آخر تحديث للموقع :

السبت 13 رجب 1444هـ الموافق:4 فبراير 2023م 09:02:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

موقف أهل السنة من الثقل الأكبر والثقل الأصغر ..

لاشك أن أهل السنة قد أصابوا في موقفهم من أهل البيت عليهم السلام؛ حيث أحبوهم واحترموهم ووقروهم، وعرفوا منزلتهم التي جعلها الله لهم، فهم بشر اصطفاهم الله بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من نبغ في العبادة والعلم والشجاعة والورع، وحاز صفات الخير، ومنهم من هودون ذلك.

فتكون محبة أهل السنة لآل البيت حقيقية؛ فقد أحبوهم على طبيعتهم البشرية، وأنهم يصيبون ويخطئون، مثلهم في ذلك مثل سائر الصالحين، حاشا رسول الله؛ فهوالمعصوم صلوات الله وسلامه عليه.

أما غير أهل السنة فأحبوا بعض آل البيت بسبب الهالات العظيمة التي جعلوها لهم؛ لذا لا يمكن أن تقبل عقول كثير منهم محبتهم على صفتهم وطبيعتهم من غير غلو!

وقد قال لي كثير ممن حصل بيني وبينهم نقاش: كيف تريد لي أن أحبهم، وهم مثل سائر البشر؟!

وهنا يظهر الفرق بين محبة أهل السنة لآل البيت ومحبة غيرهم.

حيث إن محبة غيرهم إنما هي لهذا الغلوالذي جعلوه للأئمة، وعامته من خصائص المولى - سبحانه وتعالى -، وليست محبة لذات الأئمة، فتأمل ذلك! وانظر من الصادق في المحبة: الذي أحب الحقيقة أم الذي أحب الخيال؟

وحتى يعلم القارئ الكريم حقيقة هذا الغلو، نذكر بعض الأبواب التي وردت في أصح كتب الشيعة، وهوالكافي للكليني.

من هذه الأبواب:

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم (1/ 258).

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم (1/ 26.).

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام (1/ 255).

باب: أن الأئمة عليهم السلام خلفاء الله عزوجل في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى (1/ 193).

باب: أن الأئمة لوستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه (1/ 264).

باب: أن الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزوجل، وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها (1/ 227).

وهم لم يكتفوا بذلك، بل جعلوا تعيين الإمام أهم من بعث الرسول ص، وفي ذلك يقول آية الله ميرزا الخراساني: "إن تعيين الإمام أهم من بعث الرسول؛ لأن تركه نقض للغرض وهدم للبناء" (1).

__________

(1) هذه الرسالة المعجزة والإسلام (ص:1.7).

ويقول الخميني مفضلًا الأئمة على الأنبياء والملائكة ‡: "إن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون. وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل" (1).

فهذه بعض النماذج من الغلووالإفراط فيه.

وقد تواتر عن آل البيت عليهم السلام أنهم كانوا يقولون لشيعتهم: "أيها الناس! أحبونا حب الإسلام؛ فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا" (2).

وروى المجلسي أيضًا بسنده عن علي بن أبي طالب ا أنه قال: "إياكم والغلوفينا، قولوا: إنا عبيد مربوبون" (3).

وروى الكشي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله؛: "إنهم يقولون، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: تعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب، فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان الله .. سبحان الله! لا والله، ما يعلم هذا إلا الله" (4).

فهذه بعض أقوال الأئمة عليهم السلام كما صرحت بذلك كتب الشيعة، وهذا يبيِّن حقيقة ما تعتقده الشيعة في آل البيت، وأنه لا يمكن أن ينطلي على أحد ممن أنعم الله عليه بالعقل السوي والفطرة المستقيمة.

محبة آل البيت بين الادعاء والحقيقة

أخي الكريم! هذا المبحث المختصر هولب رسالتنا هذه؛ فأمعن نظرك فيه، وليكن ذهنك حاضرًا؛ فإنك بمنزلة القاضي الذي يحكم على صحة الدعوى أوبطلانها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لويعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي) (5).

نعم! لابد من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على صدق المحبة.

فقولك: أنا من شيعة آل البيت، وأحب آل البيت، ومن أتباع آل البيت .. كل هذا لا يكفي؛ بل يبقى: أين الأدلة على صحة كلامك؟

__________

(1) الحكومة الإسلامية (ص:52).

(2) انظر: البداية والنهاية (9/ 11.).

(3) بحار الأنوار (25/ 27.).

(4) رجال الكشي (ص:193).

(5) صحيح مسلم (ح:1711)، مسند أحمد (1/ 342).

إن الانتساب إلى آل البيت شرف وسؤدد ورفعة منزلة ... و... و... حتى إن المنتسب إليهم صار يجد لنفسه منافع ومكاسب كثيرة لا تخفى عليك أيها القارئ الكريم؛ لذا كلٌ يدعي محبتهم وتوقيرهم، فمثلًا:

الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين ي، وهم الذين قالوا بإمامته بعد أخيه الباقر، ولهم وجود في اليمن ودول أخرى، يرون أن الحق معهم، وأنهم هم الذين فازوا بشرف حب آل البيت واتباعهم.

الإسماعيلية وهم الذين يرون إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وبقوا على ذلك بعد وفاته، ورفضوا القول بأن الإمامة انتقلت إلى أخيه موسى، وقالوا: بل هي في إسماعيل (الابن الأكبر لجعفر) .. هم على اختلاف فرقهم يرون أنهم هم الشيعة أتباع الأئمة دون غيرهم، ولهم وجود في الهند وفي اليمن وفي أنحاء من العالم.

والإثنا عشرية الذين قصروا الإمامة على اثني عشر إمامًا، يرون أنهم أتباع آل البيت، وينبزون غيرهم بأنهم نواصب.

فمن نصدق؟؟

وما هي براهين هؤلاء وأولئك؟؟

أما أهل السنة فعلى اختلاف مذاهبهم يرون أنهم قالوا الحق في آل البيت من حيث تعميم معنى آل البيت؛ فإنهم لم يحصروه في أفراد معدودين، بل إن حمزة والعباس وجعفر الطيار عندهم من آل البيت رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك ذرية الحسن ا وقد سبق بيان ذلك، وهذا القول هوالقول الوسط، وقد سبق ذكر بعض حقوقهم والثناء عليهم.

ومن براهين أهل السنة على ذلك: أن الكمال في رسول الله ص، ومحبة أهل بيته لأجل ذاته ص وبركاته؛، وقد نال آل البيت عليهم السلام المنزلة بسبب قرابتهم من رسول الله ص، وكذلك أصحابه، فنحن ندافع عن الصحابة ونحبهم، ونذكر فضائلهم، وجهادهم، وصبرهم وبذلهم ونصرتهم لرسول الله ص ... و... و... لكثرة ما ورد فيهم من نصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولأنهم أصحاب رسول الله ص؛ فإن صحبة رسول الله ص شرف بذاتها، ولها منزلة خاصة، وهي تاج على رءوس الأصحاب (1).

* ... * ... *

__________

(1) راجع رسالتنا (صحبة رسول الله ص).

برهان الإمامة عند أهل السنة

مما سبق نعرف أن الأصل في احترام آل البيت وأصحاب رسول الله ص، هوذات رسول الله ص، ولما لهم من سبق في الإسلام وجهاد، فالحجة عند أهل السنة هورسول الله ص إمام أهل البيت.

والاتباع عند أهل السنة هولرسول الله ص إمام البشر، فهوالقدوة عند أهل السنة.

سيد البشر عند أهل السنة هورسول الله ص.

الشافع يوم الحشر عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب لواء الحمد عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب المقام المحمود عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب الحوض عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب المنزلة الرفيعة في الجنة عند أهل السنة هورسول الله ص.

وقرروا بأن معرفة الله - سبحانه وتعالى - لا تكون إلا عن طريق رسول الله ص.

وقرروا بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى بلَّغه رسول الله ص، وقرروا بأن عبادة المولى عزوجل تكون وفق شرع رسول الله ص فكلام رسول الله ص حجة على الناس، وكذلك معرفة أسماء الله وصفاته عزوجل إنما هي عن طريق رسول الله ص.

والتقرب إلى الله والتعبد للمولى سبحانه لا يتم إلا على وفق شرع رسول الله ص، فنحن معشر أهل السنة نعبد الله وفق عبادة رسول الله ص؛ فإن رسول الله؛ إمام المتقين وسيد العابدين وقدوتهم، فنسير على هداه في العبادة، فلا نخترع ونحدث عبادة لم يشرعها رسول الله ص؛ لأن كل عبادة لم يأذن بها رسول الله ص مردودة وبدعةً، وقد جاء في قصة النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله ص، ثم قالوا: هذا رسول الله ص غفر الله له ذنبه، وعلينا نحن أن نجتهد في العبادة، ثم نظروا في العبادات القائمة، فقرروا الالتزام بها والزيادة عليها، فالأول التزم إحياء الليل كله، والثاني صيام الدهر، والثالث التبتل وعدم الزواج لكي يتعبد لله، فهذه عبادات لها أصل شرعي: صلاة الليل، وكذلك الصيام، ومثله الزهد في ملذات الدنيا وزينتها، فأنكر الرسول ص صنيعهم هذا، وقال كلمته المشهورة: (من رغب عن سنتي فليس مني) (1).

كما قرر أهل السنة وجوب المحبة القلبية للنبي ص، وأن يكون شخصه أحب إلينا من أنفسنا.

نعم من أنفسنا! فما بالك بسائر الناس، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم (2): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين).

كما قرر أهل السنة وجوب الصلاة على النبي ص في الصلاة، وهي المعروفة بالصلاة الإبراهيمية، وقد تقدم بسط القول في ذلك في فصل: "حقوق آل البيت عليهم السلام".

وقد قرر أهل السنة مشروعية الصلاة على النبي ص في كل دعاء، وأنه من دواعي استجابة الدعاء، وكذلك الصلاة عليه بعد الفراغ من متابعة المؤذن، والدعاء له ص بالدعاء المشهور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا ... ) (3).

__________

(1) صحيح البخاري (ح:4776)، صحيح مسلم (ح:14.1).

(2) صحيح البخاري (ح:14، 15)، صحيح مسلم (ح:44).

(3) صحيح البخاري (ح:589).

وهوص خاتم المرسلين وإمامهم وسيد البشر؛ لذلك قرر

أهل السنة قاطبة -ولا خلاف بينهم- أن واجب الاتباع هو

الرسول ص، وأن الحجة في أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام.

فأهل السنة يقولون بأن الاتباع لمن اكتسب آل البيت المنزلة بسبب قرابتهم منه، وهورسول الله ص.

وهم يقولون بأن الكمال في إمام أهل البيت، وهورسول الله ص.

ويقولون بأن الحجة في إمام أهل البيت، وهورسول الله ص.

فكيف يقال بأن أهل السنة لا يحبون أهل البيت، وارتباطهم برسول الله ص يعرفه خصومهم حق المعرفة؟؟

فأهل السنة يقررون أنه لا إيمان للعبد إلا بتصديق رسول الله ص، فلابد من تصديق رسول الله ص فيما أخبر، وكذلك طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وعبادة الله وفق ما شرع.

أما من عداه من ذريته؛ ومن أقاربه وأصحابه فمهما بلغت منزلتهم فهم دون رسول الله ص، فيؤخذ من قولهم ويترك ما لم يكن إجماعًا.

فهل يلام أهل السنة باتباعهم رسول الله ص وترك ما سواه؟!

أيها القارئ الكريم! ضع يدك بيد إخوانك، واجعل قدوتك رسول الله ص دون ما سواه، فهوإمام العترة والتمسك بسنته فيها النجاة.

اخرج من الخلاف في معرفة من هم الأئمة بعد رسول الله ص وتمسك بالإمام الأعظم ودع غيره مهما كان.

طالب بأقوال وأفعال الرسول الأكرم والتزم بها.

اسأل الله أن يرزقك اتباع سيد البشر.

اسأل الله أن يحشرك مع سيد المتقين وإمام المرسلين، فإن الله عزوجل سوف يسألك يوم القيامة عن اتباعك لرسول الله ص.

الثقل الأكبر عند أهل السنة

هذا كلام أهل السنة عن إمام الأئمة، وأما ملخص قولهم في الثقل الأكبر القرآن الكريم فإليك هو:

القرآن الكريم كلام الله.

القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له.

القرآن الكريم شفاء.

القرآن الكريم فيه المواعظ والذكر الحكيم.

القرآن الكريم هداية.

القرآن الكريم رحمة.

القرآن الكريم نور.

القرآن الكريم صراط الله المستقيم.

القرآن الكريم حجة الله على العالمين.

القرآن الكريم معجزة النبي الكريم الكبرى.

القرآن الكريم تلاوته عبادة.

القرآن الكريم تدبره والتفكر فيه قربة.

القرآن الكريم من قال فيه بزيادة أونقصان كفر.

القرآن الكريم هوالأصل الأول في العقائد والأحكام والفيصل في أمور المسلمين كلها.

واهتمام أهل السنة بالقرآن فوق الوصف والبيان، يحفظه صغارهم وكبارهم ويتلونه، ويحرصون على العمل به، وعندهم القرآن يفسر القرآن، وأحاديث رسول الله ص تفسر القرآن، وما أشكل رجعوا فيه إلى كلام العرب ولغتهم ..

أيها القارئ الكريم! لا أريد أن أطيل عليك، لكن أقول لك: عليك أن تجعل القرآن نصب عينيك؛ فإن فيه أبلغ المواعظ، وفيه الأوامر الصريحة بالتأمل والتفكر والتدبر وإعمال العقل. واعلم أن دستور أهل السنة هوالقرآن الكريم والاقتداء بسيد آل البيت وسيد المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.

فعليك أن تلحق بركب الرسول؛ لتنجوفي الآخرة.

فإن سئلت يوم القيامة فإن الحجة بين يديك رسول الله ص، فهوإمامك وقدوتك.

اللهم إنا نسألك أن تجمعنا بالحبيب ص في جنات النعيم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عدد مرات القراءة:
2014
إرسال لصديق طباعة
الجمعة 26 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:31 ديسمبر 2021م 07:12:42 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
 
اسمك :  
نص التعليق :