آخر تحديث للموقع :

الجمعة 14 رجب 1442هـ الموافق:26 فبراير 2021م 09:02:41 بتوقيت مكة

جديد الموقع

السُنَّة ليست وحيًا والنَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم يُصيب ويخطئ ..

تاريخ الإضافة 2013/12/07م

إن السُنَّة النبوية ليست وحيًا من قبل الله -سبحانه وتعالى- على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه اجتهاد وتصرف من النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى بشريته، وهوصلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاعتبار يصيب ويخطئ، فالسُنَّة ليست وحيًا، وبالتالي فهي ليست مُنزهة عن الخطأ، لأن المُنزه عن الخطأ إنما هوالوحي، ولا وحي إلا القرآن المجيد، ولسنا ملزمين باتباعها، والدليل على ذلك أولًا (1): مسألة نزول جيش المسلمين في غزوة بدر، حيث أنزله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منزلًا ثم ظهر خطأ هذا المنزل، فانتقل الجيش إلى منزل آخر بناء على رأى صحابي من أصحابه، ثانيًا: مسألة أسرى بدر، حيث استحياهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتلهم، وأخذ منهم الفداء، ونزل القرآن مبينًا خطأ ذلك الاجتهاد وإصابة اجتهاد عمر ورأيه في المسألة.

الرد على الشبهة وتفنيدها

إن هذه الشبهة التي أوردها هؤلاء ما كان ينبغي أن تصدر عن مسلم، أوعمن يدعي أنه مسلم، فإن الأمة المسلمة مجمعة سلفًا وخلفًا وإلى أن تقوم الساعة على أن السُنَّة النبوية المطهرة وحي من قبل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، وإجماع الأمة المسلمة على ذلك ليس صادرًا عن فراغ أوعن هوى، ولكنه الحق الذي لا يعارضه إلا غويٌّ مبين.

والأدلة على أن السُنَّة وحي من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة وعديدة نستيطع أن نلخص منها الآتى:

__________

(1) من شبهاتهم أيضا مسألة تأبير النخل وقد مر الرد عليها وتفنيدها.

أولًا: إخبار الله تعالى بذلك في نصوص قاطعة في آيات بينات من القرآن المجيد الذي ينتسب إليه هؤلاء .. من ذلك قوله - عز وجل - عن النَّبِي صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم3 - 4] ومن ذلك قوله - عز وجل - عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة44 - 47] فهذه الآيات ليس فيها إخبار بأن الرسول لا ينطق إلا بالوحي فقط، بل فيها إخبار بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لوافترى على الله تعالى شيئًا لم يوحه الله إليه لقتله الله وقضى عليه، وحيث إن الله تعالى لم يأخذ من رسوله باليمين، ولم يقطع منه الوتين، أي لم يقض عليه، فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما نطق إلا بما أوحاه الله تعالى إليه.

ثانيًا: النصوص القاطعة من كتاب الله المجيد التي يأمر الله - عز وجل - فيها المؤمنين باتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما يأخذ وما يدع، وما يأمر وما ينهى، من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر7] وقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد33]

ثالثًا: ترتيب الله تعالى الإيمان على طاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والرضا بحكمه، والتسليم لأمره ونهيه في كل ما يراه ويحكم به، وذلك في قول الله - عز وجل -: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء65] ومن ذلك وصف الله تعالى المؤمنين بأن شأنهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وذلك في قوله سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51]

رابعًا: إجماع الأئمة كلها على أن السُنَّة وحي من قبل الله - عز وجل - إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبخاصة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كانوا في حياته الشريفة يحفظون أقواله صلى الله عليه وآله وسلم ويتذاكرونها فيما بينهم، وكانوا يتحرون الاقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما يأتي وما يذر فيما ليس بخصوصية له صلى الله عليه وآله وسلم مستجيبين لتوجيه الله تعالى في قوله لأمة الإسلام: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب21] وقد كان الذي يعرف الكتابة منهم يكتب لنفسه خاصة، وقد كان ثمة عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتبون لأنفسهم في حياته الشريفة، ثم بعد حياته صلى الله عليه وآله وسلم كانت المسألة تُعرَضُ للصحابة رضوان الله عليهم فيبحثون في القرآن، فإذا لم يجدوا حكمها، بحثوا في السُنَّة الشريفة وحكموا فيها بما وردت به السُنَّة، وكان سائلهم يسأل أصحابه وإخوانه قائلًا: أنشدكم الله هل سمع أحدكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئًا في المسألة؟ فإذا جاءهم حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على لسان أصحابه أوبعضهم سارعوا إلى تطبيقه والأخذ به.

أما ما أثاروه من مغالطات مدعين أنها أدلة على أن السُنَّة النبوية المطهرة ليست وحيًا؛ فهوكلام ظاهر البطلان، ونحن نرد عليه رغم وضوح بطلانه إبطالًا لمزاعمهم.

أولًا: ما أثاروه من منزل جيش المسلمين في غزوة بدر؛ فقد كان ذلك بناءً على رأي رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن ذلك عن وحي، وهذا بيِّن واضح، فإنه لما سأله أحد أصحابه - رضي الله عنه - قائلًا: (أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله، أم هوالرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بل هوالرأي والحرب والمكيدة)، ولما أشار عليه صاحبه بمنزل أفضل انتقل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكون ذلك ليس عن وحي واضح، فلا يصح الاستشهاد به في مجال نفي الوحي فيما هووحي.

ثانيًا: أما مسألة الأسرى في بدر، فهي قد جمعت بين الرأي والوحي، فقد كان الرأي أولًا، ثم أعقبه الوحي بعد ذلك، وقضية الأسرى ببدر توضح لنا أمرًا هامًا قد لا يتوفر في كثير غيرها من قضايا التشريع، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ في أسرى بدر بالرأي، فاستشار أصحابه رضوان الله عليهم، فكل أدلى برأيه، ثم مال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرأي القائل باستحيائهم وأخذ الفداء منهم، وكان هذا رأي أبي بكر - رضي الله عنه -، وكان رأي عمر - رضي الله عنه - أن يقتل الأسرى جميعًا وبعد أن استقر الأمر على ذلك نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُبين ما كان ينبغي أن يفعل في مسألة الأسرى، ويُبين الصواب في القضية، يقول الله سبحانه في شأن فعل الرسول في أسرى بدر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال67 - 69]

فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي، وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول ولا يفعل فيما يتصل بالدين إلا بوحي من عند الله سبحانه، وأن الله سبحانه لا يدع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هوالأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلًا، وخلاصته أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفعله في أمور الدين وحي، حتى ولوقال برأيه، لأنه إن قال أوفعل برأيه وكان صوابًا موافقًا لأمر الله أقره الله تعالى على ذلك، وكان إقرار الله سبحانه له دليلًا على موافقة عمله لمراد الله تعالى فيكون وحيًا، وإن كان اجتهاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس صوابًا موافقًا لمراد الله سبحانه فإن الله تعالى لا يقره على ما قال أوفعل اجتهادًا، بل يصوب له ويصحح، وذلك كما حدث في أسرى بدر، حيث نزل فيها القرآن مصوبًا؛ وكما حدث في أوائل سورة "عبس" حيث نزل القرآن معاتبًا، وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السُنَّة وحي من عند الله تعالى، وأن الله سبحانه يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولواجتهد برأيه.

وفيصل الأمر في الشبهات التي أثاروها ظانين أنها دليل على أن السُنَّة النبوية ليست وحيًا؛ أن ما يصدر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته صلى الله عليه وآله وسلم، دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلًا أوحرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل، ومنزل الجيش ببدر، ونوع آخر يفعله صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى كونه بشرا رسولًا، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله تعالى، مثل أسرى بدر، فقد اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة رضوان الله عليهم، فنزل الوحي مصوبًا ومبينًا الحكم الصحيح.

عدد مرات القراءة:
2049
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :