([4]) انظر: مستدرك الوسائل: (12/ 3.6)، بحار الأنوار: (32/ 399)، وقعة صفين: (ص:1.2).
كفرالصحابة
... حديث البخاري في دخول عدة من الأصحاب النار:
... يحتاج الجواب على ذلك إلى توطيئة وهي بيان فضلهم:
... أولاً: قد ثبت بالأدلة القاطعة من القرآن الكريم والسنَّة النبوية فضل الأصحاب وتزكيتهم من رب العالمين ومن نبيه سيد المرسلين- صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك ما يلي:
من القرآن الكريم:
قال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم) [سورة التوبة/1../].
أثنى الله - عز وجل - على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد لأنَّ (ال) للعموم فيما دخلت عليه وجميع الذين اتبعوهم بإحسان فالمتبعون قيدهم بالإحسان وهذا أصل فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلاَّ بدليل قطعي والآية في غاية الوضوح (كنت أستحضر في ذهني الصحابة الذين هم أساس المجتمع المسلم الأول الذين وصفهم الله - عز وجل - بـ: "السابقين").
ثمَّ أثنى الله - عز وجل - على الذين اتبعوهم بإحسان والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة وليسوا الشيعة لأنَّ الشيعة ما بين مكفر لهم وذام لهم ـ أعني الشيعة الإمامية المتأخرين بدون استثناء ـ: (أي من أطلق عليهم فيما بعد: الرافضة).
وقال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا) [سورة الفتح/29/].
ذكر - عز وجل - أنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض حتَّى نضجت واكتملت وأنَّ ذلك سيكون سببًا لغيظ الكفار فمن كرههم أوغاضهم لحقه الوعيد.
وقال تعالى: (إنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياءبعض .. ) إلى أن قال تعالى: (والذين آمنواوهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم - والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم .. ) [سورة الأنفال/72 - 75/].
حكم - عز وجل - للمهاجرين الذين جاهدوا في سبيله ولإخوانهم الأنصار بأنَّهم مؤمنون حقًا ووعدهم مغفرة ورزقًا كريمًا.
... أليس هذا ثناءً من الله - عز وجل - على المهاجرين والأنصار وتأكيد إيمانهم بما لا يدع مجالاً للشك فيهم، فمن شك فيهم فقد كذب الله - عز وجل - ولعل الله سبحانه وتعالى عالم الغيب أراد أن يرد على كل من سيأتي بعد فيطعن فيهم.
وقال تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى) [سورة الحديد/1./].
هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا من قبل الفتح وأنفقوا في سبيل الله وقاتلوا لإعلاء كلمة الله - عز وجل - وأنَّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم وهذه شهادة عظيمة من الله - عز وجل -.
وقال تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممَّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ومن يوقَ شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنَّك رؤوف رحيم) [سورة الحشر/8 - 1./].
أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين ..
مهاجرون
أنصار
متبعون يحبونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم.
أين مكان الإمامية هنا؟؟
وأين مكان أهل السنَّة هنا؟
... هذه بعض الآيات التي تثني على جيل الصحابة الذين جاهدوا لرفع راية الإسلام وما تراه في العالم الإسلامي من خير فهوبسببهم.
... ثمَّ جاءت أجيال أهل السنَّة لتكمل المسيرة فنقلت الدين وفتحت الأرض وعلمت الناس دينهم.
... فأين الأرض التي فتحها أهل التشيع؟
... إنَّ معتقد أهل التشيع يلزم منه أنَّ الدين لم يطبق لأنَّ الصحابة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - خانوه ولم ينفذوا أمره وجاء أئمة أهل التشيع بعد عليّ - رضي الله عنه - ولم يتمكنوا من إبلاغ الدين لأنَّهم لم يُمكَّنوا إذن الدين الحق لم يظهر، وإنَّما عملت به الشيعة في الخفاء وهذا يخالف القرآن الكريم .....
... قال الله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) [سورة النور/55/].
... ألم يتحقق هذا الوعد فاستخلف الله - عز وجل - الأمَّة الإسلامية ومكَّن لهم الدين وأمن الناس في عهود الحكومات الإسلامية؟!
ومن السنَّة:
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسبوا أصحابي فلوأنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) [رواه البخاري/ ح/3673/ ومسلم/ح/2541] ..
وهذا قاله - صلى الله عليه وسلم - لخالد عندما سبّ عبدالرحمن بن عوف، وعبدالرحمن من السابقين وخالد ممَّن أسلم بعد.
وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الناس قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم .. ) [البخاري/ح/2652/ ومسلم/2533].
وفضائل الصحابة بأسمائهم في الصحيحين وغيرها كثير فراجعها إن شئت.
... وأنت تعلم أنَّ المحققين من أهل السنَّة يتثبتون في الرواية ويدققون في الرواة وخاصة البخاري ومسلمًا فلا يوردون إلاَّ ما صح عندهم.
... بعد هذه المقدمة ننظر في الرواية التي وردت في الحديث السابق:
هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة منهم عبدالله بن عباس وأبوهريرة وأنس وأسماء بنت أبي بكر وكلها في صحيح البخاري.
... وله ألفاظ:
ففي رواية عبدالله بن عباس: (أنَّه سيجاء برجال من أمتي .. ).
وفي رواية لأبي هريرة: (ألا ليذادن رجال عن حوضي .. ).
وهنا عدة وقفات:
أولاً: هذه الروايات رواها الصحابة أنفسهم - رضي الله عنهم - وهذه لأمانتهم وصدق إيمانهم ولوكانوا قد ارتدوا ما رووها.
... ثانيًا: المعنى: إمَّا أنَّه يُراد به الصحابة أنفسهم جميعهم وهذا مردود للآيات السابقة والأحاديث الصحيحة في فضلهم جميعًا وفي فضائل أفرادهم.
... وإمَّا أن يُراد به بعضهم (أي الصحابة) وهذا يحتاج إلى دليل قطعي وهذا غير موجود.
... وإمَّا أن يُراد به بعض أفراد الأمَّة وسماهم بأصحابه لأنَّ كل أمَّته أصحابه لمشاركته في دينه وفي الجنَّة أي يصاحبونه فيها فعندما يقدم هؤلاء على حوضه وعليهم علامة المسلمين بآثار الوضوء ويمنعون عن الحوض فيقول: أصحابي .. وفي بعضها لا يقول أصحابي وإنَّما يقول: ألا هلم وفي بعضها بالتصغير: أصيحابي والذي يظهر أنَّ هذا هوالمراد وهوالذي نعتقده.
حديث فاطمة: إنَّما فاطمة بضعة منِّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها.
... سبب هذا الحديث كما هومعروف أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل.
... وهنا وقفات:
أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - هوالذي ورد فيه الحديث فهل فعله هذا كان كفرًا حاشاه - رضي الله عنه - وإنَّما أراد أمرًا مباحًا في الشرع وهوالتعدد في الزواج ولم يكن يعلم أنَّ لابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصوصية خاصة فخطب عليها.
وفعله هذا بين أمور ثلاث:
أن يكون كفرًا وهذا لم يقل به أحد ولم يرد أنَّه أسلم من جديد.
وإمَّا أن يكون معصية فتاب منها فقبلت توبته فمحيت معصيته.
أويكون اجتهادًا خاطئًا ومغفورًا له اجتهاده.
هذا الفعل من علي - رضي الله عنه - يدل أنَّه غير معصوم.
أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - لم يفعل فعلاً مباحًا له أن يفعله وأن لا يفعله وإنَّما فعل فعلاً واجبًا روى فيه حديثًا عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهولشدة حبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخوفه من ربه ما كان ليعصيه وقد سمعه يقول: (لا نورث ما تركناه صدقة).
هذا الحديث رواه أبوبكر وعمر بن الخطاب وقد أشهد عليه عمر من حضره من الصحابة منهم عثمان وعلي والعباس وعبدالرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص فأقروا به كما في الصحيحين أخرجه البخاري في الفرائض/ باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا نورث وفي الجهاد والمغازي ورواه مسلم في الجهاد/ باب حكم الفئ ..
وقد سلمها عمر (أي أموال بني النضير التي كانت ممَّا أفاء الله - عز وجل - بها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لعليّ والعباس ليلياها فاختلفا.
أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - بعد أن تولى الخلافة لم يغير شيئًا ممَّا كان في عهد الشيخين فلم يقسم ميراثًا ولم يعطِ الحسن والحسين رضي الله عنهما شيئًا منه ممَّا يدل على أنَّه قد تحقق عنده قول أبي بكر - رضي الله عنه -.
وفاطمة رضي الله عنها طالبت بميراثها ظنًّا أنَّها ترث كما يرث بقية الناس فلمَّا أُخبرت بالحديث لا نظن بها رضي الله عنها أنَّها استمرت على مطالبتها لأنَّها ما كانت لتخالف أباها عليه الصلاة والسلام ولوخالفت لكان اتباع أمر أبيها وهوالمُشرِّع أولى من اتباع قولها.
هب أنَّ أبا بكر اجتهد فأخطأ وهذا فرض ممتنع لوجود النص لكن هب ذلك ـ فليس أقل من فعل عليّ - رضي الله عنه - وما أجبتم به عن عليّ - رضي الله عنه - كان الجواب به عن أبي بكر - رضي الله عنه -.
قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون ممَّا يقولون لهم مغفرة ورزق كريم).
وهنا عدة وقفات منها:
الآية نزلت لتبرئة عائشة رضي الله عنها ممَّا رميت به وأخبر تعالى أنَّ الخبيثات للخبيثين و... إلخ ليدل على أنَّه - عز وجل - ما كان ليدع امرأة خبيثة (وحاشاها من ذلك) زوجة لرسول أطيب الطيبين.
والمراد هنا بالخبث هو: (الزنا) أمَّا زوجتا نوح ولوط عليهما السلام فقد كانتا كافرتين والزواج من الكافرة في شريعتهم جائز أمَّا في شريعتنا فلا يجوز إلاَّ من الكتابية المحصنة (أي غير زانية).
وأمَّا الزواج من الزانية فلا يجوز في شريعتنا ولوكانت مسلمة لما يؤدي إليه من مفاسد واختلاط الأنساب ونحوذلك كما قال تعالى: (والزانية لا ينكحها إلاَّ زانٍ أومشرك وحرم ذلك على المؤمنين).
فالفرق إذن واضح.
الآية برأت عائشة رضي الله عنها ووعدتها بمغفرة ورزق كريم فدل هذا على أنَّها تموت على الإيمان لأنَّ حكم الله - عز وجل - لا يتغير.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا فيه عدة أمور منها:
إرادة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب كتابًا لئلا يختلف الصحابة - رضي الله عنهم -. ولم يذكر القضية التي أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكتبها. ولوكانت أمرًا واجبًا من واجبات الدين لما ترك كتابتها للغطهم بل يخرجهم ويستدعي من يكتب خاصة وقد عاش بعد ذلك أربعة أيام لأنَّ هذا كان يوم الخميس كما في لفظ آخر للبخاري (يوم الخميس وما يوم الخميس) ح/4431/ وتوفي يوم الاثنين.
أنَّ الموجودين اختلفوا وليس هذا خاصًا بعمر - رضي الله عنه -.
أنَّ عمر - رضي الله عنه - قد شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (إنَّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنَّه إن كان في أمتي هذه منهم فإنَّه عمر بن الخطاب) رواه البخاري/ح/3469.
وقوله: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًا إلاَّ سلك فجًا غير فجك) رواه البخاري /ح/3294/ ومسلم/ح/2396.
... وروى البخاري ومسلم من فضائله ستة عشر حديثًا في أصح الكتب ومنها عن محمد بن الحنفية - رضي الله عنه - قال قلت لأبي: (أي الناس خير بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أبوبكر, قلت: ثمَّ من؟ قال: ثمَّ عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثمَّ أنت. قال: ما أنا إلاَّ رجل من المسلمين) رواه البخاري/ح/3671/.
...
وروى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: وُضِع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلاَّ رجل أخذ منكبي فإذا عليّ بن أبي طالب فترحم على عمر، وقال: ما خلفتَّ أحدًا أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أنِّي كثيرًا أسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ذهبت أنا وأبوبكر وعمر ودخلت أنا وأبوبكر وعمر وخرجت أنا وأبوبكر وعمر) رواه البخاري/ح/3685/ ومسلم/ح/2389.
هذه بعض شهادات الصحابة من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن غيرهم.
أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذ أحيانًا بقول عمر وينزل القرآن بموافقته - رضي الله عنه - كما في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى والحجاب وغيرهما فلعله هنا مال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله - رضي الله عنه - ولعل عمر - رضي الله عنه - قال ذلك لما رأى ما به من الوجع فكان رأفة به - صلى الله عليه وسلم - أونحوذلك ولا يتصور أنَّه أراد إيذاءه - صلى الله عليه وسلم - وهوممَّن شهد له القرآن لأنَّه من المهاجرين ومن السابقين الأولين وفضائله في السنَّة كما تقدم.
هذه هي أهم ما سألت عنه.
وأمَّا البقية فهي قضايا اجتهادية.
نظرات في اتجاهات أهل السنَّة والشيعة ومناهجهم.
المتأمل للعقيدتين يستنتج ما يلي:
أنَّ أهل السنَّة يفهم من عقيدتهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس عامة وأنَّه يجب أن يَنقل أتباعه سنته إلى من بعدهم.
والشيعة يفهم من عقيدتهم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى عليّ - رضي الله عنه - وأنَّ الله - عز وجل - قد أبدى وأعاد في الوصية لعليّ وأنَّ الأمر بالإبلاغ أي إبلاغ الوصية فلا يجوز أخذ العلم إلاَّ منه - رضي الله عنه - إذن كل الدين المبلغ من غيره ليس دينًا.
أنَّ أهل السنَّة يفهم من عقيدتهم أنَّ فهم الدين ممكن لكل إنسان وأنَّ بإمكان الإنسان أن يكون عالمًا ويتحمل الأداء.
وأمَّا أهل الشيعة فتشترط وجود معصوم يرجع إليه وهذا يعني أنَّه لا بد أن يكون في كل بقعة معصوم ليرجع إليه إذ كيف يستطيع من بالمشرق أوبالمغرب أن يعمل فيما يجد من مسائل؟!
... فإذا جاز له الاجتهاد (أي البعيد عن الإمام جازبدون بدون إمام) فما الحاجة للمعصوم ..
أنَّ أهل السنَّة يعظمون الصحابة الذين هم نقلة الدين والمجاهدون في سبيله الذين فتحوا الأرض شرقًا وغربًا وحفظوا القرآن والسنَّة وبلغوها للعالم.
وأمَّا أهل التشيع فهم يطعنون في الصحابة ويتلمسون أخطاءهم ويتجاهلون فضلهم وبلاءهم ويقيدون عمومات القرآن ويقيدونها بناءً على ما رسخ في أذهانهم من معتقدات.
يظهر من معتقدات أهل السنَّة أنَّ الدين قد ظهر وعمل به الناس وفتحت عليه البلدان.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّ الدين عندهم لم يظهر ولم يعمل به.
أنًَّ أهل السنَّة يفهم من معتقدهم أنَّهم يجلون عليًّا - رضي الله عنه - ويعتقدون أنَّه كان شجاعًا في ذات الله - عز وجل - ولا يمكن أن يكون وصيًا ويسكت طيلة حياته بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي قرابة خمس وعشرين سنة.
ولوتكلم في شيء من ذلك لرواه رواة أهل السنَّة كما رأينا طرفًا من رواياتهم فهم يروون كل ما رأوه أوسمعوه. وقد ترد روايات لكنَّها لا تصح ونحن لا ننكر أنَّ كتب أهل السنَّة قد وردت فيها روايات ربَّما لأنَّ الرواية كما هومعروف قد تعرضت لكثير من الكذب.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّهم زعموا أنَّهم يجلون عليًا - رضي الله عنه - وزعموا أنَّه لم يُظهِر أنَّه وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوفًا على نفسه وهذا من أقبح التصورات وإن كانوا قد أوردوا أخبارًا لا يخفى عدم صحتها على المحققين.
أنَّ أهل السنَّة يعتقدون أنَّ الإمامة أمر اصطلاحي شوري للأمَّة أن تختار من تراه أهلاً لذلك ليحكمها بالقرآن والسنَّة ولا حرج في الاختلاف في مجالات الفهم.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّه يفهم من عقيدتهم أنَّه يجب على الله أن ينصب إمامًا وأنَّ هذا الإمام هوعليّ - رضي الله عنه - مع أنَّه لم يرد في القرآن ولا في السنَّة أي لفظ في ذكر الإمامة أوالوصاية وإنَّما هي عمومات قابلة للتأويل على أوجه.
... وقضية الإمامة قضية كبيرة فلوكانت مطلبًا دينيًا محددًا لنزلت آيات بلفظها ولجاءت أحاديث بلفظها سواء عمل الناس بها أولم يعملوا، ثمَّ لأبقى الله - عز وجل - نسل الأئمة إلى قيام الساعة.
... فإنَّ الله - عز وجل - قد صرَّح بأقل من ذلك في قضية زيد وزوجته وتردد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مصارحة زيد بذلك.
... فأي القضيتين أهم يا ترى؟!
والذي عمله الشيعة بعد انقطاع النسل هوالذي عمله أهل السنَّة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنَّ أهل التشيع حاولوا المغالطة فبقوا مدة بدون تجمع ثمَّ ابتدعوا (ولاية الفقيه) ألا قالوا بها بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! وأنهوا معاناتهم إلى اليوم؟!
يعترف أهل السنَّة بأنَّه قد حدث كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعض الرواة من بعد الصحابة - رضي الله عنهم - لأنَّ الصحابة كلهم عدول ولم يجرب عليهم تعمد الكذب وعدم اعتقاد عدالتهم هدم للدين.
وأمَّا أهل التشيع فلا يرون ذلك بل يصفون كثيرًا من الصحابة بالكذب وهذا يشكك في كامل الدين إذ لا دين حق يمكن أن نتعبد الله به من رواة كفرة كذابين.
... وهذا هوالذي شكك في مقاصد الشيعة إذ موقفهم من الصحابة يهدم كامل الدين ويطعن في رب العالمين - عز وجل - وفي نبيه سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -.
يعترف أهل السنَّة بأنَّ أحاديث كثيرة وآثارًا كثيرة قد ظهر لهم بطلانها أدخلها قوم أرادوا هدم الدين أوجهلة لينصروا الدين وقد كشفها أهل العلم.
وإذا كان قد وضع في كتب السنَّة ألف حديث مثلاً فقد وضع في كتب التشيع اثنا عشر ألفًا لأنَّ أكثر الوضع على المعصوم عند أهل السنَّة ولا معصوم إلاَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمَّا أهل التشيع فعندهم اثنا عشر معصومًا فكم يا ترى سيكون عدد الموضوعات؟ والمطلع على كتب الطائفتين يتضح له صدق ذلك.
أنَّ أهل السنَّة يفهم من عقيدتهم أنَّهم لا يقولون بعصمة أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبي بكر وعمر وإن كانوا يرون أنَّ اجتهادهم إذا لم يخالف نصًا فإنَّه مقبول.
وأمَّا أهل التشيع فإنَّهم يقولون بعصمة أئمتهم وإذا رأوا أحدهم يخالف قواعد معتقدهم زعموا أنَّ ذلك: (تقية) يا لها من جراءة!!
... والحسن يتخلى عن الإمامة وهومعصوم ويتخلى عن ركن من أركان الإيمان حفاظًا على حياته كما زعموا.
... أيليق بإنسان من بيت النبوة يعتقد أنَّه وصي من الله - عز وجل - وهي مرتبة نبوية لوصحت ثمَّ يتنازل حفاظًا على حياته ونحن نرى التاريخ مملوءًا بمن ثبت على دينه حتَّى قتل في سبيل الله وهم ليسوا بأنبياء ولا بأوصياء معصومين!!
... فهذا الخميني ثبت على عقيدته وأوذي وأخرج ثمَّ رجع منتصرًا إذن الخميني خير من وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ الله ...
منهج أهل السنَّة في قبول الروايات منهج حازم فإنَّهم قد دونوا تراجم جميع الرواة وحكموا عليهم من خلال مروياتهم فما قبله ميزان الجرح والتعديل قبلوه وما خالفه ردوه وهذه قاعدة من خالفها أعادوه إليها.
... ولا يوجد لدى أهل التشيع مثل ذلك.
... وبإمكانك أن تأخذ عددًا من أول أي كتاب من كتب التراجم لدى أهل السنَّة وعددًا مماثلاً من كتب التراجم عند الشيعة وقارن بين المعلومات المدونة عندهما ..
... وأنت (محدث) وابحث: (متجردًا).
... وفيما يلي مقارنة:
تهذيب الكمال عند أهل السنة:
أحمد بن إبراهيم الموصلي .. كنيته .. بلده.
أسماء شيوخه أورد أكثر من عشرين راويًا:
أسماء تلاميذه كذلك
ثمَّ درجته
وهكذا كل راوٍ تقريبًا إلاَّ النادر.
أمَّا في كتاب مجمع الرجال عند الشيعة:
أول راوي فيه:
آدم بن إسحاق بن آدم له كتاب أخبرنا به عدة من أصحابنا
عن ...........
فلا شيوخ ولا تلاميذ ولا درجة
والثاني: (آدم بن إسحاق) كذلك وفيه أنَّه ثقة ولم يذكر شيوخه
وفي الحقيقة من يطلع على المنهجين بعين الإنصاف يرى البون شاسعًا.
والله الموفق،،،،،،
نصوص من كتب الخميني (1):
(لوكانت مسألة الإمامة قد تم تثبيتها في القرآن فإنَّ أولئك الذين لا يعنون بالإسلام والقرآن إلاَّ لأغراض الدنيا والرئاسة كانوا يتخذون من القرآن وسيلة لتنفيذ أغراضهم المشبوهة ويحذفون تلك الآيات من صفحاته ويسقطون القرآن من أنظار العالمين إلى الأبد ... ) /131.
(وواضح أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لوكان بلغ بأمر الإمامة طبقًا لما أمر به الله وبذل المساعي في هذا المجال لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات .. ) [كشف الأسرار/155/].
لقد جاء الأنبياء جميعًا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم لكنَّهم لم ينجحوا حتَّى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة وتربية البشر لم ينجح في ذلك،، /نهج خميني/46/
(إنَّ النبي أحجم عن التطرق إلى الإمامة في القرآن لخشيته أن يُصاب القرآن من بعده بالتحريف أوأن تشتد الخلافات بين المسلمين فيؤثر ذلك على الإسلام) كشف الأسرار/149/
... أرأيت يا أستاذ محمد كيف تنتهي العقيدة الشيعية ...
__________
(1) ذيلت الرسالة بنصوص من كلام الخميني يطعن في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها وقد أغفلها أبوالمهدي فلم يعلق عليها لا بالقبول ولا بالرد!!
... اتهام الصحابة بإخفاء آيات ... وهل يستطيع بشر أن يخفي شيئًا من كتاب تعهد الخالق - عز وجل - بحفظه أليس هذا طعنًا في الخالق؟!
... ثمَّ أرأيت أنَّه انتقل من اتهام الصحابة إلى اتهام سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه لم يبلغ كما أمره به ربه ... وهل يبقى بعد هذا إيمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يزعم الخميني أنَّه لم ينفذ أمر خالقه.
... ثمَّ أرأيت الحكم: (برسوب) محمد - صلى الله عليه وسلم - وجميع الأنبياء في ميزان الخميني؟!
... هذه ثمرات العقائد الباطلة التي يحدد أصحابها مقصدًا معينًا هم يحاكمون الخالق - عز وجل - والرسول - صلى الله عليه وسلم - إليه.
... ولوتتبعت كلام الخميني لما وجدته يعظم الله - عز وجل - فهويذكره سبحانه بدون تعظيم (الله) في أكثر صفحات كشف الأسرار.
... ولا يعظم رسوله - صلى الله عليه وسلم -: (محمد) كما هومبين في هذه النصوص إلاَّ نادرًا.
... اللهم إنِّي استغفرك يا رب من هذه النصوص.
... وأعتذر إلى رسولك - صلى الله عليه وسلم - عظيم الدنيا وسيد البشر وخليل الرحمن من نقل هذه النصوص.
... وأعتذر إلى سادات المؤمنين الخلفاء الراشدين من كتابة هذه النصوص.
والله الهادي إلى سواء السبيل،،،
شبهة الاستدلال بالآيات عن إمكان ارتداد بعض المؤمنين وعدم نزول ايه صريحه للولايه
شبهات الشيعه ودلائل بطلانها
تعتقد الشيعه السبب في عدم وجود آيات قرآنية صريحة في القرآن الكريم في النص الصريح على إمامة وإمارة علي السياسية وخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن مخالفي إمامة الإمام حذفوا تلك الآيات وأسقطوا كتابتها لمَّا دونوا القرآن!
وكما هومعلوم فهذا في عقيدتهم ان القران محرف كما ذكرنا سابقا الادله علي ذلك
والجواب:
وهل كان القرآن الكريم وآياته ملكاً خاصاً ومنحصراً بيد رقباء ومنافسي الإمام علي حتى يتمكنوا من التصرف به كما يشاؤون فيَحْذِفون أويسقطون كتابة بعض الآيات؟
وأين كان بقية المسلمين الذين يتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار؟
ألم يكن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) يتلوكل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أوالمدينة،؟
ثم يبلِّغها لمن كان غائباً، تنفيذاً لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين،
كما قال سبحانه في سورة الأنعام/ 19:
? وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ .. ?
أوقال في سورة المائدة/67:
? يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ?؟
فكانت آيات القرآن الكريم تُتْلى على مسامع الآلاف من المسلمين، وليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضاً مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل والنهار،
وفي صلواتهم الخمس،
كما قال سبحانه ? فاقرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ?
وقال: ? إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ? [فاطر:29]
، هذا وقد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلهي فكانوا كما وصفهم الله: ? الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... ? [البقرة:121]،
وبناءً عليه فإن الآياتالقرآنية التي كانت تُسمَع وتُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاماً
، لن يستطيع أحد أن يتصرف بها، كما أنه من المستحيل أن تتعرض تلك الآياتبهذه السرعة للنسيان بحيث يتمكّن عدد من الأشخاص من إسقاطها وحذفها دون أن يلتفت إلى ذلك الآخرون؟!
إن العقل والمنطق يؤكدان استحالة حدوث مثل هذا الأمر وعدم انسجامه مع وقائع الأمور.
وعلاوةً على ما سبق، ألم يضمن ربُّ العالمين ومُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه وصيانَتَه من الضياع أوالتغيير والتبديل حين قال: ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر:9]؟
فهل نصدِّق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن وأكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك المتعصب الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت وأسقطت؟
وبالمناسبة فإن صيانة القرآن وحفظه من أي نقص هوأمر مجمع عليه لدى العلماء الأصوليين من الشيعة الإمامية الذين يؤكدون أن القرآن الذي أنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هونفس هذا الذي بين الدفتين الآن لم يُنْقَص منه حرف ولم يُزَد فيه حرف هذا وأقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ"الإمامة المنصوص عليها"
وأن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر صريح مباشر في القرآن،
وأن القرآن مصون من أي زيادة أونقصان إلا أنه زعم أن علة وسبب عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لوذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم،
ولذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظاً على القرآن من أن تمسه يد التحريف!
وهذا أيضاً تفسير غير مقبول وغير معقول
،فكيف نقرأ قوله تعالى ? مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ? [الأنعام:38]
، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين وبيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟!
ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟!
أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة والأئمة في كتابه وبنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء ويحفظه؟
. هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لبعض عباده الضعفاء؟!
شبهة آية يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك
يستند القائلون بالنص إلى قوله تعالى:
? يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ? [المائدة:67]
كدليل على مدعاهم قائلين أن الذي أُمِرَ الرسول بتبليغه في هذه الآية هوالنص الإلهي على خلافة علي وولاية أمره.
والجواب:
أنه ليس في مضمون الآية ولا في سياقها أي شيء يفيد ما يقولونه أبداً، فآيات سورة المائدة بدأً من الآية 13: ? فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ... ? ثم الآيات 41 إلى 45:
يبين الله تعالى فيها عصيان اليهود وطغيانهم وتعدِّيهم حدود الله، وعدم حكمهم بما أنزل الله إليهم في التوراة، ثم من الآية 46
فما بعد يتوجه الله تعالى إلى النصارى ويدعوهم للعمل بالإنجيل،
ويأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحكم بما أنزله إليه وعدم اتباع أهواء أهل الكتاب والحذر من فتنتهم،
وخلال ذلك ينهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ويأمرهم بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، ليعود ثانية (في الآية 58 فما بعد)
لمذمة أعمال أهل الكتاب وموقفهم في مواجهة دعوة الإسلام، وتقريع اليهود على أفعالهم السيئة من قول الإثم وأكل السحت وإيقاد نيران الحروب والسعي في الأرض بالفساد
إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد فيقول: ? يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ?
أي بلغ ما أنزلناه إليك بشأن أهل الكتاب ولا تخف فالله سيحميك من شر اليهود والنصارى ويظهر أمرك ودينك لأن الله لا يهدي المعرضين عن الحق الكافرين به من أهل الكتاب
، ويعقبها مباشرة بقوله: ? قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... ?
فيأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيءٍ من الدين ولا حتى الإنسانية إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم، ثم يذكِّر اليهود كيف نقضوا ميثاقهم وقتلوا أنبياءهم وعَمُوا وصَمُّوا
، ثم يعلن بكل صراحة - وهذا أخطر ما في القضية - كفر النصارى الذين قالوا أن الله هوالمسيح بن مريم أوالذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، ثم يقول للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ? قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ... قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ .... لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. ?.
فهذه هي الأمور الحاسمة الخطيرة التي أُمِر (صلوات الله وسلامه عليه وآله) بالصدع بها دون خوف ولا وجل ولولم يفعل فما بلغ الة الله عز وجل.
هذا ما يقتضيه سياق الآيات، ثم كيف يتسق أن نجعل قوله تعالى: ? وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ?موجها لأصحاب رسول الله، أولئك المسلمين المؤمنين الذين فرغوا لتوهم من أداء فريضة الحج مع رسول الله
هذا مع أنه تعالى نفسه كان قد مدح أولئك الأصحاب في عشرات الآيات قبل هذه الآية وبعدها
ثم إن الآية تأمر بإبلاغ "ما أُنْزِلَ إليك"
وهوتعبير يراد به عادة الوحي القرآني بالذات
، فأين الآيات التي ذُكِر فيها النص على علي بالخلافة السياسية والإمارة؟
وكيف سيتم إبلاغ إمامة وحكومة علي ببلاغ ما أنزله الله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن،
مع أنه لا توجد فيه آية صريحة أوحتى غير صريحة حول هذا الموضوع!
شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين
تقول الشيعه صحيح أن في القرآن آيات في مدح الصحابة
، لكن فيه، في مقابل ذلك، آيات عديدة أيضاً تدل على أنه كان من بينهم كثير من المنافقين وذلك كالآيات التالية: في سورة النساء/61:
? ... رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ?
، وفي أول سورة "المنافقون": ? إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ? إلى آخر السورة،
وفي سورة الحشر/11 وما بعدها: ? أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .. ?
، وفي سورة الأحزاب/12: ? وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ?
ثم الآية 6: ? لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .. ?.
وأوضح ذلك ما جاء في سورة التوبة التي من أسمائها الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ففي الآية 64 منها يقول الحق عز وجل: ? يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ .. ?
وفي الآية 11: ? وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ? ونحوها كثير في السورة
والجواب:
إن هذا الاعتراض منشؤه إما عدم الاطلاع الصحيح أوتعمّد تحريف الحقائق.
أجل لا شك أنه كان يوجد بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون
لكنهم كانوا متميِّزين بصفات خاصة يبرأ منها بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن لمن تتبَّع آيات القرآن الكريم أن يُميِّز المنافقين عن غيرهم منعدّة وجوه:
اولا قسم كبير من المنافقين الذين جاء ذمهم في القرآن الكريم، هم المنافقون الذين امتنعوا عن السفر والخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك
وقد نزل قسم كبير من آيات سورة التوبة (من الآية 38 إلى آخر السورة)
في ذمهم وكشف أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم، ولكن جاء خلال ذلك أيضاً، في السورة نفسها، مدح صادقي الصحابة وذكر أوصافهم العالية التي تميزهم عن المنافقين
. مثلا في قوله تعالى: ? إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا .... (إلى قوله): إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله .... (إلى قوله): عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ?
يذمّ تعالى المنافقين بعدم نصرتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم نفرهم معه للجهاد واعتذارهم الكاذب بأنهم لواستطاعوا لخرجوا معه، ويعاتب الله تعالى ويعفوعن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لإذنه للمنافقين بعدم الخروج معه.
لكنه تعالى يقول بعد ذلك: ? لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ? [التوبة:44]،
مما يبين أن الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في تلك الغزوة هم غير أولئك المنافقين القاعدين ولا تنطبق عليهم آيات الذم تلك
والآن لِنَنْظر من هم أولئك الذين اعتذروا عن الخروج للجهاد واستأذنوا للقعود؟
هل كانوا هم أصحاب القرار في بيعة السقيفة؟ أبداً،
إن أدنى من له معرفة بالسيرة وتاريخ صدر الإسلام وأسباب النزول، يعلم أن هؤلاء المنافقين والمتخلفين والقاعدين وكذلك الذين ذمَّهم الله تعالى على لمزهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الصدقات،
كما قال عز شأنه: ? وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ? [التوبة:58]،
لم يكونوا أبداً في سقيفة بني ساعدة ولا كان لهم فيها حلٌّ ولا عقد.
وأما الآية الكريمة التي تذكر وجود منافقين في أهل المدينة وفيمن حولها:
? وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ? ? [التوبة:11]
فقد جاء قبلها تماماً قوله تعالى: ? وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?
وجاء بعدها بعدة آيات أيضاً: ? لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ? ? [التوبة:117]،
وعليه فلا يمكن لأحد مهما كان مغرضاً أوجاهلاً أن يجعل المهاجرين والأنصار في عداد المنافقين،
لأن القرآن فرَّق بين الفريقين وقابل بينهما مقابلة النور والظلام والإيمان والكفر، فكيف يسوِّي بينهما إلا مجنون أورجل أعمى التعصب بصيرته؟!
إن الذين مدحهم القرآن لم يُبْتَلَوْا أبداً بالنفاق أوالردّة وهذا أمر في غاية الوضوح والظهور، علاوة على أن آيات القرآن لا يناقض بعضها بعضا، وأن العقل والوجدان لا يمكنهما أن يصدِّقا أبداً اجتماع حالة (الإيمان الكامل ومدح القرآن مع الردة والنفاق) بحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم (لقد شهد الله تعالى بالإيمان القلبي الصادق لأهل بيعة الرضوان الذين يشكلون عمدة أهل الحل والعقد في بيعة السقيفة، وذلك في قوله سبحانه: ((لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) الفتح/18).
ثانيا الطائفة الثانية من المنافقين المذمومين في القرآن: هم الذين آمنوا أوبالأحرى تظاهروا بالإسلام مكرهين مجبرين لما رأوا راية الإسلام ارتفعت فوق رؤوسهم، وهؤلاء عدةٌ معروفةٌ
من أمثال عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول وأبي سفيان صخر بن حرب والحكم بن أبي العاص ونظائرهم. وقد وصف القرآن الكريم أفعالهم وأقوالهم
كقوله عنهم: ? يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ... ? [النساء:6]
، وقوله في سورة: المنافقون/5 - 7: ? وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ... (ثم يقول): هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ... ?
أي كانوا يحرّضون الأنصار على عدم إيواء ومساعدة من هاجر إليهم من المهاجرين وفقراء الصحابة،
ثم يقول عنهم: ? يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ... ? [المنافقون:8]
ثالثا ومن الواضح أن أحداً من هؤلاء المنافقين لم يكن له حضورٌ في سقيفة بني ساعدة ولا طلب أحدٌ رأيَه في مسألة تعيين الخليفة والإمام، حيث أن بعضهم كان قد مات قبل ذلك والبعض الآخر كان خارج المدينة أوكان على درجة من افتضاح نفاقه لا يتمكَّن معها من حضور مثل تلك الاجتماعات.
رابعا من المنافقين الذين ذمّهم القرآن هم الذين كانوا يوالون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ويتحالفون معهم خُفيةً، أويَعِدُونَهم بالنصرة والعون ضدّ المسلمين
وصفتهم هذه كانت تظهر للعيان كلَّما واجه المسلمون عداوةَ أهل الكتاب أووقعوا في حرب معهم، وكان من الطائفتين السابقتين من يشارك هؤلاء في هذه الصفة الخبيثة
وقد جاء ذكر أمر هؤلاء النمط في عدة سور كقوله تعالى في سورة المائدة:
? فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ .. ? الآية 52،
وفي سورة النساء: ? بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعَاً ? الآيتان 138 - 139
وفي سورة الحشر: ? أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ? الآية 11،
فإذا دقَّقنا النظر في هذه الآيات (وأسباب نزولها) اتضح لنا مراد الله تعالى من المنافقين
لتبين أنه لا يمكن أن نجد أحداً من الأنصار والمهاجرين وسائر الصحابة الكرام الممدوحين في القرآن مبتلىً بتلك الصفات المذكورة، أوحضر، متلبِّساً بالنفاق، في السقيفة ليعارض خلافة عليٍّ على الرغم من نص الله ووصية رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)!
وعلاوة على كل ما سبق، فإن المنافقين كانوا أشخاصاً أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمجاهدتهم والغلظة عليهم، فأيُّ واحد من الذين حضروا السقيفة كان ممن كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاهده ويغلظ عليه؟
هل عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الله تعالى: ? يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ? أم لا؟
فإن عمل فأي واحد من المهاجرين أوالأنصار الحاضرين في السقيفة والذين ساعدوا في البيعة لأبي بكر رضي الله عنه كان من الذين جاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغلظ عليهم؟!
شبهة الاستدلال بالآيات التي تتحدث عن إمكان ارتداد بعض المؤمنين
(استدل بعضهم) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وذلك كقوله تعالى: ? وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟! .. ? [آل عمران:144]
، وقوله سبحانه: ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .. ? [البقرة:143]،
وقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ .. ? [المائدة:54].
وعلاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في المعصية أوالجنوح لأهواء المضلين،
ومثل هذه التحذيرات تدل على أن وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمور أمر ممكن ومحتمل (إن لم يعصمه الله)
، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله) ممكناً، أفلا يكون في حق غيره محتملاً بنسبة أكثر بكثير؟
وذلك مثل قوله تعالى: ? وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ? [الإسراء:73 - 75] أوقوله تعالى: ? .. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ? [البقرة:145]،
أوقوله سبحانه: ? .. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ. وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ? [يونس:15 - 16]
، أوقوله: ? يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ? [الأحزاب:1] ونحوها.
قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في الشرك أوالخطأ أوالعصيان أواتباع أهواء الكفار،
فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلاً لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل والنقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحق مدح اللهِ والثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه
فكما أنه لم يمنع كل المديح والثناء الذي شرَّف الله به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بقاء إمكان الانحراف والوقوع بالعصيان منه، أي مجرّد الإمكان العقلي، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال العقلي ممكناً في حقِّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم وحفظهم. وهذا ما وقع فعلاً منهم حسبما تدعي الشيعه من ردّة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) طبقاً لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!
والجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلاً) أن يقعوا في الشرك والعصيان
لا يصح أبداً على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة وحتى الوفاة، فضلاً عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان وتوحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام،
رغم أن العقل والنقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين (((((لعله يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه ونحته للأصنام وعدم توبته)))).
ولنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم وجعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل في الكفر غير محال وقالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة،
سيما أنه تعالى حذَّرهم بأن من يرتدّ منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله ويستبدلهم بمؤمنين آخرين،
فنقول:
أجل إن احتمال الوقوع في المعصية والشرك وارد في حق كل ابن آدم أيَّاً كان،
ولكن هذا مجرد احتمال وإمكان
، والإمكان وَحْده لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين والأنصار،
ودون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أوإنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله) أوإنكار ما هومعلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية،
فمن الذي أنكر شيئاً من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيما المهاجرين والأنصار منهم؟
في أي سورة أوآية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحوالذي يدعونه أوالنص على علي فأنكروه؟
وأصلاً لوكان لمسألة الإمامة على النحوالذي تدعيه الإمامية أصلٌ في القرآن
لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أوالآيات بذكر
ولم يدَّع النصّ على جنابه من قبل الله تعالى ورسوله في أي مقام وتخاذل في هذا الأمر إلى هذا الحد!!
لوكان حضرة عليٍّ قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى ورسوله للخلافة
لوجب عليه أن يخالف وينازع أبا بكر حتى الموت ولا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
كما قال هونفسه عليه السلام ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد:
[والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لوعهد إليَّ رسول الله عهداً لجالدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره]
((((نقله القاضي نور الله الشوشتري في كتابه: الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة (ص 281، مطبعة النهضة/طهران، 1367 هـ. ق.) عن كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي الذي أورده بقوله: وأخرج الدارقطني وروى معناه من طرق كثيرة ... فذكر الحديث. ورواه المتقي الهندي في «كنز العمال»: ج5/ص656، حديث رقم 14152، وذكر في بيان مصدره عبارة (العشاري))))
وكما قال ذلك أيضاً حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال:
«حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن وهويقول لرجل ممن يغلوفيهم:
ويحكم أحبونا لِلَّه فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا
، قال: فقال له الرجل: إنكم ذووقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، فقال: ويحكم لوكان الله نافعاً بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هوأقرب إليه منا أباه وأمه،
والله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين،
والله إني لأرجوأن يؤتى المحسن منا أجره مرتين
ثم قال: لقد أساء آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقاً ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم حقا وأحق بأن يرغبوا فيه منكم،
ولوكان الأمر كما تقولون:
إن الله ورسوله اختارا عليّاً لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه كما أمره ويعذر فيه إلى الناس.
قال له الرافضي: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟.
قال: أما والله، أن لويعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس، لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت
ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم قال الحسن: «أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لوآثر عليّاً لأجل هذا الأمر ولم يُقْدِم عليٌّ كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً» (((((((((انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القادر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 (بيروت، دار المسيرة 1399 هـ / 1979) أوتاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر، دار الفكر، ج13/ص 7 - 71.)))))))))
أجل إن سكوت ذلك الجناب وتسليمه لمن سبقه
أفضل دليل على عدم النص الإلهي عند أولي الألباب،
وكما يقال:
السكوت في موضع البيان، بيان.
عوض الشناوي
الرد على قولهم: إن الصحابة ارتدوا بعد وفاة الرسول
ومن مطاعنهم في جميع الصحابة أنهم يعتقدون فيهم أنهم ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدعوى أنهم جحدوا النص على إمامة علي، وبايعوا غيره بالخلافة ولم يستثنوا منهم بعد علي وبعض أهل البيت إلا سلمان الفارسي، وأبا ذر، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبا الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت، وأبا أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت، وأبا سعيد الخدري([321])، وبعض الشيعة يرى أن الطيبين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عدداً من هؤلاء.
فقد روى الكليني بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: (ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة: هم المقداد وسلمان وأبو ذر)([322]).
وروى أيضاً: عن عبد الرحمن القصير قال: (قلت لـ أبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: يا عبد الرحمن إن الناس عادوا بعدما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير جعلوا يبايعون سعداً وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية)([323]).
وروى أيضاً: بسنده عن حمران بن أعين قال: قلت لـ أبي جعفر عليه السلام: (جعلت فداك! فما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك؟ المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا -وأشار بيده- إلا ثلاثة، قال حمران: فقلت: جعلت فداك! ما حال عمار؟ قال: رحم الله عماراً أبا اليقظان بايع وقتل شهيداً)([324]).
هذا أخبث معتقد للشيعة الإمامية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
والرد على هذا المعتقد الفاسد أن مضمونه التكذيب بالمحكم من آيات الكتاب العزيز التي شهد الله لهم فيها بما وقر في قلوبهم، من حقيقة الإيمان، وشهادة الله عز وجل للصحابة الكرام بالإيمان الصادق ليست شهادة قاصرة على الحياة الدنيا، بل امتدت حتى شملت حسن الخاتمة بالموت على ذلك وما يستتبعه من وعده تعالى لهم بالمغفرة والرضوان وحسن المثوبة في الجنان.
قال تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:100].
ففي هذه الآية إخبار من الله عز وجل عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم بما أعده لهم من جنات النعيم وهذا يعني الموت على الإيمان بشهادة محكم القرآن فأين من الإيمان بالقرآن من يسبون من رضي الله عنهم ووعدهم بجنة الخلد وفوز الأبد؟!
وقال تعالى: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [التوبة:21-22].
وفي هذه الآيات شهد الله لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا، وشرفوا بالهجرة والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بالفوز وعظيم الدرجات، وبشرهم برحمة منه ورضوان وبالنعيم المقيم في الجنات، فهل هذه الشهادة وهذه البشارة تكون لقوم علم الله أنهم سيرتدون من بعد عن دينهم ويموتون وهم كفار؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وقال تعالى: ((لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة:88-89].
وفي هاتين الآيتين وعد من الله جل وعلا لرسوله وللذين آمنوا معه بالخيرات والدرجات العلا في جنات الفردوس، فهل يكون هذا الوعد لقوم علم الله أنهم سيرتدون على أعقابهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل كان هؤلاء ثلاثة أشخاص، أو عشرة كما يزعم الزاعمون أم أنهم جيوش تحقق بهم نصر الله وتمكن من مواجهة جيوش دولة الروم التي كانت في زمنهم أقوى وأعظم دولة على وجه الأرض؟
وقال تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة:117].
وفي هذه الآية إخبار من الرب جل وعلا أنه أكرم أصحاب نبيه وأنزلهم منزلة عالية حيث قرن بينهم وبين نبيهم في التوبة وهؤلاء هم الصحابة الذين خرجوا معه في غزوة تبوك وكان عددهم أكثر من ثلاثين ألفاً([325])، فالذي يعتقد أن الصحابة كفروا إلا ثلاثة نفر أو عشرة أو أكثر فهو ضال مضل لا يؤمن بيوم الحساب.
وقال تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)) [النور:55].
هذه الآية تضمنت وعد الله باستخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن هذا الاستخلاف لم يحصل إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده، ومما هو معلوم بالضرورة أنه لا نبوة بعده عليه الصلاة والسلام، فيكون المراد بالاستخلاف هي الخلافة الراشدة التي كانت بعده صلى الله عليه وسلم للخلفاء الأربعة الراشدين، وقد حصل في زمن أبي بكر وعمر وعثمان من الفتوح العظيمة وحصول التمكين وظهور الدين والأمن ما هو معلوم لدى كل إنسان بصّره الله لاتباع الحق وهدى قلبه للإيمان، ولا يجحد ذلك إلا من استحب العمى على الهدى ومُلِئ قلبُه بعقيدة المخذولين من الرافضة الذين جحدوا ما لخيار الأمة من الفضل وحيازة قصب السبق إلى الإسلام، والدين الذي مكنه الله لهم ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها هو دين الإسلام، الذي ارتضاه الله لعباده ديناً ولا يقبل منهم سواه، فما يجرؤ على القول بتكفير أولئك الخلفاء العظام الذين تحقق على أيديهم وعد الله إلا إنسان امتلأ قلبه بالتكذيب لما أخبر الله به عنهم من صدق الإيمان وقوة اليقين، وما يكذب الله في أخباره بذلك إلا الرافضة الذين وقفوا منهم موقفاً لم ترضه اليهود والنصارى في أصحاب موسى وعيسى.
قال العلامة ابن العربي: ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل، فما يرجى من هؤلاء وما يستقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)) [النور:55] وهذا قول صدق ووعد حق، وقد انقرض عصرهم ولا خليفة ولا تمكين ولا أمن ولا سكون إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة([326]).
وقال تعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) [الفتح:18].
هذه الآية الكريمة أخبر الله تعالى فيها أنه رضي عن أصحاب بيعة الرضوان وزكاهم بما وقر في قلوبهم من الوفاء والصدق بقوله في الآية: ((فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)) [الفتح:18] وكان عددهم رضي الله عنهم ألفاً وأربعمائة([327]). فمن اعتقد أن الصحابة كفروا إلا نفراً يسيراً فهو من أخسر الخاسرين وأهلك الهالكين.
وقال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الفتح:29).
هذه الآية الكريمة تضمنت المدح والثناء للصحابة بكثرة الصلاة وصدق إخلاصهم فيها لله جل وعلا يرجون من وراء ذلك عظيم الأجر وجزيل الثواب وأخبر تعالى أنه وعدهم على ذلك المغفرة والأجر العظيم ووعده تبارك وتعالى حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وهذا فيه القطع لهم بصدق الإيمان الذي عاشوا عليه وماتوا عليه.
وقال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)) [الحجرات:7]، فكيف يسوغ لهالك خاسر بعد هذا أن يقول: إنهم ارتدوا إلا نفراً قليلاً، نعوذ بالله من الضلال والخذلان.
هذه الآيات المتقدم ذكرها كلها فيها إثبات شهادة الرب جل وعلا للصحابة الكرام بما وقر في قلوبهم من حقيقة الإيمان، وبما كانوا عليه من الإخلاص في الطاعات والصدق في العبادات، كما تضمنت ثناءه عليهم بالهجرة والجهاد والنصرة وسائر أنواع القربات، فلقد خسر قوم أنفسهم وكابروا الحق حيث زعموا أنه لم يبق منهم على الدين إلا ثلاثة نفر، أو إلا عشرة على الأكثر، ونسبوا الباقين منهم إلى الكفر والردة، فأين أولئك المفترون من هذه الآيات البينات والحقائق الراسخات ولا يمكن أن يخرج قول من اعتقد كفر الصحابة إلا على أساس الطعن في القرآن والتشكيك في صحته، وهذا ما حصل بالفعل من غلاة الرافضة، فقد ألف بعضهم المطولات في إثبات تحريف القرآن([328])، ولا يكون لنسبة الصحابة إلى الكفر بعد ما ورد لهم من الثناء العظيم في محكم الكتاب المبين من تفسير إلا التكذيب بتلك الآيات أو تجهيل الله عز وجل، حيث قد وعد بالجنة قوماً لم يدر بم يختم لهم؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن الوقاحة الفاضحة التي وصل إليها الشيعة الرافضة أنهم يستدلون على ارتداد المهاجرين والأنصار بما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «........ وأن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ((وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ -إلى قوله- الحَكِيمُ)) [المائدة:117]»([329]).
تستدل الرافضة بمثل هذا الحديث على ارتداد المهاجرين والأنصار، والذي أوصلهم إلى هذا الفهم السقيم أنهم عموا وصموا واتبعوا الهوى واستحبوا العمى على الهدى، فزاغت قلوبهم عن المراد بالأصحاب في الحديث، فليس المراد بالأصحاب في الحديث ما هو المعلوم في العرف، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به صلى الله عليه وسلم المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا مع أن بينه وبينه عدة من السنين، ومعرفته صلى الله عليه وسلم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، فقد جاء في الخبر([330]) أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم، كما أن طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تأديباً لهم وعقاباً على معاصيهم، ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو المعلوم في العرف فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق رضي الله تعالى عنه([331]).
قال عبد القاهر البغدادي: وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من كندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنه درجوا على الدين القويم والصراط المستقيم([332]).
فإذن لا يوجد ولله الحمد ممن ارتد أحد من الصحابة الذين يعدلهم أهل السنة ويترضون عنهم، وأولئك المرتدون هددهم الله بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] فعندما ارتد المرتدون تصدى لهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم، فتبين أن المقصود بقوله عز وجل: ((بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)) [المائدة:54] الآية، هم الصحابة رضي الله عنهم، ولا يعلم تصد لهم إلا تصدي الصديق وأصحابه، ويكفي أن علياً رضي الله عنه كان أحد المتصدين مع بقية الصحابة، أما الذين ينتقصون الصحابة ويتلذذون بسبهم ولعنهم والبراءة منهم فعليهم إن كانوا صادقين في تشيعهم لأهل البيت أن يكونوا تابعين لهم في تعظيم الصحابة ومحبتهم؛ ولكنهم كاذبون في ذلك وأنهم أعداء لأهل البيت، إذ أهل البيت لم يخرجوا عما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من بعده، فـ الشيعة الرافضة في واد وأهل البيت في واد آخر.
([321]) انظر الإرشاد للمفيد، (ص:9)، حق اليقين لعبد الله شبر، (ص:215)، رجال الكشي، (ص:12- 13).
([322]) الأصول من الكافي الرواية رقم (341).
([323]) الأصول من الكافي، الرواية رقم (455).
([324]) الأصول من الكافي: (2/244).
([325]) انظر فتح الباري: (8/ 117 – 118).
([326]) العواصم من القواصم، (ص:185).
([327]) انظر صحيح البخاري في شرحه فتح الباري: (7/443).
([328]) انظر كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، للنوري الطبرسي، وهو كتاب مطبوع إلا أنه خال من مكان الطبع وتاريخه.
([329]) صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري: (6/386- 387)، صحيح مسلم: (4/2194- 2195).
([330]) انظر المسند: (3/102)، فقد أورد الإمام أحمد هنا حديثاً من أحاديث الحوض وفيه: (يختلج العبد منهم فأقول: يا رب! إنه من أمتي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). ففيه إشارة إلى أن هناك علامة يتميز بها عصاة هذه الأمة.
([331]) مختصر التحفة الإثني عشرية، (ص:272- 273).
([332]) الفرق بين الفرق، (ص:359).