آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 06:02:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

المعتزلة في العصر الحديث ..

يقول الورداني ساخراً ومستهزئاً بسماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى وغفر له، حيث يقول ص79: "ولازال يتصور أن خصوم الحنابلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لازالوا على قيد الحياة وهويستخدم في مواجهتهم نفس المصطلح القديم وهوأهل البدع".

ولا أعلم هل قول الورداني عن علم أم أنه نتيجة التخدير العقدي والفكري الذي يعيشه في دنيا الوهم والخيال والغطرسة؟.

فهل يستطيع باحث مهما كان اتجاهه أن يُنكر وجود أمثال هذه التيارات الفكرية المنحرفة في أفكار كثير من المعاصرين؟.

وليس من اللازم التسمية بتلك المسميات - عدا الأشعرية - حتى لا تكون موجودة في ساحة الفكر المعاصر. بل الأسس الفكرية والعقائدية لتلك المسميات موجودة فعلاً في أرض الواقع، والعلامة ابن باز رحمه الله تعالى ليس جاهلاً أوساذجاً حتى يقول ذلك الكلام، بل مقصوده رحمه الله تعالى أن من يعتقد بتلك العقائد وإن اختلف التسمية فهوضال مبتدع ويوافقه في ذلك جميع العلماء المقتفين آثار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فهورحمه الله تعالى لا يتكلم بأشياء مثالية بل عن أمور واقعية محسوسة بين ظهراني المسلمين.

ونعود للمعتزلة ونسأل نفس سؤال الورداني: هل فعلاً أن المعتزلة فرقة اندثرت وليس لها امتداد فكري في عقول بعض المعاصرين؟. وهل فعلاً إن الكلام عن المعتزلة والفرق الأخرى لا جدوى من طرحه ومناقشته باعتبار أن ذلك ماضياً وليس له حضور في الواقع؟ وما الجدوى من مناقشة أفكارهم لا سيما وإنهم في خبر كان؟ وغير ذلك من الأسئلة التي يطرحها الجهلة أمثال الورداني.

الواقع يُثبت أن تلك الفرق لها وجود فكري بل مؤسسات رسمية تدعمها وتحاول نشرها وفرضها على الناس، فالأشعري مثلاً تهتم بها كثير من الجامعات في الدول العربية والإسلامية وتُدرّسها وتعمل على نشرها وتُضلّل من لم يأخذ بها. وكذلك المعتزلة يُطبّل لها كثير من الكُتاب المعاصرين وينادي بها تارة باسم الحرية وتارة باسم التجديد، ووجود الرافضة أكبر دليل على الوجود الاعتزالي، حيث إن الكثير من الأسس عند الرافضة إنما هي انعكاس للتأثر الرافضي بالمعتزلة، ولا أظن أن الورداني يُدرك هذه الحقيقة، والورداني نفسه يعتقد بأفكار المعتزلة أثناء تقلباته الفكرية قبل ارتداده واعتناق دين الرافضة.

وفي هذا المبحث نعرض ملامح من الأفكار الاعتزالية لدى بعض الكتّاب المعاصرين (1) لنرى هل يقتنع الورداني بوجود المعتزلة أم أن ذلك من أوهام علماء الكتاب والسنة.

وللمعتزلة - أوبالأصح فكر الاعتزال - شأن في عصرنا الحديث، ولوذلك الشأن ما اجتهدنا في التعريف بهذه الفرقة وأفكارها ومبادئها ولاعتبرناها من الفرق التي اندثرت في التاريخ، ذلك أن فضح مباحثها من خلال فكر الشيعة الرافضة أوتزييف مناهجها من خلال مناهج الأشاعرة، وإنما يتم في ثنايا الرد على الرافضة والقواعد المنهجية للاعتزال لما أطلّ خلفهم في عصرنا هذا برؤوسهم، ونادوا بما أودعته المعتزلة من مناهج واتخذوا من سبيل المدح لهم والثناء على "تحررهم" و"عقلانيتهم"! ذريعة إلى نشر آرائهم الفاسدة، والاستتار تحت شعار الاعتزال لدسّ السم في الفكر الإسلامي التوحيدي السليم.

__________

(1) نقلاً عن كتاب "المعتزلة بين القديم والحديث" ص125 - 14. للأستاذين: محمد العبدة وطارق عبد الحليم بتصرف يسير جداً.

نعم! قالوا: أليس المعتزلة من "المسلمين"؟! ألا يحق لنا الاقتباس منهم والرجوع إليهم! وما لنا "نجمد" مع الجامدين من الفقهاء والأئمة والمحدثين من السلف ونلتزم طريقهم ولا نقتبس عن المعتزلة "ثوريتهم" التي تتناسب ومقتضيات عصرنا الراهن؟!. تلك هي مجمل دعاواهم وملخص قولهم الذي أرادوا به القضاء على عقيدة المسلمين والتفافهم حول كتابهم من خلال تلبيس الحق بالباطل - بعد أن نجحت جهودهم في إزاحة شريعة الحق عن الساحة - وهوشأن المفسدين في كل زمان ومكان.

وقد بدأت جذور ذلك الأمر تظهر في بعض البلاد الإسلامية بعد أن ذاعت المبادئ الثلاثة التي أطلقها الصهاينة من خلال الثورة الفرنسية ليتمكنوا من خلالها من هدم الخلقية البشرية عامة وإقامة المجتمع اليهودي على أنقاضها، وهي مبادئ "الحرية - المساواة - العدل".

"والحرية" تعني أن يتحرر الإنسان من كل القيم والأعراف والأديان ويفعل ما يحلوله كالبهيمة، وأن تمحك دعاتها في معاني الحرية السياسية أوالفكرية التي لم يقف الإسلام حائلاً في سبيلها يوماً من الأيام داخل الإطار الشرعي لها.

"والمساواة" تعني أن لا فرق بين مسلم ونصراني ومجوسي بل الكل مشتركون في صفة الإنسانية فهم إخوة بهذا المعنى، ولا معنى للتفريق بينهم بسبب العقيدة، فلتسقط الأديان كلها باسم المساواة، وليتح البشر باسم الإنسانية، وسبحان القائل: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وقال: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}. فكيف السبيل للاتحاد مع أمثال هؤلاء من المشركين؟!.

"والعدل" يعني نزع الثروات من أيدي مالكيها بدعوى سلامة التوزيع وردّها إلى فئة من اليهود المسيطرين على الاقتصاد العالمي كله، وما تجارب الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية إلا أفكاراً يهودية في أصلها ومنشئها.

وقد ساعدت على نشر الأفكار الهدامة المؤسسات التي أقامها الصهاينة لتكون شعاراً لهم ينشرون من ورائه تلك الخبائث كنوادي الروتاري والليونز، وهي مؤسسات ماسونية تنتشر في العالم كله لامتصاص طاقته وثرواته واجتذاب علية القوم فيه للاستفادة منهم. وقد سرت عدوى "التحرر" و"العقلانية" وأمثالها إلى الوطن الإسلامي نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن طريق البعثات التعليمية وغيرها، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا ونقلوا ذلك في كتبهم - بقصد أوبدون قصد - كرفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، إلى أن جاء دور جمال الدين الأسد آبادي - المعروف بالأفغاني - وهوإيراني المولد والمنشأ تربى في أحضان الرافضة (1) وقد قام بالعديد من الأعمال التي كان لها أسوأ الأثر في العالم الإسلامي رغم ما يحلوللبعض من المسلمين "الطيبين" أن يدعوه باسم "باعث الشرق"! وباعث الشرق هذا كان مؤسساً ورئيساً لأكبر محفل ماسوني في الشرق، وترقى في درجات الماسونية إلى أعلى المراتب.

ولا مجال للإطالة في الحديث عن جمال الدين هذا إلا بمقدار ما ينبغي أن نعرفه كأستاذ لمحمد عبده صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية - التي اصطلح على تسميتها بالمدرسة الإصلاحية! - والتي ظهرت أوائل هذا القرن في مصر وخرج من عباءتها كثير من الكتّاب الذين اتهموا بالدَّخَل في دينهم من بعد مثل طه حسين، الذي وضع كتاب الشعر الجاهلي فحشاه بالكفر البواح وحوكم بسببه في مصر وعزل من منصبه بالجامعة.

__________

(1) راجع: الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين، ودعوة جمال الدين الأفغاني في الميزان، مصطفى فوزي غزال ص38..

ثم تتابعت الكتابات الهدامة المستترة تحت ستار الاعتزال والتحرر والعقلانية تنخر في جسد الأمة المسلمة بعد أن سقطت الخلافة - التي كانت آخر درع يُتقى به كيد المفسدين - فظهرت كتابات طه حسين عن الشعر الجاهلي ثم عن مستقبل الثقافة في مصر وضرورة نبذ "التقاليد الشرقية" جملة وتفصيلاً. كذلك كتابات قاسم أمين عن "تحرير المرأة"، وقد تمحك هؤلاء بلفظ الحرية ودعوى العقلانية والتقدم، وامتدحوا الاعتزال والمعتزلة واعتبروهم الأجدر بالاتباع في "تراثنا الإسلامي"!.

تساءل أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام": "والآن يحق لنا أن نتساءل: هل في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين"؟ (1) ثم أعلن أنه ليس في صالحهم القضاء على الاعتزال، بل كان من الواجب على المعتزلة والمحدثين أن يستمر كحزبين أحدهما تقدّمي والآخر محافظ! ليستفيد المسلمون من كليهما! (2) وما أبعد هذا الفكر عن الفهم الإسلامي المستوحى من أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التي تقرر أن هناك طائفة واحدة منصورة ظاهرة على الحق وأنها وحدها الناجية دون سائر الفرق الاثنتين والسبعين.

ويعلن أحمد أمين في صراحة: "في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة" (3).

ولم يكن هذا الرأي الذي عبّر عنه أحمد أمين، بشأن دور الاعتزال، وأهميته وضرورة تبني المسلمين له في طرق البحث ومنهاجه، رأياً ارتآه وحده بل عرف عند كثير غيره من الكتّاب الذين لمعت أسماؤهم في هذه الحقبة الأخيرة من الزمان.

__________

(1) ضحى الإسلام 3/ 2.2.

(2) المصدر السابق 3/ 2.3.

(3) المصدر السابق 3/ 2.7.

فهذا كاتب آخر هوزكي نجيب محمود - الذي تبنى الوضعية المنطقية (1) كنظرية يدين بها - يزعم أنه إن كان لنا أن نحيي جزءاً من تراثنا الإسلامي فليكن هوالاعتزال، يقول في "تجديد الفكر العربي": يبدولكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها .. أعني أن يرثها في طريقته ومنهاجها عند النظر إلى الأمور هي جماعة المعتزلة التي جعلت العقل مبدأها الأساسي كلما أشكل الأمر" (2).

ويؤكد ذلك بعد صفحات فيقول: "فما زلت أرى أنه لوأراد أبناء عصرنا أن يجدوا عند الأقدمين خيطاً فكرياً ليتمسكوا بطرفه فيكونوا على صلة موصولة بشيء من تراثهم، فذلك هوالوقفة المعتزلية من المشكلات القائمة" (3).

__________

(1) وفحواها إنكار عالم الغيب في صورة مستترة هي ادعاء أنه ليس لنا شأن بما لا يخضع لتجاربنا ويمكننا تحسسه، فالألفاظ التي لا يوجد لها رصيد في الواقع المحسوس المجرب لا تعني شيئاً، ويجب أن ينصب جهد الناس على ما في إمكانهم تحقيقه والتحقق منه، أما عالم الغيب فهودائرة الإحساس والمشاعر لا غير، وهي صورة معدلة خبيثة لإنكار الغيب بالكلية دون التصريح بذلك، مراعاة للوسط الذي يعيشه الكاتب، ولاستدراج من ينفرون من دعوى الإلحاد المباشرة.

(2) تجديد الفكر العربي ص117.

(3) المصدر السابق 123.

وهذا المسكين قد وقع في خطأ كان لابد له من الوقوع فيه نظراً لانشغاله طوال حياته بالفكر الغربي دراسة وتحليلاً وتسلية كما عبّر بنفسه في مقدمة كتابه المذكور إلا سنوات قليلة أخذ "يعب فيها التراث عبّاً" على عجل بنظر المستشرقين لا بنظر المؤمن، هذا الخطأ هواعتقاد أن أهل السنة والجماعة كانوا يقفون بالمرصاد لمحاولات إعمال العقل في مجال الطبيعة والحياة بحرية وانطلاق، وهوأمر ما كان في يوم من الأيام، وإنما يشهد التاريخ أن الصراع بين أهل السنة وبين غيرهم من الفرق الضالة كان بسبب إدخال العقل في مجال الغيب أولاً، ومحاولة تحكيمه في نصوص الشارع الثابتة التي توجه الحياة البشرية بكليات وقواعد قد رضيها الله سبحانه لخلقه - وهوأعلم بهم -، ثانياً، أما في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية فعلى أمثال هؤلاء المفسدين إبراز دليل واحد يستدلون به على وقوف أهل السنة والجماعة في وجه تلك العلوم أوعدم إعمال العقل فيها، وحتى مهاجمة أهل السنة للفلاسفة إنما كانت في الجانب الميتافيزيقي الذي خاضوا فيه غمار العلوم الإلهية بعقولهم القاصرة فخرجوا إلى الكفر البواح كما فعل ابن سينا والفارابي، بينما لم ينكر أحد على ابن سينا وضعه لكتاب "القانون" في الطب مثلاً، وإنما ادعاءات هؤلاء كلها محض باطل وتجن وهوى، ولما كان الإسلام يعالج في مبادئه وأساسياته قواعد اجتماعية وتشريعات دولية وسياسية واقتصادية تصادمت في كثير منها مع تلك الاتجاهات الهدامة، كان لهم ي المواقف الاعتزالية التي قدمت العقل فيما لا يمكن الحكم فيه خير سند في دعواهم للقضاء على الشريعة الإسلامية والنهج الرباني.

وقد تناثرت تلك الدعاوي عن المعتزلة في العديد من أعمال بعض الباحثين والمحدثين، كما ذكرنا، فمدحوا الاعتزال وتابعوا المستشرقين ونقلوا عنهم ما أوردوه في تحسينه وتزيينه.

يقول عرفان عبد الحميد في كتابه "دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية" تحت عنوان أهمية المعتزلة في الفكر الإسلامي: "المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام وكان لها دور كبير في تطور الفكر الديني والفلسفي فيه، فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية!! وجعلت للنزعة العقلية في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة، ورفعت من شأن العقل وأحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة" (1)، ولا نحتاج إلى التعليق، حيث سبق أن بيّنّا موقف أهل السنة من "العقل" ومجالاته، وبيّنّا المجال الذي عملت فيه النزعة العقلية في الإلهيات فأنتجت ذلك الضلال والانحراف. ولكن أنّى لمثل هذا الباحث أن يتفهم موقف الإسلام في مثل تلك الأمور وهوينقل عن المستشرقين نص كلامهم مرتئياً له وموافقاً عليه، فيقول: "المعتزلة تمثل أول محاولة في الفكر الإسلامية تعرضت لمسألة الصلة بين الحقائق الدينية وأحكام العقل وذلك (بقوة فكرية عجيبة وثبات عظيم وحاول حلّها بطريقة مبتكرة) " وما بين القوسين منقول عن سوزانا فلزر في مقدمة كتاب المعتزلة وواضح تبنيه لهذا الرأي الاستشراقي! فالله الله في المسلمين وعقائدهم أيها الباحثون المجددون.

ولوذهبنا نتتبع هذا التيار الذي انتشر في الكتابات الحديثة لطال الحديث ولكننا نكتفي بما ذكرنا ليكون دليلاً وشاهداً على صحة ما ذهبنا إليه من محاولة الفكر الاعتزالي العودة إلى السطح - من خلال مفاهيم التحرر والتقدم والعقلانية - محمولاً على أقلام بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصافي الأصيل.

__________

(1) دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية 125.

ومما يدعوللأسف أن هذا الاتجاه - يشكل أقل حدّة - قد تعدى إلى بعض الفضلاء ممن ينتمون للحركة الإسلامية في عصرنا، فالدكتور عدنان زرزور يقدم رسالته عن الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير وينقل ثناء الشيخ محمد أبوزهرة على المعتزلة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية" مؤيداً هذا الثناء فيقول: "قال - أي أبوزهرة - حفظه الله: أولاً: إن هؤلاء - أي المعتزلة - يعدون فلاسفة الإسلام حقاً لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية غير منطلقين في غير ظلها، فهم يفهمون نصوص القرآن فهماً فلسفياً، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها غير خالعين للشريعة ولا متحللين من النصوص" (1)! (2).

كما إنه يدعو"للإفادة من منهج المعتزلة العقلي - ومن سائر المناهج الكلامية الأخرى - في الدفاع عن الإسلام وشرح حقائقه أمام مناوئيه ومخالفيه من أتباعه والغرباء عنه على حد سواء" (3)، فهل يا ترى في منهج المتكلمين وطريقة المعتزلة ما يُدفع به عن الإسلام بحق؟!.

ثم يدّعي الدكتور عدنان دعوى عريضة خالف فيها منطوق ومفهوم نصوص ثابتة صريحة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كحديث الفرق الثلاثة والسبعين وحديث الفرقة المنصورة الذي رواه مسلم فقال: "وليس في تاريخ الإسلام فرقة واحدة تستطيع أن تزعم لنفسها فهم العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل حتى يكون كل من خالفها في شيء ضالاً مبتدعاً أومن أهل الزيغ والأهواء (4)! ولا تخلوفرقة واحدة من الغلوفي جانب والتفريط في جانب آخر، وليست مهمتنا الانتصار لفرقة على أخرى أوتعميق الخلاف بين هذه الفرق"! (5).

__________

(1) والتحلل من النصوص إما أن يكون رفضها كما فعلت الملاحدة أوبتأويلها وتحريفها عن مواضعها كما فعلت المعتزلة والشيعة وسائر المؤولة المبتدعة.

(2) عدنان زرزور، الحاكم الجشمي 21.

(3) المصدر السابق 18.

(4) وعلامة التعجب من عنده.

(5) الحاكم الجشمي 18.

والعجب العجاب مما قاله! فقد اشتملت هذه الفقرة وحدها على ثلاثة أخطاء مركبة، أولها: قوله: أنه لا توجد فرقة واحدة فهمت العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل! فأين قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" رواه مسلم. وأين قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة إحداها الناجية" رواه الترمذي، وأين فرقة أهل السنة والجماعة التي من زعمائها أئمة الإسلام: مالك والشافعي وأحمد وأبوحنيفة وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومحمد بن عبد الوهّاب .. وغيرهم كثير كثير ممن اتفقت عقائدهم وإن اختلفوا في بعض الفروع!؟. وهل العقيدة الإسلامية بهذا القدر من الصعوبة ليتعذر فهمها على أي طائفة طوال هذه القرون؟!.

أوليس معنى ما تقدم من أنه "حتى يكون من خالفها في شيء ضالاً ومبتدعاً أومن أهل الزيغ والأهواء" إنكاراً صريحاً لوجود أهل الأهواء ابتداء إذ أين تذهب بأقوال أئمة الإسلام التي تحذر من اتباع أهل الأهواء والبدع؟ وكفانا في ذلك ما أورده الشاطبي في الاعتصام الجزء الأول عن أهل الأهواء والتحذير منهم وكلام أئمة السنة فيهم .. ونترك للقارئ المسلم الحكم على صحة أقواله وتقييمها من خلال ما طالع في ثنايا بحثنا.

ثانيها: قوله "ولا تخلوفرقة واحدة من الغلوفي جانب والتفريط في جانب آخر"!.

ونقول: إن سمة أهل السنة الوسطية لا إلى إفراط ولا إلى تفريط كما وصفهم ابن تيمية بقوله: "وهم (أهل السنة والجماعة) وسط في باب أفعال الله عزَّ وجلَّ بين المعتزلة والمكذبين بالقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله. وفي باب الوعد والوعيد، بن الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضّل الله به الأبرار على الفجار. وهم وسط في أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين الغالي في بعضهم الذين يقول فيه بإلهية أونبوة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أويفسقه وهوخيار هذه الأمة" (1).

وثالثها: قوله: "وليست مهمتنا اليوم الانتصار لفرقة على أخرى .. ".

ونقول: بل إن مهمتنا الأساسية في الحياة هي إظهار عوار الباطل الذي تشتمل عليه أقاويل تلك الفرق الاثنتين والسبعين كما إن من مهمتنا مناهضة الكفر والإلحاد سواء بسواء، والمقبول من العمل هوما كان خالصاً صواباً، خالصاً لوجه الله تعالى وصواباً على سنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، فالتلفيق ومحاولة التقارب المزعوم بين الفرق هوبمثابة الطعن في صحة عقيدة الحق التي عليها أهل السنة والجماعة، عقيدة السلف الصالح، وعقيدة صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

المدرسة الإصلاحية الحديثة:

__________

(1) ابن تيمية، الجواب اصحيح 1/ 8.

يمكن للباحث من خلال كتابات عديدة من الكُتّاب، في بضع العقود الماضية، أن يتلمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتّاب وآراؤهم، يُستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتُميز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات. هذه المدرسة - التي لم تتخذ صبغة رسمية - تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوي والآراء، التي هي امتداد لما عرف بالمدرسة الإصلاحية وزعماؤها: السير أحمد خان الهندي وجمال الدين الأسد آبادي ومن بعده الشيخ محمد عبده، في نهاية القرن الماضي، وهي كذلك إحياء للمنهج الاعتزالي في تناول الشريعة، وتحكيم العقل فيما لا يحتكم فيه إليه.

ويمكن تحديد ما تجتمع عليه آراء تلك المدرسة في كلمة واحدة هي "التطوير" أوالعصرانية كما تترجم عن الإنجليزية  Modernism  وما تعنيه من تناول أصول الشريعة وفروعها بالتعديل والتغيير، تبعاً للمناهج العقلية التي اصطنعها الغرب حديثاً، أوما تُمليه عقليات أرباب ذلك المذهب، التي تتلمذت لتلك المناهج .. ولا يسلم من هذا التطوير أمر من أمور الشريعة كأصول الفقه والحديث أوالتفسير أومسائل الفقه كالحجاب والطلاق أوتعدد الزوجات، والحدود أوالطامة التي عرفت بالتقارب بين الأديان.

على رأس تلك المدرسة السير أحمد خان الهندي، الذي منح لقب "سير" من قبل السلطات البريطانية تكريماً له، والذي يرى أن القرآن الكريم هوالمصدر الوحيد الذي يجب أن نستقي منه أحكام الشريعة، والأحاديث لا يُعتدّ بها في هذا الشأن لتأخر تدوينها، ولأن أكثريتها أحاديث آحاد لا تفيد يقيناً، كما يحل الربا البسيط في التجارة والمعاملات، ويرفض عقوبة الرجم والحرابة، وينفي شرعية الجهاد لنشر الدين.

ويُحل سيد أمير علي - تلميذ أحمد خان - زواج المسلمة من كتابي، والاختلاط بين الرجل والمرأة، كذلك يرى محمد أسد (1) أن الله سبحانه لا يُصف إلا بالصفات السلبية (أي ليس كذا وكذا .. ) تماماً كما قالت المعتزلة (2)، وينحومنحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية، كتفسير إهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أوالجدري الذي حملته الطير الأبابيل!.

ومن المعاصرين الأحياء، ينادي د. محمد فتحي عثمان بتطوير العقيدة والشريعة معاً في كتابه عن الفكر الإسلامي والتطور، ويزيد الدكتور حسن الترابي خطوة فيدعوإلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: "إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هواجتهاد في الأصول أيضاً" (3).

ويشكك محمد سعاد جلال في إمكانية وجود نص قاطع في الشريعة ثبوتاً ودلالة، حتى القرآن الكريم، الذي وإن كان ثابتاً من جهة النقل، إلا أن الظن يتطرق إليه من قبل الدلالة ..

ويدعوعبد اللطيف غزالي إلى دثر التراث كله حيث يقول: "وأما علوم سلف المسلمين فهي شيء متخلف غاية التخلف بالنسبة لما لدينا، ولا أقول لما لدى الأوربيين من علوم .. " (4).

__________

(1) هوالمستشرق النمساوي الأصل (ليوبولد فايس) أسلم عام 1926 إثر عمله في السعودية لفترة طويلة.

(2) عن مفهوم تجديد الدين، بسطامي محمد سعيد ص151.

(3) عن بحث "الدعوة إلى التجديد في منهج النقد عن المحدثين"، عصام أحمد البشير لنيل درجة الماجستير من جامعة الرياض.

(4) المصدر السابق 49.

وفي مجال الفقه يعبر د. فتحي عثمان عن حجاب المرأة ومسألة عدم الاختلاط بقوله: "فإذا التقى الرجل بالمرأة في ظروف طبيعية هادئة محكمة، فلن يغدوهذا اللقاء قارعة شديدة الوقع .. سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة ومعاملة المرأة، في إطار من الدين والخلق تحدد معالمه تربية الأسرة وعرف المجتمع ورعاية الدولة، وستألف المرأة بدور الرجل فيهدأ السعار المضطرم ولا يكون هناك مجال للانحراف والشذوذ، وتتجمع لدى الطرفين خبرات وحصانات وتجارب".

سبحان الله العظيم! وكأن تجربة الأوربيين في الاختلاط لقرون عديدة أنتجت الخبرات والحصانات، وكفلت الإحصان للمرأة والرجل! إن هذا إلى جانب كونه افتياتاً على الشريعة الحنيفة، فهوجهل بالفطرة الإنسانية التي يعلم حقيقتها خالقها سبحانه.

ويعلن عبد اللطيف غزالي "نحن اليوم لا نجد حرجاً في التفكير في تقييد حق الرجل في الأربع وتقييد حقه في الطلاق" (1).

أما في الحدود فيرى حسن الترابي أن الردة الفكرية التي لا يصاحبها خروج على نظام الدولة لا تستوجب إقامة الحد، ويعني بالردة الفكرية الكفر الاعتقادي بالتعبير الشرعي.

ويرى الدكتور محمد فتحي عثمان أن عقوبة الردة كانت لضرورة عسكرية أملتها الظروف على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

أما عن التقارب بين الأديان فيرى عبد العزيز كامل أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة التوحيد بديانتها الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، وهوما يؤكده كذلك فهمي هويدي ومحمد سعيد عشماوي (2).

أما عبد الله غزالي فيشرح معنى الإسلام! بقوله: "الإسلام هوأن تسلم وجهك لله وأنت محسن، وأي امرئ كان هذا حاله فإنه مسلم سواء كان مؤمناً بمحمد أوكان من اليهود أوالنصارى أوالصابئين".

__________

(1) المصدر السابق ص 6..

(2) جريدة الأخبار المصرية 17/ 1./1979 نقلاً عن بحث الدعوة إلى التجديد.

ويبين أن الجنة ليست حكراً على المسلمين الموحدين وأن الدين المنجي عند الله ليس الإسلام وحده! فيقول: "لماذا يعتقد أتباع كل دين أن الله يختصهم بالجنة ويذر غيرهم وأكثر الناس في النار؟ " ثم يؤكد أن حقيقة الشرك هي العداء بين الأديان (1).

وبعد: فليحذر الشباب من تلك الدعوات الباطلة وإن تحلت بالأسماء الرنانة واللافتات المضيئة التي تتحدث عن العقل والتحرر والتجديد والتوفيق، أوتستتر خلف تلك الفرق التي تعلقت باسم الإسلام في تاريخه رغم ضلالها وانحرافها.

الأشاعرة

يقول الورداني ص79: وفي الوقت الذي يهاجم فيه ابن باز الأشاعرة - وهم فرقة من فرق أهل السنة الذين يدّعي التحدث بلسانهم - ويعتبرهم من أهل البدع يعود ويناقض نفسه بقوله: "وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأتباعهم بإحسان وهي التي نقلها الإمام أبوالحسن الأشعري رحمه الله في كتابه "المقالات" عن أصحاب الحديث وأهل السنة ونقله غيره من أهل الإيمان".

الجواب: يبدوأن الورداني لا يعي ما يقول ولا ما يسطره من هذيان فخلط الحابل بالنابل.

__________

(1) نظرات في الدين ص16 - 24.

وسماحة الشيخ العلامة ابن باز - رحمه الله وغفر له - لم يكن متناقضاً كما زعم هذا الرافضي، بل إن قوله هذا مما أجمع العلماء على أن الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه اله تعالى من أئمة أهل السنة والجماعة وكتابه "الإبانة عن أصول الديانة" من الكتب التي تنتهج عقيدة أهل السنة والجماعة، والفرقة التي تُسمى بالأشاعرة بعيدة كل البعد عن منهجه وعقيدة، بل هي أخذت عنه ما مرّ في المرحلة الثانية من حياته رحمه الله تعالى، حيث إنه مرّ في حياته بثلاث مراحل فكرية: المرحلة الأولى: كان معتزلياً وأقام على الاعتزال أربعين سنة ثم نبذه بعد أن سبر غوره وكشف وهتك شتره، والمرحلة الثانية: أثبت الإمام الأشعري رحمه الله تعالى الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحوذلك كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى. والحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً.

والأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة وليس كما يزعم الرافضي الجاهل، وذلك أن الفاحص لعقيدة الأشاعرة يجد أنهم يباينون أهل السنة والجماعة في كثير من العقائد.

يقول فضيلة الشيخ سلمان العلوان في كتابه القيم "القول الرشيد في حقيقة التوحيد" ص57: اعلم أن المذاهب المخالفة لمذهب السلف في باب الأسماء والصفات، كالمعتزلة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، والإباضية، والمفوضة كثيرة جداً، وأكثر هذه المذاهب الضالة شيوعاً مذهب الأشاعرة، كثير من كتب التفسير والحديث والأصول تمتلئ به. وكثيراً من أتباع هذا المذهب يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة، فكثيراً ما يرد في عبارات بعض علماء الأشاعرة: "اتفق أهل السنة"، و"هذا مذهب أهل السنة والجماعة"، ويعنون بذلك مذهب الأشاعرة.

والأشاعرة ليسوا في عداد أهل السنة والجماعة، لا في باب الأسماء والصفات، ولا في كثير من أبواب العقيدة، إنما هم في عداد أهل الفرقة والضلالة، وفيهم أيضاً، أوفي أكثرهم: إرجاء، وجبر، وشيء من التجهم، فإنهم يوافقون الجهمية في كثير من أصولهم.

ومن زعم أن الأشاعرة من أهل السنة والجماعة، فهوإما جاهل بمذهب السلف وحقيقته. فهذا يجب عليه أن لا يقف ما ليس به علم، فإن الكلام بلا علم جهل وضلال. وإما صاحب هوى، وباطل، يجادل بالباطل ليدحض به الحق. اهـ.

وسنحاول جاهدين إبراز تلك الفروقات بينهم وبين أهل السنة في العقيدة مع الجزم بأنه لا تصح نسبتهم إلى أهل السنة ولا يعني بذلك وصف بعض الذين يوافقونهم في تأويل بعض الصفات بأنهم أشاعرة كما يحلولبعض طلبة العلم الذين تطاولوا على بعض العلماء المشهورين، وأيضاً لا نحكم بصواب من يوافقونهم في ذلك.

وفيما يلي نستعرض الأصول المنهجية لمذهب الأشاعرة بإيجاز (1) لندرك عن علم ويقين بأن الأشاعرة ليسوا كما يزعم الورداني.

الأول: مصدر التلقي:

مصدر التلقي عند الأشاعرة هوالعقل، وقد صرّح الجويني والرازي والبغدادي والغزالي والآمدي والإيجي وابن فورك والسنوسي وشرّاح الجوهرة وسائر أئمتهم بتقديم العقل على النقل عند التعارض، وعلى هذا يرى المعاصرون منهم، ومن هؤلاء السابقين من صرّح بأن الأخذ بظاهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر وبعضهم خففها فقال هوأصل الضلالة!!.

الثاني: إثبات وجود الله:

ومعلوم أن مذهب السلف هوأن وجوده تعالى أمر فطري معلوم بالضرورة والأدلة عليه في الكون والنفس والآثار والآفاق والوحي أجل من الحصر، ففي كل شيء له آية وعليه دليل.

__________

(1) باختصار عن "منهج الأشاعرة في العقيدة" لفضيلة الشيخ الدكتور سفر الحوالي ص31 - 57.

أما الأشاعرة فعندهم دليل يتيم هودليل "الحدوث والقدم" وهوالاستدلال على وجود الله بأن الكون حادث وكل حادث فلابد من محدث قديم، وأخص صفات الله هذا القديم مخالفته للحوادث وعدم حلولها فيه، ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس جوهراً ولا عرضاً ولا جسماً ولا في جهة ولا مكان .. إلخ. ثم أطالوا جداً في تقرير هذه القضايا، هذا وقد رتبوا عليه من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت العد مثل إنكارهم لكثير من الصفات كالرضا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم ونفي الجوهرية والعرضية والجهة والجسمية .. إلى آخر المصطلحات البدعية التي جعلوها نفيها أصولاً وأنفقوا الأعمار والمداد في شرحها ونفيها، ولوأنهم قالوا الكون مخلوق وكل مخلوق لابد له من خالق لكان أيسر وأخصر، مع أنه ليس الدليل الوحيد ولكنهم تعمدوا موافقة الفلاسفة حتى في ألفاظهم (1).

الثالث: التوحيد:

التوحيد عند أهل السنة والجماعة معروف بأقسامه الثلاثة وهوعندهم أول واجب على المكلف، أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم فالتوحيد عندهم هونفي التثنية أوالتعدد ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي حسب تعبيرهم "نفي الكمية المتصلة والكمية المنفصلة" ومن هذا المعنى فسّروا الإله بأنه الخالق أوالقادر على الاختراع وأنكروا بعض الصفات كالوجه واليد والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم.

__________

(1) انظر: جمع الأبواب الأولى من أي كتاب في عقيدتهم، ومجموع الفتاوى 2/ 7 - 23، وأول شرح الإصفهانية، ويلاحظ أن تعمدهم استخدام كلمة (حادث) سببه أنهم لوقالوا (مخلوق) لألزمهم الفلاسفة بأن هذا هوموضع النزاع ولا يستدل بالدعوى على نفسها في نظرهم، ومع هذا فالفلاسفة يقولون الكون قديم ولا نسلّم أنه حادث، فالأشاعرة كما قال شيخ الإسلام (لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا).

أما التوحيد الحقيقي وما يقابله من الشرك ومعرفته والتحذير منه فلا ذكر له في كتب عقيدتهم إطلاقاً ولا أدري أين يضعونه أفي كتب الفروع؟ فليس فيها أم يتركونه بالمرة، فهذا الذي أجزم به.

أما أول واجب عند الأشاعرة فهوالنظر أوالقصد إلى النظر أوأول جزء من النظر أو.. إلى آخر فلسفتهم المختلف فيها، وعندهم أن الإنسان إذا بلغ سن التكليف وجب عليه النظر ثم الإيمان واختلفوا فيمن مات قبل النظر أوفي أثنائه .. أيحكم له بالإسلام أم بالكفر؟!.

وينكر الأشاعرة المعرفة الفطرية ويقولون إن من آمن بالله بغير طريق النظر فإنما هومقلد ورجّح بعضهم كفره واكتفى بعضهم بتعصيته، وهذا ما خالفهم فيه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ونقل أقوالاً كثيرة في الرد عليهم، وإن لازم قولهم تكفير العوام بل تكفير الصدر الأول (1).

الرابع: الإيمان:

الأشاعرة في الإيمان مرجئة جهمية أجمعت كتبهم قاطبة على أن الإيمان هوالتصديق القلبي، واختلفوا في النطق بالشهادتين أيكفي عند تصديق القلب أم لابد منه، قال صاحب الجوهرة:

وفسر الإيمان بالتصديق

والنطق فيه الخلف بالتحقيق

وقد رجّح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين أن المصدق بقلبه ناج عند الله وإن لم ينطق بهما، ومال إليه البوطي. فعلى كلامهم لا داعي لحرص النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقول عمه أبوطالب لا إله إلا الله، لأنه لا شك في تصديقه له بقلبه، وهومن شابهه على مذهبهم من أهل الجنة!.

__________

(1) عن هذه الفقرة انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني 9.، شرح الكبرى 3 - 4، غاية المرام للآمدي 149، كبرى اليقينيات (للبوطي) 91 - 93، الله جل جلاله، سعيد حوى: 131، أركان الإيمان لوهبي غاوجي 3..

وبخصوص أول واجب والمعرفة الفطرية انظر: درء تعارض العقل والنقل ج7، 8، 9 كلها، الإنصاف للباقلاني 22، الإرشاد 3، المواقف 32 - 33، الشامل 12.، أصول الدين للبغدادي 254 - 255، فتح الباري 3/ 357، 361، 13/ 347 - 358.

هذا وقد أولوا كل آية أوحديث ورد في زيادة الإيمان ونقصانه أووصف بعض شُعبه بأنها إيمان أومن الإيمان (1).

الخامس: القرآن:

وقد أفردت موضوعه لأهميته القصوى، وهونموذج بارز للمنهج الأشعري القائم على التلفيق الذي يسميه الأشاعرة المعاصرون "التوفيقية"، حيث انتهج التوسط بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة في كثير من الأصول فتناقض واضطراب.

فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه موسى - عليه السلام - ويسمعه الخلائق يوم القيامة.

ومذهب المعتزلة أنه مخلوق. أما مذهب الأشاعرة فمن منطق التوفيقية - التي لم يحالفها التوفيق - فرّقوا بين المعنى واللفظ. فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هومعنى أزلي أبدي قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء. واستدلوا بالبيت المنسوب للأخطل النصراني:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

أما الكتب المنزلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة بل هي "عبارة عن كلام الله النفسي. والكلام النفسي شيء واحد في ذاته لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهوتوراة وإن جاء بالسريانية فهوإنجيل، وإن جاء بالعربية فهوقرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة ووصفها بأنها كلام الله مجاز لأنها تعبير عنه".

__________

(1) انظر: الإنصاف 55، الإرشاد 397، غاية المرام 311، المواقف 384، الإيمان لشيخ الإسلام: أكثره رد عليهم فلا حاجة لتحديد الصفحات، تبسيط العقائد الإسلامي، حسن أيوب 29 - 33، كبرى اليقينيات 196.

واختلفوا في القرآن خاصة فقال بعضهم: إن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا، فكان جبريل يقرأ هذا الكلام المخلوق ويبلغه لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال الآخرون: إن الله أفهم جبريل كلامه النفسي وأفهمه جبريل لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، فالنزول نزول إعلام وإفهام لا نزول حركة وانتقال (لأنهم ينكرون علوالله) ثم اختلفوا في الذي عبّر عن الكلام النفسي بهذا اللفظ والنظم العربي من هو؟ فقال بعضهم: هوجبريل، وقال بعضهم: بل هومحمد صلَّى الله عليه وسلَّم!!.

واستدلوا بمثل قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} في سورتي الحاقة والانشقاق حيث أضافه في الأولى إلى محمد صلَّى الله عليه وسلَّم وفي الأخرى إلى جبريل بأن اللفظ لأحد الرسولين "جبريل أومحمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) " وقد صرّح الباقلاني بالأول وتابعه الجويني.

قال شيخ الإسلام: "وفي إضافته تعالى إلى هذا الرسول تارة وإلى هذا تارة على أنه إضافة بلاغ وأداء لا إضافة إحداث لشيء منه وإنشاء كما يقول بعض المبتدعة الأشعرية من أن حروفه ابتداء جبريل أومحمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) مضاهاة منهم في نصف قولهم لمن قال أنه قول البشر من مشركي العرب".

وعلى القول أن القرآن الذي نقرؤه في المصاحف مخلوق سار الأشاعرة المعاصرون وصرحوا، فكشفوا بذلك ما أراد شارح الجوهرة أن يستره حين قال: "يمتنع أن يقال أن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم" (1).

السادس: القدر:

__________

(1) عن القرآن عندهم انظر: الإنصاف 96 - 97 وما بعدها، الإرشاد 128 - 137، أصول الدين 1.7، المواقف 293، شرح الباجوري على الجوهرة 64 - 66، 84، متن الدردير 25 من مجموع المتون، التسعينية وقد استغرق موضوع الرد عليهم في القرآن أكثر مباحثها ومن أعظمها وأنفسها ما ذكره في الوجه السابع والسبعين فليراجع.

أراد الأشاعرة هنا أن يوفقوا بين الجبرية والقدرية فجاءوا بنظرية الكسب وهي في مآلها جبرية خالصة لأنها تنفي أي قدرة للعبد أوتأثير، أما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عن فهمها فضلاً عن إفهامها لغيرهم ولهذا قيل:

مما يقال ولا حقيقة تحته

معقول تدنوا إلى الأفهام

الكسب عنه الأشعري والحال

عند البهشمي وطفرة النظام

ولهذا قال الرازي الذي عجز هوالآخر عن فهمها: "إن الإنسان مجبور في صورة مختارة".

أما البغدادي فأراد أن يوضحها فذكر مثالاً لأحد أصحابه في تفسيرها شبّه فيه اقتران قدرة الله بقدرة العبد مع نسبة الكسب إلى العبد "بالحجر الكبير قد يعجز عن حمله رجل ويقدر آخر على حمله منفرداً به فإذا اجتمعا جميعاً على حمله كان حصول الحمل بأقواهما، ولا خرج أضعفهما بذلك عن كونه حاملاً"!!.

وعلى مثل هذا المثال الفاسد يعتمد الجبرية وبه يتجرأ القدرية المنكرون، لأنه لوأن الأقوى من الرجلين عذّب الضعيف، وعاقبه على حمل الحجر فإنه يكون ظالماً باتفاق العقلاء، لأن الضعيف لا دور له في الحمل، وهذه المشاركة الصورية لا تجعله مسؤولاً عن حمل الحجر.

والإرادة عند الأشاعرة معناها "المحبة والرضا" وأولوا قوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} بأنه لا يرضاه لعباده المؤمنين! فبقي السؤال وارداً عليهم: وهل رضيه للكفار أم فعلوه وهولم يرده؟.

وفعلوا بسائر الآيات مثل ذلك.

ومن هذا القبيل كلامهم في الاستطاعة، والحاصل أنهم في هذا الباب خرجوا عن المنقول والمعقول ولم يعربوا عن مذهبهم فضلاً عن البرهنة عليه!! (1).

السابع: السببية وأفعال المخلوقات:

__________

(1) الإنصاف: 45 - 46، بهوامش الكوثري، الإرشاد: 187 - 2.3، أصول الدين: 133، نهاية الأقدام: 77، المواقف: 311، شفاء العليل 259 - 261 وغيرها.

ينكر الأشاعرة الربط العادي بإطلاق وأن يكون شيء يؤثر في شيء، وأنكروا كل "باء سببية" في القرآن، وكفّروا وبدّعوا من خالفهم ومأخذهم فيها هومأخذهم في القدر، فمثلاً عندهم: من قال أن النار تحرق بطبعها أوهي علة الإحراق فهوكافر مشرك لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقاً، حتى أن أحد نحاة الأندلس من دولة الموحدين التومرتية الأشعرية هدم "نظرية العامل" عند النحاة مدعياً أن الفاعل هوالله!!.

قالوا إن الأسباب علاقات لا موجبات حتى أنهم يقولون: الرجل إذا كسر الزجاجة ما انكسرت بكسره وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تحرق ما احترق بسببها وإنما احترق عندها لا بها فالإنسان إذا أكل حتى شبع ما شبع بالأكل وإنما شبع عند الأكل.

الثامن: الحكمة الغائبة:

ينفي الأشاعرة قطعاً أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علّة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد الفعل أوعدمه، وهذا نص كلامهم تقريباً، وهورد فعل لقول المعتزلة بالوجوب على الله، حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن، وقالوا إن كونه يفعل شيئاً لعلّة ينافي كونه مختاراً مريداً. وهذا الأصل تسميه بعض كتبهم "نفي الغرض عن الله" ويعتبرونه من لوازم التنزيه، وجعلوا أفعاله تعالى كلها راجعة إلى محض المشيئة ولا تعليق لصفة أخرى - كالحكمة مثلاً - بها، ورتبوا على هذا أصولاً فاسدة كقولهم بجواز أن يُخلّد الله في النار أخلص أوليائه ويُخلّد في الجنة أفجر الكفار، وجواز التكليف بما لا يُطاق.

وسبب هذا التأصيل الباطل عدم فهمهم ألا تعارض بين المشيئة والحكمة أوالمشيئة والرحمة. ولهذا لم يثبت الأشاعرة الحكمة مع الصفات السبع واكتفوا بإثبات الإرادة مع أن الحكمة تقتضي الإرادة والعلم وزيادة حتى أن من المعاصرين من أضافها مثل سعيد حوى (1).

التاسع: النبوات:

يختلف مذهب الأشاعرة عن مذهب أهل السنة والجماعة في النبوات اختلافاً بعيداً، فهم يقررون أن إرسال الرسل راجع للمشيئة المحضة - كما في الفقرة السابقة - ثم يقررون أنه لا دليل على صدق النبي إلا المعجزة، ثم يقررون أن أفعال السحرة والكهان من جنس المعجزة لكنها لا تكون مقرونة بادعاء النبوة والتحدي، قالوا: ولوادّعى الساحر أوالكاهن النبوة لسلبه الله معرفة السحر رأساً وإلا كان هذا إضلالاً من الله وهويمتنع عليه الإضلال .. إلى آخر ما يقررونه مما يخالف المنقول والمعقول، ولضعف مذهبهم في النبوات مع كونها أخطر أبواب العقيدة إذ كل أمورها متوقفة على ثبوت النبوة أغروا أعداء الإسلام بالنيل منه واستطال عليهم الفلاسفة والملاحدة.

والصوفية منهم كالغزالي يفسرون الوحي تفسيراً قرمطياً فيقولون هوانتقاش العلم الفائض من العقل الكلي في العقل الجزئي (2).

العاشر: التحسين والتقبيح:

__________

(1) انظر: المواقف: 331، شرح الكبرى: 322، 423، شرح أم البراهين: 36، النبوات: 163 - 23.، مجموع الفتاوى: 16/ 299، وقد أطال ابن القيم في رد شبه الأشاعرة في شفاء العليل: انظر مثلاً ص291 إلى 521، حيث رد عليهم من 36 وجهاً، ومنهاج السنة: 1/ 128 الطبعة القديمة. الله جل جلاله (سعيد حوى): 9. وقد ذكر الحكمة ضمن الظواهر ولم يذكرها ضمن الصفات.

(2) انظر: الإرشاد: 3.6، 356، نهاية الأقدام: 461، أصول الدين: 176، المواقف: 359 - 361، غاية المرام: 318، الرسالة اللدنية: 1/ 114 - 118 (من مجموعة القصور العوالي).

ينكر الأشاعرة أن يكون للعقل والفطرة أي دور في الحكم على الأشياء بالحسن والقبح ويقولون مرد ذلك إلى الشرع وحده، وهذا رد فعل مغال، لقول البراهمة والمعتزلة أن العقل يوجب حسن الحسن وقبح القبيح، وهومع منافاته للنصوص مكابرة للعقول، ومما يترتب عليه من الأصول الفاسدة قولهم أن الشرع قد يأتي بما هوقبيح في العقل فإلقاء دور العقل بالمرة أسلم من نسبة القبح إلى الشرع، مثلاً ومثّلوا لذلك بذبح الحيوان فإنه إيلام له بلا ذنب وهوقبيح في العقل ومع ذلك أباحه الشرع، وهذا في الحقيقة قول البراهمة الذين يحرمون أكل الحيوان فلما عجز هؤلاء عن رد شبهتهم ووافقوهم عليها أنكروا حكم العقل من أصله وتوهموا أنهم بهذا يدافعون عن الإسلام. كما أن من أسباب ذلك مناقضة أصل من قال بوجوب الثواب والعقاب على الله بحكم العقل ومقتضاه (1).

الحادي عشر: التأويل:

ومعناه المبتدع صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى احتمال مرجوح لقرينة فهوبهذا المعنى تحريف للكلام عن مواضعه كما قرّر ذلك شيخ الإسلام.

وهوأصل منهجي من أصول الأشاعرة وليس هوخاصاً بمبحث الصفات بل يشمل أكثر نصوص الإيمان خاصة ما يتعلق بإثبات زيادته ونقصانه وتسمية بعض شُعبه إيماناً ونحوها، وكذا بعض نصوص الوعد والوعيد وقصص الأنبياء خصوصاً موضوع العصمة، وبعض الأوامر التكليفية أيضاً.

وضرورته لمنهج عقيدتهم أصلها أنه لما تعارضت عندهم الأصول العقلية التي قرّروها بعيداً عن الشرع مع النصوص الشرعية وقعوا في مأزق ردّ الكل أوأخذ الكل، فوجدوا في التأويل مهرباً عقلياً من التعارض الذي اختلقته أوهامهم، ولهذا قالوا إننا مضطرون للتأويل، وإلا أوقعنا القرآن في تناقض. وأن الخلف لم يؤولوا عن هوى ومكابرة وإنما عن حاجة واضطرار؟ فأي تناقض في كتاب الله يا مسلمون نضطر معه إلى ردّ بعضه أوالاعتراف للأعداء بتناقضه؟.

__________

(1) المصادر السابقة.

وقد اعترف الصابوني بأن في مذهب الأشاعرة "تأويلات غريبة"، فما المعيار الذي عرف به الغريب من الغريب؟.

وهنا لابد من زيادة التأكيد على أن مذهب السلف لا تأويل فيه لنص من النصوص الشرعية إطلاقاً ولا يوجد نص واحد - لا في الصفات ولا غيرها - اضطر السلف إلى تأويله ولله الحمد، وكل الآيات والأحاديث التي ذكرها الصابوني وغيره تحمل في نفسها ما يدل على المعنى الصحيح الذي فهمه السلف منها والذي يدل على تنزيه الله تعالى دون أدنى حاجة إلى التأويل.

أما التأويل في كلام السلف فله معنيان:

التفسير كما تجد في تفسير الطبري ونحوه "القول في تأويل هذه الآية" أي في تفسيرها.

الحقيقة التي يصير إليها الشيء كما في قوله تعالى: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} أي تحقيقها وقوله: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي تحقيقه ووقوعه.

وإن تعجب فاعجب لهذه اللفظة النابية التي يستعملها الأشاعرة مع النصوص وهي أنها "توهم" التشبيه، ولهذا وجب تأويلها فهل في كتاب الله إبهام أم أن العقول الكاسدة تتوهم والعقيدة ليست مجال توهم.

فالعيب ليس في ظاهر النصوص - عياذاً بالله - ولكنه في الأفهام - بل الأوهام السقيمة. أما دعوى أن الإمام أحمد استثنى ثلاثة أحاديث وقال لابد من تأويلها، فهي فرية عليه افتراها الغزالي في (الإحياء وفيصل التفرقة) ونفاها شيخ الإسلام سنداً ومتناً.

وحسب الأشاعرة في باب التأويل ما فتحوه على الإسلام من شرور بسببه فإنهم لما أوّلوا ما أوّلوا تبعتهم الباطنية واحتجت عليهم في تأويل الحلال والحرام والصلاة والصوم والحج والحشر والحساب، وما من حجة يحتج به الأشاعرة عليهم في الأحكام والآخرة إلا احتج الباطنية عليهم بمثلها أوأقوى منها من واقع تأويلهم للصفات. وإلا فلماذا يكون تأويل الأشاعرة لعلوالله - الذي تقطع به العقول والفطر والشرائع - تنزيهاً وتوحيداً وتأويل الباطنية للبعث والحشر كفر وردّة (1)

__________

(1) عن التأويل جملة انظر كتاب ابن فورك كاملاً، والإنصاف: 56، 156، وغيرها والإرشاد: فصل كامل له، أساس التقديس: فصل كامل أيضاً. وعن الثلاثة أحاديث انظر: إحياء علوم الدين طبعة الشعب: 1/ 179، والرد في مجموع الفتاوى 5/ 398، وانظر كذلك 6/ 397، 58..

تنبيه حول التأويل: التأويل الذي يذكره الفقهاء في باب البغاة وقد يرد في بعض كتب العقيدة لا سيما في موضوع التكفير والاستحلال هوغير التأويل المذكور هنا إن كانت أكثر الكتب تسميه تأويلاً وهوفي الحقيقة تأولاً لأن الفعل الماضي منه "تأول".

فالتأول هو: وضع الدليل في غير موضعه باجتهاد أوشُبه تنشأ من عدم فهم دلالة النص، وقد يكون المتأول مجتهداً مخطئاً فيُعذر وقد يكون متعسفاً متوهماً فلا يُعذر فيه، وعلى كل حال يجب الكشف عن حاله وتصحيح فهمه قبل الحكم عليه، ولهذا كان من مذهب السلف عدم تكفير المتأول حتى تقام عليه الحجة مثلما حصل مع بعض الصحابة الذين شربوا الخمر في عهد عمر متأولين قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} الآية. ومثل هذا من أوّل بعض الصفات عن حسن نية متأولاً قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهومؤول متأول ولا يكفر، ولهذا لم يطلق السلف تكفير المخالفين في الصفات أوغيرها لأن بعضهم أوكثير منهم متأولون. أما الباطنية فلا شك في كفرهم لأن تأويلهم ليس لأي شبه بل أرادوا هدم الإسلام عمداً بدليل أنهم لم يكتفوا بتأويل الأمور الاعتقادية بل أوّلوا الأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج. إلخ ..

.

أليس كل منهما رداً لظواهر النصوص، مع أن نصوص العلووأكثر وأشهر من نصوص الحشر الجسماني؟. ولماذا يكفّر الأشاعرة الباطنية ثم يشاركونهم في أصل من أعظم أصولهم؟.

الثاني عشر: السمعيات:

يُقسّم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:

قسم مصدره العقل وحده وهومعظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا يسمون الصفات السبع "عقلية" وهذا القسم هو" ما يحكم العقل بوجوبه" دون توقف على الوحي عندهم.

قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية - على خلاف بينهم فيها - وهذا القسم هو"ما يحكم العقل بجوازه استقلالاً أوبمعاضدة الوحي".

قسم مصدره النقل وحده وهوالسمعيات أي المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر والصراط والميزان وهوعندهم: ما لا يحكم العقل باستحالته لكن لولم يرد به الوحي لم يستطع العقل إدراكه منفرداً. ويدخلون فيه التحسين والتقبيح والتحليل والتحريم.

والإيمان بالآخرة وهوأصل كل السمعيات ليس هوفي مذهب أهل السنة سمعياً فقط بل إن الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية كما إن الفطر السليمة تشهد به فهوحقيقة مركوزة في أذهان البشر ما لم يجرفهم عنها جارف. لكن لوأن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته - فرضاً وجدلاً - فحكمه مردود وليس إيماننا به متوقفاً على حكم العقل. وغاية الأمر أن العقل قد يعجز عن تصوره إما أن يحكم العقل باستحالته فغير وارد ولله الحمد (1).

الثالث عشر: التكفير:

التكفير عند أهل السنة والجماعة حق لله تعالى لا يُطلق إلا على من يستحقه شرعاً ولا تردده على إطلاقه على ثبت كفره بشروطه الشرعية.

__________

(1) انظر: الإرشاد: 358، الإنصاف 55، شرح الإصفهانية 49، النبوات 48، وانظر الجزء الثاني من مجموع الفتاوى 7 - 27.

أما الأشاعرة فهم مضطربون اضطراباً كبيراً فتارة يقولون نحن لا نكفّر أحداً، وتارة يقولون نحن لا نكفّر إلا من كفّرنا وتارة يكفرون بأمور لا تستوجب أكثر التفسيق أوالتبديع وتارة يكفرون بأمور لا تُوجب مجرد التفسيق وتارة يكفّرون بأمور هي نفسها شرعية، ويجب على مسلم أن يعتقدها.

فأما قولهم لا نكفّر أحداً فباطل قطعاً إذ في المنتسبين إلى الإسلام فضلاً عن غيرهم كفار لا شك في كفرهم، وأما قولهم لا نكفّر إلا من كفّرنا فباطل كذلك، إذ ليس تكفير أحد لنا بمسوغ أن نكفّره إلا إذا كان يستحق ذلك شرعاً.

وأما تكفير من لا يستحق سوى التبديع فمثل تصريحهم في أغلب كتبهم بتكفير من قال إن الله جسم لا كالأجسام، وهذا ليس بكافر بل هوضال مبتدع لأنه أتى بلفظ لم يرد به الشرع، والأشاعرة تستعمل ما هومثله وشر منه. وأما تكفير من لا يستحق حتى مجرد الفسق أوالمعصية فكما مر في الفقرة السابعة من تكفيرهم من قال إن النار علة الإحراق والطعام علة الشبع.

وأما التكفير بما هوحق في نفسه يجب اعتقاده فنحوتكفيرهم لمن يثبت علوالله ومن لم يؤمن بالله على طريقة أهل الكلام وكقولهم إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر، كقولهم أن عبادة الأصنام فرع من مذهب المشبهة ويعنون بهم أهل السنة والجماعة.

ومن شواهد تكفير بعضهم قديماً وحديثاً لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وحسبك ما في كتب الكوثري وتلميذه براءة الأشعريين (1).

__________

(1) انظر: المواقف: 392، أساس التقديس: 16، 196، شرح الكبرى 62، أركان الإيمان 298 - 299.

عدد مرات القراءة:
10234
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :