أن الصحابة كانوا يضعون الآيات حسب رغبتهم، وأن آخر سورة براءة لم يحفظها غير واحد من الصحابة
استدل بعض المغرضين بأحاديث ضعيفة، فهم منها أن الصحابة كانوا يضعون الآيات حسب رغبتهم، وأن آخر سورة براءة لم يحفظها غير واحد من الصحابة، واستدلوا بما رواه ابن أبي داود عن يحيي بن عبد الرحمن بن حاطب ومنها: فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني رأيتكم تركتم آيتين فلم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: تلقينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم)، إلى آخر السورة، فقال عثمان: وأنا أشهد، فكيف ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن.
والرواية بتمامها عن عُمَر بْن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ اللَّيْثِي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من القرآن فليأتنا؛ فكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئاً حتى يشهد عليه شاهدان، فقتل عمر قبل أن يجمع ذلك إليه، فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده شيءٌ من كتاب الله فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئاً حتى يشهد عليه شاهدان؛ قال: فجاء خزيمة بن ثابت فقال: إني قد رأيتكم قد تركتم آيتين من كتاب الله لم تكتبوها؛ فقالوا: وما هما، قال: تلقيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ)،-إلى آخر السورة-، فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلها، فقال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن؛ فختمت بهما براءة.
والحديث في سنده عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص الليثي قال أبو زرعة ليس بالقوي[1]، وقال الذهبي فيه جهالة[2]، وعليه فالرواية فيها ضعف. وراوي الحديث يحيى بن عبد الرحمن، والمعروف في كتب الرجال والتاريخ أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة ولد في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه- [3] فكيف يحدث عن عمر بن الخطاب وهو لم يدركه؟!!
فالحديث فيه انقطاع في السند والمحدثون يطلقون على كل انقطاع في السند إرسالاً، والمرسل من أنواع الضعيف فلا يحتج به.
وعلى التسليم بصحة الرواية فهي تدل على أن الصحابة كانوا لا يخشون في الله لومة لائم، وأن الصحابة لا يقرون خطأً، ولا نقصاً في القرآن الذي كتبه زيد بن ثابت وأن عمل زيد بن ثابت ليس عملاً فردياً، بل كان عملًا جماعيًّا من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ ذلك أنَّ زيدًا أعلن بين الناس ما يريد؛ ليأتيه كل من عنده من القرآن ما هو مكتوب بما عنده، وذهب الصحابة إليه وذهب إليهم.
وعندما وجد أحد الصحابة بعض الآيات لم تكتب لم يسكت بل أنكر ووضعت الآيات في موضعها في المصحف والاعتراض كان على عدم كتابتها لا على عدم حفظهم لها في الصدور، وفي الرواية شهد عثمان - رضي الله عنه - مع خزيمة بن ثابت، وقد يحفظ الإنسان شيئاً وعندما يكتبه لا يكتبه كاملاً وعندما يذكره أحد يتذكر وهذا ما حدث.
وقول عثمان - رضي الله عنه-: " فأين ترى أن نجعلها؟، فقال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن؛ فختمت بهما براءة" الرؤية هنا رؤية علمية أي أين مكان الآيتين حسب علمك؟، وفي الحديث: (( مَن رَأى منكم منكرًا فليغيّرْه بيدِه، فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) [4] رأى أي علم [5].
ولم يرتب الصحابة آيات القرآن حسب أهوائهم ورأيهم بل رتبوا الآيات كما سمعوها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن الزبير - رضي الله عنه - قال: قلت لعثمان: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً)، وقد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها، أو تدعها؟! قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً من مكانه[6]، وفي رد عثمان - رضي الله عنه - دليل على أن ترتيب الآيات كان توقيفياً لا اجتهادياً، وقال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: " فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ: ( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) (سورة الأحزاب من الآية 23) فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي المُصْحَفِ "[7] فهم لا يلحقون الآيات حسب رغبتهم بل يضعونها في مكانها في المصحف.
وترتيب آيات القرآن ترتيب توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه بإجماع العلماء قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: " ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيفه - صلى الله عليه وسلم - وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه " [8]، وقال السيوطي: - رحمه الله -: " الْإِجْمَاعُ وَالنُّصُوصُ الْمُتَرَادِفَةُ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيَاتِ توقيفي لا شبهة في ذلك وأما الْإِجْمَاعُ فَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ، وَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي مُنَاسَبَاتِهِ" [9]، وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ - رضي الله عنهم - لِيُرَتِّبُوا تَرْتِيبًا سَمِعُوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ عَلَى خِلَافِهِ لشدة تحريهم لهدي النبي- صلى الله عليه وسلم- وهل يعقل أن من تردد في جمع القرآن في مصحف واحد؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك في حياته يمكن أن يرتب آيات القرآن برأيه؟!! وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه-، قَالَ: " أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: " كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-". قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، " فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ"، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، " فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ"، قُلْتُ: " كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-"، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضي الله عنهما -، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رضي الله عنه- "[10] واستدل بعض المغرضين بما رواه مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَتَى الْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ بَرَاءَةَ: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، " وَاللهِ إِلا أَنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَوَعَيْتُهَا، وَحَفِظْتُهَا "، فَقَالَ عُمَرُ: " وَأَنَا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- "، ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَتْ ثَلاثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ، فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ القُرْآنِ، فَضَعُوهَا فِيهَا " فَوَضَعْتُهَا فِي آخِرِ بَرَاءَةَ[11].
والحديث رَوَاهُ أَحْمَدُ في مسنده قال الهيثمي: « وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ» [12]. وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق، ولانقطاعه، قال الشيخ أحمد شاكر: عباد بن عبد الله بن الزبير ثقة، ولكنه لم يدرك قصة جمع القرآن بل ما أظنه أدرك الحارثَ بن خزمية، ولئن أدركه لما كان ذلك مصححاً للحديث، إذ لم يَرْوِه عنه، بل أرسل القصةَ إرسالاً»[13]، ورغم ضعف الحديث سندا فهو أيضا منكر متنا قال الشيخ أحمد شاكر: "وأما حديث عباد بن عبد الله بن الزبير الذي هنا، فإنه حديث منكر شاذ، مخالف للمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن بلغه رسول الله لأمته سوراً معروفة مفصلة، يفصل بين كل سورتين منها بالبسملة إلا في "براءة" ليس لعمر ولا لغيره أن يرتب فيه شيئاً، ولا أن يضع آية مكان آية، ولا أن يجمع آيات وحدها فيجعلها سورة. ومعاذ الله أن يجول شيء من هذا في خاطر عمر، ثم من هذا الذي يقول في هذه الرواية هنا: "فوضعتها في آخر براءة" وفي رواية ابن أبي داود: "فألحقتها في آخر براءة"؟ أهو الحارث بن خزمة؟ لا، فإنه لم يكن ممن عهد إليه بجمع القرآن في المصحف، أهو عمر؟ لا، فالسياق ينفيه، لأن هذه الرواية تزعم أنه أمر بوضعها في براءة، فهو غير الذي نفذ الأمر، أم هو الراوي عباد بن عبد الله بن الزبير؟ لا، إنه متأخر جداً عن أن يدرك ذلك. حتى لقد قال العجلي: "وأما روايته عن عمر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد". وأما نصُ تفسير ابن كثير في هذه الكلمة" فوضعوها في آخر براءة" فإنه غير صحيح، ومخالف لنص المسند الذي يروي عنه، ولعلها تحريف أو تغيير من أحد الناسخين، فهذا الحديث ضعيف الإسناد منكر المتن، وهو أحد الأحاديث التي يلعب بها المستشرقون وعبيدهم عندنا، يزعمون أنها تطعن في ثبوت القرآن، ويفترون على أصحاب رسول الله ما يفترون" [14].
قال ابن حجر - رحمه الله -: " وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثُ آيَاتٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَلِّفُونَ آيَاتِ السُّوَرِ بِاجْتِهَادِهِمْ وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ" [15].
قال الألوسي - رحمه الله -: " أما ترتيب الآي فكونه توقيفياً مما لا شبهة فيه حتى نقل جمع منهم الزركشي وأبو جعفر الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين والنصوص متضافرة على ذلك، وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله - صلى الله – تعالى عليه وسلم - ووعيتهما فقال عمرو أنا أشهد لقد سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوهما في آخرها- فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه" [16].
وبعض المغرضين استنتج من هذا الحديث الضعيف أن القرآن الكريم لم يكن كله مكتوباً على زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم -، والحديث رغم ضعفه فلا يصلح للاحتجاج إلا أنه أيضاً ليس فيه ما يفيد أن القرآن الكريم لم يكن كله مكتوباً على زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم-، بل يفيد أن القرآن كان مكتوباً مفرقاً، فآخر سورة التوبة لم توجد مكتوبة إلا عند هذا الصحابي، وشهد صحابي آخر أنها مما كتبت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فكتبت في المصحف.
وعلى التسليم الجدلي أن القرآن الكريم لم يكن كله مكتوباً على زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم - لا يكون ذلك قادحاً في نقل القرآن؛ لأن التعويل في نقل القرآن وتوثيقه إنما هو على الرواية والسماع والتلقي طبقة عن طبقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال ابن الجزري - رحمه الله -: " إِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ لَا عَلَى حِفْظِ الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ، وَهَذِهِ أَشْرَفُ خَصِيصَةٍ مِنَ اللَّهِ - تعالى- لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( إِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: قُمْ فِي قُرَيْشٍ فَأَنْذِرْهُمْ فَقُلْتُ لَهُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً، فَقَالَ: مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلِي بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، فَابْعَثْ جُنْدًا أَبْعَثْ مِثْلَهُمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَأَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ)).
فَأَخْبَرَ - تعالى- أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إِلَى صَحِيفَةٍ تُغْسَلُ بِالْمَاءِ، بَلْ يَقْرَءُوهُ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ: " أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ "، وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَهُ لَا فِي الْكُتُبِ وَلَا يَقْرَءُونَهُ كُلَّهُ إِلَّا نَظَرًا لَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ»[17].
------------------
[1]- الضعفاء لأبي زرعة 3/820
[2] -المغني في الضعفاء للذهبي 2/469
[3]- تاريخ دمشق لابن عساكر 64/309، الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 9/166، مشاهير علماء الأمصار 1/139، تاريخ الإسلام للذهبي 3/176
[4]- رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 49
[5]- تحفة الأحوذي 6/ 393
[6] - رواه البخاري في صحيحه 4/ 1646 حديث رقم 4256
[7]- رواه البخاري في صحيحه 6/183 حديث رقم 4987
[8]- البرهان في تناسب سور القرآن لأبي جعفر بن الزبير ص 18
[9]- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 1/211
[10] - رواه البخاري في صحيحه 6/183 حديث رقم 4986
[11]- مسند أحمد 3/240 حديث رقم 1715 و المصاحف لابن أبي داود ص 111
[12] - مجمع الزوائد للهيثمي 7/35
[13]- تعليق الشيخ شعيب في حاشية المسند 3/240
[14] - تعليق الشيخ شعيب في حاشية المسند 3/241
[15]- فتح الباري لابن حجر 9/15
[16]- روح المعاني للألوسي 1/27
[17]- النشر في القراءات العشر لابن الجزري ص 6