آخر تحديث للموقع :

الجمعة 5 رجب 1444هـ الموافق:27 يناير 2023م 10:01:46 بتوقيت مكة

جديد الموقع

روايات إمامة الإثني عشر والإستدلال عليهم ..

قال الرافضي: ((الفصل الرابع في إمامة باقي الأئمة الاثنى عشر. لنا في ذلك طرق: أحدها: النصّ. وقد توارثته الشيعة في البلاد المتباعدة، خلفاً عن سلف، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للحسين: ((هذا إمام ابن إمام أخوإمام، أبوأئمة تسعة، تاسعهم قائمهم، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً)).

والجواب من وجوه: أحدها: أن يُقال: أولا: هذا كذب على الشيعة؛ فإن هذا لا ينقله إلا طائفة من طوائف الشيعة، وسائر طوائف الشيعة تكذّب هذا. والزيدية بأسرها تكذّب هذا، وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم. والإسماعيلية كلهم يكذّبون بهذا، وسائر فرق الشيعة تكذب بهذا، إلا الأثنى عشرية، وهم فرقة من نحوسبعين فرقة من طوائف الشيعة.

وبالجملة فالشيعة فرق متعددة جدا، وفرقهم الكبار أكثر من عشرين فرقة، كلهم تكذّب هذا إلا فرقة واحدة، فأين تواتر الشيعة؟!

الثاني: أن يُقال: هذا معارض بما نقله غير الاثنى عشرية من الشيعة من نصّ آخر يناقض هذا، كالقائلين بإمامة غير الاثنى عشر، وبما نقله الرواندية أيضا؛ فإن كلا من هؤلاء يدّعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية.

الثالث: أن يُقال: علماء الشيعة متقدمون ليس فيهم من نقل هذا النص، ولا ذكره في كتاب، ولا احتج به في خطاب. وأخبارهم مشهورة متواترة، فعلم أن هذا من اختلاق المتأخرين، وإنما اختُلق هذا لما مات الحسن بن عليّ العسكري، وقيل: إن ابنه محمداً غائب، فحينئذ ظهر هذا النص، بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من مائتين وخمسين سنة.

الرابع: أن يُقال: أهل السنة وعلماؤهم أضعاف أضعاف الشيعة، كلهم يعلمون أن هذا كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علماً يقينياً لا يخالطه الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك، كعوام الشيعة مع عليّ. فإن ادّعى علماء الشيعة أنهم يعلمون تواتر هذا، لم يكن هذا أقرب من دعوى علماء السنة بكذب هذا.

الخامس: أن يُقال: إن من شرط التواتر حصول من يقع به العلم من الطرفين والوسط. وقبل موت الحسن بن عليّ العسكري لم يكن أحد يقول بإمامة هذا المنتظر، ولا عُرف من زمن عليّ ودولة بني أميّة أحدٌ ادّعى إمامة الاثنى عشر وهذا القائم. وإنما كان المدَّعون يدَّعون النصّ على عليّ، أوعلى ناسٍ بعده. وأما دعوى النص على الاثنى عشر وهذا القائم فلا يُعرف أحد قاله متقدماً، فضلاً عن أن يكون نقله متقدماً.

الوجه السادس: أن يُقال: قد علم أهل العلم أن أول ما ظهرت الشيعة الإمامية المدّعية للنص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين. وافترى ذلك عبد الله بن سبأ وطائفته الكذّابون، فلم يكونوا موجودين قبل ذلك. فأي تواتر لهم؟!

السابع: أن الأحاديث التي نقلها الصحابة في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان أعظم تماماً عند العامة والخاصة من نقل هذا النص. فإن جاز أن يُقدح في نقل جماهير الصحابة لتلك الفضائل، فالقدح في هذا أَوْلى. وإن كان القدح في هذا معتذراً ففي تلك أَوْلى. وإذا ثبتت فضائل الصحابة التي دلّت عليها تلك النصوص الكثيرة المتواترة، امتنع اتفاقهم على مخالفة هذا النصّ، فإن مخالفته - لوكان حقاًّ - من أعظم الإثم والعدوان.

الثامن: أنه ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل، فضلا عن أن يكون متواترا. وهذه الألفاظ تحتاج إلى تكرير، فإن لم يدرس ناقلوها عليها لم يحفظوها، وأين العدد الكبير الذين حفظوا هذه الألفاظ كحفظ ألفاظ القرآن، وحفظ التشهد والأذان، جيلا بعد جيل إلى الرسول؟

ونحن إذا ادّعينا التواتر في فضائل الصحابة: ندّعى تارة التواتر من جهة المعنى، كتواتر خلافة الخلفاء الأربعة، ووقعة الجمل وصفّين، وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعائشة وعليّ بفاطمة، ونحوذلك مما لا يحتاج فيه إلى نقل لفظ معين يحتاج إلى درس، كتواتر ما للصحابة من السابقة والأعمال وغير ذلك. وتارة التواتر في نقل ألفاظ حفظها من يحصل العلم بنقله.

الوجه التاسع: أن المنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذّب مثل هذا النقل، وأنهم لم يكونوا يدّعون أنهم منصوص عليهم، بل يكذّبون من يقول ذلك، فضلا عن أن يثبتوا النص على اثنى عشر.

(فصل)

وأما الحديث الذي رواه: عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، وذلك هوالمهدي)).

فالجواب: أن الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبوداود والترمذي وأحمد وغيرهم، من حديث ابن مسعود وغيره.

كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه ابن مسعود: ((لولم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج فيه رجل منّي، أومن أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً)). رواه الترمذي وأبوداود من رواية أم سلمة (1).

وأيضا فيه: ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)). رواه أبوداود من طريق أبي سعيد، وفيه: ((يملك الأرض سبع سنين)).

ورواه عن عليّ رضي الله عنه أنه نظر إلى الحسن وقال: ((إن ابني هذا سيد، كما سمّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسيخرج من صلبه رجل يُسمَّى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخَلْق، يملأ الأرض قسطا (2).

وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف: طائفة أنكروها، واحتجّوا بحديث ابن ماجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا مهدي إلا عيسى بن مريم)) (3) وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجة عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن، يُقال له: محمد بن خالد الجَنَدِيّ، وهوممن لا يحتج به. وليس هذا في مسند الشافعي، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجَنَدي، وأن يونس لم يسمعه من الشافعي.

الثاني: أن الاثنى عشرية الذين ادّعوا أن هذا هومهديهم، مهديهم اسمه محمد بن الحسن. والمهدي المنعوت الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمه محمد بن عبد الله.

(فصل)

قال الرافضي: ((الثاني: أنّا قد بينّا أنه يجب في كل زمان إمام معصوم، ولا معصوم غير هؤلاء إجماعا)).

والجواب من وجوه: أحدها: منع المقدمة الأولى كما تقدّم.

__________

(1) انظر السنن لأبي داود 4/ 151 - 153 وانظر ابن ماجة ج2 ص 1368 والترمذي ج4 ص 5.5 الحديث رقم 223..

(2) انظر سنن أبي داود ج4 ص 153.

(3) انظر سنن ابن ماجة ج2 ص 134. - 1341.

والثاني: منع طوائف لهم المقدمة الثانية.

الثالث: أن هذا المعصوم الذي يدّعونه في وقتٍ ما، له مُذ وُلد عندهم أكثر من أربعمائة وخمسين سنة؛ فإنه دخل السرداب عندهم سنة ستين ومائتين، وله خمس سنين عند بعضهم، وأقل من ذلك عند آخرين، ولم يظهر عنه شيء مما يفعله أقل الناس تأثيراً، مما يفعله آحاد الولاة والقضاة والعلماء، فضلا عمّا يفعله الإمام المعصوم. فأي منفعة للوجود في مثل هذا لوكان موجوداً؟ فكيف إذا كان معدوماً؟!

(فصل)

قال الرافضي: ((الثالث: الفضائل التي اشتمل كل واحد منهم عليها الموجبة لكونه إماما)).

والجواب من وجوه: أحدها: أن تلك الفضائل غايتها أن يكون صاحبها أهلاً أن تُعقد له الإمامه، لكنه لا يصير إماما بمجرد كونه أهلا، كما أنه لا يصير الرجل قاضيا بمجرد كونه أهلا لذلك.

الثاني: أن أهليّة الإمامة ثابتة لآخرين من قريش كثبوتها لهؤلاء، وهم أهل أن يتولّوا الإمامة، فلا موجب للتخصيص، ولم يصيروا بذلك أئمة.

الثالث: أن الثاني عشر منهم معدوم عند جمهور العقلاء، فامتنع أن يكون إماما.

الرابع: أن العسكريّين ونحوهما من طبقة أمثالهما لم يُعلم لهما تبريز في علمٍ أودين كما عرف لعليّ بن الحسين، وأبي جعفر، وجعفر بن محمد.

(فصل)

قال الرافضي: ((الفصل الخامس: أن من تقدّمه (1) لم يكن إماما. ويدل عليه وجوه)).

قلت: والجواب: أنّه إن أريد بذلك أنهم لم يتولّوا على المسلمين، ولم يبايعهم المسلمون، ولم يكن لهم سلطان يقيمون به الحدود، ويوفون به الحقوق، ويجاهدون به العدو، ويصلّون بالمسلمين الجمع والأعياد، وغير ذلك مما هوداخل في معنى الإمامة - فهذا بُهت ومكابرة. فإن هذا أمر معلوم بالتواتر، والرافضة وغيرهم يعلمون ذلك، ولولم يتولوا الإمامة لم تقدح فيهم الرافضة.

__________

(1) يعني عليّ بن أبي طالب.

لكن هم يطلقون ثبوت الإمامة وانتفاءها ولا يفصِّلون: هل المراد ثبوت نفس الإمامة ومباشرتها؟ أونفس استحقاق ولاية الإمامة؟

ويطلقون لفظ ((الإمام)) على الثاني، ويوهمون أنه يتناول النوعين. وإن أُريد بذلك أنهم لم يكونوا يصلحون للإمامة، وأن عليًّا كان يصلح لها دونهم، أوأنه كان أصلح لها منهم - فهذا كذب، وهومورد النزاع.

ونحن نجيب في ذلك جواباً عامّا كلياّ، ثم نجيب بالتفصيل.

أما الجواب العام الكلّي، فنقول: نحن عالمون بكونهم أئمة صالحين للإمامة علماً يقينيا قطعيا، وهذا لا يتنازع فيه اثنان من طوائف المسلمين غير الرافضة، بل أئمة الأمة وجمهورها يقولون: إنّا نعلم أنهم كانوا أحق بالإمامة، بل يقولون: إنّا نعلم أنهم كانوا أفضل الأمة.

وهذا الذي نعلمه ونقطع به ونجزم به لا يمكن أن يُعارض بدليل قطعي ولا ظنّي.

أما القطعيّ: فلأن القطعيات لا يتناقض موجبها ومقتضاها. وأما الظنيّات: فلأن الظنّي لا يُعارض القطعي.

وجملة ذلك أن كل ما يورده القادح فلا يخلومن أمرين: إما نقلٌ لا نعلم صحته، أولا نعلم دلالته على بطلان إمامتهم، وأي المقدمتين لم يكن معلوما لم يصلح لمعارضة ما عُلم قطعا.

وإذا قام الدليل القطعيّ على ثبوت إمامتهم، لم يكن علينا أن نجيب عن الشُّبَه المفصِّلة، كما أن ما علمناه قطعا لم يكن علينا أن نجيب عمّا يعارضه من الشبه السوفسطائية.

وليس لأحد أن يدفع ما عُلم يقيناً بالظن، سواء كان ناظراً أومناظراً. بل إن تبيّن له وجه فساد الشبهة وبيّنه لغيره، كان ذلك زيادة علم ومعرفة وتأييد للحق في النظر والمناظرة، وإن لم يتبين ذلك لم يكن له أن يدفع اليقين بالشك. وسنبين إن شاء الله تعالى الأدلة الكثيرة على استحقاقهم للإمامة، وأنهم كانوا أحقَّ بها من غيرهم.

عدد مرات القراءة:
1965
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :