آخر تحديث للموقع :

السبت 17 ربيع الأول 1443هـ الموافق:23 أكتوبر 2021م 03:10:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

فقه المزار عند الأئمة (ع) ..
مركز إحياء تراث آل البيت
تأليف: د. عبد الهادي الحسيني - الطبعة الأولى
حقوق الطبع غير محفوظة
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
فقد كثرت المرويات عن الأئمة عليهم السلام سواء كانت صحيحة أومكذوبة عليهم، ولكن للأسف فإن الكذب عليهم لا يكاد يحصى، ومن الأمور العظام التي لها مساس بعمل المسلم وعقيدته ويحتاج إليها دائماً: دعاء الله سبحانه وتعالى، والإحسان إلى الموتى، وزيارتهم في قبورهم، والدعاء لهم، والصدقة عنهم، وغير ذلك من الأعمال، وقد رأيت أن أجمع نبَذاً من أقوال الأئمة عليهم السلام، والمروية بالأسانيد من كتبنا المعتمدة، والموافقة لكتاب الله، وسيرهم تدل عليها ولا تخالفها، وهي مختصرة، وقد أسميتها (فقه المزار) ولا يغرنك ما تراه عيناك من جفوة وبعد عن زيارة القبور، والإتعاظ بها .. ، والتي يقابلها وللأسف زيارات غلب عليها طابع المكابرة والتباهي والرياء والسمعة، ووصل الأمر على جعل الزيارة مواسم للفرح والعشق، وعند البعض معصية لله سبحانه وتعالى جهاراً نهاراً، فلا تجد الآداب التي كان عليها الأئمة عليهم السلام والتي كانوا يأمرون الناس بالتأدب بها كما لا تجد الاتعاظ والحزن وأخذ العبرة بالموت والعمل لما بعده وهذا مشاهد في بقاع الأرض ولا يخالف فيه إلا مكابر يجهل الحقيقة أولم يكلف نفسه عناء النظر فيما حوله.
... ومن هنا فقد جمعت هذه النبذ من أقوال الأئمة عليهم السلام التي ساروا عليها وعملوا بها، فاقرأ وتأمل عسى الله أن ينفع بها القارىء والكاتب.
النهي عن اتخاذ القبور مساجد
هذه بعض الروايات والأخبار من كتب الشيعة المعتمدة، تدل على النهي عن رفع القبور والبناء عليها واتخاذها مساجد. فإليك أيها المحب الصادق لأهل البيت نقدم هذه الحقائق لعلّ ذلك يكون فيه فلاحك في الدنيا والآخرة بسبب إتباعك لهم "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهوشهيد". [ق:73]
... يتلخص اتخاذ القبور مساجد في ثلاثة معان:
الأول ... : الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.
الثاني ... : السجود إليها وجعلها قبلة بالصلاة والدعاء.
الثالث ... : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها.
واعلم أن هذه المعاني مستنبطة من الروايات والأخبار الواردة في ذلك، وإليك بعضها:
عن أبي عبد الله عليه السلام: " لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [من لا يحضره الفقيه: 1/ 128، وسائل الشيعة: 2/ 887].
عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: " الصلاة بين القبور؟ قال: صلِّ في خلالها ولا تتخذ شيئاً منها قبلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك، وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإن الله تعالى لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". [علل الشرائع: 358].
عن سماعة بن مهران أنه سأل أبا عبد الله عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها فقال: أمّا زيارة القبور فلا بأس بها، ولا يُبني عندها مساجد." [فروع الكافي: 3/ 228، من لا يحضره الفقيه: 821، وسائل الشيعة:2/ 887].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " عشرة مواضع لا يصلي فيها: الطين والماء، والحمام، والقبور، وميدان الطريق، وقرى النمل، ومواطن الإبل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج". [فروع الكافي: 3/ 39.، من لا يحضره الفقيه: 1/ 171]. قال الصدوق بعد هذا الخبر: " وأمّا القبور فلا يجوز أن تتخذ قبلة ولا مسجداً، ولا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يتخذ شيىء منها قبلة، والمستحب أن يكون بين المصلي وبين القبور عشرة أذرع من كل جانب" [من لا يحضره الفقيه: 1/ 171].
عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن حد الطين الذي لا يسجد فيه ما هو؟ قال: " إذا غرق الجبهة ولم تثبت على الأرض". وعن الرجل يصلي بين القبور؟ قال: " لا يجوز ذلك إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه وعشرة أذرع عن يساره، ثم يصلى إن شاء". [فروع الكافي: 3/ 39.، الإستبصار: 1/ 397، وغيرها].
وقد يعترض على هذه الرواية بما روي عن الرضا عليه السلام قال: " لا بأس بالصلاة إلى القبر ما لم يُتخذ القبر قبلة" [الإستبصار: 1/ 397 وغيره].
... وعن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال: " لا بأس" [الإستبصار: 1/ 397 وغيره].
... وقد أجاب الطوسي عن هذين الخبرين فقال:
" فالأوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على أنه إذا كان بينه وبين القبر حائل أويكون بينه وبين القبر عشرة أذرع حسب ما فصّله في الخبر الأول" [الإستبصار: 1/ 397].
النهي عن رفع القبور والبناء عليها والحث على هدمها
قال الصادق عليه السلام: " كلما جعل على القبر من غير تراب القبر فهوثقل على الميت" [من لا يحضره الفقيه: 1/ 135، وسائل الشيعة: 2/ 864]. فرفع القبر أوالبناء عليه وسيلة إلى التثقيل على الميت، وهذا التثقيل منهي عنه فإنه نوع من الإيذاء.
عن أبي عبد الله عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهي أن يُزاد على القبر تراب لم يخرج منه. [فروع الكافي: 3/ 2.3، وسائل الشيعة:2/ 864].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من جدد قبراً، أومثل مثالاً فقد خرج من الإسلام". [من لا يحضره الفقيه: 1/ 135، وسائل الشيعة: 2/ 868].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلاً محوتها، ولا قبراً إلا سويته، ولا كلباً إلا قتلته". [وسائل الشيعة: 2/ 869، 3/ 62 وغيره].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدم القبور وكسر الصور". [وسائل الشيعة: 2/ 87.].
عن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البناء على القبر، والجلوس عليه هل يصلح، قال: " لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه". [الإستبصار: 1/ 217، وسائل الشيعة: 2/ 869].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصلى على قبر أويُقعد عليه أوأ، يُبنى عليه أويُتكأ عليه". [الإستبصار: 1/ 482، وسائل الشيعة: 2/ 795، 2/ 869 وغيرها].
عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سمعه يقول: " لما قُبض أمير المؤمنين عليه السلام أخرجه الحسن والحسين ورجلان آخران حتى إذا خرجوا من الكوفة تركوها عن إيمانهم ثم أخذوا الجُبّانة حتى مروا به إلى الغرى فدفنوه وسووا قبره فانصرفوا" [أصول الكافي: 1/ 458].
قال شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي: " ولا يجوز الدفن في شيىء من المساجد" [النهاية ص:111].
وقال أيضاً: " ويكره تجصيص القبور والتظليل عليها والمقام عندها وتجديدها بعد إندراسها، ولا بأس بتطييبها ابتداء". [النهاية ص44].
وقال عماد الدين محمد بن علي الطوسي المشهدي: " والمكروه تسعة عشر - ثم قال بعدها - .. وتجصيص القبر والتظليل عليه والمقام عنده وتجديده بعد الإندراس" [الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ص 62 مطبعة الآداب - النجف].
عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُصلى على قبره أويُقعد عليه أويُبنى عليه. [وسائل الشيعة: 3/ 454].
رفع القبر
من خلال الروايات والأخبار الواردة في كتب الشيعة يتبين أن مقدار رفع القبر هوأربع أصابع أوشبر أوما بينهما، ولا ينقص من ذلك ولا يُزاد عليه، واعلم أنه لوكان رفع القبر مطلقاً جائزاً لما قيدت الأخبار الواردة رفع القبر بهذا المقدار ولما أوصى الأئمة برفعه بهذا القدر. ومن الروايات في ذلك:
عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: " يا علي، ادفنيِّ في هذا المكان وارفع قبري من الأرض أربع أصابع ورشّ عليه الماء" [أصول الكافي: 1/ 45. - 451،وسائل الشيعة:2/ 856].
عن جعفر عن أبيه عليه السلام أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع شبراً من الأرض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برش القبور" [وسائل الشيعة:2/ 857، علل الشرائع:3.7وغيرها].
عن جعفر عن أبيه عن علي عليها لسلام أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع من الأرض قدر شبر وأربع أصابع ورش عليه الماء وقال: " والسنة أن يُرش على القبر ماء" [وسائل الشيعة: 2/ 858].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن أبي قال لي ذات يوم في مرضه: إذا أنا مت فغسلني وكفنّي وارفع قبري أربع أصابع ورشه بالماء" [فروع الكافي:3/ 2..، وسائل الشيعة: 2/ 857 وغيرها]
قال أبوعبد الله عليه السلام: " إن أبي أمرني أن أرفع القبر عن الأرض أربع أصابع مفرجات، وذكر أن رش القبر بالماء حسن". [فروع الكافي: 3/ 14.، وسائل الشيعة: 2/ 857وغيرها].
وعنه عليه السلام قال: " أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرجات، وذكر أن الرش بالماء حسن، وقال: توضأ إذا أدخلت الميت القبر". [وسائل الشيعة: 2/ 857 وغيره].
عن محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما عليهما السلام عن الميت فقال: " تسلم من قبل الرجلين وتلزق القبر بالأرض إلا قدر أربع أصابع مفرجات: تربع و(تُرفع) قبره" [فروع الكافي: 3/ 195، وسائل الشيعة:2/ 848 وغيرها].
عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " يُدعى للميت حين يدخل حفرته ويرفع القبر فوق الأرض أربع أصابع" [فروع الكافي: 3/ 2.1، وسائل الشيعة: 2/ 856].
عن أبي عبد الله عليه السلام: " يُستحب أ، يدخل معه في قبره جريده رطبة، ويرفع قبره من الأرض إلا قدر أربع أصابع مضمومة، وينضح عليه الماء ويخلى عنه". [فروع الكافي:3/ 199، وسائل الشيعة: 2/ 856 وغيرها].
قال محمد الآخوندي المعلّق على الكافي، تعليقاً على قوله" يخلي عنه" ما نصه: " أي لا يعمل عليه شيء آخر من جص وآجر وبناء، أولا يتوقف عنده بل ينصرف عنه وعلى كل واحد منهما يكون مؤيداً لما ورد من الأخبار في كل منهما". [هامش رقم 3 على فروع الكافي: 3/ 199]
وفي خبر طويل فيه ذكر وفاة موسى بن جعفر عليه السلام جاء فيه قوله: " فإذا حملت إلى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فألحدوني بها ولا ترفعوا قبري فوق أربع أصابع مفرجات". [عيون أخبار الرضا: 1/ 84، وسائل الشيعة:2/ 858].
وقال محمد بن جمال الدين العاملي المعروف بالشهيد الأول: " ورفع القبر عن وجه الأرض بمقدار أربع أصابع مفرجات إلى شبر لا أزيد ليعرف فيُزار فيحترم". [اللمعة الدمشقية:1/ 41.]
قال شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي: " فإذا أراد الخروج من القبر فليخرج من قبل رجليه ثم يطم القبر ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع ولا يطرح فيه من غير ترابه". [النهاية: ص39].
محرمات تُرتكب عند القبور
... اعلم أن هذه القبور المبنية التي تقصد وتُزار من سائر البقاع يقع عندها كثير من المحرمات، قد جاء القرآن الكريم والروايات المعتمدة بتُنادي بتحريمها والنهي عنها، فمن هذه المحرمات:
اعتقاد الضر والنفع من قبل الأموات: والله سبحانه وتعالى هوالضار النافع وحده، قال الله سبحانه وتعالى: " واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهن يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً" [الفرقان:3].
وقال سبحانه وتعالى: " والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، أموات غير أحياء وما يشعرون أيّان يُبعثون". [النحل: 2. - 21].
وقال تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه". [الإسراء: 56 - 57]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في ذكر الموتى: " فهم جيرة لا يجيبون داعياً ولا يمنعون ضيماً ولا يبالون مندبة". [نهج البلاغة: 1/ 22.]. قال عليه السلام واصفاً الموتى أيضاً: " لا في حسنة يزيدون ولا من سيئة يستعتبون" [نهج البلاغة: 2/ 15].
اتخاذ أصحاب القبور شفعاء ووسائط تقربهم إلى الله: وهذا قد ذمّه القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى حكاية عن المشركين: " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". [الزمر: 3]. وقال سبحانه وتعالى: " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله" [يونس:18]. وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصيته للحسن عليه السلام: " واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكقّل لك بالإجابة وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يُلجئك إلى من يشفع لك إليه". [نهج البلاغة:3/ 47].
دعاء أصحاب القبور والإستغائة بهم من دون الله: وهذا شرك بنص القرآن الكريم؛ قال سبحانه وتعالى: " والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولوسمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير" [فاطر:13 - 14]. وقال سبحانه وتعالى: " ومن أضل ممن يدعومن دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين" [الأحقاف:5 - 6].
وقال سبحانه وتعال: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" [الجن:16]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به بخلقه، إنه ما توجّه العباد إلى الله بمثله". [نهج البلاغة: 2/ 91 - 92].
وقال عليه السلام في وصية للحسن عليه السلام: " وألجىء نفسك في الأمور كلها إلى إلهك، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان". [نهج البلاغة: 3/ 39 - 4.].
... وعن الباقر عليه السلام أنه قال: " اتخذ الله عز وجل إبراهيم خليلاً لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً غير الله عز وجل". [علل الشرائع:34، عيون أخبار الرضا: 2/ 75].
... وذكر إبراهيم بن محمد الهمداني قال: " قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام: لأي علة أغرق الله عز وجل فرعون وقد آمن به وأقرّ بالتوحيد؟ قال: أنه آمن عند رؤية اليأس وهوغير مقبول .. إلى أن قال: ولعلة أخرى أغرق الله عز وجل فرعون وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله، فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى، ما أغثت فرعون لأنك لم تخلقه ولواستغاث بي لأغثته" [علل الشرائع: 59، عيون أخبار الرضا: 2/ 76].
الذبح والنذر للقبور وأصحابها: وهذا يدخل فيما أُهلّ به لغير الله، قال الله سبحانه وتعالى: " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله" [البقرة: 173].
وقال عز وجل: " وجعل لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وكان لله فهويصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون". [الأنعام: 136].
وعن محمد بن سنان أن أبا الحسن الرضا عليه السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: " حرم ما أهل به لغير الله الذي أوجب على خلقه من الإقرار به وذكر اسمه على الذبائح المحللة، ولئلا يساوي بين ما تقرب به إليه وما جعل عبادة للشياطين والأوثان، لأن في تسمية الله عز وجل الإقرار بربوبيته وتوحيده، وما في الإهلال لغير الله من الشرك والتقريب إلى غيره، ليكون ذكر الله وتسميته على الذبيحة فرقاً بين ما أحل الله وبين ما حرم " [علل الشرائع: 481 - 482، عيون أخبار الرضا: 2/ 91].
الحلف بأصحاب القبور من دون الله: فعن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل جنباً". وذكر جملة من المناهي ثم قال: " ونهى أن يحلف الرجل بغير الله وقال: من حلف بغير الله فليس من الله في شيىء". [مكارم الأخلاق: 466].
قال شيخ الطائفة أبوجعفر الطوسي: " اليمين المنعقد عند آل محمد صلى الله عليه وسلم هي أن يحلف الإنسان بالله تعالى أوبشيء من أسمائه أي اسم كان، وكل يمين بغير الله أوبغير اسم من أسمائه فلا حكم له، ثم قال: ولا يجوز لأحد أن يحلف بالقرآن ولا بوالديه ولا الكعبة ولا النبي ولا بأحد من الأئمة عليهم السلام، فمن حلف بشيء من ذلك كان مخطئاً ولا يلزمه حلف اليمين". [النهاية: ص555].
... ملاحظة: يجوز الحلف بالقرآن لأنه صفة من صفات الله عز وجل، قال عماد الدين الطوسي المشهدي: " ولا يجوز اليمين بغير الله". [الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ص415].
الطواف بالقبور: فعن أبي عبد الله قال:" لا تشرب وأنت قائم، وتطف بقبر، ولا تبل في ماء نقيع، فإنه من فعل ذلك فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه، ومن فعل شيء من ذلك لم يكن يفارقه إلا ما شاء الله". [علل الشرائع: 283، وسائل الشيعة: 1./ 45.]. وقد بوّب الحر العاملي في كتابه " وسائل الشيعة" باباً قال فيه: " باب استحباب الدعاء بالمأثور عند زيارة القبور وعدم الطواف بالقبر". [وسائل الشيعة: 2/ 882]. وقال: " باب عدم جواز الطواف بالقبور". [وسائل الشيعة 1/ 45.].
اللطم وضرب الخدود والصدور: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره". [فروع الكافي: 3/ 224، وسائل الشيعة:2/ 914].
وعن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: ما الجزع؟ قال: " أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه والصدر وجز الشعر من النواصي، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر وأخذ في غير طريقة، ومن صبر واسترجع وحمد الله عز ودل فقد رضي بما صنع الله ووقع أجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهوذميم وأحبط الله أجره". [فروع الكافي: 3/ 222 - 223، وسائل الشيعة:2/ 915].
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثلاثة لا أدري أيهم أعظم جرماً: الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة بغير رداء، والذي يضرب على فخذه عند المصيبة، والذي يقول ارفقوا وترحموا عليه يرحمكم الله. [وسائل الشيعة: 2/ 678 وغيره].
الاختلاط: ويحدث كثيراً عند هذه القبور المبنية فترى الرجال والنساء مختلطين بعضهم ببعض اختلاطاً فاحشاً، خصوصاً عند الطواف حول القبر بأعداد كبيرة في هذه المكان الضيق، فترى الرجل ملاصقاً للمرأة والمرأة ملتصقة به. ومعلوم أن مثل هذا يولد الشهوات ثم يؤدي إلى ارتكاب الفواحش من زنا وغيره، ومن شاهد ما يحدث هناك علم بصدق ما نقول. واعلم أن المخالفات والمنهيات التي تحدث عند القبور كثيرة ولكننا اقتصرنا على ذكر بعضها لعل الغافل أن ينتبه والنائم أن يستيقظ والضال أن يهتدي، والله المستعان.
اعتراضات وأجوبة
اعترض البعض على ما تقدم من روايات النهي عن رفع القبور بعدة اعتراضات نعرض أهمها مع الجواب عنها باختصار:
أولاً ... : إن رفع قبور الأنبياء والأئمة عليهم السلام مستثنى من روايات النهي المتقدمة.
الجواب ... : إن الأئمة أنفسهم أمروا ووصوا بعدم رفع قبورهم أكثر من شبر وأربع أصابع، كما ذكرته بعض الروايات التي مرت، وهذا يرد على هذا الإستثناء بل يدل على أن النهي في قبورهم عليهم السلام آكد.
ثانياً ... : إن رفع قبور الأنبياء والأئمة والبناء عليها فيه مصلحة عظيمة، وهي إبقاء قبورهم مدى الزمان وعدم إندراسها ومحوها؟
الجواب ... : إن هذا الإعتراض مردود، فإنه لا يستلزم من عدم البناء على قبورهم أنها سوف تدرس وتُمحى آثارها. فها هي قبور الأئمة الحسن ومحمد الباقر وجعفر الصادق وفاطمة عليهم السلام وغيرها لم تٌرفع فوق المقدار الشرعي، وهي مع ذلك لم تدرس ولم تُمحى آثارها، بل مازالت تُذكر وتُزار للسلام عليكم والدعاء لهم. وإبقائها على ماكانت عليه من دون رفع أوبناء مع الحرص على عدم إندراسها أومحوها يحقق أمرين:
الأول: ... اتباعهم للأئمة.
الثاني: ... حرصهم على قبورهم.
ثالثاً ... : اتفاق الناس على البناء على قبور الأئمة من غير إنكار يدل على جواز ذلك.
الجواب ... : إن قول " من غير إنكار" يرد عليه كلام الأئمة عليهم السلام أنفسهم كما هومبين في روايات النهي عن البناء على القبور المذكورة سابقاً، فلا عبرة بهذا الإعتراض، ثم إن العوام والأكثرية ليس بحجة شرعية ولا معتبر فيه، بل المعتبر هوإجماع العلماء من أهل الحل والعقد، ومنهم الأئمة، ولم يثبت عنهم جواز ذلك، بل عكسه هوالثابت كما هومبين.
رابعاً ... : إن الأئمة عليهم السلام قالوا ذلك تقية ..
الجواب ... : أن هذا الإعتراض مستبعد جداً لأن العلماء لم يُحمّلوا هذه الروايات على التقية، وإن حملت لكان ذلك بعيداً، بسبب أن بعض هذه الروايات ورد مورود الأمر والوصية لأولادهم الأئمة من بعدهم، وهذا الحال يستبعد معه القول بالتقية، ثم إن شجاعة أهل البيت وقولهم الحق في كل حال تبعد هذا التصور، فهم لا يخافون في الله لومة لائم، ثم ما المانع من أن تكون روايات الجواز قالوها تقية أيضاً؟!
خامساً ... : هناك روايات تدل على جواز البناء على القبور وهي كثيرة ..
الجواب ... : إن روايات النهي هي كثيرة أيضاً - وقد ذكرنا بعضاً منها - وهي أقرب لموافقتها لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي مقدمة على ورايات الجواز، ثم إن المفاسد المترتبة على بناء القبور كثيرة - وقد ذكرنا بعضها - ترجح على روايات الجواز، سداً لذريعة الحرام والفساد وفقاً للقاعدة التي تقول: " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله علي سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى أهل بيته الأطهار الطيبين، وعلى أصحابه الغر الميامين.
عدد مرات القراءة:
1633
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :