معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

ابن تيمية ومسألة شد الرحال إلى القبور ..

قول إبن حجر [حول تحريم إبن تيمية لشد الرحال إلي القبور]
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه أجمعين أما بعد / لا تنفك المكرونة الشيرازية من إثبات جهلها في كل مرة إما في فضيحتها الأخيرة بكتابتها بمعرف " رجل " ثم بمعرف " أنثى " وإما الآن حيث دلس وكذب على الإمام الحافظ إبن حجر العسقلاني , فلماذا هذا البتر والتدليس والكذب أيتها المكرونة الشيرازية , أليس من باب أولى أن تحفظ ماء وجهك بعض الفضائح المتكررة , وسبحان الله الأخوة يفضحكونك وأنت تحرف مسار الفضيحة بطريقة مضحكة تثبت التهمة عليك , فمرة " تلعن الأخ تقي الدين " ومرة " تلعن إبن الإسلام " ومرة " الحوزوي " ولا ندري كيف لك أن ترقع ما أنت فيه , لكن المسألة ليس في هذا فحسب الآن أنت [ تدلس ] على إبن حجر العسقلاني فتباً لك ولدينك وإليكم الإثبات , فإن الجهالة أبت أن تفارق أمثال هؤلاء الأنعام .

نقلت المكرونة الشيرازية نص إبن حجر قائلةً ..

يقول ابن حجر في ( فتح الباري ج 3 - ص 66 ) .
( وَالْحَاصِل إِنَّهُم الزموا بن تيميه بِتَحْرِيم شدّ الرحل إِلَى زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرْنَا صُورَةَ ذَلِكَ وَفِي شَرْحِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ طُولٌ وَهِيَ مِنْ ابشع الْمسَائِل المنقوله عَن بن تَيْمِيَةَ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى دَفْعِ مَا ادَّعَاهُ غَيْرُهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . قلتُ : هل كذب ودلس المذكور أم أن القول لأبن حجر العسقلاني , ولماذا هذه الفلسفة المضحكة في نقل النصوص , أليس من باب أولى أن تراجعها قبل أن تنسبها إلي إبن حجر العسقلاني , فإن كان نقلها إبن حجر العسقلاني في الكتاب , فهل يعني أنهُ من قالها اللهم إني أسألك العافية .

موطنُ التدليس : قال الرافضي أن هذا القول لأبن حجر العسقلاني حيث قال في كلامهِ في الموضوع الذي تفاخرَ بهِ بجهلٍ معتاد قائلاً : [ هذا شيخ الحفاظ ومسند عصره وزمانه عنده خلل في التوحيد .. ] بل الخلل في عقلك , وفي فهمك وفي نقلك لأنك كذبت على إبن حجر العسقلاني , ثم لماذا تسرق من الصوفية شبهاتهم أليست هذه شبهات الصوفية أغبطك على معرفتك الواسعة بالسرقات من الصوفية ومن غيرهم فلله در أبو حسان ورحمهُ وذكرهُ بالخير يوم أن كشف لنا فضيحتكم أيها المدعي للعلم وهو منك ومن أمثالك براء فالله المستعان على ما تصفون , ولعنكم أينما تحلون , وسأقدمُ لك مفاجأة علك تقبلها .

* القول ليس للحافظ إبن حجر العسقلاني كما أوهم المذكور .
* القول [ للكرماني ] ونقله الحافظ إبن حجر العسقلاني في كتابِهِ .
* إليكم قول الكرماني كاملاً كما نقلهُ الحافظ إبن حجر العسقلاني , وليس هو قولهُ بل قول الكرماني كما بينا في النقطة الثانية فهل رأيتم مثل هذا الكذب والإفتراء وتحريف النصوص من قبل القوم نسأل الله العافية والسلامة , فكم إبتلي المذكور بالكذب .

النصُ كاملاً : [ قال الكرماني : وقع في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة ، وصنف فيها رسائل من الطرفين ، قلت : يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لابن تيمية ، وهي مشهورة في بلادنا ، والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شد الرحل هذا اللازم لا بأس به ، وقد التزمه الشيخ ، وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة ومواردها ومصادرها ، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة ، بل موضوعة كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره ، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه الصلاة والسلام من دون قصد المسجد ، بل تكون عامة مطلقة ، وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخصها ويقيدها ، والشيخ لم ينكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دون شد الرحال ، وإنما أنكر شد الرحال من أجلها مجردا عن قصد المسجد ، فتنبه وافهم ، والله أعلم . إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنكرنا [ ص: 80 ] صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ، ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما نقل عن مالك ، أنه كره أن يقول : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدبا لا أصل الزيارة ، فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع ، والله الهادي إلى الصواب ] .

نستنتج من الكلام المذكور أعلاه الأمور التالية لعل المكرونة تفهم .
1) شيخ الإسلام إبن تيمية لم يحرم زيارة قبر النبي , ولكن حرم شد الرحال إليها .
2) والنصُ في بداية الموضوع يدلل على أن المذكور إنما نقل عن الصوفية وجهلهم وبتر ودلس في النصوص المنقولة , والغريب أن من بدأها الصوفية وسرقها لتكون منسوبة إلي نفسهِ , وهذا الأسلوب أيها المكرونة ليس بالغريب على مدعي العلم أمثالكم .

فلو كان هذا المخنث يعرفُ الحق لعرف أنهُ من الإفتراء على شيخ الإسلام إبن تيمية رضي الله عنهُ , وهنا الإثبات الرد على البكري واستحباب زيارة قبر خير البرية لشيخ الإسلام إبن تيمية , وهي تنسفُ ما نقل المسكين عن إبن حجر رحمه الله تعالى , فكيف بالمذكور يفرقُ بين الحق وبين الباطل وكما جرت العادة الإناثُ عندهم لا تفكرُ إلا بشيء واحد , وخصوصاً أشباه الرجال أمثال هذا سلمنا الله وأهل السنة والجماعة من الشر .

قال الحافظ إبن كثير (14/124) : " "فانظر إلى التحريف على شيخ الإسلام فإنه. جوابه ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحال والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحال شيء: وشد الرحال لمجرد الزيارة أمر آخر. والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى الزيارة ولا قال إنها معصية ولا حكى الإجماع على المنع منها ولا هو جاهل قول النبي "زوروا القبور فإنها تذكّر الآخرة". بل صرح بأن السفر لزيارة مسجد النبي وقبره معاً مستحب ويدخل القبر " . أهـ والله أعلى وأعلم .

فنصيحتي إليك أيها الضال المسكين , إما أن تتكلم بعلم وحلم أو توقف العوي .

كتبهُ /

أهل الحديث


حكم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف


السؤال:
ما الدليل على تحريم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ مع أنَّ حديث (لا تشد الرحال ..) عام يشمل السفر لطلب العلم والتجارة وغير ذلك، وهل قال أحدٌ من العلماء بتحريمه قبل ابن تيمية؟ وهل قلَّده أحدٌ من المتأخرين غير علماء نجد؟
 
الجواب:
الحمد لله
أولاً لابد من التفريق بين زيارة القبور والسفر إليها، وكذا زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسفر إليه وهو ما يُعبر عنه بشد الرحال، فزيارة القبور قربة إلى الله عزَّ وجل ومأمور بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) أخرجه مسلم في صحيحه، وقبره صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت في فضل زيارته على وجه الخصوص حديثٌ صحيح ولا حسن بل كل ما ورد فيه ضعيفٌ جداً، أو موضوعٌ لا أصل له، إلا أنه يدخل دخولاً أولياً في الأحاديث العامة التي وردت في فضل زيارة القبور.
إذا علمت ذلك فاعلم أن كثيراً من العلماء المتأخرين أجاز واستحب السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل بعضهم أوجبه، لكن المتقدمين منهم وعلى رأسهم الصحابة والتابعون لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعله أو أباحه، وأصل الخلاف بين العلماء المتأخرين هو فهمهم لحديث: ((لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم ((لا تشدوا))، فالمجيزون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى مسجد إلا هذه الثلاثة، وعليه يجوز الذهاب إلى أي بقعة كقبر ولي أو نبي قربة إلى الله تعالى وشبَّهوا ذلك بالسفر من أجل طلب العلم أو أي أمرٍ من أمور الدنيا أوالآخرة، والمانعون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى أي بقعة تقرباً إلى الله عز وجل إلا هذه المساجد الثلاثة، وحجتهم أنه إذا كانت المساجد وهي أفضل بقاع الأرض وهي بيوت الله وأحبها إلى الله لا يجوز السفر إليها فغيرها من الأماكن من باب أولى، أما بقية أنواع السفر سواء لطلب علم أو غير ذلك فهو ليس سفراً لذات المكان بل لتحصيل غرضٍ ما. ولا شك أن من تأمل القولين بعدلٍ وإنصاف ظهر له قوة حجة المانعين وصواب فهمهم للحديث، وإلا فعلى فهم المجيزين يكون السفر إلى مسجد قباء لا يجوز لأنه ليس من المساجد الثلاثة ولكن لو قدَّرنا أن هناك قبراً لأحد الصالحين بجوار مسجد قباء فإنه يجوز السفر إليه وهذا فهم لا يستقيم، ومما يؤيد ذلك فهم ابن عمر رضي الله عنهما فعن قزعة قال: سألت ابن عمر رضي الله عنه آتي الطور؟ فقال: (دع الطور ولا تأتها وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.  وبعضهم قصر الجواز على قبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم وليس معهم دليل.
أما سؤالك هل حرَّم ذلك أحد من العلماء قبل ابن تيمية؟
 فالجواب: نعم، فشيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة 728هـ، وقد حرَّم السفر لزيارة القبور:
من المالكية: الإمام مالك (ت:179هـ ) والقاضي عياض (ت:544هـ)
ومن الشافعية: أبو محمد الجويني (438هـ)، وابن الأثير صاحب جامع الأصول (ت:606هـ)
ومن الحنابلة: ابن بطة العكبري (ت:387هـ) وابن عقيل (ت:513هـ) وغيرهم.
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) ( 1/304) : (وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وان أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه) اهـ
وقال المناوي في شرحه للجامع الصغير (6/140): (... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه)
وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى) ( ص 92) : (ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها ) اهـ
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (9/106): ( واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره) اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (3/65) عند شرحه لحديث: ((لا تشد الرحال)): (قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة) اهـ
وقال ابن قدامة في (المغني) ( 2/100): (فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) متفق عليه) اهـ
وقال ابن الأثير في (جامع الأصول) (9/283) في شرح حديث ((لا تشد الرحال)) : ( هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيماً لشأنها وتشريفاً) أ.هـ
وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت:1300هـ) كما في كتابه (إدام القوت) (ص584): (نص إمام الحرمين – ومثله القاضي حسين – على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في (إكماله) وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضاً، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقال ابن سريج – من كبار أصحاب الشافعي – إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع))
أما النووي وابن حجر وابن قدامة وغيرهم فقد قالوا بالجواز وقد تقدم أن كثيراً من المتأخرين قالوا بذلك لكن المقصود هنا هو الإجابة على سؤالك: هل قال بالتحريم أحدٌ قبل ابن تيمية؟ وقد علمتَ الجواب.
أمَّا سؤالك: هل قلَّده أحدٌ من غير علماء نجد؟
فأظن بعد ما علمتَ أنه ليس أول من قال بتحريم السفر لزيارة القبور ظهر لك أن المسألة ليس فيها تقليدٌ لابن تيمية بل فيها اتباعٌ لدليلٍ بفهم عدد من العلماء قبل ابن تيمية، ولكن لشهرته ومكانته وكذلك لتشنيع خصومه عليه وادعائهم أنه أول من قال بذلك اشتُهرت هذه المسألة عنه.
ومع ذلك فالجواب: نعم
هناك من قال بقوله من غير علماء نجد وهم كُثُر، منهم:
علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت:1182هـ) قال في (سبل السلام) (3/ 394): (والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها) اهـ
وعلامة الهند السيد صديق حسن خان الحسيني (ت:1307هـ) قال في شرحه لصحيح مسلم (5/113): (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت بأدلة صحيحة ووقع في عصره صلى الله عليه وآله وسلم وقرره النبي عليه السلام فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبور فإنه لم يقع في زمنه، ولم يقر أحداً من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره، ولم يشرِّعه لأحدٍ من أمته لا قـــولاً ولا فعــلاً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور أهل البقيع وغيرهم من غير سفر ورحلة إلى قبورهم، فسنته التي لا غبار عليها ولا شنار فيها: هي زيارة القبور من دون اختيار سفر لها، لتذكر الآخرة) أ.هـ
 وعلامة العراق السيد نعمان بن محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (ت:1317هـ) قال في (جلاء العينين) (ص518) بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية: (ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام)
فهؤلاء ليس فيهم نجديٌّ واحد.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنني أعرضت عن أدلة يستشهد بها الطرفان لكن لا تُسلَّم لهما، وأُسُّ الخلاف هو ما ذكرته لك.
فمن أدلة المجيزين أحاديث فضل زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وكلها ضعيفة لا يصح منها شيء ولو صحت فهي خارج محل النزاع، ومنها ما يروونه من (أن بلالاً رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزيناً خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ ابن حجر: (هذه قصة بينة الوضع)، وغيرها.
ومن أدلة المانعين التي أعرضت عنها أثر أبي بصرة الغفاري وإنكاره على أبي هريرة رضي الله عنهما ذهابه إلى الطور وقد تتبعت روايات هذا الأثر فوجدته ليس في محل النزاع، فذهاب أبي هريرة رضي الله عنه إنما كان لمسجد هناك ثم إنه وافق أبا بصرة بعد ذلك.
والله أعلم. 


دعوى أن ابن تيمية يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم

المطلب الأول

دعوى أن ابن تيمية يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء

وقبور غيرهم

يرى المناوئون لابن تيمية رحمه الله أن قبور الأنبياء ليست كقبور غيرهم من سائر الناس من أمور متعددة، ويرون أن ابن تيمية رحمه الله ينكر هذه الخصائص التي تميزت بها قبور الأنبياء عن قبور غيرهم، ولا يثبتها.

فمما يرون أن ابن تيمية رحمه الله أنكره: مسألة شد الرحل لقبور الأنبياء دون قبور غيرهم، ولذلك يقول الحصني (ت - 829هـ): (وكان السبب في اعتقاله - أي ابن تيمية - أنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وأن زيارة قبور الأنبياء لا تشد إليها الرواحل كغيرها) (305).

ويرون أنه رحمه الله ينكر حياة الأنبياء في قبورهم، سواء كان ذلك بالتصريح (306)، أوأن يبحث المناوئون لابن تيمية مسألة حياة الأنبياء في قبورهم ويركزوا عليها في كتبهم المخصصة للرد على ابن تيمية كما فعل ذلك السبكي (ت - 756هـ) (307) وغيره (308).

يقول التقي الحصني (ت - 829هـ): (والرأي السخيف الذي أخذ به هؤلاء المبتدعة من التحاقه صلّى الله عليه وسلّم بالعدم حاشاه من ذلك، يلزمه أن يقال: إنه ليس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اليوم) (309).

وقال في رده على ابن تيمية رحمه الله: (بيان زندقة من قال: إن روحه عليه الصلاة والسلام فنيت، وأن جسده صار تراباً، وبيان زيغ ابن تيمية وحزبه) (310).

ويرون أن حياة الأنبياء حياة حقيقية، إلا أنهم لا يحتاجون إلى الطعام والشراب، وليس في العقل ما يحيل هذه الحياة الحقيقية، كما يقول السبكي (ت - 756هـ):

(ولا يلزم من كونها حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب .... فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم) (311).

ويوردون السبب في قولهم بأن ابن تيمية ينكر حياة الأنبياء بأنه:

(التذرع بذلك إلى تحريم التوسل بهم عن هوى) (312).

ويرى المناوئون أن زيارة قبر النبي أفضل من زيارة قبر غيره لحقه علينا، ولورود أدلة خاصة تحث على زيارة قبره صلّى الله عليه وسلّم.

قال السبكي (ت - 756هـ): (لا أحد من الخلق أعظم بركة منه، ولا أوجب حقاً علينا منه فالمعنى الذي في زيارة قبره لا يوجد في غيره، ولا يقوم غيره مقامه، كما أن المسجد الحرام لا يقوم غيره مقامه، ومن ههنا شرع قصده بخصوصه، ويتعين بخلاف غيره من القبور) (313).

ثم قال: (فزيارة قبره صلّى الله عليه وسلّم مستحبة بعينها، لما ثبت فيها من الأدلة الخاصة) (314).

المطلب الثاني

مناقشة الدعوى

يتميز الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - بميزات عن غيرهم من سائر البشر، قد اختصهم الله بها تشريفاً لهم ورفعة منزلة.

وليس الأمر فقط في قبورهم، بل حتى في قبض أرواحهم، فهم صلوات الله وسلامه عليهم يأتيهم ملك الموت يستأذنهم في قبض أرواحهم، ويخيرهم.

ومن ذلك ما روته عائشة (ت - 58هـ) رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهوصحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة"، ثم يُحيا - أويخير - فلما اشتكى، وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحوسقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى"، فقلت: إذاً لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهوصحيح) (315).

وعن أبي سعيد (ت - 74هـ) رضي الله عنه (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جلس على المنبر، فقال: "عبدٌ خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده"، فبكى أبوبكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هوالمخيَّر، وكان أبوبكر أعلمنا به) (316).

وللأنبياء خصائص عديدة في قبورهم لا يشركهم فيها أحد غيرهم، قد أقر بها ابن تيمية رحمه الله وأوْضَحَهَا، إلا أن الإشكال عند المناوئين لابن تيمية رحمه الله أنهم يعادون عقيدة السلف كاملة عن طريق القدح في أعلامها، والدعاة إليها، فهم يتهمون ابن تيمية رحمه الله بهذه التهمة؛ لأنه لم يوافقهم على بدعهم الضالة الباطلة، فهولا يقول بجواز التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد مماته، ولا الاستغاثة به، وما دام الأمر كذلك فقد افتروا عليه بأنه يساوي في المنزلة بين قبور الأنبياء وقبور غيرهم (317).

وقبل بيان بعض خصائص الرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد دفنه، ينبه ابن تيمية رحمه الله إلى بعض التنبيهات المهمة ومنها:

1 - أنه لا يشرع لقبره أي جنس من أنواع العبادات لم تشرع لغيره من القبور، بل لا يعمل عند قبره إلا ما يعمل عند قبور غيره من حيث السلام على المقبور والدعاء له (318).

2 - أن السلام على الرسول صلّى الله عليه وسلّم عند قبره ليس من خصائصه، بل هوكالسلام على غيره من المؤمنين، فليس لهذا السلام مزية عن غيره من القبور.

يقول ابن تيمية رحمه الله: (وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هومن خصائصه، ولا هوالسلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشراً كما يصلي على من صلى عليه عشراً) (319).

3 - عدم جواز شد الرحل، والسفر إلى قبره، وقبور غيره من الأنبياء كغيرها من قبور المؤمنين، للنهي العام عن شد الرحل إلا إلى المساجد الثلاثة، وعدم وجود دليل ينص على جواز شد الرحل لزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن تيمية رحمه الله: (أما السفر إلى مجرد زيارة قبر الخليل، أوغيره من مقابر الأنبياء والصالحين ومشاهدهم وآثارهم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم) (320).

4 - أنه لا يجوز التوسل بالرسول صلّى الله عليه وسلّم بعد مماته في قبره، ولا بث الشكوى إليه، والاستغاثة به، أوالاستشفاع به عند الله، وهذا ما سيتضح تفصيلاً في الفصل القادم.

5 - أن قبور الأنبياء لا تستلم، ولا يتمسح بها، ولا يمرغ الخد عليها، ولا تستحب الصلاة عندها لذاتها، ولا تجوز الصلاة إليها، ولهذا يقول شيخ الإسلام - غفر الله له -: (اتفق السلف على أنه لا يستلم قبراً من قبور الأنبياء وغيرهم، ولا يتمسح به، ولا يستحب الصلاة عنده، ولا قصده للدعاء عنده، أوبه؛ لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان) (321).

6 - أن الداعي لا يتحرى الدعاء عند القبر لظنه أن الدعاء يستجاب في هذه البقعة أكثر منه في غيرها، بل نص العلماء على خلاف ذلك كما قال ابن تيمية رحمه الله:

(ومع هذا لم يقل أحد منهم إن الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنه يستحب أن يتحرى الدعاء متوجهاً إلى قبره صلّى الله عليه وسلّم، بل نصوا على نقيض ذلك، واتفقوا كلهم على أنه لا يدعى مستقبل القبر) (322).

وقال - أيضاً - بعد أن ذكر أن الدعاء عند بقعة - بحكم الاتفاق لا قصداً - فإنه لا بأس به: (الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أوتنزيه، وهوإلى التحريم أقرب) (323).

وإذا سلم الزائر لقبر النبي صلّى الله عليه وسلّم فإنه لا يشرع له أن يحدث دعاء جديداً خاصاً بقبر المصطفى صلّى الله عليه وسلّم (324).

وبعد هذه التنبيهات المهمة التي ينبه عليها ابن تيمية رحمه الله كثيراً في كتبه، يحسن أن أذكر وأتلمس بعض الخصائص التي يتميز بها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهوفي قبره عن غيره من آحاد المسلمين أوالصالحين، وذلك باستعراض ما كتبه شيخ الإسلام في هذا المجال من فتاوى، أومباحث ومؤلفات، فإلى بعض الخصائص:

الأولى: أن قبره صلّى الله عليه وسلّم لايوصل إليه، بل هوداخل حجرته، ويسلم عليه الزائر لمسجده من بعد، فلا يستطاع الوصول إلى قبره الشريف، ولهذا قيل في أحد تخريجات كراهة مالك (ت - 179هـ) قول بعض الناس: زرت قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن الزيارة الحقيقية التي يقف الزائر فيها على قبر المزور غير متحققة في قبر نبينا صلّى الله عليه وسلّم ويوضح ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى بقوله: (ومما يوضح هذا أن الشخص الذي يقصد اتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجداً جعل عنده صورة محراب، أوقريباً منه، وإذا كان الباب مغلقاً جعل له شباكاً على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه.

وقبره صلّى الله عليه وسلّم بخلاف هذا كله: لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له) (325).

وقال في كلام له نفيس: (لا تمكن زيارة قبره، فإنه دفن في بيته، وحجب قبره عن الناس، وحيل بين الزائر وبين قبره، فلا يستطيع أحد أن يزور قبره كما تزار سائر القبور ...

ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف أنه تكلم بزيارة قبره فإن ذلك غير ممكن، ولهذا كرهها من كرهها؛ لأن مسماها باطل .... ) (326).

مع أن الصلاة والسلام على الرسول صلّى الله عليه وسلّم عند قبره حسنٌ، لكن لوتمكن الناس منها لاتخذوها عيداً، ولأدت إلى الشرك، ولهذا نهي عن القرب من قبره، ودخول حجرته صلّى الله عليه وسلّم (327).

الثانية: أن الأنبياء لا يبلون، فلا تأكل الأرض أجسادهم، ولذلك فإن تراب قبورهم طاهر، ودليل ذلك ما رواه أوس بن أوس (328) رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "أكثروا عليّ من الصلاة فيه - أي يوم الجمعة -، فإن صلاتكم معروضة علي"، قال رجل: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يعني بليت - قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (329).

يقول ابن تيمية رحمه الله: (مقابر الأنبياء لا تنتن، بل الأنبياء لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر) (330).

الثالثة: أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم في مكانه الذي مات فيه، في بيته، في حجرة عائشة (ت - 58هـ) رضي الله عنها (331).

ويروى في هذا حديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لن يقبر نبي إلا حيث يموت" (332).

الرابعة: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يدعى له من بعد ومن قرب، ويسلم عليه - أيضاً - من بعد ومن قرب، بخلاف غيره، فإنه لا يسلم عليه إلا عند قبره، وسلامنا على الرسول صلّى الله عليه وسلّم من بُعد أوقرب يبلغه صلّى الله عليه وسلّم ويعرض عليه، وهذا ما دلت عليه النصوص:

كقوله صلّى الله عليه وسلّم: "إن لله عزّ وجل ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام" (333).

وعن أبي هريرة (ت - 57هـ) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (334).

قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد أمرنا الله أن نصلي عليه، وشرع لنا ذلك في كل صلاة أن نثني على الله بالتحيات، ثم نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

وهذا السلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها، وكذلك إذا صلينا عليه فقلنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (335) ... ) (336).

فالرسول صلّى الله عليه وسلّم يشعر بالسلام عليه، ويبلغ به من قبل الملائكة.

قال رحمه الله: (وأما كون النبي صلّى الله عليه وسلّم يشعر بالسلام عليه، فهذا حق، وهويقتضي أن حاله بعد موته أكمل من حاله قبل مولده) (337).

وقال - أيضاً -: (فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه، وأن ذلك يصل حيثما كنا) (338).

لكن هل يسمع صلاة وسلام البعيد أم يعرضان عليه، وتبلغه بهما الملائكة؟.

الصواب الذي عليه عامة أهل العلم، وهومقتضى الأحاديث الصحيحة: أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه.

وأما قول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد فممتنع.

فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة.

وإن أراد أنه هويكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7]، وليس لأحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم (339).

وأما سلام القريب: فإن الذي يسلم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنه عليه الصلاة والسلام يسمعه بخلاف البعيد، كما قال ابن تيمية رحمه الله: (لكن إذا صلى وسلم عليه من بعيد بلغ ذلك، وإذا سلم عليه من قريب سمع هوسلام المسلم عليه) (340).

وقال رحمه الله عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (إنه يسمع سلام القريب، ويبلغ سلام البعيد وصلاته) (341).

لكن السلام على الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي تعبدنا الله به في الصلاة أفضل من السلام عليه صلّى الله عليه وسلّم عند قبره.

وهذا مما يدل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة أن السلام الذي لا يوجب الرد كما في الصلاة، أفضل من السلام الذي يوجب الرد.

والسلام الذي لا يوجب الرد هوالذي يسلم الله على العبد بكل مرة عشراً، وأما السلام الموجب للرد فإنه صلّى الله عليه وسلّم يرد على المسلم، كما كان يرد السلام على من سلم عليه في حياته؛ ولأن السلام الذي لا يوجب الرد مأمور به في الصلاة، وفي كل صلاة، وأما السلام الذي يوجب الرد فهوفي مكان مخصوص، وفي زمن مخصوص لا يحصل إلا في بعض الأوقات، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكن أحدهم يأتي إلى القبر ويسلم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم كلما دخل المسجد النبوي؛ لأنه غير مأمور به شرعاً.

ولأن السلام الذي يوجب الرد هوحق المسلم عموماً فيشرك الرسول صلّى الله عليه وسلّم غيره في هذا السلام، كما قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] ولهذا كان الصحابة والتابعون يعلمون أن السلام والصلاة غير الموجبة للرد أفضل من الذي يرد جوابه (342).

ومن وجهة أخرى: فإن رد الرسول صلّى الله عليه وسلّم السلام على من سلم عليه لا يوجب الدعاء له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، وهذا معلوم بالضرورة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه صلّى الله عليه وسلّم ويرد عليهم، ويرد على المسلمين أصحاب الذنوب وغيرهم، ولكن السلام فيه أمان (343).

الخامسة: أن ما يفعله الناس في زيارة غير قبر الرسول صلّى الله عليه وسلّم عند قبور من يزورونهم، من السلام والدعاء، فإنه يفعل مثله وأكثر منه للرسول صلّى الله عليه وسلّم في مواضع متعددة من العبادات المأمور بها، كالصلوات الخمس، وبعد الأذان، وعند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وعند كل دعاء، فلا يختص السلام على الرسول أوالصلاة عليه عند قبره فقط، بل قد تبين أن الصلاة والسلام على الرسول عند غير قبره أفضل منه عند قبره.

قال ابن تيمية رحمه الله: (وأما النبي صلّى الله عليه وسلّم فله خاصة لا يماثله أحد من الخلق، وهوأن المقصود عند قبر غيره من الدعاء له هومأمور في حق الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الصلوات الخمس، وعند دخول المساجد، والخروج منها، وعند الأذان، وعند كل دعاء) (344).

السادسة: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وحياتهم أكمل من حياة الشهداء، إذ أثبت الله - سبحانه - حياة الشهداء بقوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 14]، وقال: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].

أما المفترون على ابن تيمية رحمه الله بأنه لا يرى حياة الأنبياء فهذا باطل، بل هوصرح بحياتهم في قبورهم، لكن لما لم يوافقهم رحمه الله على ما ابتدعوه في الدين من جواز التوسل به بعد موته، أوالاستغاثة به، قالوا: بأنه لا يرى حياة الأنبياء في قبورهم؛ لأن هذا لازم حياة الأنبياء - كما يزعمون -.

قال ابن تيمية رحمه الله بعد أن تحدث عن تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد مستدلاً بكلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (فهذه نصوصه الصريحة توجب تحريم اتخاذ قبورهم مساجد، مع أنهم مدفونون فيها، وهم أحياء في قبورهم) (345).

ودليل حياة الأنبياء في قبورهم قوله صلّى الله عليه وسلّم: "الأنبياء أحياء في قبورهم" (346).

ولكن هل هذه الحياة في القبور حياة حقيقية لها لوازمها من الحاجة إلى الأكل والشرب وفعلهما، والنوم والحركة وغيرها، أم أنها حياة خاصة يقصد بها تشريف الأنبياء، وتخصيصهم عن غيرهم بمنزلة لم تكن لغيرهم؟.

أقول بادئ الأمر: إن الله سبحانه وتعالى قد أخبر وأثبت في كتابه العزيز موت الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30].

وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34].

وقام أبوبكر الصديق (ت - 13هـ) رضي الله عنه بعد موت الرسول صلّى الله عليه وسلّم، في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد فمن كان منكم يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) (347).

فموت الأنبياء حق، وانقطاع أحكام الدنيا عنهم بعد موتهم لا مرية فيه، حتى المخالف يقر بذلك، ولكن ما هذه الحياة البرزخية التي تكون للأنبياء بعد موتهم؟

بعد معرفتنا أن الأنبياء يموتون، وأن أحكام الدنيا لا يقومون بها بعد موتهم.

إن الحديث عن البرزخ من علم الغيب، والحديث عن تفصيلات تعلق الروح بالبدن في البرزخ هومن علم الغيب - أيضاً -، ما لم يرد نص صحيح صريح يبين هذه التفصيلات ويذكرها لنا، وإلا فالتوقف هوالمنهج السوي، ورد العلم إلى عالمه أسلم وأعلم وأحكم.

لكن أهل العلم ذكروا أن للروح مع البدن تعلقات بحسب أحوالها:

أحدها: تعلق الروح بالبدن في بطن الأم للجنين.

الثاني: تعلق الروح بالبدن بعد خروجه إلى وجه الأرض مستيقظاً.

الثالث: تعلق الروح بالبدن في حال النوم، فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.

الرابع: تعلق الروح بالبدن في البرزخ - وهذا ما نحن نبحث فيه -، فإن الروح إذا فارقت البدن بالموت وتجردت عنه، فإنها لا تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه ألبتة، بل الأحاديث والآثار تدل على أن الميت ترد روحه وقت سلام المسلم عليه، وهذا الرد إعادة خاصة، لا يوجب حياة البدن إلى يوم القيامة.

وحياة الشهداء في هذه المرحلة أكمل من حياة غيرهم من سائر المؤمنين، وحياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء.

الخامس: تعلق الروح بالبدن يوم البعث، وهذا أكمل أنواع تعلق الروح بالبدن، فهوتعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً (348).

فأرواح الأنبياء في البرزخ في أعلى عليين، وهم متفاوتون في منازلهم في العلو، إلا أن أرواحهم لها تعلق بأجسادهم وأبدانهم، فترد إليها إذا سلم عليهم المسلم ليردوا عليها السلام (349).

وبعد ذلك يمكن أن يجاب على من قال بأنه صلّى الله عليه وسلّم حي حياة في قبره كحياته الدنيوية بأجوبة عدة منها:

1 - أن من زعم أن الحياة البرزخية كالحياة الدنيا فقد كذب وظلم، فمن أبرز الفروق بين حياة البرزخ، وحياة الدنيا، أن الحي في الدنيا يحتاج إلى الأكل والشرب، والحركة والسكون، والنوم واليقظة، والكلام والرد، والأخذ والإعطاء، وكل هذا منتف في الحياة البرزخية، وأما إذا استثنى أولئك هذه الأمور فنقول: إن التخصيص لا بد له من مخصص، فلا بد من دليل يخرج هذا الفرع عن أصله، والبعض عن كلِّه ولا دليل لهم.

2 - لوكان الرسول صلّى الله عليه وسلّم حياً حياة كحياته الدنيوية لما ساغ له أن يبقى تحت الأرض، ولكنها سنة الله في الموتى، فلما انتفت الحياة الحقيقية بالموت ثبتت الحياة البرزخية مباشرة.

3 - يلزم من القول بحياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم حياة كحياته في الدنيا أن يبقى يسمع أصحابه يختلفون في كثير من الأمور، ولكنه صلّى الله عليه وسلّم عاجز عن النطق وعن رد الجواب لمن سأله متلهفاً على سماع ذلك منه، وهذا وصف له بالنقص والعجز.

4 - يلزم من القول بحياة الأنبياء كحياتهم الدنيوية، أن يكون لهم ثلاث موتات، ولغيرهم موتتان؛ لأنه بعد النفخ في الصور النفخة الأولى لا يبقى أحد ممن هوعلى وجه الأرض حياً، وقد قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]، ولم يرد دليل من الكتاب والسنة على أن الله يبعث النبي للناس من قبره قبل يوم القيامة.

5 - يلزم من القول بحياة الأنبياء حياة كالحياة الدنيوية تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم في أقواله، ومثال ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" (350).

6 - ومما يلزم من ذلك - أيضاً -: تكذيب الصحابة في إقرارهم وتصديقهم بموت الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأنهم دفنوه حياً، وأنه عليه الصلاة والسلام قد جنى على نفسه حين مكنهم من نفسه وهوحي قادر على البيان والبلاغ.

7 - أما من استدل على حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأن عقد نكاحه على أزواجه باق، بحيث لا يجوز لأحد أن يتزوج منهن، فهذا ليس فيه دليل على حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم في قبره، بل ذلك خصوصية له صلّى الله عليه وسلّم حيث حرم على المؤمنين أن ينكحوا أزواجه من بعده كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} [الأحزاب: 53]، وقوله: {مِنْ بَعْدِهِ} دليل على موته وقد أمر الله رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام أن يخير أزواجه بين أن يبقين معه ويردن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن يقدمن الحياة الدنيا وزينتها، فيفارقنه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فكان جزاؤهن أن يكن أمهات المؤمنين في الدنيا، وأزواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الدنيا والآخرة فلا يحل لأحد من المؤمنين أن ينكحهن بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 28 - 29].

8 - وأما من قال بأن رد السلام من شأن الأحياء؛ لأن شأن الأموات حين ترد روح الرسول صلّى الله عليه وسلّم إليه، فيجاب عنه بأن هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن رد الروح مفاده قبضها قبل ذلك، ثم إن رد الروح إنما هوبقدر رد السلام على من سلم عليه، وهذا ليس من خصائص الرسول صلّى الله عليه وسلّم بل هوعام لكل من سلم على أحد قبور الموتى من المؤمنين (351).

وعلى كلٍ: فالرسول صلّى الله عليه وسلّم حي في قبره حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله عزّ وجل وهذه الحياة أكمل من حياة الشهداء.


هل حرَّم أحد من العلماء السفر لزيارة القبور قبل ابن تيمية؟

فالجواب: نعم، فشيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة 728هـ، وقد حرَّم السفر لزيارة القبور:

من المالكية: الإمام مالك (ت:179هـ ) والقاضي عياض (ت:544هـ)
ومن الشافعية: أبو محمد الجويني (438هـ)، وابن الأثير صاحب جامع الأصول (ت:606هـ)
ومن الحنابلة: ابن بطة العكبري (ت:387هـ) وابن عقيل (ت:513هـ) وغيرهم.

قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) ( 1/304) : (وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وان أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه) اهـ

وقال المناوي في شرحه للجامع الصغير (6/140): (... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه)

وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى) ( ص 92) : (ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها ) اهـ

وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (9/106): ( واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره) اهـ

وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (3/65) عند شرحه لحديث: (لا تشد الرحال): (قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة) اهـ

وقال ابن قدامة في (المغني) ( 2/100): (فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه) اهـ

وقال ابن الأثير في (جامع الأصول) (9/283) في شرح حديث (لا تشد الرحال) : ( هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيماً لشأنها وتشريفاً) أ.هـ

وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت:1300هـ) كما في كتابه (إدام القوت) (ص584): (نص إمام الحرمين – ومثله القاضي حسين – على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في (إكماله) وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضاً، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقال ابن سريج – من كبار أصحاب الشافعي – إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع)

أما النووي وابن حجر وابن قدامة وغيرهم فقد قالوا بالجواز وقد تقدم أن كثيراً من المتأخرين قالوا بذلك لكن المقصود هنا هو الإجابة على سؤالك: هل قال بالتحريم أحدٌ قبل ابن تيمية؟ وقد علمتَ الجواب.

أمَّا سؤالك: هل قلَّده أحدٌ من غير علماء نجد؟

فأظن بعد ما علمتَ أنه ليس أول من قال بتحريم السفر لزيارة القبور ظهر لك أن المسألة ليس فيها تقليدٌ لابن تيمية بل فيها اتباعٌ لدليلٍ بفهم عدد من العلماء قبل ابن تيمية، ولكن لشهرته ومكانته وكذلك لتشنيع خصومه عليه وادعائهم أنه أول من قال بذلك اشتُهرت هذه المسألة عنه.
ومع ذلك فالجواب: نعم
هناك من قال بقوله من غير علماء نجد وهم كُثُر، منهم:
علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت:1182هـ) قال في (سبل السلام) (3/ 394): (والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها) اهـ
وعلامة الهند السيد صديق حسن خان الحسيني (ت:1307هـ) قال في شرحه لصحيح مسلم (5/113): (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت بأدلة صحيحة ووقع في عصره صلى الله عليه وآله وسلم وقرره النبي عليه السلام فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبور فإنه لم يقع في زمنه، ولم يقر أحداً من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره، ولم يشرِّعه لأحدٍ من أمته لا قـــولاً ولا فعــلاً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور أهل البقيع وغيرهم من غير سفر ورحلة إلى قبورهم، فسنته التي لا غبار عليها ولا شنار فيها: هي زيارة القبور من دون اختيار سفر لها، لتذكر الآخرة) أ.هـ

وعلامة العراق السيد نعمان بن محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (ت:1317هـ) قال في (جلاء العينين) (ص518) بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية: (ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام).

عدد مرات القراءة:
8132
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :