آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

في نقل المذاهب في مسألة الإمامة ..

قال المؤلف الرافضي : ( ذهبت الإمامية إلى أن الله عدل حكيم لا يفعل قبيحاً ولا يظلم ، وأنه رءوف بالعباد يفعل لهم ما هو الأصلح لهم – إلى أن قال – ثم أردف الرسالة بعد موت الرسول بالإمامة ، فنضب أولياء ليأمن الناس من غلطهم وسهوهم ، ولئلا يخلي الله العاَلَم من لطفه ورحمته ، وأنه لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم قام بنقل الرسالة ونص على أن الخليفة من بعده علي ، ثم من بعد عليّ ولده الحسن ، ثم على ولده الحسين ، ثم على [ عليّ ] بن الحسين ، ثم على محمد ، ثم على جعفر ، ثم على موسى بن جعفر ، ثم عليّ بن موسى ، ثم على محمد بن عليّ الجواد ، ثم على عليّ بن محمد الهادي ، ثم على الحسن بن عليّ العسكري ، ثم على الحجة محمد بن الحسن ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت إلا عن وصية بالإمامة . وأهل السنة ذهبوا إلى خلاف ذلك كله : فلم يثبتوا العدل والحكمة في أفعاله تعالى ، وجوَّزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب ، وأنه تعالى لا يفعل لغرض بل أفعاله كلها لا لغرض من الأغراض ، ولا لحكمة ، وأنه يفعل الظلم والعبث ، وأنه لا يفعل الأصلح لعباده بل هو الفساد في الحقيقة كفعل المعاصي وأنواع الكفر ، فجميع أنواع الفساد الواقعة في العالم مسندة إليه ، وأن المطيع لا يستحق ثواباً والعاصي لا يستحق عقاباً ، قد يعذب النبي ويثبت إبليس وفرعون ، وأن الأنبياء غير معصومين بل قد يقع منهم الأخطاء والفسق والكذب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على إمامة ، بل مات عن غير وصية / ، وان الإمام بعده أبو بكر بمبايعة عمر وبرضا أربعة : أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة وأسيد بن حُضير وبشير بن سعد ، ثم من بعده عمر بنص أبي بكر ، ثم عثمان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم ، ثم عليّ بمبايعة الخلق له (2) ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الإمام بعده حسن ، وبعضهم قال معاوية ، ثم ساقوا الإمامة في بني أمية إلى ظهر السفاح ) .
قلنا : هذا النقل لمذهب أهل السنة والرافضة فيه من التحريف والكذب ما نذكره :
فمنه أن إدخال القدَر والعدل في هذا الباب باطل من الجانبين ، إذ كل قول منه قد قال به طوائف من السنة والشيعة ، فالشيعة منهم طوائف تثبت القدّر وتنكر التعديل والتجوير ، والذين يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فيهم طوائف تقول بالتعديل والتجوير ، فإن المعتزلة أصل هذا ، وأن شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي والكراجكي إنما أخذوا ذلك من المعتزلة ، وإلا فالقدماء من الشيعة لا يوجد في كلامهم شيء من هذا فذكره القدّر في مسائل الإمامة لا مدخل له بوجه ، وما نقله عن الإمامية لم يحَّرره ، فإن من تمام قولهم (( إن الله لم يخلق شيئاً من أفعال الحيوان ، بل تحدث الحوادث بغير قدرته ولا خلقه )) . ومن قولهم : (( إن الله لا يقدر أن يهدي ضالاً ، ولا يقدر أن يضل مهتدياً ، ولا يحتاج أحد من البشر إلى أن يهديه الله ، بل قد هداهم [ هدى ] البيان ، وأما الاهتداء فقد يهتدي بنفسه لا بمعونة الله له )) ومن قولهم : (( إن هدى الله المؤمنين والكفار سواء ، ليس على المؤمنين نعمة في الدين أعظم / من نعمته على الكافرين ، بل قد هدى علياً بما هدى أب اجهل ، بمنزله الأب الذي يعطي أحد أبنيه دراهم ويعطي الآخر مثلها فأنفقها هذا في الطاعة وهذا في المعصية )) . ومن أقوالهم : (( إنه يشاء مالا يكون ويكون مالا يشاء ))، فلا يثبتون لله مشيئة عامة ، ولا قدرة تامة ، ولا خلقاً متناولاً لكل حادث ، وهذا نص قول المعتزلة ، ولهذا كانت الشيعة في هذا على قولين .
وقوله : (( إنه نصب أولياء معصومين لئلا يخلي الله العاَلَم من لطفه )) فهم يقولون : إن الأئمة المعصومين مقهورون مظلومون عاجزون ليس لهم سلطان ولا قدرة ، حتى أنهم يقولون ذلك في عليّ رضي الله عنه منذ مات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ان استخلف وفي الأثنى عشر ، ويقرون أن الله ما مكنهم ، ولا ملكهم وقد قال تعالى : { فقد ءاتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكاً عظيماً } ( 4: 54 ) . فإن قيل : المراد بنصبهم أنه أوجب عليهم طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم ، ولكن الخلق عصوهم ، فيقال : لم يحصل – بمجرد ذلك – في العالم لا لطف ولا رحمة ، بل إنما حصل تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم . و( المنتظر ) ما انتفع به من أقر به ولا من جحده ، وأما سائر الأثنى عشر – سوى عليّ رضي اله عنه – فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أئمة الدين والعلم ، وأما المنفعة المطلوبة من أولي الأمر فلم تحصل بهم ، فتتبين أن ما ذكره من (( اللطف )) تلبيس وكذب .
وقوله : (( إن أهل السنة لم يثبتوا العدل والحكمة الخ )) نقل باطل عنهم من وجهين : أحدهما : إن كثيراً من أهل النظر الذين ينكرون النص يثبتون العدل والحكمة كالمعتزلة ومن وافقهم ، / ثم سائر أهل السنة ما فيهم من يقول إنه تعالى ليس بحكيم ولا إنه يفعل قبيحاً ، فليس في المسلمين من يتكلم بإطلاق هذا إلا حلَّ دمه .
ولكن مسألة القدر فيها نزاع في الجملة : فقول المعتزلة ذهب إليه متأخرو الإمامية وجمهور المسلمين من الصحابة والتابعين وأهل البيت ، فتنازعوا في تفسير عدل الله وحكمته والظلم الذي يجب تنزيهه عنه ، وفي تعليل أفعاله وأحكامه ، فقالت طائفة : إن الظلم ممتنع عليه وهو محال لذاته كالجمع بين الضدين ، وأن كان ممكن مقدور فليس هو ظلماً ، وهؤلاء يقولون : إنه لو عذّب المطيعين ونعَّم العصاة لم يكن ظلماً ، وقالوا : الظلم التصرف فيما ليس له والله له كل شيء ، ,هذا قول كثير من أهل الكلام المؤمنين بالقدر ، وقول عدة من الفقهاء ، وقالت طائفة : بل الظلم مقدور ممكن ، والله لا يفعله لعدله ، وبهذا مدح نفسه إذ يقول : { إن الله لا يظلم الناس شيئاً } ( يونس 44 ) والمدح إنما يكون بترك المقدور ، قالوا : وقد قال { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } ( طه 112 ) وقال تعالى : { وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون } ( الزمر 69 ) وقال : { ومآ أنا بظلام للعبيد } ( ق 29 ) . وإنما نزه نفسه عن أمر يقدر عليه لا على المستحيل ، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( أن الله يقول : يا عبادي إني حَرمت الظلمَ على نفسي )) فقد حرم الظلم على نفسه كما { كتب على نفسه الرحمة } ( الأنعام 12 ) ، وفي الصحيح (( إن الله لما قضى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : ( إن رحمتي غلبت غضبي ) )) وما متبه على نفسه أو حرَّمه على نفسه فلا يكون إلا مقدوراً له ، فالممتنع لنفسه لا يكتبه على نفسه ولا يحرمه على نفسه ، وهذا قول أكثر أهل السنة [ والمثبتين للقدر ] من أهل الحديث والتفسير / والفقه والكلام والتصوف ، [ و ] على هذا القول فهؤلاء هم القائلون بعدل الله وإحسانه دون من يقول من القدرية إن من فعل كبيرة حبط إيمانه ، فهذا نوع من الظلم الذي نزَّه الله نفسه عنه ، وهو القائل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } ( الزلزلة 7-8 ) : فمن اعتقد أن منه على المؤمن بالهداية ون الكافر ظلم فهذا جهل لوجهين : أحدهما : أن هذا تفضيل ، قال { بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } ( الحجرات 17 ) : وكما قالت الأنبياء : { إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء } ( إبراهيم 11 ) . فهو تعالى لا يضيع العقوبة إلا في المحل الذي يستحقها ، لا يضع العقوبة على محسن أبدا ، ولهذا قيل : كل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل ، ولهذا يخبر أنه يعاقب الناس بذنوبهم ، وأن إنعامه عليهم إحسان منه ، وفي الصحيح (( فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )) وقال تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله } ( النساء 79 ) . أي ما أصابك من نعم تحبها كالنصر والرزق فالله أنعم بذلك عليك ، وما أصابك من نقم تكرهها فبذنوبك وخطاياك . فالحسنات والسيئات هنا النعم والمصائب كما قال : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ( الأعراف 168 ) . وقال : { إن تصبك حسنة تسؤهم } ( التوبة 50 ) . وقال : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبهم سيئة يفرحوا بها } ( آل عمران 120 ) .
وأجمع المسلمون على أنه تعالى موصوف بالحكمة ، فقالت : معناها راجع إلى العلم بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده ، وقال / جمهور السنة : بل هو حكيم في خلقه وأمره : والحكمة هي مطلق المشيئة ، إذ لو كان كذلك لكان كلٌ مريد حكيماً ، ومعلوم أن الإرادة تنقسم إلى إرادة محمودة ومذمومة ، بل الحكمة ما في خلقه وأمره من العواقب المحمودة . وأصحاب القول الأول – كالأشعري ومن وافقه من الفقهاء – يقولون : ليس في القرآن لام التعليل في أفعال الله ، بل ليس فيه إلا لام العاقبة ، وأما الجمهور فيقولون : بل لام التعليل داخلة في أفعاله وأحكامه .
وهذه المسألة لا تتعلق بالإمامة أصلاً ، وأكثر أهل السنة على إثبات الحكمة والتعليل فمن أنكر ذلك احتج بحجتين : إحداهما : أن ذلك يلزم التسلسل فإنه إذا فعل لعلة فتلك العلة أيضاً حادثة وتفتقر إلى علة ، إن وجب أن يكون لكل حادث علة ، وإن عُقل الإحداث بلا علة لم يحتج إلى إثبات علة . الثانية : أنهم قالوا : من فعل لعلة كان مستكملاً بها ، لأنه لو لم يكن حصول العلة أولى من عدمها لم تكن علة ، والمستكمل بغيره ناقص بنفسه ، وذلك ممتنع على الله ، وأوردوا على المعتزلة حجة تقطعهم على أصولهم فقالوا : العلة التي فعل لأجلها وعدمها بالنسبة إليه سواء أمتنع أن تكون علة ، وإن كان وجودها أولى فإن كانت عنه منفصلة لزم أنن تستكمل بغيره ، وإن كانت قائمة به لزم أن يكون محلاً للحوادث .
وأما المجوزون للتعليل فهم متنازعون : فالمعتزلة تثبت من التعليل مالا يعقل ، وهو فعل لعلة منفصلة عن الفاعل مع كون وجودها وعدمها إليه سواء .
وأما القائلون بالتعليل فإنهم يقولون : إن الله يحبٌّ ويرضى ، وذلك / أرخصُّ من الإرادة ، وأما المعتزلة وأكثر الأشعرية فيقولون : المحبة والرضا والإرداة سواء ، فجمهور السنة يقولون : لا يحبُّ الكفر ولا يرضاه ، وإن كان داخلاً في مراده كما دخلت سائر المخلوقات ، لما في ذلك من الحكمة ، وهو وإن كان شراً بالنسبة إلى الفاعل فليس كل ما كان شراً بالنسبة إلى الفاعل يكون عديم الحكمة ، بل لله في مخلوقاته حكم قد تخفى ، ويجيبون عن التسلسل بجوابين : أحدهما : أن يقال هذا تسلسل الحوادث في المستقبل ، لا في الحوادث الماضية ، فإنه إذا فعل فعلاً لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل ، فإذا كانت تلك الحكمة يُطلب منها حكمة أخرى بعدها كان تسلسلاً في المستقبل وهو جائز عند جماهير الأمة ، فإن نعيم الجنة و [ عذاب ] النار [ د ]ائمان مع تجدد الحوادث فيهما ، وإنما أنكر ذلك جهنم (
3) ، زعم أن الجنة والنار تفنتان ، وأبو الهديل العلاف زعم (4) أن حركات أهل الجنة والنار تنقطع ويبقون في سكون دائم ، وذلك أنهم اعتقدوا أن التسلسل في الحوادث ممتنع في الماضي ، ففيه أيضاً قولان لأهل الإسلام : فمنهم من يقول إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء ولم يزل فعَّالا ، مع قولهم إن كل ما سواه محدث ، وأنه ليس في العالم شيء قديم مساو لله كما يقول الفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك وأن أبدع علة تامة موجب بذاته ، وهذا ضلال ، إذ العلة تستلزم معلولها ولا يجوز تأخرها عنه ، والحوادث مشهورة في العالم ، فلو كان الصانع موجباً بذاته علة تامة تستلزم لمعلولها / لما حدث شيء من الحوادث في الوجود ، إذ الحادث يمتنع أن يكون صادراً عن على تامة أزلية ، فلو كان العالم قديماً لكان مبدعه علة تامة والعلة التامة لا يتخلف عنها شيء من معلولها ، فحدوث الحوادث دليل على أن فاعلها ليس بعلة تامة ، وإذا انتفت العلة التامة في الأزل بطل القول بقدم العالم ، لكن لا ينفي أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء ولم يزل فعالاً لما يشاء ، وعمدة الفلاسفة في قدم العالم قولهم : يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث فيمتنع تقديراً ذات معطلة عن الفعل لم تفعل ثم فعلت من غير حدوث سبب أصلا ، وهذا لا يدل على قدم شيء بعينه إنما يدل على أنه لم يزل فعالاً . فإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسه أو مفعولات حادثة شيئاً بعد شيء كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى الله كائن بعد أن لم يكن ، قال هؤلاء : فقد أخبر تعالى ( في الأنعام 102 والرعد وغافر والزمر ) بأنه { خلق كل شيء } ولا يكون المخلوق إلا مسبوقاً بالعدم ، فليس شيء من المخلوقات مقارناً لله كما تقول الفلاسفة إن العالم معلول له وهو موجب له مفيض له وهو متقدم عليه بالشرف والعلية والطبع لا بالزمان.
إلى ان قال : الوجه الثاني : لابد أن يكون الفاعل موجوداً عند وجود المفعول ، لا يجوز عدمه عند ذلك ، إذ المعدوم لا يفعل موجوداً ، ونفس إيجابه وفعله واقتضائه وإحداثه لا يكون ثابتاً بالفعل إلا عند وجود المفعول ، فلو قٌدَّر أن فعله اقتضاه فوٌجد بعد عدمه لزم أن يكون فعله وإيجابه عند عدم المفعول / الموجب ، وإذا كان كذلك فالموجب لحدوث الحوادث إذا قٌدّر أنه يفعل الثاني بعد الأول من غير أن تحدث له صفة يكون بها فاعلاً الثاني كان المؤثر التام معدوماً عند وجود الأثر وهذا محال . والواحد من الناس إذ قطع مسافة وكان قطعه للجزء الثاني مشروطاً بالأول فإنه قطع الأول حصل له [ أمور تقوم به – من قدرة وإرادة وغيرهما تقوم بذاته – بها يصير حاصلاً في الجزء الثاني لا [ أنه ] لمجرد عدم الأول صار قاطعاً للثاني ، فإذا شبهوا فعله للحوادث بهذا لزمهم أن تتجدد لله أحوال تقوم به عند إحداث الحوادث ، وإلا إذا كان هو لم يتجدد له حال وإنما وجد عدم الأول فحاله قبلُ وبعدٌ سواءٌ فاختصاص أحد الوقتين بالإحداث لابد له من مخصص ، ونفس صدور الحوادث لابد له من فاعل ، والتقدير أنه على حال واحدة من الأزل إلى الأبد ، فيمتنع مع هذا التقدير اختصاص وقت دون وقت بشيء منها ، وابنٌ سينا وغيره من القائلين بقدوم العالم بهذا الخصوص احتجوا على المعتزلة فقالوا : إذا كان في الأزل لا يفعل ، وهو الآن على حاله ، فهو الأن لا يفعل ، وقد فرض غافلاً ، هذا خُلفٌ ، وإنما لزم ذلك من تقدير ذات معطلة عن الفعل ، فيقال لهم : ذا بعينه حجة عليكم في إثبات ذات بسيطة لا تقوم بها فعل ولا وصف مع صدور الحوادث [ عنها وإن كانت بوسائط لازمة لها ، فالوسط للازم لها قديم بقدومها ، وقد قالوا إنه يمتنع / صدور الحوادث عن قديم هو على حال واحدة كما كان .
الوجه الثالث : أنهم قالوا : إن الواجب فياض دائم الفيض ، وإنما يتخصص بعض الأوقات بالحدوث لما يتجدد من حدوث الاستعداد والقبول ، وحدوث الاستعداد والقبول هو سبب حدوث الحركات : فهذا باطل ، إذ هذا إنما تصوَّر إذا كان الفعال الدائم الفيض ليس هو المحدث لاستعداد القبول كما تدعونه في العقل الفعَّال فتقولون إنه دائم الفيض ، ولكن يحدث استعداد القوابل بسبب حدوث الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ، وتلك ليست صادرة عن العقل الفعَّال ، وأما في المبدع الأول فهو المبدع لكل ما سواه ، فعنه يصدر الاستعداد والقبول .
إلى أن قال : وإذا كان هو سبحانه الفاعل لذلك كله أمتنع أن يكون علة تامة أزلية مستلزمة لمعلولها ، لأن ذلك يوجب أن يكون معلومة كله أزلياً وكل ما سواه معلول له فيلزم أن يكون ما سواه أزلياً ، وهذه مكابرة للحس ، وفساد هذا معلوم بالضرورة ، وإنما عظمت حجتهم على أهل الكلام المذموم الذين اعتقدوا أن الرب تعالى كان في الأزل يمتنع منه الفعل والكلام بقدرته ومشيئته ، وكان حقيقة قولهم أنه لم يكن قادراً في الأزل على الكلام والفعل بمشيئة وقدرته لكون ذلك ممتنعاً لنفسه والممتنع لا يدخل تحت المقدور ، وأنه صادر قادراً على الفعل والكلام بعد ان لم يكن قادراً عليه ، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الداتي ، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم والشيعة والكرامية ، / وأما الكلام فلا يدخل تحت القدرة والمشيئة ، بل هو شيء واحد لازم لذاته ، وهو قول ابن كُلاَّب (
5) والأشعري (6، وقالت طوائف من أهل الكلام والفقه والحديث – ويعزى ذلك إلى السالمية (7، وحكاه الشهرستاني عن السلف والحنابلة - : إنه حروف أو حروف وأصوات قديمة الأعيان لا تتعلق بمشيئته وقدرته ، وليس هذا قول جمهور أئمة الحنابلة (8) ، ولكنه قول طائفة منهم ومن المالكية والشافعية وقالوا : دل الدليل على أن دوام الحوادث ممتنع ، وأنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ ، وأنكروا حوادث لا أول لها ، وقالوا : وجب أن يكون كلُ ما تقارنه الحوادث محدثاً ، فيمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلاً متكلماً بمشيئة ، بل امتنع أن يكون لم يزل قادراً على ذلك ، لأن القدرة في الممتنع ممتنعة . قالوا : وبهذا يعلم حدوث الجسم لأنه لا يخلو عن الحوادث ومالا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، وما فرقوا بين مالا يخلو عن نوع الحوادث وبين مالا يخلو عن عين الحوادث ، فيقال لهم – الفلاسفة وغيرهم – فهذا الدليل الذي اثبتم به حدوث العالم هو يدل على امتناع حدوث العالم ، فكان ما ذكرتموه إنما يدل على نقيض ما قصدتموه ، وذلك لأن الحادث لابد أن يكون ممكناً ، والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر بمرجح تام ، والإمكان ليس له وقت محدود ، فما من وقت بقدر إلا والإمكان ثابت قبله ، فيجب أن الفعل لم يزل ممكناً جائزاً ، فليزم أنه لم يزل الرب تعالى قادراً عليه ، فيلزم جواز حوادث لا أول ولا نهاية . وقالت القدرية والمعتزلة : / نحن لا نسلّم [ أن ] إمكان الحوادث يشترط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية لها ، وذلك لأن الحوادث عندنا يمتنع أن تكون قديمة النوع ، بل يجب حدوث نوعها ، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه ، فالحوادث يشترط كونها مسبوقة بالعدم لا أول لها ، بخلاف جنس الحوادث .
إلى أن قال : هل لإمكان الحوادث انتهاء أم لا ، فكلما أن هذا يستلزم الجمع بين النقيضين في النهاية فكذلك الأول يستلزم الجمع بين النقيضين في البداية إلى أن قال : والقادر المختار هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
إلى أن قال : والمقصود هنا أن الفلاسفة إن جوزوا حوادث بلا سبب حادث بطلت عمدتهم في قدم العالم ، وإن منعوا ذلك امتنع خلو العالم عن الحوادث ، وهم لا يسلمون أنه لم يخل من الحوادث ، وإذا كان كل موجود معين من مرادات الخالق مقارناً للحوادث مستلزماً لها امتنع إرداته دون إرادة لوازمه التي لا يفك عنها ، والله ربٌّ كل شيء وخالقه ، فيمتنع أن يكون بعض ذلك بإرداته وبغضه بإرادة غيره ، بل الجميع بإرادته ، وحينئذ فالإرادة الأزلية إما أن تكون مستلزمة لمقارنة المراد وإما أن لا تكون كذلك ، فإن كان الأول لزم أن يكون المراد ولوازمه قديمة أزلية ، والحوادث لازمة لكل مصنوع فوجب أن تكون مرادة له وأن تكون أزلية ، إذ التقدير ان المراد مقارن للإرادة ، فيلزم أن تكون جميع الحوادث المتعاقبة قديمة أزلية ، وهذا ممتنع لذاته ، وإن قيل إن الإرادة القديمة ليست مستلزمة لمقارنة مرادها لها لم يجب أن يكون المراد قديماً أزلياً ، ولا يجوز أن يكون / حادثاً ، لأن حدوثه بعد أن لم يكن يفتقر إلى سبب حادث كما تقدم ، وإن كان أن يقال إن الحوادث تحدث بالإرادة القديمة من غير تجدد أمر من الأمور – كما يقوله كثير من الأشعرية(
9) والكرامية (10) ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعي وأحمد – كان هذا مبطلاً لحجة هؤلاء الفلاسفة على قدم العالم ، فإن أصل حجتهم أن الحوادث لا تحدث إلا بسبب حادث فإذا جوزوا حدوثها عن القادر المختار بلا حادث ، أو حدوثها بالإرادة القديمة ، بطلت عمدتهم ، وهم لا يجوزون ذلك .
واصل هذا الدليل أنه لو كان شيء من العالم قديماً للزم أن يكون صدر عن مؤثر تام سواء سمي علة تامة أو موجباً بالذات أو قيل إنه قادر مختار واختياره أزلي مقارن لمراده ، وسٌّر ذلك أن ما كان كذلك لزم أن يقارنه أثره المسمى معلولاً أو مراداً أو موجباً بالذات أو مبدعاً أو غير ذلك من الأسماء ، لكن مقارنة ذلك له في الأزل تقتضي أن لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثاُ ولو لم يكن كذلك لم يكن للحوادث فاعل ، بل كانت حادثة بنفسها ، ولا سيما قول من يقول إن العالم صدر عن ذات بسيطة لا تقوم بها صفة ولا فعل كابن سينا وغيره .
إلى أن قال شيخنا : وإنما القصد هنا التنبيه على اصل ( مسألة التعليل ) ، فإن هذا المبتدع أخذ يشنع على أهل السنة بمسائل لا يذكر حقيقتها ولا أدلتها ، وينقلها على الوجه الفاسد ، وما ينقله عن أهل السنة خطأ أو كذب عليهم أو على كثير منهم ، وما صدق فيه فقولهم فيه خير من قوله ، فإن غالب شناعته هنا على الشعرية / وهم خير من المعتزلة والرافضة ، ويقولون لهم : لما كان هذا الدليل عمدتكم استطال عليكم الدهرية والفلاسفة وابن سينا ، وهذا الدليل مناف في الحقيقة لحدوث العالم ، لا مستلزم له ، فإذا كان هذا الحادث لابد له من سبب حادث وكان هذا الدليل مستلزماً لحدوث الحادث بلا سبب لزم أن لا يكون الله أحدث شيئاً ؛ وإذا جوزنا ترجيح أحد رفي الممكن بلا مرجح انسد طريق إثبات الصانع الذي سلكتموه .
ويقولون أيضاً للمعتزلة : أنتم مع هذا عللتم أفعال الله بعلل حادثة ، فيقال لكم : هل توجبون للحوادث سبباً حادثاً أم لا ؟ فإن قلتم نعم لزم تسلسل الحوادث وبطل ما ذكرتموه وإن لم توجبوا ذلك : قيل لكم : وكذلك ليس لها غاية حادثة بعدها ، إذ الفاعل المحدث لابدَّ لفعله من سبب ولابدَّ له من غاية ، فإن قلتم : لا سبب لإحداثه ، قيل لكم : ولا غاية مطلوبة له بالفعل ، فإن قلتم : لا يعقل فاعل لا يريد حكمة إلا وهو عابث ، قيل لكم : ولا يعقل فاعل يحدث شيئاً بغير سبب حادث أصلاً ، بل ذا أشدُّ امتناعاً في العقل من ذاك ، فقول من يقول إنه يفعل لمحض المشيئة بلا علة خيرُ من قولكم في حكمته ، فإن هذا سلم من التسلسل وسلم من كونه يفعل لحكمه منفصلة عنه .. والمعتزلة تسلم له امتناع التسلسل ، وأما من قال بالتعليل من أهل السنة والحديث فقد سلم من هذا وهذا .
وأما قولك : (( جوزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب )) فما قال مسلم قط إن الله يفعل قبيحاً أو يخل بواجب ، / ولكنكم معشر النفاة للقدر توجبون على الله من جنس ما يجب على العباد ، وتحرمون عليه ما يحرم عليهم ، فتقيسونه على خلقه ، فأنتم مشَّبهة للأفعال ، فأما المثبتون للقدر من السنة والشيعة فمتفقون على أن الله تعالى لا يقاس بنا في أفعاله كما لا يقاس بنا في ذاته وصفاته ، فليس ما وجب علينا أو حرم علينا أو يحرم عليه ، ولا ما قبح منا قبح منه ، واتفقوا على أنه إذا وعد بشيء كان وقوعه واجباً بحكم وعده ، لقوله تعالى { إن الله لا يخلف الميعاد } ، ( آل عمران 9 ، الرعد 31 ) .وكذلك لا يعذب أنبياءه ولا أولياءه ، بل يدخلهم جنته كما أخبره ، لكن تنازعوا في مسألتين :
إحداهما : أن العباد هل يعلمون بعقولهم حُسن َ بعض الأفعال ، ويعلمون أن الله متصف بفعله ، ويعلمون قبح بعض الأفعال ، ويعلمون أن الله منزَّه عنه ؟ على قولين : أحدهما : أن العقل لا يعلم به حسن ولا قبح ، وأما في حق الله فلأن القبيح منه ممتنع لذاته ، وأما في حق العباد فلأن الحسن والقبح لا يثبت إلا بالشرع قاله الأشعرية وكثير من الفقهاء ، وهم لا ينازعون في الحسن والقبح – إذا فسر بمعنى الملائم والمنافي – أنه قد يعلم بالعقل ، وكذا لا ينازع كثير منهم في أنه إذا عُني به كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص أنه يعلم بالعقل . الثاني : أن العقل قد يعلم به حُسن كثير من الأفعال وقبحها في حق الله تعالى وحق عباده ، وهذا مع أن قول المعتزلة فهو قول الكرامية وجمهور الحنفية وقول أبي بكر الأبهري المالكي وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب [ الكلواذى ] من الحنابلة ، وذكر أبو الخطاب أنه قول أكثر أهل العلم وهو قول أبي نصر السجزي وسعد الزنجاني من المحدثين . وقد تنازع الأئمة في الأعيان قبل ورود / السمع : فقالت الحنفية وكثير من الشافعية والحنابلة : إنها على الإباحة ، مثل ابن سريج وابن إسحاق المروذي وأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب ، فقالت طائفة كأبي علي بن أبي هريرة وابن حامد والقاضي أبي يعلى : إنها على الحظر ، مع أن خلقاً يقولون : إن القولين لا يصلحان إلا على أن العقل يحسن ويقبح ، فمن إنه لا يعرف بالعقل حكمُ امتنع أن يصفها قبل الشرع بشيء كما قاله الأشعري وأبو الحسن الجزري وأبو بكر الصيرفي وابن عقيل .
وأما المسالة الثانية : تنازعوا هل يوصف الله بأنه أوجب على نفسه وحَّرم عليها ، أولا معنى للوجوب إلا إخباره بوقوعه ، ولا معنى للتحريم إلا إخباره بعدم وقوعه ، فقالت طائفة بالقول الثاني وهو قول من يطلق أن الله لا يجب عليه شيء ولا يحرم عليه شيء . وقالت طائفة بل هو واجب على نفسه وحرَّم كقوله تعالى { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ، ( الأنعام 54 )
----------------------------
( 1 ) عناوين الفصول لم تكن في المختصر ، ولكن المرود عليه والرد والمختصر مبنية كلها على الفصول .
( 2 ) أي لا بالنص ، لأنه لا نص ، وقد خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وهو اليوم السادس من شهادة أمير المؤمنين ذي النورين عثمان فقال كرم الله وجهه ( يا أيها الناس عن ملأ وأذن ، إن هذا أمركم ، وليس لأحد فيه حق إلا إن أمرتم ، وقد افترقنا بالأمس على أمر ( أي على ترشيحه للخلافة ) فإن شئتم قعدت لكم ، وإلا فلا أجد على أحد ) والخبر بطوله عند الطبري ( 5 : 156 – 157 ) . وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه ( إن هذا أمركم ،ليس لأحد فيه حق إلا إن أمرتم ) يهدم كل ما بناه الشيعة من ثلاثة عشر قرنا إلى الان … وانظر ( العواصم من القواصم ص 142 – 143 ) .
( 3 ) جهم بن صفوان من موال يبني راسب ( وراسب هم بنو الخزرج بن جدة من قضاعة ) نشأ بالكوفة ، وكان رجلاً فصيحاً ولم يكن له نفاذ في العلم ، فاتصل ببعض الزنادقة ، وكانت الكوفة حافلة بهم ، فبلغوا به إلى أن ينكر صفات الله ، لأن الله – فيما زعموا له – لا ينبغي أن يوصف بصفات يوصف بها خلقه . ثم ذهب إلى أن الإنسان مجبر على أفعاله وأنه لا استطاعة له أصلاً . وانتقل من العراق إلى خراسان والشرق فتولى الكتابة للحارث بن سريج الخارج على نصر بن سيار والي خرسان ، وهناك اخذ يبث ضلالاته . أخرج ابن أبي حاتم من طريق صالح بن أحمد بن حنبل قال : قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى نصر بن سيار ( أما بعد : فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله) ، وفي إحدى المعارك بين أنصار الحارث بن سريج وشرطة نصر بن سيار قتل الحرث على جهم ، فأمر نصر صاحب شرطته - وهو سلم بن أحوز – أن يقتل جهماً ، فقتله لإلحاده في الدين ، وكان ذلك سنة 128 . قال الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال : جهم بن صفوان الضال المبتدع رأس الجهمية ، هلك في زمان صغار التابعين ، وما علمته روى شيئاً ( أي من الحديث ) لكنه زرع شراً عظيماً .
( 4 ) أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول ( 134 - 227 ) من موالي عبد القيس ، كان الشيخ البصريين ف الاعتزال ورأس البدعة وصاحب المقالات في مذهبهم ، إلا أنه خالفهم في آراء انفرد بها عنهم ، وممن رد عليه منهم الجبائي وعفر بن حرب والمردار ، وانظر لقوله في فناء الجنة والنار كتاب الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ، ص 73 طبعة 1367 . وأبو الهذيل طال عمره حتى عمي وخرف.
( 5 ) هو عبدالله بن سعيد التميمي البصري ، قال السيد مرتضى الزبيدى في شرح القاموس ( بمادة كلب ) : أبن كلاب لقب له لشدة مجادلته في مجلس المناظرة ، لا أن كلابا جدّ له ، وهو راس الطائفة الكلابية من أهل السنة ، وكانت بينه وبين المعتزلة مناظرات في زمن المأمون ، ووفاته بعد 240 ، وله ترجمه في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ( 2 : 51 ) . وقد تعرض ابن النديم في الفهرست ( ص 255 مصر ) لشخص سماه ( عبدالله بن محمد بن كلاب القطان ) ونسب إليه مالا يتفق مع ترجمة عبد الله بن سعيد بن كلاب فضلا عن الاختلاف في اسم أبويهما ، وهذه الشخصية لا تزال في حاجة إلى بحث وتحقيق .
( 6) أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ( 260 – 334 ) من كبار أئمة الكلام في الإسلام ، نشأ في أول أمره على الأعتزال وتتلمذ فيه على الجبائي ( 235 – 307 ) ثم أيقظ الله بصيرته وهو في منتصف عمره وبداية نضجه ( سنة 304 ) فأعلن رجوعه عن ضلالة الاعتزال ، ومضى في هذا الطور الثاني نشيطاً يؤلف ويناظر ويلقي الدروس في الرد على المعتزلة سالكاً طريقاً وسطاً بين طريقة الجدل وطريقة السلف ، ثم محض طريقته وأخلصها لله بالرجوع الكامل إلى طريقة السلف في إثبات كل ما ثبت بالنص من أمور الغيب التى أوجب الله على عباده إخلاص الإيمان بها ، وكتب بذلك كتبه الأخيرة ومنها في أيدي الناس كتاب ( الإبانة ) وقد نص مترجموه على أنها آخر كتبه ( أنظر ترجمته في شذرات الذهب ) وهذا ما أراد أن يلقى الله عليه ، وكل ما خالف ذلك مما ينسب إليه أو صارت تقول به الأشعرية فالأشعري رجع عنه إلى ما في كتاب الإبانة وامثاله وأنظر التعليق 2 ص 46 .
( 7 ) أتباع هشام بن سالم الجواليقي الذي مضى التعريف به في التعليق رقم 1 ص 26 .
( 8 ) لأنهم التزموا في أمور الغيب إثبات النصوص الصحيحة وامرارها كما وردت ، إلا أنهم يقيدونها بأن الله { ليس كمثله شيء } .
( 9 ) الأشعرية منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري الذي تقدم التعريف به في التعليق 2 ص 44 . وقد علمت أن أبا الحسن الأشعري كانت له ثلاثة أطوار : أولها : أنتماؤه إلى المعتزلة ، والثاني : خروجه عليهم ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف ، والطور الثالث : انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتاب ( الإبانة ) وأمثاله ، وقد أراد أن يلقي الله على ذلك . أما ( الأشعرية ) أي المذهب المنسوب إليه في علم الكلام فكما أنه لا يمثل الأشعري في طور اعتزاله فإنه ليس من الإنصاف أيضاً أن يلصق به فيما يلقى الله عليه ، بل هو مستمد من أقواله التى كان عليها في الطور الثاني ثم عدل عن كثير منها في آخرته التى أتمها الله عليه بالحسنى .
( 10) الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني ( المتوفى سنة 255 ) كان متكلماً عابداً خدع العامة بعبادته فانقاد له ألوف منهم ، قال فيه ابن حبان (( التقط من المذاهب أردأها ومن الأحاديث أوهاها)) وارسل إلى البخاري كتاباً يسأله عن أحاديث منها : روى الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً (( الإيمان لا يزيد ولا ينقص )) فكتب البخاري على ظهر كتابه (( من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل )) ، وكان مذهب ابن كرام أن الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن ، والكرامية يقولون : إن الله جسم لا كالأجسام ، وحبس ابن كرام في نيسابور ثمانية أعوام لأجل بدعته ، ثم خرج وسار إلى بيت المقدس ومات بفلسطين .
في المذهب الواجب الاتباع
قال : الفصل الثاني ، إن مذهب / الإمامية واجب الاتباع ، لأنه أحق المذاهب وأصدقها ، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد ، ولأنهم جازمون بالنجاة ، وأخذوا دينهم عن المعصومين ، وغيرهم اختلفوا وتعددت آراؤهم وأهواؤهم : فمنهم من طلب الأمر لنفسه بغير حق وتابعه أكثر الناس طلباً للدنيا كما اختار عمر بن سعد بن مالك (
1) الذي لما خير بينه وبين قتال الحسين – مع علمه بأن قتلته في النار فإنه قال
فو الله ما أدري وإني لصادق *** أفكر في أمري على خطرين

أأترك ملك الري والري منيتي *** أو أصبح مأثوما بقتل حسين

وفـي قتلـه النـار الــتي لـيس دونهــا *** حجاب ولي في الري قرة عين
 
وبعضهم اشتبه عليه الأمر ورأى طالب الدنيا فقلده ، وقصر في النظر فخفى عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى ، وبعضهم قلد لقصور فطنته ، ورأى الجم الغفير فبايعهم وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفل عن قوله تعالى : { وقليل ماهم }. ( ص 24 ) . وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن زينة الدنيا وأخلصوا واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم فوجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف وأن يقر الحق بمستقره فقد قال تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } .( هود 18 ) .
فجعل المصنف الناس بعد نبيهم أربعة أصناف ، فكذب ، فإنه لم يكن في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف : أما طالب الأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه ، و أما طالب الأمر بغير بحق كعلي في زعمه ، فهذا كذب عليهما ، فلا علي طلب الأمر لنفسه ولا أبو بكر ، وجعل القسمين الآخرين إما مقلداً للدنيا وإما مقلداً لقصوره في النظر ، فالإنسان يجب عليه أن يعرف الحق ويتبعه ، فإن اليهود عرفوا الحق وما تبعوه فهم مغضوب عليهم ، وأما النصارى فجهلوا الحق وضلوا ، وهذه الأمة خير الأمم فقال تعالى : { كنتم خير أمة }(آل عمران 110) .
فخيرها القرن الأول ثم الذي يليه بقوله / عليه السلام (( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم )) وهؤلاء الرافضة يقولون فيهم ما قد علمتهم ، ويجعلونهم أقل الناس علماً وأتبعهم للهوى ، فلزم من قولهم أن الأمة ضلت بعد نبيها ، فإذا كان في هذا حكايتك لما جرى عقيب نبيك فكيف سائر ما تنقله وتحتج به !
وقولك (( تعددت آراؤهم بعدد أهوائهم )) فحاشاهم من ذلك . أتدري من تعني ياجويهل ؟ عنيت الذين قال الله فيهم :{ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه }(التوبة 100). وقال { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم }(الفتح 29) . والثناء على المهاجرين والأنصار في غير آية وعلى الذين يجيئون من بعدهم فيقولون :{ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان }(الحشر 10) . ويسألونه أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم . والرافضة لم يستغفروا لهم ، وفي قلوبهم الغل لههم (
2) . وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : أمر الله بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنهم يقتتلون ، وقال عروة عن عائشة : أمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فسبوهم . وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم انفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )) . وفي مسلم عن أبي هريرة نحوه مرفوعاً . وفي مسلم عن جابر قال : قيل لعائشة رضي الله عنها : إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ، فقالت : وما تعجبون ومن هذا ؟ انقطع عنهم العمل ، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر . وروى الثوري عن نسير ابن ذعلوق سمعت ابن عمر يقول : لا تسبوا أصحاب محمد ، فلمقام أحدهم ساعة – يعني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – خير من عمل أحدكم أربعين سنة / وقال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً }( الفتح 18) . أخبر سبحانه برضاه عنهم وبأنه علم ما في قلوبهم وكانوا ألفاً وأربعمائة ، فهم أعيان من بايع أبا بكر ، وقال عليه السلام [ فيما ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله ] : ((لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار )) وقال تعالى : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة }(التوبة 117). يعني غزوة تبوك ، وقال : { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ( المائدة 55). وقال : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أؤلياء بعض }(التوبة 71) . فأمر بموالاتهم ، والرافضة تبرأ منهم . وقد قال بعض الجهلة : إن قوله تعالى : { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }(المائدة 55) . نزلت في علي رضي الله عنه ، وذكر في تلك خبراً موضوعاً ، وأنه تصدق بخاتمه في الصلاة فنزلت ، قيل : لا ، لأن الآية صيغة جمع وعلي واحد ، ومن ذلك أن الواو ليست في { وهم راكعون } واو الحال ، إذ لو كان كذلك لتعين بالبدء إعطاء الزكاة في الصلاة حال الركوع . ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس كذلك بالاتفاق ، وإن في الصلاة شغلاً . ومنها أن علياً لم يكن عليه زكاة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان له خاتم ، أو كان له فالخاتم زكاة ماذا ؟ لأن أكثر الفقهاء لا يجوزون إخراج الخاتم في الزكاة ، وفي حديثهم أنه أعطاه سائلاً ، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء وعلى الفور . ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين ، والرافضة يعادون المؤمنين ويوالون المنافقين مشركي التتار كما شاهدنا ، وقال الله تعالى لنبيه : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم }(الأنفال 62-63) ، والرافضة تريد أتن تفرق بين قلوب / خيار الأمة بالأكاذيب . وقال تعالى : { والذي جاء بالصدق وصدق به أؤلئك هم المتقون – إلى قوله – ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا }(الزمر 33-35) . فهذا الصنف هم أشرف الأمة ، وقد وعدهم بأنه يكفر عنهم أسوأ أعمالهم ، وعلي عندهم معصوم فقولوا لِمَ يدخل في الآية ؟ وقال { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض }(النور 55) . الآية ، فوعدهم الاستخلاف وأخبر برضاه عنهم وبأنهم متقون وبأنه أنزل السكينة عليهم ، وهذه النعوت منطبقة على الصحابة الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، فإنه إذ ذاك الزمان حصل لهم الاستخلاف وتمكين الدين والأمن بعد الخوف ، إلى أن قهروا فارس والروم ،وافتتحوا الشام والعراق ومصر والمغرب وخراسان وأذربيجان وغير ذلك ، فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئاً ، بل طمع فيهم الروم وغيرهم ، وحدثت البدع من الخوارج والروافض والنواصب وأريقت الدماء ، فأين ما بعد قتله مما قبله ؟ فإن قيل فالمنافقون كانوا مسلمين في الظاهر ، قلنا : ما كانوا متصفين بخير ، ولا كانوا مع الرسول صلى الله عله وسلم ، ولا كانوا مع المؤمنين ، قال الله فيهم : { ولئن جاء نصر من ربك ليقولون إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن المنافقين }(العنكبوت 10-11) . وقال : { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وماهم ومنكم ولكنهم قوم يفرقون }(التوبة 56) . وقال : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار }(النساء 145) . أخبر تعالى أن المنافقين ليسوا من المؤمنين ، ولا إلى هؤلاء ولى إلى هؤلاء بل مذبذبين ، وكذا ترى الرافضة .
وقال : { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً * ملعونين }(الأحزاب 60،61) فلما لم يغره الله بهم ولم يتلهم تقتيلاً دل على أنهم انتهوا ، وما كان معه يوم الشجرة منهم إلا الجد بن قيس ، فإنه اختبأ / خلف بعيره . فبالجملة كان المنافقون مقهورين مع الصحابة ، ولا سيما في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وبعد تبوك لأن الله تعالى قال فيهم : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل }(المنافقون 8) [ثم] قال تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }. فتبين أن العزة للمؤمنين لا للمنافقين ، فعلم أن العزة والقوة كانت لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن المنافقين كانوا أذلة بينهم . قال تعالى :{ يحلفون بالله ليرضوكم }(التوبة 62) . { يحلفون لكم لترضوا عنهم )(التوبة 96) . وقال : { ولكنهم قوم يفرقون }(التوبة 56) .هذه صفات الذليل المقهور ، وأما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فما زالوا أعز الناس بعد نبيهم وقبل موته ، فلا يجوز أن يكون الأعزاء من خاصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منافقين ولا أذلاء .
بل هذه صفة الرافضة ، فشعارهم الذل ، ودثارهم النفاق والتقية ، ورأس مالهم الكذب والإيمان الفاجرة ، إن لم يقعوا في الغلو والزندقة يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم ، ويكذبون على جعفر الصادق أنه قال (( التقية ديني ودين آبائي )) وقد نزه الله أهل البيت عن ذلك ولم يحوجهم إليه ، فكانوا من أصدق الناس وأعظمهم إيماناً ، فدينهم التقوى لا التقية ، فأما قوله تعالى : { ولا يتخذ المؤمنون الكافرين أؤلياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة }(آل عمران 28) . فهذا أمر بالاتقاء من الكفار ، لا أمر بالكذب والتقيه ، والله أباح لمن أكره على الكفر التكلم به ، فأهل البيت ما أكرههم أحد على شيء ، حتى إن أبا بكر لم يكره أحداً منهم على بيعته ، بل بايعوه لما أرادوا طوعاً منهم ، ولا كان علي ولا غيره يذكرون فضل الصحابة والثناء عليهم خوفاً من أحد ولا أكرههم أحد باتفاق الناس ، وقد كان في زمن بني أميه وبني العباس خلق كثير دون علي في الإيمان والتقوى يكرهون من الخلفاء أشياء فلا يمدحونهم / ولا يثنون عليهم ولا يحبونهم ، ولا كان أؤلئك يكرهونهم ، ثم إن الخلفاء الراشدين كانوا أبعد – عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم – من سائر الخلفاء ، ثم هؤلاء أسرى المسلمين ملء أيدي النصارى وسائرهم يظهرون دينهم ، فكيف يظن بعلي وبنيه أنهم كانوا أضعف ديناً من الأسرى ومن رعية ملوك الجور ، وقد علمنا بالتواتر أن عليا وبنيه ما أكرههم أحد على ذكر فضل الخلفاء الثلاثة ، وقد كانوا يقولون ذلك ويترحمون عليهم ويتكلمون بذلك مع خاصتهم .
فقولك (( فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق وبايعه أكثر الناس للدنيا )) يشير إلى أبي بكر ، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه ، بل قال : قد رضيت لكم إما عمر وإما عبد الرحمن وإما أبا عبيدة ، فقال عمر : فو الله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، وإنما اختاره عمر وأبو عبيدة وسائر المسلمين وبايعوه لعلمهم بأنه خيرهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )) .
ثم هب أنه طلبها وبايعوه ، فزعمك أنه طلبها وبايعوه للدنيا كذب ظاهر ، فإنه ما أعطاهم دنيا ، وقد كان أنفق في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقل ما بيده ، والذين بايعوه أزهد الناس في الدنيا ، قد علم القاضي والداني زهد عمر وأبي عبيدة وأسيد بن خضير وأمثالهم ثم لم يكن عند موت النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال يبذله لهم ، ثم كانت سيرته ومذهبه التسوية في قسم الفيء ، وكذلك سيرة علي ، فلو بايعوا علياً أعطاهم كعطاء أبي بكر مع كون قبيلته أشرف من بني تيم ، وله عشيرة وبنو عم هم أشرف الصحابة من حيث النسب كالعباس وأبي سفيان والزبير وعثمان – ابني عمته – وأمثالهم ، وقد كلم أبو سفيان علياً في ذلك ومت بشرفه ، فلم يجبه علي لعلمه ودينه ، فأي رياسة / وأي فائدة دنيوية حصلت لجمهور الأمة بمبايعة أبي بكر ، [لا] سيما وهو يسوي بين كبار السابقين وبين آحاد المسلمين في العطاء ويقول : إنما أسلموا لله وأجورهم على الله ، وإنما هذا المتاع بلاغ .
فأهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى : فإن المسلمين يؤمنون بنبوة عيسى ولا يغلون فيه ولا ينالون منه نيل اليهود ، والنصارى تغلو فيه حتى تجعله إلهاً وتفضله على نبينا ، بل تفضل الحواريين على المرسلين ، فكذا الروافض تفضل من قاتل مع علي – كالأشعر ومحمد بن أبي بكر – على أبي بكر وعمر والسابقين ، فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق ، بخلاف النصراني ، فدع اليهودي يناظره فإنه لا يقدر أن يجيب اليهودي عن شبهته إلا بما يجيب به المسلم وينقطع : فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد ثم قدح في نبوته بأمر لم يمكنه أن يقول شيئاً إلا قال اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك ، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات لعيسى ، وبعده عن الشبهة أعظم من بعد عيسى عن الشبهة ، ومن هذا أمر السني مع الرافضي في أبي بكر وعلي ، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته ودخوله الجنة إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر ، ، وإلا فمتى أثبت ذلك لعلي وحده خذلته الأدلة ، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد عليهما السلام لم تساعده الأدلة ، فإذا قالت له الخوارج الذين يكفّرون عليا ، والنواصب الذين يفسقونه : إنه كان ظالماً طالباً للدنيا والخلافة وقاتل بالسيف عليها وقتل في ذلك ألوفاً مؤلفة من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالخلافة وتفرق عليه أصحابه وكفروا به وقاتلوه يوم النهروان فهذا الكلام إن كان فاسداً ففساد كلام الرافضي في أبي بكر أعظم فساداً / فإن كان كلامكم في أبي بكر وعمر متوجهاً فهذا مثله وأولى . لما ذهب أبو بكر بن الباقلاني في السفارة بالقسطنطينية عرفوا قدره وخافوا أن يمتنع من السجود للملك ، فأدخلوه من باب صغير ليدخل محنياً ، ففطن لها فدخل مستدبراً بعجزه . ولما أراد بعضهم القدح في المسلمين فقال : ما قيل في امرأة نبيكم ؟ يريد شأن الإفك ، فقال : نعم ، ثنتان رميتا بالزنا إفكاً وكذباً ، مريم وعائشة ، فأما مريم فجاءت بولد وهي عذراء ، وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان لها زوج ، فبهت النصراني ، وظهر أن براءة عائشة أظهر من براءة مريم .
فإذا قلت يا رافضي إن أبا بكر ومبايعيه طلبوا الدنيا والرياسة مع كونه بويع باختيارهم بلا سيف ولا عصا ، واستوسق له الأمر فلم يول أحداً من أقاربه ولا خلف لورثته مالاً ، وأنفق مالاً كثيراً في سبيل الله ، وأوصى إلى بيت مالهم بما كان عنده – وهو جرد قطيفة وأمة وبكر ونحو ذلك – حتى قيل : يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك ، وما قتل مسلم على إمارته ، بل قاتل بالمسلمين المرتدين والكفار ، فلما احتُضر استخلف على الأمة القوي الأمين العبقري عمر(
4) ، لا لقرابة ولا لنسابة ولا لدنيا ، بل اجتهد للمسلمين فحُمدت فراسته وشكر نظره بالذي افتتح الأمصار ونصب الديوان وملأ بيت المال وعم الناس بالعدل ، مع ملازمته لهدي صاحبه وخشونة عيشه وعدم توليته أقاربه ، ثم ختم الله له بالشهادة ، فإن ساغ للرافضي أن يقول : كل ذا طلب للرياسة والدنيا ، ساغ للناصبي نظير قوله في علي(5) : إنه كان طالباً للرياسة والدنيا ، فقاتل على الإمرة ، ولم يقاتل الكفار ، ولا افتتح مدينة ، فإن قلت : كان مريداً لوجه الله غير مداهن في أمر الله مجتهداً مصيباً وغيره كان مخطئاً ، قلنا : وكذلك مَن قبله / كان أبلغ وأبعد عن شبهة طلب الرياسة ، وأين شبهة أبي موسى الذي وافق عمراً على عزل علىًّ ومعاوية وردّ الأمر شورى(6) من شبهة عبدالله بن سبأ وأمثاله الذين يدّعون عصمته [ أو ألوهيته أو نبوته ، وكل هذا مما يبين عجز الرافضي عن إثبات إيمان عليّ وعدالته مع نفي ذلك عمن قبله ، فإن احتجّ بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر مثل ذلك عن أبي بكر ، وإن قلت كانوا منافقين في الباطن معادين مفسدين للدين بحسب إمكانهم أمكن الخارجي أن يقول في علي ذلك ويقول : كان يحسد ابن عمه ، والعداوة في الأهل ، وأنه كان يريد فساد دينه ، فلما تمكن أراق الدماء وسلك التقية والنفاق ، ولهذا قالت الباطنية من أتباعه عنه أشياء قد أعاذه الله منها كما أعاذ الشيخين ، ثم ما من آية يدّعون أنها مختصة بعلي إلا أمكن اختصاصها بصاحبيه ، فباب الدعوى مفتوح ، وإن ادّعوا ثبوت فضله بالآثار فثبوت فضلهما أكثر وأصح ، وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون عليّ ، أو فقه عمر دون ابن مسعود ، فما له طريق إلا بالظلم والجهل كدأب الرافضة .
ثم تمثيلك ذلك بقصة عمر بن سعد – لما خيّره عبيد الله بن زياد بين حرب الحسين وبين عزله – من أقبح القياس ، فإن عمر بن سعد كان طالباً للرياسة مقدماً على المحرم معروفاً بذلك ، أفيلزم من تمثيلك به أن يكون به السابقون بمثابته ؟
وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص كان أزهد الناس في الإمارة والولاية بعد ما فتح الله على يديه الأمصار ، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس بالعقيق في قصره ، وجاءه ابنه هذا فلامه وقال له : الناس يتنازعون الملكَ وأنت هنا! فقال : اذهب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني )) . [ هذا ولم يكن قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما ، وهو الذي فتح العراق وأذل جنود كسرى ، وهو آخر العشرة موتاً ، فإذا لم يحسن أن يشبّه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان ؟ هذا وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه بل يفضلون محمداً ويعظمونه ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه(
7) ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه(8) . فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين لكونه كان من شعبة عثمان ومن المنتصرين له ، وسبوا أباه سعداً لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان ، هل كانت النواصب – لو فعلت ذلك – إلا من جنس الرافضة ؟ بل الرافضة شرٌ منهم ، فإن أبا بكر أفضل من سعد ، وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين ، وكلاهما مظلوم شهيد ، رضي الله تعالى عنهما ، ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين ، وعثمان من السابقين الأولين ، وهو خليفة مظلوم طلب منه أن يُعزل بغير حق لم ينعزل ، ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل(9) ، والحسين رضي الله عنه لم يكن متولياً ، وإنما كان طالباً للولاية ، حتى رأى أنها متعذرة ، وطُلب منه أن يستأسر ليُحمل إلى يزيد مأسوراً فلم يجب على ذلك وقاتل حتى قتل مظلوماً شهيداً(10) ، فظلم عثمان كان أعظم ، وصبره وحلمه كان أكمل ، وكلاهما مظلوم شهيد ، ولو مثّل ممثل طلب عليّ والحسين الأمر بطلب الإسماعيلية – كالحاكم وأمثاله – وقال : إن عليا والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة بغير حق بمنزلة الحاكم وأمثاله من ملوك بني عبيد أما كان يكون كاذباً مفترياً في ذلك ، لصحة إيمان علي والحسين ودينهما ، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم(11) . وكذلك من شبّه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبين أو غيرهم بالحجاز أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم ، وأما كان يكون ظالماً كاذباً ؟ فالمشبه لأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب والظلم ثم إن عمر بن سعد – على بعُده / من الخير أعترف بكبير ذنبه وباء بمعصيته ، وهو خير من المختار الكذاب الذي أدعى أن جبريل يأتيه بالوحي ، أظهر الانتصار وتتبع قائليه ، فهذا الشيعي شرُّ من عمر بن سعد ومن الحجاَّج الناصبي ، لأن كذب على الله ورسوله ، [ وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( سيكون في ثقيف كذاب ومبِير )) فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد ، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي . ومن المعلوم أن عمر بن سعد – أمير السرية التى قتلت الحسين – مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدنيا لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد الذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله ، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنباً من عمر ابن سعد ، فهذا الشيعي شرُّ من ذلك الناصبي ، بل والحجاج بن يوسف خيرّ من المختار بن أبي عبيد ، فإن الحجاج كان مُبيراً – كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم – يسفك الدماء بغير حق ، والمختار كان كذاباً يدعي الوحي وإتيان جبريل إليه ، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس ، فإن هذا كفر ، وإن كان لم يتب منه كان مرتداً والفتنة أعظم من القتل ، وهذا باب مُطَّرد : لا تجد أحداً ممن تذمه الشيعه بحق أو باطل إلا وفيهم من هو شرَّ منه ، ولا تجد أحداً ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير منه ، فإن الروافض شرَّ من النواصب ، والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض هم أفضل من الذين تكفرهم أو تفقسهم النواصب ، وأما أهل السنة فيتولون جميع المؤمنين ، ويتكلمون بعلم وعدل ، ليسوا من أهل الجهل ولا من أهل الأهواء ،ويتبرأون من طريقة الروافض والنواصب جميعاً ، ويتولون السابقين الأولين كلهم ، ويعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ، ويرعون حقوق أهل البيت التى شرعها الله ، ولا يرضون بما فعله المختار ونحوه من الكذابين ، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين ، ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين : فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيه أحد من الصحابة ، لا عثمان ولا عليّ ولا غيرهما ، وهذا كان متفقاً عليه في الصدر الأول إلا أن يكون خلافّ شاذ لا يعبأ به ، حتى أن الشيعة الأول أصحاب عليّ لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر عليه ، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر )) ، ولكن كانت طائفة من شيعة عليّ تقدّمه على عثمان ، وهذه مسألة أخفى من تلك ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر وعمر كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك واحمد بن حنبل والثوري والأوزعي والليث بن سعد وسائر أئمة المسلمين من أهل الفقه والحديث والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين ، وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما ، وهي إحدى الروايتين عن مالك ، وكان طائفة من الكوفيين يقدمون علياً(12) وهي إحدى الروايتين عن سفيان الثوري ، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما أجتمع به أيوب السختياني وقال (( من قدَّم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار )) . وسائر أئمة السنَّة على تقديم عثمان ، وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدّل النص والإجماع والاعتبار ، وأما ما يحكي عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة ، لا تقديماً عاماً ، وكذلك ما ينقل عن بعضهم في عليّ.
وأما قوله : (( وبعضهم اشبه الأمر عليه ، ورأى لطالب الدنيا مبايعاً ، فقلَّده وبايعه وقصرَّ في نظره فخفي عليه الحقُ فاستحقَّ المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير مستحقه)) قال (( وبعضهم قلّد لقصور فطنته ، ورأى الجَّم الغفير فتابعهم وتوهَّم أن الكثرة تستلزم الصواب وغفَل عن قوله تعالى : { وقليل ماهُمْ } ( ص 24 ) { وليل من عبادي الشكور } ( سبأ 13) .
فيقال لهذا المفتري الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف أكثرهم طلبوا الدنيا ، وصنفّ قصروا في النظر ، وصنف عجزوا عنه ؛ لأن الشرَّ إما أن يكون لفساد القصد ، وإما أن يكون للجهل ، والجهل إما أن يكون لتفريط في النظر ، وإما أن يكون لعجز عنه ، وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من قصّر في النظر حين بايع أبا بكر ولو نظر لعرف الحق ، وهذا يؤاخذ على تفريطه بترك النظر الواجب ، وفيهم من عجز عن النظر فقلّد الجَّم الغفير يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر ، فيقال له : هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد ، والرافضة قومُ بُهْتٌ ، فلو طٌلب من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل . والله تعالى قد حرَّم القولّ بغير علم ، فكيف إذا كان المعروف ضد ماقاله ! فلو لم نكن نحن عالمين بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد والجهل بالمستحق ، قال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } : ( الإسراء 36 ) . وقال تعالى : { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } ( آل عمران 66 ) فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا أكمل هذه الأمة عقلاً وعلماً وديناً ؟ وقد قال ابن مسعود : (( إن الله نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه ، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه على دينه ، فما رآه المسلمون حَسَناً فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيىء ، وقد رأى أصحاب محمد أن يستخلفوا أب بكر )) وعن ابن مسعود قال : (( مَن كان [ منكم ] مُستناً بمن قد مات ، فإن الحيَّ لا تُؤمَن عليه الفتنة ، أولئك أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا والله افضل هذه الأمة وأبرها وأعمقها علماً وأقلها تكلُّفاً ، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتَّبعوهم في آثارهم ، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم )) رواه ابن بطة بإسناد عن قتادة . وروى هو وغيره عن زر بن حبيش .
فهذا بضدّ ما ادَّعاه هذا الجهل عليهم من طلب الدنيا والجهل والعجز والتفريط ، بل لهم كمال العلم وحسن القصد ، وهم خيرُ القرون ، ولكن ياما فعلَ الجهلُ والرَّفضٌ بأهله فنحمد الله على العافية ، فإن الرفض مأوى شر الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية وأهل الجبل والبوادي والقرامطة الذين ما بينهم وبين العلم معاملة ، قال ابن القاسم(
13) : سُئل مالك عن أبي بكر وعمر14 )، فقال : (( ما رأيت أحداً ممن أهتدي به يشكُ في تقديمهما )) .
ثم قلت (( وبعضهم – تعني علياً – طلب الأمر لنفسه بحق ، وبايعه الأقلون )) فهذا باطل بلا ريب ، اتفقت السَّنة والشيعةُ على أن علياً لم يدعُ إلى مبايعته إلا بعد مقتل عثمان ، ولا بايعه / أحد إلا ذلك الوقت ، أكثر ما يقال كان فيهم من يختار مبايعته .
قال : (( وإنما كان مذهبنا واجب الاَّتباع لأنه أحقٌ المذاهب وأصدقها وأخلصها عن شوائب الباطل وأعظمها تنزيهاً لله ولرسوله وأوصيائه ، اعتقدا أن الله هو المخصوص بالقدم وانه ليس بجسم ، ولا في مكان وإلا لكان مُحدثاً )) إلى أن قال : (( وأنه غير مرئيّ بالحواس ولا في جهة ، وأن أمره ونهيه حادث لاستحالة أمر المعدوم ونهيه ، وأن الأئمة معصومون – كالأنبياء – من الصغائر والكبائر ، وأخذوا الأحكامَ عن جَدّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفتوا إلى الرأي والقياس والاستحسان )) .
فيقال : ما ذكرتَه لا تعلُّق له بالإمامة ، بل نقول : في مذهب الإمامية من ينكر هذا ، فإن هذا طريقة العقل ، وتعين الإمام طريقة السمع ، ثم ما في هذا من حق فأهل السنة يقولون به ، وما فيه من باطل فمردود ، وغالبه قواعد الجهمية والمعتزلة ، ومضمونه ، أن الله ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ، وأنه لا يتكلم ولا يرضى ولا يسخط ولا يجبُّ ولا يبغض .
وأما أهل السنة فيثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات ، وينفون عنه مماثلة المخلوقات : إثبات بلا تشبيه ، وتنزيهٌ بلا تعطيل { ليس كمثله شىءُُ } ( الشورى 11 ) . ردَّا على المشبهة ، { وهو السميع البصيرُ } ردَّاَ على المعطلة .
والله منَّزهُ عن مشاركة العبد في خصائصه ، وإذا اتفقنا في مسمى (( الوجود )) و (( العلم )) و (( القدرة )) فهذا المشترك مطلق كلي في الذهن لا وجود له في الخارج ، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه . وهنا زلَّ خلق حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون (( الوجود )) الذي للربّ هو (( الموجود )) الذي للعبد ، فظنت طائفة أن لفظ (( الوجود )) يقال للاشتراك اللفظي ، وكابروا عقولهم . فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم ، كما يقال : الوجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث . واللفظ المشترك كلفظ (( المشتري )) الواقع / على الكوكب وعلى المبتاع لا ينقسم معناه ولكن يقال : لفظ (( المشتري )) يقال على كذا وعلى كذا . وطائفة طنت أنها إذا سمتْ هذا اللفظ ونحوه مشككاً – لكون الوجود بالواجب أولى منه بالممكن – نجت من هذه الشبهة ، وليس كذلك ، فإن تفاضل المعنى المشترك الكلي لا يمنع أن يكون مشتركاً بين اثنين، وطائفة ظنت أن من قال : الوجود متواطىء عام ، ف: الوجود متواطىء عام ، فنه يقول : وجود الخالق زائد على حقيقته . ومن قال : حقيقته هي وجوده ، قال : إنه مشترك اشتراكاً لفظياً ، فأصل خطأ الناس توهمهم أن هذه الأسماء العامة يكون مسماها المطلق الكلي هو العينة ثابتاً في هذا المعين وهذا المعين ، وليس كذلك ، فغن ما لا يوجد في الخارج لا يوجد مطلقاً كلياً ولا يوجد إلا معيناً مختصاً ، ]وهذه الأسماء إذا سمي الله تعالى بها كان مسماها مختصاً به ، وإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به ، فإذا قيل : قد اشترك في مسمى ( الوجود ) فلا بد أن يتميز أحدهما عن الآخر بما يخصه وهو الماهية والحقيقة ، ( قيل : اشتركا ً في الوجود المطلق الذهني ، ولا اشتراكاً في مسمى ) الماهية والحقيقة والذات والنفس ، فالغلط نشأ من جهة أخذ الوجود مطلقاً وأخذ الحقيقة مختصة ، بكل واحد منهما يمكن أخذه مطلقاً ومختصاً : فالمطلق مساو ٍ للمطلق ، والمختص مساوٍ للمختص ، فالوجود المطلق مطابق للحقيقة المطلقة ، والوجود المختص مطابق لحقيقته المختصة ، والمسمى بهذا وهذا واحد وإن تعددت جهة التسمية كما يقال : هذا هو ذاك ، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين .
والمقصود أن إثبات الصفات والأسماء لله لا يستلزم أن يكون الخالق مماثلاً لخلقه ولا مشبهاً لهم ، فهو تعالى موصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته ، وهي قديمة أزلية واجبة يقّم الموصوف ووجوبه ، وهذا حق لا محذور فيه [ فإثبات الأسماء دون الصفات سَفْسَطة في العقليات ، وقَرْمطة في السمعيات ( 
15 ). قال الجمهور : هذا خطأ وبدعة ، أعني هذا التقسيم فالذي عليه أهل الحق من السنَّة أنه تعالى / لا يوصف بالجسمية أصلاً ، بل ولا في فطرة العرب العرباء جاهليتها وإسلاميتها أن الله جسم أبداً ( تعالى الله عن ذلك ) .
وقولك (( ليس بجسم )) فالجسم فيه إجمال : قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرَّقة فجمعت ، أو ما يقبل التفريق والانفصال ، أو المركب من مادة وصورة ، والله منَّزه عن ذلك كله ، وقد يراد بالجسم ما يُشار إليه ، أو ما يرى ، او تقوم به الصفات ، فالله يشار إليه في الدعاء وبالقلوب والعيون ، ويٌرى في الآخرة عيانا ، وتقوم به الصفات ، فإن أردتَ (( ليس بجسم )) هذا المعنى ، قيل لك : هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول ، وأنت لم تٌقم دليلاً على نفيه ، وأما اللفظ فبدعةُ نفياً وإثباتاً ، فما في النصوص ولا في قول السلف إطلاق لفظ (( الجسم )) على الله ولا نفيه ( 
16 )، وكذلك لفظ (( الجواهر )) و (( المتحيز )) .
وكذلك قولك (( لا في مكان )) قد يراد بالمكان ما يحوي الشيء ويحيط به ويحتاج إليه ، وقد يراد به ما فوق العالم وإن يكن أمراً موجوداً ، فالأول الله [ منَّزه ] ، والثاني فنعم ، والله فوق خلقه . وإذا لم يكن إلا خالق أو مخلوق فالخالق بائن من المخلوق . فهو الظاهر ليس فوقه شيء ، وهو فوق سماواته فوق عرشه من خلقه ، كما دل عليه الكتاب والسنة واتفقت عليه الأئمة .
وقولك (( إلا لكان محدثاُ )) أي لو كان جسماً أو في مكان لكان محدثاً ، فما الدليل على ما ادَّعيت ؟ فكأنك اكتفيت بالدليل المشهور لسلفك المعتزلة من انه لو كان جسماً لم يخلٌ عن الحركة والسكون ، وما لم يخلُ عن الحوادث فحادث ، لامتناع حوادث لا أول لها ، ويقولون : لو قام به علم وحياة وقدرة وكلام لكان جسماً . والجواب : إنه عندك حي عليم قدير ، ومع هذا فليس بجسم ، مع أنك لا تعتقل حياً عالماً إلا جسماً فإن كان قولك حقاً أمكن أن يكون له حياة وعلم وأن يكون مبايناً للعالم عالياً عليه وليس بجسم / فإن قلتَ لا أعقل مبايناً عالياً إلا جسماً ، قيل لك : ولا يعقل حيَّ عليم قدير إلا جسم . وأيضاً فإنه ليس إذا كان هذا الحادث ليس بدائم وهذا ليس بدائم باق يجب أن يكون نوع الحوادث ليس دائمة باقية ، وأيضاً فإن ذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب ، وذلك ممتنع في صريح العقل ، ولكن على الناس أن يؤمنوا بالله ورسوله ويصدقوه ويطيعوه ، فهذا اصل السعادة كلها ، قال الله تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد }(إبراهيم 1) . فالله سبحانه بعث الرسل بما يقتضي الكمال من إثبات أسمائه وصفاته المقدَّسة على وجه التفصيل ، والنفي على طريق الإجمال للنقص والتمثيل . فالربُّ تعالى موصوف بنعوت الكمال التي لا غاية فوقها ، منزه عن النقص بكل وجه ، ممتنع أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال . وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة ما لم يخطر على قلب بشر ، فإذا كان هذا في المخلوق فما بالخالق ، وقال ابن عباس : (( ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء )) ، فإذا كان المخلوقان متفقين في الإسم مع أن بينهما – في الحقيقة – تبايناً لا يٌعرف قدرٌه في الدنيا فمن المعلوم أن ما يتصف به الربُّ من صفات الكمال أعظُم لما يتصف به العبد.
إلى أن قال شيخنا : فما ثبت عن الرسول وجب الإيمان به ، وما لم يثبت عنه فلا يجب الحكم فيه بنفي ولا إثبات حتى يعلم مراد المتكلم وتُعلم صحة نفيه وإثباته .. فالكلام في الألفاظ المجملة بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والقيل والقال : أكثر اختلاف العقلاء من جهة الاشتراك في الأسماء .
ومثبتو الجسم ونفاته موجودون في الشيعة وفي السنة . وأول ما ظهر إطلاق لفظ الجسم من متكلم الرافضة هشام بن الحكم كذلك نقل ابن حزم وغيره . قال الأشعري في ( مقالات / الإسلاميين ) : اختلف الروافض في التجسيم ، وهم ستُّ فَرِق : فالأولى : الهشامية أصحاب هشام بن الحكم ، يزعمون أن معبودهم جسم ، وله نهاية وحدّ طوله( 
17) كعرضه وعمقه ، وأنه نور ساطع كالسبيكة ، يتلألأ كاللؤلؤة المدوَّرة ، ذو لون وطعم وريح ومجسَّه . والفرقة الثانية : زعموا أنه ليس بصورة ولا كالأجسام ، وإنما يذهبون في قولهم (( إنه جسم )) إلى أنه موجود ، وينفون عنه الأجزاء والأبعاض ، ويزعمون أنه على العرش بلا مماسَّة ولا كيف . الفرقة الثالثة من الرافضة : يزعمون أنه على صورة الإنسان ، ويمنعون أن يكون جسماً . الفرقة الرابعة : أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أنه على صورة الإنسان وينكرون ان يكون لحماً ودماً ويقولون : هو نور يتلألأ ، وأنه ذو حواس خمس ، وله يد ورِجْل وأنف وفم وعين ، وسائر حواسّه متغايرة . وحكى أبو عيسى الورَّاق ( 18 ) أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء ، وأن ذلك نور أسود . الفرقة الخامسة : يزعمون أن له ضياء خالصاً ، ونوراً كالمصباح من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد ، وليس بذي صورة ولا اختلاف في الأجزاء . الفرقة السادسة من الرافضة : يزعمون أنه ليس بجسم ولا صورة ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس ، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة . قال الأشعري وهؤلاء قوم من متأخريهم [ فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون بما حكيناه عنهم من التشبيه ولقد طَّول شيخنا هنا إلى الغاية وأطنب واسهب واحتجَّ بمسألة القدر والرؤية والكلام إلى أن قال :
وأما قوله : (( إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الخطأ والسهو والصغائر من أول العمر إلى آخره )) فيقال : الإمامية متنازعون في هذا . قال الشعري في ( المقالات ) : اختلف الروافض في الرسول هل يجوز أن يعصي ؟ ففرقة قالت : يجوز ذلك ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عصى في أخذ الفداء يوم بدر . قالوا : والأئمة / لا يجوز عليهم ذلك( 
19 ) ، فإن الرسول إذا عصى جاءه الوحي ورجع ، والأئمة لا يوحى إليهم فلا يجوز عليهم سهو ولا غلط ، قال بهذا هشام ابن الحكم ، فنقول : اتفق المسلمون على أنهم( أي الأنبياء ) معصومون فيما يبلغونه ، فلا يُقُّرون على سهو فيه ، وبهذا يحصل المقصود من البعثة . أما وجوب كونه قبل النبوة لا بذنب ولا يخطيء فليس في النبوَّة ما يستلزم هذا ، فمن اعتقد أن كل من لم يكفر ولم يقتل ولم يذنب أفضل من كل من آمن بعد كفره واهتدى بعد ضلاله وتاب بعد ذنوبه فهو مخالف لما عُلم بالأضرار من الدين . فمن المعلوم أن السابقين أفضل من أولادهم الذين ولدوا في الإسلام ، وهل يشبَّه أبناءَ المهاجرين والأنصار بآبائهم عاقل ؟ وأين المنتقل بنفسه من الكفر إلى الإيمان ومن السيئات إلى الحسنات بنظره واستدلاله وصبره وتوبته ومفارقته عاداته ومعاداته لرفاقه ، إلى من وجد أبويه واقاربه واهل بلده على دين الإسلام ونشأ في العافية ؟ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( إنما ينقض عُرَى الإسلام من لم يعرف الجاهلية )) . وقد وعد الله من تاب من الموبقات وآمن وعمل صالحاً بأن يبدل سيئاتهم حسنات . وجمهور الأمة ممن يقول بجواز الصغائر على الأنبياء عليهم السلام يقولون : هم معصومون من الإقرار عليها ، فما يزدادون بالتوبة إلا كمالاً ، والنصوص والآثار وإجماع السلف مع الجمهور والمنكرون لذلك يقولون في تحريف القرآن ما هو من جنس قول أهل البهتان ، كقولهم في { ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك } ( الفتح 2 ) أي ذنب آدم ! { وما تأخر } ذنب أمتك ! فأما آدم فنبيَّ كريم ، فوقعوا فيما فّروا منه ، فنفوا الذنب عن بنينا والصقوه بآدم ، ثم إن آدم تاب الله عليه قبل أن يهبط / إلى الأرض ، وقبل أن يولد نوحّ وإبراهيم ، والله يقول : { ولا تزر وازرة وزر اخرى } ( الأنعام 164 ،الإسراء 15 ، فاطر 18 ، الزمر 7 ، النجم 38 ) . فكيف يضاف ذنب هذا إلى ذنب هذا ؟ ثم إن هذه الآية لما نزلت قال أصحابه : يا رسول الله ، هذا لكَ ، فما لنا ؟ فأنزل الله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } ( الفتح 4 ) . ثم كيف يقول من له مُسْكَة عقل : إن الله غفر ذنوب أمته جميعا( 20 ) . وقد علم أن منهم من يدخل النار بذنوبه ، فأين المغفرة ؟
وأما قولك (( إن هذا ينفي الوثوق بهم ويوجب التنفير )) فليس بصحيح ، بل إذا اعترف الكبير بما هو عليه من الحاجة إلى توبته ومغفرة الله ورحمته : دلَّ ذلك على صدقه وتواضعه وبٌعدِه من الكبر والكذب ، بخلاف من يقول : مالي حاجة إلى شيء من هذا فما صدر مني ما يحوجني إلى مغفرة ولا توبة ، فإن مثل هذا إذا عُرف من رجل نسبه الناس إلى الكبر والجهل والكذب ، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله )) قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : (( ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل )) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري [ وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدّي ، وخطأي وعمدي ، وكل ذلك عندي )) متفق عليه ، وقال عليه السلام : (( كل بني آدم خطَّاء وخير الخطّائين التوابون )) .
وما ذكرته من عدم الوثوق والتنفير يحصل مع الإصرار والإكثار ، لا مع ندور الذنوب المتبوعة بكثرة الاستغفار والتوبة ، أما من ادَّعى البراءة والسلامة فما أحوجه إلى الرجوع إلى الله والتوبة والإنابة ، وما علمنا أن بني إسرائيل ولا غيرَهم قدحوا في نبيّ من الأنبياء بتوبته في أمر من الأمور .
إلى أن قال : فأما ما تقوله الرافضة من أن النبي قبل النبوَّة وبعدها لا يقع منه خطأ / ولا ذنب صغير ، وكذلك الاثنا عشر ، فهذا مما انفردوا به عن الأمة كلها ، وقد كان عليه السلام بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة . وقال بعض المشايخ : لو لم تكن التوبة أحبَّ الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه ، ولهذا تجد التائب الصادق أثبت على الطاعة واشدَّ حذراً من الذنوب من كثير ممن لم يبتل بذنب ، فمن جعل التائب – الذي اجتباه الله وهداه – منقوصاً فهو جاهل .
وقولك (( والأئمة معصومون كالأنبياء )) فهذه خاصًّةُ الرافضة الإمامية التي ما شركهم فيها أحد ، إلا من هو شرُّ منهم كالإسماعيلية القائلين بعصمة بني عبيد المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر
 ( 21 )، قالوا : بأن الإمامية بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر ، وهم ملاحدة زنادقة .
وأما قولك (( لا يجوز على الأنبياء سهو )) فما علمت أحداً قاله .
وأما أخذ المعصومين عن جدّهم ، فيقال أولاً : القومُ إنما تعلموا حديثَ جدّهم من العلماء ، وهذا متواتر ، فعليّ بن الحسين يروي عن أبان بن عثمان عن أسامة بن زيد ، ومحمد بن علي يروي عن جابر وغيره . وثانيا : فما فيهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم إلا عليّ ووالداه ، وهذا عليُّ يقول : (( إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لأَنْ أخرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليَّ من ان أكذب عليه ، وإذا حدَّثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة )) ولهذا كان يقول القول ويرجع عنه ، وكتب الشيعة مملوءة بالروايات المختلفة عن الأئمة .
وقولك إنكم تتناقلون ذلك خَلفاً عن سَلَف إلى أن تتصل الرواية بأحد المعصومين ، فإن كان ما تقول حقاً فالنقل عن المعصوم الواحد كافٍ ، فأي حاجة في كل زمان إلى معصوم ؟ وإذا كان النقل كافياً موجوداً فأَّيُّ فائدة في المنتظر الذي لا ينقل / عنه كلمة ؟ وإن لم يكن النقل كافياً فأنتم في نقصان وجهل من أربعمائة وستين سنة . ثم الكذب من الرافضة على هؤلاء يتجاوزون [ به ] الحدّ ، لا سيما على جعفر الصادق ، حتى كذبوا عليه كتاب الجِفْر ، والبطاقة ، وكتاب اختلاج الأعضاء ، وأحكام الرُّعود والبروق ، ومنافع القرآن ، وصارت هذه معايش للطرقية ، فكيف يثق القلب بنقل [ من كثر منهم الكذب إن لم يعلم صدق الناقل واتصال السند [ وقد تعدى شرُّهم إلى غيرهم من أهل الكوفة وأهل العراق حتى كان أهلُ المدينة يتوقَّون أحاديثهم . وكان مالك : يقول (( نزّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب : لا تصدقوهم ولا تكذبوهم )) . وقال له عبدالرحمن بن مهدي( 
22) : (( يا أبا عبدالله ، سمعنا في بلدكم أربعمائة حديث في أربعين يوماً ، ونحن في يوم واحد نسمع هذا كله )) . فقال له (( يا عبد الرحمن ، من أين لنا دار الضرب التى عندكم ؟ دار الضرب تضربون بالليل وتنفقون بالنهار )) . ومع هذا أنه كان في الكوفة وغيرها من الثقات الأكابر كثير . ومن كثرة الكذب – الذي كان أكثره في الشيعة – صار الأمر يشتبه على من لا يميز بين هذا وهذا ، بمنزلة الرجل الغريب إذا دخل إلى بلد نصفُ أهله كذّابون خوّانون فإنه يحترس منهم حتى يعرف الصّدُّق الثقة ، وبمنزلة الدراهم التى كثر فيها الغشّ يحترس عن المعاملة بها من لا يكون نقّاداً . ولهذا كُرِه – لمن لا يكون له نقد وتمييز – النظر في الكتب التي يكثر فيها الكذب في الرواية والضلالُ في الآراء ، ككتب البدع وكُره تلقي العلم من القصاص وأمثالهم الذين يكثر الكذب في كلامهم وإن كانوا يقولون صدقاً كثيراً ، فالرافضة أكذبُ من كلّ طائفة باتفاق أهل المعرفة بأحوال الرجال ] .
وقولك (( فلم يلتفتوا إلى القول بالرأي والإجتهاد وحرّموا القياس )) فالشيعة في هذا كالسنة : فيهم أهل رأي وأهل قياس ، وفي السنة من لا يرى ذلك . والمعتزلة البغداديون لا يقولون بالقياس ، وخلق من المحدّثين يذمُّون القياس . وأيضاً فالقول بالرأي والقياس خير من الأخذ بما ينقله من عرف بالكذب نقلَ غير مصدَّقٍ عن قائلٍ غير معصوم . ولا ريب أن الاجتهاد في تحقيق الأئمة الكبار لمناط الأحكام وتنقيحها وتخريجها خيرُ من التمسك بنقل الرافضة عن العسكريين( 
23 ) فإن مالكاً والليث والأوزعي والثوريَّ وأبا حنيفة والشافعيَّ وأحمد وأمثالهم رصي الله عنهم أعلم من العسكريَّيْن بدين الله [ والواجب على مثل العسكريين من الواحد من هؤلاء . ومن المعلوم أن علي بن الحسين وأبا جعفر بن محمد كانوا هم العلماء الفضلاء ، وأن من بعدهم لم يٌعرف عنه من العلم ما عٌرف عن هؤلاء ، ومع هذا فكانوا يتعلمون من علماء زمانهم ويرجعون إليهم .
قال: (( أما باقي المسلمين فقد ذهبوا كل مذهب ، فال [ بعضهم – وهم جماعة من الأشاغرة – إن القدماء كثيرون مع الله وهي المعاني التى يثبتونها في الخارج ، القدرة والعلم وغير ذلك ، فجعلوه مفتقراً في كونه (( عالماً )) إلى ثبوت معنى هو العلم وفي كونه (( قادراً )) إلى ثبوت معنى هو القدرة ، وغير ذلك . ولم يجعلوه قادراً لذاته ، ولا عالماً لذاته ولا حياً لذاته ، بل لمعانٍ قديمة يفتقر في هذه الصفات إليها . وأعترض شيخهم فخر الدين الرازي عليهم بأن قال : النصارى كفروا بأن قالوا القدماء ثلاثة ، والأشاغرة اثبتوا قدماء تسعة )) .
فيقال : الكلام على هذا من وجوه : ( أحدها ) / أن هذا كذبّ على الأشعرية ليس فيهم من يقول إن الله كامل بغيره ، ولا قال الرازي ما ذكرته ، بل ذكره الرازي عمن اعترض به واستهجن الرازي ذكره ، وهو اعتراض قديم من اعتراضات نُفاة الصفات ذكره الإمام أحمد في الرد على الجهمية ثم قال (( لا تقول : إن الله لم يزل ونوره . بل نقول : لم يَزل الله بقدرته ونوره ، لا متى قدر ولا كيف قدر . فقالوا : لا تكونون موحدين حتى تقولوا كان الله ولا شيء . فقلنا : نحن نقول قد كان الله ولا شيء ، ولكن إذ قلنا إن الله لم يَزل بصفاته كلها أليس إنما تصف إلَها واحداً بجميع صفاته ؟ وضربنا لهم في ذلك مثلاً فقلنا : أخبرونا عن هذه النخلة : أليس لها جِذْع وكَرَب وليف وسعف وخوص وجٌماّر واسمها اسم واحد ، وسميت (( نخلة )) بجميع صفاتها ، فكذلك الله – وله المثَل الأعلىَ – بجميع صفاته إله واحد ، لا نقول إنه كان في وقت من الأوقات ولا يقدر حتى خلق قدرة ، ولا كان ولا يعلم حتى خلق لنفسه علماً ، والذي لا يقدر ولا يعلم عاجز جاهل ، ولكن نقول : لم يَزل اله عالماً ومالكاً ، لا متى ولا كيف ( الثاني ) : أن يقال : هذا القول المذكور ليس قول الأشعرية كلهم ، وإنما هو قول مثبتي الحال منهم الذين يقولون : (( إن العالمية )) حال معللة بالعلم ، فيجعلون العلم يوجب حالا آخر ليس هو (( العلم )) بل هو (( كونه عالماً )) ، وهذا قول الباقلاني والقاضي أبي يعلىَ وأوَّل قولي أبي المعالي . وأما جمهور مثبتة الصفات فيقولون : إن العلم هو كونه [ عالماً ] ، ويقولون لا يكون عالماً إلا بعلم ، ولا قادراً إلا بقدرة ، أي يمتنع أن يكون عالماً من لا علم له او قادراً من لا قدر له أو حياً من لا حياة له ، فإن وجود اسم الفاعل بدون / المصدر ممتنع ، وهذا كما لو قيل : مصلٍّ بلا صلاة ، وصائم بلا صيام ، وناطق بلا نطق . فإذا قيل : لا يكون مصلٍّ إلا بصلاة لم يكن المراد هنا شيئين أحدهما : الصلاة والثاني : حال معلل بالصلاة ، بل المصلي لابد أن يكون له صلاة . وهم أنكروا قول نٌفاة الصفات الذين يقولون : هو حَّي لا حياة له وعالم له وقادر لا قدرة له . فمن قال : هو حي عليم قدير بذاته وأراد بذلك أن ذاته مستلزمة لحياته وعلمه وقدرته لم يحتج في ذلك إلى غيره . ومَن تدبَّر كلام هؤلاء وجدَهم مضطرين إلى إثبات الصفات ، وأنهم لا يمكنهم أن يفرقوا بين قولهم المثبتة بفرق محقق ، لأنهم أثبتوا كونه تعالى حياً وكونه عالماً وكونه قادراً ولا يجعلون هذا هو هذا ولا هذا هو هذا ، ولا هذه الأمور هذه الذات ، فقد أثبتوا معاني زائدة على الذات المجردة فقولك (( أثبتوا قدماء كثيرة )) لفظ مجمل يوهم أنهم أثبتوا آلهة غير الله في الأزل ، وأثبتوا مع الله غيره ، وهذا بهتان عليهم . وإنما أثبتوا صفات قائمةً به قديمة بقَدمه ، فهل ينكر هذا إلا مخذول مسفسط؟ ! واسم (( الله )) يتناول الذات المتصفة بالصفات ، ,ليس هو أسماً للذات المجردة .
----------------------------------------------
( 1 ) مالك هو أبو وقاص والد سعد بن أبي وقاص فاتح العراق وأحد العشر المبشرين بالجنة .
( 2 ) 
وفي كتبهم العلمية التى كان ينبغي لهم أن يترفعوا فيها عن الحماقة والمهاترات يسمون أبا بكر وعمر ( الجبت ) و( الطاغوت ) ! مع انه ثبت في التاريخ الممحص أن عليا رضي الله عنه أعلن على منبر الكوفة غير مرة وسمعه الألوف وروي عنه من وجوه تبلغ حد التواتر أنه قال (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر )) . نقل المامقاني ( في 1 : 207 المقدمة ) من كتابه : (( تنقيح المقال )) في الحديث العاشر من الأحاديث الشيعية التى أوردها استدلالا على تضليل غير الإمامين وتأثيمهم بل على كفرهم قال : ( العاشر ) ما نقله محمد بن إدريس الحليّ في آخر ( السرائر ) عن كتاب ( مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى ) في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى قال : كتبت إليه أسأله عن ( الناصب ) هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه ( الجبت ) و ( الطاغوت ) واعتقاد إمامهما ؟ فرجع الجواب : من كان على هذا فهو ( ناصب ) . ومن تلك الأحاديث ما رواه سليمان بن خالد في ( الحديث الثاني ) عن أبي عبدالله ( بعنى جعفر الصادق ) قال : (( أهل الشام شر من أهل الروم ، وأهل المدينة شر من أهل مكة ، وأهل مكة يكفرون بالله جهرة )) . ولا شك أن أبا عبدالله من وصم أمة محمد بجملتها بأنها كافرة ، وسليمان بن خالد يكذب عليه لأنهم هكذا أرادوا أن تكون نحلتهم . وفي ( الحديث الحادي عشر ) عن أبي حمزة الشمالي قال : (( قال لنا علي بن الحسين : أي البقاع أفضل ؟ قلت : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، قال إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أن رجلاً عمر عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينتفع بذلك شيئا )) . ومن شروط ولايتهم عند الشيعة تسمية أبى بكر وعمر ( الجبت ) و ( الطاغوت ) ، وتكفير من لا يكفر بإمامتهم ، وحكمة الله في ذلك هي – كما فهمته أم المؤمنين عائشة عن ربها – أن أبا بكر وعمر والصحابة لما ماتوا وانقطعت حسناتهم قبض الله لهم من ذرية المجوس من يقف منهم هذا الموقف لئلا ينقطع عنهم الأجر ، ومما يذكر لهذه المناسبة دعاء الشيعة الذي يسمونه ( دعاء صنمي قريش) ، ولعل فرصة أخرى في هذا الكتاب تتسع للحديث عن هذا الدعاء الفاجر .
( 3 ) وهذا الحديث من أعلام النبوة ، فقد مضت ثمان وستون سنة وثلاثمائة وألف والمسلمون مكتفون في أمر الذين بايعوا تحت الشجرة بشهادة الله عز وجل لهم في قوله : { لقدر رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ( الفتح 18 ) ثم نجم في عصرنا جاهل أحمق أعمى لم يخجل من أن يشكك الناس في إيمان صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقيه في الدنيا والآخرة فقال عنها في ص 63 – 64 ، من الجزء الأول من كتابه ( إحياء الشريعة في مذهب الشيعة ) ما نصه بالحرف الواحد : (( وإن قالوا إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص على الرضا عنهم في القرآن في قوله في هذه السورة { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } قلنا : لو أنه قال (( لقد رضي الله عن الذين يبايعونك تحت الشجرة )) أو (( عن الذين بايعوك )) لكان في الآية دلالة على الرضا عن كل من بايع ، ولكن لما قال { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك } فلا دلالة فيها إلا على الرضا عمن محض الإيمان )) . فقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه بصحيح مسلم (( لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار )) هو كالحجر في فم الأعمى من دينه وفهمه وأدبه أن زعم أن آية الغر لم تنزل مدحاً في أبي بكر بل ذماً فيه ! وهذا الرجل من مجتهدي الشيعة ، فكيف بالذين لم يبلغوا منهم درجة الجهاد!
( 4 ) وصف الفاروق عمر بالقوي الأمين أطلقه عليه أخوه علي بن أبي طالب لما كان قائما في الشمس يباشر إبل الصدقة وعثمان وعلي من ورائه يساعدانه ، فقال علي لعثمان متمثلا بالآية { إن خير من استأجرت القوي الأمين } وأشار إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهم أجمعين . أما وصف بالعبقري فمأخوذ من الرؤيا النبوية التي تقدمت في ص60 وفيها يقول صلى الله عليه وسلم (( ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غرباً ، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه )) وإن التاريخ إذ يسجل هاتين الشهادتين لرمز العدالة في الإسلام – بل البشر – يقول لشانئية : موتوا بغيظكم ، إنكم لا تشنأون أبا بكر وعمر ، بل تشنأون الإسلام الذي يمثله أبا بكر وعمر ، بل تشنأون الإنسانية التي تدّعون الانتساب إليها .
( 5 ) كما أن النصراني الأحمق الذي عرض بعائشة لأبي بكر الباقلاني في القسطنطينية كانت حماقته شؤماً على أهل ملته ، فإن حماقة هؤلاء الشيعة شؤم على رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ، بل هم بموقفهم من صفوة البشر أصحاب رسول الله يحاولون أن يستفزوا عارفي أقدارهم في الخوض في المقارنة والمفاضلة ، وإن علياً وبنيه أكرم على أهل السنة من أن يستدرجهم المجوس إلى النزول في هذا الميدان ، ونحن كما نقول في رسل الله ما أمرنا الله فيهم { لا نفرق بين أحد من رسله } نقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وصفهم به جلّ ثناؤه في قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } .
( 6 ) هذا هو الحق في قضية التحكيم ، فقد اتفق عمرو وأبو موسى ، على رد الأمر شورى بين كبار الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، كما أوضحنا ذلك بدلائله في التعليقات على العواصم من القواصم ( ص 172 – 181 ) وسنعود إلى تقرير هذه الحقائق العظيمة في موضعها من هذا الكتاب
( 7 ) لأنه تزوج أمه بعد وفاة زوجها الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( 8 ) وقد تقدم في ص 69 نقلا عن اكبر كتبهم في الجرح والتعديل أنهم يسمونه ( الجبت ) ويسمون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ( الطاغوت ) ، فإذا كان رمز العدالة في تاريخ الإنسانية الذي أعز الله به الإسلام بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( طاغوتاً ) فأين يذهب سائر الناس ؟ ! إنهم لا يشنأون أبا بكر وعمر ، وإنما يشنأون الإسلام الذي قام على كاهليهما وذلك اخترعوا إسلاماً آخر غير الذي كان يعرفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين وبنوهما . وانظر لإثبات هذه الحقيقة كتاب مختصر التحفة الأثنى عشرية .
( 9 ) أنظر لقضية عثمان كتاب ( العواصم من القواصم ) بتعليقاتنا من ص 52 إلى ص 147 .
( 10 ) أنظر لقضية الحسين مقالة لنا عنوانها (( من هم قتلة الحسين السبط )) في جزء المحرم 1267 من صحيفة ( الفتح ) العدد 851 .
( 11 ) أنظر لبني عبيد واصل مذهبهم وتاريخ نشأتهم مقالة لنا في مجلة الأزهر ( م 25 ج 5 جمادى الأولى 1373 ص 612 – 631 ) (( من هم العبيديون ، ولماذا أحرقوا مدينة الفسطاط ؟ )) .
( 12 ) أي على عثمان ، مع قولهم بقول علي (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر )) .
( 13 ) هو الإمام عبدالرحمن بن القاسم ( 132 – 191 ) أحد أعلام الفسطاط ، وتلميذ إمام دار الهجرة مالك بن انس ( 93 – 179 ) ، وناشر علمه في الدنيا ، وعنه تلقى المدونة أسد بن الفرات ( 143 – 213 ) ورحل بها إلى القيروان سنة 181 . أنظر لذلك مقالتنا (( مع الرعيل الأول )) في مجلة الأزهر ( م 25 ج 9 ص 996 – 997 رمضان سنة 1373 ) .
( 14 ) من قوله (( قال ابن القاسم )) إلى هنا مخروم من نسخة منهاج السنة طبع بولاق 1: 168 السطر 10 فيكمله من هذا المختصر من كان عنده نسخة الأصل .
( 15 ) السفسطة مذهب فلسفي ظهر في البيئة اليونانية ويسمى أهله (( السوفسطائية )) وهم يمارون في حقائق الأمور ويسرفون في المغالطة وسيأتي كلام لشيخ الإسلام في هذا الكتاب عن السفسطة في ص 66 من الصورة الشمسية المختصرة . والقرموطة مذهب باطني ظهر في البيئة الإسماعيلية المشتقة من نزعة التشيع ، ويسمى أهلها (( القرامطة )) وهم في أصلهم الإسماعيلي والشيعي يمارون في مدلولات النصوص ، ويزعمون أن لها معاني غير التى يفهمها الذين وردت النصوص بلغتهم . والفقرة منقولة من الأصل 1 : 180 .
( 16 ) كل ما يتعلق بأمر الغيب يجب على المسلم أن لا يتحدث عنه – نفياً أو إثباتاً – إلا بالألفاظ الشرعية المنصوص عليها ، وأن يلتزم في ذلك ما كان يلتزمه سلف الأمة . وفي المناظرة التى وقعت بين شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء عصره في مجلس نائب السلطنة الأفرم بدمشق سنة 705 أخذ مناظروه يذكرون نفي التشبيه والتجسيم ، فأشار شيخ الإسلام إلى رسالته (( العقيدة الواسطية )) وقال : قولي فيها (( من غير تكييف ولا تمثيل )) ينفي كل باطل ، وإنما اخترتُ هذين الاسمين ( أي التكييف والتمثيل ، دون التشبيه والتجسيم ) لأن (( التكييف )) مأثور نفيه عن السلف ، كما قال ربيعه ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التى تلقاها العلماء بالقبول . (( الاستواء معلوم ، و ( الكيف ) مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة )) فشيخ الإسلام يجيب في العقيدة وفي سائر كتبه استعمال لفظ ( التجسيم ) فضلاً عن ( الجسم ) فيقول في تنزيه الله عز وجل (( من غير تكييف ولا تمثيل )) التزاماً منه للاصطلاحات الشرعية الأولى واتباعاً للسلف في طريقتهم ، وكل ما لم يرد به النص من الألفاظ المتعلقة بأمور الغيب لا يستبيح استعمالها إثباتا ولا نفيا .
( 17 ) وأنظر مختصر التحفة الأثنى عشرية ص 63 و 69 .
( 18 ) اسمه محمد بن هارون ، أحد تكلمي الشيعة ، ويرميه المعتزلة بما يرمون به ابن الراوندي ، لم أقف على تحديد زمنه ، ولعله أدرك زمن الرشيد ، وما حكاه عنه أبو الحسن الشعري في إلحاد هشام بن سالم الجواليقي وكفره حجة لا يستطيع الروافضي أن يماروا فيها لأن الشاهد والمشهود عليه منهم ، ولعل أبا عيسى الوراق الرافضي يرمي بإشاعته الفاحشة عن هشام ابن سالم أن يدعو الناس إلى القول بها ، وحينئذٍ يكون المعتزلة على صواب في رمي أبي عيسى الوراق بما يرمون به ابن الراوندي . وانظر لأبي عيسى الوراق كتاب ( طريق الهجرتين ) لأبن القيم ص 198 الطبعة الأولى ، وص 157 من طبعة السلفية
( 19) أي أن عصمة الأئمة من عصمة النبي صلى الله عليه وسلم . أما اعتذارهم بأن النبي يوحي إليه فيرجع عن المعصية فهو اعتذار للتمويه ، وقد حفظ الناس عن صناديد الرفض أقوالا كثيرة في دعوى الوحي للأمة ، وفي بخاريهم الذي يسمونه الكافي للكليني دعوى علم الأئمة بالغيب ، وما من شيعي اليوم ويعتقد في قبور الأئمة أنها مهابط الوحي مع ان الذي فيها رمم أموات وبعضها لم يدفن فيه أحد من الأئمة . فإذا كانت هذه القبور مهابط الوحي وليس فيها إلا رمم قد تكون لغير الأئمة – كما يقال عن القبر المنسوب للإمام علي أنه للمغيرة بن شعبة رضي الله عن الجميع – فكيف ننتظر من عبّادها أن يميزوا بين النبي والأئمة في أمر الوحي ؟ إن الاعتذار للتمويه كما قلنا . ثم إنهم يزعمون أن العصمة للأنبياء من أول العمر إلى آخره . أي من قبل بعثتهم ، فأين هو الوحي حينئذ ؟
( 20 ) هذا تبكيت للذين فسروا آية { ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } . بأن الله غفر لمحمد صلى الله عليه وسلم ذنب وذنوب أمة محمد .
( 21 ) أنظر لحقيقة هذه النسبة مقالتنا ( من هم العبيديون ؟ ) في مجلة الأزهر م 25 ج 5 جمادى الأولى 1373 ص 613 – 616 .
( 22 ) هو أبو سعيد اللؤلؤي البصري ( 135 – 198 ) الحافظ الإمام العلم ، من تلاميذ شعبة أبن الحجاج وسفيان الثوري ومالك ، وأخذ عنه ابن المبارك وأحمد ، وكان من أعلم الناس بالحديث ، وكان يحج كل سنة ، ويختم القرآن في كل ليلتين .
( 23 ) الحسن العسكري وابنه الموهوم ، ويروون عن الموهوم فتاوى الرقاع أنظر مجلة ( الفتح ) 844 جمادى الآخرة 1366 ، ومختصر التحفة الأثنى عشرية ص 48 .

عدد مرات القراءة:
2874
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :