آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الخلاف في الإمامة ..

وأما قوله: ((الخلاف الرابع: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذا ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان)).

فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط، فإنه - ولله الحمد - لم يُسلّ سيفٌ على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. والأنصار تكلّم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأُسَيْد بن حضير وعبَّاد بن بشر وغيرهما ممن هوأفضل من سعد بن عبادة نفساً وبيتاً.

فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال: ((خير دور الأنصار دار بني النجَّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير)) (1).

فأهل الدور الثلاثة المفضَّلة: دار بني النجّار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يُعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجّار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبَيّ بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر.

وأُسيد بن حضير هوالذي كان مقدّم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبوبكر عن يمينه، وهوكان من بني عبد الأشهل، وهوكان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار.

وإنما نازع سعد بن عبادة والحُبَاب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصدِّيق، ولم يُعرف أنه تخلّف منهم إلا سعد بن عبادة.

وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هومعصوماً، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهومن أهل الجنّة السابقين الأوّلين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم.

__________

(1) انظر البخاري ج8 ص 17 ومسلم ج4 ص 195 ..

فما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هوباطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك. وهووأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب، لكن ينقلون من كتب من ينقل عمَّن يتعمد الكذب.

وكذلك قول القائل: إن عليًّا كان مشغولا بما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهومناقض لما يدَّعونه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار. وقيل: إنه إنما دُفن من الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا لازم عليٌّ قبره، بل قُبِرَ في بيت عائشة، وعليٌّ أجنبي منها.

ثم كيف يُأمر بملازمة قبره، وقد أمر- بزعمهم - أن يكون إماما بعده؟

ولم يشتغل بتجهيزه عليٌّ وحده، بل عليٌّ، والعباس، وبنوالعباس، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، وأبوبكر وعمر، وغيرهما عَلَى باب البيت، حاضرين غسله وتجهيزه، لم يكونوا حينئذ في بني ساعدة.

لكن السنّة أن يتولّى الميت أهله، فتولّى أهله غسله، وأخّروا دفنه ليصلِّي المسلمون عليه، فإنه صلُّوا عليه أفراداً، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم: خلق كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلّوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء.

وأيضا فالقتال الذي كان في زمن عليّ لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفّين والنهروان لم يقاتلوا عَلَى نصب إمامٍ غير عليّ، ولا كان معاوية يقول: أنا الإمام دون عليّ، ولا قال ذلك طلحة والزبير.

فلم يكن أحد ممن قاتل عليًّا قبل الحكمَيْن نَصَب إماماً يقاتل عَلَى طاعته، فلم يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل طعناً في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ولا طعنا في جواز خلافة عليّ.

فالأمر الذي تنازع فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم: إن الإمام المنصوص عليه هوعليّ، ولا قال: إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ولا قال أحد منهم: إن عثمان وعليًّا وكل من والاهما كافر.

فدعوى المدّعى أن أول سيف سُلَّ بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة التي تنازع فيها الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يُعرف كذبها بأدنى تأمل، مع العلم بما وقع.

وإنما كان القتال قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هومن باب قتال أهل العدل والبغى، وهوالقتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية.

ولوأن عثمان نازعه منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال عليّ، وإن كان ليس بينه وبين أولئك نزاع في القواعد الدينية.

ولكن أول سيف سُلَّ على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال، وهم الذين ابتدعوا أقوالاً خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تمرق مارقة على حين فُرقة من المسلمين، تقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحق)) (1).

وعليّ رضي الله عنه لم يقاتل أحداً على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحدٌ على إمامته نفسه، ولا ادّعى أحدٌ قط في زمن خلافته أنه أحقُّ بالإمامة منه: لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان كذلك: لم ينازع قط أحدٌ من المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن غيره أحق بالإمامة منه، فضلا عن القتال على ذلك. وكذلك أبوبكر وعمر رضي الله عنهما.

__________

(1) انظر صحيح مسلم ج2 ص 745 - 746 وسنن أبي داود ج4 ص 3 ...

وبالجملة فكل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين المسلمين مخاصمة بين طائفتين في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتالٍ.

وكذلك عليٌّ: لم يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهاً لولاية أحدٍ من الأربعة، فهذا لا بد منه. فإن من الناس من كان كارهاً لنبوّة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكيف من لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء؟

ثم قد تبين أن الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع بينهم. فتبين أن خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا في خلافة عليّ. فإن كان هذا قدحاً، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين الأمة.

وهذه حجة للخوارج. وحجتهم أقوى من حجة الشيعة، كما أن سيوفهم أقوى من سيوف الشيعة، ودينهم أصح، وهم صادقون لا يكذبون. ومع هذا فقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد منهم عن العقل والعلم والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟!

ولم يعرف في الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على خلافة أبي بكر وعمر، بل هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما.

عدد مرات القراءة:
2380
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :