معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

زعمهم أن من السنة الضحكَ عندما يُسب الصديق ..

زعمهم أن من السنة الضحكَ عندما يُسب الصديق

الشبهة:

زعم الشيعة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضحَك عند سب الصديق، واستدلوا على ذلك برواية طويلة رواها ابن حبان في «السيرة»([1])، والبيهقي في «الدلائل»([2])، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق»([3])، وأبو نعيم الأصبهاني في «الدلائل»([4])، والخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق»([5])، والمعافى بن زكريا في «الجليس الصالح»([6]).

وفي بعض تلك الروايات أن الصديق قال له رجل: «إِنَّكَ مِنْ زَمَعَاتِ قُرَيْشٍ، وَلَسْتَ مِنَ الذَّوَائِبِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَبَسَّمُ، قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ وَقَعْتَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى بَاقِعَةٍ، فَقَالَ: أَجَلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَامَّةٍ إِلَّا فَوْقَهَا طَامَّةٌ، وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ».

فزعموا بناء على ذلك أن من السنة أن يضحك المسلم عندما يُسب الصديق! 


 ([1]) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، ابن حبان (1/ 93).

 ([2]) دلائل النبوة، البيهقي (2/ 422).

 ([3]) تاريخ دمشق، ابن عساكر (17/ 297).

 ([4]) دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني (ص282).

 ([5]) المتفق والمفترق (1/ 476).

 ([6]) الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي (ص420).

الرد علي الشبهة:

أولًا: مجردُ طرح هذه الشبهة طعنٌ في النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ السب أو الرضا به ليست أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ، وَلَا تَأْكُلْ طَعَامَ الْفَاسِقِينَ. يَا أَبَا ذَرٍّ، أَطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ تُحِبُّهُ فِي اللهِ، وَكُلْ طَعَامَ مَنْ يُحِبُّكَ فِي اللهِ»([1]).

وقد جاء عند الشيعة أن الوزير إذا كان صالحًا فهي دلالة إرادة الله الخير بالعبد، فقد رووا عنه صلى الله عليه وآله: «إذا أرادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيرًا جَعَلَ لَهُ وَزيرا صالِحًا، إن نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإن ذَكَرَ أعانَهُ»([2]).

وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»([3]).

فكيف يضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند معصية الله تعالى؟! هذا لو جاء بأثبت الأسانيد وأصحها لوجب رده صيانة لجناب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف والأسانيد في ذلك ضعيفة باطلة، لا تثبت بها حجة؟!

ثانيًا: الأسانيد التي روَتِ القصةَ لا يخلو واحدٌ منها منْ طعن، فقد جاءت كلُّها من طريق أبان بن تغلب عن عكرمة.

وأبانُ بن تغلب قال الذهبي عنه: «شيعي جلد، لكنه صدوق، فَلَنَا صدقُه  وعليه بدعته»([4])، وقال الأزدي: «زائغ مذموم المذهب، كان غاليًّا في التشيع، وما أعلم به في الحديث بأسًا»([5])، وَقَال أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ: «له أحاديث ونسخ، وعامتها مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو معروف في الكوفيين، وقد روى نحوًا من مئة حديث، وهو في الرواية صالح لا بأس به»([6])، وقَالَ السعدي: «أَبَان بْن تغلب زائغ مذموم المذهب مجاهر»([7]).

فالرجل وإن كان ثقة عند جماهير أهل العلم إلا أنه روى ما يمكن أن يؤيد الشيعة من الإزراء بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال الحافظ: «وينبغي أن يقيد قولنا بقبول رواية المبتدع إذا كان صدوقًا ولم يكن داعيةً بشرط ألَّا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشيدها، فإنا لا نأمن حينئذٍ عليه غلبة الهوى»([8]).

ومدارُ جميع الروايات على أبان بن تغلب، وقد روى عنه الرواية رجلان:

الأول: أبان بن عبد الله البجلي، وهذا مختلف فيه بين أهل العلم:

قال الشيخُ الحوينيُّ: «أبان بن عبد الله البجليُّ: أخرج له أصحاب السنن، ووثقه: أحمد، وابنُ معين، وابنُ نمير، والعجليُّ. قال ابن عديٍّ: «هو عزيز الحديث، عزيز الروايات، ولم أجد له حديثًا منكر المتن أذكره، وأرجو أنه لا بأس به».

أما النسائي فقال: «ليس بالقويّ»، وهذا تليينٌ هينٌ، وأما ابن حبان فقد غلا في جرحه، فقال: «كان ممن فحُش خطؤه، وانفرد بالمناكير»([9]).

قال البخاريُّ -كما نقل الترمذيُ في «العلل الكبير»-: حديث ابن عُمر: «لا صلاة قبل العيدين» صحيحٌ وأبان: «صدوق»([10])، وقال ابن عدي: «وأبان هذا عزيزُ الحديث، عزيزُ الروايات ولم أجد له حديثًا منكر المتن فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به»([11]).

قلتُ: وأبان مختلفٌ فيه، فوثقه يحيى بنُ معين، والعجليُّ وابنُ خلفون، وقال البخاريُّ وأحمد: «صدوق». زاد أحمد: «صالح الحديث». وقال النسائيُّ: «ليس بالقوي»، وذكره ابن حبان والعقيلي في الضعفاء([12]).

فهذا رجل مختلَفٌ فيه بينَ أهل العلم، والجرح -لاسيما في مثل تلك الروايات- مقدم على التعديل.

الثاني: أبان بن عثمان الأحمر، جرحه العقيلي، وذكر هذه الرواية محل البحث، فقال: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّاقِدُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ السُّكَّرِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ...» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ، وَلَا يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَغَيْرِهِ مُرْسَلًا([13])، وقال ابن حبان: «روى عَنهُ أهل الْكُوفَة يخطئ ويهم»([14])، وقال الذهبي: «تُكُلِّمَ فيه، ولم يترك بالكلية»([15]).

وأما الحافظ ابن حجر فقد قال في ترجمة: «أحمد بن محمد بن أبي نصر السكري: روى عن أبان بن عثمان الأحمر في عَرْضِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسَهُ على القبائل لا يصح، قاله الأزدي»([16]).

وأما الروايات التي ذكرت ذلك الطعن، فمنها رواية تاريخ دمشق والجليس الصالح وفيهما: إِسماعيل بن مهران الكوفي: قال الشيخ الألباني: «لم أعرفه»([17]).

قال الدريني: «ترجمه ابن حجر في «اللسان» وسماه: إِسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني الكوفي، أبو يعقوب»([18]).

وذكره الطوسي في «مصنفي الشيعة»، وقال الكَشي: له كتاب «الملاحم»، و«ثواب القرآن» و «النوادر» وغير ذلك.

وأحال أبو غدة رحمه الله إِلى: «رجال النجاشي» (1/ 111)، «فهرست الطوسي» (41)، «معجم رجال الحديث» (3/ 189).

قال الدريني: وذكره النديم في «الفهرست» (ص313) فقال: «أخو عيسى بن مهران، وله من الكتب «كتاب الملاحم»([19]).

وعليه فالرجل متروك كما في «موسوعة الحديث»([20]).

وأما رواية أبي نعيم ففيها محمد بن زكريا الغلابي، وقد ضعَّف البيهقي تلك الرواية، وذكر أنه متروك الحديث فقال: «قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ [أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُمَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ]، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرٍ مَجْهُولٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ.

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ السَّكُونِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ ثعلب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ: خَرَجَ إِلَى مِنًى وَأَنَا معه»([21]).

وقال نور الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن ابن عراق الكناني (ت ٩٦٣هـ): «مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بن دِينَار العرقي أَتَى بِحَدِيث كذب فِي تَزْوِيج عَليّ بفاطمة، وَلَا يُدْرَى من هُوَ»([22])، قال الحاكم: «قال الدَّارَقُطْنِيّ: محمد بن زكريا بن دينار الغلابي، يضع الحديث»([23])، وقال الدَّارَقُطْنِيّ: «محمد بن زكريا الغلابي، بصري يضع»([24])، وقال: «ضعيف»([25]).

هذه هي الروايات التي ذكرت الطعن في الصديق وتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكلها من طرق لا تثبت، ولذلك حكم الأئمة الأعلام عليها بالضعف، كما ثبت نقله عن العقيلي والبيهقي، وكذلك فقد نقله ابن كثير واستغربه جدًّا، فقال: «وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَطْوَلُ مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالسِّيَاقُ لِأَبِي نُعَيْمٍ رَحِمَهُمُ اللهُ، مِنْ حَدِيثِ أَبَانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ...» الحديث([26])

وعليه فالرواية لا تصح من أي طريق.

ثالثًا: الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه عند سب الصديق كان يتبسم ويعجب، لكن ليس على ما زعمه الرافضة، إنما كان تبسمه صلى الله عليه وآله وسلم لما يرى من دفاع ملائكة الله عن الصديق رضي الله عنه.

فقد جاء في مسند أحمد وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، غَضِبْتَ وَقُمْتَ، قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ». ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ، يُرِيدُ بِهَا صِلَةً، إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ، يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً، إِلَّا زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةً»([27]).

فهنا كان تبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأجل أمر يليق به صلى الله عليه وآله وسلم، وهو دفاع الله عن الصديق رضي الله عنه.

رابعًا: قول الرجل: «إنك من زمعات قريش»، هذا لعله داخل في نهي التعيير بأمور الجاهلية مما هدمه الإسلام، قال في لسان العرب: «إِنَّكَ مِنْ زَمَعاتِ قُرَيْش؛ الزَّمَعة، بِالتَّحْرِيكِ: التَّلْعةُ الصَّغِيرَةُ، أَي لَسْتَ مِنْ أَشرافهم، وَهِيَ مَا دُونَ مَسايلِ الْمَاءِ مِنْ جَانِبَيِ الْوَادِي»([28]).

قال ابن الأثير في منال الطالب: «الأوْلَى في تفسيرها ما قاله الجوهري، فإنّه قال: الزَّمَعُ: رُذَال الناس. يُقال: هو من زَمَع الناس: أي مآخيرهم»([29]).

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله ذلك من الجاهلية وآثاراها، فكيف يضحك صلى الله عليه وآله وسلم عند فعل أمر من أمور الجاهلية والثابت عنه عكس ذلك؟! ففي الصحيحين: عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ»([30]).

فكيف يزجر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أبَا ذر عن عمل الجاهلية، ثم يضحك عند حصول نفس الفعل؟! هذا غاية الطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن نسبته له صلى الله عليه وآله وسلم.

خامسًا: الثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يغضب لغضب الصديق ويدافع عنه.

ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ» فَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شَيْءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: «يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ» ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟» مَرَّتَيْنِ، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا([31]).

فهذا هو الصديق رضي الله عنه، وتلك هي مكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 


 ([1]) هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، الحرُّ العاملي (8/ 114).

 ([2]) ميزان الحكمة، الريشهري (6/ 211)

 ([3]) صحيح البخاري (8/ 15)، صحيح مسلم (1/ 81).

 ([4]) ميزان الاعتدال (1/ 5).

 ([5]) إكمال تهذيب الكمال (1/ 159) ط الفاروق.

 ([6]) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (2/ 7 – 8).

 ([7]) الكامل في ضعفاء الرجال (2/ 69).

 ([8]) لسان الميزان (1/ 11).

 ([9]) بذل الإحسان (1/ 394).

 ([10]) العلل الكبير (1/ 291).

 ([11]) الكامل (١/ ٣٨٨).

 ([12]) نثل النبال بمعجم الرجال (1/ 99).

 ([13]) الضعفاء الكبير، العقيلي (1/ 37).

 ([14]) الثقات، ابن حبان (8/ 131).

 ([15]) ميزان الاعتدال (1/ 10).

 ([16]) لسان الميزان، ت أبي غدة (1/ 599).

 ([17]) الضعيفة (4/ 254).

 ([18]) اللسان (2/ 77) رقم (1249) ط أبو غدة.

 ([19]) بلوغ الأماني في تراجم الرجال الذين لم يعرفهم الإمام الألباني رحمه الله تعالى (ص120).

 ([21]) دلائل النبوة، البيهقي (2/ 427)

 ([22]) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة (1/ 105).

 ([23]) سؤالات الحاكم، الدارقطني (ص206)

 ([24]) الضعفاء والمتروكون (ص484).

 ([25]) لسان الميزان (4/ 5524)، موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله (2/ 574).

 ([26]) السيرة النبوية، ابن كثير» (2/ 163).

 ([27]) مسند أحمد (15/ 390) ط الرسالة، مسند البزار (15/ 157)، شرح السنة، البغوي (13/ 163)، السنن الكبرى البيهقي (10/ 400 ط العلمية.

 ([28]) لسان العرب (8/ 144).

 ([29]) منال الطالب (1/ 303).

 ([30]) صحيح البخاري (1/ 15)، صحيح مسلم (3/ 1282).

 ([31]) صحيح البخاري (٥/ ٥).
موقع رامي عيسى ..


عدد مرات القراءة:
99
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :