وبعد أن أوردتُ كارهاً مضطراًّ كلماتٍ للمالكي في الصحابة الأخيار مظلمةً مُحزنةً موحشةً، فإنِّي أورد كلماتٍ فيهم لبعض أهل العلم مشرقةً مضيئةً، سارَّةً مؤنسةً، وجلُّها مثبتٌ في كتابي ((من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية رضي الله عنه)).
الإمام مالك بن أنس (179هـ) رحمه الله:
قال البغوي في شرح السنة (1/ 229): ((قال مالك: مَن يبغض أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان في قلبه عليه غِلٌّ فليس له حقٌّ في فَيءِ المسلمين، ثم قرأ قولَه سبحانه وتعالى: {مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى} إلى قوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} الآية، وذُكر بين يديه رجلٌ ينتقص أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ مالكٌ هذه الآية {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، ثم قال: مَن أصبح من الناس في قلبه غِلٌّ على أحدٍ من أصحاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية)).
الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) رحمه الله:
قال في كتابه السنة: ((ومن السنَّة ذكرُ محاسن أصحاب رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - كلِّهم أجمعين، والكفّ عن الذي جرى بينهم، فمَن سبَّ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أووأحداً منهم فهومبتدعٌ رافضيٌّ، حبُّهم سنَّةٌ والدعاءُ لهم قربةٌ والاقتداءُ بهم وسيلةٌ والأخذُ بآثارهم فضيلةٌ)).
وقال: ((لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن على أحدٍ منهم فمَن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبُه وعقوبتُه ليس له أن يعفوَ عنه بل يعاقبُه ثمَّ يستتيبُه فإن تاب قبِلَ منه وإن لَم يتب أعاد عليه العقوبة وخلَّده في الحبس حتى يتوب ويراجع)).
الإمام أبوزرعة الرازي (264هـ) رحمه الله:
روى الخطيبُ البغدادي في كتابه الكفاية (ص:49) بإسناده إليه قال: ((إذا رأيت الرجلَ ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنَّه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا حقٌّ والقرآن حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتاب والسنة، والجرحُ بهم أولى وهم زنادقةٌ)).
الإمام أبوجعفر الطحاوي (322هـ) رحمه الله:
قال في عقيدة أهل السنة والجماعة: ((ونحبُّ أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نفرط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلاَّ بخيرٍ، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ)).
الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (327هـ) رحمه الله:
قال في كتابه الجرح والتعديل (1/ 87): ((فأمَّا أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم الذين شهدوا الوحيَ والتنزيلَ، وعرفوا التفسيرَ والتأويلَ، وهم الذين اختارهم الله عزَّ وجلَّ لصحبة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ونصرتِه وإقامةِ دينه وإظهارِ حقِّه، فرضيهم له صحابةً، وجعلهم لنا أعلاماً وقدوةً، فحفظوا عنه - صلى الله عليه وسلم - ما بلَّغهم عن الله عزَّ وجلَّ، وما سنَّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدّب، ووعَوْه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمرَ الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدتهم منه تفسيرَ الكتاب وتأويله، وتلقّفهم منه واستنباطهم عنه، فشرَّفهم الله عزَّ وجلَّ بما مَنَّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إيَّاهم موضع القدوة))، إلى أن قال: ((فكانوا عدولَ الأمَّة وأئمَّةَ الهدى وحججَ الدِّين ونقلةَ الكتاب والسنة.
وندب الله عزَّ وجلَّ إلى التمسُّك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} الآية.
ووجدنا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد حضَّ على التبليغ عنه في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطبُ أصحابَه فيها، منها أن دعا لهم فقال: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يبلِّغها غيرَه)، وقال - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: (فليبلِّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ)، وقال: (بلِّغوا عنِّي ولوآيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).
ثمَّ تفرَّقت الصحابةُ رضي الله عنهم في النَّواحي والأمصار والثغور، وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثَّ كلُّ واحدٍ منهم في ناحيته وبالبلد الذي هوبه ما وعاه وحفظه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحكموا بحكم الله عزَّ وجلَّ وأمضوا الأمور على ما سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأفتوا فيما سُئلوا عنه مِمَّا حضرهم من جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم مع تقدمة حسن النيّة والقربة إلى الله تقدّس اسمُه، لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام، حتّى قبضهم الله عزَّ وجلَّ رضوانُ الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين)).
الإمام ابن ابن أبي زيد القيرواني (386هـ) رحمه الله:
قال في مقدَّمة رسالته: ((وأنَّ خيرَ القرون القرنُ الذين رأوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاءُ الراشدون المهديّون: أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وأن لا يُذكر أحدٌ من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ بأحسن ذكرٍ، والإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنَّهم أحقُّ الناس أن يُلتمس لهم أحسن المخارج، ويُظنَّ بهم أحسنَ المذاهب)).
الإمام أبوعثمان الصابوني (449هـ) رحمه الله:
قال في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ((ويَرون الكفَّ عمَّا شجر بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمَّن عيباً لهم أونقصاً فيهم ويرون التَّرحُّم على جميعهم والموالاة لكافَّتهم)).
الإمام أبوالمظفَّر السمعاني (489هـ) رحمه الله:
نقل الحافظ في الفتح (4/ 365) عنه أنَّه قال: ((التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامةٌ على خذلان فاعله، بل هوبدعةٌ وضلالةٌ)).
شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ) رحمه الله:
قال في كتابه العقيدة الواسطية: ((ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما وصفهم الله في قوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، وطاعة للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لوأنَّ أحدَكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) إلى أن قال: ويتبرَّءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبّونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهلَ البيت بقول أوعملٍ، ويُمسكون عمَّا جرى بين الصحابة، ويقولون إنَّ هذه الآثار المرويّة في مساوئهم منها ما هوكذبٌ ومنها ما قد زِيد فيه ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيحُ منه هم فيه معذورون إمَّا مجتهدون مصيبون وإمَّا مجتهدون مخطئون)).
وقد مرَّ ذِكرُ بقيَّة كلامه في عدالة الصحابة قريباً.
الحافظ ابن كثير (774هـ) رحمه الله:
قال في تفسير قول الله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} الآية قال: ((فقد أخبر الله العظيم أنَّه قد رضي عن السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، فيا ويلَ مَن أبغضَهم أوسبَّهم أوأبغضَ أوسبَّ بعضَهم ولا سِيَما سيِّدُ الصحابة بعد الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وخيرُهم وأفضلُهم أعني الصِّديقَ الأكبرَ والخليفةَ الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإنَّ الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضلَ الصحابة، ويبغضونهم ويسبُّونهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ عقولَهم معكوسةٌ وقلوبَهم منكوسةٌ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَن رضي الله عنهم، وأمَّا أهلُ السنة فإنَّهم يترَضَّوْن عمَّن رضي الله عنه ويسبون من سبَّه الله ورسولُه ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله، وهم متَّبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزبُ الله المفلحون وعبادُه المؤمنون)).
الشيخ ابن أبي العزّ الحنفي (792هـ) رحمه الله:
قال في شرح الطحاوية (ص:469): ((فمن أضلُّ مِمَّن يكون في قلبه غلٌّ على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيِّين، بل قد فضَلهم اليهودُ والنصارى بخصلة، قيل لليهود مَن خيرُ أهل ملَّتكم؟ قالوا: أصحابُ موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ عيسى، وقيل للرافضة: من شرُّ أهل ملَّتكم؟ فقالوا: أصحابُ محمد، ولم يستثنوا منهم إلاَّ القليل، وفيمن سبّوهم من هوخير مِمَّن استثنوهم بأضعافٍ مضاعفةٍ)).
وهذا المعنى جاء في شعر أحد علمائهم بين القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، وهوكاظم الأزري، فقال:
أهم خير أمة أخرجت للنا ... س هيهات ذاك بل أشقاها!!!
وقفتُ عليه في نقد الأستاذ محمود الملاح لقصيدته الأزرية المطبوع بعنوان: ((الرزيّة في القصيدة الأزرية)) (ص:51).
وما جاء في هذا البيت غايةٌ في الجفاء والخبث، ومثله في الغلوِّ في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه والجفاء في الصحابة قوله (ص:45):
أَنَبِيٌّ بلا وَصِيٍّ؟!! تعالى اللـ ـه عمَّا يقوله سفهاها!!!
ومن غلوِّه في علي رضي الله عنه قوله كما في (ص:34):
وهوالآيةُ المحيطة في الكون ففي عين كل شيء تراها!!!
وقوله كما في (ص:36):
ورأت قسوراً لواعترضته الـ إنسُ والجنُّ في وغى أفناها!!!
والبيتان الأخيران يصدق عليهما الوصف المشهور: يُضحك النمل في قراها، والنحل في خلاياها!
الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) رحمه الله:
قال في كتابه فتح الباري (13/ 34): ((واتّفق أهلُ السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروبٍ ولوعُرف المحقُّ منهم؛ لأنَّهم لَم يقاتلوا في تلك الحروب إلاَّ عن اجتهادٍ وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنَّه يؤجر أجراً واحداً وأنَّ المصيبَ يؤجر أجرين)).
الشيخ يحيى بن أبي بكر العامري (893هـ) رحمه الله:
قال في كتابه الرياض المستطابة في من له روايةٌ في الصحيحين من الصحابة (ص:311): ((وينبغي لكلِّ صيِّنٍ متديِّنٍ مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم وتسلِيم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه، فهم أعلم بالحال، والحاضرُ يرى ما لا يرى الغائبُ، وطريقةُ العارفين الاعتذارُ عن المعائب، وطريقةُ المنافقين تتبُّعُ المثالب، وإذا كان اللاَّزمُ من طريقة الدين سترُ عورات المسلمين فكيف الظنُّ بصحابة خاتم النبيّين مع اعتبار قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسبُّوا أحداً من أصحابي)، وقوله: (من حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه) هذه طريقةُ صلحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف)).
آياتٌ وأحاديث في حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في خير:
وقد رأيتُ من المناسب أن أورد هنا آياتٍ من كتاب الله وأحاديثَ من سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أهميّة حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في الخير؛ وذلك نصيحة لنفسي وللمالكي ولِمَن شاء الله أن يطَّلع على هذه الرسالة، وأسأل الله للجميع التوفيقَ لِمَا تُحمد عاقبتُه في الدنيا والآخرة.
قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، وفي صحيح مسلم (2589) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ذكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لَم يكن فيه فقد بهتَّه)).
وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}.
روى البخاري في صحيحه (1.) عن عبد الله بن عمروعن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده))، ورواه مسلم في صحيحه (64) أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال:
((مَن سلم المسلمون من لسانه ويده)).
وروى مسلمٌ أيضاً من حديث جابر (65) بلفظ حديث عبد الله بن عمروعند البخاري.
أقول: ولا شكَّ أنَّ أولى المسلمين بالسلامة من اللسان ومن الكتابة باليد أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الحافظ في شرح الحديث: ((والحديث عامٌّ بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأنَّ اللسانَ يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنَّ أثرها في ذلك لعظيم)).
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
... كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتِي بأنَّ يدي تفنَى ويبقى كتابُها
... فإن عملَت خيراً ستُجزى بمثله وإن عملت شرًّا عليَّ حسابُها
وروى البخاري في صحيحه (6474) عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن يضمن لي ما بين لحْيَيْه وما بين رجليه أضمن له الجنَّة))، المراد بِما بين اللّحْيَيْن والرِّجْلَين اللسانُ والفرْجُ.
وروى البخاري في صحيحه (6475) ومسلم في صحيحه (74) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أوليصمت)) الحديث.
قال الإمام أبوحاتم بن حبان البستي في كتابه روضةُ العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:45): ((الواجبُ علىالعاقل أن يلزم الصمتَ إلى أن يلزمه التكلُّمُ، فما أكثرَ مَن ندم إذا نطق، وأقلَّ من يندم إذا سكت، وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلي بلسانٍ مطلقٍ، وفؤادٍ مطبقٍ)).
وقال أيضاً (ص:47): ((الواجبُ على العاقل أن يُنصف أذنيه من فيه، ويعلم أنَّه إنَّما جُعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر مِمَّا يقول؛ لأنَّه إذا قال ربَّما ندم، وإن لَم يقل لَم يندم، وهوعلى ردِّ ما لَم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال، والكلمةُ إذا تكلَّم بها ملكَتْه، وإن لَم يتكلَّم بها ملكها)).
وقال أيضاً في (ص:49): ((لسانُ العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القولَ رجع إلى القلب، فإن كان له قال، وإلاَّ فلا، والجاهلُ قلبُه في طرف لسانه، ما أتى على لسانه تكلَّم به، وما عقل دينَه من لَم يحفظ لسانه)).
وروى البخاري في صحيحه (6477) ومسلم في صحيحه (2988)، واللفظُ لمسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب)).
وفي آخر حديث وصيّة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ أخرجه الترمذي (2616) وقال: ((حديثٌ حسنٌ صحيحٌ))، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أوعلى مناخِرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم))، قاله جواباً لقول معاذ رضي الله عنه: ((يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بِمَا نتكلَّم به؟)).
قال الحافظ ابن رجب في شرحه من كتابه جامع العلوم والحكم (1/ 147): ((والمرادُ بحصائد الألسنة: جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيِّئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمَن زرع خيراً مِن قولٍ أوعملٍ حَصَد الكرامة، ومن رزع شراًّ من قولٍ أوعملٍ حصد غداً الندامة)).
وروى مسلم في صحيحه (2581) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أتدرون مَن المُفلِس؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهم له ولا متاع، فقال: إنَّ المفلسَ من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيَتْ حسناتُه قَبْل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمَّ طُرح في النار)).
وروى مسلم في صحيحه (2564) عن أبي هريرة رضي الله عنه حديثاً طويلاً جاء في آخره: ((بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعرضُه)).
وروى البخاري في صحيحه (1739) ومسلم في صحيحه واللفظُ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناسَ يوم النحر، فقال: يا أيُّها الناس! أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يومٌ حرامٌ، قال: أيُّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلدٌ حرامٌ، قال: فأيُّ شهرٍ هذا؟ قالوا: شهرٌ حرامٌ، قال: فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومِكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مراراً، ثم رفع رأسَه فقال: اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغتُ؟ قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: فوالَّذي نفسي بيده! إنَّها لوصيَّتُه إلى أمَّته، فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضُكم رقابَ بعض)).
وروى مسلم في صحيحه (2674) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن دعا إلى هُدى كان له مِن الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)).
قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 65) تعليقاً على حديث ((إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلاَّ من إحدى ثلاث ... )) الحديث، قال: ((وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه أونَسَخَه أوعمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لهذا الحديث وأمثاله، وناسخ غير النافع مِمَّا يوجب الإثمَ، عليه وزره ووزر مَن قَرَأَه أونَسَخَه أوعمل به من بعده ما بقي خطُّه والعملُ به؛ لِمَا تقدم من الأحاديث (مَن سنَّ سُنَّةً حسنة أوسيِّئة)، والله أعلم)).
وروى البخاري في صحيحه (65.2) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الله قال: مَن عادَى لِي وَلِياًّ فقدآذنتُه بالحرب)) الحديث.
وإذا كان هذا في وَلِيٍّ واحدٍ من آحاد الأولياء، فكيف بالكثيرين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين هم ساداتُ الأولياء رضي الله عنهم وأرضاهم.
* * *
وإلى هنا انتهت هذه الرسالة التي هي من أحبِّ كُتُبِي إلى نفسي، وأرجاها لي عند ربِّي؛ لِمَا تضَمَّنتْه من الدِّفاع عن الصحابة الأخيار والذَّبِّ عنهم، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ بِحُبِّهم، وبغض مَن يُبغضهم، وبغير الخير يَذكرُهم، ورضي الله عن أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أظهر فرحَ الصحابة الشديد لحديث ((المرء مع من أحبَّ)) فقال بعد روايته للحديث كما في صحيح البخاري (3688): ((فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنت مع من أحببتَ، قال أنس: فأنا أُحبُّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعُمر، وأرجوأن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم))، والحديث متواترٌ، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره سورة الشورى، عند قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ}.
أقول: وأنا أُحبُّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا والحَسَن والحُسين وأمَّهما فاطمة وأمَّهات المؤمنين وأنس بنَ مالك قائل هذا الكلام وسائرَ الصحابة رضي الله عنهم، وأرجوأن أكون معهم بِحُبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثل أعمالِهم.
اللهمَّ إنَّك تعلمُ ما في قلبِي من الحبِّ للصحابةِ الأخيار والقرابة الأطهار، وتعلم سلامةَ لساني وقلبي مِمَّا لا يليق بهم، وتعلم أنَّ ما كتبتُه انتصارٌ لصحابةِ نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم وأرضاهم، اللهمَّ إنِّي أسألك بهذا الحبِّ والسلامة والانتصار أن تُثبِّتَنِي بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن تُحسِنَ عاقبَتِي في الأمور كلِّها، وتُجيرَنِي من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأن تدخلَنِي الجنَّة، وتُعيذَنِي من النار، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والِديَّ وأن أعمل صالِحاً ترضاه، وأدخلنِي برحمتِك في عبادك الصَّالحين، ربِّ أوزِعنِي أن أشكر نعمتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والدَيَّ وأن أعمل صالِحاً ترضاه، وأَصلِح لي في ذُريَّتِي إنِّي تُبتُ إليك وإنِّي من المسلمين، اللهمَّ اغفر لي ولآبائي وأمَّهاتِي وأهلِي وأبنائي وبناتِي وإخوانِي وأخواتِي وأعمامي وعمَّاتي وأخوالِي وخالاتي وأصهاري وسائر أقربائي وشيوخي وأصدقائي وزملائي وتلاميذي وسائر المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، إنَّك سميعٌ مجيبُ الدَّعوات، ربَّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيِّء لنا من أمرنا رشداً، ربَّنا لا تُزِغ قلوبَنا بعد إذ هديتَنا وهَب لنا من لدنك رحمة إنَّك أنت الوهَّاب، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم، سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.
وكان الفراغ من تأليف هذه الرسالة صباح يوم الجمعة 27 شوال 1422هـ.