آخر تحديث للموقع :

السبت 27 صفر 1444هـ الموافق:24 سبتمبر 2022م 10:09:08 بتوقيت مكة

جديد الموقع

النفط والغاز وراء العبث الطائفي السني الشيعي ونزيف الدم في المنطقة ..

أنابيب النفط والغاز أضحت نقمة طائفية وليست نعمة على شعوب المنطقة

نشرت صحيفة الغارديان اللندنية بتاريخ 13 أيار/مايس 2013 مقالة تحت عنوان " ذروة النفط والتغيير في المناخ وجيوبوليتكا أنابيب النفط في خلفية الصراع في سوريا" بقلم الدكتور نفيس أحمد مدير البحوث السياسية والتنمية في العاصمة البريطانية لندن. وقد أشار الكاتب إلى أن "انعدام الاصلاحات في العالم العربي وتشبث الانظمة الاستبدادية بالحكم وبالأساليب التعسفية وفرت تربة خصبة لاندلاع الصراع حول الطاقة والبيئة ومظاهر عدم الاستقرار في العالم العربي". إن هذا الصراع الذي يتستر بستر طائفية ومذهبية من أجل تعبئة وسط أوسع من المغفلين قد أودى بحياة عشرات الآلاف من العراقيين منذ أنهيار نظام صدام حسين، ويودي بحياة عشرات الآلاف من السوريين، حيث يقترب عدد ضحايا الشعب السوري بعد سنتين من الصراع ونيف من رقم 100 ألف نسمة وتشريد قرابة 4 ملايين سوري داخلياً وفي بلدان الجوار. كما سبب هذا التطاحن العبثي إلى أن تتحول المنطقة إلى ميدان ساخن وخصب للهوس الطائفي السني - الشيعي المنفلت والمدمر ولتنامي نشاط ودور المنظمات الدينية والمذهبية الإرهابية والميليشيوية من كل الألوان، وأمعان الأنظمة الديكتاتورية في ممارساتها الاستبدادية وكبتها للحريات العامة وتعسفها ضد المواطنين، وتعطيل أي مسعى للتنمية والاصلاح السياسي في بلداننا.
ومن الطبيعي أن يتخذ هذا الصراع العبثي الطائفي المدمر بشكل متزايد أبعاداً دولية ويتم استغلالها من قبل المتنفذين على المسرح الدولي بعد أن توجهت أطراف الصراع للتوسل بالعامل الخرجي والاقليمي والتعويل عليهما، مما حول بلداننا إلى ساحة مناسبة لنشاط أجهزة الاستخبارات الأجنبية والاقليمية التي تسعى إلى فرض خططها لتأمين مصالحها وخاصة في الصراع حول الطاقة وتغذية العناصر التي تشيع الفوضى وعدم الاستقرار في بلدان الشرق الأوسط. ومن أجل تعميق هذا الصراع وتكريسه وزيادة نزيف الدم، يتوسل القائمون عليه، كما جرى في عهود سابقة، إلى معزوفة الطائفية والعبث السني الشيعي كي يجروا عامة الناس كوقود إلى المذابح والدمار والتناحر بذريعة الدفاع عن الطائفة أو المذهب. لقد كان ألآريون من إيرانيين وأفغان هم من أرسى موضوعة المذهب السني، وبرزت شخصيات نظّرت للمذهب مثل أبو حنيفة النعمان وعبد القادر الكيلاني والسهروردي. ولكن بعد أن تولى صفي الدين الأردبيلي الحكم على رأس السلالة الصفوية التركية الأصل والأردبيلية المنشأ الحكم في إيران راح الحاكمون في إيران إلى تبني المذهب الشيعي في مسعى لمواجهة الحكم العثماني التركي الأصل أيضاً والذي كان يتبنى المذهب السني كي يتم تجييش العامة في الصراع بين القطبين وتضليلها بستار مذهبي لا علاقة له بالايمان الديني، بل بشهوات ومصالح النخب الحاكمة في البلدين. وقام الحكم الصفوي باستيراد رجال دين من آل الصدر من جبل عامل في لبنان للمساعدة على الترويج المذهب الشيعي ونشره بين أقطاب الحكم والعامة. كما راح أقطاب الحكم الصفوي وأتباعه بتغيير حتى شكل عمامئهم لتتكون من أثني عشر لفة تيمناً بالأئمة الأثني عشر من آل بيت علي بن أبي طالب. وهكذا طغت المواجهات والحروب بين الحكم التركي في إيران والحكم العثماني لدوافع سياسية ولكن بستار مذهبي خلال حكم السلالات التركية في إيران وتركية والذي استمر منذ عام 1460 ميلادية وحتى سقوط الدولة الصفوية 1722 على يد السلسلة القاجارية التركية أيضاً والمنحدرة من إحدى قبائل القزلباش البدوية من التركمان، والتي تبنت هي الأخرى المذهب الشيعي لنفس الهدف السياسي أيضاً وهو المواجهة مع الدولة العثمانية ذات اللون المذهبي الآخر. وكان المواطنون في العراق وفي بقاع أخرى في المنطقة يدفعون فاتورة الصراع بين القطبين دون أن يكون لهم مصلحة أو ضلع فيه، فتارة يقتل الشيعي العراقي على يد المتسلط العثماني، وفي تارة أخرى يقتل السني العراق على يد حكام إيران من الصفويين والقاجاريين. لقد بقيت السلالات التركية تمسك بزمام الأمور في إيران منذ عام 1460 ميلادية الحكم حتى عام 1925 ميلادية، عندما أطيح بالسلسلة التركمانية القاجارية على أثر انقلاب عسكري قاده رضا شاه بهلوي بدعم من بريطانيا، الذي أسس السلسلة البهلوية الفارسية والتي انهارت لاحقاً عام 1979 بعد انتصار الثورة الإيرانية، وقيام نظام ثيوقراطي مذهبي يحكمه رجال الدين الشيعة.
إن هذه التحولات في المنطقة، وفي سوريا والعراق تحديداً، أعادت من جديد لجوء الحكام المستبدين ونفر من السياسين المتطرفين إلى اللعب بورقة الطائفية الخطيرة والعبث بها كما نراه اليوم بأبشع أشكالها وأكثرها دموية والتي أتخذت أشكال خطيرة بعد استخدام السلاح الكيمياوي بين الأطراف المتنازعة في سوريا وشروع اسرائيل بقصف مواقع سورية بهدف التستر على الصراع الحقيقي حول النفط والغاز والمياه في المنطقة. إن اهتمام الدول الاجنبية وبعض دول المنطقة بما يجري في سوريا لا ينطوي على حرص على الشعب السوري أو لدوافع انسانية وانقاذ الشعب السوري من برائن البعث وبطشه. إن ما ألهب فتيل النزاع الدموي هو الشروع في البحث والاتفاق على مد أنابيب نقل الغاز إلى سواحل البحر الأبيض من منطقة الخليج. فمنذ أن بدأت المفاوضات بين الحكومة العراقية وحكام إيران في عام 2010 للاتفاق على مد أنابيب الغاز من حقل جنوب فارس في إيران وعبر العراق ثم الموانىء السورية على شواطىء البحر الأبيض المتوسط لنقل الغاز الإيراني إلى الدول الأوربية حتى إزداد التوتر والاحتقان الذي له أرضية خصبة في سوريا والعراق جراء التجاذب الطائفي لتصل إلى المواجهة الخطيرة في سوريا وعودة المواجهات في العراق بعد تراجعها في عام 2008. وما تدخل دولة صغيرة في الخليج وهي إمارة قطر بنشاط في هذا الصراع وردود فعل السعودية وتركيا والغرب في تمويل وتشجيع المسلحين وقصف أهداف سورية من قبل إسرائيل إلاّ تعبيراً عن المواجهة المحتدمة بين القوى المتصارعة حول مستقبل الطاقة والنفط والغاز في المنطقة. فلدى قطر خزين كبير من الغاز الطبيعي وتسعى إلى تسويقه إلى أوربا عبر سورية والأردن وتركية وتأمين حصول إسرائيل على حاجتها من الطاقة. ويرجع فكرة حكام قطر وحماتها بمشروع مد أنابيب الغاز إلى البحر المتوسط إلى عام 1975 عندما وقّع هنري كيسنجر اتفاقية "مد أنابيب الغاز" مع إسرائيل بما عرف بـ"مشروع حيفا" حيث تعهدت الولايات المتحدة لاسرائيل بتأمين حاجاتها من الطاقة. وفي أواخر عام 2007 بدأت المباحثات بين الولايات المتحدة واسرائيل حول تكاليف مد أنابيب الغاز إلى البحر الأبيض المتوسط عبر العراق. ولكن خروج القوات الأمريكية من العراق والبدء في المفاوضات بين الحكومة العراقية والحكومة الإيرانية لمد أنابيب نقل الغاز عبر العراق وجه صفعة لخطة حكام قطر في تسويق غازها إلى شواطىء البحر الأبيض المتوسط. وهذا ما يفسر سر التوتر في العلاقات بين حكام قطر والحكومة العراقية على نحو مفاجىء وهم الذين قدموا كل المساعدات للولايات المتحدة للإطاحة بحكم صصدام حسين عام 2003. وقام حكام قطر عند ذاك باستضافة ودعم وتمويل معارضي الحكم في العراق وسعوا بنشاط من أجل تشكيل جبهة إقليمية تضم تركية والسعودية للإطاحة بالحكم في العراق وزعزعة الحكم الطائفي في سورية بالاستناد إلى التيارات الدينية المتطرفة في البلدين رافعة شعارات طائفية ومذهبية. ومن جانبهم، مارس حكام إيران نفس اللعبة وراحوا يروجون للطقوس الطائفية ويلوحون بالورقة الطائفية وبدعم روسي وبموافقة حكام سورية لمواجهة هذا المخطط وتقديم العون المالي والعسكري لحكام سورية في مواجهة المساعي القطرية ومن يناصرها، والتي هي بالأساس صراع حول تسويق الطاقة والغاز ولا علاقة لها بمصالح شعوب المنطقة ولا بالمذهب أو الدين كما يروج رموز هذه المواجهات سواء في سورية أو في العراق. فهي مواجهات بالوكالة لمن يقف ويغذي هذه الصراعات دولياً وإقليمياً من أجل تسويق مصادر الطاقة أو التحكم في مصادر المياه في المنطقة.

عادل حبه 
الحوار المتمدن-العدد: 4094 - 2013 / 5 / 16 - 14:00 

عدد مرات القراءة:
2628
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :