معاويةَ رضي الله عنه ليسَ من الصحابة
قال في معاوية رضي الله عنه في (ص:54 ـ 55): ((الدليلُ الخامس والعشرون: أثر الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجلٍ من الطُّلَقاء ـ يقصد معاوية ـ ينازِع أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخلافة؟
قالت: وما تعجب من ذلك؟ هوسلطان الله يؤتيه البرَّ والفاجر، وقد ملك فرعونُ أهلَ مصر أربعمائة سنة.
أقول: الأثر فيه إخراجُ عائشة لمعاوية من أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفيه أيضاً أنَّ التابعين لَم يكونوا يرون الطُّلقاءَ من أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بل والصحابة أيضاً؛ كما نرى من اتِّفاق رأي عائشة مع رأي التابعي الجليل الأسود بن يزيد النخعي!)).
وقد علَّق على هذا الأثر بقوله في الحاشية: ((الأثر رواه ابن عساكر من طريق أبي داود الطيالسي، حدثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، وهذا الإسناد رجاله ثقات إلاَّ أيوب بن جابر مختلف فيه، وقد قوَّى أمرَه أحمدُ بن حنبل وعمروبن عليّ الفلاَّس وابن عدي والذهبي والبخاري، وضعَّفه ابن معين والنسائي وابن المديني وأبوحاتم وأبوزرعة ويعقوب بن سفيان، وتوسَّط فيه الذهبي: مشهور صالح الحديث، ضعَّفه بعضُهم.
أقول: فالإسناد جيِّد في الجملة إن شاء الله)).
وقال في معاوية رضي الله عنه وغيره في (ص:5. ـ 51): ((الدليل التاسع عشر: قولُ عائشة: (أُمروا بالاستغفار لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسبُّوهم) (مسلم 4/ 231).
كانت تلمِّح لِمَا يفعله أهلُ الشام من لعن علي وبعض أهل العراق في لعن عثمان.
أقول: وهذا يُفهم منه أنَّ هؤلاء ليسوا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومثله قول ابن عمر: (لا تسبُّوا أصحاب محمد؛ فلَمقَامُ أحدهم ساعة خيرٌ من عمل أحدكم عمره) (فضائل الصحابة لأحمد 1/ 57، 2/ 97).
فهذا القول وقول عائشة وأقوال لسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وغيرهم، إنَّما انتشرت لمَّا انتشر بين الناس سبُّ عليٍّ وعثمان، فهما من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يسبُّهما بعضُ من رأى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أوله صحبة حسب فَهْمنا للصحبة، فلمَّا طال علينا الأمرُ وانقطع سبُّ علي وعثمان وطلحة والزبير وأمثالهم، وبقي سبُّ معاوية وعمرووأمثالهما أخذنا هذه النصوص والآثار لنواجه بها الشاتِمين الجُدد، لكن المشتومين من الطُّلَقاء ليسوا مثل المشتومين من السابقين، بل إنَّ الطُّلَقاء ليسوا من الصحابة أصلاً، لكنهم دخلوا الصحبة بسبب الدفاعات التي تستلهم معها مثل هذه الآثار (تتبَّع هذا؛ فإنَّه مُهمٌّ ولن تجده بسهولة)!!)).
ثمَّ علَّق في الحاشية على هذا الكلام بقوله: ((خاطب بالآثار السابقة ابنُ عمر الذين (كذا) مَن يلعن عثمان، وخاطب به سعيدُ بن زيد المغيرةَ ابنَ شعبة، وخاطبت عائشة مَن يسبُّ السابقين، وخاطب سعدُ بنُ أبي وقَّاص مَن يسبُّ عليًّا، وهكذا، بل قد كان ابن عباس يلعن معاوية بسبب قطعه التلبية يوم عرفة (المسند 3/ 264 تحقيق أحمد شاكر)، فابن عباس قد روى بعضَ النصوص في تحريم سبِّ الصحابة، ومع ذلك يرى جواز لعن معاوية، ويفعله لسببين: لأنَّه يعرف أنَّ معاوية ليس صحابيًّا، ولأنَّه رأى تغييراً لسُنَّة النَّبِيِّ (ص) (كذا)، وغيَّرها أهلُ الشام بُغضاً لعليٍّ لأنَّه كان يُلبِّي يوم عرفة اقتداءً بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يلعَن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار، كعليٍّ وعمَّار وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم، وقد ذهب إلى جواز لعنه من العلماء المتأخِّرين محمد بن عقيل (وهوعالم سُنِّي) في كتابه النصائح الكافية!!)).
وقال في (ص:55): ((الدليل السادس والعشرون: قول معاوية لكعب لَمَّا بشَّره بأنَّه سيكون بعد عثمان: تقول هذا وها هنا علي والزبير وأصحاب محمد؟ قال: أنت صاحبها، يعنِي صاحب الخلافة.
أول: لَم أجد نصًّا عن معاوية يَدَّعي أنَّه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الأثر دليل على أنَّه لَم يكن يرى نفسَه منهم، وإن كان قد ثبت عنه أنَّه يقول: (قد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فيقصدُ الصُّحبةَ العامة لا الشرعية، فإن قصد الشرعيَّة فقوله مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة.
وهناك أدلَّة أخرى سأستوفيها في النسخة النهائية لهذا المبحث الذي أطمع أن يخرج كتاباً إن شاء الله)).
وعلَّق على الأثر بقوله: ((السنة للخلال (ص:281، 457)، وإسناد (كذا) صحيح، وقد صحَّح إسناده المحقق، ورواه ابن عساكر بالإسناد نفسه في تاريخه (59/ 123))).
ويُجاب عن هذا من وجوه:
الأول: أنَّ هذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها غيرُ ثابت؛ لأنَّ الذين ضعَّفوا أيوب بن جابر كثيرون، والذين لَم يُضعِّفوه كلامهم فيه
ليس واضحاً في تقوية أمره، بل مقتضاه أنَّه يحتاج إلى مَن يعضده، وقد
قال عنه الذهبي في الكاشف: ((ضعيف))، وقال عنه الحافظ في التقريب:
((ضعيف)).
وإسناده عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (59/ 145) هكذا: أخبرنا أبوالقاسم الحُسين بن الحسن بن محمد، أنا أبوالقاسم بن أبي العلاء، أنا عبد الرحمن بن محمد بن ياسر، أنا علي بن يعقوب بن أبي العَقَب، حدَّثني القاسم بن موسى بن الحسن، نا عبدة الصفار، نا أبوداود، نا أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة ... إلخ.
وفي إسناد ابن عساكر هذا القاسم بن موسى بن الحسن المشهور بالأشيب، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (12/ 435)، ولم يزِد على ذِكر اثنين من تلاميذه، واثنين من شيوخه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهومجهول الحال، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن محمد بن ياسر، ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (17/ 415)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفي ترجمته عنده أنَّه حسن الرأي في معاوية رضي الله عنه.
الثاني: أنَّ ما فهِمَه من قول الأسود بن يزيد لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطُّلَقاء ينازع أصحابَ محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخلافة؟ وإجابتها على ذلك، من أنَّ الطُّلَقاء ـ ومنهم معاوية ـ ليسوا من أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - هوفَهْمٌ خاطئ، وسبق أن أَوْضحتُ ذلك فيما تقدَّم من زعمه أنَّ العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله رضي الله عنهما ليسَا من الصحابة، وبهذا الجواب يُجابُ أيضاً عمَّا فهمه من قول عائشة رضي الله عنها: ((أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فسبُّوهم)).
الثالث: أمَّا ما ذَكَره عن ابن عباس من أنَّه يرى جواز لعن معاوية، وأنَّ من أسباب ذلك أنَّه يعتبره غير صحابي، فجوابه أن يُقال:
1 ـ إنَّ ابنَ عباس رضي الله عنه أيضاً قال فيه المالكي إنَّه ليس بصحابي كما قال في أبيه العباس، وقد مرَّ بيان ذلك.
2 ـ إنَّ ابنَ عباس رضي الله عنه أثنى على معاوية رضي الله عنه ووصفه بأنَّه فقيه، وأنَّه صَحِبَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ففي صحيح البخاري (3764) بإسناده إلى ابن أبي مُليكة قال: ((أوتر معاويةُ بعد العشاء بركعة وعنده مولًى لابن عباس، فأتى ابنَ عباس، فقال: دَعْه؛ فإنَّه قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)).
وفي صحيح البخاري أيضاً (3765) بإسناده إلى ابن أبي مليكة أنَّه قال: ((قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنَّه ما أوتر إلاَّ بواحدة؟ قال: إنَّه فقيه)).
3 ـ إنَّ ابنَ عباس لَم يلعن معاوية رضي الله عنه، ولَم يرَ جوازَ لعنِه، بل الذي حصل منه الثناء عليه ومدحه، وأمَّا الأثر الذي استند عليه في ذلك وعزاه إلى المسند بتحقيق أحمد شاكر، فهوفي المسند هكذا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، قال: لا أدري أَسمعتُه من سعيد بن جُبير أم نُبِّئتُه عنه، قال: ((أتيتُ على ابنِ عباس بعرفة وهويأكل رُمَّاناً، فقال: أفطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، وبعثتْ إليه أمُّ الفضل بلَبَنٍ فشرِبَه، وقال: لعن الله فلاناً؛ عمَدوا إلى أعظم أيَّام الحجِّ فَمَحَوْا زينَتَه، وإنَّما زينة الحجِّ التلبية)).
وقد ضعَّفه الشيخ أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ فقال: ((إسناده ضعيف؛ لشكِّ أيوب في سماعه من سعيد بن جُبير))، وقد اطَّلع على هذا التضعيف المالكي.
وقد عاش ابن عباس بعد معاوية ثمان سنين، فلوصحَّ الأثر احتمل أن يكون الذي عناه ابنُ عباس غيرَ معاوية رضي الله عنه؛ لأنَّ اللَّعنَ فيه بالإبهام وليس بالتعيين.
وما جاء في الأثر من كون النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُفطراً بعرفة وشربه اللَّبن الذي بعثت به أمُّ الفضل فهوثابت.
4 ـ أمَّا قول المالكي: ((وقد كان يلعن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار، كعلي وعمار وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم))، فلَم يذكر مستندَه في ذلك، وإن كان له مستندٌ فالغالب أنَّه من جنس مستندِه فيما أضافه إلى ابن عباس، وقد بيَّنتُ فسادَه.
5 ـ وأمَّا قوله: وقد ذهب إلى جواز لعنه من العلماء المتأخِّرين محمد بن عقيل ـ وهوعالم سُنِّي! ـ في كتابه النصائح الكافية!!))، فأقول: إنَّ ابنَ عقيل الذي ذكره هوالحضرمي المتوفى سنة (135.هـ)، وهوليس من أهل السُّنَّة، بل هومن المبتدِعة، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين (1./ 297) في مصادر ترجمته كتاب أعيان الشيعة للعاملي، والضرر الذي حصل للمالكي إنَّما حصل له بقراءة كُتب هذا الرَّجل وأمثاله من أهل البدع والضلال، وكتابه الذي أشار إليه اسمه ((النصائح الكافية لِمَن يتولَّى معاوية)) ومقتضى عنوان هذا الكتاب ومضمونه زعم النُّصح لِمَن يحبُّ معاوية ألاَّ يحبَّه، بل عليه أن يُبغضَه، وهذا النُّصحُ هومن جنس نصح إبليس لآدم وحواء ـ عليهما السلام ـ الذي ذكره الله عنه بقوله: {وَقَاسَمَهُمَا إِنَّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، ومن جنس نصح إخوة يوسف ليوسف - صلى الله عليه وسلم - الذي ذكره الله عنهم بقوله: {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}، وقد أشار إلى ما أودعه في نصائحه الكافية وغيره من كتبه من ذمِّ بعضِ الصحابة والنَّيلِ منهم في مطلع كتابه ((العتب الجميل)) (ص:31)، فقال: ((لَم أتعرَّض في كتابي هذا لذكر تحامل بعضهم على عالي مقام مولانا أمير المؤمنين علي والحسنين وأمهما البَتول عليهم سلام الله، ولا لرَدِّ ما مدحوا به زوراً عدوَّهم معاوية وأباه كهف المنافقين وأمه آكلة الأكباد وعمرا بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وأبا الأعور
السلمي والوليد بن عقبة وأضرابهم، مِمَّن لومُزجت مياه البحار بذرَّة من كبائر فظائعهم لأنتنت، وذلك لظهور فساده للعاقل المنصف، ولأنِّي قد ذكرتُ شيئاً من ذلك في كتاب (النصائح الكافية)، ثمَّ في كتاب (تقوية الإيمان) ... )).
فهذا نموذج من كلام هذا الناصح بزعمه، الذي ابتُلي المالكي بقبول نُصحه، وفي الصحابة الذين سمَّاهم المغيرة بن شعبة، وهومن أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}، وأخبر النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهم لا يدخلون النار، كما سيأتي بيان ذلك عند ذكر المالكي المغيرة بن شعبة والنَّيل منه.
6 ـ في النسخة التي اطَّلعتُ عليها من كتاب المالكي قد شُطب
بالقلم على جملة: ((وقد كان يلعن معاويةَ كثيرٌ من المهاجرين السابقين والأنصار)) إلى ((وهوعالم سُنِّي في كتابه النصائح الكافية))، ولا أدري هل هذا الشطب مقصود أوغير مقصود؟ وهل هومن المالكي أومن غيره؟
فإن كان الشَّطب مقصوداً وهومن المالكي فهوحسن، وكان ينبغي له أن يشطب على الكتاب من أوَّله إلى آخره؛ لأنَّ كلَّ ما فيه باطلٌ، وليس فيه شيءٌ من الحقِّ، وهوحقيق بالإحراق.
وقد نقل ابن عقيل الحضرمي قدوة المالكي في كتابه العتب الجميل (ص:6.) أبياتاً عن أحد شيوخه، آخرها قوله:
قُلامة من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مئة
والضمير فيه يرجع إلى الإمام جعفر الصادق رحمه الله، وهوواضحٌ في الغلوِّ فيه، وفي الجفاء في الإمام البخاري رحمه الله، ولقد أحسن أبوسليمان الخطابي في قوله:
ولا تغْلُ في شيء من الأمر واقتصِد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
وهذا الذي حصل لابن عقيل من الغلوِّ والجفاء قد ورثَه عن شيخه وأمثاله، وورثه المالكي عنهما وعن أمثالهما، وهويُوَضِّح أنَّ البلاءَ الذي يحصل للتلاميذ غالباً إنَّما هومن شيوخهم، فابن عقيل ابتلي بمتابعة شيخه وأمثاله في الجفاء والغلوِّ، والمالكي تتلمذ على كتب ابن عقيل وأمثالها، وقد يكون تتلمذ مباشرة على علماء من أهل الضلال، فمِن أجل ذلك كان في كلامه ورأيه منحرفاً عن عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة الصافية النَّقيَّة إلى عقائد أهل البدع والضلال، نعوذ ?الله من الخذلان.
الرابع: ما ذكره من أنَّه لَم يجد نصًّا عن معاوية يَدَّعي أنَّه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نقضه بعده بقوله بأنَّه قد ثبت أنَّه يقول: ((قد صحِبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -))، وقول معاوية ذلك جاء في صحيح البخاري (3766) بإسناده إليه قال: ((إنَّكم لتُصلُّون صلاةً لقد صَحِبنا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيناه يُصلِّيها، ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر)).
وقول المالكي: ((وإن كان قد ثبت عنه أنَّه يقول: (قد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فيقصدُ الصُّحبة العامة لا الشرعيَّة، فإن قصد الشرعيَّةَ فقوله مردود بالكتاب والسنَّة))، وهذا مِمَّا يَعجبُ منه العُقلاء؛ لأنَّ نفيَ الصُّحبةِ عن كلِّ مَن كان بعد الحُديبية ومنهم معاوية رضي الله عنه، بل والعباس وابنه عبد الله وأبوهريرة وخالد بن الوليد وأبوموسى الأشعري وغيرهم
رضي الله عنهم شذوذٌ عن سبيل المؤمنين لَم يسبقه إليه أحد، وما ذكره من أنَّ معاويةَ (إن قصد الصُّحبة الشرعيَّةَ فقوله مردود بالكتاب والسنَّة)، أقول: ليس في الكتاب والسنَّة دليل على نفي الصُّحبة عن معاوية، وما أورده من أدلَّة ففهمُه فيها فهمٌ خاطئ، وهومن مُحدثات القرن الخامس عشر، وقد بيَّنتُ ذلك فيما سبق.
وأمَّا الأثر، ففي إسناده عنعنة الأعمش عن أبي صالح، وهومدلِّس، وكلام كعب فيه منكر، وما جاء فيه من ذكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ لوثبت ـ لا يدلُّ على خروج معاوية منهم كما زعم بقوله: ((وهذا الأثر دليل على أنَّه لَم يكن يرى نفسَه منهم)).
تنبيه: روى الخطيب في تاريخ بغداد (1/ 2.9) بإسناده إلى رباح بن الجراح الموصلي قال: ((سمعتُ رجلاً يسأل المعافى بن عمران، فقال: يا أبا مسعودأين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا يُقاس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدٌ، معاوية صاحبه وصِهرُه وكاتبه وأمينه على وحي الله عزَّ وجلَّ)).
وروى (1/ 2.9) بإسناده إلى أبي توبة الربيع بن نافع قال: ((معاوية ابن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كَشف الرَّجلُ السِّتْرَ اجترأ على ما وراءه)).
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق (59/ 2.9) بإسناده إلى عبد الله ابن المبارك أنَّه قال: ((معاوية عندنا مِحنة، فمَن رأيناه ينظر إليه شزَراً اتَّهمناه على القوم، يعني الصحابة)).
هذه ثلاثة نماذج من كلام أهل الإنصاف في معاوية رضي الله عنه، وقد ذكرتُ جملةً من كلام المنصفين فيما كتبته عن معاوية رضي الله عنه، وطُبع بعنوان: ((من أقوال المنصفين في الصحابيِّ الخليفة معاوية رضي الله عنه)).
وصدق أبوتوبة وابن المبارك رحمهما الله؛ فإنَّ المالكيَّ لَمَّا تَجرَّأ على معاوية ونال منه ونفى عنه الصُّحبة، تجرَّأ على غيرِه وقال بنفي الصُّحبة عن كلِّ الذين صحِبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صُلح الحُديبية، بل تعدَّى ذلك إلى النَّيل من خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والتشكيك فيها، ولا شكَّ أنَّ الزَّيغَ ينتج عنه إزاغة القلوب لقول الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ}، وإنَّ من العقوبة على السيِّئة أن يُبتلَى المسيئُ بسيِّئة بعدها، كما أنَّ من الثواب على الحسنة أن يُوفَّق المُحسنُ لحسنةٍ بعدها.
وأحاديث معاوية رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما، قال الخزرجي في الخلاصة: ((له ـ أي في الكتب الستة ـ مئة وثلاثون حديثاً، اتَّفقا على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة))، وقد بلغت أحاديثه في مسند الإمام أحمد أحد عشر حديثاً ومئة حديث من رقم (16828) إلى (16938).