معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

عقيدة أهل السنة في الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين - عبد الله الشايع ..
الكاتب : د. عبد الله الشايع ..

عقيدة أهل السنة
في الصحابة وأهل البيت
رضوان الله عليهم أجمعين

 
 
تأليف
د. عبد الله بن سليمان الشايع
   
أستاذ العقيدة المساعد بجامعة الملك سعود
a.s.alshayi@gmail.com
 

الطبعة الثانية
1442هـ - 2020م


 بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

     الحمد لله الذي أتم علينا النعمة وأكمل الدين ورضي لنا الإسلام دينا، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وقدوة للخلق أجمعين، القائل: «لا تسبوا أصحابي»، والقائل: «أذكركم الله في أهل بيتي»، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.. وبعد:
فلم يمر على البشرية زمن أفضل من الزمن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فزمانه خير الأزمان، والقرن الذي بعث فيه خير القرون، وفي الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»([1])، ونصرته أفضل الأعمال، ولم تجتمع هذه الفضائل إلا للجيل الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
والأمة وإن لم تدرك ذلك الزمن وذلك الجيل؛ فإن من عاجل البشرى لها أن تبلغ المنازل العالية بمحبتها إياهم، والمرء مع من أحب.
ومن تمام محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة من ناصره وآزره، ومحبة أقرب الناس إليه، ولا طريق إلى ذلك إلا بمعرفة المعتقد الصحيح تجاه ذلك الجيل، ومعرفة مكانته ومنزلته، وخصائصه وصفاته.
والحديث عن ذلك الجيل ليس حديثًا عن رجال عاشوا حقبة من التاريخ انقضت بوفاتهم وانقطعت معها آثارهم، وإنما باعتبارهم جزءا من الدين؛ إذ الإيمان بفضائلهم من الإيمان بالنصوص التي دلت عليها، وإيمان بالكتاب والسنة التي نقلوها، فلم يصل إلينا الكتاب والسنة إلا عن طريقهم، فلهم الفضل على من جاء بعدهم، والطعن فيهم طعن فيما نقلوه من الدين.
ومآثر ذلك الجيل أكثر من أن تحصر؛ فهم الذين نقلوا الدين للناس، ونشروا الإسلام، وفتحوا الأقاليم والأمصار، ووصلت جيوشهم أقصى الغرب والشرق، وركبوا البر والبحر، وقوضوا عروش كسرى وقيصر، ومات أكثرهم خارج دياره، وكان الإسلام في زمنهم عزيزًا، والسنة ظاهرة.
ويتقاصر المرء نفسه أن يتحدث عن ذلك الجيل العظيم، لكن لعله أن ينال شيئًا من بركة حبِّهم بالحديث عنهم، وبيان شيء من فضائلهم ومكانتهم، بالنقل الصحيح من الكتاب والسنة، ومن أقوال علماء الأمة، فيجمع المتفرق، ويؤلف بين المختلف، ويرد عن أعراضهم، ويذود عن حياضهم.
 وهذا الكتيب جمع لما تفرق في بعض الكتب، وجهدي فيه جهد المقل، وقد أفدت كثيرًا مما كتب في هذا الموضوع لعدد من المتأخرين([2])، ولا أستغني من ملحوظة أو مشورة أو فائدة.
والله تعالى أسأله التوفيق والسداد، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 
 
البريد الإلكتروني
[email protected]
 

 
الفصل الأول:
مدخل للحديث عن الصحابة رضي الله عنهم
 
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الثاني: لماذا نحب الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الثالث: تعريف الصحابي، وبيان الضوابط التي يعرف بها الصحابي.

 
المبحث الأول:
مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم
 
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ([3])، فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، "ارتضاهم الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، وخلقهم أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين رضي الله عنهم أجمعين"([4]).
ويتفاضل الصحابة فيما بينهم بحسب سابقتهم وهجرتهم وحسن بلائهم، وكلهم أهل فضل ومكانة، "فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه ولو لقوا الله عز وجل بجميع الأعمال"([5])، ففضل الصحبة لا يعدله شيء، كما قال ابنُ عمر رضي الله عنهما: "لا تسبُّوا أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَقَامُ أحدِهِمْ ساعةً خيرٌ مِنْ عَمَلِ أحدِكم عمره"([6]).
وكما قال سعيدُ بنُ زيدٍ رضي الله عنه: "لَمَشْهَدُ رجلٍ منهم مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُغَبِّرُ فيه وجهه، خيرٌ من عملِ أحدِكم عُمْرَهُ، ولو عُمِّرَ عُمْرَ نوحٍ"([7]).
وقد جاءت النصوص بتفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وتفضيل أهل بدر وأحد، وأصحاب بيعة الرضوان، وتفضيل من أنفق من قبل الفتح وقاتل – والمراد بالفتح صلح الحديبية([8]) -، وأفضل الصحابة على التعيين في قول عامة أهل السنة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، وهم كذلك في الخلافة بإجماع المسلمين.
والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه باختيار الصحابة إياه، ثم لعمر باستخلاف أبي بكر له، ثم لعثمان باجتماع أهل الشورى وسائر المسلمين عليه، ثم لعلي ببيعة من بايعه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم([9]).
والواجب إنزال الصحابة رضي الله عنهم المكانة التي جعلها الله تعالى لهم، فـ "حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة"([10])، ومن تمام محبتهم نشر محاسنهم، والإمساك عما شجر بينهم، والتماس أحسن المخارج لهم، فهم أهل الرأي والاجتهاد، وأنصح الناس للعباد، وقد شهد الله لهم بالجنة في غير موضع من كتابه([11]).
والطعن فيهم طعن في الدين؛ فإنما بلَغَنا الدينُ عن طريقهم([12])؛ كما قال أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: ".. وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أنْ يجرحوا شُهُودَنا لِيُبْطِلُوا الكتابَ والسنةَ، والجَرْحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ"([13]).
ومن اتبعهم بإحسان نال رضا الله سبحانه، ومآله إلى جنات عرضها السموات والأرض، كما قال سبحانه: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾.
يقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "ونحبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نُفْرِطُ في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"([14]).
وأهل السنة لا يعتقدون عصمة أحد منهم، مع إقرارهم بفضلهم وعدالتهم، وما وصل إلينا مما يعاب عليهم يجب التثبت من صحته، وحمله على أحسن المحامل، وما كان من ذلك ذنبًا محقِّقًا فهو مغمورٌ في بحر حسناتهم وعلوِّ منزلتهم عند الله تعالى، الذي جعل للذنوبِ أسبابًا كثيرةً تكفِّر الذنوب وتمحوها، ومن جملتها الأعمال الصالحة([15]).
وهذا الجانب العقدي أساس مهم في دراسة تاريخهم، حيث يسهم في معرفة المنهج الصحيح للتعامل مع الروايات، ويمنع صاحبه من الوقوع في التناقض أو الانحراف.

 
المبحث الثاني:
لماذا نحب الصحابة رضي الله عنهم
 
من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وموالاتهم، فهو دين ندين الله تعالى به، وقربى نتقرب بها إليه، حيث أمرنا الله تعالى بمحبتهم، والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والاقتداء بهم، ولهم الفضل على من جاء بعدهم، فهم نقلة الكتاب والسنة، وناشرو الإسلام والملة.
ومن خصائصهم التي اختصوا بها والتي توجب محبتهم وإجلالهم وتوقيرهم:
1- أن الله تعالى قد أثنى عليهم في التوراة والإنجيل والقرآن، ووعدهم بالمغفرة والأجر العظيم كما في آخر سورة الفتح، فهم مثال يحتذى لكل مؤمن.
فذكر وصفهم في التوراة والإنجيل، ثم بين جزاءهم فقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ [الفتح:29].
و ﴿منهم﴾ في آخر الآية لبيان الجنس وليست تبعيضية([16])؛ فمن اتصف بهذه الصفات المذكورة في التوراة والإنجيل والقرآن حقيق بأن ينال أعظم الجزاء عند الله تعالى.
ونظيره قوله سبحانه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ [آل عمران:172]، فقوله: ﴿منهم﴾ بيانية؛ لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا([17]).
ويلزم من طعن فيهم أن يطعن في الكتب السماوية كلها، وأن يصف الله تعالى بالجهل، لأن المدح والثناء والتزكية عليهم سابق لوجودهم، ولو كانوا سيكفرون بعد إيمانهم، ويرتدون على أعقابهم، لاستحقوا الذم لا المدح.
2- أن الله تعالى زكى ظاهرهم وباطنهم، وليس هذا لأحد في الأمة سوى الصحابة رضي الله عنهم، كما قال تعالى: ﴿فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح]، وقال: ﴿تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ [الفتح]، وقال في المهاجرين: ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾ [الحشر]، وقال: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [الجمعة: 2].
فتزكية الباطن بالإخبار عما في قلوبهم، وأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا، وأن جهادهم وبذلهم نصرة لله ورسوله، وأن تزكية القلوب حصلت لهم بتربية النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أعمالهم الظاهرة فأصحاب عبادة وتبتل، وركوع وسجود، وجهاد ودعوة، وتعلم وتعليم، وعلى الأخص تعليم الكتاب والسنة لمن بعدهم.
3-أنهم بطانة النبي صلى الله عليه وسلم وخاصته، فتوقيرهم توقير له، وإيذاؤهم إيذاء له، ولذا علل النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن سبهم بأنهم أصحابه، فقال: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([18]).
وفي رواية: «دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ - أَوْ مِثْلَ الْجِبَالِ - ذَهَبًا، مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُم»([19]).
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»([20]).
وقال عليه الصلاة والسلام في الصديق رضي الله عنه: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟» مَرَّتَيْنِ([21]).
وقال صلى الله عليه وسلم في الأنصار: "لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ"([22]).
فمحبة الصحابة رضي الله عنهم سبب لمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبغضهم سبب لبغض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
4- أن الله تعالى هو الذي أخبر بهدايتهم بعد الضلالة، وبحصول التزكية والعلم لهم من النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال سبحانه: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة]، وقد دعا إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾[البقرة].
5- أنهم حملة الدين ونقلته، فلم يصلنا كتاب ولا سنة إلا عن طريقهم، كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "وإنما يَعرِف فضائلَ الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موته، من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار ونشر الدين، وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتعليم فرائضه وسننه، ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع، ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا"([23]).
6- وجوب اتباعهم بإحسان، ويستلزم ذلك محبتهم، والدعاء لهم، والسير على نهجهم، واقتفاء طريقهم، وبهذا ينال العبد رضا الرحمن، ويكون من أصحاب الجنان، كما قال جل شأنه: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة].
ولم يؤمر في القرآن باتباع أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة رضي الله عنهم.
ومن خالف ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وهو متوعد بالعذاب الأليم، كما قال سبحانه: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء].
وما أحسن ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى المُسْتَقِيمِ"([24]).
وخلاصة القول: أن الله تعالى هو الذي زكى الصحابة رضي الله عنه، وأثنى عليهم في التوراة والإنجيل والقرآن، فهم مثال يحتذى لكل مؤمن، وقد زكى الله تعالى ظاهرهم وباطنهم، وأخبر بتزكية النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فهم نتاج تربيته، وهم من أخذ العلم عنه، ولذا فالطعن فيهم يلزم منه تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وإبطال دين الإسلام بالكلية، ولا نجاة ولا هداية إلا باتباعهم بإحسان والسير على طريقهم والاهتداء بهديهم.
فمحبة الصحابة رضي الله عنهم محبة دينية، فمن أحبهم فإنما يحبهم لما لهم من المكانة والمنزلة التي أخبرنا الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولما قدموه وبذلوه في نصرة الدين وتبليغه.
فاللهم ﴿اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾[الحشر].

 
 
المبحث الثالث:
تعريف الصحابي، وبيان الضوابط التي يعرف بها الصحابي
 
من أحسن ما قيل في تعريف الصحابي ما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال: "وأَصَحُّ ما وقفتُ عليه من ذلك أنَّ الصحابي: (من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلامِ)، فيدخل فيمن لقيه: مَنْ طالتْ مجالستُهُ له أو قَصُرَتْ، ومَنْ روى عنه أو لم يَرْوِ، ومَنْ غزا معه أو لم يَغْزُ، ومَنْ رآهُ رؤيةً ولو لم يُجَالِسْهُ، ومَنْ لم يَرَهُ لِعارضٍ كالعمى"([25]).
وتثبت الصحبة للصحابي بالنقل الثابت الدال عليه، ومن الضوابط التي يعرف بها الصحابي([26]):
1-التواتر، بأن يُنقل إثبات صحبته عن عدد كثير جدًا، كالخلفاء الراشدين.
2-الشهرة والاستفاضة وهو دون حد التواتر، كضمام بن ثعلبة.
3-أن يثبت بسند صحيح عند أحد الصحابة أو التابعين أن فلانًا له صحبة.
4-أن يرد ما يدل على ذلك ويثبته من حال الصحابي نفسه.
ولا يلزم من التعريف السابق تساوي الصحابة رضي الله عنهم في المنزلة، فهم وإن اشتركوا في فضل الصحبة الذي لا يشاركهم فيه أحد؛ إلا أنهم يتفاوتون في المنزلة، وقد بين العلماء ذلك عند ذكر طبقاتهم رضي الله عنهم([27]).
والتفاضل قد يكون باعتبار الزمن كفضل السابقين الأولين، وفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل، وقد يكون باعتبار العمل كفضل أهل بدر وأحد وأهل بيعة الرضوان، ومن جمع سَبْقَ الزمن وكثرةَ العمل فهو أفضلُ ممن هو دُونَه في ذلك([28]).
وقد يسبق الصحابيُّ بكثرة العمل بعضَ من سبقه في الزمن، فعمرُ رضي الله عنه أفضل ممن أسلم قبله عدا أبي بكر رضي الله عنه، وقد يختص بعضهم بفضيلة وخَصِيصَةٍ يفضل بها غيره، كتفضيل أمهات المؤمنين؛ لسبقهنَّ بالعمل والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم، وتفضيل فاطمة رضي الله عنها لما لها من الخصائص والفضائل([29]).
وقد جاءت النصوص بالدلالة على فضل بعض الصحابة بأعيانهم، كالعشرة المبشرين بالجنة، وأبي هريرة، وبلال، وكأمهات المؤمنين وفاطمة.
 

 
الفصل الثاني:
عدالة الصحابة رضي الله عنهم
 
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: المراد بعدالة الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الثاني: ماذا يترتب على القول بعدالة الصحابة رضي الله عنه.
المبحث الثالث: أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الرابع: منزلةُ الصُّحبةِ لا يعدلُها شيءٌ.
المبحث الخامس: وقفة مع معاوية رضي الله عنه.
 
 

 
المبحث الأول:
المراد بعدالة الصحابة رضي الله عنهم
 
القول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم يتضمن أمرين:
الأمر الأول: إيمانهم وبراءتهم من النفاق، وهم خيار المؤمنين من هذه الأمة([30])، والنصوص دالة على إيمانهم جميعًا، وعلى إيمانهم كثير منهم بأعيانهم، كالسابقين الأولين، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان.
الأمر الثاني: صدقهم في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم تعمدهم للكذب مطلقًا، فهم صادقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مأمونون في الرواية عنه([31])، وهذا يستوجب قبول روايتهم من غير حاجة إلى البحث عن أحوالهم([32]).
والشهادة لهم بالإيمان وعدم النفاق لا يستلزم القول بعصمتهم، وإمكان وقوع الذنب منهم ليس قادحًا فيهم، والذنوب لها أسباب كثيرة تكفرها، وتمحو أثرها.
وفي الحديث الصحيح: "التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَه"([33])، وقد يكون حاله بعد التوبة أكمل، وينال بصدق توبته محبة الله سبحانه، ويبدل الله سيئاته حسنات، والله يقول: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة]، ويقول: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان].
والمتقون قد تقع منهم الذنوب والمعاصي، لكنهم يبادرون بالاستغفار والتوبة، ومآلهم الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ [آل عمران].
وقد جلد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر فلعنه بعض الصحابة لكثرة ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ، إِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»([34]).
ومن يحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليس بمنافق وإن وقع منه الذنب، ومثل هذا يقوم في قلبه من تعظيم الله تعالى وتعظيم دينه وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم ما يحمله على التوبة والإنابة، ويحمله على الصدق والعدالة.
ونحن نقطع بعدالة الصحابة رضي الله عنهم لأن من زكاهم هو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلت النصوص على تزكيتهم جميعًا، وعلى تزكية طائفة منهم، كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن شهد بدرًا، ومن بايع تحت الشجرة، وعلى تزكية أفراد بأعيانهم، كالعشرة المبشرين بالجنة، وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وغيرهم.
والصحابة أقل الأمة ذنوبًا، وسيئاتهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولهم من فضل الصحبة ما لا يبلغه أحد بعدهم.
ولو لم يرد في حقهم شيء من النصوص لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، القطعَ على عدالتهم وفضلهم([35]).
 والعدالة في الرواية مقطوع بها أيضًا، فهم أصدق الناس في الرواية وأشدهم تحريًا فيها، ولم ينقل عن أحد منهم تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقًا([36])، وهم المأمورون بتبليغ الدين، كما في حجة الوداع، ولو لم يكونوا عدولًا في الرواية لم يؤتمنوا على تبليغ الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلم يكن فيهم من يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه"([37]).
وقال: "فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمدٌ الكذبَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم صلى الله عليه وسلم "([38]).
وكثير ممن يطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم لا يفرق بين الأمرين، ولا يفرق بين معنى العدالة وعدم العصمة، فوقع في التخبط والاضطراب، وأدى به قوله للطعن في الدين كله؛ إذ يلزم من الطعنِ في الناقل الطعنُ في المنقول.
وما يورده الطاعنون من شبهات يصفون بها بعض الصحابة رضي الله عنهم بالفسق لا يحقق لهم مرادهم في الطعن في السنة؛ فإن حملة السنة والمكثرين من الرواية من الصحابة رضي الله عنهم قد ثبتت عدالتهم في النصوص بأعيانهم، وسيرتهم شاهدة على حسن استقامتهم وعبادتهم، وعلى إتقانهم وضبطهم.
ويبقى الكلام محصورًا فيمن نقل عنه شيء من المآخذ، فهؤلاء لا يصح جميع ما نقل عنهم، وما ثبت قد لا يكون ذنبًا محققًا، أو لهم عذر فيه، أو يغفره الله لهم.
والذين أخذت عليهم بعض المآخذ أفراد معدودون، ولم يكن فيهم من يتعمد الكذب، ورواياتهم قليلة جدا، فليس لأحدهم إلا رواية أو روايتان أو نحوها، وقد تتبع أئمة الحديث أحاديثهم فلم يجدوا فيها ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو يشهد له، فلم يبقَ بعد ذلك حجة لأحد([39]).
والوليد بن عقبة رضي الله عنه من أشد ما يشنع به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم، مع أنه لم يرو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا([40]).
فإذا لم يرو شيئًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - إلا رواية لا تصح عنه - فلا معنى للطعن في عدالته إلا النيل من عدالة الصحابة رضي الله عنهم، والرواية المنقولة عنه فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على رؤوس الصغار عام الفتح ولم يمسح على رأسه لأنه مطيب بخلوق([41])، ولو صحت فليس فيها ما يوجب التهمة؛ بل تدل على صدقه في الرواية؛ "فإنه لم يذكر أن النبي دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه"([42]).
ومن وجه الآخر فلا يسلم بكل ما نقل عنه؛ وقد ذكر بعض المحققين أنه كان من ذوي الكفاءة والأمانة، ولا أدل على ذلك من ثقة الشيخين به، فولياه على الصدقات، وأبلى بلاءً عظيمًا في الفتوحات، وولي الكوفة في زمن عثمان خمس سنوات، وأما تسميته بالفاسق فرواياته ضعيفة منقطعة، وقد كان عام الفتح صغيرًا، وأما حده على شرب الخمر فقد كان بشهادة الزور عليه، وقد قال عثمان: "نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار"([43])، وقوله: "أزيدكم" لم يثبت من كلام الشهود، وإنما زاده الراوي وهو حُضَيْنُ بْنُ الـمُنْذِرِ ولم يكن شاهدًا ولا حاضرًا، ولم يسنده لإنسان معروف، مع ما في روايته من اختلاف([44]).
وهذا مما يوجب التمحيص في دراسة ما نُسب إليه، والتثبت في الأخبار المنقولة، وإحسان الظن بالمسلمين عمومًا؛ فكيف بالصحابة رضي الله عنهم.
ولو ثبتت المعصية في حق مسلم فلا يلزم من ذلك نفي العدالة عنه؛ فقد أخبرنا الله تعالى بأن المتقين قد تقع منهم الفاحشة ثم يتوبون ويستغفرون، وقد حَدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَدَ الصحابةِ لشربه الخمرَ، ثم شَهِدَ له بمحبته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
والصحابة أولى الناس بذلك؛ فإن الله تعالى هو الذي زكى ظاهرهم وباطنهم، وهم نقلة الدين وناصروا الشريعة.
وقد سلك الطاعنون مسلكًا آخر للطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم، فزعموا أن التمحيص في سيرتهم لأجل تمييز الصحابة من المنافقين.
وهذا مَسلكٌ مَشينٌ لا يخفى سُوْءُ مَقصدِ أصحابِهِ، فإنَّ الصحابة معروفون بأعيانهم، ومنهم أهل بدر وأحد وبيعة الرضوان، وهم نقلة الكتاب والسنة، وأما المنافقون فهم قلة منبوذون متهمون، ولم يرد تزكية لأحد منهم، ولم يرووا حديثًا واحدًا([45])، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه بأسمائهم؛ وهذا من تمام حفظ الله تعالى لدينه.
فالمنافقون لم يرووا شيئًا ألبتة، ولا يتجرؤون على الرواية، ولا يستطيعون الكذب، فالحماية ربانية لا بشرية؛ فلا الصحابة يكذبون لعدالتهم، ولا المنافقون يقدرون على الكذب في هذا الميدان تحديدًا، وذلك من حفظ الله تعالى لدينه([46]).
وخلاصة القول: أن حملة السنة قد دلت النصوص العامة والخاصة على عدالتهم فلا مجال للطعن فيما نقلوه، ومن وقع منهم بعض الذنوب ليس لهم إلا روايات يسيرة، وقد ثبت بالتتبع صحة مروياتهم، وأما الذنب فلمغفرته أسباب كثيرة، والله يحب التوابين.
وأما إمكان النسيان أو الغلط من غير قصد فهذا لا يختص بالصحابة رضي الله عنهم، فالصحابة فمن بعدهم معرضين للخطأ والنسيان، ولا تلازم بين هذا وبين العدالة، لكن عُرفت عدالة الصحابة صلى الله عليه وسلم بالنص، وعُرفت عدالة من بعدهم بالاجتهاد.
ودعوى إمكان الخطأ والنسيان على الصحابة رضي الله عنهم في الرواية يندفع بعدم معارضة أحد من الصحابة رضي الله عنهم فصار إجماعًا، وإجماعهم حجة، فعدم اعتراضهم دليل على قبول الحديث، ولو نسي أو غلط لهيّأ الله من يرد عليه خطأه، وبهذا يتحقق حفظ الله تعالى لدينه، والأمة معصومة بمجموعها كما هو مقرر في الأصول([47]).
وقد أسهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان عدالتهم، وأنهم أصدق الناس حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف فيهم من تعمَّدَ عليه كذبًا، مع أنه قد يقع من بعضهم من الذنوب ما يقع فليسوا بمعصومين، ومع هذا فقد جرب أصحاب النقد أحاديثهم واعتبروها بما تعتبر به الأحاديث، فلم يوجد عن أحد منهم تعمد كذبة، وهذا من حفظ الله للدين([48]).
 
 

 
المبحث الثاني:
ماذا يترتب على القول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم
 
عدالة الصحابة رضي الله عنهم أمر لازم لحفظ الدين، فهم نقلة الكتاب والسنة، والطعن في عدالتهم يلزم منه الطعن فيما نقلوه من الدين، وقد تفطن السلف رحمهم الله تعالى لمقصد الطاعنين فيهم فحذروا منهم وبينوا خطرهم([49]).
وقد سلك الطاعنون في عدالة الصحابة رضي الله عنهم أحد طريقين: إما الطعن في حملة السنة والمكثرين من الرواية حتى يبطلوا ما نقلوه، أو الطعن فيمن وقعت منهم بعض المآخذ ليجعلوهم سلمًا للطعن في البقية، والطعن فيما نقلوه.
وهذا مردود عليهم؛ لأن حملة السنة قد ثبتت عدالتهم بأعيانهم، ولأن جميع الصحابة قد ثبت صدقهم في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن فيهم من يتعمد الكذب مطلقًا، وقد سبق بيان ذلك في المبحث الأول.
ومن يطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم إلا نفرًا يسيرًا منهم لا يستطيع أن يثبت تواتر القرآن، ولا السنة النبوية، فماذا يبقي من الإسلام بعد ذلك؟
وأسانيد القراء العشرة تنتهي إلى ثمانية من الصحابة، وهم: عمر، وعثمان، وعلي، وأبيّ، وابن مسعود، وزيد، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وعليهم تدور أسانيد القراءات، وعنهم روى بعض الصحابة، وقد جمع القرآن غيرهم لكن لم تتصل إلينا قراءاتهم، ونُقِلَ شيءٌ من وجوه القراءة عن عشرات الصحابة كما ذكر ابن الجزري رحمه الله([50]).
فالقراءات التي يقرأ بها المسلمون اليوم كلها منقولة بالأسانيد الصحيحة إلى هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، فالطعن فيهم طعن في القرآن الذي نقلوه.
وقد جمع الصديق رضي الله عنه القرآن في مصحف واحد، ونسخه عثمان رضي الله عنه ووزعه في الأمصار، فكان يتلى في المساجد وعلى المنابر، ويتلوه الناس ويتعلمونه، فكان إجماعًا منهم رضي الله عنهم، ولم يزل ينقل بالأسانيد إلى يومنا هذا.
والطعن في حملة السنة طعن فيما نقلوه، والمكثرون من الصحابة رضي الله عنهم سبعة تزيد رواياتهم على ستة عشر ألف حديث وخمسمائة (16.586)، وتفصيلها: أبو هريرة (5300)، ابن عمر (2600)، أنس (2286)، عائشة (2200)، ابن عباس (1600)، جابر (1500) أبو سعيد الخدري (1100).
فأي دين نأخذ به إذا طعن في رواة الكتاب والسنة؟.
 

 
المبحث الثالث:
أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم
 
 تمهيد:
لا شك أن من أثنى الله تعالى عليه وامتدحه وأوجب على الأمة محبته واحترامه وتوقيره، فإنه في أعلى درجات العدالة، وكذا من زكاه النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على القول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم جميعًا دون استثناء([51])، ومن باب أولى ثبوتها لمن ورد دليل خاص بعدالته.
 ويستند أهل السنة في تعديل الصحابة على أمور كثيرة، منها:
1-تعديل الله تعالى لهم، وتزكيته لظواهرهم وبواطنهم، ووعدهم جميعًا بالجنة.
2-تعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وتزكيته إياهم، وبعثهم في الأمصار لتبليغ الدين.
3-حالهم وسيرتهم، من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام، وبذلهم المهج والأموال والأنفس، مما يقطع معه بعدالتهم وفضلهم وصدقهم.
4-تتبع رواياتهم، ومعرفة صدقهم، وأنهم لم يجرب عليهم الكذب، كما قال علي رضي الله عنه : "إذا حدَّثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، فَوَاللهِ لَأَنْ أَخِرَّ من السماء أحبُّ إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة"([52])، ويقول البراء رضي الله عنه: "ما كلُّ ما نُحدِّثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، منه ما سمعناه، ومنه ما حدّثنا عنه أصحابُه، ونحنُ لا نُكَذِّبُ"([53]).
وما أحسن ما قاله الخطيب البغدادي رحمه الله: "... فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللهِ تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له"([54]).
فعدالتهم ثابتة في الكتاب والسنة، وهو مقتضى العقل السليم، والتاريخ الصحيح شاهد على ذلك وبرهان عليه.

أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم من القرآن الكريم
الدليل الأول: أن التزكية لهم بما يقتضي عدالتهم سابق لوجودهم، حيث أثنى الله تعالى عليهم في التوراة والإنجيل، وأخبرنا عن ذلك في القرآن.
قال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ [الفتح].
فزكى سبحانه ظواهرهم ﴿تراهم ركعا سجدا﴾ وزكى بواطنهم ﴿يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾، وهي تزكية ممن لا تخفى عليه خافية، وذلك في التوراة الإنجيل قبل أن يخلقوا بمئات السنين، وأنزل هذه التزكية في كتابه تتلى إلى يوم الدين، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية، ولو كانوا سيغيرون أو يبدلون أو يحرفون لما جاز الثناء عليهم ولا تزكيتهم.
وفي هذا أعظم دلالة على وجوب الإيمان بما أخبر الله تعالى به من صفاتهم، وأنهم بلغوا أعلى درجات العدالة، ونالوا مرتبة الإمامة في الدين، فما ضرب الله تعالى بهم المثل لهذه الأمة وللأمم قبلها إلا لِيُقتدَى بهم، ويُسارَ على طريقهم، فيا لها من منزلة سامية سامقة لم يبلغها أحد بعد الأنبياء عليهم السلام غيرهم.
وقد ناداهم الله تعالى باسم الإيمان حتى في موطن العتاب، فقال سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف]، وفي مقام الاقتتال بينهم: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات:9]، وأخبر عن قوة إيمانهم بقوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾[الأنفال:4]؛ وجعل الهداية مترتبة على الإيمان بمثل ما آمنوا به، فقال سبحانه: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾ [البقرة:137].
وإذا كان التعديل عند الناس يثبت بقول اثنين منهم، فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله سبحانه وتعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؟!([55]).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة].
والدلالةُ في هذه الآيةِ ظاهرةٌ؛ فإن الله تعالى "رَضِيَ عن السابقين من غير اشتراط إحسانٍ، ولم يَرْضَ عن التابعين إلا أنْ يَتَّبِعُوهم بإحسان"([56]).
ومن اتباعهم بإحسان: محبتهم، والثناء عليهم، والاستغفار لهم، وأخذ العلم عن طريقهم، ولو لم يكونوا عدولًا لما ساغ اتباعهم، ولا الاقتداء بهم، ولا أخذ العلم عن طريقهم.
ولم يأمر الله تعالى باتباع أحد غير الأنبياء عليهم السلام إلا الصحابة رضي الله عنهم، وهذا دليل على أن إجماعهم حجة، وأنهم لا يجتمعون على ضلالة.
فدلت الآية على عدالة السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم، كما دلت على عدالة باقي الصحابة ممن تأخر إسلامه إلى الفتح أو ما بعد الفتح؛ لأنهم أول المتبعين بإحسان، وقد أخبرنا الله تعالى أنه رضي عنهم وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
فلينظر العاقل هل هو ممن اتبعهم بإحسان فينال بذلك رضا الرحمن، ويستحق الدخول في الجنان، أم ممن حاد عن طريقهم، ولم يسلك سبيلهم، فليبحث عن وعد غير وعد الرحمن: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾.
وقد بين سبحانه وتعالى أن الهداية لا تكون إلا بالإيمان بمثل ما آمن به الصحابة رضي الله عنهم، فقال تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾ [البقرة:137].
وقد جاء الأمر باتباع بعضهم على وجه التعيين، كاتباع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»([57])، وكذا اتباع الصديق والفاروق رضي الله عنهما.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا﴾ [الأحزاب: 34].
فأمرهن الله تعالى أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وهذا يشمل أمرين([58]):
أولهما بمعنى التذكر، أي تذكرن ما يتلى في بيوتكن من القرآن والحكمة، وهذا يشمل ذكر اللفظ بالتلاوة، وذكر المعنى بالتدبر والفهم والتفقه، وذكر العمل بالامتثال([59]).
والأمر الثاني: بمعنى ذكره باللسان، أي بلغنه للناس، فيقرأن القرآن ويبلغن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أمرهن بتلقي الخطاب وتبليغه، وهذا يستلزم كونهن في أقصى درجات العدالة، فقد جعلهن الله تعالى الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمة فيما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وفي معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أهله.
ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون رحمهم الله يرجعون إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وعلى رأسهن عائشة رضي الله عنها، فيحتكمون إليهن في بعض المسائل، ويستفتونهن في كثير من الأحكام، وخصوصًا أحكام النساء وأحكام الرجل مع أهله.
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [الجمعة].
فقد امتن الله تعالى على هذه الأمة بأن بعث فيهم نبيه صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فصاروا "بعد هذا التعليم والتزكية من أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، وأكمل الخَلْق أخلاقًا وأحسنهم هديًا وسمتًا، اهتدوا في أنفسهم وهدوا غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين وقادة المتقين...."، والذين "بعث الله فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه وباشروا دعوته حصل لهم من الخصائص والفضائل ما لا يمكن أحدًا أن يلحقهم فيها"([60]).
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى امتن على هذه الأمة ببعثة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من العلم والتزكية، ثم امتن على الصحابة رضي الله عنهم بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، وتزكيته لهم، فهم حلقة الوصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين من جاء بعده، ولو لم يكونوا عدولًا في نقل الدين إلى من جاء بعدهم لما تمت المنة على هذه الأمة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
الدليل الخامس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾[الحديد: 10].
و﴿الحسنى﴾ هي: الجنة، قال ذلك مجاهد وقتادة([61])، وقد استدل ابنُ حزم رحمه الله بهذه الآية على القطع بأن الصحابة رضي الله عنهم جميعًا من أهل الجنة، لقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾([62]).
ووجه الدلالة من الآية: أن الشهادة بالجنة للجميع دليل على عدالتهم وصدقهم في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لو تعمدوا الكذب عليه في حرف واحد لاستحقوا النار، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، والصحابة شهد الله لهم بالجنة فدل على عدالتهم.
الدليل السادس: يقول الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ [الفتح: 18].
فعن البراء رضي الله عنه: "أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ"([63])، وفي حديث جابر رضي الله عنه قال: "كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ"([64])، ولا تعارض، فالعرب تقرب الأعداد.
فهذه تزكية لظواهرهم وبواطنهم ﴿فعلم ما في قلوبهم﴾، وهذا الرضى يتلى إلى يوم القيامة، فهو يتضمن الشهادة لهم بالإيمان والصدق، ويؤكد هذا ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا»([65]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة، يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك"([66]).
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى زكى ظواهرهم وبواطنهم، وأخبر برضاه عنهم في معرض الثناء عليهم والمدح لهم، وهذا الرضا يتلى إلى يوم القيامة، فدل على موافاتهم لله تعالى مؤمنين عدولًا.
إلى غير ذلك من الأدلة التي لا يتسع لشرحها وبيانها هذا الكتيب المختصر، وقد سبق ذكر بعضها عند بيان اللوازم المترتبة على السب، وفي بعض فصول هذا الكتيب، فمن ذلك إخبار الله تعالى بأن هذه الأمة خير الأمم، وخيرها وأفضلها أولها، وأول من يدخل في هذا الخطاب هم الصحابة رضي الله عنهم، وأخبر أن الإيمان النافع ما كان على مثل إيمانهم.
وأخبر بتوبته عليهم في غزوة تبوك، وكانوا نحو ثلاثين ألفًا، وأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين في قصة الثلاثة الذين خلفوا، ووصف المهاجرين بالصدق والأنصار بالفلاح، وأثنى على من جاء بعدهم واستغفر لهم وشهد لهم بالإيمان، وأيده نبيه بهم، وأخبر أنه هو الذي ألف بين قلوبهم، إلى غير ذلك من الآيات والنصوص.

أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم من السنة النبوية
الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم في حجة: «أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ...»([67]).
وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حجة الوداع، وقد اجتمع فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم أو جلهم، فأمرهم بأن يبلغوا عنه، وهذا أعظم دليل على أنهم كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما جمعهم في الذكر بالأمر بتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفًا([68]).
الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»([69]).
والمراد بذلك؛ إما أن الله تعالى علم أنهم لن يذنبوا بعد ذلك، أو أن ذنوبهم تقع مغفورة إن وقعت، وقيل بأن الله غفر لهم ما مضى، وتأهلوا لمغفرة ما قد يقع منهم([70]).
والصواب أنهم قد تقع منهم ذنوب؛ لكنها تغفر لهم بسبب من أسباب المغفرة، إما بتوبة أو استغفار، أو إقامة حد في الدنيا، أو غير ذلك([71])، فهم أحق الناس بقوله تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف].
وفي هذا وعدٌ وتزكيةٌ وإعجازٌ، وعد من الله تعالى والله لا يخلف الميعاد، وتزكية للباطن الذي لا يعلمه إلا الله، وإعجاز بالإخبار عن المستقبل وأنهم يوافون الله تعالى على الإيمان، كما أن سورة المسد فيها وعيد وإعجاز بأن أبا لهب يموت على الكفر.
وخلاصة وجه الدلالة من الحديث: أن هذه تزكية لبواطنهم، فإن الله تعالى هو الذي اطلع على ما في قلوبهم من الصدق ومحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلم أنهم يوافونه على الإيمان، فغفر لهم ما مضى من ذنوبهم وما قد يقع منها قبل وفاتهم.
الدليل الثالث: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»([72]).
ومعنى الحديث: أن الفتن والحروب وارتداد بعض الأعراب مما سيقع في زمن الصحابة رضي الله عنهم مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لن يقع ما دام النبي صلى الله عليه وسلم موجودا، فهو أمنة لهم دون وقوعها، وكذلك كثير من البدع والمحدثات التي ستقع في الأمة مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لن تقع ما دام الصحابة موجودين، فهم أمنة للأمة، فإذا ذهب الصحابة أتى الأمة ما توعد.
ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم شبههم به في كونهم أمنة لمن عايشهم، وهذا يدل على عظيم مكانتهم، وعلى صدقهم وديانتهم وعدالتهم، ومن ثم يقتضي الأخذ عنهم والاهتداء بهديهم.
والأحاديث في فضلهم، وفي فضل المهاجرين والأنصار، وفي فضل أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وفي فضل العشرة المبشرين بالجنة، وفضل كثير من الصحابة بأعيانهم، كلها تدل على علو مكانتهم وإيمانهم وصدقهم وعدالتهم.
 

 
دلالة العقل على عدالة الصحابة رضي الله عنهم
الأدلة على عدالة الصحابة من العقل يدركها من تجرد للحق، وهي كثيرة جدا، فمنها:
الدليل الأول: أن الله تعالى مدحهم وأثنى عليهم وزكاهم في التوراة والإنجيل والقرآن، والآيات في الثناء عليهم تتلى إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي علمه بإيمانهم، وثباتهم على الإيمان ووفاتهم عليه؛ فلو قيل بخلاف ذلك لاستلزم وصف الله تعالى بالجهل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا([73]).
يقول الدارمي رحمه الله تعالى: "وَوَصَفَ اللهُ هذه الأمةَ في التوراةِ والإنجيلِ قبل أن يُخلقوا بصفاتهم، فكيف وصفهم من غير علم له بهم...، فهل كان هذا الوصف من الله والإخبار عنهم إلا لعلمه السابق فيهم، فما قَدِروا أن يتعدوا هذه الصفات، ولا يُقَصِّروا عن شيءٍ مما وصفهم الله به قبل أن يكونوا"([74]).
ولما ذكر قول الله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء]، قال رحمه الله تعالى: "سبقت لهم الحسنى من الله قبل أن يُخْلَقوا؛ لعلم الله فيهم، فما استطاعوا أن يتعدوا شيئًا عَلِمَه اللهُ فيهم"([75]).
الدليل الثاني: أن الصحابة رضي الله عنهم هاجروا من مكة إلى المدينة "وكان الإسلام إذ ذاك قليلًا، والكفار مستولون على عامة الأرض، وكانوا يُؤذَون بمكة، ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى، متجرعون لمرارة البلوى، وفارقوا الأوطان وهجروا الخلان؛ لمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيله"([76]).
فإذا كانوا فعلوا ذلك باختيارهم، وقاتلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم، وفارقوا زوجاتهم وخلانهم، وتركوا ديارهم وأموالهم، طلبًا لمرضاة الله، فكيف لا يطلبون الحق بعد قوة الإسلام ومنعته.
وكذلك الأنصار؛ فإنهم آمنوا في زمن ضعف الإسلام، وآثروا إخوانهم المهاجرين بأموالهم، وآخَوْهم، وذادوا بسيوفهم عن الإسلام، وقُتل كثير منهم في الذود عن حياضه، وما ذلك إلا لطلبهم الآخرة، فكيف يتركون طلب الآخرة بعد أن قوي الإسلام وتمكن.
قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدَّلِين والمزكَّيْن الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين"([77]).
ولا شك أن الدخول في الإسلام في زمن ضعف الإسلام واستضعاف أهله، لا يكون إلا عن إيمان راسخ، ويقين صادق، وأما مع قوة الإسلام فإنه يدخل فيه من يدخله عن إيمان وعقيدة، ويدخل فيه من يدخل نفاقًا وتقية، ولهذا إنما ذكر النفاق في السور المدنية، وأما السور المكية فلا ذكر فيها للمنافقين([78]).
الدليل الثالث: أن الدين لم يصلنا إلا عن طريقهم، فإن كان الدين حقًا فهم عدول؛ لأنهم نقلته، وإلا فلازم الطعن فيهم الطعن فيما نقلوه من الكتاب والسنة، وكذلك الطعن في جميع الأمة الذين تلقوا القرآن والسنة عن طريقهم.
يقول الإمام أبو زُرعة الرازي رحمه الله تعالى: "إذا رأيتَ الرجلَ ينتقصُ أحدًا مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديقٌ؛ وذلك أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم عندنا حَقٌّ، والقرآن َحَقٌّ، وإنما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أنْ يجرحوا شُهُودَنا، لِيُبْطِلُوا الكتابَ والسنةَ، والجَرْحُ بهم أولى، وهم زنادقةٌ"([79]).
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان فضلهم على الأمة، حيث يقول: "وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة، وكل خير فيه الشيعة وغيرهم فهو ببركة الصحابة، وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدين والدنيا من سائر الصحابة"([80]).
وفضلهم على من جاء بعدهم من جهتين: من جهة نقلهم للكتاب والسنة، ومن جهة فتوحاتهم للبلاد الإسلامية في شرق الأرض وغربها، فلا يوجد مسلم إلا ولهم فضل عليه.
الدليل الرابع: أن الله تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالعزة والتمكين في الأرض والاستخلاف فيها، وفي زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم نر أعظم من هذا التمكين؛ فلو لم يكونوا مؤمنين صالحين عدولا لكان ما وعد الله به المؤمنين من التمكين غير حاصل، بل لكان التمكين واقعًا للمنافقين والمرتدين.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم أعز المسلمين في زمانهم، وذلك يقتضي أن من كان أعز كان أعظم إيمانًا([81]).
فيلزم الطاعنَ فيهم إما وصف الله بالجهل - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، أو إثبات إيمان الصحابة رضي الله عنهم وعدالتهم، وهذا هو المطلوب.
فلكل ما سبق: أُمَرَنا بالاستغفار لهم، وإكرامِهِمْ، وحفظِ حقوقِهم، ومحبتِهم، ونُهينا عن سَبِّهِمْ وبُغْضِهِمْ، بل جَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم حُبَّهُمْ مِنْ علاماتِ الإيمانِ، وبُغْضَهُمْ مِنْ علاماتِ النفاقِ.
ومن الطبعي - بَعْدَ ذلك كُلِّهِ - أن يكونوا خيرَ القرون، وأمانًا لهذه الأمة؛ وأن يكون الاقتداءُ بهم واجبًا.

 
المبحث الرابع
منزلةُ الصُّحبةِ لا يعدلُها شيءٌ
 
الصحبةُ اصطفاءٌ واختيارٌ من الله تعالى، وذلك لما نالوه من شرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته([82])، وهذا الاصطفاء والاختيار أمرٌ لا يُتَصَوَّرُ ولا يُدْرَكُ ولا يُقَاسُ بعقلٍ([83])، وإنما هو مبني على علم الله تعالى وحكمته وإرادته.
 والذي عليه جمهور أهل العلم تفضيل الصحابة جميعًا بلا استثناء على كل من يأتي بعدهم، وذلك لاعتبارين:
أولهما: ما نالوه من شرف الصحبة، ففضل الصحبة ولو لحظة واحدة لا يوازيه أي عمل، ويكفي ما يحصل في قلوبهم من اليقين برؤية النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أثر أعمالهم الصالحة في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه، ونشر الدين، وتثبيت أهله، وقمع أعدائه، وقد تخفى كثير من هذه الأعمال أو يُجهل أثرها.
ومن ذلك قدوم مؤمني الأعراب لرؤيته ولو لحظة واحدة؛ فهذا العمل له أثر في إظهار كثرة أتباعه عند الناس، وفيه كسر لنفوس أعدائه والمتربصين به، وهو من مناط تفضيلهم على من بعدهم، وغالبًا لا يذكره المصنفون في الفضائل.
وأظهر من ذلك اجتماع الصحابة حوله في المدينة، وصلاتهم معه، وصحبتهم إياه في السفر والحضر، ونصرته بالنفس والمال، وتعظيمه وتعظيم أمره ونهيه، والتفاني في خدمته، فهذه الأعمال فيها تأييد له، وتقوية لأمره، ونصرة لدعوته.
ويدخل في هذا بعض أعمالهم الدنيوية التي تؤدي إلى تقوية الدعوة ونصرة الدين؛ كالتجارة والحرفة والزراعة، ففيها قوام الحياة، وتحقيق الكفاية، والاستغناء عن الأعداء.
وهذه الأعمال وغيرها يشترك فيها جميع الصحابة رضي الله عنهم، ويتشكل بمجموعها نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وقيام دينه، وهي مناط تفضيلهم على غيرهم، ولا يمكن أن يدركها أحد بعدهم؛ لفوات سببها وتعلقها بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته([84]).
وقد علمت الأمة بعض الأحكام الفقهية والعقدية والدعوية من سؤال بعض الأعراب، ومن حديث الذي بال في المسجد جاهلًا، وحديث المسيء في صلاته، وكل ذلك كاف في تفضيلهم على من بعدهم.
فأفضلية الصحابة رضي الله عنهم راجع لهذين الأمرين: فضل الصحبة، وما اختصوا به من الأعمال المؤدية لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار دينه.
ولو عمر العبد ألف سنة وكان من أعبد الناس لم يوازي ذلك ساعةً واحدةً من صحبته صلى الله عليه وسلم، ففضيلة الصحبة لا يوازى بها البتة([85]).
يقول الإمام أحمد في عقيدته: "فأدناهم صُحْبَةً هو أفضلُ من القرنِ الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميعِ الأعمالِ"([86]).
ويقول القاضي عياض: "فضيلة الصُّحْبَةِ واللقاء - ولو لحظة - لا يوازيها عملٌ، ولا يَنالُ دَرجتَها شيءٌ، والفضائلُ لا تُؤْخَذُ بقياسٍ"([87]).
وعمل الصحابة رضي الله عنهم ولو كان يسيرًا لا يوازى به عملُ من يجيء بعدهم، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "لا تسبُّوا أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَقَامُ أحدِهِمْ ساعةً خيرٌ مِنْ عَمَلِ أحدِكم عمره"([88]).
وكما قال سعيدُ بنُ زيدٍ رضي الله عنه: "واللهِ لَمَشْهَدٌ شهده رجلٌ يُغَبِّرُ فيه وجهه مَعَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أفضلُ مِن عملِ أحدِكم ولو عُمِّرَ عُمْرَ نوحٍ عليه السلام"([89]).
وثمت إشكال قد يرد، وهو ما جاء في الحديث أن القابض على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمر، وأن له أجر خمسين من الصحابة رضي الله عنهم([90]).
 والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث مختلف في صحته اختلافًا كثيرًا، وعلى القول بضعفه لا يبقى إشكال في مسألة التفضيل.
الوجه الثاني: أن السابقين الأولين لا يبلغ أحد منزلتهم مطلقًا بإجماع العلماء، لا في فضل الصحبة، ولا في فضل العمل([91])، ويدل لهذا ما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه وقع بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»([92]).
فإذا كان هذا التفاضل في الأعمال بين من أسلم وقاتل قبل صلح الحديبية وبين من أسلم وقاتل بعده، فكيف يقارن غير الصحابة بالسابقين الأولين؟
والأعمال تتفاضل بحسب ما في القلوب، ولذلك فضلت أعمال السابقين من الصحابة على من جاء بعدهم؛ "وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه، لا يمكن أحدا أن يحصل له مثله ممن بعدهم"([93]).
الوجه الثالث: أن مناط التفضيل ما اختص به الصحابة رضي الله عنهم من فضل الصحبة، وما اختصوا به من الأعمال المتعدية إلى نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يدركه أحد بعد الصحابة رضي الله عنهم؛ لفوات سببه، وتعلقه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته؛ وهذا الفضل لا توازيه جميع الأعمال مهما جلت([94]).
فالذين صحبوه قبل الفتح اختصوا من الصحبة ما استحقوا به التفضيل على من بعدهم([95])، "ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد"([96]).
وقد اختص الصحابة رضي الله عنهم بالسبق بالهجرة، والذب عن النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ونصرته، والإنفاق في بداية الدعوة، وضَبْطِ الشَّرعِ المتلقَّى عن النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغه لمن بعده، فهم الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة، ومن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة، فهذه الأعمال لا يدانيهم فيها أحد ولو عمل ما عمل([97]).
الوجه الرابع: أن مضاعفة أجر العمل إنما هو في الطاعات المشتركة، ولا يلزم منه الأفضلية المطلقة([98])؛ فقد تضاعف لهم أجور الأعمال لشدة الغربة في آخر الزمان، لكنهم لا يدركون فضل الصحبة، ولا فضل الأعمال التي اختص بها الصحابة.
وقد يضاعف للمتأخر بعض الأعمال كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن يكون للصحابة أضعاف هذا الأجر إما بأعمال أخرى اختصوا بها، وإما بفضل الصحبة؛ وهذا الفضل لا يبلغه أي عمل.
ولهذا فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وقد يتيسر لغير الصحابة الصلاة فيه سنوات طويلة، ولا يتيسر ذلك لبعض الصحابة ولا فرضًا واحدًا، ومع ذلك لا يقول أحد إنه يبلغ بذلك منزلة الصحابة أو يدانيها.
الوجه الخامس: أن الأفضلية تكون في مجموع الخصال؛ فإن المفضول قد يكون له فضيلة ليست عند الفاضل، ولكنه لا يساويه باعتبار مجموع الخصال.
*فتحصل مما سبق أن مناط الأفضلية هو الصحبة والعمل المؤدي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عمل السابقين لا يقاربه عمل من بعدهم، لا من الصحابة ولا من غيرهم، وأن المتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة من غير السابقين، مع كونه لا يبلغ منزلتهم فيما اختصوا به من العمل والصحبة، والأفضلية تكون بمجموع الخصال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
 

 
المبحث الخامس:
وقفة مع معاوية رضي الله عنه
 
خُصَّ معاويةُ رضي الله عنه بالحديث لأنه ستر الصحابة رضي الله عنهم، فمن اجترأ عليه اتهم على غيره من الصحابة رضي الله عنهم؛ والطعن في أي واحد من الصحابة رضي الله عنهم يفتح الطعن والتشكيك في جميعهم، فكلهم في الصحبة سواء وإن تفاوتت درجاتهم في الفضل.
قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: "معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزرًا اتهمناه على القوم، أعني على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم "([99]).
وقال أبو توبة الحلبي: "معاويةُ بن أبي سفيان سترُ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كَشَفَ الرجلُ السترَ اجترأَ على ما وراءَه"([100]).
وقال وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى: "معاوية رضي الله عنه بمنزلة حلقة الباب، من حَرَّكه اتهمناه على من فوقه"([101]).
وقد سلك الطاعنون كل وسيلة تمكنهم من الطعن في معاوية رضي الله عنه، فنقلوا من الروايات ما يخدم غرضهم ولو كانت ضعيفة أو مكذوبة، وأوردوا الصّحِيحَ في غيرِ سياقه وَحَرَّفوهُ وَحَمَّلوهُ ما لا يحتمل، وَحَمَلُوا ما ثبتَ على أسوأ المحاملِ وأبعدِها عن الصواب، ولم يراعوا منزلة الصحبة ومكانتها.
ولم يقتصر الطعنُ على معاويةَ رضي الله عنه، بل كفّرَ بَعضُهم جميعَ المتقاتلين، وحَكَم بَعضُهم بفسقِ أحدِ الفريقين لا بعينه، ومنهم من فَسَّقَ الجميع، إلى غير ذلك من المذاهب([102])، والذين قاتلوا مع عليٍ رضي الله عنه في الجمل كفروه بعد ذلك وقاتلوه، ولم يزالوا يكيدون له حتى قتلوه وهو خارج لصلاة الفجر.
ولهذه الأمور وغيرها وجهت أكثر السهام للطعن في معاوية رضي الله عنه؛ وإسقاط عدالة أحد الصحابة رضي الله عنهم طريق لإسقاط عدالة الجميع، وإسقاط لمكانة الصحبة من النفوس، وهذا يوجب تجلية الأمر من خلال ما يلي:
1- وجوب الترضي على الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، مَن تقدم إسلامه ومَن تأخر، ومَن لابس الفتنة أو من لم يدخل فيها، فإن الله تعالى هو الذي أمر بالاستغفار لهم مع علمه بما سيكون بينهم من قتال.
2- ثبوت الفضل العام والخاص لمعاوية رضي الله عنه؛ ويكفيه شرفُ الصحبة، ففضلُ الصحبةِ ولو ساعةً لا يعدله عمل، وقد "سُئِلَ ابنُ المباركِ عن معاوية فقيل له: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سمع الله لمن حمده» فقال معاوية من خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: ما تقول في معاوية، هو عندك أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: التراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أو أفضل من عمر بن عبد العزيز"([103]).
وبنحوه قال المعافى بن عمران: "لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحي الله عز وجل"([104]).
ومن فضائله: حَجُّهُ مع النبي صلى الله عليه وسلم وتقصيرُه لشعره على المروة([105])، ومصاهرتُه له، فأخته أم المؤمنين حبيبة رضي الله عنها، وصحبتُه إياه في الجهاد يوم حنين والطائف وتبوك، وقد غفر الله للمهاجرين والأنصار في تبوك، ثم جهادُه مع الخلفاء، وكونُه على إمرة أول جيش يغزو البحر، وأول جيش يغزو البحر قد أوجبوا([106])، وقد توسعتُ الفتوحاتُ في عهده حتى بلغت القسطنطينية وشمال إفريقية وحدود روسيا.
ومن فضائله كتابتُه للنبي صلى الله عليه وسلم([107]) وروايتُه عنه، فقد روى أكثرَ من مائة حديث، وله في الصحيحين ثلاثة عشر حديثًا، وكان فقيها عالمًا، ومن أصح ما ورد في فضائله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ»([108])، وقوله: «اللهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ وَقِهِ الْعَذَابَ»([109]).
3- ما حصل من القتال بين الصحابة رضي الله عنهم لا ينفي وصفهم بالإيمان، فوصفهم بالإيمان والأخوة هو صريح القرآن والسنة، كما قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات:9] ثم قال بعدها: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات:10]، وفي الحديث: «إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»([110]).
وغاية ما يقال: إنهم اجتهدوا وتأولوا، فالمصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر واحد، وعلي رضي الله عنه أولى بالحق كما سيأتي بيانه.
4- اشتملت بعض كتب التاريخ على كذب وأباطيل؛ كدعوى وجود عصبية بين بني هاشم وبني أمية؛ ودعوى أمر معاوية رضي الله عنه بسب علي رضي الله عنه على المنابر، وهذا كله بهتان لا وزن له، وقد بين العلماء بطلانه([111]).
 5- أن الطعنَ في معاوية رضي الله عنه طعنٌ في الفاروق وذي النورين حيث ولياه على الشام، وطعن في عليٍّ فيما فسر به أحداث الفتنة، وطعن في الحسن لتنازله بالخلافة له، بل وطعن في النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أثنى على فعل الحسن، وطعن في الله تعالى الذي وصف المتقاتلين بالإيمان، وجعلهم إخوة.
6- أما الطعن على معاوية رضي الله عنه لاستخلاف ابنه يزيد فيقال:
أ- وُلِدَ يزيدُ بنُ معاوية في خلافة عثمان رضي الله عنه ولم يكن صحابيًا، فالكلام فيه ليس كالكلام في معاوية رضي الله عنه، وليس في علماء المسلمين الذين لهم قول يُحكى مَنْ يَعتقد أنَّ يزيدَ وأمثاله من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم([112]).
ب- انقسم الناس في يزيد إلى طرفين ووسط، وأعدل الأقوال: أنه ملك من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، وليس بصحابي، ولا من أولياء الله الصالحين، كما لا يحكم بكفره، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى([113]).
ج- أما تولية معاوية رضي الله عنه ليزيد فإنه خشي إن تركهم بلا عهد أن تعود الفتنة مرة أخرى فتقع الفرقة بين المسلمين، وقد استشار أهل الحل والعقد قبل توليته، و لم يصدر من يزيد ما يمنع استخلافه، وأما ما يحدث في المستقبل فهو من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، فلا يلام عليها معاوية رضي الله عنه.
وفي هذا يقول ابن خلدون رحمه الله: "وكذلك عَهِدَ معاويةُ إلى يزيدَ خوفًا من افتراقِ الكلمة؛ لما كانت بنو أميّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه مع أنَّ ظَنَّهُ بِهِ كان صالحًا، ولا يَرتابُ أحدٌ في ذلك، ولا يُظنّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا الله لمعاوية من ذلك"([114]).
فإذا كان معاوية رضي الله عنه قد اجتهد في فعل الأصلح فلا ملام عليه، ولا تَزِرَ وازرةٌ وِزْرَ أخرى، فرضي الله عنه الصحابة جميعًا وأرضاهم، وغفر لنا ولهم.
 

 
الفصل الثالث:
حكم سب الصحابة رضي الله عنهم
 
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أنواع السب وحكم كل نوع.
المبحث الثاني: اللوازِمُ المترتبة على السَّبِّ.

 
المبحث الأول:
أنواع السب وحكم كل نوع
 
السَّبُّ: هو الشَّتْم([115])، ويراد به تقبيح أمر المشتوم بالقول([116])، فهو "الكلام الذي يقصد به الانتقاصُ والاستخفافُ، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن والتقبيح ونحوه"([117]).
وسَّبُّ الصحابة رضي الله عنهم محرم بإجماع العلماء، وصاحبه مبتدع ضال، ويكون كافرًا إذا لزم من قوله ما يؤدي للكفر، كإنكار فضل متواتر، أو إبطال الشريعة وردها، أو الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم([118]).
وعلى هذا فإن السب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يكفر به صاحبه، وهو ما يلزمُ منه تكذيب النصوص المتواترة الدالة على عدالتهم، أو إبطال ما نقلوه من الكتاب والسنة، أو الطعن في عرض النبي صلى الله عليه وسلم، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، ونحو ذلك.
والقسم الثاني: ما يفسق به صاحبه، بأن يسب صحابيًا سبًا لا يقدح في دينه وعدالته، كأن يصفه بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم أو عدم الزهد، أو قلة المعرفة بالسياسة، فهذا لا يحكم بكفره، لكنه يؤدب ويعزر، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم([119]).
فـ "أصل الوقيعة في الصحابي لا تصل بصاحبها إلى الكفر؛ إلا إذا لزم منها ما يؤدي إلى الكفر"([120]).
وفي هذا المعنى يقول الغزالي رحمه الله تعالى عمن فسق بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم: "أنه ورد في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم وتقدمهم على سائر الخلق أخبار كثيرة، فقائل ذلك إن بلغته الأخبار واعتقد مع ذلك كفرهم فهو كافر؛ لا بتكفيره إياهم، ولكن بتكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كذبه بكلمة من أقاويله فهو كافر بالإجماع"([121]).
ويتضح الأمر بذكر بعض الأنواع التي تؤدي إلى الكفر، وذلك كما يلي:
النوع الأول: أن يكفر جميع الصحابة رضي الله عنهم أو جمهورهم، فهذا كفر؛ إذ مؤدَّاه تكذيبُ النصوصِ الدالةِ على عدالتهم، وإبطالُ الدينِ الذي نقلوه، ومن الأدلة على كفره ما يلي:
1- أنَّ مقتضى الطعنٍ في الصحابةٍ رضي الله عنهم: تكذيبُ القرآنِ والسنةِ فيما أخبرا به من فضلِ الصحابة رضي الله عنهم وعدالتِهم وَحُسنِ عاقبتِهم وجزائهم، وتكذيبُ اللهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلم كفرٌ.
2- أنَّ تكفيرَ الصحابةِ رضي الله عنهم يستلزمُ إبطالَ الشريعةِ بأسرِها، وإبطالَ ما نقلوه من الكتاب والسنة، وهذا يستوجب الكفر([122]).
يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: "تكفير جميع الصحابة رضي الله عنهم كفر؛ لأنه صريحٌ في إنكارِ جميعِ فروع الشريعة الضرورية، فضلًا عن غيرها"([123]).
3- أنه إنكار للمعلوم من الدين بالضرورة، و "العِلْمُ الحاصلُ مِنْ نُصوصِ القرآنِ والأحاديثِ الدَّالَّةِ على فضلهم قطعيٌّ"([124])، ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.
4- أن الصحابة يغيظون الكفار بنص القرآن، وبغضهم من النفاق بنص السنة، "فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر"([125]).
وقد ذكر الله تعالى أوصاف الصحابة ثم قال: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ [الفتح:29]([126])، وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الأنصارَ لا يحبُّهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، وَعَهِدَ لِعَليٍّ رضي الله عنه أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، فكيف بمن أبغض جميع المهاجرين والأنصار، وكيف بمن سبهم وكفرهم.
وقد ذكر ابن عابدين من الحنفية، أن من "اعتقد كفر الصحابة رضي الله عنهم فإنه كافر بالإجماع"([127]).
وقال القاضي عياض من المالكية: "وكذلك نقطع بتكفير كُلِّ قَائِلٍ قَالَ قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة...؛ لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم"([128]).
وقال السبكي من الشافعية: "فَإنَّ سَبَّ الجميعِ لا شك أنه كفرٌ، وهكذا إذا سب واحدا من الصحابة رضي الله عنهم حيث هو صحابي؛ لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة، ففيه تعرض إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك في كفر الساب"([129]).
وقال البهوتي من الحنابلة: "أو قال قولا يتوصل به إلى تكفير الصحابة - أي بغير تأويل - فهو كافر؛ لأنه مكذب للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "أصحابي كالنجوم" وغيره"([130]).
وأقوال العلماء في هذا المعنى كثيرة، وفي بعض أقوالهم إشارة إلى المعنى الموجب للتكفير، وهو ما يؤدي إليه السب من إبطال الشريعة بأسرها، وإبطال نقل القرآن، وتكذيب النصوص، والاستخفاف بحق الصحبة، وغير ذلك.
وبهذا يتبين وجه التكفير لمن كفر جميع الصحابة رضي الله عنهم، سواء كان مستحلًا لذلك أم لا([131])؛ لأن استحلالَ المحرماتِ المعلومِ تحريمُها كفرٌ بمجرَّده([132])؛ والأفعال الموجبة للتكفير كفر في حد ذاتها وإن لم يكن مستحلًا لها.
واستحلال تكفير الصحابة رضي الله عنهم اجتمع فيه أمران، فهو فعل موجب للتكفير، والاستحلال للمحرم - وهو تكفير الصحابة - كفر آخر.
النوع الثاني: أن يسب الصحابة رضي الله عنهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، كرميهم بالنفاق أو الردة أو الفسق، فهذا كفر؛ إذ مقتضاه تكذيب النصوص الدالة على إيمانهم وعدالتهم ووعدهم بالجنات، ويلزم منه الطعن فيما نقلوه من الدين.
ونسبة الصحابة رضي الله عنهم للنفاق أو الفسق يلزم منه ما يلزم من وصفهم بالكفر؛ ومؤدى ذلك الطعن في الشريعة بأسرها، وتكذيب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفارٌ أو فساقٌ...، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام"([133]).
ومن مسالك أهل الباطل في الترويج لباطلهم: إظهار تعظيم جمهور الصحابة رضي الله عنهم، بينما يطعنون في نقلة الكتاب والسنة منهم، ليتصلوا من خلال ذلك إلى إبطال الشريعة والدين.
وقد سبقت الإشارة إلى أن أسانيد القراءات العشر تنتهي إلى ثمانية من الصحابة، وأن المكثرين من رواية الحديث سبعة تزيد رواياتهم على ستة عشر ألفا وخمسمائة حديث، وقد جمع الصديق رضي الله عنه القرآن في موضع واحد، ثم نسخه عثمان رضي الله عنه على حرف واحد على لغة قريش وأحرق ما عداه، فإذا قيل بكفر هؤلاء بأعيانهم فماذا بقي من الدين؟
النوع الثالث: أن يسب الصحابة رضي الله عنهم لأجل صحبتهم ونصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر؛ إذ هو كره للدين وشريعة الإسلام.
ولا يتصور أن يقع الطعن في عموم الصحابة رضي الله عنهم إلا لأجل الصحبة؛ إذ هم من بلدان وأعراق مختلفة، ولا شيء يجمعهم إلا الصحبة، وهذا كفر بالله، وقد حكى الإجماع عليه جماعة([134]).
يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: "ومن أبغض الأنصار لأجل نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأنه وجد الحرج في نفسه مما قضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار الإيمان بأيديهم، ومن عادى عليًا رضي الله عنه لمثل ذلك فهو أيضًا كافر"([135]).
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق"([136]).
النوع الرابع: أن يَسُبَّ بعضهم ممن تواتر النقلُ بفضله سبًا يقدح في دينه وعدالته، وهذا كفر؛ إذا يلزم منه تكذيب النصوص المتواترة في فضلهم، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: "لا يُختلفُ في أنَّ من قال: إنهم كانوا على كفرٍ أو ضلالٍ كافر يُقتل؛ لأنه أنكر معلوما ضروريا من الشرع، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم، وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم"([137]).
ومن أمثلة هذا النوع سب الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، أو أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
وهذا بخلاف ما لو سبهم لأجل الدنيا فهو فاسق مبتدع، يعزر ويؤدب، وقد سبق بيانه في القسم الثاني.
"ومن أنواع السب ما لا يمكن القطع بإلحاقه في أحد النوعين السابقين، بل يكون محل تردد"([138])، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما من لعن وقبّح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد"([139]).
النوع الخامس: قذف أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
مَنْ قذف عائشةَ رضي الله عنها بما بَرَّأها الله ُتعالى منه فهو كافر بالإجماع، وقد حكى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، ومن قذف غيرها فهو كافر على الصحيح؛ لما فيه من العار والغضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ([140]).
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى قاطبةً على أنَّ مَنْ سَبَّها بعدَ هذا، ورماها بما رماها به الذين ذُكِرُوا في هذه الآيةِ، فإنه كافرٌ؛ لأنه مُعَانِدٌ للقرآنِ"([141]).
ومما يدل على كفره:
1- أن اتهام عائشة رضي الله عنها فيه تكذيب لتبرئة الله تعالى لها، وتكذيب القرآن كفرٌ، قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "وهي رِدَّةٌ تامَّةٌ، وتكذيبٌ لله تعالى في قَطْعِهِ ببراءتِها"([142]).
2- أن قذفَ أمهاتِ المؤمنين رضي الله عنهن يتعدى للطعن في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وعرضه، وفي هذا إيذاءٌ وتنقيصٌ له، فقذف المرأة أذى لزوجها وولدها، ونسبة له إلى الدياثةِ([143]).
و"قد يجيز الله تعالى على أزواج بعض الأنبياء الكفر؛ كزوجة نوح وزوجة لوط، ولكن لا يُجيز عليهنَّ الفاحشةَ؛ لأنه طعن في النبي صلى الله عليه وسلم وعرضِهِ، واتهامٌ له بطريق اللزوم بالدِّيَاثةِ، وهذا كفرٌ صريحٌ"([144])، و "ما بغت امرأة نبي قط"([145]).
3- أنَّ سَبَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كفرٌ بالإجماع([146])، فإيذاؤه في عرضه وأهله من باب أولى، ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا»([147]).
فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والضلال، وأن يرزقنا محبة الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عن الجميع.

 
المبحث الثاني:
اللوازِمُ المترتبة على السَّبِّ
 
 حَذَّرَ العلماءُ من الطعنِ في الصحابة رضي الله عنهم، وبيّنوا اللوازم الباطلة التي تترتب على الوقيعة فيهم، ويمكن إيجازها فيما يلي:
(1) مما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: تكذيب النصوص الدالة على فضلهم، وتكذيب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في الثناء عليهم، وهذا ممتنع غاية الامتناع.
والتزكية للصحابة رضي الله عنهم سابقة لوجودهم؛ حيث أخبر الله تعالى عن صفاتهم في التوراة والإنجيل، فلما آمنوا وهاجروا ونصروا شهد الله تعالى لهم في القرآن بالإيمان والصلاح، وزكى ظواهرهم وبواطنهم، ورضي عنهم وتاب عليهم، ووعدهم جنات تجري تحتها الأنهار، وأمرنا بمحبتهم والاستغفار لهم، وجعل اتباعهم بإحسان موجبًا لمرضاته ودخول جناته، وأخبرنا أن الإيمان المقبول ما كان مثل إيمانهم، والآيات والأحاديث الدالة على فضلهم تبلغ المئات.
فالثناء عليهم سابق لوجودهم كما في الكتب السابقة، وباق بعد وفاتهم ما بقي الكتاب والسنة، فمن لم يعتقد بهذه النصوص أو اعتقد بطلان دلالتها فهو مكذب لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
(2) ومما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: نسبة الجهل أو العبث لله سبحانه، فإنْ كان غيرَ عالِمٍ بأنهم سيكفرون ومع ذلك أثنى عليهم ووعدهم الحسنى فهو جَهْلٌ، والجَهْلُ عليه تعالى مُحالٌ، وإنْ كان عالِمًا بأنهم سيكفرون، فيكون وَعْدُهُ لهم بالحُسنى ورِضاهُ عنهم عَبَثًا أو كذبًا وتناقضًا، جَلَّ اللهُ تعالى عن ذلك، والعَبَثُ في حَقِّهِ تعالى مُحالٌ([148]).
وهذا ظاهرٌ بَيِّنٌ؛ فإنْ كان الثناء باطلًا؛ فإما أن يكون عن جهل بالحال، أو جهل بما سيؤول إليه الأمر، أو عبث وقصد للإضلال، وهذه من أشنع اللوازم وأقبحها، والله تعالى منزه عن ذلك كله.
ولو لم يَرِدْ على الصحابةِ رضي الله عنهم أيُّ ثناءٍ لكان الطعنُ فيهم طعنًا في حكمة الله سبحانه؛ حيث اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته، وتبليغ دينه من بعده، واختار له منهم أصهارًا؛ فكيف يختار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنصارًا وأصهارًا وهم بهذه الحال التي يدعون!
(3) ومما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: أن ظاهر النصوص باطل وضلال؛ ولذا تطاولوا عليها بالتكذيب أو التأويل والتحريف، فذهبوا إلى القول بتحريف القرآن الكريم، وطعنوا في السنة النبوية، وتعسفوا في رد دلالات النصوص، وسلكوا في ذلك كلَّ طريق، وَمَنْ لم يَجْعَلِ اللهُ له نورًا فما له من نور.
(4) ومما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: بطلان الشريعة؛ فإن الطعن في الناقل طعن في المنقول، "والطعنُ في الوسائطِ طعنٌ في الأصل، والازدراءُ بالناقلِ ازدراءٌ بالمنقول"([149]).
يقول الإمام أحمد رحمه الله: "إذا رأيتَ أحدًا يذكر أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بسوءٍ فاتَّهِمْهُ على الإسلامِ"([150]).
وقال: "ما انتقص أحدٌ أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا له داخلة سوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي... » الحديث"([151]).
فإذا اتُّهِمَ الصحابةُ رضي الله عنهم في دينهم وعدالتِهِمْ زالت الثقة في نقلهم، وتعدى الطعن إلى الكتاب والسنة، وانعدم التواتر في النقل، وقد نقل القرآن لنا ثمانية: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وزيد، وأبيّ، والمكثرون من رواية الحديث سبعة: أبو هريرة، وابن عمر، وأنس، وعائشة، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد، ورواياتهم تزيد على ستة عشر ألفا وخمسمائة حديث.
فكيف إذا تجاوز الطعن إلى عموم الصحابة الذين نشروا العلم والدين، وبلغوه في القرى والأمصار، فأي ثقة بنقلهم لو لم يكونوا عدولًا.
(5) ومما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي زكاهم وعلمهم، وأمرهم بالتبليغ عنه في حجة الوداع، وبعثهم لتبليغ الدين في أصقاع الأرض، واستنصر بهم على أعدائه، وصاهر عددًا منهم، وأمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها.
والرجل يعرف صاحبه إذا لازمه فترة يسيرة، فماذا يُظَنُّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف أصحابه وخبرهم، وصحبوه زمنًا طويلًا، والوحي يحوطه ويؤيده، فعلى أي شيء يحمل أمره إياهم بتبليغ الدين عنه، وبعثه لهم للجهاد ونصرة الدين وتبليغ الشرع؟.
ولهذا فالطاعنون يلزمهم الطعن في تربيته أولًا، وفي بصيرته وحسن تدبيره ثانيًا، وفي اعتماده عليهم في تبليغ الدين ثالثًا.
وصنيع الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم يفتح الباب لأعداء الإسلام للطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأنه لم ينجح في دعوته، وأن رسالته لا تصلح للبشرية ولا لتهذب النفوس، فإذا لم تؤثر فيمن صحبوه ولازموه فكيف تؤثر فيمن بعدهم، وإن كانوا منافقين مرتدين فمن الذي دام على الإسلام؟ وكيف وصل إلينا؟([152]).
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ربَّى صحابَته الكرامَ خيرَ تربيةٍ، فكانوا بفضلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ المجتمعَ المثاليَّ في خُلُقِهِ وتضحياتِهِ وزُهْدِهِ ووَرَعِهِ.
(6) ومما يلزم على قول الطاعنين في الصحابة رضي الله عنهم: أن تكون هذه الأمة هي شر الأمم، وأن يكون سابقوها هم شرارها، وأن يكون نقلة الكتاب والسنة كفارا أو فساقا، وهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين الإسلام([153]).
فهذه بعض اللوازم المترتبة على السب، وهي تبين خطورة السب وما يترتب عليه، جنبنا الله تعالى أسباب سخطه، ورزقنا اتباع دينه والتمسك بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، ورزقنا محبة صحابته وآل بيته رضي الله عنهم وحشرنا في زمرتهم أجمعين.
 

 
الفصل الرابع:
البحث في تاريخ الصحابة رضي الله عنهم



وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الثاني: قواعد مهمة عند دراسة تاريخ الصحابة رضي الله عنهم.
المبحث الثاني: حقيقة ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم.
 

 
تمهيد:
لم يَتكلمِ العلماءُ عن سيرةٍ أعظمَ من سيرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ أعظمِ آثارها ذلك الجيلُ المثاليُّ الذي ناصره وَحَمَلَ الدين من بعده، وهم نتاج تربيته وتزكيته، وسيرتُه مليئةٌ بالمواقفِ المُشَرِّفَةِ لهم، وسِيَرُهُم بعد وفاته امتدادٌ لسيرته؛ وقد فتحوا البلادَ شرقًا وغربًا، وازدهرت الحضارةُ في زمنهم، وبلغت المساجد التي يصلى فيها الجمعة في عهد عمر اثني عشر ألفًا، وبلغ عدد من يقرأ القرآن عند أبي الدرداء ألفًا وستمائة ونيفًا، فمآثرُهم بحرٌ لا ساحلَ له، وفضاءٌ لا يُحاطُ به.
ولذا فمن الخلل أن يُختزل تاريخهم فيما حَصَلَ مِنَ الفتنةِ في زمانِهم؛ إلا أنه من المتعين بيانُ المنهجِ الشرعيِّ والموقفِ الصحيحِ من تلك الأحداث، وكيف تعامل أهلُ السنة معها، وسيكون الختامُ في الفصلِ الأخيرِ بذكر بعض إنجازاتهم؛ لتجد النفوس سلوتها بِعَبَقِ تاريخِهم، وجمالِ مآثرِهم.
 أما دراسة ما جرى أيام الفتنة فهذا يستوجب أمرين:
 الأمر الأول: أنه لا يمكن دراسة تاريخهم بمعزل عن مكانتهم ومنزلتهم؛ فإن الله تعالى أثنى عليهم وهو أعلم بما سيكون في زمنهم من أحداث.
وما أحسن ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: "لَا تَسُبُّوا أَصحَابَ محمد صلى الله عليه وسلم، فإنَّ اللهَ عز وجل قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنهم سَيقْتتلُونَ "([154]).
 الأمر الثاني: أن جمهور الصحابةِ رضي الله عنهم، لم يدخلوا في الفتنة ولم يشاركوا فيها.
قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: "هاجت الفتنةُ وأصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عشرةُ آلافٍ، فما حَضَرَها منهم مئةٌ، بل لم يبلغوا ثلاثين"([155])، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الإسنادُ مِنْ أَصَحِّ إسنادٍ على وجهِ الأرضِ، ومحمدُ بنُ سيرين مِنْ أَوْرَعِ الناسِ في منطقِهِ، ومَرَاسيلُهُ مِنْ أَصَحِّ المَرَاسيلِ"([156]).
 ولأهمية هذه المسائل وكثرة الخوض فيها؛ فإن الكلام سيكون باختصار شديد وفق المباحث التالية:
المبحث الأول: الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم.
يعتقد أهل السنة بمشروعية الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنه؛ لأن فضلهم مقطوع به، وما ينقل من المثالب عنهم جُلُّهُ مكذوبٌ عليهم، والصحيحُ منه إما لهم عذرٌ فيه، أو خطأٌ مغمورٌ في بحر حسناتهم، وقد يغفره الله تعالى بسابقتهم أو بأعمالهم الصالحة أو بغير ذلك.
ولا تحصل سلامة الصدر تجاههم إلا بالإمساك عما شجر بينهم، وقد قال سبحانه: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾ [الحشر:10].
قال أبو نعيم رحمه الله تعالى: "فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان، الذين مدحهم الله تعالى فقال: ﴿من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا...﴾ الآية، مع ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام أَصْحَابه وَأوصى بحقهم وصيانتهم وإجلالهم"([157]).
ثم إنَّ تلك الأحداثِ لا يُعلم تفاصيلُ كثيرٍ منها، وقد دَخَلَ فيها كثيرٌ من الكذبِ والتحريفِ، وحسابُ الخلقِ على الله سبحانه، وَعِلْمُنا أو جَهْلُنا بحقيقةِ ما جرى لن يُغيِّر من الواقعِ شيئًا، وليس علينا حسابُهم، ولن نُسأل عما وَقَع بينهم، والله يقول: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة].
فمنهجُ أهلِ السنةِ عدمُ الخوضِ بالتوسع وتتبع التفصيلات فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم([158])، كما قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: "تلكَ دماءٌ طَهَّرَ اللهُ منها أيديَنا، فَلا نُلِّوثُ بها ألسنتَنا"، وفي لفظ آخر: "تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ يَدَيَّ مِنْهَا؛ فَمَالي أخضبُ لساني فيها"([159]).
ونحن لم نُؤمر بالخوضِ في ذلك، وإنما أُمِرنا بالاستغفارِ لهم، ومَحَبَّتِهِمْ، ونشرِ محاسنِهِم وفضائلِهِم، وإذا ظهر مبتدعٌ يقدحُ فيهم بالباطلِ، فلا بد من الذَّبِّ عنهم، وذِكْرِ ما يُبطل حُجته بعلمٍ وعدلٍ([160]).
يقول القرطبي رحمه الله: "وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعبِّدنا بالكَفِّ عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم"([161]).
 ويتأكد الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم عند من يُخشى عليه الالتباسُ والتشويشُ والفتنةُ، إما لِقُصورِ فَهْمِهِ، أو لحداثة عهده بالدين؛ فربما وقع في الفتنةِ بانتقاصِهِ للصحابة يمن حيث لا يعلم، وهذا مبنيٌّ على قاعدةٍ تربويةٍ تعليميةٍ مقررةٍ عند السلف، وهي ألا يُعرضَ على الناسِ من مسائلِ العلمِ إلا ما تبلغه عقولُهم([162]).
قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب مَنْ خَصَّ بالعلمِ قومًا دون قومٍ كراهيةَ أنْ لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟"([163]).
وقال الحافظ في الفتح - تعليقًا على ذلك -: "وفيه دليلٌ على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذْكَرَ عند العامةِ، ومِثْلُهُ قولُ ابنِ مسعود رضي الله عنه: ما أنتَ بِمُحَدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُهُ عقولُهُم إلا كان لبعضهم فتنةً"([164]).
فهذا هو الأصل فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، وإذا اقتضى الأمر بحث ذلك بالتفصيل فيكون ضمن قواعد علمية معتبرة.

 
المبحث الثاني: قواعد مهمة عند دراسة تاريخ الصحابة رضي الله عنهم
من المهم عند دراسة تاريخ الصحابة رضي الله عنهم بيان المنهجِ العلميِّ الصحيحِ لدراسة تاريخهم([165])، ويمكن إجمالُ هذا المنهجِ بقواعدَ مهمةٍ في هذا الباب، منها:
(1) استحضارُ مكانةِ الصحابةِ رضي الله عنهم وفضلِهم، فلا يصح أنْ يُدرسَ تاريخُهم بمعزلٍ عن تلك المنزلة، كما هو الحالُ عند ذِكْرِ ما حصلَ للأنبياء عليهم السلام مما ذكره الله تعالى في كتابه، فهم أكرمُ الخلقِ عند الله سبحانه.
وقد نزلَ الوحيُ بفعلِ حاطبٍ رضي الله عنه، فَهَمَّ عمرُ رضي الله عنه بقتله، فنهاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»([166]).
(2) جمع النصوص الواردة في محل البحث؛ واعتبار ما صح منها، وتنقيتها من الافتراءات والكذب، وبيان السياق الصحيح لها، ورَدّ المُتَشَابِهِ إلى المُحْكَم.
فهذه خمسة أمور متعلقة بجمع النصوص؛ فإن الكذب كثير في هذا الباب، وبعضُ الروايات لا تفهم فهمًا صحيحًا إلا إذا أورد السياق الذي جاءت فيه، وقد يُشْكِلُ نصٌ ويُفسِّره نصٌ آخرُ، وهذا هو مقتضى العدلِ الذي أمر الله تعالى به.
(3) اعتقاد أن الصحابة رضي الله عنهم الذين شاركوا في تلك الأحداث لم يدخلوها إلا عن اجتهاد وطلب للحق، والمجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
وفي هذا المعنى يقول القرطبي رحمه الله تعالى عما وقع بينهم من أحداث: "لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة رضي الله عنهم خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعبِّدنا بالكَفِّ عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر"([167]).
وقد سمى الله تعالى المؤمنين المتقاتلين إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ابنه الحسن يصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين.
ولا شك أنهم غير معصومين، لكنهم خير هذه الأمة بعد نبيها، والواجب إحسان الظن بهم، وحمل فعلهم على أحسن المحامل ما أمكن([168]).
يقول ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: "وما نُقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه: فمنه ما هو باطلٌ وكذبٌ، فلا يُلتفت إليه، وما كان صحيحًا أَوَّلْناهُ تأويلًا حسنًا، لأنَّ الثناء عليهم من الله سابقٌ، وما ذُكِرَ من الكلامِ اللاحقِ مُحْتَمِلٌ للتأويلِ، والمشكوكُ والموهومُ لا يُبْطِلُ المُحَقَّقَ والمعلومَ"([169]).
(4) أن أكثر ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم من المثالب كذب عليهم، إما من جهةِ أصلِ الروايةِ، أو بالزيادةِ والنقصِ فيها بما يُخْرِجُها مخرجَ الذَّمِّ والطعنِ، وأكثرُ المنقولِ من المطاعنِ الصريحةِ هو من هذا البابِ، يرويها الكذَّابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف وهشام الكلبي، وغيرهما([170]).
وبعضُ الفرقِ التي تخوض فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم لا تُفرقُ بين غثٍ وسمينٍ، بل إنها تَتعمدُ نَقْلَ الأكاذيبِ عنهم، وتُعرض عن الصحيح، أو تسيء تأويله.
(5) أن الصحابةَ رضي الله عنهم غيرُ معصومين، وما يقع منهم من خطأ لا يقدح فيما علم من فضائلهم وكونهم من أهل الجنة، لأنَّ الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة([171]).
وقد ذكر العلماء عشرة أسباب لتكفير الذنوب([172])، ثلاثةٌ من العبد: وهي التوبة، والاستغفار، والأعمال الصالحة، وثلاثةٌ من الناس: دعاؤهم، وإهداؤهم الثواب، واقتصاصُ بعضهم من بعض يوم القيامة، وثلاثةٌ لا فعل للخلق فيها: المصائبُ الدنيوية، وبلاءُ القبر، وأهوالُ القيامة، ويأتي بعد ذلك فضل الله ورحمته.
والصحابة رضي الله عنهم لهم من السوابقِ والأعمالِ ما ليس لغيرهم، فقد يُغفر لهم بهذه الأسباب، أو بسابقتهم، أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بغير ذلك.
و"القَدْرُ الذي يُنْكَرُ مِنْ فعلِ بعضِهِمْ قليلٌ نَزْرٌ مغمورٌ في جنبِ فضائِلِ القومِ ومحاسنِهم: مِنْ الإيمانِ بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهادِ في سبيله، والهجرةِ، والنُصرةِ، والعلمِ النافعِ، والعملِ الصالحِ"([173]).
 والخلاصة: أنَّ الأصلَ عدمُ الخوضِ فيما جرى بينهم، وكفُّ اللسانِ، وسلامةُ القلب، وإذا اقتضى الأمرُ دراسةَ تاريخهم فيكون بإنصافٍ وعدلٍ، وإحسانِ ظَنٍ، وَحَمْلٍ على أحسنِ المحامل، مع تنقية الروايات، ورد المتشابه إلى المحكم، واستحضار فضلهم وعلو منزلتهم، والاستغفار لهم والترضي عنهم.

 
المبحث الثالث: حقيقة ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم.
من المتعذِّرِ إيجازُ ما جرى في تلك الحقبة في بضع صفحات؛ لكنَّ المقصودَ هو الإشارةُ إلى نقاطٍ مهمةٍ يُبنى عليها غيرُها، ويَستبين بها حقيقةُ ما جرى.
 ومجمل الأمر: أنَّ طلحةَ والزبيرَ رضي الله عنها خرجا إلى البصرة للأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه، فخرج إليهم حكيمُ بنُ جَبَلَةَ مقاتلًا - وهو ممن شارك في قتل عثمان رضي الله عنه - فانتصروا عليه، وخرج عليٌ رضي الله عنه ومعه عشرةُ آلافٍ، فالتقى الجيشان واصطلحوا على ترك القتال، وناموا على أحسن حال، وباتَ الذين أثاروا قَتْلَ عثمانَ بِشَرِّ ليلةٍ، واتفقوا في الخفاءِ على إشعال الحرب، فاستيقظ الناس آخر الليل على وقع السيوف، وثارت الحرب بينهم، وعجز كبارهم عن إيقافها([174]).
وما حدث من القتال بعد ذلك إنما كان منشؤه المطالبة بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وكان عليٌّ رضي الله عنه يرى لزوم مبايعته قبل ذلك، ويرى أن القتلة يتعذر قتالهم ما لم يجتمع المسلمون تحت راية واحدة، لا سيما وأنهم مختلطون بالناس، ولا يُعرفون بأعيانهم، ولهم قبائل تدافع عنهم.
ولذا قال معاوية لمن جاءه من جيش علي: "ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابنُ عمه والطالبُ بدمه؟ فائتوه فقولوا له فليدفع إليَّ قَتَلَةَ عثمان وأُسَلِّمُ له، فأَتَوْا عليًّا فَكَلَّمُوهُ فلم يدفعهم إليه"([175])، فلما بلغ ذلك أهلَ الشامِ صمموا على القتال مع معاوية([176]).
وأَقَلُّ ما يُعتذر لهم في مثل هذه الأحداث أنهم مجتهدون، وعليٌ أولى بالحق من معاوية؛ فهو خليفة المسلمين، وكان يعلم أن القَتَلة يتعذّرُ تتبعهم ما لم يجتمع المسلمون على راية واحدة، ولذا لما آل الأمر إلى معاوية رضي الله عنه تعذر عليه تتبع القتلة، وصنع مثل ما صنع علي رضي الله عنه قبل ذلك.
وقد ندم الصحابةُ رضي الله عنهم وحزنوا لما جرى، ولم يَظنُّوا أنَّ الأمرَ سَيصلُ إلى ما وصل إليه، ومن ذلك قولُ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضي الله عنها: "إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتالٌ، ولو عَلِمْتُ ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا"([177]).
وكان علي رضي الله عنه يقول: "يا ليتني مِتُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة"([178]).
وكان الزبير رضي الله عنه يقول بعد أن نشب القتال: "إن هذه لهي الفتنةُ التي كنا نُحدَّثُ عنها"([179]).
فقتالُ الصحابةِ إنما كان بسبب التأول في دم عثمان رضي الله عنه، وهو قتالُ فتنةٍ أو قتالُ أهلِ بَغيٍ، ولم يكن القتالُ طلبًا للإمامة والخلافة، ولم ينكر أحدٌ أحقيَّةَ عليٍ رضي الله عنه بها، وكانوا يعرفون مكانته وفضله([180]).
يقول ابن بطال: "وليس في الإسلام أحد يقول: إنَّ عائشةَ دعت إلى أميرٍ معها، ولا عارضت عليًا في الخلافة، ولا نازعته لأخذ الإمارة، وإنما أنكرتْ عليه مَنْعَهُ من قَتَلَةِ عثمانَ، وَتَرْكِهِم دون أن يَأخُذَ منهم حُدودَ اللهِ، ودون أن يَقتصَّ لعثمانَ منهم"([181]).
فإذا التبس الحال على بعض الصحابة رضي الله عنهم أول الأمر، وأُقحموا في حرب لا يدرون من أشعلها، وندموا ندمًا شديدًا، فكيف يُدرك من جاء بعدهم تفاصيلَ ما جرى؛ ولذا فلا سلامة إلا بالكفِّ عما شجر بينهم، وعند الحاجة للبحث والدراسة فيكون وفق منهج صحيح.

 
الفصل الخامس:
عقيدة أهل السنة والجماعة
في أهل البيت رحمهم الله تعالى
 
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: المراد بأهل البيت.
المبحث الثاني: عقيدة أهل البيت ومروياتهم بين أهل السنة ومخالفيهم.
المبحث الثالث: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل البيت رحمهم الله.
المبحث الرابع: تميز أهل السنة في محبتهم لأهل البيت عن سائر الفرق المنحرفة.
المبحث الخامس: حقوق أهل البيت رحمهم الله تعالى عند أهل السنة والجماعة.

 
المبحث الأول:
المراد بأهل البيت
 أولًا: المراد بأهل البيت في كتب اللغة.
آل الرجل أهله وعياله وذوو قرباه، ويطلق على النفس والأتباع، والآل بمعنى الأهل؛ على اختلاف في اشتقاقها في كتب اللغة، هل هي من الأَوْلِ على الصحيح، أو هي مقلوبة من الأهل([182]).
وقد جاء في قصة لوط عليه السلام لفظ الآل والأهل، كما في قوله تعالى: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر]، وفي الآية الأخرى:﴿فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين﴾ [الأعراف]، فالناجون هم آله إلا من استثني وهي الزوجة.
ويتبين المراد بالأهل من السياق وقرائن الأحوال، كما قال تعالى عن موسى: ﴿إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾ [طه:10]، والمراد زوجته، ومثله ما أخبر الله تعالى به من قول الملائكة لإبراهيم وزوجته: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [هود:73]، وذكر سبحانه قول موسى: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ [طه] والمراد أخوه، وفي قصة نوح عليه السلام: ﴿فقال رب إن ابني من أهلي﴾ [هود:45]، أي أهله الذين وعده بنجاتهم، فأخبره سبحانه أنه ليس من أهله، أي الناجين، وفي قصة يوسف: ﴿ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب﴾ [يوسف:6] والمراد بهم القرابة.
والغالب في الآل ألا يستعمل إلا مع ذي شأن وشرف ممن يعقل، ولا يضاف إلى البلاد والحرف، بخلاف الأهل فيستعمل مع المعظم والعاقل وغيرهما، فيقال: أهل الحائك، وأهل الحجام، وأهل الإسكاف، وأهل الإسلام، وأهل مصر، ولا يقال آل الحائك، ونحو ذلك([183]).
وتسمية الزوجة بالأهل من التأهل وهو التزوج([184])، وأهل البيت سكانه، وقد قصر بعض أهل اللغة معنى البيت على عيال الرجل كزوجه ومن يبيت معهم([185])، وصار هذا التركيب "أهل البيت" عند الإطلاق عرفًا على آل النبي صلى الله عليه وسلم خاصة([186]).
ولم يرد في الكتاب والسنة لفظ "آل البيت"، وإنما ورد في القرآن بلفظ "أهل البيت" في موضعين، وأهل بيت في موضع([187])، وورد في السنة بلفظ أهلي، وأهل بيتي، ونحو ذلك.
 
 ثانيًا: المراد بأهل البيت في الشرع.
المعتمد في تحديد المراد بأهل البيت نصوص الكتاب والسنة؛ ولذا يحسن ذكر القول الراجح في المسألة مع بيان الأدلة الدالة عليه من غير استطراد في ذكر الخلاف.
فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم من حُرِمَ الصدقة بعده([188])، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»([189]).
وآل محمد صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وأقاربه من نسل عبدالمطلب بن هاشم؛ ولم يبق لهاشمٍ عقبٌ إلا من عبد المطلب([190])، والذين أسلموا من بني هاشم وبقي لهم عقب خمسة بطون: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث، ويلحق بهم على الصحيح عُتْبَةُ وَمُعَتِّبٌ أبناء أبي لهب فقد أسلما عام الفتح وحسن إسلامهما.
ومن الأدلة على ذلك أن الحسن رضي الله عنه لما أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟»([191]).
وفي حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال له حُصَيْنٌ: "وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ"([192]).
وتحرم الصدقة على بني الحارث بن عبدالمطلب باتفاق العلماء([193])، ودليل ذلك أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه أن يؤمرهما على الصدقات فيؤديا ما يؤدي الناس، ويصيبا مما يصيب الناس، فيكون عونا لهما على الزواج، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ»، ثم أمر بتزويجهما وأصدق عنهما من الخمس([194]).
وقد أجمع العلماء على تحريم الزكاة على بني هاشم، وهذا من خصائصهم([195])؛ ومذهب جمهور العلماء وهو الراجح تحريمها على من أسلم من ذرية أبي لهب، وهم عُتْبَةُ وَمُعَتِّبٌ، فقد أسلما يوم الفتح، وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهما، وشهدا حنينًا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب([196])، وهما من سلالة بني هاشم، ولا يوجد دليل على إخراجهما([197]).
وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم تحرم عليهن الصدقة، ويدل لذلك أنه كان يعطيهن من الخمس، ولحديث خالد بن سعيد أنه بعث إلى عائشة رضي الله عنها ببقرة من الصدقة فردتها وقالت: "إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ"([198]).
ويدل على دخولهن في الآل قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»([199])، وقوله في الأضحية «اللهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»([200])، وقوله في حادثة الإفك: «مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي»([201])، وقول عائشة رضي الله عنها: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم"([202])، وقولها: "كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ خَرَجَ"([203]).
فدخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الآل تشبيهٌ لذلك بالنسب؛ لأن اتصالهن به غير مرتفع، وهن زوجاته في الدنيا والآخرة، ويحرمن على غيره في حياته وبعد مماته، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب([204]).
وقد خاطبهن الله تعالى بقوله: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ [الأحزاب:33-34].
وهذا صريح في كونهن من أهل البيت، فسياق الآيات قبلها وبعدها خطاب لهن، ومجيء الضمير بصيغة جمع التذكير على طريقة التغليب؛ لاعتبار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب([205])، وهو من أساليب اللغة التي نزل بها القرآن، فزوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قوله سبحانه في موسى: ﴿فقال لأهله امكثوا﴾ [طه:10]([206]).
وقد دل حديث الكساء على دخول علي والحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم في أهل البيت، وتخصيص هؤلاء الأربعة لا يدل على قصر أهل البيت عليهم دون سائر القرابات، وإنما يدل على أنهم من أخص أقاربه، ومثله آية المباهلة([207]).
وبمثل هذا يُردُّ على من حصر الآل في الأزواج والذرية، أو في أمهات المؤمنين، أو في أصحاب الكساء، فإن الأدلة التي استدلوا بها تدل على أنهم أخص أهل البيت، ولا تنفي دخول غيرهم معهم؛ لا من سائر أهل البيت، ولا من ذرياتهم.
فهؤلاء هم آل النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»([208]).
وأما بنو المطلب بن عبد منافٍ، فالصحيح أنهم لا يدخلون؛ وغاية ما تدل عليه النصوص استحقاقهم للخمس لأجل موالاتهم ونصرتهم، ولا يلزم من ذلك تحريم الزكاة عليهم، إذ هم في القرابة كبني عبد شمس وبني نوفل، فاختص المنع ببني هاشم وحدهم([209]).
ويفسر القرابة أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس رضي الله عنه، لما شكى إليه ما يلقاه من بعض الناس: «لَنْ يُصِيبُوا خَيْرًا حَتَّى يُحِبُّوكُمْ للهِ وَلِقَرَابَتِي»([210])، أي حتى يحبو بني هاشم، وقوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»([211])، وقوله عن فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا».
وهذا المعنى متقرر عند الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك قول عمر للعباس رضي الله عنهما: "لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ"([212]).
وجاء عن الشعبي رحمه الله أنه قال: "ركب زيد بن ثابت رضي الله عنه فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه، فقال: لا تفعل يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال زيدٌ: أرني يدك؟ فأخرج يديه فقبلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم"([213]).
ففي هذه النصوص بيان للمراد بآل البيت، وهم من أسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وذرياتهم، فمن أعمامه حمزة والعباس، ومن أبناء عمه علي وجعفر وعقيل أبناء أبي طالب، والفضل وقثم وعبد الله وعبيد الله أبناء العباس، وأبو سفيان ونوفل وربيعة وعبيدة أبناء الحارث، وعُتبة ومُعتِّب أبناء أبي لهب، وذلك لإسلامهم وقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
 والخلاصة مما سبق أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته وقرابته من بني عبد المطلب، ودلالة النصوص على ذلك ظاهرة ومتنوعة.
والعجب ممن يدعي محبة آل البيت ثم يخرج أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ويخرج أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وأبناء عمومته، ويخرج ذرية الحسن رضي الله عنه، بل يخرج أكثر أهل البيت حتى من ذرية الحسين رضي الله عنه.

المبحث الثاني:
عقيدة أهل البيت ومروياتهم بين أهل السنة ومخالفيهم
 
لا تختلف عقيدة أئمة أهل البيت عن عقيدة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فمعتقدهم مستمد من الكتاب والسنة؛ "فإنَّ أئمَّة أهل البيت كعليٍّ وابن عبَّاس ومَن بعدهم، كلُّهم متَّفقون على ما اتَّفق عليه سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان...، والكتب المشتملة على المنقولات الصحيحة مملوءة بذلك"([214]).
وقد نشأ علي رضي الله عنه على التوحيد ونبذ الشرك، فكان داعيًا للتوحيد في حياته، يقول في إحدى خطبه: "إن أفضل ما توسل به العبد الإيمان والجهاد في سبيل الله وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة"([215])، وقد كسر الأصنام مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وكان يبعث أبا الهياج الأسدي ويأمره بتسوية القبور وطمس الصور([216])، ونَكَّلَ بالسبئيةِ وقتلَ طائفةً منهم لما غلوا فيه ووصفوه بصفات الألوهية([217])، ونفى عن نفسه العصمة وعلم الغيب، وكان مُعظّمًا للصحابة، مفضلًا للشيخين، مقرًا بخلافة من قبله([218])، يصلي خلفهم، ويأتمر بأمرهم، ويجاهد معهم، وهو من رواة القرآن الكريم، والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقد انفرد أهل السنة بالنقل الصحيح عن أئمة أهل البيت، كنقلهم عن علي وابن عباس، وعن الحسن والحسين، وعن أمهات المؤمنين، وعن زين العابدين، وعن الباقر والصادق، وعن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع.
ويكفي أهلَ السنة شرفًا أن القرآن لم ينقله بالأسانيد غيرُهم، وقد نقلوه بأسانيدهم عن ثمانية من الصحابة رضي الله عنهم ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومن ذلك على سبيل المثال حمزة الزيات رحمه الله، فقد أخذ القرآن عن حمرانَ بنِ أعين عن أبي الأسود عن علي وعثمان رضي الله عنهما، وقرأ كذلك على ابن أبي ليلى بسنده إلى علي رضي الله عنه، وقرأ أيضا عن الأعمش بسنده إلى علي وعثمان رضي الله عنهما، كما قرأ على جعفر الصادق، وقرأ جعفر على آبائه، وقرءوا على أهل المدينة([219]).
وأما التفسير فأكثر النقل فيه عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما قال ابنُ جُزَيٍّ رحمه الله تعالى: "واعلم أن المفسرين على طبقات، فالطبقة الأولى: الصحابة رضي الله عنهم، وأكثرهم كلاما في التفسير ابن عباس رضي الله عنهم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن عليّ بن أبي طالب"([220]).
وقد بلغت روايات ابن عباس في تفسير الطبري (5809) رواية.
وأما في الحديث ففي مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه (819) حديثًا بالمكرر، وله في مسند بقي بن مخلد (561) حديثًا، وفي الكتب الستة (322)، واتفق الشيخان على (20) حديثًا، وانفرد البخاري بتسعة أحاديث، ومسلم بخمسة عشر حديثًا، وبلغت أحاديث ابن عباس رضي الله عنهما (1660) حديثًا، في الصحيحين منها (75)، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة أحاديث.
ومن أصح الأسانيد عند أهل السنة: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه.
 وخلاصة القول: أن أهل السنة والجماعة لا يماثلهم أحد في النقل الصحيح عن هؤلاء الأئمة، التي تدل على اتفاقهم على ما اتفق عليه سائر الصحابة رضي الله عنهم.
يقول علي رضي الله عنه: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ»..."([221]).
وقد كذب أهل البدع وافتروا على أهل البيت رحمهم الله تعالى، ومن أعظم الافتراء وصفهم بالعصمة؛ فلا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأشد منه وصفهم بالعصمة والتقية؛ إذ العصمة في التبليغ تستلزم قول الحق مطلقًا، والتقية تقتضي جواز قول الباطل للضرورة؛ وعليه فالمعصوم لا تجوز عليه التقية لأن المقام مقام تشريع، لكن الزنادقة جمعوا بين النقيضين ليدخلوا ما شاءوا ويردوا ما شاءوا من الروايات باسم العصمة والتقية.
وقد نَفَذَ الزنادقةُ من هذا الباب؛ لا اعتقادًا ومحبة لأهل البيت، وإنما متاجرة باسمهم، وترويجًا لباطلهم، فحاولوا تغيير معالم الدين، وأكلوا أموال الناس بالباطل باسم الخمس، وانتهكوا الأعراض باسم المتعة، وحاشا لله تعالى أن يكون هذا مذهب أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، والله يقول: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب].
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "وبهذا الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى ترويج باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا عَلِمُوا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم، فانتموا إليهم وأظهروا من محبتهم وإجلالهم وذكر مناقبهم ما خَيَّلَ إلى السامع أنهم أولياؤهم، ثم نَفَّقُوا باطلهم بنسبته إليهم، فلا إله إلا الله، كم من زندقةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ قَدْ نَفَقَتْ في الوجودِ بسبب ذلك، وهم بُرَآءُ منها"([222]).
ومن رام الهدى فليأت البيوت من أبوابها؛ فإنما يعرف مذهب أهل البيت بما صح من منقولات أهل السنة، وليس من روايات أهل البدع التي اختلط فيها الصحيح والضعيف، وامتنع فيها التمييز بين ما خرج مخرج التقية أو الاعتقاد؛ إذ الوصف بالعصمة والتقية تابع للهوى، وليس له ميزان صحيح.

 
المبحث الثالث:
مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل البيت رحمهم الله تعالى
 
عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل البيت وسط بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء، فيحبون جميع أهل البيت ويتولونهم، وينزلونهم المنزلة اللائقة بهم، ويعرفون الفضل لمن جمع الله له بين شرف الإيمان وشرف النسب، فمن كان منهم صحابيًا أحبوه لإيمانه وصحبته وقرابته، ومن لم يكن منهم صحابيًا أحبوه لإيمانه وقرابته، "ويرون أن شرف النسب تابع لشرف الإيمان، ومن جمع الله له بينهما فقد جمع له بين الحسنيين، ومن لم يوفق للإيمان فإن شرف النسب لا يفيده شيئا"([223]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولا ريب أن لآل محمد صلى الله عليه وسلم حقا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش...، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره"([224]).
وتتفاوت محبتهم بقدر ما لهم من القدر والمنزلة والقرب، فليس التابعون منهم بمنزلة الصحابة، وليس عوامهم بمنزلة العلماء الربانيين، وليس مَن قَرُب نسبه كمن بَعُد.
وإنزالهم منازلهم التي يستحقونها يكون بالعدل والإنصاف، ولا يلزم من محبتهم وإجلالهم تفضيلهم على كل أحد، بل قد يكون غيرهم أفضل منهم، كما في تفضيل الصديق رضي الله عنه على جميع الصحابة والقرابة؛ كما قال علي رضي الله عنه: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ"([225])، وقد كان الصحابة يتحدثون أن "خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا يُنْكِرُهُ"([226])، وكان علي رضي الله عنه يقول: "لا أوتى بأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وعمر إلا جلدته حَدَّ المفتري"([227]).
فأصل التفاضل إنما هو في التقوى، وشرفُ النسب تابع لشرف الإيمان؛ وإنما كان لأهل الإيمان من أهل البيت زيادة حق في المحبة والمودة لأجل قرابتهم، ولا يلزم منه تفضيلهم على غيرهم، فهو كحق الوالد على ولده، وإن كان والده دون غيره في الفضل.
وقد أخبر الله تعالى أن الأنساب تنقطع يوم القيامة، وأن أكرم الناس عنده أتقاهم له، وما ورد من انقطاع الأنساب إلا نسب النبي صلى الله عليه وسلم أو نسبه وصهره، فإنه لا يخلو من ضعف ونكارة، وفيه مخالفة لصريح الآية، ولما ثبت من أن النسب لا ينفع من بطأ به عمله، ولما قاله صلى الله عليه وسلم لأهل بيته وأقاربه أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وعلى القول بصحته فإنه لم يرد ما يبين نوع هذا النفع، وقد يكون من جنس شفاعته لأمته، فيكون للقرابة مزيد شفاعة، وهم مع ذلك كسائر العباد موقوفون للحساب، وداخلون في نصوص الوعد والوعيد.
ولا يعتقد أهل السنة بعصمة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في التبليغ لكونه مقام تشريع وهداية، وقد أكمل الله تعالى به الدين، وأتم علينا به النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا.
ومحبة أهل السنة لأهل البيت لأجل قرابتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه: «لَنْ يُصِيبُوا خَيْرًا حَتَّى يُحِبُّوكُمْ للهِ وَلِقَرَابَتِي»([228])، فَيُعرَفُ "لبني هاشم فضلهم؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم "([229]).
وكل مؤمن من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم تجب محبته لإيمانه وقرابته، كما قال الآجري رحمه الله تعالى: "واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو هاشم، علي بن أبي طالب وولده وذريته، وفاطمة وولدها وذريتهما، والحسن والحسين وأولادهما وذريتها، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده، والعباس وولده وذريته رضي الله عنهم، هؤلاء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجب على المسلمين محبتهم وإكرامهم واحتمالهم وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدعاء لهم"([230]).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يومَ غَديرِ خُمٍّ: "أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي..."..."([231]).
ويقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولا ننكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين"([232]).
وهذا خلاف أهل الباطل الذين غلوا في محبة أفراد من أهل البيت وأبغضوا أكثرهم، فأبغضوا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وآل العباس رضي الله عنه، وذرية الحسن رضي الله عنه، بل كذبوا واستطالوا عليهم، وشتموهم ونالوا منهم.
يقول الشعبي رحمه الله: "قال لي علقمة: تدري ما مَثَلُ عليٍ رضي الله عنه في هذه الأمة؟ قلت: مَا مَثَلُهُ؟ قال: مَثَلُ عيسى ابن مريم عليه السلام، أحبه قوم حتى هلكوا في حبه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه"([233]).
ومن سب أهل البيت استحق العقوبة وباء بالإثم، كما قال مالك رحمه الله فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم: "يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم"([234])، وقال القاضي عياض: "سب آل بيته وأزواجه وأصحابه وتنقصهم حرام، ملعون فاعله"([235]).
ولا تختلف عقيدة المتأخرين من أهل السنة والجماعة عن عقيدة سلفهم، فهذا الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب من شدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم وذريته سمي أبناءه بأسمائهم، فأكبر أبنائه "حسين" وبه يكنى، وبقية أبنائه: علي، وحسن، وعبد الله، وإبراهيم، وعبد العزيز، وفاطمة.
والشيخ كأهل السنة يقول بتفضيل الخلفاء الراشدين على من سواهم من الصحابة، ويجعل ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، يقول رحمه الله: "وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى..".
ويقول رحمه الله في رسالة له إلى بعض الأشراف في الأحساء: "وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقا؛ فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم، ويظن أنه من التوحيد، بل هو من الغلو، ونحن ما أنكرنا إلا إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم، أو إكرام المدعي لذلك"([236]).
ويقول رحمه الله: "... فلا بد من الإيمان به – أي النبي صلى الله عليه وسلم - ولا بد من نصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك وأولاهم به أهل البيت الذين بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض، وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه وسلم، والسلام"([237]).
فهذه خلاصة عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت، يحبونهم ويجلونهم من غير جفاء ولا غلو، ولا إفراط ولا تفريط، ويحفظون فيهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم، ويردون ما نسب إليهم من ضلالات وأباطيل، وهذه هي المحبة الصادقة النافعة التي أمر الله تعالى بها، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

 
المبحث الرابع:
تميز أهل السنة في محبتهم لآل البيت عن سائر الفرق المنحرفة
 يتميز مذهب أهل السنة والجماعة عن سائر الفرق في أهل البيت في أمور منها:
- محبة جميع آل البيت، فيحبون النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وذريته وأقاربه، بخلاف الفرق التي تحب بعضهم وتبغض أكثرهم.
- اعتدال أهل السنة في محبتهم لآل البيت، فيحبونهم المحبة الشرعية من غير غلو ولا جفاء، ومحبتهم إياهم نابعة من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن من تمام محبته صلى الله عليه وسلم محبة آله وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
1 - فالأمر الأول الذي يتميز به مذهب أهل السنة والجماعة في محبة آل البيت: محبتهم جميعًا، فيحبون بني هاشم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحبون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما لهن من الاتصال والقرب منه.
وبنو هاشم هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وآل الحارث، وعتبة ومعتب، وكل هؤلاء حرم الصدقة كما دلت عليه الأحاديث.
ولا شك أن قرابة هؤلاء بالنبي صلى الله عليه وسلم واحدة، فالعباس عمه، وعلي وعقيل وجعفر من أبناء عمومته، واختص علي رضي الله عنه بالمصاهرة فكان لذريته مزيد قرابة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وكذا يقال في ذرية علي رضي الله عنه، فأهل السنة لا يفرقون بين ذرية الحسن والحسين رضي الله عنهما، بخلاف من غلا في ذرية الحسين رضي الله عنه وجفا ذرية الحسن رضي الله عنه.
وهذا مثال للفارق بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من الفرق المنحرفة؛ فإن أهل السنة يحبون العباس بن عبد المطلب كما يحبون حمزة بن عبد المطلب، ويحبون عبد الله بن عباس كما يحبون علي بن أبي طالب؛ وذلك لما لهم من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا امتثال منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»([238])، وقوله لعمه العباس رضي الله عنه حين شكى إليه ما يلقاه من بعض الناس: «لَنْ يُصِيبُوا خَيْرًا حَتَّى يُحِبُّوكُمْ للهِ وَلِقَرَابَتِي»([239])، وقوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»([240])، وقوله: «إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»([241]).
وقوله في عمه حمزة رضي الله عنه: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْزَةُ»([242])، وقوله لابن عباس رضي الله عنما: «اللهُمَّ فَقِّهْهُ»([243])، وقوله لجعفر رضي الله عنه: «أشبهت خَلْقي وخُلُقي»([244]) وعهده لعلي رضي الله عنه: «إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ»([245])، وقوله عن فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا»([246])، وقوله عن الحسن رضي الله عنه: «اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ»([247])، وقوله في عائشة رضي الله عنه: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»([248]).
وقد فقه الصحابة رضي الله عنهم هذه الأحاديث، فكانوا يعرفون المكانة الشرعية لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي"([249])، وقوله: "ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فِي أَهْلِ بَيْتِهِ"([250]).
وقد سبق ذكر قول عمر للعباس رضي الله عنهما: "لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ"، وتقبيل زيد رضي الله عنه ليد ابن عباس رضي الله عنهما وقوله له: "هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم ".
ويدخل في آل البيت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكر الأدلة عليه، كآية التطهير، وذبح الأضحية عن محمد وآل محمد، وطلبه الإعذار ممن أذاه في أهله، وكونه في مِهْنَةِ أهله..
ومحبة أهل السنة لهؤلاء لأجل قرابتهم؛ ولذا أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لن يصيبوا خيرا حتى يحبوا بني هاشم لقرابتهم، وأخبر أن من آذى عمه العباس فقد آذاه؛ فإن الرجل صنو أبيه، وأخبر أن فاطمة بضعة منه يؤذيه ما آذاها، وأخبر بما لحقه من الأذى حين رميت عائشة رضي الله عنه بما رميت به إفكًا وزورًا.
والمقصود أن أهل السنة يحبون جميع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بسبب قرابتهم منه، وتتفاوت محبتهم بقدر ما لهم من القدر والمنزلة والقرب، فليس التابعون منهم بمنزلة الصحابة، وليس عوامهم بمنزلة العلماء، وليس من قرب نسبه كمن بعد، وهكذا..
2- والأمر الثاني الذي يتميز به مذهب أهل السنة والجماعة في محبة آل البيت: محبتهم إياهم المحبة الشرعية، فيعرفون لهم مكانتهم ومنزلتهم، ويضعونهم في المنزلة التي جعلها الله تعالى لهم، بلا غلو ولا جفاء، ولا تجاوز ولا تقصير.
وبهذا يتضح الفرق بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم فيما يتعلق بآل البيت رحمهم الله، مفهومًا ومعتقدًا.
 فالمخالفون انحرفوا في مفهوم آل البيت؛ إذ حصروا مفهوم آل البيت في أفراد معدودين، أو في فرع من فروع آل البيت، وقالوا بوجود ما لا وجود له أصلا.
ثم انحرفوا ثانيًا بغلوهم في هؤلاء الذين حصروا فيهم مفهوم آل البيت، فافتروا عليهم الأكاذيب، ونسبوا عقائدهم الباطلة لهم، ثم ادعوا محبتهم والتمسك بهم.
وانحرفوا ثالثا بالبغض أو الجفاء لأكثر آل البيت، كالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وذريته، وذرية الحسن بن علي رضي الله عنهما، وذرية إخوته محمد وعمر والعباس([251])، وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما.
فجمعوا بين الضلال في المفهوم والمعتقد، فصار حالهم كحال النصارى الذي كذبوا على المسيح ابن مريم عليه السلام ثم ادعوا أنهم أتباعه وأحق الناس به.
 

 
المبحث الخامس:
حقوق أهل البيت رحمهم الله تعالى عند أهل السنة والجماعة
 
 من حقوق آل البيت عند أهل السنة والجماعة ما يلي:
 (1) محبتهم وإجلالهم وتوقيرهم؛ وذلك لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم"([252]).
ومحبة آل البيت من أصول أهل السنة والجماعة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله حيث قال يومَ غَديرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»..."([253]).
قال القرطبي: "هذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها"([254]).
والمحبة مختصة بأهل الإيمان منهم، ومن جمع الله له بين شرف الإيمان والصحبة والقرابة أحب من ثلاث جهات؛ وإن لم يدرك شرف الصحبة أحب لإيمانه وقرابته، وإن لم يوفق للإيمان لم ينفعه شرف النسب شيئًا([255]).
 (2) مشروعية الصلاة عليهم، وذلك عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وهذا حق لهم دون سائر الأمة، بغير خلاف بين الأئمة([256]).
والواجب هو الصلاة عليهم في التشهد آخر الصلاة على خلاف فيها هذا، وأما خارج الصلاة فمستحب، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك([257]).
ويجوز في خارج الصلاة أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وهو الوارد في القرآن، أو يصلي عليه وعلى آله وصحبه؛ والله تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصلاة على أصحابه، فقال: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة:103]، فكان يصلي عليهم، وصلَّى على آل أبي أوفى وغيرهم، ونحن مأمورون بالاقتداء به.
ولو كان في مجتمع يظهر فيه الرفض وكان في الاقتصار على الصلاة على أهل البيت دون الصحابة ما يشعر بتأييد الباطل أو التباس الحال وجب أن يصلي عليهم جميعًا.
ومن الألفاظ الواردة في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ...»([258])، ومنها: «اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ...»([259])، فهذه الرواية تفسر الرواية التي قبلها.
ومن الأحاديث المكذوبة: "لا تصلوا علي الصلاة البتراء" وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دون آله، فهو مخالف للقرآن، ولا أصل له في كتب السنة، بل ليس له سند مطلقًا حتى في كتب المخالفين وإنما يذكرونه دون سند، وقد ذكره من المتأخرين ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة بصيغة التمريض([260]).
 (3) حقهم في الخُمسِ والفَيء([261])؛ لقول الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال:41].
فأربعة أخماس الغنيمة يقسم بين المقاتلين، والخمس الباقي لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، "فآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها؛ فإن الله جعل لهم حقًا في الخمس والفيء"([262]).
وسهم ذوي القربى في خمس الغنيمة ثابت لهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول جمهور العلماء، وتقسيم الخمس والفيء راجع إلى اجتهاد الإمام، فيعطي القرابة، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وهذا أصح الأقوال، وعليه تدل نصوص الكتاب والسنة([263]).
وهذا من تمام إكرام الله تعالى لهم، وكفايتهم عن المسألة، وتنزيههم عن الصدقات التي هي أوساخ الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»([264]).
ويشاركهم في الاستحقاق من الخمس الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل، ويزيد عليهم هؤلاء بحل الزكاة لهم، وفي هذا اختصاص لهم بأن شرع الله لهم ما يحصل به الكفاف، والاستغناء عن الناس، وعدم الركون للدنيا أو التعلق بها.
وإذا لم يوجد غنيمة ولا فيء، أو تعطل العمل بهما كما في هذه الأزمان، فإنه يشرع صلتهم وعطاؤهم وإكرامهم من بيت المال، ولو احتاجوا من الزكاة أعطوا منها بقدر حاجتهم كما أفتى به طائفة من أهل العلم.
وقد كان عمر رضي الله عنه يعطيهم من بيت المال؛ فإنه "لما وضع ديوان العطاء كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم نسبًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بني أمية، وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك"([265]).
 (4) تجنب أذيتهم والإساءة إليهم، كما في حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: أنه اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يجده من عبوس بعض الناس وتجهمهم في وجهه حين يلقاهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُصِيبُوا خَيْرًا حَتَّى يُحِبُّوكُمْ للهِ وَلِقَرَابَتِي»([266])، وقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»([267])
ومن أعظم الأذية لهم نسبة الأكاذيب والأباطيل إليهم، وإنزالهم فوق منزلتهم؛ فإن ذلك يؤذيهم، ومن ذلك آلاف الروايات المكذوبة المنسوبة إليهم، ووصفهم بالعصمة، أو بشيء من خصائص الألوهية، أو اتهامهم بالكذب والجبن والخور، أو غير ذلك، وقد حرق عليه رضي الله عنه من غلا فيه من السبئية، فخالفه الصحابة في طريقة القتل وليس في استحقاقه، وصح النقل عنه أنه قال: "لا أوتى بأحد يُفَضِّلُنِي على أبي بكر وعمر إلا جلدته حَدَّ المفتري"([268]).
ومن التنقص لهم وصفهم بالمتناقضات، كوصفهم بالعصمة والتقية؛ فإن لازم العصمة قول الحق، ولازم التقية قول الباطل؛ ولذا لا تجوز التقية على المعصوم، لكن الزنادقة جمعوا بين هذه الأوصاف ليردوا ما ثبت عن الأئمة بدعوى التقية، ويدخلوا ما شاءوا من الأكاذيب ويعظموه في نفوس أتباعهم باسم العصمة، والأئمة برآء من كل ذلك.
فأهل السنة عرفوا حقوق آل البيت التي فرضها الله تعالى لهم فأدوها، ولم يجاوزوها أو يفرطوا فيها، فهم وسط بين الغلاة والجفاة.
وعلى كلٍّ؛ فهذه إشارة لبعض حقوقهم، ويشترط فيمن يستحق هذه الحقوق أن يكون مسلمًا، وأن يثبت نسبه؛ فإن الكافر لا يستحق شيئًا ولو ثبت نسبه، لأن المعيار والمقياس في دين الإسلام هو التقوى لا النسب، كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات:13]، وفي الحديث: "مَن أبطأ به عمَلُه لم يُسرِعْ به نسَبُه" ([269]).
ومن ادعى النسب لآل البيت وليس منهم وهو يعلم ذلك فحقه التعزير والحبس، وهو متوعد بالنار يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ([270])، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ([271]) فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([272]).
ومن أراد الاستزادة في معرفة حقوقهم فليرجع إلى كتب أهل السنة والجماعة في الحديث والعقائد والفقه وغيرها، ففيها أبواب في فضائلهم وحقوقهم، ولهم مصنفات مستقلة في فضائل أهل البيت وحقوقهم والدفاع عنهم، فللبزار جزء سماه: "فضائل أهل البيت"، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مستقلة في حقوق أهل البيت، وضمن العقيدة الواسطية باب في بيان مكانتهم، وللعلماء المعاصرين مصنفات كثيرة في هذا الباب، ومنها: فضل أهل البيت وعلو مكانتهم للشيخ عبد المحسن لعباد، وآل البيت وحقوقهم الشرعية للشيخ صالح الدرويش، وآيات آل البيت في القرآن الكريم للشيخ منصور العيدي، والإبانة لما لأهل البيت من المناقب والمكانة للدكتور ناصر الحمد، وأهل البيت بين مدرستين للشيخ محمد الخضر، وأهل البيت عند شيخ الإسلام ابن تيمية للدكتور عمر القرموشي، وغيرها.

 
الفصل السادس:
الإنجازات في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
 
وفيه أربعة مباحث([273]):
المبحث الأول: الإنجازات في زمن الصديق رضي الله عنه.
المبحث الثاني: الإنجازات في زمن الفاروق رضي الله عنه.
المبحث الثالث: الإنجازات في زمن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
المبحث الرابع: الإنجازات في زمن أبي السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
 

 
المبحث الأول:
الإنجازات في زمن الصديق رضي الله عنه
 
عُرِفَ الصّدِّيقُ رضي الله عنه قبل الإسلام بكريم الصفات، فعرف بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، وكان ذا تجارة وعلم بالأنساب، ولم يشرب الخمر في الجاهلية، ولم يسجد لصنم قط.
وهو أول الرجال إيمانًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، لازمه طيلة حياته، زوجته ابنته، وواساه بنفسه وماله، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقف موقفًا لم يقفه غيره، فدرأ الله به الفتنة، ونصر به الإسلام، فجمع القرآن، وفتح البلدان.
وقد تميز بالحنكة، والشجاعة، ورباطة الجأش، وسداد الرأي، وكان له فراسة نادرة في اختيار الرجال والقادة.
وقد كان لسرعة مبادرته وحسن تدبيره أثر في حفظ دولة الإسلام، وقطع الطريق على الروم والفرس وحلفائهم، فقاتل المرتدين وأنفذ جيش أسامة؛ فشرد بذلك من خلفهم، ولتأمين الحدود كلها أرسل جيش أسامة إلى الشام، وخالد بن سعيد إلى مشارف الشام، وعمرو بن العاص إلى تبوك ودومة الجندل، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين ثم تبعه المثنى إلى جنوب العراق، وأرسل خالد بن الوليد إلى اليمامة وما وراءها.
وبذلك أعاد الاستقرار إلى شمال الجزيرة وشرقها وهي المنطقة المتاخمة للروم والفرس، فقطع الطريق ضد تدخل الروم والفرس، ومهد الطريق لفتح العراق والشام.
ثم عين أمراء على مكة، والطائف، وصنعاء، وحضرموت، وخولان، ونجران، والبحرين، وعمان، واليمامة، وغيرها.
وقد تجاوزت الوقائع في العراق أكثر من إحدى عشرة وقعة، وأشهرها معركة ذات السلاسل، كما بلغت في الشام أكثر من ذلك، ومن أشهرها معركة أجنادين واليرموك، فكان من عبقرية الصديق رضي الله عنه في القتال أنْ عيَّنَ المثنى بن حارثة على العراق وكان شجاعًا مقدامًا حسن الرأي، خبيرًا بمناطق العراق جريئًا على الفرس، وهو أول من اجترأ على قتالهم، وقضى على البقية الباقية من جندهم بالمدائن بعد خروج خالد بن الوليد منها إلى الشام.
وما ابتدأه الصديق أكمله الخلفاء من بعده، فقد استتم الفاروق رضي الله عنه فتح العراق ومصر والشام، وامتدت الفتوحات إلى فارس وتركيا وليبيا، ومن أشهر المعارك: معركة القادسية، ونهاوند، وفي زمن عثمان رضي الله عنه استتم فتح خراسان وأذربيجان وأرمينيا، وبلغت جيوش المسلمين كابل ونهر السند، وبلغت كذلك عمورية (قرب أنقرة)، وفتحوا مرو والقوقاز، وغزوا قبرص بأمر عثمان رضي الله عنه، وهو أول من أجاز الغزو البحري، واستمرت الفتوح في إفريقية، وفيها المعركة المشهورة معركة ذات الصواري، وفي زمن علي رضي الله عنه توغلت جيوش المسلمين في بلاد السند، إضافة إلى الحفاظ على الأقاليم المفتوحة.
والذي يهمنا هنا أن الصديق بعث بجيشين إلى العراق، وأمر المثنى أن يكون تحت إمرة خالد رضي الله عنه؛ فالجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد، والآخر بقيادة عياض بن غنم.
وأمر جيشَ خالد أن يغزوَ العراق من جنوبه الغربي من منطقة (الأُبـُـلَّة)، وبعث معه بالقعقاع بن عمرو التميمي، وأمر عياضًا أن يغزو العراق من أعلاه بادئًا بـ (المُصَيَّخ)، ثم يلتقيا بعد ذلك في الحِيْرةِ، وقال لهما: "إذا اجتمعتما بالمسالح بالحِيرَةِ وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحِيرَة، وليقتحم الآخر على عدوِّ اللهِ وعدوِّكم مِن أهلِ فارسَ دِيارَهم ومُستقرَّ عِزِّهُم المدائن"، كما أمرهما ألا يكرها أحدًا على المسير معهما، ولا يستعينا بمن ارتد عن الإسلام وإن كان رجع إليه.
 وهذا يدل على عبقرية الصديق القتالية، وحسن اختياره للرجال، وعمق تفكيره، وبعد نظره، وتأييده وتسديده..
وقد نُوقِشَ في إرساله للقعقاع فقال: "لا يُهزَمُ جيشٌ فيهم القعقاع"، فَصَدَقَت فِرَاسَتُه؛ حيث كاد الفرس أن يغدروا بخالد بن الوليد رضي الله عنه حين مبارزته لهرمز، فتدخل القعقاع رضي الله عنه في اللحظات الحاسمة في معركة ذات السلاسل وكان تدخله سببًا من أسباب انتصار المسلمين.
ومن التخطيط الاستراتيجي دخول الجيشين من جهتين متقابلتين، والتقاؤهما في الحيرة، وهو ما يسمى بفكي الكماشة في التخطيط العسكري الحديث.
والحِيرَةُ ذات موقع استراتيجي متميز، حيث تقع في قلب العراق، فهي ما بين الكوفة والنجف، وتصل شمالًا بِهِيْت والأنبار، وتتصل بالشام من الغرب، وتتصل بِالأُبُلَّة في منطقة البصرة، وفي كَسْكَرَ في السواد، وفي النعمانية على نهر دجلة، وهي قريبة من المدائن عاصمة الفرس، ومن سيطر على الحِيرَةَ أَمَّنَ المناطقَ الواقعةَ غربَ الفراتِ بأجمعِها.
ومع هذا التخطيط الفذّ للصديق رضي الله عنه فقد كانت مراسلاته مستمرة لجيوش المسلمين في العراق والشام، وساهم في التوجيه والتخطيط وإبداء الرأي وكأنه حاضر معهم، فما أعظم أثر الصديق رضي الله عنه في نشر في نشر الإسلام.
وقد ضحى الصحابة رضي الله عنهم بأعز ما يملكون، فتعرضوا للمهالك، كما فعل خالد بن الوليد حينما استعجل الخروج من العراق إلى الشام لنصرة المسلمين، وقطع مفازة مهلكة في خمسة أيام لا تقطع عادة إلا في شهر أو شهرين، وحين قطعها قال قولته المشهورة التي سارت مثلًا فيما بعد: "عِنْدَ الصباحِ يَحْمَدُ القومُ السُرَى"، كما قاتل المسلمون الروم في اليرموك، وكان عدد المسلمين أربعين أو خمسين ألفًا، وعدد الروم مائتين وأربعين ألفًا، فانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، واستشهد منهم ثلاثة آلاف، وأما الروم فقتل منهم مائة وعشرون ألفا، وفر الباقون.
وهذا يجلي لنا ما كان عليه الصحابة من الإيمان والبذل والنصرة للدين، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، وقد مات أكثرهم في الجهاد بعيدًا عن ديارهم، وأصابهم من الجهد ما أصابهم.
تلك سيرهم وأخبارهم، وتلك خلافة الصديق رضي الله عنه، التي لم تدم إلا سنتين وثلاثة أشهر وتسع ليال، فثبت الله به الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ونصر الله به الإسلام يوم الردة، وفتح الله على يديه الفتوح في العراق والشام، ورتب الولايات والأقاليم، وأمر بجمع القرآن بعد مشورة عمر له، ورتب الأعطيات من بيت المال، وتفقد بنفسه الفقراء والمساكين، ورتب القضاء ونظمه، وكان مع ذلك زاهدًا عابدًا، وآخر حسناته تولية الفاروق بعده.
فرضي الله عنه وعن باقي الصحابة وأرضاهم، ورحم التابعين الذين ساروا على خطاهم وقاتلوا معهم، جمعنا الله تعالى بهم جميعًا في مستقر رحمته.
 

 
 
المبحث الثاني:
الإنجازات في زمن الفاروق رضي الله عنه:
 
أكمل الفاروق رضي الله عنه الفتوحات الإسلامية وثبت الإسلام في العراق والشام، والحديث عن الفتوحات في زمنه يطول، ولهذا فمن باب التنويع في ذكر أعمال الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وطلب الاختصار سنتجاوز ذكر الفتوحات في زمنه، ونلقي الضوء على إنجازاته الأخرى رضي الله عنه.
 لقد حقق الفاروق العدل بين الناس، ووضع التاريخ، واهتم بالعلم، وطور العمران، ونظم مؤسسات الدولة المالية، وأنشأ بيت المال، ودون الدواوين، وأصدر النقود الإسلامية، وطور المؤسسة القضائية، وقسم الولايات.
وكل جانب من هذه الجوانب يحتاج إلى تفصيل وبيان، لكن يمكن أن نقف مع بعض الجوانب حسب الإمكان.
لقد تميز الفاروق رضي الله عنه بتحقيق العدل، فصار مضرب المثل في ذلك، وهذا هو الرقي الحضاري الحقيقي، فأبقى أكبرَ الأثرِ على الشعوبِ التي كانت تعيشُ تحتَ استبدادِ الرومِ أو الفرسِ ثم فتحها المسلمون، فقد دخلوا في دين الله أفواجًا باختيارهم وإرادتهم.
 ومن مآثر الفاروق رضي الله عنه: اهتمامه بالعلم، فبعث في كل بَلَدٍ من يعلمهم، فكان في مكة ابن عباس، وفي البصرة أنس وأبو موسى الأشعري، وفي الكوفة ابن مسعود، وفي الشام معاذ وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء رضي الله عنهم.
وكان يحضر حلقة أبي الدرداء رضي الله عنه في دمشق نحو ألف وستمائة، وحفظ القرآن على يد أبي موسى رضي الله عنه أكثر من ثلاثمائة.
 ومما يؤثر لعمر رضي الله عنه: أنه فرض الأرزاق من بيت المال للمعلمين والمفتين حتى يتفرغوا لأداء مهمتهم في التعليم والإفتاء، وأمر ببناء المساجد في الأقاليم المفتوحة وأن تكون مكانًا للتعليم والفتيا، حتى بلغت المساجد التي يصلى فيها الجمعة في عهد عمر رضي الله عنه إلى اثني عشر ألف منبر، ثم أنشأ مكاتب خارج المساجد لينقل إليها تعليم الصبيان، وفرض لمعلميهم رَزْقًا من بيت المال، كما خصص بعض الأعطيات والجوائز للطلبة تشجيعًا لهم على المنافسة في تحصيل العلم.
 ومن مآثر الفاروق رضي الله عنه: توسعة المسجد النبوي، وإصلاحات المسجد الحرام، فنقل مقام إبراهيم عليه السلام وكان ملصقًا بالكعبة فأخره تيسيرًا على الطائفين، واشترى دورًا حول الحرم المكي وهدمها وزادها فيه.
واهتم بالطرق بين القرى والولايات، فخصص إبلًا لتيسير انتقال من لا ظهر له، وجعل أمكنة على الطريق فيها ما يحتاجه الناس من الماء والسويق والتمر والزبيب، ووجه ببناء المنازل بين مكة والمدينة لتكون عونًا لابن السبيل، وألزم البلاد المفتوحة بالاعتناء بالطريق وتهيئة المكان والطعام للمسافرين.
وشق الأنهار وأصلح الجسور كما في العراق ومصر، ومن ذلك: أنه ألزم أهل الرها عند إبرام العهد معهم بإرشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق.
ومن عجيب أمره أنه أمر عمرو بن العاص رضي الله عنه بإعادة حفر الخليج الذي كان يربط بين النيل من قرب حصن نابليون إلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التجارة، ولكن الروم أهملوه فَرُدِم، فأعاد شقه عمرو بن العاص مرة أخرى، فيسر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط بمصر، وأصبح شريان تجارة بين الحجاز ومصر، وبني داخله متنزهات وبساتين ومساكن، ولم يزل كذلك إلى عهد عمر بن عبد العزيز، ثم أهمله الولاة بعد ذلك فَتُرك وغلب عليه الرمل فانقطع.
وحفر بالعراق قناة مائية مسافة ثلاثة فراسخ (15كم تقريبًا)، من الخور إلى البصرة لإيصال مياه دجلة إليها، وحفر هذه المسافة ليس يسيرًا.
وأنشأ مدينة البصرة والكوفة والفسطاط والجيزة وسرت وغيرها، ووسع المدن القديمة كالموصل.
وهذه المدن أنشئت لتكون مراكز لتجمع المجاهدين، فَخُطّطت وأُنشِئت فيها المرافق العامة، كالمساجد والأسواق، وأنشئ لكل مدينة حمى لرعي خيل المجاهدين وإبلهم.
وراعى عند تخطيطها قربها من الماء والمرعى، وقربها من الريف للاستفادة من منتجات أهلها، وملائمة هواء المدينة وتربتها للسكنى لتكون أصح لهم ولإبلهم، وراعى موقعها الجغرافي ليسهل على أهلها الوصول إلى دار الخلافة، وإلى بقية الأقاليم والأمصار.
وبإزاء هذه المدن أُنشِئت حاميات في المدن المفتوحة، وفيها ثكنات لإقامة الجند، وفي كل معسكر حظيرة للخيل فيها ما لا يقل عن أربعة آلاف حصان على أهبة الاستعداد، حتى إذا دعت الحاجة يمكن أن تدفع القيادة في وقت قصير إلى ميادين القتال أكثر من 36 ألفًا من الفرسان دفعة واحدة.

 
المبحث الثالث:
الإنجازات في زمن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه
 
تعد خلافة عثمان رضي الله عنه من أهم مراحل التاريخ الإسلامي؛ وذلك لكثرة الفتوحات في عهده وسعتها، واستقرار البلدان المفتوحة وازدهارها، وكان له بصمات تميزت بها خلافته رضي الله عنه.
*فمن لطيف ما فعله رضي الله عنه أنه اتخذ بالكوفة بعض الدور منازل للضيافة ينزل بها الغرباء ممن ليس لهم منزل، واشترى سوق البصرة بماله وأصلحه ثم وهبه لأهلها فازدهر الاقتصاد بها، وفي زمنه حفرت آبار كثيرة في البصرة، وفي الأبلة وغيرها، مما كان له أثر كبير في ازدهار الزراعة ونموها.
*كما أقطع الموات من الأرض في أرض العراق بقصد استصلاحها، ولتعود زكاتها لبيت مال المسلمين؛ ولهذا فقد ارتفعت غلتها من تسعة ملايين درهم في زمن عمر رضي الله عنه إلى خمسين مليون درهم في زمن عثمان رضي الله عنه، وهذا مما ساهم في زيادة موارد بيت مال المسلمين، والتي أنفقها عثمان رضي الله عنه في تمويل الفتوحات الإسلامية، وفي الإنفاق على الفقراء والمساكين، وفي استصلاح المدن والبلاد.
* ومن الأمور التي قل أن تذكر لعثمان رضي الله عنه أنه حول الساحل من الشعيبة إلى جدة لقربها من مكة، وكانت الشعيبة ساحل مكة قديما في الجاهلية، فأمر بتحويل الساحل لجدة.
 وكان ذا نظر ثاقب رضي الله عنه، فأمر بحفر الآبار ليشرب منها الغادي والرائح، وأمر بتعمير المساجد وتجديدها، وجعل عطاء للمؤذنين، والولاة، والقضاء، والجند، وعمال الدولة، ولم ينس الضعفاء والمساكين، فكان لذلك أثر على المجتمع في زمن خلافته، ونشطت الحركة الزراعية والصناعية والتجارية والحضارية، مما لم يكن معروفًا قبل ذلك.
 ومن آثاره الباقية زيادة الأذان الثاني يوم الجمعة، لأجل تنبيه الناس على قرب وقت صلاة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة، فاجتهد في هذا ووافقه جميع الصحابة رضي الله عنهم.
 ومن فتوحاته: فتح أذربيجان والري، وذلك بعد أن تمرد أهلها بعد وفاة الفاروق رضي الله عنه، فأعاد عثمان رضي الله عنه فتحها، وقبض منهم الأموال التي حبسوها بعد وفاة عمر رضي الله عنه، وجعلها في بيت مال المسلمين.
وكان لحزم عثمان رضي الله عنه وحسن اختياره للقادة سبب في رضوخ أهلها وطلبهم الصلح، فعادت لحياض الإسلام واستقر أمرها.
 ومن نتائج إخضاع أهل أذربيجان فتح أرمينية بعدها، وقد كانت بلدًا نصرانيًا محتلًا من قبل الفرس، وكان أهلها يعانون الاضطهاد والظلم والتسلط، ففتحتها المسلمون، ونشروا فيها الإسلام، وحكموها بالعدل، فاستمر حالها على ذلك وصارت بلدًا مسلمًا.
ولم تكن الحال في مصر مختلفة عن بلاد فارس والعراق؛ فقد حرّض الروم أهل الإسكندرية ليخرجوا عن الطاعة، فلما استجابوا لهم وأطاعوهم أرسلوا قواتهم إليها ليرجعوها إلى حكمهم، وهنا تدارك عثمان رضي الله عنه الموقف، فأعاد الأمر لعمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان قد عزله وولى مكانه ابن أبي السرح، وذلك لأن ابن العاص أعرف بحرب الروم، وله هيبة في نفوسهم، فدارت بينه وبينهم معركة شديدة انتهت بانتصار المسلمين، وفرَّ الروم إلى الاسكندرية ليتحصنوا فيها، فتبعهم رضي الله عنه بجيشه، وحاصرهم وضيق عليهم، ورماهم المسلمون بالمنجنيق، فانتهى الأمر بفتح الاسكندرية ورجوعها إلى حكم المسلمين.
والمقصود من ذكر هذه الفتوحات معرفة أثر ذي النورين رضي الله عنه في تثبيت الإسلام في هذه البلدان، والتي صارت حاضرة المسلمين قرونا متطاولة، ولازالت بلادًا إسلامية معتزة بإسلامها.
ولم يكن دور عثمان رضي الله عنه إعادة الاستقرار وتثبيت الإسلام في تلك البلدان وفتح ما جاورها، بل بلغت جيوش المسلمين في عهده رضي الله عنه إلى إفريقية، ففتح المغرب العربي وغيره، وكان في جيشه الحسن والحسين أبناء علي رضي الله عنهم أجمعين.
وقد بذل الروم قصارى جهدهم في مواجهة المسلمين، فرفض قائدهم جرجير ما عرض عليه المسلمون من الإسلام، ورفض دفع الجزية، واستكبر وتمادى في غيه فجمع جيشًا قوامه مائةً وعشرين ألفًا، ولكن آل أمرهم للهزيمة، وفَتَح المسلمون تلك البلاد.
 ومن أهم أعمال عثمان رضي الله عنه أنه أول من أنشأ أسطولًا بحريًا إسلاميًا؛ ففي زمن خلافته غزا المسلمون جزيرة قبرص عن طريق البحر، فتحصن أهلها في داخلها ولم يخرجوا لمواجهة المسلمين، وطلبوا الصلح وفق شروط قدموها، فقبل المسلمون بذلك واشترطوا عليهم شروطًا.
وقد استمر الأمر على ذلك إلى أن نقض أهل قبرص الصلح في زمن عثمان وإمارة معاوية رضي الله عنهما، فلما علم بخيانتهم عزم على فتح الجزيرة ووضعها تحت سلطان المسلمين، فخاض المسلمون معركة عظيمة سميت بذات الصواري، وكانت على السفن، فكان المسلمون يرمون عدوهم بالنبل والسهام ولكن كانت سهامهم تقصر عنهم ولا تنال منهم.
فلما رأى المسلمون ذلك ربطوا سفنهم ببعضها، واقتربوا من سفن العدو حتى صارت في متناول خطاطيفهم، وحينئذ قذفوا الخطاطيف على مراكب الروم، وجذبوها إليهم، وشدوها إلى مراكبهم، حتى أصبحت السفن كلها ميدانًا للقتال، ودارت معركة عظيمة بين الفريقين، فكان النصر فيها حليفا للمسلمين.
 ومن أجل أعمال ذي النورين وأعظمها بركة على المسلمين كتابته للمصحف على حرف واحد وتوزيعه على الأمصار، وهذا من الأسباب التي حفظ الله تعالى بها القرآن من أي زيادة أو نقص أو اختلاف.
وقد كانت الآيات تكتب بعد نزولها في الصحف والألواح والعُسُب، ولم يجمع القرآن في موضع واحد، فلما تولى الصديق رضي الله عنه جمعه ورتب آياته وسوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم ونظمها في خيط واحد، وكتبها على الحرف الذي وقع به العرض الأخير من النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام، واستقر عليها الأمر في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان نزول القرآن على سبعة أحرف بلغة قريش وغيرهم، فتتعدد الألفاظ مع اتفاق المعنى؛ وذلك تيسيرًا على الأمة؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، فقد كانوا أميين ويشق عليهم التحول لغير لغتهم وألفاظهم، فلما تولى عثمان رضي الله عنه وانتشرت الفتوحات، وقرأ الناس بلغاتهم التي نزل بها القرآن، وخطأ بعضهم بعضًا، أخذ عثمان رضي الله عنه المصحف الذي جمعه الصديق، فأمر بنسخه وكتابته على لغة قريش، وهي القراءة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بتوزيعه على الأمصار، وأحرق ما سواه من اللغات في الصحف الأخرى؛ إذ الحاجة لها قد انتهت؛ حيث استفاض القرآن وتمازج الناس وتوحدت لغاتهم وعادت لغاتهم إلى لسان رسول صلى الله عليه وسلم، ولئلا يقع الاختلاف بين المسلمين في كتاب الله تعالى، وبذلك وقى الله تعالى المسلمين من شر الاختلاف فلم يختلفوا في حرف منه؛ وبقيت بركة جمع القرآن بين المسلمين إلى يومنا هذا.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: فبان بهذا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد.
وقال القرطبي: إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان جائزا لهم ومرخصا لهم فيه، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجتمعوا على حرف واحد أجمعوا على ذلك إجماعًا شائعًا، وهم معصومون من الضلالة.
فالذي جمع القرآن هو الصديق رضي الله عنه، والذي حمل الناس على القراءة بحرف واحد هو عثمان رضي الله عنه، والقراءات المعروفة المتواترة اليوم كلها على حرف واحد.
ولم يفعل عثمان رضي الله عنه ذلك إلا بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت من القراءة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما عداها، واستصوبوا رأيه، وأثنوا على فعله، حتى قال علي رضي الله عنه: "رحم الله عثمان، لقد صنع في المصاحف شيئًا، لو وليت الذي ولي قبل أن يفعل في المصاحف ما فعل لفعلت كما فعل".
ورحم الله ابن المهدي إذ يقول: "خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر وعمر: صبره على نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف".
 ومن مآثره رضي الله عنه: توسعة المسجد الحرام، حيث أضاف إلى الكعبة دورًا اشتراها وأحاطها بجدار قصير لا يرتفع إلى قامة الرجل؛ وذلك لأن المسجد قد ضاق بالحجاج الذين يأتون لأداء الحج بعد انتشار الفتوحات الإسلامية.
 كما أعاد رضي الله عنه بناء المسجد النبوي ووسعه، فقد اشترى رضي الله عنه أرضًا ملاصقةً للمسجد النبوي بعد أن ضاق بالمسلمين وقام بتوسعته، واستدل بما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم من فضل بناء المساجد وعمارتها.
ومع كل هذه الأعمال فقد كان يحج مع الناس، ويسأل القادمين من الأمصار والولايات عن بلدانهم وأمرائهم، ويرسل المفتشين إلى الولايات، ويستقدم الولاة ويسألهم عن أحوال بلادهم، ويراسلهم ويتفقد أحوالهم، ويتتبع أخبار الأعداء، ويتابع دواوين الجند، ويستشير أهل الرأي، إلى غير ذلك من الأعمال.
وحياته رضي الله عنه مليئة بالمآثر والفضائل، ولم يبدأ المغرضون بإثارة الفتن والقلائل إلا في النصف الأخير من خلافته، والتي انتهت بمقتله رضي الله عنه صابرًا محتسبًا، فرضي الله عنه وأرضاه وجمعنا وإياه في دار كرامته إنه سميع مجيب.

 
المبحث الرابع:
الإنجازات في زمن أبي السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
 
خلافة علي رضي الله عنه هي خاتمة العقد، ويلحق بها خلافة الحسن رضي الله عنه ستة أشهر، وبتمامها تكتمل خلافة النبوة ثلاثين عامًا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
وعهد علي رضي الله عنه لم يكن مُستقِرًا؛ فخرجت الخوارج عليه، وظهرت السبيئة في زمنه، ودارت بسبب ذلك فتن ومحن عظيمة، ومع ذلك جرى في زمن خلافته توغل في جبهة السند، وحافظ على كيان الدولة الإسلامية، وتعهد الأمصار بالرعاية والمتابعة وتولية الولاة، وكان له إسهام في التنمية ونشر العلم، فكيف لو كان الأمر في زمنه مستقرًا والوضع مستقيمًا، لكنَّ أمر الله تعالى نافذ، وقضاءه سابق، وله سبحانه وتعالى الحكمة البالغة فيما يقدره ويقضيه.
 ومن جملة أعمال علي رضي الله عنه اهتمامه بالاحتساب في الأسواق، وتنظيمه لشؤونها، وبناؤه للسجون، وتنظيمه للشرطة، ففي عهده كانت وظيفة الشرطة إحدى الوظائف المهمة المعروفة، وقد بنى سجنًا في الكوفة، وأجرى على أهل السجون ما يقوتهم من طعامهم وأدمهم وكسوتهم في الشتاء والصيف، وكان له أصحاب شرطة، يقومون بدور أمني وحضاري، كمساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف، وإرشاد التائه، وإطعام المساكين، وتقديم العون.
 ومن حسن تنظيمه وإدارته تخصيصه ليوم ينظر فيه في المظالم، وهذا يدل على عنايته واهتمامه بتنظيم أمور الدولة، ويدل على قلة المظالم وظهور العدل.
 وقد اشتهر عن علي رضي الله عنه تشديده في مراقبة عماله في جميع النواحي، فقد كان يبعث من يخبره عن أحوالهم، وكان ولاته يباشرون إنفاق الأموال التي لديهم في شؤون الجهاد والفتوح، وفي نفقات العمال والموظفين، وفي بناء الجسور وحفر القنوات والعيون والأنهار.
وخلافته رضي الله عنه كخلافة الخلفاء الذين قبله، خلافة على منهاج النبوة، ولذا حرص على لزوم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد ونبذ الشرك، فبعث أبا الهياج الأسدي وأوصاه بمثل ما أوصاه به النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا صورة إلا طمسها".
وكان رضي الله عنه على إيمان راسخ ويقين صادق؛ ولذا لم يعر اهتمامًا لما نهاه عنه المنجمون حين أراد الخروج لقتال الخوارج، زعمًا منهم أن القمر في العقرب وأن هذا سيؤدي لخسارته، فمضى رضي الله عنه في طريقه وهو يعلم أن الأمر بيد الله تعالى، وأنه المصرّف للكون وحده، فكان النصر حليفه، وهزم الخوارج شر هزيمة في معركة النهروان.
 وعلى كل؛ فمن المتعذر أن نفي بمآثرهم رضي الله عنهم في بحث مختصر كهذا، ولكن حسبنا الإشارة إلى نتف من ذلك لبيان عظمة ذلك الجيل، ومكانة تلك الخلافة الراشدة، وإبانة ما كان عليه المسلمون من حضارة ورقي، وما كان لهم على البشرية من بعدهم.
والله من وراء القصد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،،
 

 
الخاتمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يملك المرء في نهاية هذا البحث إلا أن يقر أنه لم يكتب شيئًا يذكر، وأنه أغفل الكثير الكثير مما يتعلق بهذا الموضوع؛ لكن هذا أمر لابد منه؛ فالمقصود بهذا البحث أن يكون مختصرًا على سبيل الإشارة والبيان، ومن طلب الهدى كفاه دليل واحد، ومن رام الضلالة واختار الغواية فلن يكفيه ألف دليل.
 ويمكن إيراد خلاصة البحث في النقاط التالية:
1- فضل الصحابة رضي الله عنهم وعدالتهم هو مقتضى النصوص من الكتاب والسنة.
2- مما يدل على عدالة الصحابة رضي الله عنهم حالهم من النصرة والهجرة وبذل الأرواح والمهج لنصرة هذا الدين.
3- فضل الصحبة - ولو لحظة - لا يوازيه عمل، ولا تنال درجته بشيء، كما ذكر القاضي عياض رحمه الله، وعليه فإن أدناهم صُحْبَةً أفضلُ من الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميعِ الأعمالِ كما بينه الإمام أحمد رحمه الله.
4- الواجب محبة الصحابة رضي الله عنهم وإجلالهم وتوقيرهم، والدعاء والاستغفار لهم، والدفاع عنهم، واتباعهم بإحسان.
5- تحريم سب أحد من الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الله تعالى هو الذي زكاهم، ووعدهم الحسنى، فسبهم وتكفيرهم تكذيب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
6- يلزم من الطعن في عدالة الصحابة رضي الله عنهم إبطال الدين؛ إذ الطعن في الناقل يلزم منه الطعن في المنقول، وهو الكتاب والسنة، وهذا هو مراد من طعن فيهم رضي الله عنهم.
7- الأصل هو الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم، فإن اقتضت الحال البحث في تلك القضايا، فلا بد من مراعاة الأسس العلمية للبحث في تاريخ الصحابة رضي الله عنهم.
8- يتميز معتقد أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم بموافقته للكتاب والسنة، من المحبة الصادقة، والاتباع الصحيح، فهم أصدق الناس في محبتهم، بلا غلو ولا جفاء، بخلاف أهل الأهواء الذين غلوا في بعض أهل البيت فرفعوهم فوق منـزلتهم، وجفوا بعض أهل البيت فسبوهم ولعنوهم، فضلًا عن تكفيرهم ولعنهم لجل الصحابة رضي الله عنهم.
ومن تأمل واقع الصحابة وآل البيت رحمهم الله تعالى علم صواب منهج أهل السنة؛ فعلي رضي الله عنه يدافع عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويسمي أبناءه بأسماء الخلفاء الذين قبله، ويزوج ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه، وأبو بكر يقدم صلة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم على قرابة نفسه، وعمر يفرح بإسلام العباس أكثر من فرحه بإسلام أبيه لو أسلم؛ لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
9- لا يختلف الصحابة وآل البيت في معتقدهم، فآل البيت بعضهم من الصحابة، وبعضهم من التابعين..، وهكذا، وعقيدتهم موافقة للكتاب والسنة، وإنما حصل الكذب والافتراء عليهم ونسبة العقائد الباطلة إليهم من قبل الباطنية وأشباههم.
10- تميز جيل الصحابة زمن الخلفاء الراشدين بالتقدم العلمي والحضاري، فانتشر العلماء وطلبة العلم، وأنشأوا المدن، وبنوا الجسور، وحفروا الأنهار، وشقوا الترع..
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،

 
الفهرس
 
مقدمة الشيخ الدكتور/ سعد بن عبد الله الحميّد 5
مقدمة الطبعة الثانية 7
الفصل الأول: مدخل للحديث عن الصحابة رضي الله عنهم 11
المبحث الأول: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله عنهم 13
المبحث الثاني: لماذا نحب الصحابة رضي الله عنهم 19
المبحث الثالث: تعريف الصحابي، وبيان الضوابط التي يعرف بها الصحابي. 27
الفصل الثاني: عدالة الصحابة رضي الله عنهم 29
المبحث الأول: المراد بعدالة الصحابة رضي الله عنهم 31
المبحث الثاني: ماذا يترتب على القول بعدالة الصحابة رضي الله عنهم 40
المبحث الثالث: أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم 42
أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم من القرآن الكريم. 44
أدلة عدالة الصحابة رضي الله عنهم من السنة النبوية 54
دلالة العقل على عدالة الصحابة رضي الله عنهم 58
المبحث الرابع: منزلةُ الصُّحبةِ لا يعدلُها شيءٌ 64
المبحث الخامس: وقفة مع معاوية رضي الله عنه 72
الفصل الثالث: حكم سب الصحابة رضي الله عنهم 79
المبحث الأول: أنواع السب وحكم كل نوع. 81
المبحث الثاني: اللوازِمُ المترتبة على السَّبِّ.. 93
الفصل الرابع: البحث في تاريخ الصحابة رضي الله عنهم 99
تمهيد: 101
المبحث الأول: الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم. 103
المبحث الثاني: قواعد مهمة عند دراسة تاريخ الصحابة رضي الله عنهم 106
المبحث الثالث: حقيقة ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم. 110
الفصل الخامس: عقيدة أهل السنة والجماعة في آل البيت رحمهم الله تعالى. 114
المبحث الأول: المراد بأهل البيت.. 116
أولًا: المراد بأهل البيت في كتب اللغة. 116
ثانيًا: المراد بأهل البيت في الشرع. 118
المبحث الثاني: عقيدة أهل البيت ومروياتهم بين أهل السنة ومخالفيهم 126
المبحث الثالث: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل البيت رحمهم الله تعالى  132
المبحث الرابع: تميز أهل السنة في محبتهم لآل البيت عن سائر الفرق المنحرفة 138
المبحث الخامس: حقوق أهل البيت رحمهم الله تعالى عند أهل السنة والجماعة 144
الفصل السادس: الإنجازات في زمن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم 152
المبحث الأول: الإنجازات في زمن الصديق رضي الله عنه 154
المبحث الثاني: الإنجازات في زمن الفاروق رضي الله عنه 160
المبحث الثالث: الإنجازات في زمن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه 166
المبحث الرابع: الإنجازات في زمن أبي السبطين علي بن أبي طالب رضي الله عنه 174
الخاتمة 178
الفهرس. 182
 
 


([1]) صحيح البخاري (3651)، صحيح مسلم (2533).

([2]) من المراجع التي أفدت منها وربما فاتني العزو لها في بعض المواضع: مذكرة "مجتمع الأمة الإسلامية" لعدد من أساتذة الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود، اعتقاد أهل السنة في الصحابة للدكتور محمد الوهيبي، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة للدكتور محمد أمحزون، المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ للدكتور محمد رشاد، سير الخلفاء الراشدين للدكتور علي الصلابي.
ومن المواقع الإلكترونية: موقع الألوكة، صيد الفوائد، الإسلام سؤال وجواب، إسلام ويب، ملتقى أهل الحديث، وغيرها.

([3]) ينظر: اعتقاد أهل السنة للحافظ أبي بكر الإسماعيلي (ص 51).

([4]) شرح السنة للمزني (ص 87).

([5]) ينظر: أصول السنة للإمام أحمد (ص 41)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، (317).

([6]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (15)، سنن ابن ماجه، المقدمة، رقم (162)، قال البوصيري: "هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات". مصباح الزجاجة (1/65-66)، رقم (59).

([7]) مسند أحمد (1629)، سنن أبي داود (4650) وصححه الألباني، وكذا محققو المسند.

([8]) ودليل ذلك ما جاء في صحيح البخاري (4150)، عن البراء رضي الله عنه قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية"، وينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (3/1078)، الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 245).

([9]) ينظر: اعتقاد أهل السنة، للحافظ أبي بكر الإسماعيلي (ص 50).

([10]) معتقد أهل السنة والجماعة للإمام حرب بن إسماعيل الكرماني (ص 81).

([11]) ينظر: الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات لأبي عمرو الداني (ص 128)، شرح السنة للبربهاري (ص 103).

([12]) ينظر: شرح السنة للبربهاري (ص 81، 106، 114).

([13]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 49).

([14]) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (2/689).

([15]) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب الإبانة لابن بطة، والطحاوية للإمام الطحاوي، والعقيدة الواسطية لابن تيمية.

([16]) ينظر: تفسير ابن كثير (7/363)، الكشاف للزمخشري (4/348)، التحرير والتنوير لابن عاشور (26/211)، وقد ذكر ابن عاشور رحمه الله تعالى أنه لو قيل بأنها للتبعيض فلا ينافي ذلك المغفرة لجميعهم؛ لأنهم جميعاً آمنوا وعملوا الصالحات، وهم خيرة المؤمنين.

([17]) ينظر: الكشاف للزمخشري (4/348).

([18]) صحيح البخاري (3673) صحيح مسلم (2540) واللفظ له.

([19]) مسند أحمد (13812) وصححه الألباني في الصحيحة (1923).

([20]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (8)، السنة لأبي بكر الخلال (833)، المعجم الكبير للطبراني (12709) وحسنه الألباني بمجموع طرقه كما في الصحيحة (2340).

([21]) صحيح البخاري (3661).

([22]) صحيح البخاري (3783)، صحيح مسلم (75).

([23]) الكبائر للإمام الذهبي (ص 237).

([24]) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/947) رقم (1810)، وبنحوه أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر، وفيه: "قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صلعم وَنَقْلِ دِينِهِ".

([25]) ينظر: الإصابة لابن حجر (1/7)، وينظر كذلك كلامه في فتح الباري (7/3)، (7/4).

([26]) ينظر: الإصابة لابن حجر (1/8).

([27]) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (15/529)، ألفية السيوطي في علم الحديث تحت عنوان: معرفة الصحابة.

([28]) ينظر: الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 241).

([29]) ينظر: المرجع السابق (ص 245).

([30]) ينظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/474)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/58) وما بعدها، موقع الألوكة، مقال بعنوان: هل جميع الصحابة عدول، للشيخ الدكتور سعد الحميّد.

([31]) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/66)، منهاج السنة لابن تيمية (1/306)، (7/220)، فتح الباري لابن حجر (2/181)، (4/57)، (6/499)، (10/575)، قال: "فيه إشارة إلى أن الصحابة عدول وأن الكذب مأمون من قبلهم ولا سيما على النبي صلعم".

([32]) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (15/149)، إرشاد الفحول للشوكاني (1/185).

([33]) سنن ابن ماجه (4250)، حسنه الحافظ في الفتح (13/471)، والألباني في صحيح الجامع (3008) وصححه ابن باز في مجموع الفتاوى (10/314).

([34]) صحيح البخاري (6780)، وقد ذكر ابن حجر في الفتح (12/78) روايات أخرى للفظ الحديث:  "فوالله لقد علمت"،  "فوالله ما علمت إلا أنه..."،  "فإنه يحب الله ورسوله" .

([35]) ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 48).

([36]) ينظر: منهاج السنة (1/306)، (2/76)، (2،456)، (7/220)، مجموع الفتاوى (35/66).

([37]) مجموع الفتاوى (27/389).

([38]) الرد على الإخنائي (ص 287).

([39]) ينظر: الأنور الكاشفة للمعلمي (ص 372).

([40]) ينظر: موقع الألوكة، مقال: هل جميع الصحابة عدول، للشيخ الدكتور سعد الحميّد.

([41]) ينظر: مسند الإمام أحمد (16379)، سنن أبي داود (4181)، وهي رواية ضعيفة منكرة.

([42]) الأنور الكاشفة للمعلمي (ص 372).

([43]) تاريخ دمشق (63/244).

([44]) ينظر حاشية محب الدين الخطيب على كتاب العواصم (ص 90) وما بعدها، سيرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه للصلابي، (ص 276)، الأنوار الكاشفة للمعلمي (ص 372).

([45]) ينظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (8/429)، وهذه مسألة دقيقة؛ فإن المنافق قد يخفى حاله لكن لا يمكن أن يُخبر عنه بما يدل على الإيمان، والمنافقون عرفوا آخر الأمر بصفاتهم.

([46]) ينظر كتاب: براءة الصحابة من النفاق لمنذر الأسعد (ص 36 – 37).

([47]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (2/456-458).

([48]) ينظر: منهاج السنة النبوية (2/456)، (2/76).

([49]) سيأتي ذكر بعض أقوالهم، كقول أبي زرعة الرازي، وقول الإمام أحمد، وقول الذهبي، وغيرهم.

([50]) ينظر: أسانيد القراء العشرة، لسيد بن أحمد بن عبد الرحيم، وحملة القرآن من الصحابة لسيد محمد ساداتي الشنقيطي.

([51]) ينظر للفائدة: الإصابة لابن حجر (1/9-10)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 46).

([52]) صحيح البخاري (6930).

([53]) الفوائد للفريابي (34)، وبنحوه عن أنس رضي الله عنه عند ابن أبي عاصم في السنة (816)، التوحيد لابن خزيمة (2/716)، المعجم الكبير للطبراني (699).

([54]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 48).

([55]) ينظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (2/475).

([56]) الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية (3/1067).

([57]) هذا جزء من حديث طويل، رواه أحمد في المسند (17142)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42و43)، والدارمي (96).

([58]) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (22/18).

([59]) ينظر: تفسير ابن سعدي، تفسير سورة الأحزاب، الآية رقم (34).

([60]) تفسير ابن سعدي، تفسير سورة الجمعة، الآية رقم (2).

([61]) ينظر: تفسير الطبري (11/675).

([62]) ينظر: الفِصَل (4/148-149).

([63]) صحيح البخاري (4151).

([64]) صحيح البخاري (5639)، صحيح مسلم (1856).

([65]) صحيح مسلم (2496).

([66]) الصارم المسلول (3/1068).

([67]) صحيح البخاري (105)، صحيح مسلم (1679).

([68]) ينظر: صحيح ابن حبان (1/90)، صحابة رسول الله في الكتاب والسنة، لعيادة الكبيسي (ص 281).

([69]) صحيح البخاري (3081). صحيح مسلم (2494).

([70]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (7/305-306)، الخصال المكفرة للذنوب لابن حجر (ص 16).

([71]) ينظر: شرح النووي على مسلم (16/56-57)، قال النووي: "قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإنْ تَوَجَّب على أحدٍ منهم حَدٌّ أو غيرُه أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماعَ على إقامة الحَدِّ، وأقامه عمر على بعضهم – وهو قدامة بن مظعون-، قال: وضرب النبيُّ صلعم مِسْطَحاً الحَدَّ، وكان بدرياً".

([72]) صحيح مسلم (2531)، والأمنة هي الأمان.

([73]) ينظر: أوجز الخطاب في بيان مواقف الشيعة من الأصحاب لأبي محمد الحسيني (ص 17).

([74]) الرد على الجهمية للدارمي (ص 136).

([75]) المرجع السابق (ص 137).

([76]) منهاج السنة لابن تيمية (7/475)، وينظر: الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصفهاني (ص 209).

([77]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 48).

([78]) ينظر: منهاج السنة (7/475، 476).

([79]) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص 49).

([80]) منهاج السنة (6/376).

([81]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (2/45).

([82]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (7/7).

([83]) ينظر: اعتقاد أهل السنة في الصحابة للوهيبي (ص 20).

([84]) ينظر: الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 239 - 258).

([85]) ينظر: المفاتيح في شرح المصابيح للحسين بن محمود المُظهِري الحنفي (6/286).

([86]) أصول السنة للإمام أحمد (ص 41) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (317).

([87]) إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/580).

([88]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (15)، سنن ابن ماجه، المقدمة، رقم (162)، قال البوصيري: "هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات". مصباح الزجاجة (1/65-66)، رقم (59).

([89]) مسند أحمد (1629)، سنن أبي داود (4650) وصححه الألباني، وكذا محققو المسند.

([90]) الحديث في هذا رواه أبو داود (4341)، والترمذي (5051)، وابن ماجه (4014)، وابن حبان في صحيحه (385)، والحاكم (4/322)، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

([91]) ينظر: فتح الباري (7/7)

([92]) صحيح البخاري (3673)، صحيح مسلم (2541)، والنصيف هو النصف.

([93]) منهاج السنة لابن تيمية (6/233).

([94]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (7/7)، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي (ص 211).

([95]) ينظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/448)، وهو في الفتاوى (35/61)، وينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ( 8/70).

([96]) الصارم المسلول لابن تيمية (3/1078).

([97]) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (7/580)، فتح الباري لابن حجر (7/7).

([98]) ينظر: فتح الباري لابن حجر (7/7).

([99]) تاريخ دمشق لابن عساكر (59/209).

([100]) تاريخ دمشق لابن عساكر (59/209).

([101]) تاريخ دمشق لابن عساكر (59/210).

([102]) ينظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص 99، 305)، الفصل لابن حزم (4/119)، الملل والنحل للشهرستاني (1/49).

([103]) تاريخ دمشق لابن عساكر (59/207).

([104]) الشريعة للآجري (5/2466)، رقم (1956).

([105]) صحيح البخاري (1730)، صحيح مسلم (1246).

([106]) صحيح البخاري (2924)، ولفظه: « أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا"، ومعنى أوجبوا: أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الرحمة أو الجنة

([107]) صحيح مسلم (2501)، وهذه الرواية لم تُخصّصِ الكتابةَ بالوحي، وهي مَنْقَبَةٌ بكلِّ حَالٍ.

([108]) مسند أحمد (17895)، سنن الترمذي (3842)، وصححه الألباني في الصحيحة (1969).

([109]) مسند أحمد (17152)، وصححه الألباني في الصحيحة (3227).

([110]) صحيح البخاري (2704).

([111]) ينظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي (ص 369)، معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما للصلابي (ص 201)، إيقاف الناظر على حال أخبار سب علي على المنابر، إعداد مركز إحياء تراث آل البيت.

([112]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (2/225).

([113]) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/485)، منهاج السنة لابن تيمية (2/225). فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الثانية (3/396).

([114]) مقدمة ابن خلدون (ص 257).

([115]) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد (1/69)، لسان العرب لابن منظور (1/455).

([116]) ينظر: الفروق اللغوية للعسكري (ص 52).

([117]) الصارم المسلول لابن تيمية (3/1041).

([118]) ينظر للفائدة: الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 269).

([119]) ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (3/1050)، (3/1065)، (3/1110)، وينظر: الشفاء للقاضي عياض (2/654).

([120]) ينظر للفائدة: الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 269).

([121]) فضائح الباطنية (ص 149)، وينظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/493)، الإنصاف للمرداوي (10/324)، حاشية ابن عابدين (4/236).

([122]) الشفا للقاضي عياض (2/610).

([123]) الإعلام لابن حجر الهيتمي (ص 170).

([124]) الرد على الرافضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص 19)، وهي مطبوعة ضمن ملحق المصنفات، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

([125]) الصارم المسلول لابن تيمية (3/1088).

([126]) قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب محمد عليه السلام فقد أصابته الآية". السنة للخلال (760)، ووافقه الشافعي وغيره. ينظر: الصواعق المحرقة للهيتمي (2/607)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (7/362).

([127]) حاشية ابن عابدين (7/162).

([128]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/286)، وينظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (4/444).

([129]) فتاوى السبكي (2/575).

([130]) كشف القناع (6/170).

([131]) ممن فرق بين المستحل وغيره القاضي أبو يعلى، ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (3/1061).

([132]) ينظر: المرجع السابق (3/962)، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في معرض رده على من فرق في سَبِّ النبي صلعم بين الاستحلال وغيره، وبين أنه غلط، ومخالف لإجماع العلماء، ولم ينقل عن عالم معتبر؛ والاستحلال كفر بحد ذاته؛ سواء استحل سبه أو استحل غيبة أي مسلم.

([133]) الصارم المسلول لابن تيمية (3/1110).

([134]) ينظر: الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 269).

([135]) فتاوى السبكي (2/578).

([136]) فتح الباري (1/63)، وينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (1/152)، الرد على الرافضة للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص 19).

([137]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/493).

([138]) نواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبدالعزيز العبداللطيف (ص 422).

([139]) الصارم المسلول (3/1110).

([140]) ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (3/1050)، (3/1054)، (3/1065)، وينظر: الشفاء للقاضي عياض (2/654).

([141]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (6/2482)، تفسير قوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ [النور:23].

([142]) المحلى (11/415).

([143]) ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (2/95)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (12/139).

([144]) الخراسانية في شرح عقيدة الرَّازِيّين للطريفي (ص 270).

([145]) رواه الطبري في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما (23/112).

([146]) فتاوى السبكي (2/592).

([147]) صحيح البخاري (2661)، صحيح مسلم (2770).

([148]) ينظر: إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة للتباني (ص 71).

([149]) الكبائر للإمام الذهبي (ص 237).

([150]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (2359).

([151]) السنة لأبي بكر بن الخلال (2/447)، رقم (690).

([152]) ينظر كتاب: صورتان متضادتان لأبي الحسن الندوي (ص 51– 55).

([153]) ينظر: الصارم المسلول لابن تيمية (3/1111).

([154]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (1741)؛ الشريعة للآجري (5/2491)، رقم (1979)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (2339) و (2353).

([155]) العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبدالله (4787)، السنة للخلال (728)، البداية والنهاية لابن كثير (10/474).

([156]) منهاج السنة لابن تيمية (6/236-237).

([157]) الإمامة (ص 373).

([158]) منهج كتابة التاريخ الإسلامي لمحمد بن صامل السلمي (ص 227-228).

([159]) المجالسة وجواهر العلم للدينوري المالكي (5/148)، رقم (1965)، وينظر أيضا ما ذكره ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية (ص:724-725).

([160]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (6/254).

([161]) تفسير القرطبي (19/382).

([162]) ينظر: اعتقاد أهل السنة في الصحابة للوهيبي (ص 48).

([163]) صحيح البخاري (1/37) رقم (127).

([164]) فتح الباري (1/225). وقولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه رواه مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.

([165]) ينظر: اعتقاد أهل السنة في الصحابة للوهيبي، عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام للدكتور ناصر الشيخ، الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف للدكتور حامد الخليفة، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة لمحمد أمحزون، وغيرها.

([166]) صحيح البخاري (3081). صحيح مسلم (2494).

([167]) تفسير القرطبي (19/382).

([168]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (5/82)، مقدمة رسالة ابن زيد القيرواني (ص 8)، تنوير المقالة لحل ألفاظ الرسالة للتتائي (1/367)، اعتقاد أهل السنة في الصحابة للوهيبي (ص 46).

([169]) أصحاب رسول الله صلعم ومذاهب الناس فيهم لعبد العزيز العجلان (ص 360).

([170]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (5/81) وما بعدها.

([171]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (5/83).

([172]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (6/205-238)، تثبيت الإمامة لأبي نعيم (ص 176).

([173]) العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص 121)، وهو في مجموع الفتاوى (3/155).

([174]) ينظر: تاريخ الطبري (4/506)، البداية والنهاية لابن كثير (7/509)، المغازي النبوية للزهري (ص 154).

([175]) سير أعلام النبلاء للذهبي (3/140)، بسند رجاله ثقات كما قال محققه.

([176]) ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (11/425).

([177]) المغازي النبوية للزهري (ص 154).

([178]) أسد الغابة لابن الأثير (3/88-89)، سير أعلام النبلاء للذهبي (1/36-37).

([179]) تاريخ الطبري (4 /476).

([180]) ينظر: منهاج السنة لابن تيمية (6/327)، وللتوسع: تاريخ الطبري: (4/437)، الفصل لابن حزم (4/160)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (25/72)، البداية والنهاية لابن كثير (7/239).

([181]) شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/51).

([182]) ينظر: العين للخليل بن أحمد (8/395)، مقاييس اللغة لابن فارس (1/150)، ورجح أنَّ الاشتقاق من الأَوْلِ ابن تيمية كما في الفتاوى (22/463)، وابن القيم كما في جلاء الأفهام (ص 227)، ومن وجه تضعيفهم للقول الآخر: أنه لا دليل عليه، وأنه يلزم منه القلب الشاذ من غير موجب، ولأن الأهل تضاف للعاقل وغيره وأما الآل فلا تضاف إلا لعاقل، ولأن الأهل تضاف إلى العلم والنكرة بخلاف الآل فلا تضاف إلا إلى معظم، إلى غير ذلك من الوجوه.

([183]) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (1/490)، حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي للخفاجي (2/158)، الكشاف (1/68)، تاج العروس (28/36)، وينظر: مجموع الفتاوى (22/463)، بيان تلبيس الجهمية (8/375).

([184]) ينظر: العين للخليل بن أحمد (4/89)، معجم مقاييس اللغة (1/150)، لسان العرب (1/186).

([185]) ينظر: معجم مقاييس اللغة (1/324).

([186]) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن (ص 151).

([187]) ينظر: أهل البيت عند شيخ الإسلام ابن تيمية للقرموشي (ص 45).

([188]) وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، ينظر: شرح فتح القدير (2/274)، المجموع (3/448)، الفروع (1/444)، واختاره ابن تيمية كما في المنهاج (7/75)، وابن القيم في جلاء الأفهام (ص 250)، والذين حرمت عليهم الصدقة بنو هاشم عند الحنفية، وبنو هاشم وبنو المطلب عند الشافعية والحنابلة، وقال المالكية: هم بنو غالب بن فهر، وبنو قصي، وبنو هاشم.

([189]) صحيح البخاري (1491)، صحيح مسلم (1072).

([190]) ينظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص 14).

([191]) صحيح مسلم (1069).

([192]) صحيح مسلم (2408).

([193]) ينظر: منهاج السنة (4/594).

([194]) صحيح مسلم (1072).

([195]) ينظر: مجموع الفتاوى (19/30)، منهاج السنة (4/559)، المغني (4/109)، السيل الجرار للشوكاني، (2/67).

([196]) ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، (3/1030)، نيل الأوطار للشوكاني (4/204-205).

([197]) ينظر: أهل البيت عند شيخ الإسلام ابن تيمية للقرموشي (ص 66-67).

([198]) مصنف ابن أبي شيبة (10708).

([199]) صحيح البخاري (6460)، صحيح مسلم (1055).

([200]) مسند أحمد (25843)، (27190)، المعجم الكبير للطبراني (920)، السنن الكبرى للبيهقي (19009).

([201]) صحيح البخاري (2661)، صحيح مسلم (2770).

([202]) صحيح مسلم (2970).

 ([203]) صحيح البخاري (5363).

([204]) ينظر: جلاء الأفهام لابن القيم (ص 244)، وقد بين أحقية دخولهن في الآل (ص 251).

([205]) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (22/14).

([206]) ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (6/238).

([207]) ينظر: فضل أهل البيت وعلو مكانتهم للعباد (ص 8، 23).

([208]) صحيح مسلم (2408).

([209]) ينظر: أهل البيت عند شيخ الإسلام ابن تيمية للقرموشي (ص 65).

([210]) مصنف ابن أبي شيبة (32213)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1756)، المعجم الكبير للطبراني (12228).

([211]) مصنف ابن أبي شيبة (32211)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1760)، مسند أحمد (17516)، سنن الترمذي (3758)،

([212]) سيرة ابن هشام (2/403)، تاريخ الطبري (3/53)، شرح معاني الآثار (3/319).

([213]) ينظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (1/381)، أنساب الأشراف للبلاذري (4/46)، تاريخ دمشق (73/190).

([214]) منهاج السنة لابن تيمية (2/100).

([215]) البداية والنهاية لابن كثير (7/207).

([216]) صحيح مسلم (969).

([217]) ينظر: الفرق بين الفرق للإسفراييني (ص 21)، الملل والنحل للشهرستاني (ص 174).

([218]) ينظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد (43)، (49)، مسند أحمد (834)، الاعتقاد للبيهقي (358).

([219]) ينظر: السبعة في القراءات لابن الطاهر البغدادي (ص 73).

([220]) تفسير ابن جزي المسمى التسهيل لعلوم التنزيل (ص 20).

([221]) صحيح البخاري (3172)، (7300)، صحيح مسلم (1370).

([222]) مختصر الصواعق المرسلة (ص 80).

([223]) فضل أهل البيت وعلو مكانتهم عند أهل السنة والجماعة للعباد (ص 13).

([224]) منهاج السنة (4/599).

([225]) مسند أحمد (834)، والحديث في البخاري بلفظ آخر (3671).

([226]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (857)، السنة لابن أبي عاصم (1193).

([227]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (49)، الاعتقاد للبيهقي (358).

([228]) مصنف ابن أبي شيبة (32213)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1756)، المعجم الكبير للطبراني (12228).

([229]) شرح السنة للبربهاري (ص 93).

([230]) الشريعة (5/2276).

([231]) مجموع الفتاوى (3/154).

([232]) تفسير ابن كثير (7/201).

([233]) الاستيعاب لابن عبد البر (3/1130).

([234]) الشفاء للقاضي عياض (2/311).

([235]) الشفاء (2/1106).

([236]) مجموعة مؤلفات الشيخ (5/284).

([237]) مجموعة مؤلفات الشيخ (1/312).

([238]) صحيح مسلم (2408).

([239]) مصنف ابن أبي شيبة (32213)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1756)، المعجم الكبير للطبراني (12228).

([240]) مصنف ابن أبي شيبة (32211)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1760)، المسند (17516)، الترمذي (3758)،

([241]) رواه الترمذي (3759)، والنسائي (8/33).

([242]) الحاكم في المستدرك (2/130).

([243]) صحيح البخاري (143)، صحيح مسلم (2477).

([244]) صحيح البخاري (2699)، (4251).

([245]) صحيح مسلم (78).

([246]) صحيح البخاري (5230)، صحيح مسلم (2449).

([247]) صحيح البخاري (3749)، صحيح مسلم (2422).

([248]) صحيح البخاري (3411)، صحيح مسلم (2446).

([249]) صحيح البخاري (4240)، صحيح مسلم (1759).

([250]) صحيح البخاري (3713)، (3751).

([251]) اختلف في عدد أبناء علي رضي الله عنه، فالذكور ما بين خمسة عشر إلى عشرين، والإناث ما بين ثماني عشرة إلى ثنتين وعشرين، والعقب من ولد علي كان في الحسن والحسين ومحمد وعمر والعباس. ينظر: الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة للعامري (ص 178-180).

([252]) مجموع الفتاوى (28/491 ).

([253]) مجموع الفتاوى (3/154).

([254]) المفهم (6/304).

([255]) ينظر: فضل أهل البيت للعباد (ص 13).

([256]) ينظر: جلاء الأفهام لابن القيم (ص 380).

([257]) ينظر: جلاء الأفهام لابن القيم (ص 393).

([258]) صحيح البخاري (3370)، صحيح مسلم (405).

([259]) صحيح البخاري (3369)، صحيح مسلم (407).

([260]) ينظر: استدلال الشيعة بالسنة النبوية في ميزان النقد العلمي للدمشقية (ص 839).

([261]) الخُمس: ما غنمه المسلمون من الكفار بالقوة والقتال، والفيء: ما أخذوه بدون قتال، وما تفعله بعض الطوائف من أخذ الخمس من مكاسب المسلمين هو من أكل أموال الناس بالباطل، وليس من شريعة الإسلام، ولم يقل به أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من بني هاشم، لا علي ولا غيره، كما بين ذلك ابن تيمية في منهاجه (6/105).

([262]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/407).

([263]) ينظر: منهاج السنة (6/104)، (4/212)، الإنصاف في معرفة الخلاف (4/155، 186)، المغني لابن قدامة (9/287-288).

([264]) صحيح البخاري (1491)، صحيح مسلم (1072).

([265]) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (1/446).

([266]) مصنف ابن أبي شيبة (32213)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1756)، المعجم الكبير للطبراني (12228).

([267]) مصنف ابن أبي شيبة (32211)، فضائل الصحابة للإمام أحمد (1760)، المسند (17516)، الترمذي (3758)،

([268]) فضائل الصحابة للإمام أحمد (49)، الاعتقاد للبيهقي (358).

([269]) مسند أحمد (7427)، سنن الدارمي (356)، ابن ماجه (225)، أبو داود (3643)، الترمذي (2945).

([270]) يقول مصطفى البغا رحمه الله تعالى مبينا معنى الكفر في الحديث: "كفر، أي كفر بالنعمة التي كانت لأبيه عليه وفعل ما يشبه أفعال أهل الكفر، وإن استحل ذلك خرج عن الإسلام".

([271]) قال مصطفى البغا في تحقيقه لصحيح البخاري: أي ادعى قوما انتسب إليهم نسب قرابة.

([272]) صحيح البخاري (3317)، صحيح مسلم (61).

([273]) جل مادة هذا المبحث مختصرة مما كتبه الدكتور علي الصلابي في سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. 


عدد مرات القراءة:
1644
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :