاء مريضه، أو وفاء دينه، أو عافية أهله، أو غفران ذنبه، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن 

(1) قاعدة جليلة ص60. 

(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب الشركة في الطعام 5/128، ومسلم في صحيحه 1/55 - 56 كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً، بنحوه. 

(3) انظر: تفصيل الأقسام الماضية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص58 - 66. 

تطلب إلا من الله عزّ وجل فلا تطلب لا من ملك ولا نبي ولا ولي (1) ، وهي نوع من الشرك. 

وأما سؤال الخلق بعد مماتهم: فلا يجوز مطلقاً لا سؤال الأنبياء، ولا الأولياء، ولا غيرهم من باب أولى، كما قال ابن تيمية رحمه الله (وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح (2) ، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة، وليس فيه مصلحة راجحة) (3) . 

وقال: (لا يجوز أن يُسأل الميت شيئاً، لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيء من مصاب الدنيا والدين) (4) . 

والأنبياء والصالحون لا يقرون أحداً يعبدهم أو يغلو فيهم في حياتهم وهم يعلمون، بل ينهون عن ذلك ويعاقبونهم عليه، كما قال الله - عز وجل - عن عيسى - عليه الصلاة والسلام { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [المائدة: 117] . 

وهذا شأن أنبياء الله وأوليائه، وإنما يقر الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً، كفرعون ونحوه، ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد. 

والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم (5) . 

(1) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 27/67. 

(2) فهو من المحرمات الشركية. 

(3) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص71 - 72. 

(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص295، وانظر: الرد على البكري ص231. 

(5) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 27/80 - 81. 

وبالجملة؛ فإن سؤال الخلق فيه ثلاث مفاسد، ويجتمع فيه أنواع الظلم الثلاثة: 

فالمفسدة الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك. 

والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول، وهي من نوع ظلم الخلق. 

وأما الثالثة: فهي مفسدة الذل لغير الله، وهو ظلم النفس (1) . 

وأما من دعا المخلوقين من دون الله فقد أشرك (2) ، ولا يوجد نص عن نبي أنه أمر بدعاء الملائكة، ولا بدعاء الموتى من الأنبياء والصالحين، فضلاً عن دعاء تماثيلهم، فإن هذا من أصول الشرك. الذي نبهت عليه الرسل (3) . 

وقد أمر الله بدعائه وحده - سبحانه - فقال: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60] . 

وقال - سبحانه: { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ } [يونس: 106] . 

وقال عزّ وجل: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [الأحقاف: 5] . 

ولا يجوز صرف الدعاء إلا لله؛ لأن الدعاء عبادة يصحبها محبة، ورغبة، وخضوع للمدعو، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( الدعاء هو العبادة )) (4) . 

(1) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص66، قاعدة عظيمة له ص78، الرد على البكري له ص103. 

(2) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 4/462، وانظر: الفصل الحاسم للقصيمي ص90 - 101، والمقصود بالدعاء أي دعاء الأموات والغائبين كما تدل عليه الأمثلة والأدلة كما سيأتي بيانه. 

(3) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 5/74. 

(4) الحديث أخرجه الترمذي في سننه 5/456 كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في سننه 2/1258 كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/641. 

ويعجب ابن تيمية رحمه الله من كثير من الناس الذين نهوا عن الصلاة عند القبور سداً لذريعة الشرك، ثم هو يقصد الدعاء عندها، ويرى أن الدعاء عندها مظنة الإجابة، فكيف بمن يدعو صاحب القبر من دون الله (1) ؛ ولذا لم يكن الصحابة يطلبون من الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد موته الدعاء، ولا يدعونه من دون الله (2) . 

إن دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي مغيبهم: هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولاً، ولا أنزل به كتاباً، وقد قال الله عزّ وجل: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ } [الشورى: 21] ، وهذا الأمر ليس واجباً، ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين (3) . 

وأما مسألة حياة الأنبياء في قبورهم، فقد بينت - سابقاً - القول الصواب فيها، وأنها حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء في قبورهم، لكنها ليست كالحياة الدنيوية. 

وأما ما يروى من توسل الشافعي (ت - 204هـ) رحمه الله بأبي حنيفة (ت - 150هـ) رحمه الله فهذه: - 

1- حكاية كغيرها من الحكايات التي تروى عن مجاهيل لا يعرفون، ليس لها أصل ولا سند. 

2 - أن الشافعي (ت - 204هـ) لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبته، ولم يكن هذا العمل معروفاً على عهد الشافعي (ت - 204هـ) . 

3 - أن الشافعي (ت - 204هـ) رحمه الله قد رأى بالحجاز واليمن والشام والعراق وغيرها من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة (ت - 150هـ) وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده. 

(1) انظر: قاعدة عظيمة ص57. 

(2) انظر: قاعدة عظيمة لابن تيمية ص128. 

(3) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص25. 

4 - أن أصحاب أبي حنيفة (ت - 150هـ) الذين أدركوه مثل أبي يوسف (ت - 183هـ) ومحمد بن الحسن (ت - 189هـ) وزفر (1) ، والحسن بن زياد (2) ، وطبقتهم: لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة (ت - 150هـ) ، ولا عند قبر غيره. 

5 - أن الشافعي (ت - 204هـ) رحمه الله ثبت عنه ما يدل على نهيه عن تعظيم القبور، مثل قوله: (وأكره أن يبني على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه) (3) . 

وأيضاً: (كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين - يعني يتخذ قبره مسجداً -، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد) (4) . 

وبهذا يتبين أن هذه القصة مكذوبة عليه، فلم يكن في عهده ذلك، وإنما وجدت هذه الأمور - أي تعظيم القبور والتوسل بأصحابها - لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة (5) . 

(1) زفر بن الهذيل بن قيس البصري، كان أبو حنيفة يجله ويعظمه، ويقول هو أقيس أصحابي، كان ثقة مأموناً، دخل البصرة فتشبت به أهلها، ومنعوه من الخروج منها، ت سنة 158هـ. 

انظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصميري ص103، الجواهر المضية للقرشي 2/207، الفوائد البهية للكنوي ص75. 

(2) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي، من أصحاب أبي حنيفة، فقيه ولي القضاء في الكوفة، ثم استعفى، ت سنة 204هـ. 

انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب 7/314، الجواهر المضية للقرشي 2/56، الفوائد البهية للكنوي ص60. 

(3) الأم 1/246. 

(4) الأم 1/246. 

(5) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/692 - 693، قاعدة عظيمة له 161 - 162. 

المبحث الثالث 

دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم 

جواز التوسل بالنبي، ومناقشتها 

المطلب الأول 

دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم جواز التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم 

يرى المناوئون لابن تيمية رحمه الله جواز التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في أحواله الأربعة: 

فالحال الأول: التوسل به قبل خلقه: لحديث: (( لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه. 

قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله سبحانه وتعالى صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) (1) . 

والحال الثاني: التوسل به صلّى الله عليه وسلّم بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا: 

(1) الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه 2/615 كتاب التاريخ، قال الحاكم: صحيح، وتعقبه الذهبي بأنه موضوع. 

ويستدلون لذلك بحديث عثمان بن حُنيف (1) 

رضي الله عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: (( إن شئتَ دعوت لك، وإن شئتَ أخرت ذاك، فهو خير، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ )) ، قال: ففعل الرجل، فبرىء (2) . 

والحال الثالث: التوسل به صلّى الله عليه وسلّم في البرزخ كالتوسل به وهو في قبره، ويستدلون لذلك بحديث دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم لأم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومنه قوله: (اللهم بحق نبيك، والأنبياء الذين قبلي) (3) . 

قال ابن حجر الهيتمي (ت - 973هـ) في بيان الدلالة الثانية: من الحديث (الثانية في التوسل به بعد وفاته؛ لأن قوله صلّى الله عليه وسلّم: والأنبياء الذين من قبلي، معطوف على نبيك، وهي دلالة ظاهرة في التوسل بهم بعد وفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالتوسل به صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته أولى) (4) . 

وحديث عائشة (ت - 58هـ) رضي الله عنها حين قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إليها، فقالت: انظروا قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون 

(1) عثمان بن حنيف بن واهب بن الحكيم الأنصاري الأوسي، أول مشاهده أحد، وقال الترمذي: (شهد بدرا) ، استعمله علي على البصرة قبل أن يقدم عليها، سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية. 

انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر 3/89، الإصابة لابن حجر 2/459. 

(2) الحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة ص417، وابن ماجه في سننه 1/441 كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة، وأحمد في مسنده 4/138 من حديث عثمان بن حنيف، والحاكم في مستدركه 1/363 كتاب صلاة التطوع، والبيهقي في دلائل النبوة 6/166 - 168، باب في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه، وصححه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه 1/232. 

(3) الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/121، وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي 9/257. 

(4) تحفة الزوار ص111. 

بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق) (1) . 

ويذكرون قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقال: السلام عليك يا رسول الله، يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً، قال فيه: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } [النساء: 64] ، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك يا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ربي - عز وجل - وأنشأ يقول: 

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه 

... 

فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء بقبر أنت ساكنه 

... 

فيه العفاف وفيه الجود والكرم

قال راوي هذه القصة العتبي (2) : ثم استغفر الأعرابي وانصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي صلّى الله عليه وسلّم في النوم فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له، فخرجت خلفه فلم أجده (3) . 

والحال الرابع: التوسل به صلّى الله عليه وسلّم في عرصات القيامة، حين يلجأ الناس إليه ليشفع لهم الشفاعة العظمى (4) . 

(1) الحديث أخرجه الدارمي في سننه 1/43 - 44 باب ما أكرم الله به نبيه بعد موته، وهو ضعيف، ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على البكري ص67، والألباني في التوسل ص104. 

(2) العتبي: محمد بن عبد الله بن عمرو الأموي، أحد الفصحاء الأدباء من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب، كان من أعيان الشعراء بالبصرة، ت سنة 228هـ. 

انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي 2/253، شذرات الذهب لابن العماد 2/65. 

(3) انظر: مثير الغرام الساكن لابن الجوزي 2/301 - 302، وانظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص75، الجوهر المنظم للهيتمي ص124 - 125. 

(4) انظر: شفاء السقام للسبكي ص153، تحفة الزوار للهيتمي ص89 - 136، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص30، 39، المقالات السنية للحبشي ص99، محق التقول للكوثري (ضمن المقالات ص461) . 

ويرى المناوئون لابن تيمية رحمه الله أنه أول من منع التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته (1) . 

ويرون أنه أخرج الأحاديث الصحيحة في التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته، عن دلالتها حين منع التوسل به صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته (2) . 

ويرون أن من لم ير التوسل بعد وفاته، فلازمه أنه يرى أنه ليس برسول الآن، وليس له جاه (3) . 

ويرون أن من أنكر التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بحجة أنه بدعة فهو ذو فهم سقيم، وصدر ضيق، فروح الشريعة الإسلامية توجب التمييز بين أنواع البدعة، فمنها البدعة الحسنة، والبدعة السيئة، وأن هذا التوسل من البدعة الحسنة (4) . 

(1) انظر: شفاء السقام للسبكي ص153. 

(2) انظر: السيف الصقيل للسبكي، حاشية الكوثري ص155. 

(3) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص68، 71، 79، 80. 

(4) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص33. 

المطلب الثاني 

مناقشة الدعوى 

يستمر المناوئون لابن تيمية رحمه الله في كيل الدعاوى عليه بدون نقد ولا تمحيص، فيقوّلونه ما لم يقل، ويبحثون عن الأدلة الصحيحة فيصرفون دلالتها عن ما هي عليه، ويستدلون بالأحاديث الضعيفة، والقصص، والحكايات المكذوبة، نصرة للبدعة، وحرباً للسنة وأهلها. 

وقد ظن المناوئون لابن تيمية رحمه الله حين يزعمون أنه أول من منع التوسل بالنبي بعد وفاته أنهم قد قدحوا فيه، ورموه بالعظائم، ولم يعلموا أن هذه شهادة له بحسن المعتقد، وقوة البصيرة في الدين، وإن كان هناك قدح فهو في القرون السبعة السابقة التي رميت وافتري عليها بأنها تقول بجواز التوسل بالنبي بعد موته، وهي لم تقل. 

ولهذا يعجب ابن تيمية رحمه الله حين يناظره مخالفوه، ويعرضون عليه مسائل عدة، يرون أنه خالف الإجماع فيها فيقول: (أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل، التي خرق المجيب فيها الإجماع) (1) . 

ثم يبين عدم خرقه الإجماع بقوله: (والذين هم أعلم من هذا المعترض، وأكثر اطلاعاً اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقهاً وحديثاً ما لم يطلع عليه) (2) . 

(1) الرد على الأخنائي ص195. 

(2) الرد على الأخنائي ص195. 

ثم ذكر: (أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء) (1) . 

وأما التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم قبل خلقه فهذا من عجائب المبتدعة التي يقذفون بها على العامة، فيصدقهم من يصدقهم، ويعصم الله أهل السنة فيبعدهم عنها، ويكشف لهم كذبها وزيفها، وهذا من حفظه لهم - سبحانه وتعالى -. 

وعمدة القائلين بالتوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم قبل وجوده على أحاديث، وقصص وحكايات عن الأنبياء السابقين، وأنهم يتوسلون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وهي كلها كذب، لا يصح منها شيء ألبتة، يقول ابن تيمية رحمه الله

(وهذه القصص التي يذكر فيها التوسل عن الأنبياء بنبينا ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة، كما تذكر الإسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف) (2) . 

وأما توسل آدم بنبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم قبل خلقه: فهو حديث ضعيف سنداً ومتناً. 

أما السند ففيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وهذا مجمع على ضعفه: 

قال يحيى بن معين (ت - 233هـ) : بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء (3) . 

وقال أبو زرعة (ت - 264هـ) : ضعيف الحديث (4) . 

وقال النسائي (ت - 303هـ) : ضعيف (5) . 

(1) الرد على الأخنائي ص195. 

(2) الرد على البكري ص65، وانظر في مناقشة المناوئين في استدلالهم ببعض الأحاديث على التوسل البدعي: البروق النجدية للقصيمي، التوسل الممنوع لعبد الباسط حسين. 

(3) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي 4/1581، ميزان الاعتدال للذهبي 2/264. 

(4) انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 5/234. 

(5) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 2/264. 

وضعفه على بن المديني (1) جداً (2) . 

وقال ابن حبان (ت - 354هـ) : (كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته.. فاستحق الترك) (3) . 

وقال البيهقي (ت - 358هـ) : (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف) (4) . 

وقال الذهبي (ت - 748هـ) : ضعفوه (5) . 

وقال ابن حجر (ت - 852هـ) : ضعيف (6) . 

وأما عن إخراج الحاكم (7) لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتصحيحه الإسناد (8) ، فهذا له وقفات: 

1 - أن تصحيح الحاكم (ت - 405هـ) ، وتفرده به لا يعتد به، قال فيه ابن تيمية في نقده إخراجه هذا الحديث في مستدركه: (وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث، وهي موضوعه مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث) (9) . 

(1) علي بن المديني: علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، أحد الأعلام الأثبات، الحافظ، له نحو مائتي مصنف، من أعلام العلماء بالعلل والرجال، ت سنة 234هـ. 

انظر في ترجمته: طبقات الحنابلة لأبي يعلى 1/225، طبقات الشافعية للسبكي 2/145. 

(2) انظر: التاريخ الكبير للبخاري 5/284 - 285، تهذيب التهذيب لابن حجر 6/178. 

(3) المجروحين 2/57 - 59. 

(4) دلائل النبوة 5/489. 

(5) الكاشف 2/164. 

(6) تقريب التهذيب 1/480. 

(7) الحاكم: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، يعرف بابن البيّع، من أكابر حفاظ الحديث والمصنفين فيه، له كتب كثيرة أشهرها: المستدرك على الصحيحين، ت سنة 405 هـ. 

انظر في ترجمته: لسان الميزان لابن حجر 5/232 - 233، الرسالة المستطرفة للكناني ص17. 

(8) المستدرك، كتاب التاريخ 2/615. 

(9) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص169. 

وذكر أمثلة لتصحيحه بعض الأحاديث وهي غير صحيحة ثم قال: (ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه) (1) . 

2 - أخرج الحاكم (ت - 405هـ) في مستدركه حديثاً لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ولم يصحح إسناده، وإنما قال: (الشيخان رضي الله عنهما لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم) (2) ، وهذا تناقض. 

3 - أن الإمام الذهبي (ت - 748هـ) رحمه الله لم يوافق الحاكم (ت - 405هـ) في تصحيحه هذا الإسناد، وإنما قال في تلخيص المستدرك: (بل موضوع، وعبد الرحمن واه) (3) . 

وهناك علة ثانية في السند: وهي الجهالة، فالسند فيهم من لم يعرف، كما قال الهيثمي (4) : (فيه من لم أعرفهم) (5) . 

وفي السند: عبد الله بن مسلم الفهري: فقد ذكر الذهبي (ت - 748هـ) في ترجمته هذا الحديث ووصفه بأنه: (خبر باطل) (6) ، ووافقه ابن حجر (ت - 852هـ) (7) . 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص170. 

(2) المستدرك، كتاب معرفة الصحابة 3/332. 

(3) انظر: تلخيص المستدرك ضمن المستدرك 2/615. 

(4) الهيثمي: علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، المصري القاهري، حافظ له كتب وتخاريج في الحديث منها مجمع الزوائد، وترتيب الثقات لابن حبان، وزوائد ابن ماجه على الكتب الخمسة، ت سنة 807هـ. 

انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد 7/70، الضوء اللامع للسخاوي 5/200. 

(5) مجمع الزوائد 8/253 وانظر: التوسل للألباني ص124. 

(6) ميزان الاعتدال 2/504. 

(7) لسان الميزان 3/359 - 360. 

وهناك - أيضاً - علة ثالثة في السند: وهي اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعاً، وتارة موقوفاً على عمر (ت - 23هـ) عن عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم، وعبد الله هذا لا يعرف (1) . 

وأما المتن: فعليه ملحوظتان: 

الأولى: أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال عزّ وجل: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [البقرة: 37] ، وقيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23] . 

قال ابن تيمية رحمه الله (أخبر أنه تاب عليه بالكلمات التي تلقاها منه، وقد قال تعالى: { 3قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [الأعراف: 23] الآية) (2) . 

الثانية: أن الحديث فيه زيادة: (ولولا محمد ما خلقتك) وهذه الزيادة تخالف القرآن الكريم، حيث نص على أن الحكمة من خلق الجن الإنس هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] . 

وبعد هذا: فإن توسل آدم بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليس بصحيح، والحديث مكذوب، لا يصح الاحتجاج به، كما قال ذلك ابن تيمية رحمه الله (3) . 

وأما الحال الثاني: وهو التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته: فالمراد به 

(1) انظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص124، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص175. 

(2) الرد على البكري ص10. 

(3) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص166 - 170، الرد على البكري ص10، وقد حكم عليه الألباني بالوضع في سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/38. 

التوسل بدعاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا بذاته، وكان هذا هو المفهوم الصحيح لكلام الصحابة - رضوان الله عليهم - في معنى التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم: أنه توسل بدعائه لا بذاته، كما قال ابن تيمية رحمه الله (وأما التوسل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته) (1) . 

والسبب في خلط بعض المتأخرين، وعدم معرفتهم مقاصد ألفاظ الصحابة: أن لفظ التوسل دخل فيه من تغيير لغة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم. 

والعلم يحتاج إلى نقل مصدّق، ونظر محقق، والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم (2) . 

وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته أن يدعو للمسلمين إذا نزل بهم بلاء عام، أو فاقة، كطلبهم منه صلّى الله عليه وسلّم أن يستسقي لهم، ولذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله (وكانوا في حياته إذا أجدبوا توسلوا بنبيهم صلّى الله عليه وسلّم، توسلوا بدعائه، وطلبوا منه أن يستسقي لهم) (3) . 

ثم ذكر حديث ابن عمر (ت - 72هـ) رضي الله عنهما وهو قوله: (ربما ذكرت قول الشاعر وأنا انظر إلى وجه الرسول صلّى الله عليه وسلّم: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستسقي على المنبر، فما نزل حتى يجيش له ميزاب) (4) . 

(1) قاعدة جليلة ص80. 

(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص158 - 159. 

(3) قاعدة عظيمة ص75. 

(4) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجمعة، رقم 1009. 

وأما البيت فهو لأبي طالب عم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، انظر: فتح الباري لابن حجر 2/496، السيرة النبوية لابن هشام 1/277. 

وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم 2/768. 

وأما المنع من التوسل بالذات فسببه: أن الذات ليست سبباً ولا وسيلة لإجابة الدعاء، فتوسلنا بها لا ينفع؛ لأنها ليست وسيلة مشروعة لإجابته، يقول ابن تيمية رحمه الله (وأما إذا لم نتوسل إليه - سبحانه - بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم تكن ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نقلاً صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف) (1) . 

وأما حديث الضرير: فهو حديث صحيح (2) ، لكن النقاش في دلالة الحديث: فليس فيه ما يريدون تقريره من جواز التوسل بجاه الموتى وذواتهم، وذلك يتضح بأمور منها: 

1 - أن الحديث فيه التوسل بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم في حياته، ذلك أن الأعمى جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وطلب منه الدعاء بقوله: (ادع الله أن يعافيني) ، فطلب الأعمى هو دعاء الرسول له؛ لأنه يعلم أن دعاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم أرجى للقبول. 

2 - أن النبي صلّى الله عليه وسلّم فهم من الأعمى أنه يطلب الدعاء، ولذا خيره بين أن يدعو له، أو أن يصبر، فاختار الدعاء، خلافاً للمرأة التي بها مس، فخيرها النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أن يدعو لها، أو أن تصبر: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك. فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف) (3) . 

3 - أن الأعمى أصر على طلبه وقال: (بل ادع) وهذا ما يؤكد أنه توسل بدعاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته. 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص275، وانظر ص131، الفتاوى الكبرى 4/365. 

(2) انظر: الرد على البكري ص130، وصححه الألباني في التوسل ص75 - 76. 

(3) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض، حديث 5652 واللفظ له، ومسلم في صحيحه 2/637 كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى. 

4 - أنه لو كان توسل الأعمى بجاه النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو بذاته، لما احتاج أن يأتي النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويطلب منه الدعاء، بل كان يكفيه أن يبقى في بيته، ويتوسل إلى الله بذات النبي وجاهه، لكنه لم يفعل، فدل على أنه طلب دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم. 

5 - أن قوله: (فشفعه فيّ) معناه: اقبل دعاءه في، ولا يصح أن يحمل على التوسل بالذات، أو الجاه، أو الحق. 

قال ابن تيمية رحمه الله (وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم وشفاعته، وهو طلب من النبي صلّى الله عليه وسلّم الدعاء وقد أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقول: (اللهم شفعه فيّ) ، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي صلّى الله عليه وسلّم) (1) . 

6 - أن معنى قوله: (وشفعني فيه) : أي أقبل شفاعتي ودعائي، وهذه الجملة من الحديث لا يستطيع المبتدعة أن يجيبوا عنها، مع أنها ثابتة صحيحة كما ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله (2) . 

7 - أن هذا الحديث آية من آيات النبي ومعجزة من معجزاته صلّى الله عليه وسلّم، ولذا رواه البيهقي (ت - 458هـ) في دلائل النبوة (3) ، كما قال ابن تيمية رحمه الله (هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق، والإبراء من العاهات، فإنه صلّى الله عليه وسلّم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره) (4) . 

8 - أنه لو كان توسل الأعمى بذات الرسول صلّى الله عليه وسلّم وجاهه، وحقه، لا بدعائه، 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص115. 

(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص198. 

(3) 6/166 - 168، باب تعليم الضرير ما كان فيه شفاؤه فيه، ولم يصبر، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة. 

(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص185 - 186. 

لكان كل أعمى من الصحابة، ومن بعدهم، إلى هذا الزمان، يتوسل إلى الله بذات النبي صلّى الله عليه وسلّم، وجاهه، وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى. 

كما قال ابن تيمية رحمه الله (لو كان أعمى (1) توسل به، ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى) (2) . 

وقال: (ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى، وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلّم وإلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى) (3) . 

وفي الجملة: فإن الذي يرى أن توسل الأعمى بالرسول المقصود به دعاء الرسول فهو الموافق لمعنى الحديث، وهو العامل به على الحقيقة، كما يقول ابن تيمية رحمه الله (فإنا بالحديث عاملون، وله موافقون، وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب حاجته من الله عزّ وجل، ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله - تعالى - نرغب، وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول، كما أنه المعبود المستعان لا نشرك به شيئاً (4) ، وقد قال - تعالى: { فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الزمر: 15] . 

وأما الحال الثالث: وهو التوسل به صلّى الله عليه وسلّم وهو في قبره في الحياة البرزخية، - أي بعد مماته - فلم يكن أحد من الصحابة يتوسل به بعد موته صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينقل هذا عن أحد من الأئمة نقلاً صحيحاً، كما صرح بهذا ابن تيمية رحمه الله مراراً (5) . 

(1) في الرد على البكري ص130 لو كان كل أعمى، وزيادة لفظة كل تستقيم بها الجملة. 

(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص260. 

(3) الرد على البكري ص130. 

(4) الرد على البكري ص130 - 131. 

(5) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 1/139 الفتاوى الكبرى 1/349، 4/365، الرد على البكري ص349، 341، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص27، 210، 245، 260. 

وأما قصة أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهي ضعيفة، وعلتها: روح بن صلاح، وفيه ضعف. 

قال ابن عدي (ت - 365هـ) : (في بعض حديثه نكرة) (1) . 

وقال الدارقطني (ت - 385هـ) : (ضعيف الحديث) (2) . 

وقال ابن ماكولا (3) : 

(ضعفوه) (4) . 

وذكر الذهبي (ت - 648هـ) أن ابن عدي (ت - 365هـ) ضعفه (5) . 

وقال أبو نعيم (6) : (لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به) (7) . 

وقال الهيثمي (ت - 807هـ) : (فيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح) (8) . 

وأما توثيق ابن حبان (ت - 354هـ) ، والحاكم (ت - 405هـ) له، وانفرادهما بهذا التوثيق فليس بحجة، وقد بينت سابقاً موقف أهل العلم من تفرد الحاكم (ت - 405هـ) بالتوثيق، وأما ابن حبان (ت - 354هـ) فهو متساهل أيضاً في التوثيق، فتراه 

(1) الكامل في ضعفاء الرجال 3/1005 - 1006. 

(2) انظر: لسان الميزان لابن حجر 2/446. 

(3) ابن ماكولا: علي بن هبة الله بن علي بن جعفر البغدادي العجلي، يعرف بابن ماكولا، أبو النصر، أمير مؤرخ، من العلماء الحفاظ الأدباء، سافر إلى الشام ومصر وما وراء النهر، وقتله مماليكه طمعاً في ماله سنة 486 هـ وقيل غير ذلك. 

انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان 2/466، فوات الوفيات للكتبي 3/110. 

(4) انظر: لسان الميزان لابن حجر 2/446. 

(5) انظر: ميزان الاعتدال 2/58. 

(6) أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم، حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد ومات بأصبهان، من مؤلفاته: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، ت سنة 430 هـ. 

انظر في ترجمته: وفيات الأعيان لابن خلكان 1/75، طبقات الشافعية للسبكي 4/18. 

(7) حلية الأولياء 3/121، ترجمة عاصم بن سليمان الأحول. 

(8) مجمع الزوائد 9/257. 

يوثق المجاهيل، حتى الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ (1) . 

ولذا فإن تفردهما بالتوثيق لا يقبل أمام جرح غيرهما، حتى وإن كان جرح غيرهما مبهماً (2) 

وأما حديث عائشة بنت الصديق (ت - 58هـ) رضي الله عنها وعن أبيها - فهو ضعيف لا يحتج به (3) ، لأمور منها: 

أ - ضعف السند ففيه سعيد بن زيد، وهو لا يحتج به، فكان يحيى بن سعيد (4) يضعف حديث سعيد جداً (5) . 

وقال النسائي (ت - 303هـ) وغيره: ليس بالقوي (6) . 

وقال ابن حبان (ت - 354هـ) : (كان صدوقاً حافظاً، ممن كان يخطىء في الأخبار، ويهم في الآثار حتى لا يحتج به إذا انفرد) (7) . 

وقال ابن حجر (ت - 852هـ) : (صدوق له أوهام) (8) . 

وفيه محمد بن الفضل أبو النعمان، ويقال له عارم، وهذا صدوق اختلط في آخر عمره، وتغير فلا يدري ما يحدث به، فوقعت المناكير الكثيرة في روايته، وإذا لم يعلم التمييز بين سماع المتقدمين والمتأخرين منه: يترك الكل، ولا يحتج بشيء منه (9) . 

(1) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ص1/32. 

(2) انظر: التوسل أنواعه وأحكامه للألباني ص112. 

(3) انظر: الرد على البكري ص67. 

(4) القطان: يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد، من حفاظ الحديث، ثقة حجة، من أقران مالك وشعبة، بصري، ت سنة 198هـ. 

انظر في ترجمته: تاريخ بغداد للخطيب 14/135، الجواهر المضية للقرشي 3/587. 

(5) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي 3/1213. 

(6) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 2/138. 

(7) المجروحين 1/320. 

(8) تقريب التهذيب 1/296. 

(9) انظر: المجروحين لابن حبان 2/294، وإن كان الذهبي في ميزان الاعتدال 4/8، بعد نقله توثيق الدارقطني لمحمد بن الفضل وجزم بأنه لم يحدث بعد تغيره، قد نقل كلام ابن حبان، ورد عليه بكلام الدارقطني، ووصف الذهبي ابن حبان بأنه (الخسّاف المتهور) ، فغفر الله لهم جميعاً، وفي الجملة: فإن الحديث ضعيف حتى مع توثيق محمد بن الفضل والله أعلم. 

قال ابن حجر (ت - 852هـ) : (ثقة ثبت تغير في آخر عمره) (1) . 

ب - أن هذا الحديث موقوف، وليس بمرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وعلى فرض صحته فإنه رأي اجتهادي من عائشة (ت - 58هـ) رضي الله عنها قد خالف السنة، وخالف أقوال الصحابة، وقد بين ابن تيمية رحمه الله الموقف من اجتهادات الصحابة إذا لم يخالف الصحابي غيره، أو إذا لم يشتهر، أو لم يعرف هل خالفه غيره أم لا؟ ثم قال: (ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم) (2) . 

جـ - أن هذا الحديث فيه مغالطة علمية وفيه مخالفة للواقع المحسوس: فليس في حجرة عائشة (ت - 58هـ) رضي الله عنها في حياتها كوة، بل كان بعضه باقياً، كما كان على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم بعضه مسقوف، وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، ولم توضع الكوة في حجرتها إلا بعد أن أدخلت الحجر في المسجد زمن الوليد بن عبد الملك (ت - 96هـ) ، لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك؛ لأجل تنظيف وغيره (3) . 

وأما قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم: فهذه إسنادها مظلم، وبعضهم يرويها بسند، وبعضهم بغير سند، وإسنادها فيه: الحسن بن محمد. 

قال ابن حبان (ت - 354هـ) : (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال) (4) . 

قال عنه ابن عدي (ت - 365هـ) : (كل أحاديثه مناكير) (5) . 

(1) تقريب التهذيب 2/200. 

(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 209 - 210. 

(3) انظر: الرد على البكري ص27 - 29، 67 - 68. 

(4) المجروحين 1/238. 

(5) الكامل في ضعفاء الرجال 2/734 - 735. 

وقال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) عن إسناد هذه القصة: (ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضاً) (1) ، ففي سندها ومتنها اضطراب. 

ولو كان عمل هذا الأعرابي عند قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم مشروعاً لسبقه إليه من كان إلى الخير أسبق، وإلى السنة أوفق من الصحابة والتابعين، لكنهم لم يعملوا هذا العمل، ولم يدلهم إليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم فدل على أن هذا العمل باطل لا تقوم به حجة، ولا يعمل مثل هذا العمل المبتدع إلا من ضعف إيمانه أو من جهل قدر الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأمره (2) . 

وأما الحال الرابع: وهو التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم في عرصات القيامة ليشفع للناس: فإن أريد بالتوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم طلب الشفاعة منه يوم المحشر الشفاعة العظمى (3) ، فهذا مما أجمع عليه المسلمون، كما قال ابن تيمية رحمه الله (أجمع المسلمون على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة) (4) ، كما قال تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [الأنبياء: 28] ، وقال: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [البقرة: 255] . 

وقال رحمه الله (من شك في شفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم القيامة فهو مبتدع ضال) (5) . 

وأما إلزام من لم ير التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته بأنه لا يرى أنه رسول الآن، وأنه ليس له جاه، فهذا إلزام باطل، وتصوره كافٍ في الرد عليه؛ لأنه قام على أساس باطل وهو مشروعية التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته، والمشروعية حكم شرعي يحتاج إلى دليل، والدليل يدل على خلاف ذلك، إذ 

(1) الصارم المنكي ص253. 

(2) انظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية (ضمن جامع الرسائل 2/377 - 378) . 

(3) وهذا هو الذي يقصده المبتدعة؛ لأن كثيراً من الناس يطلقون لفظ الشفاعة ويريدون بها التوسل كما ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص151. 

(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص244. 

(5) الرد على البكري ص131. 

أنه يدل على أن التوسل بالنبي بدعة غير مشروعة، وبهذا يبطل الإلزام. 

ثم إن الدليل والميزان على قبول رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد وفاته كما هو الحال في حياته يكون باتباعه وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهو صلّى الله عليه وسلّم رسول، وإثبات رسالته يكون بهذه الأمور، لا بالأمور المبتدعة، وهو الدليل على محبة الله - تعالى - كما قال - تعالى - { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ } [آل عمران: 31] . 

وأما مسألة جاه الرسول صلّى الله عليه وسلّم: فهو وجيه عند الله وهو أفضل الخلق، وجاهه ثابت لا يتغير بإحداث عبادة لا يرضاها الله ورسوله أو تركها، فهو - بأبي وأمي - أفضل الخلق على الإطلاق، ولا يؤثر في جاهه صلّى الله عليه وسلّم عند ربه فعل ما يغضبه ولم يأمر به من التوسل به بعد موته، ولا يزيد جاهه عند الله بطاعة الطائعين، ولا ينقص بمعصية العاصين، فربط عمل البدعة المحدثة بتقدير الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومعرفة جاهه، وربط ترك البدعة - اتباعاً للسنة - بتنقيص الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وجحده حقه وجاهه: ربطٌ لا أساس له من شرع صحيح، ولا عقل صريح والله المستعان. 

وأما من زعم بأن التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد موته بدعة حسنة؛ فقد ضل الطريق، ولم يهتد إليه سبيلاً، فليس هناك بدعة في الدين حسنة، بل البدع كلها ضلال كما قال المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (( كل بدعة ضلالة )) (1) . 

قال ابن تيمية رحمه الله (من قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة. أما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبل الشيطان) (2) . 

(1) سبق تخريجه ص148. 

(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص28

المصدر: كتاب دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية عرض ونقد ..

عدد مرات القراءة:
14688
إرسال لصديق طباعة
الثلاثاء 28 ذو الحجة 1441هـ الموافق:18 أغسطس 2020م 12:08:16 بتوقيت مكة
عبدالله 
انظر:
http://www.fnoor.com/main/articles.aspx?article_no=24810#.XzrvhsAzYkI
الأثنين 27 ذو الحجة 1441هـ الموافق:17 أغسطس 2020م 04:08:13 بتوقيت مكة
سعيد 
لطفا، أين هوامش البحث والمراجع؟
 
اسمك :  
نص التعليق :