آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 9 رجب 1444هـ الموافق:31 يناير 2023م 09:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..

قال الرافضي: ((البرهان السابع والعشرون: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} (3). من طريق أبي نُعيم بإسناده إلى ابن عباس نزلت في عليّ، كان معه أربعة دراهم، فأنفق درهما بالليل، ودرهما بالنهار، ودرهما سراًّ، ودرهما علانية، وروى الثعلبي ذلك. ولم يحصل لغيره، فيكون أفضل، فيكون هوالإمام)).

__________

(1) انظر البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((لوكنت متخذاً خليلاً)) الخ. وانظر مسلم ج4 ص 1855.

(2) الآية 19 من سورة الحديد.

(3) الآية 274 من سورة البقرة.

والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. ورواية أبي نُعيم والثعلبي لا تدل على الصحة.

الثاني: أن هذا كذب ليس بثابت.

الثالث: أن الآية عامة في كل ما ينفق بالليل والنهار سراًّ وعلانية، فمن عمل بها دخل فيها، سواء كان عليًّا أوغيره، ويمتنع أن لا يُراد بها إلا واحدٌ معيّن.

الرابع: أن ما ذُكر من الحديث يناقض مدلول الآية؛ فإن الآية تدل على الإنفاق في الزمانين اللذين لا يخلوالوقت عنهما، وفي الحالين اللذين لا يخلوالفعل منهما. فالفعل لا بد له من زمان، والزمان إما ليل وإما نهار. والفعل إما سرًّا وإما علانية. فالرجل إذا أنفق بالليل سرًّا، كان قد أنفق ليلا سرًّا. وإذا أنفق علانية نهاراً، كان قد أنفق علانية نهاراً.

الخامس: أنّا لوقدرنا أن عليًّا فعل ذلك، ونزلت فيه الآية، فهل هنا إلا إنفاق أربعة دراهم في أحوال؟! وهذا عمل مفتوح بابه ميسر إلى يوم القيامة. والعاملون بهذا وأضعافه أكثر من أن يُحصوا، وما من أحدٍ فيه خير إلا ولا بد أن ينفق إن شاء الله، تارة بالليل وتارة بالنهار، وتارة في السر وتارة في العلانية. فليس هذا من الخصائص، فلا يدل على فضيلة الإمام.

(فصل)

قال الرافضي: ((البرهان الثامن والعشرون: ما رواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال: ليس من آية في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} إلا وعليّ رأسها وأميرها، وشريفها وسيدها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمد في القرآن، وما ذكر عليًّا إلا بخير. وهذا يدل على أنه أفضل فيكون هوالإمام)).

والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. وليس هذا في مسند أحمد، ولا مجرد روايته له - ولورواه - في ((الفضائل)) يدل على أنه صدق، فكيف ولم يروه أحمد: لا في المسند، ولا في ((الفضائل)) وإنما هومن زيادات القطيعي (1).

__________

(1) انظر فضائل الصحابة ج2 ص 654.

الثاني: أن هذا كذب على ابن عباس، والمتواتر عنه أنه كان يفضّل عليه أبا بكر وعمر، وله معايبات يعيب بها عليًّا، ويأخذ عليه في أشياء من أموره، حتى أنه لما حرق الزنادقة الذين ادّعوا فيه الإلهية قال: لوكنت أنا لم أحرقهم، لنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعذَّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من بدَّل دينه فاقتلوه)). رواه البخاري (1) وغيره. ولما بلغ عليًّا ذلك قال: ويح أم ابن عباس.

الثالث: أن هذا الكلام ليس فيه مدح لعليّ؛ فإن الله كثيرا ما يخاطب الناس بمثل هذا في مقام عتاب، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (2)، فإن كان عليّ رأس هذه الآية، فقد وقع منه هذا الفعل الذي أنكره الله وذمه.

الرابع: هوممن شمله لفظ الخطاب، وإن لم يكن هوسبب الخطاب فلا ريب أن اللفظ شمله كما يشمل غيره. وليس في لفظ الآية تفريق بين مؤمن ومؤمن.

الخامس: أن قول القائل عن بعض الصحابة: أنه رأس الآيات وأميرها وشريفها وسيدها، كلام لا حقيقة له. فإن أُريد أنه أول من خوطب بها، فليس كذلك؛ فإن الخطاب يتناول المخاطبين تناولاً واحداً، لا يتقدم بعضهم بما تناوله عن بعض.

وغاية ما عندكم أن تذكروا أن ابن عباس كان يفضّل عليًّا، وهذا مع أنه كذب على ابن عباس، وخلاف المعلوم عنه، فلوقُدِّر أنه قال ذلك - مع مخالفة جمهور الصحابة - لم يكن حجّة.

__________

(1) انظر البخاري ج9 ص 15.

(2) الآيتان 3،2 من سورة الصف.

السادس: أن قول القائل: لقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن وما ذكر عليًّا إلا بخير كذب معلوم، فإنه لا يُعرف أن الله عاتب أبوبكر في القرآن، بل ولا أنه ساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل رُوى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في خطبته ((أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقَّه، فإنه لم يسؤني يوما قط)).


الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون

قوله: (وقال: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال في الهامش (51/ 72): (أخرج المحدثون والمفسرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول بأسانيدهم إلى ابن عباس في قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنّهار سرّاً وعلانية}. قال: نزلت في علي بن أبي طالب. كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحداً وبالنهار واحداً وفي السرّ واحداً وفي العلانية واحداً فنزلت الآية. أخرجه الإمام الواحدي في (أسباب النزول) بسنده إلى ابن عباس. وأخرجه أيضاً عن مجاهد. ثم نقله عن الكلبي مع زيادة فيه) إ. ه.

قلت: عبارته توحي بأن له طرقا كثيرة وانه صحيح، والحق انه خلاف ذلك كما سنبينه، وهولم يذكر من مخرجيه سوى الواحدي وهوقصور منه ناتج عن قلة معرفته بأمهات المصادر.

وقد أخرج قول ابن عباس هذا الواحدي (ص64)، والطبراني في (الكبير) (11164)، وابن أبي حاتم- (تفسير ابن كثير) (1/ 326) - وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (2/ 1) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر، وقد ضعفه في (أسباب النزول) (ص35) وهوحري به فان طرقه وان تعددت تجتمع كلها في عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس، وكذا قول مجاهد الذي أشار إليه رواه ابنه عبد الوهاب هذا، وهومتروك كما قال الحافظ في (التقريب) والذهبي (المغني). وقد كذبه سفيان الثوري، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه.

وأما قول الكلبي فقد ذكره الواحدي دون اسناد. وهولا يغني شيئا فان الكلبي هذا هومحمّد بن السائب وهومتهم بالكذب، كما في ترجمته من (التقريب) وغيره. ثم ان الواحدي قد ذكر في كتابه (ص63) سبباً آخر لنزول هذه الآية وقد قدمه على هذا فلِمَ أعرض عنه هذا الموسوي؟ مع انه أصح منه، وأثبت.

قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة) - أنظرالمنتقى (ص475)  في ردّه على ابن المطهر في هذه الآية: (وهوكذب، والآية عامة في كل من ينفق أمواله، فيمتنع أن يراد بها واحدا لم يكن صاحب مال، ثم ما نسبته إلى عليّ يمتنع عليه، إذ من فعل ذلك كان جاهلا بمعنى الآية فان الذي ينفق سراً وعلانيةً ينفق ليلاً ونهاراً. ومن أنفق ليلاً ونهاراً فقد أنفق سراً وعلانيةً، فالدرهم ينصف نصفين ولا يتحتم أن يكون المراد أربعة دراهم، ولوكان كذلك لقال {وسرا} بالوأو{وعلانية} بل هما داخلان في الليل والنهار سواء قيل نصبا على المصدر اي إسراراً وإعلاناً، أوقيل على الحال مسراً ومعلناً. وهب أن علياً فعل ذلك فباب الانفاق مفتوح إلى قيام الساعة فأين الخصوصية؟ ولوكان انفاق أربعة دراهم خاصا به فلم قلت انه صار بذلك أفضل الأمة؟) إ. ه.

قلت: وما علاقة إنفاق أربعة دراهم بالإمامة؟ وهل من شروط الإمام أن يملك أوينفق أربعة دراهم؟ فيا للعجب ما يفعل الجهل بأصحابه! وما أظن عاقلاً يقرأ كلامه هذا حتى يضحك عليه وعلى سخافته ملء فيه! فنحن نناقشه في وجوب تقديم عليّ بالإمامة هويناقش بأنه كان يملك أربعة دراهم وقد أنفقها!!

وقد حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه من ذلك ما لا يدانيه فيه أحدٌ من الأولين ولا من الآخرين، كما ثبت في (صحيح البخاري) (1/ 126)، وغيره أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ أمنّ الناس عليَّ في نفسهِ وماله أبوبكر) وفي رواية قال: (إنه ليس من الناس أحدٌ أمنّ عليَّ في نفسهِ وماله من أبي بكر بن أبي قحافة). وأخرج الإمام أحمد (2/ 253، 266)، وابن ماجة (94) ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (ما نفعني مالٌ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر)، وفي رواية عند الترمذي (4/ 31) قال: (ما لأحدٍ عندنا يداً إلاّ وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فأن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر ... ). وغير ذلك كثير وليس هذا موضع بسطه لكننا أحببنا الإشارة إلى ذلك، فأين هذا الفضل العظيم الذي حصل للصديق من أربعة دراهم يزعمون أن علياً أنفقها؟

وهل تسأوي هذه الدراهم الأربع شيئاً إذا ما قورنت بما أنفقه عثمان رضي الله عنه وخصوصاً في تجهير جيش العسرة، وهوجيشُ معركة تبوك؟ فقد أخرج الترمذي (4/ 32) عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال جاء عثمان إلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال عبد الرحمن فرأيت النبي صَلّى الله عليه وسلّم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين. فان كان الفضل والتقدم بما ينفقه الرجل في سبيل الله يكون عثمان رضي الله عنه خيراً من علي رضي الله عنه. بما بين الألف ديناروالأربعة دراهم من الفضل والقيمة.

عدد مرات القراءة:
1813
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :