رؤية الله يوم القيامة
في (ص64) أورد عبد الحسين حديث رقم (2) " رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صور مختفلة" أخرج الشيخان الإسناد إلى أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:َ قَالَ أُنَاس:ٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا:لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ. يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَلا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ فَيَقُولُ لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ وَيْلَكَ ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَلا يَزَالُ يَدْعُو فَيَقُولُ لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَيُعْطِي اللَّهَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ثُمَّ يَقُولُ أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ فلا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ (الله)!؟ فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ لَهُ تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى ثُمَّ يُقَالُ لَهُ تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ.
ثم أخذ المؤلف يصول ويجول مفنداً هذا الحديث النبوي الشريف قائلا: ( وهذا حديث مهول الفت إليه أرباب العقول فهل يجوز عندهم أن تكون لله صورة مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر ؟ وهل يرون ان لله ساقا تكون آية له وعلامة عليه ؟ وبأي شيء كانت ساقه علامة دون غيرها من الأعضاء ؟ وهل تجوز عليه الحركة والانتقال فيأتيهم أولا وثانيا وهل يجوز عليه الضحك؟ وأي وزن لهذا الكلام)؟
قلت: إن المؤلف مقصده الرد على أهل السنة الإنكار عليهم في معتقدهم رؤية الله يوم القيامة ، وليس مقصده كما يتخرص في مقدمة كتابه " تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لايحتمله العقل من حديث أبي هريرة " لذلك ألف كتاباً مستقلا في الرد عليهم سماه " كلمة حول الرؤية " ، فغرض المؤلف الرد على أهل السنة إذ أنه يعلم أن حديث رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين رواه أكثر من عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه اتخذ أبا هريرة دهليزاً له !! وهذا هو غرضه كما بينت في مقدمة الكتاب ، على كل حال نرد في عجالة على شبهات المؤلف فقوله :( هل يجوز عندهم أن تكون لله صورة مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر )؟
قلت : قال ابن الجوزي : اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا تجوز عليه الصورة التي هي هيئة وتأليف. وقال ابن حجر نقلا عن ابن بطال: تمسك به - أي بهذا الحديث - المجسمة فأثبتوا لله صورة ، ولا حجة لهم فيه لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلا على معرفته كما يسمى الدليل والعلامة صورة وكما تقول صورة حديثك كذا وصورة الأمر كذا والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة ، وأجاز غيره أن المراد بالصورة الصفة ...
ونقل ابن التين : أن معناه صورة الاعتقاد ، وأجاز الخطابي أن يكون الكلام خرج على وجه المشاكلة لما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت .. .
و قال غيره من العلماء : يأتيهم بأهوال القيامة ، وصورة الملائكة ، مما لم يعهدوا مثله في الدنيا ، فيستعيذون من تلك الحال ، ويقولون : إذا جاء ربنا عرفناه،
أي أتى بما يعرفونه من لطفه ، وهي الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق : أي عن شدة كأنه يرفع تلك الاشدائد المهولة ، فيسجدون شكرا ، وقال بعضهم : صورة يمتحن إيمانهم بها ، كما يبعث الدجال فيقولون : نعوذ بالله منك .
وأما قوله:( وهل يرون ان لله ساقاً تكون آية له وعلامة عليه ؟ وبأي شيء كانت ساقه علامة دون غيرها من الأعضاء وهل تجوز عليه الحركة والانتقال فيأتيهم أولا وثانيا وهل يجوز عليه الضحك ؟ وأي وزن لهذا الكلام) ؟ .
قلت: إن كلامه هذا يدل على جهل قبيح ليس له مثيل ، ولا أعلم أن أحداً من قبل سبقه ، ألا يقرأ هذا الذي لقبوه " بالعلامة " القرآن الكريم ! ، ألا يقرأ قوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يأْتيَهُمُ اللهُ فىِ ظُلَلِ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلئكَةُ وَقُضِىَ الأَمْرُ } [ البقرة / 210] ، و قوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يأْتيَهُمُ الْمَلئكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايتِ رَبّكَ } [ الأنعام /158 ] .
وقوله تعالى:{ كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [ الفجر 21-22 ] .
وأما إنكاره لرؤية الله بقوله : ( وهذا محال لا يعقل، ولا يمكن أن يتصور متصور إلا إذا اختص الله المؤمنين في الدار الآخرة ببصر لا تكون فيه خواص الأبصار المعهودة في الحياة الدنيا .. ) .
قلت: أولا: إن المخالفين لكم ، المثبتين للرؤية وهم الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون من أهل الفقه والحديث ممن لهم قدم صدق في العالمين، هؤلاء أكثر العقلاء، وأوفر عدداً منكم .
قال النووي : اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة واجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على اثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن فيها مشهورة واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة وكذلك باقي شبههم وهي مستقاة في كتب الكلام..
وقال ابن حجر في الفتح نقلا عن ابن بطال : ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان ، وأولوا قوله :{ نَاظِرَة } بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى ، ثم ذكر نحو ما تقدم ثم قال وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود ، والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئى .
قال وتعلقوا بقوله عزوجل :{ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَرُ } [ الأنعام /103] .
وقوله عزوجل لموسى:{ لَن تَرَنىِ} [ الأعراف /143 ] .
والجواب عن الأول : أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعا بين دليلي الآيتين ، وبأن نفي الادراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشىء من غير إحاطة بحقيقته.
على أن العقل الصحيح لا يخالف القرآن والسنة الثابتة الصحيحة ،ولا يتعارضان أبداً، وما ظهر من تعارض في الظاهر ، فإنه لعدم صحة في النقل ، أو عدم كمال في العقل ، على أن العقل إذا ترك ونفسه ، لم يحكم باستحالة رؤيته إلا إذا صرفه برهان.
وقد أسفّ هذا االمؤلف بفلسفته هذه كل إسفاف واعتسف فيها أي اعتساف في لتكون هذه الأحاديث حجة عليك يوم القيامة حين ألزمت نفسك العمل بها ودعوت الناس إليها ! والحديث الأول يقرب إلى ذهنك معنى " الإدراك " وهو قول الامام المعصوم للراوي " أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك " .
فقد روى الكليني عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر(ع): لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ؟ فقال:يا أبا هاشم أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون .
وروى الكليني والصدوق بإسنادهما عن يعقوب بن اسحاق قال: كتبت إلى أبي محمد أسأله كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه ؟ فوقع (ع) يا أبا يوسف جلّ سيدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يرى ، قال: و سألته هل رأى رسول الله ربه؟ فوقع (ع) إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ .
وروى الكليني والصدوق عن عبدالله بن سنان ، عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر(ع) فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له : يا أبا جعفر أي شيئ تعبد ؟ قال: الله تعالى ، قال : رأيته ؟ قال: بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس ولا يشبه بالناس ، موصوف بالآبات ، معروف بالعلامات لا يجوز في حكمه ذلك الله ، لا إله إلا هو، قال: فخرج الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته .
وروى الكليني والصدوق عن أبي الحسن الموصلي ، عن أبي عبدالله قال: جاء حبر إلى أميرالمؤمنين (ع) فقال: يا أميرالمؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد رباً لم أره ، قال: وكيف رأيته ؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمان .
وروى الصدوق في " التوحيد" (ص 112 ح 11) عن أبي هاشم الجعفر، عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: سالته عن الله عزوجل هل يوصف ؟ فقال: أما تقرء القرآن ؟ ! قلت: بلى ، قال: أما تقرء قوله عزوجل : { لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَرَ } قلت: بلى ، قال: فتعرفون الأبصار؟ قلت: بلى ، قال: وما هي ؟ قلت: أبصار العيون فقال: إن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام .
فقولك هذا رد على أئمتك المعصومين، لإنك لا تفهم أحاديثهم .
جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة من طريق آل البيت :
وإليك بعض هذه الأحاديث بإختصار.
فقد جاء في "لئالى الأخبار" (4/410-411 ) لعمدة العلماء والمحققين محمد التوسيركاني في " باب في أن أهل الجنة يسمعون صوته " هذا الحديث - وهو حديث طويل - ونصه : ( في أن أهل الجنة يسمعون صوته تعالى ويخاطبهم وينظرون إليه وهما ألذ الأشياء عندهم قال (ع) في حديث يذكر فيه إشتغال المؤمنين بنعم الجنة : فبينما هم كذلك إذ يسمعون صوتاًمن تحت العرش : يا أهل الجنة كيف ترون منقلبكم ؟ فيقولون : خير المنقلب منقلبنا وخير الثواب ثوابنا ، قد سمعنا الصوت واشتهينا النظر وهو أعظم ثوابنا وقد وعدته ولا تخلف الميعاد فيأمر الله الحجاب فيقوم سبعون ألف حاجب فيركبون على النوق والبرازين وعليهم الحلى والحلل فيسبرون في ظل العرش حتى ينتهوا إلى دار السلام وهي دار الله دار البهاء والنور والسرور والكرامة فيسمعون الصوت فيقولون : يا سيدنا سمعنا لذاذة منطقك وأرنا وجهك فيتجلى لهم سبحانه وتعالى ، حتى ينظرون إلى وجهه تبارك وتعالى المكنون من كل عين ناظر فلا يتمالكون حتى يخروا على وجوههم سجدا فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك يا عظيم قال فيقول : يا عبادي إرفعوا رؤسكم ليس هذا بدار عمل .... فإذا رفعوا رفعوها وقد أشرقت وجوههم من نور وجهه سبعين ضعفا ثم يقول : يا ملائكتي أطعموهم واسقوهم ..يا ملائكتي طيبوهم فيأتيهم ريح من تحت العرش يمسك أشد بياضا من الثلج ويعبر وجوههم وجباههم وجنوبهم تسمى المثيرة فيستمكنون من النظر إلى وجهه فيقولون يا سيدنا حسبنا لذاذة منطقك والنظر إلى وجهك لا نريد به بدلا ولا نبتغي به حولا فيقول الرب إني أعلم أنكم إلى أزواجكم مشتاقون وان أزواجكم إليكم مشتاقات ارجعوا إلى أزواجكم قال : فيقولون : يا سيدنا اجعل لنا شرطاً قال فإن لكم كل جمعة زورة ما بين الجمعة سبعة آلاف سنة مما تعدّون قال فينصرفون فيعطى كل رجل منهم رمانة خضر في كل رمانة سبعون حلة .... حتى يبشروا أزواجهم وهن قيام على أبواب الجنان قال: فلما دنى منها نظرت إلى وجهه فأنكرته من غير سوء ، وقالت: حبيبي لقد خرجت من عندي وما أنت هكذا قال: فيقول: حبيبتي تلومني أن أكون هكذا وقد نظرت إلى وجه ربي تبارك وتعالى فأشرق وجهي من نور وجهه ، ثم يعرض عنها فينظر إليها نظرة فيقول: حبيبتي لقد خرجت من عندك و ماكنت هكذا فنقول : حبيبي تلومني أن أكون هكذا، وقد نظرت إلى وجه الناظر إلى وجهه ربي فأشرق وجهي من وجه الناظر إلى وجه ربي سبعين ضعفا ، فنعانقه من باب الخيمة والرب يضحك إليهم ).
وفي " البحار" (8/126ح27 باب الجنة و نعيمها ) عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله (ع) قال: (مامن عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل ، فإن الله لم يبين ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال:{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} إلى قوله :{ يعملون } ثم قال: إن لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة ، فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمن ملكا معه حلة فينتهي إلى باب الجنة فيقول: اسأذنوا لي على فلان فيقال له: هذا رسول ربك على الباب، فيقول: لأزواجه أي شيئ ترين عليّ أحسن ؟ فيقلن : يا سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك شيئا أحسن من هذا بعث إليك ربك ، فيتزر بواحدة ويتعطف بالأخرى فلا يمرّ بشيئ إلا أضاء له حتى ينتهي إلى الموعد ، فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى ، فإذا نظروا إليه خرّوا سجدا فيقول: عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا يوم عبادة قد رفعت عنكم المؤونة، فيقولون : يارب وأي شيئ أفضل مما أعطيتنا ، أعطيتنا الجنة، فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا ، فيرجع المؤمن في كل جمعة بسبعين ضعفا مثل ما في يديه وهو قوله:{ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } وهو يوم الجمعة ) .
وإذا لم تستطع فهم هذه الرواية ، نورد لك كلام إمامك ووصيك الرابع فقد أثبت رؤية الله تعالى في الآخرة كما جاء في الصحيفة السجادية ، في حين عكست الآية كما سيأتي توضيحه .
قال الامام السجاد رحمه الله تعالى ما نصه : ( واقدر أعيينا يوم لقائك برؤيتك"
بل لا يحتاج تخصيص المؤمنين في الآخرة ببصر غير أبصارهم في الدنيا ،كما يتدعي المؤلف، لأن إمامه المعصوم يقول أنهم رأوه قبل يوم القيامة ، حين قال الله لهم : { أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى }
فقد أخرج الصدوق في " التوحيد" (ص117ح20 ) بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: أخبرني عن الله عزوجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال: نعم ، وقد رأوه قبل يوم القيامة ، فقلت: متى ؟ قال: حين قال لهم : { أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى } ثم سكت ساعة ، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ، ألست تراه في وقتك هذا ؟ قال أبو بصير : فقلت : له جعلت فداك فأحدث بهذا عنك ؟ فقال لا ، فإنك إذا حدثت به أنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون .
وجاء اثبات الرؤية من كلام الامام السجاد رحمه الله تعالى الذي أعرض " المؤلف الأمين " عن ذكره هنا واقتصر على بعض الأذكار بقوله " وإليك ما يحضرني من نصوصها في الموضوع " ، فحاول طمسها في مهدها ، ولو كانت هذه النصوص في صالحه لما طمسها ومرّ عليها هكذا مرور الكرام ، وهكذا يفعلون ، ولكن شاء الله أن يفضح أمر " آية الكذب والتدليس " ، وإليك هذه الأدعية . قال في دعاء المتوسلين : ( وأقررت أعينهم بالنظر إليك يوم لقائك ) . وقال في دعاء آخر وهو دعاء المحبين :( ولا تصرف عني وجهك ) . وفي دعاء آخر وهو : ( وشوقته إلى لقائك وضيته بقضائك ومنحته بالنظر إلى وجهك ). وفي دعاء آخر وهو مناجاة الزاهدين : )ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك ) . وفي دعاء آخر وهو مناجاة المفتقرين : ( واقدر أعيينا يوم لقائك برؤيتك ) . وفي دعاء آخروهو في استكشاف الهموم ( رغبتي شوقاً إلى لقائك ..) .
أما ما لفقه عبد الحسين في كتابه " كلمة حول الرؤية " (ص39) ، واستشهاده ببعض أدعية السجاد على نفي الرؤية ، فإن هذا جهل بكلام العرب ، وغريب أمر هذا المؤلف إذ كيف تستعجم عليه اللغة وقد وصل إلى درجة العلاّمة . فمثلا استشهاده بقول السجاد : ( إلهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك كما يليق بجلالك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك ، وانحصرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك ، ولم تجعل للخلق طريقا إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك
الحمد لله الأول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين ، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين ...).
فأين نفيه رحمه الله رؤية الله ؟ ، بل لم يستطع المؤلف أن يورد دعاء واحد يدل على نفي الرؤية وهذا عجيب ، مما يدل أنه وأتباعه ليسوا شيعة أهل البيت ، بل شيعة الطوسي والمجلسي والمفيد وأضرابهم ! ، بل وهذا من عقائد المعتزلة وغيرهم الذين نفوا رؤية الباري تعالى يوم القيامة، وأما مذهب أهل البيت هم على مذهب أهل السنة من السلف القائلين برؤية الله تعالى يوم القيامة .
رؤية الله تعالى
يقول الورداني ص74: ويروى: إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون من رؤيته.
الجواب: نص الحديث: عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم ستعرضون على ربكم عزَّ وجلَّ فترونه كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} (1).
وحديث الرؤية متواتر رواه كل من:
ابن مسعود.
وابن عمر.
وابن عباس.
وصهيب.
وأنس.
وأبوموسى الأشعري.
وأبوهريرة.
وأبوسعيد الخدري.
وعمار بن ياسر.
وجابر بن عبد الله.
ومعاذ بن جبل.
وثوبان.
وعمارة ابن رويبة الثقفي.
وحذيفة.
وأبوبكر الصديق.
وزيد بن ثابت.
وجرير ابن عبد الله اليمني.
وأبوأمامة الباهلي.
وبريدة الأسلمي.
وأبوبرزة.
__________
(1) البخاري 1/ 138، و143 و6/ 48 و8/ 179، مسلم 2/ 113، أحمد 4/ 36.، سنن ابن ماجه 1/ 63، سنن أبي داود 2/ 419، السنن الكبرى للبيهقي 1/ 359، مسند الحميدي 2/ 35.، السنن الكبرى للنسائي 1/ 176 و6/ 4.6، صحيح ابن حبان 16/ 473، المعجم الأوسط للطبراني 8/ 9.، المعجم الكبير للطبراني 2/ 294.
وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي.
أبا رزين العقيلي.
وعبادة بن الصامت.
وكعب بن عجرة.
وفضالة ابن عبيد.
وأبي بن كعب.
وعبد الله بن عمرو.
وعائشة. رضي الله عنهم جميعاً.
ويقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في "شرح العقيدة الواسطية" ص436: ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن من أنكر رؤية الله تعالى، فهوكافر مرتد، وأن الواجب على كل مؤمن أن يقرّ بذلك. قال: وإنما كفرناه لأن الأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنكم سترون ربكم"، إنه ليس قطعي الدلالة، إذ ليس هناك شيء أشد قطعاً من مثل هذا التركيب.
لوكان الحديث: "إنكم ترون ربكم": لربما تحتمل التأويل، وأنه عبّر عن العلم اليقيني بالرؤية البصرية، ولكنه صرح بأنا نراه كما نرى القمر، وهوحسي.
ويقول رحمه الله تعالى ص471: فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها، بمعنى أن الإنسان لا يعلم كيف يرى ربه، ولكن معنى الرؤية معلوم، أنهم يرون الله كما يرون القمر، لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله.
وقد سبق الورداني بقرون من يُنكر الرؤية من الرافضة، ولكن من الأسف فإنهم سلكوا مسلك التدليس والكذب فهذا المسمّى عندهم "المرتضى" يقول في كتابه "تنزيه الأنبياء" ص177 - 178:
فإن قيل: فما معنى الخبر المروي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" وهذا خبر مشهور لا يمكن تضعيفه ونسبته إلى الشذوذ؟. الجواب قلنا: أما هذا الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه، فإن راويه قيس بن أبي حازم، وقد كان خولط في عقله في آخر عمره مع استمراره على رواية الأخبار. وهذا قدح لا شبهة فيه لأن كل خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب أن يكون مردوداً، لأنه لا يؤمن أن يكون مما سمع منه في حال الاختلال. وهذه طريقة في قبول الأخبار وردها ينبغي أن يكون أصلاً ومعتبراً فيمن علم منه الخروج ولم يعلم تاريخ ما نقل عنه. على أن قيساً لوسلم من هذا القدح كان مطعوناً فيه من وجه آخر، وهوأن قيس بن أبي حازم كن مشهوراً بالنصب والمعاداة لأمير المؤمنين (ع) والانحراف عنه، وهوالذي قال: رأيت علي بن أبي طالب (ع) على منبر الكوفة يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب، فأبغضته حتى اليوم في قلبي. إلى غير ذلك من تصريحه بالمناصبة والمعاداة. وهذا قادح لا شك في عدالته.
وجوابنا على المسمّى "المرتضى" أن أحاديث الرؤية لم ينفرد بها قيس بن أبي حازم بل إن أحاديث الرؤية متواترة كما ذكرنا قبل قليل. وسيأتي في هذا المبحث اعتراف الرافضة بالرؤية م مصادرهم المعتمدة والموثوقة.
وأما قوله "فمقدوح في راويه" فهذا ليس بجديد على الرافضة، فإنهم قدحوا في أبي بكر وعمر وعثمان وكثير من الصحابة رضوان الله عليهم، أفلا يتجرأون على القدح في قيس بن أبي حازم؟!. وقد نص على عدالة قيس بن أبي حازم كثير من أئمة الجرح والتعديل، وجرح الرافضة للصحابة والتابعين وعلماء الإسلام ليس منقصة بل هوالمدح الذي ليس بعده مدح، ويكفي الرافضة مدح رواة الإفك والضلال.
ومن أجل نفي الرؤية سلك الجهمية ومن شايعهم إلى اختلاق روايات مكذوبة لتأييد باطلهم في نفي الرؤية، من هذه الأكاذيب الكذب على علي ابن المديني وانتصاره لمذهب نفاة الرؤية، فقد ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ج11 ص52: قال ابن أبي داود للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يزعم - يعني: أحمد بن حنبل - أن الله يرى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله لا يحد.
فقال: ما عندك؟.
قال: يا أمر المؤمنين عندي ما قاله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال: وما هو؟.
قال: حدثني غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، قال: "كنا مع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، في ليلة أربع عشرة، فنظر إلى البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر، لا تضامون في رؤيته".
فقال لابن أبي داود: ما تقول؟.
قال: أنظر في إسناد هذا الحديث.
ثم انصرف. فوجه إلى علي بن المديني، وعلي ببغداد مملق، ما يقد على درهم، فأحضره، فما كلمه بشيء حتى وصله بعشرة آلاف درهم.
وقال: هذه وصلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه. وكان له رزق سنتين.
ثم قال له: يا أبا الحسن حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟.
قال: صحيح.
قال: فهل عندك عنه شيء؟.
قال: يعفيني القاضي من هذا.
قال: هذه حاجة الدهر.
ثم أمر له بثياب وطيب ومركب بسرجه ولجامه. ولم يزل حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يعمل عليه، ولا على ما يرويه، وهوقيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابياً بوالاً على عقيبه. فقبل ابن أبي داود علياً واعتنقه.
فلما كان الغد، وحضروا، قال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين: يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس، وهوأعرابي بوال على عقبيه؟.
قال: فقال أحمد بعد ذلك: فحين أطلع لي هذا، علمت أنه من عمل علي بن المديني، فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضربه.
ثم عقّب الذهبي على هذه الرواية فقال رحمه الله تعالى: رواها المرزباني: أخبرني محمد بن يحيى، يعني: الصولي، حدثنا الحسين. ثم قال الخطيب: أما ما حكي عن علي في هذا الخبر من أنه لا يعمل على ما يرويه قيس، فهوباطل. قد نزه الله علياً عن قول ذلك، لأن أهل الأثر، وفيهم علي، مجمعون على الاحتجاج برواية قيس وتصحيحها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة. وليس في التابعين من أدرك العشرة، وروى عنهم، غير قيس مع روايته عن خلق من الصحابة. إلى أن قال: فإن كان هذا محفوظاً عن ابن فهم، فأحسب أن ابن أبي داود، تكلم في قيس بما ذكر في الحديث، وعزا ذلك إلى ابن المديني. والله أعلم. قلت: إن صحت الحكاية، فلعل علياً قال في قيس ما عنده عن يحيى القطان، أنه قال: هومنكر الحديث، ثم سمى له أحاديث استنكرها، فلم يصنع شيئاً، بل هي ثابتة، فلا ينكر له التفرد في سعة ما روى، من ذلك حديث كلاب الحوأب، وقد كاد قيس أن يكون صحابياً، أسلم في حياة رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم هاجر إليه، فما أدركه، بل قدم المدينة بعد وفاة رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، بليال. وقد قال يحيى بن معين فيما نقله عنه معاوية بن صالح، كان قيس بن أبي حازم أوثق من الزهري. نعم، ورؤية الله تعالى في الآخرة منقولة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، نقل تواتر، فنعوذ بالله من الهوى، ورد النص بالرأي. قال أبوداود: أجود التابعين إسناداً قيس بن أبي حازم، قد روى عن تسعة من العشرة، لم يروعن عبد الرحمن بن عوف. قال الخطيب: ولم يحك أحد ممن ساق المحنة أن أحمد نوظر في حديث الرؤية. قال: والذي يحكى عن علي أنه روى لابن أبي داود حديثاً عن الوليد بن مسلم في القرآن، كان الوليد أخطأ في لفظة منه، فكان أحمد ينكر على علي روايته لذلك الحديث. فقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن علي بن المديني، حدث عن الوليد حديث عمر: "كلوه إلى عالمه" فقال: "إلى خالقه". فقال: هذا كذب. ثم
قال: هذا قد كتبناه عن الوليد، إنما هو"فكلوه إلى عالمه"، وهذه اللفظة قد روي عن ابن المديني غيرها.
يقول الإمام الطبري في تفسيره 7/ 394 وما بعدها: القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب فالمؤمنون يرونه، والكافرون عنه يومئذ محجوبون كما قال جل ثناؤه {كَلاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}. فأما ما اعتل به منكرورؤية الله يوم القيامة بالأبصار، لما كانت لا ترى إلا ما باينها، وكان بينها وبينه فضاء وفرجة، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك لأن في ذلك إثبات حد له ونهاية، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه، وأنه يقال لهم: هل علمتم موصوفاً بالتدبير سوى صانعكم إلا مماساً لكم أومبايناً؟ فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك كلفوا تبيينه، ولا سبيل إلى ذلك. وإن قالوا: لا نعلم ذلك، قيل لهم: أوليس قد علمتموه لا مماساً لكم ولا مبايناً، وهوموصوف بالتدبير والفعل، ولم يجب عندكم إذ كنتم لم تعلموا موصوفاً بالتدبير والفعل غيره إلا مماساً لكم أومبايناً أن يكون مستحيلاً العلم به وهوموصوف بالتدبير والفعل، لا مماس ولا مباين؟ فإن قالوا: ذلك كذلك، قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها، وكانت بينه وبينها فرجة قد تراه وهوغير مباين لها، ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء، كما لا تعلم القلوب موصوفاً بالتدبير إلا مماساً لها أومبايناً وقد علمته عندكم لا كذلك؟ هل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفاً بالتدبير والفعل معلوماً لا مماساً للعالم به أومبايناً وأجاز أن يكون موصوفاً برؤية الأبصار لا مماساً لها ولا مبايناً فرق؟ ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولاً إلا ألزموا في الآخر مثله. وكذلك يسألون فيما اعتلوا به
في ذلك، إن من شأن الأبصار إدراك الألوان، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات، ومن شأن المتنسم درك الأعراف، فمن الوجه الذي فسد أن يقتضي السمع لغير درك الأصوات فسد أن تقتضي الأبصار لغير درك الألوان. فيقال لهم: ألستم لم تعلموا فيما شاهدتم وعاينتم موصوفاً بالتدبير والفعل إلا ذا لون، وق علمتموه موصوفاً بالتدبير لا ذا لون؟ فإن قالوا نعم، لا يجدون من الإقرار بذلك بداً إلا أن يكذبوا، فيزعموا أنهم قد رأوا وعاينوا موصوفاً بالتدبير والفعل غير ذي لون، فيكلفوا بيان ذلك، ولا سبيل إليه، فيقال لهم: فإذا كان ذلك كذلك فما أنكرتم أن تكون الأبصار فيما شاهدتم وعاينتم لم تجدوها تدرك إلا الألوان، كما لم تجدوا أنفسكم تعلم موصوفاً بالتدبير إلا ذا لون وقد وجدتموها علمته موصوفاً بالتدبير غير ذي لون؟ ثم يسألون الفرق بين ذلك، فلن يقولوا في أحدهما شيئاً إلا ألزموا في الآخر مثله. وهل هذه المقالة مسائل فيها تلبيس كرهنا ذكرها وإطالة الكتاب بها وبالجواب عنها، إذ لم يكن قصدنا في كتابنا هذا قصد الكشف عن تمويهاتهم، بل قصدنا فيه البيان عن تأويل آي الفرقان. ولكنا ذكرنا القدر الذي ذكرنا، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أنهم لا يرجعون من قولهم إلا إلى ما لبس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده، وأنهم لا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل محكمة ولا رواية عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صحيحة ولا سقيمة، فهم في الظلمات يخبطون، وفي العمياء يترددون، نعوذ بالله من الحيرة والضلالة.
وقال أبوبكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه "التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة" ص35 - 37: فإن اعترض جاهل مما لا علم أوبعض هؤلاء الجهمية الذين لم يوفقوا للرشاد، ولعب بهم الشيطان وحرموا التوفيق:
فقال: وهل المؤمنون يرون الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة؟. قيل له: نعم، والحمد لله على ذلك.
فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن بهذا.
قيل له: كفرت بالله العظيم.
فإن قال: وما الحجة؟.
قيل له: لأنك رددت القرآن والسنة وقول الصحابة - رضي الله عنهم - وقول علماء المسلمين واتبعت غير سبيل المؤمنين، وكنت ممن قال الله عزَّ وجلَّ فيهم: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1).
فأما نص القرآن: فقول الله عزَّ وجلَّ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (2). وقال الله عزَّ وجلَّ عن الكفار أنهم محجوبون عن رؤيته، فقال جلّ ذكره: {كَلاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوالْجَحِيمِ، ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} (3).
فدل بهذه الآية أن المؤمنين ينظرون إلى الله عزَّ وجلَّ وأنهم غير محجوبين عن رؤيته وكرامة منه لهم.
وقال الله عزَّ وجلَّ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (4) فروي أن الزيادة هوالنظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ.
وقيل لسفيان ابن عيينة: إن بشراً المريسي يقول: إن الله لا يرى يوم القيامة. فقال: قاتل الله الدويبة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: {كَلاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} (5) فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء؟ (6).
وبعد هذا العرض السريع نستعرض بعض روايات الرافضة التي تدل على الرؤية من المصادر الموثوقة لعل وعسى أن يكون الورداني ممن يتبع الدليل والبرهان لا السب والشتم والهذيان بما لا يعلم:
__________
(1) سورة النساء: 115.
(2) سورة القيامة: 22، 23.
(3) سورة المطففين: 15، 16، 17.
(4) سورة يونس: 26.
(5) سورة المطففين: 15.
(6) سير أعلام النبلاء للذهبي 8/ 468.
1 - ذكر المجلسي في بحار الأنوار ج8 ص2.7 - 216 رواية طويلة عن عوف بن عبد الله الأزدي عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جاء فيها: فبينا هم كذلك إذ يسمعون صوتاً من تحت العرش: يا أهل الجنة كيف ترون منقلبكم؟.
فيقولون: خير المنقب منقلبنا وخير الثواب ثوابنا، قد سمعنا الصوت واشتهينا النظر إلى أنوار جلالك وهوأعظم ثوابنا وقد وعدته ولا تخلف الميعاد.
فيأمر الله الحجب فيقوم سبعون ألف حجاب فيركبون على النوق والبراذين وعليهم الحلي والحلل فيسيرون في ظل الشجر حتى ينتهوا إلى دار السلام، وهي دار الله دار البهاء والنور والسرور والكرامة، فيسمعون الصوت فيقولن: يا سيدنا سمعنا لذاذة منطقك، فأرنا نور وجهك، فيتجلى لهم سبحانه وتعالى حتى ينظرون إلى نور وجهه - تبارك وتعالى - المكنون من عين كل ناظر، فلا يتمالكون حتى يخروا على وجوههم سجداً فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك يا عظيم. قال: فيقول: عبادي! ارفعوا رؤوسكم ليس هذه بدار عمل إنما هي دار كرامة ومسألة ونعيم قد ذهبت عنكم اللغوب والنصب، فإذا رفعوها رفعوها وقد أشرقت وجوههم من نور وجهه سبعين ضعفاً.
ثم يقول تبارك وتعالى: يا ملائكتي أطعموهم واسقوهم، فيؤتون بألوان الأطعمة لم يروا مثلها قط في طعم الشهد وبياض الثلج ولين الزبد، فإذا أكلوه قال بعضهم لبعض: كان طعامنا الذي خلفناه في الجنة عند هذا حلماً.
قال: ثم يقول الجبار تبارك وتعالى: يا ملائكتي اسقوهم، قال: فيؤتون بأشربة فيقبضها ولي الله فيشرب شربة لم يشرب مثلها قط.
قال: ثم يقول: يا ملائكتي طيبوهم فتأتيهم ريح من تحت العرش بمسك أشد بياضاً من الثلج تغير وجوههم وجباههم وجنوبهم تسمى المثيرة فيستمكنون من النظر إلى نور وجهه.
فيقولون: يا سيدنا حسبنا لذاذة منطقك والنظر إلى نور وجهك لا نريد به بدلاً ولا نبتغي به حولاً.
فيقول الرب تبارك وتعالى: إني أعلم أنكم إلى أزواجكم مشتاقون، وأن أزواجكم إليكم مشتاقات.
فيقولون: يا سيدنا ما أعلمك بما في في نفوس عبادك؟!.
فيقول: كيف لا أعلم وأنا خلقتكم، وأسكنت أرواحكم في أبدانكم، ثم رددتها عليكم بعد الوفاة فقلت: اسكني في عبادي خير مسكن، ارجعوا إلى أزواجكم.
قال: فيقولون: يا سيدنا اجعل لنا شرطاً.
قال: فإن لكم كل جمع زورة ما بين الجمعة إلى الجمعة سبع آلاف سنة مما تعدون.
قال: فينصرفون فيعطى كل رجل منهم رمانة خضراء، في كل رمانة سبعون حلة لم يرها الناظرون المخلوقون، فيسيرون فيتقدمهم بعض الولدان حتى يبشروا أزواجهم وهن قيام على أبواب الجنان.
قال: فما دنا منها نظرت إلى وجهه فأنكرته من غير سوء.
فقالت: حبيبي! لقد خرجت من عندي وما أنت هكذا.
قال: فيقول: حبيبتي! تلومينني! أن أكون هكذا وقد نظرت إلى نور وجه ربي تبارك وتعالى فأشرق وجهي من نور وجهه.
ثم يعرض عنها فينظر إليها نظرة فيقول: حبيبتي! لقد خرجت من عندك وما كنت هكذا.
فتقول: حبيبي! تلومني أن أكون هكذا وقد نظرت إلى وجه الناظر إلى نور وجه ربي فأشرق وجهي من وجه الناظر إلى نور وجه ربي سبعين ضعفاً، فتعانقه من باب الخيمة والرب تبارك وتعالى يضحك إليهم فينادون بأصابعهم: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور.
2 - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟.
قال: نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: (ألست بربكم قالوا بلى) ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟.
قال أبوبصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟.
فقال: لا، فإنك إذا حدثت به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه (1).
__________
(1) التوحيد للصدوق (!!!) 117.
إضافة إلى الروايات السابقة فإننا نجد الأئمة - على حد زعم الرافضة - في أدعيتهم دائماً يسألون الله تعالى رؤيته ولقائه فإذا كانت الرؤية كما يزعم الرافضة فلماذا الأئمة على حد زعمهم يسألون الله تعالى مستحيلاً، وإليك نماذج من ذلك (1):
ففي البحار (86/ 2 ح2) "باب ما يستحب عقيب كل صلاة" عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من دعا به عقيب كل صلاة مكتوبة حفظ في نفسه وداره وماله وولده وهو"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أعلنت وما أسررت، وإسرافي على نفسي ... والرضا بالقضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً للقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلّة .. ".
وفي (ص85 وص87 ح11) "باب تعقيب صلاة العصر المختص بها: بما كانت الزهراء فاطمة سيدة النساء (ع) تدعوبه في جملة دعائها للخمس صلوات وهو" سبحان من يعلم جوارح القلوب، سبحان من يحصى عنده الذنوب - إلى أن قالت - وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك لذة النظر إلى وجهك .. ".
وفي (ص2 وص1.4 ح8) "باب تعقيب صلاة المغر": "ومن تعقيب فريضة المغرب أيضاً ما يختص بها مما روي عن مولاتنا فاطمة الزهراء (ع) من الدعاء عقيب الخمس الصلوات وهو: "الحمد لله الذي لا يحصى مدحه القائلون، والحمد لله الذي لا يحصي نعماءه - إلى أن قالت - والنظر إلى وجهك فارزقني .. ".
وفي (9./ 133) "دعاء يوم الجمعة": "وتلقنني بها عند فراق الدنيا حجتي وأنظر بها إلى وجهك الكريم يوم القيامة، وعلي منك نور وكرامة .. ".
وفي (ص145) "اجعل له منزلاً مغبوطاً ومجلساً رفيعاً وظلاً ومرتفعاً جسيماً جميلاً ونظراً إلى وجهك يوم تحجبه عن المجرمين .. ".
وفي (ص159) "دعاء ليلة الأحد" "اللهم حبّب إلينا لقاءك وارزقنا النظر إلى وجهك، واجعل لنا لقاءك نضرة وسروراً .. ".
__________
(1) نقلاً عن "البرهان في تبرئة أبي هريرة من البهتان" ص162 - 165 للأخ عبد الله الناصر، وقد راجعت نقولاته فوجدتها سليمة.
وفي (ص166) دعاء آخر للكاظم: "ولا تحرمني إلهي حين أسألك من أجل خطاياي ولا تحرمني لقاءك ... اللهم وأسألك العفاف والتقى والعمل بما تحب وترضى والرضا بالقضاء والنظر إلى وجهك الكريم .. ".
وفي (ص2.1 و2.6): دعاء آخر عن الكاظم: "وأسألك لي ولهما الأجر يوم القيامة، والعفويوم القضاء، وبرد العيش عند الموت، وقرة عين لا تنقطع، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك .. ".
وفي (93/ 262): "وأسألك باسمك الذي طوّقت به أبصار عبادك يوم القيامة حتى ينظروا إلى نور وجهك الكريم الباقي يا الله .. ".
وفي (94/ 144): "إلهي لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك، ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك .. ".
وفي (ص145): "أسألك بسبحات وجهك، وبأنوار قدسك .. وجميل إنعامك في القربى منك والزلفى لديك والتمتع بالنظر إليك .. ".
وفي (ص148): "بسم الله الرحمن الرحيم من ذا الذي ذاق حلاوة محبيك .. إلهي فاجعلنا ممن ااصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودّك ومحبيك، وشوّقته إلى لقائك، ورضيته بقضائك، والتمتع بالنظر إلى وجهك .. ".
وفي (ص149): "وأن تجعل حبّي إيّاك قائماً إلى رضوانك، وشوقي إليك ذائداً عن عصيانك، وامنن بالنظر عليّ وانظر بعين الودّ والعطف إليّ، ألا تصرف عني وجهك .. ".
وفي (ص15.): "وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إلى وجهك .. ".
وفي (225 ح1) "باب أحرز فاطمة الزهراء (ع) وبعض أدعيتها وعوذاتها" " .. وأسألك النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مظلمة .. ".
وفي (97/ 363) "باب نوافل شهر رمضان": "ولا تحرمني ولا تذلني ولا تستبدل بي غيري وخير السرائر فاجعل سريرتي، وخير المعاد فاجعل معادي ونظرة من وجهك الكريم فأنلني".
وفي الكافي (2/ 547 - 548 ح6) عن محمد بن الفرج قال: كتب إليّ أبوجعفر ابن الرضا (ع) بهذا الدعاء وعلّمنيه. وقال: من قال في دبر صلاة الفجر لم يلتمس حاجة إلا تيسرت له وكفاه الله ما أهمه: بسم الله وبالله وصلى على محمد وآله وأفوّض أمري إلى الله - إلى أن قال -: وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول إذا فرغ من صلاته: "الله إني أسألك خشيتك في السر والعلانية - إلى أن قال -: وأسألك الرضا بالقضاء وبركة الموت بعد العيش وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقاً إلى رؤيتك ولقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة .. " (1).
ومن أدعية زين العابدين (السجاد) رحمه الله تعالى نذكر هذا الدعاء:
ففي "الصحيفة السجادية" (ص117): "كان من دعائه (ع) إذا حزنه أمر وأهمته الخطايا": " ... وبيدك إلهي جميع ذلك السبب وإليك المفرّ والمهرب .. اللهم إنك إن صرفت عني وجهك الكريم أومنعتني فضلك الجسيم .. ".
وأما ما جاء من دعاء علي رضي الله عنه نذكر هذا الدعاء.
ففي "الصحيفة العلوية" (ص139) باب دعاؤه (ع) "باب المناجاة في شهر رمضان": "إلهي عبدك الضعيف المذنب، ومملوكك المنيب المعيب، فلا تجعلني ممن صرفت عنك وجهك، وحجبه .. وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة .. ".
ونذكر بعضاً من الأدعية الواردة في "مصابيح الجنان" ففي (ص88): "اللهم حبّب إلينا لقائك وارزقنا النظر إلى وجهك واجعل لنا في لقائك نظرة وسرور .. ".
وفي (ص527) "باب العاشر: مناجاة المتوسلين": "وأقررت أعينهم بالنظر إليك يوم لقائك .. ".
وفي (ص527 - 528) "باب الحادي عشر": "مناجاة المفتقرين": "لا يكتفه غير رأفتك، وغلتي لا يردها إلا وصلك، ولوعتي لا يطفيها إلا لقاؤك، وشوقي إليك لا يبله إلا النظر إليك .. ".
(1) وانظر "من لا يحضره الفقيه" 1/ 315 ح1 باب في التعقيب.
قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني
9 - قال التيجاني ص28:
(قال تعالى عن موسى: (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) [31] ولَنْ الزمخشرية تفيد التأبيد كما يقول النحاة).
قلت: احتجاج التيجاني بكلام الزمخشري هوكاحتجاج النصارى على أهل السنة في تحريف القرآن بقول الشيعة أن القرآن محرف فإن الزمخشري معتزلي الاعتقاد والشيعة أيضا معتزلة في باب صفات الله تبارك وتعالى.
ولن لا تفيد التأبيد دائما عند النحاة وانظر إلى مغني اللبيب، والتوضيح والتكميل وغيرهما من كتب النحاة وهل مع التيجاني إلا الادعاء المحض؟!
…فما قول التيجاني في قوله تبارك وتعالى: (ولن يتمنوه أبدا) [311].
فإذا قلنا أن لَنْ تفيد التأبيد لم يؤكدها بقوله أبدا هذا أولا.
…أما ثانيا فإن الله ذكر أن الكفار يتمنون الموت بل ويطالبون به.
…قال تعالى: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) [312].
…ثم إن رؤية المؤمنين ثابتة بالكتاب والسنة وسأكتفي بالآيات إن كان يقبلها التيجاني لأن الكثيرين من علماء الشيعة يقولون بتحريف القرآن لأن أحاديثنا عن رسول الله لا يقبلونها.
·…: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) [313].
·…: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [314] فإذا حجب الكفار فمفهومه أن المؤمنين غير محجوبين.
·…: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [315] فما الزيادة على الحسنى إلا شيء أفضل.
وآية موسى التي ذكرها التيجاني دليل على رؤية الله في الآخرة بصورة غير مباشرة وإليك التفصيل:
·…لوكانت الرؤية ممتنعة مطلقا ما سألها موسى وهوالعليم بربه.
·…لم ينكر الله على موسى طلبه كما أنكر على نوح لما قال إن ابني من أهلي قال الله: (إني أعظك أن كون من الجاهلين) [316].
·…الله تجلى للجبل وموسى أكرم على الله من الجبل.
·…قلنا إن لَنْ لا تفيد التأبيد.
(قال ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا…فقوله اردد وسواه فاعضدا [317]
·…علق الله الرؤيا على ممكن فقال: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) وما علق على ممكن فهوممكن.
·…لم يقل الله لموسى لا أُرى وإنما قال لن تراني أي الآن في الدنيا.
[31] الأعراف143.
[311] البقرة95.
[312] الزخرف77.
[313] القيامة23.
[314] المطففين15.
[315] يونس26.
[316] هود46.
[317] الكافية الشافية.
رؤية المؤمنين لربهم في الجنة
من أعظم النعم التي يمتن الله بها على عباده المؤمنين في الجنة لذة النظر إلى وجهه الكريم، فيمكّن لهم القدرة على النظر إليه بأعينهم بنظرة حقيقية، وهذه القدرة في النعيم ستكون قاصرة في إدراك الإحاطة به، لعظمته سبحانه؛ لأن الله تعالى يقول: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)) [الأنعام:103]، وقال تعالى: ((وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)) [طه:110]، ونحن نعلم ربنا بقلوبنا، ولكن لا ندرك كيفيته وحقيقته سبحانه، وفي يوم القيامة سنرى ربنا بأبصارنا، ولكن لن تدركه -تحيط به- أبصارنا.
ومما جاء في إثبات إمكانية رؤيته سبحانه في الآخرة ما يأتي:
قال تعالى: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) [القيامة:23].
وقال تعالى: ((عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ)) [المطففين:23].
وقال تعالى: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)) [يونس:26]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل ، بعد أن حاز المؤمنون الحسنى وهي النعيم والسعادة في الجنة.
وقال تعالى: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) [ق:35].
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة، فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمن ملكاً معه حلة فينتهي إلى باب الجنة... إلى أن قال: فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى، فإذا نظروا إليه خروا له سجداً، فيقول: عبادي! ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا يوم عبادة، قد رفعت عنكم المؤنة، فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل مما أعطيتنا، أعطيتنا الجنة، فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفاً , فيرجع المؤمن في كل جمعة بسبعين ضعف مثل ما في أيديهم، وهو قوله: ((وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) [ق:35]
بحار الأنوار:(86/ 266) , (8/126).
وقد ورد في الأدعية الثابتة عن الأئمة عليهم السلام أنهم كانوا يحرصون على سؤال الله تعالى رؤيته ولقاءه يوم القيامة ويعلمون أحبابهم أن يتعلموها... ومن ذلك:
ما جاء في دعاء يوم الجمعة:
(وتلقن بها عند فراق الدنيا حجتي، وأنظر بها إلى وجهك الكريم يوم القيامة، وعليَّ منك نور وكرامة...)
بحار الأنوار: (87/133)
في تسبيح ليلة السبت:
(اجعل لنا منزلاً مغبوطاً، ومجلساً رفيعاً، وظلاً ومرتفعاً جسيماً جميلاً، ونظراً إلى وجهك يوم تحجبه عن المجرمين)
بحار الأنوار: (87/144)، البلد الأمين: (94)، مصباح الكفعمي: (99)، مصباح المتهجد: (429).
ومن أدعية الإمام الكاظم عليه السلام:
(وأسألك لي ولها الأجر يوم القيامة، والعفو يوم اللقاء، وبرد العيش عند الموت، وقرّة عين لا تنقطع، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك...).
بحار لأنوار: (87/205)، البلد الأمين: (135)، مصباح الكفعمي: (126)، مصباح المتهجد: (480).
ومن أدعية مناجاة الخائفين:
(إلهي لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك، ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك...).
بحار الأنوار: (91/143)
ومن دعاء ليلة الجمعة:
(اللهم حبب إلينا لقاءك، وارزقنا النظر إلى وجهك، واجعل لنا في لقائك نضرة وسروراً...).
مصباح المتهجد: (442)، مصباح الكفعمي: (107)، البلد الأمين: (104)، بحار الأنوار: (87/159).
ومع كل هذه الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على قضية إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الجنة إلا أن هناك طائفة عارضت كل تلك الأدلة، وأنكرت إمكانية رؤية أهل الجنة لله عز وجل، واستدلوا بأدلة في غير محلها أو باطلة في فحواها، منها
الأول: قالوا: إن الله لا يُرى، بل الذي
يُرى هو (النور).
الثاني: قالوا: إن الله نفى إمكانية الرؤية في القرآن، ودليل ذلك قوله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً)) [الأعراف:143].
ووجه الدلالة: أن الله نفى الرؤية بأداة (لن) التي تفيد النفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله تعالى صدق لا يدخله النسخ
الثالث: قالوا: إن الله عز وجل نفى رؤيته إطلاقاً، فقال: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام:103].
الرابع: قالوا: العقل يمنع ويحيل إمكانية رؤيته سبحانه، إذ لو كان سبحانه يُرى للزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لأنه يستلزم التركيب، والتركيب يستلزم التشبيه والتمثيل، فوجب نفي الرؤية.
وأما الرد على هذه الشبه فنقول:
أما الشبهة الأولى وهي قولهم: إن الله لا يرى بل الذي يرى هو(النور)، فهذا القول باطل، لأنه رد للنصوص الصريحة التي فيها إثبات الرؤية.
فإن الله عز وجل وصف وجهه بأن له نوراً، مثل ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (إن لله سبعين ألف حجاباً من نور وظلمة، لو كشفها عن وجهه لأحرقت سُبحات وجهه ما أدرك بصره من خلقه)عوالي اللآلي: (4/106)، بحار الأنوار: (55/45).
؛ لذا فإن رؤية الله عز وجل في الدنيا مستحيلة، لأن الحال البشرية لا تقوى على تحمل رؤيته سبحانه وتعالى.
وجاء في كتاب الله عز وجل وصف لا يليق أن يطلق على النور، مثل قوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) [الرحمن:27] وهذا وصف متعلق بالوجه، من أن لوجه الله جلالاً وإكراماً، ولا يمكن أن يقال هذا للنور.
وأما الشبهة الثانية وهي قولهم: إن الله عز وجل قال لموسى: (لن تراني) و(لن) تفيد النفي المؤبد كما في اللغة
العربية.
وهذا قول باطل من وجوه:
الأول: أن (لن) ليست للنفي المؤبد، وبرهـان ذلك كما قـال سبحانـه عن المشركين: ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:95] أي: الموت، ومع ذلك فإن الكفار سيقولون بعد مدة في النار: ((وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف:77] والكفار لم يتمنوه فقط بل طلبوه، فدل على أن (لن) لا تفيد النفي المؤبد.
ولله در ابن مالك النحوي حين قال:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
الثاني: أن موسى طلب الرؤيا في الدنيا بقوله لربه: ((قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)) [الأعراف:143] أي: الآن، فأخبره الله بقوله: ((لَنْ تَرَانِي)) أي: في الدنيا، فدل على جواز الطلب، لكن بين الله له تعذر تحقق ذلك في الدنيا، وهو فهم معلوم؛ لأنه لم يقل سبحانه لنبيه: إني لا أرى.
وهذا ما فهمه آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فعن الرضا عليه السلام قال: لما بعث الله عز وجل موسى بن عمران واصطفاه نجياً وفلق له البحر ونجَّى بني إسرائيل وأعطاه التوراة والألواح رأى مكانه من ربه عز وجل، فقال موسى: يا رب، فإن كان آل محمد كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله عز وجل: يا موسى، أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيين، وكفضل محمد على جميع النبيين، فقال موسى: يا رب، ليتني كنت أراهم! فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى، إنك لن تراهم فليس هذا أوان ظهورهم، ولكن سوف تراهم في الجنات، جنات عدن والفردوس بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون، وفي خيراتها يتبحبحون
تفسير الإمام العسكري: (31)، بحار الأنوار: (13/340)، تأويل الآيات: (411)
الثالث: إن رؤية الله تعالى في الدنيا مستحيلة؛ لأن الحال البشرية لا تقوى على تحمل رؤية الله عز وجل ؛ كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: (إن لله سبعين ألف حجاباً من نور وظلمة لو كشفها عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره من خلقه)
عوالي اللآلي: (4/106)، بحار الأنوار: (55/45).
ومعلوم أن بصر الله يدرك كل شيء يرى.
وهذا ملاحظ ومعلوم أن عين البشر لا تحتمل رؤية كل شيء في الحياة الدنيا، ومن أمثلة ذلك ضعفها عن رؤية الشمس المتواجدة يومياً، وهي من المخلوقات الضعيفة، فكيف الحال برؤية وجه الجبار سبحانه وتعالى الذي هو أعظم شأناً ووجوداً ونوراً من المخلوقات الضعيفة؟
الرابع: أن موسى عليه السلام كان أعلم بربه من هؤلاء النفاة، ولهذا نجده قد طلب ما يجوز له طلبه، لكن الله سبحانه أخبره أنه لم يحن وقت الرؤية بعد، بمثال ضربه له سبحانه وهو تعليق الرؤية بقدرة الجبل العظيمة من تحمل رؤيته.
ومما يدل على جواز وصحة ما سأله كليم الله موسى عليه السلام: أن الله لم ينكر عليه طلبه، مثل ما أنكر على نوح عليه السلام لما سأله ما لا يجوز له، وهو نجاة ابنه الكافر.
قال تعالى: ((قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ)) [هود:46]، وبهذا الوجه يتبين أن الآية دليل عليهم لا لهم.
وأما الشبهة الثالثة في قوله تعـالى: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام:103].
فالجواب: أن الآية فيها نفي الإدراك لا نفي الرؤية.والإدراك مثلما هو معلوم في اللغة العربية أعم من الرؤية، والرؤية لا تستلزم الإدراك؛ ألا ترى أن الرجل يرى السماء ولا يحيط بها إدراكاً، وكذا الحال مع البحر!
فإذا أثبتنا أن الله تعالى يُرى؛ لم يلزم من هذا الإثبات أن يُدرك سبحانه بهذه الرؤية؛ لأن الإدراك أخص معنى من مطلق الرؤية.
ولهذا نقول: إن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفياً؛ لوجب نفيه.
ولقيل: لا تراه الأبصار؛ لأن نفيه يقتضي نفي الأخص، ولا عكس، ولأنه لو كان الأعم منتفياً؛ لكان نفي الأخص إيهاماً وتلبيساً ينزَّه عنه كلام الله عز وجل، وعلى هذا تكون الآية دليلاً على من ينفي لا دليلاً له.
وأما الشبهة الرابعة في قولهم: لو كان الله يُرى لزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لأنه يفيد التركيب؛ وهذا يستلزم التشبيه والتمثيل.
فالجواب: نقول ابتداء: إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً؛ فلنثبت الجسمية له سبحانه على سبيل الجدل والتسليم الافتراضي، لكننا نعلم علم اليقين أنه لا يماثل أجسام المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) [الشورى:11].
لكننا نقول: لا نسلم أنه لابد أن يكون جسماً حتى يُرى، فالإنسان يرى النور، والنور ليس بجسم.. وهكذا.
ثم إن لفظ الجسم لا يُثبت ولا يُنفى لله حتى يستفصل عن معناه، فإن أريد به ما هو مركب من لحم وعظم وغيرهما فباطل.
وإن أريد به ما هو قائم بذاته متصف بصفات الكمال فهو حق وثابت لله عز وجل، لكن لا يطلق هذا اللفظ لا نفياً ولا إثباتاً، لعدم وروده في الكتاب والسنة، بل نقتصر على ما ورد فيهما.
نكمل رؤية المؤمنون لله
ولو أخذنا كلمة نظر في اللغة العربية واستعمالاتها لوجدنا أنها تختلف بحسب ما بعدها وبحسب تعديها بالحرف أو بغيره، وبما يأتي بعدها من الصفة فيقول المصنف: فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار :انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُم [الحديد:13] فإذا قلت: انظر فمعناها توقف لي، وتمهل، وانتظرني، " وإن عدي بـ(في) فمعناه التفكر والاعتبار "، كما قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 185] أي: أولم يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، وهذا في القُرْآن الكريم كثير أَفَلا يَنْظُرُونَ [الغاشية:17]، أي: يتفكرون، فالنظر بمعنى التفكر وبمعنى الاعتبار.
أما إن تعدى إِلَى مفعوله بـ"إلى" فهذا هو النظر الحسي الحقيقي بالعين والبصر، كما في قوله تعالى: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [الأنعام:99] فانظروا بمعنى: تأملوا وشاهدوا وطالعوا ذلك بالعين لتتأملوا ذلك وتعلموا دقيق صنع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وعجيب خلق الله في هذه الثمار إذا أظهرها، وفي هذا الينع إذا أطلعه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إضافة إِلَى أن التعدي كَانَ بـ"إلى" في هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ فقد أُسند الفعل إِلَى الوجوه، والوجه محل النظر، وهو محل العينين، فلم يعد هناك أي احتمال لأن يكون معنى النظر الانتظار أو التفكر أوالتوقف
الرد على المنكرين في نفي الرؤية
قَالَ المُصنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
وأما استدلال المنكرين بقوله تعالى: قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وبقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصار [الأنعام:103] فالآيتان دليل عليهم:
أما الآية الأولى: فالاستدلال منها عَلَى ثبوت رؤيته من وجوه:
الأول: أنكم إذا قلتم إن رؤية الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى محال كما هو مذهبكم، فيُقَالُ: هل يظن بنبي الله وكليم الله وأعلم الخلق بالله في زمانه وهو موسى عَلَيْهِ السَّلام أن يسأل أمراً محالاً في حق الله عَزَّ وَجَلَّ. فسؤال موسى عَلَيْهِ السَّلام دليل عَلَى الإمكان، والأنبياء هم أعلم النَّاس وأعرفهم بصفات ربهم عَزَّ وَجَلَّ، أرسلهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ليعلموا النَّاس صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وما ينبغي له وما لا يجوز أن يطلق عليه وما لا يجوز أن يقال في حقه، فإذا جَاءَ النبي وسأل ربه ذلك، فهذا في ذاته دليل عَلَى أنه ليس بمحال، ومنكرو الرؤية لا يجعلونه ممكن، بل يجعلونه محال استحالة مطلقة، فكأنهم أعرف بالله عَزَّ وَجَلَّ وبما يليق به وما لا يليق من نبيه موسى عَلَيْهِ
السَّلام!!.
الثاني: أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم ينكر عَلَى موسى عَلَيْهِ السَّلام سؤال الرؤية، بينما نجد أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ينكر ولو عَلَى الأَنْبِيَاء إذا سألوه وطلبوه أمراً محالاً، لا نقول: إحالة كلية لأن المحال بالمرة لا يسأله الأنبياء، ولكن إذا سألوا أمراً يظنون أنه ممكن وهو مما لم يشأ الله عَزَّ وَجَلَّ أن يفعله، كما سأل نوح عَلَيْهِ السَّلام ربه نجاة ابنه فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:45] يستعطف ويسترحم ويسأل ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينجي ابنه، فرد الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عليه بقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46] فسؤال الله عَزَّ وَجَلَّ أمراً قد قطع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بأنه لا يتحقق هذا مما يفعله الجاهلون، ولهذا قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنوح عَلَيْهِ السَّلام: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، فهو ليس من الجاهلين عَلَيْهِ السَّلام، ولكن الرحمة والشفقة الفطرية جعلته يدخل الابن في عموم من ينجو من الأهل فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَق ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر أن الابن خارج عن الوعد وليس داخل فيه، ووعظ نبيه نوحاً أن يسأله مثل ذلك، فلو كَانَ سؤال نبي الله تَعَالَى موسى الكليم من هذا القبيل لقال له أيضاً، لا تفعل ذلك ولا تسألني مثل هذا ولا تطلب مني شيئاً من هذا، وهذا لم يقع ولم يحصل في سؤال الكليم موسى عَلَيْهِ السَّلام.
الثالث:أنه تَعَالَى قَالَ: لَنْ تَرَانِي ولم يقل: إنني لا أُرى، أو إنني لا تجوز رؤيتي، أو إنني لست بمرئي، ففرق بين هذا وبين قوله: لَنْ تَرَانِي فهو مجرد نفي لوقوع الفعل، ليس نفياً لإمكان الوقوع مطلقاً
الرابع : أن "لن" لو كانت للتأبيد لما جاز أن يحدد الفعل بعدها، فلو كانت هذه الأداة في لغة العرب كما يزعمون للتأبيد المطلق لما صح أن يقع بعدها استثناء أو تحديد للفعل، بينما نجد أنه قد جَاءَ ذلك في القرآن،كما في قوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لسان أخي يوسف فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف:80] إذا حصل الإذن من أبيه فإنه سيبرح الأرض، فحصل النفي بـ "لن" وحصل معه التحديد، فالنفي يستمر إِلَى حالة حصول الإذن، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.
رؤية الله سبحانه وتعالى عند الشيعة
روى الكليني في الكافي(2/13) بسنده عن أبي جعفر(ع) قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه.
أولاً:
إثبات صحة سند الرواية:
رواية الكافي حسنها المجلسي في مرآة العقول(7/57)، وصححها الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار(3/431)، وهادي النجفي في موسوعة أحاديث أهل البيت(8/480).
ثانياً:
إثبات أن المقصود بالرؤية المعاينة وليست رؤية قلب أو رؤية عقلية:
روى القمي في تفسيره بسنده عن ابن مسكان عن أبي عبدالله ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه فقال الله( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل).
وصحح الرواية الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار(3/431).
فالرواية صريحة أنهم عاينوه والمقصود بالمعاينة الرؤية بالعين لا بالقلب أو العقل.
ثالثاُ:
إبطال تأويل الرواية:
1- أن من ادعى أن روايات الكافي قد وقع فيها بعض التحريف، واستدل على صحة ذلك بروايات أخرى من غير الكافي أن أراهم نفسه الصواب فيها أراهم صنعه.
فأقول:
أن لفظ فأراهم نفسه وردت بسند أخر من غير طريق الكافي وهو رواية فرات الكوفي في تفسيره(ص148)، فهل هذه أيضاً محرفة؟!!
2- قال الطبطبائي في تفسيره الميزان(8/330): وقد روي الحديث في المعاني بالسند بعينه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام إلا أنه قال: فعرفهم وأراهم صنعه، بدل قوله: فعرفهم وأراهم نفسه، ولعله من تغيير اللفظ قصداً للنقل بالمعنى زعماً أن ظاهراللفظ يوهم التجسم، وفيه إفساد اللفظ والمعنى جميعاً، وقد عرفت ان الرواية مروية في الكافي وتفسيرالعياشي بلفظ: أراهم نفسه.
وتقدم في حديث ابن مسكان عن الصادق عليه السلام قوله: قلت معاينة كان هذا؟ قال: نعم. وقد تقدم أن لا ارتباط للكلام بمسألة التجسم.
إستنكارهم على أهل السنة والجماعة قولهم بالرؤية !!
لاشك أن قول أهل السنة والجماعة - أعلى الله كلمتهم - بالرؤية مستند على الأدلة النقلية والعقلية , وقد أطال المحققين في مناظرة منكري الرؤية ومجادلتهم بالحجة والبرهان , وهذا مدون في المطولات العقائدية , وليس المقصد من هذا الموضوع ذكر أوجه الإستدلال ونقض دعوى ردها , بل الاكتفاء برؤوس أقلام , . .
# شيخ النجاشي وأستاذه صاحب التصانيف واسع الرواية الفقيه البصير بالحديث والرواية .
- مكانته ومنزلته العلمية :
قال النجاشي : " أحمد بن نوح بن علي بن العباس بن نوح السيرافي : نزيل البصرة ، كان ثقة في حديثه متقنا لما يرويه ، فقهيا ، بصيرا بالحديث والرواية ، وهو أستاذنا وشيخنا ، ومن استفدنا منه ، وله كتب كثيرة أعرف منها : كتاب المصابيح في ذكر من روى عن الأئمة عليهم السلام لكل إمام ، كتاب القاضي بين الحديثين المختلفين ، كتاب التعقيب والتعفير ، كتاب الزيادات على أبي العباس بن سعيد في رجال جعفر بن محمد عليه السلام ، مستوفى أخبار الوكلاء الأربعة " .
إذا ( احمد بن نوح ) =
1- فقيها
2- بصيرا بالحديث والرواية
3- أستاذنا
4- شيخنا
5- من أستفدنا منه
6- له كتب كثيرة
- اعتقاده :
قال الشيخ : ( 117 ) : " أحمد بن محمد بن نوح ، يكنى أبا العباس السيرافي ، سكن البصرة ، واسع الرواية ، ثقة في روايته . غير أنه حكي عنه مذاهب فاسدة في الأصول . مثل القول بالرؤية ، وغيرها . وله تصانيف منها : كتاب الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله عليه السلام وزاد على ما ذكره ابن عقدة كثيرا . وله كتب في الفقه . على ترتيب الأصول ، وذكر الاختلاف فيها ، وله كتاب أخبار الأبواب ، غير أن هذه الكتب كانت في المسودة ، ولم يوجد منها شئ . أخبرنا عنه جماعة من أصحابنا بجميع رواياته ، ومات عن قرب ، إلا أنه كان بالبصرة ، ولم يتفق لقائي إياه " .
معجم رجال الحديث ( 3 / 146 - 147 )
# رواية معتبرة : فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب فإذا نظروا إليه خروا سجدا .
هناك موضوع للأخ ) سبيد بيرد ( ننقله بتصرف للفائدة :
تفسير القمي - علي بن ابراهيم القمي ج 2 ص 168 :
وقوله ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ) فانه حدثني ابي عن عبد الرحمان بن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن ابي عبد الله عليه السلام قال : ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل فان الله لم يبين ثوابها لعظم خطرها عنده فقال ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون - إلى قوله - يعملون ) . ثم قال إن لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة ، فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمنين ملكا معه حلتان فينتهي إلى باب الجنة فيقول : استأذنوا لي على فلان ، فيقال له هذا رسول ربك على الباب ، فيقول لازواجه أي شئ ترين علي أحسن ؟ فيقلن يا سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك شيئا احسن من هذا قد بعث اليك ربك ، فيتزر بواحدة ويتعطف بالاخرى فلا يمر بشئ إلا أضاء له حتى ينتهى إلى الموعد فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فإذا نظروا إليه -أي إلى رحمته- خروا سجدا فيقول عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا عبادة قد رفعت عنكم المؤنة فيقولون يا رب وأي شئ أفضل مما أعطيتنا اعطيتنا الجنة ، فيقول لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا.....
أقول : وضعتت ( أي إلى رحمته ) بلون مختلف لأبين للجميع أن هذه الزيادة من محقق الكتاب وليست عن المعصوم عندهم , والدليل على هذا : أن المجلسي وضع الرواية في كتابه بحار الأنوار نقلآ عن تفسير القمي بدون هذه الزيادة والتحريف !!!!! ج 8 ص 126 .
فتكون العبارة الخالية من التحريف كالتالي : ( فاذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فإذا نظروا إليه خروا سجدا ) .
والسد كالآتي : علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران ، عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبد الله عليه السلام . . .
علي بن إبراهيم صاحب التفسير وثق ,
وابراهيم بن هاشم الذي قتل متأخري المتأخرين أنفسهم من أجل اثبات وثاقته !
والبقية :
المفيد من معجم رجال الحديث - محمد الجواهري - ص 308
6336 - 6335 - 6346 - عبد الرحمان بن أبي نجران : - واسمه عمرو بن مسلم التميمي - من أصحاب الرضا والجواد ( ع ) - ثقة ثقة - روى في كامل الزيارات وتفسير القمي - له كتب - طريق الصدوق اليه صحيح - طريق الشيخ اليه ضعيف - روى 220 رواية ، منها عن أبي الحسن ، وأبي الحسن " الثاني " ، وأبي جعفر الثاني ( ع ) .
المفيد من معجم رجال الحديث - محمد الجواهري - ص 294
6055 - 6054 - 6064 - عاصم بن حميد : الحناط الحنفي أبو الفضل - من أصحاب الصادق ( ع ) - ثقة عين - له كتاب - روى في تفسير القمي وكامل الزيارات - طريق الصدوق والشيخ اليه صحيح - روى 380 رواية ، منها عن أبي عبد الله ( ع ) ، وروى بعنوان عاصم بن حميد الحناط 11 رواية كلها عن محمد بن قيس .
# كلام الإمام السجاد في الرؤية . .
هوية الكتاب: الكتاب: الصحيفة الجامعة لأدعية الامام السجاد، زين العابدين " علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ". بإشراف: سماحة السيد محمد باقر نجل السيد المرتضى الموحد الابطحي الاصفهاني
http://shiabooks.info/books/htm1/m012/09/no0969.html
[ 408 ]
أسألك بسبحات وجهك (4) وبأنوار قدسك، وأبتهل إليك بعواطف رحمتك (5) ولطائف برك، أن تحقظني بما أؤمله من جزيل إكرامك، وجميل إنعامك في القربى منك والزلفى لديك والتمتع بالنظر إليك، وها أنا متعرض لنفحات روحك (6) وعطفك ومنتجع غيث جودك ولطفك، فار من سخطك إلى رضاك، هارب منك إليك، راج أحسن ما لديك، معول (7) على مواهبك،
[ 413 ]
ومجيب دعوتي، وولي عصمتي، ومغني فاقتي (8) ولا تقطعني عنك، ولا تبعدني منك، يا نعيمي وجنتي، ويا دنياي وآخرتي، يا أرحم الراحمين. (190) دعاؤه عليه السلام في مناجاة المحبين [ ليوم السبت ] بسم الله الرحمن الرحيم إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام (1) منك بدلا، ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولا (2). إلهي فاجعلنا ممن اصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودك ومحبتك، وشوقته إلى لقائك، ورضيته بقضائك، ومنحته بالنظر إلى وجهك، وحبوته (3) برضاك، وأعذته من هجرك وقلاك، وبوأته (4) مقعد الصدق في جوارك،
[414 ]
. . . دعاؤه عليه السلام في مناجاة المتوسلين [ ليوم الاحد ] بسم الله الرحمن الرحيم إلهي ليس لي وسيلة إليك إلا عواطف رأفتك، ولا لي ذريعة إليك إلا عوارف رحمتك وشفاعة نبيك، نبي الرحمة، ومنقذ الامة من الغمة (1( فاجعلهما لي سببا إلى نيل غفرانك، وصيرهما لي وصلة
[ 415 ]
إلى الفور برضوانك، وقد حل (2) رجائي بحرم كرمك، وحط طمعي (3) بفناء جودك، فحقق فيك أملي، واختم بالخير عملي، واجعلني من صفوتك الذين أحللتهم بحبوحة جنتك، وبوأتهم دار كرامتك، وأقررت أعينهم بالنظر إليك يوم لقائك، وأورثتهم منازل الصدق في جوارك.
[ 418 ]
وطاب في مجلس الانس سرهم، وأمن في موطن المخافة سربهم (6) واطمأنت بالرجوع إلى رب الارباب أنفسهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقر بإدراك السؤل ونيل المأمول قرارهم، وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم . أهـــ
أقول : تأملوا أن كلمة ) النظر ( أتبعت بـ ) إلى ( . .
# اضطراب المخالف في تفسير الرؤية . . !
شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني - ج 10 - ص 381
( ولذة النظر إلى وجهك ) أي إلى رحمتك أو إلى أنبيائك ورسلك وأوصيائهم وهم وجه الله إذ الناس بهم يتوجهون إليه ، قد تقدم تفصيل التوجه بهم في الأصول ( وشوقا إلى رؤيتك ولقائك ) أي رؤية المقربين منك ولقائهم أو رؤية تفضلاتك وألطافك ولقائها ، أو رؤية تجلياتك ولقائها ، والشوق إلى ذلك يبعث على الطاعة والأعمال الصالحة .
اذا لنأتي إلى المقصود :
1- النظر إلى رحمتك
2- رؤية تجلياتك ولقائك
3- رؤية تفضلاتك وألطافك
4- النظر إلى الأوصياء ) النظر إلى الله = النظر إلى الأوصياء (
أقول : هذا الإضطراب والاختلاف الذي لم نذكر منه إلا القليل والقليل جدا , كاشف عن ظنية الاعتقاد لا يقينيته , فاليقين لا يحتاج إلى كل هذه التكلفات ,
# اشكالات المخالف على الرؤية وما يستلزمها . .
وظني أن القوم وقعوا في كل هذه التكلفات هربا من الوقوع في لواز ألزموا أنفسهم بها , ومن أجل جواب هذه اللوازم والإشكالات التي تشبث بها منكر الرؤية يمكنكم الدخول على هذه الروابط ففيها ) بعض ( كلام المحققين في الجواب على ذهب إلى انكار الرؤية . . .
http://www.alsrdaab.com/vb/showthread.php?t=49728
http://www.edharalhaq.com/vb/showthread.php?t=9414
إضافة إلى موضوع [ الرؤية ] السابق :
مسند الإمام الرضا (ع) - الشيخ عزيز الله عطاردي - ج 1 - ص 95
32 - البرقي - رحمه الله - عن بكر بن صالح ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : من سره أن ينظر إلى الله بغير حجاب وينظر الله إليه بغير حجاب فليتول آل محمد عليهم السلام ، وليتبرأ من عدوهم ، وليأتم بإمام المؤمنين منهم فإنه إذا كان يوم القيامة نظر الله إليه بغير حجاب ونظر إلى الله بغير حجاب . أهــ
أقول : بكر بن صالح المذكور في السند هو : بكر بن صالح الرازي مولى بن ضبة وهو إن كان فيه كلام إلا أن الشاهرودي قال فيه التالي :
مستدركات علم رجال الحديث - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 2 - ص 52
2220 - بكر بن صالح الرازي ، مولى بنى ضبة :
روى عن أبي الحسن موسى صلوات الله وسلامه عليه ضعيف . له كتاب نوادر يرويه عدة من أصحابنا ، كذا قاله النجاشي . وطريقه إلى كتابه يصلى إلى أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد البرقي ، عنه به . . . .
إلى أن قال :
الخرائج : عن بكر بن صالح قال : اتيت الرضا صلوات الله عليه قلت : امرأتي أخت محمد بن سنان بها حمل ، فادع الله أن يجعله ذكرا قال : هما اثنان ، قلت في نفسي : هما محمد وعلى بعد انصرافي فدعاني وقال : سم واحدا عليا والأخرى أم عمر . فقدمت الكوفة وقد ولد لي غلام وجارية في بطن فسميت كما امرني ، فقلت لأمي : ما معنى أم عمر ؟ فقالت : إن أمي كانت تدعى أم عمر . الخرائج : عن بكر بن صالح ، عن محمد بن فضيل الصير في معجزة مولانا الجواد عليه السلام . وفيه ما يدل على حسنه وكماله . وكذلك رواية المفيد عن ابن مهزيار ، عنه مكاتبة صهره إلى أبي جعفر الثاني صلوات الله عليه . إلى غير ذلك من الروايات التي ذكرناها ومواضعها في مستدرك سفينة ج 1 ط 1 - لغة " بكر " وظهر الاعتماد عليه وعلى كتابه ورواياته . أهـــ
رؤية الله سبحانه وتعالى عند الشيعة
روى الكليني في الكافي(2/13) بسنده عن أبي جعفر(ع) قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرفهم وأراهم نفسه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه.
أولاً:
إثبات صحة سند الرواية:
رواية الكافي حسنها المجلسي في مرآة العقول(7/57)، وصححها الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار(3/431)، وهادي النجفي في موسوعة أحاديث أهل البيت(8/480).
ثانياً:
إثبات أن المقصود بالرؤية المعاينة وليست رؤية قلب أو رؤية عقلية:
روى القمي في تفسيره بسنده عن ابن مسكان عن أبي عبدالله ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) قلت: معاينة كان هذا؟ قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه فقال الله( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل).
وصحح الرواية الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار(3/431).
فالرواية صريحة أنهم عاينوه والمقصود بالمعاينة الرؤية بالعين لا بالقلب أو العقل.
ثالثاُ:
إبطال تأويل الرواية:
1- أن من ادعى أن روايات الكافي قد وقع فيها بعض التحريف، واستدل على صحة ذلك بروايات أخرى من غير الكافي أن أراهم نفسه الصواب فيها أراهم صنعه.
فأقول:
أن لفظ فأراهم نفسه وردت بسند أخر من غير طريق الكافي وهو رواية فرات الكوفي في تفسيره(ص148)، فهل هذه أيضاً محرفة؟!!
2- قال الطبطبائي في تفسيره الميزان(8/330): وقد روي الحديث في المعاني بالسند بعينه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام إلا أنه قال: فعرفهم وأراهم صنعه، بدل قوله: فعرفهم وأراهم نفسه، ولعله من تغيير اللفظ قصداً للنقل بالمعنى زعماً أن ظاهر اللفظ يوهم التجسم، وفيه إفساد اللفظ والمعنى جميعاً، وقد عرفت ان الرواية مروية في الكافي وتفسير العياشي بلفظ: أراهم نفسه.
وتقدم في حديث ابن مسكان عن الصادق عليه السلام قوله: قلت معاينة كان هذا؟ قال: نعم. وقد تقدم أن لا ارتباط للكلام بمسألة التجسم.
عِظَمُ المِنَّةْ في رؤيَةِ المؤمنِيْنَ رَبهم في الجنَّةِ
تأليف
عبد الرحمن بن عبد الرحمن شميلة الأهدل
الطبعة الثانية 1407 هـ _ 1987 م
51 – 24 سم
الفهرس
تقديم ...................................................... 4
مقدمة ..................................................... 5
الدليل الأول
قول الله عزوجل : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}..... 7
الدليل الثاني
قول الله عزوجل : {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ......... 15
خاتمة الكتاب ............................................... 53
مراجع البحث .............................................. 55
تقديم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وأكرم المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد ..
فقد أطلعت على هذا البحث الذي كتبه الأخ الكريم السيد عبد الرحمن بن عبد الرحمن شميلة الأهدل فألفيته وافيا في بابه مكينا في أسلوبه ، وقويا في ردّه على المنكرين لرؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في الجنة .
ولقد أفدت من هذا البحث كثيرا وانتفعت بما فيه من علم غزير .
ولقد أعجبني حسن ترتيبه للأدلة وتنسيقه لأقوال العلماء الذين لهم في هذا الميدان قدم راسخة .
وإني إذ أقدم لهذا البحث الممتاز أسأل الله العلي القدير أن ينفع به طلاب الحق والمعرفة في كل مكان وزمان .
متمنياً لصاحب هذا البحث مزيدا من العلم والفقه في الدين إنه سميع قريب مجيب .
23 / 3 / 1399 هـ الدكتور / محمد بكر اسماعيل
المدرس بالأزهر
مقدمة
الحمد لله الذي منَّ على أهل الإيمان بالنعيم المقيم في جنات النعيم ، وزادهم على ذلك النظر إلى وجهه الكريم ، فنعمه على عباده لاتحصى وفضله عليهم لايستقصى .
أحمده حمد معترف بآلائه ، وأشكره شكراً يوصل إلى المزيد من نعمائه وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لاشريك له شهادة أرجو بها الفوز في يوم القيام وأدخرها سلم نجاة في يوم الزحام .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، أرسله إلى العالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأمجاد ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد .
وبعد ..
فهذا بحث أقدمه بين أيدي القراء وموضوعه (( إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الجنة )) بالأدلة ، راجيا من المولى عزوجل أن ينفعهم بما فيه من بيان وهدى .
الباعث على اختيار الموضوع :
أولاً : إن هذا الموضوع قد غلط فيه أقوام كثيرون وزلت بسببه أقدامهم كالمعتزلة (1) والجهمية (2) ومن نحا نحوهم حيث أنكروا رؤية أهل الجنة ربهم واستدلوا بما لاينهض بحجة ولا يتشبث به إلا معاند لأن الأدلة السمعية من الكتاب والسنة على إثبات الرؤية ظاهرة جلية لمن تدبر وأمعن وحالفه التوفيق
وفي بحثي هذا سوف أستعرض أدلة النافين للرؤية وأناقشها لأبين ماترزح فيه من وَهَن وأُوفي الموضوع حقه إن شاء الله تعالى .
ثانياً : سوف أحاول جمع أدلة الرؤية من كتاب الله تقدست أسماؤه وسنة رسولهe ليكون البحث مستوفياً أطرافه جامعاً لما تفرق .
ثم إني بعد أن أورد الأدلة من الكتاب العزيز أذكر أقوال أهل العلم وأئمة التفسير في بيانها عازيا كل قول إلى صاحبه وإن كان التفسير نبويَّا أو قول صحابي أو تابعي ذكرته وعند سوقي للأدلة من السنة سوف أعزو الأحاديث إلى مخرجيها .
والله أسأل أن يوفقنا لسلوك المحجة البيضاء ويحشرنا يوم القيامة في زمرة خير الأنبياء e .
______________
1_ المعتزلة : هم أصحاب واصل بن عطاء البصري الغزال المتكلم البليغ قديم المعتزلة
وشيخها وأول من أظهر المنزلة بين المنزلين وقد اعتزل عن الحسن لما خالفه وجلس
إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما معتزلون ولد بالمدينة سنة ثمانين وتوفي
سنة مائة واحدى وثلاثين من الهجرة : ابن حجر : لسان الميزان 6 / 313 .
2_ الجهمية : هم أصحاب جهم بن صفوان وهم من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته
بترمذ وقتله سام بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك أمية وافق المعتزلة في نفي
الصفات وزاد عليهم بأشياء : الشهرستاني ، الملل والنحل 1 / 86 .
أدلة الرؤية من الكتاب :
اعلم نفعني الله تعالى وإياك بهدي كتابه العزيز أنه أجمع أهل السنة والجماعة على أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ممكنة وقد جاء الوعد بها صريحا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما نصه (( نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في عرصات القيامة كما تواترت بها الأحاديث عن النبي e حيث قال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب ) إلى أن قال : (( وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق عليها أهل السنة والجماعة وإنما يكذبها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة )) (1) .
وقد استند أهل السنة والجماعة في إثبات الرؤية إلى الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة .
وسوف نسرد أولا أدلتهم مشفعة بما قاله فيها أولو العلم وأئمة هذا الشأن .
الدليل الأول :
قول الله عزوجل : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
اعلم رحمني الله وإياك أن هذه الآية العظيمة من أقوى الأدلة وأصرحها على أن المؤمنين يرون ربهم في يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته كذا فسرها رسول الله e كما في حديث ابن عمر الثابت الآتي قريبا مع جملة من أحاديث الرؤية .
______________
1_ ابن تيمية : الفتاوى 3 / 390 – 391
وقد أجمع علماء التفسير _ عدا المعتزلة ومن جرى في سلكهم _ على أن قول الله تبارك وتعالى : { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أنها تراه عيانا لتعديه في الآية بإلى وإليك ذكر ما قالوه حولها :
قال أهل اللغة : (( يقال شجر ناضر وروض ناضر أي حسن ناعم ونضارة العيش حسنه وبهجته )) قال ابن كثير : (( أي حسنة بهية مشرقة مسرورة )) (1) .
ثم اعلم أن النظر له عدة استعمالات كما ذكره صاحب حادي الأرواح (2) وشارح الطحاوية (3) وغيرهما ، وذلك بحسب صلاته وتعديه : فإن عُدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله عز من قائل : { انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } (4) وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتباركقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } (5) وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله تعالى : { انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } (6) .
ومنه قول امرئ القيس :
|
نظرت إليها والنجوم كأنها .
|
|
مصابيح رهبان تشب لقفال .
|
وقول عمر بن أبي ربيعة :
|
نظرت إليها بالمحصب من منى .
|
|
ولي نظر لولا التحرج عارم .
|
______________
1_ تفسير ابن كثير 4 / 450 .
2_ / 304 .
3_ / 305 .
4_ الحديد : 13 .
5_ الأعراف : 184 .
6_ الأنعام : 99 .
وقول الآخر :
|
إني إليك لما وعدت لناظر .
|
|
نظر الفقير إلى الغني الموسر .
|
والمعنى أنظر إليك نظر ذل كما ينظر الفقير إلى الغني لأن نظر الذل أرق لقلب المسؤول فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل للإبصار .
قال أبو الحسن الأشعري : (( ولما قرن الله النظر بذكر الوجه أراد نظر العينين اللتين في الوجه كما قال تعالى : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } (1) فذكر الوجه وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه بصرف الله له عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة )) . وعلى هذا فإن الآية الكريمة من المعنى الأخير وهو المعاينة بالأبصار لتعديه في الآية بإلى ولذا خطأ الأزهري مجاهدا حينما قال (( إن النظر في هذه الآية انتظار مالهم عند الله من الثواب قال لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار وقول القائل نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين . وإذا أراد الإنتظار قالوا نظرته كما في قول امرئ القيس :
|
فإنكما إن تنظراني ساعة .
|
|
من الدهر تنفعني لدى أم جندب .
|
أي تنتظراني )) (2) .
قال النسفي عند تفسير هذه الآية (( وحمل النظر على الانتظار لأمر ربها أو الثواب لايصح لأنه لايقال نظرت فيه أي تفكرت ونظرته وانتظرته ولايعدى بإلى إلا بمعنى الرؤية مع أنه لايليق الانتظار في دار القرار )) (3) .
______________
1_ البقرة : 144 .
2_ القرطبي : الجامع لأحكام القرآن 19 / 109 ، الشوكاني : فتح القدير 5 / 338.
3_ تفسير النسفي 53 / 31 .
فقوله لايليق الانتظار إلخ هذا أمر ظاهر لأن الانتظار كما قال أبو الحسن الأشعري : (( معه تنغيص وتكدير وأهل الجنة لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم إلى أن قال : وإذا كان هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين لأنهم كلما خطر ببالهم شئ أتوا به مع خطوره ببالهم )) (1) ونقل صاحب الفتح عن البيهقي مالفظه (( وجه الدليل من الآية أن لفظ ناضرة الأول بالضاد المعجمة من النضرة بمعنى السرور ولفظ ناظرة بالظاء المعجمة يحتمل في كلام العرب أربعة أشياء نظر التفكر والاعتبار كقوله تعالى : { أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } ونظر الانتظار كقوله تعالى : { مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً } ونظر التعطف والرحمة كقوله تعالى : { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } ونظر الرؤية كقوله تعالى : { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } والثلاثة الأول غير مرادة أما الأول فلأن الآخرة ليست بدار استدلال وأما الثاني فلأن في الانتظار تنغيصا وتكديرا والآية خرجت مخرج الامتنان والبشارة وأهل الجنة لاينتظرون شيئا لأنه مهما خطر لهم أتوا به وأما الثالث فلا يجوز لأن المخلوق لا يتعطف على خالقه فلم يبق إلا نظر الرؤية وانضم إلى ذلك أن النظر إذا ذكر مع الوجه انصرف إلى نظر العينين اللتين في الوجه ولأنه هو الذي يتعدى بإلى كقوله تعالى : { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } وإذا ثبت أن ناظرة هنا بمعنى رائية اندفع قول من زعم أن المعنى ناظرة إلى ثواب ربها لأن الأصل عدم التقدير وأيد منطوق الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حق الكافرين { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } وقيدها بالقيامة في الآيتين إشارة إلى أن
______________
1_ الإبانة عن أصول الديانة / 13 .
الرؤية تحصل للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا (1) وقال ابن حجر أيضا (( وقد أخرج أبو العباس السراج في تاريخه عن الحسن بن عبد العزيز الجروي وهو من شيوخ البخاري سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول سمعت مالك بن أنس وقيل له يا أبا عبدالله قول الله تعالى : { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } يقول قوم ينظر إلى ثوابه فقال كذبوا فأين هم عن قول الله تعالى : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} (2) وقال أبو عبد الله القرطبي عند تفسير قوله عزوجل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .
الأول : من النضرة التي هي الحسن والنعمة . والثاني : من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة . يقال : نضرهم نضارة وهو الإشراق والعيش والغنى ومنه الحديث (( نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها )) ثم قال : إلى ربها إلى خالقها ومالكها ناظرة أي تنظر إلى ربها على هذا أجمع جمهور العلماء (3). وأورد الطبري في تفسيره الاختلاف في ذلك ثم قال عقب ذلك ما نصه (( وأولى القولين عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن عن عكرمة من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها وبذلك جاء الأثر عن رسول الله e (4) )) . وقال ابن كثير في قوله تعالى : { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تراه عيانا إلى أن قال : ومن تأول ذلك بأن المراد مفرد الآلاء كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد إلى ربها ناظرة تنتظر الثواب من ربها فقد أبعد هذا الناظر النجعة وأبطل (5) )) .
______________
1_ ابن حجر : فتح الباري 13 / 425 .
2_ ابن حجر : فتح الباري 13 / 426 .
3_ تفسير القرطبي 19 / 107 .
4_ تفسير الطبري 37 / 119 .
5_ تفسير ابن كثير 4 / 450 .
وقال الشوكاني ما لفظه { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } هذا من النظر إليه هكذا قال جمهور أهل العلم والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون إلى ربهم كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر (1) )) .
قال أبو الفداء ابن كثير : (( وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام (2) )) .
وقال ابن بطال : ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله تعالى في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة ، وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثاً وحالاً في مكان وأولوا قوله ناضرة بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى - إلى أن قال - وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم لايوجب حدوثه فكذلك المرئي (3) )) .
ولابن القيم كلام حسن عند الاستدلال بهذه الآية على إثبات الرؤية وهذا نصه (( وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراده منها وجدتها منادية نداء صريحا بأن الله سبحانه يرى عيانا بالأبصار يوم القيامة وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلا فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان أسهل على أربابه من تأويلها وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك ولايشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك السبيل ______________
1_ الشوكاني : فتح القدير 5 / 338 .
2_ تفسير ابن كثير : 4 / 450 .
3_ فتح الباري لابن حجر 13 / 426 .
ما وجده متأول مثل هذه النصوص وهذا الذي أفسد الدين والدنيا (1) )) ومن خلال ما أوردناه يظهر أن المفسرين مطبقون على أن هذه الآية الكريمة صريحة في أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر وهذه النصوص المنقولة عن أئمة التفسير تؤكد لنا أن المخالف في هذه المسألة خارج عن ميدان الحق لم يحالفه التوفيق في فهم الآية على وجهها وبحسب تركيبها البين ، وسوف تعرف ما ترزح فيه أدلة المخالف من وهن عند مناقشتها وقد أشار بعض العلماء إلى مسألتنا هذه في أبيات فقال :
|
وقد يتجلى الله للخلق جهرة وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا رواه جرير عن مقال محمد .
|
|
كما البدر لايخفى وربك أوضح بمصداق ما قلنا حديث مصرح فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح .
|
قلت إن قوله رواه جرير الخ يعني به ما أخرجه البخاري في صحيحه وغيره من طريق قيس عن جرير بن عبد الله قال : (( كنا جلوسا عند النبي e إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : (( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل الغروب فافعلوا (2) )) وفي رواية (( إنكم سترون ربكم عيانا )) .
|
فنسأل الله النعيم والنظر فإنه ينظر بالأبصار لأنه سبحانه لم يحجب .
|
|
لربنا من غير ما شين غبر كما أتى في النص والأخبار إلا عن الكفار والمكذب (3) .
|
______________
1_ ابن القيم : حادي الأرواح / 304 .
2_ صحيح البخاري 8 / 179 .
3_ الأبيات للسفاريني كما في الكواشف الجلية / 492
ورجوعا إلى تفسير الآية الكريمة بما ورد فيها من السنة وآثار الصحابة والتابعين
1_ عن ابن عمر رضي الله عنهما : قال : قال رسول الله e ( إن أدنى أهل
الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف
سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله e { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (1) .
2_ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله e في قوله
تعالى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال من البهاء والحسن { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
قال : (( في وجه الله عزوجل (2) )) .
3_ عن ابن عباس رضي الله عنهما { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال : (( تنظر إلى وجه
ربها (3) )) .
4_ وعنه أيضا _ قال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال : حسنها ، { إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ } قال (( نظرت إلى الخالق (4) ))
______________
1_ أخرجه أحمد في مسنده 3 / 64 ، والترمذي في سننه 4 / 93 ، وقال هذا حديث
غريب وقد روي غير واحد عن ثوير عن اسرائيل مثل هذا مرفوعا ، وانظر المنذري
الترغيب والترهيب 6 / 380 .
2_ أخرجه ابن مردويه في تفسيره كذا في حادي الأرواح 304 ني .
3_ قال الشوكاني : في فتح القدير 5 / 340 ، اخرجه ابن مردويه .
4_ أخرجه ابن المنذر والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة : كذا في فتح القدير
للشوكاني 5 / 340 .
5_ عن الحسن في قوله تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال حسنة { إِلَى رَبِّهَا
نَاظِرَةٌ } قال تنظر إلى الخالق وحق لها أن تتضرع وهي تنظر إلى الخالق (1)
6_ عن عكرمة { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال تنظر نظرا (2).
7_ عن عطية العوفي قال : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال هم
ينظرون إلى الله لاتحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم . فذلك
قوله تعالى : {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} (3) .
فتبين من هذه النصوص أن المراد من الآية الكريمة أن وجوه المؤمنين تنظر
إلى ربها يوم القيامة وهذه الآية كما قلنا من أقوى الأدلة على إثبات الرؤية
وإمكانها ووقوعها .
وآثار الصحابة والتابعين مؤيدة بالتركيب العربي الذي لايحتمل سوى ما
ذكروه ويقوي ذلك تلاوة رسول الله e لها عقب بيان المكرمين المنعمين
بالنظر إلى ربهم غدوة وعشية .
والأحاديث في الرؤية متواترة سأوردها في موضعها إن شاء الله تعالى .
الدليل الثاني
قوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } .
أي الذين أحسنوا في القيام بما أوجبه الله تعالى عليهم من الأعمال والكف
عما نهاهم عنه من المعاصي فلهم الحسنى .
______________
1_ أخرجه الطبري في تفسيره مسندا 27 / 119 .
2_ أخرجه الطبري في تفسيره 27 / 119 .
3_ أخرجه الطبري في تفسيره 27 / 119 .
قال ابن الأنباري : (( والحسنى كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها لأن العرب توقعها على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغنى عن نعتها فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها يدل على ذلك قول امرئ القيس )) :
|
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت فصرت إلى الحسنى ورق كلامنا .
|
|
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال ورضت فذلت صعبة أي إذلال .
|
أي إلى الأمر المحبوب (1) .
وللمفسرين في المراد بالحسنى أقوال خمسة كما في الزاد منها أنها الجنة قال ابن الجوزي (( وبه قال الأكثرون )) .
فلنقتصر على هذا التفسير لأنه هو الصحيح المروي عن رسول الله e من حديث أبي موسى الأشعري وأبي بن كعب الآتيان قريبا عند ذكر معنى الزيادة.
( معنى الزيادة وما ورد فيها )
أورد أبو عبد الله القرطبي في الزيادة أقوالا إليك ذكرها .
1_ أن الزيادة أن تضاعف الحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى أكثر من ذلك روى ذلك عن ابن عباس .
2_ وعن علي رضي الله عنه الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب .
3_ وقال مجاهد : الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان .
4_ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحسنى الجنة والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لايحاسبهم به يوم القيامة .
______________
1_ كذا في زاد المسير لابن الجوزي 4 / 23 .
5_ وقال يزيد بن شجرة . الزيادة أن تمر السحاب بأهل الجنة فتمطرهم
من كل النوادر التي لم يروها وتقول يا أهل الجنة ما تريدون أن أمطركم
فلا يريدون شيئا إلا مطرتهم (1) .
وقال أبو الفداء ابن كثير الزيادة (( هي تضعيف ثواب الأعمال الحسنة
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا ويشمل ما
يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضى عنهم وما أخفاه لهم من
قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة
أعظم من جميع ما أعطوه . لايستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته )) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : (( أما الحسنى فالجنة وأما الزيادة
فالنظر إلى وجه الله (2) )) .
وهذا القول هو الراجح (( أعني أن الزيادة في الآية الكريمة المراد بها النظر
إلى وجه الرحمن سبحانه وتعالى )) .
وقد روي عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة _
معظمها أنها النظر إلى الرب تقدست أسماؤه .
وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله e فلم يبق حينئذ لقائل مقال .
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
صهيب عن النبي e قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال : ( يقول تبارك
وتعالى تريدون شيئا أزيدكم ) فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة
وتنجنا من النار .
______________
1_ تفسير القرطبي 8 / 331 .
2_ أخرجه أسباط بن نصر في تفسيره كما في حادي الأرواح 200 .
قال : ( فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزوجل وزاد ) ثم تلا هذه الآية { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (1) .
ورواية ابن ماجة عن صهيب (( تلا رسول الله e هذه الآية { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } وقال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يثقل الله موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر يعني إليه ولا أقر لأعينهم (2) )) .
وأخرج ابن جرير من طريق كعب بن عجرة عن النبي e في قوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال (( الزيادة النظر إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى (3) )) .
وأخرج أيضا عن أبي تميمة الجهني أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله e ، (( إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة بصوت يسمع أولهم وآخرهم إن الله وعدكم الحسنى والزيادة فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عزوجل (4) )) .
______________
1_ صحيح مسلم 1 / 112 .
2_ سنن ابن ماجة 1 /67 .
3_ تفسير ابن جرير 11 / 107 .
4_ تفسير ابن جرير 11 / 107 .
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله e عن قول الله عزوجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال (( الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عزوجل (1) )) .
وعن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله e عن الزيادتين في كتاب الله في قوله : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : النظر إلى وجه الرحمن وعن قوله { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } قال عشرون ألفا (2) )) .
وعن أنس رضي الله عنه قال (( سئل رسول الله e عن هذه الآية { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } : قال : للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة والزيادة وهي النظر إلى وجه الله عزوجل (3) )) .
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال (( إذا دخل أهل الجنة الجنة أعطوا فيها ما سألوا قال : يقال لهم قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه قال : فيتجلى لهم تبارك وتعالى ، قال : وتلا { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } . الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى ربهم ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد نظرهم إلى ربهم رواه ابن خزيمة (4) )) .
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا (( الزيادة النظر إلى وجه الله )) وعنه أيضا أنه سئل عن قول الله تبارك وتعالى { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة وأعطوا فيها من النعيم والكرامة نودوا يا أهل الجنة إن الله قد وعدكم الزيادة قـال فيكشف لهم الحجاب تبـارك وتعـالى
______________
1_ تفسير ابن جرير 11 / 107 .
2_ أخرجه الترمذي الحكيم ذكره القرطبي في تفسيره 8 / 330 .
3_ كذا في حادي الأرواح 119 .
4_ من كتاب التوحيد _ 181 / 182 .
فما ظنك بهم حين ثقلت موازينهم وحين طارت صحفهم في أيمانهم وحين جازوا جسر جهنم فقطعوه وحين دخلوا الجنة فأعطوا فيها من النعيم والكرامة فكأن لم يكن بشيء مما أعطوا . رواه الطبري (1) وابن خزيمة (2) يعني أن كل ما أعطوه في الجنة لا يعد شيئا إذا قيس بما يحصل لهم من اللذة عند النظر إلى وجه الله عزوجل وأخرج ابن خزيمة بسنده عن حذيفة رضي الله عنه { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : الزيادة النظر إلى وجه ربكم .
وأخرج أيضا عن أبي إسحق عن عامر بن سعد رضي الله عنه { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : النظر إلى وجه الله (3) .
وأخرج أيضا عن قتادة في قوله تعالى .. { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى } الجنة ( والزيادة ) فيما بلغنا النظر إلى وجه الله عزوجل (4) .
وأخرج ابن خزيمة بسند آخر عن قتادة في قوله تعالى : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : ذكر لنا أن المؤمنين إذا دخلوا الجنة ناداهم مناد إن الله تبارك وتعالى وعدكم الحسنى وهي الجنة وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الرحمن قال الله تبارك وتعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (5) .
قال أبو بكر بن خزيمة عند ذكر هذا الحديث ما لفظه (( فأسمعوا الآن خبرا صحيحا ثابتا من جهة النقل يدل على أن المؤمنين يرون خالقهم حدثنا جل ثناؤه أنها بعد الموت وأنهم لايرونه قبل الممات ولو كان معنـى قوله :
______________
1_ في تفسيره 11 / 105 / 106
2_ في كتاب التوحيد / 183
3_ أنظر كتاب التوحيد / 183
4_ أنظر كتاب التوحيد / 183
5_ أنظر كتاب التوحيد / 184 / 185
{ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } على ماتتوهم الجهمية المعطلة الذين يجهلون لغة العرب فلا يفرقون بين النظر وبين الإدراك لكان معنى قوله : {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أهل الدنيا قبل الممات (1) )) .
وأخرج الطبري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال (( النظر إلى وجه ربهم (2) )) .
وأخرج عنه أيضا { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى .
وأخرج عن عامر بن سعد { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال (( النظر إلى وجه ربهم )) .
وأخرج عن عبد الرحمن بن أبي ليلى { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال : النظر إلى وجه ربهم وقرأ { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } قال بعد النظر (3) .
وقال أيضا : حدثني يحي بن طلحة اليربوعي قال : ثنا شريك قال : سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله عزوجل { وَزِيَادَةٌ } قال النظر إلى وجه الرحمن .
وأخرج ابن جرير بسنده إلى أبي موسى الأشعري قال : إذا كان يوم القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديا ينادي هل أنجزكم الله ماوعدكم فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة فيقولون نعم فيقول : { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } النظر إلى وجه الرحمن .
______________
1_ أنظر كتاب التوحيد / 185
2_ تفسير ابن جرير 1 / 104
3_ تفسير ابن جرير 11 / 101
وأخرج عن الحسن رضي الله عنه { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } النظر إلى الرب جل وعلا .
وأخرج أيضا عن عبد الرحمن بن ساباط قال : الحسنى والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى .
وهذا التفسير هو من جملة الأقوال في معنى الحسنى وقد سبق أن قول جمهور الصحابة والتابعين أنها الجنة هو الراجح بل هو الثابت عن رسول الله e وأما الزيادة فإن ما أوردناه يبعث على الإقناع ويفيد اليقين بأن معناها النظر إلى الرب تبارك وتعالى .
ولا شك أن الدليل القرآني حجة قاطعة لاسيما والذي نفى الرؤية لم يتمسك بشيء يصلح للإستدلال لا من الكتاب ولا من السنة ولكن من اتبع الأوهام اعتنق مهامه الضلال وذهب يتخبط في ليل من الحيرة لايدري أين يقع .
وسوف أورد في ما يلي شبه ما نعي الرؤية وأناقشها لتعرف مدى ضعفها والله ولي التوفيق .
أدلة النافين للرؤية والرد عليها :
إعلم أن المعتزلة وعلى رأسهم الزمخشري والجهمية ومن وافقهم من منكري رؤية المولى تقدست أسماؤه يوم القيامة تمسكوا بأدلة هي في الحقيقة حجة عليهم كما سيتضح لك من مناقشة استدلالاتهم .
أدلة مانعي رؤية الله يوم القيامة والرد عليها :
دليلهم الأول :
قوله سبحانه : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } قالوا فلما عطف الله عزوجل بقوله وهو يدرك الأبصار وكان قوله وهو يدرك الأبصار على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة كان قوله لاتدركه الأبصار دليلا على أنها لاتراه الأبصار في الدنيا والآخرة كعموم قوله لا تدركه الأبصار لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر (1) .
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري على هذا الإستدلال الواهي بجواب يحسن ذكره في هذا البحث وذلك لزيادة الفائدة .
وإلا فالكتاب والسنة مملوءان بالآيات والأحاديث على إثبات الرؤية مما يلزم المخالف ويقمع شبهه .
قال أبو الحسن : (( يجب إذا كان عموم القولين واحدا وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب لأن الله عزوجل قال : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } وقال : { أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ } .
فأراد أبصار القلوب التي يقصد بها المؤمنين والكافرين ، ويقول أهل اللغة فلان بصير بصناعته يريدون بصير العلم ويقولون قد أبصرته بقلبي كما يقولون قد أبصرته بعيني فإذا كان البصر بصر العيون وبصر القلوب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } في العموم كقوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر وجب عليهم بحجتهم أن الله عزوجل لا يدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب لأن قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } في العموم كقوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } .
قال أبو الحسن رحمه الله (( وإذا لم يكن عندهم فقد وجب أن يكون قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أخص من قوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } وانتقض احتجاجهم وقيل لهم إنكم زعمتم أنه لو كان قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } خاصا في وقت دون وقت كان قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
______________
1_ أبو الحسن الأشعري الابانة / 18
وقوله : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } وقوله : { لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا } في وقت دون وقت ، فإن جعلتم قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } خاصا لو لم يجب خصوص هذه الآيات فلم أنكرتم أن يكون قوله عزوجل : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أراد بعض الأبصار دون بعض ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها .
فإن قالوا : قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } يوجب أنه لايدرك بها في الدنيا ولا في الآخرة وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره ، ولاندركه بها .
قيل لهم : فما أنكرتم أن يكون لاندركه بأبصار العيون ولايوجب إذا لم ندركه بهما ألا نراه بها فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك ، فإن قالوا : رؤية البصر هي إدراك البصر قيل لهم ماالفرق بينكم وبين من قال أن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته فإذا كان علم القلب بالله عزوجل وإبصار القلب له ورؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك ، فلم أنكرتم أن تكون رؤية العيون وإبصارها لله عزوجل ليس بإحاطة ولا إدراك (1) .
ومن أجوبة أبي الحسن الأشعري أيضا قوله : (( ويقال لهم إذا كان قول الله عزوجل : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } كقوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لاتدركه رؤية ولا لمساً ولا ذوقاً ولا على وجه من الوجوه فإن قالوا نعم فيقال لهم أخبرونا عن قوله عزوجل : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } أتزعمون أنه يدركها لمساً وذوقاً بأن يلمسها فإن قالوا : لا فيقال لهم فقد انتقض قولكم أن قوله وهو يدرك
______________
1_ الابانة عن أصول الديانة / 18
الأبصار في العموم كقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } (1) .
ومن أجوبته أيضا قوله (( فإن قال قائل منهم إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصراً كما سموا بصرالعين بصراً وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين وإذا لم يجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب (2) )) .
وقال أبو الحسن أيضا (( حدثونا عن قول الله عزوجل : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } ما معناه فإن قالوا : معنى يدرك الأبصار أنه يعلمها قيل لهم وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر وكان قوله عزوجل : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } معناه يعلمها فقد وجب أن يكون قوله { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } لاتعلمه وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار (3) )) .
ومما يدل دلالة واضحة لاغبار عليها على أن الله سبحانه وتعالى يرى بالأبصار هو أن كل موجود جائز أن يريناه الله عزوجل وإنما لايجوز أن يرى المعدوم وهذا لاشك فيه فلما كان الله سبحانه وتعالى موجودا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عزوجل .
وأما من أراد أن ينفي رؤية الله عزوجل بالأبصار فإنما أراد بذلك التعطيل فلما لم يمكنهم أن يظهروه صُراحا أظهروا ما يؤول بهم إليه فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
______________
1_ الابانة عن أصول الديانة /18
2_ الابانة عن أصول الديانة / 18
3_ الابانة عن أصول الديانة / 19
قال المحدث المفسر ابن كثير في قوله تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } مانصه (( فيه أقوال للائمة من السلف أحدها لاتدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله eمن غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن إلى أن قال : وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية إنه لايرى في الدنيا ولا في الآخرة فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله e تم ذكر أدلة في ذلك )) (1) .
وأما ما ذكرته سابقا من أن قوله عزوجل : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } دليل على منكري الرؤية لالهم فهو ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله : (( إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء ولم ينف مجرد الرؤية لأن المعدوم لايرى وليس في كونه لايرى مدح إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رئي كما أنه لايحاط به وإن علم فكما أنه إذا علم لايحاط به فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته مايكون مدحا وصفة كمال وكان دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها )) (2) .
ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به الرب عزوجل وإنما يمدح بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا كمدحه سبحانه وتعالى بنفي الشريك والصاحب والولد والظهير المتضمن كمـال
______________
1_ ابن كثير في تفسير 3 / 161 .
2_ الرسالة التدمرية /25 .
الربوبية والألوهية وقهره ، وبنفي الأكل والشرب المتضمنين كمال صمديته وغناه وبنفي الشفاعة عنده عزوجل إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه ، وبنفي الظلم المتضمن كمال عدله وغناه ولهذا لم يمدح عزوجل بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا لأن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فلهذا فإن قوله عزوجل : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لايدرك بحيث يحاط به وإن رئي لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما يدل على ذلك قوله سبحانه : { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } .
{ قَالَ كَلَّا} (1) فموسى عليه السلام لم ينف الرؤية وإنما نفى الإدراك والرب عزوجل يرى ولا يدرك كما يعلم ولايحاط به علما بل الشمس هذه المخلوقة لايتمكن رائيها من إدراكها على ماهي عليه وكذلك السماء فإن الرائي يقلب فيها بصره ولا يتمكن من الإحاطة بها والله عزوجل أعظم من ذلك كله .
ومما استدل به منكرو الرؤية أيضا قوله عزوجل لموسى : { لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } .
ووجه استدلالهم . أن لن كلمة تدل على التأبيد كما هو مشهور في كتب اللغة عن الزمخشري المعتزلي ومن نحا نحوه . وذلك ليس بسديد من وجوه .
أولاً : دعواهم تأبيد النفي بلن وأن ذلك يدل على نفي الرؤية فاسد وباطل
______________
1_ الشعراء 63 .
والدليل على فساده وبطلانه قوله عز من قائل في صفة اليهود : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } (1) لأنهم يتمنون الموت يوم القيامة بدليل قوله تعالى : {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } .
ثانيا : أنها لو كانت تفيد التأبيد لما كان يحسن ذكر لفظ الأبد بعدها إذ يكون ذكره بعدها تكراراً والأصل عدمه ولكن ذكر الأبد بعدها واقع في أفصح الكلام قال عزوجل : { وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } وقال تعالى : { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } .
ثالثا : أنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله عزوجل : { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا } .
رابعا : أنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها وقد جاء ذلك في قوله تعالى : { فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي } فثبت حينئذ أن لن لا تقتضي النفي المؤبد قال ابن مالك رحمه الله .
ومن رأى النفي بلن مؤبداً : فقوله اردد وسواه فاعضدا .
قلت وقد ذكر الزمخشري في كشافه عند قوله تعالى : { لَن تَرَانِي .. الخ } ما نصه (2) (( فإن قلت مامعنى لن قلت معناها تأكيد النفي الذي تعطيه لا وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول لا أفعل غدا فإذا أكدت نفيه قلت لن أفعل غدا والمعنى أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } اهـ .
______________
1_ البقرة / 95
2_ الكشاف للزمخشري مع الانصاف لأحمد الاسكندري 2 / 113 .
أقول وبالله التوفيق إن قول الزمخشري إن لن تفيد التأكيد هو خلاف ما عليه جل النحاة .
قال أبو الحسن الأشموني (1) (( فأما لن فحرف نفي تختص بالمضارع وتخلصه للاستقبال وتنصبه كما تنصب لا الاسم نحو لن أضرب ولن أقوم فتنفي ما أثبت بحرف التنفيس ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافا للزمخشري وقال ابن هشام (2) ولا تفيد لن توكيد النفي خلافا للزمخشري في كشافه ولا تأبيده خلافا له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل )) .
وقال أيضا (3) (( بل قولك لن أقوم محتمل لأن تريد بذلك أنك لاتقوم أبدا وأنك لا تقوم في بعض أزمنة المستقبل وهو موافق لقولك لا أقوم في عدم إفادة التأكيد . وفي حاشية الخضري (4) (( لن حرف ينفي المضارع وينصبه ويخلصه للاستقبال فهو ينفي المستقبل والسين يثبته ولايفيد تأبيد النفي خلافا للزمخشري في أنموذجه
______________
1_ شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان 3 / 378 . طبع دار احياء
الكتب العربية .
2_ في مغنى اللبيب مع حاشية محمد الأمير 1 / 331 طبع دار احياء الكتب العربية .
3_ شرح القطر / 80 بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد طبع السعادة الثانية عشرة .
4_ حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الألفية 2 / 110 الطبعة الأخيرة
مصطفى البابي الحلبي 1359 .
وأما قوله تعالى : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا } فالتأكيد فيه خارج عن لن لا منها (1) ولا تأكده خلافا له في كشافه لكن وافقه على التأكيد كثيرون اهـ . قلت فقول الخضري لكن وافقه كثيرون . نعم وافقه كثيرون ولكن هذه الكثرة بالنسبة للقائلين بعدم التأكيد قليل ويظهر ذلك جليا لمن تتبع كتب اللغة وأقوال المتبحرين في هذا الفن ولو سلمنا جدلا بأن لن في قوله تعالى : { لَن تَرَانِي } للتأكيد فهل يا ترى تفيد النفي الدائم الذي فهمه الزمخشري وأمثاله حتى جعلوا رؤية الله عزوجل بالأبصار مستحيلة بمقتضى ما فهموه من الآية الكريمة .
أليس قال تعالى حكاية عن قصة موسى مع الخضر : { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } (2) وهو جائز غير محال .
وهذا الفخر الرازي يوافق الزمخشري في أن لن للتأكيد ولكنه يرد عليه في كونها لتأكيد النفي الدائم . فيقول (3) (( إن لن لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال فكأن قوله عزوجل : { لَن تَرَانِي } نفي لذلك المطلوب فأما أن يفيد النفي الدائم فلا )) .
قلت وقد سبق أن نظر الزمخشري (4) لقوله تعالى : { لَن تَرَانِي }
______________
1_ وذلك أن جملة لن يخلقوا الخ وارادة مورد التعجيز لأنه لما كان الخلق والايجاد
للانفس مختصا بالمولى تقدست أسماؤه وما سواه عاجز عن ذلك دلت الآية الكريمة
بجملتها على عجز المخلوق عجزا مؤبدا عن أن يخلق ذبابة فوضح أن التأبيد
مستفاد من غير لن .
2_ سورة الكهف 67 .
3_ في تفسيره الكبير 14 / 333 الطبعة الأولى بمطبعة البهية المصرية سنة 138 .
4_ انظر صفحة 21 من هذا الكتيب : ومعنى نظراتي للآية بنظير لها أي بشبيه .
بقوله عزوجل : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } (1) على أن مفاد الآيتين سواء في تأكيد النفي المؤبد وهذا مغالطة منه وهروب من الحق لأن بين الآيتين بونا وفرقا شاسعا وقد مر بنا قول الخضري (2) وأما قوله تعالى : { لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا } التأييد فيه خارج عن لن لا منها اهـ قلت ومن ذلك أيضا قوله تعالى : { وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } (3) فليس التأبيد دلت عليه لن بل من دليل خارج .
قال أحمد الإسكندري في الإنصاف (4) (( لن كما قال تشارك لا في النفي وتمتاز بمزيد تأكيده وأما استنباط الزمخشري من ذلك منافاة الرؤية لحال الباري عزوجل ثم إطلاق الحال على الله مما يستحرز عنه واستشهاده على أن لن تشعر باستحالة المنفي بها عقلا مردود كثيرا بكثير من الآي كقوله تعالى : { فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا } (5) فذلك لايحيل خروجهم عقلا { لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } (6){ لَّن تَتَّبِعُونَا } (7) فهذه كلها جائزات عقلا لولا أن الخبر منع من وقوعها فالرؤية كذلك اهـ
قلت فإذا فهمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى : { لَن تَرَانِي الخ } هي أدل على جواز الرؤية منها على استحالتها عكس مافهمه النفاة كالمعتزلة وغيرهم ويظهر ذلك جليا لمن نهج سبيل الحق واجتنب اتباع الهوى وأمعن النظر في الآية الكريمة أعني في سؤال موسى عليه السلام { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ }
______________
1_ الحج 73 .
2_ صفحة 25 .
3_ الحج 47 .
4_ الانصاف على الكشاف للزمخشري 2/ 114 .
5_ التوبة 83 .
6_ هود 36 .
7_ الفتح 15 .
وجواب الرب جل وعلا عليه بقوله : { لَن تَرَانِي }
فهل كان نبي الله وكليمه عليه السلام عالما بجواز رؤية الله أم جاهلا بذلك .
فإن كان جاهلا فهو غير عارف بالله عزوجل حق معرفته وليس يليق ذلك بجناب النبوة .
وإن كان عالما بجواز رؤية الله عزوجل فقد سأل مولاه جل وعلا ما يجوز وقوعه لا ما يستحيل لأن السؤال لا يكون بالمستحيل .
وكذا قوله تعالى : { لَن تَرَانِي } فإنه غير خاف على ذوي العقول السليمة أنه دليل على جواز رؤية الله عزوجل لا على أنها محال .
لأنه عزوجل ما قال لست بمرئي وإنما قال _ لن تراني . فأثبت العجز وذلك لضعف البشر في الدنيا ووعد بالرؤية بدليل قوله تعالى : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي }. فلما كان الجبل غير مطيق للتجلي مع شدته وصلابته بل خر دكا من عظمة الله سبحانه علم أن البشر في الدنيا غير مطيقين بطريق الأولى لاسيما والضعف صفتهم كما قال سبحانه : { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} .
ولما ربط الله عزوجل المنع بأمر جائز ومع جوازه أحال المنع على ضعف الآلة علمنا أن رؤية الله عزوجل جائزة غير مستحيلة .
* قال أبو الحسن الأشعري (( ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } ولا يجوز أن يكون موسى عليه السلام الذي قد ألبسه الله تعالى جلباب النبيين وعصمه بما عصم به المرسلين فيسأل ربه ما يستحيل عليه وإذا لم يجز على موسى فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا عزوجل ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا كما
زعمت المعتزلة ولم يعلم ذلك موسى عليه السلام وعلموا هم لكانوا على قولهم
أعلم بالله من موسى عليه السلام وهذا مالا يدعيه مسلم (1) .
وقال أبو الحسن أيضا (2) (( ودليل آخر مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قول الله تعالى لموسى : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } _ فلما كان الله عزوجل قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى فدل ذلك على أن الله تعالى قادر على أن يري عباده نفسه وأنها جائزة رؤيته .
فإن قال فلم ما قلتم إن قول الله تعالى { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } تبعيد للرؤية قيل له لو أراد الله عزوجل تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه ولم يقرنه بما يجوز وقوعه فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله سبحانه دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله عزوجل ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بما يستحيل فقالت :
|
ولاأصالح قوما كنت حربهم .
|
|
حتى تعود بياضا حلكة (3) القاري(4) .
|
والله عزوجل إنما خاطب العرب بلغتها ونحن نرجع إلى ما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها فلما قرن الله الرؤية بأمر مقدور علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة انتهى كلامه .
______________
1_ الابانة / 14 .
2_ المرجع السابق .
3_ الحلكة بالضم والحلك محرك شديد السواد اهـ القاموس المحيط 3 / 309 طبع
المؤسسة العربية .
4_ القير بالكسر والقار شيء أسود يطلي به السفن أو الابل أو هما الزفت أ . هـ .
القاموس المحيط 2 / 138 .
وفي تفسير أبي السعود (1) ما نصه :
{ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } أي أرني ذاتك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك _ هو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء لاسيما ما يقتضي الجهل بشؤون الله تعالى مستحيل ولذلك رده بقوله { لَن تَرَانِي } دون أن أرى ولن أريك ولن تنظر إلي تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته اهـ .
قلت وقد استدل شارح الطحاوية (2) بهذه الآية الكريمة على إثبات رؤية الله عزوجل من سبعة وجوه وهذا نصها .
أحدها : أنه لايظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته _ أن يسأل مالا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال .
الثاني : أن الله لم ينكر عليه سؤاله ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال : { إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (3) .
الثالث : أنه تعالى قال : { لَن تَرَانِي } ولم يقل إني لا أرى أو لاتجوز رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر . ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال : اطعمنيه فالجواب الصحيح أنه لا يؤكل أما إذا كان طعامه صح أن يقال إنك لن تأكله وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي ولكن موسى لا تتحمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع :
______________
1_ تفسير أبي السعود 2 / 400 طبع السعادة تحقيق عبد .
2_ شرح الطحاوية 306 / 307 .
3_ هود 46 .
وهو قوله : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } (1) فاعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لايثبت للتجلي في هذه الدار فكيف بالبشر الذين خلقوا من ضعف .
الخامس : أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا وذلك ممكن وقد علق به الرؤية ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول ان استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام والكل عندهم سواء .
السادس : قوله تعالى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } . فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ولكن الله أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف .
السابع : أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لايتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه وقد جمعوا بينهما )) .
فإذا تبين لك ذلك فاعلم أن الزمخشري ذكر في كشافه (2) أنه ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا وتبرأ من فعلهم وليلقمهم الحجر وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم بالخطأ ونبههم على الحق فلجوا _ وتمادوا في لجاجهم وقالوا لابد و{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأرادوا أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله _ { لَن تَرَانِي } ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة فلذلك قال : {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } اهـ .
______________
1_ الأعراف / 143 .
2_ تفسيره الكشاف 2 / 113 مع الإنصاف .
قلت وباالله التوفيق إن قول الزمخشري هذا مخالف للظاهر من كل وجه وقرينة
المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا على كليم الله من كل وجه إذ قال { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } ولم يقل انظروا ... الخ بصيغة الجماعة .
ثانيا : إنه لايجوز لنبي الله أن يسأل ربه محالا إذ لو جاز ذلك لكان عبثا وهو غير لائق بالأنبياء .
ثالثا : إنه لما قال له قومه _ { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } (1) لم يلزمهم بالسؤال عن الله عزوجل بل أجابهم في الحال { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } . إذ كان تحقيق طلبهم ممتنعا شرعا فكذلك رؤية الله تعالى لو كانت مستحيلة لأجابهم كما فعل في تلك . قال في الانصاف (2) فالحق أن موسى عليه السلام إنما طلب الرؤية لنفسه لعلمه بجواز ذلك والقدرية يجبرهم الطمع ويجرؤهم حتى يروموا أن يجعلوا موسى عليه السلام كان على معتقدهم وما هم حينئذ إلا ممن آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وأما قوله عليه السلام : { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا } تبريا من أفاعيلهم وتسفيها لهم وتضليلا برأيهم فلا راحة للقدرية في الاستشهاد به على إنكار موسى عليه السلام لجواز الرؤية فإن الذي كان الإهلاك بسببه إنما هو عبادة العجل في قول أكثر المفسرين ثم وإن كان السبب طلبهم للرؤية فليس لأنها غير جائزة على الله ولكن لأن الله تعالى أخبر أنها لاتقع في دار الدنيا والخبر صدق وذلك بعد سؤال موسى للرؤية فلما سألوه وقد سمعوا الخبر بعدم وقوعها كان
______________
1_ الأعراف / 137 .
2_ الانصاف على الكشاف لأحمد بن المنير الاسكندري 2/ 113 مع تفسير الكشاف .
طلبهم خلاف المعلوم تكذيبا لما خبر فمن ثم سفههم موسى عليه السلام وتبرأ من طلب ما أخبر الله أنه لايقع ولو كان سؤالهم الرؤية قبل إخبار الله تعالى بعدم وقوعها فإنما سفههم موسى عليه السلام لاقتراحهم على الله هذه الآية خاصة وتوقيفهم الإيمان عليها حيث قالوا _ { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } (1) ألا ترى أن قولهم { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا} إنما سألوا فيه جائزا ومع ذلك قُرعوا به لاقتراحهم على الله مالايتوقف وجوب الإيمان عليه فهذه المباحث الثلاثة توضح لك سوء نظر الزمخشري بعين الهوى وعمايته عن سبيل الهدى والله الموفق انتهى كلامه .
قال : أبو السعود في تفسيره (2) وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا { أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً } خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل ذلك حين قالوا { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } وكما قال لأخيه { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } انتهى كلامه .
وفي التفسير الكبير للفخر الرازي (3) .. وأما التأويل بأنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه .
الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك ولقال الله تعالى لن يروني فلما لم يكن كذلك بطل هذا التأويل .
والثاني : أنه لو كان هذا السؤال طلبا لمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا : { اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } . منعهم عنه بقوله { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .
______________
1_ البقرة / 45 .
2_ تفسير أبي السعود 2 / 400 تحقيق عبد القادر عطا / 3_ 3 / 230
طبع البهية المصرية 1317 .
والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل على أنه تعالى لاتجوز رؤيته وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال فأما أن لايذكر شيئا من تلك الدلائل البتة مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام وأنه لايجوز .
والرابع : أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام أو لم يؤمنوا بها فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل مجرد قول موسى عليه السلام فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لانسلم أن الله منع الرؤية بل هذا قول افتريته على الله تعالى فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة لهم في قول موسى عليه السلام : { أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } انتهى كلامه .
ثم أعلم مرة أخرى أن االزمخشري قال في كشافه (1) ما نصه :
(( فإن قلت كيف اتصل الاستدراك في قوله : { وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } . بما قبله . قلت اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم إلى أن قال هذا المعتزلي ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة (2) فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
|
لجماعة سموا هواهم سنة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا .
|
|
وجماعة حمر لعمري موكفه شنع الورى فتستروا بالبلكفة .
|
______________
1_ 2 / 113 _ 114 _ 115 _ 216 .
2_ يعني قولهم بلا كيفية .
أقول وبالله التوفيق إن قول الزمخشري (( فإن قلت كيف اتصل الإدراك الخ هذا من حيله وحيل أتباعه من المعتزلة القائلين بأن قوله عزوجل { فَسَوْفَ تَرَانِي } تعليق لوجود الرؤية بوجود مالايكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض كما ذكره في كشافه (1) )) .
والمعنى أنه سبحانه وتعالى علق الرؤية على شرط محال وهو استقرار الجبل وهذا تأويل فاسد ورأي باطل لأن المعلق عليه استقرار الجبل وذلك جائز وممكن كما سبق بيانه موضحا (2) .
قال أحمد الإسكندري (3) (( استقرار الجبل ممكن وقد علق عليه وقوع الرؤية والمعلق على الممكن ممكن والمعتزلة يعتقدون أن خلاف المعلوم لايجوز أن يكون مقدورا ونحن نقول مقدور ولكن ما تعلقت المشيئة بإيجاده وقولنا أقعد بالأدلة وأسعد بالإجلال في الخطاب أ هـ .
وقال الفخر الرازي (4) (( من الوجوه المستنبطة من هذه الآية أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة إنما قلنا إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل بدليل قوله تعالى : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } . واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها _ ا هـ .
______________
1_ 2 / 114 .
2_ راجع صفحة / 23 إلى 26 من هذا البحث .
3_ في الانصاف على الكشاف 2 / 115 .
4_ تفسيره الكبير 14 / 221 .
وقال البيضاوي عند قوله تعالى { لَن تَرَانِي .. الخ } استدراك يريد أن يبين أنه لا يطيقه وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضا دليل على الجواز لأن المعلق على الممكن ممكن . أ هـ .
قلت : وأما قول الزمخشري يرجف بك وبمن طلبت لهم الرؤية )) هذا بناء على مذهبه الفاسد أن موسى عليه السلام طلب الرؤية لقومه لا لنفسه وقد مر قريبا ما أوردنا في الرد عليه في ذلك بما فيه الكفاية ثم انظر أيها القارئ إلى انتقال الزمخشري من المكابرة والجدال بالتأويلات الفاسدة إلى ما سمعته من هجاء أهل السنة والجماعة والطعن فيهم وكان هو المستحق لذلك ثم انظر إلى جعله إثبات رؤية الله تعالى الثابتة بالآيات والأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها منافيا للاتسام بأهل السنة ولكن صدق من قال :
|
عجبا لقوم ظالمين تلقبوا قد جاءهم من حيث لا يدرونه وتلقبوا عدلية قلنا نعم .
|
|
بالعدل ما فيهم لعمري معرفة تعطيل ذات الله مع نفي الصفة عدلوا بربهم فحسبهم سفه .
|
وقال أحمد الاسكندري (1) عند وقوفه على هجاء الزمخشري أهل السنة مانصه (( وقد انتقل الزمخشري في هذا الفصل إلى ما تسمعه من هجاء أهل السنة ولولا الاستنان بحسان بن ثابت الأنصاري صاحب رسول الله e وشاعره والمنافح عنه وروح القدس معه لقلنا لهؤلاء المتلقبين بالعدلية سلاما ولكن كما نافح حسان عن رسول الله أعداءه فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله e أعداءها .
______________
1_ في الانصاف على الكشاف 2 / 115 _ 116 .
فنقول
|
وجماعة كفروا برؤية ربهم وتلقبوا عدلية قلنا أجل وتلقبوا الناجين كلا إنهم .
|
|
حقا ووعد الله ما لن يخلفه عدلوا بربهمو فحسبهمو سفه إن لم يكونوا في لظى فعلي شفهه .
|
قلت وقال بعضهم في الرد عليه أيضا :
|
هل نحن من أهل الهوى أم أنتم اعكس تصب فالوصف فيكم يكفيك في ردي عليك بأننا وبنفي رؤيته فأنت حرمتها فنراه في الأخرى بلا كيفية .
|
|
ومن الذي منا حمير مؤكفةْ كالشمس فارجع عن مقال الزخرفةْ نحتج بالآيات لا بالسفسطةْ إن لم تقل بكلام أهل المعرفةْ وكذاك من غير ارتسام للصفةْ .
|
وقال أبو حيان في الرد عليه (1) :
|
شبهت جهلا صدر أمة أحمد وجب الخسار عليك فانظر منصفا أترى الكليم أتى بجهل ما أتى إن الوجوه إليه ناضرة بذا نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى .
|
|
وذوي البصائر بالحمير المؤكفةْ في آية الأعراف فهي المنصفةْ وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفةْ جاء الكتاب فقلتموا هذا سفه فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفةْ .
|
قال العطار (2) (( ولو ادعى مدع أن هذا ألطف الردود وآمنها لسلم له فلاشتغال بعد ذلك بالرد عليه كالتشفي بالقتيل بعد قتله :
(( مالجرح بميت إيلام ))
______________
1_ كما في حاشية العطار على جمع الجوامع مع 2 / 466 طبع .
2_ المرجع السابق .
والمراد بآية الأعراف هي قوله عزوجل حكاية عن موسى عليه السلام . { رَبِّ أَرِنِي .. الخ } وقد سبق الاستدلال بها على إثبات رؤية الرب عزوجل وعلا مبسوطا فارجع إليه إن شئت (1) .
ثم اعلم أيها القارئ أن كتاب الله عزوجل وسنة رسوله eمملوءان بالآيات والأحاديث الصحيحة الدالة على إثبات رؤية الله عزوجل يوم القيامة مما يجعلك على يقين من العلم بأن المخالف في ذلك وإن كان بصره صحيحا فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع إلا الباطل وبحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح وتلقي ما جاء به الكتاب العزيز والسنة المطهرة بالإيمان والتسليم فنسأل الله تعالى الهداية .
|
وكم من عائب قولا صحيحا .
|
|
وآفته من الفهم السقيم .
|
أدلة أخرى من كتاب الله عزوجل على إثبات الرؤية .
الدليل الأول
قوله تعالى { لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } (2) قال ابن جرير (3) يقول تعالى وعندنا لهم فوق ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه وقيل إن ذلك المزيد النظر إلى الله جل ثناؤه .
قال الطبراني (4) (( قال علي ابن أبي طالب وأنس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عزوجل وقاله من التابعين زيد بن وهب وغيره )) .
______________
1_ انظر 24 / 26 من هذا البحث .
2_ سورة ق / 35 .
3_ تفسير ابن جرير الطبري 36 / 173 .
4_ كما في حادي الأرواح / 301 .
قلت وروي ابن جرير (1) بسنده عن أنس رضي الله عنه حديثا طويلا ذكر فيه قوله : (( ثم ناداهم الرب عزوجل من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا وعزتي لأتجلين لهم حتى ينظروا إليَّ قال فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد قال فيتجلى لهم الرب عزوجل ثم يقول السلام عليكم عبادي انظروا إليَّ فقد رضيت عنكم )) . وسرد الحديث بطوله .
وروى ابن جرير أيضا (2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه حديثا طويلا وذكر فيه . (( فيتجلى لهم عزوجل حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول (( أنا الذي صدقتكم عدتي وأتممت عليكم نعمتي )) وذكر الحديث إلى أن قال فيه ليزدادوا منه كرامة وليزدادوا نظرا إلى وجهه ولذلك دعي يوم المزيد )) .
وفي القرطبي (3) قال أنس وجابر (( المزيد النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف ))
الدليل الثاني :
قول الله عزوجل : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } (4) عن أنس بن مالك أن النبي e أقرأه هذه الآية . { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال : والله مانسخها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ويطيبون ويحملون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرو ن إليه وينظر إليهم عزوجل وذلك قوله : { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه (1) ونسبه للدارقطني في الرؤية .
______________
1_ تفسير ابن جرير الطبري 36 / 174 .
2_ المرجع السابق .
3_ تفسير أبي عبد الله القرطبي 17 / 31 .
4_ سورة مريم / 63 .
5_ مجموع فتاوى 6 / 435 .
الدليل الثالث :
قوله تعالى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } (1) : عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله e : ( بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة قال : وذلك قول الله : { سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } : قال : فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم ) رواه ابن ماجة (2) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه (3) وزاد نسبته للدارقطني ثم قال ورويناه من طريق أخرى معروفة إلى سلمة بن شبيب حدثنا بشر ابن حجر حدثنا عبد الله بن عبيد عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله e : ( بينما أهل الجنة في ملكهم ونعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله تبارك وتعالى : { سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } : فينظرون إليه وينظر إليهم فلا يلتفتون إلى شيء من الملك والنعيم حتى يحتجب عنهم قال فيبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم .
______________
1_ يس / 58 .
2_ في سننه 1 / 65 _ 66 بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي .
3_ مجموع فتاوى 6 / 449 .
الدليل الرابع :
قوله عزوجل : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ } (1) . وقوله : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} (2) وقوله تعالى : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ } (3) وقوله : { لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } (4) . وقوله : { مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ } (5) .
وقوله سبحانه : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } (6) .
وغير ذلك من الآيات الداله على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة لأن اللقاء يستلزم ذلك .
قال أبو عبد الله بن قيم الجوزية (7) (( أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية )) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (8) (( أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير وقالوا إن لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى واحتجوا بآيات اللقاء على من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية والمعتزلة )) .
______________
1_ سورة الأحزاب 44 .
2_ الكهف 110 .
3_ البقرة 333 .
4_ الرعد 3 .
5_ العنكبوت 5 .
6_ البقرة 46 .
7_ في حادي الأرواح 198 .
8_ في مجموع فتاوى 6 / 462 .
وقال شيخ الإسلام أيضا (1) (( إن لقاء الله لم يستعمل في لقاء غيره لا حقيقة ولا مجازا ولا استعمل لقاء زيد في لقاء غيره أصلا بل حيث ذكر هذا اللفظ فإنما يراد به لقاء المذكور إذ ما سواه لا يشعر اللفظ به فلا يدل عليه )) .
وفي صحيح البخاري (2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله e أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم : ( اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ) . وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي e قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) رواه البخاري في صحيحه (3) .
فتبين إذاً أن اللقاء في هذه الآيات والأحاديث يدل على الرؤية والمعاينة بالأبصار لأنه يستلزم ذلك .
ومما يؤيد ذلك أيضا قول رسول الله e : ( لاتتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ) أخرجه البخاري في صحيحه (4) وأخرج البخاري أيضا (5) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لقيني رسول الله e وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد فانسللت وأتيت الرَّحْلَ فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال : ( أين كنت يا أبا هريرة ) فقلت له فقال : ( يا سبحان الله يا أبا هريرة إن المؤمن لاينجس ) .
______________
1_ مجموع فتاوى 6 / 474 الطبعة الأولى في الرياض سنة 1381 هـ .
2_ 8 / 184 .
3_ المرجع السابق 8 / 191 .
4_ 8 / 130 .
5_ صحيح البخاري .
فهل ياترى لقاء العدو . ولقيني بدون رؤية وبدون معاينة الأبصار أم هناك أحد يقول هذا .
الدليل الخامس :
قول جل ذكره : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } (1) فإنه يستدل بها على وقوع الرؤية للمؤمنين يوم القيامة لأنه عزوجل خص الكفار بكونهم محجوبين فيكون المؤمنين غيرمحجوبين وهو معنى الرؤية والحمل على كونهم محجوبين عن ثوابه وكرامته خلاف الظاهر فلا يلتفت إليه .
قال الشافعي (2) : (( لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا . ثم قال : أما والله لو لم يوقن محمد بن أدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا )) وقال الزجاج : في هذه الآية دليل على أن الله عزوجل يُرى في القيامة ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون وقال جل ثناؤه : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه وأعلم أن الكفار محجوبون عنه (3) وقال مالك رضي الله عنه في هذه الآية لما حجب أعداءه لم يروه تجلى لأولياءه حتى رأوه (4) .
وأخرج اللالكائي وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } : قال إذا كان يوم القيامة برز ربنا تبارك وتعالى فيراه الخلق ويحجب الكفار فلا يرونه (5) .
______________
1_ المطففين / 15 .
2_ كما في تفسير القرطبي 19 / 361 .
3_ المرجع السابق .
4_ المرجع السابق / 361 .
5_ كما في لوامع الأنوار للسفاريني 3 / 343 .
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن إسحاق قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت ابن المبارك يقول : ماحجب الله عنه أحدا إلا عذبه ثم قرأ : {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } .. قال ابن المبارك بالرؤية (1) .
وروى ابن بطة باسناده عن أشهب قال : قال رجل لمالك يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة ، فقال مالك : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيّر الكفار بالحجاب . قال تعالى : { كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } (2) .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى ما نصه :
(( اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين (3) .
قلت : وهو معنى قوله عزوجل : { كَلَّا إِنَّهُمْ ... } الخ فنسأل الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم وأن يهدينا الصراط المستقيم بمنه وكرمه .
أدلة الرؤية من السنة
أخرج البخاري في صحيحه (4) عن جرير بن عبد الله قال : كنا جلوسا عند النبي e إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لاتغلبوا على صلاتكم قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا ) :
______________
1_ كما في حادي الأرواح 336 .
2_ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 6 / 449 .
3_ شرح النووي على صحيح مسلم 3 / 15 طبع دار الفكر .
4_ 8 / 179 طبع دار الطباعة العامرة .
وفي رواية عنه ( إنكم سترون ربكم عيانا ) وفي البخاري (1) أيضا من حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه .
(( إن الناس قالوا يارسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله e : ( هل تضارون في القمر ليلة البدر ) قالوا : لا يارسول الله . قال : ( فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ) قالوا : لا يا رسول الله . قال : ( فإنكم ترونه كذلك فيجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها ( شك إبراهيم ) فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ) وساق الحديث بطوله .
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قال رسول الله e ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه ) رواه البخاري (2) في الصحيح .
______________
1_ المرجع السابق .
2_ صحيح البخاري 8 / 179 : 8 / 185 .
وفي صحيح البخاري أيضا (1) من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( قلنا يارسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال : هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا قلنا : لا . قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون من رؤيتها ) . ثم ذكر الحديث وفيه (2) ( وإنما ننتظر ربنا قال : فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ) وساق الحديث بطوله .
وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي e قال : ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن ) أخرجه البخاري (3) وأخرجه مسلم في صحيحه (4) وأخرجه ابن ماجة بهذه الزيادة (5) وفي حديث الشفاعة المروي عن أنس رضي الله عنه :
( فيأتون عيسى فيقول لست هنا لكم ولكن ائتوا محمدا e عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني فيقول : ارفع يا محمد وقل
______________
1_ 8 / 181 .
2_ أي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
3_ في صحيحه 8 / 185 .
4_ صحيحه / 1 .
5_ في سننه 1 / 66 .
يسمع واشفع تشفع وسل تعط قال فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة ) . وساق تمام الحديث رواه البخاري (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله e : ( هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا : لا . قال : فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم يوم القيامة ) رواه ابن ماجة (2) .
وأخرج ابن خزيمة (3) بسنده عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله e : ( إنكم تُعاينون الله عزوجل يوم القيامة عيانا ) .
وعن عبد الله بن عكيم قال : سمعت ابن مسعود بدأنا باليمين قبل الحديث فقال : ( والله إن منكم من أحد إلا سيخلوا الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلته يقول يا ابن آدم ما غرك ابن آدم ما غرم ابن آدم ما عمِلت فيما عَلمْتَ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين .. ) رواه ابن خزيمة (4) .
وعن وكيع عن حدس عن عمه أبي رزين قال : قلت يارسول الله أترى الله يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال : ( يا أبا رزين ، أليس كلكم يرى القمر مخليا به قال ، قلت : بلى . قال : فالله أعظم وذلك آية في خلقه ) .. رواه ابن ماجة (5) .
______________
1_ 8 / 183 .
2_ في سننه 1 / 63 .
3_ صحيحه 1 / 113 .
4_ كتاب التوحيد 171 طبع دار الفكر مع تعليق محمد خليل هراس .
5_ في كتاب التوحيد 171 .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا يارسول الله هل نرى ربنا قال : ( ألستم ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته قالوا : بلى , قال : والله لتبصرنه كما ترون القمر ليلة البدر لاتضارون في رؤيته ) _ يعني تزدحمون : رواه ابن خزيمة (1) .
فالتعبير بالإبصار دليل واضح على أنها رؤية عين وليست نوعا من العلم كما يزعم من يسميهم الجهلة محققين (2) فإنا لله وإنا إليه راجعون .
______________
1_ في سننه 1 / 64 .
2_ في كتاب التوحيد / 171 .
خاتمة الكتاب
أقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة .
إن خلاصة بحثنا هذا أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق وأنها أفضل اللذات وأكمل النعيم الذي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة والرضوان وأنها أحق ما يصدق عليه قوله تعالى : { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (1) وقوله عزوجل في الحديث القدسي الذي رواه عنه رسول الله e : ( أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) (2) :
قال ابن القيم (3) رحمه الله تعالى :
|
ويرونه سبحانه من فوقهم هذا تواتر عن رسول الله لا وأتى به القرآن تصريحا وتعريضا وهي الزيادة قد أتت في يونس وهو المزيد لذاك فسره أبو وعليه أصحاب الرسول وتابعو ولقد أتى ذكر اللقاء لربنا الـر ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى وعليه أصحاب الحديث جميعهم .
|
|
نظر العيان كما يرى القمران ينكره إلا فاسد الإيمان هما بسياقه نوعان تفسير من قد جاء بالقرآن بكر هو الصديق ذو الإيقان هم بعدهم تبعية الإحسان حمن في سور من الفرقان الإجماع فيه جماعة ببيان لغة وعرفا ليس يختلفان .
|
______________
1_ سورة السجدة / 17 .
2_ في كتاب التوحيد / 171 .
3_ كما في الكواشف عن معاني الواسطية / 347 .
|
هذا ويكفي أنه سبحانه وأعاد أيضا وصفها نظرا وذا وأتت أداة إلى لرفع الوهم من وإضافة لمحل رؤيتهم بذكـ .
|
|
وصف الوجوه بنظرة بجنان لاشك يفهم رؤية بعيان فكر كذاك ترقب الإنسان ـر الوجه إذ قامت به العينان .
|
فنسأل الله عزوجل أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وأن يجعلنا ممن قال فيهم وهو أصدق القائلين :
{ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا }.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
والحمد لله رب العالمين .
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله وصحبة اجمعين
رزقنا الله وإياكم رضوان الله وتممها لنا برؤية وجهة الكريم كما تمناها الصحابة الكرام وكما تمناها زين العابدين في الصحيفة السجادية
خرج لنا بعض صيصان وأفراخ الرافضة المرتزقه بالفرح والبشرى حول أثر عن الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله يفسر فيه آية القيامة ((وجوه يومئذ ناضره الى ربها ناظره)) بأن النظر هنا يعني تنتظر ثواب ربها بعكس إجماع أهل السنه على منهج السلف الصالح التى فسرت الآية بأنها النظر الى الله نظرا مباشرا
ومن أراد التطويل في المسألة فعلية بالعقيدة الطحاوية فقد أتى على كل شبهات المبطلين فأثبت الرؤية في الآخرة للمؤمنين
مجاهد بن جبر يا أيها المطبرجية الحمقى لايوجد في ما روي عنه نفيه لإمكانية الرؤية من أساسها !!..كل ما في الأمر أنه أول المعنى ((((لايوجد دليل على انه ينفي إمكانية الرؤية)))والتأويل ليس بمستنكر عندنا ركزوا !!!!
ومع ذلك وتنازلا وجدلا: هب أنه يرى استحالة الرؤية ...فهل قوله يكون حجة أمام صريح السنه والصحابة والتابعين من تلاميذ ابن عباس الذي هو بفسه يفسر الآية على رؤية الله نظرآ بالعين في الآخره انظروا الشريعة للآجري وغيره
بل على العكس !! مذهب مجاهد هو مطابق لتفاسير اهل السنه وبالدليل من كتب معتبره محترمه مثل عبدالرحمن بن ابي حاتم الرازي
يقول عبدالرحمن الذي قال أن كل تفسيره بالآثار الصحيحه وعليه صنّفه :
عبد الرحمن قال : ثنا حماد بن محمد بن يزيد بن مسلم الأنصاري ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا إبراهيم بن يزيد المكي ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : وجوه يومئذ ناضرة سورة القيامة آية 22 ، قال : حسنة إلى ربها ناظرة سورة القيامة آية 23 ، قال :تنظر إلى ربها تبارك وتعالى .
ثنا أبي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن خلف الرقي قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن ليث ، عن مجاهد للذين أحسنوا الحسنى سورة يونس آية 26 ، قال : الحسنى : الجنة , والزيادة : النظر إلى الرب
من كتاب الطبري أصول أعتقاد أهل السنه(ذكر رجال من أهل المدينه) :
أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قال : ثنا جعفر بن محمد بن الحجاج ، قال : ثنا نصر بن عبد الملك ، قال : ثنا إبراهيم بن أبي الليث ، قال : ثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : وجوه يومئذ ناضرة سورة القيامة آية 22 ، قال : نظرت إلى ربها ناظرة .
رضي الله عن مجاهد بن جبر
والحمد لله رب العالمين
المصدر: شبكة الدفاع عن السنة
حكم من انكر الرؤية الله سبحانه وتعالى
وقال أبو بكر المروذي سمعت أحمد يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر.
طبقات الحنابلة 1/22
وقال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره يستتاب فإن تاب وإلا قتل والله تعالى لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة.
طبقات الحنابلة 1/55 الشاملة
أخبرنا محمد بن عمر الخطيب الأنباري ، قال : ثنا أحمد بن يعقوب القرنجلي ، قال : ثنا أحمد بن أصرم المعقلي ، قال : ثنا أبو موسى الأنصاري ، قال : قيل لمالك : إنهم يزعمون أن الله لا يرى ، فقال مالك : السيف السيف
شرح اصول اعتقاد اهل السنة 2/ 394 الشاملة
687 - أخبرنا أحمد بن طلحة بن هارون ، أخبرنا علي بن محمد بن أحمد القزويني ، قال : ثنا الحسن بن علي الطنافسي ، قال : قال لي علي بن زنجلة : وسمعت أبا مروان ، يقول : قال ابن عيينة : « من لم يقل إن القرآن كلام الله وإن الله يرى في الجنة فهو جهمي »
شرح اصول اعتقاد اهل السنة 2/402 الشاملة
580 - وحدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي قال : نا الفضل بن زياد قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، وبلغه عن رجل أنه قال : إن الله تعالى لا يرى في الآخرة ، فغضب غضبا شديدا ثم قال : من قال بأن الله تعالى لا يرى في الآخرة فقد كفر ، عليه لعنة الله وغضبه ، من كان من الناس ، أليس الله عز وجل قال وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (1) وقال تعالى : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (2) هذا دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى
الشريعة للاجري 2/138 الشاملة
583 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال : نا أبو داود السجستاني قال : سمعت أحمد بن حنبل : وذكر عنده شيء من الرؤية فغضب وقال : « من قال : إن الله تعالى لا يرى ، فهو كافر »
الشريعة للاجري 2/141 الشاملة
584 - حدثنا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان قال : حدثنا العباس بن محمد الدوري قال : سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول : « وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال : هذه عندنا حق ، نقلها الناس بعضهم عن بعض » قال محمد بن الحسين رحمه الله : فمن رغب عما كان عليه هؤلاء الأئمة الذين لا يستوحش من ذكرهم ، وخالف الكتاب والسنة ، ورضي بقول جهم وبشر المريسي وبأشباههما ، فهو كافر ، فأما ما تأدى إلينا من التفسير في بعض ما تلوته ، مما حضرني ذكره : فأنا أذكره إن شاء الله ، ثم أذكر السنن الثابتة في النظر إلى الله تعالى ، مما يقوى به قلوب أهل الحق ، وتقر به أعينهم ، وتذل به نفوس أهل الزيغ ، وتسخن به أعينهم في الدنيا والآخرة
الشريعة للاجري 2/ 142 الشاملة
الرؤية عند ابن حجر :
وَفِيهِ إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَقَوْل مَنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَة وَوَكَّلَ عِلْم حَقِيقَتهَا إِلَى اللَّه فَهُوَ الْحَقّ ، وَكَذَا قَوْل مَنْ فَسَّرَ الْإِتْيَان بِالتَّجَلِّي هُوَ الْحَقّ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْله " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس وَالْقَمَر " وَزِيدَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ وَتَأْكِيده وَكُلّ ذَلِكَ يَدْفَع الْمَجَازَ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم .
فتح الباري 18/419 الشاملة
وَكَذَا فِي حَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس ، وَقِيلَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة بِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا ، وَالْمَرْء لَا يَدْرِي بِمَ يُخْتَم لَهُ ، فَكَيْف يَكُون ذَلِكَ مِنْ شُرُوط الْإِيمَان ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد الْإِيمَان بِأَنَّ ذَلِكَ حَقّ فِي نَفْس الْأَمْر ، وَهَذَا مِنْ الْأَدِلَّة الْقَوِيَّة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة إِذْ جُعِلَتْ مِنْ قَوَاعِد الْإِيمَان
فتح الباري 1/80 الشاملة
اثبات النووي للرؤية قاله ابن حجر :
قَالَ النَّوَوِيّ : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ رُؤْيَة الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ مُمْكِنَةٌ وَنَفَتْهَا الْمُبْتَدِعَة مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَالْخَوَارِج ، وَهُوَ جَهْل مِنْهُمْ ، فَقَدْ تَضَافَرَتْ الْأَدِلَّة مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَسَلَف الْأَمَة عَلَى إِثْبَاتهَا فِي الْآخِرَة لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَأَجَابَ الْأَئِمَّة عَنْ اِعْتِرَاضَات الْمُبْتَدِعَة بِأَجْوِبَةٍ مَشْهُورَةٍ ، وَلَا يُشْتَرَط فِي الرُّؤْيَة تَقَابُل الْأَشِعَّة وَلَا مُقَابَلَة الْمَرْئِيّ وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَة بِذَلِكَ فِيمَا بَيْن الْمَخْلُوقِينَ وَاَللَّه أَعْلَم .
فتح الباري 18 / 419
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار
يحتج البعض على عدم جواز رؤية الله تعالى بقوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) : الانعام }.
وهذا الاستدلال غير صحيح , فالرؤية غير الادراك كما قال تعالى : " فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) : الشعراء } , فالاية الكريمة صريحة بثبوت الرؤية مع عدم الادراك , فمن قال غير ذلك فعليه بالدليل.
ولقد جاء معنى الادراك في اللغة بالاحاطة , قال الامام ابن منظور : " قال أَبو إسحق أَعْلَمَ اللهُ أَنهُ يُدْرِك الأَبصارَ وفي هذا الإِعلام دليل أَن خلقه لا يدركون الأَبصارَ أَي لا يعرفون كيف حقيقة البَصَرَ وما الشيء الذي به صار الإِنسان يُبْصِرُ من عينيه دون أَن يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أَعضائه فَأَعْلَم أَن خَلْقاً من خلقه لا يُدْرِك المخلوقون كُنْهَهُ ولا يُحيطون بعلمه فكيف به تعالى والأَبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير فأَمَّا ما جاء من الأَخبار في الرؤْية وصح عن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فغير مدفوع وليس في هذه الآية دليل على دفعها لأَن معنى هذه الآية إِدراك الشيء والإِحاطة بحقيقته وهذا مذهب أَهل السنَّة والعلم بالحديث " اهـ.[1]
وقال العلامة الازهري : " وأنشد الأخطل:
وأَدْرك عِلمي في سُوَاءَةَ أنها... تُقيمُ على الأوْتار والمَشْربِ الكَدْرِ
أي أحاط علمي أنها كذلك " اهـ.[2]
فجعل الادراك هو الرؤية باطلاق لا يصح , فمن قال ان الادراك هو الرؤية من غير ان يأتي بدليل فقد اخطأ , قال الامام النووي : " فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ وَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ " اهـ.[3]
وقال العلامة ابو البقاء : " والرؤية مَعَ الْإِحَاطَة تسمى إدراكا وَهِي المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} حَيْثُ نفى مَا يتَبَادَر من الْإِدْرَاك من الْإِحَاطَة بالغايات والتحديد بالنهايات فَلَا تتوهم أَنه يرى لصورة أَو شكل مَخْصُوص، وَلَا يلْزم من النَّفْي على هَذَا الْوَجْه نفي الرُّؤْيَة عَنهُ تَعَالَى " اهـ.[4]
وقال : " {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} : لَا تحيط بِهِ " اهـ.[5]
لقد صرح الامام النووي , والعلامة ابو البقاء الكفوي على ان نفي الاحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية , ولقد فصل شيخ الاسلام رحمه الله الاية الكريمة المباركة تفصيلا جميلا , حيث قال : " وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ [وَاحْتِجَاجُ النُّفَاةِ أَيْضًا] بِقَوْلِهِ [تَعَالَى] : {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 103] فَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ، أَوِ الرُّؤْيَةُ، أَوِ الرُّؤْيَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِالْإِحَاطَةِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ: إِنَّهُ [أَدْرَكَهُ، كَمَا لَا يُقَالُ:] أَحَاطَ بِهِ، كَمَا سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَلَسْتَ تَرَى السَّمَاءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَكُلُّهَا تُرَى ؟ قَالَ: لَا.
وَمَنْ رَأَى جَوَانِبَ الْجَيْشِ أَوِ الْجَبَلِ أَوِ الْبُسْتَانِ أَوِ الْمَدِينَةِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَدْرَكَهَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَدْرَكَهَا إِذَا أَحَاطَ بِهَا رُؤْيَةً، وَنَحْنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ عَلَيْنَا بَيَانُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا بَيَانًا لِسَنَدِ الْمَنْعِ، بَلِ الْمُسْتَدِلُّ بِالْآيَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُرَادِفٌ لِلرُّؤْيَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى شَيْئًا يُقَالُ فِي لُغَتِهِمْ إِنَّهُ أَدْرَكَهُ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، كَيْفَ وَبَيْنَ لَفْظِ الرُّؤْيَةِ وَلَفْظِ الْإِدْرَاكِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ [أَوِ اشْتِرَاكٌ لَفْظِيٌّ]، فَقَدْ تَقَعُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ، [وَقَدْ يَقَعُ إِدْرَاكٌ بِلَا رُؤْيَةٍ]، فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ يُسْتَعْمَلُ فِي إِدْرَاكِ الْعِلْمِ وَإِدْرَاكِ الْقُدْرَةِ، فَقَدَ يُدْرَكُ الشَّيْءُ بِالْقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهَدْ، كَالْأَعْمَى الَّذِي طَلَبَ رَجُلًا هَارِبًا مِنْهُ فَأَدْرَكَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 61، 62] فَنَفَى مُوسَى الْإِدْرَاكَ مَعَ إِثْبَاتِ التَّرَائِي، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رُؤْيَةٌ بِلَا إِدْرَاكٍ. وَالْإِدْرَاكُ هُنَا هُوَ إِدْرَاكُ الْقُدْرَةِ، أَيْ مَلْحُوقُونَ مُحَاطٌ بِنَا وَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْإِدْرَاكُ فَقَدْ تَنْتَفِي إِحَاطَةُ الْبَصَرِ أَيْضًا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ يَمْدَحُ بِهَا نَفْسَهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ لَا يُرَى لَيْسَ صِفَةَ مَدْحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ لَا يَكُونُ مَدْحًا إِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا، وَلِأَنَّ الْمَعْدُومَ أَيْضًا لَا يُرَى، وَالْمَعْدُومُ لَا يُمْدَحُ، فَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَا مَدْحَ فِيهِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ، وَهُوَ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ثُبُوتًا لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، فَلَا يَمْدَحُ الرَّبُّ نَفْسَهُ بِهِ، بَلْ وَلَا يَصِفُ نَفْسَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَصِفُهَا بِالنَّفْيِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى ثُبُوتٍ، كَقَوْلِهِ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} وَقَوْلِهِ: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}، وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 255] وَقَوْلِهِ: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سُورَةُ سَبَأٍ: 3]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [سُورَةُ ق: 38]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقَضَايَا السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَصِفُ الرَّبُّ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ، وَأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الثُّبُوتِيَّةِ، مِثْلَ كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَمِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَهِدَايَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَا يُوصَفُ بِهِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا عَدَمًا مَحْضًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَدَمَ الْمَحْضَ يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ يُرَى، فَعُلِمَ أَنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَلَا يُقَالُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ: لَا يُدْرَكُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا لَا يُدْرَكُ لِعَظَمَتِهِ لَا لِعَدَمِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْإِدْرَاكَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ رُؤْيَةً، كَمَا لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ نَفْيُ الْعِلْمِ وَالرُّؤْيَةِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُحَاطُ بِهِ كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْإِحَاطَةِ بِالنَّفْيِ يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِمَنْفِيٍّ، وَهَذَا الْجَوَابُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ] " اهـ.[6]
فخلاصة الموضوع ان المحتج بالاية الكريمة المباركة على نفي الرؤية مخطيء.
أحمد بن عبدالله البغدادي ..
1 - لسان العرب – محمد بن مكرم بن منظور – ج 4 ص 64.
2 - تهذيب اللغة - محمد بن أحمد بن الأزهري – ج 3 ص 341.
3 - شرح صحيح مسلم – ابو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 3 ص 5 - 6.
4 - الكليات – ابو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الحنفي الكفوي – ص 474.
5 - الكليات – ابو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الحنفي الكفوي – ص 978.
6 - منهاج السنة النبوية – ابو العباس احمد بن عبد الحليم بن تيمية – ج 2 ص 317 – 320.
قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل
قال الله تعالى : " وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) : الاعراف }.
لقد علق الله تعالى رؤيته على استقرار الجبل , واستقرار الجبل امر ممكن وليس مستحيل , فالله تعالى قادر على ان يجعل الجبل مستقرا اذا تجلى له.
فكل شيء معلق على الممكن فهو ممكن , فرؤية الله تعالى ممكنة , ولكن الانسان بضعفه لا يستطيع ان يرى الله تعالى في الدنيا.
قال الصدوق : " 1 - حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى العلوي الحسيني رحمه الله قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن أسباط قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد القطان قال : حدثني أبو الطيب أحمد بن محمد بن عبد الله قال حدثني عيسى بن جعفر العلوي العمري عن آبائه عن عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام انه سئل مما خلق الله الذر الذي يدخل في كوة البيت ؟ فقال : ان موسى عليه السلام : لما قال ربى أرني انظر إليك، قال الله تعالى : ان استقر الجبل لنوري فإنك ستقوى على أن تنظر إلي وان لم يستقر فلا تطيق أبصاري لضعفك، فلما تجلى الله تبارك وتعالى للجبل تقطع ثلاث قطع، فقطعة ارتفعت في السماء، وقطعة غاصت تحت الأرض، وقطعة تفتت فهذا الذر من ذلك الغبار، غبار الجبل " اهـ.[1]
ولو لم تكن رؤية الله تعالى جائزة لما سال موسى عليه السلام ربه ان يراه , قال الامام الباقلاني : " ويجب أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه سبحانه وتعالى، من حيث العقل، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفاً لهم وتفضلا، لوعد الله تعالى لهم بذلك.
والدليل على جوازها من حيث العقل: سؤال موسى عليه السلام، حيث قال " رب أرني أنظر إليك ". ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل، ويدل عليه أيضاً: أنه موجود، والموجود يصح أن يرى " اهـ.[2]
وقال الامام البيهقي : " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرَى بِالْأَبْصَارِ قَوْلُ مُوسَى الْكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، قَدْ أَلْبَسَهُ اللَّهُ جِلبَابَ النَّبِيِّينَ وَعَصَمَهُ مِمَّا عَصَمَ مِنْهُ الْمُرْسَلِينَ، يَسْأَلُ رَبَّهُ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ رَبَّهُ مُسْتَحِيلًا، وَأَنَّ الرُّؤْيَةَ جَائِزَةٌ عَلَى رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، فَلمَّا كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْجَبَلَ مُستَقِرًّا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَوْ فَعَلَهُ لَرَآهُ مُوسَى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُرِيَ نَفْسَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ رُؤْيَتُهُ، وَقَوْلُهُ: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] أَرَادَ بِهِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ بِدَلِيلِ مَا مَضَى مِنَ الْآيَةِ " اهـ.[3]
وقال الشريف المرتضى : " قد ثبت أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته، لا سيما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم " اهـ.[4]
وقد استشكل البعض ان ( لن ) تفيد التابيد , وقالوا ان الاية دالة على عدم جواز رؤية الله تعالى , فنقول ان هذا الاستدلال خطأ , وذلك لان ( لن ) لا تفيد التأبيد دائما عند اهل العربية , قال ابن مالك : "
ومن رأى النفي بـ"لن" مؤبدا... فقوله اردد، وخلافه اعضدا " اهـ.[5]
وقال ابن هشام الانصاري : " وَلنْ حرف يُفِيد النَّفْي والاستقبال بالِاتِّفَاقِ وَلَا يَقْتَضِي تأبيدا خلافًا للزمخشري " اهـ.[6]
وقال الامام ابو حيان : " وَلَمَّا وَعَظَهُمْ هَارُونُ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَا فِيهِ رُشْدُهُمُ اتَّبَعُوا سَبِيلَ الْغَيِّ وقالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَى عِبَادَتِهِ مُقِيمِينَ مُلَازِمِينَ لَهُ، وَغَيُّوا ذَلِكَ بِرُجُوعِ مُوسَى وَفِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ وَأَخَذَ بِتَقْلِيدِهِمُ السَّامِرِيُّ وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَنْ لَا تقتضي التأبيد خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ مَوْضُوعِهَا التَّأْبِيدُ لَمَا جَازَتِ التَّغْيِيَةُ بِحَتَّى لِأَنَّ التَّغْيِيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا حَيْثُ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحْتَمَلًا فَيُزِيلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ بِالتَّغْيِيَةِ " اهـ.[7]
فكلام اهل العربية ان ( لن ) لا تفيد التأبيد , واما ما ورد في القران الكريم بإفادة التأبيد فهو مستفاد من القرينة لا بذات ( لن ) وانما بالقرينة الدالة , فلو كانت لن تفيد التأبيد بذاتها لدل ذلك على تكذيب القران الكريم والعياذ بالله تعالى , وذلك لان لن قد جاءت في القران الكريم ولا تدل على التابيد , كما قال تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) : البقرة } , فقد اخبر الله تعالى انهم لن يتمنوه , وذكر تعالى في الاية كلمة ابدا للتاكيد , ومع هذا نجد في القران الكريم تمني الكفار للموت , كما قال تعالى : { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) : الزخرف } , وقال تعالى { يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) : الحاقة } , وقال تعالى مبينا ان القضاء عليهم هو الموت , والانتهاء مما هم فيه : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) : فاطر } , فقد تمنوا الموت بعد ان ذكر الله تعالى بانهم لن يتمنوه ابدا , وقال تعالى عن احمد اخوة الصديق يوسف عليه السلام قوله : { فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) : يوسف } , فلو كانت للتأبيد مطلاقا لما حدد الفعل بعدها , فالتأبيد مع تحديد الفعل متناقض ، ولقد فصل العلماء المعنى المراد ب ( لن ) بكل وضوح واستدلوا بأدلة متينة عليه , قال الامام الزركشي : " "لَنْ" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَإِنَّ فِي تَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ فَتَقُولُ: لَا أَبْرَحُ فَإِذَا أَرَدْتَ تَأْكِيدَ النَّفْيِ قُلْتَ: لَنْ أَبْرَحَ قَالَ سِيبَوَيْهِ: هِيَ جَوَابٌ لِمَنْ قَالَ: سَيَفْعَلُ يَعْنِي وَالسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ فَجَوَابُهَا كَذَلِكَ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَنْ تَدُلَّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ "لَا" وَكَذَا قَالَ فِي الْمُفَصَّلِ: "لَنْ" لِتَأْكِيدِ مَا تُعْطِيهِ "لَا" مِنْ نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ تراني} قَالَ: هُوَ دَلِيلٌ عَنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. ولن يتمنوه أبدا} ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ عَامَّةِ الْكَفَرَةِ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الآخرة فيقولون: {يا ليتها كانت القاضية} يَعْنِي: الْمَوْتَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَنْفِي الْأَبَدَ وَلَكِنْ إِلَى وَقْتٍ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَنَّ النَّفْيَ بِلَا أَطْوَلُ مِنَ النَّفْيِ بِلَنْ لِأَنَّ آخِرَهَا أَلِفٌ وَهُوَ حَرْفٌ يَطُولُ فِيهِ النَّفَسُ فَنَاسَبَ طُولُ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ "لَنْ" ولذلك قال تعالى: {لن تراني} وَهُوَ مُخَصَّصٌ بِدَارِ الدُّنْيَا وَقَالَ: {لَا تُدْرِكُهُ الأبصار} وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ أَزْمِنَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ تُشَاكِلُ الْمَعَانِيَ وَلِذَلِكَ اخْتُصَّتْ لَا بِزِيَادَةِ مُدَّةٍ وَهَذَا أَلْطَفُ مِنْ رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ وَلِهَذَا أَشَارَ ابْنُ الزَّمْلِكَانِيُّ فِي التِّبْيَانِ بِقَوْلِهِ: "لا" تنفي ما بعد و"لن" تنفي ما قرب وبحسب الْمَذْهَبَيْنِ أَوَّلُوا الْآيَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} {ولا يتمنونه أبدا}
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنْ: {لَا يَتَمَنَّوْنَهُ} جَاءَ بَعْدَ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الموت} وحرف الشرط يعم كل الأزمنة فقوبل بلا لِيُعَمَّمَ مَا هُوَ جَوَابٌ لَهُ أَيْ زَعَمُوا ذَلِكَ فِي وَقْتِ مَا قِيلَ لَهُمْ تَمَنَّوُا الموت وأما {ولن يتمنوه} فَجَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عند الله خالصة} أَيْ: إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ الْآنَ اسْتِعْجَالًا لِلسُّكُونِ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ وَعَلَى وَفْقِ هذا القول جاء قوله: {لن تراني}
قلت: والحق أن "لا" و"لن" لِمُجَرَّدِ النَّفْيِ عَنِ الْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالتَّأْبِيدُ وَعَدَمُهُ يُؤْخَذَانِ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ وَمَنِ احْتَجَّ عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} وبقوله: {لن يخلقوا ذبابا} عورض بقوله: {فلن أكلم اليوم إنسيا} وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّأْبِيدِ لَمْ يُقَيَّدْ مَنْفِيُّهَا بِالْيَوْمِ وبقوله: {ولن يتمنوه أبدا} ولو كانت
لتأبيد لَكَانَ ذِكْرُ الْأَبَدِ تَكْرِيرًا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَبُقُولِهِ: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى} لَا يُقَالُ: هِيَ مُقَيَّدَةٌ فَلَمْ تُفِدِ التَّأْبِيدَ وَالْكَلَامُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَدَّعِي أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ "لَا" لِلِاسْتِغْرَاقِ الْأَبَدِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يقضى عليهم فيموتوا} وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} {ولا يؤوده حفظهما} وَقَوْلِهِ: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سم الخياط} وَغَيْرُهُ مِمَّا هُوَ لِلتَّأْبِيدِ وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ "لَا" دُونَ "لَنْ" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِمُجَرَّدِ النَّفْيِ وَالتَّأْبِيدُ يُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ " اهـ.[8]
فكلام الامام الزركشي صريح بأن التأبيد يؤخذ من ادلة اخرى , وليس من ذات كلمة ( لن ) , وذلك لان كلمة ( لن ) قد جاءت في القران وهي لا تفيد التأبيد , ولا يمكن ان يتعارض القران الكريم , فيجب ان نجمع بين النصوص القرانية , ثم ننظر في كلام اهل اللغة وماذا قالوا لنخرج بالمعنى الصحيح المراد من الفاظ القران الكريم حتى لا نجعل كتاب الله تعالى يضرب بعضه بعضا.
وقال الامام البغوي : " وَتَعَلَّقَتْ نُفَاةُ الرُّؤْيَةِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالُوا: قَالَ الله لَنْ تَرانِي، وَلَنْ تَكُونُ لِلتَّأْبِيدِ [1]، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ كَانَ يسأل الرؤية في الحال ولن لَا تَكُونُ لِلتَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [الْبَقَرَةُ: 95]، إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ فِي الْآخِرَةِ كما قال الله تعالى: وَنادَوْا يَا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: 77]، ويا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) [الْحَاقَّةُ: 27]، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى الجهل بسؤال الرؤية وأنه لم يَقُلْ إِنِّي لَا أَرَى حَتَّى تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ بَلْ عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ وَاسْتِقْرَارُ الجبل عند التَّجَلِّي غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ، وَالْمُعَلَّقَ بِمَا لَا يَسْتَحِيلُ لَا يَكُونُ مُحَالًا " اهـ.[9]
ولقد جاء في كتب الرافضة ان الله تعالى ترائى للنبي صلى الله عليه واله وسلم في بيت فاطمة رضي الله عنها , قال ابن قولويه : " حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القماط، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منزل فاطمة (عليها السلام) والحسين في حجره إذ بكى وخر ساجدا ثم قال: يا فاطمة يا بنت محمد إن العلي الأعلى تراءى لي في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيأ هيئة، وقال لي: يا محمد أتحب الحسين (عليه السلام)، فقلت: نعم قرة عيني وريحانتي وثمرة فؤادي وجلدة ما بين عيني، فقال لي: يا محمد - ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام) - بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني، ولعنتي وسخطي وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناوأه ونازعه، أما انه سيد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة - وذكر الحديث " اهـ.[10]
1 - علل الشرائع - الصدوق - ج 2 ص 497.
2 - الإنصاف - أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني - ص 14.
3 - الاعتقاد – ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي – ج 1 ص 122 – 123.
4 - تنزيه الأنبياء - الشريف المرتضى - ص 139.
5 - شرح الكافية الشافية - محمد بن عبد الله بن مالك – ج 3 ص 1515.
6 - شرح قطر الندى – ابو محمد عبد الله بن يوسف بن هشام – ص 58.
7 - البحر المحيط - أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان الاندلسي – ج 7 ص 374.
8 - البرهان في علوم القران - بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي – ج 2 ص 420 – 422.
9 - تفسير البغوي - أبو محمد الحسين بن مسعود – ج 2 ص 229.
10 - كامل الزيارات - ابن قولويه - ص141 – 142.
دعوى تعارض أحاديث رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة مع القرآن الكريم(*)
مضمون الشبهة
يواصل المغرضون سرد مزاعمهم وأباطيلهم حول السنة النبوية، فينكرون الأحاديث الصحيحة التي تثبت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة كما يرى الواحد منا الشمس والقمر، والتي منها ما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: «كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته...»الحديث.
زاعمين أن هذه الأحاديث تتعارض مع القرآن الكريم، والنظر العقلي السليم.
ويستدلون على ذلك بما جاء في القرآن الكريم من قوله عز وجل: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)، وقوله - عز وجل - عن موسى عليه السلام: )قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني( (الأعراف: ١٤٣)، فهذه الآيات تنص على استحالة رؤية الله - عز وجل - مطلقا، الأمر الذي لا فكاك عنه من ثبوت التعارض بين هذه الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، مما يسوغ رفض هذه الأحاديث وإنكارها.
كما يزعمون أن هذه الأحاديث تخالف النظر العقلي، وتناقض حجة العقل؛ حيث إن الرؤية تستلزم الجهة ومقابلة الرائي، مما يستلزم الجسمية والتحيز، وهذا ممتنع في حق الله تعالى الذي ليس كمثله شيء، ولا يشبه أحدا من مخلوقاته.
ويتساءلون: إذا كانت هذه الأحاديث الواردة في ثبوت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة على هذه الدرجة من التعارض مع القرآن والنظر العقلي فما المانع من إنكارها ورفضها.
رامين من وراء ذلك إلى إنكار السنة النبوية، وإبطال العمل بها، والتشكيك في ثوابت المسلمين وعقيدتهم.
وجها إبطال الشبهة:
1) إن الأحاديث النبوية الواردة في رؤية الله - تبارك وتعالى - في الآخرة أحاديث في أعلى درجات الصحة؛ حيث رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن بطرق صحيحة مختلفة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغت حد التواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - فقد رواها عنه ما يزيد عن عشرين صحابيا، كما لا يوجد تعارض مطلقا بين الأحاديث والآيات القرآنية، فالآيات التي استدل بها المنكرون على امتناع الرؤية هي في الواقع أدل على ثبوت الرؤية من امتناعها، كما أن هناك كثيرا من الأدلة الصريحة في القرآن الكريم على ثبوت الرؤية، ومنها قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة).
2) إن الأدلة العقلية التي اعتمد عليها المنكرون في إثبات دعواهم أدلة متهافتة فاسدة، فما هي إلا مجرد تحكمات عقلية لا دليل عليها؛ حيث قاسوا فيها أحكام الآخرة على أحكام الدنيا، وصفات الخالق على صفات المخلوق، فلا يلزم من رؤية الله وجود الجهة، أو إثبات الجسمية على غرار المخلوقين، فيجب علينا أن نثبت لله - عز وجل - كل ما أثبته لنفسه من صفات، وما أثبته له النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تحريف أو تكييف أو تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، كما أن رؤية الله في الآخرة لا تخالف حجة العقل، فمن تحقيق الكمال لكل موجود أن تتحقق رؤيته، إذا العدم المحض لا كمال فيه، فحق في كامل الوجود والذات والصفات أن يرى بطريق الأولى.
التفصيل:
أولا. الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة صحيحة في أعلى درجات الصحة، ولا تعارض بينها وبين القرآن مطلقا:
إن الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في شأن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، أحاديث صحيحة بل في أعلى درجات الصحة، حيث جاءت في الصحيحين، وفي كتب السنة الأخرى بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة أنها بلغت حد التواتر عنه صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا يستحيل أن ترد هذه الأخبار أو تكذب أو يشك في صحتها بعد أن رواها الثقات عن أمثالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله البجلي قال: «كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا»[1].
وقد رواه من هذا الطريق نفسه - أي طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي - كثير من أصحاب السنن، ومنهم الإمام الترمذي[2]، وابن ماجه[3]، وأبو داود[4]، والإمام أحمد في مسنده[5] وغيرهم، وبنفس اللفظ الوارد في الحديث.
كما روي هذا الحديث من طرق أخرى صحيحة من غير الطريق السابق، فقد روى الإمام الترمذي في سننه من طريق جابر بن نوح الحماني، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ تضامون في رؤية الشمس؟ قالوا: لا، قال: فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»[6].
ورواه الإمام ابن ماجه في سننه من طريق يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظه[7].
كما روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»[8].
وقد روى الإمام مسلم - أيضا - بعض هذه الأحاديث من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - أخبره «أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك...» الحديث[9].
وساقه عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري بلفظه[10].
ولذلك قال الإمام ابن أبي العز: "وأما الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن... وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالها"[11].
وعلى هذا يتبين أن هذه الأحاديث التي وردت في شأن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة أحاديث صحيحة متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحيل على مثلها الكذب أو مجرد الادعاء، ولذلك قال الإمام ابن قتيبة تعليقا على هذا الحديث: "إن هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب؛ لتتابع الروايات عن الثقات به من وجوه كثيرة"[12].
إذا ثبت لدينا صحة هذه الأحاديث، ويقينية ثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المغرضين يعرضون حجتهم في رد هذه الأحاديث بشيء من الدهاء والمكر؛ حيث يزعمون أن هذه الأحاديث تتعارض مع القرآن الكريم في كثير من آياته التي تنفي عنه - عز وجل - التشبيه والتمثيل، وإمكان رؤيته، ويؤيدون حجتهم بالدليل العقلي الذي يحول دون تصديق هذه الأحاديث فيقع مرادهم في رد السنة النبوية وإبطال العمل بها، فهم في ذلك لهم حجتان، إحداهما شرعية والأخرى عقلية، ونحن - بإذن الله - نجيب عن هذه الحجج واحدة تلو الأخرى.
· الرد على الحجة الشرعية في كلام المغرضين.
زعم المغرضون، ومن على شاكلتهم أن الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة - مردودة لتعارضها مع آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)، وقوله تعالى: )ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣).
وفي حقيقة الأمر نجد أن هذه الآيات القرآنية لا تتعارض مطلقا مع الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن، بل هي أدلة قوية عليها؛ حيث تثبت في الوقت نفسه جواز رؤية الله تبارك وتعالى، وإمكانية ذلك دون مانع، وتفصيل ذلك في الآتي:
1. فقوله تعالى: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار( (الأنعام: ١٠٣). هو أدل على جواز الرؤية من امتناعها، وهذا ما يؤكده العلامة ابن الوزير اليماني، بقوله: "هي - أي الآية السابقة - على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه، إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون في الأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وأما تمدح الرب بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقوته، ونفي الأكل والشرب المتضمن لكمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، أنه لا يرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك؛ فإن العدم الصرف لا يرى، ولا تدركه الأبصار، والرب - جل جلاله - يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض؛ فإذا المعنى: أنه يرى، ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله: )وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة( (يونس: ٦١)، أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: )وما مسنا من لغوب (38)( (ق)، أنه كامل القدرة، وفي قوله: )ولا يظلم ربك أحدا (49)( (الكهف): أنه كامل العدل، وفي قوله: )لا تأخذه سنة ولا نوم( (البقرة: ٢٥٥)، أنه كامل القيومية، فقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية... فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به"[13].
وقد أكد الإمام ابن حزم على هذا المعنى في رده على نفاة الرؤية عندما استدلوا بهذه الآية فقال: "وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية، فالإدراك منتف عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة؛ لأن في الإدراك معنى من الإحاطة ليس في الرؤية"[14].
وهذا المعنى - أيضا - هو ما أثبته الإمام ابن تيمية في رده على نفاة رؤية الله - عز وجل - في الدنيا والآخرة عند استدلالهم بهذه الآية فقال: "فالآية حجة عليهم لا لهم؛ لأن الإدراك: إما أن يراد به مطلق الرؤية، أو الرؤية، أو الرؤية المقيدة بالإحاطة، والأول باطل، لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال: إنه أدركه، كما لا يقال: أحاط به، كما سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أكلها ترى؟ قال: لا. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال: إنه أدركها، وإنما يقال: أدركها، إذا أحاط بها رؤية... فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية، فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة، فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد، كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره... ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه - سبحانه وتعالى - ومعلوم أن كون الشئ لا يرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا، ولأن المعدوم - أيضا - لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه"[15].
ومن خلال هذه النصوص يتبين أن المقصود بالآية عدم الإدراك والإحاطة بكنه الله عز وجل. دون امتناع للرؤية أو استحالة لحدوثها؛ إذ مجرد الرؤية لا تقتضي الإدراك والإحاطة. بل هذه الآية دليل واضح على إمكان الرؤية؛ فإن العدم المحض لا يصح التمدح به أو التفضل؛ لأنه ليس بكمال مطلقا.
وذكر الإمام ابن أبي العز هذا الاستدلال نفسه، ثم قال: "فإذن المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: )فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا( (الشعراء)، فلم ينف موسى - عليه السلام - الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية"[16].
وعلى هذا نقطع بأن المراد من الآية ليس نفي الرؤية، وإنما هو نفي الإدراك والإحاطة؛ إذ لا يلزم من الرؤية العلم بكنه المرئي وحقيقة ذاته، وهذا المعني - أيضا - جاء في كتب التفاسير عند تفسير هذه الآية، فقد قال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات، والرؤية ثابتة، قال الزجاج: أي لا يبلغ كنه حقيقته، كما تقول: أدركت كذا وكذا؛ لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحاديث في الرؤية يوم القيامة"[17].
وقد ذكر الإمام ابن كثير هذا المعنى - أيضا - عند تفسير هذه الآية، فنقل عن العلماء قولهم: إنه "لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة؛ فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى...وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم"[18].
هذا قول أهل العلم والمفسرين في هذه الآية، فقد أثبتت أقوالهم أن هذه الآية في حقيقتها دليل على جواز الرؤية وثبوتها لا على امتناعها واستحالتها، فالرؤية ثابتة، والإحاطة والإدراك للحقيقة هما الممتنعان، ولا خلاف بهذا ولا تعارض بين الآيات والأحاديث النبوية في هذا الشأن، فالمؤمنون يرون ربهم في الآخرة - لا شك في هذا - ولكن لا يحيطون به رؤية وإدراكا وتحديدا، فلا يلزم من الرؤية إدراك وإحاطة.
2. أما استدلالهم على ثبوت دعواهم بقوله تعالى: )ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143)( (الأعراف) - فهو استدلال واه ضعيف، فالآية - أيضا - دليل واضح على ثبوت رؤية الله تعالى وإمكانها، لا على امتناعها أو استحالتها، فالله تبارك وتعالى في هذه الآية لم ينف عن ذاته الرؤية أو إمكان حدوثها، وإنما نفى رؤية موسى - عليه السلام - له في الدنيا.
وعلى هذا، فالآية دليل على ثبوت رؤية الله - عز وجل - من وجوه ذكرها الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية، فقال: "أما الآية فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه:
أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال.
الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح - عليه السلام - ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: )إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46)( (هود).
الثالث: أنه تعالى قال: )لن تراني( (الأعراف: ١٤٣)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى - عليه السلام - لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه:
الرابع: وهو قوله سبحانه وتعالى: )ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣)، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟
الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. والكل سواء.
السادس: قوله تعالى: )فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا( (الأعراف: ١٤٣)، فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تعالى أعلم موسى - عليه السلام - أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز؛ ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وأما دعواهم تأبيد النفي بـ(لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة - ففاسد؛ فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: )ولن يتمنوه أبدا( (البقرة: ٩٥)، مع قوله: )ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك( (الزخرف:٧٧)؛ ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: )فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي( (يوسف: ٨٠)، فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد"[19].
وعلى هذا يتضح تمام الاتضاح أن هذه الآية دليل واضح في إثبات رؤية الله وإمكانها، ولا تصلح دليلا على خلاف ذلك، فالله تبارك وتعالى لم ينف عن ذاته الرؤية مطلقا، وإنما نفى عن موسى - عليه السلام - أن يراه وهو في حالته البشرية هذه التي لا يستطيع معها تحمل رؤية الله - عز وجل - لجلاله وعظمته، وإنما تقع هذه الرؤية في الآخرة؛ حيث تبدل الأبصار، وتكتسب القوة لرؤيته - سبحانه وتعالى - وذلك كما قال ابن حزم: "إنه تعالى يرى في الآخرة بقوة غير هذه القوة الموضوعة في العين الآن، لكن بقوة موهوبة من الله عز وجل.
وبيان ذلك أننا نعلم الله تعالى بقلوبنا علما صحيحا - وهذا لا شك فيه - فيضع الله تعالى يوم القيامة في الأبصار قوة يشاهد الله تعالى بها ويرى كالتي وضعها في الدنيا في القلب، وكالتي وضعها الله تعالى في أذن موسى عليه السلام"[20].
وقد ذكر الإمام ابن الوزير اليماني كل هذه الوجوه مفصلة في رده على نفاة الرؤية عند استدلالهم بهذه الآية، وأكد أن هذه الآية دليل عليهم، فهي في إثبات الرؤية أكثر من نفيها[21].
وعلى هذا تذهب حجج منكري السنة ونفاة الرؤية هباء، لا تستقيم أدلتهم على صحة دعواهم، بل هي منعكسة عليهم، وحجة في إبطال قولهم، وبهذا تنتفي حجتهم في التعارض بين الأحاديث النبوية، والقرآن الكريم، وتذهب أقوالهم أدراج الرياح، وتثبت النصوص الشرعية متفقة متلائمة لا خلاف فيها ولا تعارض، ولا يقع بينها تناقض أبدا، بل إن الأدلة من القرآن الكريم جاءت واضحة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، ومن أهم هذه الأدلة، ما يأتي:
1. قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة)؛ ذلك لأن الفعل (نظر) إذا جاء مع حرف الجر (إلى) كان معناه المشاهدة بالعين، وقد أضيفت إلى الوجوه التي هي محل البصر؛ ليفهم أن المراد نظر العين.
2. قوله تعالى: )لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35)( (ق)، وقيل في تفسير: )ولدينا مزيد( أن المقصود بها هو النظر إلى وجه الله عز وجل.
3. قوله تعالى: )للذين أحسنوا الحسنى وزيادة( (يونس: ٢٦)؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»[22].
4. قوله تعالى: )كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15)( (المطففين)، وقد سئل الإمام الشافعي عن هذه الآية، فقال: "لما حجب هؤلاء في السخط، كان في ذلك دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا"[23].
وعليه فلا يوجد أي تعارض بين أحاديث رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة مع القرآن الكريم - كما يزعم الزاعمون.
ثانيا. الأدلة العقلية على نفي رؤية الله تعالى أدلة فاسدة مردودة بالعقل والنقل:
احتج المغرضون ونفاة رؤية الله تعالى بدليل عقلي لثبوت دعواهم؛ وإنفاذ قولهم، ومؤدى هذا الدليل العقلي: أن الرؤية تؤدي إلى ثبوت الجهة لله تعالى، وأن ثبوتها يؤدي إلى التجسيم، وأن الأجسام متماثلة، وأنه يجب في كل مثلين أن يشتركا في كل ما يجب ويجوز ويستحيل، وفي هذه الحالة يجب نفي الرؤية خروجا من التشبيه والتمثيل والتجسيم لله عز وجل.
هذه حجة عقلية خرج بها المغرضون زاعمين نفي الرؤية واستحالتها تنزيها لله تبارك وتعالى عن التجسيم والتشبيه بالمخلوقات، وصفة الرؤية هنا مثلها مثل كثير من صفات الله تبارك وتعالى الثبوتية الخبرية والتي منها: الوجه واليد والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، والتي يظن بها أنها تماثل صفات المخلوقين، فهذه الصفات كلها ثابتة في حق الله تعالى على خلاف ما في أحكامنا؛ حيث إن ذات الله تبارك وتعالى المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، وصفاته كذلك ليست مثل صفات المخلوقين.
وعلى هذا فإننا نثبت لله - تبارك وتعالى - الرؤية على ما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة في القرآن والسنة من غير تحريف ولا تكييف ولا تجسيم، ولا تمثيل، فهو - عز وجل - منزه عن الجسمية والكيفية، وإنما شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية بالرؤية في الحديث، ولم يشبه المرئي بالمرئي.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي"[24].
وكل ما أوردوه على أنه حجج عقلية ما هي إلا تحكمات باطلة لا دليل عليها، فما الجهة التي يثبتونها؟، وأي دليل هناك على أن كل من هو في جهة فهو جسم؟، فهؤلاء وأمثالهم قاسوا أحكام الدنيا وقوانينها على أحكام الآخرة وغيبياتها، وردوا بعقولهم القاصرة النصوص الصحيحة، وكذبوها، مما جاء في الرؤية والاستواء على العرش.
يقول ابن تيمية: "فهذه النصوص يصدق بعضها بعضا، والعقل - أيضا - يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانس له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم أنتم هذا قولا بالجهة وقولا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافيا لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول - والحال هذه - ليس منتفيا لا بشرع ولا عقل.
ويقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة، والجهة ممتنعة؟! أتعنون بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟!
فإن أردتم أمرا وجوديا - وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن - والحالة هذه - في جهة موجودة؛ فقولكم: "إن المرئي لابد أن يكون في جهة موجودة" قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.
وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، والحيز تقدير مكان وتجعلون ما وراء العالم حيزا.
فيقال لكم: الجهة - والحيز - إذا كان أمرا عدميا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي، فإذا كان الخالق تعالى مباينا للمخلوقات، عاليا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به"[25].
وبهذا يتبين أن حجة منكري السنة ومن قبلهم نفاة الرؤية، في سياقها العقلي - تبدو متهافتة واهية لا تقوم إلا على مجموعة من التحكمات العقلية دون دليل أو حجة برهانية واضحة؛ حيث يصرفون ظاهر النصوص إلى تأويلات وتحريفات باطلة يعتمدون فيها قياس أحكام الدنيا وقصور أحوالها على الآخرة وأمور الله - عز وجل - فادعوا وجود جهة لكل مرئي قياسا على وجوده في الدنيا. فقاسوا الغائب على الشاهد، وهذا محال هنا، فما دامت ذات الغائب مباينة للشاهد فكذلك صفاته، فلا يجوز بحال قياس صفات الله تعالى على صفات الإنسان والمخلوقات. كما أن الرؤية لا يلزم عنها الجسمية التي هي في ذهنهم عبارة عن جواهر وأعراض وأجزاء وأبعاض كما هي عند الحوادث.
يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين، بل لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا، فليس لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلق به دين المسلمين... فإذا كان معتقده أن الأجسام متماثلة، وأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو سبحانه ولا سمي له ولا كفو له ولا ند له. فهذه عبارات القرآن تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس ولا نزاع، وإن كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة، وأن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم، فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله ورسوله من علمه وقدرته وسائر صفاته. كقوله تعالى: )ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء( (البقرة: ٢٥٥)، وقوله: )إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)( (الذاريات)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك»[26]، وقوله في الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق»[27]، ويقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي كالمرئي. فهذه عبارات الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس، ولا نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ثم بعد هذا من كان قد تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم الحق حق، لكن ذلك المعنى لابد أن يدل الشرع عليه، فيبينه بالألفاظ الشرعية، وإن قدر أن الشرع لم يدل عليه لم يكن مما يجب على الناس اعتقاده"[28].
هذه هي طريقة السلف وعلماء الأمة في إثبات صفات الله تعالى كلها، فهم يثبتون لله تبارك وتعالى ما أثبته الله ورسوله من جميع الصفات والأسماء دون تكييف أو تمثيل أو تشبيه أو تعطيل. فالله - عز وجل - قد أثبت لنفسه الرؤية صراحة، وأثبتها له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا حاجة لإنكار هذا أو تعطيله.
وعلى هذا؛ فمن خلال هذا العرض لأدلة منكري السنة ونفاة رؤية الله - عز وجل - في الآخرة يتبين أن كل استدلال اعتمدوا عليه في دعواهم، سواء السمعي منها أم العقلي، هو في الأساس حجة عليهم، ودليل قاطع في بطلان دعواهم.
فالأدلة الشرعية متفقة تمام الاتفاق في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة وجاءت بهذا تصريحا - على نحو ما ذكرنا - فلا تعارض مطلقا بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الشأن، والأدلة الواردة في إثبات هذا التعارض هي في حقيقة الأمر أدلة في جواز الرؤية وثبوتها، كما أن أدلتهم العقلية في نفي الرؤية ما هي إلا تحكمات لا دليل عليها ولا حجة فيها.
الخلاصة:
· إن الأحاديث النبوية الورادة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة - أحاديث صحيحة في أعلى درجات الصحة، حيث رواها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، كما وردت في كتب السنة الأخرى بطرق مختلفة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
· لقد بلغت أحاديث إثبات الرؤية حد التواتر عن النبيـ صلى الله عليه وسلم - حيث رواها ما يزيد عن عشرين صحابيا، وعلى هذا يستحيل تكذيب هذه الأخبار، والشك في صحتها بعد أن رواها الثقات عن أمثالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
· إن الآيات القرآنية التي استدل بها المغرضون ونفاة الرؤية على وجود التعارض بينها وبين الأحاديث النبوية - هي في حقيقة الأمر أدلة قاطعة على إثبات الرؤية، فهي دليل عليهم وحجة ضدهم، حيث إنها تثبت في الوقت نفسه جواز رؤية الله تعالى وإمكان حدوثها، ولا تعارض مطلقا بين النصوص الشرعية الصحيحة.
· إن قول الله تعالى: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، من أقوى الأدلة على جواز رؤيته تعالى؛ حيث إن الآية ذكرها الله تعالى على سبيل التمدح. فهي من الصفات الثبوتية له - عز وجل - حيث إن العدم المحض لا يجوز التمدح به إلا إذا أثبت وجودا، وامتناع الرؤية لا يتضمن كمالا في ذاته.
· كما أن الآية السابقة لا تنفي الرؤية، وإنما تنفي الإدراك، فالرؤية لا يلزم عنها إحاطة وإدراك لذات الله العلية؛ حيث إن الإدراك معنى زائد عن النظر والرؤية، فالإدراك منتف عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولا يلزم عن هذا استحالة الرؤية، فأبصار المؤمنين تراه سبحانه في الآخرة ولكن لا تحيط به إدراكا.
· إن قول الله - عز وجل - مخاطبا موسى عليه السلام: )لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣)، هو - أيضا - من أقوى الأدلة على إثبات رؤية اللهـ عز وجل - حيث إن الله تبارك وتعالى نفى عن موسى - عليه السلام - أن يراه في الدنيا على هذه الحالة البشرية الضعيفة ولم يقل إنه لا يرى، كما لا يجوز لموسى - عليه السلام - وهو أعلم الناس بربه أن يسأل الله ما لا يجوز عليه، كما أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، وإنما قال: لن تراني، ولم يقل: إني لا أرى، فالآية - أيضا - دليل واضح على ثبوت الرؤية.
· لقد جاءت نصوص القرآن الكريم مصرحة ومعرضة برؤية الله - عز وجل - في الآخرة، ومن أهمها قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة)، وقوله تعالى: )لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35)( (ق)، وقوله تعالى: )للذين أحسنوا الحسنى وزيادة( (يونس: ٢٦)، وقوله تعالى في شأن الكافرين: )كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15)( (المطففين)، وهذه الآيات كلها تدل بوضوح على ثبوت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة.
· إن الأدلة العقلية التي احتج بها المغرضون على نفي الرؤية - أدلة متهافتة واهية، ليست إلا تحكمات عقلية لا دليل عليها؛ فالله تعالى لا يماثل أحدا من مخلوقاته لا في ذاته ولا في صفاته، فلا يجوز بحال أن نقيس أحكامنا في الدنيا على الآخرة، وعلى أحكام الله - عز وجل - فنحن نثبت لله تبارك وتعالى ما وصف به نفسه، وما وصفه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - دون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، فنثبت لله تعالى العلو والرؤية دون أن يماثل هذا أحدا من المخلوقين، أو يثبت لله الجسمية.
· إن رؤية الله تبارك وتعالى ثابتة عقلا، فالعقل يقر بأن كل موجود تجوز رؤيته، ولا يلزم من ذلك الجسمية والتشبيه لله تعالى، فالله تعالى مباين للخلق، ليس كمثله شيء، وعلى هذا فرؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ثابتة بالعقل والنقل، ومن ثم فلا تعارض مطلقا بين القرآن والسنة.
(*) تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق: أبو المظفر سعيد بن محمد السناري، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م. العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.
[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى ) وجوه يومئذ ناضرة (22) (، (13/ 429)، رقم (7434). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر..، (3/ 1212)، رقم (1407).
[2]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى، (7/ 224)، رقم (2675). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2551).
[3]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، (1/ 63)، رقم (177). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (177).
[4]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: السنة، باب: في الرؤية، (13/ 37)، رقم (4714). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (4729).
[5]. صحيح: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند الكوفيين، من حديث جرير بن عبد الله، رقم (19271). وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[6]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى، (7/ 228)، رقم (2679). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2554).
[7]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، (1/ 63)، رقم (178). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (178).
[8]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، (2/ 648)، رقم (442).
[9]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، (2/ 651)، رقم (445).
[10]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، (2/ 652)، رقم (447).
[11]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص128، 129.
[12]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق: أبو المظفر سعيد بن محمد السناري، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص273.
[13]. العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 199، 200).
[14]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1405هـ / 1985م، (3/ 8).
[15]. منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، 1425هـ/ 2004م، (2/ 134).
[16]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص127، 128.
[17]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، (7/ 54).
[18]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، (2/ 161).
[19]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص126، 127.
[20]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، (3/ 8).
[21]. انظر: العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 192: 194).
[22]. صحيح مسلم، (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين ـ في الآخرة ـ لربهم، (2/ 648)، رقم (442).
[23]. انظر تفصيل هذه الأدلة وغيرها في: العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 205:195). شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص126:123. شرح العقيدة الواسطية، محمد صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، السعودية، ط3، 1416هـ، (1/ 454:448).
[24]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (3/ 47).
[25]. درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، د. ت، (1/ 253، 254).
[26]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة، (11/ 187)، رقم (6382).
[27]. صحيح: أخرجه النسائي في سننه الكبرى، كتاب: صفة الصلاة، باب: نوع آخر، رقم (1228). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (1305).
[28]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (17/ 320:318).
موقع بيان الإسلام ..