معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

موقف أهل السنة من الثقل الأكبر والثقل الأصغر ..

موقف أهل السنة من الثقل الأكبر والثقل الأصغر

لاشك أن أهل السنة قد أصابوا في موقفهم من أهل البيت عليهم السلام؛ حيث أحبوهم واحترموهم ووقروهم، وعرفوا منزلتهم التي جعلها الله لهم، فهم بشر اصطفاهم الله بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم من نبغ في العبادة والعلم والشجاعة والورع، وحاز صفات الخير، ومنهم من هودون ذلك.

فتكون محبة أهل السنة لآل البيت حقيقية؛ فقد أحبوهم على طبيعتهم البشرية، وأنهم يصيبون ويخطئون، مثلهم في ذلك مثل سائر الصالحين، حاشا رسول الله؛ فهوالمعصوم صلوات الله وسلامه عليه.

أما غير أهل السنة فأحبوا بعض آل البيت بسبب الهالات العظيمة التي جعلوها لهم؛ لذا لا يمكن أن تقبل عقول كثير منهم محبتهم على صفتهم وطبيعتهم من غير غلو!

وقد قال لي كثير ممن حصل بيني وبينهم نقاش: كيف تريد لي أن أحبهم، وهم مثل سائر البشر؟!

وهنا يظهر الفرق بين محبة أهل السنة لآل البيت ومحبة غيرهم.

حيث إن محبة غيرهم إنما هي لهذا الغلوالذي جعلوه للأئمة، وعامته من خصائص المولى - سبحانه وتعالى -، وليست محبة لذات الأئمة، فتأمل ذلك! وانظر من الصادق في المحبة: الذي أحب الحقيقة أم الذي أحب الخيال؟

وحتى يعلم القارئ الكريم حقيقة هذا الغلو، نذكر بعض الأبواب التي وردت في أصح كتب الشيعة، وهوالكافي للكليني.

من هذه الأبواب:

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم (1/ 258).

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم (1/ 26.).

باب: أن الأئمة عليهم السلام يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام (1/ 255).

باب: أن الأئمة عليهم السلام خلفاء الله عزوجل في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى (1/ 193).

باب: أن الأئمة لوستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه (1/ 264).

باب: أن الأئمة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزوجل، وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها (1/ 227).

وهم لم يكتفوا بذلك، بل جعلوا تعيين الإمام أهم من بعث الرسول ص، وفي ذلك يقول آية الله ميرزا الخراساني: "إن تعيين الإمام أهم من بعث الرسول؛ لأن تركه نقض للغرض وهدم للبناء" (1).

__________

(1) هذه الرسالة المعجزة والإسلام (ص:1.7).

ويقول الخميني مفضلًا الأئمة على الأنبياء والملائكة ‡: "إن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون. وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل" (1).

فهذه بعض النماذج من الغلووالإفراط فيه.

وقد تواتر عن آل البيت عليهم السلام أنهم كانوا يقولون لشيعتهم: "أيها الناس! أحبونا حب الإسلام؛ فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا" (2).

وروى المجلسي أيضًا بسنده عن علي بن أبي طالب ا أنه قال: "إياكم والغلوفينا، قولوا: إنا عبيد مربوبون" (3).

وروى الكشي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله؛: "إنهم يقولون، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: تعلم قطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب، فرفع يده إلى السماء، وقال: سبحان الله .. سبحان الله! لا والله، ما يعلم هذا إلا الله" (4).

فهذه بعض أقوال الأئمة عليهم السلام كما صرحت بذلك كتب الشيعة، وهذا يبيِّن حقيقة ما تعتقده الشيعة في آل البيت، وأنه لا يمكن أن ينطلي على أحد ممن أنعم الله عليه بالعقل السوي والفطرة المستقيمة.

محبة آل البيت بين الادعاء والحقيقة

أخي الكريم! هذا المبحث المختصر هولب رسالتنا هذه؛ فأمعن نظرك فيه، وليكن ذهنك حاضرًا؛ فإنك بمنزلة القاضي الذي يحكم على صحة الدعوى أوبطلانها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لويعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي) (5).

نعم! لابد من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على صدق المحبة.

فقولك: أنا من شيعة آل البيت، وأحب آل البيت، ومن أتباع آل البيت .. كل هذا لا يكفي؛ بل يبقى: أين الأدلة على صحة كلامك؟

__________

(1) الحكومة الإسلامية (ص:52).

(2) انظر: البداية والنهاية (9/ 11.).

(3) بحار الأنوار (25/ 27.).

(4) رجال الكشي (ص:193).

(5) صحيح مسلم (ح:1711)، مسند أحمد (1/ 342).

إن الانتساب إلى آل البيت شرف وسؤدد ورفعة منزلة ... و... و... حتى إن المنتسب إليهم صار يجد لنفسه منافع ومكاسب كثيرة لا تخفى عليك أيها القارئ الكريم؛ لذا كلٌ يدعي محبتهم وتوقيرهم، فمثلًا:

الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين ي، وهم الذين قالوا بإمامته بعد أخيه الباقر، ولهم وجود في اليمن ودول أخرى، يرون أن الحق معهم، وأنهم هم الذين فازوا بشرف حب آل البيت واتباعهم.

الإسماعيلية وهم الذين يرون إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وبقوا على ذلك بعد وفاته، ورفضوا القول بأن الإمامة انتقلت إلى أخيه موسى، وقالوا: بل هي في إسماعيل (الابن الأكبر لجعفر) .. هم على اختلاف فرقهم يرون أنهم هم الشيعة أتباع الأئمة دون غيرهم، ولهم وجود في الهند وفي اليمن وفي أنحاء من العالم.

والإثنا عشرية الذين قصروا الإمامة على اثني عشر إمامًا، يرون أنهم أتباع آل البيت، وينبزون غيرهم بأنهم نواصب.

فمن نصدق؟؟

وما هي براهين هؤلاء وأولئك؟؟

أما أهل السنة فعلى اختلاف مذاهبهم يرون أنهم قالوا الحق في آل البيت من حيث تعميم معنى آل البيت؛ فإنهم لم يحصروه في أفراد معدودين، بل إن حمزة والعباس وجعفر الطيار عندهم من آل البيت رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك ذرية الحسن ا وقد سبق بيان ذلك، وهذا القول هوالقول الوسط، وقد سبق ذكر بعض حقوقهم والثناء عليهم.

ومن براهين أهل السنة على ذلك: أن الكمال في رسول الله ص، ومحبة أهل بيته لأجل ذاته ص وبركاته؛، وقد نال آل البيت عليهم السلام المنزلة بسبب قرابتهم من رسول الله ص، وكذلك أصحابه، فنحن ندافع عن الصحابة ونحبهم، ونذكر فضائلهم، وجهادهم، وصبرهم وبذلهم ونصرتهم لرسول الله ص ... و... و... لكثرة ما ورد فيهم من نصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولأنهم أصحاب رسول الله ص؛ فإن صحبة رسول الله ص شرف بذاتها، ولها منزلة خاصة، وهي تاج على رءوس الأصحاب (1).

* ... * ... *

__________

(1) راجع رسالتنا (صحبة رسول الله ص).

برهان الإمامة عند أهل السنة

مما سبق نعرف أن الأصل في احترام آل البيت وأصحاب رسول الله ص، هوذات رسول الله ص، ولما لهم من سبق في الإسلام وجهاد، فالحجة عند أهل السنة هورسول الله ص إمام أهل البيت.

والاتباع عند أهل السنة هولرسول الله ص إمام البشر، فهوالقدوة عند أهل السنة.

سيد البشر عند أهل السنة هورسول الله ص.

الشافع يوم الحشر عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب لواء الحمد عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب المقام المحمود عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب الحوض عند أهل السنة هورسول الله ص.

صاحب المنزلة الرفيعة في الجنة عند أهل السنة هورسول الله ص.

وقرروا بأن معرفة الله - سبحانه وتعالى - لا تكون إلا عن طريق رسول الله ص.

وقرروا بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى بلَّغه رسول الله ص، وقرروا بأن عبادة المولى عزوجل تكون وفق شرع رسول الله ص فكلام رسول الله ص حجة على الناس، وكذلك معرفة أسماء الله وصفاته عزوجل إنما هي عن طريق رسول الله ص.

والتقرب إلى الله والتعبد للمولى سبحانه لا يتم إلا على وفق شرع رسول الله ص، فنحن معشر أهل السنة نعبد الله وفق عبادة رسول الله ص؛ فإن رسول الله؛ إمام المتقين وسيد العابدين وقدوتهم، فنسير على هداه في العبادة، فلا نخترع ونحدث عبادة لم يشرعها رسول الله ص؛ لأن كل عبادة لم يأذن بها رسول الله ص مردودة وبدعةً، وقد جاء في قصة النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة رسول الله ص، ثم قالوا: هذا رسول الله ص غفر الله له ذنبه، وعلينا نحن أن نجتهد في العبادة، ثم نظروا في العبادات القائمة، فقرروا الالتزام بها والزيادة عليها، فالأول التزم إحياء الليل كله، والثاني صيام الدهر، والثالث التبتل وعدم الزواج لكي يتعبد لله، فهذه عبادات لها أصل شرعي: صلاة الليل، وكذلك الصيام، ومثله الزهد في ملذات الدنيا وزينتها، فأنكر الرسول ص صنيعهم هذا، وقال كلمته المشهورة: (من رغب عن سنتي فليس مني) (1).

كما قرر أهل السنة وجوب المحبة القلبية للنبي ص، وأن يكون شخصه أحب إلينا من أنفسنا.

نعم من أنفسنا! فما بالك بسائر الناس، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم (2): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين).

كما قرر أهل السنة وجوب الصلاة على النبي ص في الصلاة، وهي المعروفة بالصلاة الإبراهيمية، وقد تقدم بسط القول في ذلك في فصل: "حقوق آل البيت عليهم السلام".

وقد قرر أهل السنة مشروعية الصلاة على النبي ص في كل دعاء، وأنه من دواعي استجابة الدعاء، وكذلك الصلاة عليه بعد الفراغ من متابعة المؤذن، والدعاء له ص بالدعاء المشهور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا ... ) (3).

__________

(1) صحيح البخاري (ح:4776)، صحيح مسلم (ح:14.1).

(2) صحيح البخاري (ح:14، 15)، صحيح مسلم (ح:44).

(3) صحيح البخاري (ح:589).

وهوص خاتم المرسلين وإمامهم وسيد البشر؛ لذلك قرر

أهل السنة قاطبة -ولا خلاف بينهم- أن واجب الاتباع هو

الرسول ص، وأن الحجة في أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام.

فأهل السنة يقولون بأن الاتباع لمن اكتسب آل البيت المنزلة بسبب قرابتهم منه، وهورسول الله ص.

وهم يقولون بأن الكمال في إمام أهل البيت، وهورسول الله ص.

ويقولون بأن الحجة في إمام أهل البيت، وهورسول الله ص.

فكيف يقال بأن أهل السنة لا يحبون أهل البيت، وارتباطهم برسول الله ص يعرفه خصومهم حق المعرفة؟؟

فأهل السنة يقررون أنه لا إيمان للعبد إلا بتصديق رسول الله ص، فلابد من تصديق رسول الله ص فيما أخبر، وكذلك طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وعبادة الله وفق ما شرع.

أما من عداه من ذريته؛ ومن أقاربه وأصحابه فمهما بلغت منزلتهم فهم دون رسول الله ص، فيؤخذ من قولهم ويترك ما لم يكن إجماعًا.

فهل يلام أهل السنة باتباعهم رسول الله ص وترك ما سواه؟!

أيها القارئ الكريم! ضع يدك بيد إخوانك، واجعل قدوتك رسول الله ص دون ما سواه، فهوإمام العترة والتمسك بسنته فيها النجاة.

اخرج من الخلاف في معرفة من هم الأئمة بعد رسول الله ص وتمسك بالإمام الأعظم ودع غيره مهما كان.

طالب بأقوال وأفعال الرسول الأكرم والتزم بها.

اسأل الله أن يرزقك اتباع سيد البشر.

اسأل الله أن يحشرك مع سيد المتقين وإمام المرسلين، فإن الله عزوجل سوف يسألك يوم القيامة عن اتباعك لرسول الله ص.

الثقل الأكبر عند أهل السنة

هذا كلام أهل السنة عن إمام الأئمة، وأما ملخص قولهم في الثقل الأكبر القرآن الكريم فإليك هو:

القرآن الكريم كلام الله.

القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له.

القرآن الكريم شفاء.

القرآن الكريم فيه المواعظ والذكر الحكيم.

القرآن الكريم هداية.

القرآن الكريم رحمة.

القرآن الكريم نور.

القرآن الكريم صراط الله المستقيم.

القرآن الكريم حجة الله على العالمين.

القرآن الكريم معجزة النبي الكريم الكبرى.

القرآن الكريم تلاوته عبادة.

القرآن الكريم تدبره والتفكر فيه قربة.

القرآن الكريم من قال فيه بزيادة أونقصان كفر.

القرآن الكريم هوالأصل الأول في العقائد والأحكام والفيصل في أمور المسلمين كلها.

واهتمام أهل السنة بالقرآن فوق الوصف والبيان، يحفظه صغارهم وكبارهم ويتلونه، ويحرصون على العمل به، وعندهم القرآن يفسر القرآن، وأحاديث رسول الله ص تفسر القرآن، وما أشكل رجعوا فيه إلى كلام العرب ولغتهم ..

أيها القارئ الكريم! لا أريد أن أطيل عليك، لكن أقول لك: عليك أن تجعل القرآن نصب عينيك؛ فإن فيه أبلغ المواعظ، وفيه الأوامر الصريحة بالتأمل والتفكر والتدبر وإعمال العقل. واعلم أن دستور أهل السنة هوالقرآن الكريم والاقتداء بسيد آل البيت وسيد المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.

فعليك أن تلحق بركب الرسول؛ لتنجوفي الآخرة.

فإن سئلت يوم القيامة فإن الحجة بين يديك رسول الله ص، فهوإمامك وقدوتك.

اللهم إنا نسألك أن تجمعنا بالحبيب ص في جنات النعيم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عدد مرات القراءة:
3343
إرسال لصديق طباعة
الأربعاء 10 رمضان 1445هـ الموافق:20 مارس 2024م 05:03:09 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف مروي بلفظ: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" وبلفظ: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" ومختلف في صحته؛ فبعض العلماء اعتبره صحيحاً بينما يرى البعض الآخر أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين المروي بلفظ: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا الحديث الذي يعرف أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" - روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ (الكوفي)، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ (الكوفي)، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح.
ونلاحظ أن هذا الحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي قال فيه الآلوسي في "تفسيره" (180/11): "تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن هاهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجا" انتهى، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا أن نطيع أحداً من أهل بيت النبي (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» غير الوارد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

حديث الثقلين المروي بلفظ: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا الحديث الذي يعرف أيضاً بحديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" - روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي عن ابن عباس (رض)؛ وذلك لأن النبي (ص) قد خطب - انظر: "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" لمحمد أبي شهبة (572/2 - 580) - ثلاث مرات في حجة الوداع: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي عن ابن عباس (رض) نفسه - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع بإسناد حسن من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح أن حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي عن ابن عباس (رض) صحيح، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الثقلين المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي عن ابن عباس (رض) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2): «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»، والله أعلم.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" المروي من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، فإن حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" في هذه الحالة يكون ضعيفاً أيضاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأثنين 2 شعبان 1445هـ الموافق:12 فبراير 2024م 01:02:12 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا أن نطيع أحداً من أهل بيت النبي (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث إنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)؛ وذلك لأن النبي (ص) قد خطب - انظر: "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" لمحمد أبي شهبة (572/2 - 580) - ثلاث مرات في حجة الوداع: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع بإسناد حسن من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح أن حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) صحيح، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في هذه الحالة يكون ضعيفاً أيضاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الخميس 15 جمادى الآخرة 1445هـ الموافق:28 ديسمبر 2023م 03:12:31 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) أن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث إنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناده حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)؛ وذلك لأن النبي (ص) قد خطب - انظر: "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" لمحمد أبي شهبة (572/2 - 580) - ثلاث مرات في حجة الوداع: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع بإسناد حسن من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح أن حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) صحيح، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في هذه الحالة يكون ضعيفاً أيضاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الجمعة 25 جمادى الأولى 1445هـ الموافق:8 ديسمبر 2023م 04:12:32 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي شريف اختلف العلماء في صحته؛ فبعضهم اعتبره صحيحاً بينما يرى الآخرون أنه من الأحاديث الضعيفة التي لا يُحتج بها.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
حديث الثقلين روي بلفظين:
اللفظ الاول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث إن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ" رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: "لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمْنَ، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: "نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُحْفَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيٍّ إِلَّا نِصْفَ عُمُرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبُ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَصَحْتَ، قَالَ: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقُّ وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ مَعَكُمُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تَسْمَعُونَ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ عُرْضَهُ أَبْعَدُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَبُصْرَى، فِيهِ أَقْدَاحٌ عَدَدَ النُّجُومِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟»، فَنَادَى مُنَادٍ: وَمَا الثَّقَلَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ لَا تَضِلُّوا، وَالْآخَرَ عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَسَأَلْتُ ذَلِكَ لَهُمَا رَبِّي، فَلَا تَقْدُمُوهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِي فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2).
كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (324/4).
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث إنه لم يرد في حديث الغدير المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه":
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم أجد له جرحاً ولا تعديلاً.
وفيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ نا سَيْفٌ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه شعيب بن ابراهيم الكوفي، قال فيه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (275/2): "فيه جهالة" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7/5): "لَهُ أَحَادِيثُ وَأَخْبَارٌ، وَهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث وَالأَخْبَارِ لَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَفِيهِ بَعْضُ النَّكِرَةِ لأَنَّ فِي أَخْبَارِهِ وَأَحَادِيثِهِ مَا فِيهِ تَحَامُلٌ عَلَى السَّلَفِ" انتهى.
وفيه سيف بن عمر التميمي، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.
وفيه الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (213/2): "فِي حَدِيثِهِ وَهْمٌ، وَيَرْفَعُ الْمَوْقُوفَ" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/274): "ضعيف" انتهى، كما أننا لا نعلم للصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي سماعاً من أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار)، حيث ترجم له البخاري في "التاريخ الكبير" (313/4): "صباح بْن مُحَمَّد بْن أَبِي حازم البجلي الأحمسي يعد فِي الكوفِيين، سَمِعَ مرة" انتهى، وبالتالي رواية الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي عن أبي حازم الأعرج (سلمة بن دينار) منقطعة.
كما أن أبا حازم الأعرج (سلمة بن دينار) الذي هو مولى الأسود بن سفيان المخزومي كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (78/4) - لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، حيث قال يحيى بن صالح الوحاضي: "قلت لابن أَبي حازم: أبوك سمع من أبي هُرَيْرة؟ قال: من حدثك إن أبي سمع من أحد من الصحابة غير سهل بْن سعد فقد كذب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (275/11).

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو أحْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، جميعاً حديث حجة الوداع بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، وفيه خطب النبي (ص) يوم عرفة ذاكراً كتاب الله أيضاً بدون ذكر سنته (ص)، وذلك بقوله: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»"، وعدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في هذا الحديث - لا يعكر على قوله (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) نفسه والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، والله أعلم.
كما أن عدم ذكر قول النبي (ص): «وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) - لا يعكر على قول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) والذي أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) أيضاً؛ وذلك لأننا قد سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الغدير الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، فالصحابي زيد بن أرقم (رض) يصيب ويخطأ؛ فهو حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين يصيبون ويخطئون، حيث إنه من المعروف أن الصحابة في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، فهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، ولذا فإنه لعل الرسول (ص) قال في حديث الغدير المروي عن زيد بن أرقم (رض) والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2) -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن سواء بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أن حديث حجة الوداع قد ورد في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" أيضاً كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فإن الإمام مالك قد أورد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء هذا الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
السبت 29 ربيع الأول 1445هـ الموافق:14 أكتوبر 2023م 03:10:10 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أنه من المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين الوارد فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، والله أعلم.
ونلاحظ أن حديث حجة الوداع ليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وبالتالي فلا يجب الخلط بينهما.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد حديث حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأثنين 24 ربيع الأول 1445هـ الموافق:9 أكتوبر 2023م 03:10:20 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).
وتجدر الإشارة إلى أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الى النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آيات قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآيات هي قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/71 - 73]، والمخاطب بهذه الآيات بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (287/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآيات قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن الآية 73 من سورة هود قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7): "وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى.
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) (644/2).
وهذا الطريق فيه أبو عوانة (وضاح بن عبد الله)، وهو مولى يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري ومن سبي جرجان كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (217/8)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "كتبه صحيحة، وإذا حديث من حفظه غلط كثيرا وهو صدوق ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (41/9)، وقال فيه أحمد بن حنبل: "إِذَا حدث أَبُو عَوَانَة من كتابه فَهُوَ أثبت، وَإِذَا حدث من غير كتابه ربما وهم" انتهى من "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (638/15).
وفيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما. كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4971) (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4980) (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (160/3)، وابن عساكر في "المعجم" (رقم/1026) (818/2).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ، سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) (644/2)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (133/6)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2679) (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه أحمد في "المسند" (114/18)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) (643/2)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (376/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/2678) (65/3)، والبغوي في "شرح السنة" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (ص/393): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/3725): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) (89/5)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (456/35)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (309/6)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) (642/2)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/4922) (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (ص/107) من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
وإسناد هذا الحديث بكلا لفظيه لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) (644/2).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو مولى لبني سهم من أسلم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، قال فيه علي بن المديني: "صَالح، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى من "سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني" (رقم/97)، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/89): "ضَعِيف" انتهى.
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (89/3).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1148)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون أمره (ص) بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما نرى - فيها علل، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره، ونحن قبل أن نبين سبب ذلك يجب أن نبين الحديث الحسن لغيره، فنقول: إن الحديث الحسن لغيره - انظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66) - هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430
وهكذا بعد أن بينا الحديث الحسن لغيره، يمكننا الآن أن نبين سبب عدم أرتقاء حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها إلى حسن لغيره، وذلك بقولنا أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها يُعتبر شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" الوارد فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع أمره (ص) بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من أهل بيته (ص).
كما أن الشيعة الأثنا عشرية قد أحتجوا أيضاً بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، والحال أن لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (89/9)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) (643/2)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما نرى - فيها علل أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أنه من المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين الوارد فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) (1873/4)، وأحمد في "المسند" (10/32 - 11)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) (62/4)، والطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/5028) (183/5): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (385/15)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (172/1)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (195/10)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (755/1) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (ص/110): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (2218/5) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث إسناده فيه عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) (886/2)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (334/3)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (32/1)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد أخرج في "سننه" (رقم/2159) حديث حجة الوداع من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وهذا الحديث سياقه - كما نرى - قريب من سياق حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض)، والله أعلم.
ونلاحظ أن حديث حجة الوداع ليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وبالتالي فلا يجب الخلط بينهما.
ومن الجدير بالذكر أنه على فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (171/1)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (194/10)، والمروزي في "السنة" (رقم/68) (ص/25)، والآجري في "الشريعة" (2220/5) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/5) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (375/28)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063) (2/7)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) (1020/2)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) (592/2) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

وتجدر الإشارة إلى أنه قد ورد حديث حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ" كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1): "عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).

فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الجمعة 7 ربيع الأول 1445هـ الموافق:22 سبتمبر 2023م 04:09:20 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، والدليل على عدم عصمة صحابة رسول الله (ص) من الخطأ والسهو والنسيان هو أننا سبق أن بينا أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) قد قال قبل أن يروي حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فقول الصحابي زيد بن أرقم (رض) هذا يوحي بأنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ بسبب نسيانه بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) نتيجة كبر سنه وقدم عهده، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن الصحابي زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأربعاء 5 ربيع الأول 1445هـ الموافق:20 سبتمبر 2023م 04:09:18 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) يقول قبل أن يروي حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408): "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الخميس 14 صفر 1445هـ الموافق:31 أغسطس 2023م 04:08:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن مروي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
فكما نرى، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه بالإضافة إلى كونه حديثاً حسناً، وبالتالي فإن هذا الحديث يكون محتجاً به.

………………………………………………………
الأربعاء 13 صفر 1445هـ الموافق:30 أغسطس 2023م 04:08:14 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث قد أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
الثلاثاء 12 صفر 1445هـ الموافق:29 أغسطس 2023م 03:08:03 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1) من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4) من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز وجل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول وإنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله وسنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله)" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
السبت 9 صفر 1445هـ الموافق:26 أغسطس 2023م 03:08:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401)، من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
الجمعة 8 صفر 1445هـ الموافق:25 أغسطس 2023م 04:08:36 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)…
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)…
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ… كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه، فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ…} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ…} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل على أنه - انظر: "تفسير الآلوسي" (180/11) - تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ…} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ…} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه، فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" أيضاً تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، روي بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).
وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).
وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).
ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".
وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَكُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وهذه الرواية قد وثقها محمد باقر المجلسي في كتابه "مرآة العقول" (209/1).
وعليه، فإن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" معناه صحيح متفق عليه.

………………………………………………………
الأثنين 13 محرم 1445هـ الموافق:31 يوليو 2023م 06:07:23 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 التي هي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31] إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الأحد 5 محرم 1445هـ الموافق:23 يوليو 2023م 04:07:20 بتوقيت مكة
محمد علي  
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
حديث الثقلين هو حديث نبوي مروي عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم.
ونحن سوف نخرج هذا الحديث كالآتي:
هذا الحديث روي بلفظين:
• اللفظ الأول: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والتاريخ من حديث زيد بن أرقم وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وحذيفة بن أسيد وزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث زيد بن أرقم (رض):
وقد ورد ذلك من طرق عدة، وهي:
الطريق الأول: أبو حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ، لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550).
وإسناد الحديث الوارد من هذا الطريق صحيح. ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض)، والحديث فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص).

الطريق الثاني: الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788).
وهذا الطريق فيه أكثر من علة:
1- سليمان بن مهران الاعمش الكوفي، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال: "سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل: ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى، وهو مدلس، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" (224/4): "ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: رأى أنسا بمكة وواسط، وروى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا، أخرجناه في التابعين لأن له حفظا ويقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال" للذهبي (224/2)، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1): "وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى.
2- حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2)، وهو ثقة لكنه مدلس، حيث قال فيه أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (456/3): "وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ فَقَدْ كَانَ يُدَلِّسُ" انتهى، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش: "لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط ابن العجمي (ص/20)، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، كما أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت سماعه من الصحابة إلا من ابن عباس وعائشة، قال علي بن المديني: "حبيب بن أبي ثابت؛ لقي ابن عباس، وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ" لعلي بن المديني (رقم/95)، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي زيد بن أرقم من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.

الطريق الثالث: أبو الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4577)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42)، من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ (رض) يَقُولُ: "نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي»".
وهذا الطريق ضعيف، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/86): "ذاهب الحديث" انتهى، وقال فيه ابن عدي الجرجاني :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (445/7).
وفيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل، حيث قال فيه العجلي: "تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من "سير أعلام النبلاء" للذهبي (299/5)، وقال فيه يحيى بن معين: "سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق" لابن عساكر (126/22)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "كان سلمة يتشيع" انتهى من "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لعلاء الدين مغلطاي (22/6)، كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله وأبو جحيفة، حيث قال علي بن المديني: "لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (157/4)، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.
وهناك طريقان آخران لحديث الثقلين المروي عن أبي الطفيل، وهذان الطريقان هما:
• طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض) قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)...
أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3)، والنسائي في "السنن الكبرى" (310/7)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555).
وهذا الطريق فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة حبيب بن أبي ثابت فإننا لن نجد له سماعاً من الصحابي أبي الطفيل، وبالتالي سند حديث الثقلين المروي عن الصحابي أبي الطفيل من طريق حبيب بن أبي ثابت يُعتبر منقطعاً.
• طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ (ص)...
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5).
وهذا الطريق فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (116/4)، وهو ضعيف، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (202/3)، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34): "كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1): "كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى، وقال فيه يحيى بن معين: "حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3).

الطريق الرابع: الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/4711)، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026).
وهذا الطريق منكر، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، قال فيه البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2). كما أننا لا نعلم لأبي الضحى سماعاً من الصحابة إلا من ابن عمر وابن عباس والنعمان بن بشير، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (264/7): "مُسْلِم بْن صبيح أَبُو الضحى الكوفِي، مولى لآل سَعِيد بْن العاص الْقُرَشِيّ. سَمِعَ ابْن عُمَر، وابْن عَبَّاس، والنعمان بْن بشير، روى عنه منصور، والأعمش، ومغيرة بْن مقسم" انتهى، وبالتالي رواية أبي الضحى مسلم بن صبيح عن الصحابي أبي الطفيل منقطعة.

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، وأحمد في "المسند" (رقم/11104)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/30081)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140)، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678)، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914)، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»".
وفي لفظ آخر أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (رقم/170)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي»".
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788)، من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»".
وإسناد هذا الحديث بجميع ألفاظه فيه عطية بن سعد العوفي الكوفي، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843): "مجمع على ضعفه" انتهى، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1): "صدوق يخطىء كثيرا، وكان شيعيا مدلسا" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (رقم/1306)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (176/2): "سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ: قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ: من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول: حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى. فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض)، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352): "كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/66): "مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90): "مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى، وقال فيه الدارقطني: "متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين" لابن زريق (120/3)، وقال فيه سليمان التيمي: "كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (270/7)، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال: "وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى.

الحديث الثالث: حديث جابر بن عبد الله (رض):
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757)، من طريق نَصْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»".
وإسناده ضعيف جداً، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي)، قال فيه أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (560/3).

الحديث الرابع: حديث حذيفة بن أسيد (رض):
أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (355/1)، من طريق زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وهذا الحديث إسناده فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) أيضاً، وقد سبق بيان حاله.
وفيه معروف بن خربوذ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4)، قال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني: "كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (220/4)، وقال فيه يحيى بن معين: "ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (321/8)، وقال فيه الذهبي في "ميزان الأعتدال" (144/4): "صدوق شيعي" انتهى، وقال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (220/4): "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ" انتهى.

الحديث الخامس: حديث زيد بن ثابت (رض):
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/31679)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548)، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5)، جميعاً من طريق شَرِيكٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (رقم/240)، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح، فيه أكثر من علة:
1- شريك بن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، قال فيه أبو زرعة الرازي: "كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (367/4)، وقال فيه علي بن المديني: "سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (193/2)، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي: "كان ينسب إلى التشيع المفرط، وقد حكي عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (296/4).
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي، قال فيه البخاري: "حديثه منكر، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (369/3).

الحديث السادس: حديث علي بن أبي طالب (رض):
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ (رض) أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (ص) قَالَ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي».
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق ضعيف، فيه كثير بن زيد، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5)، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505).
وفيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، مجهول الحال، ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (253/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

الثاني: علي بن ثابت، قال: حدثنا سعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: قال رسول الله (ص): «إني مقبوض، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله، وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة، فلا توجد».
أخرجه البزار في "المسند" (رقم/864).
وإسناد الحديث المروي من هذا الطريق لا يصح أيضاً، فيه علل:
1- سعاد بن سليمان الكوفي، قال فيه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (324/4): "كان من عتق الشيعة، وليس بقوي في الحديث" انتهى.
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، وهو مدلس، حيث وصفه ابن حبان البستي بالتدليس في "الثقات" (177/5) قائلاً: "كَانَ مدلساً" انتهى، وذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم" انتهى، ويعد أبو إسحاق السبيعي ممن أفسد حديث أهل الكوفة، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك: "إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال" للجوزجاني (ص/126)، كما أن أبا إسحاق السبيعي يميل إلى التشيع، حيث قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (637/2): "وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى.
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي: "حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله" (495/1)، وقال فيه علي بن المديني : "الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير" للعقيلي (209/1)، وقال فيه أبو خيثمة زهير بن حرب: "الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (79/3)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (222/1): كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى.

• اللفظ الثاني: "كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه".
وهذا اللفظ روي في عدد من كتب الحديث والسنن والسيرة والفقه والعقيدة من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف المزني وعروة بن الزبير وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس (رضي الله عنهم جميعاً)، وهذا تفصيله:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة (رض):
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5)، والبزار في "المسند" (رقم/8993)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/319)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337)، من طريق صَالِحِ بْنِ مُوسَى الطَّلْحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رض)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
وإسناده ضعيف جداً، فيه صالح بن موسى الطلحي، قال فيه يحيى بن معين: "حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5)، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59): "مُنكر الحَدِيث" انتهى، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/298): "مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى.

الحديث الثاني: حديث عمرو بن عوف المزني (رض):
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389)، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله (ص): «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم».
وإسناده ضعيف، فيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4): "اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى.

الحديث الثالث: حديث عروة بن الزبير (رض):
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5)، من طريق أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ (ص) عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ».
وهذا الحديث مرسل، فعروة بن الزبير لم يشهد حجة الوداع كما هو معلوم، حيث إنه ولد سنة 23 هـ (كما هو الراجح)، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (422/4).
كما أن إسناد هذا الحديث فيه ابن لهيعة، قال فيه يحيى بن معين: "عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (237/5).

الحديث الرابع : حديث أنس بن مالك (رض):
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" (67/4)، من طريق أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قال: ثنا هِشَامٌ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وإسناده ضعيف، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ فيه يحيى بن معين: "رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "المجروحين" لابن حبان البستي (98/3)، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/642): "مَتْرُوك بَصرِي" انتهى، وَقَالَ فيه الدراقطني: "ضَعِيف" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (207/3).

الحديث الخامس: حديث أبي سعيد الخدري (رض):
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1)، من طريق سَيْفٍ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ -، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)، عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي، وَلَا تُعْسِفُوهُ، فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا».
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع، قال فيه أبو حاتم الرازي: "متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (278/4)، وقال فيه أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال" للذهبي (255/2)، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (345/1): "يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى.

الحديث السادس: حديث عبد الله بن عباس (رض):
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704)، من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا، كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».
وهذا الحديث في سنده عبد الله بن شبيب الربعي، وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11)، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق: "ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين" لابن الجوزي (126/2).
ولهذا الحديث طريق آخر أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، من طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وإسناد الحديث من هذا الطريق حسن.
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1): "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح" انتهى.
وقول النبي (ص): «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في حديث حجة الوداع المروي عن ابن عباس (رض) - لا يعكر عليه أنه لم يُذكر في حديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح من طريق حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ‌جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ (رضي الله عنهما)، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة بدون قوله: «وسنة نبيه»، والتي هي: "«إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"؛ وذلك لأن النبي (ص) خطب في حجة الوداع ثلاث مرات: يوم عرفة، ويوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق، ويغلب على الظن أن ما نقله ابن عباس (رض) كان عن خطبته (ص) يوم النحر، فإن الترمذي قد روى في "سننه" (رقم/2159)، من طريق ‌سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ ‌أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّاسِ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»"، وسياقه قريب من سياق حديث ابن عباس (رض)، ولذا فالراجح صحة هذا الحديث من طريق ابن عباس (رض)، والله أعلم.
وعلى فرض أن إسناد حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" المروي من طريق طريق إِسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، قال حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ... كما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) - ضعيف، وبالتالي يكون حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" ضعيفاً، إلا أن هذا الحديث قد روي من طريق آخر، حيث سبق أن قلنا بأن البيهقي قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) من طريق عروة بن الزبير (رض)، وعليه فإن هذا الحديث يرتقي إلى حديث حسن لغيره.
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه.
ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما:
أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه.
ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله.
وانظر: "تيسير مصطلحات الحديث" لمحمود الطحان (ص/66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1): "لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى.
ومن الجدير بالذكر أن الشاذ من الحديث هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه. ويجب التفريق بينه وبين المنكر من الحديث، حيث أن المنكر من الحديث هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة. (انظر: "تيسير مصطلح الحديث" لمحمود الطحان ص/120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الشاذ والمنكر من الحديث، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما. (انظر: "كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين" لعبد القادر المحمدي ص/ 47 - 55).
وعليه فإن الحديث الضعيف إذا كان مروياً من طريق فيه راوٍ كذاب أو فاسق فإنه لا ينجبر ضعفه ولا يتقوى بمجيئه من طريق آخر إذا كان أيضاً فيه راوٍ كذاب أو فاسق، كما أن الحديث الشاذ والحديث المنكر كلاهما ضعيف ولا يتقوى بغيره أبداً، وانظر موقع "فركوس" الذي يتكلم عن موضوع تقوية الأحاديث الضعيفة، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://ferkous.com/home/?q=fatwa-430

وتجدر الإشارة إلى أنه قد وردت خطبة حجة الوداع في "السيرة النبوية لابن هشام" (603/2 - 604) بلفظ فيه الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص) كالآتي:
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة/37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أورد الإمام مالك حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغاً، ولم يذكر له إسناداً، حيث جاء الحديث في "الموطأ" كالآتي:
"مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ".
قال ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (331/24) عن هذا الحديث: "مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ" انتهى.
وقال الإمام الألباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1): "كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض" [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ]" انتهى.

فنستنتج مما سبق ما يلي:
• حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) المروي بإسناد صحيح قد أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، من طريق أَبي حَيَّانَ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: "انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ…". وفي هذا الطريق روي الحديث - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه أمر النبي (ص) للناس باتباع كتاب الله والأخذ به وتوصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) كالآتي:
"«وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»…".
وليس فيما صح من الحديث أمر النبي (ص) للناس باتباع العترة، بل فيه توصيته (ص) لهم بأهل بيته (ص) وحثه (ص) لهم على مودتهم ومراعاة حقوقهم.
ومن الجدير بالذكر أن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يخالف المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"؛ وذلك لأن "أهل البيت" بالمفهوم اللغوي هم سكانه، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في "كتاب العين" (89/4): "أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به" انتهى، والمعروف أن أقرباء النبي (ص) لا يسكنون في بيته (ص)، بالتالي فهم غير داخلين في أهل بيته (ص) على عكس زوجاته (ص) اللاتي يدخلن في أهل بيته (ص) بسبب كونهن يسكن في بيته (ص)، وتؤيد قولنا هذا الآية 33 من سورة الأحزاب، والتي هي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33]، حيث أن هذه الآية - التي تسمى أيضاً بآية التطهير - قد أعطت أن زوجات النبي (ص) من أهل بيته (ص)؛ وذلك لأنها جاءت وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بزوجات النبي (ص)، فهن سبب نزول هذه الآيات، حيث بدأت هذه الآيات من الآية 28 بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....} [الأحزاب/28]، واستمر الكلام حتى قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ....} [الأحزاب/30] الذي قد بدأ - كما نرى - بـ{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الذي يدل - كما قال أبو الثناء الألوسي في "تفسيره" (180/11) - على أنه تلوين للخطاب، وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن، وأنه نداؤهن ها هنا وفيما بعد بالإضافة الي النبي (ص) لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، وأنه اعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً، ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....} [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....} [الأحزاب/32 - 34]، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم في نهايتها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن مصاديق "أهل البيت" في هذه الآية هن زوجات النبي (ص)؛ وذلك لأن النبي (ص) نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله (ص) أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير النفس أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ (ص) أيضاً داخل في مصاديق "أهل البيت"، ولما كانت قواعد النحو تقضي بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم المُذَكَّر؛ جاء ضمير "كُمْ" المذكَّر في آخر الآية، كما أن هذه الآية قد وردت حولها أحاديث تدل على أن المراد من مفردة "أهل البيت" في آية التطهير أعم من زوجات النبي (ص)، وهذه الأحاديث في ثبوتها بعض التردد، حيث قال ابن كثير في "تفسيره" (365/6 - 370) بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وَجَمْعًا أَيْضًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِنْ صَحَّتْ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَسَانِيدِهَا نَظَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ تَدَبَّر الْقُرْآنَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاخِلَاتٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ مَعَهُنَّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ: اعْمَلْنَ بِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَاذْكُرْنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي خُصِصْتُنَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِكُنَّ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ" انتهى، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه الأحاديث في تفسير آية التطهير، كما أن هناك آية قرآنية أخرى أيضاً تؤيد قولنا حول المفهوم اللغوي لمفردة "أهل البيت"، وعدم دخول أقرباء النبي (ص) في أهل بيته (ص)، ودخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته (ص)، وهذه الآية هي قوله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود/73]، والمخاطب بهذه الآية بالإجماع هي سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) كما بينه ابن كثير في "تفسيره" (288/4 - 289)، وبهذا فإن هذه الآية قد أعطت أن سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) والتي تسكن في بيته (عليه السلام) - من أهل بيته (عليه السلام)، كما أن هذه الآية قد استُخْدِم فيها ضمير المذكَّر "كُمْ"، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً (امرأة إبراهيم)؛ وذلك لكون إبراهيم (عليه السلام) من مصاديق أهل البيت، وراجع محاضرة لفضيلة الشيخ طه الدليمي حول مفهوم أهل بيت النبي (ص)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://m.youtube.com/watch?v=0kgeww5wOXc
وعليه فإن قول زيد بن أرقم (رض) بأن أهل بيت النبي (ص) هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ - يُعتبر قولاً خاطئاً.
وهناك طرق أخرى لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي"، منها تلك التي روي فيها الحديث تارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها، أو الحث على اتِّباعها، وتارةً بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، وذلك بقوله (ص): «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا»، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا»، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها، والحال أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها وحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - جميع طرقهما - كما بينا سابقاً - ضعيفة لا تصح، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كونه شاذاً ومنكراً؛ فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550). بالإضافة إلى ذلك، فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ فيه ذِكر النبي (ص) للعترة مع الأمر بالتمسُّك بها مخالف للآيات القرآنية التي ترد التنازع و تجعل الهداية في كتاب الله و سنة رسوله؛ فهناك آيات قرآنية تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، حيث قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الانفال/46]، وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/92]، وقال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب/66]، وقال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء/80]، ولا توجد أي آية تأمرنا ان نطيع أحداً من اهل بيته (ص).
ومن الطرق الأخرى أيضاً لحديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" هي تلك التي روي فيها الحديث بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - ذِكر النبي (ص) لعدم تفرق القرآن وأهل بيته (ص) أو عترته (ص) حتى يردا عليه (ص) الحوض، وذلك بقوله (ص): «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بهذا اللفظ أيضاً، والحال أن هذا اللفظ يُعتبر لفظاً زائداً، حيث أنه لم يرد في حديث الثقلين المروي بإسناد صحيح والذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408)، وأحمد في "المسند" (رقم/19265)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357)، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550)، كما أن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي بلفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» جميع طرقه - كما بينا سابقاً - ضعيفة أيضاً، وقد ضعّف أهل العلم لفظ: «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة" (394/7): "وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح" انتهى.
ومن المعروف أن صحابة رسول الله (ص) في عقيدة أهل السنة والجماعة عدول، حيث أنهم لا يتعمدون الكذب، قال ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (295/1): "إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمُ فَكَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، إِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَنَظَرًا إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُمْ مِنَ الْمَآثِرِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَتَاحَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ" انتهى، وليس المقصود بعدالة الصحابة أنهم معصومون من الذنوب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، فهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، وقد تقع من بعضهم الهفوات والزلات، الصغائر أو الكبائر، ولكن المقصود بعدالتهم هو تمام الثقة بأقوالهم وأخبارهم، فلا يتعمدون الكذب في شهادتهم، ولا في أخبارهم، ولا يتعمدون الكذب على الرسول (ص)، قال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "منهاج السنة النبوية" (456/2): وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى، وقال الدكتور عماد الشربيني في كتابه "عدالة الصحابة رضى الله عنهم في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ودفع الشبهات" (ص/122): "أن معنى عدالة الصحابة: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور. وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصى أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم" انتهى، فهذا هو الصحابي زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين بلفظ فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - قائلاً قبل أن يرويه: "يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَقَدُمَ عَهْدِي، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا، وَمَا لَا، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ"، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص)، حيث أنه لم يكن متأكداً مما سوف يرويهِ، وبهذا نرى أن الصحابي زيد بن أرقم (رض) حاله كحال بقية صحابة رسول الله (ص) الذين هم - كما قلنا سابقاً - غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي»، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر لفظ: «وَسُنَّتِي»، والله أعلم.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك رواة من الشيعة في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الشيعة هم أحد أصول البدع الأربعة، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (447/17): "وَلِهَذَا قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَغَيْرُهُمَا: أُصُولُ الْبِدَعِ أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ" انتهى، وبهذا فإن الرواة الشيعة يُعتبرون مبتدعة، كما أن المبتدعة لا يجوز قبول روايتهم إذا كانت في روايتهم دعوة لبدعتهم، حيث يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1): "وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى، وعليه فلا يمكن قبول حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" المروي من طريق رواة شيعة.
وكذلك هناك رواة من أهل الكوفة في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيهم الكذب والتدليس أكثر من غيرهم من أهل البلدان الأخرى، حيث يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (287/2) بعد أن علق على طرق السنن من أهل الحرمين واليمن والبصرة: "والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى، وقال شيخ الاسلام ابن تيميه - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (316/20): "وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (419/1): "وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير: "إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي" للسيوطي (89/1)، كما أن أهل الكوفة تغلب عليهم بدعة التشيع، حيث يقول ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى.
كما أن هناك رواة من الموالي في عدد من أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً، والمعروف أن الرواة من الموالي - وبالأخص ذوي الأصول الفارسية - منهم من قد يروي روايات ضعيفة وغريبة، وانظر بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة"، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك علل في أغلب أسانيد حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" كما بينا سابقاً.
وبالتالي فإن حديث: "كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي" جميع أسانيده فيها كلام يضعف الحديث نفسه، والله أعلم.

• حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" هو حديث حسن، جاء بلفظ فيه - كما بينا سابقاً - حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)، ويُسمى بحديث حجة الوداع، وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي - كما بينا سابقاً - عن النبي (ص) في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع في غدير يُدعى خم، وقد أخرجه - كما بينا سابقاً - الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (رقم/318)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336)، والمروزي في "السنة" (رقم/68)، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705)، بإسناد حسن من طريق عبد الله بن عباس (رض)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...»، وهذا الحديث غير مخالف لحديث جابر الأنصاري (رض) المشهور الصحيح الذي أخرجه - كما بينا سابقاً - مسلم في "صحيحه" (رقم/1218)، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905)، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705)، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41)، بإسناد صحيح، والذي فيه ذكر جابر الأنصاري (رض) خطبة النبي (ص) يوم عرفة والتي رويت - كما بينا سابقاً - بلفظ فيه حث النبي للناس على الاعتصام بكتاب الله تعالى فقط، وذلك بقوله (ص): «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، كما أن حديث: "كتاب الله وسنة نبيه" موافق لما أوردناه سابقاً من آيات قرآنية التي تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله والتي هي الآية 46 من سورة الأنفال والآية 92 من سورة المائدة والآية 66 من سورة الأحزاب والآية 80 من سورة النساء وللآيات القرآنية الأخرى التي أيضاً تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب/36]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران/31]، وقوله: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر/7]، كما أن هذا الحديث موافق أيضاً لجملة من الأحاديث التي تدل على التمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه الأحاديث هي:
قال (ص): «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "المسند" (رقم/17145)، وابن عبد البَرِّ في "جامع بيان العلم وفضله" (1164/2)، من حديث العِرباض بن ساريةَ (رض).

وقال (ص): «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك (رض).

وقال (ص): «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله (رض).

ومن الجدير بالذكر أن محمد بن يعقوب الكليني - وهو من علماء الشيعة الإمامية - قد أخرج حديث: "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) كالآتي:
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي - الذي هو من علماء الشيعة الإمامية أيضاً - في كتابه "روضة المتقين" (124/13) كالآتي:
"وفي القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم - رحمه الله - يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة، حيث قال محمد بن يعقوب الكليني في "الكافي" (62/1) :"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ: بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )" انتهى، وقال محمد باقر المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1): "موثق" انتهى.

………………………………………………………..
الجمعة 26 جمادى الأولى 1443هـ الموافق:31 ديسمبر 2021م 07:12:42 بتوقيت مكة
محمد علي 
شبهات يستخدمها الشيعة والرد عليها

"حديث الثقلين"
روي هذا الحديث بلفظين :
اللفظ الأول : كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي ، رواه جمع من الصحابة هم : ( زيد بن أرقم – أبو سعيد الخدري – جابر بن عبد الله - حذيفة بن أسيد - زيد بن ثابت – علي بن أبي طالب ) ، وأشهرهم في روايته زيد بن أرقم .
اللفظ الثاني : كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه ، رواه جمع من الصحابة هم : (أبو هريرة – عمرو بن عوف المزني – أبو سعيد الخدري – أنس بن مالك – عروة بن الزبير – عبد الله بن عباس) .
وفيما يلي تخريج اللفظ الأول (كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي) :
أولاً : حديث زيد بن أرقم (رض) : وقد ورد ذلك من طرق عدة هي :
الطريق الأول : أبو حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَلَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ حُصَيْنٌ : لَقَدْ لَقِيتَ يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ لَقَدْ لَقِيتَ ، يَا زَيْدُ خَيْرًا كَثِيرًا ، حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا ، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: « وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ ، وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَبَّاسٍ . قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/2408) ، وأحمد في "المسند" (رقم/19265) ، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم/2357) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (183/5) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/3464) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1550) .
وإسناده صحيح . ونلاحظ في هذا الإسناد أن أَبي حيان التيمي الكوفي يروي الحديث عن يزيد بن حيان التيمي الكوفي عن الصحابي زيد بن أرقم (رض) ، والحديث فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. و ليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .

الطريق الثاني : الأَعْمَش ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا » .
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1555) .
وهذا السند فيه سليمان بن مهران الاعمش الكوفي ، ترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (5/10) وقال :"سليمان بن مهران، أبو محمد الأعمش، مولى بني كاهل : ولد على ما ذكر جرير بن عبد الحميد بدنباوند، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، ويقال كان من أهل طبرستان وسكن الكوفة، ورأى أنس بن مالك ولم يسمع منه شيئا مرفوعا" انتهى ، وهو مدلس ، حيث قال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (224/4) :"ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، و قال: رأى أنسا بمكة و واسط، و روى عنه شبيها بخمسين حديثا، و لم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، و كان مدلسا، أخرجناه فى التابعين لأن له حفظا و يقينا وأن لم يصح له سماع المسند من أنس" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل :"منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الأعمش اضطراب كثير" انتهى من "ميزان الأعتدال للذهبي"(224/2) ، وقال فيه العجلي في "الثقات" (434/1) :"وَكَانَ فِيهِ تشيع" انتهى .
وكذلك هذا السند فيه حبيب بن أبي ثابت الكوفي ، وهو مولى لبني أسد كما قال البخاري في "التاريخ الكبير" (313/2) ، وهو ثقة لكنه مدلس ، ولم يثبت سماعه إلا من ابن عباس وعائشة ، قال فيه علي بن المديني :"حبيب بن أبي ثابت ؛ لقي ابن عباس ، وسمع من عائشة ، ولم يسمع من غيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" انتهى من "علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ لابن المديني" (رقم/95) ، وقال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب" (ص/150) :"كان كثير الإرسال والتدليس" انتهى ، بل اعترف حبيب بن أبي ثابت بذلك بنفسه فقال للأعمش:"لو أن رجلاً حدثني عنك، ما باليت أن أرويه عنك" انتهى من "التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي" (ص/20) ، حتى أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/37) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . وبالتالي هذا السند يعتبر منقطع .

الطريق الثالث : أبو الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: " نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِنْدَ شَجَرَاتٍ خَمْسِ دَوْحَاتٍ عِظَامٍ ، فَكَنَسَ النَّاسُ مَا تَحْتَ الشَّجَرَاتِ ، ثُمَّ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ وَوَعَظَ ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ قَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا ، وَهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِي عِتْرَتِي » .
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/4577) ، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (216/42) ، من طريق مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ... .
وإسناده واه ، فيه محمد بن سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، قال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/ 86) :"ذاهب الحديث" انتهى ، وقال فيه ابن عدي :"وَكَانَ مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ مُتَشَيِّعِي الْكُوفَةِ" انتهى من "الكامل" (445/7) . وكذلك فيه سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة لكن فيه تشيع قليل ، حيث قال فيه أحمد العجلي :"تَابِعِيٌّ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ فِي الحَدِيْثِ، وَفِيْهِ تَشَيُّعٌ قَلِيْلٌ" انتهى من"سير أعلام النبلاء للذهبي" (299/5) ، وقال فيه يحيى بن معين :"سلمة بن كهيل شيعي مغالٍ" انتهى من "تاريخ دمشق لابن عساكر" (126/22) ، وقال فيه أبو داود :"كان سلمة يتشيع" انتهى من "أكمال تهذيب الكمال لعلاء الدين مغلطاي" (22/6) . كما أن سلمة بن كهيل لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة إلا جندب بن عبد الله و أبو جحيفة ، حيث قال فيه علي بن المديني :"لم يلق سلمة أحدا من الصحابة إلا جندبا وأبا جحيفة" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (157/4) ، وبالتالي رواية سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل منقطعة .
كما أخرج هذا الطريق الطبراني في "المعجم الكبير" (166/5) ، من طريق حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه حكيم بن جبير الأسدي الكوفي ، وهو مولى آل الحكم بن أبي العاصي كما قال علاء الدين مغلطاي في "أكمال تهذيب الكمال" (116/4) ، وهو ضعيف ، حيث قال فيه أبو حاتم الرازي :"هو ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (202/3) ، وقال فيه البخاري في "الضعفاء الصغير" (ص/34) :"كَانَ شُعْبَة يتَكَلَّم فِيهِ" انتهى ، وقال فيه ابن حبان البستي في "المجروحين" (246/1) :"كَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع كثير الْوَهم فِيمَا يَرْوِي" انتهى ، وقال فيه يحيى بن معين :"حَكِيم بن جُبَير لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية الدوري" (286/3) .
وأيضاً هذا الطريق أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (310/7) ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (118/3) ، من طريق سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... .
وهذا السند فيه سليمان الأعمش وحبيب بن أبي ثابت ، وقد بينا حال سليمان الأعمش ، وكذلك بينا حال حبيب بن أبي ثابت بأنه مدلس ، بالأضافة إلى أنه لم يسمع من أبي الطفيل أصلاً .

الطريق الرابع : الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ النخعي ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ ، وَأَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (169/5) ، و الحاكم في "المستدرك" (رقم/4711) ، وابن عساكر في "معجمه" (رقم/1026) .
وهذا الطريق منكر ، فيه الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي ، قال فيه البخاري :"لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله لأن عامة حديثه مضطرب "انتهى من "تهذيب التهذيب" (292/2) . كما أننا لا نعلم لأبي ضحى سماعاً منه .

ثانياً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) ، وأحمد في "المسند" (رقم/11104) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1554) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/30081) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) ، جميعا من طريق عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/11561) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1553) ، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (رقم/1140) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (65/3) (رقم/2678) ، والبغوي في "شرح السنه" (رقم/3914) ، جميعاً من طريق عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا، حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ».
وفي لفظ آخر أخرجه أحمد في "فضائل الصحابه" (رقم/170) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَهْلَ بَيْتِي ».
وفي لفظ آخر أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3788) من طريق عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قال : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ».
وجميع أسانيد هذه الألفاظ ضعيفة ، فيها عطية بن سعد العوفي الكوفي ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (رقم/2843) :"مجمع على ضعفه" انتهى ، وقال فيه ابن حجر العسقلاني في "تقريب التهذيب" (393/1) :"صدوق يخطىء كثيرا ، وكان شيعيا مدلسا" انتهى ، وقال فيه أحمد بن حنبل حنبل :"هُوَ ضَعِيف الحَدِيث" انتهى من من "العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (رقم/1306) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (176/2) :"سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث فَمَا مَاتَ أَبُو سعيد جعل يُجَالس الْكَلْبِيّ ويحضر قصصه فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله بِكَذَا فيحفظه وكناه أَبَا سعيد ويروي عَنهُ فَإِذا قيل لَهُ : من حَدثَك بِهَذَا؟ فَيَقُول : حَدثنِي أَبُو سعيد فيتوهمون أَنه يُرِيد أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْكَلْبِيّ ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا كِتَابَة حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب" انتهى . فكما نرى أن عطية العوفي كان يروي عن الكلبي بعد وفاة أبي سعيد الخدري (رض) ، والكلبي (مُحَمَّد بن السَّائِب بن بشير أَبُو النَّضر الْكَلْبِيّ الْكُوفِي) متروك الحديث ، قال فيه الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ص/352) :"كذبه زائدة، وابن معين، وجماعة" انتهى ، وقال فيه الجوزجاني في"أحوال الرجال" (ص/66) :"مُحَمد بن السائب كذاب ساقط" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/90) :"مَتْرُوك الحَدِيث كُوفِي" انتهى ، وقال فيه الدارقطني :"متروك" انتهى كما في "مَنْ تَكلَّم فيه الدَّارقطني في كتاب السنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين لابن زريق" (120/3) ، وقال فيه سليمان التيمي :"كان بالكوفة كذابان احدهما الكلبي" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (270/7) ، وترجم له ابن حبان البستي في "المجروحين" (253/2) وقال :"وَكَانَ الْكَلْبِيّ سبئيا من أَصْحَاب عَبْد اللَّهِ بْن سبأ من أُولَئِكَ الَّذين يَقُولُونَ إِن عليا لم يمت وَإنَّهُ رَاجع إِلَى الدُّنْيَا قبل قيام السَّاعَة فيملؤها عدلا كَمَا ملئت جورا ، وَإِن رَأَوْا سَحَابَة قَالُوا : أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا" انتهى .

ثالثاً : حديث جابر بن عبد الله (رض) :
أخرجه الترمذي في "سننه" (رقم/3786) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (رقم/4757) ، من طريق نَصْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحَسَنِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ ، « فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، قال فيه أبو حاتم الرازي :"منكر الحديث" انتهى من "الجرح والتعديل" (560/3) .

رابعاً : حديث حذيفة بن أسيد (رض) :
أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (355/1) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي ، عن مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي فَرَطُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَإِنِّي سَائِلُكُمْ حِينَ تَرِدُونَ عَلَيَّ عَنِ الثَّقَلَيْنِ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ، الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ كِتَابُ اللهِ ، سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا وَلَا تَبَدَّلُوا ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَإِنَّهُ قَدْ نَبَّأَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف ، فيه زيد بن الحسن الأنماطي (أبو الحسين الكوفي) ، منكر الحديث كما قال أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (560/3) .
وفيه أيضاً معروف بن خربوذ ، وهو مولى عثمان بن عفان كما قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (222/4) ، قال فيه يحيى بن معين :"ضعيف" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (321/8) ، وقال فيه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني :"كَانَ مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ شِيعِيًّا يُحِبُّ عَلِيًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (220/4) .

خامساً : حديث زيد بن ثابت (رض) :
أخرجه أحمد في "المسند" (رقم/21578) ، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (رقم/31679) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1548) ، والطبراني في "المعجم الكبير" (154/5) ، جميعا من طريق شَرِيكٌ ، عَنِ الرُّكَيْنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابُ اللهِ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَوْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وفي لفظ آخر أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (رقم/240) ، من طريق شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابُ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي؛ فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عليَّ الْحَوْضَ».
وإسناد كلا اللفظين لا يصح ، فيه أكثر من علة :
1- شريك بن عبدالله القاضي النخعي الكوفي ، قال فيه أبو زرعة الرازي :"كان كثير الحديث صاحب وهم، يغلط أحياناً" انتهى من"الجرح والتعديل لابن أبي حاتم" (367/4) ، وقال فيه علي بن المديني :"سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: قَدِمَ شَرِيكٌ مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي آتِهِ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا سَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَضَعَّفَ يَحْيَى حَدِيثَهُ جِدًّا" انتهى من"الضعفاء الكبير للعقيلي" (193/2) ، وقال فيه زكريا بن يحيى الساجي :"كان ينسب إلى التشيع المفرط وقد حكى عنه خلاف ذلك وكان فقيها وكان يقدم عليا على عثمان" انتهى من"تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني" (296/4) .
2- القاسم بن حسان العامري الكوفي ، قال فيه البخاري :"حديثه منكر ، ولا يعرف" انتهى من "ميزان الاعتدال" (369/3) .

سادساً : حديث علي بن أبي طالب (رض) : روي عنه من طريقين :
الطريق الأول : كَثِير بْن زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي » .
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم/1558) .
وإسناده ضعيف ، فيه كثير بن زيد ، وهو مولى لبني سهم كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (461/5) ، ضعفه النسائي كما في "الضعفاء والمتروكين" (رقم/505) .
وأيضاً فيه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، مجهول الحال ، ذكره ابن سعد في "الطبقات" (329/5)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (177/1) ، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (18/8) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا .

الطريق الثاني : علي بن ثابت ، قال : حَدَّثَنَا سعاد بن سليمان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني مقبوض ، وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنكم لن تضلوا بعدهما ، وإنه لن تقوم الساعة حتى يبتغى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تبتغى الضالة ، فلا توجد » .
أخرجه البزار في "مسنده" (رقم/864) .
وإسناده لا يصح أيضاً ، فيه علل :
1- سعاد بن سليمان الكوفي ، قال فيه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (324/4) :"كان من عتق الشيعة ، وليس بقوي في الحديث" انتهى .
2- أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ، قال فيه يعقوب بن سفيان الفسوي :"وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشُ مَائِلَانِ إِلَى التَّشَيُّعِ" انتهى ، وذكره ابن حبان في "الثقات" (177/5) وقال :"كَانَ مدلساً" انتهى ، كما أن ابن حجر العسقلاني ذكره في "طبقات المدلسين" (ص/42) وعده في المرتبة الثالثة من الموصوفين بالتدليس ، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً :"الثالثة : من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ، ومنهم من رد حديثهم مطلقاً ، ومنهم من قبلهم" انتهى . كما أن أبي إسحاق السبيعي يعد ممن أفسد حديث أهل الكوفة ، حيث قال فيه عبد الله بن المبارك :"إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق، والأعمش" انتهى من "أحوال الرجال للجوزجاني" (ص/126) .
3- الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، قال فيه الشعبي :"حَدثنِي الْحَارِث وَأشْهد أَنه كَانَ من أحد الْكَذَّابين" انتهى من"العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله" (495/1) ، وقال فيه علي بن المديني :"الْحَارِثُ كَذَّابٌ" انتهى من "الضعفاء الكبير للعقيلي" (209/1) ، وقال فيه أبو خيثمة :"الحارث الأعور كذاب" انتهى من "الجرح والتعديل لابن أبي حاتم " (79/3) ، وقال فيه ابن حبان البستي في"المجروحين" (222/1) :كَانَ غالياً فِي التَّشَيُّع ، واهياً فِي الْحَدِيث" انتهى .


وأما تخريج اللفظ الثاني (كتاب الله وسنتي أو سنة نبيه) :
أولاً : حديث أبي هريرة (رض) :
أخرجه الدارقطني في "السنن" (440/5) ، والبزار في "مسنده" (رقم/8993) ، والحاكم في "المستدرك" (رقم/319) ، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (رقم/632) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20337) ، من طريق صَالِح بْن مُوسَى الطَّلْحِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي ، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ » .
وإسناده ضعيف جداً ، فيه : صالح بن موسى الطلحي ، قال فيه يحيى :"حديثه ليس بشَيْءٍ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" (105/5) ، وقال فيه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص/59) :"مُنكر الحَدِيث" انتهى ، وقال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/57) :"مَتْرُوك الحَدِيث" انتهى .

ثانياً : حديث عمرو بن عوف المزني (رض) :
أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (رقم/1389) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، قال: قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم » .
وإسناده ضعيف ، فيه : كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (485/4) :"اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، وَضَرَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ" انتهى .

ثالثاً : حديث أبي سعيد الخدري (رض) :
أخرجه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (275/1) من طريق سَيْفٌ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَسَدِيِّ , عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَيْنَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ , وَنَحْنُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ , فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ لِيَتَأَخَّرَ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ , وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ , فَلَمَّا انْصَرَفَ , حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَاسْتَنْطِقُوا الْقُرْآنَ بِسُنَّتِي , وَلَا تُعْسِفُوهُ , فَإِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ , وَلَنْ تَزُلْ أَقْدَامُكُمْ , وَلَنْ تُقْصَرَ أَيْدِيكُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا » .
وإسناده ضعيف ، فيه سيف بن عمر التميمي الذي كان متهم بالوضع ، قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل" ( 278/2 ) :"متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي" انتهى ، وقال فيه أبو داود :"ليس بشيء" انتهى من "ميزان الاعتدال للذهبي" (255/2) ، وقال فيه ابن حبان في "المجروحين" (345/1) :"يروي الموضوعات عن الأثبات" انتهى .

رابعاً : حديث أنس بن مالك (رض) :
أخرجه أبو الشيخ عبدالله بن محمد الأصبهاني في "طبقات المحدثين" (67/4) من طريق أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ , قال: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قال: ثنا هِشَامٌ , عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنَّ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ » .
وإسناده ضعيف ، فيه يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، قَالَ فيه يحيى بن معين :"رَجُلٌ صَالِحٌ لَكِنَّ حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء" انتهى من المجروحين لابن حبان" (98/3) ، وَقَالَ فيه النَّسَائِيّ في"الضعفاء والمتروكين" (ص/110) :"مَتْرُوك بَصرِي" انتهى ، وَقَالَ فيه الدراقطني:"ضَعِيف"انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (207/3) .

خامساً : حديث عروة بن الزبير (رض) :
أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (448/5) ، من طريق أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو علاثة:مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَقَدْ أَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: اسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا : أَمْرَيْنِ بِيِّنَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ» .
وعلته : الحديث مرسل ، وفي سنده ابن لهيعة ، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (237/5) :"حَدَّثَنَا ابن حماد، حَدَّثَنا معاوية، عَن يَحْيى، قال: عَبد الله بن لَهِيعَة بن عقبة الحضرمي ضعيف". انتهى .

سادساً : حديث عبد الله بن عباس (رض) :
أخرجه الآجري في "الشريعة" (رقم/1704) ، من طريق أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي هَذَا , فَإِنِّي لَا أَدْرِي لِعَلِّي لَا أَلْقَاكُمُ بَعْدَ عَامِي هَذَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا شَهْرُ حَرَامٍ , ثُمَّ قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» فَقَالُوا هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا , وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا , كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وعلته : عبدالله بن شبيب الربعي وهو مولى بني قيس بن ثعلبة كما قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (149/11) ، قَالَ فيه أَبُو احْمَد مُحَمَّد بن إِسْحَاق :"ذَاهِب الحَدِيث" انتهى من "الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي" (126/2) .

وكذلك أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْسٍ ، قال حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ: « قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ بِأَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ مُسْلِمٌ ، الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، وَلَا تَظْلِمُوا ، وَلَا تَرْجِعُوا مِنْ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ » .
وإسناده حسن .
قال الامام الالباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (10/1) : "وعنه أيضا [يعني ابن عباس]: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحديث رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس وله أصل في الصحيح ". انتهى .
وعلى فرض أن الإسناد الذي أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق ابن عباس (رض) ضعيف ، فالحديث يمكن أن يتقوى من طريق آخر الذي منه أخرج البيهقي حديث "كتاب الله وسنة نبيه" في "دلائل النبوه" (448/3) - من طريق عروة بن الزبير (رض) - فيرتقي إلى حديث حسن لغيره .
فالحديث الحسن لغيره: هو الضعيف إذا تعددت طرقه، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذبه. ويستفاد من هذا التعريف أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن لغيره بأمرين، هما: أ- أن يروى من طريق آخر فأكثر، على أن يكون الطريق الآخر مثله أو أقوى منه. ب- أن يكون سبب ضعف الحديث إما سوء حفظ راويه، وإما انقطاعا في سنده، أو جهالة في رجاله . (أنظر :"تيسير مصطلحات الحديث لمحمود الطحان" ص/ 66).
قال الحافظ ابن صلاح في "معرفة أنواع علوم الحديث" (34/1) : لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ: فَمِنْهُ ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِذَا رَأَيْنَا مَا رَوَاهُ قَدْ جَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مِمَّا قَدْ حَفِظَهُ، وَلَمْ يَخْتَلَّ فِيهِ ضَبْطُهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الْإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ ضَعْفٌ لَا يَزُولُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، لِقُوَّةٍ الضَّعْفِ وَتَقَاعُدِ هَذَا الْجَابِرِ عَنْ جَبْرِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ. وَذَلِكَ كَالضَّعْفِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا" انتهى .
وعليه فالحديث الذي رواه راوٍ متهم بالكذب أو الفسق وأتى من طريق آخر رواه أيضاً راوٍ متهم بالكذب أو الفسق ، فأنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حديث حسن لغيره .
ويسمى الحديث منكراً إذا كان الراوي ضعيفاً ويروي رواية مخالفة لما رواه الراوي الثقة ، أي هو ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة ، بينما يسمى الحديث شاذاً إذا كان الراوي مقبولاً ولكن روى رواية مخالفة للرواية التي رواها أكثر ثقة ، أي هو ما رواه المقبول مخالفاً لما رواه من هو أولى منه . ( أنظر :"تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان" ص /120).
والعلماء المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين كابن صلاح لم يفرقوا بين الحديث الشاذ والحديث المنكر ، بينما أغلب العلماء المتأخرين فرقوا بينهما . (أنظر :"كتاب الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين لعبد القادر المحمدي" ص/ 47-55).
فالحديث سواء كان منكراً أو شاذاً ، فإنه لاينجبر ولا يرتقي إلى حسن لغيره.

وكذلك ذكر ابن هشام خطبة حجة الوداع في "سيرته" التي تُعرف بأسم "السيرة النبوية لابن هشام" كالآتي :
"قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَجِّهِ، فَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَعْلَمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا مَا بَيَّنَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلِيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَلَكِنْ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبَا، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ: {إنَّ النَّسِيءَ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بَهْ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَاما، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،} [التوبة: 37] وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيَّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرَّحٍ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، واستحللتم فزوجهنّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا، أَمْرًا بَيِّنًا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعَلَّمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئِ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنَفْسَكُمْ، اللَّهمّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»
فَذُكِرَ لِي أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: اللَّهمّ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اللَّهمّ اشْهَدْ»" (603/2-604).

فكما نرى أن خطبة حجة الوداع فيه التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ، وكذلك جاء خطبة حجة الوداع من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) بلفظ فيه التمسك بكتاب الله فقط ، حيث أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديث حجة الوداع ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم بعرفة وقال : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
وإسناده صحيح .

وكذلك أورد الإمام مالك حديث (كتاب الله وسنة نبيه) في "الموطأ" (رقم/3338) بلاغا ، ولم يذكر له إسنادا ، حيث قال في الموطأ من رواية يحيى الليثي :"و حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه".
قال ابن عبد البر في "التمهيد" (331/24) عن هذا الحديث :" مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ " انتهى.
وقال الامام الالباني في "منزلة السنة في الإسلام" (18/1) : " كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " [ رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن ] ". انتهى .

فنستنتج مما سبق ما يلي :
حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، من طريق أَبي حَيَّانَ ، قال حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ سَبْرَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ … ". وفي هذا الطريق جاء الحديث بلفظ فيه الأمر باتباع كتاب الله والأخذ به ، والوصية بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الرسول (ص) في رواية مسلم كالآتي : " « وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ » فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي » … ". وليس فيما صح من الحديث الأمر باتباع العترة ، بل مطلق الوصية بهم ومودتهم ومراعاة حقوقهم .
وأما بخصوص باقي طرق حديث كتاب الله وأهل بيتي أو عترتي - والتي هي غير طريق الحديث الذي جاء في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - فهناك طرق جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها ، أو الحث على اتِّباعها (كما بينا سابقاً) ، وهناك طرق أخرى جاء فيها الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (كما بينا سابقاً) وذلك بقول الرسول (ص) : «ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا» ، أو «ما إن تمسَّكتُم به لن تضلُّوا» ، أو «لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا» . وقد أحتج الشيعة الأثنا عشرية بحديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها . وتجدر الإشارة إلى أن طرق حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي - سواء جاء الحديث بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها (الذي أحتج به الشيعة الأثنا عشرية) أو دون الأمر بالتمسُّك أو الأخْذ بها - ضعيفة لا تصح (كما بينا سابقاً) ، ما عدا الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، حيث أخرج مسلم حديث الثقلين (كتاب الله وأهل بيتي) في "صحيحه" (رقم/ 2408) بإسناد صحيح كما بينا سابقاً ، كما أن حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي (الذي جاء بلفظ فيه ذِكر العترة مع الأمر بالتمسُّك بها) لا يرتقي إلى حسن لغيره بسبب كون طرقه شديدة الضعف (كما بينا سابقاً) وبالتالي لا يمكن أن تقوى ببعضها ، وكذلك بسبب كون الحديث منكراً وشاذاً في هذه الطرق - فهو مخالف في اللفظ والمعنى لحديث الثقلين في "صحيح مسلم" (رقم/ 2408) - كما أن الحديث في هذه الطرق مخالف للآيات الصريحة في أن آل البيت ليسوا محلا للهداية و عدم الضلال .
واللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - الذي يحتج به أيضاً الشيعة الأثنا عشرية ، فلم يرد في حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وأنما ورد في حديث كتاب الله و أهل بيتي أو عترتي الذي جاء من طرق أخرى (كما بينا سابقاً) غير الطريق الذي روى منه مسلم حديث الثقلين في "صحيحه" (رقم/ 2408) ، وهذه الطرق ضعيفة أيضاً (كما بينا سابقاً) . كما أن اللفظ الزائد - وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ - ضعّفه أهل العلم ، حيث يقول شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة" (394/7):"وأما قوله: «وَعِتْرَتِي (أَهْلُ بَيْتِي) وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، فهذا رواه الترمذي. وقد سُئِل عنه أحمد بن حنبل فضعّفه. وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة" انتهى . وعلى فرض صحة لفظ : «وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ» ، فغاية ما فيه عند بعض أهل العلم الاستدلال على حجية إجماع علماء العترة ، ولا حجة فيه - إن صح - على حجية قول الواحد منهم .
ومن المعروف ان الصحابة في عقيدة اهل السنة والجماعة عدول ، أي لا يتعمدون الكذب ، ولكنهم غير معصومين من الخطأ والسهو والنسيان ، حيث قال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "منهاج السنة النبوية" (456/2) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وَلِلَّهِ الْحَمْدُ] - مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ حَدِيثًا عَنْهُ، لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ كَذِبًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ الْهَنَاتِ مَا يَقَعُ وَلَهُمْ ذُنُوبٌ وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ" انتهى . ومن الجدير بالذكر أن زيد بن أرقم (رض) الذي روى حديث الثقلين - كما أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - الذي فيه التمسك بكتاب الله والتذكير بأهل بيت النبي (ص) ، قال جملته قبل ان يرويه :"يَا ابْنَ أَخِي وَاللهِ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَقَدُمَ عَهْدِي ، وَنَسِيتُ بَعْضَ الَّذِي كُنْتُ أَعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَا حَدَّثْتُكُمْ فَاقْبَلُوا ، وَمَا لَا ، فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ" ، فكلامه يوحي بأن حفظه قد ساء بسبب كبر سنه وبدأ ينسى بعض الذي كان يعي من رسول الله (ص) ، أي أنه لم يكن متأكدا مما سوف يرويهِ ، ولعل الرسول (ص) قال في حديث الثقلين : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ، ثم أوصى برعاية أهل بيته بقوله : «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي ، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ، ولكن زيد بن ارقم (رض) نسي أن يذكر جزء من الحديث وهو : «وَسُنَّتِي» ، والله أعلم .
ونلاحظ أن أغلب أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" - ومن ضمنها سند حديث الثقلين الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/ 2408) - فيها رواة من أهل الكوفة (كما بينا سابقاً) ، وقد أجمع أهل العلم على أن أهل الكوفة يشتهر فيها الكذب والتدليس ، يقول الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"أصحُّ طرق السنن: ما يرويه أهل الحرمين –مكة والمدينة–. فإن التدليسَ فيهم قليل. والاشتهارَ بالكذبِ ووضعَ الحديث، عندهم عزيز" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً في "الجامع لأخلاق الراوي" (286/2) :"ولأهلِ اليمن روايات جَيّدة وطُرُقٌ صحيحة، ومَرجِعُها إلى الحجاز أيضاً، إلا أنها قليلة. وأما أهل البَصْرة فلهم من السُّنَنِ الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، مع إكثارهم وانتشار رواياتهم" انتهى ، وقال الخطيب أيضاً :"والكوفيون كالبصريين في الكَثرة. غير أن رواياتهم: كثيرةُ الدَّغَل، قليلةُ السلامة من العِلَل" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" (287/2) . وقال شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (316/20) :"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ" انتهى ، وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" (419/1) :"وَلِأَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الضُّعَفَاءِ مَا لَا يُمْكِنُ عَدُّهُمْ. قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظُ: تَأَمَّلْتُ مَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَزَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ" انتهى ، وقال هشام بن عُرْوة بن الزبير :"إِذَا حَدَّثَكَ الْعِرَاقِيُّ بِأَلْفِ حَدِيثٍ فَأَلْقِ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، وَكُنْ مِنَ الْبَاقِي فِي شَكٍّ" انتهى من "تدريب الراوي السيوطي" (89/1) ، وقال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (218/2): "الغالب في الكوفيين التشيّع" انتهى . كما أن المبتدع عندما يروي رواية (غير محفوظة عند أهل العلم) تؤيد بدعته ، فلا يجوز قبولها ، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (11/1) :"وينبغي أن يُقيَّدَ قولنا بقبول رواية المبتدع –إذا كان صدوقاً ولم يكن داعية– بشرط أن لا يكون الحديث الذي يُحدِّث به مما يعضُد بدعته ويُشيْدها. فإنا لا نأمَنُ حينئذٍ عليه غَلَبَةَ الهوى" انتهى .
وكذلك هناك رواة من الشيعة - ومنهم من المغالين في التشيع - في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً) .
كما أن هناك رواة من الموالي في أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" (كما بينا سابقاً). والمعروف أن الموالي - وبالأخص من أصول فارسية - قد يروون روايات ضعيفة وغريبة . وللفائدة أكثر فيما يخص روايات الموالي ، راجع بحث لفضيلة الشيخ طه الدليمي بعنوان "الموالي شق خطير في جدار السنة " على الرابط أدناه :
https://sunni-iraqi.net/2020/05/09/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d8%b4%d9%82-%d8%ae%d8%b7%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d9%8a-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9/
وبالتالي فجميع أسانيد حديث "كتاب الله وعترتي أو أهل بيتي" فيها كلام ، وهذا يضعف الحديث والله أعلم .

أما حديث "كتاب الله وسنة نبيه" ، فيسمى حديث حجة الوداع وليس له علاقة بحديث الثقلين (حديث الغدير) المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غدير خم في طريق عودته من مكة بعد حجة الوداع (كما بينا سابقاً) ، وقد روي حديث حجة الوداع بلفظين هي :
1- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى فقط ، وهو الصحيح ، أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/1218) ، وأبو داود في "سننه" (رقم/1905) ، وابن ماجة في "سننه" (رقم/3074) ، وابن أبي شيبة في "المصنف" (رقم/14705) ، وابن حبان في "صحيحه" (رقم/1457) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/8827) ، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رقم/41) ، من طريق جابر الأنصاري (رض) .
2- الوصية والاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ، وهو حديث حسن ، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم/318) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (رقم/20336) ، والمروزي في"السنة" (رقم/68) ، والآجري في "الشريعة" (رقم/1705) ، من طريق عبد الله بن عباس (رض) الذي هو من علماء العترة والمعروف بحبر الأمة . واللفظ الزائد (وسنة نبيه) حسن محفوظ عند أهل العلم وغير مخالف لحديث حجة الوداع - المروي من طريق جابر الأنصاري (رض) - الذي مر ذكره سابقاً ، كما توجد شواهد تقوي اللفظ الزائد (وسنة نبيه) ، فقد جاء الأمرُ به في كِتاب الله تعالى فالتمسُّك بالسُّنَّة كالتمسُّك بالقرآن، سواءً بسواء، وهذه جملةٌ من الآيات والأحاديث التي تدلُّ على ذلك:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وقال: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقال صلَّى الله عليه وسلَّمَ : «عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاء المهديِّين الراشِدين، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ».
أخرجه أبو داود في "سننه" (رقم/4607)، والترمذيُّ في "سننه" (رقم/2676)، وابن ماجه في "سننه" (رقم/42)، وأحمد في "مسنده" (رقم/17145)، من حديث العِرباض بن ساريةَ رضي الله عنه.
قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيح، وصحَّحه البزَّار كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البَرِّ "1164/2"، وابنُ تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (309/20)، وابن الملقِّن في "البدر المنير" (582/9)، والعراقي في "الباعث على الخلاص" (رقم/1)، وابن حجر العسقلاني في "موافقة الخبر الخبر" (136/1).

وقال (ص) : «فمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي، فلَيسَ منِّي».
أخرجه البخاريُّ في "صحيحه" (رقم/5063)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1401) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وقال (ص) : «خَيْر الحَديثِ كِتابُ الله، وخَير الهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ».
أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم/867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وأخرج محمد بن يعقوب الكليني (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية) حديث "كتاب الله وسنتي" في "الكافي" (606/2) ، كالآتي :
"أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ، فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ، إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي»".
كما أن هذا الحديث أورده محمد تقي المجلسي (الذي هو من علماء الشيعة الأمامية أيضاً) في كتابه "روضة المتقين" (124/13) ، كالآتي :
"و في القوي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يا معشر (أو معاشر) قراء القرآن اتقوا الله عز و جل فيما حملكم من كتابه، فإني مسؤول و إنكم مسؤولون، إني مسؤول عن تبليغ الرسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب الله و سنتي»".

وهذا هو موسى الكاظم رحمه الله يحث أتباعه على التمسك بالقرآن والسنة كما جاء في "الكافي" (62/1) للكليني ، كالآتي :
"عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ ، عَنْ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ( عليه السلام ) قَالَ : قُلْتُ لَهُ : أَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله )؟ أَوْ تَقُولُونَ فِيهِ؟ قَالَ : بَلْ كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) ". انتهى ، وقال المجلسي عن هذه الرواية في "مرآة العقول" (209/1) :"موثق" انتهى .

………………………………………………………..
 
اسمك :  
نص التعليق :