آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 06:02:53 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإمامية أخذوا علمهم عن أهل البيت ..

قال الرافضي: الوجه الرابع: أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة المعصومين المشهورين بالفضل والعلم ولزهد والورع، والاشتغال في كل وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن، والمداومة على ذلك من زمن الطفولة إلى آخر العمر، ومنهم من يعلم الناس العلوم، ونزل في حقهم: {هلْ أَتَى} وآية الطهارة، وإيجاب المودة لهم، وآية الابتهال وغير ذلك. وكان علي ّ (يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة، ويتلوالقرآن مع شدّة ابتلائه بالحروب والجهاد.

فأولهم عليّ بن أبي طالب (كان أفضل الخلق بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وجعله الله نفس رسول الله حيث قال: {وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ} (1)

__________

(1) الآية 61 من سورة آل عمران.

وواخاه رسول الله وزوّجه ابنته، وفَضْلُهُ لا يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة، حتى ادَّعى قوم فيه الربوبية وقتلهم، وصار إلى مقالتهم آخرون إلى هذه الغاية كالغلاة والنصيرية. وكان ولداه سبطا رسول الله (سيدا شباب أهل الجنة، إمامين بنص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانا أزهد الناس وأعلمهم في زمانهما، وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا، ولبس الحسن الصوف تحت ثيابه الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك، وأخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوما الحسين على فخذه الأيمن، وإبراهيم على فخذه الأيسر، فنزل جبرائيل عليه السلام وقال: إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما، فاختر من شئت منهما، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مات الحسين بكيت أنا وعليّ وفاطمة، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه، فاختار موت إبراهيم فمات بعد ثلاثة أيام، وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله ويقول: أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم.

وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويصوم ليله، ويتلوالكتاب العزيز، ويصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة، ويدعوكل ركعتين بالأدعية المنقولة عنه وعن آبائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر، ويقول: أنّى لي بعبادة عليّ، وكان يبكي كثيراً حتى أخذت الدموع من لحم خديه، وسجد حتى سمى ذا الثَفِنات، وسماه رسول الله (سيد العابدين.

وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من الزحام، فجاء زين العابدين فوقف الناس له وتَنَحَّوْا عن الحجر حتى استلمه، ولم يبق عند الحجر سواه، فقال هشام بن عبد الملك: من هذا فقال الفرزدق وذكر أبيات الشعر المشهورة فبعث إليه الإمام زين العابدين بألف دينار، فردها، وقال: إنما قلت هذا غضباً لله ولرسوله، فما آخذ عليه أجرا، فقال عي بن الحسين: نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق.

وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليلا ولا يعرفون ممن هو، فلما مات زين العابدين، انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه.

وكان ابنه محمد الباقر أعظم الناس زهداً وعبادة، بَقَرَ السجودُ جبهتَه، وكان أعلم أهل وقته، سمَّاه رسول الله (الباقر، وجاء جابر بن عبد الله الأنصاري إليه وهوصغير في الكُتَّاب، فقال له: جدّك رسول الله (يسلّم عليك. فقال: وعلى جدّي السلام. فقيل لجابر كيف هو؟ قال كنت جالساً عند رسول الله (والحسين في حجره وهويلاعبه، فقال: يا جابر يولد له ولد اسمه عليٌّ إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له مولود اسمه محمد الباقر، يبقر العلم بقرا، فإذا رأيته فاقرئه مني السلام. وروى عنه أبي حنيفة وغيره.

وكان ابنه الصادق عليه السلام أفضل أهل زمانه وأعبدهم، قال علماء السيرة: إنه اشتغل بالعبادة عن طلب الرياسة، وقال عمر بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد الصادق علمت أنه من سلالة النبيين، وهوالذي نشر فقه الإمامية، والمعارف الحقيقية، والعقائد اليقينية، وكان لا يخبر بأمر إلا وقع، وبه سمُّوه الصادق الأمين.

وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولديه، فقال الصادق: هذا الأمر لا يتم، فاغتاظ من ذلك، فقال: إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار بذلك إلى المنصور، فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به، وعلم أن الأمر يصل إليه، ولما هرب كان يقول: أين قول صادقهم؟ وبعد ذلك انتهى الأمر إليه.

وكان ابنه موسى الكاظم يُدْعى بالعبد الصالح، وكان أعبد أهل زمانه، يقوم الليل ويصوم النهار، وسمِّي الكاظم لأنه كان إذ بلغه عن أحد شيء بعث إليه بمال. ونقل فضله الموافق والمخالف. قال ابن الجوزي من الحنابلة: روي عن شقيق البلخي قال: خرجت حاجّا سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسية فإذا شاب حسن الوجه شديد السمرة، عليه ثياب صوف مشتمل

بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً عن الناس، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كَلاًّ على الناس، والله لأمضين إليه أوبِّخه، فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم.

فقلت في نفسي: هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري، لألحقنه ولأسألنَّه أن يحاللني، فغاب على عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي، وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تتحادر، فقلت: أمضي إليه وأعتذر، فأوجز في صلاته، ثم قال: يا شقيق: {وَإِنِّي غَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (1) فقلت: هذا من الإبدال، قد تكلم على سرِّي مرتين. فلما نزلنا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد ان يسقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال:

أنت ربي إذا ظمئت إلى الما ء وقوتي إذا أردت الطعاما

__________

(1) 1) الآية 82 من سورة طه.

يا سيدي مالي سواها قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فاخذ الركوة وملأها وتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل هناك، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب فقلت: أطعمني من فضل ما رزقك الله أوما أنعم الله عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هوسويق وسكر، ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب منه ريحا فشبعت ورويت. وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ثم لم أره حتى دخلت مكة، فرأيته ليلة إلى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلِّي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما طلع الفجر جلس في مصلاه يسبح، ثم قام إلى صلاة الفجر، وطاف بالبيت أسبوعا، وخرج فتبعته، فإذا له حاشية وأموال وغلمان، وهوعلى خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس يسلِّمون عليه ويتبركون به، فقلت لهم: من هذا؟ قالوا موسى بن جعفر، فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد. هذا رواه الحنبلي.

وعلى يده تاب بشر الحافي لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب يخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل، فرمت بها في الدرب، فقال لها: يا جارية، صاحب هذا الدار حرٌّ أم عبد؟ فقالت: بل حر، فقال: صدقت لوكان عبدا لخاف من مولاه. فلما دخلت الجارية قال مولاها وهوعلى مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟ قالت: حدثني رجل بكذا وكذا، فخرج حافيا حتى لقى مولانا موسى بن جعفر فتاب على يده.

والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن يقال: لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعليّ (وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة: توحيدهم، وعدلهم، وإمامتهم، فإن الثابت عن علي (وأئمة أهل البيت من إثبات الصفات لله، وإثبات القدر، وإثبات خلافة الخلفاء الثلاثة، وإثبات فضيلة أبي بكر وعمر (ما، وغير ذلك من المسائل كله يناقض مذهب الرافضة.

والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم.

الثاني: أن يقال: قد عُلم أن الشيعة مختلفون اختلافا كثيرا في مسائل الإمامة والصفات والقدر، وغير ذلك من مسائل أصول دينهم. فأي قول لهم والمأخوذ عن الأئمة المعصومين، حتى مسائل الإمامة، قد عُرف اضطرابهم فيها.

وقد تقدم بعض اختلافهم في النص وفي المنتظر فهم في الباقي المنتظر على أقوال: منهم من يقول ببقاء جعفر بن محمد، ومنهم من يقول ببقاء ابنه موسى بن جعفر، ومنهم من يقول ببقاء محمد بن عبد الله بن حسن، ومنهم من يقول ببقاء محمد بن الحنفية، وهؤلاء يقولون: نص عليٌّ على الحسن والحسين، وهؤلاء يقولون على محمد بن الحنفية، وهؤلاء يقولون: أوصى عليٌّ بن الحسين إلى ابنه أبي جعفر، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه عبد الله، وهؤلاء يقولون: أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وهؤلاء يقولون: إن جعفر أوصى إلى ابنه إسماعيل، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه محمد بن إسماعيل، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه محمد، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه عبد الله، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه موسى، وهؤلاء يسوقون النص إلى محمد بن الحسن، وهؤلاء يسوقون النص إلى بني عبيد الله بن ميمون القدّاح الحاكم وشيعته، وهؤلاء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس، ويمتنع ان تكون هذه الأقوال المتناقضة مأخوذة عن معصوم، فبطل قولهم: إن أقوالهم مأخوذة عن معصوم.

الوجه الثالث: أن يُقال: هب أن عليّاً كان معصوما، فإذا كان الاختلاف بين الشيعة هذا الاختلاف، وهم متنازعون هذا التنازع، فمن أين يُعلم صحة بعض هذه الأقوال عن عليّ دون الآخر، وكل منهم يدَّعي أن ما يقوله إنما أخذه عن المعصومين؟ وليس للشيعة أسانيد أهل السنة حتى يُنظر في الإسناد وعدالة الرجال. بل إنما هي منقولات منقطعة عن طائفة عُرف فيها كثرة الكذب وكثرة التناقض في النقل فهل يثق عاقل بذلك؟

وإن ادعوا تواتر نصّ هذا على هذا، ونصّ هذا على هذا كان هذا معارضاً بدعوى غيرهم مثل هذا التواتر، فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعوا مثل هذه الدعوى لم يكن بين الدعويين فرق.

فهذه الوجوه وغيرها تبين أن بتقدير ثبوت عصمة عليّ (فمذهبهم ليس مأخوذا عنه، فنفس دعواهم العصمة في عليّ مثل دعوى النصارى الإلهية في المسيح. مع أن ما هم عليه ليس مأخوذا عن المسيح.

الوجه الرابع: أنهم في مذهبهم محتاجون إلى مقدمتين: إحداهما: عصمة من يضيفون المذهب إليه من الأئمة، والثانية ثبوت ذلك النقل عن الإمام. وكلتا المقدمتين باطلة، فإن المسيح ليس بإله، بل هورسول كريم، وبتقدير ان يكون إلها أورسولا كريما فقوله حق، لكن ما تقوله النصارى ليس من قوله، ولهذا كان في علي ِّ (شبه من المسيح: قوم غلوا فيه فوق قدره، وقوم نقصوه دون قدره فهم كاليهود، هؤلاء يقولون عن المسيح: إنه إله. وهؤلاء يقولون: كافر ولد بغيِّة. وكذلك عليّ: هؤلاء يقولون: إنه إله، وهؤلاء يقولون: إنه كافر ظالم.

الوجه الخامس: أن يقال: قد ثبت لعليّ بن أبي طالب (، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، وابنه محمد، وجعفر بن محمد من المناقب والفضائل ما لم يذكره هذا المصنف الرافضي. وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ناقلها، مثل قوله: نزل في حقهم: {هلْ أَتَى} فإن سورة {هَل أَتىَ} مكّية باتفاق العلماء، وعليّ إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، ووُلد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول: {هل أتى} بسنين كثيرة.

فقول القائل: إنها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار.

وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم. فإن قوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1) كقوله تعالى: {َما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم} (2) وقوله: {ُيرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم وَيَهْدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيم. وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا. يُريدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (3).

فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد؛ فإنه لوكان كذلك لكان قد طهَّر كل من أراد الله طهارته. وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه، فإن عندهم أن الله يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد.

فقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجزَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور، كان ذلك متعلقا بإرادتهم وأفعالهم، فإن فعلوا ما أُمروا به طُهِّروا وإلا فلا.

وهم يقولون: إن الله لا يخلق أفعالهم، ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجز عنهم. وأما المثبتون للقدر فيقولون: إن الله قادر على ذلك، فإذا ألهمهم فعل ما أَمَرَ وترك ما حَظَر حصلت الطهارة وذهاب الرجس.

__________

(1) الآية 33 من سورة الأحزاب.

(2) الآية 6 من سورة المائدة.

(3) الآيات من 26 - 28 من سورة النساء.

ومما يبين أن هذا مما أُمروا به لا مما أُخبروا بوقوعه، ما ثبت في الصحيح أن النبي (أدار الكساء على عليّ وفاطمة وحسن وحسين، ثم قال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الجس وطهِّرهم تطهيرا)). وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عائشة، ورواه أهل السنن عن أم سلمة (1).

وهويدل على ضد قول الرافضة من وجهين: أحدهما: أنه دعا لهم بذلك، وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك، فإنه لوكان قد وقع لكان يثنى على الله بوقوعه ويشطره على ذلك، لا يقتصر على مجرد الدعاء به.

الثاني: أن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد. ومما يبين ان الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: {َيا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ ِللهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (2).

__________

(1) انظر مسلم: ج4 ص1883 والترمذي: ج5 ص3. وج5 ص328 والمسند: ج6 ص292،298.

(2) الآيات 3. - 34 من سورة الأحزاب.

وهذا السياق يدل على ان ذلك أمر ونهي، ويدل على أن أزواج النبي (من أهل بيته، فإن السياق إنما هوفي مخاطبتهن، ويدل على أن قوله:

{لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} عمّ غير أزواجه، كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضى الله عنهم لانه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خُصُّوا بكونهم من أهل البيت بالأولى من أزواجه، فلهذا خصَّهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء، كما أن مسجد قُباء أسس على التقوى، ومسجده (أيضا أسس على التقوى وهوأكمل في ذلك، فلما نزل قوله تعالى: {َلمسجدٌ أُسّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِين} (1) بسبب مسجد قباء، تناول اللفظ لمسجد قباء ولمسجده (بطريق الأولى.

وكذلك قوله في إيجاب المودة لهم غلط. فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن قوله تعالى: {ُقلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (2) قال: فقلت: إلا أن تودّوا ذوى قربى محمد (. فقال ابن عباس: عَجلتَ، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله (منهم قرابة. فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم.

فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القرآن، وهذا تفسيره الثابت عنه. ويدل على ذلك أنه لم يقل: إلا المودة لذوى القربى. ولكن قال: إلا المودة في القربى. ألا ترى أنه لما أراد ذوى قرباه قال:

__________

(1) الآية 1.8 من سورة التوبة.

(2) الآية 23 من سورة الشورى.

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} (1)، ولا يُقال: المودة في ذوى القربى. وإنما يقال: المودة لذوى القربى. فكيف وقد قال قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى؟!

ويبين ذلك ان الرسول (لا يسال أجراً أصلاً إنما أجره على الله، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية، وليست موالاتنا أهل البيت من أجر النبي (في شيء.

وأيضاً فإن هذه الآية مكية، ولم يكن عليٌّ قد تزوج بفاطمة ولا وُلد له أولاد.

وأما آية الابتهال ففي الصحيح أنها لما نزلت أخذ النبي (بيد عليٍّ وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم (2)، لكن خصّهم بذلك لأنهم كانوا أقرب إليه من غيرهم، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه. ولكن كان يقول عن الحسن: ((إن ابني هذا سيد)) فهما ابناه ونساؤه إذ لم يكن قد بقي له بنت إلا فاطمة (ا، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران، وهم نصارى، وذلك كان بعد فتح مكة، بل كان سنة تسع، فهذه الآية تدل على كمال اتّصالهم برسول الله (، كما دل على ذلك حديث الكساء، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ولا أعلم منهم، لأن الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى لا بقرب النسب.

كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم} (3) وقد ثبت ان الصديق كان أتقى الأمة بالكتاب والسنة، وتواترعن النبي (أنه قال: ((لوكنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) (4)، وهذا بسوط في موضعه.

__________

(1) الآية 41 من سورة الأنفال.

(2) انظر صحيح مسلم ج4، ص1871 والترمذي ج4 ص 293.

(3) الآية 13 من سورة الحجرات.

(4) انظر البخاري ج1 ص96 ومسلم ج4 ص 1854.

وأما ما نقله عن عليّ أنه كان يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة، فهذا يدل على جهله بالفضيلة وجهله بالواقع. أما أوّلا فلأن هذا ليس بفضيلة، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي (أنه كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة (1). وثبت عنه في الصحيح أنه قال (: ((أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)) (2).

وأيضا فقوله: إن علي بن أي طالب كان أفضل الخلق بعد رسول الله (دعوى مجردة، ينازعه فيها جمهور المسلمين من الأوّلين والآخرين.

وقوله: جعله الله نفس رسول الله (حيث قال: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} وواخاه.

فيقال: أما حديث المؤاخاه فباطل موضوع، فإن النبي (لم يؤاخ أحدا، ولا آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا بين الأنصار بعضهم مع بعض، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، كما ثبت ذلك في الصحيح. وأما قوله: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} فهذا مثل قوله: {َ لوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِم خَيْرًا} (3)

نزلت في قصة عائشة (ا في الإفك، فإن الواحد من المؤمنين من أنفس المؤمنين والمؤمنات.

وأما تزويجه فاطمة ففضيلة لعليّ، كما أن تزويجه عثمان بابنتيه فضيلة لعثمان أيضا، ولذلك سُمِّي ذوالنورين. وكذلك تزوجه بنت أبي بكر وبنت عمر فضيلة لهما، فالخلفاء الأربعة أصهاره (ورضي الله عنهم.

__________

(1) انظر البخاري ج2 ص51 ومسلم ج1 ص 5.8.

(2) انظر البخاري ج4 ص161 وج2 ص5. ومسلم ج2 ص816 وغيرهما.

(3) الآية 12 من سورة النور.

وأما قوله: ((وظهرت منه معجزات كثيرة)) فكأنه يسمّى كرامات الأولياء معجزات، وهذا إصلاح لكثير من الناس. فيقال: عليّ أفضل من كثير ممن له كرامات، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر وعمر على عليّ، فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعليّ (؟ وليس في مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره.

وأما قوله: ((حتى ادّعى قوم فيه الربوبية وقتلهم)).

فهذه مقالة جاهل في غاية الجهل لوجوه: أحدها: أن معجزات النبي (أعظم بكثير وما ادّعى فيه أحد من الصحابة الإلهية.

الثاني: أن معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادّعى أحد فيهما الإلهية.

الثالث: إن معجزات نبينا ومعجزات موسى أعظم من معجزات المسيح، وما ادُّعيت فيهما الإلهية كما ادعيت في المسيح.

الرابع: أن المسيح ادعيت فيه الإلهية أعظم مما ادعيت في محمد وإبراهيم وموسى، ولم يدل ذلك لا على أنه أفضل منهم ولا على أن معجزاته أبهر.

الخامس: أن دعوى الإلهية فيهما دعوى باطلة تقابلها دعوى باطلة، وهي دعوى اليهود في المسيح، ودعوى الخوارج في عليّ؛ فإن الخوارج كفَّروا عليّاً، فإن جاز أن يُقال: إنما ادّعيت فيه الإلهية لقوة الشبهة. وجاز أن يقال، إنما ادّعى فيه الكفر لقوة الشبهة، وجاز أن يقال، صدرت منه ذنوب اقتضت أن يكفّره بها الخوارج.

والخوارج أكثر وأعقل وأدين من الذين ادّعوا فيه الإلهية، فإن جاز الاحتجاج بمثل هذا، وجُعلت هذه الدعوى منقبة، كان دعوى المبغضين له ودعوى الخوارج مثلبة أقوى وأقوى، وأين الخوارج من الرافضة الغالية؟!

فالخوارج من أعظم الناس صلاة وصياما وقراءة للقرآن، ولهم جيوش وعساكر، وهم متدينون بدين الإسلام باطناً وظاهراً. والغالية المدّعون للإلهية إما أن يكونوا من أجهل الناس، وإما أن يكونوا من أكفر الناس، والغالية كفّار بإجماع العلماء، وأما الخوارج فلا يكفّرهم إلا من يكفّر الإمامية، وعلي (لم يكن يكفّرهم، ولا أمر بقتل الواحد المقدور عليه منهم، كما أمر بتحريق الغالية، بل لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد الله بن خبّاب وأغاروا على سرح الناس.

فثبت بالإجماع من عليّ ومن سائر الصحابة والعلماء أن الخوارج خير من الغالية، فإن جاز لشيعته أن تجعل دعوى الغالية الإلهية فيه حجة على فضيلته كان لشيعة عثمان ان يجعلوا دعوى الخوارج لكفره حجة على نقيضه بطريق الأوْلى، فعلم أن هذه الحجة إنما يحتج بها جاهل، ثم أنها تعود عليه لا له، ولهذا كان الناس يعلمون أن الرافضة أجهل وأكذب من الناصبة.

وأما قوله: ((وكان ولده سبطا رسول الله (سيدا شباب أهل الجنة إمامين بنص النبي ()).

فيقال: الذي ثبت بلا شك عن النبي (في الصحيح أنه قال عن الحسن: ((إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)) (1). وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقعده وأسامة بن زيد على فخذه ويقول: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما)) (2)

__________

(1) البخاري ج3 ص186 ومواضع أخر منه وسنن أبي داود ج4 ص 299.

(2) انظر المسند ج5 ص 2.5، 21..

وهذا يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة، وقصد الإصلاح بين المسلمين كان محبوبا يحبه الله ورسوله ولم يكن ذلك معصية، بل كان ذلك أحب إلى الله ورسوله من اقتتال المسلمين، ولهذا أحبه وأحب أسامة بن زيد ودعا لهما، فإن كلاهما كان يكره القتال في الفتنة، فأما أسامة فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية، والحسن كان دائماً يشير على عليّ بترك القتال، وهذا نقيض ما عليه الرافضة من أن ذلك الصلح كان مصيبة وكان ذلا، ولوكان هناك إمام معصوم يجب على كل أحد طاعته، ومن تولّى غيره كانت ولايته باطلة لا يجوز أن يجاهد معه ولا يصلي خلفه، لكان ذلك الصلح من أعظم المصائب على أمة محمد (وفيه فساد دينها، فأي فضيلة كانت تكون للحسن بذلك حتى يُثنى عليه به؟ وإنما غايته أن يُعذر لضعفه عن القتال الواجب والنبي (جعل الحسن في الصلح سيدا محمودا، ولم يجعله عاجزا معذوراً، ولم يكن الحسن أعجز عن القتال من الحسين بل كان أقدر على القتال من الحسين، والحسين قاتل حتى قُتل، فإن كان ما فعله الحسين هوالأفضل الواجب، كان ما فعله الحسن تركا للواجب أوعجزا عنه، وإن كان ما فعله الحسن هوالأفضل الأصلح، دل على أن ترك القتال هوالأفضل الأصلح، وأن الذي فعله الحسن أحب إلى الله ورسوله مما فعله غيره، والله يرفع درجات المؤمنين المتقين بعضهم على بعض، وكلهم في الجنة، رضى الله عنهم أجمعين.

ثم إن كان النبي (جعلهما إمامين لم يكونا قد استفادا الإمامة بنصّ عليّ، ولاستفادها الحسين بنص الحسن عليه، ولا ريب أن الحسن والحسين ريحانتا النبي (في الدنيا. وقد ثبت أنه (أدخلهما مع أبويهما تحت الكساء، وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا)) وأنه دعالهما في المباهلة، وفضائلهما كثيرة، وهما من أجلاء سادات المؤمنين. وأما كونهما أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم فهذا قول بلا دليل.

وأما قوله: ((وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا)).

فهذا كذب عليهما، فإن الحسن تخلّى عن الأمر وسلَّمه إلى معاوية ومعه جيوش العراق، وما كان يختار قتال المسلمين قط، وهذا متواتر من سيرته.

وأما موته، فقد قيل: إنه مات مسموما، وهذه شهادة له وكرامة في حقّه، لكن لم يمت مقاتلا.

والحسين (ما خرج يريد القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه أوالذهاب إلى الثغر، أوإتيان يزيد، فلم يمكّنه أولئك الظلمة لا من هذا ولا من هذا، وطلبوا أن يأخذوه أسيرا إلى يزيد، فامتنع من ذلك وقاتل حتى قُتل مظلومًا شهيداً، لم يكن قصده ابتداءً أن يُقاتل.

وأما قوله عن الحسن: إنه لبس الصوف تحت ثيابه الفاخرة.

فهذا من جنس قوله في علي: إنه كان يصلي ألف ركعة، فإن هذا لا فضيلة فيه، وهوكذب. وذلك أن لبس الصوف تحت ثياب القطن وغيره لوكان فاضلا لكان النبي (شرعه لأمته، إما بقوله أوبفعله، أوكان يفعله أصحابه على عهده، فلما لم يفعله هوولا أحد من أصحابه على عهده، ولا رغب فيه، دل على أنه لا فضيلة فيه، ولكن النبي (لبس في السفر جبة صوف فوق ثيابه.

وأما الحديث الذي رواه أن النبي (أخذ يوماً الحسين على فخذه الأيمن وولده إبراهيم على فخذه الأيسر، فنزل جبريل وقال: إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر من شئت منهما. فقال النبي (: ((إذا مات الحسن بكيت أنا وعلي وفاطمة، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه)) فاختار موت إبراهيم، فمات بعد ثلاثة أيام. وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبّله ويقول: أهلاً ومرحباً بمن فديته بابني إبراهيم)).

فيقال: هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم، ولا يُعرف له إسنادا ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث. وهذا الناقل لم يذكر له إسنادا، ولا عزاه إلى كتاب حديث، ولكن ذكره على عادته في روايته أحاديث مسيَّبة بلا زمام ولا خطام.

ومن المعلوم أن المنقولات لا يُميّز بين صدقها وكذبها إلا بالطرق الدالة على ذلك، وإلا فدعوى النقل المجرد بمنزلة سائر الدعاوى.

ثم يقال: هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهومن أحاديث الجهَّال، فإن الله تعالى ليس في جمعه بين إبراهيم والحسين أعظم مما في جمعه بين الحسن والحسين على مقتضى الحديث، فإن موت الحسن أوالحسين إذا كان أعظم من موت إبراهيم، فبقاء الحسن أعظم من بقاء إبراهيم، وقد بقى الحسن مع الحسين.

(فصل)

أما عليّ بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علما ودينا.

قال يحيى بن سعيد: ((هوأفضل هاشمي رأيته في المدينة)). وقال محمد بن سعد في ((الطبقات)) ((كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا)). وروى عن حمَّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ((سمعت عليًّ بن الحسين، وكان أفضل هاشمي أدركته، يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار عاراً علينا)).

وأما ما ذكره من قيام ألف ركعة، فقد تقدّم أن هذا لا يمكن إلا على وجه يكره في الشريعة، أولا يمكن بحال، فلا يصلح ذكر مثل هذا في المناقب. وكذلك ما ذَكَرَه من تسمية رسول الله صلى لله عليه وسلم له سيد العابدين هوشيء لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم والدين.

وكذلك أبوجعفر محمد بن عليّ من خيار أهل العلم والدين. وقيل إنما سمى الباقر لأنه بَقَرَ العلم، لا لأجل بقر السجود جبهته. وأما كونه أعلم أهل زمانه فهذا يحتاج إلى دليل، والزهري من أقرانه، وهوعند الناس أعلم منه، ونَقْلُ تسميته بالباقر عن النبي (لا أصل له عند أهل العلم، بل هومن الأحاديث الموضوعة. وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هومن الموضوعات عند أهل العلم بالحديث.

وجعفر الصادق (من خيار أهل العلم والدين. وقال عمروبن أبي المقدام: ((كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين)).

وأما قوله ((اشتغل بالعبادة عن الرياسة)).

وهذا تناقض من الإمامية، لأن الإمامة عندهم واجب عليه أن يقوم بها وبأعبائها، فإنه لا إمام في وقته إلا هو، فالقيام بهذا الأمر العظيم لوكان واجبا لكان أوْلى من الاشتغال بنوافل العبادات.

وأما قوله: إنه: ((هوالذي نشر فقه الإمامية، والمعارف الحقيقية، والعقائد اليقينية)).

فهذا الكلام يستلزم أحد أمرين: إما أنه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه من قبله. وإما أن يكون الذين قبله قصّروا فيما يجب عليهم من نشر العلم. وهل يشك عاقل أن النبي (بيَّن لأمته المعارف الحقيقية والعقائد اليقينية أكمل بيان؟ وأن أصحابه تلقّوا ذلك عنه وبلَّغوه إلى المسلمين؟

وهذا يقتضي القدح: إما فيه، وإما فيهم. بل كُذِب على جعفر الصادق أكثر مما كُذِب على من قبله، فالآفة وقعت من الكذَّابين عليه لا منه. ولهذا نُسب إليه أنواع من الأكاذيب، مثل كتاب ((البطاقة)) و((الجَفْر)) و((الهَفْت)) والكلام في النجوم.

(فصل)

وأما من بعد جعفر فموسى بن جعفر، قال فيه أبوحاتم الرازي:

((ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين)). قلت: موسى ولد بالمدينة سنة بضع وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى المدينة، وأقام بها إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عُمْرةٍ، فحمل موسى معه إلى بغداد، وحبسه بها إلى أن تُوفي في محبسه.

وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في كتب المشهورين بالعلم وتواريخهم، ولا هم في التفسير وغيره أقوال معروفة، ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل، (م أجمعين، وموسى بن جعفر مشهور بالعبادة والنسك.

وأما الحكاية المذكورة عن شقسق البلخى فكذب، فإن هذه الحكاية تخالف المعروف من حال موسى بن جعفر.

أما قوله: ((تاب على يديه بشر الحافي)) فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا حال بشر، فإن موسى بن جعفر لما قدم به الرشيد إلى العراق حبسه، فلم يكن ممن يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة.

(فصل)

قال الرافضي: ((وكان ولده عليّ الرضا أزهد أهل زمانه وكان أعلمهم وأخذ عنه فقهاء الجمهور كثيرا، وولاّه المأمون لعلمه بما هوعليه من الكمال والفضل. ووعظ يوما أخاه زيداً، فقال: يا زيد ما أنت قائل لرسول الله (إذا سَفَكْتَ الدماء، وأخذت الأموال من غير حلها وأخفت السبل، وغرّك حمقى أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله (: إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية: إن عليا قال: يا رسول الله لم سميت فاطمة؟ قال: لأن الله فطمها وذريتها من النار، فلا يكون الإحصان سببا لتحريم ذريتها على النار وأنت تظلم. والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة لله، فإن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته، إنك إذاً لأكرم على الله منهم.

وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير، وكتب إلى أهل الآفاق ببيعته، وطرح السواد ولبس الخضرة)).

فيقال: من المصائب التي ابتُلي بها ولد الحسين انتساب الرافضة إليهم وتعظيمهم ومدحهم لهم، فإنهم يُمدحون بما ليس بمدح، ويدّعون لهم دعاوى لا حجة لها، ويذكرون من الكلام ما لولم يُعرف فضلهم من غير كلام الرافضة، لكان ما تذكره الرافضة بالقدح أشبه منه في المدح، فإن علي بن موسى له من المحاسن والمكارم المعروفة، والممادح المناسبة لحاله اللائقة به، ما يعرفه بها أهل المعرفة. وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة بحجة.

وأما قوله: ((إن كان أزهد الناس وأعلمهم)) فدعوى مجردة بلا دليل، فكل من غلا في شخص أمكنه أن يدّعى له هذه الدعوى. كيف والناس يعلمون أنه كان في زمانه من هوأعلم منه، ومن هوأزهد منه، كالشافعي وإسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وأمثال هؤلاء.

وأما قوله: ((إنه أخذ عن فقهاء الجمهور كثيراً)) فهذا من أظهر الكذب. هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورين لم يأخذوا عنه ما هومعروف، وإن أخذ عنه بعض من لا يُعرف من فقهاء الجمهور فهذا لا يُنكر، فإن طلبة الفقهاء قد يأخذون من المتوسطين في العلم، ومن هم دون المتوسطين.

وما ذكره بعض الناس من أن معروفا الكرخي كان خادماًله، وأنه أسلم على يديه، أوأن الخرقة متصلة منه إليه، فكله كذب باتفاق من يعرف هذا الشأن.

والحديث الذي ذكره عن النبي (عن فاطمة هوكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضا؛ فإن قوله: ((إن فاطمة أحصنت فرجها فحرَّم الله ذريتها على النار)) يقتضي أن إحصان فرجها هوالسبب لتحريم ذريتها على النار وهذا باطل قطعا، فإن سارَّة أحصنت فرجها، ولم يحرِّم الله جميع ذريتها على النار.

وأيضا فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد (خادماً له عبارة من لا يعرف قدر الملائكة، وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء. ولكن الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم، وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم وكذبهم، وما يُثْبِت أصول الدين بمثل هذه الأشعار، إلا ليس معدوداً من أولي الأبصار.

(فصل)

قال الرافضي: ((وكان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى والجود، ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون لكثرة علمه ودينه ووفور عقله مع صغر سنه، وأراد أن يزوِّجه ابنته أم الفضل، وكان قد زوَّج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب، فغلظ ذلك على العباسيين واستنكروه وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يبايعه كما بايع أباه، فاجتمع الأدنون منهم وسألوه ترك ذلك، وقالوا: إنه صغير السن لا علم عنده، فقال: أنا أعرف منكم به، فإن شئتم فامتحنوه، فرضوا بذلك، وجعلوا للقاضي يحيى بن أكثم مالاً كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه فيها، فتواعدوا إلى يوم، وأحضره المأمون وحضر القاضي وجماعة العباسيين، فقال القاضي: أسألك عن شيء؟ فقال عليه السلام سل فقال: ما تقول في مُحْرِم قتل صيدا؟ فقال له عليه السلام قتله في حل أوحرم، عالما كان أوجاهلا، مبتدئا بقتله أوعائذا، من صغار الصيد كان أم من كبارها، عبدا كان المُحرم أوحرًّا، صغيرا كان أوكبيرا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ فتحير يحيى بن أكثم، وبان العجز في وجهه، حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه، ثم أقبل الإمام فقال: أتخطب؟ قال: نعم فقال: أخطب لنفسك خطبة النكاح، فخطب وعقد على خمسمائة درهم جياداً كمهر جدته فاطمة عليها السلام، ثم تزوج بها.

والجواب أن يقال: إن محمد بن عليّ الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهومعروف بالسخاء والسؤدد. ولهذا سُمِّيَ الجواد، ومات وهوشاب ابن خمس وعشرين سنة، ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة عشرين أوسنة تسع عشرة، وكان المأمون زوَّجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، ومات بها.

وأما ما ذكره فإنه من نمط ما قبله، فإن الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا نقل صحيح، ولا يقيمون حقا، ولا يهدمون باطلا، لا بحجة وبيان، ولا بيد وسنان، فإنه ليس فيما ذكره ما يثبت فضيلة محمد بن عليّ، فضلا عن ثبوت إمامته، فإن هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلا الجهال، ويحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن مُحْرِم قتل صيدا، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، فليست من دقائق العلم ولا غرائبه، ولا مما يختص به المبرِّزون في العلم.

(فصل)

قال الرافضي: ((وكان ولده عليّ الهادي، ويُقال له: العسكري، لأن المتوكل أشخصه من المدينة إلى بغداد، ثم منها إلى سُرَّ من رأى، فأقام بموضع عندها يقال له العسكر، ثم انتقل إلى سُرَّ من رأى فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، وإنما أشخصه المتوكل لأنه كان يبغض عليًّا (، فبلّغه مقام عليّ بالمدينة، وميل الناس إليه، فخاف منه، فدعا يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره، فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه، لأنه كان محسنا إليهم، ملازماً للعبادة في المسجد، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه، ثم فتَّش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينه، وتولى خدمته بنفسه، فلما قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطائي وإلى بغداد. فقال له: يا يحيى هذا الرجل قد ولده رسول الله (، والمتوكل من تَعْلَم، فإن حرضته عليه قتله، وكان رسول الله (خصمك يوم القيامة، فقال له يحيى: والله ما وقعت منه إلا على خير. قال: فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن سيرته وورعه وزهده فأكرمه المتوكل، ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفيَ تصدّق بدراهم كثيرة، فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا فبعث إلى عليّ الهادي، فسأله فقال: تصدّق بثلاثة وثمانين درهما، فسأله

المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: {َلقدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةً} (1) وكانت لمواطن هذه الجملة، فإن النبي (غزا سبعاً وعشرين غزاة، وبعث ستا وخمسين سرية. قال المسعودي: نُمى إلى المتوكل بعليّ بن محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قُم وأنه عازم على الملك، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا، ووجدوه في بيت مغلق عليه وهويقرأ وعليه مُدرعة من صوف، وهوجالس على الرمل والحصى متوجها إلى الله تعالى يتلوالقرآن، فحُمل على حالته تلك إلى المتوكل، وأُدخل عليه وهوفي مجلس الشراب، والكأس في يد المتوكل، فعظَّمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني، فأعفاه وقال له: أسمعني صوتا، فقال: {َكمْ تَرَكوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُوُن}. الآيات (2) فقال: أنشدنى شعراً، فقال: إني قليل الرواية للشعر، فقال لا بد من ذلك، فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غُلْبُ الرجال فما أغنتهم القُلَلُ

واستُنزلوا بعد عزٍمن معاقلهم وأسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهُمُ صارخ من بعد دفنهم أين الأسرَّة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعَّمة من دونها تُضرب الأستار والكِللُ

فأفصح القبر عنهُمْ حين ساءَلُهُمْ تلك الوجوهُ عليها الدود يقتتل

قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا

فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته)).

__________

(1) الآية 25 من سورة التوبة.

(2) الآية 25 من سورة الدخان.

فيقال: هذا الكلام من جنس ما قبله، لم يذكر منقبة بحجة صحيحة، بل ذكر ما يعلم العلماء أنه من الباطل، فإنه ذكر في الحكاية أن والي بغداد كان إسحاق بن إبراهيم الطائي، وهذا من جهله، فإن إسحاق بن إبراهيم هذا خزاعي معروف هووأهل بيته، كانوا من خزاعة، فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب،، وابن عمه عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهورالمعلومة سيرته، وابن هذا محمد بن عبد الله بن طاهر كان نائبا على بغداد في خلافة المتوكل وغيره، وهوالذي صلَّى على أحمد بن حنبل لما مات، وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائبا لهم في إمارة المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل، وهؤلاء كلهم من خزاعة ليسوا من طيئ وهم أهل بيت مشهورون.

وأما الفُتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عُوفِيَ يتصدّق بدراهم كثيرة، وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا، وأن عليّ بن محمد أمره أن يتصدق بثلاثة وثمانين درهما، لقوله تعالى: {لقدْ نَصَرَكُمْ الله في مَواطِنَ كَثيرَةً} (1)، وأن المواطن كانت هذه الجملة، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزاة، وبعث ستاً وخمسين سرية، فهذه الحكاية أيضا تحكى عن عليّ بن موسى مع المأمون، وهي دائرة بين أمرين: إما أن تكون كذبا، وإما أن تكون جهلا ممن أفتى بذلك.

فإن قول القائل: له عليَّ دراهم كثيرة، أووالله لأعطين فلانا دراهم كثيرة، أولأتصدقن بدراهم كثيرة، لا يُحمل على ثلاث وثمانين عند أحد من علماء المسلمين.

والحجة المذكورة باطلة لوجوه:

أحدها: أن قول القائل: إن المواطن كانت سبعا وعشرين غزاة وستا وخمسين سرية، ليس بصحيح، فإن النبي (لم يغز سبعا وعشرين غزاة باتفاق أهل العلم بالسير، بل أقل من ذلك.

__________

(1) الآية 25 من سورة الدخان.

الثاني: أن هذه الآية نزلت يوم حنين، والله قد أخبر بما كان قبل ذلك، فيجب أن يكون ما تقدَّم قبل ذلك مواطن كثيرة، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف وغزوة تبوك، وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا التي كانت بعد فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة وأمثال ذلك.

وجرير إنما أسلم قبل موت النبي (بنحوسنة، وإذا كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية، امتنع أن تكون هذه الآية المخبرة عن الماضي إخبارا بجميع المغازي والسرايا.

الثالث: أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي، بل يوم أحد تولوا، وكان يوم بلاء وتمحيص. وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا لم يكونوا منصورين فيها، فلوكان مجموع المغازي والسرايا ثلاثا وثمانين فإنهم لم ينصروا فيها كلها، حتى يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثا وثمانين.

الرابع: أنه بتقدير أن يكون المراد بالكثير في الآية ثلاثا وثمانين، فهذا لا يقتضي اختصاص هذا القدر بذلك؛ فإن لفظ ((الكثير)) لفظ عام يتناول الألف والألفين والآلاف، وإذا عمَّ أنواعا من المقادير، فتخصيص بعض المقادير دون بعض تحكّم.

الخامس: أن الله تعالى قال: {َمنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة} (1)، والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف بنص القرآن، وقد ورد أنه يضاعفها ألفى ألف حسنة، فقد سمَّى هذه الأضعاف كثيرة، وهذه المواطن كثيرة.

وقد قال تعالى: {َكمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِين} (2) والكثرة ههنا تتناول أنواعا من المقادير، لأن الفئات المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين، وقد تكون الفئة القليلة ألفا والفئة الكثيرة ثلاثة آلاف، فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى.

__________

(1) الآية 245 من سورة البقرة.

(2) الآية 249 من سورة البقرة.

(فصل)

قال الرافضي: ((وولده مولانا المهدي محمد عليه السلام. روى ابن الجوزى بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا، فذلك هوالمهدي)).

فيقال: قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ: أن الحسن بن عليّ العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. والإمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدّعون أنه دخل السرداب بسامرّا وهوصغير، منهم من قال: عمره سنتان، ومنهم من قال: عمره ثلاث، ومنهم من قال: خمس سنين وهذا لوكان موجودا معلوما، لكن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون محضونا عند من يحضنه في بدنه، كأمه، وأم أمه، ونحوهما من أهل الحضانة، وأن يكون ماله عند من يحفظه: أما وصى أبيه إن كان له وصى، وإما غير الوصى: إما قريب، وإما نائب لدى السلطان، فإنه يتيم لموت أبيه.

والله تعالى يقول: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُم رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} (1). فهذا لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغ النكاح ويؤنس منه الرشد، كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إماما لجميع المسلمين معصوما، لا يكون أحدا مؤمنا إلا بالإيمان به؟!

__________

(1) الآية 6 من سورة النساء.

ثم إن هذا باتفاق منهم: سواء قُدِّر وجوده أوعدمه، لا ينتفعون به لا في دين ولا في دنيا، ولا علَّمَ أَحداً شيئا، ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر، فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها، لا الخاصة ولا العامة، بل إن قدِّر وجوده فهوضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا، فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذِّبون به يعذَّبون عندهم على تكذيبهم به، فهوشر محض لا خير فيه، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل.

وإذا قالوا: إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم.

قيل: أولا: كان الظلم موجودا في زمن آبائه ولم يحتجبوا.

وقيل: ثانيا: فالمؤمنون به طبَّقوا الأرض فهلاَّ اجتمع بهم في بعض الأوقات أوأرسل إليهم رسولا يعلِّمهم شيئا من العلم والدين؟!

وقيل: ثالثا: قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته، كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية، وغير ذلك من المواضع العاصية.

وقيل: رابعا: فإذا كان هولا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد، لأجل هذا الخوف، لم يكن في وجوده لطف ولا مصلحة، فكان هذا مناقضا لما أثبتوه. بخلاف من أرسل من الأنبياء وكُذِّب، فإنه بلَّغ الرسالة، وحصل لمن آمن به من اللطف والمصلحة ما هومن نعم الله عليه. وهذا المنتَظَر لم يحصل به لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي، ودوام الحسرة والألم، ومعاداة العالم، والدعاء الذي لا يستجيبه الله، لأنهم يدعون له بالخروج والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة لم يحصل شيء من هذا. ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المدة أمر يعرف كذبه بالعادة المطَّردة في أمة محمد، فلا يُعرف أحد وُلد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة، فضلا عن هذا العمر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي (أنه قال في آخر عمره: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هواليوم عليها أحد)) (1).

فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش؟ أكثر من مائه سنة قطعا. وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد، فما بعده من الأعصار أوْلى بذلك في العادة الغالبة العامة، فإن أعمار بني آدم في الغالب كلما تأخر الزمان قصرت ولم تطل، فإن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وآدم عليه السلام عاش ألف سنة، كما ثبت ذلك في حديث صحيح رواه الترمذي وصحَّحَه (2)، فكان العمر في ذلك الزمان طويلا، ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يَجوز ذلك، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (3).

__________

(1) انظر البخاري ج1 ص119 ومسلم ج4 ص 1965.

(2) انظر سنن الترمذي ج5 ص 123 - 124 وقال: حسن غريب من هذا الوجه.

(3) انظر سنن الترمذي ج3 ص 387 وابن ماجة ج2 ص 1415.

واحتجاجهم بحياة الخضر احتجاج باطل، فمن الذي يسلِّم لهم بقاء الخضر. والذي عليه سائر العلماء المحققون أنه مات، وبتقدير بقائه فليس هومن هذه الأمة.

ولهذا يوجد كثير من الكذَّابين من الجن والإنس ممن يدَّعي أنه الخضر ويظن من رآه أنه الخضر، وفي ذلك من الحكايات الصحيحة التي نعرفها ما يطول وصفها هنا.

وكذلك المنتظر محمد بن الحسن، فإن عددا كثيرا من الناس يدَّعي كل واحد منهم أنه محمد بن الحسن، منهم من يظهر ذلك لطائفة من الناس، ومنهم من يكتم ذلك ولا يظهره إلا للواحد أوالاثنين، وما من هؤلاء إلا من يَظْهَرُ كذبه كما يظهر كذب من يدَّعي أنه الخضر.

(فصل)

وقوله: روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر: قال: قال رسول الله (: ((يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فذلك هوالمهدي))

فيقال: الجواب من وجوه:

أحدها: إنكم لا تحتجون بأحاديث أهل السنة، فمثل هذا الحديث لا يفيدكم فائدة. وإن قلتم: هوحجة على أهل السنة، فنذكر كلامهم فيه.

الثاني: إن هذا من أخبار الآحاد، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به؟

الثالث: أن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم، فإن لفظه: ((يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)) فالمهدي الذي أخبر به النبي (اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن. وقد رُوي عن عليّ (أنه قال: هومن ولد الحسن بن عليّ، لا من ولد الحسين بن عليّ.

وأحاديث المهدي معروفة، رواها الإمام أحمد وأبوداود والترمذي وغيرهم، كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي (أنه قال: ((لولم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا)) (1).

__________

(1) انظر سنن أبي داود ج4 ص151 والترمذي ج3 ص 343 والمسند ج2 ص117.

الرابع: أن الحديث الذي ذكره، وقوله: ((اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي)) ولم يقل: ((يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)) فلم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتب الحديث المعروفة، بهذا اللفظ. فهذا الرافضي لم يذكر الحديث بلفظه المعروف في كتب الحديث، مثل مسند أحمد، وسنن أبي داود والترمذي، وغير ذلك من الكتب. وإنما ذكره بلفظ مكذوب لم يروه أحد منهم.

وقوله: إن ابن الجوزي رواه بإسناده: إن أراد العالم المشهور صاحب المصنَّفات الكثيرة أبا الفرج، فهوكذب عليه. وإن أراد سبطه يوسف بن قز أوغلى صاحب التاريخ المسمى ((بمرآة الزمان)) وصاحب الكتاب المصنَّف في ((الإثنى عشر)) الذي سمَّاه ((إعلام الخواص)) فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغثّ والسمين، ويحتجّ في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، وكان يصنِّف بحسب مقاصد الناس: يصنِّف للشيعة ما يناسبهم ليعوِّضوه بذلك، ويصنِّف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك لينال بذلك أغراضه، فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له: ما مذهبك؟ قال: في أي مدينة؟

ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم.

(فصل)

قال الرافضي: ((فهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون، الذين بلغوا الغاية في الكمال، ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك وأنواع المعاصي والملاهي، وشرب الخمور والفجور، حتى فعلوا بأقاربهم على ما هوالمتواتر بين الناس. قالت الإمامية: فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء، وهوخير الحاكمين)).

قال: ((وما أحسن قول الشاعر:

إذا شئت أن ترضي لنفسك مذهبا وتعلم أن الناس في نقل أخبار

فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد والمروىّ عن كعب أحبار

ووال أناسا قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرئيل عن الباري))

والجواب من وجوه:

أحدها: أن يقال: أما دعوى العصمة في هؤلاء فلم تذكر عليها حجة إلا ما ادّعيته من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما، ليكون لطفا ومصلحة في التكليف، وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه: أدناها أن هذا مفقود لا موجود، فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة، ولولم يكن في الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد عُلم بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد، لا في دين ولا في دنيا، ولا حصل لأحد من المكلَّفين به مصلحة ولا لطف، لكان هذا دليلا على بطلان قولهم، فكيف مع كثرة الدلائل على ذلك؟

الوجه الثاني: أن قوله: ((كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال)) هوقول مجرد عن الدليل، والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله. وإذا ادّعى المدّعي هذا الكمال فيمن هوأشهر في العلم والدين من العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، لكان ذلك أوْلى بالقبول. ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من الكذب، دع الصدق.

الثالث: أن قوله: ((هؤلاء الأئمة)) إن أراد بذلك أنهم كانوا ذوى سلطان وقدرة معهم السيف، فهذا كذب ظاهر، وهم لا يدَّعون ذلك، بل يقولون: إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين، لم يتمكن أحد منهم من الإمامة، إلاّ عليّ بن أبي طالب، مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة - أوأقل أوأكثر - لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هوأفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع عليّ مثلهم، بل الذين تخلَّفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه.

وإن أراد أنه كان لهم علم ودين يستحقون به أوكانوا أئمة، فهذه الدعوى إذا صحت لا تُوجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم، كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إماما، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيِّره قاضيا، واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب. والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما. وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذوسلطان وقدرة لا من يستحق أن يولَّى القضاء، وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمَّر وإن كان يستحق أن يؤمَّر.

الوجه الرابع: أن يقال ما تعنون بالاستحقاق؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش؟ أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح للخلافة؟ فإن أردتم الأول فهوممنوع مردود، وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم وبين خلق كثير من قريش.

الوجه الخامس: أن يقال الإمام هوالذى يؤتم به وذلك على وجهين: أحدها: أن يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع، لكونه عالما بأمر الله عزوجل آمرا به، فيطيعه المطيع لذلك، وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة.

والثاني: أن يكون صاحب يد وسيف، بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة.

الوجه السادس: أن يقال: قوله: ((لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك والمعاصي)) كلام باطل. وذلك أنه إن أراد أهل السنة يقولون: إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله، فهذا كذب عليهم. فإن علماء أهل السنة المعروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه لا يُقتدى بأحد في معصية الله، ولا يُتخذ إماما في ذلك.

وإن أراد ان أهل السنة يستعينون بهؤلاء الملوك فيما يُحتاج إليهم فيه من طاعة الله، ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله، فيقال لهم: إن كان اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذوراً، فالرافضة أدخل منهم في ذلك، فإنهم دائما يستعينون بالكفّار والفجّار على مطالبهم، ويعاونون الكفّار والفجّار على كثير من مآربهم، وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان، ولولم يكن إلا صاحب هذا الكتاب ((منهاج الندامة)) وإخوانه، فإنهم يتخذون المغل والكفار أوالفسَّاق أوالجهال أئمة بهذا الاعتبار.

الوجه السابع: أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه وادّعى عصمتهم، ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة، ولا يكفي الائتمام بهم في طاعة الله، ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله، فإن لم يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلّي خلفهم جمعة ولا جماعة، ولا يكونون أئمة في الجهاد ولا في الحج، ولا تُقام بهم الحدود، ولا تُفصل بهم الخصومات، ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال، ولا يؤمَّن بهم السبل، فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها، ولا يكون قادراً إلاّ من له أعوان على ذلك، بل القادر على ذلك كان غيرهم، فمن طلب هذه الأمور من إمام عاجز عنها كان جاهلا ظالما، ومن استعان عليها بمن هوقادر عليها كان عالما مهتديا مسدَّدا، فهذا يحصِّل مصلحة دينه ودنياه، والأول تفوته مصلحة دينه ودنياه.

الوجه الثامن: أن يقال: دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هوكذب، وقد عُلم أن فيهم العدْل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدى بالله، وأكثرهم لم يكن مظهراً لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس، وإن كان أحدهم قد يُبتلى ببعض الذنوب، وقد يكون تاب منها، وقد يكون له حسنات كثيرة تمحوتلك السيئات، وقد يُبتلى بمصائب تكفِّر عنه خطاياه. ففي الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو، وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم، وإقامة كثير من العدل.

ونحن لا نقول: إنهم كانوا سالمين من المظالم والذنوب، كما لا نقول: إن أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك، لكن نقول: وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله.

وإن قال: مرادى بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر. قيل له: ما رواه عليّ بن الحسين وأبوجعفر وأمثالهما من حديث جدهم، فمقبول منهم كما يرويه أمثاله. ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء. وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس، وكلاهما من بلد واحد، في عصر واحد؟

فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه؟ فعلم لا يَقال به ككنز لا يُنفق منه، وكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم، كالإمام المعدوم، وكلاهما لا يُنتفع به، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة. وإن قالوا: بل كانوا يبينون ذلك لخواصّهم دون هؤلاء الأئمة. قيل: أولا: هذا كذب عليهم، فإن جعفر بن محمد لم يجيء بعده مثله. وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة، كمالك، وابن عيينة، والثوري، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وأمثالهم من العلماء المشاهير الأعيان.

ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم ويخصّون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق، فقد أساء الظن بهم؛ فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله، والطاعة له، والرغبة في حفظ دينه وتبليغه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وصيانته عن الزيادة والنقصان، ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة. وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء. واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة، كمصنِّف هذا الكتاب، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعض الناس: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا. ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي (وأقواله وأعماله، فيروى الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة، فإن كان عالما بأنه كذب، فقد ثبت عنه (أنه قال: ((من حدَّث عني بحديث وهويرى أنه كذب فهوأحد الكاذبين)) وإن كان جاهلا بذلك دلّ على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي (كما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

(فصل)

قال الرافضي: ((وما أظن أحدا من المحصِّلين وقف على هذه المذاهب واختار غير مذهب الإمامية باطنا، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا لدنيا، حيث وُضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر لبني العباس الدعوة ويُشيدوا للعامة اعتقاد إمامتهم)).

فيقال: هذا الكلام لا يقوله إلا من هومن أجهل الناس بأحوال أهل السنة، أومن هومن أعظم الناس كذبا وعنادا، وبطلانه ظاهر من وجوه كثيرة؛ فإنه من المعلوم أن السنة كانت قبل أن تُبنى المدارس أقوى وأظهر، فإن المدارس إنما بُنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة: بنيت النظامية في حدود الستين والأربعمائة، وبنيتا على مذهب واحد من الأئمة الأربعة. والمذاهب الأربعة طبقت المشرق والمغرب، وليس لأحد منهم مدرسة، والمالكية في المغرب لا يُذكر عندهم ولد العباس.

ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس، فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير من الشيعة وغيرهم من أهل أبدع. ثم أن أهل السنة متفقون على أن الخلافة لا تختص ببني العباس، وإنه لوتولاهما بعض العلويين أوالأموييين أوغيرهم من بطون قريش جاز، ثم من المعلوم أن علماء السنة، كمالك وأحمد وغيرهما، من أبعد الناس عن مداهنة الملوك أومقاربتهم، ثم إن أهل السنة إنما يعظِّمون الخلفاء الراشدين، وليس فيهم أحد من بني العباس.

ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي، بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك، وهذه كتب الطوائف كلها تنطق بذلك، مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة، وذكر جهلهم وضلالهم.

وهم دائما يذكون من جهل الرافضة وضلالهم ما يُعلم معه بالاضطرار أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى. كيف ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة، فإنهم جهمية قدرية رافضة، وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله، والكتب مشحونة بذلك، ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك، وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة والحرورية.

والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يُتهم بمذهب الإمامية، فضلا عن أن يُقال: إنه يعتقده في الباطن.

وقد اتُّهم بمذهب الزيدية الحسن بن الصالح بن حيّ، وكان فقيها صالحا زاهدا، وقيل: إن ذلك كذب عليه، ولم ينقل أحد عنه: إنه طعن في أبي بكر وعمر، فضلا عن أن يشك في إمامتهما، واتُّهم طائفة من الشيعة الأولى بتفضيل عليّ على عثمان، ولم يُتهم أحد من الشيعة الأولى بتفضيل عليّ على أبي بكر وعمر، بل كانت عامة الشيعة الأولى الذين يحبون عليًّا يفضِّلون عليه أبا بكر وعمر، لكن كان فيهم طائفة ترجِّحه على عثمان، وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين: شيعة عثمانية، وشيعة علوية. وليس كل من قاتل مع عليّ كان يفضله على عثمان، بل كان كثير منهم يفضّل عثمان على عليّ، كما هوقول سائر أهل السنة.

عدد مرات القراءة:
2046
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :