معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب وصلحه مع معاوية ..

يقول ابن كثير: (إن علياً - رضي الله عنه - لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال: لا لكن أدعكم كما ترككم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يعني بغير استخلاف. فإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفي وصلى عليه ابنه الحسن. لأنه أكبر بنيه - رضي الله عنهم - ودفن بدار الإمارة على الصحيح من أقوال الناس فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي - رضي الله عنه - قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان تحت يده أربعون ألف مقاتل قد بايعوا علياً على الموت فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيساً عن إمرة أذربيجان، وولى عبيد الله بن عباس عليها , ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحداً، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله ,فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفاً بين يديه، وسار هوبالجيوش في أثره قاصداً بلاد الشام، ليقاتل معاوية وأهل الشام فلما اجتاز بالمدائن إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضاً حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطاً كان جالساً عليه، وطعنه بعضهم فكرههم الحسن كراهية شديدة، وركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهوجريح، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، فلما استقر الجيش بالقصر , قال المختار بن أبي عبيد قبحه الله لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف والغني؟ قال: ماذا؟ قال تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه إلى معاوية فقال له عمه: قبحكم الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما رأى الحسن بن

علي تفرق جيشه عليه مقتهم وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان- فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف درهم وأن يكون خراج دار أبجرد له وأن لا يُسب علي وهويسمع فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية ويحقن الدماء بين المسلمين فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية، وقد لام الحسين لأخيه الحسن على هذا الرأي فلم يقبل منه والصواب مع الحسن - رضي الله عنه - والمشهور أن مبايعة الحسن كانت في سنة أربعين ولهذا يقال له عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على معاوية والمشهور عند ابن جرير وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة إحدى وأربعين وقال ابن جرير في هذه السنة (يعني سنة إحدى وأربعين) سلّم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبي سفيان. ثم روى عن الزهري أنه قال: لما بايع أهل العراق الحسن بن علي طفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون مسالمون من سالمت محاربون من حاربت فارتاب به أهل العراق وقالوا: ما هذا لكم بصاحب فازداد لهم بغضاً وازداد منهم ذعراً. فعند ذلك عرف تفرقهم واختلافهم عليه وكتب إلى معاوية يسالمه ويراسله في الصلح بينه وبينه على ما يختاران , وروى البخاري في كتاب الصلح عن أبي موسى قال: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهويقبل على الناس مرة وعليه مرة أخرى ويقول "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " قال البخاري: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (1).

__________

(1) البخاري في كتاب الصلح برقم 27.4 نقلا عن حاشية محمد بيومي

وروى الحافظ الخطيب البغدادي: حدثنا بن جعفر محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكمي حدثنا عباس بن محمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا زهير بن معاوية حدثنا أبوروق الهمداني حدثنا أبوالعريف قال: كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفاً بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام، وعلينا أبوالغمر طه فلما جاءنا بصلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ، فلما قدم الحسن بن علي على الكوفة قال له رجل منا يقال له: أبوعامر سعيد بن النتل: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لا تقل هذا يا عامر. لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك، ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق، ورجع إليه قيس بن سعد وقد كان عزم على الشقاق وحصل على بيعة معاوية عامئذ الإجماع والاتفاق، ترحل الحسن بن علي ومعه إخوه الحسين وبقية أخوتهم وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كلما مر بحي من شيعتهم يبكتونه (1) على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهوفي ذلك هوالبار الراشد الممدوح وليس يجد في صدره حرجاً ولا تلوماً ولا ندماً بل هوراضٍ بذلك مستبشر به، وإن كان قد ساء هذا خلقاً من ذويه وأهله وشيعتهم، - رضي الله عنه - وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه) (2).

فضل معاوية بن أبي سفيان

__________

(1) يبكتونه: يقرعونه. القاموس.

(2) البداية والنهاية (8/ 381 - 386) وأنظر الكامل في التاريخ 3/ 85 - 87 بتصرف

يقول ابن كثير: (هومعاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي أبوعبد الرحمن القرشي الأموي خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين أسلم هووأبوه وأمه هند بنت عتبة بن ربيعه بن عبد شمس يوم الفتح وقد روى عن معاوية أنه قال: أسلمت يوم عمرة القضاء ولكني كتمت إسلامي من أبي إلى يوم الفتح وقد كان أبوه من سادات قريش في الجاهلية وآلت إليه رياسة قريش بعد يوم بدر فكان هوأمير الحروب من ذلك الجانب وكان رئيساً مطاعاً ذا مال جزيل ثم أصبح معاوية من كتّاب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما فتحت الشام ولاه عمر نيابة دمشق بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان وأقره على ذلك عثمان بن عفان وزاده بلاداً أخرى وهوالذي بنى القبة الخضراء بدمشق وسكنها أربعين سنة.

وروى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: مازلت موقناً أن معاوية يلي الملك من هذه الآية يعني " من قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " [الإسراء:33] فلما امتنع معاوية من البيعة لعلي حتى يسلمه قتلة عثمان حدثت تلك الأحداث العظيمة التي ذكرناها في الباب الثاني في هذا البحث، ثم استفحل أمر معاوية ولم يزل أمر علي في اختلاف مع أهل العراق حتى قتله ابن ملجم فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي وأهل الشام لمعاوية بن سفيان , ثم خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - وكان ذلك في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعدما بايعه الناس واستوثقت لهُ الممالك شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة) (1) (وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركهِ من طريق أبي عوانه عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على الباب فجاءني فخطاني خطاة أوخطاتين، ثم قال " اذهب فادعُ لي معاوية " وكان يكتب الوحي. قال: فذهبت فدعوته لهُ فقيل: إنه يأكل، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: له إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنهُ يأكل فأخبرتهُ، فقال في الثالثة " لا أشبع الله بطنه " قال: فما شبع بعدها (2).يقول ابن كثير:" وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة

__________

(1) - البداية والنهاية (8 - 389) بتصرف

(2) - مسلم 26.4

ومعدة يرغب ُ فيها كلِ الملوك) (1)، وأما في الآخرة فيقول الشيخ عبد المحسن العباد: (وقد ختم الإمام مسلم رحمه الله بهذا الحديث الأحاديث الواردة في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل ما صدر منه من سب ودعاء على أحد ليس هوأهلاً لذلك أن يجعله له زكاة وأجراً ورحمة وذلك كقوله: " تربت يمينك، وثكلتك أمك، عقري حلقي ولا كبرت سنك "، فقد أورد في صحيحه عدّة أحاديث. أحدها هذا الحديث، وقبله حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كانت لأم سليم يتيمة، وأم سليم هي أم أنس، فرآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أأنت هي لقد كبرتِ لا كبر سنّك ". فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت لها أم سليم: ما لك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يكبر سنّي، فالآن لا يكبر سني أبداً، أوقالت قرني. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما لك يا أم سليم؟ "، قالت: يا رسول الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: " وما ذاك يا أم سليم؟ "، قالت: زَعَمَتْ أنك دعوت عليها أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة ".

__________

(1) - البداية والنهاية (8/ 493)

وعقب هذا الحديث مباشرة أورد مسلم ـ رحمه الله ـ الحديث الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معاوية: " لا أشبع الله بطنه ".وهذا من حسن صنيع مسلم ـ رحمه الله ـ وجودة ترتيبه لصحيحه، وهومن دقيق فهمه، وحسن استنباطه رحمه الله) (1) يقول ابن كثير في تاريخه: قلت: (قد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان ثم ذكر سنداً عن ابن أبي مليكه قال: أوترَ معاوية بعد العشاء بركعة وعندهُ مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.حدثنا بن أبي مريم حدثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب. إنه فقيه) (2).

(روى أبوبكر بن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في المنام وأبوبكر وعمر جالسان عنده فسلمت عليه وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتاً وأُجيف الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي وهويقول: قُضِي لي ورب الكعبة , ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهويقول: غُفِر لي ورب الكعبة.

__________

(1) - من أقوال المنصفين في الصحابي الخليفة معاوية للشيخ العباد: ص19، قلت: لقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث تعليقًا جميلا وطويلا ومن أرادهُ فليرجع إلى السلسلة الصحيحة ج1 ص164 حديث رقم 82، وكذلك أنظر مشكاة المصابيح الحديث رقم 2669

(2) - رواه البخاري 3764 - 3765 البداية والنهاية 8 - 496

وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية , فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل علياً , فقال له أبوزرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم , وخصم معاوية كريم , فإيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما وسئل الإمام أحمد عن ما جرى بين علي ومعاوية فقرأ: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم , ولا تسألون عما كانوا يعملون") (1) [البقرة: 134].

يقول أحد السلف وهوأبوتوبة الربيع بن نافع الحلبي قال: (إن معاوية بن أبي سفيان ستر لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن كشف الستر اجترأ على ما وراءه). (2)

(وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: لما جاء خبر قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى معاوية جعل يبكي فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. وفي رواية أنها قالت: بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟) (3)

خروج طائفة من الخوارج على معاوية

__________

(1) - البداية والنهاية (8/ 5.3 - 5.4

(2) - من أقوال المنصفين ص 3

(3) - البداية والنهاية (8/ 5.4)

يقول ابن كثير: (كان سبب ذلك أن معاوية رضي الله عنه لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز قالت فرقة من الخوارج نحوخمسمائة. جاء ما لا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل. فبعث إليهم معاوية خيلاً من أهل الشام فطردوا الشاميين، فقال معاوية: لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج: ويلكم ما تبغون؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفينا كموه، وإن أُصبنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا والله حتى نقاتلكم , فقالت الخوارج: يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم، ثم ولى معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها فبعث معاوية جيشاً ليقتلوه ومن معه، فجاء أبوبكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو، فعفى عنهم وأطلقهم وولي على البصرة بسر ابن أبي أرطأة وبعد خروج هذه الطائفة بسنتين وتحديداً سنة ثلاث وأربعين. كانت وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز لهم المغيرة بن شعبة جنداً عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبوالرواع بمكان يقال له المذار , فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبي الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة. فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان

فليقاتلوا بين يديك فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت , فما كان إلا ريثما قال له ذلك حملت الخوارج على معقل وأصحابه فانجفل عنه عامة أصحابه فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض , فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس منهم أبوالرواع الشاكري , فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل وهويقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالاً شديداً، والناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، وهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة. ووقعوا في أرض نهر شير، وتبعهم أبوالرواع ولحقه معقل بن قيس ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد - نائب المدائن- ولحقهم أبوالرواع بمن معه من المقدمة) (1).

أخذ معاوية - رضي الله عنه -البيعة لابنه يزيد سنة إحدى وخمسين هجري

__________

(1) -البداية والنهاية (8/ 389 - 392) بتصرف

روى خليفة بن خياط في تاريخه (عن وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: أخبرنا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حج فقدم مكة في نحومن ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنت تحد ثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث عملوا الخيار، وأنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوددت إنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أولنفرنها عليك جذعه ثم وثب فقام. فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام فراح معاوية فصعد

المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل. فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام، ثم روي ابن خياط عن وهب قال: حدثني أبي عن أيوب عن نافع قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: والله ليبايعن أولا قتلنه، فخرج عبيد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه فأخبره، وسار إلى مكة ثلاثا، فلما أخبره بكى ابن عمر، فبلغ الخبر عبد الله بن صفوان فد خل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. فقال: ما تريد؟ أ تريد قتاله؟ فقال: يا بن صفوان الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لئن أراد ذلك لأقاتلنه. فقدم معاوية مكة، فنزل ذا طوى، فخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ فقال: أنا أقتل ابن عمر!! إني والله لا أقتله. حدثنا وهب بن جرير قال: حدثني جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما كان قريبا من مكة، قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدا يسير معي إلا من حملته أنا. فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي، فوقف وقال: مرحبا وأهلا يا بن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سيد شباب المسلمين، دابة لأبي عبد الله يركبها، فأتي ببرذون فتحول عليه، ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: مرحبا وأهلا بشيخ قريش وسيدها وابن صديق هذه الأمة، دابة لأبي محمد، فأتي ببرذون فركبه، ثم طلع ابن عمر فقال: مر حبا وأهلا بصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم

- وابن الفاروق وسيد المسلمين ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال له: مرحبا وأهلا يا بن حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وابن الصديق وابن عمة رسول الله، ثم دعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى د خل مكة، ثم كانوا أول داخل وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة لا يعرض لهم بذكر شئ مما هوفيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله، وقرب مسيرة إلى الكعبة وأنيخت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعوا إنه والله ما صنع بكم لحبكم ولا كرامتكم، وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جوابا. وأقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله؟ قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها هوأحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد لعبد الرحمن بن أبي بكر فقال: لست هناك وفيكم صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وابن سيد المسلمين - يعني ابن عمر -. فقالوا لابن عمر: أنت؟ قال: لست بصاحبكم ولكن ولوا الكلام ابن الزبير يكفيكم. قالوا: أنت يا بن الزبير. قال: نعم إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم ألا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن فأذن لهم، فدخلوا، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وصفحي عنكم وحملي لما يكون منكم، ويزيد بن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس فيكم رأيا، وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونون أنتم الذين تنزعون وتؤمرون، وتجبون وتقسمون، لا يدخل عليكم في شئ من ذلك، فسكت القوم فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا بن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. قال: نعم يا أمير المؤمنين نخيرك بين ثلاث خصال أيها ما أخذت فهولك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهن. قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن شئت صنعت ما صنع أبوبكر فهوخير هذه الأمة بعد

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهوخير هذه الأمة بعد أبي بكر. قال: لله أبوك وما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعهد ولم يستخلف أحدا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن تدع هذا الأمر حتى يقضي الله فيه قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم فقال: إنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، إن أبا بكر كان رجلا تقطع دونه الأعناق، وإني لست آمن عليكم الاختلاف. قال: صدقت والله ما تحب أن تدعنا على هذه الأمة. قال فاصنع ما صنع أبوبكر. قال: لله أبوك قال: وما صنع أبوبكر؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه ولا من رهطه الأدنين فاستخلفه، فإن شئت أن تنظر أي رجل من قريش شئت ليس من بني عبد شمس فترضى به قال: لله أبوك الثالثة ما هي؟ قال: تصنع ما صنع عمر. قال: وما صنع عمر؟ قال: جعل هذا الأمر شورى في ستة نفر من قريش، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه ولا من رهطه. قال: فهل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. قال: أما أنا فإني أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، وإنه قد كان يقوم منكم القائم إلي فيكذبني على رؤوس الناس، فأحتمل له ذلك وأصفح عنه. وإني قائم بمقالة إن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي، وإني أقسم لكم بالله لئن رد علي منكم إنسان كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه، فلا يرعين رجل إلا على نفسه، ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رجل يرد علي كلمة في مقامي هذا بصدق أوكذب فليضرباه بسيفيهما (1)

__________

(1) - قلت: إذا صحت هذه الرواية فإن مسألة الولاية مسألة اجتهادية، وقد عزل عمر بن الخطاب سعد بن وقاص وولى من دونه في الفضل، ولعل معاوية - رضي الله عنه -رأي أنه في ترك الناس هكذا فساد عظيم وبلاء جسيم فا لذلك أختار لهم يزيد، أما اتهام يزيد بالفسق وشرب الخمر، فهذا من الكذب الظاهر، وندع محمد بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يجيب على هذا الادعاء لأنه أقام عند يزيد وهوأدرى به، قال ابن كثير في البداية ((لما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدّى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنّعاً لك. فقال: وما الذي خاف مني أورجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أ فأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ولست من أمركم في شيء، قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك فنحن نولّيك أمرنا. قال: ما استحل القتال على ما تريدونني عليه تابعاً ولا متبوعاً، فقالوا: فقد قاتلت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، فقالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا، قال: لوأمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاماً نحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله!! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذاً ما نصحت لله في عباده قالوا: إذاً نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة. البداية والنهاية.8/ 6.4

، ثم خرج وخرجوا معه حتى إذا رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نستبد بأمر دونهم ولا نقضي أمرا إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد بن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا بسم الله، فضربوا على يديه ثم جلس على راحلته وانصرف فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم فلا أرضيتم وحبيتم فعلتم قالوا: إنا والله ما فعلنا قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس ثم خرج إلى الشام. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاء صبرنا، وحدثنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبوعوانة عن داود بن عبد الله الأود ي عن حميد بن عبد الرحمن قال: د خلنا على رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقها ولا أعظمها فيها شرفا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لإن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق. أ رأيتم بابا لودخل فيه أمة محمد وسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لودخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أ رأيتم لوأن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهر يق دم أخي، ولا آخذ ماله، أ كان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذ لك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يأتيك من الحياء إلا خير) (1).

وفاة الحسن بن علي بن أبي طالب

__________

(1) -تاريخ خليفة بن خياط ص 99 - 1.2 بتصرف

يقول ابن كثير: (هوأبومحمد القرشي الهاشمي سِبْط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ابنته فاطمة الزهراء، وريحانته , وأشبه خلق الله به في وجهه، ولد في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريقه وسماه حسناً، وهوأكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه حباً شديداً، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق صلى بهم العصر بعد وفاة رسول الله بليالٍ ثم خرج هووعلي يمشيان , فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فاحتمله على عنقه وجعل يقول " بأبي شبه النبي، وليس شبيهاً لعلي" قال: وعلي يضحك (1) وقال أبوداود والطيالسي: حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك (2) وقال أحمد: حدثنا حازم بن الفضيل حدثنا معتمر عن أبيه قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهد ي يحدثه أبوعثمان عن أسامة بن زيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: " اللهم ارحمهما فإني ارحمهما " (3) وفي رواية " اللهم أحبهما فإني أحبهما " وقال شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه وهويقول " اللهم أحبه فإني أحبه" (4) وقال الأصمعي: عن سلام بن مسكين عن عمران بن عبد الله قال: رأى الحسن بن علي

__________

(1) -رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي. 375. نقلاً: عن محمد بيومي حاشية البداية8/ 4.2

(2) - رواه أبوداود والطيالسي 13. نقلاً: عن محمد بيومي حاشية البداية 8/ 4.2

(3) -البخاري في فضائل أصحاب النبي 3747 وأحمد 5/ 2.5. نقلاً: عن محمد بيومي حاشية البداية 8/ 4.2

(4) -متفق علية البخاري برقم (3749) ومسلم برقم 2422. نقلاً: عن محمد بيومي حاشية البداية ص8/ 4.2

في منامه أنه مكتوب بين عينيه، (قل هوالله أحد) ففرح بذلك فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: إن كان رأى هذه الرؤيا فقلَّ ما بقي من أجله. قال: فلم يلبث الحسن بن علي بعد ذلك إلا أياماً حتى مات. وروى أبوبكر بن أبي الدنيا عن عمير بن إسحاق، قال:" دخلت أنا ورجل آخر من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال: لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود , ولقد سقيت السم مراراً وما سقيت مرة هي أشد من هذه، قال: وجعل يقول لذلك الرجل سلني قبل أن لا تسألني. فقال: ما أسألك شيئاً يعافيك الله، قال: فخرجنا من عنده ثم عدنا إليه من الغد، وقد أخذ في السوق فجاء حسين حتى قعد عند رأسه فقال: أي أخي! من صاحبك؟ قال: تريد قتله , قال نعم! قال: لئن كان صاحبي الذي أظن الله أشد نقمة. وفي رواية: فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً , وإن لم يكن هوما أحب أن تقتل بي بريئاً. ورواه محمد بن سعد عن ابن علية عن ابن عون. وقال أبونعيم: " لما أشتد بالحسن بن علي الوجع جزع فدخل عليه رجل فقال له: يا أبا محمد ما هذا الجزع؟ وما هوإلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك علي وفاطمة وعلى جديك النبي - صلى الله عليه وسلم - وخديجة وعلى أعمامك حمزة وجعفر , وعلى أخوالك القاسم الطيب والطاهر وإبراهيم، وعلى خالاتك زينب ورقية وأم كلثوم، قال: فسري عنه. وقيل: إن القائل له ذلك أخوه الحسين وأن الحسن قال له: يا أخي إني أدخل في أمرٍ من أمر الله لم أدخل في مثله، وأرى خلقاً من خلق الله لم أرَ مثله قط، قال: فبكى الحسين - رضي الله عنهم -. رواه عباس الدوري عن ابن معين، ورواه بعضهم عن جعفر بن محمد عن أبيه فذكر نحوهما. وتوفي الحسن وهوابن سبع وأربعين سنة والمشهور أنه مات سنة 49 هـ) (1)

__________

(1) -البداية والنهاية 8 / -412 413 - 414 بتصرف.


الحسن بن علي يصالح معاوية (40هـ)


الحسن بن علي رضي الله عنهما إمام من أئمة آل البيت الكرام, كيف لا, وهم الذين تربوا في بيت النبوة, ونهلوا من معين النبي صلى الله عليه وسلم, وتأسوا به واقتدوا بهديه.

وفي هذه السطور نستعرض سيرة أحد هؤلاء العظام ونعرض لموقف من مواقفه العظيمة, التي كان لها الأثر العظيم في التاريخ الإسلامي.

وُلد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب في السنة الثالثة للهجرة (625م), ونشأ في بيت أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمه فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم, وكان جدّه النبي صلى الله عليه وسلم يحبه هو وأخاه الحسين حبّاً جمّاً, وكان يقول فيهما:

((من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني, ومن أبغضهما فقد أبغضني)) أخرجه ابن ماجه.

وقال فيهما صلى الله عليه وسلم أيضاً: ((الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما)) أخرجه ابن ماجه.

وخصّ النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بحديث عظيم, أخرجه الإمام أحمد في مسنده, يقول فيه صلى الله عليه وسلم عن الحسن: ((إن ابني هذا سيّد, وسيصلح الله تبارك وتعالى به بين فئتين من المسلمين)).

وفي رواية البخاري ((إن ابني هذا لسيد, ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)).

وقد حقق الله على يد الحسن ما بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن حفيده الحسن سيكون سبباً في الإصلاح بين طائفتين عظيمتين من المسلمين, وحدث ذلك سنة 40ه عندما بايع المسلمون الحسن بعد استشهاد أبيه الإمام علي رضي الله عنه, وكان الحسن يشعر بالأسى لِما حلّ بالمسلمين من خلاف, وما دار بينهم من قتال, وكان يأمل بتوحيد كلمتهم ورصّ صفوفهم, وإن تطلب الأمر تقديم تضحيات جسيمة كالتنازل عن الخلافة.

وكان ميل الإمام الحسن إلى الصلح ظاهراً منذ يوم بيعته, إذ كان يقول: تبايعون لي على السمع والطاعة, وتحاربون من حاربت, وتسالمون من سالمت.

وقيل إن أوّل من بايعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري, وكان قيس في حياة الخليفة الإمام علي رضي الله عنه يقود أربعين ألفاً من المقاتلين, وكان الحسن رضي الله عنه يعتقد أن قيساً لا يرى مصالحة معاوية, فخشي أن لا يوافقه إن أقدم على الصلح, فقدم عليه في قيادة ذلك الجيش عبد الله (عبيد الله) بن العباس, وكان ذلك من علامات إرادته للصلح.

لم يكن ميل الحسن نحو الصلح وحقن الدماء ناتجاً عن ضعف أو قلة عدد, بل لقد قال الحسن: كانت جماجم العرب بيدي, يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت, فتركتها (أي الخلافة) ابتغاء وجه الله وحقن دماء المسلمين.

وبعد استشهاد علي رضي الله عنه, سار معاوية بعساكر الشام حتى نزل مسكن, وسار الحسن بعساكر العراق حتى نزل المدائن فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة وهي النخيلة, فلما نظر الحسن إلى كثرة ما معه من الجند رغب في حقن دماء المسلمين, وبما عند الله تعالى فبادر إلى طلب الصلح, وقد جاء وصف قوة جيش الحسن رضي الله عنه في صحيح البخاري عن الحسن البصري قال: ((استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال)), وهذا يدحض مزاعم الذين قالوا أن الحسن كان ضعيفاً ومكرهاً على الصلح.

وقد جاء في البخاري أيضاً أن معاوية (والي الشام آنذاك) هو الذي بدأ بطلب الصلح عندما رأى كتائب الحسن, وقال: إن قتل هؤلاء هؤلاء, وهؤلاء هؤلاء, من لي بأمور الناس, من لي بنسائهم, من لي بضيعتهم, وبعث معاوية إلى الحسن رجلين من قريش هما عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز يفاوضانه على الصلح.

وتحقق الصلح بالفعل, وتنازل الحسن بالخلافة لمعاوية سنة 40ه, وسمي ذلك العام عام الجماعة, إذ توحدت راية المسلمين بعد طول قتال وخلاف, وبعد الاتفاق على الصلح صعد الحسن على المنبر وحمد الله وأثنى عليه, وقال: ((فإن أكيس الكيس التقي, وإن أحمق الحمق الفجور, وإن هذا الأمر الذي اختلف فيه أنا ومعاوية, اما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم, أو يكون حقاً كان لامرىء أحق به مني ففعلت ذلك (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين).. )) رواه البخاري عن الشعبي.

إن ما قدم عليه الحسن رضي الله عنه من تنازل للخلافة ابتغاء الإصلاح وحقن الدماء يدل على سمو أخلاق, ورحمة بالمؤمنين, قلّما توجد في شخص, لكنها نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم الذي بشّر بأن ابنه الحسن يصلح الله على يديه بين طائفتين من المسلمين, وكان ذلك بالفعل.

لكن الذي نريد أن نتطرق إليه أيضاً من خلال عرضنا لعام الجماعة وتنازل الحسن عن الخلافة هو قضية "الإمامة" التي يعتبرها الشيعة الإمامية ركناً من أركان الإسلام, لا يصح إسلام المرء إلا بالاعتقاد بها.

والإمام الحسن هو الإمام الثاني عند الشيعة الإمامية بعد أبيه الإمام علي رضي الله عنه, ويؤمن الشيعة بأن الإمامة منصوص عليها من الله, وأنّ الله هو الذي عين الأئمة وجعلهم معصومين عن الخطأ.

ولذا فإن اختيار الناس للحسن خليفة للمسلمين بنظام الشورى مثله مثل أبيه رضي الله عنهما, ثم تنازل الحسن عن الخلافة يفند ما جاء به الشيعة من نظام الإمامة الإلهية, وزعم أن الأئمة الإثنى عشر منصوص عليهم, وأن هذه العقيدة ركن من أركان الدين, إذ لا يعقل أن الإمام الحسن –إن كان منصوصاً على ولايته- أن يتنازل عنها, ويدع هذا الأمر الخطير الذي دارت عليه جلّ عقائد الشيعة, تحت أي ظرف من الظروف.

يقول الباحث الشيعي أحمد الكاتب:

"ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول, كما تقول النظرية الإمامية, لم يكن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل عنها لأي أحد تحت أي ظرف من الظروف, ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يبايع معاوية, أو أن يدعو أصحابه وشيعته لبيعته, ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين (الإمام الثالث لدى الشيعة), ولأشار إلى ضرورة تعيينه من بعده. ولكن الإمام الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك وسلك مسلكاً يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى".

لقد كان توجه الإمام الحسن نحو الصلح هو الذي جعل الشيعة تختار أخاه الإمام الحسين إماماً ثالثاً حيث أنه اختار طريق القتال ثم تسير الإمامة إلى ذرية الحسين, بدلاً من الحسن رغم أن الإمامة منصوص على أنها تنتقل من الإمام إلى ابنه الأكبر, وهو الأمر الذي خالفه الشيعة عدة مرات بغية تحقيق أهداف بعيدة عن جوهر الدين.

لم يكن موقف الإمام الحسن هذا الوحيد من مواقف الأئمة الذين أبطلوا بسياساتهم وسلوكياتهم مبدأ الإمامة المزعوم, إذ أن الإمام علي بن موسى الرضا, وهو الإمام الثامن لدى الشيعة كان ولي عهد الخليفة العباسي المأمون سنة 201ه وظل الرضا ولياً للعهد حتى وفاته سنة 203ه([1]) .

للاستزادة:

1-      الذّريّة الطاهرة النبوية – الإمام أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي.

2-      مناقب علي والحسنين وأمهما فاطمة الزهراء – محمد فؤاد عبد الباقي.

3-      العواصم من القواصم – القاضي أبو بكر بن العربي ص133.

4-      الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف – د. حامد الخليفة ص596.

5-      حقبة من التاريخ – عثمان الخميس ص96.

6-      تطور الفكر السياسي الشيعي – أحمد الكاتب ص17.  

-------------------------

([1] ) نشر في العدد الثالث من الراصد تحت هذه الزاوية تفصيل في هذه القضية.

___________________________________

المصدر: مجلة الراصد.

عدد مرات القراءة:
10192
إرسال لصديق طباعة
الأحد 23 ربيع الأول 1440هـ الموافق:2 ديسمبر 2018م 11:12:37 بتوقيت مكة
AYA 
يعود انت لرايح تكتبوا يخي داب يخي ارواح اكتبولا انت ضك تتكسر يدي باينةهذي زبل
 
اسمك :  
نص التعليق :