ادعاء الشيعة أن عائشة وحفصة تآمرتا مع أبويهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذاعتا سره وهتكتا ستره، وسقتاه السم فكان ذلك سبب موته صلى الله عليه وسلم
واستدل الشيعة على ذلك بما ورد في سورة التحريم؛ ففي تفسير قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) [التحريم:1-4].
قال علي بن إبراهيم القمي: كان سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية تكون معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها، فتناول رسول الله مارية، فعلمت حفصة بذلك فغضبت، وأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله هذا في يومي وفي داري وعلى فراشي، فاستحيا رسول الله منها، فقال: كفى فقد حرمت مارية على نفسي ولا أطؤها بعد هذا أبداً، وأنا أفضي إليك سراً فإن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقالت: نعم ما هو؟ فقال: إن أبا بكر يلي الخلافة بعدي ثم من بعده أبوك، فقالت: من أخبرك بهذا؟ قال: الله أخبرني. فأخبرت حفصة عائشة من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال له: إن عائشة أخبرتني عن حفصة بشيء ولا أثق بقولها، فاسأل أنت حفصة.
فجاء عمر إلى حفصة فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عائشة؟ فأنكرت ذلك، قالت: ما قلت لها من ذلك شيئاً؛ فقال لها عمر: إن كان هذا حقاً فأخبرينا حتى نتقدم فيه، فقالت: نعم. قد قال رسول الله ذلك، فاجتمعوا أربعة([46])، على أن يسموا رسول الله، فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السورة: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)) [التحريم:1] إلى قوله تعالى: ((تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)) [التحريم:2] يعني: قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك: ((وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)) [التحريم:2] ((وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ)) أي أخبرت به ((وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ)) [التحريم:3] يعني أظهر الله نبيه على ما أخبرت به وما هموا به ((عَرَّفَ بَعْضَهُ)) [التحريم:3] أي أخبرها وقال: لم أخبرت بما أخبرتك، وقوله: ((وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)) [التحريم:3] قال: لم يخبرهم بما علم مما هموا به([47]).
وقد وقع اختلاف كبير بين الشيعة أنفسهم في ماهية الحديث المسرّ، وفي الذي أفشى السر؛ فالأقوال السابقة تبين أن الحديث المسر هو: أن أبا بكر يلي الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده عمر رضي الله عنهما، وأن التي أفشت السر هي حفصة رضي الله عنها([48]) بيد أن هناك من الشيعة من شكك في هذه الأقوال، وإن اتفق معها في أن الأربعة وضعوا السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فـالبياضي مثلاً وإن كان قد نقل الأقوال السابقة ووقف منها موقف المسلم في موضع من كتابه([49])، إلا أنه نفاها وردها في موضع آخر منه بقوله: قالوا- يقصد أهل السنة([50]):
أجمع المفسرون أنه أسر إلى حفصة: إن أباك وأبا بكر يليان الأمر من بعدي، قلنا -يقصد الشيعة -: هذا غير صحيح وإلا لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة([51]).
إذاً ما هو الحديث المسر؟ ومن التي أفشت السر؟
ذكر التستري والكاشاني والشيرازي أن التي أفشت السر هي عائشة رضي الله عنها، وأن الحديث المسر هو: قول النبي لـعائشة: إن علياً هو الوصي، وقد ذكروا قصة طويلة لإثبات هذا الزعم، ملخصها: أن الله أخبر رسوله وهو منصرف من مكة بعد أداء الحج بأنه اختار علياً وصياً، فخلا رسول الله بـعلي يومه ذاك وليلته -وكانت ليلة عائشة - واستودعه العلم والحكمة التي آتاه الله إياها، وعرفه أنه الوصي بعده، فعلمت عائشة بذلك من رسول الله بعد إلحاح منها كي يطلعها على الأمر، وأخبرت به حفصة التي أخبرت أباها، ومنه علم أبو بكر، فدعا أبو بكر وعمر جماعة من قريش فأطلعوهم على الأمر، فأجمعوا أمرهم على أن ينفروا ناقة رسول الله به عند عقبة يقال لها: هرشاً([52])، واتفقوا على أمور يكيدوا بها رسول الله إن لم تنجح الخطة من قتله أو سقيه السم، وتعاقدوا على ذلك بالأيمان المؤكدة، وكانوا أربعة عشر رجلاً([53])، فنزل جبريل على رسول الله بهذه الآيات.. إلخ([54]).
وقد ذكر البياضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علياً وفاطمة والحسنان في الليلة التي قبض في صبيحتها، وأغلق عليهم الباب، ثم خرج علي والحسنان؛ فقالت عائشة: لأمر ما أخرجك وخلا بابنته دونك، فقال: عرفت الذي خلا بها له، وهو بعض الذي كنت فيه وأبوك وصاحباه، فوجمت أن ترد عليه كلمة، فما لبثت أن نادته فاطمة، فدخل والنبي صلى الله عليه وآله يبكي ويقول: بكائي وغمي عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي، فقد أجمع القوم على ظلمكم([55]).
وهذه الرواية التي أوردها البياضي تدل على أنه وإن أنكر أن يكون الحديث المسر: أن أبا بكر وعمر يليان الأمر من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ممن يقول بتواطؤ الشيخين مع ابنتيهما رضي الله عنهم على وضع السم لرسول الله، بل لقد جزم بذلك في موضع من كتابه، وأكد أن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)) [التحريم:7] قد نزل فيهم نتيجة فعلتهم هذه([56]).
وقصة تآمر أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة على وضع السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة عند الشيعة، ويستدلون على إثباتها ببعض الآيات التي يؤولونها تأويلاً باطنياً ليوافق أهواءهم، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144]؛ فقد أسند العياشي إلى أبي عبد الله جعفر الصادق قال: (تدرون مات النبي صلى الله عليه وآله أو قتل؟ إن الله يقول: ((أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران:144] فسمّ قبل الموت؛ أنهما سقتاه([57])، قبل الموت؛ فقلنا: أنهما وأبويهما شرّ من خلق الله)([58]).
ووصف المجلسي سند هذه الروية بأنه معتبر، وعلق عليها بقوله: إن العياشي روى بسند معتبر عن الصادق (ع) أف عائشة وحفصة لعنة الله عليهما وعلى أبويهما قتلتا رسول الله بالسم دبرتاه([59]).
وقد زعم الشيعة كفر عائشة وحفصة بسبب ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) [التحريم:4]، وزعموا أن معنى قوله تعالى: (صغت)، أي: زاغت، والزيغ هو الكفر، وقد رووا هذا التفسير عن أبي جعفر الباقر وولده جعفر الصادق([60]).
المناقشة:
إن الحديث الذي أسره الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه هو تحريمه لجاريته مارية القبطية على نفسه، وقد أسر هذا الحديث إلى حفصة رضي الله عنها، وطلب منها أن لا تذكر ذلك لأحد، فأخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها، فأطلع الله نبيه على أنها -أي حفصة - قد نبّأت بذلك صاحبتها.
وسبب النزول هو المشهور عند المفسرين، وقد ذكره الحافظ ابن حجر عند تفسيره لهذه الآيات، وذكر سبباً آخر، وهو قصة المغافير([61])؛ وقصة المغافير أسندها البخاري في صحيحه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وفيها قولها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ويمكث عندها فواطأت أنا وحفصة عن أيّتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير. قال: لا، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحداً»([62]). وعقب الحافظ ابن حجر على هذين السببين بسوق روايات تعضد الأول منهما، ثم قال: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معاً([63]).
والسبب الثاني: وإن كان أصح؛ لرواية البخاري له، إلا أن الأول أشهر عند جمهور المفسرين -كما تقدم- ورجحه الحافظ ابن كثير وغيره([64]).
أما زعم الشيعة أن الحديث المسر هو قوله صلى الله عليه وسلم لـحفصة: إن أباك وأبا بكر يليان الخلافة بعدي، أو قوله لـعائشة: إن الله أطلعني أن علياً هو الوصي، وطلب مني أن أخبر الناس بذلك، ثم تآمر الأربعة على وضع السم له صلى الله عليه وسلم فزعم باطل، وكلتا الروايتين باطلتان لم يقل بهما واحد من المفسرين؛ فالأولى أبطلها الشيعة أنفسهم، والثانية تخالف المشهور عندهم، والمنسوب إلى أئمتهم([65])، وفيها تناقضات كثيرة أيضاً، منها: إخبار الله لرسوله أن علياً هو الوصي، وهذا الإخبار تم إثر حجة الوداع، لكن الروايات الكثيرة الأخرى تفيد أن الإخبار تم في ليلة الإسراء([66])، ومنها: قصة العقبة، وقد تقدم تناقض الشيعة فيها([67])، وغير ذلك من المتناقضات.
أما دعوى الشيعة أن حفصة رضي الله عنها قد كفرت لأنها سألت رسول الله: من أنبأك هذا؟([68])؟ فغير مسلم لهم؛ لأن قولها: (من أنبأك هذا) ليس فيه طعن في نبوته صلى الله عليه وسلم أو شك في أن الله أطلعه على ذلك؛ فهي قد أخبرت عائشة رضي الله عنها بالحديث الذي أسره لها رسول الله، فسألته: (من أنبأك هذا) لتعرف هل عائشة هي المخبرة.
وكذلك دعواهم أن قوله تعالى: ((فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) [التحريم:4] يدل على كفر عائشة وحفصة رضي الله عنهما؛ لأن قراءتهم: (فقد زاغت قلوبكما)، والزيغ: الكفر([69]) دعوى باطلة أيضاً؛ لأن الزيغ هو الميل، وعائشة وحفصة رضي الله عنهما قد مالت قلوبهما إلى محبة اجتناب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، وتحريمها على نفسه، أو مالت قلوبهما إلى تحريم الرسول لما كان حلالاً له كالعسل مثلاً، والله سبحانه وتعالى قد دعاهما إلى التوبة بقوله: ((إِنْ تَتُوبَا)) [التحريم:4]: فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا مع ما ثبت من علو درجتهما وأنهما زوجتا نبينا في الجنة([70])، فقد كان عمار بن ياسر رضي الله عنهما يحلف بالله أن عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله في الدنيا والآخرة([71]).
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلق حفصة وقال له: «إن الله يقرئك السلام ويقول: إنها لزوجتك في الدنيا والآخرة فراجعها»([72]).
ويقال لهم أيضاً: إن دلالة قوله تعالى: ((إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) [التحريم:4] على الذنب ليس بأقوى من دلالته على طلب التوبة وحصولها، فلماذا وقفتم عند وقوع الذنب ولم تتعدوا ذلك إلى طلب التوبة وحصولها؟ فإن قلتم:يحتمل عدم توبتهما، فقولوا في توبة علي رضي الله عنه من خطبة ابنة أبي جهل -والتي كانت سبباً في غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنه ارتقى المنبر وأعلن ذلك([73]) مثل ما قلتم في توبة عائشة وحفصة رضي الله عنهما، وعلي رضي الله عنه قد ترك الخطبة، فلا يظن به أنه تركها في الظاهر فقط، بل نعتقد: أنه تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه، وكذلك الظن بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، والذنب يغفر ويعفى عنه بالتوبة، والندم توبة.
والغيرة من جبلة النساء، وما وقع من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لا يقدح بهن، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب من غيرتهن، وإنما كان غضبه صلى الله عليه وسلم من إفشاء سره.
دعوى الشيعة أن الله ضرب امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لـعائشة وحفصة رضي الله عنهما:
والآية هي قوله تعالى: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)) [التحريم:10].
زعم الشيعة أن هذه الآية مثل ضربه الله لـعائشة وحفصة رضي الله عنهما -وهو مثل للذين كفروا- وقد تقدم أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما من الذين كفروا -في رأي الشيعة- ونسبوا هذا الزعم إلى ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فقد حكوا أن عائشة وحفصة ذهبتا تطلبان ميراثهما من عثمان.
قال الإربلي: قالت له عائشة: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر، فقال: لا أجد له موضعاً في الكتاب ولا في السنة، ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل، قالت: فأعطني ميراثي من رسول الله، قال: أليس جئت فشهدت أنت ومالك بن أوس النضري أن رسول الله لا يورث، فأبطلت حق فاطمة (ع) وجئت تطلبينه، لا أفعله، فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت وترفع القميص وتقول: إنه قد خالف صاحب هذا القميص، فلما آذته صعد المنبر، فقال: إن هذه الزعراء عدوة الله ضرب الله مثلها ومثل صاحبتها حفصة في الكتاب: ((اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)) [التحريم:10] إلى قوله: ((وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)) [التحريم:10] إلخ([74]).
وذكر الفضل بن شاذان أن التحريض على قتل عثمان كان من قبل عائشة وحفصة معاً([75])، وبنحو قوله قال البياضي([76]), وعلق حيدر الآملي على هذه القصة بقوله: يمكن أن يكون أزواج الأنبياء والأوصياء والصالحين حَمِقَات جاهلات خائنات([77]).
وهذه القصة مكذوبة على عثمان رضي الله عنه، ولم ينقلها أحد إلا الشيعة، ونقلهم لها أتى بصيغة التمريض (روي) التي لا تفيد اليقين([78]).
ورغم ذلك فقد اعتقد الشيعة فحواها، فلم يكتفوا بنقلها بل أيدوها في مواضع كثيرة من كتبهم؛ فـالقمي مثلاً أشار إلى أن المعنى بها عائشة وحفصة، وأقسم فقال: والله ما عنى بقوله: (فَخَانَتَاهُمَا) إلا الفاحشة..([79]).
وقال البياضي: قد أخبر الله عن امرأتي نوح ولوط أنهما لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وكان ذلك تعريضاً من الله لـعائشة وحفصة من فعلهما، وتنبيها على أنهما لا يتكلان على رسوله؛ فإنه لم يغن شيئاً عنهما([80]).
وقال الكاشاني عند تفسير هذه الآية: مثّل الله حال الكفار والمنافقين في أنهم يعاقبون بكفرهم ونفاقهم، ولا يحابون بما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين من النسبة والمواصلة بحال امرأة نوح وامرأة لوط، وفيه تعريض بـعائشة وحفصة في خيانتهما رسول الله صلى الله عليه وآله بإفشاء سره ونفاقهما إياه وتظاهرهما عليه كما فعلت امرأتا الرسولين، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً... إلخ([81])، وبنحو قوله قال البحراني([82]).
وقال المجلسي: لا يخفى على الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض، بل التصريح بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما([83]).
المناقشة:
إن الله سبحانه لم يضرب امرأة نوح وامرأة لوط مثلاً لـعائشة وحفصة، بل ضربهما مثلاً للذين كفروا من الناس وسائر الخلق الذين يخالطون المسلمين ويعاشرونهم؛ بياناً منه تعالى أن هذه المخالطة لا تفيد إذا لم يصحبها إيمان بالله ورسوله -وعلى هذا إجماع المفسرين-([84])، ولم يقل أحد أن الله ضرب هذا مثلاً لـعائشة وحفصة رضي الله عنهما إلا الشيعة.
وقد تقدم أن الشيعة يؤولون الخيانة في هذه الآية بالوقوع في الفاحشة، ولم يقل أحد من المفسرين بذلك، إنما أولوا جميعاً الخيانة بأنها الخيانة في الدين، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ((فَخَانَتَاهُمَا)) [التحريم:10]: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه([85])، ولم يقل أحد من الشيعة عن عائشة وحفصة أنهما كانتا تفعلان ذلك.
عبدالقادر صوفي..
([46]) في الطبعة الحديثة: (فاجتمع.. على أن يسموا).
([47]) تفسير القمي ط.حجرية (ص:340)، ط. حديثة (2/375-376)، وانظر: الصراط المستقيم للبياضي (3/168-169)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/457)، وإحقاق الحق للتستري (ص:308)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/716-717)، والبرهان للبحراني (1/320)، (4/352-353)، والأنوار النعمانية للجزائري (4/336-337).
([48]) انظر: مصادر الحاشية السابقة. وانظر أيضاً: مجمع البيان للطبرسي (5/314)، فقد ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة أن أباها وأبا بكر يليان الأمر من بعده، وأشار إلى رواية القمي التي صرحت أنهم _أي الأربعة- تآمروا على رسول الله وسقوه السم، ولم يذكرها صراحة؛ لأنه ألّف تفسيره على طريقة التقية والمداراة لأهل السنة.
([49]) الصراط المستقيم للبياضي (3/168-169).
([50]) ذكر محب الدين الطبري أنه قول جماعة من مفسري أهل السنة، وعزاه إلى الواحدي وأبو الفرج والملا في سيرته. راجع: السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين للمحب الطبري (ص:69)، لكني لم أر أحداً من مفسري أهل السنة أشار إليه فضلاً عن اعتماده في الكتب التي وقفت عليها.
([51]) الصراط المستقيم للبياضي (35، 100).
([52]) تقع بطريق مكة، بين بدر وودان، يرى منها البحر. وهي على ملتقى طريقة أيلة -العقبة- وطريق المدينة. (المغانم المطابة في معالم طابة) للفيروز آبادي (ص:434).
([53]) تقدمت قصة العقبة (ص:1102).
([54]) إحقاق الحق للتستري (ص:307)، وعلم اليقين للكاشاني (2/637-639)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (ص:296-298).
([55]) الصراط المستقيم للبياضي (2/93).
([56]) الصراط المستقيم للبياضي (3/169).
([57]) زاد الكاشاني: يعني المرأتين لعنهما الله وأبويهما. تفسير الصافي (1/305).
([58]) تفسير العياشي (1/200)، وانظر: تفسير الصافي للكاشاني (1/305)، والبرهان للبحراني (1/320)، وبحار الأنوار للمجلسي (6/504)، (8/6).
([59]) حياة القلوب للمجلسي (2/700).
([60]) الصراط المستقيم للبياضي (3/168)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:313)، وعزاه إلى السياري الذي أسنده بطريقين؛ أحدهما إلى الباقر، والآخر إلى الصادق، وعزاه أيضاً إلى سعد بن عبد الله القمي في كتاب (نواسخ القرآن).
([61]) المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط، فيوضع في ثوب ثم ينضح بالماء فيشرب، والعرفط: شجر من العضاة ينضح المغفور، والمغافير لها ريح،وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكره أن يوجد منه الريح -الريح الخبيث- راجع: الصحاح للجوهري (2/772)، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (5/295)، وتفسير ابن كثير (4/387-388).
([62]) صحيح البخاري (6/274،-275)، كتاب التفسير، باب: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك).
([63]) فتح الباري لابن حجر (8/657).
([64]) جامع البيان للطبري (28/159-160)، وأسباب النزول للواحدي (ص:504)، وتفسير ابن كثير (4/386-388)، والدر المنثور للسيوطي (6/239-241)، وفتح القدير للشوكاني (5/249-251).
([65]) راجع: الصراط المستقيم للبياضي (3/168)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:313).
([66]) انظر: تفسير فرات الكوفي (ص:7-8)، والغيبة للنعماني (ص:59)، وإكمال الدين للصدوق (ص:241-242)، والأمالي له (ص:222)، والصراط المستقيم للبياضي (2/141)، وكفاية الأثر للخزاز (ص:110-111، 152)، وتفسير الصافي للكاشاني (2/456)، والبرهان للبحراني (4/63-64، 199).
([67]) تقدم الكلام على ذلك (ص:1112).
([68]) الصراط المستقيم للبياضي (3/168).
([69]) الصراط المستقيم للبياضي (3/168)، وفصل الخطاب للنوري الطبرسي (ص:313)، والمراجعات للموسوي.
([70]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (4/314).
([71]) أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (المستدرك 4/6).
([72]) أخرجه ابن سعد، والبزار، والطبراني في الأوسط والكبير، والحاكم وصححه، وابن عساكر في الأربعين وحسنه، وذكره ابن عبد البر، والمحب الطبري، وابن حجر، وغيرهم. انظر: طبقات ابن سعد (8/84)، والاستيعاب لابن عبد البر (4/269)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (2/50) والمستدرك للحاكم (4/15)، والأربعين في مناقب أمهات المؤمنين لابن عساكر (ص:91)، والسمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين للمحب الطبري (ص:68)، ومجمع الزوائد للهيثمي (9/244)، ودر السحابة للشوكاني (ص:323).
([73]) تقدم تخريج هذه القصة (ص:1065).
([74]) كشف الغمة للإربلي (1/479)، وانظر: الصراط المستقيم للبياضي (2/283)، والكشكول لحيدر الآملي (ص:133)، ونفحات اللاهوت للكركي (ق73/ب)، والمراجعات للموسوي: المراجعة (78).
([75]) الإيضاح للفضل بن شاذان (ص:140-143).
([76]) الصراط المستقيم للبياضي (3/30).
([77]) الكشكول لحيدر الآملي (ص:133).
([78]) سيأتي مزيد بيان لهذه القصة (ص:1287).
([79]) تفسير القمي (2/377). وانظر: البرهان للبحراني (4/358).
([80]) الصراط المستقيم للبياضي (3/165-166).
([81]) تفسير الصافي للكاشاني (2/720)، والبرهان للبحراني (4/358).
([82]) تفسير الصافي للكاشاني (2/720)، والبرهان للبحراني (4/358).
([83]) بحار الأنوار للمجلسي (22/33).
([84]) جامع البيان للطبري (28/169-171)، وتفسير ابن كثير (4/393)، وفتح القدير للشوكاني (5/255-256).
([85]) جامع البيان للطبري (28/169-171)، وتفسير ابن كثير (4/393)، وفتح القدير للشوكاني (5/255-256
إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما
قال الله تعالى : { إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) : التحريم }.
في هذه الاية الكريمة حث من الله تعالى لعائشة وحفصة رضي الله عنهما على التوبة لما صدر منهن تجاه النبي صلى الله عليه واله وسلم , ولقد تحققت التوبة منهما رضي الله عنهما قطعا , والدليل على هذا ما جاء في الاية التي بعدها من صفات الزوجات المناسبت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فلا يليق بمقام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الا زوجات مسلمات , مؤمنات , قانتات , عابدات , سائحات , فلما تيقنا ان النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يطلقهن , وابقاهن في عصمته تحقق عندنا انهن مسلمات , مؤمنات , قانتات , تائبات , عابدات , سائحات , ولقد جاء بيان , وتفصيل الاية الكريمة عند الامام البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس , قال الامام البخاري : " 2468 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]؟ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَهْلِكِينَ لاَ تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلاَ تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ عَائِشَةَ - وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ، فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ، قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: لاَ أَدْرِي هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلاَمُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: «لاَ»، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ عَائِشَةَ -، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: «مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ» فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: عَائِشَةُ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ: آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 28] إِلَى قَوْلِهِ {عَظِيمًا} [النساء: 27] "، قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ" اهـ.[1]
وفي صحيح الامام مسلم ان عمر رضي الله عنه قال : " وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ }........ " اهـ.[2]
فالحديث صريح في شرح الحدث , وما جاء من تخيير الله تعالى لزوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم , فاخترن الله ورسوله والدار الاخرة , ولو كان اختيارهن للحياة الدنيا وزينتها لطلقهن النبي صلى الله عليه واله وسلم , واذا حدث الطلاق انسلبت كل الصفات التي يجب ان تكون عليها زوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم وهي : المسلمات , المؤمنات , القانتات , التائبات , العابدات , السائحات , وكذلك توابع الزواج من النبي صلى الله عليه واله وسلم , والاحكام التي تتعلق بالامومة الايمانية , ولقد ثبت اختيار زوجات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لله ورسوله والدار الاخرة في كتب الرافضة , قال الكليني : " 2 - حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَ ابْنِ رِبَاطٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَلَمْ يُمْسِكْهُنَّ عَلَى طَلَاقٍ وَ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَبِنَّ فَقَالَ إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ كَانَ يَرْوِيهِ أَبِي عَنْ عَائِشَةَ وَ مَا لِلنَّاسِ وَ لِلْخِيَارِ إِنَّمَا هَذَا شَيْ ءٌ خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ رَسُولَهُ (صلى الله عليه وآله) " اهـ.[3]
وفي الكافي ايضا : " 3 - حُمَيْدٌ عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنِ ابْنِ رِبَاطٍ عَنْ عِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَانَتْ مِنْهُ قَالَ لَا إِنَّمَا هَذَا شَيْ ءٌ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) خَاصَّةً أُمِرَ بِذَلِكَ فَفَعَلَ وَ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَطَلَّقَهُنَّ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا " اهـ.[4]
وفي الكافي ايضا : " 4 - حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَتْ أَ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) إِنْ خَلَّى سَبِيلَنَا أَنَّا لَا نَجِدُ زَوْجاً غَيْرَهُ وَ قَدْ كَانَ اعْتَزَلَ نِسَاءَهُ تِسْعاً وَ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَلَمَّا قَالَتْ زَيْنَبُ الَّذِي قَالَتْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَبْرَئِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَقَالَ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَقُلْنَ بَلْ نَخْتَارُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ " اهـ.[5]
ومجرد وقوع العبد في الخطأ , او الذنب , فلا يلزم منه الطعن به , والتعرض له بالسوء , وذلك لان هذا العبد مشمول بالتوبة , ومكفرات الذنوب , والعبرة عندنا بالنصوص الصريحة الواضحة في الاحكام , فلقد ثبت عندنا بالادلة الصحيحة الصريحة ان امهات المؤمنين ومنهن عائشة رضي الله عنها من اهل الجنة , قال الامام ابن حبان : " ذِكْرُ خَبَرٍ ثَالِثٍ يُصَرِّحْ بِأَنَّ عَائِشَةَ تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ زَوْجَةَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
7096 - أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَزْوَاجُكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: "أَمَا إِنَّكِ مِنْهُنَّ" قَالَتْ فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ ذَاكَ أَنَّهُ لم يتزوج بكرا غيري" اهـ.[6]
وفي صحيح البخاري شهادة عمار بن ياسر رضي الله عنه لها بانها زوجة النبي صلى الله عليه واله وسلم في الدنيا والاخرة , قال الامام البخاري : " 7100 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِيُّ، قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى البَصْرَةِ، بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلاَهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا، يَقُولُ: «إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلاَكُمْ، لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ» " اهـ.[7]
ولقد اخبر الله تعالى في القران الكريم بصدور الذنب من بعض الانبياء والصالحين وتوبتهم منه وانه لا يجوز لاحد الطعن بهؤلاء الانبياء , والصالحين , قال الله تعالى : { فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) : طه } , وقال تعالى : { قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) : الاعراف }.
وفي علل الشرائع للصدوق : " 1 - حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن أحمد الأسواري الفقيه قال : حدثنا مكي بن سعدويه البرذعي قال : حدثنا أبو محمد نوح بن الحسن قال : حدثنا أبو سعيد جميل بن سعد قال : أخبرنا أحمد بن عبد الواحد بن سليمان العسقلاني قال : حدثنا القاسم بن حميد قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : سألت ابن مسعود عن أيام البيض ما سببها وكيف سمعت ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول إن آدم لما عصى ربه تعالى ناداه مناد من لدن العرش يا آدم اخرج من جواري فإنه لا يجاروني أحد عصاني، فبكى وبكت الملائكة فبعث الله عز وجل إليه جبرئيل فأهبطه إلى الأرض مسودا فلما رأته الملائكة ضجت وبكت وانتحبت وقالت : يا رب خلقا خلقته ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك بذنب واحد حولت بياضه سوادا فنادى منادي من السماء ان صم لربك اليوم فصام فوافق يوم الثالث عشر من الشهر فذهب ثلث السواد ثم نودي يوم الرابع عشر أن صم لربك اليوم فصام فذهب ثلثا السواد ثم نودي يوم الخامس عشر بالصيام فصام فأصبح وقد ذهب السواد كله فسميت أيام البيض للذي رد الله عز وجل فيه على آدم من بياضه، ثم نادى مناد من السماء يا آدم هذه الثلاثة أيام جعلتها لك ولولدك من صامها في كل شهر فكأنما صام الدهر. قال حميد : قال أحمد بن عبد الواحد وسمعت أحمد بن شيبان البرمكي يقول وزاد الحميري في الحديث فجلس آدم عليه السلام جلسة القرفصاء ورأسه بين ركبتيه كئيبا حزينا فبعث الله تبارك وتعالى إليه جبرئيل فقال يا آدم مالي أراك كئيبا حزينا قال لا أزال كئيبا حزينا حتى يأتي أمر الله قال فانى رسول الله إليك وهو يقرؤك السلام ويقول : يا آدم حياك الله وبياك قال أما حياك فاعرفه فما بياك قال أضحكك قال فسجد آدم فرفع رأسه إلى السماء وقال يا رب زدني جمالا فأصبح وله لحية سوداء كالحمم فضرب بيده إليها فقال يا رب ما هذه ؟ قال هذه اللحية زينتك بها أنت وذكور ولدك إلى يوم القيامة. ( قال مصنف هذا الكتاب ) هذا الخبر صحيح .... " اهـ. [8].
فهل يجوز ان نقول على ادم عليه السلام العاصي المطرود من جوار الله ؟ !!!.
وفي الكافي : " 1 - الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) أُصُولُ الْكُفْرِ ثَلَاثَةٌ الْحِرْصُ وَ الِاسْتِكْبَارُ وَ الْحَسَدُ فَأَمَّا الْحِرْصُ فَإِنَّ آدَمَ ( عليه السلام ) حِينَ نُهِيَ عَنِ الشَّجَرَةِ حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَنْ أَكَلَ مِنْهَا وَ أَمَّا الِاسْتِكْبَارُ فَإِبْلِيسُ حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ فَأَبَى وَ أَمَّا الْحَسَدُ فَابْنَا آدَمَ حَيْثُ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ " اهـ.[9]
فهل يجوز الطعن بادم عليه السلام وان يقول احد عنه ان اصلا من اصول الكفر قد تحقق فيه ؟ !!!.
11 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ ( عليه السلام ) أَنِ ائْتِ عَبْدِي دَانِيَالَ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ فَإِنْ أَنْتَ عَصَيْتَنِيَ الرَّابِعَةَ لَمْ أَغْفِرْ لَكَ فَأَتَاهُ دَاوُدُ ( عليه السلام ) فَقَالَ يَا دَانِيَالُ إِنَّنِي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَ هُوَ يَقُولُ لَكَ إِنَّكَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَكَ فَإِنْ أَنْتَ عَصَيْتَنِيَ الرَّابِعَةَ لَمْ أَغْفِرْ لَكَ فَقَالَ لَهُ دَانِيَالُ قَدْ أَبْلَغْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ قَامَ دَانِيَالُ فَنَاجَى رَبَّهُ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ دَاوُدَ نَبِيَّكَ أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّنِي قَدْ عَصَيْتُكَ فَغَفَرْتَ لِي وَ عَصَيْتُكَ فَغَفَرْتَ لِي وَ عَصَيْتُكَ فَغَفَرْتَ لِي وَ أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّنِي إِنْ عَصَيْتُكَ الرَّابِعَةَ لَمْ تَغْفِرْ لِي فَوَعِزَّتِكَ لَئِنْ لَمْ تَعْصِمْنِي لَأَعْصِيَنَّكَ ثُمَّ لَأَعْصِيَنَّكَ ثُمَّ لَأَعْصِيَنَّكَ " اهـ.[10]
فهل يجوز ان نقول دانيال العاصي ؟ !.
وهل ذكر الله تعالى توبة لدانيال ؟ !. ان قلتم نعم سالنكم اين الدليل ؟.
ودانيال نبي كما ورد في الكافي : " 9 - عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام )...........فَقَالَ عَلِيٌّ ( عليه السلام ) اللَّهُ أَكْبَرُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ إِلَّا دَانِيَالَ النَّبِيَّ " اهـ.[11]
وورد في كتب الامامية ان سارة رضي الله عنها زوجة ابراهيم عليه السلام قد آذت ابراهيم ولم ترد اي توبة لها , قال القمي : " واما قوله ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل الآية ) فإنه حدثني أبي عن النضر بن سويد عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن إبراهيم عليه السلام كان نازلا في بادية الشام فلما ولد له من هاجر إسماعيل اغتمت سارة من ذلك غما شديدا لأنه لم يكن له منها ولد كانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمه فشكى إبراهيم ذلك إلى الله عز وجل فأوحى الله إليه إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجا ان تركتها استمتعتها وان أقمتها كسرتها ثم امره ان يخرج إسماعيل وأمه ( فقال يا رب إلى اي مكان ؟ قال إلى حرمي وأمني وأول بقعة خلقتها من الأرض وهي مكة فأنزل الله عليه جبرائيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وكان إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع الا قال يا جبرئيل إلى ههنا إلى ههنا فيقول لا امض، امض حتى اتى مكة فوضعه في موضع البيت وقد كان إبراهيم ( ع ) عاهد سارة ان لا ينزل حتى يرجع إليها، فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة فألقت هاجر على ذلك الشجر كساءا وكان معها فاستظلوا تحته فلما سرحهم إبراهيم ووضعهم وأراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر يا إبراهيم لم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع فقال إبراهيم الله الذي امرني ان أضعكم في هذا المكان حاضر عليكم ثم انصرف عنهم فلما بلغ كداء وهو جبل بذى طوى التفت إليهم إبراهيم فقال ( رب اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم
وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " اهـ.[12]
وقال التبريزي : " وقد صدر من بنات الأنبياء ما هو أشد من ذلك، فإن سارة ألزمت إبراهيم ( عليه السلام ) أن يخرج عنها هاجر وابنها إسماعيل إلى واد غير ذي زرع، ولا ينزل معهما بل يضعهما فيه وهو راكب ويرجع إليها، وقد أمر الله إبراهيم أن يمتثل أمر سارة...." اهـ.[13]
فهل يجوز الطعن بسارة رضي الله عنها زوجة الخليل ابراهيم عليه السلام ؟ !!!.
1 - صحيح البخاري - بَابُ الغُرْفَةِ وَالعُلِّيَّةِ المُشْرِفَةِ وَغَيْرِ المُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا - ج 3 ص 133.
2 - صحيح مسلم - بَاب فِي الْإِيلَاءِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ وَتَخْيِيرِهِنَّ وَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } - ج 7 ص 441.
3 - الكافي – الكليني - ج 6 ص 136. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 21 ص 229.
4 - الكافي – الكليني - ج 6 ص 137. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 21 ص 230.
5 - الكافي – الكليني - ج 6 ص 138. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 21 ص 232.
6 - صحيح ابن حبان – ابو حاتم محمد بن حبان البستي – ج 16 ص 8 , وقال الشيخ شعيب الارناؤوط على الحديث في تحقيق صحيح ابن حبان – اسناده صحيح على شرط مسلم , وقال الامام الالباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان – صحيح – ج 10 ص 181 , وذكره الامام الالباني في السلسلة الصحيحة ج 7 ص 12 , واخرجه ابو عبد الله الحاكم في المستدرك ج 4 ص 14 , وقال عنه - صحيح الاسناد ولم يخرجاه , ووافقه الامام الذهبي على التصحيح في التلخيص. وكذلك اخرجه ابو القاسم الطبراني في المعجم الكبير ج 23 ص 39.
7 - صحيح البخاري - بَابُ الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ – ج 9 ص 55.
8 - علل الشرائع - الصدوق - ج 2 ص 379 – 381.
9 - الكافي – الكليني - ج 2 ص 289. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 10 ص 73.
10 - الكافي – الكليني - ج 2 ص 435 - 436. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 11 ص 305.
11 - الكافي – الكليني - ج 7 ص 425 - 427. وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن – ج 24 ص 297.
12 - تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج 1 - ص 60 – 61.
13 - اللمعة البيضاء - التبريزي الأنصاري - ص 144.