آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 09:02:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

بدع أهل السنة ..

قال الرافضي: ((مع أنهم ابتدعوا أشياء، واعترفوا بأنها بدعة، وأن النبي (قال: ((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فإن مصيرها النار)). وقال (: ((من أدخل في ديننا ما ليس منه فهوردّ))، ولوردوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم، كذكر الخلفاء في خطبهم، مع أنه بالإجماع لم يكن في زمن النبي (، ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين، ولا في زمن بني أمية، ولا في صدور ولاية العباسيين، بل شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية خلاف، فقال: والله لأرغمن أنفي وأنوفهم وأرفع عليهم بني تيم وعدي، وذكر الصحابة في خطبته، واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان)).

فيقال: الجواب من وجوه: أحدها: أن ذكر الخلفاء على المنبر كان على عهد عمر بن عبد العزيز، بل قد رُوى أنه كان على عهد عمر بن الخطاب (.

الوجه الثاني: أنه قيل: أن عمر بن عبد العزيز ذكر الخلفاء الأربعة لما كان بعض بني أمية يسبُّون عليا، فعوَّض عن ذلك بذكر الخلفاء والترضّي عنهم، ليمحوتلك السنة الفاسدة.

الوجه الثالث: أن ما ذكره من إحداث المنصور وقصده بذلك باطل، فإن أبا بكر وعمر (ما توليا الخلافة قبل المنصور وقبل بني أمية، فلم يكن في ذكر المنصور لهما إرغام لأنفه ولا لأنوف بني عليّ، إلا لوكان بعض بني تيْم أوبعض بني عدي ينازعهم الخلافة، ولم يكن أحد من هؤلاء ينازعهم فيها.

الوجه الرابع: أن أهل السنة لا يقولون: إن ذكر الخلفاء الأربعة في الخطبة فرضٌ، بل يقولون: إن الاقتصار على عليّ وحده، أوذكر الاثنى عشر هوالبدعة المنكرة التي لم يفعلها أحد، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بني أمية، ولا من بني العباس. كما يقولون: إن سب عليّ أوغيره من السلف بدعة منكرة، فإن كان ذكر الخلفاء الأربعة بدعة، مع أن كثيراً من الخلفاء فعلوا ذلك، فالاقتصار على عليّ، مع أنه لم يسبق إليه أحد من الأمة أوْلى أن يكون بدعة، وإن كان ذكر عليٍّ لكونه أمير المؤمنين مستحبا، فذكر الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون أوْلى بالاستحباب، لكن الرافضة من المطففين: يرى أحدهم القَذَاة في عيون أهل السنة، ولا يرى الجذع المعترض في عينه.

ومن المعلوم أن الخلفاء الثلاثة اتفق عليهم المسلمون، وكان السيف في زمانهم مسلولا على الكفار، مكفوفاً عن أهل الإسلام. وأما عليّ فلم يتفق المسلمون على مبايعته، بل وقعت الفتنة تلك المدة، وكان السيف في تلك المدة مكفوفا عن الكفار مسلولاً على أهل الإسلام، فاقتصار المقتصر على ذكر عليّ وحده دون من سبقه، هوترك لذكر الأئمة وقت اجتماع المسلمين وانتصارهم على عدوهم، واقتصار على ذكر الإمام الذي كان إماما وقت افتراق المسلمين وطلب عدوهم لبلادهم.

(فصل)

قال الرافضي: ((وكمسح الرجلين الذي نصّ الله تعالى عليه في كتابه العزيز فقال: {َ فاْغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن} (1)، وقال ابن عباس: ((عضوان مغسولان، وعضوان ممسوحان، فغيروه وأوجبوا الغسل)).

__________

(1) الآية 6 من سورة المائدة.

فيقال: الذين نقلوا عن النبي (الوضوء قولا وفعلا، والذين تعلّموا الوضوء منه وتوضؤوا على عهده، وهويراهم ويقرهم عليه ونقلوه إلى من بعدهم، أكثر عددا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه (؛ فإن هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار))، مع أن الفرض إذا كان مسح ظهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعوإليها الطباع، كما تدعوالطباع إلى طلب الرئاسة والمال فإن جاز أن يقال: إنهم كذبوا وأخطؤوا فيما نقلوه عنه من ذلك، كان الكذب والخطأ فيما نُقل من لفظ الآية أقرب إلى الجواز.

وإن قيل بل لفظت الآية بالتواتر الذي لا يمكن الخطأ فيه، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أوْلى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنَّة، فإن المسح جنس تحته نوعان: الإسالة، وغير الإسالة، كما تقول العرب: تمسَّحت للصلاة، فما كان بالإسالة فهوالغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يُقال على المسح العام الذي يندرج فيه الغسل، ويُقال على الخاص الذي لا يندرج فيه الغسل.

وفي القرآن ما يدل على أنه لم يُرد بمسح الرجلين المسح الذي هوقسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه؛ فإنه قال: {إلى الكعبين} ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: {إلى المرافق}، فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هوالغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وفي ذكره الغسل في العضوين الأوَّليْن والمسح في الآخرين، التنبيه على أن هذين العضوين يجب فيهما المسح العام، فتارة يُجزئ المسح الخاص، كما في مسح الرأس والعمامة والمسح على الخفين، وتارة لا بد من المسح الكامل الذي هوغسل، كما في الرجلين المكشوفتين.

وقد تواترت السنة عن النبي (بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحوذلك، مما يتوهمون أنه مخالف لظاهر القرآن، بل تواتر غسل الرجلين والمسح على الخفين عن النبي (أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار، أوثلاثة دراهم، أوعشرة دراهم، أونحوذلك.

وفي الجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه إيجاب المسح، فلوقدِّر أن السنة أوجبت قدراً زائدا على ما أوجبه القرآن لم يكن في هذا رفعا لموجب القرآن، فكيف إذا فسَّرته وبيَّنت معناه؟ وهذا مبسوط في موضعه.

(فصل)

قال الرافضي: ((وكالمتعتين اللتين ورد بهما القرآن، فقال في متعة الحج: {َفمنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} (1) وتأسّف النبي (على فواتها لما حجَّ قارنا، وقال لو((استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى)) وقال في متعة النساء: {َفما اْستَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَأْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَة} (2)

__________

(1) الآية 196 من سورة البقرة.

(2) الآية 24 من سورة النساء.

واستمرت فعلهما مدة زمان النبي (ومدة خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، إلى أن صعد المنبر، وقال: ((متعتان كانتا محللتين على عهد رسول الله (وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما)).

والجواب أن يقال: أما متعة الحج فمتفق على جوازها بين أئمة المسلمين، ودعواه أن أهل السنة ابتدعوا تحريمها كذب عليهم، بل أكثر علماء السنة يستحبون المتعة ويرجّحونها أويوجبونها. والمتعة اسم جامع لمن اعتمر في أشهر الحج وجمع بينها وبين الحج في سفر واحد، سواء حلّ من إحرامه بالعمرة ثم أحرم بالحج، أوأحرم بالحج قبل طوافه بالبيت وصار قارنا، أوبعد طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة قبل التحلل من إحرامه لكونه ساق الهدى، أومطلقا. وقد يراد بالمتعة مجرد العمرة في أشهر الحج.

وأكثر العلماء، كأحمد وغيره من فقهاء الحديث، وأبي حنيفة وغيره من فقهاء العراق، والشافعي في أحد قوْلَيه، وغيره من فقهاء مكة: يستحبون المتعة.

وأما متعة النساء المتنازع فيها فليس في الآية نصٌّ صريح بحلها، فإنه تعالى قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِين فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَة إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} (1) الآية. فقوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} يتناول كل من دخل بها من النساء، فإنه أمر بأن يعطى جميع الصداق، بخلاف المطلّقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه.

__________

(1) الآيتان 24، 25 من سورة النساء.

وهذا كقوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (1). فجعل الإفضاء مع العقد موجبا لاستقرار الصداق، يبيّن ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنى، بل إعطاء الصداق كاملا في المؤبد أوْلى، فلا بد أن تدل الآية على المؤبد: إما بطريق التخصيص، وإما بطريق العموم.

يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعُلم أن ما ذُكر كان في نكاح الحرائر مطلقا. فإن قيل: ففي قراءة طائفة من السلف: {َفما اْستَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى} قيل: أوّلا: ليست هذه القراءة متواترة، وغايتها أن تكون كأخبار الآحاد. ونحن لا ننكر أن المتعة أحلت في أوّل الإسلام، لكن الكلام في دلالة القرآن على ذلك.

الثاني: أن يقال: هذا الحرف إن كان نزل، فلا ريب أنه ليس ثابتا من القراءة المشهورة، فيكون منسوخا، ويكون نزوله لما كانت المتعة مباحة، فلما حُرِّمت نسخ هذا الحرف، ويكون الأمر بالإيتاء في الوقت تنبيها على الإيتاء في النكاح المطلق. وغاية ما يقال إنهما قراءتان، وكلاهما حق. والأمر بالإيتاء في الاستمتاع إلى أجل مسمَّى واجب إذا كان ذلك حلالا، وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمَّى حلالا، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمَّى حلال، فإنه لم يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمَّى، بل قال: {َفما اْستَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع: سواء كان حلالا، أوكان في وطء شبهة.

__________

(1) الآية 21 من سورة النساء.

ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق. والمتمتع إذا اعتقد حلّ المتعة وفَعَلَها فعليه المهر، وأما الاستمتاع المحرّم فلم تتناوله الآية؛ فإنه لواستمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها، لكان زنا، ولا مهر فيه. وإن كانت مستكرهة، ففيه نزاع مشهور.

... وأما ما ذكره من نهي عمر عن متعة النساء، فقد ثبت عن النبي (أنه حرَّم متعة النساء بعد الإحلال. هكذا رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابنى محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب (، أنه قال لابن عباس (لما أباح المتعة: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله (حرَّم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر (1)، رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمنهم، مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى بالقبول، ليس في أهل العلم من طعن فيه.

وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرَّمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة (2). وقد تنازع رواة حديث علي ّ (: هل قوله: ((عام خيبر)) توقيت لتحريم الحُمُر فقط أوله ولتحريم المتعة؟ فالأول قول ابن عيينة وغيره، قالوا: إنما حرّمت عام الفتح. ومن قال بالآخر قال: إنها حرّمت ثم أحلّت ثم حرّمت. وادعت طائفة ثالثة أنها أحلّت بعد ذلك، ثم حرّمت في حجة الوداع.

__________

(1) انظر البخاري ج7 ص12 ومسلم ج2 ص 1.27.

(2) انظر صحيح مسلم ج2 ص1.26.

فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرّم المتعة بعد إحلالها. والصواب أنها بعد أن حرّمت لم تُحل، وأنها إنما حرّمت عام فتح مكة ولم تُحل بعد ذلك، ولم تحرّم عام خيبر، بل عام خيبر حرّمت لحوم الحُمُر الأهلية. وكان ابن عباس يبيح المتعة ولحوم الحُمُر فأنكر علي بن أبي طالب (ذلك عليه، وقال له: إن رسول الله (حرّم متعة النساء وحرّم لحوم الحمر يوم خيبر، فقرن علي ّ (بينهما في الذكر لما روى ذلك لابن عباس رضى الله عنهمما، لأن ابن عباس كان يبيحهما. وقد روى عن ابن عباس (أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما.

فأهل السنة اتبعوا عليا وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي (.

والشيعة خالفوا عليًّا فيما رواه عن النبي (، واتبعوا قول من خالفه.

وأيضا فإن الله تعالى إنما أباح في كتابه الزوجة وملك اليمين، والمتمتع بها ليست واحدة منهما، فإنها لوكانت زوجة لتوارثا، ولوجبت عليها عدة الوفاة، ولحقها الطلاق الثلاث؛ فإن هذه أحكام الزوجة في كتاب الله تعالى، فلما انتفى عنها لوازم النكاح دل على انتفاء النكاح فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم. والله تعالى إنما أباح في كتابه الأزواج وملك اليمين، وحرَّم ما زاد على ذلك بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون} (1).

والمستمتع بها بعد التحريم ليست زوجة ولا ملك يمين، فتكون حراما بنص القرآن. أما كونها ليست مملوكة فظاهر، وأما كونها ليست زوجة فلانتفاء لوازم النكاح فيها، فإن من لوازم النكاح كونه سببا للتوارث وثبوت عدة الوفاة فيه، والطلاق الثلاث، وتنصيف المهر بالطلاق قبل الدخول، وغير ذلك من اللوازم.

(فصل)

__________

(1) الآيات 5 - 7 من سورة المؤمنون.

عدد مرات القراءة:
4245
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :