آخر تحديث للموقع :

الخميس 3 ربيع الأول 1444هـ الموافق:29 سبتمبر 2022م 01:09:18 بتوقيت مكة

جديد الموقع

شيعة العراق، بين خيار العزلة الاقليمية، او التطّلع الى اقليم اوراسيا ..

نبراس الكاظمي

بعد يومين من انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة، التقى رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي مع غريمه السياسي السيد عمار الحكيم، زعيم كتلة المواطن، وقال له بأن “العراق متجّه الى التقسيم، وعلى الشيعة رصّ صفوفهم لمواجهة السّنة” .

المالكي قال هذه الجملة من بعد اتضاح النتائج الاولية للانتخابات، 

والتي جاءت مخيبة لآماله في الحصول على الغالبية الساحقة لأصوات الشيعة، مما قد يقلل من مغبة حصوله على ولاية ثالثة مبنية على اغلبية سياسية مريحة، تغنيه عن الحاجة لحبك ائتلافات حكومية قد تكبّل سلطته وطموحه.

ولكن، لماذا توصل المالكي الى هذه القناعة؟ وما هي تبعات تقسيم العراق على شيعة العراق؟

شيعة العراق وخيار التقسيم

ما هي نسبة الشيعة في العراق؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي تمحورت حوله عملية بناء العراق الجديد منذ إسقاط نظام صدام حسين في شهر نيسان 2003. خواص الشيعة، اي زعمائهم، تناولوا العملية السياسية على مبدئ انهم يمثلون 65 بالمئة، او اكثر، من سكان العراق. ولكن الواقع قد يقول غير ذلك. هناك عدة اطروحات وبيّنات قد تشير بأن الرقم الحقيقي لنسبة الشيعة (بكافة قومياتهم) في العراق هو 54 بالمئة، مع نسبة 23 بالمئة للأكراد السنة، و23 بالمئة للسنة العرب، من دون احتساب الهويات الفرعية الاخرى.

لا نستطيع الاجابة عن سؤال النسب إلا من خلال اضفاء حقل الطائفة والقومية في الجرد السكاني، كما كان يحصل في بداية العهد الملكي. ولست هنا في صدد الدخول الى نقاش حول البينات التي تشير الى ان عدد الشيعة هو 54 بالمئة. ولكن الانتخابات التي حصلت في العراق، ومجموعها خمسة، كانت تعبئ الجماهير من باب المشاركة لإثبات الوجود والعدد، اي انها كانت بمثابة تعداد سكاني، والنتائج الحاصلة تشير بأن عدد الشيعة الاجمالي هو اقرب الى الرقم الادنى.

وعليه، فإن عملية بناء الكيان السياسي للعراق الجديد تختلف جذريا في حالة كون الرقم 54 بالمئة، لأن الـ 54 بالمئة تعني إما الشراكة الحقيقية مع السنة والاكراد، او الانسلاخ عنهم.

ويبدو بأن خيار الانسلاخ هو الارجح في رأي قيادي شيعي مهم مثل نوري المالكي، ورأي نصف الشيعة الذين يمثلهم، كما توضح لنا نتائج الانتخابات الاخيرة.

شيعة العراق وتبعات التقسيم

معركة التقسيم ستكون اشدّ من معارك 2006 و2007. فمعركة التقسيم هي معركة مسك الارض، في حين ان الاقتتال الطائفي آنذاك كان يحوم حول اعادة مسك السلطة في بغداد. بالطبع، الشيعة اليوم يسيطرون على مقومات دولة، وما لديها من عساكر وترسانة. ولكن في المقابل، هناك مقاتل سني متمرس، سيحارب من اجل البقاء، وسيجد دعما اقليميا يمده بالسلاح اللازم لمواجهة دبابات ومروحيات السلطة.

معارك ضروس ستؤدي حتما الى انتهاكات خطيرة ومشجوبة، ترافقها عمليات إبادة ونزوح. وبما ان الدولة الشيعية التي ستنبثق عن هذه الحرب ستكون هي الوريثة الشرعية للدولة العراقية السابقة من منظور القانون الدولي، فإن تبعات هذه الانتهاكات من عقوبات دولية ومحاكم جزائية، ستقع عليها بالدرجة الاساس.

قد يعتقد الشيعة بأن امامهم عام او عامان من القتال لاعادة رسم الحدود الفاصلة بينهم وبين السنة والكرد، ومن ثم سيحصل سلام وتفاهم اقليمي يرعاه المجتمع الدولي، الطامع فرضيا بالنفط الذي يكتنز ارض الجنوب الشيعي. وهذا السلام سيجنبهم العقوبات والعزلة، او حتى مثول زعمائهم المدنيين والعسكريين امام المحاكم المختصة بجرائم الحرب. ولكن هذا التصور مبني على غرور ووهم كبيرين، وسوء تقرير لواقع النفط والطاقة في العالم اليوم.

هذه السنة او السنتان ستشهد انسحاب رأس المال النفطي من جنوب العراق، وتوجهه الى مصادر جديدة للطاقة اطلقتها التقنيات الحديثة، والتي باتت تستخرج النفط من قعر البحار ومن رواسب لم يسبق للقطاع النفطي العالمي الاستفادة منها. اي ان القطاع النفطي مستعد ان يركن النفط الجنوبي “على الرّف” لمدة خمسة عشر سنة او عشرين اخرى، لتوفر مصادر اخرى. كما ان تقرير مجلة الايكونومست الاخير، وهي اهم مجلة اقتصادية في العالم، يقدر بأن كرد العراق لهم ان يسيطروا على 40 بالمئة من احتياطي العراق الاجمالي المكتشف حاليا، مما قد يعني بأن ما يخسره العالم من نفط الجنوب سيعوّض الى درجة ما من قبل نفط دولة كردستان التي ستبثق هي ايضا من عملية تقسيم العراق. ولربما كان انبوب النفط الممتد من كردستان الى تركيا الذي تكلم عنه رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان قبيل ايام من لقائه الرئيس الامريكي باراك اوباما الاسبوع الماضي هو خطوة استباقية لتأمين الـ 40 بالمئة هذه.

كما ان هذا السلام او التفاهم الاقليمي المنشود ما بعد سنتي الحرب لن يحصل على اغلب الظن، لأن الدويلة الشيعية في جنوب العراق ستعّد سابقة او نموذجاً لتجمعات شيعية اخرى في الخليج، وخصوصا شيعة السعودية، مما يرتب عليه تقسيم آتي للمملكة السعودية، التي سترى في نشوء دولة لشيعة العراق خطرا وجوديا عليها، وستوظف كافة مواردها لإحباط المشروع وافشاله، مهما تطلب الامر. فحرائق جنوب العراق ستنجي اهالي نجد من المجاعة، او هكذا سيرون الامر.

ولن يجد شيعة العراق في السيناريو هذا متكئا او حليفا الا ايران المستنزفة اقتصاديا، المعزولة هي ايضا بقرار اممي.

في ضوء هذه المعطيات، نستطيع الاستنتاج بأن قرار ساسة الشيعة في التوجه الى خيار التقسيم سينعكس على شيعة العراق والخليج وايران بشكل بائس وخطير، وسيجعل من دولة الشيعة الجديدة كيانا منعزلا في محيط سني يرفضه، اليوم وغدا.

الخيار الآخر: التوصل الى شراكة عميقة مع السنة والكرد، والتبعات الاستراتيجية لذلك

مقابل سيناريو العزلة، هناك سيناريو آخر حيث يستفيد شيعة العراق من موقعهم المميز على الخارطة العالمية. فجنوب العراق له ان يصبح محورا لإقليم اوراسيا الجغرافي، حيث تلتقي قارتي آسيا واوروبا.

واذا تبنى ساسة الشيعة خيار الانفتاح على محيطهم، بشتى تناقضاته، فأمامهم الفرصة في جعل العراق منفذا لتجارة القارات، من خلال ميناء الفاو الكبير، وسكة حديد البصرة-هامبورغ، وشبكات الطرق السريعة، وامتداد الكابل الضوئي.

كما ان الانفتاح هذا سيؤسس لاحقا الى شبكة انابيب استراتيجية للنفط والغاز، لها ان تربط الغاز القطري بموقد في شقة في العاصمة الرومانية بوخارست، وخام الاهواز بمصفاة في ميلانو الايطالية.

وكي يحصل هذا الامر، يجب حسم خمسة امور شائكة نابعة من صلب التناقضات الطائفية والاثنية والسياسية في الشرق الاوسط:

اولاُ، ان يتصالح العراق الشيعي مع العراق السني، لأنه لا توجد جدوى اقتصادية في بناء طريق او سكة حديد او انبوب نفط يبتدأ بالبصرة وينتهي بالفلوجة، ولن يأتي الرأس المال العالمي الذي من دونه لن تنجز اي واحدة من هذه المشاريع الاستراتيجية العملاقة اذا لم تتصل الشبكات هذه بأسواق اقليمية وعالمية ما بعد الحد الفاصل بين الشيعة والسنة في داخل ارض العراق.

ثانيا، ان يتصالح العراق العربي وتركيا القومية مع اكراد الشرق الاوسط، لأن كل واحدة من هذه المشاريع عليها ان تمر بأراضي يسكنها الشعب الكردي، إما في الجانب العراقي او في الجانب التركي. وفعلا، بدأت تركيا مشروع تصالحها التاريخي مع قوميتها الكردية.

ثالثا، ان يتصالح العراق مع محيطه. قد تبدو حالة الاصطفاف الطائفي الحاصلة في المنطقة امرا عصيا لا يمكن فكه. ولكن، للساسة العراق ان ينظروا الى التغيرات الكبيرة الحاصلة في الموقف الاردني تجاههم جراء طرح مشروع انابيب حديثة-العقبة في العام الماضي، وما تمخض عنه من تعاون اردني واسع في مجالات الامن والاعلام. المصلحة الاقتصادية لها ان تتجاوز صراع الهويات، والمثال الاردني قد يكون نموذجا لتغيرات مشابهة في المواقف التركية والقطرية والسعودية من العراق الجديد ان وجد ساسة هذه البلدان بأن مستقبلهم الاقتصادي والامني والسياسي منوط بعراق آمن ومزدهر اقتصاديا. كما ان الانبوب الاردني سيطمأن اسرائيل، التي سترى في استقرار العراق مُسناة لاستقرار حليفها الاردني، وربما في يوم من الايام، سيرتبط غاز اسرائيل المكتشف مؤخرا بشبكة الانابيب هذه ايضا.

رابعا، ان تتصالح قطر مع السعودية. نجد اليوم بأن قادة قطر والسعودية قد دخلوا في سباق لمن سيحوز على حسن ظن الثورة السلفية العالمية. اموال قطر وحصانتها قد اتاحت للسلفيين خيارا آخرا يغنيهم عن اموال السعودية وسطوتها، مما قد يحفزهم الى التحرك الداخلي ضد آل سعود في المستقبل القريب، لنيل جائزة حكم الجزيرة العربية مباشرة. بالطبع، فإن هذا الامر يمثل خطرا وجوديا آخرا على حكام السعودية، يفوق اي خطر قد يمثله الشيعة. على قطر الاقتناع بأنها تلعب ببيادق لا يمكن السيطرة عليها ان استقوت، وبالتالي عليها التراجع عن هذه المغامرات ان ارادت ان يصل غازها الى اوروبا.

خامسا، احتواء الخطرين الروسي والايراني. بكل بساطة، روسيا لا تريد للغاز القطري ان يرتبط بشبكة انابيب العراق ومن ثم بشبكة انابيب خط “نابوكو” الذي سيربط مصادر الطاقة في آسيا الوسطى مع اوروبا من خلال تركيا. فجزء مهم من سطوة روسيا الحالية ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي يكمن في ابتزازها لاوروبا من خلال تدفق غازها إليها. واذا تمكن رأس المال العالمي من مد انابيب تربط غاز ونفط خليج البصرة (وهذا هو الاسم التاريخي للخليج الفارسي او العربي) والعراق وايران، فإن النفوذ الروسي سيضمحل. وهذا جانب مهم من تجاذب قطر وروسيا في الشأن السوري، لأن الفكرة السابقة كانت تروم ربط الغاز القطري بأوروبا من خلال الاراضي السورية الى تركيا، وستحاول روسيا احباط اي خيارات اخرى لهذا المشروع. ومن جانب آخر، على ساسة ايران ان يعو بأن مد خطوط النقل العالمية للبضائع والطاقة والمعلوماتية من خلال جنوب العراق لا يهدد امنهم، بل يعززه، لأنهم في نهاية المطاف سيستفيدون منه من خلال ربط مواردهم واسواقهم به.

الصفقة الكبرى، وصفحة جديدة في تاريخ الشرق والغرب

في مطلع القرن الماضي، ارادت المانيا ان تبسط نفوذها في آسيا من خلال سكة حديد برلين-بغداد. نستطيع احياء نفس الفكرة من خلال ربط البصرة بهامبورغ بخط اقتصادي واستراتيجي، والاستفادة من تفرعاته الى كافة ارجاء اقليم اوراسيا. ستكون وزارة النقل العراقية بنفس اهمية وزارة النفط في غضون عشرين عاما بالنسبة لدخل العراق من البضائع والرسوم، وستكون الشبكات التي تكلمنا عنها بمثابة اواصر تربط ما بين الشيعة والسنة والكرد والعرب والفرس والترك في سلام عميق، وازدهار متواصل. وستجد بضائع الصين والهند اسواقا لها على طول مسافة الـ 3000 ميلا ما بين البصرة وقلب اوروبا. لدينا اعداد هائلة من الشباب في الشرق الاوسط، يحتاجون الى وظائف لا الى تصرفيهم في الخنادق والمقابر الجماعية. كل هذا في متناول اليد ان استطاع ساسة شيعة العراق تغليب فكرهم الاستراتيجي على نزعتهم الانفصالية او الانتقامية. وعليهم اتخاذ القرار سريعا، قبيل احتراق الوشائج ما بين العراقيين وقطع الطرقات في الرمادي او الموصل او خانقين.
وجهات نظر

عدد مرات القراءة:
2459
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :