تبرئة هند بنت عتبة من دم اسد الله حمزة بن عبد المطلب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد :
أحبتي في الله كم قرأنا عن غزوة أحد، و ما صاحبها من أحداث، لكن هل فكر أحدنا يوماً ما أن يقف مع كل حدث و ينظر إليه نظرة فاحص ناقد، خاصة بعد أن خرج علينا من يسمون أنفسهم بالمفكرين الناقدين، خرجوا بآراء و نظريات، تدعوا إلى عدم قبول كل ما يقال أو يروى، من معجزات وأمور خارقة للعادة صاحبت تلك الغزوة، و أنا هنا لست بصدد الرد على تلك النظريات – لها مقال مستقل بإذن الله -، و لكن للرد على بعض تلك المرويات التي يدندن حولها المستشرقون، و يصفق و يطبل لها الرافضة، عليهم من الله ما يستحقون ؛ ألا وهي قصة مقتل حمزة أسد الله رضي الله عنه وأرضاه، واتهام هند بنت عتبة رضي الله عنها بكونها السبب في تحريض وحشي رضي الله عنه على قتله، و من ثم قيامها بعد ذلك ببقر بطنه و التمثيل به، من إخراج كبده و جدع أنفه وأذنه إلى غير ذلك من الأمور.
أولاً : ذكر المرويات الصحيحة في الموضوع:
1 - أخرج البخاري في صحيحه ( برقم 4072) و أحمد في مسنده (3/501) والبيهقي في الدلائل (3/241) و الطبري في تاريخه مختصراً (2/516-517 ) و ابن إسحاق بسند البخاري و حديثه، أنظر ابن هشام (3/102-105)، من حديث وحشي نفسه الذي رواه عنه جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال : خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله : هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة ؟ قلت : نعم، و كان وحشي يسكن حمص، قال : فسألنا عنه فقيل لنا : هو ذاك في ظل قصره كأنه حَميت – أي : زق كبير مملوء -، قال فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا، فرد السلام، قال : و عبيد الله متعجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه و رجليه، فقال عبيد الله : يا وحشي أتعرفني ؟ قال : فنظر إليه ثم قال : لا والله، إني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاماً بمكة فكنت أسترضع له – أي أطلب من يرضعه -، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه فلكأني أنظر إلى قدميك – زاد ابن إسحاق : و الله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك فلمعت لي قدمك حين رفعتك، فما هي إلا أن وقفت عليّ فعرفتها، قال الحافظ : و هذا يوضح قوله في رواية الباب (فكأني أنظر إلى قدميك) يعني أنه شبه قدميه بقدم الغلام الذي حمله فكأنه هو، و بين الرؤيتين قريب من خمسين سنة، فدل ذلك على ذكاء مفرط ومعرفة تامة بالقافة. الفتح (7/426) – قال : فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال : ألا تخبرنا بقتل حمزة ؟ قال : نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار، فقال لي مولاي جبير بن مطعم : إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال : فلما أن خرج الناس عام عينين – وعينين جبل بحيال أحد بينه و بينه واد – خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال : هل من مبارز ؟ قال : فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال : يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب – أي صيره عدماً و هي كناية عن قتله – قال : و كمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته – عانته، و قيل ما بين السرة والعانة – حتى خرجت من بين وركيه، قال : فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً، فقيل لي : إنه لا يهيّج الرسل، قال : فخرجت معهم حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال : أنت وحشي، قلت : نعم، قال أنت قتلت حمزة ؟ قلت : قد كان من الأمر ما بلغك، قال : فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ؟ - وفي رواية عند الهيثمي في المجمع ( 6/121) و الطبراني في الكبير ( 22/139) بإسناد حسن من حديث وحشي، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي : وحشي ؟ قلت : نعم، قال : قتلت حمزة ؟ قلت : نعم، و الحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيده، فقالت له قريش – أي للنبي صلى الله عليه وسلم - : أتحبه و هو قاتل حمزة ؟ فقلت : يا رسول الله فاستغفر لي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة و قال : وحشي أخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله -. قال : فخرجت، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة الكذاب، قلت : لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال : فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، قال : فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس – أي لونه مثل الرماد من غبار الحرب -، قال فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال : ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال : قال عبدالله بن الفضل : فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر قول : فقالت جارية على ظهر بيت : وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود.
2 - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : كان حمزة يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين و يقول : أنا أسد الله. ابن سعد (3/ 6 ) و الحاكم (3/194) و صححه و وافقه الذهبي، و انظر سير أعلام النبلاء (1/177).
3 - ومن حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : من رأى مقتل حمزة ؟ فقال رجل أعزل : أنا رأيت مقتله، قال : فانطلق أرناه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على حمزة فرآه وقد شق بطنه، و قد مثل به، فقال : يا رسول الله، مثل به والله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه، و وقف بين ظهراني القتلى فقال : أنا شهيد على هؤلاء، كفنوهم في دمائهم فإنه ليس جرح يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، و ريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآناً فاجعلوه في اللحد. المطالب العالية ( برقم 4325 ) وقال الهيثمي في المجمع ( 6/ 119) : رواه الطبراني و رجاله رجال الصحيح. و لفظة ( أنا شهيد على هؤلاء ) أخرجها البخاري ( برقم 4079) و أبو داود ( برقم 3138) و الترمذي ( برقم 1036) والنسائي (3/62) وابن ماجة ( برقم 1514). من حديث جابر.
4 – و في رواية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده و مثل به، فجدع أنفه و أذناه. و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى ما به : لولا أن تحزن صفية، و يكون سنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، و لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم و غيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا : والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. رواه ابن إسحاق بإسناد منقطع، أنظر ابن هشام (3/138-139) و روي عن طريقه و عن طريق آخرين و كلها بأسانيد ضعيفة، و لهذا الحديث شواهد منها :-
أ - حديث أبي هريرة رواه الحاكم في المستدرك (3/197)، و ابن سعد في الطبقات (2/13-14) والبزار في مسنده (2/326-327) والطبراني في الكبير (3/156-157) والبيهقي في الدلائل (3/288) والواحدي في أسباب النزول (ص291) و ابن عدي في الكامل (4/1381)، جميعهم من طريق صالح بن بشير المري، و هو ضعيف.
ب - حديث ابن عباس، الذي أخرجه ابن إسحاق، أنظر : ابن هشام (3/140) بإسناد ضعيف، لإبهام ابن إسحاق اسم من حدثه.
جـ - و صح من غير هذا الطريق كما رواه الترمذي (5/299-300) و أحمد كما في الفتح الرباني (18/192-193) والحاكم (2/359) و صححه و وافقه الذهبي.
د - و يستأنس بمرسل محمد بن كعب القرظي الضعيف جداً، و الذي رواه ابن إسحاق، أنظر : ابن هشام (3/140) و ذلك لعلتي الإرسال و كون شيخه بريدة بن سفيان من المتروكين.
هـ - و كذلك يستأنس بمرسل عطاء بن يسار الضعيف جداً، والذي رواه ابن إسحاق كما نقله عنه ابن كثير في التفسير (2/592) و ذلك لأنه لم يصح إلى مرسله، و فيه رجل مبهم لم يسم كما ذكر ابن كثير، و مثله لا يصح للاستشهاد.
و أصل الحديث أخرجه الترمذي (8/559-560) و عبد الله بن الإمام أحمد في الزوائد (5/135) و الطبراني في الكبير (3/157) وابن حبان في صحيحه (برقم 1695) و الحاكم (2/358-359)، جميعهم من حديث أبي بن كعب، قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب، و صححه الحاكم وأقره الذهبي و الألباني في السلسلة الضعيفة ( 2/28-29). وبالجملة فالحديث صحيح لغيره بمجموع هذه الشواهد.
5 - و نزل قول الله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين } [النحل /126]، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم و صبر ونهى عن المثلة. رواه ابن إسحاق بإسناد منقطع، أنظر : ابن هشام (3/140)، و رواه من غير طريق ابن إسحاق : الترمذي (5/299-300) و قال : هذا حديث حسن غريب، و أحمد في المسند، الفتح الرباني (18/192-193) والواحدي في أسباب النزول ( ص 191-192) و الحاكم (2/359) بمثل رواية الترمذي و أحمد، و صححه و وافقه الذهبي. و أنظر : الصحيح المسند من أسباب النزول للشيخ مقبل الوادعي (ص 143).
6 - ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قتل حمزة، بكى، فلما نظر إليه شهق. أنظر كشف الأستار ( برقم 1794) و قال الهيثمي في المجمع (6/118) : رواه البزار و فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، و هو حسن الحديث على ضعفه.
7 - و من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : قتل حمزة يوم أحد و قتل رجل من الأنصار، فجاءته صفية بنت عبد المطلب بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فلم يكن للأنصاري كفن، فأسهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الثوبين، ثم كفن كل واحد منهما في ثوب. قال الهيثمي في المجمع (6/120) رواه الطبراني و رجاله ثقات، و انظر الطبراني في الكبير ( برقم 12152).
8 - ومن حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : إنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، قال : فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال : المرأة، المرأة. قال الزبير : فتوسمت أنها صفية، قال : فخرجت أسعى إليها، قال : فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال : فَلَدَمَتْ في صدري، و كانت امرأة جلدة، قالت : إليك عني لا أرض لك، فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك، قال : فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت : هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله فكفِّنوه فيهما، قال : فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل فعل به كما فعل بحمزة، قال : فوجدنا عضاضة و خنى أن يكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، فقلنا لحمزة ثوب و الأنصاري ثوب، فقدّرناهما، فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له. المسند (1/165)، كشف الأستار ( برقم 1797) والهيثمي في المجمع (6/118)، و البيهقي في السنن ( 4/401-402)، و في الدلائل (3/290) و أبو يعلى في مسنده (برقم 686). بسند حسن، و قال الأرنؤوط : إسناده جيد، أنظر سير أعلام النبلاء (1/173).
9 - و من حديث أبي سعيد الساعدي رضي الله عنه قال : أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر حمزة بن عبد المطلب، فجعلوا يجرون النمرة – الثوب المخطط من مآزر العرب – على وجهه فينكشف قدماه، فيجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها على وجهه و اجعلوا على قدميه من هذا الشجر، قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها و شدتها أحد إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة. المطالب العالية ( برقم 4322) و الهيثمي في المجمع ( 6/119 ) و قال رواه الطبراني و رجاله ثقات.
10 - ومن حديث ابن عمر و أنس بن مالك رضي الله عنهم، قالا : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد سمع نساء الأنصار يبكين، فقال : لكن حمزة لا بواكي له، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ و هن يبكين، فقال : يا ويحهن مازلن يبكين منذ اليوم فليبكين، ولا يبكين على هالك بعد اليوم. أخرجه ابن ماجة ( برقم 1591) و أحمد ( 7/106-107) وقال الساعاتي سنده جيد، و الهيثمي في المجمع (6/120 )، و صححه الحاكم (3/195) و قال الحافظ ابن كثير في البداية (4/48) : هو على شرط مسلم، وأنظر سير أعلام النبلاء (1/173).
ثانياً : ذكر المرويات الضعيفة في الموضوع :
1 - روى موسى بن عقبة، أن وحشياً بقر عن كبد حمزة وحملها إلى هند بنت عتبة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (4/43) دون إسناد، فهو ضعيف.
2 - وروى ابن إسحاق أن هنداً هي التي بقرت عن كبد حمزة، و زاد أن هنداً اتخذت من آذان الرجال و أنفهم خدماً ( أي خلاخل ) و قلائد، و أعطت خدمها و قلائدها و قرطتها وحشياً. ابن هشام (3/133) بإسناد منقطع موقوف على شيخه ابن كيسان، فهي ضعيفة.
3 - و روى الواقدي أن وحشياً عندما قتل حمزة حمل كبده إلى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم. المغازي (1/332)، والواقدي متروك، فروايته ضعيفة جداً.
4 - و ذكر الشامي أن الواقدي والمقريزي – في الإمتاع – رويا أن وحشياً شق بطن حمزة وأخرج كبده و جاء بها إلى هند فمضغتها ثم لفظتها، ثم جاءت معه إلى حيث جثة حمزة، فقطعت من كبده و جدعت أنفه و قطعت أذنيه، ثم جعلت مَسَكَتين ومعضدين و خدمتين حتى قدمت بذلك مكة. سبل الهدى والرشاد (4/321). و لعل رواية الواقدي و المقريزي التي أشار إليها الشامي تفيد الجمع بين روايتي ابن عقبة وابن إسحاق، وتوافقهما في المضمون. و هي ضعيفة.
و ختاماً أحبتي في الله نستطيع أن نقول : أنه من خلال الجمع بين الروايات الصحيحة والضعيفة، نخرج بملاحظتين :-
الأولى : أن التمثيل بجثة حمزة فقد ثبت بطرق صحيحة كما ذكرنا، مما يدل على أن قصة بقر كبد حمزة – التي ذكرها أهل المغازي والسير – لها أصل.
الثانية : أن هنداً بريئة من هذا الفعل المشين، و ذلك لضعف جميع الطرق التي جاءت تفيد بأن هند هي التي قامت ببقر كبد حمزة والتمثيل بجثته.
هذا والله أعلم بالصواب و صلى الله على نبينا محمد و على آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
هند بنت عتبة بطلة في الجاهلية والإسلام وبريئة من دم حمزة رضى الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
- إنها هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس العبشمية القرشية.
- إحدى نساء العرب اللاتي كان لهم شهر عالية قبل الإسلام وبعده، وهي أم الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
- كانت هند ذات صفات ترفع قدرها بين النساء من العرب، ففيها فصاحة، وجرأة، وثقة، وحزم، ورأي. تقول الشعر وترسل الحكمة، وكانت امرأة لها نفس وأنفة.
زوجها أبوها من الفاكهة بن المغيرة المخزومي، فولدت له أباناً، ثم تركته.
- وقالت لأبيها ذات يوم: إني امرأة قد ملكت أمري فلا تزوجني رجلاً حتى تعرضه علي. فقال لها: ذلك لك. ثم قال لها يوماً: إنه قد خطبك رجلان من قومك، ولست مسمياً لك واحداً منهما حتى أصفه لك، أما الأول: ففي الشرف والصميم، والحسب الكريم، تخالين به هوجاً من غفلته، وذلك إسجاح من شيمته، حسن الصحابة، حسن الإجابة، إن تابعته تابعك، وإن ملت كان معك، تقضين عليه في ماله، وتكتفين برأيك في ضعفه، وأما الآخر ففي الحسب الحسيب، والرأي الأريب، بدر أرومته، وعز عشيرته، يؤدب أهله ولا يؤدبونه، إن اتبعوه أسهل بهم، وإن جانبوه توعر بهم، شديد الغيرة، سريع الطيرة، وشديد حجاب القبة، إن جاع فغير منزور، وإن نوزع فغير مقهور، قد بينت لك حالهما.
قالت: أما الأول فسيد مضياع لكريمته، مؤات لها فيما عسى إن لم تعصم أن تلين بعد إبائها، وتضيع تحت جفائها، إن جاءت له بولد أحمقت، وإن أنجبت فعن خطأ ما أنجبت. اطو ذكر هذا عني فلا تسمه لي، وأما الآخر فبعل الحرة الكريمة: إني لأخلاق هذا لوامقة، وإني له لموافقة، وإني آخذة بأدب البعل مع لزومي قبتي، وقلة تلفتي، وإن السليل بيني وبينه لحري أن يكون المدافع عن حريم عشيرته، والذائد عن كتيبتها، المحامي عن حقيقتها، الزائن لأرومتها، غير مواكل ولا زميّل عند ضعضعة الحوادث، فمن هو؟ قال: ذاك أبو سفيان بن حرب، قالت: فزوجه ولا تلقني إليه إلقاء المتسلس السلس، ولا تمسه سوم المواطس الضرس، استخر الله في السماء يخر لك بعلمه في القضاء.
- وتزوجت هند من أبي سفيان بن حرب، وكانت تحرص دوماً على محامد الفعال، كما كانت ذات طموح واسع، ففي ذات يوم رآها بعض الناس ومعها ابنها معاوية، فتوسموا فيه النبوغ، فقالوا لها عنه: إن عاش ساد قومه. فلم يعجبها هذا المديح فقالت في إباء وتطلع واسع: ثكلته إن لم يسد إلا قومه.
- ولما كانت موقعة بدر الكبرى قتل في هذه العركة والد هند وعمها شيبة، وأخوها الوليد بن عتبة، فراحت ترثيهم مر الرثاء، وفي عكاظ التقت مع الخنساء، فسألتها من تبكين يا هند فأجابت:
أبكي عميد الأبطحين كليهما ******* وحاميهما من كل باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي ******* وشيبة والحامي الذمار وليدها
أولئك آل المجد من آل طالب ******* وفي العز منها حين ينمى عديدها
- وفي يوم أحد كان لهند بنت عتبة دورها العسكري البارز، فقد خرجت مع المشركين من قريش، وكان يقودهم زوجها أبو سفيان، وراحت هند تحرض القرشيين على القتال، وتزعمت فئة من النساء، فرحن يضر بن الدفوف، وهي ترتجز:
نحن بنات طارق ******* نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق *******وإن تدبروا نفارق
وتردد قولها:
أيها بني عبد الدار ******* ويها حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
- وفي هذه المعركة كانت هند بنت عتبة قد حرضت وحشي بن حرب على قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، حيث وعدته بالحرية وكان عبداً لها إن هو قتل حمزة، فكانت تؤجج في صدره نيران العدوان، وتقول له: إيه أبا دسمة، اشف واشتف.
ولما قتل وحشي حمزة رضي الله عنه جاءت هند إلى حمزة وقد فارق الحياة، فشقت بطنه ونزعت كبده، ومضغتها ثم لفظتها وعلت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:
نحن جزيناكم بيوم بدر ******* والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ******* ولا أخي وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري ******* شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري ******* حتى ترم أعظمي في قبري
- وبقيت هند على الشرك حتى شرح الله تعالى صدرها للإسلام يوم فتح مكة، حيث شاءت إرادة الله تعالى أن تنقلب بطلة الجاهلية إلى بطلة في ظل الإسلام، ففي عشية ليلة الفتح، فتح مكة، عاد أبو سفيان بن حرب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً وهو يصيح: يا معشر قريش ألا إني قد أسلمت فأسلموا، إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند فأخذت بشاربه وهي تردد: بئس طليعة القوم أنت يا أهل مكة اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم، فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك. قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
- وفي اليوم الثاني لفتح مكة قالت هند لزوجها أبي سفيان: إنما أريد أن أتابع محمداً فخذني إليه. فقالت لها: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث بالأمس. فقالت: إني والله لم أر أن الله قد عبد حق عبادته في هذا المسجد إلا في هذه الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قياماً وركوعاً وسجوداً. فقال لها: فإنك قد فعلت ما فعلت، فاذهبي برجل من قومك معك، فذهبت إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت وبايعت.
- وتمضي الأيام، وتزداد هند المسلمة ثقافة إيمانية، حيث اشتركت في الجهاد مع زوجها أبي سفيان في غزوة اليرموك الشهيرة، وأبلت فيها بلاء حسناً، وكانت تحرض المسلمين على قتال الروم فتقول: عاجلوهم بسيوفكم يا معشر المسلمين.
- وظلت هند بقية حياتها مسلمة مؤمنة مجاهدة حتى توفيت سنة أربع عشرة للهجرة. فرضي الله عنها وأرضاها، وغفر لها ورحمها، إنه على كل شيء قدير.
صور من سير الصحابيات، لعبد الحميد السحيباني
اما الدليل على كونها بريئة من دم حمزة رضى الله عنه فهذا هو:
1 - أخرج البخاري في صحيحه (برقم 4072) و أحمد في مسنده (3/ 501) والبيهقي في الدلائل (3/ 241) و الطبري في تاريخه مختصراً (2/ 516 - 517) و ابن إسحاق بسند البخاري و حديثه، أنظر ابن هشام (3/ 102 - 105)، من حديث وحشي نفسه الذي رواه عنه جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، و كان وحشي يسكن حمص، قال: فسألنا عنه فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حَميت - أي: زق كبير مملوء -، قال فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا، فرد السلام، قال: و عبيد الله متعجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه و رجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه ثم قال: لا والله، إني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاماً بمكة فكنت أسترضع له - أي أطلب من يرضعه -، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه فلكأني أنظر إلى قدميك - زاد ابن إسحاق: و الله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك فلمعت لي قدمك حين رفعتك، فما هي إلا أن وقفت عليّ فعرفتها، قال الحافظ: و هذا يوضح قوله في رواية الباب (فكأني أنظر إلى قدميك) يعني أنه شبه قدميه بقدم الغلام الذي حمله فكأنه هو، و بين الرؤيتين قريب من خمسين سنة، فدل ذلك على ذكاء مفرط ومعرفة تامة بالقافة. الفتح (7/ 426) - قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين - وعينين جبل بحيال أحد بينه و بينه واد - خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله و رسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب - أي صيره عدماً و هي كناية عن قتله - قال: و كمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته - عانته، و قيل ما بين السرة والعانة - حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً، فقيل لي: إنه لا يهيّج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآني قال: أنت وحشي، قلت: نعم، قال أنت قتلت حمزة؟ قلت: قد كان من الأمر ما بلغك، قال: فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟ - وفي رواية عند الهيثمي في المجمع (6/ 121) و الطبراني في الكبير (22/ 139) بإسناد حسن من حديث وحشي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: وحشي؟ قلت: نعم، قال: قتلت حمزة؟ قلت: نعم، و الحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيده، فقالت له قريش - أي للنبي صلى الله عليه وسلم -: أتحبه و هو قاتل حمزة؟ فقلت: يا رسول الله فاستغفر لي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة و قال: وحشي أخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله -. قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس - أي لونه مثل الرماد من غبار الحرب -، قال فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال: قال عبدالله بن الفضل: فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر قول: فقالت جارية على ظهر بيت: وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود.
وهذا طرفا من الاحاديث الضعيفة التى احتج بها
من نسب هذا الفعل اليها لا يصح منها شيئ:
1 - روى موسى بن عقبة، أن وحشياً بقر عن كبد حمزة وحملها إلى هند بنت عتبة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 43) دون إسناد، فهو ضعيف.
2 - وروى ابن إسحاق أن هنداً هي التي بقرت عن كبد حمزة، و زاد أن هنداً اتخذت من آذان الرجال و أنفهم خدماً (أي خلاخل) و قلائد، و أعطت خدمها و قلائدها و قرطتها وحشياً. ابن هشام (3/ 133) بإسناد منقطع موقوف على شيخه ابن كيسان، فهي ضعيفة.
3 - و روى الواقدي أن وحشياً عندما قتل حمزة حمل كبده إلى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم. المغازي (1/ 332)، والواقدي متروك، فروايته ضعيفة جداً.
4 - و ذكر الشامي أن الواقدي والمقريزي - في الإمتاع - رويا أن وحشياً شق بطن حمزة وأخرج كبده و جاء بها إلى هند فمضغتها ثم لفظتها، ثم جاءت معه إلى حيث جثة حمزة، فقطعت من كبده و جدعت أنفه و قطعت أذنيه، ثم جعلت مَسَكَتين ومعضدين و خدمتين حتى قدمت بذلك مكة. سبل الهدى والرشاد (4/ 321). و لعل رواية الواقدي و المقريزي التي أشار إليها الشامي تفيد الجمع بين روايتي ابن عقبة وابن إسحاق، وتوافقهما في المضمون. و هي ضعيفة.
وتبقى هنداً رضى الله عنها بريئة من هذا الفعل المشين، و ذلك لضعف جميع طرق الروايات التى إتهمتها ببقر كبد حمزة والتمثيل بجثته
فرضى الله عن هند بنت عتبة واسكنها فسيح جناته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي قَبِلَ بصحيحِ النيّةِ حسنَ العملِ، وحَملَ الضعيفَ المنقطِعَ على مراسيلِ لُطفِهِ فاتّصلَ، ورفعَ مَنْ أسندَ في بابهِ، ووقفَ مَنْ شَذَّ عنْ جنابهِ وانفصلَ، ووصلَ مقاطيعَ حُبِّهِ، وأدرجَهُمْ في سلسلةِ حزبهِ؛ فسكنَتْ نفوسُهُم عن الاضطرابِ والعِللِ، فموضوعُهُم لا يكونُ محمولاً، ومقلوبُهُم لا يكونُ مقبُولاً ولا يُحْتَمَلُ.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه، الفردُ في الأزلِ. وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ والدينُ غريبٌ فأصبحَ عزيزاً مشهوراً واكتملَ، وأوضحَ به معضلاتِ الأُمورِ، وأزالَ به منكراتِ الدُّهُورِ الأُوَلِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ ما علا الإسنادُ ونزَلَ، وطلعَ نجمٌ وأفلَ.
فَهذِّه رسَالة لطيفة الحَجم، كُنت قد سَطرتها بعد سُؤال من أخ حبيب لي، مستفسراً عن قصة وحادثة أكل هند بنت عتبة-رضي الله عنها- زوج أبي سفيان وأم معاوية أبنهُ-رضي الله عنهما- من كبد حمزة بن عبد المطلب-رضي الله عنه- كما في معركة أحد، هل ورد ذلك عنها؟ وهل صح ذلك إن وجد؟ ودافع هذا أن الأخ وجد كثير من الرافضة-عليهم من الله ما يستحقون- يرمون ويسبون معاوية-رضي الله عنه- ويشغبون عليه بفعل أمه هذا. فأسرعت لإجابته وإزاحت الستر عنه وببان حال هذه القصة، وهل يصح الإستدلال لهم بها على مرداهم الخبيث!،فكان:
أولاً: تخريج القصة:
روى الإمام أحمد في مسنده [4414]: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (..قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَأَخَذَتْ هِنْدُ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا " قَالُوا: لَا. قَالَ: " مَا كَانَ اللهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ النَّارَ "..)
وأخرجها ابن سعد في طبقاته (3/16) وابن أبي شيبة في مصنفه (14/402) وأورده كل من ابن كثير في تفسيره (2/115) والهيثمي في مجمعه (6/109) وأعلوه بعطاء بن السائب، كا سيأتي.
قلت هذا الأثر معلول، وهاك بين ذلك:
الإنقطاع، بين الشعبي- عامر بن شرحيل- و ابن مسعود، وهو لم يسمع من ابن مسعود.[1]
قال أبو حاتم:( سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ لَمْ يَسْمَعْ الشَّعْبِيُّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ)[2]
وهو ظاهر صنيع الإمام أبو داود، في مراسيله ص(204) رقم(243).
وقال الدارقطني كما في سؤالات حمزة السهمي له:( لم يسمع من بن مسعود وإنما رآه رؤية) ا.ه
قال أبي عبد الله الحاكم:( ان الشعبي لم يسمع من عائشة، ولا من عبد الله بن مسعود..)[3] ا.ه
فيه "عطاء بن السائب" قال عنه الحافظ بن حجر(صدوق اختلط)[4]
قال بن معين عطاء بن السائب اختلط، ووصفه بذلك غيره كالعجلي[5] وابن عدي[6] وغيرهم.
قال البخاري:( عطاء بن السائب بن يزيد أَبُو زيد الثقفي الكوفي أحاديثه القديمة صحيحة)[7]
قلت-أبو بكر- يريد -رحمه الله- أنه قد إختلط ومن سمع منه قبل الإختلاط فسماعه صحيح.
سماع حماد بن سلمة من عطاء قبل الإختلاط وبعده، وهذا من ضمنها فلا يعُرف أكان منه قبل الإختلاط أم بعده، قال العقيلي أيضا:(وسماع حماد بن سلمة بعد الاختلاط كذا نقله عنه بن القطان.)[8]
قال ابن حجر معقباً: (فإستفدنا من هذه القصة أن رواية وهيب وحماد وأبي عوانة عنه في جملة ما يدخل في الإختلاط)[9] ا.ه
جاء في الضعفاء الكبير للعقيلي:( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، فَقَالَ: اخْتَلَطَ، فَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ، قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فَجَيِّدٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ، بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.)[10]
وقال ابن كثير معقباً على هذه القصة:( تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ.) [11]ا.ه
فأنت ترى أن حماد بن سلمة سماعه من بعد الإختلاط وقبله ولم يُميز، فيكون سماعه منه لا شيء كما نص على ذلك ابن معين-رحمه الله-.
وهنا فائدة أحب أن أنبه عليها لمسيس الحاجة إليها، وهى أن المختلطين على قسمين، وكل قسم يعامل معاملة مغايرة للذي قبله، ولا يُخلط بينهما أو يُسوى بين المختلطين ولا يفرق بينهم ويعاملون معاملة واحدة، كما أستقر عمل كثير من المتأخرين والمعاصرين على ذلك.
قال شيخنا الفاضل المحدث عبد الله السعد:( وينبغي أن يُتنبه إلى مسألة الاختلاط، فالاختلاط عند من تقدَّم من أهل العلم كالبخاري وابن المديني وابن معين وأحمد وغيرهم من الحفاظ عبارة عن تَغَيُّر الحفظ والضبط، وهذا التغير على قسمين :
أ ـ أن يكون تغيراً كبيراً بحيث أصبحوا لا يضبطون، وحديثهم الأخير مردود، مثل سعيد بن أبي عروبة، والمسعودي عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، فهؤلاء تغيروا تغيراً شبه كامل.
ب ـ أن يكون هذا التغير قليلاً وليس بالكبير، مثل أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، وصفه بعض الأئمة بالاختلاط، ولكن هذا الاختلاط ليس بالكثير، وحديثه صحيح، ولكن وقع في بعض الأوهام القليلة بعدما تقدمت به السن، فهذا القسم يعامل معاملة غير القسم الأول ومثل سفيان بن عيينة، فقد وصفه يحيى بن سعيد القطان ـ أيضاً ـ بالاختلاط[12]ـ ولكن هذا الاختلاط يسير، وإنما هو تغير للحفظ قليلاً.
فبالنسبة للقسم الأول يكون ما حدثوا به قبل الاختلاط هو الصحيح، وما حدثوا به بعد الاختلاط يكتب، فإن وجد ما يشهد له يُقبل، وإن لم يوجد ما يشهد له فهنا يرد ولا يقبل، وإذا كان الراوي عنهم من الأئمة الكبار الذين يعرفون صحيح حديثهم من سقيمه ففي رواية هؤلاء عنهم يكون روايتهم مقبولة، بسبب رواية هؤلاء الرواة عنهم، مثل عبد الله بن صالح كاتب الليث، كان له جار يُدخل في حديثه ما ليس منه، فأصبح في أحاديثه أحاديث ليست منها، وهذه الأحاديث يعرف أنها ليست من أحاديث الحفاظ الكبار مثل البخاري وأبي حاتم وأبي زُرعة، وأمثال هؤلاء، وقد نَصَّ ابن حجر على ذلك[13]، وقد قال محمد بن إسماعيل البخاري في مواضع متعددة من ((العلل الكبير))[14] للترمذي : كل راوٍ لا أعرف صحيح حديثه من سقيمة، أروي عنه، فهو ـ رحمه الله ـ كثيراً ما يعرف حديثه الشخص من سقيمه، ولذلك عندما أتى إلى إسماعيل بن أبي أويس قال : أخرج لي كتابك، فعندما أخرج له كتابه انتقى من حديثه ما كان صحيحاً، حتى أن إسماعيل ـ بعد ذلك ـ قال للبخاري عَلِّم لي على هذه الأحاديث، فعلم له البخاري عليها، فأخذ لا يحدث إلا بها[15]، ومثل وكيع بن الجراح الرؤاسي قال : كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة، يعني بعد الاختلاط فيحدثا، فما كان من حديثه كتبناه، وما لم يكن من حديثه أسقطناه[16].
وأما منهج بعض من تأخر فهم يعاملون ا لمختلطين معاملة واحدة، وهذا خطأ، فالمختلطين ليسوا على درجة واحدة كما تقدم.)[17] ا.ه كلامه-حفظه الله-.
وقال الشيخ الدكتور حمزة المليباري-حفظه الله-:( الضعيف نوعان : نوع ينجبر ونوع لا ينجبر. وأما النوع الذي ينجبر هو الحديث الذي لم يتبين خطؤه للناقد،ويقع تحته أحاديث الضعفاء غير المتروكين،والتي لم يخطئوا فيها،كما يقع تحته جميع أنواع الانقطاع مثل المعلق والمدلس والمرسل والمنقطع والمعضل. والنوع الذي لا ينجبر هو ما تبن خطؤه وكان معلولاً، سواء كان الراوي ثقة أم ضعيفاً، أو ما تبين كذبه وكان موضوعاً، ويكون الفرق بينهما أن الأول من مرويات الثقات، أو الضعفاء غير المتروكين،والثاني من مرويات الكذابين والمتروكين.
والذي يلفت الانتباه في أسلوب المتأخرين ممن لا يسير على منهج النقاد في نقد المرويات والرواة، هو : أن استخدام المتابعات والشواهد لتقوية الحديث كان على منهجية غير منضبطة بقواعد علمية معروفة لدى نقاد الحديث الأوائل تطبيقاً، وذلك بناء على إطلاق القاعدة في التقوية، بحيث يخيل لمن يتتبع بحوثهم أن شخصاً ما إذا حفظ تعريف المتابعات : الناقصة منها والقاصرة،والشواهد صار إماماً في تطبيقها في التخريج والتحقيق.)[18] ا.ه
هذا نهاية ما أحببت أن أنبه عليه، ولا تستطل هذا الموضع فإنه كما أحسب من أهم مواضع هذه الورقات.
وخلاصة الأمر في هذا الحديث أنه ضعيف لا يحتج به للعلل التي في إسناده ولنكارة بعض مواضع متنه كما سيأتيك، والله أعلم.
*****
[المتن]
جاء في متن هذه القصة شيء مستنكر جداً، ألا وهو:( فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا " قَالُوا: لَا. قَالَ: " مَا كَانَ اللهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ النَّارَ "..)
قلت هذه عبارة منكرة، فقد أسلمت هند وحسن أسلامها، فقد رروى الشيخين في صحيحيهما[19]، من حديث عائشة أنها قالت:( جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ..).
والإسلام يجب ما قبله، كما جاء في عدة أحاديث وآثار صحاح. فتأمل!
****
تعقبات على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحسينه للحديث
قد رأيت ضعف هذا الحديث من هذه الطريق ونكارته، ولكن مع كل هذا جاء من المعاصرين من يحسنه بشواهد له (كما قال)!!
ومنهم الشيخ شعيب الأرنؤوط ولجنة التحقيق معه، فقد قالوا عقب الحديث: (حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، الشعبي - وهو عامر بن شراحيل - لم يسمع من عبد الله بن مسعود، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير عطاء بن السائب، فقد روى له أصحاب السنن والبخاري متابعة، وهو صدوق اختلط بأخرة، وصححوا سماع حماد - وهو ابن سلمة - منه قبل اختلاطه قلنا: قد ضعَّفه ابن كثير والهيثمي من جهة عطاء بن السائب، وإنما ضَعْفُه من جهة انقطاعه، ولم يذكرا ذلك، وإلا فإن حماد بن سلمة قد سمع من عطاء قبل اختلاَطه ورواه عبد الرزاق (6653) عن الشعبي مرسلاً لم يذكر فيه ابن مسعود.
وقوله: أفرد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تسعة.. إلى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أنصفنا أصحابنا" له شاهد من حديث أنس عند مسلم (1789).
وقوله: فجاء سفيان، فقال: اعل هبل... إلى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الله مولانا والكافرون لا مولى لهم " له شاهد من حديث البراء عند البخاري (4043).
وقوله: "اعل هبل " له شاهد من حديث ابن عباس تقدم برقم (2609)، وفيه أن الذي أجابه هو عمر بن الخطاب....)[20] ثم أخذوا يأتوا لكل قطعة من الحديث بشاهد ليقويه!!
التعليق
[أولاً] قولهم: (وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح) قلت هذه شماعة أصبح أكثر المتأخرين يصححون بها أحدايث أنكرها المتقدمون بدعوى أن رجال السند رجال الشيخين، وهذه من طوام ما حل بهذا العلم في الوقت المتأخر، إذ قد فصل السند عن المتن ولم يعد يأبه له، كما كان صنيع الأئمة من المتقدمين، في الإهتمام بالحديث سنداً ومتناً والنظر لكليهما عند الإعلال أو التصحيح[21]، ثم إن الشيخين رويا لضعفاء ومختلف فيهم، وإنما كانت روايتهم لهم إنتقاء، حسب قرائن ومرجحات وجدت لديهم، وبدت لهم، ومن يستطيع أن يأتي بمثل هذا، وهذا خاص بهم -رحمهم الله- لما أعطاهم الله من علم واسع وفهم ثاقب وعظم دراية وواسع رواية..
ثم قد يروي لهم في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وبينها كبير فرق يعرفه كل من شم رائحة هذا العلم.
قال الدكتور بشار عواد-حفظه الله-:(شاع عند المتأخرين، ومنهم الحاكم، من قوله: إن هذا الحديث على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، وكأن شرطيهما كانت معروفة لكل أحد من الناس، نعم حاول بعض المتأخرين معرفة شروط الشيخين بالإستقراء وتقل بعض النصوص، كما فعل محمد بن طاهر المقدسي ت (507 ه) والحازمي ت (584 ه)، ولكن هذه في الحقيقة أمره مجرد تخمين واستنتاجات قائمة على استقراء غير تام لصنيع الشيخين في كتابيهما، فإن أحداً لا يمكنه الجزم بالطريقة التي تم بموجبها اختيار المؤلفين أحاديث كتابيهما، قال ابن طاهر المقدسي في مقدمة كتابه:( اعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهما لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم)[22]، وقد إنتقى الشيخان من الأحاديث إنتقاءً لا ندرك تماماً الأسس التي تم بموجبها هذا الإنتقاء، فلا ندري مثلاً لماذا انتقيا من موطأ مالك هذه الأحاديث، ولماذا انتقيا هذه المرويات من حديث نافع مولى ابن عمر-رضي الله عنه-، ولماذا انتقيا هذه المرويات من أحاديث الثقات أمثال: أيوب السختياني، وجرير بن حازم، وجعفر بن إياس اليشكري...وغيرهم..، إذن لماذاترك الشيخان ما تركا؟ وذكرا ما ذكرا من الحديث؟ ليس هناك جواب إلا القول بالإنتقاء.
وقل مثل ذلك في الرواة المتكلم فيهم الذين أخرجا لهم في صحيحهما، إذ إنتقيا من أحدايثهم أصحها، أو قل أسلمها من العيوب وما يصلح في بابه، إذا أخرجاها في غير أبواب الحلال والحرام. واستعاض بعضهم بقولهم:(رجاله رجال الصحيح)، أو (رجاله رجال البخاري) أو (رجاله رجال مسلم) وهذا فيه نظر من وجهيم:
إن رواة الإسناد من رجال الشيخين أو أحدهما لا يعني أن الشيخين قد أخرجا بهذا الإسناد، أعني برواية الواحد عن الآخر...
أن الشخين قد رويا لرجال من رجالهما ممن عرفوا بالضعف، فانتقيا قليلاً، أو كثيراً من حديثهم الصحيح، فكيف عندئذ نوهم بأن الحديث مثل حديث هذا الشيخ أو الراوي صحيح في جملته..)[23] أ.ه
وقال شيخنا العلامة المحدث ماهر الفحل-حفظه الله-: (ومما يختلف فيهِ الحال بين منهج المتقدمين والمتأخرين ما أحدث موخراً من قولهم : صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، وهذه البلية أول من أظهرها الحاكم في مستدركه ثم انتشرت قليلاً بين المتأخرين حتى شاعت عندَ بعض عصريينا. وعند استخدامهم لهذه الطريقة، أو المصطلح يشار به إلى أن شرط الشيخين معروف لكل الناس. وهو أمر خلاف الواقع ؛ لأن من حاول هذا لم يحاوله إلا عن طريق الاستقراء كما فعل بعض من كتب في شروط الأئمة الستة أو الخمسة، وإن الحق الذي نعتقدهُ، ولا يتخللهُ شك أنا لا نستطيع الجزم بالطريقة التي تم إنتقاء الشيخين البخاري ومسلم لها، فنحن لا نعلم كيف انتقى البخاري من حديث سفيان، أو الزهري، أو يزيد بن زريع، ولا ندري كيف انتقى من أحاديث سالم أو غيره من الثقات الأثبات، ثم إنا نجزم بأنهما لم يريدا استيعاب جميع مارواه الثقة، بل ليس كل مارواه الثقة صحيحاً.
إذن فصنيع الشيخين في أحاديث الثقات صنيع انتقائي وليس شمولياً، ونحن لا نعرف الأسس والموازين التي من خلالها انتقى الشيخان أحاديث هؤلاء الثقات.
وما دام الأمر كذلك : فإن قصورنا يكون أكثر وعجزنا يكون أكبر، أما طريقة انتقاء الشيخين من حديث من في حفظهم شيء مثل : إسماعيل بن أبي أويس، والحسن ابن ذكوان، وخالد بن مخلد القطواني.
قالَ الحافظ ابن حجر : (( روينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج لهُ أصوله، وأذن له أن ينتقي منها وأن يعلم لهُ ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثة لأنه كتب من أصوله ))[24]
وقال الزيلعي: (( خرج في الصحيح لخلق ممن تكلم فيهم، ومنهم جعفر بن سليمان الصبغي، والحارث بن عبد الإيادي، وأيمن بن نايل الحبسثي، وخالد مخلد القطواني وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، ولكن صاحبا الصحيح -رحمهما الله- إذا أخرجا لمن يتكلم فيهِ فانهم ينتقون من حديثه ))[25] .
وقال ابن القيم مجيباً عما عيب على مسلم إخراج حديث من تكلم فيهِ : (( ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه ؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيهِ )) [26] .
وإن من الأضرار والمفاسد التي تنجم من استخدام مصطلح : على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، هوَ تصحيح جميع الأحاديث المروية عن الرجال الذين أخرج لهم مجتمعين أو منفردين وهو أمر خطير، إذ ليس جمع الأحاديث التي رجالها رجال الشيخين ترتقي إلى هذه المرتبة بل ربما كانَ منها ما هوَ معلول بعلل قادحة سواء كانت ظاهرة أو خفية وهذا مما لا يدركه إلا من رزقه الله فهماً واسعاً واطلاعاً غائصاً، ونظراً ثاقباً، ومعرفة تامة بأحوال الرواة والطرق والروايات أو حفظ جملة كثيرة من المتون حتى اختلطت بلحمه ودمه.) [27] ا.ه
[ثانياً] قولهم: (وصححوا سماع حماد - وهو ابن سلمة - منه قبل اختلاطه)!!
قلت: والله لا أدري كيف غاب عنهم أن حماد قد سمع منه قبل الإختلاط وبعده، وأن سماعه أولاً صحيح وآخره لا شي كما قال ابن معين عن هذا الصنف، ولم يميز حديثه منه أكان قبل الإختلاط أم بعده، فعند أول نظرة في التهذيب، ترى أن الأئمة ينصون على سماعه منه قبل الإختلاط وبعده.
[ثالثاً] لم ينظر المحققون!! لهذه الطبعة، إلى المتن ولم يعتبروا به، وهذا كما سبق قوله أنه من إحداث المتأخرين وسلوكهم منحى في التصحيح والتعديل غير المنحى والطريق التي سار عليها الجهابذة النقاد من المتأخرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا إليه راجعون، فكتب المتقدمين طافحة بإعلال الحديث بسبب نكارة المتن[28] وعدم فصل كل منهما عن الآخر، إلى أن جاء عصر المتأخرين بدءً من أبي عبد الله الحاكم الذي أكثر من ذلك في مستدركه وأخترعه في مصنفاته، فكثير ما ترى قوله(صحيح الإسناد) (إسناده كلهم ثقات ).... وهلم جرا..
قلت هذه العبارة لا تقضي بصحة الحديث، إنما تعطينا شرط واحداً وهو خلوه من الضعفاء وأضرابهم، ويبقى النظر فيه هل هو سالم من الإنقطاع أو خالي من الشذوذ أو من الإرسال، وغير ذلك من شروط صحة الحديث الصحيح المقبول. بل قد يكون الحديث في متنه منكراً أو شاذاً عند المتقدمين، فيأتي بعض الباحثين فيطلق عليه(صحيح الإسناد) مثلاً فاصلاً المتن عن الإسناد غير آبه به، وهذا مما أولع بعض المتأخرين والمعاصرين به، والله المستعان.
قال الإمام النووي، مبيناً هذا الأمر وموضحه:( وَقَوْلُهُمْ: حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ أَوْ صَحِيحُهُ، دُونَ قَوْلِهِمْ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ: لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أَوْ يَحْسُنُ الْإِسْنَادُ دُونَ الْمَتْنِ لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ)[29] ا.ه
وقال الإمام الحافظ ابن الصلاح:( قَوْلُهُمْ " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، أَوْ حَسَنُ الْإِسْنَادِ " دُونَ قَوْلِهِمْ: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَدِيثٌ حَسَنٌ " لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ "، وَلَا يَصِحُّ، لِكَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا.)[30]
[رابعاً] قولهم-عفا الله عنا وعنهم-: (وقوله: أفرد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تسعة.. إلى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أنصفنا أصحابنا" له شاهد من حديث أنس عند مسلم (1789).
وقوله: فجاء سفيان، فقال: اعل هبل... إلى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الله مولانا والكافرون لا مولى لهم " له شاهد من حديث البراء عند البخاري (4043).
وقوله: "اعل هبل " له شاهد من حديث ابن عباس تقدم برقم (2609)، وفيه أن الذي أجابه هو عمر بن الخطاب....)
قُلي بربك أين وُجد مثل هكذا طريقة للإتيان بالشواهد لكل قطعة مجزأة في المتن وسياقها كأنها عاضدة لهذا الحديث، إلا في كتب المعاصرين (ولا أقول المتأخرين) ولو أخذنا بهذه الطريقة لما بقي حديث ضعيف أو مُعل، وهذا من المصائب التي حلت بهذا العلم من قبل أُناس ولجوا فيه وهم بعيدن كل البعد عن طريقة الأئمة النقاد من المتقدمين، والله إن القلب ليُعل ويصبه الكمد ويواقعه الهم من هكذا طُرق ومناهج، والله المستعان.
وقال الشيخ الألباني مضعفاً له ومتعقباً على الشيخ أحمد شاكر في تحسينه للحديث:( و فيه حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب و قد سمع منه في حالة الإختلاط كما سمع منه قبلها و لهذا قال الحافظ ابن كثير(4/41) : (هذا إسناد فيه ضعف) و هذا هو الصّواب، خلافا لقول الشيخ أحمد محمد شاكر : إنه صحيح.... ثم قال الشيخ الألباني عن الشيخ أحمد شاكر : و قد صحح فضيلة الشيخ في تعليقه على المسند و غيره. كلها من هذا الطريق. فليتنبه لهذا)ا.ه
****
ما جاء عند الواقدي في مغازيه:
قال الواقدي كما في مغازيه (1/286- ط- دار الأعلمي) راوياً عن وحشي-قاتل حمزة- أنه قال:(.. فَأَضْرِبُ بِهَا فِي خَاصِرَتِهِ حَتّى خَرَجْت مِنْ مَثَانَتِهِ. وَكَرّ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ: أَبَا عُمَارَةَ! فَلَا يُجِيبُ، فَقُلْت: قَدْ، وَاَللهِ مَاتَ الرّجُلُ! وَذَكَرْت هِنْدًا وَمَا لَقِيَتْ عَلَى أَبِيهَا وَعَمّهَا وَأَخِيهَا، وَانْكَشَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ حِينَ أَيْقَنُوا مَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنِي، فَأَكُرّ عَلَيْهِ فَشَقَقْت بَطْنَهُ فَأَخْرَجْت كَبِدَهُ، فَجِئْت بِهَا إلَى هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ، فَقُلْت: مَاذَا لِي إنْ قَتَلْت قَاتِلَ أَبِيك؟ قَالَتْ: سَلَبِي! فَقُلْت: هَذِهِ كَبِدُ حَمْزَةَ. فَمَضَغَتْهَا ثُمّ لَفَظَتْهَا، فَلَا أَدْرِي لَمْ تُسِغْهَا أَوْ قَذَرَتْهَا..) ا.ه
قلت هذا الخبر من الواقدي لا يصح البته فهو منكر بمرة:
قال البخاري عنه:( الواقدي مدني سكن بغداد متروك الحديث تركه أحمد بن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا وقال في موضع آخر كذبه أحمد.)[31]
وكذبه الإمام أحمد: (قال معاوية بن صالح قال لي أحمد بن حنبل الواقدي كذاب.)[32]
ويحى بن معين:( فقد رماه بالكذب. وقال مرة ليس بشيء وقال مرة كان يقلب حديث يونس يغيره عن معمر ليس بثقة وقال مرة ليس بشيء.) [33] وهذه العبارات من أردى عبارات التجريح عنده.
وقال النسائي:( مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ مَتْرُوك الحَدِيث)[34] ومرة (يضع الحديث)[35]
كذلك الإمام الشافعي رماه بالكذب و أتهمه به.[36]
وقال الذهبي عنه:( استقر الاجماع على وهن الواقدي.)[37]
فالقصة أعلاه باطلة منكرة، ثم هناك شيء آخر فيها وهو الإنقطاع الواقع بين الواقدي ووحشي بن حرب. فتأمل.
****
القصة عند ابن اسحاق:
ثم قد وجدت ابن إسحاق في مغازيه(1/333) قد ذكرها من طريق صالح بن كيسان. فقال:( قد وقفت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة الآتون معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والآناف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنافهم خذماً وقلائداً..)
قلت هذه الرواية مرسلة، فصالح بن كسان[38] يصنف في زمرة صغار التابعين، ولم يدرك إلا النُزر اليسير من الصحابة ومن الأئمة من شكك في سماعه منهم-رضي الله عنه- وأكثر روايته عن التابعين، ولا يُعرف عمن أخذ هذه القصة، فيتوقف فيها، وتبقى على أرسالها الموجب الضعف لها!
القصة عند البيهقي:
وقد رواها الإمام البيهقي في دلائل النبوة (3/282)، من طريق مُحَمَّد بْن عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ(قلت- أبو بكر- أبو الأسود هذا هومحمد بن عبد الرحمن، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ(....) وفيها ذكر بقر البطن وأكل الكبد..
قلت: هذه الطريق معلولة:
فيها ابن لهيعة، ضعفه جمع من الأئمة، ورموه بالإختلاط وسوء الحفظ لإحتراق كتبه.
وبعضهم ضعفهم مطلقاً وآخر قبل روايته عن العبادلة خاصة وغيره فصل، قال شيخنا المحدث عبد الله السعد، عنه:( وقعت أحاديث منكرة في حديثه ووقع في أوهام في روايته، وهذا مرجعه إلى أشياء منها:
- عدم إتقانه وحفظه.
- أنه ما كان يحدث من كتابه، هو حدث قديماً فيما سبق من حياته حدث من كتابه ثم بعد ذلك لم يحدث من كتابه، وإنما يقرأ من كتب الناس أو يأتي إليه أناس ويقولون هذا من حديثك فيقرؤون عليه، ثم بعد ذلك يروون هذه الأحاديث، فلا شك أن مثل هذا أوقعه في أوهام وأخطاء.
- تدليسه: فكان يدلس، وأحياناً كان يسقط راويين، فهذا أيضاً من الأسباب التي أدت إلى أن يقع في حديثه ما وقع من المنكرات والأخطاء.
والخلاصة في حديثه رحمه الله أنه على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهو أصح حديثه وهو ما حدث به قديماً، وممن سمع منه قديماً عبدالله بن وهب، والدليل على هذا هو حديث، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن القرآن كان في إيهاب لما احترق". هذا الحديث حدث به ابن لهيعة. قال ابن وهب: لم يكن ابن لهيعة يرفع الحديث من قبل، يعني ثم بعد ذلك رفعه. ورفع هذا الحديث منكر فعبدالله ابن وهب سمع هذا الحديث من ابن لهيعة قديماً ولم يكن يرفعه، ثم سمعه منه عبدالله بن يزيد المقرئ. وعبدالله بن يزيد المقرئ أيضاً ممن روى عنه قديماً ولكن ابن وهب أقدم من عبدالله بن يزيد المقرئ وأكثر ملازمة لعبدالله بن لهيعة، ولذلك بيّن عبدالله بن وهب أن هذا الحديث ما كان ابن لهيعة يرفعه من قبل، يعني ثم بعد ذلك رفعه، فسمعه منه عبدالله بن يزيد المقرئ فرفع هذا الحديث منكر. وهذا القسم لا يحتج به. وسوف يأتي بإذن الله لماذا لا يحتج به.
- القسم الثاني من حديث عبدالله بن لهيعه: هو ما حدث ب ه قديماً، وما رواه قبل أن تحترق كتبه. ومن سمع منه من كتابه، فهذا القسم الثاني هو يلي القسم الأول وأقوى من القسم الذي سوف يذكر وهو القسم الثالث. والسبب في هذا القسم هو أن ابن لهيعة (رحمه الله) احترقت كتبه، فزاد ضعفه بعد احتراق هذه الكتب.
وبالمناسبة فقد أختلف هل احترقت كتبه أم لم تحترق: فهناك من نفى أن تكون كتبه قد احترقت. ووجه الجمع (والله أعلم) أن كثيراً من كتبه قد احترقت أو جزء من كتبه قد احترق وبعضها لم يحترق. وهناك ما يدل على ذلك، جاء ما يدل على أن بعض كتبه بقيت، وحتى سمع من ابن لهيعة من كتبه من سمع منه أخيراً، فجزء من كتبه قد احترق.
فهذا الذي حصل زاده ضعفاً، وأيضاً كما ذكرت فيما سبق أن ابن لهيعة كما ذكر في ترجمته من قبل بعض أصحابه أنه حدث من كتبه قديماً ثم بعد ذلك ما أخرج كتبه إلا من يأتي إليه ويسأله أو يقف على بعض كتبه فيسمع منه من كتابه وإلا فيما بعد أخذ يكثر من الحديث من حفظه فلذلك ازداد ضعفاً على الضعف الموجود فيه. فلذلك يقال أن من سمع منه قديماً ومن روى عنه قبل أن يتغيرقبل أن تحترق كتبه ومن سمع منه من كتابه أو من كتب عمن كتب عنه مثل قتيبة بن سعيد. قتيبة بن سعيد كتب عمّن كتب عنه ولذلك أثنى الإمام أحمد على رواية قتيبة بن سعيد.
- القسم الثالث، من سمع منه أخيراً بعد احتراق كتبه وسمع منه من حفظه.
فهذه أقسام حديث ابن لهيعة
طبعاً كل هذه الأقسام لا يحتج بها. لماذا؟ لأن جل الحفاظ، أكثر الحفاظ على تضعيف عبدالله بن لهيعة مطلقاً، كما قال يحيى بن معين: "كان ضعيفاً قبل الاختلاط وبعده". فجلّ الحفاظ على تضعيف حديثه مطلقاً بدون تفصيل، ولذلك قال أبو الحسن الدرقطني: "يعتبر برواية العبادلة عنه"، ما قال: "تُصحح"، وإنما قال: "يُعتبر" يعني لأنهم سمعوا منه قبل أن تحترق كتبه.
ثم أمر آخر: وهو أن لابن لهيعة أحاديث منكرة حتى من رواية العبادلة ومنهم عبدالله بن وهب، والدليل على هذا هو عندما تقرأ في كتاب العلل لابن أبي حاتم تجد أحاديث عديدة أنكرها أبو حاتم الرازي على عبدالله بن لهيعة، وهي من رواية ابن وهب. فلعبدالله بن لهيعة أحاديث منكرة حتى من رواية من سمعوا منه قديماً. فعندما تقرأ في كتب العلل وغيرهم من كتب أهل العلم تجد أحاديث كثيرة أنكرت على ابن لهيعة مع أنه من رواية القدماء عنه
وأما من قوى ابن لهيعة من رواية العبادلة فالجواب عن ذلك أولاً بما تقدم، والأمر الثاني: أن الذين نقل عنهم تقوية حديث العبادلة عنه هم الحافظ عبدالغني المصري والساجي وهما لا شك أنهما من كبار الحفظ لكنهما ليسا مثل يحي بن معين أو مثل الإمام أحمدو مثل أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم من كبار الحفاظ.
فلا شك أن مثل هؤلاء يقدمون على الساجي وعلى الحافظ عبدالغني المصري ثم قد يكون قصد الحافظ عبد الغني المصري أن ما رواه عنه العبادلة هو صحيح؛ يقصد (والله أعلم): أن رواية العبادلة من حديث ابن لهيعة. لأن هناك من روى عن ابن لهيعة أحاديث ليست من حديثة وذلك كما ذكرت: يأتي إليه أناس يقرؤون عليه أحاديث وهو يسكت ثم بعد ذلك يروونها عنه وتكون هذه الأحاديث ليست من حديثه. فلعل قصد الحافظ عبدالغني الغني المصري والساجي كذلك: أنهم يقصدون أن رواية العبادلة هي من حديث ابن لهيعة نفسه وليست من غير حديث ابن لهيعة.
وكما ذكرت فإن لعبدالله بن لهيعة أحاديث منكرة حتى ممن سمع منه قديماً وهذه الأحاديث المنكرة كثيرة في الحقيقة وليست بالقليلة. فالراجح أنه لا يحتج به وكما قال الدارقطني أنه يعتبر برواية العبادلة عنه.
والخلاصة أن رواية ابن وهب في الأصل أنها أقوى ممن روى عنه من غيره أو ممن روى عنه غيره لما ذكرت قبل قليل، ثم بعد ذلك من سمع منه قديماً غير عبدالله بن وهب، ثم بعد ذلك أضعف حديثه من سمع منه أخيراً إلا ما استثني ممن كتب عنه (مثلاً) ممن كتب من كتب ابن لهيعة ذاتها كما ذكرت مثل قتيبة بن سعيد أو محمد بن رمح، فأيضاً هذا مما استثني، أو مثل نظر بن عبدالجبار أيضاً، هذا ممن أستثني. وأثني على روايته كما أثنى عليها حماد بن صالح المصري.
نعم الخلاصة أن حديث ابن لهيعة لا يكتب ولا يحتج به لكن رواية القدماء عنه أقوى[39].) ا.ه
فيها محمد بن عمر هذا، وقد ذكره ابن يونس في تاريخه[40]، ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل إنما أكتفى بترجمته دون ذلك.
فهذه الرواية لا تصح كما ترى لما فيها من الوهاء والضعف.
وبعد كل هذا أقول: روى قصة مقتل حمزة-رضي الله عنه- الإمام الطبراني في معجمه الكبير، رقم(167) والبيهقي في سننه، رقم(6799-الكتب العلمية): من طريق عن أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أنبأ أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِيَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: " مَنْ رَأَى مَقْتَلَ حَمْزَةَ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ أَعْزَلُ: أَنَا رَأَيْتُ مَقْتَلَهُ، قَالَ: " فَانْطَلِقْ فَأَرِنَاهُ "، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ فَرَآهُ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ وَاللهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْقَتْلَى، فَقَالَ: " أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ لُفُّوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَرِيحٌ يُجْرَحُ إِلَّا جَاءَ وَجُرْحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ "، فَقَالَ: " قَدِّمُوا أَكْثَرَ الْقَوْمِ قُرْآنًا فَاجْعَلُوا فِي اللَّحْدِ ") ا.ه
وليست فيها زيادة أكل هند من كبد حمزة..
وبعد هذه الجولة السريعة في تخريج هذه القصة، أقول:
خلاصة الأمر:
أن قصة هند مع كبد حمزة لا تصح البتة، ولم تثبت من وجه صحيح إذ كل الأخبار الواردة في ذلك معلولة ضعيفة كما سبق.
ولو سلمنا جدلاً بصحتها (وأنى لهم ذلك) فإنا نقول: إن هند قد أسلمت وحسن إسلامها كما سبق نقله عن عائشة-رضي الله عنها- عند الشيخين- والإسلام يجب ما قبله.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..******
وأملاه، العبد الفقير المُذنب/
أبو بكر الأثري
( أبو يعلى )
-عفا الله عنه-
1434 هـ
[1] انظر :تهذيب التهذيب (7/419)
[2] المراسيل، لإبن أبي حاتم ص (160) رقم (591). جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص (204)
[3] معرفة علوم الحديث ص (111) وانظر: تهذيب التهذيب (5/68)
[4] تقريب التهذيب (1/391)
[5] الثقات للعجلي ص (332) رقم (1128)
[6] الكامل في ضعفاء الرجال (7/72).
[7] المصدر السابق، وانظر التاريخ الكبير للبخاري. (6/465)
[8] الضعفاء الكبير (3/398)
[9] تهذيب التهذيب (7/207)
[10] الضعفاء الكبير (3/398)
[11] البداية والنهاية (5/430)
[12] ذكر ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ص 497، ويُنْظر ((ميزان الإعتدال)) (2/171) للذهبي فقد استبعد ذلك، و((الكواكب النيّرات)) لابن الكيال ص 229، و((تهذيب التهذيب)) (2/60).
[13] ((هدي الساري)) ص 414.
[14] (2/978ـ حمزة ديب)، (ص 39 ـ السامرائي).
[15] ((هدي الساري)) ص 391
[16] ((تهذيب التهذيب)) (2/34)
[17] مباحث في الجرح والتعديل. ص (3/3-5) تفريغات ملتقى أهل الحديث.
[18] الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين. ص(91).
[19] صحيح البخاري، باب ذكر هنت بنت عتبة بن ربيعة رضي الله عنها، رقم (3825) وباب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس، إذا لم يخف الظنون والتهمة، رقم (7161). ومسلم في الصحيح، باب قضية هند، رقم (1714).
[20] مسند أحمد ط- دار الرسالة (7/419-420).
[21] وستأتيك قريباً بعض الأمثلة على ذلك.
[22] شروط الأئمة الستة ص (17)
[23] من مقدمة الدكتور بشار عواد لكتاب تاريخ بغداد (1/173 وما بعدها- بتصرف) وانظر: الحديث الشاذ والمنكر وزيادة الثقة.. للدكتور عبد القادر المحمدي. ص (32) وانظر: كلام نفيس في هذه المسألة للحافظ ابن عبد الهادي في كتابه القيم. الصارم المنكي. والله أعلم.
[24] هدي الساري ص(391)
[25] نصب الراية لأحاديث الهداية (1/10)
[26] زاد المعاد في هدي خير العباد. (1/353)
[27] تباين منهج المتقدمين والمتأخرين.. ص (21)
[28] إن منهج النقاد الأوائل عبارة عن منهج علمي رصين متكامل بجميع عناصره وقواعده ونظرياته، فمثلاً لا يفصلون السند عن المتن أو ينظرون إلى الحديث بنظرة قاصرة، فمنهجهم-رحمه الله- في تصحيح الأحدايث وتعليلها قائم على منهج فقهي حديثي متكامل، وهاك بعض الأمثلة على ذلك:
ينظرون للمتن هل يخالف نصاً شرعياً اواقعاً عملياً.
ومثاله: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنَا عباد بْن الْعَوَّام عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ كَلْبٌ صَائِدٌ قَدْ أُعْطِيَهُ بِهِ عِشْرِينَ بَعِيرًا فَخَطَبَ امْرَأَةً وَخَطَبَهَا مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا فَقَالَتْ لَا أَنْكِحُكَ إِلَّا عَلَى كَلْبِكَ فَنَكَحَهَا وَسَاقَ الْكَلْبَ إِلَيْهَا فَعَدَا عَلَيْهِ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ فَتَرَافَعُوا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَغَرَّمَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) العلل ومعرفة الرجال (2/329)
هل هذا المتن محفوظ عن العلماء أم لا؟
ومثاله: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:( وسألتُ أَبِي عن حديثِ أوسِ ابنِ ضَمْعَج، عَنْ أَبِي مَسْعُود، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟
فَقَالَ: قد اختلفوا فِي متنه:
رَوَاهُ فِطْرٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَج، عَنْ أَبِي مَسْعُود، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: يَؤُمُّ القَوْمَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ....
وَرَوَاهُ شُعْبَة وَالْمَسْعُودِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاء، لَمْ يَقُولُوا: أَعلَمُهُم بالسُّنَّة.
قَالَ أَبِي: كَانَ شُعْبَة يَقُولُ: إسماعيلُ بْنُ رَجَاءٍ كَأَنَّهُ شَيطانٌ؛ مِنْ حُسْنِ حديثِهِ ! وَكَانَ يَهابُ هَذَا الحديثَ؛ يَقُولُ: حُكْمٌ مِنَ الأحكامِ عَنْ رسولِ الله، لَمْ يُشارِكْهُ أحدٌ.
قَالَ أَبِي : شُعْبَةُ أحفَظُ من كُلِّهم. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أليسَ (قَدْ رَوَاهُ السُّدِّي عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَج؟
قَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ الحَسَنُ بنُ يزيدِ الأَصَمُّ، عَنِ السُّدِّي، وَهُوَ شَيْخٌ، أَيْنَ كَانَ الثوريُّ وشُعْبَةُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟! وأخافُ ألاَّ يكونَ مَحْفُوظًا.) علل ابن أبي حاتم (2/110-111) وانظر للفائدة: التاريخ الكبير للإمام البخاري (1/38-39). ولهم قواعد وتطبيقات آخرى عديدة، لا يتسع المقام لذكرها، والناظر في كتب العلل ليجد الكثير من هذه الأمثلة، والله أعلم.
[29] تقريب النووي مع التدريب. (1/175)
[30] مقدمة ابن الصلاح. ص (38)
[31] تهذيب التهذيب (9/364) والضعفاء الصغير ص (123) والتاريخ الكبير (1/178)
[32] انظر: العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله (1/104) و(3/258) و(3/264).
[33] تهذيب التهذيب (9/364)
[34] الضعفاء والمتروكين للنسائي ص (92)
[35] ميزان الإعتدال (3/663)
[36] المصدر السابق.
[37] ميزان الإعتدال (3/666)
[38] انظر: تهذيب التهذيب (4/339) والتاريخ الكبير (4/288) الجرح والتعديل (4/410)
[39] وقول شيخنا-حفظه الله- (أقوى) مراده والله أعلم أنه أقل ضعفاً ممن روى عنه بعد الإختلاط وليست القوة الموجبة لتصحيح حديثه من هذا الصنف، فتنبه! ومع هذا التقرير يتبين خطأ من وثقه مطلقاً كما فعل الشيخ أحمد شاكر، كما في حاشيته على مسند أحمد (1/191)، وبعضهم جزم من خلال إستقرائه بضعفه مطلقاَ والله أعلم.
[40] تاريخ ابن شاهين (1/459)
المصدر
: http://majles.alukah.net/t122057/#ixzz3AtlxEidR
وهذا تعقيب لاحد الاخوة
ولكن حديث عبد الرحمن بن كعب عن أبيه معلول
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (3/ 505 - 506 رقم 1038) :
وسألت أبي عن حديث رواه خالد بن مخلد القطواني (1)، عن عبد الرحمن ابن عبد العزيز الأنصاري؛ قال: أخبرني الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى مقتل حمزة؟، فقال رجل: أنا رأيت مقتله، فانطلق حتى أراناه، فخرج حتى وقف على حمزة، فرآه قد شق بطنه؛ قد مثل به. قال: يا رسول الله! مثل به والله! فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى؛ قال: أنا شهيد على هؤلاء القوم، لفوهم في دمائهم؛ فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك. قدموا أكثر القوم قرآنا، واجعلوه في اللحد؟
قال أبي: يروى هذا الحديث عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
وعبدالرحمن هذا: التمثيل بحمزة.
_________
(1) روايته أخرجها ابن سعد في "الطبقات" (3/13)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (36776)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/11) على هذا الوجه، وكذا ذكرها ابن حجر في "هدي الساري" (ص356) ؛ لكن ذكر الدارقطني في "العلل" (4/127/أ) أن عبد الرحمن هذا - وهو: ابن عبد العزيز بن عبد الله = = ابن عثمان بن حنيف الأمامي من ولد أبي أمامة - رواه هو والليث بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر. اهـ. ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه ابن عدي في "الكامل" (4/287)، والطبراني في "المعجم الكبير" (19/82 رقم 167)، وفي "الدعاء" (1973). قال الحافظ ابن حجر عن هذا الطريق: «وهو خطأ أيضا، وعبد الرحمن هذا ضعيف».
(2) من هذا الوجه أخرجه البخاري في "صحيحه" (1343) من طريق الليث، عن ابن شهاب الزهري، به. وذكر الدارقطني في "العلل" (4/127/أ) الاختلاف في هذا الحديث، ثم قال: «وقول الليث أشبه بالصواب».
وقال الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" (ص356) بعد أن ذكر الاختلاف في هذا الحديث: «ولا يخفى على الحاذق أن رواية الليث أرجح هذه الروايات - كما قررناه -؛ وأن البخاري لا يعل الحديث بمجرد الاختلاف»
المصدر: الألوكة
ما صحة قصة أكل هند بنت عتبة لكبد حمزة ؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
من المعلوم بالتواتر أن حمزة بن عبد المطلب، سيد الشهداء رضي الله عنه : قد قُتل يوم أحد شهيدا.
وقد مثّل به المشركون ؛ لفرط غيظهم منه مما نكل بهم.
فروى البيهقي (6799)، والطبراني في "المعجم الكبير" (167) عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : ( مَنْ رَأَى مَقْتَلَ حَمْزَةَ ؟ ) فَقَالَ رَجُلٌ أَعْزَلُ : أَنَا رَأَيْتُ مَقْتَلَهُ، قَالَ: ( فَانْطَلِقْ فَأَرِنَاهُ )، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ، فَرَآهُ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ وَاللهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْقَتْلَى، فَقَالَ : ( أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، لُفُّوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَرِيحٌ يُجْرَحُ إِلَّا جَاءَ وَجُرْحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ ).
قال الهيثمي في المجمع (6/ 119):
" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ".
ثانيا :
ما يذكره كثير من أهل المغازي والسير من أن هند بنت عتبة رضي الله عنها تناولت كبده رضي الله عنه بعد مقتله فلاكتها، فلم تستسغها : لم يثبت في حديث صحيح، وإليك البيان :
أولا : روى الإمام أحمد (4414) : حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فذكر الحديث في غزوة أحد، وفيه :
"... فَنَظَرُوا فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَأَخَذَتْ هِنْدُ كَبِدَهُ فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْكُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا ؟ ) قَالُوا: لَا. قَالَ: ( مَا كَانَ اللهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ النَّارَ ).
وهذا إسناد ضعيف، عطاء بن السائب كان قد اختلط، قال الحافظ في التقريب (ص 391) : " صدوق اختلط "
وسماع حماد - وهو ابن سلمة - منه كان قبل الاختلاط وبعده، ولم يتميز حديثه قبل الاختلاط عن حديثه بعده.
انظر : "التهذيب" (7/207).
والشعبي لم يسمع من ابن مسعود رضي الله عنه، كما قال أبو حاتم والدارقطني
انظر : "التهذيب" (5/ 68).
فهذا إسناد ضعيف منقطع، وفي متنه ما يستنكر ؛ وهو قوله ( أَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا ؟ ) قَالُوا: لَا. قَالَ: ( مَا كَانَ اللهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ النَّارَ )، وقد أسلمت هند وحسن إسلامها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري (3825)، ومسلم (1714) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : " جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ".
ثانيا :
قال ابن إسحاق رحمه الله :
" قد وقفت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة الآتون معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يجدعن الآذان والآناف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنافهم خدماً وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطيها وحشياً، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها "
انتهى من "سيرة ابن اسحاق" (ص 333).
وهذا إسناد مرسل لا يصح، فصالح بن كيسان من صغار التابعين، وجل روايته عن التابعين، انظر : "التهذيب" (4/ 399-400).
ثالثا :
أما رواه الواقدي في "مغازيه" (1/ 286) عن وحشي بن حرب، أنه قال بعد قتله حمزة : "... فَشَقَقْت بَطْنَهُ فَأَخْرَجْت كَبِدَهُ، فَجِئْت بِهَا إلَى هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ، فَقُلْت: مَاذَا لِي إنْ قَتَلْت قَاتِلَ أَبِيك ؟ قَالَتْ : سَلَبِي! فَقُلْت: هَذِهِ كَبِدُ حَمْزَةَ، فَمَضَغَتْهَا ثُمّ لَفَظَتْهَا، فَلَا أَدْرِي لَمْ تُسِغْهَا أَوْ قَذَرَتْهَا، فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَحُلِيّهَا فَأَعْطَتْنِيهِ، ثُمّ قَالَتْ:
إذَا جِئْت مَكّةَ فَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، ثُمّ قَالَتْ : أَرِنِي مَصْرَعَهُ! فَأَرَيْتهَا مَصْرَعَهُ، فَقَطَعَتْ مَذَاكِيرَهُ، وَجَدَعَتْ أَنْفَهُ، وَقَطَعَتْ أُذُنَيْهِ، ثُمّ جَعَلَتْ مسكَتَيْنِ وَمِعْضَدَيْنِ حتى قدمت بذلك مكّة، وقدمت بكبده مَعَهَا ".
فهذا باطل منكر، والواقدي لا يشتغل به، كذبه الشافعي، وأحمد، والنسائي وغيرهم، وقال إسحاق بن راهويه : هو عندي ممن يضع الحديث.
"تهذيب التهذيب" (9 /326).
رابعا :
روى البيهقي في "دلائل النبوة" (3/ 282) من طريق مُحَمَّد بْن عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فذكر الحديث في غزوة أحد، وفيه "... وَوَجَدُوا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَاحْتُمِلَتْ كَبِدُهُ، حَمَلَهَا وَحْشِيٌّ، وَهُوَ قَتَلَهُ وَشَقَّ بَطْنَهُ، فَذَهَبَ بِكَبِدِهِ إِلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ فِي نَذْرٍ نَذَرَتْهُ حِينَ قَتَلَ أَبَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ "
وهذا إسناد ضعيف مرسل، ابن لهيعة كان قد اختلط، ومحمد بن عمرو بن خالد ذكره ابن يونس في "تاريخه" (1/ 459) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
خامسا :
قال ابن كثير رحمه الله :
" ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ الَّذِي بَقَرَ كَبِدَ حَمْزَةَ، وَحْشِيٌّ فَحَمَلَهَا إِلَى هِنْدٍ فَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا " انتهى من "البداية والنهاية" (5/ 419).
وهذا مرسل أيضا، موسى بن عقبة تابعي صغير.
والخلاصة :
أن التمثيل بحمزة رضي الله عنه وشق بطنه بعد استشهاده ثابت.
أما ما ورد من استخراج كبده وتناول هند بنت عتبة منها وعدم استساغتها إياها فلا يثبت فيه شيء.
والله أعلم
المصدر
http://islamqa.info/ar/202360