الكاتب : جمال بدوي ..
الشيعة قادمون
جمال بدوي
قام بصف ونشر الكتاب
أبو عمر الدوسري
www.frqan.com
القاهرة
1408 هـ = 1988 م
الفصل الأول
أحقاد قديمة
سمعت كلمة " الشيعة " لأول مرة من أمي ... كنت طفلا لا يعي ، وكانت هي دائمة الحديث عن أهل البيت ، بعبارات ملؤها الحب والإجلال . وحب المصريين لأهل البيت معروف ، ومسجل في أدبيات الشعر والأقاصيص والأغاني التي تتردد بطريقة تلقائية ، تنم عن الحب والتعلق بالعترة الشريفة التي تنتسب إلى سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . وكانت أمي تفخر دائماً بأنها تنتسب إلى هذه الدوحة المباركة ، وتحتفظ بين أعز ممتلكاتها بدفتر قديم ، يحوي بين دفتيه أوراقاً قديمة متآكلة ، وكان هذا الدفتر ـ وتسميه السركي ـ يتيح لها الحصول على 25 قرشاً في السنة نصيبها في بيت مال الأشراف ، وكان هذا المبلغ الضئيل مادياً يساوي عندها كنوز قارون ، وكانت تحكي قصة الموكب الذي كانت تراه في طفولتها ، ويخترق شارع الأزهر من العتبة للحسين أثناء احتفال ( العجم ) بذكرى فاجعة كربلاء ، وكان هذا الموكب ، يستمر طوال الأيام العشر الأولى من شهر محرم ، ويختتم في اليوم العاشر وهو يوم استشهاد الحسين . وكانت تروي لي مشهد هذا الموكب ، بطريقة تلهب خيالي وتوقظ أحاسيسي ، وتحرك الدموع في عيوني ، وتدفعني إلى البحث عن سر استشهاد الحسين بهذه الطريقة الأسطورية.
وعندما كبرت عرفت أكثر ، وأحببت الحسين والحسن ، وأباهما العظيم فارس الإسلام علي بن أبي طالب ، وأمهما الكريمة فاطمة . وأصبح حب أهل البيت جزءاً من كياني العاطفي ، شأني في ذلك شأن أي مسلم مصري ، إذ يندر أن تجد مصرياً يهبط القاهرة دون أن يزور مساجد الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة سكينة .. فهم سادة القاهرة وحماتها الذين تهفو إليهم الأفئدة ، وتتطلع إليهم القلوب ، ولعل هذه المكانة الراسخة لأهل البيت في العاصمة المصرية ، هي التي حجبت عنها أساطين التصوف ، فراحوا يبحثون لأنفسهم عن مواقع أخرى تحقق لهم ما ينشدونه من زعامة شعبية ، فذهب بعضهم إلى الإسكندرية ، وذهب آخرون إلى طنطا ، أو دسوق أو قنا ، أما القاهرة فلا يستطيع زعيم صوفي أن ينافس أهل البيت على زعامتها .
ولعل ارتباط المصريين بأهل البيت ، يفسر العبارة التي سمعتها يوماً من زعيم شيعة لبنان ، الإمام موسى الصدر ، عندما التقيت به غي أبوظبي في الشتاء 1974م ، وهو يتحدث عن حب المصريين لأهل البيت ، إذا قال لي : نحن نعتبركم نصف شيعة . وهي عبارة تعبر عن الواقع أصدق تعبير . فإذا كان المصريون لا يخفون حبهم لأهل البيت ، إلا أنهم لم ينغمسوا في الصرع السياسي الذي دار بين الشيعة وخصومهم حول " الإمامة " ، ولم ينساقوا وراء دعاوى الشيعة التي جعلت من البيت العلوي بيتاً مقدساً ، يجب أن تؤول إليه زعامة المسلمين ، ولم يقتنع المصريون بهالات التقديس التي خلعها الشيعة على أئمتهم ورفعوهم بها إلى مكانة ليس لها أصل في الدين .
كان هذا شأني في مرحلة التفتح ، فلما بلغت مرحلة النضج ، بدأت أقلب صحائف التاريخ بحثاً عن أصل المشكلة ، حتى فهمت وعرفت ، ولكنني خلال مرحلة البحث ، كنت حريصاً على أن تظل المعرفة في إطار المحظورات التي لا ينبغي الخوض فيها ، فقد كان اعتقادي أن الخلاف القديم ، الذي مضى عليه أربعة عشر قرناً ، لا يجب أن ننفخ فيه ريح العداء ، حتى لا تذكو ناره ، وكان يقيني أن الكوارث المستجدة التي تواجه أمة الإسلام ، تستدعي تجميد هذا الصراع القديم ، أو نسيانه على الأقل حتى يتمكن المسلمون من مواجهة النكبة العظمى ، وأعني بها نكبة قيام دولة إسرائيل ، التي تحمل من المخاطر أضعاف ما تحمله الحملات الصليبية ، وهذا أمر يتطلب نسيان الماضي والالتفات نحو المستقبل ، إلى أن قامت الثورة الإيرانية بزعامة آية الله خوميني.
وحين اندلعت الثورة كنت أعمل في دولة الإمارات العربية ، مشاركاً في إصدار صحيفة ( الاتحاد ) ، ولا أخفي أنني استقبلت نبأ الثورة بالأمل والتفاؤل . الأمل في قيام دولة إسلامية عصرية ، تقف على قدم المساواة مع الدول الحديثة ، وتصلح ما أفسده الطاغوت السابق محمد رضا بهلوي ، الذي تواطأ مع إسرائيل ضد العرب ، بطريقة سافرة واستولى على ثلاث جزر عربية في الخليج ، وكان الأمل يحدوني في حكام إيران الجدد ، أن يتجاوزوا عقدة الأحقاد المذهبية القديمة ، وينفتحوا على العالم الإسلامي ، بقلوب خالية من الضغينة . وكان أبسط مظهر من مظاهر حسن النية وهو إعادة الحق إلى أهله أي إعادة الجزر إلى أصحابها العرب ، ولكن حكام إيران لم يفعلوا .
ومرت الأيام ، وكشفت الثورة الإيرانية عن وجهها الحقيقي ، فإذا بها حركة عنصرية مذهبية ، وإذا بها تحرك كوامن الأحقاد الدفينة التي عفا عليها الزمن ، وتمثل ذلك في حربها ضد العراق ، وجاء العدوان على بيت الله الحرام بمثابة الصدمة لي ، كما هي صدمة لكل مسلم يدرك حرمة البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً ، ورأيت من واجبي أن أتصدى لهذه التصرفات التي تنم عن سوء النية وإحياء الرغبة المكبوتة في السيطرة على العالم العربي ، تصفية للحسابات القديمة ، خصوصاً وأنني تعلمت من التاريخ ، أن الحاضر هو ابن الماضي وأن حكام إيران لم يخفوا نواياهم في احتلال الدول العربية ، بل كشفوا في وضوح وجلاء عن أطماعهم التوسعية ، وتطالعنا في كل يوم ، تصريحات آيات الله التي يعلنون فيها عزمهم على احتلال البيت الحرام في موسم الحج القادم ، وأنهم سيجندون نصف مليون من رجال الحرس الثوري لتنفيذ هذه الحملة المقدسة (!!) فهل من العقل والحكمة أن نقابل هذا المخطط المدمر بالصمت والسكون ـ أو بالتهليل والتكبير (!!) ـ أم نعمل على إحباطه بعد أن ظهرت مقدماته في أحداث الحرم (1407هـ).
ويحز في نفسي أن تمر كل هذه الأحداث الهائلة ، مرور الكرام على عقول بعض الناس الواقعين تحت تأثير الكلمات المعسولة ، والشعارات البارقة ، التي يطلقها حكام إيران عن الثورة الإسلامية ، التي ستقضي على جذور الفساد في المجتمعات العربية ، وستنشر العدل والرخاء على أنقاض الظلم والفقر دون أن يدركوا الأبعاد الحقيقية ، لهذه الانتفاضة الفارسية ، التي تسعى حثيثاً إلى التهام المنطقة العربية ، وتحويلها إلى مستعمرات فارسية ، وتحويل العرب إلى ( موالي ) يخضعون ، للسيادة الفارسية ، مثلما عاش الفرس في ظل السيادة العربية مع بدايات الفتح الإسلامي .
هذا المخطط المدروس لا يزال عسير الفهم على بعض المسلمين ، الذين خدعتهم شعارات الثورة ، فراحوا يذرفون الدمع ، أسفاً على الدماء التي أريقت في شوارع مكة ، دون أن يلوموا المتسبب في إراقة هذه الدماء ، هؤلاء المخدوعون جرفتهم دوامة الدعاية ، التي برع الشيعة في حبكها منذ مئات السنين ، والتي تقوم على استثمار الفواجع ، واستدرار الدموع ، حزناً على سقوط الشهداء والضحايا ، دون أن يتركوا الفرصة للناس ، كي يسألوا : فيم كانت الشهادة ؟؟ ولماذا سقط الضحايا ؟؟
إثارة الفتن :
إن المتتبع لأحداث مكة ، يكتشف ببساطة استخدام الشيعة الإيرانيين لهذا المنهج التقليدي ، الذي كان يسلكه أسلافهم على امتداد القرون الخالية ، وهو الانقضاض على السلطات الشرعية ، ثم إثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات . فإذا ما تصدت السلطات لهم ، وكالت لهم الضربات ، انطلقوا يملأون الدنيا ضجيجاً عن الظلم والاضطهاد ، والعنت الذي تعرضوا له ، وراحوا يحركون العواطف ويستدرون الدموع، ويدبجون قصائد الرثاء في تمجيد قتلاهم ، والارتفاع بهم إلى مراتب القديسين . والمؤسف أن يلقى هذا الأسلوب العتيق قبولا من بعض المسلمين المعاصرين ، فيرسلوا الدمع أسفاً على شهداء مكة ! مع أن أبسط مقتضيات العقل ، تفرض عليهم أن يسألوا أنفسهم : ما الذي دفعهم إلى هذا المسلك المشين ؟ ومن الذي أوردهم مورد التهلكة حتى يوجه إليه الملام ؟ وهل من آداب الحج انتهاك حرمة المدينة المقدسة ؟ وهل من آداب الضيافة انتهاك حرمة البلد المضيف ؟؟
عقائد الشيعة
وأعود إلى مناقشة دعاوى الغاضبين والعاتبين الذين يدعون إلى وحدة الصف الإسلامي والذين يقولون إن فقهاء السنة ومنهم الشيخ شلتوت أجازوا التعبد على مذهب الشيعة الاثني عشرية . وقد غالى يعض الإخوة فتصوروا أنني أتهم الشيعة بالكفر والإلحاد.
وأبدأ بالرد على تصور البعض أنني أتهم الشيعة بالكفر ، فأقول إنني أبرأ إلى الله من هذا الاتهام ، فليس من شيمتي اتهام أحد بالكفر سواء كان شيعياً أو غير سيعي ، فالتكفير من الكبائر التي يأنف منها المسلم ، ويحرص على تجنبها ، لما لها من مخاطر ، كانت سبباً في كثير من الرزايا التي عاناها المسلمون ، قديماً وحديثاً ، وإذا تعرضت لعقائد الشيعة فإنني أتوخى دائماً الرجوع إلى مصادرهم المعتبرة ، وأتجاهل مصادر خصومهم حتى أتجنب شبهة التحامل ، وكان الشيعة ـ على اختلاف فرقهم ـ يطعنون في كل ما يكتب عنهم بحجة أنه يعكس آراء خصومهم ، وبذلك يشككون فيما ينشر عنهم ،وكان لهذا التشكيك بعض الوجاهة في الأزمنة السالفة ، حيث كانت مصادر المعرفة ضيقة ، وإمكانات البحث والتدقيق محصورة في نطاق العلماء والمتخصصين ، إلا أن هذا التشكيك لم يعد له مبرر في العصور الحالية بعد أن اتسعت دوائر المعرفة وأصبحت الكتب في متناول الجميع ، وأصبح في إمكان القاريء العادي أن يستقي معلوماته عن عقائد الشيعة من مظانها الأصلية ومن الكتب التي وضعها علماء الشيعة المعتبرون .
فبالنسبة لعقائد الشيعة الاثني عشرية ، هناك مؤلفات الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء ، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الطائفة الإسماعيلية ، وقد كانت معتقداتهم سراً مغلقاً على أبناء الطائفة حتى وقت قريب ، ولكن مع ظهور جيل من المثقفين الإسماعيليين أمكن نشر المخطوطات التي وضعها علماء المذهب ، وقد عكف هؤلاء المثقفون على تنقيح هذا التراث ، وعرضوه في كتب سهلة الهضم ، ويمكن لأي قاريء يريد التوسع في معرفة عقائد هذه الطائفة أن يقتني كتب الدكتور مصطفى غالب ، وهو باحث سوري إسماعيلي متخصص ، وقد حدث نفس التطور ـ بدرجة أقل ـ بالنسبة لمعتقدات الدروز البهرة والنصيرية والأغاخانية، وهي الفرق لتي تفرعت عن الإسماعيلية ، ولا يزال لها وجود في العصر الحالي ، ويستطيع القاريء ، أن يحكم بنفسه على هذه المعتقدات بعد أن يطلع عليها في مراجع أصحابها.
التقريب بين المذاهب
أما القول بصحة التعبد على مذهب الشيعة الاثنى عشرية ، فهو يكشف عن رغبة مخلصة وصادقة في رأب الصدع القائم بين جمهور السنة وفرق الشيعة ، وأقول لأصحاب هذا القول الطيب ـ وهم دون شك مخلصون في دعواهم ـ هلا وجهتم نفس الدعوة إلى علماء الشيعة ؟ وهل يجوز للمسلم الشيعي التعبد على مذهب أهل السنة ؟ أو يصلي خلف إمام سني .
وإذا كان أهل السنة يجيزون التعبد والصلاة خلف أئمة الشيعة فهل قابل الشيعة هذه الخطوة بمثلها ؟ وهل صدرت من جانبهم فتوى تبيح تدريس فقه السنة في المعاهد الشيعية . بل إنني أمضي إلى ما هو أكثر من ذلك فاذكر هؤلاء الأخوة بالروح السمحة التي يبديها جمهور أهل السنة تجاه الشيعة دون أن تقابل بمثلها من الجانب الآخر ، ففي الثلاثينات من هذا القرن ظهرت في مصر دعوة طيبة هدفها التقريب بين الفرق الإسلامية ، وتخفيف حدة الشقاق بينها ، ولم يكن هدفها بالطبع توحيد المذاهب المتنافرة ، فمثل هذا التصور من المستحيلات التي تأبها طبيعة الخلاف الذي نشب بين الفرق الإسلامية منذ صدر الإسلام ، وإنما كان شعارها " أن تأتلف قلوبنا فيما اتفقنا عليه ، وأن يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه " على أكتاف بعض المهتمين بالشئون الإسلامية . أذكر منهم: محمد علي علوبة باشا ، والإمام حسن البنا ، والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ المدني ، والشيخ عبد العزيز عيسى ، والأمير شكيب أرسلان ، الذي كان ينتمي إلى الطائفة الدرزية اسما ويعتنق عقيدة أهل السنة فعلا وقولا ، وقطعت هذه الجمعية شوطا كبيرا في إزالة الجفوة بين أهل السنة وطائفة الشيعة ، وعقدت الكثير من الندوات والمؤتمرات ، وكان من ثمار جهودها تلك الفتاوى التي صدرت بجواز التعبد على مذهب الاثنى عشرية ، وأهمية تدريس المذهب الجعفري في المعاهد الأزهرية .
فهل صدر من الجانب الشيعي تصرف واحد يقابل هذه الحسنة بمثلها ، ولا أقول بعشر أمثالها ؟ وهل أصدر علماء المذهب فتوى تخفف من الأحقاد التي يزرعونها في نفس الطفل الشيعي ضد أهل السنة ؟ وهل أصدروا فتوى تمنع سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبى بكر الصديق ، والفاروق عمر بن الخطاب ، وذي النورين عثمان بن عفان ؟ أم أن الطفل الشيعي لا يزال حتى الآن يرضع لبان الحقد على هؤلاء الأئمة العظام بزعم أنهم تآمروا فيما بينهم على سلب السلطة من علي بن أبي طالب ؟!! وكيف نلوم جهلاء الشيعة إذا تجرأوا على سب أجلة الصحابة علنا .. ولا نلوم شيوخ المذهب الذين يغرسون في نفوس العوام بذور الحقد والتطاول على صحابة رسول الله ؟؟.
أمام قبر الرسول :
إنني لا أنسى ما حييت هذه الواقعة التي رأيتها بعيني رأسي ، حين كنت أؤدي فريضة الحج ، وذهبت لزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وسط حشد من الحجاج ، وقد انهمرت عيونهم ، وارتجت قلوبهم، في موقف الجلال والخشوع أمام قبر نبيهم ، وفجأة رأيت رفيقي ـ وهو عالم جليل من تونس اسمه محمود الباجي ـ يمسك بتلابيب أحد الأشخاص وينهال عليه تقريعاً وتوبيخاً ، وأذهلتني المفاجأة ، وتدخلت لتخليص الرجل من براثن الأستاذ الباجي ، وتصورت أن الرجل سرق شيئاً من العالم الجليل ، وكانت المفاجأة حين قال لي الأستاذ الباجي : ليته كان لصاً ، ولكنه شيعي إيراني سمعته يوجه ألفاظ السباب المقذع إلى صاحبي رسول الله الذين يرقدان إلى جواره : أبي بكر وعمر !! قلت للأستاذ الباجي ، ونحن نغادر الحرم النبوي : هذا الرجل وأمثاله ضحية الجهل والحقد الموروث , إنه يردد ألفاظاً غرسوها في نفسه منذ طفولته, وربما أفهموه أن حجه لن يصح إلا إذا سبّ أبا بكر وعمر , بينما الطفل من جمهور أهل السنة , يشب على أهل البيت واحترامهم وتوقيرهم , وهذا فرق هائل بين النفسية الإسلامية السوية , التي تتربى على السماحة والحب , والنفسية المريضة التي تشب على الحقد والتوتر والتعصب المقيت .
وأنا أروي هذه القصة للذين يتكلمون كثيراً عن تضييق شقة الخلاف بين العالم السني وفرق الشيعة , ويوجهون سهام النقد إلى أهل السنة , ولا يجرؤون على التوجه إلى آيات الله الشيعة ليخففوا من تحاملهم على العالم الإسلامي , ويقدموا على خطوة واحدة لإظهار حسن النوايا نحو إخوانهم المسلمين على الشاطيء الآخر.
إن الأخوة الذين يعقدون الآمال على الثروة الإيرانية يتجاهلون حقائق التاريخ التي تفرض نفسها على مجرى الصراع بين العرب والفرس .. وليس أجدى من أن نستمع إلى صوت التاريخ لنعرف الأبعاد المقيمة لهذا الصراع.
الفصل الثاني
الفتنة نائمة .. فمن أيقظها !
أعتقد يقينا أن الحرب العدوانية التي تشنها إيران على الدول العربية لن تتوقف بالمداهنة والمواربة والنفاق ، وأن إظهار حسن النوايا لن يفلح في تجنب مجابهة مذهبية مدمرة بين العالم السني والعالم الشيعي ، فالذين أراقوا دماء المسلمين أنهاراً ، وبددوا عائدات البترول في تصدير الثورة، وبث المتفجرات في الكويت ، وإثارة الفتن في أرض الحرمين ، والذين أباحوا لأنفسهم اغتراف السلاح من ترسانة إسرائيل ، إنهم لم يفعلوا كل ذلك على سبيل التسلية أو استعراض العضلات .. ولا حتى لتأديب جيرانهم بحجة البدء بالعدوان كما يزعمون ، ولكنهم أشعلوها حرباً مقدسة لا يخمد أوارها قبل أن تحقق الهدف النهائي منها ، وهو إقامة الإمبراطورية الشيعية الكبرى التي تمتد من باكستان شرقاً إلى سوريا ولبنان غرباً ، وتضم إمارات الخليج ، وتبسط نفوذها على أرض الحرمين ، واليمن وعمان ، ثم تقف في خط المواجهة الصارمة مع مصر ، قلب العالم السني ، وأكبر وحداته البشرية والسياسية والحضارية.
وأية محاولة للتهوين من شأن هذا المخطط الرهيب ، هي من قبيل دفن الرؤوس في الرمال ، والهروب من الواقع ، تماماً كما كان آباؤنا يستبعدون نجاح العصابات الصهيونية في إقامة دولة عنصرية على أرض فلسطين ، وما كان حلماً مستبعداً بالأمس أصبح حقيقة واقعة اليوم وغداً ، وذلك بفضل إصرار أصحاب الحلم على تحقيقه ، وبفضل غفلة الغافلين الذين استبد بهم الغرور وسيطر عليهم حسن الظن ، فاستناموا لحسن النوايا ، واستسلموا لأحلام اليقظة ، فلما استفاقوا على الحقيقة الداهمة ، كانت إسرائيل قد أصبحت قوة لا يستهان بها .
ويبدو أننا في صراعنا مع بؤرة الخطر الإيراني التي نشطت منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وبلغت ذروة نشاطها على يد الإمام الخوميني ، يبدو أننا نتعامل معها بنفس الأسلوب الساذج ، الذي يتهرب من مواجهة الواقع قبل استفحاله ، ويترك للزمن مهمة تصريف الأمور ، والانحياز لصالحنا ، حتى صدقت علينا أوصاف خصومنا ، بأن العرب لا يتعلمون من دروسهم ، ولا يستوعبون الكارثة إلا بعد وقوعها ، فيبدأون ملحمة لطم الخدود وشق الجيوب والنحيب على اللبن المسكوب .
انظر، والعجب يستبد بك من هذه الدول العربية التي تجاهلت دعوة مصر في صيف 1987م إلى عقد مؤتمر قمة للدول الإسلامية ، لبحث الموقف البائس الذي تقفه هذه الدول العربية في مواجهة العدوان الإيراني، وفي تصوري أن فكرة مصر بعقد هذه القمة انطلقت من عاملين : أولهما تلافي الحرج من الحركة داخل الجامعة العربية ومصر غير متشرفة بعضويتها (!!) والثاني أن مصر ترى توسيع رقعة المواجهة مع إيران ، ونقلها من الإطار العربي إلى الإطار الإسلامي مادام مضمون الصراع دائراً في فلك المجموعة الإسلامية .
? فماذا كان رد فعل الدول العربية ؟
قوبلت فكرة مصر بالتجاهل التام !! والتفت الدول العربية من خلف مصر ، وبعثت بوزراء خارجيتها إلى تونس على أمل استصدار قرار جماعي بمقاطعة إيران دبلوماسياً ، أو إحياء مشروع حلف الدفاع المشترك بين الدول العربية ، فعلت الدول العربية ذلك وهي تعلم علم اليقين استحالة تنفيذ أي منهما ، هل يمكن تصور التوصل إلى مثل هذه القرارات من مجموعة تضم سوريا ـ الحليف الطبيعي للثورة الإيرانية ـ وليبيا ـ بؤرة القلاقل والفتن في العالم العربي ـ ؟؟
? بم يمكن وصف مسلك الدول العربية ؟؟
دعنا نصف الأشياء بمسمياتها . فنقول ـ والعوض على الله ـ إنه مسلك يتسم بقصر النظر ، والاستمرار في قطيعة مصر رغم يقينهم أنهم لن يستطيعوا ـ بدون مصر ـ تحريك نملة !!
الهروب من الواقع إذن . والجنوح إلى الخيال ، هو الأسلوب الذي تفضله الدول العربية . على أمل أن تتدخل الأقدار ، لتأجيل الصدام المحتوم مع الغزو الشيعي الفارسي ، ومن ناحية أخرى تتصاعد الأصوات الداعية إلى التمسك بالعقل والحكمة ، وعدم التمادي في إثارة إيران خشية وقوع فتنة مذهبية تقسم العالم الإسلامي إلى معسكر سني في مواجهة معسكر شيعي . ونحن بدورنا نسأل أصحاب العقل والحكمة من الذي أيقظ الفتنة من رقادها ؟ من الذي أعاد إلى الأذهان أحاديث الصراع القديم بين أهل السنة وأهل التشيع ؟ لقد كنا ـ أهل السنة ـ نتحرج من الحديث عن الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة ، وكنا نتورع عن إثارة حديث الدماء والضغائن والأحقاد التي عفا عليها الزمن وأصبحت من محفوظات التاريخ ، وكان رائدنا في ذلك ، قولة إمامنا العادل عمر ابن عبد العزيز ( تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلطخ بها ألسنتنا ) ، وهو الإمام الذي منع سب علي وأولاده الطاهرين على المنابر في خطبة الجمعة ، ومن يومها سار جمهور المسلمين على توقير أهل البيت ومحبتهم ، وعاش المسلمون ـ سنة وشيعة ـ في ديار الإسلام في سلام ووئام قبلتهم واحدة ، ونبيهم واحد ، وقرآنهم واحد ، فمن الذي أشعل نار الفتنة المذهبية وكشف الغطاء عن بؤرة الصرع القديم ، الذي مضى عليه أربعة عشر قرناً ؟ !!
إن النظرة المتأنية على حركة المد الشيعي ، تكشف عن أبعاد هذا المخطط المرسوم ، الذي بدأ في الظهور في ظل الشاه محمد رضا بهلوي ، فلما نجحت الثورة الخومينية في الإطاحة به تحت سمع وبصر حلفائه الأمريكيين ، خرجت الثورة من عقالها وكشفت عن وجهها العنصري المذهبي ، وعزمها على الإطاحة بالأنظمة العربية ، وإقامة دولة الكفاية والعدل على أنقاض دول الظلم والفساد . ولاقت هذه الدعوة القبول والترحاب من جانب قطاعات كبيرة من المجتمعات العربية ، مدفوعة بحسن النوايا وتمني استعادة مجد الإسلام ، وإقامة دولة الإسلام المثالية ، التي يتحقق فيها العدل والمساواة ، وانساق الكثيرون وراء شعارات الثورة الخومينية ، غير مدركين لأبعادها العنصرية والمذهبية .
نظرة على الحركة الشيعية
انظر إلى ما جرى مؤخراً في باكستان ، تكتشف وقع أقدام الحركة الشيعية وهي تمضي إلى هدفها المرسوم ، فقد تجمع الشيعة هناك في حزب كبير سرعان ما كشف عن نواياه في الالتحام بالثورة الإيرانية ، وغداً سوف تسمع بصدامات دموية بينهم وبين أهل السنة ، وبعد غد سوف تسمع بانقسام باكستان إلى كيان شيعي وكيان سني بعد الانقسام الذي حدث في أوائل السبعينات وكان من آثاره انفصال دولة بنجلاديش.
وانظر إلى ما جرى في لبنان خلال السنوات العشر الماضية ، وقد تحول الشيعة ـ الذين كانوا يسمون أنفسهم "المستضعفون في الأرض" ـ إلى جبارين في الأرض يركبون الدبابات ، والمصفحات ، ويذبحون الفلسطينيين ، ويحاصرونهم في المخيمات ، حتى أجبروهم على أكل الكلاب والقطط والفئران ، فلما فرغوا منها تحولوا إلى أكل لحوم البشر!! وفي نفس الوقت ، تحول أهل السنة إلى أذلاء مستضعفين لأنهم آثروا العيش في سلام ، ورفضوا أن يحملوا سلاحاً ، أو يشكلوا ميليشيات كما فعل غيرهم .. فكان جزاؤهم السحل والفتك والاغتيال .. وكان آخر ضحاياهم ( السيد رشيد كرامي ) رئيس وزرائهم الذي فتكوا به داخل طائرة هليكوبتر / وراح دمه هدراً ، وأسفرت التحقيقات الدقيقة عن تعليق الجريمة في رقبة عسكري برتبة " شاويش " ، وحتى هذا الشاويش سهلوا له الهرب إلى السويد ، وحصل على حق اللجوء السياسي (!!).
وانظر إلى سوريا حيث يتربع على عرشها حاكم ينتسب إلى إحدى طوائف الشيعة الممعنة في الغلو والتطرف ، والذي جعل من الجيش السوري فرقة شيعية باطنية ، لا يدخلها إلا شيعي تحت ستار حزب البعث ، وجعل من سوريا رأس الحربة الخومينية إلى العالم العربي ، ويتخذ موقف العداء السافر من العراق ... العربي !!
وانظر إلى الحزب الذي يطلق على نفسه اسم ( حزب الله ) في لبنان والذي تكفل بخطف الأجانب ، والمساومة على إطلاقهم مقابل عشرات الملايين من الدولارات ، أو مقابل فتح مخازن السلاح الإسرائيلي ، لتعب منها إيران وتحصل على ما تشاء من سلاح تقتل به العرب المسلمين في العراق والخليج !!
أبعد كل هذا يكون مجال للحديث عن العقل والحكمة ؟ هل يوجه إلى المظلوم المعتدى عليه ليزداد صبراً وذلاً ، أم يوجه إلى الظالم المعتدي ليكف عن عدوانه ويستمع إلى صوت الله الذي جعل دم المسلم على المسلم حراماً ؟!!
إن مسؤوليتنا تجاه عقيدتنا ، ومسؤوليتنا تجاه وجودنا ذاته تفرض علينا أن نصارح شعوبنا بما يدبر لها ، حتى تتيقظ وتتنبه ، وتتسلح بسلاح الوعي إذا عز عليها أن تتسلح بنفس السلاح الذي يحمله المتربصون بها ، ولعل أول أسلحة الوعي أن تقف شعوبنا على أصل الخلاف ، وتقرأ من جديد وقائع وحيثيات الخلاف الذي نشب بين جمهور المسلمين وأهل التشيع ، وما دام خصومنا قد فتحوا الملف بكل الوضوح والسفور ، فلماذا لا نقرؤه ؟
الخلاف حول الحكم
ونقول من البداية إن الخلاف هو في الأصل خلاف سياسي ، أي خلاف حول الحكم ، ولم يكن له أصل ديني ، بمعنى أن الذين وضعوا بذور التشيع لم يختلفوا حول شأن من شؤون الذين والعقيدة ، ولكنهم اختلفوا حول قضية " الإمامة " .. من الذي يحكم المسلمين ؟ وهل المسلمون أحرار في اختيار الحاكم .. أم أن هذا الأمر ليس من الشؤون المفوضة إلى الأمة ، وإنما هو أمر منصوص عليه من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ، ومحصور في أحفاده وسلالتهم الذين أطلق عليهم تعبير " أهل البيت " ؟
هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين الجمهور والشيعة ، فجمهور المسلمين يرى أن مسألة الإمام أو الخلافة ( أي خلافة النبي في حكم الجماعة الإسلامية ) هي من أخص شئونهم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى دون أن يعين الحاكم الذي يخلفه في إدارة شؤون الدولة ، ولم يبين الطريقة التي يتم على أساسها اختيار خليفته ، ولم يحدد الشروط التي يجب أن تتوافر في الحاكم وما إلى ذلك من التفصيلات ، وإنما أوضح القواعد العامة والمثل الأخلاقية التي ينبغي وضعها في الاعتبار عند اختيار الخليفة .
هذه هي القاعدة التي سلكها جمهور الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى أساسها تم اختيار أبي بكر الصديق خليفة للنبي ، ولكن الشيعة كان لهم رأي آخر .
النظرية الشيعية في الحكم
ينظر الشيعة ، على اختلاف فرقهم وتعدد أحزابهم ـ إلى الإمامة نظرة دينية بحتة ، أي أن ليست من الأمور السياسية التي تخضع لإرادة الأمة . فالأمة ليست حرة في أن تختار الإمام ، وبالتالي فإنها ليس من صلاحيتها عزله إذا انحرف أو أخطأ ، والإمام في نظر الشيعة غير قابل للانحراف لأنه معصوم من الخطأ مثل الأنبياء ، غير أنه لا يوحى إليه .
وبناء على هذا الفهم ، فإن الشيعة لا يعترفون بخلافة الراشدين الثلاثة ، الذين تولوا أمر المسلمين ، بعد انتقال الرسول إلى جوار ربه وهم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن العفان ، ويحصرون الإمامة في علي بن أي طالب وأولاده ، ويزعمون أن الخلافة آلت إلى أبي بكر عن طريق التآمر بينه وبين عمر ، والسيدة عائشة ، وبعض الصحابة الذين يضمرون الضغينة لعلي ، وبناء على ذلك فإنهم ينظرون إلى الخلفاء الثلاثة على أنهم اغتصبوا الحق من أصحابه " علي وبنيه"
ولكن الذي يجب أن ينتبه إليه القارئ هو أن هذه النظرية التي يؤمن بها الشيعة ، لم تظهر في حينها ، ولم تردد على ألسنة رجالهم عقب وفاة النبي ، ولا طوال عهود الخلفاء الراشدين ، ولكنها ظهرت في عصر متأخر أي بعد وقوع الشرخ الكبير في الجماعة الإسلامية ، وانقسامها إلى شيعة يناصرون علي بن أبي طالب ، وأموية تناصر معاوية بن أبي سفيان والي الشام ، فلما ظهر الحزب الشيعي على المسرح السياسي ، بدأ مفكروه يبتدعون الأفكار النظرية ، التي تخدم أهدافهم ، ويجهدون أنفسهم في تطويع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ـ وهو ما يعرف بالتأويل ـ لكي تقدم لنظريتهم السند الشرعي والدلالات التي تؤكد فكرتهم حول الإمامة وانحصارها في بيت علي بن أبي طالب . فزعموا أن الآية القرآنية الكريمة ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) إنما نزلت على رسول الله ، بعد عودته من حجة الوداع ، لكي يبلغ المسلمين بالنص على " إمامة " علي بن أبي طالب ، ويقولون إن النبي ـ وقت نزول الآية ـ كان في مكان يقال له "غدير خم " فأمسك النبي بذراع علي ، ثم خاطب الناس قائلاً : " من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه " .
هذا هو أقوى دليل يستدل به الشيعة على أن علي بن أبي طالب ، منصوص عليه بمقتضى الآية القرآنية والعبارة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك بالطبع استنباطات أخرى مثل قول النبي : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وغيرها من الأحاديث التي تشيد بعلي وترفع من قدره ، ولكن الفكر الشيعي أخد هذه العبارات التي صدرت عن النبي، وجعلوا منها دلالات على أحقية علي في الإمامة وارتفاع قدره على غيره من الصحابة وتعطيه حق الإمامة .
وأنت إذا قرأت عبارة النبي في حديث الغدير ـ لو صح ـ فلن تجد فيها ما يشير إلى إمامة علي والنص على خلافته للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالنبي يدعو إلى موالاة علي ومعاداة من عاداه ، فهل يفهم من هذا النص أي معنى يدل على أن النبي يعين علياً إماماً على المسلمين بعد وفاته ؟ وإذا كان النبي يريد ذلك فلماذا لم ينص على ذلك صراحة ؟ وهل يتصور قيام حائل يحول بين النبي ـ وهو المشروع الأول ـ وبين اسم خليفته !!
وقد تصدى المفكرون الإسلاميون لنظرية الشيعة في الإمامة وناقشوا الأدلة التي يعتمدون عليها فيقول العلامة ابن خلدون : ( إنهم ـ أي الشيعة ـ يؤيدون مذهبهم بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم ، لا يعرفها جهابذة السنة ، ولا نقلة الشريعة ، بل أكثرها موضوع ، أو مطعون فيه ) .
ويرد الشهرستاني على وضعهم حديث الغدير الذي ينسبون فيه إلى النبي النص على إقامة علي بن أبي طالب فيقول :
أولاً : من المحال ، من حيث العادة ، أن يسمع الجم الغفير كلاماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا ينقلونه ، في مظنة الحاجة وعصيان الأمة بمخالفته ، والدواعي بالضرورة تتوافر على النقل ، خصوصاً وهم في نأنأة الإسلام وطراوة الدين وصفوة القلوب ، وخلوص العقائد من الضغائن والأحقاد ، وإذا كانت الدواعي على النقل موجودة ، والصوارف عنه مفقودة ، دل على أنه لم يكن في الباب نص أصلاً .
ثانياً : لو أن شخصاً كان قد عين ، لكان يجب على ذلك الشخص المعين أن يتحدى بالإمامة ويخاصم عليها ويخوض فيها ، ولم ينقل أن أحداً تصدى للإمامة وادعاها ، نصاً وتسليماً إليه .
* * * * *
والثابت تاريخياً أن علي بن أبي طالب امتنع عن مبايعة أبي بكر الصديق ، ولكنه ما لبث أن بايعه بعد فترة قصيرة ، والشيعة أنفسهم لا ينكرون مبايعة علي لأبي بكر ولكنهم يبررونها بأنها كانت على سبيل "التقية " أي أن علياً لم يفعلها إلا مداراة وخوفاً ..!!
وهكذا تجد الضعف واضحاً في كافة الأدلة التي تستند إليها النظرية الشيعية . فهي أدلة لا تصمد أمام النقد التاريخي أو البرهان العقلي ، ولكن الشيعة يتمسكون بها إلى حد الاستشهاد في سبيلها لأنها تخدم غرضهم الأساسي وهو قصر الإمامة على البيت العلوي واعتبار ما عداه باطلاً ، واعتبار كل الخلفاء مغتصبين ، وأنت ترى من هذا العرض أن التشيع في مطلع أمره كان فكرة سياسية بحتة تنتصر لأحد البيوت القرشية في مواجهة البيوت الأخرى . ولكن هذه النظرية السياسية لم تلبث أن تطورت مع الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والمذهبية ، حتى بات التشيع في نهاية الأمر عقيدة دينية خالصة وتحول التشيع على كهف يأوي إليه الحاقدون والمتربصون بالإسلام ، وكل من يريد الكيد له ، وتجد ذلك في المذاهب الشيعية الغالية ، التي تطرفت إلى المدى الذي ابتعد بها عن حظيرة الإسلام وجعلت الأئمة في مرتبة الأنبياء والآلهة ، وأعني بذلك السبئية والنصيرية والإسماعيلية ، والتي قامت بينها وبين جمهور المسلمين مذابح لم تجف دماؤها بعد .
الفصل الثالث
أفكار منحرفة في ثياب عصرية
إن المشكلة التي تعانيها الساحة الفكرية الإسلامية ، في الوقت الحاضر ، إنما تتمثل في انبعاث أفكار قديمة ، في ثياب حديثة وإننا كنا نظن أن أفكار الخوارج قد اندثرت ، بعد انقراضهم من العالم الإسلامي ، ولكن ما حدث هو أن بعض الدعاة الإسلاميين ـ وهم يقلبون البصر في شؤون العالم الإسلامي ويبحثون عن مخرج له من أزمته الراهنة ـ نقبوا في الدفاتر القديمة ونبشوا في تراث الأجداد ، فراقت لهم أفكار الخوارج ونفضوا عنها التراب ، وخلطوها بمزيج من الأفكار الحديثة ، ثم وضعوها في قارورات شفافة ، وقدموها إلى المسلمين المحدثين على أنها الدواء الناجع لكل الهموم التي يعانيها الإسلام والمسلمين . والشيء المثير للدهشة والغرابة ، أن الناس أقبلوا على تعاطي الدواء دون أن يسألوا أين صنع ؟ وكيف صنع ، وما هي مكوناته الأصلية ، وماذا كان مصير الصناع الأول الذين جربوه !! وهل أفلح هذا العقار في علاج الأدواء التي صنع لعلاجها ؟؟ [ وساعد على انتشار هذا الدواء الغريب حاجة الناس إلى ما يشفي أوجاعهم النفسية والاقتصادية والاجتماعية بعد أن أجريت عليهم التجارب من جميع المذاهب والأفكار . فكان مصيرها الفشل والتردي ، ولم يعد أمامهم سوى الحل الإسلامي دون أن يفرقوا بين ما هو صحيح وما هو مزيف ودون أن يشغلوا عقولهم بالبحث في الجذور والأصول .
فأنت ترى من كل هذا أن الجماعات والفرق قد تنقرض وتتلاشى وتصبح مجرد أخبار وحكايات في كتب التاريخ ، ولكن الفكر لا يموت ، ولكنه يبعث حياً إذا تهيأ له المناخ المناسب وإذا توافرت له العقول التي تستخرجه من المتاحف وتقدمه إلى الناس في صورة مغرية .
وكل هذا يفرض على ذوي العقول الرشيدة أن يتحملوا مسئوليتهم في كشف الحقائق للناس ، بلا خوف ولا رياء ، ولا مداهنة ، وأن يعرضوا للناس الإسلام الصحيح حتى يتبين لهم الرشد من الغي ، ويفرقوا بين ما يضرهم وما ينفعهم ؛ فالإسلام الصحيح واضح وضوح الشمس في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي مسلك صحابته الأطهار المكرمين ، الذين صحبوه وتلقوا منه الدين نقياً خالصاً من الشوائب والأضاليل ، وتلقاه منهم العلماء الموثوقون ، فعضوا عليه بالنواجذ ، ودفعوا عنه كيد الكائدين ، وحقد المتربصين ، وانحراف المتهوسين الجهلة ، ورسموا لنا الطريق المستقيم وصدق الله العظيم إذ يقول ( وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) .
إنني استشعر الحرج الذي يساور قلوب أهل العقل والرشد ، حين يتعرضون للتيارات الفاسدة ، التي تحمل مسوحاً إسلامية ، ويظنون أن المساس بها يؤدي إلى اهتزاز ثقة الناس بالحلول الإسلامية ، ولكنني أرى العكس ، وأرى أن ضمائرهم الدينية تحتم عليهم أن يقوموا بعملية فرز دقيقة لكل ما هو معروض الآن على الساحة الإسلامية من أفكار وتيارات ، وأرى في ذلك تثبيتاً للأفكار الأصلية ، ونفياً للأفكار الضارة ، التي سيؤدي تجاهلها إلى إفساد كل محتويات السلة ، وإتاحة الفرصة للعملة الرديئة المزيفة لطرد العملة الصحيحة ، وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح ، وسوف تمضي موجة الانحراف الفكري والفساد العقائدي والهوس الأهوج إلى حيث مضت من قبل موجات وموجات ، ولكن كم سيكلفنا السكوت عنها من دماء وأرواح وفتن كقطع الليل الأسود ؟؟ ولن يعصمنا من كل ذلك سوى الشجاعة في المواجهة عن طريق الكلمة الصريحة الأمينة ، وتنوير العقول والأذهان ، كي تتخلص من الأفكار التي علقت بها سواء عن جهل ، أو عن عاطفة ، وإذا لم نبادر بهذه الحملة التنويرية فسوف تدخل مصر ـ ومن ورائها العالم العربي ـ مرحلة ظلام طويل لا يعلم مداه إلا الله .
والتاريخ خير شاهد على ما أشعر به ، وعندما لوي عنقي إلى الماضي ، فإنني لا أتعسف في تفسير الحاضر ، ولكني أرى المستقبل على ضوء الأحداث التي وقعت فتركت لنا عبرتها ، والشعوب الذكية هي التي تستفيد من ماضيها ، فتعرف ما سيكون ، بما قد كان .
وأنا عندما أري انتقاضة الشيعة الإيرانيين وزحفهم البطيء ذا النفس الطويل ، إلى منطقة الخليج والبقاع المقدسة ، من حقي أن أضع هذه التحركات في إطارها التاريخي إلى جوار انتفاضاتهم القديمة ، وسعيهم الدائب إلى إقامة امبراطورية فارسية شيعية تعيد مجد قورش وقمبيز ودارا ، على أنقاض مجد سعد بن أبي وقاص والمقداد والمثنى بن حارثة، صناديد الفتح الإسلامي لبلاد الفرس ، وعندئذ يحق لي أن أتخوف على مستقبل بلادي ، لأنني أعرف جيداً كم يحن الشيعة إلى استرداد مصر إلى حظيرة التشيع ، وأنا عندما أرى طائفة ( البهرة ) تنفق عشرات الملايين من الدولارات على مقصورة الحسين ، والسيدة زينب ، وتجديد مسجد الحاكم بأمر الله ، يكون من حقي أن أشعر بالقلق، لأنني أعرف أن البهرة لم ينفقوا هذه الملايين " لله في لله " ، وليسوا من السذاجة لتجديد مسجد لا يصلون فيه ، ولكنهم لم يفعلوا ما فعلوه إلا ليكون لهم موطيء قدم في مصر المحروسة ، التي حكمها أجدادهم الفاطميون ، في القرن الرابع الهجري ، فمصر لم تمح من قلبوهم ، وستبقى بمثابة الحلم الذي لا يخبو ، حتى أغاخان الكبير ـ زعيم طائفة الأغاخانية الفاطمية ـ عاش حياته المديدة بين الغيد الحسن في العواصم الأوربية فلما مات أوصى بأن يدفنوه في أسوان ، ليكون قبره القابع على ربوة عالية بمثابة المنارة التي يتطلع إليها الإسماعيلية في شرق أفريقيا والهند .
لقد ذوى الوجود الشيعي في مصر منذ 840 سنة ، فلا تحد مصرياً واحداً يؤمن بالتشيع ولم يبق من فترة الحكم الشيعي التي امتدت 205 سنوات سوى آثار تدل عليهم ، الأزهر ، وجامع الحاكم بأمر الله ، وجامع الآمر ، وذكرى الاحتفالات الصاخبة التي كانت تمتد فيها الأسمطة ، وتوزع الحلوى التي أتقنوا صنعها مثل الكنافة والقطايف ولقمة القاضي .
التشيع الحكومي
الثابت تاريخياً أن قطاعاً من المصريين اعتنقوا مذهب الشيعة الإسماعيلي أثناء حكم الفاطميين لمصر . بعضهم فعل ذلك عن انسياق عاطفي في حب أهل البيت . وبعضهم فعل ذلك عن انتهازية جرياً وراء لقمة العيش ، وزلفى إلى السلطان الذي جعل اعتناق التشيع جواز المرور إلى شغل الوظائف الحكومية ، وعندئذ لم يعدم الأمر وجود بعض ضعاف النفوس الذين مالأوا السلطة طمعاً في خيراتها ، والثابت تاريخياً أن الحكم الفاطمي دخل مرحلة الضعف والانهيار بعض انقضاء عهد الخلفاء الأوائل المعز ، العزيز ، الحكم ، وبدأ الفناء يدب في أركان النظام في أواسط عهد ( المستنصر ) الذي طالت مدة حكمه فبلغت 65 عاماً ، هي أطول مدة لحاكم في تاريخ الإسلام ففي عهده حدثت الشدة المستنصرية ، التي عانت فيها البلاد المجاعة وساعد النيل من ناحيته على تدهور الأحوال عندما شح فيضانه فبارت الأرض ، ونقصت الغلة ، وانتشرت الأوبئة ، واضطر الناس إلى أكل القطط والكلاب ، فلما انقرضت بدأوا في خطف البشر عن طريق الخطاطيف ، فانهارت السلطة المركزية ، ووقعت البلاد فريسة لصراعات قادة الجند الذين كانوا ينتمون إلى جنسيات متعددة ، فاضطر المستنصر إلى الاستعانة بحاكم عكا القوي الأرمني بدر الجمالي فجاء إلى مصر بجيشه وضبط الأمور ، وأطاح برؤوس قادة الجند في مذبحة شهيرة كانت المثال الذي احتذاه محمد علي حين أطاح بزعماء المماليك ، في مذبحة القلعة ، وبقدوم بدر الجمالي بدأ عصر الوزراء العظام فأصبحت لهم الكلمة الأولى في إدارة شؤون مصر، وتضاءلت إلى جانبهم سلطة الخلفاء الفاطميين حتى انتهت الإدارة إلى الوزيرين الشهيرين ، ضرغام وشاور بن مجير السعدي ، وهو من عرب البوادي ونشب الصراع بينهما في الوقت الذي تعرض فيه الشرق الإسلامي لخطر الحملات الصليبية ، وكانت كل الدلائل تشير إلى أن نظام الحكم الفاطمي في مصر لم يكن عند مستوى الأحداث الجسام التي وقعت وبلغ من جهل الحكام الفاطميين ،
أنهم تواطأوا مع الصليبيين الذين احتلوا فلسطين نكاية في الأتراك السلاجقة الذين كانوا يحكمون الشام وهم من أهل السنة .
ولم يكن من المقبول أن تستمر الأوضاع على هذا النحو المزري ، وكان لابد أن يظهر البطل الذي يبطل هذا الإفك ، وكان البطل هو صلاح الدين الأيوبي ، الذي جاء إلى مصر جندياً في جيش أبيه وعمه ، من قبل السلطان نور الدين محمود ، ولكن التطورات السريعة ما لبثت أن وضعت صلاح الدين في موضع المسؤولية ، فكان أهلاً لها بكل المعايير.
وبدأ صلاح الدين مهمته التاريخية بالقضاء على " شاور " الوزير الأبله الذي استعان بالصليبيين حتى دخل مصر ، ثم غدر بهم وحاول أن يعوق مسيرتهم فهرب إلى الصعيد بعد أن أشعل النار في الفسطاط وحولها إلى كوم فحم ، وبالقضاء على شاور أصبح صلاح الدين الوزير القوي في حكومة الخليفة الفاطمي ( العاضد ) .
وبدأ شكل النظام المصري في غاية الغرابة والتناقض :
? على قمة الدولة خليفة فاطمي شيعي إسماعيلي لا حول له ولا طول، بعد أن دخل النظام مرحلة الفناء ودخل العاضد نفسه مرحلة الاحتضار بعد مرض عضال.
? وإلى جانبه وزير سني يملك في يده كل خيوط السلطة، ويحمل على كاهله مسؤولية المواجهة مع الوجود الصليبي ، ويكمل المشوار الذي بدأه في الموصل سيده ، عماد الدين زنكي ومن بعده ابنه نور الدين محمود .
ولم يترك النجم الأيوبي الأمور لتصاريف القدر ، فأعلن سقوط الدولة الفاطمية ، وبهذا القرار الجريء زال من الوجود الحكم الفاطمي لمصر ( سنة 567هـ ) بعد 205 سنوات وعادت مصر، كما كانت منذ دخلها الإسلام سنية خالصة ، بل عميدة للتيار السني، وكان على صلاح الدين أن يحارب في جبهتين : إعداد البلاد لمواجهة حاسمة مع الصليبيين في فلسطين ، ومطاردة فلول الفاطمية التي كانت تعشش في بعض الجيوب في صعيد مصر .
ونجح صلاح الدين في الجبهتين ، ولكن الذي يعنينا هنا نجاحه في اقتلاع الجذور الشيعية ، وإتاحة الفرصة أمام المؤسسات السنية لتستعيد نشاطها ، ويعود إليها رونقها الذي خبا طوال العهد الفاطمي ، وعاد المصريون الذين تشيعوا إلى حظيرتهم ، وحل علماء الشرع محل قضاة الشيعة في الأزهر ، ومن يومها أصبح الأزهر عمدة المؤسسات السنية في العالم الإسلامي ، وبؤرة النشاط العلمي والثقافي والأدبي .
ذهب الفاطميون وذهبت دولتهم ، وبقي المصريون على حبهم القديم لأهل البيت ، واستطاع المصريون بفطرتهن السليمة أن يفرقوا بين هذا الحب الخالص ، وبين مذهب مشبوه يتخذ من أهل البيت ستاراً لتنفيذ أغراض مذهبية وقومية هي أبعد ما تكون عن الإسلام الصحيح الذي استقاه المصريون من منابعه النقية .
وتلك هي طبيعة المصريين منذ دخلوا الإسلام ، فنفروا من كل المذاهب والنحل والتيارات ، التي تتعصب لبيت من البيوت حتى لو كان بيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
? عرف المسلمون الحب ولكنهم لم يعرفوا التعصب .
? واستقام المصريون لأحكام الشرع . وتشربوا روح الإسلام في نقائها وبساطتها وسماحتها ، ونفروا من الغلو والهوس ، ورفضوا الانحياز إلى فريق دون فريق ونأوا بأنفسهم عن الدخول في أتون الصراع الدموي الذي قام بين الفرق والأحزاب المتناحرة على الحكم .
* * * *
هذه الحقيقة التاريخية ينبغي أن نكشف عنها ، ونعتز بها ، لأنها توضح إلى أي مدى فهم المصريون الدين على أنه قوة خلاقة ودعوة إلى بناء الفرد والمجتمع على أساس الفضائل ومكارم الأخلاق ، وليس قوة مدمرة تفرق الناس وتحولهم إلى شيع متناحرة ، وفرق يضرب بعضها وجوه بعض من أجل الحكم ..
أقول إن المصريين ـ والمسلمون والمسيحيون سواء في ذلك ـ فهموا الدين على هذا النحو الخلاق ، ونفروا عما سواه من مفاهيم منحرفة .. ولذلك لا تجد في تاريخ المصريين تلك المذابح التي قامت بين أتباع المذاهب المسيحية في أوروبا ـ الكاثوليك والبروتستانت ـ ولا تجد في تاريخ المصريين تلك المواجهات الدموية التي قامت بين أتباع الفرق الإسلامية .
مصر الإسلامية ، هي نفسها مصر المسيحية في فهمها للدين الصحيح ، ورفضها للغلو والتعصب والتناحر ، هكذا وقفت في وجه الإمبراطورية الرومانية ، وهي في عنفوان غرورها . وعندما أرادت بيزنطة المسيحية أن تلعب على وتر التعصب المذهبي وتجبر المصريين على اعتناق مذهبها المنحرف ، رفض الأقباط ، وظلوا على فهمهم للمسيحية كما تلقوا عن القديس مرقص , ودفعوا الثمن غالياً من دماء شهدائهم ومن كفاح رهبانهم.
واتخذ المصريون نفس الموقف المستنير عندما هبت عليهم ريح الخلاف بين الفرق الإسلامية المتناحرة على الحكم , ورفضوا الانحياز إلى أي منها , ولذلك لم يجد الشيعة لهم سوقاً في مصر إلا عن طريق الغزو الفاطمي , وكذلك لم تجد أفكار الخوارج من يعتنقها.
? لماذا رفض المصريون دعوى الخوارج ؟
لأنهم شطوا في أفكارهم واغتروا بإيمانهم , فزعموا أنهم وحدهم المؤمنون حقا , ومن خالفهم كافر حتى لو كان مسلماً يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , المسلم في نظرهم كافر إذا ارتكب معصية وحكموا عليه بأنه مخلد في النار.
هكذا أعلنوها في تبجح وعتو وغرور في وجه إمام الهدى علي بن أبي طالب , كرم الله وجهه الذي كان أول صبي يدخل الإسلام , والذي تربى في كنف النبي صلى الله عليه وسلم , وحكموا عليه بالكفر – كبرت كلمة تخرج من أفواههم – لمجرد أنه قبل التحكيم في خلافه مع معاوية.
ولكي نفهم المنابع التي نبت منها الخوارج والعوامل التي أثرت في عقولهم , لنستمع إلى الإمام الجليل الشيخ محمد أبو زهرة وهو يصف لنا القوم وقد جمعوا بين صفات متناقصة هي التقوى والإخلاص والانحراف والهوس والتشدد والخشونة والجفوة والتهور فيقول: إن أكثر الخوارج كانوا من عرب البادية الذين عاشوا في فقر شديد قبيل الإسلام , فلما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسنا لأنهم استمروا في باديتهم بشدتها وصعوبة الحياة فيها , وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة في التفكير وضيق في التصور وبعد عن العلوم , فتكوّن من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة لضيق نطاق العقول , ومتهورة ومندفعة لأنها نابعة من الصحراء وزاهدة لأنها لم تجد , إذ النفس التي لا تجد إذا عمرها إيمان ومس وجدانها اعتقاد صحيح انصرفت عن الشهوات المادية وملاذ الحياة , واتجهت إلى نعيم الآخرة وكانت هذه الحياة الخشنة في البيداء دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف , والنفس صورة لها تألف ولو أنهم عاشوا عيشة رافعة لخفف ذلك من عنفهم وألان صلابتهم ورطب شدتهم.
ويعقد الشيخ أبو زهرة مقارنة بين الخوارج , واليعاقبة الذين قادوا تيار الإرهاب في أثناء الثروة الفرنسية الكبرى فيقول عن الخوارج : (( إنهم ليشبهون – في استحواذ الألفاظ البراقة على عقولهم ومداركهم – اليعاقبة الذين ارتكبوا أقصى الفظائع في الثرة الفرنسية فقد استولت على هؤلاء ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة وباسمها قتلوا الناس وأهرقوا الدماء وأولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان ولا حكم إلا لله. والتبرؤ من الظالمين وباسمها أباحوا دماء المسلمين ثم خضبوا الدماء السلامية بنجيع الدماء)).
ثم يقول: ((ومن صفاتهم الإسلامية , حب الفداء والرغبة في الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع يدفع إلى ذلك وربما كان منشؤه هوساً عند بعضهم واضطراباً في أعصابهم , لا مجرد شجاعة.
أرأيت- عزيزي القاريء أهمية قراءة التاريخ بعين عصرية ؟ وهل وجدت في الأفكار التي تحاصرك الآن صدى لتلك الأفكار القديمة التي لعبت دورها في مسار التاريخ الإسلامي , وكلفت المسلمين غالياً.. من الدماء والأنفس والأموال. وهل اقتنعت بأن أحداث التاريخ سلسة يجر بعضها بعضاً ؟!
أنني أقول دائماً أن قراءة التاريخ ليست متعة ذهنية , نزهة خلوية , للهروب من الواقع . ولكنها أشبه بناقوس يزعج الغافلين ويدعوهم إلى اليقظة والحذر.. ولاعتبار وفهم الحاضر على ضوء الماضي.
أسأل الله يحفظ أرض الكنانة من كل سوء وأن يقيها شر الهوس واضطراب الأعصاب , وأن يحميها من كيد الكائدين , إنه سميع مجيب.
الفصل الرابع
جذور الصراع بين الفرس والعرب
إذا كان التاريخ مجموعة حلقات متصلة , أو سلسلة من الأحداث يفضى احدها إلى الآخر , فإن عصرنا الحالي هو بالوراثة , ابن شرعي للأزمنة الغابرة , ويكون الماضي عاملاً مؤثراً في تشكيل مادة الحوادث التي تجري على مسرح الحياة المعاصرة. قد تستغرق عملية التشكيل والتخليق قروناًُ طوالاً , ولكن المهم أن عملية التخمر تتم تحت السطح حتى تفرز في النهاية أحداثاً جساماً , نتصور أنها نتاج عوامل آنية , وما هي- في الحقيقة- إلا محصلة تفاعلات كيميائية , اختلطت فيها عناصر التاريخ بالجغرافيا السياسية.
وإذا كانت قشرة التاريخ البشري- بالقياس إلى التاريخ الطبيعي- لا تتعدى عدة ألوف من السنين , فأنه يمكننا من خلال تتبع حركة الجماعات الإنسانية وانتقالها وراء الخصب , أن نتلمس الظروف التي جمعت أو فرقت بين هذه الجماعات ومن ثم يمكن أن نضع أيدينا على المفاتيح التي تكشف لنا عن مكنون العلاقات التي قامت بين الجماعات منذ وقت مبكر فحددت نظرة كل منها إلى الآخر , ومن ثم باتت تلك النظرة ضمن التراث التاريخي الذي يخلفه الأجداد للحفدة.
إذا كان الأمر كذلك , فإنه يمكننا أن نتفهم عناصر الصراع القائم بين العراق وإيران من خلال تتبع مجرى العلاقات التاريخية بين البلدين والعوامل التي حكمت هذه العلاقات – إن سلباً أو إيجاباً- ففي ذلك تبيان لكثير من الأحداث التي ظهرت الآن على السطح في شكل حرب مدمرة أفاض المحللون السياسيون في كشف أسبابها وأهدافها. ولكن الباحث التاريخي , عند معالجته لأسباب الصدام , يتجاوز الأحداث المعاصرة لينبش في تربة التاريخ , عن جذور الصراع وهو عندما يفعل , فإنما يبحث عن البذور الدفينة التي تخفي على العين المجردة , فتكون أشبه بالميكروب الكامن في حشايا الجسم , يدق على النظرة العجلى , قد يخمن حينا وينشط حينا آخر , ولكنه في جميع الأحوال كامن وموجود يؤدي دوره عندما يتهيأ له المناخ المناسب.
وقصة الصراع بين العراق وإيران موغلة في القدم , ولا نعدو الحقيقة إذا كانت ضمن الفصول الدرامية التي دارت أحداثها على مسرح الشرق القديم , ثم أخذت عروضها تتجدد من خلال دورات زمنية تتعاقب بتعاقب الدول التي توالت على البلدين الجارين.
من المؤكد أن الفتح الإسلامي لفارس-عن طريق العراق- هو أهم وأخطر هذه الدورات الصدامية , ولكنه بالقطع لم يكن أولها , فقد سبقته ملاحم كما لحقته دورات , تشكل في النهاية سلسلة متصلة من صدام الصراع بين القطبين , كتب عليهما أن يتجاورا فتنافرا , حتى انطبقت عليهما القاعدة التي تقول (( إن القطبين المتشابهين متنافران)).
? أنه صراع أشباه , مثلما هو صراع أضداد على حد تعبير العلامة جمال حمدان في موسوعته (( شخصية مصر)).
ولا يمكن تفسير هذه المعادلة الصعبة , إلا في ضوء المنابع التاريخية للشعبين.
كلاهما آسيوي ومسلم , وتلك عناصر التشابه.
? ولكنهما يختلفان عرقياً:
? فأحدهما سامي عربي. اضطرته ظروف الجفاف التي عمت الجزيرة العربية في أعقاب عصر الجليد , إلى الهجرة والاستيطان على ضفاف الرافدين الخصيبة.
? والآخر آري – إيراني , اضطرته ظروف نفسها إلى هجرة مناطق الاستبس الرعوية في أوساط آسيا , وسكن الهضبة الإيرانية التي تجاور الرافدين .
وبدأت أولى ملاحم الصراع بين الرمل والطين , أو بين الاستبس والريف , أو بين الرعاة وجيرانهم الفلاحين , فمن شأن هذه الجيرة أن تتسم بالاضطراب والقلق والتوتر.
وأقرب مثال يذكرك بتلك الجيرة المضطربة , جيرة الفرنسيين والألمان .. فكلاهما أوروبي , وكلاهما مسيحي , وكلاهما يعيش في كنف الحضارة الغربية , ولكن التنافر يعود إلى الأصول الجنسية والظروف التاريخية التي جمعت بينهما , فالفرنسيون ينتمون إلى مجموعة الشعوب اللاتينية , التي تأثرت بحضارة اليونان , والتي تفتخر بأنها أعرق علماً ومدنية وحضارة , أما الألمان فينتمون إلى العنصر الآري , الذي أغار على أوروبا في القرن الخامس الميلادي , فاكتسح معاقل الحضارة الرومانية , ورغم اندماجهم في سبيكة الشعوب الأوروبية , إلا أن النظرة لديهم لا تزال متأثرة بحركتهم التخريبية ورغبتهم الموروثة في السيادة والتسلط . وربما كان تاريخ أوروبا الحديث هو في خلاصته جاهداً دائباً لكبح هذه النزعة التسليطية التي تبدت في أبشع حالاتها في شكل النازية الهتلرية.
هذا مجرد مثل تقريبي لتوضيح العقد الدفينة التي تفعل فعلها بين الشعوب , ثم لا تلبث أن تتفجر في شكل حروب دامية , وهي عقد لا ينبغي للباحث التاريخي أن يهملها أو يقلل من شأنها.
ونعود إلى جذور الصراع بين العراق وإيران..
هجرة العرب إلى العراق
هناك شبه إجماع بين علماء التاريخ ـ ومنهم توينبي ـ على أن الجفاف الذي عم نصف الكرة الجنوبي بعد انحسار عصر الجليد ، كان حافزاً في قيام الهجرات المتواصلة من جزيرة العرب إلى المناطق الخصيبة التي تبدأ من مصب الرافدين وتمتد شمالاً إلى السهول السورية، ثم تنحرف جنوباً ، فتضم أراضي لبنان وفلسطين ، لتشكل ما يعرف بالهلال الخصيب .
حدث ذلك منذ خمسة آلاف عام تقريباً ، عندما انساحت القبائل العربية من اليمن تجاه الشمال في موجات متعاقبة . ثم توزعوا عل أطراف الهلال الخصيب في عصور متتالية ، منهم من توجه شرقاً نحو بلاد الرافدين ، وبصورة خاصة حوض الفرات ، ومنهم من استقر في سوريا وفلسطين ولبنان ، ومنهم من توجه غرباً نحو طور سيناء والحوض الشرقي من دلتا النيل . ولما كانت هذه القبائل على درجة معقولة من فنون الزراعة والري فقد أمكنهم نقل خبراتهم الزراعية القديمة إلى مناطق الاستيطان الجديدة ، وأسسوا العديد من التجمعات الحضارية التي كان أبرزها تلك الحضارة النهرية التي نشأت على ضفاف الدجلة والفرات في وقت معاصر ومشابه لحضارة وادي النيل .
وكما كانت حضارة النيل الفيضية سبباً في ظهور الدولة والحكومة التي تشرف على توزيع المياه وتنظيم شؤون الزراعة والري . فقد أثمرت حضارة الرافدين نشوء الدول والأنظمة والقوانين ، وقد أدى ذلك إلى ظهور قوة قطبية جديدة في العراق في مواجهة القوة القطبية التي ظلت تنفرد بزمام القوة في المنطقة ، ونعني بها قوة مصر الفرعونية ، حتى ليبدو تاريخ الشرق الأوسط منذ ذلك الحين ـ كما يصفه جمال حمدان ـ وكأنه مبارزة تاريخية بين العراق ومصر ، فإذا أضفنا إلى هاتين القوتين النهريتين ، قوة نامية ثالثة هي قوة الحيثيين في آسيا الصغرى ( شبه جزيرة الأناضول ) ، لأمكن لنا أن نتصور مسرح الصراع بين القوى الثلاث التي توزعت على رؤوس مثلث متساوي الأضلاع : مصر ـ العراق ـ آسيا الصغرى . ولسوف تنفرد تلك القوى بتسيير مجرى الأحداث في المنطقة لعدة قرون . وإلى حين ظهور مراكز قوة جديدة على حافة العراق ، والأناضول ، ونعني بهما : فارس واليونان ، أما مصر فقد كان عليها أن تدخل مرحلة البيات التاريخي ، أو مرحلة المستعمرة ذات الألف عام ، بعد أن استوعبت عصرها الإمبراطوري ، وأفرزت أول إمبراطورية في التاريخ .
حضارات العراق القديمة
ونعود إلى أرض الرافدين لنرصد مراحل قيام هذه الدول القديمة ، والدور الذي لعبته في تاريخ الشرق العربي . والباحثون العراقيون المحدثون يؤكدون على أن هذه الدول كانت دولاً عربية صميمة في أعراقها وفي لسانها وفي حضارتها وفي ثقافتها ، لأنها قامت على سواعد العرب الذين هاجروا من ديارهم الأصيلة بعد عصر الجفاف ، فنقلوا معهم كل ما اكتسبوه من تراث حضاري عندما كانت الجزيرة العربية تزدهر بالخصب والنماء .
انظر ـ مثلاً ـ إلى ما يقوله الدكتور أحمد سوسة عضو المجمع العلمي العراقي في كتابه ( حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور) : ( وكانت مستوطنات شعب الجزيرة في عالمه تؤلف عالماً عربياً واحداً يتمايز بقوميته العربية تعززه وحدة جغرافية واحدة مترابطة الأجزاء تضم الجزيرة ( الأم ) وأبناؤها في المهجر ، وقد شمل العالم الجديد حضارة ساحل البحر الأحمر والخليج العربي وخليج عمان من الشرق ، وبحر العرب وخليج عدن من الجنوب والبحر الأبيض من الغرب ، وجبال طوروس من الشمال فسيطر هذا العالم بجماله على طرق المواصلات الصحراوية ، كما سيطر بسفنه على طرق المواصلات البحرية ، وحدث كل ذلك قبل أ، يشهد الشرق الأدنى غزوات الأقوام الآرية ( غير السامية ) وكان تجمع معظم المهاجرين أول الأمر على ضفاف نهر الفرات الغربية ، المجاورة لبادية الشام حيث أسسوا أولى مستوطناتهم في سوريا وصاروا يعرفون هناك بالعموريين الذين أقاموا مملكة واسعة تعرف باسم " عمورو " ) .
ثم يقول : ( ويبدو أن الجماعات التي استقرت في سوريا قد ازداد عددها بعد مرور مدة من الزمن نتيجة لنزوح جماعات أخرى إليها بالإضافة إلى تكاثر عدد النازحين الأصليين . هذا عدا تقلص مساحة الأراضي التي كانت تسقى سيحاً نتيجة هبوط مستوى مياه نهر الفرات في هذه المنطقة ، فانتقلت هذه الجماعات جنوباً على طول نهر الفرات حتى استقرت في شمالي المنطقة السومرية في السهل الخصيب ، الممتد بين دجلة والفرات ، وأسست مستوطناتها على ضفتي مجرى الفرات القديم غربي وجنوب بغداد الحالية ، والتي كانت نواة الإمبراطورية الأكادية التي أسسها سرجون في القرن24 قبل الميلاد ، ثم تبعها قيام الإمبراطوريات البابلية والآشورية والكلدانية ) .
ولا بأس من أن ندرج نبذة تاريخية عن هذه الدول الكبرى .
? الدولة الآكادية ( 2350 ـ 2159 ق . م ) :
يرى بعض الباحثين العراقيين أن الأكاديين من أقدم القبائل العربية التي نزحت من جزيرة العرب ، واستوطنت في وادي الرافدين منذ أقدم العصور واستقروا في بداية الأمر على ضفة نهر الفرات الغربية في البقعة الممتدة بين دير الزور وهيت ، ثم انحدروا شمالاً مع مجرى الفرات ، حتى اتصلوا ببلاد سومر ، ودام الاحتكاك بين الآكاديين والسومريين ، عدة قرون حتى تمكن الزعيم الآكادي سرجون الأول من القضاء على الدولة السومرية وأسس أول إمبراطورية عربية . فكان أول قائد عربي عرفه التاريخ ، ومؤسس أول مملكة عربية عظيمة في غربي آسيا شملت معظم أقسام الهلال الخصيب وبلاد عيلام ( فارس ) وجزءً مهماً من آسيا الصغرى إلى البحر المتوسط كما سيطرت على موانيء فينيقية وجبال طوروس .
وكانت نهاية هذا الفتح العربي الكبير سرجون العظيم نهاية محزنة بثورة عامة من رعاياه عليه اشترك فيها السومريون والعيلاميون فاضطر سرجون إلى الانتحار .
وفي حدود حوالي سنة 2200 ق ، انهارت الدولة الآكادية بسبب هجمات قبائل همجية تعرف بالكوتيين انحدروا من جبال زاغروس .
? الدولة البابلية الأولى ( 1894 ـ 1595 ق . م ) :
تألفت هذه الدولة السامية من العموريين العمالقة ، الذين انحدروا من أعالي الفرات واستقروا في بابل ، واستمرت دولتهم في حكم العراق حوالي 300 سنة ، باسم سلالة بابل الأول حكم خلالها أحد عشر ملكاً اشتهر من بينهم ( حمورابي ) صاحب الشريعة البابلية الشهيرة ، وقد بلغت مملكته أوج عظمتها في عهده ، فقد استهل حكمه بشن الحرب على بلاد سومر الجنوبية وضمها إلى مملكته وأسرع في إخضاع دويلات ما بين النهرين مبتدئاً بدولة آشور في الشمال ثم مملكة ماري ثم تقدم شمالاً على الفرات ، فافتتح المدن الغربية من بلاد الشام . وهكذا أسس حمورابي الإمبراطورية البابلية القديمة الواسعة . ولم تقتصر شهرته على أعماله الحربية ، بل امتدت إلى الإصلاحات الإدارية كما عني بالشؤون الدينية والعدل مما أدى إلى ظهور شريعة حمورابي التي تضمنت أول بنود في التشريع والقانون .
? الدولة الآشورية ( 1595 ـ 612 ق . م ) :
استقرت بعض الجماعات العربية القديمة على طول ضفة نهر دجلة اليمنى ، بين الموصل والشرقاط ، وأسست مدينة أطلقوا عليها اسم (آشور) نسبة إلى الإله الذي يقدسه هؤلاء القوم ، وسرعان ما أقاموا إمارة صغيرة برعت في إقامة مشاريع الري الحجرية ، وكان الآشوريون يتكلمون لغة قريبة من لغة الآكاديين ، ... وكتبوا لغتهم بالخط المسماري ، وفي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد ظهر الحيثيون في آسيا الصغرى واتجه فريق منهم شرقاً إلى بلاد ما بين النهرين ، فوقعت آشور في مهب الريح مما دفعها إلى بناء قواعدها . على أساس حربي ، فأقاموا الجيوش النظامية وبدأوا باستعمال الخيل والعجلات ، وفي النهاية أصبحوا أعظم قوة حربية شهدها العالم القديم ، وتمكن الآشوريون من تأسيس إمبراطورية سامية عظيمة ، بلغت من القوة والازدهار ، بحيث سيطرت في ذروة اتساعها على منطقة الشرق الأوسط كلها ، ومن ضمنها آسيا الصغرى ، وسواحل بحر إيجة ، ومصر والخليج العربي وعيلام عدا فتوحاتهم للمناطق الجبلية في الشرق والشمال حتى أرمينية وقضى الملك سرجون الثاني على المملكة اليهودية في السامرة .
وبعد وفاة آخر ملوك هذه الدولة ( آشور بانيبال سنة 626 ق . م ) دخلت الدولة مرحلة الاحتضار ، وتفككت أصولها وانتهزت بابل الفرصة فأقامت الدولة البابلية ( الثانية ) .
? الدولة الكلدانية ( البابلية الثانية 626 ـ 539 ق . م ) :
وتكونت من تحالف القبائل الكلدانية مع الحشود الآرامية التي نزحت من سوريا ، ولعبت هذه الدولة دوراً مهماً في تاريخ الشرق الأدني غي القرن السادس قبل الميلاد ، فقد استولت على الدويلات في سوريا وفي فلسطين ، وبلغت أوج ازدهارها في عهد ( نبوخذ نصر ) أعظم الملوك الكلدانيين قاطبة وقد دام حكمه 43 عاماً ، وقام بعدة حملات اكتسبت اثنتان منها شهرة تاريخية ، وهما الحملتان اللتان شنهما على مملكة يهوذا، وسبيه اليهود ، ونقلهم إلى بابل ، ثم تخريبه بيت المقدس (أورشليم ) ، وبعد موت نبوخذ نصر سنة 562 ق . م خلفه ملوك ضعاف ، وجاء احتضار الدولة البابلية في نفس الوقت الذي بزغ فيه نجم (قورش) الأخميني في سماء الهضبة الإيرانية ، وجاء ظهوره إيذاناً بميلاد مركز جديد من مراكز القوى التي سيكون لها شأن في ملحمة الصراع مع الجارة الكبرى .
الشعوب الإيرانية :
تلك كانت قصة الطرف الأول في ملحمة الصراع التاريخي على مسرح الشرق القديم ، فماذا عن الطرف الثاني ؟
يعتبر الشعب الإيراني من أشد الشعوب تعقيداً في تركيبه السكاني ، حتى ليصدق عليه وصف " الشعوب " الإيرانية ، ويرجع هذا التعقيد إلى تداخل الأصول والأجناس التي توالت على إيران عبر القرون ، فهناك الفرس ، والكرد ، والترك ، والعرب ، والبلوش ، وهناك كذلك التجمعات القبلية مثل : اللور ، والبختيارية ، والقشقائية ، والشاهسوانية، والكاشفار ... ، إلخ . وكل قبيل ينتمي إلى جنس من الأجناس التي أحاطت بالهضبة الإيرانية واتخذت سبيلها إلى هناك في ظروف تاريخية معينة ، واختلطت من خلال حركتها الرعوية ، وتبادلت الصفات الاجتماعية واللسانية ، حتى لتجد عرباً يتكلمون الفارسية ، وتركاً يتحدثون بالمغولية . ولا تعرف على وجه الدقة الانتماءات العرقية ، للأقوام الأولى التي كانت تسكن إيران في عصور ما قبل التاريخ ، ولكن الدراسات الحديثة تطلق عليهم اسم " القزوينيين " أو " القوقازيين " ولو صح هذا القول لكان معناه أنهم كانوا يقيمون في المناطق المحيطة ببحر الخزر (قزوين) أو في المناطق الجبلية التي تفصل بين بحر قزوين والبحر الأسود .
أما الأصول العرقية للأجناس التي تعيش في إيران حالياً ، فقد توافدت على إيران بدءاً من الألف الثانية قبل الميلاد . واتخذت شكل موجات متعاقبة ، كان أسبقها إلى إيران العنصر (الآري) الذي اختلط بالسكان الأقدمين ، ثم كانت له الغلبة عليهم . ويتمثل العنصر الآري في قبيلين : هما الفرس والميديون ، أما العرب فقد دخلوا إيران مع الفتح الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي ، والقبائل التركية (الطورانية) ، هاجرت إلى إيران في ما بين القرنين العاشر والرابع عشر تحت ضغط الزحف المغولي .
وهناك أقليات عرقية ودينية في إيران مثل الأرمن ، والنساطرة ، واليهود ، والبروتستانت ، والكاثوليك ، وتوجد مستعمرات من البارثيين وهم الإيرانيون الذين لا يزالون يدينون بالمذهب الزرادشتي وهم يقيمون في يزد وكرمان ، وفي مجموعات قليلة في طهران ، وأصفهان ، وشيراز ، وهم مشهورون كأصحاب بساتين وتجار ، وتضم المجموعات الإيرانية عديداً من اللغات واللهجات بالإضافة إلى اللغة الرسمية وهي الفارسية . فالكرد ، واللور ، والبختيارية ، يتكلمون لهجات يبدو أنها مشتقة من الفارسية القديمة ، أو من أي لغة هندو ـ أوربية قديمة أخرى. ولا يزال العرب القاطنون إلى الشمال من رأس الخليج (عربستان) يتكلمون العربية، ويتكلم القشقائيون وجيرانهم الشاهسوانيون ـ في الجنوب العربي ـ لهجة من اللغة التركية ، بينما يتكلم البلوشيون في جنوب الشرق لهجة من الفارسية ، وهذه التجمعات تغلب عليها صفة البداوة ، وتتميز بقوة الأجسام والشجاعة وهم مصدر الفتوة ، في الجيش الإيراني ويعدون عموده الفقري، وانحدر من أصلابهم زعماء الأسر التي حكمت إيران في شتى العصور .
وإذا كان تاريخ إيران موغل في القدم . فإن الذي يعنينا منه في هذا البحث هو الجانب المتعلق بالعراق ، وسوف نعتمد في هذا الجزء على الدراسة التي قام بها باحث أمريكي متخصص في شؤون إيران . هو (دونالد ولبر ) وقدمها عام 1950 ، ونشرها في كتاب عنوانه ( إيران ماضيها وحاضرها ) ، ونفهم منه أن أول مظاهر الاحتكاك بين إيران والعراق تمت في القرن السابع عشر قبل الميلاد . عندما هاجرت طائفة من سكان الهضبة الإيرانية منم موطنها القديم في لورستان ( خراسان حالياً ) إلى بابل ( العراق) فغلبوها على أمرها ، وحكموها حوالي 600 سنة ، كما أقاموا العديد من الإمارات ، والدول المركزية في إقليم ( مان) وفي ( السوس ) حاضرة إقليم فارس ؛ كما بسطوا نفوذهم على أرمينية .
حدث كل ذلك قبل أن تبدأ الهجرة ( الآرية ) إلى إيران . والتي تمت على شكل موجات متلاحقة . فجاء أولاً ( الآريون الهنديون ) الذين تحركوا حوالي عام 1500 ق . م من إقليم نهري سيحون وجيحون وأقاموا في أقصى الغرب . ثم جاء ( الإيرانيون ) في حوالي عام 900 ق . م حيث عاشوا في جماعات مستقرة حتى انتهى بهم الأمر إلى تأسيس القرى داخل إيران واتخذوها موطناً لهم ، وكانوا يتحدثون لهجة (هندو ـ أوروبية ) .
واشتملت الهجرة الإيرانية على عدة طوائف أشهرها الميديون ، والفرس ، وبات الجميع خاضعين ـ في البداية ـ للدولة الآشورية ، ولكن سرعان ما اشتد ساعدها فاستقلوا عن آشور ثم قهروها ، إلى أن غلبت على الساحة الإيرانية طائفة ( الأخمينيين ) ، فانتشروا في سهول عيلام وسرعان ما آلت إليهم مقاليد السيادة على هذا الإقليم الذي كان يعرف باسم ( فارس ) .
وجاء بروز زعماء من طراز ( قورش ) الفارسي ، والإسكندر المقدوني ( اليوناني ) على مسرح الشرق الأدنى والأوسط ، علامة عل انتقال مراكز القوة إلى إيران واليونان ـ على التوالي ـ بدلاً من العراق ومصر وستتسابق القوتان الجديدتان على تدمير معالم الحضارتين النهريتين في العراق ومصر .
لقد بدأت الدورة الأولى من دورات الصراع بين إيران والعراق ، بانتقال ( قورش ) إلى مركز الزعامة على القبائل الأخمينية في إقليم فارس ـ واستطاع هذا الزعيم الذي كان نائباً للملك أن يدبر ثورة في عام 553 قبل الميلاد ، وأن يبني من القبائل الأخمينية ، جيشاً كبيراً يساعده على تحقيق أحلامه الإمبراطورية ، وقد بدأ قورش حملاته التوسعية بغزو العراق ، فعبر الدجلة ، ثم الفرات ، وقوض أركان الدولة البابلية ثم واصل المسير غرباً ، مخترقا ً الشمال السوري، حتى دخل الأناضول ، واستولى على مملكة ( ليديا ) في آسيا الصغرى وبعد أن بنى أسطولاً بحرياً ضخماً توجه نحو اليونان وفتح ثغورها الواقعة على بحر إيجه ، وبعد عودته من آسيا الصغرى توجه نحو السند ، ومات قورش بعد أن خلف واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ ، وكانت المرة الأولى التي تخرج فيها إيران عن نطاقها المحلي ، وتتوسع على حساب جيرانها ، وكانت تلك أول إشارة على انتقال مركز القوة من العراق إلى إيران . أما مصر فسوف تكون خاتمة مجدها الإمبراطوري على يد ابنه قمبيز .
وقورش هذا يضفي عليه الإيرانيون لقب ( الأعظم ) وقد أحيا الشاه الراحل محمد رضا بهلوي ذكراه في احتفالات أسطورية تمت في عام 1971 في نفس المواقع التي شهدت أمجاد قورش ، وقد فسرت هذه الاحتفالات على أنها ( بروفة) لإحياء النزعة التوسعية التي كان يؤمن بها بهلوي ، فهو لم يكن يتصور إيران إلا إمبراطورية تؤكد عظمة اللقب الذي كان يحمله .
وبعد قورش جاء ابنه قمبيز ؛ فاستهل حكمه بغزو مصر في عام 525 ق . م وهي الغزوة التي ختمت على تاريخ مصر الفرعوني؛ فلم تقم له قائمة بعد ذلك. فعاشت مصر بعدها قرنين تحت حكم أسر أجنبية إلى أن وقعت نهائياً في قبضة الإسكندر المقدوني سنة 333 ق.م، وكانت نهاية قمبيز الانتحار بعد أن أصيب بلوثة عقلية على إثر ضياع جيشه في صحراء سيوه .
وتوالى ظهور ملوك الدولة الأخمينية ، الذين ركزوا جهودهم نحو مركز القوة الجديد ، الذي يتنامى على سواحل الجزر اليونانية، وكان أبرز ملوك الفرس ( دارا الأول ) الذي عبر البوسفور واستولى على إقليم تراقيا اليوناني ، ثم عبر الدانوب، ودخل في سلسة من المعارك انتهت بموقعة (مارثون) وبانسحاب الجيش الفارسي إلى آسيا الصغرى، وبعد دارا جاء ابنه ( اكزسيس ) فجدد الحملات على اليونان فأحرق أثينا في عام 480 ق.م ولكن أسطوله دمر في موقعة (سلاميس) فانسحب إلى آسيا الصغرى .
ظهور الإسكندر :
وانتهت الدورة الأولى من دورات القوة بين الفرس واليونان ، عندما ظهر فاتح جديد للعالم ، هو الإسكندر الأكبر ، الذي وضع في مقدمة أهدافه تنفيذ وصية والده فيليب المقدوني بتدمير الدولة الفارسية .
بدأ الإسكندر حملته على إيران فقاد جيشاً قوامه 35 ألف جندي ، والتقى مع الجيش الفارسي بقيادة ( دارا الثالث ) في موقعة أيسوس التي تقع في أقصى شمال الساحل السوري ، وانتهت المعركة بالقضاء على الجيش الفارسي قضاءً تاماً ، وعندما لاحظ دارا أن تيار المعركة يسير ضده هرب . وبدا الإسكندر في مطاردته في الجبال والوديان ، ولكنه بدلاً من أن يواصل مسيره نحو إيران ، انحرف جنوباً إلى مصر ففتحها وبنى الإسكندرية ، ثم عاد إلى سوريا ومنها إلى العراق ، وفي إربل قابل جيشاً فارسياً يبلغ عدده عشرة أضعاف الجيش اليوناني ن فهزمه ، واضطر (دارا) إلى الهرب مره أخرى، ثم اتجه الإسكندر جنوباً ليستولى على بابل . ومنها إلى فارس حيث استولى على الخزائن الملكية سليمة ، وأحرق مدينة فارس انتقاماً من إحراق أثينا ، ثم عاد إلى مطاردة ( دارا ) فتوجه إلى همدان ثم سار في المنحدرات الجبلية ، ولم يلبث أن عثر على جثة الملك الفارسي مقتولاً بأيدي أتباعه .
وواصل الإسكندر مسيرته في الهضبة الإيرانية مدفوعاً برغبة ملحة في الوصول إلى نهاية العالم ، فتوجه إلى ( بلخ ) في طريقه إلى الهند، وبعد أن عبر نهر السند رفض جنده المسير معه بعد أن ظلوا غائبين عن موطنهم مقدونيا طوال سبع سنوات . واضطر الإسكندر إلى الموافقة على العودة. وأبحر الجند في نهر السند . ثم سار بهم عبر الأراضي البور القاحلة الممتدة على طول الخليج العربي حتى وصل إلى إقليم فارس . وعندما حط الرحال في مدينة ( السوس ) بدأ ينفذ فكرته في إنشاء دولة عالمية تتحد فيها العناصر المقدونية والإيرانية على أساس المساواة بينهما ، وكان صبغ الشرق بالصبغة اليونانية ( الهلينية ) قد بدأ فعلاً بإنشاء المستعمرات اليونانية ، وقد أشار الإسكندر إلى إقامة اتحاد بين الشعوب حينما تزوج كبرى بنات غريمه دارا الثالث ، وشجع 10 آلاف من جنوده على الزواج من إيرانيات ، ولكن الإسكندر لم يكتب له من طول العمر ما يمكنه من بلوغ مراميه ، إذ مات في بابل ولم يكتمل سنة 33 عاماً ، وتوزعت إمبراطوريته على قواده ؛ فكانت إيران من نصيب ( سلوقس ) الذي بنى لدولته عاصمة أسماها ( سلوقيا ) بالقرب من بغداد الحالية.
بقيت إيران تحت حكم البطالسة ( اليونان ) ثلاثة قرون تعرضت خلالها للاضمحلال ، والضعف ، والتفكك . واستمرت على هذه الحال حتى بداية القرن الثالث الميلادي عندما تمكنت أسرة فارسية من فرض سيطرتها على البلاد. وظهر منها زعيم أعاد إليها مجد قورش . تلك أسرة ( آل ساسان ) التي كان لها في تاريخ إيران شأن كبير، إذ ظلت تحكم إيران لمدة أربعة قرون وكانت نهايتها على يد جيش الفتح الإسلامي.
كان أول ملوك هذه الأسرة ( أردشير ) الذي قاد ثورة داخلية في إقليم فارس ، تمكن بعدها من توحيد السلطات في حكومة مركزية عام 224 م ، وعلى عادة الفرس في ربط أنسابهم بملوكهم العظام ، انتسب أردشير إلى الأخمينيين ( وهو نفس ما فعله الضابط رضا خان . والد الشاه الراحل ، الذي استولى على الحكم عام 1925 م فنسب نفسه إلى أسرة فارسية قديمة هي أسرة بهلوي ) . وما إن انتهى أردشير من تنظيم شؤون البلاد ، حتى دخل في سلسلة من الحروب مع الدولة الرومانية ، وهي الحروب التي شغلت العصر الساساني كله الذي استمر أربعة قرون حكم خلالها 44 ملكاً ساسانياً كان أعظمهم ( كسرى الأول ) الملقب بأنو شروان.
استطاع كسرى أن يعيد لفارس مجدها الإمبراطوري الذي زعزعته الحروب مع بيزنطة ، فقسم الإمبراطورية إلى أربعة أقاليم إدارية ، ونظم الضرائب وأقام مشاريع كبرى للري والزراعة ، ونعمت في عهده بالعدل والرفاهية . وشهدت صحوة طارئة ، ولكنها كانت صحوة الموت ، أو صيحة النهاية التي فرضها الفتح الإسلامي ، وينبغي أن نتوقف قليلاً عند هذه الفترة التي مهدت للحدث الجليل ، دخول الإسلام عن طريق العراق.
الفصل الخامس
إيران في ظل الإسلام
تعرضت الديار الفارسية لهزة عنيفة في أعقاب وفاة كسرى الأول أنو شروان ، ومن المؤكد أنه كانت هناك إرهاصات لهذا الاضطراب في عهود سابقة تعزى إلى الصراعات بين كهنة الديانات الرسمية الثلاث وهي : الزرادشتية ، والمانوية ، والمزدكية ، وتعزى كذلك إلى التنافس على السلطة : بين طبق الكهنة ، وطبقة الأشراف . ولكن هذه الصراعات لم تتفجر إلا بعد موت أنوشروان ، حتى اضطر وريثه كسرى الثاني ـ وكان صبياً ـ إلى الهرب ، ولم يجد سليل آل ساسان من ملجأ سوى عرش الروم ، العدو اللدود لدولة الفرس ، وقدر إمبراطور الروم ، " موريس " هذا الصنيع لعدوه الصغير ، فأكرمه وتبناه وزوجه إحدى بناته ، ثم ساعده حتى تمكن من العودة إلى عرش آبائه بعد عشر سنوات قضاها في المنفى.
ولكن فترة التهادن بين فارس وبيزنطة لم تستمر طويلاً ، إذ وقعت مؤامرة داخل البلاط الرومي أودت بحياة موريس فهب كسرى الثاني للأخذ بثأر حميه من قاتله الإمبراطور الجديد " فوكاس " ، فجهز جيشاً كبيراً زحف به نحو الشام ، ولكنه بدلاً من أن يواصل السير نحو بيزنطة، عرج إلى الجنوب فدخل القدس وخربها وسرق الصليب المقدس وبعث به إلى بلاده ، ثم تقدم نحو مصر فاحتلها ثم واصل الزحف على طول الساحل الأفريقي .
هذه الحادثة التي اندحر فيها الروم على أيدي الفرس عام 615 م ، ترددت أصداؤها في أرجاء الجزيرة العربية وتسامع بها المسلمون وهم يومئذ في مكة نفر قليل يلتفون حول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم ويلقون العنت على أيدي مشركي قريش . ولم يستطع المسلمون إخفاء تعاطفهم مع الروم باعتبار أنهم من أهل الكتاب . ولم يستطع المشركون إخفاء شماتتهم في هزيمة الروم . ودخل المسلمون في جدل مع الكفار بلغ حد الرهان على أن غلبة الفرس لن تدوم ، وسيكون النصر للروم .
وما هي إلا ساعة حتى نزل الوحي الكريم على قلب الرسول يطمئن المسلمين بقرب غلبة الروم على الفرس في سنوات معدودة ، وخلد القرآن الكريم هذه البشرى في مفتتح سورة الروم ( بسم الله الرحمن الرحيم * آلم * غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد * ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، صدق الله العظيم .
ولم يخلف الله وعده ، فلم تمض بضع سنين حتى كان ( هرقل ) قد تولى شؤون الدولة الرومانية ، بعد أن تخلص من الإمبراطور القاتل فوكاس ، وأعاد تنظيم الجيش ، ثم زحف إلى القدس ، وطرد منها الفرس، ولبث فيها أياماً ، تلقى خلالها رسالة النبي الكريم ، يدعوه فيها إلى الإسلام.
وبينما كان كسرى يواصل حملته في شمال إفريقيا ، اخترق هرقل الأراضي الشامية ، حتى بلغ العراق ، فعبر الرافدين ، ونفذ إلى قلب الإمبراطورية الفارسية . حدث ذلك في عام 627 ، وتحقق وعد الله للمسلمين في بضع سنين ، ولقي الفرس هزيمة منكرة ، ضاعفت من عوامل الاضطراب والانهيار الذي عم البلاد ، ولم يكن هذا الاضطراب إلا إيذاناً بأفول نجم الفرس ، وزوال ملك آل ساسان إلى الأبد، وبزوغ شمس الإسلام. من المؤكد أن ظهور الإسلام ، ودخوله أرض فارس عن طريق العراق، يمثل حلقة جديدة من حلقات الصراع التقليدي بين إيران والعراق، بل هو أهم الحلقات وأخطرها ـ كما سبق القول ـ نظراً إلى جسامة الأحداث التي وقت بين الطرفين ، والتي شغلت العصر الإسلامي كله ، ولا تزال ذيولها تفعل فعلها حتى عصرنا الراهن . وحتى نعيد ترتيب الحوادث، علينا أن نتذكر أن العراق كان الجسر الذي عبرت عليه جيوش الإسلام، لتنطلق في شعاب فارس وما وراءها، بعد أن حطمت عرش الأكاسرة، وأن القبائل العربية التي كانت تستوطن ضواحي العراق ( المناذرة )، وتخضع لسيادة الفرس، لعبت دوراً أثناء مراحل الفتح . وليس من شك في أن الفرس تملكهم العجب من غلبة العرب عليهم ، فاعتبروا ذلك ضرباً من سخرية القدر، مما جعلهم ينظرون إلى العراق نظرة ملؤها الغيظ والتربص وتحين الفرص للانتقام. ولكن ذلك لن يتم إلا في عصور تالية للفتح الإسلامي، عندها نجد الفرس قد تسللوا إلى مواقع النفوذ والسلطان، بعد أن نجحوا في التآمر على دولة الأمويين حتى أسقطوها وقامت على سيوفهم دولة بني العباس، فكان منهم الوزراء والقادة ، ولا بأس أن تكون لهم الوزارة إذا عزت الخلافة ، وما أمر البرامكة ببعيد عن الأذهان.
على أن هذا الأمر سوف نتعرض له بالتفصيل في موقعه، عند الحديث عن مثالب الصراع بين العرب والفرس، إثر ظهور النعرات الشعوبية وإبان العصر العباسي، وما أدت إليه من تفسخ وانحلال ، تجسد في استهانة الفرس بالخلفاء، وظهور دويلات فارسية شبه مستقلة عن سلطة الخلافة المركزية .
العراق قبل الإسلام :
وأياً كان الأمر في تصوير تلك الضربة القاضية ، التي وجهها المسلمون للفرس ، والتي انتهت بزوال ملكهم ، إلا أن الذي يعنينا في هذا البحث ، هو تشخيص الدوافع التي دفعت بالمسلمين إلى اقتحام أرض فارس .
? هل كانت بهدف تأديب الفرس ، على سوء معاملتهم لعرب الضاحية ، وإذلالهم إياهم في عصور سابقة ؟
? أم كانت بهدف إزالة عروش الطغيان والجبروت أنى وجدت، سواء في فارس أو في غير فارس ؟
? وهل كان الفتح الإسلامي يسعى إلى غلبة القومية العربية على القومية الفارسية .. ؟
? أم غلبة دين الإسلام على أديان الوثنية ونشر دعوة التوحيد ؟
? وهل كان انتصار المسلمين على الفرس هو انتصار للعرب على الأعاجم ؟
? أم انتصار للمؤمنين الموحدين على المجوس ؟
كل هذه الأسئلة تدفعنا إلى مناقشة الوضع التاريخي للعراق قبيل ظهور الإسلام .
لم يكن العراق غريباً عن سكان الجزيرة العربية ، ولم تبعد القبائل التي تسكنه في أنسابها عن قبائل الجزيرة ، كان العراق امتداداً لمنازلها ، ودار هجرة من هجراتها ، كانت تنتقل إليه وتسكنه، كما كانت تنتقل إلى الشام وتسكنه ، وكان الفرس هنا كما كان الروم هناك ، يجدون في هذه القبائل التي تقارب حياة الحضر ، وتنشر لوناً من الاستقرار ، أداة من أدواتها ، التي تكفيها بوادي العرب ، تقيم منها هذه الدويلات أو الإمارات، وتجعل منها مقاطعة من مقاطعاتها ، أو ولاية من ولاياتها ، ويكون ما بينها وبينها من الجفاء أو الود ، ومن الأمانة أو الكيد ، تبعاً لما يكون من استقامة السيرة وحسن السريرة ، وتعاقب الملوك أو الأمراء . فلم يستقم الأمر على حال معينة أمداً طويلاً ، وإنما كان هناك أمراء يناصبون الملوك الساسانيين العداء ، وملوك يبذلون الأمراء الود، كان بين الأمراء العرب من لقي حتفه في السجون ، وكان من ملوك الفرس من تربى في قصور العرب وباديتهم ، وبلغ من شدة الصلات بين الفرس والعرب ، أن بهرام جور الأمير الفارسي إنما نشأ في قصور المناذرة وبوادي العرب ، وتعلم لغتهم واعتاد عاداتهم ، وقال الشعر كما يقولون . ولم يقتصر ذلك على بهرام ، وإنما كان طائفة من أبناء البيوتات الفارسية ، الذين عاشوا مع آبائهم في عملات العراق أو اليمن ، يثقفون العربية ويجيدون فنون القول فيها ، على نحو ما يجيد ذلك أبناؤها.
ومهما يكن أمر هذه الصلات في الجاهلية ، فقد كان العراق ، كما كان الشام ، بعض أهداف حركة الفتوح الإسلامية ، ولذلك لم يكن خالد بن الوليد يفرغ من حروب الردة ، حتى كتب إليه الخليفة أبو بكر ـ وهو في اليمامة ـ أن يمضي إلى العراق ، فيدخلها من أسفلها . وحتى كتب إلى عياض بن غنم ، ليدخلها من أعلاها ، فأيهما سبق إلى الحيرة، فهو أمير على صاحبه . " فإذا اجتمعتما بالحيرة ، وقد فضضتما مسالح (معسكرات ) فارس , وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم ، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ، ولصاحبه بالحيرة ، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دراهم ، ومستقر عزمهم .. المدائن .. "
كان الهدف إذن . منذ صدور قرار الفتح ، هو دخول أرض فارس، وما " الحيرة " سوى المدخل والمعبر . وكان العرش الساساني هو البغية والمنال ، وكانت المدائن هي المحطة النهائية لهذا الزحف المقدس .
ولو كان تحرير الحيرة ـ عاصمة عرب الضاحية ـ هو الهدف ، لكان على جيوش الفتح أن تتوقف ، بعد أن أزالت عنها سلطان الفرس ، وهي عملية كان قصاراها أن تتم بعد تلك المعارك الأولى ، التي خاضها المسلمون في ذات السلاسل والمذار والولجة وأليس وغيرها ، والتي انتهت بدخول خالد بن الوليد الحيرة . ولكن خالداً لم يتوقف عن الزحف، وإنما كان عليه أن ينتظر عاماً كاملاً ، انتظاراً لاستكمال العدة ، وتهيئة الجيوش التي تتكافأ مع ضخامة المهمة التي ستوكل إليها ، وهي اقتحام قلب الإمبراطورية الفارسية .
على أن أمر فارس لن يقع على عاتق خالد ، فقد كان عليه أن يمضي إلى الشام ، لقيادة الجيوش الإسلامية في اليرموك ، تنفيذاً لأمر الخليفة أبي بكر الصديق . إنما سيؤول أمر العراق وفارس إلى الصحابي الجليل ، والقائد الملهم ، سعد بن أبي وقاص .
وليس من أهداف هذا البحث تتبع الفتح الإسلامي في العراق ، ولا سير الجند وما لاقته من عنف المقاومة أو شراسة القتال . وإنما الذي يعنينا هو الكشف عن هوية هذه الفتوح ، ومضمونها السياسي والديني . هل كانت حرباً قومية بين العرب والعجم ؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا كان موقف عرب العراق من تلك الحرب ، التي تدور على أرضهم ، بين بني جلدتهم وجيرانهم الفرس .. ؟ ولاشك أن موقفهم سيلقي الضوء على هذه القضية الغامضة ، من حيث كانوا يمثلون طليعة العرب قبل صدامهم مع الفرس .
لقد تعود المؤرخون القدامى حين يتحدثون فتح العراق ، أن يسندوا إلى العرب المقيمين في الأطراف والمدن ، دور الشرك المسعف ، الذي لا يفتأ يؤدي لشريكه العون ، ويقيه بعض شر الأعداء الذين يواجههم ، ولا يكاد يبعد مؤرخ شرقي أو مستشرق عن هذا الرأي ، حتى خيل إلينا، أن عرب الأطراف كانوا دائماً التكأة التي اعتمد عليها العرب الفاتحون ، بعد أن حنت الدماء للدماء . إلا أن الدراسات التاريخية الحديثة فطنت إلى مخاطر هذا التخريج ، الذي يصور الأمر على أنه إحياء للنزعات القبلية والقومية . ومن نماذج تلك الدراسات : البحث الذي وضعه شكري فيصل ، وهو أستاذ للتاريخ في الجامعات السورية ، ضمن كتابه ( حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول )، واستطاع من خلاله أن يحدد دور عرب الأطراف خلال مراحل الفتح الأولى ، ولم يتجاوب عرب الضاحية مع عرب الجزيرة . لم تتوهج فيهم حرارة الدم ، ولم تخفق عندهم نبضات القرابة . وفي المعارك الأولى في الحفير والمذار لا نجد ذكراً للعرب ؛ لا في القادة ، ولا في الجند، ولا ندري أكانت هذه الأرضون خالية منهم ، لا تنزلها قبائلهم ، أم أن القائل التي تنزلها لم تكن ذات شأن كبير . وبدأت المقاومة منذ كانت الولجة . ويقترن ذكر العرب في هذه المقاومة بذكر نصارى العرب ، كأننا أمام حقيقتين اثنتين :
? أولاهما : أن موقف عرب العراق كان ضد عرب الفتح .
? والثانية : أن هؤلاء العرب ، الذين قاموا وحاربوا ، وكاتبوا الفرس، وكاتبهم الفرس ، واجتمعوا بهم ، واتحدوا معهم ، إنما كانوا أو أكثرهم من العرب النصارى . أتراه كان الدين ، أم كانت الرغبات.. ؟ أكان نصارى العرب يقاومون ، مخافة أن يشاركهم هؤلاء الوافدون الأرض والحياة والرزق ، أم كانوا يقاومون لأن هنالك ديناً جديداً آمنت به الجزيرة ، فهو يوشك أن يظلهم ويطويهم؟
والمعروف أن خالد بن الوليد لم يتوقف عن التقدم شمالاً ، بعد أن فتح الحيرة ، واشتبك مع الفرس ، في سلسلة من المعارك الطاحنة ، في الأنبار وعين التمر والحصيد والخناقس والمصيخ والفراض ودومة الجندل ، حتى بلغ حافة العراق مع الشام . فماذا كان موقف عرب الضاحية في تلك المناطق من جيوش التحرير .. ؟
يقول الدكتور شكري فيصل : إن هؤلاء العرب هم الذين حملوا ـ عن الفرس ـ عبء المقاومة ، ويجمعون لها الأحلاف والأنصار ، ولم يكن خالد يلقى الفرس وحدهم ، ولكنه كان يلقى العرب والفرس . بل كان يلقى في هذه المواقع التي كانت مجاورة للبادية ، من العرب فوق ما يلقى من الفرس ، ولعل العرب كانوا يقاتلونه أحياناً وحدهم من دون الأعاجم .
ثم يقول : وإنه ليستبين واضحاً من خلال المعارك ، أن العرب الضاحية وقفوا في وجه عرب البادية ، جمعوا لهم وجابهوهم وقاتلوهم. لم يمهدوا لهم الطريق إلى العراق ، كما يذهب إلى ذلك كثير من المؤرخين ، حين يعددون العوامل التي سهلت الفتح ، ولم يكونوا معهم ألباً على الفرس ، وإنما كانوا مع الفرس ألباً عليهم ، ويستنزفون قواهم التي كان يجب أن تدخر لقتال الأعاجم .
إذا كان ذلك موقف العرب المقيمين ، من العرب الفاتحين ، أفبعد ذلك يمكن وصف هذه الحرب بأنها كانت حرباً قومية ، بين العرب والأعاجم ، وأن هدفها كان تحرير الأراضي العربية ، من المستعمرين الفرس .. !! وهل مما يتسق مع الحقيقة التاريخية أن نعطي هذه الحرب مضموناً قومياً عرقياً هي منه براء .. ؟!
إن مخاطر هذه النزعة سوف تتضح لنا في المراحل التالية ، من تاريخ العلاقات بين العرب والفرس ، في إطار الدولة الإسلامية العالمية.
الفصل السادس :
استعادة المجد القديم
انتهت الدورة الصدامية بين العراق وإيران ، مع ظهور الإسلام ، باندحار الإمبراطورية الفارسية ، وزوال العرش الكسروي ، وانسياح المسلمين ، في عمق الديار الفارسية . فإذا بالإمبراطورية العتيدة ، مجرد إقليم من الأقاليم الإسلامية ، تحكم من المدينة أو دمشق أو بغداد . وهو ما لم يحدث للإمبراطورية الرومانية ، التي بقيت محتفظة بقوامها ،رغم فقدها أعز ممتلكاتها ، الشام ، ومصر ، وساحل الشمال الأفريقي ، والأندلس . كما فشلت كل الحملات البحرية والبرية ، التي شنها المسلمون لاقتحام عاصمتها القسطنطينية ، ولم يتم لهم ذلك ، إلا على أيدي الأتراك العثمانيين، بعد ثمانية قرون من سقوط المدائن ونهاوند .
فماذا كان موقف الفرس من هذا الواقع الجديد ، الذي أحاط بهم ، من حيث لا يحتسبون ، وأخذ بمجامع حياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية . هل استسلموا لهذا الطاريء الخطير ، ورضخوا له ؟ وهل استقام الأمر للعرب الفاتحين ، كما استقام لهم في الأمصار الأخرى ..؟
لم يهنأ الحال للمسلمين عقب دخولهم بلاد فارس ، ولم يكن توغلهم في شعابها سهلاً ميسراً ، ولم يلقوا من عنف المقاومة مثلما لقوا في تلك المناطق ، التي لم يكن لهم بها سابق معرفة ، فأقدامهم لم تطرقها ، كما طرقت ارض الشام ومصر ، أضف إلى ذلك طبيعتها القاسية ، فمن جبال تكسوها الثلوج ، إلى منخفضات تغمرها المستنقعات . إلا أن وعورة الطبيعة تهون ، بالقياس إلى عنف المقاومة ، التي واجهتهم من جانب الفرس ، فالمسلمون هنا ـ في فارس ـ يواجهون إمبراطورية ضخمة ، عاصرت التاريخ أحقاباً طويلة ، وبسطت سلطانها على رقعة كبيرة من العالم ، وكان لها جذور عميقة في مجالات الحكم والسياسة ، وفي الإدارة والثقافة . وكانت هذه الجذور تمكن للشعور الإيراني القومي مع الزمن المتصل أن يزكو ، وأن يستعلى ، ولذلك لم يكن يسيراً على هذه الجيوش الإسلامية المتقدمة بعد دجلة أو عبر الخليج ، أن تطوي ذلك كله في حركة سريعة ، بل كان هناك نضال طويل لم يخمد ساعة من زمن ، كان مقاومة سافرة في أول الأمر ، وكان انتفاضاً بعد ذلك ، ثم كان سلسلة من الارتدادات المتلاحقة ، وأخيراً كان ـ بعد أن دخل الكثيرون الإسلام ـ تشبثاً بالنزعة القومية ، التي توشك أن تذوب . ومن هنا كان تفانيهم في المقاومة ، ومن هنا كان هذا التاريخ الطويل الذي استغرق صفحات التاريخ الإسلامي ، واتخذ صوراً مختلفة ، من الصراع الديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي والثقافي . ولما كان العراق هو مركز العمليات الحربية الكبرى ، وقاعدة انطلاق القوات العربية المتجهة نحو فارس وما وراءها ، ثم هو بعد ذلك حاضرة الخلافة الإسلامية ، ومصدر الإشعاع الحضاري في النظام الجديد ، فقد كان من الطبيعي أن يكون العراق مسرح الصراع ، وحافة الصدام مع القومية الفارسية المتحفزة ، لاستعادة مجدها القديم .
ووجد الفرس أنهم إذا كانوا قد خسروا الجولة في ساحات القتال ، ودخلوا في دين الله أفواجاً ، فإن معارك السياسة والحكم لم تتم فصولاً ، وفيها مجال واسع لنمو النزعة القومية المتأججة ، والمتطلعة إلى مواقع السيادة والنفوذ . وساعدهم على ذلك طبيعة النظام الإسلامي الذي يسوي بين أتباعه جميعاً، ولا يضع اعتباراً كبيراً لمسألة الأصول والأعراق . ولكن الفرس لم يجرؤوا على كشف طموحاتهم طوال عهد الدولة الأموية ، فقد كانت (دولة عربية أعرابية) كما وصفها الجاحظ ، وكانت تضع الموالي والأعاجم في الدرجة الثانية من سلم النظام الاجتماعي والسياسي ، وكان تعصبها للعنصر العربي وتحقيرها للأعاجم كفيلاً بوأد التطلعات القومية . ولكنه ـ من ناحية أخرى ـ حفز هذه العناصر على التآمر على قلب النظام الأموي ، والبحث عن نظام جديد ، يمكنهم من تحقيق مآربهم ، ووجدوا ضالتهم في الدعوة العباسية ، التي قامت في مبدأ أمرها على التنظيمات السرية ، لذا نجد الفرس قد سخروا كل خبراتهم في خدمة هذه الدعوة ، وحمايتها من عيون السلطة الأموية ، حتى تكون ـ في حال نجاحها ـ منفذاً لهم إلى مراكز الحكم . وقبل الحديث عن وضع الفرس في ظل الدولة العباسية ، لنا وقفة عند الظروف التي ولدت فيها دعوة العباسيين ، والتي تمثل مرحلة انتقال هامة في التاريخ الإسلامي .
منشأ الدعوة العباسية
كان علي بن عبد الله بن العباس موضع عطف الأمويين ، فاستقدموه وأهله من الحجاز ، وأسكنوهم بلدة ( الحميمة ) القريبة من دمشق ، وأقطعوهم الضياع والعطايا ، وكان الرجل وفياً للمعروف الذي أسدي إليه، فعاش ومات دون أن يبدر منه ما يكدر سلطان بني أمية ، ولكن الخطر كل الخطر جاء من ابنه ( محمد ) ، الذي وضع أسس الدعوة السرية للانقلاب العباسي، ونجح في ضم أبناء عمومته من العلويين دون أن يفصح لهم عن اسم الخليفة المنتظر ، واكتفى بأن أطلق عليه اسماً رمزياً هو ( الرضا من آل محمد ) ، واستفاد محمد من دروس النكبات التي تعرض لها العلويون ، عندما كانوا يكشفون عن حركاتهم ، قبل استكمال قوتهم ، فيتعرضون للعسف والاضطهاد من جانب الأمويين، فاعتمد أسلوب التنظيمات السرية، التي تقوم على الخلايا في القاعدة ، ثم تتدرج هرمياً حتى ترتكز في عدد محدود من القادة المخلصين . ووجد هذا الزعيم أن أصلح مكان لبث دعوته هو إقليم خراسان ، لبعده عن مركز الخلافة في دمشق ، ولوجود تربة مهيأة لتقبل بذور الثورة ورعايتها . وهي تربة القومية الفارسية التي تسعى إلى زوال مجد العرب ، والخلاص من الأمويين ، ثم قيام نظام جديد يقوم على سيوف الفرس ، فيكون لهم حق المشاركة ، إن تعذر عليهم الانفراد بالحكم.
ومات محمد عام 125 هجرية ، بعد أن عهد بالأمر إلى ابنه إبراهيم، الملقب بالإمام ، فانتقلت الدعوة على يديه إلى مرحلة متقدمة ، وبلغت درجة عالية من النضج والدقة ، في تحريك الأعوان المتحفزين في خراسان ، وهيأت له الأقدار شاباً فارسياً فذاً في تدبير المؤامرات ، وتنظيم الخلايا ، وقيادة الجيوش ، هو أبو مسلم الخراساني ، وكانت خراسان تعج بالقبائل العربية ، ويتولى أمرها ولاة من العرب ، ولكنهم ابتلوا بداء العصبية القبلية، فأحسن أبو مسلم استغلال هذا الداء الوبيل ، فأجج نار الفتنة بين القبائل ، حتى انفلت الزمام من يديها ، وأصبحت البلاد مهيأة للتفسخ والانحلال وللانقضاض على سلطة الخلافة ، وكان على إمارة خراسان في ذلك الوقت أمير عربي ذكي ، هو نصر بن سيار، استشعر مكامن الخطر التي تدبر في الخفاء ، وعبثاً حاول تجميع القوى العربية ، إذ كان أبو مسلم يفسد عليه خططه عن طريق الدس والوقيعة بين زعماء القبائل ، وانهالت رسائل نصر على دمشق ، تحذر من الخطر المحدق. ولكن صرخاته ذهبت أدراج الرياح ، وكان البيت الأموي ـ على عهد مروان بن محمد ـ قد بلغ غاية الضعف والهزال ، ولم تعد تجدي معه صرخات ابن سيار صحيح أن السلطات الأموية وضعت يدها على الرأس المدبر للحركة العباسية ، وهو إبراهيم الإمام ، وقتلته شر قتلة ، ولكن بعد فوات الأوان ، فقد استشرى أمر الدعوة بين العناصر الفارسية ، وباتت تنظيماتها قادرة على التحرك لقلب نظام الحكم العربي في دمشق . وهو ما حدث في عام 132 هجرية ، عندما قاد أبو مسلم الثورة من خراسان ، وأزاح الجيوش العربية ، التي وقفت في طرقه ، ولم يتوقف حتى أطاح بآخر خلفاء بني أمية ، في معركة الزاب الأكبر ، في أعالي الفرات ، وسقطت في يده ثمرة الخلافة ، فسلمها ناضجة إلى وريث البيت العباسي .
ولم يكد العباسيون يتسلمون الحكم ، حتى تنكروا لحلفائهم العلويين الشيعة ، وكشفوا عن اسم الخليفة الجديد ، ولم يكن ( الرضا من آل محمد ) الذي حاربوا الأمويين من أجله سوى سليل البيت العباسي ، عبد الله بن محمد ( شقيق إبراهيم الإمام ) والذي اشتهر بلقب السفاح.
ظاهر الحكم للخلفاء وباطنه للفرس
وانتقل مركز الخلافة بعد الانقلاب العباسي من الشام إلى العراق . وكان ذلك إيذاناً بانتقال السلطة الفعلية من أيدي العرب إلى أيدي الفرس ، ونال الفرس بعض أمنيتهم ، لا أمنيتهم كاملة ، فأمنيتهم الكاملة أن تقوم دولة فارسية بملوكها وعمالها ، ولكن إذا عز عليهم ذلك لاعتبارات خارجة عن إرادتهم ، فلا بأس من أن يكون لهم ما يلي الخلافة من أمور الدولة ، فمنهم الوزراء والكتاب وكبار القادة ومعظم الولاة ، وتحقق لهم ما أرادوا . " ظاهر الحكم للخلفاء وباطنه لنا ، نتولى المناصب العالية، وندير شؤون الدولة ، ونترك لهم أبهة الخلافة ، ومظهرها الخارجي ، فلهم الشكل ولنا الجوهر " وما أمر البرامكة عنك ببعيد ، فعن طريقهم شاع نفوذ الفرس في كل مرافق الدولة ، وأصبح لهم جيوش ، حتى ليروي الطبري " أن الفضل بن يحيى البرمكي ، اتخذ بخراسان جنداً من العجم ، بلغت عدتهم خمسمائة ألف رجل " ويصف ابن خلدون استبداد البرامكة بالدولة ، واحتجابهم أموال الجباية " حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال , فلا يصل إليه , فغلبوه على أمره , وشاركوه في سلطانه , ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه , فعظمت آثارهم, وبعد صيتهم , وعمروا مراتب الدولة وخططها , بالرؤساء من ولده, وصنائعهم , واحتازوها عمن سواهم , من وزارة , وكتابة , وحجابة , وسيف وقلم " .
ولقد أفاض المؤرخون في شرح الأسباب التي دفعت بالرشيد إلى نكبة البرامكة . ولكن يهمنا منها الجانب المتعلق بنفوذ البرامكة ، باعتبارهم طليعية القومية الفارسية المتحفزة إلى إحياء مجدها التالد ؛ حتى أن ابن طباطبا يخلع عليهم وصف ( الدولة البرمكية ) .
يرجع تاريخ هذه الأسرة الفارسية العريقة إلى جدها برمك ، الذي كان كاهناً لبيت النار في مدينة بلخ , وهو منصب لا يتولاه سوى أشرف الناس ، قي ظل النظام الفارسي ، الذي جعل المجوسية ( الزرادشتية ) ديناً رسمياً للدولة ، وجعل من سلطة الكهنة سلطة موازية للنبلاء ، فلما انتشرت الدعوة العباسية في خراسان ، اتصل بها خالد بن برمك ، وأصبح من دعائمها المخلصين ، واشترك مع أبي مسلم في قيادة بعض فيالق الجيش الخرساني ، أثناء المعارك مع الجيوش العربية ، فلما انتصر العباسيون ، كان خالد من أوائل المبايعين للسفاح ، فولاه ديوان الخراج ، وديوان الجند ، ثم ارتقى وزيراً له واستمر في خدمة بقية الخلفاء من بعده ، المنصور فالمهدي فالهادي ، الذي عهد إلى يحيى بن خالد بتربية ابنه الرشيد وعاش الرشيد في كنف هذه الأسرة يتثقف ثقافتها، ويرضع ألبانها حقيقة لا مجازاً . فلما تقلد هارون الخلافة ، دعا يحيى بن خالد ، فقال له : " يا أبت ، أنت أجلستني هذا المجلس ، ببركة رأيك ، وحسن تدبيرك ، وقد قلدتك أمر الرعية ، وأخرجته من عنقي إليك ، فاحكم بما ترى ، واستعمل من شئت ، واعزل من رأيت ، فإني غير ناظر معك في شيء " ودفع إليه خاتم الملك .
وكان أبناء يحيى : الفضل وجعفر ومحمد وموسى ، هم المتصرفون في شؤون الدولة ، فلا تمر صغيرة ولا كبيرة إلا من تحت أيديهم حيى أن الرشيد قلد الفضل المشرق كله ، من النهروان إلى أقصى بلاد الترك ، وقلد جعفراً المغرب كله من الأنبار إلى أفريقية ، بالإضافة إلى منصبه وزيراً للرشيد ، فأقام جعفر في بغداد ملاصقاً للرشيد ، وأناب عنه من أدار هذه البقاع الشاسعة، كما عهد إلى الفضل بتربية ابنه الأمين ، وإلى جعفر بتربية ابنه المأمون .
عقائد البرامكة
كل هذا النفوذ العريض ، دفع الرشيد إلى خشيتهم ، والتخوف من نواياهم ، وفي نظام كالنظام العباسي يأخذ بالشبهة ، كان للهمسات واللمزات وقعها الأثير في سمع الخلفاء ، فأذاع البعض أن البرامكة ملاحدة وثنيون ، يحنون إلى ديانتهم القديمة ، وأنهم يؤيدون العلويين سراً، ويعملون على نقل الخلافة إليهم ، بل ويدبرون لكي يصلوا هم إلى عرش الخلافة . ولقد قيل كلام كثير حول عقائد البرامكة ، وحنينهم إلى الماضي ، وإلى مجد آبائهم الأقدمين . من ذلك أن المنصور لما هم بهدم إيوان كسرى ، استشار خالد بن برمك ، فنصحه بعدم الهدم فقال له المنصور : أبيت إلى ميلا ً إلى العجمية ! ومن ذلك ، أن يحيى بن خالد لما حج مع الرشيد ، أشار عليه بإضاءة الكعبة ، ولكن الرشيد فطن إلى هذه البدعة ، التي تكشف عن حنين البرامكة إلى عبادة النار . وظل الأصمعي يتقرب إلى البرامكة ، ويمدحهم ، فلما نكبوا قال فيهم :
إذا ذكر الشرك في مجلس ... ... أضاءت وجوه بنمي برمك
وإن تليت عندهم آية ... ... أتوا بالأحاديث عن مزدك
ولم يكن البرامكة وحدهم هم وجه فارس في دولة العباسيين ، فلقد كان هناك غيرهم كثيرون ، ولكن البرامكة فاقوهم شهرة بسبب كرمهم الشديد ، وصيتهم الذي ذاع في أرجاء الدولة . ومن الأمور التي ساعدت على بروز الفرس ، استحداث منصب الوزارة ، وهو أول منصب في الدولة يلي الخلافة . فإذا عرفت أن معظم من شغلوا هذا المنصب ، كانوا من الفرس ، لأدركت صحة القول ، الذي يصف الدولة العباسية بأنها كانت دولة فارسية ، خاصة إذا أضفت إلى ذلك ما كان لمنصب الوزارة من جلال الخطر ، واتساع النفوذ .
يقول العلامة أحمد أمين : كان الوزير يقوم مقام الخليفة في كل الشؤون ، فينظر في الشؤون الحربية ، وفي الشؤون المالية ، ويكتب الرسائل إلى الجهات المختلفة ، ويوقع على ما يرفع إليه من أوراق ، ولم يفعل العباسيون كما فعل خلفاء الأندلس ، من تعدد الوزراء ، وبالتالي توزيع اختصاصاتهم ، وإنما جمعوا لهم " خطتي السيف والقلم " ، ولما كان من شروط الوزارة أن يكون الوزير قادراً على الكتابة ، بليغاً مطلعاً عالماً ، فقد كان ذلك ـ كما يقول أحمد أمين ـ من أكبر الأسباب في قصر الوزارة على الفرس عالباً . فالعرب كانوا أهل فصاحة لسانية ، أكثر منهم أهل بلاغة كتابية . وكان ظهور الكتاب الفرس في دواوين الخلافة ، من الأمور الشائعة ، حتى في بلاط الأمويين ، فقد كان لكل وزير كاتب ، بل كتاب يعينونه ، ولولاة الأقاليم كتاب ، ولرجال الدولة كتاب ، وكانت هذه الطائفة من الكتاب تؤلف وحدة على رأسها الوزير ، بل وتتدرج في الرقي إلى الوزارة ، معتمدة على كفايتها وبلاغتها ، وكان أكثر هؤلاء الكتاب فرساً ، كالوزراء يحتذون حذو أجدادهم من الفرس ـ حتى في مظاهرهم الخارجية ـ ويروي الجهشياري صورة وصفية عن تمسك هؤلاء الوجهاء الفرس ، بالتقاليد الكسروية فيقول : " إن الفضل بن سهل بن زادا نفروخ ـ ذا الرياستين ـ كان يجلس على كرسي مجنح ، ويحمل فيه إذا أراد الدخول على المأمون ، فلا يزال يحمل ، حتى تقع عين المأمون عليه ، فإذا وقعت وضع الكرسي ، ونزل عنه ، فمشى ، وحمل الكرسي ، حتى يوضع بين يدي المأمون ، ثم يسلم ذو الرياستين، ويعود فيقعد عليه " . ويعقب الجهشياري على هذه الصورة فيقول : "وإنما ذهب ذو الرياستين في ذلك إلى مذهب الأكاسرة ، فإن وزيراً من وزرائها كان يحمل في مثل ذلك الكرسي ، ويقعد بين أيديها عليه ، ويتولى حمله اثنا عشر رجلا من أبناء الملوك " .
ويطول بنا الحال ، لو تبعنا أثر النفوذ الفارسي في مناهج الدولة العباسية ، ولكن يمكن القول : إن هذا التأثير لم يكن مقصوراً على شؤون الحكم والسياسة والإدارة ، ولكنه تشعب في كافة مناحي الحياة ، الاجتماعية والثقافية والعلمية والأدبية واللغوية . وكان تأثيرهم في الحضارة العربية أشبه بتأثير اليونان في الرومان ، حتى قال المؤرخون: " إذا كان الرومان قد غلبوا اليونان بالسيف فإن اليونان قد غلبوهم بالعقل". وإذا أردت أن تتلمس مجرى التأثير الفارسي في الثقافة العربية ، فما عليك إلا أن تراجع قائمة العلماء والفقهاء والأدباء الذين خدموا الدين، والعلم والأدب والفن ، فتجد الكثيرين منهم ينحدرون من أصول فارسية .
ولكن الذي يعنينا في هذا البحث ، هو النفوذ السياسي ، الذي استشرى في شعاب الدولة العباسية ، الأمر الذي أدى إلى غضبة مكتومة في نفوس القوى العربية المحيطة بقصر الخلافة ، وهي ترى سلطانها يتقلص وينكمش ، بالقياس إلى سلطان الفرس . ولا تنس أن الخلفاء أنفسهم عرب ، لذلك لم يتورعوا عن ضرب القومية الفارسية كلما سنحت لهم الظروف ، وكلما استشعروا الخطر من جانبها ، ولمحوا في تحركاتها شبهة التآمر ، فالسفاح قتل وزيره أبا سلمة الخلال ، والمنصور قتل أبا مسلم الخراساني ، ولم يشفع له دوره المجيد ، في تنفيذ الانقلاب العباسي ، والرشيد عصف بالبرامكة ، والمأمون قتل وزيره الحسن بن سهل ، وهكذا كان الصراع بين العرب والفرس ، ينتهي ـ غالباً ـ بقطف رؤوس القومية الفارسية . حتى إذا جاء المعتصم ـ ابن الرشيد ـ تفتق ذهنه عن خطة جديدة ، يكبح بها جماح القوميتين المتصارعتين : الفرس والعرب ، بإدخال قوة ثالثة إلى مسرح الصراع ، وهي قوة الترك، وما درى أنه استجار من الرمضاء بالنار ، فلم يكد الترك يصلون إلى مراكز القيادة حتى انقلبوا إلى قوة شيطانية مدمرة ، وبدأت مرحلة جديدة ، طابعها الاستهانة بالخلفاء ، وإهانتهم بلغت ذروة البشاعة ، في حادث قتل الخليفة المتوكل ، وكانت أول جريمة اعتداء على حياة الخلفاء العباسيين .
ولم يستسلم الفرس لهذا التطور الجديد الذي انتهى بإقصائهم عن مراكز النفوذ ، وأوشك أن يقضي على طموحهم القومي ، وكان الفرس يتميزون عن الترك بالقدرة على التدبير، وحبك الخطط بما لهم من تاريخ عريق في أمور الحكم والسياسة . فبدأوا يحصنون أنفسهم بالرجال والسلاح ، ويقتطعون أجزاء من البلاد ـ خصوصاً بلادهم الفارسية القديمة ـ وجعلوا منها إمارات مستقلة عن سلطة الخلافة ، وقواعد ينطلقون منها ، للوثوب على المناطق المجاورة ، حتى إذا سنحت لهم الفرصة ، اقتحموا بغداد نفسها ، وفرضوا سلطانهم على الخليفة . وكذلك كان . فقد نشأت إمارات فارسية قومية شيعية ، لا تعترف بسلطة الخلافة، إلا في الظاهر .
? فدولة طاهرية في خراسان .
? ودولة صفارية في فارس .
? ودولة سامانية في فارس وما وراء النهر .
? ودولة زيارية في جرجان .
? أما البويهيون فقد استولوا على فارس ، ثم زحفوا على بغداد ، وأخضعوا الخليفة لسلطانهم ، وإليك تفاصيل هذه المأساة التاريخية .
في عام 334 هـ ، سار معز الدولة بن بويه ، من الأحواز إلى بغداد في خلافة المستكفي ، فملكها ، ومنحه الخليفة المستكفي إمرة الأمراء ، وأعطاه الطوق والسوار وآلة السلطنة ، وأمر بأن يضرب اسمه على الدينار والدرهم . فما أن استتب أمر معز الدولة وقوي أمره ، حتى حجر على الخليفة ، وقدر له معاشاً يومياً ، مثله مثل الواقفين على بابه يسألونه العطاء.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الاستهزاء والتنكيل بخليفة الإسلام، وإنما تطور إلى ما هو أسوأ ، إذ دخل معز الدولة البويهي على الخليفة ، وهو في سرير الملك ، فهب واقفاً ، ووقف معه الحضور ، فتقدم اثنان من جند الفرس إلى المستكفي ، فمد يده إليهما ، ظناً أنهما يريدان تقبيلهما، ولكنهما جذباه من السرير حتى طرحاه على الأرض ، وجراه من عمامته ، ثم انقض جند الفرس على حرم الخليفة ، فنهبوها ، فلم يبق منها شيء ، ومضى معز الدولة إلى منزله ، فساقوا المستكفي إليه ماشياً، فأمر معز الدولة بخلعه ، وسملت عيناه ، وولوا ( المطيع لله ) خليفة ، وقرر معز الدولة كل يوم مائة دينار لنفقته .فلما مات معز الدولة ، سار ابنه بختيار مع الخليفة المطيع سيرة أبيه ، وزاد على ذلك بأن صادر أموال الخليفة ، فقال المطيع : أنا ليس لي غير الخطبة ، فإن أحببتم اعتزلت ، فشدد عليه بختيار، حتى باع قماشه وأخذ منه 400 ألف درهم، وأخيراً خلع المطيع نفسه ، وولى ابنه الطائع ، ولم يلبث الترك أن استجمعوا قوتهم ، فوقع الطائع بين شقي الرحى : الفرس والترك ، فقدم عضد الدولة البويهي بغداد ، فخلع عليه الطائع خلعة السلطنة ، وتوجه بتاج مجوهر ، وطوقه وسوره وقلده سيفاً ، وعقد له لواءين بيده ، وكتب له عهداً قريء بحضرته ، ثم أمر بأن تدق الطبول على باب عضد الدولة في الصبح والمغرب والعشاء ، وأن يخطب له على منابر الحضرة ، وزاد في ألقابه ، وأسند إليه أمور الدولة كلها ، على مشهد من رجالات الدولة ، وقال له : " قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلي من أمور الرعية ، في شرق الأرض وغربها ، وتدبيرها في جميع جهاتها ، سوى خاصتي وأسبابي " . بل طمع عضد الدولة البويهي الشيعي في أن تكون الخلافة في نسله ، فزوج الطائع من ابنته ، ورمى من وراء ذلك ، أن يرزق الخليفة ولداً وتكون الخلافة في بيت بني بويه الفارسي .
ظهور نجم الأتراك السلاجقة
استغرقت فترة السيادة الفارسية على الخلافة العباسية أكثر من مائة عام ، تعرضت بعدها للأفول ، نتيجة ظهور قوة الأتراك السلاجقة القادمون من بلاد التركستان ، وزحف زعيمهم طغرل بك على بلاد فارس ، معلناً قيام دولة الترك . وفي عام 447هـ ، دخل بغداد في عهد الخليفة ( القائم ) ، فقلده زمام الأمور ، ودخلت تحت نفوذه البلاد الواقعة من حدود أفغانستان ، إلى حدود الدولة الرومانية ، وفي عهد ابن أخيه ( ألب أرسلان ) دارت إحدى المعارك الهامة مع الروم ، كان النصر فيها حليف الأتراك ، وانهزم الروم ووقع إمبراطورهم رومانوس الرابع في الأسر . ولم تلبث دولة السلاجقة أن تعرضت للضعف والتفكك، بسبب ضعف جحافل المغول ، الذين خرجوا كالإعصار المدمر، من بطن آسيا ، فاجتاحوا المدن الإسلامية التي كانت مزدهرة بمعالم الحضارة : بخارى وسمرقند وبلخ ومرو . ولم يتركوا نبتة خضراء دون أن يقتلعوها ، وقتلوا جميع الكائنات الحية التي كانت بها بما فيها القطط والكلاب ، ثم زحف هولاكو ـ حفيد جنكيز خان ـ على إيران فاكتسحها ، ثم تقدم نحو بغداد فدمرها ، بعد أن ذبح آخر خلفاء بني العباس في عام 656 هـ ، وأنهى عصر الخلافة العباسية ، الذي دام 524 عاماً شهدت خلاله مظاهر القوة ما لم تشهده دولة أخرى ، وعانت من مآثر الضعف ما تحدث بذكره الركبان . وعاشت إيران والعراق عهداً جديداً في ظل الدولة المغولية ، التي كانت عاصمتها تبريز ، وبدأ ملوكها يدخلون الإسلام ، واحداً بعد الآخر ، وكان أبرزهم غازان محمود، الذي التحم مع المماليك المصريين ، في موقعة مرج راهط ، وانتصر فيها المصريون . وكانت دولة المغول ( الإيلخانية ) ، دولة فارسية ، في حضارتها وثقافتها ولغتها ، مما يدل على عمق التأثير الفارسي ، ثم توالى على حكم الدولة المغولية خانات ضعاف ، دب الانقسام بينهم حول الملك ، فتفككت أواصر الدولة ، واستقل الأمراء بحكم ما تحت أيدهم من بلاد .
واستغرق حكم ملوك الطوائف حوالي قرنين ونصف قرن إلى أن ظهرت في القرن السادس عشر في شمال إيران ن قوة جديدة هي قوة "الصفويين " الذين جعلوا من التشيع مذهباً رسمياً للدولة الإيرانية لأول مرة في تاريخها .
الخلاف المذهبي بين الدولتين
تنتسب هذه القوة الجديدة إلى مؤسسها الشيخ صفي الدين ، وهو زعيم صوفي ، انتشرت دعوته في أردبيل ، حتى اشتد عودها ، فقام أحد رجالاتها ، واسمه إسماعيل ، بالاستيلاء على تبريز ، ومنها بسط نفوذه على كل بلاد فارس ، بعد أن خلع على نفسه لقب الشاه ، وفي عهده دارت ملحمة جديدة من ملاحم الصدام بين إيران ، والعراق ، فدخل إسماعيل بغداد عام 1505 م دخول الفاتحين ، بعد أن أضاف إلى عناصر الصراع بعداً جديداً ، وهو الخلاف المذهبي ، فقد كانت دولة الصفويين شيعية ، الأمر الذي أثار حفيظة الأتراك العثمانيين ، الذين آلت إليهم زعامة العالم الإسلامي ، بعد سقوط الخلافة في بغداد . يقول دونالد ولبر عن هذه الفترة : وقد أذكى التحول إلى التشيع عداوة الأتراك العثمانيين ضد الشاه إسماعيل الصفوي ، وكانت أولى نتائج هذا الاحتكاك المذهبي غزو إيران بجيش يقوده السلطان سليم الأول ، الذي هزم إسماعيل بالقرب من تبريز عام 1514 م , وقد استمرت الحروب مدة طويلة ، وكان الضغط الخارجي على إيران عاملاً قوياً في توحيد جميع أجزائها ، وإخلاص أهلها للملوك الصفويين ، والمذهب الشيعي ، وحكم المملك الصفوي الثاني ، الشاه ( طهماسب ) من 1524 إلى 1576 : وتمكن من الاحتفاظ بحدوده الشرقية .
ولكنه قاسى هزائم عديدة في الغرب ، وعلى يدي السلطان العثماني سليمان القانوني ، الذي استولى على العراق ، وتوغل حتى وصل إلى تبريز وأصفهان ، فنقل الصفوي عاصمته من تبريز إلى قزوين ؛ لينجو من التهديد التركي ، إلى أن ظهر الشاه عباس الكبير ، في عام 1587 ، وكان العثمانيون ـ في الغرب ـ يسيطرون على أذربجان جميعها ، وكان الأتراك الأوزبكيون ـ في الشرق ـ قد غزوا خراسان ، واستولوا على هراه ومشهد ، فأمضى الشاه عباس أولاً ـ معاهدة اعترفت بالمغانم العثمانية ، ثم سار لطرد الأوزبكيين من خراسان ، فلما تخلص منهم توجه غرباً ، وانتصر على العثمانيين ، واسترد أذربيجان وأرمينية وجورجيا ، وبعد وفاته أبرمت معاهدة بين الطرفين سوت مشكلة الحدود الغربية لإيران ، حتى القرن التاسع عشر . وبعد وفاة الشاه عباس الثالث عام 1736 ، انتهى حكم الصفويين ، ودخلت إيران تحت حكم ( نادر شاه ) ، الذي بدأ حياته كقاطع طريق ، ولكنه تمكن من بسط نفوذه على البلاد ، وطرد الأفغان من غرب إيران ، ومن خراسان وهراه ، وعين أفراد أسرته حكاماً على أقاليم إيران ، ثم توغل في أفغانستان ، حتى وصل إلى الهند ، ونهب قصور دلهي ، ثم استدار لفتح العراق ، فاستولى على الموصل والبصرة، ولكنه قتل بيده أحد ضباطه . وبعدها دخلت إيران تحت حكم القاجاريين ، وهي إحدى القبائل السبع التي ساعدت الشاه إسماعيل الصفوي ، فعادت للظهور على المسرح ، بعد مقتل نادر شاه ، واستمرت إيران تحت حكم القاجاريين ، طوال القرن التاسع ، وحتى عام 1925 ، عندما تمكن الضابط رضا خان من تدبير انقلاب أطاح بحكومة طهران ، وأعلن نفسه إمبراطوراً على إيران .
جذور مشكلة شط العرب
أما العراق ، فقد ظل تحت حكم العثمانيين ، حتى أوائل القرن العشرين، واعتبرت أراضيه ضمن ممتلكات الدولة العثمانية ، فهي التي تحدثت باسمه ، وهي التي تنوب عنه كلما أثيرت مشاكل الحدود بين العراق وإيران . وكان أبرز هذه المشاكل ، مشكلة ( شط العرب ) ، التي تحولت إلى بؤرة حية للخلاف والنزاع بين البلدين .
ولقد بدأت أهمية شط العرب تظهر ، منذ القرن السادس عشر ، عندما بدأت الدول الأوروبية ـ وفي مقدمتها البرتغال ـ تتجه نحو الشرق ، وتقيم شركة الهند الشرقية ، ودخلت في منافسة علنية مع البرتغال ، انتهت بطرد الأخيرة من المنطقة ، ولكن بقية الدول الأوروبية تتطلع إلى الخليج ، وبالتالي إلى شط العرب ، بحكم موقعه على رأس الخليج ، ثم امتداده على الفرات إلى الشام ، وبذلك يمكن تقصير خطوط التجارة التي تعبر الأراضي المصرية ، ثم البحر الأحمر ، ثم ظهر بطرس الأكبر ، ليضع قواعد بناء روسيا القيصرية ، ونصب عينيه المياه الدافئة ، والتي يمثل الخليج العربي أهم روافدها ، وراح يبحث عن نصيب في السباق المحموم بين الدول الأوروبية ، حول تثبيت مراكزها في الخليج ، ثم أطلق صيحته الشهيرة ، " من يملك الخليج يملك العالم "، ويعني بها أهمية السيطرة على خطوط المواصلات البحرية ، التي تربط بين أوروبا ومستعمراتها في الشرق . وأصبح شط العرب مركزاً تجارياً هاماً للمصالح الأوروبية ، وأصبحت موانيه مرافيء للسفن الأوروبية على اختلاف جنسياتها . ومع هذه الأهمية بدأ الصراع المرير من أجل السيادة عليه .. وبدأ الصراع بين الدول الفارسية والدولة العثمانية . ولم يلبث أن اتسعت دائرة الصراع ، فشملت الدول الأوروبية ذات المصالح الاستعمارية . وسوف نعتمد في تحليل هذا الصراع على كتاب ( التاريخ السياسي لمشكلة الحدود الشرقية للوطن العربي في شط العرب ) للدكتور مصطفى عبد القادر النجار الأستاذ بجامعة البصرة . والكتاب يضم رسالة الدكتوراة التي تقدم بها إلى جامعة عين شمس عام 1973 ، وهو عبارة عن دراسة وثائقية تبحث في الأصول التاريخية لشط العرب من خلال الوثائق الموجودة في وزارة الخارجية البريطانية ، والمتحف البريطاني ، ووزارة الخارجية التركية . والتي تثبت أن السيادة العربية الفعلية ظلت مستمرة في منطقة شط العرب طوال فترة النزاع العثماني ـ الفارسي .
ويرى الدكتور النجار أن المنافسة الأوروبية على التفوق التجاري في شط العرب ، وما ترمي إليه من أغراض سياسية ، ثم اتساع نفوذ قبيلة بني كعب على طول شط العرب . قد لفت أنظار الدولتين المتصارعتين آنذاك ، الفارسية ، والعثمانية حول أهمية السيطرة على تلك الربوع . ولما كانت منطقة شط العرب من مناطق الحدود بين الإمبراطوريتين ، لذلك فإنها شهدت صراعاً عنيفاً بين الفرس والعثمانيين. وإذا كانت معاهدة ( قصر شيرين ) سنة 1639 ، أول معاهدة رسمت الحدود بين العراق العثماني وفارس بشكل عام ، إلا أنها أهملت الإشارة إلى الحدود في شط العرب ، الأمر الذي خلق مشكلات معقدة بن الطرفين ازدادت حدتها طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، إلى أن وضعت بريطانيا أول مشروع لتحديد الحدود الفارسية ـ العثمانية في منطقة شط العرب ، وهو المشروع الذي وضعه عالم الآثار هنري لا يارد ، وجعل في شط العرب والمحمرة ( خورمشهر ) تابعين للعراق العثماني ، وجعل نهر بهمشير الذي يؤدي إلى الخليج ( ويوازي شط العرب ) المنفذ المائي الوحيد لفارس ، وهو نهر يفصل جزيرة عبادان عن الساحل الشرقي . ويعترض المشروع بشدة على أي حق للدولة الفارسية في الملاحة في شط العرب ، لأن نهر بهمشير ـ في نظره ـ يسد حاجة الفرس كمنفذ لهم إلى الخليج ، وعليه فإنه اتخذ في تقريره الأخذ بمبدأ الحدود الفعلية على طول الضفة اليسرى ، لأنه خط ثابت جداً من ناحية العدالة .
وعارضت روسيا القيصرية المشروع بشدة ، طمعاً في أن تصبح ضفة شط العرب الشرقية من مناطق نفوذ روسيا ، التي تسهل لها الوصول إلى مياه الخليج الدافئة ، وضغطت تركيا على بريطانيا ، لتقبل المشروع ، ولكن بريطانيا اعترضت نزولاً على إلحاح روسيا ، واقتناعها ـ إلى حد ما ـ بوجهة النظر الروسية الخاصة بضم الضفة الشرقية كلها إلى فارس ، وحتى لا تقف روسيا ضد الأهداف البريطانية لاستغلال منطقة نهر كارون ، لخدمة المصالح البريطانية .
والحقيقة أن كلا الدولتين الوسيطتين ـ روسيا ، وبريطانيا ـ كانتا تسعيان إلى تحقيق أهداف تخدم مصالحهما الخاصة ـ ومع ذلك فقد بدأت لجنة تحديد الحدود الرباعية عملها عام 1843 في مدينة أرضروم، وانتهت في عام 1847 ـ بعد مفاوضات شاقة إلى وضع معاهدة ترسم الحدود في شط العرب ، وبمقتضاها تعهدت الحكومة العثمانية رسمياً بالسماح لفارس بوضع يدها بسيادة تامة على مدينة وميناء المحمرة ، وجزيرة عبادان ، والأراضي العراقية على الضفة الشرقية من شط العرب التي تقطنها قبائل معترف بأنها من رعايا فارس ، وفي مقابل ذلك تتنازل الحكومة الفرنسية عن كل ما لها من ادعاءات في مدينة السليمانية، ومنطقتها شهرزور ، وتتعهد رسمياً بأن لا تتدخل في سيادة الحكومة العثمانية على تلك المنطقة ، أو تتجاوز عليها ، وتضمن المعاهدة حرية الملاحة لفارس في شط العرب بملء حريتها ، وذلك من مصب شط العرب في البحر إلى نقطه اتصال حدود الطرفين .
وقبل التوقيع على المعاهدة ، قدمت الحكومة العثمانية إلى الدولتين الوسيطتين مذكرة إيضاحية أكدت فيها أن تنازلها عن مدينة المحمرة وجزيرة عبادان لا يعني أنها تخلت عن أي أرض أخرى ، أو مرافيء يمكن ... أن تقام في المنطفة المذكورة . كما أن تنازلها هذا لا يعني أنها تنازلت عن الأراضي التي تخص الدولة العثمانية في الضفة اليسرى (عربستان) ، حتى في حالة إقامة القبائل الفارسية بشكل جزئي ، أو كلي على الضفة . ولا يحق لفارس تحت أي ادعاء المطالبة بالمناطق الواقعة على الضفة اليمنى من شط العرب .
والواقع ـ يقول الدكتور النجار ـ إن موضوع حركة القبائل العربية المستمرة بين ضفتي شط العرب اليسرى ، واليمنى سبب ظروفاً صعبة للغاية بشأن علاقات الحدود العثمانية ـ الفارسية . ولما كانت ضفتا شط العرب يكونان وطناً واحداً بالنسبة لتلك القبائل ، فإن كثيراً من قبائل كعب ، والمحيسن ، وغيرهما من قبائل عربستان ـ ضفة شط العرب اليسرى ـ كانت تسكن على طول ضفة شط العرب اليمنى في البصرة ، ولم يكن إعاقة انتقالها بين الضفتين . وهم في الوقت نفسه يعتبرون رعايا لشيخ المحمرة ، وبالتالي سيكونون رعايا فرساً رغم أنهم لا يحبذون تلك التبعية ، وكان شيخ المحمرة قد منحهم إعفاءات قبلية من الضرائب . وهم في الوقت نفسه يملكون شهادة الجنسية العثمانية التي يعتبرونها مجرد وثيقة إدارية لا علاقة لها بالمسائل القبلية ، وعليه فإنهم أصبحوا رعايا للدولتين ، العثمانية ، والفارسية في آن واحد . وهذا الشذوذ في العلاقات الدولية غير مألوف . ومما يزيد في تعقيد الأمر قضية الخدمة العسكرية العثمانية ، والفارسية . ومن هنا جاء تأكيد الدولة العثمانية ـ في مذكرتها الإيضاحية ـ بعدم إعطاء فارس الحق تحت أي ادعاء المطالبة بهم أو بمناطق سكناهم .
وبعد دراسة المذكرة العثمانية أجاب السفيران ( البريطاني والروسي في القسطنطينية ) بأنهما يشاطران الحكومة العثمانية الرأي القائل بأن ترك الحكومة العثمانية لفارس مدينة المحمرة ، وجزيرة عبادان لا يعني تركها أية أراض ، أو موانيء أخرى موجودة في تلك المنطقة ، وأنه سوف لا يكون لفارس الحق بأية حجة كانت في أن تقدم ادعاءات حول المناطق الكائنة على الضفة اليمنى من شط العرب ، حيث تقطن فيها ،أو في تلك عشائر فارسية ، أو أقسام منها . أما بشأن الاستحكامات والحصون ، فلا يستطيعان سوى بيان رأيهما الشخصي وهو أن تعهد الدولتين الإسلاميتين تعهداً متبادلاً بعدم تحصين ضفتي شط العرب معناه ضمان آخر لدوام العلاقات السلمية بين المملكتين .
وقد أجابت الدولة العثمانية ، وفارس على مذكرة السفيرين الروسي، والإنجليزي بالموافقة . وتم توقيع الطرفين على معاهدة أرضروم التي نظمت الحدود بين البلدين ، واستمرت تعتبر الأساس في قضايا الحدود بين العراق وإيران . ولكن الذي حدث ـ في رأي الدكتور النجار ـ أن إيران الحديثة أخذت تحاول التشكيك في المعاهدة ، والطعن فيها ، وتعتبرها قد فرضت عليها من قبل ممثلي روسيا القيصرية ، وبريطانيا ، وادعت بأنهما تصرفا من جهة واحدة من غير إبلاغ فارس بالمذكرة الإيضاحية التي دارت حولها المراسلات ، وأن سفيرها لم يكن مخولاً بالتوقيع على المذكرة الإيضاحية التي قدمها الباب العالي ، وهكذا أبرمت المعاهدة من غير أن يتم قبولها . كما أن الحكومة العثمانية هي الأخرى رفضت الاعتراف بوجود المعاهدة ما لم تضم المذكرة الإيضاحية .
أما العراق ، فقد اتخذ موقفاً آخر رغم أن المعاهدة جاءت على حساب حقوقه القومية ، فإنه اعتبر معاهدة أرضروم وثيقة شرعية لا يمكن لإيران الطعن فيها ، وأن توقيعها ، والتصديق عليها ، وتبادل وثائقها قد تم وفقاً للنظم القانونية ، وأن قضية الحدود في شط العرب ليست بدعة تنفرد إيران ، والعراق بها ، وبعد ذلك تعثر تنفيذ بنود المعاهدة حتى بعد أن شكلت لجنة فنية لتحديد الحدود بين الدولتين ، واتفق أعضاء اللجنة على تعليق قضية الحدود إلى أن يوجد حل نهائي لها ، ثم تعثرت مرة أخرى بسبب نشوب حرب القرم ، ثم اشتعال الحرب بين انجلترا وفارس حول أفغانستان ، فتقدم القائد الإنجليزي في شط العرب ، وضرب المحمرة سنة 1857 ، واحتل الضفة الشرقية من شط العرب ، ويقول لوريمر : إن سقوط المحمرة في يد الإنجليز قوبل بالابتهاج في البصرة ، ظناً بإمكانية ضمها للعراق ، ولكن الإنجليز انسحبوا منها مقابل انسحاب الفرس من أفغانستان . وانتهت اللجنة الفنية من وضع خريطة لحدود البلدين ، ولكنها تضمنت بعض الأخطاء ، فرفضت بريطانيا وروسيا توقيعها ، ثم أمكن بعد خمس سنوات وضع "الخريطة الموحدة " وفي عام 1869 عقدت معاهدة بين الدولتين ، العثمانية ، والفارسية ـ وهي آخر معاهدة حدود بين البلدين ـ تعهدت كل منهما بمقتضاها بأن تؤجل التسوية النهائية ، والبقاء على " الحالة الراهنة " وإبقاء القديم على قدمه ، وعدم إنشاء أية أبنية جديدة في مناطق النزاع ، ولما كان مفهوم الحالة الراهنة مختلفاً عليه من الجانبين ، فإن المعاهدة لم تثمر نتائج طيبة ، وظلت حالة التوتر بين البلدين حتى نهاية القرن التاسع عشر ، ولم تخمد طوال العقود السبعة التي انصرمت من القرن العشرين ، وكانت آخر مظاهرها تلك الحرب التي تجري رحاها الآن بين الجارتين .
الفصل السابع
في انتظار الإمام
أتوقع أن تثير الفصول التي كتبتها عن جذور الصراع بين إيران والعراق ، شجن بعض الناس ، بقدر ما تثير دهشة البعض الآخر ، الذين لا يتخيلون أن تمتد جذور هذه الحرب الآثمة في تربة التاريخ القديم ، وما بين شجن الرعيل الأول ، ودهشة الفريق الثاني ، أرى لزاماً عليّ أن أتوقف في هذا الفصل مع القراء الأفاضل ، الذين صدمهم إيقاظ التاريخ من رقاده ، ليحكي لنا قصة الصراع القومي بين العرب ، والفرس . وأنا أعرف أن مشاعر هؤلاء القراء سوف تزداد حدة عندما أتحدث عن البعد المذهبي ـ وهو أخطر العناصر وأشدها حساسية ـ ولكن يعزيني أنني لا أكتب كي أكون موضع الرضا من هؤلاء وأولئك، ولكني أكتب لأزيل الغشاوة عن بعض العيون الغافلة ، وسبيلي إلى ذلك طرح العواطف جانباً ، حتى يتيسر للعقل أن يرى الحقيقة مسفرة ، مهما كانت بشعة ، وصعبة ، ومرة .
فمثل هذه القضايا تتطلب ممن يتعرض لها ـ سواء كان كاتباً أو قارئاً ـ أن يتخلى عن مشاعره وميوله ، ويتحرر من المؤثرات القديمة ، وأحلام المستقبل الغامض ، ولا يبقى معه سوى ميزان العقل والمنطق ، وهو ميزان صارم ، ودقيق ، وأمين ، عندئذ سوف تظهر الحقائق أمام عيوننا جلية .. وسوف نكتشف كم كنا مخدوعين حين حكمنا العواطف في أحكامنا على جسيمات الأمور . وسوف تغمر السعادة نفوسنا عندما نضع أيدينا على أصل الداء ، فنبدأ في علاج أمراضنا على أساس من المعرفة الصحيحة .
ولا أخفي عليكم أنني أشعر بإشفاق شديد نحو بعض القراء الأعزاء الذين يعيشون بعواطفهم مع الجانب الإيراني ضد العراق ، ومن ورائه معظم العالم العربي ، هؤلاء الذين ملأ اليأس قلوبهم في أوطانهم العربية، فلبوا نداء الثورة البازغ في إيران . وأسلموه عقولهم وقلوبهم ، يحدوهم حلم الانتظار ، انتظار " الإمام " الذي سيأتي في الزمن الرديء ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ـ ولا أخفي عليكم أنني كنت أحد الذين طربوا لقيام الثورة الإيرانية على أنقاض حكم الطاغوت ، وتوسمت فيها خيراً كثيراً ، وكان الأمل يحدوني في قيام نموذج عصري للدولة الإسلامية المتحررة من العقد المذهبية ، والعرقية ، نموذج يتحقق فيه العدل ، والأمان ، والرقي لكل من يعيش على أرضها ، وكنت أتصور أن تهدأ حدة الثورة وشيكاً لتبدأ عملية إقامة النظام الإسلامي على دعائم القيم والمباديء ، والنظريات التي جاء بها الإسلام من حرية ، وعدالة ، وشورى ، ومساواة ، وتعمير ، وإخاء بين شعوب الأمة الإسلامية ، حتى نقول للعالم الآخر : هذه هي الدولة الإسلامية التي نفخر بها ونتيه ، كما تفخرون بنظمكم الديمقراطية في الغرب ، ونظمكم الاشتراكية في الشرق ، وها هما العدل ، والحرية يلتقيان على أرض الدولة الإسلامية الوليدة .
**
ولكن، ماذا نقول الآن لهؤلاء وأولئك ..؟ وبم نفخر عليهم ..؟؟ هل نقول لهم انظروا إلى شلالات الدم في دجلة والفرات ..؟ انظروا إلى الخراب والأطلال في المدن المهجورة ..؟ انظروا إلى أشلاء المسلمين الممزقة في الفيافي والوهاد ..؟ انظروا إلى أموال المسلمين وهي تنفق على السلاح ، لتدور عجلة المصانع في الغرب، والشرق، وتبقى خزائن المسلمين خاوية على عروشها ..؟
* *
عند هذه الأسئلة المنطقية البسيطة سوف أتوقف مع الإخوة الكرام الذين يعيشون بعواطفهم مع حلم الثورة الإسلامية ، وينأون بعقولهم عن واقع الثورة الإيرانية ، وهي تدق بوابة العالم العربي بعنف بحجة الإطاحة برئيس الدولة العراقية ، وتبشر المستضعفين في الأرض العربية بقيام دولة العدل ، والرشاد ، والإخاء على أنقاض دول الظلم ، والفساد.. وأطرح على هؤلاء الأبرياء الأطهار سؤالاً محدداً : هل تتصورون الثورة الإسلامية بركة دماء ..!! وشعلة دمار ..!! وبغياً وعدواناً على المسلمين ..!! وخطفاً وتقتيلاً للأجانب ..!!وإعصاراً تخريبياً شاملاً لا يبقي ولا يذر ..؟؟
هل تتصورون أن هذا النموذج الدموي هو الأسلوب الأمثل لإزالة الفساد ، واقتلاع الظلم ، وإقامة دولة العدل ، والأمان .. ؟ وهل يمكن أن يكون الدم سبيلاً إلى العدل ..؟ وهل يكون الدمار سبيلاً إلى التعمير ..؟ وهل يكون الظلم ـ في معيار الإسلام ـ أداة لإقرار الحق ..؟؟
الحق أقول لكم إن الإسلام لم يفصل بين الغاية، والوسيلة .. وجمع بين العنصرين في إحكام شديد، وجعل من نبل الوسيلة جزءاً لا يتجزأ من شرف المقصد. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ هو القائل : " ليس من أراد الحق فأخطأه ، كمن أراد الباطل فأصابه " مشيراً بذلك إلى نتيجة معركته مع بني أمية الذين كسبوا الجولة بالخديعة، والرشوة، والضلال .. فخرجوا من المعركة ومعهم الدولة، والجاه، والسلطان .. وخرج هو، ومن معه، بالمباديء، والقيم التي يتصاغر عندها كل سلطان، فكان هو الكاسب الأعظم، وكانوا هم الأخسرين .
إياكم أن تقعوا في فخ الشعارات الدموية البراقة التي تلعب بعواطف المستضعفين والجائعين والبائسين في أوطانهم العربية، وتأسر ألبابهم بحلم الإمام المنتظر الذي سيأتي من خلف الغمام ، ليملأ البطون الجائعة، ويكسي الأجساد العارية، ويقيم المساكن الجاهزة لمن يعيشون في القبور والخيام ومساكن الإيواء.
إياكم والانسياق وراء فكرة الهدم والتدمير ، ليتسنى بناء دولة الرخاء والعدل والمساواة !! فالدماء تعزى بالدماء ، والدمار لا يثمر إلا الخراب ، ويستحيل أن يلد الشر خيراً ، واعلموا أن التخريب ليس الوسيلة المثلى لإصلاح المفاسد ، والعلل التي نعانيها في أوطاننا العربية، والإسلام لم يجعل من الهدم ، والتدمير سبيلاً إلى إقامة العدل لأنه يعلم أن الفتنة لا تجلب على المسلمين سوى الفساد ، وضياع لحقوق ، وانتشار المظالم ، والآثام ، وتصارع المسلمين فيما بينهم ، ثم ظهور حكام أشد ظلماً من أسلافهم ، حتى يقول القائل :
رب يوم بكيت منه فلما ... ... صرت في غيره بكيت عليه
وإذا لم تصدقوني ارجعوا إلى التاريخ الإسلامي ، ونقبوا في صفحاته لتعرفوا كم جرت عمليات الهدم ، والتخريب من فتن وكوارث أصابت الإسلام والمسلمين في مقتل .
* * *
ثم .. ما بالنا نتحدث عن فساد حكامنا ، ولا نتحدث عن فساد أنفسنا !! وما بالنا نلقي بكل اللائمة على الحكام ، ولا نلوم الرعية على ما هي عليه من اعوجاج وفساد وضلال وتقولون إن الفساد في السمكة إنما يبدأ من رأسها .. هذا صحيح .. ولكن هل نسيتم أن الحاكم هو نتاج طبيعي للشعب الذي خرج منه ؟ وهل نسيتم القاعدة الإسلامية التي تقول : كما تكونوا يول عليكم ؟ وللإمام علي كرم الله وجهه قولة مأثورة تجسد هذا الارتباط العضوي بين الحاكم ، والمحكومين ، فقد سأله رجل سليط اللسان : ما بال الناس قد اختلفوا عليك ، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ فأجابه الإمام العظيم : لأنهما كانا واليين على مثلي ، وأنا وال على مثلك ..!! وتحضرني كلمة شبيه للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قالها ، وهو يخطب على منبر المدينة إذ قال : أنصفونا يا معشر الرعية تريدون منا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر ! ولا تسيرون في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر !! نسأل الله أن يعين كلاً على كل .
هذا هو منطق العدل كما جاء به الإسلام ، وكما فهمه الأئمة العظام ، والعلماء الأجلاء ، وسوف أعرض عليكم موقف إمام أهل السنة الحسن البصري الذي عاش عصر الظلم ، والطغيان في ظل الأمويين ، ومع ذلك لم يكن ينصح بالخروج عليهم لأنه كان يرى أن الخروج يعطل الحدود ويهدم عمود الدين ويؤدي إلى انحلال الدولة الإسلامية ويجعل باس المسلمين بينهم شديداً ، فيتكالب عليهم الأعداء ، ولأنه رأى الدماء تهرق في الخروج من غير حق يقام ، أو مظلمة تدفع ، والناس يخرجون من يد ظالم إلى أظلم ، وكان الحسن يرى أن الطريق المعبد لإصلاح الفساد هو إصلاح حال المحكومين ، إذ رأى الفساد عم الاثنين ، وتعذر عليه إصلاح الحاكم ، واعتقد أنه إذا صلح حال الشعب تبعه حتماً صلاح الحاكم ، وقد سمع مرةً رجلاً يدعو على الحجاج فقال له : لا تفعل يرحمك الله ، إنكم من أنفسكم أوتيتم ، إننا نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن تليكم القردة والخنازير ، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عمالكم كأعمالكم ، وكما تكونوا يول عليكم ، وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور العمال ، وأنه ليس ينبغي لمن عمل المعصية أن ينكر العقوبة ، وما أظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام " .
هل كان الحسن البصري ممالئاً للسلطة ، راغباً في رضائها ..؟؟ حاشا وكلا ؟ فهو الإمام الشجاع الذي تجرأ على انتقاد طواغيت بني أمية وهم في عز سلطانهم ، وهو الذي سأله سائل على الملأ في مسجد البصرة عن رأيه في الخارجين على الخليفة عبد الملك بن مروان ، فقال له : لا تكن مع هؤلاء ولا هؤلاء ، فقال رجل من أهل الشام أحسب أنه كان مندوباً من المخابرات الأموية : ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد..؟ فغضب الحسن وأشاح بيده ثم قال : ولا مع أمير المؤمنين ..!!
وهذا إمامنا العظيم مالك بن أنس الذي عاش نفس الفترة المظلمة، ورأى خروج الخوارج ، وانتفاض العلويين ، وما نجم عن ذلك من نكبات لحقت بالأمة دون أن تجني من وراء ذلك سوى الدمار ، والفساد.. وقد تلقى مالك من أفواه شيوخه أخبار واقعة " الحرة "، وكيف استبيحت مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ولم تترك فيها حرمة من غير أن تهتك ، وكيف تعرض أولاد ألأنصار للإذلال فسيقوا في الأغلال . ولم يقم حق، ولم يدفع باطل ، كما وعد الثوار . وترامت إليه وقائع الحرب الضروس بين عبد الله بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان ، وكيف استبيحت الكعبة المشرفة حتى رميت بالمنجنيق ، وصار الحجاز كله مباءة للعبث ، والفساد، وهي الأرض التي جعلها الله مثابة للناس وأمناً .
كل ذلك دفع الإمام مالك إلى التحرز في النصح بالخروج على الحكام، خصوصاً وأن نتائج الثورة لم تكن خيراً ، ولم يصل الثائرون إلى إقامة العدل الخالص من الظلم ، حتى يقال إن الغاية تبرر الوسيلة ، أو إن الذريعة السيئة يصغر إثمها إزاء النتيجة الطيبة . فالطريقة إثم ، والنتيجة لا خير فيها . ويستنبط الفقيه الجليل الشيخ أبو زهرة من سيرة الإمام مالك أنه لزم الجماعة ولم ير الخروج على الطاعة . وليس معنى ذلك أنه كان يرى السكوت عن ظلم الحاكم ، ولكنه كان يرى أن إصلاح الحاكم بالموعظة الحسنة وقول الحق في إبانة ، أجدى من الخروج عليه، وأن صلاح الحاكم يتبع في أكثر الأحيان صلاح المحكومين ، وأن على العلماء أن يصلحوا الناس ويرشدوهم ، فإن صلحوا جاء صلاح الحاكمين تبعاً لصلاحهم ومهما يكن رأي مالك في الإصلاح فهو لم يناصر أحداً عند الفتن لأن الفريقين في إثم ، فلا يعاون أحدهما على الآخر ..
أرأيت إلى هذين الإمامين الجليلين : الحسن ومالك وموقفهما من قضية الثورة والثوار ، وكيف اتحد نفساهما في إطار من التقى والورع والخوف من الله سبحانه وتعالى .. وكلاهما كان ذا سمت حسن ، وذا عقل قوي نافذ ، وبصر بالأمور ، وكلاهما كان يرى أن الموعظة الحسنة أجدى من الثورة والدعوة إلى الفتنة ، وكلاهما كان ينطق بهذه الموعظة عندما يجد من الآذان إصغاء ، وفي القلوب وعياً ، وفي النفوس رشداً .
* * *
وبعد ...
لقد استغرقني الحديث عن الثورة كمنهج للتغير يجتذب المستضعفين والفقراء والمحرومين دون أن يدركوا ما وراء الأكمة من مخاطر وفتن، وهم معذورون في ذلك، فالحديث عن الثورة الدموية ينم عن شجاعة وإقدام، ويخاطب الجانب الإيجابي في النفس الإنسانية، ويحرك المشاعر المتدفقة عند الشباب الذين يمثلون وقود الثورة ومادتها الرئيسية، بينما الحديث عن الإصلاح التدريجي والموعظة الحسنة والنصح القويم لا يجذب سوى الكهول والشيوخ الذين صهرتهم التجارب وصقلتهم المحن والشدائد، ونظروا إلى ما هو أبعد من السطح ، ونفذوا ببصيرتهم إلى الأعماق، فرأوا العناصر الخفية وهي تتفاعل وتتلاطم وتصارع.
ولقد رأيت واجب الأمانة يقتضيني أن أكتب هذه الكلمة لعلها تكون تبصرة لذوي النفوس الطيبة والنوازع الشريفة الذين يحلمون بالتغيير السريع، والطفرة الدموية، وينتظرون قيام الدولة الإسلامية العصرية، التي تحقق لهم الأمن والاستقرار والحياة الكريمة ، ولكن أعود لأسألهم في ختام حديثي : هل رأيتم دولة إسلامية تقوم فوق بركة من الدماء ..!! وإذا قامت هل يكتب لها الاستقرار ..؟ وهل نكون أمناء مع أنفسنا ومع الدين الذي نعتنقه إذا وصفت بأنها إسلامية !!
الفصل الثامن
انتفاضات الشيعة
تبين لك مما سبق ، أن الصراع بين الفرس والعرب صراع قديم ، وله جذور عرقية ودينية ، والآن جاء الدور لإلقاء الضوء على البعد المذهبي ، في الصراع القائم حالياً بين إيران والعراق ، وأعني به الصراع بين مذهب التشيع الذي يعتنقه حكام إيران ، ومعهم القطاع الفارسي من القوميات الإيرانية ، ومذهب أهل السنة ، أو مذهب الجمهور الذي يلتزم به النظام العراقي ، ومعه القطاع الأكبر من مسلمي العراق ، ومن خلفهم العالم السني ، بدءاً من الكويت ودول الخليج العربية ومروراً بأرض الحرمين الشريفين ، ومصر .. وانتهاء بالمغرب الأقصى .
الصراع المذهبي ـ الذي يتبرأ منه الطرفان ـ هو أخطر خبايا الصراع المسلح بل هو المادة المشعة التي تحرك مفاعل الطاقة المتفجرة بين الجارتين منذ دخل الفرس الإسلام تحت مذهب التشيع ، ومن يومها لم يرقأ لهم جفن من أجل تحقيق الحلم الأكبر ، حلم إنشاء الدولة الشيعية الكبرى على أنقاض الدولة الساسانية التي حطمها الإسلام في القادسية.
وقبل المضي في هذا الحديث، فإن الأمانة تقتضي التوقف برهة لتنزيل غشاوة قد تطرأ على بعض الأعين ونحن نتحدث عن الصدمة التي أصابت الدولة الفارسية بعد هزيمتها أمام الإسلام، والتي كانت من آثارها العميقة ظهور النعرة القومية ، والعمل على إحياء المجد الفارسي القديم، فهذا الموقف من الإسلام لا يمس التيار العام لهذا الشعب العريق الذي اعتنق الإسلام عن صدق، وأقبل عليه عن اقتناع وإيمان، وحمل على كاهله رسالة العالم والفقه والأدب والفن، وقدم إلى الإسلام صفوة العلماء والفقهاء والمفسرين والأئمة الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها، والذين يضيق المقام عن ذكر أسمائهم لأن ذلك يحتاج إلى صحائف معدودة، يكفي أن نذكر الإمام أبا حنيفة في الفقه، والطبري في التفسير والتاريخ، والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الحديث، وابن سينا والبيروني في الفلسفة، وابن المقفع في البلاغ ، والخليل في اللغة، وواصل بن عطاء في علم الكلام، أولئك هم نجوم المعرفة، وقد انتهت إليهم مقاليد العلم، وخرج جميعهم من أصلاب فارسية، وازدان بهم تاريخ الإسلام ـ وسيظل ـ حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
تلك جملة اعتراضية نضعها في مكانها الصحيح، ونحن نتعرض لشؤون السياسة والحكم في المجتمع الفارسي بعد الإسلام، وقد حفرت لنفسها مجرى خاصاً تراكمت فيه مخلفات التراث القومي، والنزاعات الموروثة، والمعتقدات القديمة.
ونخطيء كثيراً إذا تصورنا أن انتقال الفرس ـ أو غير الفرس ـ من أديانهم السابقة، محا نهائياً تصوراتهم السابقة عن نظام الحكم.. فمثل هذا الظن تأباه علوم النفس والاجتماع السياسي، كما أن تاريخ الأديان والمذاهب والدعوات يرفض مثل هذه الافتراضات الساذجة، فالشعوب عندما تعتنق الدين الجديد تبقى في وجدانها أثار من المعتقدات السابقة، حتى المخلصون منهم في اعتناقهم الإسلام، لم يبرأوا تماماً من تقاليدهم وتراثهم السالف، ويظل القديم والجديد يتفاعلان فترة قد تطول أو تقصر حسب درجة الوعي والاستنارة. وعلى هذا الأساس الواقعي انتقل الفرس إلى الإسلام وهم يحملون في صدورهم تصوراً مطبوعاً حول نظام الحكم مستمداً من عقائدهم الدينية . يقول العلامة أحمد أمين: إن الفرس كانوا ينظرون إلى ملوكهم كأنهم كائنات إلهية اصطفاهم الله للحكم بين الناس، وخصهم بالسيادة وأيدهم بروح من عنده ، فهم ظل الله في أرضه، أقامهم على مصالح عباده، وليس لله قبلهم حقوق، وللملوك على الناس السمع والطاعة، وهو معنى يشبه ما عرف في أوروبا بنظرية الحق الإلهي، التي سادت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وينقل أحمد أمين عن الأستاذ (برون) قوله: لم تعتنق نظرية الحق الإلهي بقوة كما اعتنقت في فارس في عهد الملوك الساسانية، وقد كان الأكاسرة يزعمون أن لهم الحق وحدهم في أن يلبسوا تاج الملك بما يجري في عروقهم من دم إلهي.
بهذا المفهوم السياسي الموروث اعتنق الفرس الإسلام، فكان من طبيعة الأمور أن ينفروا من التصور الذي جاء به الإسلام للنظام السياسي، ونظرته إلى الحكام من حيث إنهم بشر عاديون يجري اختيارهم وفق إرادة الشعب ولهم على الشعب حق الطاعة حتى ولو كان الحاكم عبداً حبشياً على رأسه زبيبة!! كما هال الفرس أن ننزع الإسلام من الحاكم الحصانة أو العصمة وقرر حق محاسبته إذا أخطأ، وعزله إذا انحرف، وفي كل هذه الأمور وضع وخبراء الفقه السياسي القواعد مستندين إلى روح النص القرآني وسنة الرسول، والواقع العملي، ولكن الفرس ظلوا محافظين على نظريتهم المقدسة إلى الحكام، وظل التعاليم زرادشت تعمل في تشكيل نظرتهم السياسية وتطبعهم بطابعها القوي. وكان زرادشت الذي ظهر في منتصف القرن السابع قبل الميلاد يرى أن تتمثل الزعامتان الدينية والسياسية في البيت الشريف، والزعيم المقدس الذي تجري في عروقه الدماء النبيلة، ويظل الحكم بالتوارث في هذا البيت حفاظاً على وحدة الدولة وقوتها، فإذا اندثرت القبيلة أو انهدم البيت وتصدع الملك، فغلى الفرس أن يتطلعوا إلى ظهور الإمام الذي سيأتي في آخر الزمان ليحي العدل، ويميت الجور، ويرد السنن المقبولة إلى أوضاعها الأولى . والذي تنقاد له الملوك، وتتيسر له الأمور، وينصر الدين الحق.
وعندما دخل الإسلام إيران بأفكاره المتحررة، اصطدم بهذه الأفكار السياسية المختلطة بالمعتقدات الدينية، وقد كان من الصعب اقتلاع هذه الأفكار الراسخة في النفسية الإيرانية منذ عشر قرون، كان آخرها القرون الأربعة التي انفردت فيها عائلة آل ساسان بحكم البلاد فظهرت آثارها في العهد الإسلامي في صورة (التشيع) التي تقوم على الحق الوراثي للأئمة ورفض فكرة الاختيار الشعبي للحاكم، فإذا كانت فكرة انتخاب الخليفة جاءت متمشية مع ديمقراطية المسلم العربي، إلا أنها لم تظهر في نظر الفرس إلا بمظهر ثوري غير مطابق لطبيعة الأشياء؛ ولذلك اعترضوا على الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول.
وعندما انهار بيت الملك الساساني تحت معاول المسلمين، كان على الفرس أن يصطنعوا بيتاً شريفاً في ظل الإسلام يدينون له بالولاء ويتلمسون لأنفسهم إماماً يحقق لهم أحلامهم في إقامة العدل، ومقاومة الظلم، رغم أن الإسلام حقق لهم ـ ولغيرهم من الشعوب المقهورة ـ فوق ما كانت تتمناه من الرفعة والأمن والتحرر من الطغيان ، ولكنها قوة المؤثرات القومية التي تفوق قوة العقيدة الدينية ـووجد الفرس ضالتهم في البيت العلوي، فتشيعوا له في مواجهة البيوتات الأخرى وجعلوا من علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ المنارة التي يلتفون حولها لتهديهم إلى الحلم القديم، وقد جمع الإمام كل مناقب الشرف والنبل والشجاعة والبلاغة ، فهو ابن عم صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته الغالية فاطمة الزهراء، وأبو سبطيه الحبيبين الحسن والحسين، فأي بيت من بيوت العلية يرقى إلى هذا البيت شرفاً ونسباً!! ثم كان على الفرس أن يصطنعوا لأنفسهم نسباً إلى هذا البيت الشريف ليكون لهم ـ عن طريق هذا النسب ـ حق إحياء العرش الفارسي الذي يجمع بين شرف الدين وعراقة الأصل، ووجدوا ضالتهم في الشريف ابن الشريف علي زين العابدين بن الحسين من زوجته الفارسية (سلافة) بنت الملك يزدجرد، وإليك قصة هذا النسب العجيب بين البيت العلوي الشريف، والشعب الفارسي، والذي يوضح لك حرص الفرس على التنقيب عن أي خيط ينسجون منه عرشاً ودولةً وفق المفاهيم الفارسية.
بنات الملوك :
في آخر معركة من معارك الفتح الإسلامي لإيران ، وهي معركة (جلولاء ) فر الملك ( يزدجرد ) يائساً من القتال ليلقى مصرعه في أحراش الهضبة الإيرانية ، تاركاً وراءه ثلاثاً من بناته وقعن سبايا في أيدي الفاتحين المسلمين ، فانتقلن مع الأسرى إلى المدينة المنورة حسب تعليمات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليجري توزيعهن على الجند وفقاً لنظم الحرب في ذلك العصر ، وأوشك عمر أن يطبق على الأميرات الثلاث مذهبه في التسوية وتوزيعهن على عامة الجند دون اعتبار لمسألة الحسب والنسب . ولكن علي بن أبي طالب ـ المستشار الصدوق لأمير المؤمنين ـ اعترض على هذه القسمة التي لا تناسب مكانة بنات الملوك ، وأشار على الخليفة أن يجري توزيعهن على أبناء كبار الصحابة الذين يعرفون للناس أقدارها ، واستجاب عمر لنصيحة مستشاره ، فكانت الأولى من نصيب محمد بن أبي بكر الصديق ، وقد أنجبت منه ولدهما عبد الرحمن ، والثانية من نصيب عبد الله بن عمر بن الخطاب وقد أنجبت منه ولدهما سالم ، والثالثة من نصيب الإمام الحسين ابن علي بن أبي طالب ، وقد أنجبت منه ولدهما علي ( السجاد ) المشهور بزين العابدين لورعه وتقواه ، والذي شهد ـ طفلاً ـ مع أبيه مذبحة كربلاء ، وأفلت منها بأعجوبة .
كانت كربلاء ( سنة 61 هـ ) صدمة لكل المسلمين في بقاع العالم الإسلامي ، بل كانت صدمة للضمير الإنساني في كل بقاع الأرض، وكانت بمثابة شلال الزيت تدفق على شرارة الطغيان الأموي ليتحول إلى ثورة مكبوتة في النفوس تحولت في كثير من الأوقات إلى انتفاضات دموية، وعلى الرغم من أن كربلاء لم تسفر عن نتيجة حاسمة في الميدان السياسي، إلا أنها كانت ذات أثر عميق أشد العمق في ميدان العقيدة الشيعية . ومن جهة نظر العلامة الأماني ( برو كلمان ) فإن ميتة الشهداء التي ماتها الحسين ـ والتي لم يكن لها أثر سياسي ـ قد عجلت في التطور الديني للشيعة، فقد أذكت روح التشيع وجعلت الشيعة يشعرون بوجوب توحيد صفوفهم حتى يستطيعوا أن يكونوا قوة فعالة في الميدان السياسي. أما (نيكلسون) فيرى أن يوم كربلاء كان كافياً ليجعل الأمويين يعضون أصابع الندم ، إذ وحد صفوف الشيعة فصاحوا صيحة واحدة: يا لثارات الحسين الذي دوى في كل مكان، وعلى الأخص عند الموالي الفرس الذين تاقوا إلى التخلص من حكم العرب. وتحول التشيع إلى وكر للحاقدين والناقمين والمرتدين عن الإسلام ، وقد غالوا في تقديس الإمام علي حتى بلغوا به درجة التأليه ، ومنهم طائفة النصيرية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس السوري حافظ الأسد ومعظم ضباط الجيش السوري وقادة الدولة الذين تتركز فيهم سلطات الدولة العليا، ويرى هؤلاء أن علياً لم يمت وأنه مستقر في السحاب. فالرعد صوته، والبرق ابتسامته، كما تحول التشيع إلى مرتع خصب للفرس الطامعين في إحياء مجد الدولة الفارسية، وتعددت انتفاضات الشيعة خلال القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، حتى أنه لم تمر سنة حتى يهب أحد العلويين الثائرين ضد النظام الحاكم. وكان الأمويون ومن بعدهم العباسيون يتصدون لهذه الانتفاضات ويوسعونها ضرباً مؤلماً.
فكان بعضهم يفر إلى أطراف الدولة ـ شرقاً وغرباً ـ لتدبير المؤامرات وإعداد التنظيمات السرية وشراء العملاء والأعوان، مستخدمين في ذلك اسم البيت العلوي الذي يتمتع بحب المسلمين على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم، ولكن سرعان ما يكتشف الناس أنهم ثاروا لحساب مذاهب مشبوهة تتستر وراء أهل البيت. ولعل أشهر هذه الدعوات ما فعله الشيعة الباطنية الإسماعيلية، عندما نجحوا في إقامة دولة لهم في تونس، ثم انتقلت في عهد المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر وحكمتها لمدة قرنين كاملين.
ويضيق المقام عن سرد الانتفاضات الثورية التي قام بها الفرس، لإنشاء دولة مذهبية تحمل فكرهم خارج إطار الخلافة الأموية الموحدة، فإذا عجزوا عن إقامة الدولة، دأبوا على التسلل إلى بلاط الخلفاء العباسيين واحتلال مراكز التأثير حتى يحكموا من وراء ستار الجالس على العرش، فيكون لهم القرار، وللخليفة البصم والتوقيع ، مثلما فعل بنو برمك مع الرشيد ، وبنو سهل مع المأمون ، فلما ضعف سلطان الدولة العباسية وانشطرت إلى دويلات قزمية كان للشيعة الفرس منها نصيب، فظهرت الدولة السامانية في بخارى وامتدت حدودها إلى الخليج الفارسي، ومن حدود الهند إلى مشارف بغداد، وقصدها الشعراء والأدباء وفي طليعتهم الشاعر الفارسي الشهير ( الفردوسي ) صاحب (الشاهنامة) تلك الملحمة الشعرية الكبرى التي يتغنى فيها بأمجاد ملوك الفرس الأقدمين وكان شأنها في إثارة النعرة القومية شأن ملمة هوميروس عند الإغريق .. ولا يزال الإيرانيون حتى اليوم يعتبرونها من مفاخرهم الأدبية لأنها تقص عليهم حكايات الأجداد .
وفي طبرستان قامت دويلة على أكتاف مغامر فارسي اسمه مرداويج ، لبس التاج وجلس على سرير من فضة مرصع بالجوهر وقال: أنا أرد دولة العجم ، وأبطل دولة العرب ـ وفي أواخر القرن الثالث أسلم أمير بلخ وكان مجوسياً يعتنق ديانة زرادشت ، وأسلم كثير من الديلم ومنهم الشاعر المعروف مهيار الديلمي الذي أسلم على يد الشريف الرضى عميد الطالبيين في بغداد ، ومهيار هو صاحب القصيدة التي لحنها وغناها الموسيقار محمد عبد الوهاب ، وجاءت تعبيراً قوياً عن القومية الفارسية التي ظلت حية حتى بعد الإسلام ، ويقول فيها :
أعجبت بي بين نادي قومتها ... ... أم سعد فمضت تسأل بي
سرها ما علمت من خلقي ... ... فأرادت علمها ما حسبي
لا تخالي نسباً يخفضني ... ... أنا من يرضيك عند النسب
قومي استولوا على الدهر فتى ... ... ومشوا فوق رؤوس الحقب
عمموا بالشمس هاماتهم ... ... وبنوا أبياتهم بالشهب
قد ورثت المجد عن خير أب ... ... وأخذت الدين عن خير نبي
فجمعت المجد من أطرافه ... ... سؤدد الفرس ودين العرب
وما أن أهل القرن الرابع حتى كان للشيعة دول قوية يعمل لها ألف حساب في العالم السني ، فالبويهيون أقاموا دولة قوية شملت فارس وكرمان وطبرستان ودخلوا بغداد وسملوا عيني الخليفة المستكفي، والقرامطة استولوا على البحرين واقتحموا مكة المكرمة وسرقوا الحجر الأسود وردموا بئر زمزم بجثث الطائفين حول البيت العتيق ، والحشاشون أقاموا مستوطنة مسلحة في شمال إيران على يد الحسن الصباح الذي أطلق أتباعه من الشباب الفدائي لاغتيال رؤوس الحكومة الإسلامية في بغداد.
ولقي الكثيرون مصرعهم بهذه الطريقة الجسورة التي أثارت الفزع في النفوس ، وامتد سلطان الشيعة الباطنية إلى الشام ، ولا تزال بقاياهم موجودة في اللاذقية والمناطق الجبلية المغلقة ممثلة في الطائفة النصيرية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس الأسد ، وفي نفس الوقت كان الدروز قد اتخذوا من جبال لبنان ملاذاً يحتمون به بعد أن طاردهم المصريون في عصر الحاكم بأمر الله .
* * *
ماذا يعني كل ذلك ..؟؟ إذا أردت أن تستخلص المحصلة النهائية من هذا السرد التاريخي ، فما عليك إلا أن تعكف على خريطة الشرق الأوسط، وترسم خطاً ساخناً يبدأ من حركة آيات الله في إيران ، ويمتد إلى النظام الحاكم في سوريا .. وينحرف جنوباً ليشمل حركة أمل الشيعية ، وحركة الدروز في لبنان ، وبعدها سوف تنكشف لك أمور كنت تجهلها ، وسوف تكتشف أنه ليس صراع أنظمة ، كما يحاول البعض أن يبسط من أسباب الخلاف بين طهران وبغداد ، إنه في الحقيقة صراع قوميات وأعراق ، ومذاهب تستمد جذورها من بطون التاريخ ، وتتحكم في هذا الصراع عقد دفينة في النفوس يستحيل علاجها عن طريق المسكنات أو الدعوات الطيبات لوقف نزيف الدماء الإسلامية . والواضح للعيان أن الجانب الإيراني يستفيد من هذه الدعوات الساذجة ، بل يستخدمها في تخدير الشعوب الإسلامية والعربية ليمضي قدماً نحو هدفه المرسوم ، وهو استعادة مجد الإمبراطورية الفارسية الكبرى ، وهنا ـ فقط ـ يكمن سر استمرار هذه الحرب اللعينة ، وإصرار الجانب الإيراني على المضي فيها مستخدماً استراتيجية النفس الطويل ، تساعده في ذلك إمكانيات مادية وبشرية وطبيعية هائلة ، حتى يتحقق الهدف منها، وتصبح ثمراتها في النهاية أمراً واقعاً يعترف به العالم ، ويقبل به المنهزم.
الحلم الإمبراطوري :
الحلم الإمبراطوري ، هو قدس الأقداس في الشخصية الإيرانية ، وهو المحرك الأساسي لها سواء كانت شخصية آية الله الخوميني ، أو محمد رضا بهلوي ، أو إسماعيل الصفوي ، أو كسرى ، أو قمبيز ، أو دارا ، فكل من هؤلاء حمل في باطنه عقدة الحلم الإمبراطوري ، وسعى إلى تحقيقه بقدر ما سمحت به الظروف ، وكل الحكام الذين سوف يجلسون على عرش الطاووس مطالبون باستعادة مجد الإمبراطورية التي أقامها " قورش " العظيم في القرن السادس قبل الميلاد ، وسيطرت على كل البلاد المجاورة لها ، حتى امتد نفوذها إلى الصين . وكلنا يذكر الاحتفالات الأسطورية التي أقامها الشاه محمد رضا بهلوي في مطلع السبعينات إحياء لذكرى " قورش " ..
ودعا إليها المشاهير من الملوك والرؤساء والأمراء والأدباء والفنانين، وأقام لهم مدينة من الخيام الشاهانية ليعيشوا عصر " قورش " ، وقدم لهم من أشكال الفنون والأطعمة الفارسية القديمة ما يخلب الألباب ، ثم طالبهم في النهاية بأن يركعوا أمام صنم يمثل " قورش " العظيم ، وكان هذا الاحتفال إيذاناً ببدء عصر التوسع الإيراني على حساب الأرض العربية ، والذي تمثل في استيلاء القوات الشاهانية على ثلاث جزر عربية في الخليج بعد 24 ساعة من انسحاب القوات البريطانية منها ، وكانت صدمة للعرب قابلوها ـ كعادتهم ـ بالاحتجاج والشجب ، وبعد رحيل الشاه وقدوم آيات الله تصور العرب ـ بطيبتهم المعروفة ـ أن آيات الله لن يقبلوا هذه السرقة العلنية وسيعيدوا الحق المسلوب إلى أهله ، ولكن أثبت آيات الله أنهم لا يقلون عن سلفهم رغبة في السطو ، واعتبروا الجزر الثلاث مجرد لقمة مؤقتة انتظاراً للوليمة الكبرى حين يضعون أيديهم على الساحل الغربي من الخليج ، وساروا في نفس الخطة التي بدأها الشاه في العدوان والتوسع داخل الأراضي العربية ، وأعرض آيات الله عن الآمال التي كانت تراود قلوب العرب في قيام شكل جديد من العلاقات في ظل الحكم الإسلامي الجديد ، وخيب الحكام الجدد الظنون فيهم ، وجاوزوا خطة الشاه في العدوان السافر وكانوا أكثر منه جرأة واستجابة لعقدة التوسع التي تتحكم في الشخصية الإيرانية .
ولكي نفهم أبعاد هذه العقدة لابد أن نبحث عنها في تضاعيف التاريخ، وهو خير وعاء للعقد التي تحرك الشعوب ، عندئذ سيتضح لنا أن الشخصية الإيرانية تحكمها معادلات قومية صارمة لا دخل للدين فيها، إنها تفرض نفسها سواء كان الإيرانيون يعتنقون ديانة زرادشت أو ماني أو مزدك ، وسواء كانوا يؤمنون بالأصلين ـ النور والظلمة ـ أو يرددون الشهادتين ـ وليس في ذلك مدعاة للغرابة أو الدهشة ، لأن النزعة القومية أو القبلية أو الشعوبية أو المذهبية قد تكون أقوى من تعاليم الدين ، ونحن نرى في حياتنا اليومية أشكالاً من التقاليد والعادات لا يوافق عليها الدين ـ والذين يستغربون سطوة النعرات القومية على حركة الشعوب يتجاهلون حقائق التاريخ التي هي أشبه بالقوانين الطبيعية التي تفرض نفسها على المجتمع الإنساني ، ويخطئ خطأً بليغاً أولئك الذين يحاولون تبسيط أبعاد الصراع الإيراني العربي بحجة الحفاظ على الوحدة الإسلامية وعدم الرغبة في إحياء الخلافات المذهبية أو القومية القديمة . وبعض أصحاب الأقلام الذين شاركوا في تحليل مسببات هذه الحرب يطالبون العرب بغض الطرف عن العمق المذهبي أو القومي في الصراع الحالي . وينسى هؤلاء ـ أو يتناسون ـ أن المسلمين الفرس لم يعترفوا يوماً بهذه الوحدة الإسلامية ، وكانوا أول من فتح باب الانشقاق في صرح الدول الإسلامية العالمية .
والحقائق التي نسردها في هذا البحث ، لا نعرضها من باب التشنيع أو التشهير بهذا الشعب المسلم العريق الذي خرج من أصلابه فطاحل العلماء والفقهاء والفلاسفة والأدباء وكبار رجال العلم والفن ، الذين كانوا زينة الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها ، كذلك لا نعرضها بهدف إحياء نعرة الفرقة و الانقسام أو النفخ في نار الصراع المذهبي ـ كما يدعون ـ ولكن نعرضها من باب استدعاء التاريخ ليكشف لنا أبعاد هذه الحرب اللعينة التي أهلكت الحرث والنسل ، وأزهقت عشرات الألوف من أرواح المسلمين ، وأهدرت ثرواتهم ، ودمرت مدنهم ، وشغلتهم عن الخطر الإسرائيلي .. حتى بدأت حرب الخليج وكأنها جزء من المخطط الباطني العالمي الذي يهدف في النهاية إلى تمزيق العالم العربي إلى دويلات هزيلة، وهو نفس الدور الذي تقوم به إسرائيل في الشرق الأوسط .
فمنذ نشوء دولة الإسلام الكبرى التي ضمت في ثناياها أشتاتاً من الشعوب القديمة، والفرس يعملون على تفتيتها، والخروج منها، أو عليها، استجابة لتلك النزعة القوية في نفوسهم، نزعة الاستقلال القومي وإعادة مجد الإمبراطورية الفارسية التي قضت عليها معاول الإسلام ـ لقد فعلوا ذلك تحت ستار التشيع حيناً، أو تحت ستار الشعوبية حيناً آخر، ولكنهم في جميع الأحوال لم ينسوا أنهم أحفاد حضارة قديمة، وأنهم من سلالة قورش وقمبيز ودارا وكسرى، وكبر عليهم أن يخضعوا لسلطان العرب الذين كانوا قبيل الإسلام توابع أذلاء يدفعون لهم الجزية، لذلك استغلوا النعرة العربية التي كانت طابع الدولة الأموية، وعملوا على تقويض أركانها بكل ما يستطيعون، وشاركوا في التنظيمات السرية التي انتشرت في الأصقاع الفارسية، وكانت أرض خراسان هي المهد الذي توالدت فيه المؤامرة الكبرى التي كانت تسعى إلى الإطاحة بالأمويين والتمهيد لقيام دولة فارسية، أو دولة تضع الفرس في موضع السيادة والسؤدد. والذين شاركوا في تدبير الانقلاب العباسي كانوا يظنون أنهم يعملون لحساب الجناح العلوي من أهل البيت، ولكن التدبير المحكم بلغ من السرية درجة حجبت عنهم اسم المحرك الحقيقي للثورة ، فلما أسفر الانقلاب عن ظهور البيت العباسي ـ وليس البيت العلوي ـ لم يتردد الفرس عن تأييده وتعزيزه وتمكينه في أرض العراقين ـ العربي والعجمي ـ وتولى قائد الانقلاب أبو مسلم الخراساني بنفسه تصفية بعض عناصر الانقلاب ـ وهم فرس مثلهم ـ بسبب ميلهم إلى الجناح العلوي ..
فالهدف الحقيقي للفرس ليس الانحياز إلى هذا البيت أو ذاك من بيوت الأشراف ، ولكن الانحياز إلى الدولة التي تخدم أغراضهم وتحقق لهم حلم السيادة على العرب، فلما أطلت الأحلام الإمبراطورية في نفس أبي مسلم واصطدمت إرادته بإرادة الخليفة المنصور ـ جبار الدولة العباسية ـ كان على الخراساني أن يلحق بالذين قتلهم لأن "السيفين لا يجتمعان في جراب واحد " .. على حد قول المنصور، ورغم القضاء على زعيم الانقلاب فإن الفرس لم يكفوا عن التطلع إلى السيطرة على الدولة التي أقاموها بسيوفهم، ولكن الخلفاء العباسيين ـ وكانوا عرباً أقحاحاً ـ كانوا لهم بالمرصاد، وكانت سيوف هؤلاء الخلفاء الأقوياء الأوائل تطيح برؤوسهم كلما أطلت من مكامنها. وكانت نكبة البرامكة على يد الرشيد هي أكبر عملية تصفية لإحباط آمال الفرس وكبت تطلعاتهم في السيطرة على شؤون الدولة . ورغم ذلك لم يتطرق اليأس إلى نفوس الفرس، وبقي الأمل قضاً طرياً كلما سنحت لهم الفرصة مستغلين حاجة الدولة إلى خبرتهم في الإدارة والتنظيم، وشؤون الحضارة.
وجاءت لهم الفرصة الذهبية من خلال الصراع على السلطة بين الأخوين : الأمين والمأمون ، وكان أبوهما هارون الرشيد قد عهد إليهما بالخلافة على التوالي ، ولكن الأمين نقض العهد وسعى إلى خلع أخيه من ولاة العهد ، ونشبت بين الأخوين حرب ضروس ، وانحاز العرب إلى الأمين لأن أمه ـ زبيدة ـ كانت عربية ، بينما راهن الفرس على المأمون لأن أمه كانت فارسية ، وتحولت أرض العراق إلى ساحة للقتال أهدرت فيها دماء الفريقين ، وكانت جيوش المأمون من الفرس بقيادة القائد الفارسي الشهير طاهر بن الحسين الذي طارد الأمين حتى قتله في مياه دجلة وحمل رأسه إلى أخيه ومعه صك الانفراد بالخلافة ، وكان الثمن هو قيام أول إمارة مستقلة للفرس بعد الإسلام على أرض خراسان، ولم يدر المأمون ـ حين وقع بيده وثيقة تأسيس هذه الإمارة الفارسية ـ أنه فتح الباب أمام الدويلات الفارسية التي توالى ظهورها في مراحل لاحقة ، وأدت بالدولة العباسية إلى الانحلال والتفسخ . والكتاب الإيرانيون لا يخفون الدوافع القومية التي كانت تحرك الفرس لإحياء مجدهم القديم ، وإنشاء دويلات فارسية في ثقافتها ولغتها وتقاليدها . من ذلك ما يذكره صادق نشأت ـ وهو باحث إيراني درس في جامعة القاهرة وله مؤلفات جيدة في تاريخ الفرس، فهو يعترف في كتاب له عن إيران بالمشاركة مع مصطفى حجازي، أنه منذ أواخر القرن الأول الهجري أخد الإيرانيون يتطلعون إلى الاستقلال السياسي والثقافي ، فانبرت جماعة من الموالي لبعث القومية الإيرانية في ثوب إسلامي اكتسبته منذ الفتح ، ثم يسرد بعض أسماء هذا الرعيل الأول في عملية البعث القومي ، منهم عبد الحميد الكاتب الشهير ، وحماد الراوية، والأديب عبد الله بن المقفع، والشاعر بشار بن برد، والفقيه ابن أبي ليلى، وأبو سلمة الخلال ـ أول وزير في الدولة العباسية ـ وأبو مسلم الخراساني قائد الانقلاب العباسي، وشيطان الطاق، وأبو عبد الله المورياني ...
إلخ، وكان هؤلاء حريصين على إخفاء أغراضهم الحقيقية، بيد أنها كانت تبرز بين آونة وأخرى في فلتات ألسنتهم وفي ثنايا أشعارهم، وتبدو في سلوكهم وتصرفاتهم ، وتبلور هذا الاتجاه في ظهور هدفين أساسيين هما:
? الاستقلال السياسي .
? الاستقلال الثقافي واللغوي .
ويمضي نشأت في حديثه عن خطة الإيرانيين في تحقيق هذه الأهداف القومية فيقول : كان الإيرانيون يهدفون من وراء تأسيس الخلافة العباسية إلى بلوغ غايتهم في الاستقلال السياسي حين يقيمون دولة يرجع إليهم الفضل الأكبر في إنشائها . وعملوا ـ منذ البداية ـ على أن يجعلوا السياسة في الحكم والثقافة والحياة الاجتماعية تؤدي في النهاية إلى الاستقلال الذاتي ، ولم يصرفهم عن هذا الهدف فتك المنصور بأبي مسلم ، أو نكبة الرشيد بالبرامكة ، فما عتموا أن استفادوا من الفرصة التي سنحت لهم في قيام الفتنة واستفحالها بين الأمين والمأمون .
وبقيام دولة الطاهرية في خراسان قطع الإيرانيون الشوط الأول في كفاحهم في سبيل الوصول إلى الاستقلال ، وبعد ذلك توالت بقية الأشواط.
? في زمن الخليفة المعتمد العباسي ـ وفي نفس السنة التي استقل فيها أحمد بن طولون بمصر 254هـ ـ تمكن يعقوب بن الليث الصفار من تأسيس الدولة الصفارية التي عنيت بإحياء الآداب الفارسية ، وظهر فيها أول شاعر نظم شعراً بالفارسية بعد الإسلام، وكان يعقوب يسعى إلى توسيع ملكه بحيث يستولي على بغداد نفسها حتى يعيد بناء المدائن ـ عاصمة الدولة الفارسية القديمة ـ لتصبح عاصمته، وبذلك يعيد للأذهان مجد الحكم الساساني الذي كان قائماً قبل الفتح الإسلامي، وكان هذا الأمير الفارسي يأبى أن يمدحه الشعراء بالعربية ويقول: كيف تمدحونني بلغة لا أفهمها! وهو الذي أمر بنقل ديوان الإنشاء من العربية إلى الفارسية ولذلك يعتبره المؤرخون أول من وضع الأساس للاستقلال السياسي والثقافي الفارسي.
ويعتبر السامانيون المؤسسين الحقيقيين للحركة الاستقلالية الإيرانية بمعناها القومي الأصيل . فقد استرجعوا علاقاتهم بماضي بلادهم ، مؤكدين أنهم من سلالة البطل الساساني الفارسي " بهرام " وقد استطاعوا توسيع دولتهم حتى شملت خراسان وسجستان وجرجان وطبرستان والري ( طهران ) وكرمان وبلاد ما وراء النهر . وفي مطلع القرن الرابع الهجري استطاع مرداويج الفارسي أن يستقل بمنطقة جرجان ويقيم الدولة الزيارية ، وسار على نهج ملوك الفرس الأقدمين ، فلبس التاج ، وجلس على سرير من الفضة موشى بالذهب ومرصع بالجوهر ، وكان يقول : أنا أرد دولة العجم ، وأبطل دولة العرب . وفي عام 334 هـ بلغ الفرس أوج نفوذهم على أيدي الدولة البويهية ، التي حكمت غرب إيران ومهدت للمذهب الشيعي الذي أصبح على عهد الصفويين المذهب الرسمي لإيران ، واقتحموا بغداد وفرضوا نفوذهم على الخليفة العباسي الذي بلغ من الضعف والهزال مبلغاً يثير الرثاء ، وتحول إلى ألعوبة في أيدي الأمراء الفرس وقد حققوا حلمهم القديم ، حلم السيادة والتسلط ، والقضاء على دولة العرب .
الفصل التاسع
دماء في الحرم الشريف
لست من مؤيدي المقولة الشهيرة بأن " التاريخ يعيد نفسه " لأنني من المؤمنين بأن حركة التاريخ تسير دائماً إلى الأمام ، وأن عجلة الزمن لا تدور إلى الوراء ، وأن أحداث التاريخ قد تتشابه ، ولكن يستحيل أن تتطابق ، ولو حدث ذلك لتعطلت آلة الزمن ولدارت حول نفسها كما تدور الرحى ، تبدأ من حيث انتهت ، وهذا أمر مستحيل تأباه طبيعة الأشياء .
أقول هذا لأدفع عن ذهني وهماً راودني خلال الدقائق التي شاهدت فيها على شاشة التليفزيون زحف الشيعة الإيرانيين على بيت الله الحرام، وانتهاكهم حرمة المدينة المقدسة وهم يرفعون صور آية الله الخوميني، ويطلقون صيحات الحرب، وينهالون على إخوانهم حجاج البيت بالطوب والحجارة والسكاكين، حتى خيل إلي أنني أشهد زحف القرامطة الشيعة بقيادة أبي طاهر الجنابي على الحرم، وقد انهالوا على ضيوف الرحمن ذبحاً وتقتيلاً حتى ردموا بئر زمزم بجثث القتلى، ثم نزعوا الحجر الأسود وعادوا به إلى ديارهم وهم يطلقون صيحات الانتصار على المسلمين الكفار!! حدث ذلك في عام 317 هجرية، ونحن الآن في عام 1407 هجرية.
هل يمكن أن تتكرر أحداث التاريخ وتتطابق في تفاصيلها إلى هذا الحد؟ وهل فشل مرور الزمن الطويل في نزع فتيل الحقد المتأصل في نفس التجمعات الشيعية تجاه العالم السني؟ أقول ذلك وأنا أعلم أن هذه الحقائق سوف تغضب ذوي النوايا الحسنة، الذين لا يزالون يعيشون في وهم الوحدة الإسلامية والتقريب بين الفرق الإسلامية لمواجهة العدو المشترك في الشرق والغرب ـ وأقول لهؤلاء الإخوة ذوي النوايا الطيبة: دعوكم من هذه السذاجة وانظروا إلى الخطر الذي يحدق بكم، وانظروا إلى النار التي تشتعل في الخليج منذ ثماني سنوات، وكيف اتسع أوارها حتى أوشك أن يصل إلى الأماكن المقدسة، وانظروا إلى أساطيل الدول العظمى التي تمرح الآن في الخليج " الإسلامي" من الذي تسبب في استدعائها؟ واسألوا أنفسكم عن عمليات النسف والتدمير والسيارات الملغومة التي تهدد أمن الكويت، من الذي يزرعها، وما هو الهدف من ضياع الكويت، غير التهامها والعبور منها إلى بقية دول الخليج والنفاذ إلى قلب الجزيرة العربية؟ واسألوا أنفسكم إذا كنتم تشكون حتى الآن في نوايا حكام طهران ، لماذا يصر آيات الله على استمرار الحرب ضد العراق؟ ولماذا يعملون على اتساع نطاقها؟ وما هو المدى الذي يمكن أن تتوقف عنده عجلة الحرب؟
أنا أقول لكم بصراحة: إن المؤسسة الشيعية التي تحكم إيران حالياً، تسير وفق خطة دقيقة ومحكمة هدفها النهائي إقامة الإمبراطورية الفارسية الشيعية الكبرى ،وأن عجلة الحرب لن تتوقف قبل تحقيق هذا الحلم الذي يراود خيال الفرس منذ قرون بعيدة . لا تعجبوا من هذا الكلام، ولا تظنوه مبالغة في تقدير الأمور ، فكثير من الدول والإمبراطوريات كانت في مطلع أمرها مجرد حلم ، أو خيال يعشش في رأس قلة من الأفراد ، ثم لا تلبث الفكرة أن تتحول إلى حقيقة إذا توافرت لها عناصر الجدية والتصميم والإصرار والجرأة . وأقرب مثال ، هو دولة إسرائيل التي كانت عند بداية القرن العشرين مجرد فكرة يهذي بها صحفي نصف مجنون اسمه هيرتزل ، وأصبح الحلم حقيقة على أيدي المغامرين والسفاحين من أمثال ابن جوريون وأشكول وديان وبيجن ـ ولو ألقينا نظرة فاحصة على الحركة الشيعية فسوف نجد كل المؤشرات تدل على أن الإيرانيين ماضون إلى هدفهم بخطى حثيثة ، كما أن كل الحوادث السابقة تدل على أنهم لم يناموا عن الأخذ بثأرهم القديم من العرب ، منذ سقوط القادسية والمدائن ونهاوند . واندحار الإمبراطورية الفارسية أمام جحافل العرب المسلمين .
* لماذا هذا الحقد الدفين المتأصل في النفس الإيرانية ضد العرب ؟ لأن الفرس كانوا أصحاب دولة وسلطان وجاه قديم قبل ظهور الإسلام ، وكانت دولتهم " الساسانية " إحدى القوتين العظميين ـ مع دولة الروم البيزنطية ـ وكانت لهم السيادة على العالم القديم ، وكان تاريخ الشرق الأوسط ـ قبيل ظهور الإسلام ـ أشبه بمبارزة صارمة بين الفرس والروم من أجل اقتسام النفوذ ، وكان الفرس ينظرون إلى العرب نظرة احتقار وازدراء ، وهي نظرة موروثة لدى الشعوب ذات الحضارات القديمة إلى الأعراب أو البدو الرحل ، وقصارى ما بلغه العرب في ظل الفرس أنهم كانوا يقدمون الإتاوة إلى عرب الحيرة مقابل الدفاع عن التخوم الفارسية ضد هجمات البدو . وقصة المناذرة العرب مع الأكاسرة من التراث المحفوظ في الشعر العربي وخاصة في معلقة عمرو بن كلثوم . فلما تجلت قوة الإسلام العسكرية والتحمت التحاماً مباشراً مع العسكرية الفارسية العريقة ، تبين للفرس مدى الخواء والانحلال والضعف الذي ينخر في دولتهم . وتبين لهم أن نعرة الاستعلاء لم تكن سوى جعجعة كلامية لم تصمد في ساحات القتال . ففي خلال أسابع قليلة نجح الفتحون العرب ـ على قلة عددهم وضعف إمكاناتهم ـ من شق طريقهم إلى قلب الإمبراطورية . ولم تنجح الجحافل الجرارة في إعاقتهم، وهو ما لم يحدث للروم الذين صمدوا طويلاً أمام الجيوش الإسلامية ، وبرغم تحرير الشام وفلسطين ومصر وليبيا وتونس والمغرب من الاحتلال البيزنطي خلال قرن ، إلا أن قلب الدولة القسطنطينية ، ظل باقياً في أيدي الروم ، ولم يسقط إلا في القرن الخامس عشر الميلادي (1453 م ) على أيدي الأتراك العثمانيين.
* فشتان بين طول النفس عند البيزنطيين ، وسرعة انهيار الفرس. وفي هذه العقدة تتركز محنة الفرس ويتمثل حقدهم الأصيل ضد العرب .
لقد اعتنق الفرس الإسلام عن إيمان مثل بقية الشعوب التي وجدت في الإسلام سعادتها الدينية والدنيوية . ولكن عقدة الحقد ضد العرب لم تهدأ في نفوس السادة الذين كانوا يقدسون ملوكهم إلى حد العبادة ، وينظرون إلى دولتهم القديمة نظرة الخلود الأبدي ، وبقي في نفوسهم الحنين إلى إحياء مجدهم القديم في شكل دولة فارسية يحكمها بيت من بيوت العلية الأشراف، ووجد الفرس في فكرة " التشيع " ملاذاً وستاراً يعملون من خلفه على تحقيق أحلامهم القومية ، فالتفوا حول أهل البيت ـ ليس حباً في أهل البيت ـ ولكن لأن هذا التصور يلائم عقيدتهم القديمة في الانضواء تحت زعامة بيت شريف ، أو حاكم تتوافر فيه عناصر الشرف والتقديس . وابتدعوا فكرة " الإمام " الذي تتجسد فيه هذه الصفات والذي سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً . ولك أن تعجب أشد العجب من سرعة توالد هذه الفكرة التي تبشر بظهور الإمام القائد من خلال دين لم يمر على نشوئه أكثر من قرن ! ولكنها الرغبة المتأصلة في النفس الفارسية ، والتي تعود في منشئها إلى تراثهم القديم وقد بشر بها زرادشت ـ نبي الفرس الشهير ـ في الإفستا بقوله : سيظهر في آخر الزمان رجل يحيي العدل ويميت الجور ، ويرد السنن المغيرة إلى أوضاعها الأولى ، تناقد له الملوك وتتيسر له الأمور وينصر الدين الحق .
ولو أمعنت النظر في كلمات زرادشت فسوف تجد فيها أصلا ً تاريخياً لفكرة " الإمام " التي تمثل حجر الزاوية في الفكر الشيعي وسوف تجد فيها الجذر الحقيقي لفكرة الإمام التي ألبسها الفرس ثوباً إسلامياً ، وهي في الحقيقة تعبر تعبيراً دقيقاً عن الظروف النفسية للفرس ، وحنينهم الدائب إلى معتقداتهم القديمة التي تضفي على الحاكم صفات إلهية ، فإذا مات أنكروا موته وقالوا : إنه دخل السرداب ليظهر قبيل انتهاء العالم ليعيد الحق الضائع إلى أهله ـ والحق الضائع في نظر الفرس هو ذلك السلطان الذي صنعه قورش وقمبيز ودارا وكسرى ،ثم أطاح به العرب بالضربة القاضية ، ويجدون في هذا الحلم عزاء عن الهزيمة وأملاً في المستقبل .
نظرية الخلاص :
لقد تحول " الإمام " في نظر الشيعة إلى منقذ ومخلص ، ينقذ الفرس من مرارة الهزيمة ويخلصهم من نير السيادة العربية ـ وفي ذلك يقول السير توماس أرنولد في كتابه ( الدعوة إلى الإسلام ) : إن فكرة التطلع إلى منقذ ومخلص من الأفكار الشائعة في بعض الديانات ، وقد استغلها الفرس وأخذوا يذيعون بين المسلمين أن الأوان قد حان لظهور المهدي المنتظر ، ووجدت فكرة المهدي المنتظر قبولاً عند عامة الناس خصوصاً الفئات الكادحة التي تتعرض لظروف حياة صعبة ، وكان أولئك هم وقود حركة التشيع التي لم تكف عن مناوأة الدولة الإسلامية والعمل بجد وإصرار على تقويض أركانها وأينما نظرت في أي صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي ، فسوف تقف أمام عنوان ثابت اسمه " انتفاضات الشيعة " . تجد ذلك في حركة محمد النفس الذكية بالمدينة المنورة ( عام 145 هـ ) ، وحركات إخوته الثلاثة : إبراهيم بالبصرة ، ويحيى في بلاد الديلم ، وإدريس الذي فر إلى المغرب ونجح في إقامة دولة الأدارسة ( 172 هـ ) ، وحركة الحسين بن علي بالمدينة (169 هـ) ، وحركة محمد بن إبراهيم وأبي السرايا بالكوفة (199 هـ ) ، حركة محمد بن جعفر الصادق في مكة (200 هـ) ، وحركة أبي عبد الله أخي أبي السرايا بالكوفة (202 هـ ) ، وحركة إبراهيم بن موسى الكاظم باليمن (200 هـ ) ، وحركة عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله باليمن (207 هـ ) ، وحركة محمد بن القاسم بن عمرو بن علي زين العابدين في خراسان (219 هـ ) ... حركات متوالية بصفة منتظمة .
كل هذه الانتفاضات كانت تهدف إلى أمر واحد وهو إقامة الدولة الشيعية على أنقاض دولة الخلافة ، وكان من شأن هذه الحركات أن تزعزع وحدة العالم الإسلامي وتصرف الدولة عن مواجهة العدو الخارجي لمواجهة الفتن والقلاقل التي تثيرها هذه الانقسامات الداخلية ، بل كان الخلفاء يضطرون إلى إقامة دويلات مستقلة لمواجهة خطر الدويلات المنشقة ، فعل هارون الرشيد ذلك عندما زرع بنفسه دولة الأغالبة في تونس ليصدوا خطر دولة الأدارسة التي انشقت على سلطة الخلافة في المغرب ، وفي بعض مراحل ضعف الخلافة عجزت عن مواجهة الدويلات الشيعية التي ظهرت في الأطراف ، كما حدث لبعض الشيعة الإسماعيلية الذين فروا إلى تونس ونجحوا في إقامة ( الدولة الفاطمية ) التي لم تلبث أن زحفت على مصر واتخذت منها قاعدة للخلافة الفاطمية .
أما أخطر هذه الحركات الشيعية ذات الاتجاه المدمر ، فيتمثل في حركتين كان لهما أكبر الأثر في إشاعة الإرهاب والفتن في أنحاء العالم الإسلامي وزعزعة سلطان الدولة المركزية وهما :
القرامطة الذين احتلوا مكة وذبحوا الحجاج في موسم الحج ، والحشاشون الذين شكلوا فرقاً خاصة لاغتيال زعماء العالم السني .
ويرجع ظهور القرامطة إلى رجل غريب الأطوار قدم إلى الكوفة من منطقة خوزستان ( فارس لحالية ) في أواخر القرن الثالث الهجري ، وكان يتظاهر بالتقشف والزهد ويعمل في جدل الخوص ، ويكثر من الصيام والعبادة حتى التف حول خلق كثير من العامة ، وأبلغهم أنه يدعو إلى إمام من أهل البيت ، ويأخذ من كل من دخل مذهبه ديناراً بحجة الإنفاق على الإمام ، واتخذ من أهل القرية اثني عشر نقيباً بثهم في القرى المجاورة لجمع الأنصار حتى كثر أتباعه ، وكان معظمهم من الأجراء الذين يعملون في الزراعة فتكاسلوا عن أعمالهم بعد أن انشغلوا به ، فلما علم الوالي بانصراف الأجراء عن العمل قبض على الرجل وحبسه ، ولكن إحدى جواريه رقت لحاله فسرقت المفتاح من سيدها وأخلت سبيله ، فلما أصبح الوالي وهم بقتله لم يجده ، وشاعت القصة بين العوام فازدادوا بالرجل افتتاناً وقالوا : رفع ثم ظهر في ناحية أخرى، وأشاعوا عنه أن أحداً لا يمكن أن يناله بسوء ، فعظم في أعينهم وأخرج إلى الشام ، ليكسب إلى دعوته أنصاراً جدداً ، وكانت تلك بداية الرجل الذي اشتهر باسم " قرمط " . وتطورت حركة القرامطة وانتشر أمرها في سواحل الخليج ، وأصبح لها نفوذاً على المنطقة كلها بما أشاعوه من إرهاب وقتل وقطع للطرق ، فلما فطنت الدولة العباسية إلى خطرهم وبدأت في التصدي لهم ، كان الوقت قد فات بعد أن أصبحت لهم قوة قادرة على هزيمة جيوش الخلافة .
ويصف الأستاذ فيليب حتى حركة القرامطة بأنها ورم خبيث في جسم الخلافة بما أحدثته في الإسلام من فتنة خطيرة ، ويقول : إنه كان لهذه الحركة صبغة اشتراكية أباح فيها قرمط الاشتراكية في الأرض والنساء والأموال ، مما جعلها تروق في عيون طبقات الفلاحين والعمال بالعراق وأحلوا سفك دماء المسلمين في سبيل الوصول إلى أغراضهم ، وتمكنوا في عام 899 م من تأسيس دولة مستقلة على شواطيء خليج فارس الغربي ، أصبحت مصدر تهديد للخلافة في بغداد ، فكانوا يقومون من مقرهم الجديد بغارات على البلدان المجاورة ، حتى بلغوا ساحل عمان ، وبلغ القرامطة الذروة حين احتلوا مكة المكرمة وقلعوا الحجر الأسود وبقي في أيديهم 20 سنة ، وأغرقوا سوريا واليمن وخراسان في بحر من الدماء من خلال الفتن والقلاقل والاضطرابات .
وإليك التفاصيل : في سنة 317 هـ سار أبو طاهر الجنابي زعيم القرامطة بجنده إلى مكة فوافاها يوم التروية فلم يرع حرمة البيت الحرام، بل نهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه ، وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم أجمعين ، وقلع باب البيت وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير غسل ولا كفن ولا صلى على أحد منهم ، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه ونهب دور أهل مكة .ولم يحصل في التاريخ أن انتهكت حرمة هذا البيت إلى هذا الحد ، حتى أن المهدي عبد الله العلوي لما علم ذلك كتب إلى أبي طاهر ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة ويقول : قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت ، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم وترد الحجر الأسود إلى مكانه ، وترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة . ولما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود واستعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة فرده وقال : إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج ولا أقدر على منعهم .
دولة الحشاشين :
والحديث عن القرامطة يدعونا إلى الحديث عن الحشاشين ، الذين أقاموا دولتهم في شمال إيران ، لتكون فرعاً من فروع الشجرة الفاطمية الإسماعيلية ، التي كانت قائمة في مصر وحكمتها لمدة قرنين ، تحولت مصر خلالها إلى قاعدة لحركة التشيع الإسماعيلي ، تحج إليها وفود الشيعة الإسماعيلية من كل البقاع ، يتلمسون البركة من الخليفة الإمام الذي تتجمع في شخصيته كل مناقب الكمال . أما الضالعون في أصول المذهب فيلتحقون بالأكاديمية التي أنشأها الحاكم بأمر الله ، ليتلقوا أسرار الدعوة قبل أن ينطلقوا إلى الأمصار لكسب الأنصار وتهيئة الشعوب لتقبل هذه الدعوة الجديدة التي تعد الناس بالرفاهية والخير والعدل .
وكان بين هؤلاء الدعاة الذين التحقوا بالأكاديمية الإسماعيلية شاب إيراني اسمه الحسن الصباح نشأ في أسرة فارسية شيعية على مذهب الاثني عشرية ، ولكنه التقى في صباه بأحد ( الرفاق ) الإسماعيلية الذي نجح في تحويله إلى المذهب الجديد فشد الرحال إلى القاهرة ليدرس المذهب على أيدي فقهائه ، فلما أوشك على التخرج مات الخليفة الفاطمي ـ المستنصر ـ وكان من المفروض أن يعقبه في الخلافة والإمامة ابنه ( نزار ) ولكن انقلاب قصر دبره الوزير الأول الأفضل شاهنشاه أدى إلى إبعاد نزار وتولية أخيه ( المستعلي ) وهو في نفس الوقت ابن أخت الأفضل ، وظل أتباع المستعلي في الحكم وهاجر جناح منهم إلى اليمن والهند ـ حيث لا يزالون هناك حتى الآن ـ وأصبح اسمهم ( البهرة ) وهي الطائفة التي نجحت في استصدار قرار من الرئيس الراحل أنور السادات بإصلاح مسجد الحاكم بأمر الله باعتباره أحد بقايا الحكم الإسماعيلي في مصر . وهم الذين قدموا المقصورة الفضية لكل من ضريحي الإمام الحسين والسيدة زينب تعبيراً عن حنينهم القديم إلى مصر.
أما الحسن الصباح فقد رأى في الانقلاب خروجاً على أصول العقيدة الشيعية التي تجعل الإمامة في الأعقاب وبالنص من الإمام إلى أحد أبنائه قبل موته . وزعم الصباح أنه التقى بالخليفة المسنصر قبل موته وسمع منه أن خليفته في الإمامة هو نزار ، فلما وقع الانقلاب اعتزم الصباح أن يكرس حياته من أجل الانتقام للإمام الشرعي ( نزار ) بكل الوسائل بما فيها وسيلة الاغتيال ، وعاد الشاب المتهور إلى إيران ليحقق حلمه في إنشاء تنظيم سري إرهابي ، وإقامة مستوطنة مسلحة بعيدة عن سلطان الخلافة العباسية في بغداد . وخلال سنوات قليلة استطاع الصباح أن يجمع حوله عدداً قليلاً من الأشياع الذين آمنوا بفكرته ونجحوا في الاستيلاء على منطقة جبلية نائية في أقصى شمال إيران بالقرب من بحر قزوين ، وأطلق عليها اسم ( ألموت ) وهي كلمة فارسية معناها ( عش النسر ) وكانت اسماً على مسمى ، فقد كان من الصعب على أي قوات معادية أن تقتحمها ، نظراً لوعورة المكان وصعوبة الوصول إليه وفي عش النسر أقام الحسن الصباح قلعة حصينة ، لتدريب الشباب على عمليات الاغتيال بعد تخديرهم بالحشيش ، وكان ذلك مولد حركة الحشاشين التي دخلت تاريخ الإرهاب من أوسع الأبواب وتركت في تاريخ الإسلام صفحات ملوثة بالدم ، وأشاعت الرعب والفزع في كل أنحاء العالم الإسلامي ، بسبب العمليات الجريئة التي كان يقوم بها (الفدائيون) أثناء اغتيال الخصوم ، ودخلت كلمة ( حشاشين ) قاموس اللغات الأوربية وأصبحت مرادفة لكلمة (Assassin) أي القتلة المأجورون . وبقيت دولة الحشاشين زهاء 171 عاماً وهي تمارس أبشع عمليات الإرهاب والقتل ، ولم يفلت من أيديهم أمير أو وزير أو عالم أو فقيه أو قائد ، كانوا يشتمون فيه روح المعارضة لدعوتهم ، ولم ينقذ العالم من شأفتهم إلا السفاح المغولي ( هولاكو ) أثناء حملته المدمرة على ديار الإسلام فاقتحم قلعة ( ألموت ) وجعل عليها سافلها عام 654 هـ .
دقة التنظيم :
لقد قلت : إن تاريخ الإسلام شهد منذ القرن الرابع أخطر حركتين اتخذتا من الإجرام والترويع والإرهاب سبيلاً إلى تحقيق أغراضها الخبيثة ، وهما حركة القرامطة وحركة الحشاشين ، وكلتاهما نشأت في أحضان التشيع وانتسبت إليه ، وقد عرضت ـ في إيجاز شديد ـ لحركة القرامطة منذ نشأتها في العراق وانتشارها على سواحل الخليج ، ثم انتشارهم في الشام وغاراتهم الإجرامية على مكة المكرمة في عام 317هـ في موسم الحج وذبحهم الحجيج داخل الحرم واقتلاعهم الحجر الأسود من جوار الكعبة .
واليوم أضيف أن ظهور القرامطة كان بمثابة ( البروفة ) التاريخية لحركة الحشاشين ، وقد فاق الحشاشون أسلافهم في دقة التنظيم وروعة الأداء ، والجسارة في تنفيذ عملياتهم ، ولكن قبل الدخول في تضاعيف هذه الجماعة الإجرامية نعرض للظروف التي دعت إلى ظهورها ، والعوامل التي أدت بهذا الجناح الشيعي إلى انتهاج العنف والإجرام .
والمعروف أن حركة الحشاشين حظيت باهتمام الباحثين والدارسين في كل أنحاء العالم، الذين عكفوا على دراسة آثارهم والوثائق التي عثر عليها بعد تدمير دولتهم، وظهرت مؤلفات عديدة في هذا الصدد، منها المؤلف القيم الذي وضعه الأستاذ برنارد لويس وهو مؤرخ إنجليزي متخصص في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، وفي عام 1967 وضع كتابه (الحشاشون) وترجمه زميلنا البحاثة محمد العزب موسى، وقد تتبع المؤلف في كتابه تاريخ فرقة الحشاشين منذ بداياتها الأولى إلى نهايتها، وحول الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهورهم ، يقول برنارد لويس: في المرحلة المبكرة من تاريخ الشيعة تعرضت نظرياتها ومنظماتها لتغييرات كثيرة، فقد ظهر عدد كبير من الذين يدعون الانتماء بدرجة أو أخرى لأهل البيت أو ممثليهم، ثم كانوا يختفون عن الأعين بعد أن يضيفوا تفصيلات جديدة إلى الأوصاف الأسطورية للمخلص المنتظر، وكانت برامجهم تتراوح بين المعارضة المعتدلة والبدع الدينية المتطرفة، التي هي أبعد ما تكون عن التعاليم السائدة المقبولة في الإسلام، ومن أهم السمات التي أدخلوها تقديس الأئمة والدعاة، واعتبارهم معصومين وقادرين على الإتيان بالمعجزات ، وكانت نظرياتهم تعكس أفكاراً صوفية واستشراقية، مستمدة من الغنوصية ومذهب ماني، ومختلف الأفكار الإلحادية الإيرانية، واليهودية والمسيحية. ومن العقائد التي أدخلوها فكرة التناسخ وتأليه الأئمة، والإباحة: أي عدم التقيد بأحكام الشريعة ، وفي بعض الأمكنة ـ كما حدث في أجزاء من إيران وسوريا ـ ظهرت ديانات محلية متميزة بذاتها نتيجة لاختلاط تعاليم الشيعة بالعقائد والعبادات المحلية السابقة. وكان البرنامج السياسي لهذه الفرق واضحاً: الإطاحة بالنظام القائم، وتنصيب الإمام المختار.
وبعد أن يعرض لويس للانقسام الذي حدث في الحركة الشيعية بعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق، وبعد توزع الشيعة بين ابنيه: موسى الكاظم، وإسماعيل الذي التفت من حوله الطائفة التي اتخذت من اسمه علماً عليها، يقول برنارد لويس: ظل الإسماعيليون يعملون في الخفاء فترة طويلة، لذلك تمكنوا من تكوين فرقة، بزت كل منافسيها في تماسكها وتنظيمها، وجاذبيتها العقلية والعاطفية .
وقد اشتهر الإسماعيليون بالدقة في سرية التنظيم ، حتى أصبح أسلوبهم منهجاً تأخذ به الجماعات السرية التي تعمل في الخفاء ، حيث يندرج الأعضاء في شكل هرم ، يتربع عليه الإمام أو داعي الدعاة الذي هو المساعد المباشر للإمام والمشرف على التنظيم . وكان الدعاة يخضعون لدراسات شاقة ، وكان اختيارهم يتم بعد جهود مضنية بين العناصر التي تتوافر فيها مواهب خاصة بالدعاية ، وفي ذلك يقول العلامة الدكتور محمد كامل حسين في كتابه البديع عن ( الإسماعيلية ): والحق أقول: إني لم أجد في تاريخ العصور الوسطى دولة من الدول ، أو طائفة من الطوائف أولت اهتماماً خاصاً بالدعاية ، وتنظيمها على النحو الذي وجدته عند الطائفة الإسماعيلية ، فلا غرو أن أزعم أنهم أساتذة فن الدعاية في العالم ، وقد جعلوا الدعاية من صميم عقيدتهم وفلسفتهم .
وعن طريق الدعاية نجح الحسن الصباح في اجتذاب أعداد هائلة من الشباب حديثي السن ، وألحقهم بقلعته الحصينة في عش النسر ، حيث كانوا يخضعون لدراسات نظرية يتعلمون من خلالها جانباً من أسرار العقيدة الإسماعيلية ، ودراسات عملية يتدربون خلالها على الاغتيال والقتل بالخنجر ، وظلت صورة الحياة داخل قلعة ( ألموت ) أشبه بالأساطير ، حتى قدم الرحالة الشهير ماركو بولو ، وصفاً دقيقاً لهذه القلعة فيما يلي : " هي أكبر وأجمل حديقة يمكن أن تقع عليها عين ، وتقع في واد بين جبلين ، وملأها شيخ الجبل بكل أنواع الفاكهة ، وأقام فيها قصوراً ومقصورات من أروع ما يمكن تخيله ،وجميعها مغطاة برسوم فاتنة ، ومموهة بالذهب ، وجعل فيها جداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء ، وأقام على خدمة الحديقة فاتنات من أجمل نساء العالم ، يجدن العزف على مختلف الآلات الموسيقية ، ويغنين بأصوات رخيمة، ويؤدين رقصات تخلب الألباب ، ذلك لأن شيخ الجبل كان يريد أن يوحي لشعبه بأن هذه هي الجنة الحقيقية ، ولذا فقد نظمها بالوصف الذي جاء به محمد للفردوس ، كحديقة جميلة ، تفيض بأنهار من الخمر واللبن والعسل والماء ، ومليئة بالحور العين ، ومن المؤكد أن المسلمين في هذه الجهات يعتقدون أنها الجنة حقاً .
ويستطرد الرحالة ماركو بولو في وصفه للقلعة : والآن لا يسمح لأحد بدخول هذه الحديقة إلا لهؤلاء الذين يراد لهم أن يكونوا حشاشين (Ashashin) ، وتوجد قلعة عند مدخل الحديقة ، تبلغ من القوة والمناعة أنها تستطيع مقاومة كل العالم ، وليس هناك طريق آخر للدخول ، وهو يحتفظ في بلاطه بشبان من أبناء المنطقة المجاورة تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والعشرين ، وهي السن الملائمة للجندية ، وتعود أن يقص عليهم قصصاً عن الجنة كما كان يفعل محمد ، وهم يعتقدون فيه كما يعتقد المسلمون في النبي ، ثم يدخلهم حديقته في مجموعات من أربعة أو ستة أو عشرة أفراد كل مرة ، بعد أن يجعلهم يشربون مخدراً معيناً يسلمهم إلى نعاس عميق ، ثم يأمر برفعهم وحملهم إلى هناك ، وهكذا ، فإنهم عندما يستيقظون يحسبون أنفسهم في الفردوس حقاً . وتغازلهم الفتيات بما يملأ قلوبهم حبوراً ، حتى يشبعن كل رغبات هؤلاء الشبان إلى درجة أنهم يتمنون ألا يغادروا هذا المكان أبداً . وعندما يريد شيخ الجبل اغتيال أحد الأمراء فإنه يستدعي أحد الشبان بعد تخديره ، ويقول اذهب واقتل فلاناً ، وعندما تعود سوف أدخلك إلى الفردوس ، وإذا مت فسوف أبعث ملائكتي لتحملك إلى هناك ، ولذا يسارعون إلى تلبية كل أوامره مهما كانت عسيرة أو قاتلة رغبة منهم في العودة إلى الفردوس ، وهكذا بث شيخ الجبل الرعب في قلوب جميع الأمراء ، وجعلهم يدفعون له الجزية مقابل أن يمنحهم السلام والمودة .
ولم يقتصر النشاط العسكري لدولة الحشاشين على هذه الفرقة الفدائية التي تخصصت في اغتيال الخصوم، وإنما أنشأوا جيشاً، ساهم بصورة فعالة في تدعيم دولتهم، والدفاع عنها ضد هجمات الأتراك السلاجقة الذين فشلوا في اقتحام معاقلهم. يؤكد ذلك الدكتور محمد السعيد جمال الدين في كتابه ( دولة الإسماعيلية في إيران ) إذ يقول: إن الجيش الذي كونه الإسماعيلية في إيران كان شيئاً آخر غير المنظمة الرهيبة التي أقاموها، وأطلقوا على أعضائها اسم ( الفداوية ). ونال الفداوية شهرة واسعة منذ اغتيالهم الوزير السلجوقي الشهير (نظام الملك) في سنة 485 هـ، فأوقعوا الخلل والتوتر في نفوس المخالفين لمذهبهم حتى انعدم الأمن، ووصل الأمر إلى أن الملوك والسلاطين لم يجدوا حيلة في حفظ أنفسهم من الفداوية.
ولكن ماذا كانت محصلة كل ذلك ؟
لقد أدى النشاط الفوضوي الذي قام به الإسماعيلية الإيرانيون إلى تقويض أركان الخلافة العباسية ، وإضعاف الدول الإسلامية التي نشأت من حولها ، وانفتح السبيل أمام المغول البرابرة ،لكي ينقضوا كالسيل المنهمر على العالم الإسلامي ، ويحطموا مركز الخلافة العباسية في بغداد ، ويجتثوا جذور الحضارة ، وينشروا الظلم والظلام في كل مكان .
قصة الخُرّميّة
وقصة الخُرّميّة في التاريخ الإسلامي لا تقل بشاعة عن قصة القرامطة أو الحشاشين ، وتنتسب هذه الطائفة الإجرامية إلى " بابك " الغلام الفارسي، الذي كان يعمل في خدمة أحد رؤساء الخرمية واسمه "جاويدان"، فلما مات ، قالت أرملته لغلامه بابك: " إن جاويدان قال لي: إن روحي تخرج من بدني وتدخل في بدن بابك ، وأنه سيبلغ أمراً لم يبلغه أحد، وإنه يملك الأرض ، ويقتل الجبابرة، ويرد المزدكية ـ أحد أديان الفرس القديمة ـ وإنه لا دين لمن خالفني فيه .. " . والتف حول بابك جند جاويدان ، وكثر أتباعه ، وما زال نفوذه في ازدياد حتى ملك بلاد أذربيجان، وأخذ يغير منها على القرى المجاورة ، ويسبي النساء ، ويسلب الأموال ، ووجه إليه الخليفة المأمون عدة جيوش فكانت تهزم أمامه ، وبلغ من جرأة بابك أنه اتصل بإمبراطور الروم البيزنطيين ، واتفق معه على غزو البلاد الإسلامية ، واشترك الاثنان في مهاجمة المدن الواقعة على الحدود ، ولم يزل المأمون يوجه جيوشه لمحاربة "بابك"، حتى وفاته سنة 218 دون أن يتمكن من استئصال شأفة بابك ، واستأنف خليفته المعتصم محاربة " بابك " فأرسل إليه جيشاً بقيادة "الأفشين" حتى تمكن من القبض عليه وبعث به إلى سامراء ، وخرج المسلمون يتفرجون عليه وكأنهم في يوم عيد ، وتم القضاء عليه على مشهد من الجمهور.
وقد حاول المأمون ـ عبثاً ـ أن يسترضي الشيعة لما رأي انتفاضاتهم أدت إلى تفسخ الدولة وانقسام المسلمين إلى شيع وأحزاب يضرب بعضها وجوه بعض . وبلغ من حرص المأمون على وحدة الأمة أن عهد بولاية عهده إلى الإمام علي الرضا ـ أحد الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية ـ ويعزو الدكتور جمال سرور في كتابه ( الحياة السياسية في الدول الإسلامية ) تصرف المأمون إلى عدة عوامل منها : أن المأمون نشأ منذ نعومة أظفاره في بيئة فارسية ، فأمه " مراجل " فارسية الأصل ، كما أشرف على تربيته في أول الأمر "جعفر البرمكي"، ثم انتقل إلى " الفضل بن سهل " ـ وهما فارسيان يجري التشيع في عروقهما ـ ومن بين العوامل التي حملت المأمون على أخذ البيعة لعلي الرضا أنه كان قد استعرض الفتن التي قامت في الدولة الإسلامية منذ عهد علي بن أبي طالب إلى يومه ، فرآها فرقت كلمة المسلمين ، على حين كان من الواجب عليهم أن يتحدوا ويتركوا التنافس على الخلافة جانباً ويصرفوا جهودهم إلى تنظيم أمورهم الداخلية والخارجية ، ولو ساروا في هذا السبيل لأصبحوا قوة لا يستهان بها ولتوطدت سلطتهم في البلاد التي فتحوها ، لكن هذا التنازع بين البيتين العباسي والعلوي قطع من أوصال الدولة الإسلامية ، وشغل الخلفاء بإخماد ثورات الشيعة العلويين عن القيام بإصلاح حال المسلين ، فرأى المأمون إزاء هذه الحال أنه من الخير أن يفتح الطريق أمام البيتين العباسي والعلوي ، فيختار أحسنهما ، وبذلك يتيسر لهذين البيتين التعاون لمصلحة المسلمين ، لكن غاب عن المأمون أن الخلاف لا ينقطع بهذا الحل ، وأن عصبية كل من العلويين والعباسيين لبيتهم مصدر إثارة الفتن والقلاقل .
ولم يتراجع العلويون عن تحقيق هدفهم ، وظلوا يكافحون العباسيين حتى نجحوا نجاحاً يسيراً في إقامة دولة علوية في بلاد المغرب الأقصى " الأدارسة"، ثم واصلوا نضالهم حتى استطاعوا إقامة خلافة شيعية فاطمية في أفريقية لم تلبث أن زحفت على مصر .
دروس المحنة :
والآن .. ما أشبه الليلة البارحة ، وما أشبه قرامطة اليوم بقرامطة أمس عدواناً وبطشاً وترويعاً للآمنين من حجاج البيت الحرام ، يزعمون أنهم تظاهروا في شعاب مكة احتجاجاً على الولايات المتحدة الأمريكية ، فأين هي الولايات المتحدة من مكة المكرمة ؟ وأين البيت الأبيض من بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً ؟ ولماذا لم يعبروا المحيط سباحة ليسجلوا احتجاجهم تحت سفح تمثال الحرية الذي يتصدر مدينة نيويورك ، هذا إذا كانوا صادقين في عدائهم للولايات المتحدة ! وكيف سولت لهم ضمائرهم أن يطوفوا حول الحرم وهم يرفعون صور الخوميني؟! فهل أصبح الخوميني نداً لصاحب البيت ـ جل في علاه ـ ؟! وكيف سولت لهم أنفسهم أ، يجعلوا من مناسك الحج ساحة للصراعات السياسية والخلافات المذهبية والحركات الفوضوية ؟!
وأقول لكم في ختام هذا الحديث ما قلته في صدره: انتبهوا أيها المسلمون إلى ما يدبر لكم في الخباء. إن التحركات الشيعية تسير وفق مخطط دقيق، يهدف إلى إثارة الفوضى والقلاقل في منطقة الخليج والجزيرة على أمل أن تسقط في براثن الإمام، حتى يتمكن من إقامة حلمه القديم. وآيات الله الذين يحيطون بالإمامة أسفروا عن وجهتهم في احتلال البقاع المقدسة ، كما ذكر " آية الله منتظري " في رسالته إلى "أية الله خوميني ".
وأقول لكم أيضاً : لا تعولوا على أي من القوتين العظميين ، فكلتاهما لا يضيرها أن تقع المنطقة كلها في براثن الشيطان طالما أن مصالحهما معتبرة ومحترمة ، وليس ببعيد أن تكون القوتان العضميان داخلتين في هذا المخطط .
فهل نفيق من سكوننا ، وننظر إلى ما يدبر لنا ؟ نرجوا أن نفتح عيوننا على الخطر قبل أن يأتي يوم نبكي فيه على ضياع المسجد الحرام، كما بكينا ـ ولا نزال نبكي ـ على ضياع المسجد الأقصى .
الفصل العاشر
التيار السني في مصر
من بين التيارات العديدة التي أفرزتها الساحة الإسلامية في القرن الأول ، اختارت مصر التيار السني ليكون منهاج حياة ، ومصدر تشريع، وبرنامج فكر وثقافة . ولم يكن هذا الاختيار محض مصادفة ، كما لم يكن استجابة لقرارات فوقية أملتها السلطة ، ولكنه كان اختياراً تلقائياً يتواءم مع الشخصية المصرية التي فطرت على الاعتدال والوسطية ، والنفور من الشطط الذي كان سمة مشتركة بين الفرقاء . ولقد لجأوا إلى السلاح لفرض أفكارهم بعد أن عز عليهم الحوار بالكلمة، والجدال بالرأي.
هذه الحلقة الغامضة من تاريخ مصر الإسلامية ينبغي أن نجلوها ، لأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأغوار النفس المصرية التي اهتدت إلى الدين منذ فجر التاريخ الإنساني ، فلا غرابة أن استقبلت مصر الإسلام بنفس الحماس الذي استقبلت به المسيحية ، ثم هي في كل الأحوال تفهم الدين بسليقتها المحبة للخير والفضيلة والتسامح ، ثم كان اختيارها الذكي للتيار السني بما ينطوي عليه من صفات الاعتدال والنقاء والاتزان والوسطية ، حتى ليكاد وصف " الأمة الوسط " ينطبق على الأمة المصرية انطباقاً تاماً .. ولنبدأ القصة من بدايتها .
كانت المجتمعات الإسلامية ـ بعد عصر الخلفاء الراشدين ـ تفور بأشتات من المذاهب والأفكار، التي أعلنها الشيعة والخوارج والعثمانية والمرجئة والمعتزلة ، وأخذ كل فريق يشحذ أسلحته لكسب الأشياع والمؤيدين على أمل أن تتاح له فرصة السيادة والقيادة وكانت الأفكار ـ عند نشأتها سياسة بحتة تدور حول مشكلة الحكم ، ولكن سرعان ما لبثت هذه الأفكار مسوحاً دينياً فاختلطت الاجتهادات السياسية بالمباحث اللاهوتية ، وامتزجت مشكلة الخلافة والإمامة بمسائل القضاء والقدر والجبر والاختيا، وكان هذا متوقعاً بالنسبة لدين ينظم شؤون العقيدة الدينية والحياة الدنيوية، فلما حدثت الفتوحات الكبرى ودخل الإسلام بلاداً ذات حضارات وأديان قديمة، وجد المسلمون الفاتحون أنفسهم أمام أشتات من العقائد والمذاهب والفلسفات لم يكن لهم بها سابق عهد، وكان أمراً محتوماً أن تحدث المواجهة بين الدين الجديد وهذا التراث القديم، ولم يكن يتمشى مع مبادئ الإسلام ـ وهو دين يقرر حرية العقيدة وينبذ الإكراه، كما يقرر أسلوب الحوار والجدال مع المخالفين ـ أن تحدث هذه المواجهة عن طريق العنف. ولذلك وجدت التيارات المخالفة المناخ المناسب لكي تعبر عن نفسها، وكان العراق هو المسرح الرئيسي الذي دارت عليه ملحمة الصراع الفكري ، فالعراق بلد قديم كانت أرضه مهداً للديانات والمذاهب الفلسفية: غنوصية وزرادشتية ومزدكية ومانوية، فضلاً عن المؤثرات الهندية واليونانية ، فلما غلب الإسلام على العراق واعتنقه سكانه الأصليون ـ سواء عن إيمان حقيقي أو نفاق خفي ـ بقيت في نفوسهم آثر من معتقداتهم القديمة اختلطت بالدين الجديد، ونشأ من كل ذلك مذاهب جديدة وأفكار مستحدثة ما لبثت أن تجسدت في شكل أحزاب وفرق وتنظيمات مسلحة، كلها يتطلع إلى الحكم حسب رؤيته الجديدة التي تأثرت بالقديم.
فالشيعة تأثروا بالأفكار الفارسية التي لا ترى شرعية الحكم إلا في نطاق أسرة ذات حسب ونسب ومجد تليد مثلما كان أيام قورش وأسرة ساسان ، كما تأثروا بفكرة زرادشت التي تبشر بالمخلص الذي سيظهر في آخر الزمان ليحرر الناس من الظلم ويقيم العدل ، وتبلورت أفكارهم في برنامج محدد يعهد بالحكم إلى أسرة علي ابن أبي طالب ، فلما فشلت ثوراتهم المتعددة ابتدعوا فكرة الإمام الغائب في شخص " محمد بن الحنفية " الابن الثالث لعلي ابن أبي طالب ، وقد تبلورت حوله طموحات الشيعة بعد مصرع الإمام الحسين في كربلاء ، ونهض المختار الثقفي ليقود حركة مسلحة عرفت باسم ( الكيسانية ) فلما فشلت قالوا : إن الإمام محمد بن الحنفية دخل السرداب في جبل رضوى ـ بظاهر المدينةـ وبعدها تعددت فكرة الإمام والسرداب عند آخرين.
وفي الكوفة ـ بالعراق ـ نشأت بذرة الخوارج بعد حادث التحكيم ، وشقوا عصا الطاعة على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ، ثم اعتزلوه واختاروا لهم إماماً جديداً ، واصطنعوا لأنفسهم مجتمعاً بدأ مثالياً وانتهى إجرامياً ، بعد أن حكموا على كل المسلمين بالكفر والمروق.
وفي البصرة ـ بالعراق أيضاً ـ نشأ تيار الاعتزال انشقاقاً على إمام أهل السنة الحسن البصري ، فأنشأوا لأنفسهم مدرسة فكرية خاصة جعلت من العقل أداة اختبار لكل الأسانيد الدينية بما فيها نصوص القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وقام منهجهم على أساس واحد هو إخضاع المنقول للمعقول . وشط المعتزلة في تضخيم مقام العقل، مثلما شطوا في الأبحاث اللاهوتية التي زجت بهم في متاهات ليس لها عائد مفيد على الحياة العملية، فلما تربعوا في السلطة ـ أيام الخليفة المأمون ـ تنكروا لمبادئهم الأصيلة في العدل والحرية واحترام الإرادة الإنسانية ، ونكلوا بمخالفيهم أسوأ تنكيل في مسألة فلسفية دخيلة على العقيدة الإسلامية ، وامتحنوا علماء السنة في أشد محنة وهي المعروفة بمحنة " خلق القرآن.
فأنت تلمس في كل هذه الفرق والأحزاب غلواً وتطرفاً في ميدان من أهم الميادين التي حرص الإسلام على صيانته من القهر والإكراه ، وأعني به ميدان الجدل الفكري والخلاف المذهبي ، ورسم الإسلام التقاليد لإدارة الحوار واستمرار الجدال مع المخالفين بالتي هي أحسن .
وبينما كانت قعقعة السلاح تدوي بين أطراف الصراع في الأمصار الإسلامية ، كانت هناك جماعة أخرى قبعت في مدينة الرسول بعيداً عن غبار المعارك ، وجعلت من نفسها كتيبة لحراسة الدين ، وحماية النبع الصافي من الضلال والتشويه ، أولئك هم علماء أهل السنة ، أو أهل الحديث ، أو الجمهور أو السلف الصالح أو أهل الجمود ، كما وصفهم خصومهم ؛ لأنهم رفضوا الانسياق في تيار التأويل ، وتشبثوا بالنصوص ممثلة في القرآن والحديث ، وعكفوا على دراسة التراث الذي تركه فقهاء الصحابة . وفي مسجد الرسول شكلت النواة الأولى لهذا التيار العلمي الذي اجتنب الصراع المذهبي ، وتفرع لدراسة الكتاب والسنة ، وكان قوام النواة المباركة فقهاء المدينة السبعة : عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير بن العوام ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وخارجة ابن زيد بن ثابت ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأنت ترى معظمهم أحفاد فقهاء الصحابة، فورثوا عنهم العلم والفقه والنقاء في فهم الدين والتمسك بالأصلين العتيدين : القرآن والسنة .
وكان لهذا التيار السني ظهور قوى في العراق عن طريق تلاميذ عبد الله ابن مسعود ، وكان من أعظم ثمراته الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ، ثم الإمام أحمد بن حنبل في عصر لاحق . أما أقوى ثمراته في المدينة فكان إمام أهل السنة مالك بن أنس الذي أرسى اللبنات الأولى في صرح الفقه السني ، ووصلت إشعاعاته إلى مصر عن طريق تلاميذ مالك الذين نجحوا في استمالة المصريين إلى مذهب شيخهم ، حدث ذلك في نفس الوقت الذي كان فيه التيار السني قد حفر لنفسه مجرى عميقاً في مصر بأيدي كبار الصحابة ، الذين استوطنوا مصر في عهد عثمان بن عفان ( ذكر السيوطي في حسن المحاضرة أسماء 150 صحابياً نزلوا مصر ) وارتاح المصريون لهذا التيار ووجدوا فيه اعتدالاً يتمشى مع طبيعتهم فتشبثوا به ، واعرضوا عن المذاهب والدعوات الأخرى .
وجاء وقت نزحت فيه قوى الصراع إلى مصر : علوية وعثمانية وخوارج ، كل منها يحاول جذب مصر إلى خندقه ، ولكن التيار السني الذي اشتد عوده وترسخت جذوره في النفسية المصرية ، أبى الانحياز إلى أي من المعسكرات المتناحرة والتي ركبت متن الشطط والغلو ، وتمسك المصريون بمبدئهم العتيد ،مبدأ الوسط العدل الذي لا يميل ولا يجنح ، وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه المؤرخين فتناولوها بالشرح والتحليل ، من ذلك ما كتبه الدكتور عبد المجيد عابدين في كتابه (لمحات من تاريخ الحياة الفكرية المصرية ) فهو يعزو انصراف المصريين عن الشيعة والخوارج إلى أن " أصحاب الحديث " في مصر عرفوا الطريق الصحيح ، وآمنوا بكل ما انتهى إليهم من مبادئ ، ونظم سياسية ودينية من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدين من بعده ، وبهذا المبدأ كانوا أشد صيانة لإجماع الأمة ، وحفظها لكلمتها من الفتنة والتفرق ، ذلك أنهم اتبعوا " الأثر " أو الطريق المأثورة الظاهرة التي لم تعبث بها الفرقة ، ولم تحدث فيها بدعة ، ولم يجر عليها انحراف ، وعلى هذا المبدأ كان أهل الحديث ـ مع اعتبار الفارق ـ أقرب إلى قول العثمانية ، وأكثر تعاطفاً معهم ، وأبعد في الرأي والاتجاه عن العلوية أشياع علي بن أبي طالب ، والقدرية قبل أن يعتزلوا ، والخوارج الذين أدانوا الأطراف المتنازعة جميعاً .
ومنذ ذلك الحين بدأ تنظيم علمي لأهل الحديث في مصر ، وكان نواة لما سمي فيما بعد ( أهل السنة والجماعة) وكان عليهم أن يقودوا الحركة المحافظة ـ ويمثلها غالبية المسلمين ـ قيادة حكيمة ماهرة تتمشى ومبدأهم ، وتحمي حركتهم من القضايا الفكرية المتطرفة التي نشأت وليدة نزاع حزبي طارئ بين فئات متعددة النزعات والثقافات في داخل المحيط الإسلامي ، وأدرك التيار السني في مصر كلما واصل سيره في خلال العصور ، أن الموقف الوسط في كثير من هذه القضايا أدعى إلى جمع الكلمة وضم الصفوف ، بل هو روح الإسلام كما يتجلى في نصوص القرآن الكريم ، ولم يمنعهم مبدأ تأييد السلطة الشرعية من أن يقفوا موقف الرقيب الناصح والناقد ، يرشدونها إلى الحق والخير ، وينقدون سياستها .
فأنت ترى من هذا العرض التاريخي لبدايات التيار السني في مصر، أنه كان تياراً علمياً بالدرجة الأولى ، ومرتبطاً بعلوم الدين من تفسير وحديث وفقه وتاريخ ، ولم ينغمس في لجة الصراعات المذهبية والخلافات الدموية التي اجتاحت العالم الإسلامي في ذلك العصر ، لذلك أفرخت هذه المرحلة المبكرة رعيلاً من العلماء والفقهاء والمحدثين والمؤرخين ، بينما نضبت عن تخريج علماء في الفلسفة ( علم الكلام ) كما كان الحال في العراق على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما من شيوخ المعتزلة ، كذلك لا تجد في تاريخ المصريين المسلمين زعماء يقودون حركات الانقضاض والثورات كما هو الحال عند زعماء الشيعة والخوارج، ولا نجد في تاريخ الفكر الإسلامي المصري تلك النحل التي مالت إلى البدع المنحرفة والعقائد المشبوهة فجنحت إلى الضلال والزيغ والزلل . وإنما تجد صفاء في العقيدة ، وبساطة في التدين ، ونقاء في الضمائر والسرائر . الأمر الذي يدعونا إلى البحث عن جذور هذه الظاهرة في مكونات الشخصية المصرية التي تنامت عبر آلاف السنين ، وكان لها طابعها الخاص في فهم الدين .
وتاريخ الأديان يؤكد الرابطة العضوية بين الدين ـ كمجموعة تعاليم ومباديء نظرية ـ وبين البشر الذين يعتنقون هذا الدين ، ويختلفون في تقبله وفهمه وفق ظروفهم الطبيعية والبيئية وموروثاتهم الفكرية ، ولا شك أن الشخصية المصرية المفطورة على التوحيد تلقت المسيحية بطريقة تختلف عن تلقي الشخصية الرومانية الوثنية لنفس الدين ، ولا شك أن الشخصية الجرمانية البدائية كان لها تصور للمسيحية يختلف عن تصور المصريين والرومان ، ونفس الشيء ينطبق على الشعوب التي دخلت الإسلام ومعها تراثها القديم وشخصيتها الذاتية ذات الطابع الخاص. ولعل هذا المعنى يفسر عبارة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد . لقد استقبلت مصر الإسلام بما فيه منها ، فقد عرفت قديماً المعاد والبعث والحساب والعقاب والميزان والجنة والنار ، بل عرفت التسبيح والتنزيه للإله الواحد ، وكان تسبيحها فريداً في زمانه ، نشيداً في كل زمان ، اعتنقت مصر الإسلام بما فيه منها ، وبحسها الحضاري بما فيه من انفتاح على الفكر وانشراح للفكرة ، واحتضان للقيم ، تجاوبت مصر مع الإسلام ، وأخذت منه وأعطته .
وفي رأي الدكتورة نعمات أن إقبال المصريين على الإسلام إنما يعود إلى الصفة المشتركة بين طبيعة مصر وطبيعة الإسلام التي تقوم على البساطة وعدم التعقيد .
مذهب أهل السنة
هذا عن تفاعل النفسية المصرية مع الإسلام كدين ، فماذا عن تفاعل الشخصية المصرية مع المذاهب الإسلامية التي اختار منها المصريون مذهب أهل السنة الذي يوائم طبيعتهم في الاعتدال والتوسط !!؟ ونفورهم من دعوات التطرف والشطط ؟ اسمع هذه العبارات الحاسمة التي يعلنها العلام جمال حمدان في سفره الجليل عن شخصية مصر : ليس من قبيل التطرف أو التبسيط ، ولا هو من باب الوهم أو التسطيح ، أن سمة التوسط والاعتدال من أبرز السمات العامة الأساسية في الشخصية المصرية . فالوسطية والتوازن سمات رئيسية عريضة في كل جوانب الوجود المصري تقريباً ، الأرض والناس ، الحضارة والقوة ، الأخذ والعطاء .. إلخ ، وهو يكاد يرى التوسط والاعتدال أن يكونا مترادفين إلى حد ما ، أو بمثابة جانبين لشيء واحد ، وإن كان التوسط ألصق بالأرض ، والاعتدال ألصق بالإنسان : نفسه ونفسيته وعقليته وأخلاقيته، وشخصيته وخامته ومعدنه وجوهره وروحه .. إلخ ، أي تلك الجوانب الداخلية ( الجوانية ) الدفينة والدخائل الغائرة الخفية غير المادية ، أو غير المنظورة ، أو الملموسة بصورة مباشرة .
والاعتدال في الشخصية المصرية لا يقصد به التوازن الخامل ، ولكن يقصد به عدم التطرف أو الجنوح ، وهو بهذا مرادف للمرونة ، ودليل على الحيوية والتكيف والقدرة على التلاؤم . ومن ثم كان قيمة في خلود الشعب المصري واستمرار بقائه .
من أين اكتسب المصري صفات الاعتدال والاتزان والوسطية ؟
انظر حولك تجد الجواب . انظر إلى الطبيعة المحيطة بك في بساطتها ووضوحها وسماحتها واعتدالها ، فترى انعكاس كل ذلك على الشخصية المصرية ، فهي طبيعة ودود ، حانية على أبنائها ، أرحم من أن تفجعهم بالكوارث والنكبات والتغلبات الفجائية ، طبيعة مصر خالية من البراكين والزلازل والأعاصير والفيضانات الهوجاء التي تكتسح معها المدن والقرى . كان أقصى ما يفعله النيل أن يعلو فيضانه في بعض السنين وينخفض في السنين العجاف ، في الأولى تعلم الناس فن التعاون على إقامة الجسور ، وفي الثانية تعلموا فضيلة التراحم والتكافل في الأزمات . اخرج إلى أي مكان في مصر تجد بساط الخضرة يمتد أمامك إلى حد الأفق ، ولا تجد تلك الجبال الصماء التي تنعكس قسوتها على قلوب البشر ، وإنما ستجد سماء صافية , وشمساً ساطعة ، ونسمات رقيقة . ولما كانت الحياة في مجملها علاقة جدلية بين الإنسان والطبيعة، فكان أمراً محتوماً أن تكتسب الشخصية المصرية صفات الاعتدال والاتزان والوسطية ، وأن تتفاهم مع الدين بهذه المفاهيم العميقة ، وأي فهم للدين خارج نطاق هذه الحدود فإنما يمثل انكساراً في الشخصية المصرية ، وهوـ على أبسط الفروض ـ حالة مرضية تحتاج إلى علاج وصبر حتى تعود الشخصية المصرية إلى طبيعتها الأصلية .
الفهرس
الموضوع ... ... ... ... ... ... ... ...
الفصل الأول
أحقاد قديمة ... ... ... ... ... ... ... ...
الفصل الثاني
... الفتنة نائمة .. فمن أيقظها ... ... ... ... ...
الفصل الثالث
... أفكار منحرفة في ثياب عصرية ... ... ... ... ...
الفصل الرابع
... جذور الصراع بين الفرس والعرب ... ... ... ...
الفصل الخامس
... إيران في ظل الإسلام ... ... ... ... ... ...
الفصل السادس
... استعادة المجد القديم ... ... ... ... ... ...
الفصل السابع
... في انتظار الإمام ... ... ... ... ... ... ...
الفصل الثامن
... انتفاضات الشيعة ... ... ... ... ... ... ...
الفصل التاسع
... دماء في الحرم الشريف ... ... ... ... ... ...
الفصل العاشر
... التيار السني في مصر ... ... ... ... ... ...
رقم الإيداع 3349/88
الترقيم الدولي 2-38-1431-977