كيس أبي هريرة رضي الله عنه كيس الأمانة والتقى، وكيسهم كيس النفاق والأحقاد
بقلم / د. خلدون عبد العزيز مخلوطة
محاولات متتابعة للنيل من طود السنة النبوية ورواتها ، بتزوير الحقائق، وتحريف الكلم على غير مراده، مع أن الكلام في سياقه يدل على منتهى الأمانة وعدم التزيد على كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من امتلأ قلبه حقدا فيفكك الكلام ، ويعبث بالمراد ، ولنضرب على ذلك بمثل: وهو اقتطاع المستشرق المجري اليهودي الخبيث " جولد تسيهر " ، لجملة من كلام التابعي الثقة الحجة ابن شهاب الزهري رحمه الله قال فيها : "وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة أحاديث" ، ليدلل بها على أن الإمام الزهري كان يضع الأحاديث ويؤلفها وينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم بسب إكراه الأمراء له، وهي كلمة مبتورة من سياق قصة طويلة ، بترها ذلك الخبيث ، ليشنع على إمامنا، وأصل القصة كما رواها ابن سعد وابن عساكر أن هشام بن عبد الملك، أصر أن يملي الزهري على ابنه أحاديث ليكتبها ثم يحفظها ، فأملى له الزهري بعض أحاديثه بسندها ، ثم خرج من عند هشام ونادى في الناس بأعلى صوته: أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرا قد بذلناه الآن لهؤلاء ، " وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث فتعالوا أحدثكم بها" ، أي لتكتبوها، لأنهم كانوا يعتمدون على الحفظ ، ولكن عندما صدر الأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ومن بعده بكتابة الأحاديث بدؤوا بتدوين ما يحفظونه، فاعتبر ذلك إكراها على أمر لم يعتادوه.
ومن ذلك تحريفهم لقول أبي هريرة رضي الله عنه، وفهمهم له فهما عكس المراد، ثم إلقاء التهم الباطلة عليه ، حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ["أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول" ، تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد أطعمني واستعملني، ويقول الابن اطعمني إلى أن تدعني، فقالوا يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال لا هذا من كيس أبي هريرة].
هذا الحديث قسم منه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقسم منه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه ، أورده على سبيل الشرح وضرب المثل لتقريب المعنى إلى الذهن، وهذا يسميه العلماء: (الحديث المدرج) ، وهذا يدل على أمانة أبي هريرة رضي الله عنه، ومنتهى دقة المحدثين في تمييز كلام النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الراوي، فهذا الجزء فقط من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)، أما الجزء الثاني فهو من كلام أبي هريرة وهو : (تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني فقالوا يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا هذا من كيس أبي هريرة)، وكونه قد نسب الكلام لنفسه لهو دليل على صدقه وأمانته رضي الله عنه، ولو لم يكن كذلك لما منعه مانع أن ينسبه للرسول الكريم ، ولكنه قد شرح بعضاً من كلام الرسول بكلامه الخاص ، وهذا أمر مشاع ويحصل كثيراً عندما يقول إنسانٌ عن آخر قولاً ويريد أن يشرح جزءاً من القول فقد يختلط القولان فيبدوان كأنهما قولاً واحداً للإنسان الأول.
قال الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري: [قوله "من كيسي" أي من حاصله إشارة إلى أنه من استنباطه مما فهمه من الحديث المرفوع مع الواقع ]
وقد جاءت روايات أخرى عن أبي هريرة نفسه وغيره من الصحابة تثبت الجزء الأول فقط منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
1- ما رواه الإمام أحمد في المسند 12/69 والنسائي في سننه 5/62 وابن حبان في صحيحه 10/54 عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُول ) فجميع هذه الروايات وهي صحيحه ذكرت دون هذه الزيادة المدرجة من كلام ابي هريرة ، لذلك قال: (هذا من كيسي).
2- ما رواه مسلم عن حكيم ابن حزام رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول).
. وسأعطيك مثلا جديدا يوضح لك دقة المحدثين في الكشف عن اي زيادة من قبل الراوي ليس موجودة في اصل الحديث :عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – (أسبغو الوضوء ويل للأعقاب من النار) قالوا هذا الحديث رواه أبو قطن وشبابة عن شعبة بن الحجاج عن محمد بن زياد الطحان عن أبي هريرة - رضي الله عنه – عن النبي - صلى الله عليه وسلم – هكذا وباقي الرواة الذين روو هذا الحديث عن شعبة وهن ثقات أصحاب شعبة رووه مفصولا هكذا عن أبي هريرة - رضي الله عنه – أنه قال: أسبغو الوضوء فإني سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -يقول: (ويل للأعقاب من النار) فأصبح قوله أسبغوا الوضوء من قول أبي هريرة رضي الله عنه وليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم.
من كيس أبي هريرة
بسم الله الرحمن الرحيم . .
اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد . .
- كتب الكثير من الأفاضل كتبا تكشف الشبهات وتناقش الإشكالات المثارة حول الصحابي الجليل " أبو هريرة " رضي الله عنه ,
هذا مع العلم أن أبا هريرة :
1- ليس هو الواسطة الوحيدة بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بل هناك جملة من المكثرين من الرواية يشاركوه الواسطة من جهة ,
2- ومن جهة أخرى كثير من الأخبار التي رواها قد شاركه فيها غيره . . .
- ومن جملة تلك الإشكالات قوله رضي الله عنه " من كيس أبي هريرة " وأجيب - إن لم يكن تهكما - ع الإشكال :
1- أن الكلام واضح انه شرح لكلام الرسول بذكر مثال ليقرب به الصورة لا أنه تعمد الإضافة المحرفة لكلام رسول الله , وليس أنها زيادة مخلة كما قال الصدوق "
2- وقد أخبر لصدقه وأمانته انها من كيسه لا من عند رسول الله , وكان يمكنه ان يقول حين سألوه سمعته من رسول الله وإن انكروا عليه يقول لهم : لم تكونوا موجودين ذاك الوقت ! بسيطة . . ولكنه كان صريحا واضحا . .
3- لا مصلحة للكذب فيه - كما يكرر المخالف كثيرا في جوابه على التحريفات عندهم - !! ,
إلا أن بعض المخالفين يصر ع الإستهزاء والسخرية وسوء الظن وعليه فلابد من إلزامهم بفعل شيخهم الصدوق وسوء الظن به . .
الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - ج 18 - ص 229 - 230
إلا أنه روى في الفقيه مرسلا ، قال ، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عسيب الفحل ، وهي أجرة الضراب . والظاهر أن هذا التفسير من كلام الصدوق ، الذي يدخله غالبا في الأخبار . أ.هـ
يدخله غالباً في الأخبار . .
أقول :
يظهر أن مناط أكثر الإشكالات هو " سوء الظن " بمن يكرهون . . و " حسن الظن " بمن يحبون . .
وبارك الله في أخينا " شمري طي " على درره وفوائده , فالنص مستفاد منه شكر الله له وغفر له . .
والله الهادي ..