آخر تحديث للموقع :

الأحد 23 رجب 1442هـ الموافق:7 مارس 2021م 02:03:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

تكفل الله بحفظ القرآن ولم يتكفل بحفظ السُنَّة ..

تاريخ الإضافة 2013/12/07م

"تقوم شبهتهم هذه على أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه القرآن وذلك في قوله - عز وجل -: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر9] لذلك ظل القرآن هوالحق الوحيد في دين الله الإسلام، فلم يحرف ولم يبدل، ولم تدخله كلمة ولا خرجت منه كلمة، ولم يروبغير لفظه ومعناه، أما السُنَّة فلم يتكفل الله سبحانه بحفظها، ولذلك داخلتها الموضوعات المحضة من جانب أي التي لم يقلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا بلفظها ولا بمعناها، ومن جانب آخر ضاعت ألفاظها ورويت بالمعنى، وذلك فيما لوصح أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قالها، فكان ضياع ألفاظها سببًا في عدم معرفة المعنى الذي أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حتى ليصح أن يقال إن السُنَّة كلها أضحت موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما كان منها موضوعًا بلفظه ومعناه، وما كان منها موضوع المعنى بسبب ضياع ألفاظه وروايتهم إياه بالمعنى" (1).

الرد على الشبهة وتفنيدها

إن الله - عز وجل - أنزل القرآن الكريم بلفظه ومعناه، فالقرآن كلام الله سبحانه، لذا كان جديرًا بأن يحفظه الله سبحانه ويصونه أن يحرف أويبدل، ولأن القرآن كذلك لم تجز روايته بالمعنى.

أما السُنَّة فهي وحي الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أوحى الله تعالى بما فيها من أحكام وتشريعات إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم صاغها النَّبِي بكلامه، ولأن السُنَّة ليست كلام الله تعالى فقد أجاز العلماء روايتها بالمعنى، ولم يطلق العلماء هذا الحكم بلا ضوابط أوحدود، بل وضعوا لراوي الحديث بالمعنى ضوابط وشروطًا بحيث لا تجوز رواية الحديث بالمعنى إلا إذا توفرت فيه هذه الضوابط والشروط.

__________

(1) د/ عبد الغنى عبد الخالق، حجية السُنَّة ص389.

ورأس هذه الشروط أن يكون عارفًا بالعربية، عالمًا بألفاظها، ومدلولات تلك الألفاظ، بصيرًا بعلاقات الألفاظ بعضها ببعض من ترادف واشتراك وتباين وغير ذلك، فإن كان الراوي على هذا العلم جاز له رواية الحديث بالمعنى، لأن في معرفته بالأمور التي ذكرناها أمانًا من الخطأ في معاني الأحاديث التي يرويها، وإن لم تتوفر له هذه الشرائط فلا تجوز له الرواية بالمعنى.

أما الزعم بأن الله تعالى لم يحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن كان المراد أنه تعالى لم يحفظها بألفاظها، فهذا مُسّلْمٌ، وقد يُقال إن السُنَّة ليست بحاجة إلى نفس الألفاظ، بل الحاجة إلى معانيها المنضبطة ولورويت بألفاظ أخرى لا تخل بالمعنى، وقد روى الخطيب البغدادي أن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- قالت لعروة بن الزبير"بلغني أنك تكتب الحديث عني، ثم تعود فتكتبه، فقال لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قال: لا، قالت: لا بأس بذلك" (1). فالمعنى إذا كان بنفس اللفظ أوانضبط بألفاظ مشابهة فلا بأس به.

أما إن كان المراد أن الله تعالى لم يحفظ السُنَّة مطلقًا لا بألفاظها ولا بمعانيها، وأنها ضُيًّعت؛ فذلك كذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأمة المسلمة، وجحد ونكران لجهود عظيمة مميزة قام بها علماء السُنَّة عبر تاريخ الإسلام.

__________

(1) الكفاية: 273.

والحق أن الله سبحانه تكفل بحفظ كتابه، ومن خلال حفظ كتابه تكفل الله تعالى ضمنيًا بحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ذلكم أن الكتاب بحاجة إلى السُنَّة التي تبينه، كما قال - عز وجل -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل44]، فالسُنَّة ضرورية للكتاب، وهي إلى جانب الكتاب ضروريان للدين، فمن حفظ الله تعالى كتابه أن يحفظ السُنَّة التي تبينه وتفصله، فإن القرآن بحاجة إليها ومن حفظ الله تعالى دينه كي يعرفه الخلق الذين كلفهم الله به، ويحاسبهم عليه، أن يحفظ كتابه وسنة نبيه، فإن الدين بحاجة إليهما؛ لذلك كان من قدر الله سبحانه أن هيأ لسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الأعلام الذين بذلوا في حفظ السُنَّة ما لم يعرف له تاريخ العلوم والثقافات مثيلا من قبل ولا من بعد، وما كان ليتم لهم ذلك إلا بتوفيق من الله تعالى وهداية وتأييد، فقد ابتدعوا نظامًا لحفظ السُنَّة، ومعرفة صحيحها بدرجاته، من الضعيف بدرجاته، من الموضوع، واخترعوا من الوسائل المعرفية والمناهج العلمية ما هومعجز في بابه، كل ذلك على غير مثال سابق لا عند العرب، ولا عند غير العرب ممن كانت لهم ثقافات وفلسفات، وكانت لهم أديان، وكانوا الأكثر حاجة إلى تمحيص مكتوباتهم وأسفارهم الدينية، ولكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء الإسلام ولا إلى قريب منه، وقد شهدت الأمم جميعها بأن علماء السُنَّة قد أتوا في باب جمعها وتصنيفها، وتمييزها، ومعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع، ما لم تعرفه الأمم من قبل، والسؤال: هل كان هذا يمكن أن يتم دون توفيق من الله سبحانه وهداية ومعونة وإرشاد؟ .. إنه توفيق الله تعالى لحفظ سنته الذي هومن حفظ كتابه، لحاجة الكتاب إلى السُنَّة في بيانه وتفصيله، وحاجة دين الله الإسلام إلى الكتاب والسُنَّة جميعًا.

أما زعمهم بأن السُنَّة أضحت خليطًا لا يعرف منها الصحيح من الموضوع؛ فذلك كذب وافتراء بل تبجح ومكابرة، فإن أقل الناس ذكاء ومعرفة بالسُنَّة تكفيه زيارة واحدة لإحدى المكتبات الحديثية التي تضم كتب السُنَّة أوبعضها ليدرك بعد تصفح لعناوين هذه المدونات وبعض ما فيها أن الله تعالى حفظ سنة نبيه، وأن كتب الصحاح والسنن موجودة ينهل منها المسلمون الزاد النافع لهم في الدنيا والدين، رغم أنوف منكري السُنَّة أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين.

عدد مرات القراءة:
2108
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :