آخر تحديث للموقع :

الجمعة 4 رمضان 1442هـ الموافق:16 أبريل 2021م 02:04:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

تبرك الشافعي بقبرِ أَبي حنِيفة رحمهما الله ..

تاريخ الإضافة 2013/11/20م

تبرك الشافعي بقبرِ أَبي حنِيفة رحمهما الله ..

إن مما لا شك فيه أن منهجَ أهلِ السنةِ والجماعةِ هو المنهجُ الحقُ الذي ارتضاهُ اللهُ لعبادهِ ، ولذا وجه أعداءُ أهلِ السنةِ والجماعةِ من المبتدعةِ وغيرِهم سهامهم للنيلِ منه ومن رموزهِ من العلماءِ والدعاةِ إلى اللهِ ، ورميهم بأبشعِ الألقابِ ، وقد نال أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ - أبو حنيفةَ ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل - نصيباً من تلك السهام ، فنُسب إليهم زوراً وبهتاناً بعد التحققِ من صحةِ نسبتها بعضُ القصصِ والمروياتِ المكذوبةِ التي تقدح في عقائدهم ، ولكن هيهات هيهات أن ينالوا من أولئك الجبال الأعلام رحمهم الله .

وهنا نستعرضُ قصصاً نُسبت إلى الأئمةِ الأربعةِ - أبي حنيفةَ ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل - في العقيدة وغيرها مع بيانِ عللها ، وكلام أهل العلم فيها ، ذباً عن عرضهم ، ونصحاً للأمةِ من الاغترارِ بها.

ونبدأ بقصةِ لا تثبتُ عن الإمامِ الشافعي ، يتشدقُ بها البعض في مسألةِ التوسلِ بالأمواتِ الصالحين، ولا تكاد تجدُ مبتدعاً يتكلمُ عن التوسلِ إلا ويوردُ قصة توسل الشافعي بقبرِ أبي حنيفة لكي يحتجُ بها على أهلِ السنةِ في تجويزِ التوسلِ بالصالحين 

ونقول كما قال الأولون : " أثبت العرش ثم انقش " .

نَصُ القِصَّةِ:

أخرجَ الخطيبُ البغدادي في " تاريخ بغداد " (1/123) بسنده فقال : أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري ، قال : أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال : نبأنا مُكرم بن أحمد قال : أنبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال : نبأنا علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : إني لأتبرك بأبي حنيفة ، وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت لي حاجة صليتُ ركعتين وجئت إلى قبره ، وسألت الله تعالى عنده ، فما تبعد عني حتى تُقضى.

نَقْدُ العُلَمَاءِ لِلقِصَّةِ:

انتقد علماءُ أهلِ السنة القصة ، وطعنوا في صحتها ، وإليك أخي ما قاله أهل العلم فيها:

كذب شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله القصة ورد على ما جاء فيها فقال في " اقتضاء الصراط المستقيم " (2/692): " ... الثاني : أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسناً لفعله المتقدمون ، ولم يفعلوه ، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات ، وهي لا تتناقض ، وإذا اختلف فيها المتأخرون فالفاصل بينهم : هو الكتاب والسنة ، وإجماع المتقدمين نصاً واستنباطا فكيف – والحمد لله - لم ينقل عن إمام معروف ولا عالم متبع . بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه ، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال : ...فذكره أو كلاما هذا معناه ، وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل ، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا ، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين ، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء . فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده . ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم ، ولم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره .

ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها ، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه . وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ،ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبه أحاديث عمن لا ينطلق عن الهوى صلى الله عليه وسلم لما جاز التمسك بها حتى تثبت ، فكيف بالمنقول عن غيره ؟ ا.هـ.

وقال الإمامُ ابنُ القيمِ في " إغاثة اللهفان " (1/246) : والحكايةُ المنقولةُ عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاءَ عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر .ا.هـ.

وقال العلامة المعلمي في " طليعة التنكيل " ( ص58 - 60) بعد أن بين ضعف سندها ، وفصل فيه : هذا حال السند ، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء ، ويؤكد ذلك حال القصة ، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة ، وتحريه قصده للدعاء عنده بعيد أيضا ؛ إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة ، فأما تحري الصلاة عنده ، فأبعد وأبعد .ا.هـ.

وقال العلامة الألباني عن سند هذه القصة في الضعيفة (1/31ح22) :

فهذه رواية ضعيفة بل باطلة فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال ، ويحتمل أن يكون هو " عمرو - بفتح العين - بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي وقد ترجمه الخطيب وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجا سنة 341هـ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال ، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة 247هـ على أكثر الأقوال فبين وفاتيهما نحو مائة سنة فيبعد أن يكون قد أن يكون قد أدركه.

وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل .اهـ.

وقد رد العلامة الألباني على الكوثري في نفس الموضع فقال :

وأما قول الكوثري في مقالاته: وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح. فمن مبالغاته بل مغالطاته ا.هـ.

وقال محمد نسيب الرفاعي في " التوصل إلى حقيقة التوسل " ( ص 331 - 332) :

26-
توسل الشافعي بأبي حنيفة رضي الله عنهما

قال ابن حجر المكي في كتابه المسمى (( الخيرات الحسان )) في مناقب أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة يجيء إلى ضريحه يزوره فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله به في قضاء حاجاته .

الكلام على متن هذا الخبر

من المعلوم أن معنى التوسل هو القربى والمتوسل عليه ولا شك أن يتحرى في توسله أن يكون هذا من النوع الموافق لعقيدة هذا المتوسل به فإذا كان الذي يريد أن يتوسل به يكره ويحرم هذا النوع من التوسل فكيف يعقل من أحد أن يقدم على عمل هو مكروه عند التوسل به ؟ لأنه موقن بأن المتوسل إليه به لا يقبل قطعاً هذا التوسل لا سيما وقد منعه منعا باتاً على ألسنة رسله من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن أبا حنيفة كان لا يجيز التوسل إلى الله بأحد من خلقه فقد ثبت عنه أنه قال : " لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول : أسألك بمعاقد العز من عرشك وأن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام " .

ولا شك أن الشافعي يعلم هذا من مذهب أبي حنيفة في التوسل فكيف يتوسل به وهو يكره هذا النوع من التوسل بل ويحرمه فهل من المعقول بعد أن يعلم الشافعي من أبي حنيفة ذلك أن يتوسل به هذا غير معقول البتة بل هو إغضاب لأبي حنيفة لأنه يكرهه ويحرمه لأن الله كرهه ويحرمه ولا شك أن الشافعي وأبا حنيفة رضي الله عنهما لا يحبان إلا ما يحب الله ولا يكرهان إلا ما يكرهه الله سبحانه وتعالى فكيف يتقرب الشافعي إلى الله بالتوسل بأبي حنيفة بما يغضب الله وأبا حنيفة حاشاه من ذلك وهو بريء مما نسب إليه ولكن ماذا نقول للكذابين والمفترين أننا نشكوهم إلى الله تعالى : اللهم عاملهم بما يستحقون.

قال في "تبعيد الشيطان": والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر . اهـ .

إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم (قول منسوب للشافعي)
قول منسوب إلى الشافعي أنه قال"إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى" (تاريخ بغداد 1/ 123).
هذه الرواية سندها إلى الشافعي فيه مجاهيل كما حكى العلامة المعلمي. قال الشيخ الألباني في (سلسلة الضعيفة 1/ 31) "هذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو(عمرو) بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبومحمد التونسي. وقد ترجمه الخطيب (12/ 226) وذكر أنه بخاري قدم حاجا سنة (341) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهومجهول الحال، ويبعد أن يكون هوهذا، إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (247) على أكثر الأقوال، فبين وفاتهما نحومائة سنة، فيبعد أن يكون قد أدركه".
أنتم مطالبون بتبيين صحة سند هذه الرواية. وإلا فأنتم محجوجون بقول الشافعي"مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهولا يدري" (فيض القدير 1/ 433). فأنتم حُطاب ليل إن لم تأتوا بالسند صحيحا. هذا من مذهب الشافعي.
ومعلوم أن الأحباش أشاعرة، والأشاعرة يشترطون في العقاند تواتر السند ولا يكفيهم مجرد صحته. فهل هذه الرواية متواترة؟
أما نحن فنأتيكم بسند قوي عن الشافعي من كتبه، فقد قال"وأكره أن يعظَم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس" (أنظر الأم 1/ 278 المهذب 1/ 139 - 14 روضة الطالبين 1/ 652 المجموع 5/ 266 و8/ 257) وهذا تناقض بين القول والفعل ينزه عنهمالشافعي. ولوكان هذا التبرك صحيحا لقال له الناس كيف تخشى على الناس فتنة لا تخشاها على نفسك!
ولوكان الشافعي محبذا للتبرك بالقبور لما
نهى عن البناء عليها وأنتم لا توافقون على ذلك وتعتبرون ما فعله أهل اليمن من هدم للبناء على القبور هدماً للقبر نفسه فاسمعوا فتوى الشافعي الموافقة لما فعله أهل اليمن:
ففي عصر الشافعي لم يكن ببغداد قبر لأبي حنيفة ينتاب الناس للدعاء عنده ألبته. وكان المعروف عند أهل العلم هدم ما يبنى على القبور وذلك باعتراف الشافعي نفسه. فقد روى عنهمالنووي قوله فيما يبنى على القبر"رأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك" (المجموع 5/ 298 شرح مسلم للنووي 7/ 24 الجنائز باب (32). وانظر مواهب الجليل 3/ 65). والله لوجاءكم الشافعي لرفضتموه ولقلتم له"أصابتك عدوى الوهابية".
وصرح البيضاوي بأن اليهود والنصارى كانوا يتوجهون إلى قبور صلحائهم بالصلاة والدعاء (حاشية سنن النسائي 2/ 42) وجاء في (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) النهي عن الدعاء عند القبور (وانظر حاشية ابن عابدين على رد المحتار 2/ 439 البحر الرائق 2/ 298 روح المعاني للآلوسي الحنفي 17/ 313 مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) فالشافعي لا يمكن أن يشابه اليهود والنصارى. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة أن علي بن الحسين رضي الله عنه رأى رجلا يأتي فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال:"ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وسلموا على فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"قال السخاوي"وهوحديث حسن" (قاله في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص228 ط: مكتبة المؤيد. وذكره البخاري في التاريخ الكبير 2/ 3 - 289 وانظر مصنف عبد الرازق (6694) ومصنف ابن أبي شيبة 2/ 375).
ولقد كان أبرز من تمسك بهذه الرواية الواهية شيخكم الكوثري في مقالاته
(381). وهوهوالذي كتب كتاباً اسمه"التأنيب في رد أكاذيب الخطيب"حذر فيه من الروايات المختلقة على أبي حنيفة الطاعنة فيه والتي حواها الخطيب في كتابه. وقد تلقف الرواية عنه رجال متهمون بالوضع والكذب كأبي مقاتل السمرقندي وأبي محمد الحارثي وأبي مطيع البلخي (إلا أن روايات أبي مطيع عن أبي حنيفة قد رواها آخرون ثقات ولم يكن من أبي مطيع بعدهم إلا تجميعها كما حكاه المرتضى الزبيدي في إتحاف السادة 2/ 14 جمعها فقط. فتنبه من تلبيس القوم، فإنهم تارة يحتجون برواياته (الدليل القويم 56 و78) وتارة يردونها اذا كان فيها ما يخالف عقيدتهم كما فعلوا في الراسلة التي تثبت تكفير أبي حنيفة لمتكر علوالله في السماء) وأبي المنذر البجلي وإبان بن جعفر النجيرمي. لكنه لا يعتبر هذه الرواية من الأكاذيب لأنها ترفع من شأن مذهبه ولوعلى حساب الشافعي.
وكم في تاريخ الخطيب من الأسانيد الواهية. فإذا كنتم مصرين على الأخذ بهذه الرواية من غير تحقق من سندها فخذوا بما ذكره الخطيب من الروايات وسكت عليه:
وخذوا برواية"الكرسي الذي يجلس عليه الرب عز وجل، وما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد"قال الخطيب: قال أبوبكر المروذي قال لي أبوعلي الحسين بن شبيب قال لي أبوبكر بن العابد - حين قدمنا بغداد- أخرج ذلك الحديث الذني كتبناه عن أبي حمزة، فكتبه أبوبكر بن سلم بخطه وسمعناه جميعاً، وقال أبوبكر بن سلم"إن الموضع الذي يفضل لمحمد صلى الله عليه وسلم ليجلسه عليه، قال أبوبكر الصيدلاني: من رد هذا فإنما أراد الطعن على أبي بكر المروذي وعلى أبي بكر بن سلم العابد" (تاريخ بغداد 8/ 52). ونحن لا نقول بهذا ولا نصححه ولكن ذكرناه للحجة.
وأما رواية ابن عباس التي أوردها الخطيب في تاريخه (9/ 251) والتي تقشعر منها أبدانكم حيث فسر قوله تعالى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} قال
"كرسيه موضع قدميه". فهي رواية صحيحة يثبتها الخطيب وتستنكرها قلوبكم.
وخذوا برواية"رأيت ربي في صورة شاب أمرد" (تاريخ بغداد 11/ 214).
وخذوا بحديث أن الله استوى على العرش حتى يُسمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد" (تاريخ بغداد 1/ 295).
وخذوا بحديث"أنا مدينة العلم وعلي بابها" (تاريخ بغداد 2/ 377)
وخذوا بحديث"من لم يقل: عليٌّ خير الناس فقد كفر" (تاريخ بغداد 3/ 192).
فكتب التاريخ لا تلتزم صحة ما تنقله من الأخبار، وقليل منهم من يمحص ما ينقله. مثال ذلك تاريخ الطبري الذي هوأفضل كتاب في التاريخ، ومع ذلك فقد قال في مقدمة تاريخه (1/ 8) "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أويستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة: فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدّينا ذلك على نحوما أُدِّيَ إلينا".
وهذا الشأن ليس في كتب التاريخ فحسب: بل في كتب الحديث، وهوفي كتب الفقه أكثر.
فلا حجة تقوم لكم قبل تصحيح السند. قال الإمام المازري"عادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك قال الشافعي فيما لم يثبت" (طبقات السبكي 6/ 241 محققة).
ولا يخفاك أيها المنصف أنه لم يُكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم فقط وإنما كذب كثيرون على الأئمة لترويج ضلالاتهم باسم أئمة المذاهب. اتخذوا مذهب الشافعي جُنةً فصدوا عن سبيل الله. ويا ليتهم كانوا على مذهب الشافعي ونهجه السني.
وقد جرى كثير من الفقهاء على العناية بسند الحديث فقط. ويتساهلون في الرواية عن أئمة المذاهب من غير توثيق، فإن النهي عن الاستدلال بالضعيف ليس مقصوراً على الحديث النبوي دون غيره!
ألعلهم يظنون أن كل ما ورد عن الشافعي أوأحمد يجب أن يكون صحيحاً تقوم به الحجة؟ إذا كان الأمر كذلك فليأخذوا بما رواه حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه كان يقول"
وإذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام" (البداية والنهاية لابن كثير 8/ 142، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدي 2/ 363 ط دارطيبة) وهم يطعنون صباح مساء في معاوية وعمروبن العاص وجملة من الصحابة رضي الله عنه.
ثم أين كان يعيش الشافعي ليأتي قبر أبي حنيفة (كل يوم) وقد كان في أول أمره بالحجاز ثم انتقل إلى مصر.
وقد كان الشافعي بالحجاز بمكة والمدينة وفيها قبر من هوخير من أبي حنيفة: وهوقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبور أصحابه، فلم يعرف عنه أنه كان يأتيه ليدعوعنده ويتبرك به .. فما له يفضل قبر أبي حنيفة على قبر سيد ولد آدم وصحابته؟!
أأنتم أعلم بمذهب الشافعي أم النووي الذي حكى إجماع الأمة على النهي عن الاقتراب من القبر ولمسه باليد وتقبيله، ونقل مثله عن الحليمي والزعفراني وأبي موسى الأصبهاني؟ فمن المخالف لإجماع الأمة!
قد نهى أبوحنيفة عن التوسل إلى الله بأنبيائه - ولا يمكن أن يكون ذلك خافياً على الشافعي - فهل يرضى أبوحنيفة أن يتخذ أحد قبره للصلاة والعبادة؟ نعم الصلاة معناها الدعاء قال تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} والدعاء هوكما قال النبي صلى الله عليه وسلم"الدعاء هوالعبادة"فمن اتخذ قبراً للدعاء عنده فقد اتخذه للصلاة والعبادة. فأبوحنيفة والشافعي يكرهان ما يكرهه الله.
ولم يكن أحد من أصحاب أبي حنيفة وطبقته كمحمد وأبي يوسف يتحرون الدعاء عند قبره بعد موته. ولا يزالون ينكرون على من يمس القبر ويقولون كما في الفتاوى البزازية والتتارخانية ورد المحتار أن مس الرجل القبر للتبرك من عادة النصارى.
والحمد لله الذي عصمنا من التقليد الأعمى، فلقد علمنا الشافعي أن ندور مع الكتاب والسنة مهما عظم الرجال قائلا"إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول صلى الله عليه
وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط". وقال ابن عباس"ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"وبناء على تعاليم الشافعي نضرب بفعله المزعوم (إن صح) عرض الحائط ونتمسك بقول النبي صلى الله عليه وسلم"ألا لا تتخذوا قبور أنبيائكم وصلحائكم مساجد فإني أنهاكم عن هذا".
وهذا أصل يعلم الله كم خالفتم فيه الشافعي وسائر الأئمة الأفاضل.
فالحق والشافعي حبيبان إلى قلوبنا: فان افترقا فالحق أحب إلى قلوبنا من الشافعي.
وعلى افتراض صحة سندها فإنكم لا تزالون مخالفين للشافعي، فالرواية تفيد بأن الشافعي كان يدعوالله عند القبر وأما أنتم فتدعون القبر نفسه فتقولون المدد يا رفاعي مدد يا أولياء وتمسحون وجوهكم وأيديكم بالقبر، وتتوجهون إلى قبر الرفاعي من أي مكان في العالم وتخطون نحوه ثلاث خطوات وهيهات أن يفعل الشافعي ذلك.

ماذا يروى عن الشافعي أنه كان يقول عن أبي حنيفة وقبره؟


ورُويَ عن الشَّافعي أنه كان يقولُ: "إنّي لأتبرَّكُ بأبي حنيفةَ وأجيءُ إلى قبرِهِ في كلّ يومٍ ـ يعني زائرًا ـ فإذا عَرَضَت لي حاجةٌ صلَّيتُ ركعتينِ وجئتُ إلى قبرِهِ وسألتُ الله تعالى الحاجةَ عندَهُ فما تَبعُدُ عني حتى تُقضَى".

الـــرد المــــفــصــل

هذا لم يثبت عن الشافعي

بل الشافعي يكذبه بالدليل من كتبه: قال الشافعي " وأكره أن يعظَم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس"
(كتاب الأم1/278 المهذب1/139 روضة الطالبين1/652 المجموع شرح المهذب للنووي5/266و8/257).

ولما سئل عن هدم القبور المرتفعة أجازه وأخبر أن العلماء أفتوا بذلك. فقد نقل النووي عن الشافعي أنه قال فيما يبنى على القبر " رأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك " .

فإن في سند الرواية إلى الشافعي مجاهيل وانقطاع. عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو (عمرو) بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي. ترجمه الخطيب ( 12 / 226 ) وذكر أنه بخاري قدم حاجا سنة ( 341 ) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا، إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (247) على أكثر الأقوال، فبين وفاتهما نحو مائة سنة، فيبعد أن يكون قد أدركه ".
 
 إن مما لا شك فيه أن منهجَ أهلِ السنةِ والجماعةِ هو المنهجُ الحقُ الذي ارتضاهُ اللهُ لعبادهِ ، ولذا وجه أعداءُ أهلِ السنةِ والجماعةِ من المبتدعةِ وغيرِهم سهامهم للنيلِ منه ومن رموزهِ من العلماءِ والدعاةِ إلى اللهِ ، ورميهم بأبشعِ الألقابِ ، وقد نال أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ - أبو حنيفةَ ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل - نصيبا من تلك السهام ، فنُسب إليهم زوراً وبهتاناً بعد التحققِ من صحةِ نسبتها بعضُ القصصِ والمروياتِ المكذوبةِ التي تقدح في عقائدهم ، ولكن هيهات هيهات أن ينالوا من أولئك الجبال الأعلام رحمهم الله .

وفي هذه السلسلةِ نستعرضُ قصصاً نُسبت إلى الأئمةِ الأربعةِ - أبي حنيفةَ ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل - في العقيدة وغيرها مع بيانِ عللها ، وكلام أهل العلم فيها ، ذباً عن عرضهم ، ونصحاً للأمةِ من الاغترارِ بها حين إيرادها من قِبل المبتدعةِ .

ونبدأ بقصةِ لا تثبتُ عن الإمامِ الشافعي ، يتشدقُ بها المبتدعة ُ من الصوفية ِ وغيرهم في مسألةِ التوسلِ بالأمواتِ الصالحين ، ولا تكاد تجدُ مبتدعاً يتكلمُ عن التوسلِ إلا ويوردُ قصة توسل الشافعي بقبرِ أبي حنيفة لكي يحتجُ بها على أهلِ السنةِ في تجويزِ التوسلِ بالصالحين .

ونقول كما قال الأولون : " أثبت العرش ثم انقش " .

نَصُ القِصَّةِ :

أخرجَ الخطيبُ البغدادي في " تاريخ بغداد " (1/123) بسنده فقال :
أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري ، قال : أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ قال : نبأنا مُكرم بن أحمد قال : أنبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال : نبأنا علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : إني لأتبرك بأبي حنيفة ، وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت لي حاجة صليتُ ركعتين وجئت إلى قبره ، وسألت الله تعالى عنده ، فما تبعد عني حتى تُقضى .

نَقْدُ العُلَمَاءِ لِلقِصَّةِ :

انتقد علماءُ أهلِ السنة القصة ، وطعنوا في صحتها ، وإليك أخي ما قاله أهل العلم فيها :

كذب شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله القصة ورد على ما جاء فيها فقال في " اقتضاء الصراط المستقيم " (2/692) :
" ...
الثاني : أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون ، ولم يفعلوه ، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات ، وهي لا تتناقض ، وإذا اختلف فيها التأخرون فالفاصل بينهم : هو الكتاب والسنة ، وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا فكيف - والحمدلله - لم ينقل عن إمام معروف ولا عالم متبع . بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه ، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال : ...فذكره أو كلاما هذا معناه ، وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل ، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا ، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين ، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء . فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده . ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم ، ولم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره .

ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها ، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه . وإما ان يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ،ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبه احاديث عمن لاينطلق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت . فكيف بالمنقول عن غيره ؟ ا.هـ.

وقال الإمامُ ابنُ القيمِ في " إغاثة اللهفان " (1/246) : والحكايةُ المنقولةُ عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاءَ عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر .ا.هـ.

وقال المعلمي في " طليعة التنكيل " ( ص58 - 60) بعد أن بين ضعف سندها ، وفصل فيه : هذا حال السند ، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء ، ويؤكد ذلك حال القصة ، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة ، وتحريه قصده للدعاء عنده بعيد أيضا ؛ إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة ، فأما تحري الصلاة عنده ، فأبعد وأبعد .ا.هـ.

وقال العلامة الألباني عن سند هذه القصة في الضعيفة (1/31ح22) :
فهذه رواية ضعيفة بل باطلة فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال ، ويحتمل أن يكون هو " عمرو - بفتح العين - بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي وقد ترجمه الخطيب وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجا سنة 341هـ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال ، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة 247هـ على أكثر الأقوال فبين وفاتيهما نحو مائة سنة فيبعد أن يكون قد أن يكون قد أدركه .

وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل .ا.هـ.

وقد رد العلامة الألباني على الكوثري في نفس الموضع فقال :
وأما قول الكوثري في مقالاته : وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند صحيح . فمن مبالغاته بل مغالطاته ا.هـ.

وقال محمد نسيب الرفاعي في " التوصل إلى حقيقة التوسل " ( ص 331 - 332) :
26-
توسل الشافعي بأبي حنيفة رضي الله عنهما
قال ابن حجر المكي في كتابه المسمى (( الخيرات الحسان )) في مناقب أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة يجيء إلى ضريحه يزوره فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله به في قضاء حاجاته .

الكلام على متن هذا الخبر
من المعلوم أن معنى التوسل هو القربى والمتوسل عليه ولا شك أن يتحرى في توسله أن يكون هذا من النوع الموافق لعقيدة هذا المتوسل به فإذا كان الذي يريد أن يتوسل به يكره ويحرم هذا النوع من التوسل فكيف يعقل من أحد أن يقدم على عمل هو مكروه عند التوسل به ؟ لأنه موقن بأن المتوسل إليه به لا يقبل قطعاً هذا التوسل لا سيما وقد منعه منعا باتاً على ألسنة رسله من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن أبا حنيفة كان لا يجيز التوسل إلى الله بأحد من خلقه فقد ثبت عنه أنه قال : " لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول : أسألك بمعاقد العز من عرشك وأن يقول بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام " .

ولا شك أن الشافعي يعلم هذا من مذهب أبي حنيفة في التوسل فكيف يتوسل به وهو يكره هذا النوع من التوسل بل ويحرمه فهل من المعقول بعد أن يعلم الشافعي من أبي حنيفة ذلك أن يتوسل به هذا غير معقول البتة بل هو إغضاب لأبي حنيفة لأنه يكرهه ويحرمه لأن الله كرهه ويحرمه ولا شك أن الشافعي وأبا حنيفة رضي الله عنهما لا يحبان إلا ما يحب الله ولا يكرهان إلا ما يكرهه الله سبحانه وتعالى فكيف يتقرب الشافعي إلى الله بالتوسل بأبي حنيفة بما يغضب الله وأبا حنيفة حاشاه من ذلك وهو بريء مما نسب إليه ولكن ماذا نقول للكذابين والمفترين أننا نشكوهم إلى الله تعالى : اللهم عاملهم بما يستحقون .

قال في (( تبعيد الشيطان )) : والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر . اهـ .


إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره (منسوب للشافعي)


قول منسوب إلى الشافعي أنه قال « إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى» (تاريخ بغداد1/123).
هذه الرواية سندها إلى الشافعي مجاهيل كما حكى العلامة المعلمي. قال الشيخ الألباني في (سلسلة الضعيفة1/31) « هذه رواية ضعيفة بل باطلة».
إن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو (عمرو) بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي. وقد ترجمه الخطيب (12 / 226) وذكر أنه بخاري قدم حاجا سنة (341) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا، إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (247) على أكثر الأقوال، فبين وفاتهما نحو مائة سنة، فيبعد أن يكون قد أدركه» .
أقول: أنتم مطالبون بتبيين صحة سند هذه الرواية. وإلا فأنتم محجوجون بقول الشافعي « مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري» (فيض القدير 1/433). فأنتم حُطاب ليل إن لم تأتوا بالسند صحيحا. هذا من مذهب الشافعي.
وهؤلاء يشترطون في العقاند تواتر السند ولا يكفيهم مجرد صحته. فهل هذه الرواية متواترة ؟
أما نحن فنأتيكم بسند قوي عن الشافعي من كتبه، فقد قال « وأكره أن يعظَم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (أنظر الأم 1 / 278 المهذب 1 / 139 - 140 روضة الطالبين 1 / 652 المجموع 5 / 266 و 8 / 257) وهذا تناقض بين القول والفعل ينزه عنه الشافعي. ولو كان هذا التبرك صحيحا لقال له الناس كيف تخشى على الناس فتنة لا تخشاها على نفسك!
ولو كان الشافعي محبذا للتبرك بالقبور لما نهى عن البناء عليها وأنتم لا توافقون على ذلك وتعتبرون ما فعله أهل اليمن من هدم للبناء على القبور هدماً للقبر نفسه فاسمعوا فتوى الشافعي الموافقة لما فعله أهل اليمن:
ففي عصر الشافعي لم يكن ببغداد قبر لأبي حنيفة ينتاب الناس للدعاء عنده ألبته. وكان المعروف عند أهل العلم هدم ما يبنى على القبور وذلك باعتراف الشافعي نفسه. فقد روى عنه النووي قوله فيما يبنى على القبر « رأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك» (المجموع 5/ 298 شرح مسلم للنووي 7/ 24 الجنائز باب (32). وانظر مواهب الجليل 3/ 65). والله لو جاءكم الشافعي لرفضتموه ولقلتم له أصابتك عدوى الوهابية .
وصرح البيضاوي بأن اليهود والنصارى كانوا يتوجهون إلى قبور صلحائهم بالصلاة والدعاء (حاشية سنن النسائي 2/ 42) وجاء في (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) النهي عن الدعاء عند القبور (وانظر حاشية ابن عابدين على رد المحتار 2/ 439 البحر الرائق 2/ 298 روح المعاني للآلوسي الحنفي 17/ 313 مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) فالشافعي لا يمكن أن يشابه اليهود والنصارى. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة أن علي بن الحسين رضي الله عنه رأى رجلا يأتي فرجة كانت عند قبر النبي e فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: « ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله e قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وسلموا على فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» قال السخاوي « وهو حديث حسن» (قاله في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص228 ط: مكتبة المؤيد. وذكره البخاري في التاريخ الكبير 2/3-289 وانظر مصنف عبد الرازق (6694) ومصنف ابن أبي شيبة 2 / 375).
ولقد كان أبرز من تمسك بهذه الرواية الواهية الكوثري في مقالاته (381) وهو الذي كتب كتاباً اسمه « التأنيب في رد أكاذيب الخطيب» حذر فيه من الروايات المختلقة على أبي حنيفة الطاعنة فيه والتي حواها الخطيب في كتابه. وقد تلقف الرواية عنه رجال متهمون بالوضع والكذب كأبي مقاتل السمرقندي وأبي محمد الحارثي وأبي مطيع البلخي (إلا أن روايات أبي مطيع عن أبي حنيفة قد رواها آخرون ثقات ولم يكن من أبي مطيع بعدهم إلا تجميعها كما حكاه المرتضى الزبيدي في إتحاف السادة 2 / 14 جمعها فقط. فتنبه من تلبيس القوم، فإنهم تارة يحتجون برواياته (الدليل القويم 56 و78) وتارة يردونها اذا كان فيها ما يخالف عقيدتهم كما فعلوا في الرسلة التي تثبت تكفير أبي حنيفة لمنكر علو الله في السماء) وأبي المنذر البجلي وإبان بن جعفر النجيرمي. لكنه لا يعتبر هذه الرواية من الأكاذيب لأنها ترفع من شأن مذهبه ولو على حساب الشافعي .
وكم في تاريخ الخطيب من الأسانيد الواهية. فإذا كنتم مصرين على الأخذ بهذه الرواية من غير تحقق من سندها فخذوا بما ذكره الخطيب من الروايات وسكت عليه:
وخذوا برواية « الكرسي الذي يجلس عليه الرب عز وجل، وما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد». قال الخطيب: « قال أبو بكر المروذي قال لي أبو علي الحسين بن شبيب قال لي أبو بكر بن العابد - حين قدمنا بغداد- أخرج ذلك الحديث الذي كتبناه عن أبي حمزة، فكتبه أبو بكر بن سلم بخطه وسمعناه جميعاً، وقال أبو بكر بن سلم « إن الموضع الذي يفضل لمحمد e ليجلسه عليه، قال أبو بكر الصيدلاني: من رد هذا فإنما أراد الطعن على أبي بكر المروذي وعلى أبي بكر بن سلم العابد» (تاريخ بغداد 8/52). ونحن لا نقول بهذا ولا نصححه ولكن ذكرناه للحجة.
وأما رواية ابن عباس التي أوردها الخطيب في تاريخه (9/ 251) والتي تقشعر منها أبدانكم حيث فسر قوله تعالى ]وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ[ قال « كرسيه موضع قدميه». فهي رواية صحيحة يثبتها الخطيب وتستنكرها قلوبكم.
وخذوا برواية « رأيت ربي في صورة شاب أمرد» (تاريخ بغداد11/214).
وخذوا بحديث « إن الله استوى على العرش حتى يُسمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد» (تاريخ بغداد1/295).
وخذوا بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها» (تاريخ بغداد2/377).
وخذوا بحديث « من لم يقل: عليٌّ خير الناس فقد كفر» (تاريخ بغداد3/192).
فكتب التاريخ لا تلتزم صحة ما تنقله من الأخبار، وقليل منهم من يمحص ما ينقله. مثال ذلك تاريخ الطبري الذي هو أفضل كتاب في التاريخ، ومع ذلك فقد قال في مقدمة تاريخه (1/8) « فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة: فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا» انتهى كلام الطبري.
وهذا الشأن ليس في كتب التاريخ فحسب: بل في كتب الحديث، وهو في كتب الفقه أكثر.
فلا حجة تقوم لكم قبل تصحيح السند. قال الإمام المازري « عادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك قال الشافعي فيما لم يثبت» (طبقات السبكي 6 / 241 محققة).
ولا يخفاك أيها المنصف أنه لم يُكذب على الرسول e فقط وإنما كذب كثيرون على الأئمة لترويج ضلالاتهم باسم أئمة المذاهب. اتخذوا مذهب الشافعي جُنةً فصدوا عن سبيل الله. ويا ليتهم كانوا على مذهب الشافعي ونهجه السني.
وقد جرى كثير من الفقهاء على العناية بسند الحديث فقط. ويتساهلون في الرواية عن أئمة المذاهب من غير توثيق، فإن النهي عن الاستدلال بالضعيف ليس مقصوراً على الحديث النبوي دون غيره !
ألعلهم يظنون أن كل ما ورد عن الشافعي أو أحمد يجب أن يكون صحيحاً تقوم به الحجة؟ إذا كان الأمر كذلك فليأخذوا بما رواه حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه كان يقول « وإذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام» (البداية والنهاية لابن كثير 8 / 142، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدي 2 / 363 ط دارطيبة) وهم يطعنون صباح مساء في معاوية وعمرو بن العاص وجملة من الصحابة رضي الله عنهم.
ثم أين كان يعيش الشافعي ليأتي قبر أبي حنيفة (كل يوم) وقد كان في أول أمره بالحجاز ثم انتقل إلى مصر.
وقد كان الشافعي بالحجاز بمكة والمدينة وفيها قبر من هو خير من أبي حنيفة: وهو قبر رسول الله e وقبور أصحابه، فلم يعرف عنه أنه كان يأتيه ليدعو عنده ويتبرك به. . فما له يفضل قبر أبي حنيفة على قبر سيد ولد آدم وصحابته؟!
أأنتم أعلم بمذهب الشافعي أم النووي الذي حكى إجماع الأمة على النهي عن الاقتراب من القبر ولمسه باليد وتقبيله، ونقل مثله عن الحليمي والزعفراني وأبي موسى الأصبهاني؟ فمن المخالف لإجماع الأمة !
قد نهى أبو حنيفة عن التوسل إلى الله بأنبيائه - ولا يمكن أن يكون ذلك خافياً على الشافعي - فهل يرضى أبو حنيفة أن يتخذ أحد قبره للصلاة والعبادة؟ نعم الصلاة معناها الدعاء قال تعالى ]خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ[ والدعاء هو كما قال النبي e « الدعاء هو العبادة» فمن اتخذ قبراً للدعاء عنده فقد اتخذه للصلاة والعبادة. فأبو حنيفة والشافعي يكرهان ما يكرهه الله.
ولم يكن أحد من أصحاب أبي حنيفة وطبقته كمحمد وأبي يوسف يتحرون الدعاء عند قبره بعد موته. ولا يزالون ينكرون على من يمس القبر ويقولون كما في الفتاوى البزازية والتتارخانية ورد المحتار أن مس الرجل القبر للتبرك من عادة النصارى.
والحمد لله الذي عصمنا من التقليد الأعمى، فلقد علمنا الشافعي أن ندور مع الكتاب والسنة مهما عظم الرجال قائلا « إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول e فاضربوا بقولي عرض الحائط». وقال ابن عباس « ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر». وبناء على تعاليم الشافعي نضرب بفعله المزعوم (إن صح) عرض الحائط ونتمسك بقول النبي e « ألا لا تتخذوا قبور أنبيائكم وصلحائكم مساجد فإني أنهاكم عن هذا».
وهذا أصل يعلم الله كم خالفتم فيه الشافعي وسائر الأئمة الأفاضل.
فالحق والشافعي حبيبان إلى قلوبنا: فإن افترقا فالحق أحب إلى قلوبنـا من الشافعي.
وعلى افتراض صحة سندها فإنكم لا تزالون مخالفين للشافعي، فالرواية تفيد بأن الشافعي كان يدعو الله عند القبر وأما أنتم فتدعون القبر نفسه فتقولون المدد يا رفاعي مدد يا أولياء وتمسحون وجوهكم وأيديكم بالقبر، وتتوجهون إلى قبر الرفاعي من أي مكان في العالم وتخطون نحوه ثلاث خطوات وهيهات أن يفعل الشافعي ذلك.


أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري قال أنبأنا عمر بن إبراهيم قال نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائراً فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى 
 
الرد:
 
قول منسوب إلى الشافعي أنه قال « إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً- فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى» (تاريخ بغداد1/123).
هذه الرواية سندها إلى الشافعي مجاهيل كما حكى العلامة المعلمي. قال الشيخ الألباني في (سلسلة الضعيفة1/31) « هذه رواية ضعيفة بل باطلة».
إن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو (عمرو) بن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي. وقد ترجمه الخطيب (12 / 226) وذكر أنه بخاري قدم حاجا سنة (341) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا، إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (247) على أكثر الأقوال، فبين وفاتهما نحو مائة سنة، فيبعد أن يكون قد أدركه» .
أقول: أنتم مطالبون بتبيين صحة سند هذه الرواية. وإلا فأنتم محجوجون بقول الشافعي « مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري» (فيض القدير 1/433). فأنتم حُطاب ليل إن لم تأتوا بالسند صحيحا. هذا من مذهب الشافعي.
وهؤلاء يشترطون في العقاند تواتر السند ولا يكفيهم مجرد صحته. فهل هذه الرواية متواترة ؟
أما نحن فنأتيكم بسند قوي عن الشافعي من كتبه، فقد قال « وأكره أن يعظَم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (أنظر الأم 1 / 278 المهذب 1 / 139 - 140 روضة الطالبين 1 / 652 المجموع 5 / 266 و 8 / 257) وهذا تناقض بين القول والفعل ينزه عنه الشافعي. ولو كان هذا التبرك صحيحا لقال له الناس كيف تخشى على الناس فتنة لا تخشاها على نفسك!
ولو كان الشافعي محبذا للتبرك بالقبور لما نهى عن البناء عليها وأنتم لا توافقون على ذلك وتعتبرون ما فعله أهل اليمن من هدم للبناء على القبور هدماً للقبر نفسه فاسمعوا فتوى الشافعي الموافقة لما فعله أهل اليمن:
ففي عصر الشافعي لم يكن ببغداد قبر لأبي حنيفة ينتاب الناس للدعاء عنده ألبته. وكان المعروف عند أهل العلم هدم ما يبنى على القبور وذلك باعتراف الشافعي نفسه. فقد روى عنه النووي قوله فيما يبنى على القبر « رأيت من الولاة من يهدم ما بني فيها ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك» (المجموع 5/ 298 شرح مسلم للنووي 7/ 24 الجنائز باب (32). وانظر مواهب الجليل 3/ 65). والله لو جاءكم الشافعي لرفضتموه ولقلتم له أصابتك عدوى الوهابية .
وصرح البيضاوي بأن اليهود والنصارى كانوا يتوجهون إلى قبور صلحائهم بالصلاة والدعاء (حاشية سنن النسائي 2/ 42) وجاء في (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) النهي عن الدعاء عند القبور (وانظر حاشية ابن عابدين على رد المحتار 2/ 439 البحر الرائق 2/ 298 روح المعاني للآلوسي الحنفي 17/ 313 مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 1/ 313) فالشافعي لا يمكن أن يشابه اليهود والنصارى. وقد روى عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة أن علي بن الحسين رضي الله عنه رأى رجلا يأتي فرجة كانت عند قبر النبي e فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: « ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي - يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله e قال: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وسلموا على فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» قال السخاوي « وهو حديث حسن» (قاله في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص228 ط: مكتبة المؤيد. وذكره البخاري في التاريخ الكبير 2/3-289 وانظر مصنف عبد الرازق (6694) ومصنف ابن أبي شيبة 2 / 375).
ولقد كان أبرز من تمسك بهذه الرواية الواهية الكوثري في مقالاته (381) وهو الذي كتب كتاباً اسمه « التأنيب في رد أكاذيب الخطيب» حذر فيه من الروايات المختلقة على أبي حنيفة الطاعنة فيه والتي حواها الخطيب في كتابه. وقد تلقف الرواية عنه رجال متهمون بالوضع والكذب كأبي مقاتل السمرقندي وأبي محمد الحارثي وأبي مطيع البلخي (إلا أن روايات أبي مطيع عن أبي حنيفة قد رواها آخرون ثقات ولم يكن من أبي مطيع بعدهم إلا تجميعها كما حكاه المرتضى الزبيدي في إتحاف السادة 2 / 14 جمعها فقط. فتنبه من تلبيس القوم، فإنهم تارة يحتجون برواياته (الدليل القويم 56 و78) وتارة يردونها اذا كان فيها ما يخالف عقيدتهم كما فعلوا في الرسلة التي تثبت تكفير أبي حنيفة لمنكر علو الله في السماء) وأبي المنذر البجلي وإبان بن جعفر النجيرمي. لكنه لا يعتبر هذه الرواية من الأكاذيب لأنها ترفع من شأن مذهبه ولو على حساب الشافعي .
وكم في تاريخ الخطيب من الأسانيد الواهية. فإذا كنتم مصرين على الأخذ بهذه الرواية من غير تحقق من سندها فخذوا بما ذكره الخطيب من الروايات وسكت عليه:
وخذوا برواية « الكرسي الذي يجلس عليه الرب عز وجل، وما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد». قال الخطيب: « قال أبو بكر المروذي قال لي أبو علي الحسين بن شبيب قال لي أبو بكر بن العابد - حين قدمنا بغداد- أخرج ذلك الحديث الذي كتبناه عن أبي حمزة، فكتبه أبو بكر بن سلم بخطه وسمعناه جميعاً، وقال أبو بكر بن سلم « إن الموضع الذي يفضل لمحمد e ليجلسه عليه، قال أبو بكر الصيدلاني: من رد هذا فإنما أراد الطعن على أبي بكر المروذي وعلى أبي بكر بن سلم العابد» (تاريخ بغداد 8/52). ونحن لا نقول بهذا ولا نصححه ولكن ذكرناه للحجة.
وأما رواية ابن عباس التي أوردها الخطيب في تاريخه (9/ 251) والتي تقشعر منها أبدانكم حيث فسر قوله تعالى ]وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ[ قال « كرسيه موضع قدميه». فهي رواية صحيحة يثبتها الخطيب وتستنكرها قلوبكم.
وخذوا برواية « رأيت ربي في صورة شاب أمرد» (تاريخ بغداد11/214).
وخذوا بحديث « إن الله استوى على العرش حتى يُسمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد» (تاريخ بغداد1/295).
وخذوا بحديث « أنا مدينة العلم وعلي بابها» (تاريخ بغداد2/377).
وخذوا بحديث « من لم يقل: عليٌّ خير الناس فقد كفر» (تاريخ بغداد3/192).
فكتب التاريخ لا تلتزم صحة ما تنقله من الأخبار، وقليل منهم من يمحص ما ينقله. مثال ذلك تاريخ الطبري الذي هو أفضل كتاب في التاريخ، ومع ذلك فقد قال في مقدمة تاريخه (1/8) « فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة: فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا» انتهى كلام الطبري.
وهذا الشأن ليس في كتب التاريخ فحسب: بل في كتب الحديث، وهو في كتب الفقه أكثر.
فلا حجة تقوم لكم قبل تصحيح السند. قال الإمام المازري « عادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك قال الشافعي فيما لم يثبت» (طبقات السبكي 6 / 241 محققة).
ولا يخفاك أيها المنصف أنه لم يُكذب على الرسول e فقط وإنما كذب كثيرون على الأئمة لترويج ضلالاتهم باسم أئمة المذاهب. اتخذوا مذهب الشافعي جُنةً فصدوا عن سبيل الله. ويا ليتهم كانوا على مذهب الشافعي ونهجه السني.
وقد جرى كثير من الفقهاء على العناية بسند الحديث فقط. ويتساهلون في الرواية عن أئمة المذاهب من غير توثيق، فإن النهي عن الاستدلال بالضعيف ليس مقصوراً على الحديث النبوي دون غيره !
ألعلهم يظنون أن كل ما ورد عن الشافعي أو أحمد يجب أن يكون صحيحاً تقوم به الحجة؟ إذا كان الأمر كذلك فليأخذوا بما رواه حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه كان يقول « وإذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام» (البداية والنهاية لابن كثير 8 / 142، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدي 2 / 363 ط دارطيبة) وهم يطعنون صباح مساء في معاوية وعمرو بن العاص وجملة من الصحابة رضي الله عنهم.
ثم أين كان يعيش الشافعي ليأتي قبر أبي حنيفة (كل يوم) وقد كان في أول أمره بالحجاز ثم انتقل إلى مصر.
وقد كان الشافعي بالحجاز بمكة والمدينة وفيها قبر من هو خير من أبي حنيفة: وهو قبر رسول الله e وقبور أصحابه، فلم يعرف عنه أنه كان يأتيه ليدعو عنده ويتبرك به. . فما له يفضل قبر أبي حنيفة على قبر سيد ولد آدم وصحابته؟!
أأنتم أعلم بمذهب الشافعي أم النووي الذي حكى إجماع الأمة على النهي عن الاقتراب من القبر ولمسه باليد وتقبيله، ونقل مثله عن الحليمي والزعفراني وأبي موسى الأصبهاني؟ فمن المخالف لإجماع الأمة !
قد نهى أبو حنيفة عن التوسل إلى الله بأنبيائه - ولا يمكن أن يكون ذلك خافياً على الشافعي - فهل يرضى أبو حنيفة أن يتخذ أحد قبره للصلاة والعبادة؟ نعم الصلاة معناها الدعاء قال تعالى ]خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ[ والدعاء هو كما قال النبي e « الدعاء هو العبادة» فمن اتخذ قبراً للدعاء عنده فقد اتخذه للصلاة والعبادة. فأبو حنيفة والشافعي يكرهان ما يكرهه الله.
ولم يكن أحد من أصحاب أبي حنيفة وطبقته كمحمد وأبي يوسف يتحرون الدعاء عند قبره بعد موته. ولا يزالون ينكرون على من يمس القبر ويقولون كما في الفتاوى البزازية والتتارخانية ورد المحتار أن مس الرجل القبر للتبرك من عادة النصارى.
والحمد لله الذي عصمنا من التقليد الأعمى، فلقد علمنا الشافعي أن ندور مع الكتاب والسنة مهما عظم الرجال قائلا « إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول e فاضربوا بقولي عرض الحائط». وقال ابن عباس « ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر». وبناء على تعاليم الشافعي نضرب بفعله المزعوم (إن صح) عرض الحائط ونتمسك بقول النبي e « ألا لا تتخذوا قبور أنبيائكم وصلحائكم مساجد فإني أنهاكم عن هذا».
وهذا أصل يعلم الله كم خالفتم فيه الشافعي وسائر الأئمة الأفاضل.
فالحق والشافعي حبيبان إلى قلوبنا: فإن افترقا فالحق أحب إلى قلوبنـا من الشافعي.
وعلى افتراض صحة سندها فإنكم لا تزالون مخالفين للشافعي، فالرواية تفيد بأن الشافعي كان يدعو الله عند القبر وأما أنتم فتدعون القبر نفسه فتقولون المدد يا رفاعي مدد يا أولياء وتمسحون وجوهكم وأيديكم بالقبر، وتتوجهون إلى قبر الرفاعي من أي مكان في العالم وتخطون نحوه ثلاث خطوات وهيهات أن يفعل الشافعي ذلك.
 
ومقبرة عبد الله بن مالك دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصالحين وتعرف بالمالكية ومقبرة باب البردان فيها أيضاً جماعة من أهل الفضل وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبره يعرف بقبر النذور ويقال إن المدفون فيه رجل من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتبرك الناس بزيارته ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته.

عدد مرات القراءة:
3611
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :