معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

عَرَضيّة الشريعة وفرديّتها ودنيويّتها عند عبد الكريم سروش - قراءة تقويميّة ونقديّة ..

عَرَضيّة الشريعة وفرديّتها ودنيويّتها عند عبد الكريم سروش - قراءة تقويميّة ونقديّة

مدخل

     ربما يبدو مفهوم الدين (Religion) واضحاً عند الكثيرين في الوسط الإسلامي؛ لأنّ هذه المفردة تمّ استخدامها في النصّ الديني الأصلي عند المسلمين وتداولها في تراثهم الديني منذ القرون الهجريّة الأولى، لكنّ الأمر لم يكن كذلك في الغرب، فالمسيحيّة ظلّت تستخدم بشكل أكبر مفردة الإيمان (Faith) للتعبير عن الديانة المسيحيّة، وثمّة من يعتبر أن ظهور مفردة الدين كان من قبل التيارات الأكثر علمانيّة في المجتمع الغربي، وانطلاقاً من هذا الواقع التاريخي، صارت كلمة الدين تمثل رؤية عامة للأديان، أكثر ممّا تمثل رؤية خاصّة بدين معيّن، وصار البحث حول الدين عموماً قضيّة جادّة تفترض ضرورة مقاربته مقاربة أوّليّة، تمهيداً للدخول في المرحلة اللاحقة المتمثلة بالحديث عن دين خاصّ أو عن الإيمان المسيحي أو الإسلامي؛ لأنّ التحدّيات الفكريّة والفلسفية التي شهدها الغرب بعد عصر النهضة صارت تطال الكائن الديني بما هو ديني، ولم تطرح نفسها بوصفها تطال ـ فقط ـ ديناً بعينه، لترى الخلاص في التحوّل عنه إلى دين آخر، فلم يكن هذا الخيار موجوداً، ومن هنا شعر المناخ الديني بأنّه صار مطالباً بالبحث عن الدين بوصفه هويّة متعالية عن صفة المسيحية أو الإسلام أو اليهوديّة أو غير ذلك، وهو يخوض حواره مع الآخر المخارج للدين بالمفهوم السائد.
إذا صحّ هذا التحليل التاريخي الذي يقدّمه بعضٌ، فنحن نلاحظ كيف أنّ هويّة الدين بشكل عام، وليس هويّة هذا الدين أو ذاك، صارت موضوعاً للبحث، وتمّ تناولها هذه المرّة من زاوية مخارجة لدينٍ معيّن، خاصّة في فضاء الدراسات الدينيّة الحرّة، عنيتُ الدراسات التي لم تخرج من رحم الدفاع عن ديانة بعينها، بل من رحم أخذ الدين موضوعاً لدرسها، لا غايةً له.
من هنا نلاحظ كيف أنّ فريدريك دانيال ارنست شلايرماخر (1834م) أّلف أوائل كتبه الذي يستهدف الحوار مع الذين لديهم موقف من الدين وتوجّه قائم على النفرة منه واحتقاره، ليضع له عنواناً متلائماً مع الفضاء العلماني الجديد، حيث أطلق عليه (On Religion Speeches to its Cultured Despisers)([2])، ليجعله يدور حول الدين عامّة، على خلاف بدايات عصر الإصلاحات الديني في القرن السادس عشر، حيث وجدنا أمثال مارتن لوثر (1546م) وجون كالفن (1564م)، تتمركز مقولاتهم حول المسيحيّة لا حول الدين بوصفه ظاهرة عامّة. وهذا بعينه شهدناه مع رجالات النهضة الإسلاميّين في القرن العشرين، حيث امتلأت كتبهم بعنوان (الدين ـ الإيمان) عموماً، إلى جانب عنوان الإسلام، وهذه في تقديري جدليّة عميقة في العلاقة بين التعميم والتحديد في مقاربة القضيّة الدينيّة.
إنّ تحسّس الفكر الجديد من النزعة الإيمانيّة الدينية التبريريّة والدفاعيّة لرجال الدين، دفع لظهور الدراسات الدينية الحرّة، على يد أمثال ماكس مولر (1900م) وغيرهم، وبهذا صار البحث الديني مخارجاً للنصّ أكثر من كونه متداخلاً معه أو مولوداً منه، وأدّى هذا لظهور النزعة الخارج ـ دينيّة في فهم الدين، فمن يحكم في الدين هو هذا التحليل العقلاني الإنساني المخارج له، وليس النصّ هو الذي يحكم في هويّة ذاته، وقد تعزّز هذا الموقف عبر الدراسات الهرمنوطيقيّة الحديثة ومباحث فلسفة العلوم.
طبعاً ظلّ البحث الديني متجاذباً بين الداخل والخارج إلى يومنا هذا، ففيما رجّح الكثيرون المدخل الإنساني العام الخارج ـ ديني، رأى آخرون وجود خلل عميق في هذا المنهج، مثل كارل بارث (1968م)، الذي كان يعتقد بأنّ الدخول على الدين من خارجه لن يوصلنا إلى جوهره؛ لأنّ الدين ليس نتيجاً إنسانيّاً بل هو منتج إلهي، وفي هذا التقرير المسبق لا يمكن لي أن أصل لجوهر الدين إلا من داخله؛ لأنّ الدين يستهدف أن يغيّرني في رؤتي للأشياء والعالم والوجود والإنسان، فإذا أسقطتُ عليه مقاربتي الإنسانيّة المسبقة ودفعته للصمت، فلن أتمكّن على الإطلاق من الوصول إلى رسالته الأصليّة، فالبحث الخارج ـ ديني هو في الأصل قائم على إنكار أو تجاهل إلهيّة الدين ودوره المتعالي.
في هذا الإطار، ظهرت أفكار من نوع هويّة الدين ـ تعريف الدين ـ غايات الدين ـ مساحة الدين ـ صلة الدين بالحياة وأنواعها وغير ذلك من عشرات المباحث والدراسات والعناوين.
وفي هذا السياق التحليلي للدين جاءت فكرة فرديّة الدين وأمثالها، حيث انطلقت هذه النظريّة من قراءة عقلانيّة مخارجة للدين ـ كما سوف نرى أنموذج ذلك في دراسة الدكتور سروش ـ لتؤكّد على أنّ الدين ليس سوى حالة فرديّة لا علاقة لها بالسياسة والاجتماع وأمثال ذلك، وبهذه الطريقة يتراجع الدين في مساحته تراجعاً واسعاً، ويفقد الفقه والشريعة قدرة التحكّم في تمام الوقائع والمجريات، ليبقى في إطار الحياة الفرديّة للإنسان، دون أن يحمل في داخله خطاباً للمجتمع بما هو مجتمع أو للأمّة بما هي كذلك، فضلاً عن وجود خطابات تنظيميّة فيه تتصل بإدارة الإجتماع السياسي وممارسة السلطة الزمنيّة.

حدود الدين والشريعة عند الدكتور عبد الكريم سروش

ولد حسين حاج فرج الله دبّاغ، المعروف بعبد الكريم سروش، في مدينة طهران عام 1945م، وتابع دراسته الأولى فيها، وقد تعرّف هناك على الفلسفة وبعض الشخصيّات الفلسفيّة، مثل المطهري والطباطبائي وغيرهم، عبر اُستاذه رضا روزبه، ثم مال ـ ككثير من الشخصيّات غيره ـ لفترة قصيرة إلى جمعيّة الحجتيّة([3]) في إيران، غير أنّه سرعان ما تركهم ولم ينسجم مع أفكارهم، ليشتغل بالدراسات الفلسفيّة والقرآنيّة. وبعد انتهائه من المدرسة تابع دراسته في مجال الصيدلة وصناعة الأدوية في جامعة طهران، وسرعان ما سافر إلى لندن لدراسة الكيمياء، حيث أبدى هناك اهتماماً ومتابعة ودراسة للفلسفة الغربيّة، وكان هناك مندوباً من طرف السيد محمّد بهشتي (1981م) في المشاركة في إدارة بعض المراكز الإسلاميّة الشيعيّة.
بعد عودته إلى إيران، تحوّل سروش ـ قُبيل وبُعيد انتصار الثورة عام 1979م ـ إلى واحد من أبرز الشخصيات التي عنت بنقد الفكر الماركسي والدفاع عن بنيان الفلسفة الإسلاميّة، وكانت له مناظرات مع رجالات الماركسيّة ودوّن مجموعة من الكتب والمقالات في هذا الصدد، ثم أصبح عضواً في لجنة الثورة الثقافيّة عقب حلّ الجامعات في إيران، وكان الهدف هو تحقيق نهضة ثقافية وتطهير الجامعات من الهيمنة الثقافية الغربيّة، الأمر الذي وصفه سروش لاحقاً بأنّه لم يكن سوى صراع أجنحة، وليس نهضة ثقافيّة جديدة. وقد أدّت اهتماماته هذه ودخوله في هذا السياق إلى توجّهه للدفاع عموماً عن العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة (علم الاجتماع بالخصوص كان يُصنّف آنذاك من أخطر العلوم على الدين)، فكان إحدى الشخصيّات في هذا السياق، وهو ما دفعه تدريجيّاً لمواجهة نوع من الأيديولوجيّا الدينيّة.
بين عامَي: 1988 و 1990م نشر سروش في مجلّة (كيهان فرهنكي) سلسلة مقالات حول تكامل المعرفة الدينيّة، عُرفت بعد ذلك بالقبض والبسط، وقد تسبّبت هذه المقالات بجدل واسع في إيران، وتنامى النزاع بينه وبين التيارات الدينية الرسميّة بشكل تدريجي في الفترة الفاصلة بين إصدار مقالات القبض والبسط وإخراجه من الجامعة ومنعه من التدريس فيها ثم خروجه من إيران لاحقاً مطلع الألفيّة الثالثة، ليُلقي محاضراته في الجامعات الأميركية والألمانية والهولنديّة وغيرها، ثم يتحوّل اسمه ـ في استبيانٍ عام ـ إلى واحد من مائة شخصيّة مؤثرة في العالم عام 2009م.
تحوّل سروش بالتدريج إلى إحدى أبرز الشخصيّات المعارضة للنظام السياسي الحالي في إيران، والذي اعتبره نظاماً أتى لإيران بالاستقلال، لكنّه ألحق بها الاستبداد. وقد بلغ صراعه حدّ إصداره بيانات عديدة في أحداث انتخابات عام 2009م، ثم مطالبته مراجع الدين في قم بالهجرة إلى النجف، وتوجيهه رسالة عامة نقديّة للسيد علي خامنئي مرشد الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.
ومع ميوله الإصلاحيّة، انتقد سروش العديد من الشخصيّات الإصلاحيّة في الفكر الديني في سياق بحوثه مثل الطباطبائي والمطهري وشريعتي والصدر وبازرگان وغيرهم، فرفض أيديولوجيّة شريعتي، كما اعتبر استقرائيّة الصدر مجرّد مقاربة سيكولوجيّة، وعارض أفلاطونيّة مطهري، رغم ميول سروش القويّة للتصوف والعرفان العشقي والحبّي الذي يتجلّى في جلال الدين الرومي (672هـ)، مقابل تصوّف مثل الغزالي (505هـ) الذي يقوم على الخوف والرهبة برأيه، رغم أنّ بدايات رحلة سروش كانت عبر بناء علاقة وطيدة مع الفيض الكاشاني (1091هـ) في كتابه (المحجّة البيضاء)، ثم الغزالي في مدوّناته الصوفيّة والأخلاقيّة.
وفي المقابل، يذهب الناقدون المعاصرون في إيران للفكر الديني الإصلاحي إلى القول بأنّ جهود سروش ورفاقه باءت بالفشل، وأنّ الفكر الديني يستحيل إصلاحه؛ ولهذا فهم يفضّلون ترك مشاريع من نوع مشاريع سروش نحو مشاريع القطيعة مع الفكر الديني تماماً والانطلاق من مكان آخر، وهو ما أدّى خلال السنوات الأخيرة إلى سلسلة من النقاشات العلميّة حول جدوى الإصلاح الديني في الشرق.
شارك الكثير من رجال الدين والناقدين الفكريّين بنقد مشروع سروش، ومن بينهم الشيخ صادق لاريجاني والشيخ مصباح اليزدي والدكتور مصطفى ملكيان والشيخ جوادي آملي والسيد محمد حسين الطهراني وغيرهم، بل قد اتُّهم سروش صراحةً بأنّه لم يأت بأيّ جديد، بل كلّ ما عنده قد أخذه من المفكّرين والفلاسفة الغربيّين، وقام فقط بتبيئته في المناخ الشيعي الديني، وقد أجروا على أفكاره تعرية شبيهة بما فعله الدكتور جورج طرابيشي (2016م) مع الدكتور محمد عابد الجابري (2010م).
ولا بأس أن نشير أخيراً لإطلاق بعض الصحف والكتابات الغربيّة عنوان (لوثر الإسلام) على سروش، انطلاقاً من مواقفه من الفرديّة الدينيّة وكسر الهيمنة الاكليروسيّة في الدين، كما فعل مارتن لوثر (1546م)؛ ومنحه جائزة تكريمية اُطلق عليه بمناسبتها عنوان: إراسموس الإسلام، نسبة للنزعة الإنسانيّة التي حملها اللاهوتي الهولندي الكبير دسيدريوس إراسموس (1536م). وسوف يتبدّى لنا كيف أنّ سروش في مواجهته للشريعة الفقهائيّة، يشبه ـ ومعه فريق من الباحثين، مثل شبستري وبازرگان وغيرهما ـ تجربةَ الرسول بولس في النزعة الإيمانيّة التي واجهت الشريعة اليهوديّة، لتؤكّد الروح (الإيمان والمحبّة والأمل) مقابل الجسد (الشريعة)، والنزعة اللوثريّة التي واجهت الشريعة الكنسيّة القروسطيّة.

الأرضيّة الفكريّة لقراءة سروش للفقه، من تكامل المعرفة إلى بسط التجربة

ولكي نفهم المناخ الفكري العام لسروش، يمكن عرض بعض أبرز أفكاره على شكل مختصرات، تمهيداً لمعرفة نظريّته في الفقه والشريعة:
1 ـ نظريّة تكامل المعرفة الدينيّة، وهي النظريّة التي استقى سروش معظم مكوّناتها من فلسفة العلوم، ومن الدراسات الهرمنوطيقيّة الحديثة، خاصّةً الفلسفيّة منها، ومن الاتجاه الوجودي لأمثال هايدغر (1976م). وتتلخّص الفكرة بأنّ العلوم على نوعين: منتِج ومستهلك، وأنّ العلوم الدينيّة هي علوم مستهلكة؛ لأنّها تستقي معطياتها من علوم اُخر، ومن ثم فأيّ تحوّل في العلوم المنتجة سيفضي لتحوّل في المعرفة الدينيّة نتيجة شبكة العلاقات الخفيّة بين العلوم، وهذا ما يُنتج التفكيك بين الدين والنصّ الديني من جهة وبين المعرفة الدينيّة من جهة أخرى، فالدين من الله لكنّ المعرفة بشريّة، وبهذه الطريقة تنهار كلّ القداسة المخلوعة على المعرفة الدينيّة بغير وجه حقّ، والتي منها المعرفة الفقهيّة.
ومن رحم هذه النظريّة وفضاء أصولها التحتيّة، يذهب سروش إلى أنّ الدين والشريعة حبال صمّاء لا جهة لها، بمعنى أنّ الدين يمثل ـ كما جاء في القرآن الكريم ـ حبلاً غير مرشد إلى جهة معيّنة أو محدّدة، فلا يحرّك الإنسان باتجاهٍ ما على المستوى العملي، بل هو أخرس غير ناطق على المستوى النظري أيضاً.
والذي يملك الجهة أو النطق هو الإنسان، فإذا استغلّ الدين في الخير جرّه نحو الخير والفلاح، وأمّا إذا استغلّه في الشرّ فسوف يُسقطه في الهاوية، ولهذا ورد في بعض الآيات القرآنية أنّ القرآن ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2)، وأنّه ﴿شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: 82)، حيث خُصّصت الهداية والشفاء والرحمة بالمتّقين والمؤمنين، فيما لا يزيد الكافرين إلا كفراً.
كذلك النصّ والشريعة مبتليان بالخرس؛ لأنّ النصوص ـ كالطبيعة المحيطة بنا ـ ليس فيها حكاية عن شيء، وإنّما الإنسان هو الذي يُنطق الطبيعة بعلومه وأسئلته، لا أنّها تحكي عن نفسها، والنص كيان صامت تُنطقه الخلفيّات المعرفيّة لقارئه.
2 ـ التعدديّة الدينيّة، وهي النظريّة التي تمثل شكلاً من أشكال الاستنتاج التلقائي من النظريّة السابقة، حيث شادها سروش عليها واضعاً لها ما يقرب من عشرة اُسس، ومطلقاً عليها اسم (الصراطات المستقيمة)، وكانت نُشرت في البداية عام 1997م على شكل مقالة في مجلّة (كيان)، ثم نُشرت كتاباً في عام 1999م.
وتتلخّص الفكرة التي درسناها بالتفصيل في كتابنا (التعدّدية الدينيّة)، في أنّ الحقيقة لا تتمركز في موضع معين أو عند شخص أو جماعة أو مدرسة أو نظريّة بعينها، بل هي دائماً في طور التحوّل، ومن ثمّ فكلّ اتجاه يحظى بدرجة من الحقيقة ولا يُصادرها، بل لا يمكنه أن يصادرها؛ لأنّ بِنية المعرفة تقوم على التحوّل والصيرورة الدالّتين على أنّ الحقيقة لا يمكن اختزالها، وهذا ما يُنتج أنّ الخطأ في المعرفة لا يرجع لعوامل نفسيّة أو سلوكيّة فقط، بل غالباً ما يرجع لعوامل تكمن في بنية المعرفة نفسها ومقوّمات كينونتها لدى العقل، وقد أبدى سروش نفسه في هذه النظريّة وسابقتها منتمياً إلى العقلانيّة النقديّة الحديثة، وبعيداً كلّ البعد عن النظام الذهني للفلسفة المدرسيّة.
وبهذه النظرية اعتبر سروش أنّه يمكننا فتح أبواب المصالحة المذهبيّة والدينية والفلسفيّة والحضاريّة في العالم، ولهذا كان من الطبيعي أن يتحدّث سروش لاحقاً في حواريّته مع جون هيغ (2012م) منظّر التعدّدية في القرن العشرين، والتي نشرت في مجلّة (مدرسة) عام 2005م.. يتحدّث عن إمكان تعبّد الشيعي بالفقه السنّي وبالعكس.
3 ـ بسط التجربة النبويّة وتكاملها، وهي نظريّة يعتبرها سروش الجزء الثاني من نظريّته في المعرفة الدينيّة، وفيها انتقل من تاريخيّة المعرفة الدينية وبشريّتها إلى تاريخيّة التجربة النبويّة والوحييّة وبشريّتها على الأرض. إنّ سروش يميّز بين ما هو فوق الأرض وما هو على الأرض، فعندما تقع التجربة من النبي هنا فهذا يعني أنّها دخلت فضاءً بشريّاً، ومن ثم لزم أن تخضع له، وبهذا يصبح الوحي وجبرائيل هو التابع للنبي وليس العكس، وليس الوحي فقط هو الذي يؤثر في النبيّ، بل النبيّ يقولب الوحي تبعاً لشخصيّته الذاتيّة ونظامه النفسي والذهني وغير ذلك.
من هنا، يرى سروش أنّ نظريّة التلقين السائدة في الفكر الإسلامي في تفسير الوحي غير صحيحة، بل الوحي تجربة ذاتية للنبيّ، وكان يمكن لها أن تكون غير ذلك لو أنّ النبي كان في بلدٍ آخر أو طال عمره أو غير ذلك.
إنّ بشريّة التجربة النبويّة أبعد بكثير من بشريّة فهمنا لهذه التجربة، ولهذا عندما نشر سروش مقالته حول هذا الموضوع في مجلّة (كيان) عام 1997م، أثار ردود أفعال واسعة للغاية. وفي تقديري فقد كان من الطبيعي لهذه النظريّة ـ إلى جانب نظريّة الذاتي والعرضي في الدين التي سنأتي على ذكرها بتفصيل أكبر إن شاء الله؛ لاتصالها بموضوع بحثنا ـ أن تنتج لاحقاً نظريّة سروش في نزول القرآن، وأنّ النزول القرآني لم يكن باللفظ، بل كان بالمعنى، وأنّ النبيّ هو خالق النصّ القرآني، وأنّ القرآن ليس متأثراً بالتاريخ فقط، بل بشخص النبيّ نفسه، وأنّ ما نقرأه من القرآن هو صنيعة نبويّة، لكنّ المضمون روحٌ إلهيّة.
أكتفي بعرض هذه النظريّات لاتصالها بشكل ما بفهم السياق الحافّ باُطروحة سروش حول الفقه والشريعة، ولا اُريد أن اُقحم هنا أفكاره المتصلة برباعيّة: الخاتمية والإمامة والمهدويّة والديمقراطيّة، بل نتركها لمتابعة القارئ نفسه.

أضلاع تصوّر سروش لمساحة الشريعة وموقعيّتها المنظوميّة

تمثل نظريّة سروش شكلاً متطوّراً أكثر عمقاً للاتجاه الذي تحدّث عنه أمثال علي عبد الرازق ومهدي بازرگان، ويمتاز بأنّه يرصد مجموعة من النظريّات والمقولات، ليربطها ببعضها ويكوّن منها تصوّراً متكاملاً عن الدين. ولأنّ بحثنا هنا ليس في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، سنحاول هنا تكثيف النصّ والإشارة باختصار إلى أضلاع نظريّة سروش ضمن نقاط موجزة، لنستخلص قراءته للفقه وحدود الشريعة من متفرّقات بحوثه وأعماله.

أوّلاً: الفقه من عرضيّات الدين لا من ذاتيّاته

ينطلق سروش في نظريّته حول الذاتي والعرضي في الدين من تفكيك المفهوم، فهو يستخدم ثلاثة أمثال شعبيّة متداولة في ثلاث ثقافات متعدّدة، وهي:
أ ـ كحامل التوابل إلى كرمان (مثل فارسي: زيره به كرمان بردن).
ب ـ لنقل الفحم إلى نيوكاسيل (مثل إنجليزي: To carry coal to Newcastle).
ج ـ كناقل التمر إلى البصرة (مثل عربي).
إنّ هذه الأمثلة الثلاثة تحمل روحاً واحدة، لكنّها ترتدي ثلاثة ألبسة، فالروح عالميّة لكنّ الألبسة حبيسة اللغة والقوميّة والثقافة.
من هذه الأمثلة يمكن استنتاج سبعة عناصر تمكّننا من تمييز الذاتي عن العرضي، وهي:
1 ـ إنّ هويّة هذه الأمثلة الشعبيّة الثلاثة تكمن في محتواها الداخلي، لا في شكلها الخارجي المتغيّر.
2 ـ إنّ القناع الذي يمكن أن تتقنّع به هذه الأمثلة ظاهريّاً يمكن فرض صور له لا حدّ لها، وتتقبّل هذه الصور تأثيرات الثقافات والعادات وغير ذلك.
3 ـ لا توجد روح أو ذات عارية عن اللباس العرضي، فدائماً نحن نلاحظ الروح تكتسي لباساً كي تظهر به.
4 ـ إنّ معيار الأمر العرضي هو أنّه قابل أن يكون على شكلٍ آخر.
5 ـ صحيح أنّ الذاتي والعرضي لا ينفكّان عمليّاً، لكنّ إجراء أحكام كلّ واحدٍ منهما على الآخر يمثل مغالطة كبيرة جداً، وهذا يعني أنّ التفكيك العلمي والنظري بينهما ضرورةٌ قاهرة.
6 ـ عندما نريد نقل ذاتيّ من الذاتيات من ثقافة إلى أخرى، فلابدّ أن نخلع عنه لباسه الأوّل نحو كسوته بلباسِ تلك الثقافة الجديدة، ولهذا فإنّ استخدام المثل الإنجليزي في بلاد العرب لا معنى له، إلا أن تأخذ العرب أنفسهم إلى الثقافة الغربيّة ليكونوا جزءاً من تكوينها.
7 ـ إنّ العرضيّات لها أصالة محليّة وزمنيّة، بينما الذاتيات لها أصالة عالميّة ومتعالية عن التاريخ.
بعد هذا التمييز، وإصراره على أنّ ما يقصده هو شيء مختلف عن فكرة الحقيقة والطريقة والشريعة في كلام العرفاء، وكذلك عن فكرة الظاهر والباطن.. يذهب سروش إلى أنّه من الصعب الحديث عن الدين بوصفه كليّاً جامعاً، بل الأفضل الحديث عن أديان، وبهذا تبدو عمليّة اكتشاف الذاتيّات عمليّة صعبة، لهذا يفضّل سروش أن نتجه نحو اكتشاف العرضيّات في دينٍ محدّد بدل إتعاب النفس باكتشاف الذاتيات في الجامع الكلّي بين الأديان.
وبعد خوضه سرداً تطبيقيّاً لفكرته على مثنوي جلال الدين الرومي، يؤكّد سروش أنّ اللغة والتاريخ والعلاقات الشخصيّة والثقافة السائدة لمولانا الرومي كلّها مؤثرة في روح رسالته في منظومته الشعريّة الرائعة، وهذه العرضيات تترك أثرها على مُنجَزه، فلو أنّ الرومي ساقَ بياناته بلغة أخرى فبالتأكيد سيكون خاضعاً لإمكانات تلك اللغة؛ لكنّ سروش يريد أن يفرّ من معضل سجن الروح في البدن وسجن الذاتي في العرضي، إنّه لا يريد أن يصبح الذاتي ملتحماً بالعرضي بحيث لا نقدر على التفكيك، بل يهدف لفرصة نتمكّن من خلالها من تفكيك اللحمة للوصول إلى الذاتي رغم تأثيرات العرضيّ على الذاتي في تجلّيه لنا، لا في ذات الذاتي.
من هنا، ينطلق بنا سروش في رحلته لكشف عرضيّات الدين الإسلامي، وهي:
أوّلاً: العربية، فإنّ العربية هي عنده بالتأكيد عرضيّة، وهذا يعني أنّ كلّ حمولات وسعة وضيق اللغة العربيّة سوف يترك تأثيره على النصّ القرآني.
ثانياً: إنّ القضيّة لا تقف عند اللغة، بل عند الثقافة التي تعبّر عنها هذه اللغة، فالنبيّ محمّد يحمل في اللغة كلّ الثقافة التي عاشها، ولهذا من الطبيعي أن تتجلّى هذه الثقافة في لغته، فنجد الحديث عن الإبل والخيام وأنواع الفاكهة والشهور القمريّة وقريش وأبي لهب والعشار المعطّلة ووأد البنات، وكذلك الحيوانات المعروفة عند العرب كالخيل والبغال والحمير والغنم والبقر والإبل والخنزير والثعبان.. هذا كلّه يشي بأنّ الذاتي في الدين قد تجلّى عبر هذه الثقافة التي حملتها هذه اللغة بإمكاناتهما.
ثالثاً: إنّ هذا كلّه لا يعني أنّ القرآن لم يقم بإعادة هيكلة العلاقات بين المفاهيم ومنحها روحاً جديدة، وهنا يستعين سروش بنظريّة العالم الياباني توشيهيكو إيزوتسو (1993م) في علم الدلالة القرآني، وربما استعان أيضاً بنظريّة الدكتور المصري نصر حامد أبوزيد (2010م) في مفهوم النصّ القرآني. إنّه يعتبر أنّ هناك الكثير من المفردات اكتست معنى وحملت روحاً جديدة بواسطة التغيير المفاهيمي لها عبر وضعها ضمن مجموعات سياقيّة، ومن ثم فالقرآن ليس منفعلاً تماماً، بل يقوم بعملية فعل أيضاً.
وبهذا يؤكّد سروش على أنّ الدين لا يأتي بمفاهيم جديدة، بل يأتي بتصديقات جديدة، ويقوم بوضع منظومات جديدة للمفردات، فالعرب تعرف كلمة التقوى والشكر والخوف والذكر وغير ذلك، لكنّ وضعها ضمن منظومةٍ يمثل (الله) محورها، يعيد إنتاج المفردة في حياة جديدة.
رابعاً: إنّه لا يوجد أيّ دليل على أنّ اللغة العربيّة تحمل أغنى قدرة بيانيّة في الوجود، ولا دليل على أنّ العرب يحملون أفضل وضعيّة لنزول الوحي، بحيث يمكن لثقافتهم ولغتهم أن تعبّر عن الذاتي، ولا يوجد أيّ دليل يمكنه أن يُثبت لنا أنّ القرآن لو نزل في فضاء ثقافةٍ أخرى فلن يتخذ شكلاً آخر ونمطاً آخر، وهذا يعني أنّه لو نزل القرآن في بلاد اليونان فإنّ عرضيّات الإسلام ستتفاوت تفاوتاً عميقاً جداً عن الحالة التي هو عليها اليوم، فالمنظومات اللغويّة والأنساق الثقافيّة والمفاهيميّة كلّها تترك تأثيراً، تماماً كما نجد اليوم أنّ الناطقين بلغاتٍ متعدّدة وضمن ثقافات متنوّعة مثل الأتراك والفرس والعرب والأمازيغ والهنود وغيرهم لديهم إسلامات متعدّدة، بدليل رصد أدبيّاتهم الدينيّة وطريقة تجلّي الإسلام في حياتهم.
وبهذا يخلص سروش إلى أنّ اللغة وما تحمل، والثقافة العربيّة وما تتضمّن، هما من عرضيّات الإسلام، وإلى هنا ينهي سروش روح النظريّة التي يريد طرحها، ثم يشرع بإسقاطها على مختلف مساحات الدين.
خامساً: إنّ القضايا العلميّة والطبية التي تضمّنتها النصوص القرآنيّة والحديثيّة كلّها من عرضيّات الدين؛ إذ لا يُرتجى من الدين أن يحلّ مثل هذه القضايا، حتى لو فرضنا أنّ كلّ هذه القضايا كانت صادقة وحقيقيّة مطابقة للواقع، وهذا ما يجرّنا حتى إلى القضايا المتصلة بالعلوم الإنسانيّة مثل الاقتصاد والسياسة، إذ هذه من عرضيّات الدين، وليست من ذاتيّاته؛ لأنّ الانتظار الحقيقي من الدين ليس أن يقوم بهذا.
ليس هذا فحسب، بل من العرضيّات أيضاً عند سروش كلّ تلك القصص والوقائع والحروب والعداوات والنفاق والتهم والمطاعن والشكاوى التي وردت في القرآن الكريم، فكلّها عرضيّة بهذا المعنى، بل إنّ جميع الأسئلة والأجوبة التي وقعت بين النبيّ والأئمّة وبين أصحابهم كلّها تقع في سياق الأمر العرضي، ويستشهد سروش لهذا بآية (المائدة: 101 ـ 102)، إذ يعتبر أنّ مجرّد السؤال كان سيدفع لنزول تحريم أو إلزام، وهذا يدلّ على أنّ الدين قد نما وازداد بفعل الأسئلة، ولو أنّهم لم يسألوا النبيَّ لما كان الدين هكذا، فكيف يمكن فرض هذه الأمور من الذاتيّات؟! وعليه فكلّ الأسئلة والأجوبة هي من العرضيّات.
سادساً: من هذا كلّه يُدخلنا سروش في الموقف من الفقه، فهل الفقه من ذاتيات الدين أو من عرضيّاته؟ إنّ الموقف الذي اتخذه سروش من ظاهرة الأسئلة والأجوبة يمنحه هنا قناعة بأنّ الفقه سيدخل في دائرة العرضيات، لكنّ سروش لا يكتفي بهذا، بل يذهب إلى أنّ الفقه يواجه نمطين من العرضيّة:
النمط الأوّل: دنيويّة الفقه، التي يأخذها سروش من أبي حامد الغزالي، وسوف نشرح هذا المفهوم عند سروش في الفقرات اللاحقة.
النمط الثاني: وهو ما يأخذه سروش من المتكلّم والمحدّث الهندي الشاه ولي الله الدهلوي (1114هـ)، وهو أنّ التشريعات تخضع لظروف النبيّ نفسه، وظروف المكلّفين من حوله، ولهذا وجب الصوم الدائم على قوم نوح؛ لأنّ بنيتهم كانت قويّة، وحرّم بعض الطعام على بني إسرائيل؛ لأنّ إسرائيل نفسه حرّم بعض المطعومات على نفسه كما يقول القرآن الكريم، وهذا يعني أنّ السياقات المؤقّتة فرضت تشريعات، وهذه التشريعات تزول تلقائيّاً بزوال هذه السياقات.
وبهذا يربطنا سروش بمقولة أنّ الكثير من التشريعات الفقهيّة تتصل بثقافة العرب وعاداتهم وتقاليدهم، ولهذا حرّم عليهم الزواج من أخت الزوجة، بينما لم يكن هذا حراماً عند اليهود؛ لأنّهم يعتبرونها من قومٍ آخرين تابعين للأب، وما يؤكّد هذا المعنى أنّ الكثير من التشريعات التي جاء بها الإسلام كانت موجودة عند العرب، غاية الأمر أنّه صحّحها وأضاف أو أنقص منها أو عدّل شيئاً، مثل مسألة الديات، وقضيّة الرجم الذي كان موجوداً في اليهوديّة، وهو ما كتب فيه العديد من الباحثين قبل سروش، مثل الباحث المصري خليل عبد الكريم (2002م)، خاصّة في كتابه (الجذور التاريخيّة للشريعة الإسلاميّة)([4])، حيث تحدّث هناك عن تعدّد الزوجات، والتفرقة بين العرب والعجم، والتمييز بين العرب والأعراب، والنظرة إلى الزراعة، وموضوع الاستجارة والجوار، وقضيّة حرمة النسب، والاسترقاق، والعاقلة، والقسامة، وخمس الغنائم، والسلب، والصفى، والخلافة، والشورى، وغير ذلك.
يستنتج سروش من هذا كلّه، أنّ النبيّ لو ظهر في قومٍ آخرين لهم عادات وتقاليد وظروف اُخرى لجاء بسلسلة من التشريعات المختلفة، فكأنّ بعض التشريعات التي جاءت ليست سوى بعض التنظيمات الزمنيّة لظروف مؤقته ومحليّة، ولا تستطيع أن تتسلّل لكلّ زمانٍ ومكان، وبهذا يخلص سروش إلى أنّ أكثر الأحكام الفقهيّة ـ بما فيها الضروريّات الفقهيّة ـ ليست سوى أمر زمني، وهذا يعني أنّ الاجتهاد ليس هو مباحث الاستصحاب والعلم الإجمالي والبراءة، بل هو فنّ الترجمة الثقافية، فكيف نترجم ثقافيّاً كلّ تلك التشريعات في تلك الفترة بما يتناسب مع وضعنا اليوم ويحفظ الروح.
سابعاً: يخرج سروش من الفقه نحو العقيدة، ليرى أنّ كلّ الحوادث التي وقعت لرموز الدين هي عرضيّة، ومن ثمّ فكلّ الشخصيّات هي عرضيّات ـ غير شخص النبيّ الذي يعتبره سروش ذاتيّاً ـ وبهذا يضع قضيّة الإمامة بصراحة وصولاً للمهدويّة، في دائرة العرضيّات.
وبهذا يخرج سروش بنتيجته التي ترى أنّ فهم الدين يكون بفهم توقّعاتنا منه وما ننتظره منه، ويكون بفهمٍ مقاصديّ لذاتيّاته، وذاتيّات الدين هي عقيدته بينما الدين التاريخي هو دين عرضي، فكلّ دين يعتمد على التاريخ وفضائه فهو عرضي([5]).
وإذا أردنا أن نحلّل هذا الضلع المركزي من أضلاع نظريّة سروش في الموقف من الشريعة والفقه، بل والدين، فبالتأكيد نحن نوافق على ما طرحه الدكتور وجيه كوثراني من أنّ هذه النظريّة تُنتج لاهوتاً إسلاميّاً عالميّاً([6])، بل إنّني أعتقد بأنّ القضيّة تذهب أبعد من ذلك نحو تشييد لاهوت عالمي موحّد، يتجه بنا نحو وحدة أديانيّة؛ لأنّ عناصر التمايز بين الأديان سوف تتلاشى بشكل فاعل، لتعود الوحدة الذاتيّة باديةً بشكل قويّ، وهو أمر متوقّع من سروش الذي يستقي روح أفكاره من المشرب العرفاني العشقي.

ثانياً: الفقه بين الاُخرويّة والدنيويّة، من الأدلجة نحو الفرد

يذهب سروش بوضوح إلى أنّ الدين اُخروي وليس دنيوياً، وأنّه جاء لينظّم آخرة الإنسان لا دنياه، ومن ثمّ فاهتمام الدين بالدنيا إنّما يكون في حدود الحديث عن دور الدنيا في توفير التوفيق الأخروي أو إعاقته لا غير. وهذا السياق الدنيويّ المحدود للدين لا يوفّر إمكانية جعله نظاماً دنيوياً يرقى بالحياة هنا ويتسامى بها، تماماً كما لا يقف في وجهها أو يعارضها.
من هنا، يرفض سروش ـ كما أشرنا سابقاً ـ نظريّات الدكتور علي شريعتي في أدلجة الدين ورسم الدنيا وفقاً له، بل يعتبر ذلك محاولة لجعل الدين في خدمة الدنيا والمعاد في خدمة المعاش، ويعارض الاتجاه البروتستانتي في الغرب والذي يرى أنّ حُسن المعاد تابع لحُسن المعاش ويقع في طوله، ويرى أنّ النظرة البراغماتيّة للدين غير صحيحة؛ لأنّ سروش يرى أنّ الدين الأخروي الذي يتبنّاه ينظر للمعاد فقط ويسخّر الدنيا لذلك، لكنّه يربط بين الدنيا والآخرة بأقلّ مراتب الربط وعلى قدر الحاجة أيضاً. وبعبارة أخرى: إنّ الدين الأخروي عند سروش يجعل كلّ أحكام الشريعة من سنخ العبادات، ولا ينظر إليها إلا من هذه الزاوية. إنّه يعتبر أنّ الدين الأيديولوجي دينٌ ناقص أمّا الأيديولوجيا الدينيّة فهي دينٌ كاذب، والدين الفقهي هو الدين المؤدلج، فالدين أرقّ وأظرف من أدلجته.
وفي الوقت الذي يحمّل سروش العقل اليوناني الأرسطي مسؤوليّة تحويل الدين إلى أمر دنيوي، وتأثر المسيحيّة والإسلام بذلك عبر التيّارات الأرسطيّة مع مثل توما الأكويني (1274م) وغيره.. يستفيد سروش ـ من وجهة نظره ـ من إفادات الإمام الغزالي (505هـ) في أنّ الفقه إذا أراد أن يكون دنيويّاً وأخرويّاً معاً فإنّ هذا الأمر غير ممكن، ولا يؤدّي إلا إلى نفي وتعطيل الدنيا والآخرة معاً، وبهذا يكون الخُمس عند سروش لرفع حبّ المال لا لبناء نظام اقتصادي يدير المجتمع، ويحل كلّ معضلاته الماليّة والمعيشيّة.
وبهذا يبدو لي سروش ميّالاً للنزعة الأفلاطونيّة مقابل التوجّه الأرسطي، فهو راغب في جعل الدين أفلاطونيّاً ومقترب جدّاً من عرفان جلال الدين الرومي (672هـ)، ومن الأفلاطونيّة المحدَثة للقديس أوغسطين (430م).
إنّ أدلجة الدين وتحويله إلى نظام، سيؤدّي عند سروش إلى:
أ ـ الاصطدام بالفشل؛ لأنّ هذه العمليّة غير ممكنة وفقاً لشروط الواقع.
ب ـ إلغاء شرط الإيمان والتقوى المأخوذين في تحصيل الفوز والفلاح والنجاة بهذا الدين، وهو ما يناقض المعطيات الدينية نفسها، وبهذا يكون هناك نوع من الصراع بين (قدرة الدين على إدارة الدنيا)، و (خلوص الدين وصفائه).
ج ـ زوال الإيمان الحرّ الذي هو جوهر التديّن، والعملُ تابعٌ له.
وبهذا نعرف أنّ الأغراض التي جاء الدين من أجلها تكمن في:
أ ـ بعث الطمأنينة والاستقرار الروحي في الحياة، عبر منح الإنسان طاقة الصبر على مواجهة المصائب والشرور والبلاءات، وبهذا يحقّق الدينُ التوافقَ بين الذهن والعين، ويحقّقُ الإيمانُ المصالحةَ بين الداخل والخارج.
ب ـ الإجابة عن الأسئلة الكبرى في الوجود الإنساني، أي عن جوهر الوجود وفلسفته، مثل: من أين؟ وإلى أين؟ وما العمل؟ الأمر الذي يخرج الحياة من العدميّة والعبثيّة إلى المضمون والمعنى.
ج ـ الحثّ على خوض وكسب التجارب الدينية والروحيّة والارتقاء في مدارج الكمال الروحي، واكتشاف أسرار الوجود وخرق الحجب، ثم تقديم تفسير صحيح لهذه التجارب، فالدين دافع للتجربة وضامن لتفسيرها الصحيح.
د ـ دعم القيم الأخلاقيّة ومنحها شحنة بعثيّة جديدة، رغم اكتشاف العقل لها من الأوّل، ممّا يؤمّن القدرة على ضبط أنانية الإنسان عبر ثنائية الله ـ الموت.
هـ ـ تقديم مجموعة قضايا توجب سعادة الإنسان كان من الصعب للعقل أن يصل إليها، كالآخرة وما وراء الموت.
و ـ خلع معنى على الحياة؛ إذ بدونه تفقد الحياة معناها.
وينتج عن ذلك كلّه أنّ الدين يعالج الحياة الفرديّة للإنسان، ولا يقوم بوضع برنامج اجتماعي أو سياسي له، وبهذا يلتقي سروش التقاءً طبيعياً ببازرگان، حين يذهب إلى أنّ التعاليم الدينية موجّهة من الأوّل صوب الآخرة لا ناحية الدنيا، وبهذا تصبح الحكومة الدينيّة عنده هي الدولة التي تعمل بمنهج عقلاني جمعي لحماية القيم عبر تأمين الظروف المناسبة لخلق إيمانٍ حرّ، لا لفرض قوانين فقهيّة تضيّق حريّة الإيمان؛ لأنّ سدّ طريق الكفر عند سروش لا يكون عبر التضييق الذي يُلغي حرّية الإيمان([7]).

ثالثاً: الفقه بين الحدّ الأدنى والحدّ الأعلى

يذهب سروش إلى أنّ علينا أن نفهم وظيفة الفقه وأهدافه جيّداً، ومن ثمّ أن نفهم بوعي ودقّة ما هو الذي نتوقّعه منه، وهنا يطرح سروش نظريّته في الأقلّ والأكثر الدينيّين، إنّه يعتبر أنّ الفقه عندما يتدخّل في موضوعٍ ما ـ أيّ موضوعٍ كان، دنيويّاً أو أخرويّاً ـ فهو لا يقدّم فيه المتطلّبات بحدّها الأعلى، بل يقدّم المتطلّبات بحدّها الأدنى، وهذا ما ينتج تصوّرين للفقه، وللتوضيح يطرح سروش أربعة أمثلة:
المثال الأوّل: الغسل بالماء القليل مرّتين وبالكثير مرّة واحدة، حيث يعتبر ذلك هو الحدّ الأدنى للنظافة والطهارة، ولا تقصد الشريعة من ذلك أنّك لو فعلت هذا فإنّ مختلف الأغراض والمستويات اللازمة لتحقيق الطهارة والسلامة والنظافة قد حصلت بالفعل، بل تعني أنّ أدنى المراتب هو هذا، دون أن يمنع ذلك من فرض مراتب عليا يلزمنا الرجوع إليها، وسروش يطرح هذا المثال في سياق تعليقه على حادثة حصلت لأحد علماء الدين في الحجّ حيث بعد انتشار الوباء في إحدى السنوات امتنع رجل الدين هذا ومنع من معه من اتخاذ التدابير التي فرضتها الدولة في بلاد الحجاز، مدّعياً أنّ ما جاءت به الشريعة كافٍ لتحقيق كلّ شيء، وأنّه يكفي أن نغسل بهذه الطريقة، وإلا لذكر الشرعُ ذلك وبيّن.
المثال الثاني: ما ينقله عن بعض الشخصيّات الرسميّة البارزة في الجمهورية الإسلاميّة في إيران، من أنّ بعض علماء جماعة المدرّسين في قم أكّدوا أنّ تطبيق الخمس والزكاة يرفع كلّ المشاكل الاقتصادية في المجتمع، وهذا ما ينتج في وعيهم أنّ الفقه يمكنه أن يحلّ جميع المشكلات الاقتصاديّة، مع أنّ الخمس والزكاة لا يمثلان سوى الحدّ الأدنى، الأمر الذي يحيجنا إلى حدود أعلى علينا متابعتها.
المثال الثالث: ما يتصوّره الكثير من العلماء من أنّ قطع يد السارق أو إجراء الحدود والقصاص يرفع السرقة والجريمة من المجتمع، مع أنّ هذا لوحده لا يكفي بل يحتاج معه إلى سلسلة من البرامج الاقتصاديّة.
المثال الرابع: الاحتكار، حيث يرى سروش أنّ هذه العناصر المحدودة المذكورة في الفقه ليست سوى الحدّ الأدنى، وأنّنا بحاجة للكثير غير ذلك لوضع حدّ للظلم الاقتصادي، وتأمين حماية المستهلك.
من هذه الأمثلة، ينطلق سروش لاعتبار أنّ التصوّر السائد هو أنّ الدين والفقه مستودع يحتوي كلّ المتطلّبات، ومن ثم فما فيه كافٍ لتحقيق كلّ الغايات التي نصبوا إليها، وهو يرى أنّ هذا النمط من التفكير تقف خلفه رؤية ويُنتج بنفسه نتائج.
وبهذا يتوصّل سروش إلى أنّ الفقه لازمٌ وضروري، ولكنّه ليس كافياً، فقطع يد السارق لا يكفي لرفع السرقة، بل هي أقلّ شيء، ونحن بحاجة لبرامج اقتصاديّة واسعة كي نوفّر مناخاً يخفّف من السرقة، فإذا سرق شخص عندها قطعنا يده، تماماً كما يقول بعض الفقهاء في قضيّة المرتدّ في زمان الشبهة والشكّ. والأقليّة هذه تجري عند سروش في العبادات أيضاً، فالصلوات الخمس هي الحدّ الأدنى وليست الأعلى.
ويرى سروش أنّ الفخر الرازي يؤكّد مقولة الدنيويّة الدينية بالحدّ الأدنى، وذلك في نصّه الواضح الذي يقول فيه: mإنّ حرفة النبوّة والرسالة عبارة عن دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق إلى خدمة الحقّ، ومن الإقبال على الدنيا إلى الإقبال على الآخرة، فهذا هو المقصود الأصليّ، إلا أنّ الناس لمّا كانوا حاضرين في الدنيا ومحتاجين إلى مصالحها وجب أن يكون له خوض في هذا الباب أيضاً بقدر الحاجةn([8]).
وانطلاقاً من هذه الفكرة، يميّز سروش بين الثروة الأحكاميّة التي يحملها الفقه والثروة البرمجيّة، فالفقه مهما فعل ليس سوى مجموعة من الأحكام والقوانين، ولكنّ الحياة لا تُدار بالقانون فقط، ولا تُحلّ المشاكل الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة والعسكريّة ولا غيرها بالقوانين، وإن كانت ضروريّة ولازمة، إنّما نحن بحاجة إلى برامج وخطط أيضاً، وهي لا تأتي من الفقه، بل تأتي من العلوم البشريّة المختلفة؛ فحفظ الغابات والثروات الطبيعيّة لا يمكن أن يكون بالفقه، بل يحتاج لبرامج تساهم فيها علومٌ متعدّدة، وكذلك حلّ مشاكل الإدمان والبطالة والتضخّم وغير ذلك.
ويلاحظ سروش الجواب النمطي المتعارف في أوساط المشتغلين بالفقه الإسلامي، وهو أنّ ما تطرحه الشريعة ليس الأحكام الأوّليّة فقط، والتي لاحظ فيها سروش الطابع الأدنى، بل هناك أيضاً الأحكام الثانويّة التي يمكنها أن تغطّي الحدود العليا التي نحتاجها، ففي الأمثلة الأربعة التي طرحها سروش يمكن إجراء العنوان الثانوي والخروج بحلول فقهيّة، بلا حاجة لافتراض نقص الفقه وعدم تغطيته لهذه المساحات.
وهنا يجيب سروش بأنّ هذا لا يُخرج الفقه من طابعه القانوني ولا يجعله مبرمجاً، بل إنّ هذا ليس سوى تطبيق لنزعة مصلحيّة عقلائيّة بشريّة يُرجع فيها للعقل والتجربة الإنسانيّة، ولا فرق فيها بين الفقه الإسلامي وغيره من سائر المنظومات القانونيّة في العالم، ولا داعي لخلع صفة القانون الديني عليها، بل إنّ هذا ليس سوى عَلْمنة للفقه في العصر الحديث، ولا علاقة له بإجراء الأحكام الإلهيّة، بل هو نشاط عقلائي عادي يمارسه العقلاء في كلّ مكان وزمان، وعقولهم هي مرجع تشخيص المصالح ووضع القوانين.
وبتركيب هذه العناصر التي قدّمها سروش تصبح النتيجة عنده على الشكل الآتي: إنّ الفقه للآخرة، وإذا كان للدنيا فليس سوى ثروة قانونيّة، وهذه الثروة القانونيّة ليست سوى تبيان لتنظيم حياتي بمستوى أقلّ، وليس بالحدّ الأعلى، وإذا كان للآخرة فهو كذلك لا يحقّق لنا سوى الحدّ الأدنى من المراتب الأخرويّة.
وسروش في هذا كلّه يؤكّد أنّ مقصوده هو الفقه الواقعي (الشريعة) لا علم الفقه، وإلا فعلم الفقه ليس سوى علم بشري يسير في طور التكامل، وليس كاملاً، تماماً كأيّ علم من العلوم، كيف وكثير مما فيه ليس سوى أحكام ظنيّة.
وبهذا يستمرّ سروش ليرى الأقليّة خارج الفقه نحو سائر أضلاع الدين، فيؤمن بالأقليّة الدينيّة في الأخلاق، وفي العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة، بل في العقائد أيضاً([9])، مما لا نطيل باستعراضه هنا لخروجه من مجال بحثنا.

رابعاً: من دنيويّة الفقه إلى اختبار المقدَّس

لقد لاحظنا حتى الآن كيف أنّ سروش يذهب نحو دنيويّة الفقه في شيء من التنزّل عن النزعة الاُخرويّة التي يؤمن بها، لكنّ سروش لا يترك قضيّة الدنيويّة الفقهية هكذا، بل هو يلاحقها ليصل بها إلى مآلاتها، وهو يطرح قضيّة دنيويّة الفقه، وأنّه علم دنيوي وليس اُخرويّاً في مواضع متعدّدة من كتبه، بالتفصيل تارةً والإجمال أخرى([10]).
ربما يصحّ القول بأنّه تبدأ رحلة سروش هذه في كتابه (قصّه ارباب معرفت)، حينما يجري دراسة مقارنة بين أبي حامد الغزّالي والفيض الكاشاني ـ وقد كان يُطلق عليه سروش في موضعٍ آخر (الغزّالي الشيعي)([11]) ـ وذلك في مقالته الشهيرة (جامه تهذيب بر تن احياء)، فيلاحظ أنّ الغزالي في عنونته للباب الثاني من كتاب العلم في إحياء علوم الدين يستخدم الجملة الآتية: mفي العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما، وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية، وبيان أنّ موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أيّ حدٍّ هو، وتفضيل علم الآخرةn([12]).
هذا النصّ من الغزالي يرشدنا ـ كما يقول سروش ـ إلى غايته وهدفه، يقول الغزالي بعد ذلك: mبيان العلم الذي هو فرض كفاية، إعلم أنّ الفرض لا يتميّز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم ، والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعيّة وغير شرعيّة، وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه.. وأمّا العلوم الشرعيّة وهي المقصودة بالبيان، فهي محمودة كلّها، ولكن قد يلتبس بها ما يظنّ أنّها شرعيّة وتكون مذمومة، فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة. أمّا المحمودة فلها أصول وفروع ومقدّمات ومتمّمات، وهي أربعة أضرب.. الضرب الثاني: الفروع.. وهذا على ضربين: أحدهما يتعلّق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه، والمتكفّل به الفقهاء وهم علماء الدنيا. والثاني ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة.. فإن قلت: لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أنّ الله عز وجلّ أخرج آدم× من التراب، وأخرج ذريّته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثمّ إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار، فهذا مبدؤهم وهذا غايتهم، وهذه منازلهم. وخلق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزوّد، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطّل الفقهاء، ولكنّهم تناولوها بالشهوات فتولّدت منها الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به. فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسّط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلّم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا. ولعمري إنّه متعلّق أيضاً بالدين، ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتمّ الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان. فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتمّ الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه، وكما أنّ سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو معين على ما لا يتمّ الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة. فمعلوم أنّ الحج لا يتم إلا ببذرقة([13]) تحرس من العرب في الطريق، ولكنّ الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحجّ شيء ثان، والقيام بالحراسة التي لا يتمّ الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع. وحاصل فنّ الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة.. فإن قلت: هذا إن استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلاة، ولا فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام. فاعلم أنّ أقرب ما يتكلّم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام، والصلاة، والزكاة، والحلال والحرام. فإذا تأمّلت منتهى نظر الفقيه فيها، علمت أنّه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر..n([14]).
هذه الفكرة يكرّرها الغزالي في مواضع من أعماله العلميّة، خاصّة في كتاب ذمّ الدنيا من الإحياء([15])، وهو يرى أنّ الفقه هو مجرّد مرتبة أولى تمثل طريقاً للذهاب نحو مرتبة أعلى، وإلا فالقرب من الله لا يأتي عبر الإجارة والتجارة، والخوف والزهد لا يأتيان من فقه الشافعي ولا الحنفي، بل من بناء القلوب وإعمار الأرواح، ولهذا أيضاً يلاحظ كيف أنّ الغزالي يأخذ على الفقهاء ـ كما يأخذ دوماً على المتكلّمين ـ غرقهم في الاختلافات الفقهيّة وغرورهم في معالجة هذه الموضوعات. وبهذا يصبح تصوّر الغزالي تصوّراً أقليّاً للفقه بمعنى ما، فهو مجرّد الخطوة الأولى وليس منتهى الخطوات.
إنّ هذا (التصوّرَ الغزاليَّ) للفقه، يأخذه سروش مستمسكاً له، بل يضيف عليه بأنّ الغزالي وأمثاله كانوا يتصوّرون الفقه هو الإدارة الوحيدة للحياة، بينما نمط الحياة المعقّدة الذي ظهر فيما بعد، جعل إدارة الحياة علماً قائماً بنفسه، والفقه بين ذلك ليس سوى حلّال المشكلات القانونيّة والحقوقيّة لا غير، وهو يقدّم الأوامر القانونيّة ولا يضع المناهج لإصلاح الواقع، وليس لديه أيّ برنامج في هذا الصدد([16]).
إلى هنا ربما لا يكون سروش شديد الاختلاف مع الآخرين في تمييزه الفقه عن غيره؛ لأنّ هذا الترتيب مجرّد مَوْضَعَة للفقه في وسط العلوم الشرعيّة، رغم كونه يقلّل من شأنّه السائد، وهو تقليل لا يُرضي كثيرين بالتأكّد، لكنّ سروش بصبّه الفقه في القالب الدنيوي أراد أن يحكم عليه بقوانين هذه النتيجة، فرأى أنّ دنيويّة الفقه وكونه حلاً لقضايا الاجتماع البشري يعني أنّه صار علم الحقوق، ومن ثم ـ وهنا النقطة المركزية ـ لا يمكن فيه الحديث عن مصالح خفيّة وغيبية وملاكات غامضة، بل لابدّ فيه من الانكشاف، وينتج عن ذلك أنّ الفقه عندما يُدار في مكانٍ ما ثم يُنتج فشلاً هنا أو هناك، فإنّ عليه أن يتغيّر ويُستبدل؛ لأنّه لم يؤدّ وظيفته الدنيوية التي اُوكلت إليه، فما دام الفقه دنيوياً فهو عقلائي عقلاني عاجلي قابل للاختبار والتجربة، أما لو كان اُخرويّاً فيمكن إحاطته بهالةٍ من الأسرار والخفايا الآجلة، بل إنّ هذه الذهنيّة التي تسود الفقه ـ الذهنية الأسراريّة في عالم الملاكات والمصالح ـ هي التي تعيقه عن أن يُنتج ويتقدّم مع الحياة. وبهذا يُبدي سروش أسفه على غياب فقه المقاصد بين المسلمين، وهيمنة فقه الأسراريّات ـ سواء على الطريقة الأشعريّة التي تقوم بتحييد مرجعيّة المصالح والمفاسد في التشريعات أم على الطريقة المعتزليّة والإماميّة التي تقوم بوضع هذه المصالح الواقعيّة خلف ستار من العتمة والرمزيّة ـ وبهذا قام الفقهاء بوضع إحدى قَدَمَي الفقه في الآخرة، حيث صار الفقه لا ينجلي لنا في تأثيراته إلا يوم القيامة، فأخرجوه من دنيويّته التي جاء لأجلها، وهذا ما جعل بعض المتولّين للشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة يستخدمون (الاستخارة) لاتخاذ بعض المواقف على حدّ تعبير سروش!
من هنا، يذهب سروش إلى أنّ الإدارة لا يمكن أن تقوم إلا على العقلانيّة وفهم الأغراض والمصالح والمفاسد، ولا يمكن إدارة مجتمع بأسرار ومصالح خفيّة، وعند ذلك لو تأمّلنا في الفقه الدنيوي وفكّكنا ألغازه وأسراره وطرحنا الهالات والرموز التي تحيط به، وهجرنا الفقه الأسطوريّ نحو الفقه العقلاني بانتهاج نهج العقلانيّة، فإنّنا لن نجد سوى مجموعة من الأحكام الخاضعة دوماً للاختبار الزمكاني، ومن الواضح أنّ الأحكام ليست منهجاً، وما يحتاجه الناس هو المنهج وليس الأحكام، فليس في الفقه خططٌ وبرامج، بل هناك مواقف من أحداث وأعمال، ولا تُدار الدنيا بهذه الطريقة، بل هذا ما يجعل الفقه غير قادر على استيعاب تمام جوانب الحياة البشريّة، بل يحتاج إلى سائر العلوم الدنيويّة، فلو حصلت مشاكل بيئية، فهل الفقه لوحده قادر على حلّها وحماية البيئة أو أنّه يحتاج إلى خطط بشرية لمواجهة الظواهر المستجدّة؟ ومن ثم فالحديث عن أنّ الفقه يحلّ جميع مشاكل البشر قاطبة غير صحيح.
وسروش يقوم هنا بتحليل قضيّة العلاقة بين الفقه والسياسة عبر القول بأنّ الفقه لا يعني أنّنا نستنتج تمام القضايا السياسيّة من الكتاب والسنّة، بل يعني أنّ العقل يقوم بإدارة الحياة السياسيّة من خلال مراعاة أصول الكتاب والسنّة، بل إنّ تديّن المجتمع سوف يُلقي بظلاله بشكلٍ تلقائي على نمط الممارسة السياسيّة فيه، وبهذا تعني السياسة الدينيّة سلامة الفعل العقلي الإداري من التناقض مع القيم الدينيّة من جهة وانسجام هذا الفعل مع مستويات التديّن الاجتماعي العام من جهة ثانية([17]).
وكأنّ سروش يريد نقد بعض التصوّرات التي تطلق عادةً شعار أنّ تطبيق الشريعة هو الحلّ لكلّ قضايا الإنسان، وأنّ إدارة المجتمع تكون بالفقه وأنّ مدير المجتمع هو الفقيه، لهذا يرى سروش أنّ الدينَ حَكَمٌ فيما يحدث، وليس مصدراً لحلّ المشاكل؛ حيث لا يزوّد الإنسان لا بالعلم ولا بالفلسفة ولا بالفنّ ولا بالإدارة ولا بعلم الاجتماع ولا بأيّ شيء من العلوم الطبيعيّة أو الإنسانيّة، لهذا كان أكبر الخطأ أن نفتّش في الدين والفقه على حلول لكلّ قضايانا الأخرويّة والدنيويّة، وإنّما يكون ذلك بالعقل الجمعي والتدبير العقلاني القادر على تشخيص المصالح والمفاسد، وبهذا أنزل سروش الفقه من عليائه ليكون آخر سلسلة العلوم الدينيّة بدل أن يكون الأوّل فيها.
هذه التصورّات التي يطرحها سروش تستقي ينابيعها من اُطروحاته في العلاقة بين الدين والأيديولوجيا والتي سبق أن أشرنا لها في النقطة المتصلة باُخرويّة الدين، فسروش يريد هنا أن يجعل الدين من شؤون الآخرة، ومن ثمّ فنظرته للدنيا نظرة عابرة، وفي هذا الصدد يطرح سروش على نفسه السؤال الآتي:إذاً ماذا يلزم على المتديّن في هذا العصر أن يفعل لإدارة الدنيا ما دام الدين لم يتجه أساساً لغرض إدارة الدنيا ولم تكن لديه مقاربة أيديولوجيّة بهذا المعنى؟
هنا يجيب سروش بوضوح بأنّ المطلوب هو الرجوع لعقولنا لأجل إدارة الدنيا، وبهذه الطريقة يتم فكّ التناقض بين الدين والعقل عنده، بل إنّ النصوص الدينية التي تدعو للتعقّل لا يمكنها أن تطالبني بالتعقّل، ثم تمنعني عن اللوازم الطبيعية لهذه الظاهرة([18]).
هذه صورة مختصرة عن حدود الدين ومديات شموله للحياة في فكر عبد الكريم سروش وفريقٍ كبير من الشخصيّات والتيّارات العقلانيّة الحديثة في العالم الإسلاميّ، والذين طالبوا الفقهاء ـ وما يزالون ـ بالاقتناع بأنّ هذا العصر ـ حسب تعبير سروش ـ ليس عصر الفروع الجديدة التي تحتاج لتطبيق قواعدكم عليها، بل هو عصر الأصول الجديدة التي تحتاج لإعادة النظر في البنيات التحتية للاجتهاد الديني عموماً([19]).

تأمّلات

في نظريّة الشريعة الفرديّة والعرضيّة

تمهيد

يمكننا هنا التوقّف عند هذه النظريّة قليلاً باختصار، وبما يتناسب مع موضوع بحثنا، وذلك أنّنا لا نريد الدخول في البنيات التحتيّة أو الحافّة بقراءة سروش للفقه الإسلامي ومدياته، مثل نظريّته في القبض والبسط أو التعدّدية الدينيّة أو حقيقة الوحي أو غير ذلك، فهذا موضوع واسع مُخارج لبحثنا هنا، بل نريد التركيز على الجوانب المتصلة بقراءته للفقه والشريعة، والتي جمعناها ونظّمناها من متناثر بحوثه ودراساته.
وسوف نقدّم بعض المداخلات التي سوف يتبيّن من خلالها عجز نظريّته، في الوقت عينه التي نجد فيها بعض عناصر القوّة.

1 ـ الشريعة الصامتة والدين الذي لا جهة له، المفارقات وعجز الشواهد

من الضروري أن نفهم الفكرة التي ذكرها سروش، من أنّ الدين لا جهة له، وأنّه من الناحية العملية لا يسوق إلى جهة، وأنّ الشريعة صامتة؛ لأنّ هذه الفكرة تمثل الخطوة الأولى لسروش في قراءته لموقع الدين والشريعة قراءة مخارجة للنصوص الدينيّة نفسها، وهي الأساس الذي اعتمده هو في مناقشته لمهدي بازرگان، والتي سبق أن ذكرناها.
إنّ سروش هنا يبدو ـ ونحن نوصّف فقط ـ وكأنّه يريد أن يضع لاصقاً على فم النصوص، كي تعجز عن الحديث عن نفسها وتحدّد هويّتها وموقعها وذاتها وأهدافها ومدياتها، لكي يتمكّن هو ـ من وجهة نظره ـ أن يتكلّم عنها ويحدّد لها هويّتها ومساحتها، لهذا جعل الدينَ والنصوص خطّاً ليس في يمينه ولا يساره ما يشير لجهة (علامة السهم). يبدو الموقف واضحاً في انطلاقة سروش هنا من المقاربة الخارج ـ دينيّة، لكن ما وجه صحّة هذه الفكرة؟ بل ما معنى هذه الفكرة أساساً؟
أ ـ من الممكن أن يقصد سروش من هذه الفكرة أنّ الدين يمكن أن ينتهي بالإنسان نحو الصلاح، ويمكن أن يجرّه نحو الفساد؛ تبعاً لأداء الإنسان نفسه معه، فقابليّة الدين لذلك تعني أنّ هذا الدين ليس له نتائج محدّدة وحركة صارمة يسير فيها بالإنسان، وإنّما هي مسألة الإنسان نفسه، وهذا المعنى محتملٌ جداً من كلام سروش، لاسيما مع الشواهد والآيات التي ذكرها.
وهنا نسأل: هل قابليّة شيءٍ ما لمثل ذلك معناه أنّه لا يوجّه الإنسان ولا يعطيه جهةً محدّدة؟ وهل أنّ التوجيه يساوق الإكراه وسلب الإنسان لحريّته في التعاطي مع هذا الموجّه؟ وهل أنّ قابليّة شيءٍ لكي يتمّ استغلاله بطريقين متناقضين معناها أنّه في نفسه لا يوجّه الإنسان نحو طريقٍ معيّن؟ وإذا كان لا يوجّه الإنسان نحو شيء، فلماذا كانت النبوّات؟
أعتقد أنّ سروش لم يبرهن على هذه النقطة بالذات، فضلاً عن أنّ وقائع الأشياء على عكسها، إلا إذا قصد نحت مصطلح خاص به في الموضوع، فكلامه يعني أنّ كلّ القوانين وكلّ الدساتير وكلّ النظم والنظريّات الإنسانيّة بل وكلّ القضايا العلميّة تتصف بهذه الصفة أيضاً؛ لأنّ الإنسان قادر على إساءة استغلالها في أكثر من موضع؛ لأنّ الأفكار والقيم والمثل والمقاصد كلّها مما يمكن استغلاله سلباً وإيجاباً ما لم تتحوّل هذه الأفكار إلى سلطة الواقع، فتَفْرِض على الإنسان ـ بنحو من أنحاء الفرض ـ الاستجابةَ لها، وهو أمر يمكن أن يحصل في الدين نفسه كذلك.
ونحن نسأل: هل قابليّة الدين لكلّ هذا تضرّ به أساساً وتوصلنا إلى ما توصّل إليه سروش؟ لنفرض أنّ فكرةً ما تتسم بهذه القابليّة المشار إليها، فهل تعني هذه الفكرة أنّها لا توجّه الإنسان نحو شيء، حتى لو لم يستجب أو قام بالتلاعب بهذا التوجيه؟
إنّ التوجيه لا يستدعي ـ منطقيّاً ـ حصول الاستجابة من الطرف الآخر حتى نشرطه به ونرهن مصيره له؛ لأنّ التوجيه فعل الموجِّه لا الموجَّه الذي فعله التوجّه.
ب ـ أن يقصد أنّه ليس في الدين إكراهٌ وإلزام خارجي، بل هو مجرّد أفكار وقيم وأخلاقيّات، وهذه الفكرة غير واضحة؛ لأنّ الإسلام فيه إكراه بالمعنى القانوني لا بالمعنى السلبي، فعندما يكون هناك حدود وقصاص وقضاء فإنّ الإلزام ببُعده القانوني سوف يكون موجوداً، علماً أنّ مجرّد عدم الإكراه لا يبرّر توصيف الدين بأنّه لا جهة له، كما لا يبرّر القراءة الخارج ـ دينيّة له حصراً، بل له جهة غاية الأمر أنّه لا يُلزم الناس قهراً بها.
من هنا لا يبدو واضحاً وجود دقّة في اختيار أو نحت مصطلح التوجيه ـ الصمت الذي استخدمه عبد الكريم سروش هنا، إلا في سياق بعض مدارس الهرمنوطيقا المعاصرة التي تجعل النصّ صامتاً ليست لديه قدرة الحكاية، وهذه فكرة بعيدة كلّ البعد عن الحياة المعرفيّة العقلائيّة، فسروش عندما يشرح كلام الغزالي وبازرگان وإقبال ومطهري وشريعتي وغيرهم من عشرات المفكّرين، فهو ينسب إليهم تفسيره لكلامهم بكلّ عفويّة ووجدانيّة، رغم أنّه لا يمكنه الوصول ـ وفقاً لقناعاته ـ لليقين النهائي بالنسبة، ولا نريد هنا في النص الديني أكثر من هذا، فلماذا عندما نصل للنص الديني نصبح غير قادرين على نسبة شيء إليه، وكأنّه لا يُرشدنا إلى قناعة صاحبه؟! فلنفرض أنّ صاحب النصّ هو شخصُ النبيّ محمّد مثلاً، ونحن نبحث بكلّ حياديّة ممكنة عن قناعاته في الحياة والوجود، فلماذا يصبح من العسير علينا أن نفهم مراده فهماً عفويّاً ولو بنسب ضئيلة ومحدّدة بشكلٍ يقيني عقلائي نتمكّن من خلاله من إدارة حركتنا وحياتنا؟!
بل لو صحّ كلام سروش على إطلاقه في الصمت المطبق وعدم التوجيه، فهذا يعني أنّه لا يوجّه أحدٌ أحداً في حياة البشر؛ لأنّ التوجيهات تكون عبر اللغة والإشارات، وهذا المعنى لا يقبل به إلا بعض الوجوديّين الهرمنوطيقيّين، وهو مبنى نختلف معه تماماً ولا مجال لمناقشته التفصيليّة هنا؛ لأنّه يفرض العالم الخارجي مجرّد ظواهر يؤثر التحاثّ بها على فضاء الذات الداخليّة لا غير، وإلا فالفاعل دوماً هو الذات والكينونة الإنسانيّة.
بل حتى العقل الإنساني لن يكون موجّهاً للإنسان أبداً؛ لأنّ الإنسان بإمكانه أن يتعامل مع العقل تماماً كما يتعامل مع النصوص، فيحرّكه كما يشاء، وتختلف طريقة وصوله للمعرفة والحقيقة تبعاً لتقواه وكفره حتى لو كان السبيل هو العقل نفسه.
كما أنّ النصوص القرآنيّة التي استعان بها سروش هنا واضحة في أنّ خاصية انتفاع الإنسان بالدين والقرآن هي خاصية أخلاقيّة وليست خاصية معرفيّة، فلم تقل النصوص بأنّ القرآن هدى للفلاسفة أو للعقليّين، وأنّه ضلالٌ لعلماء الطبيعيّات على سبيل المثال، بل قالت بأنّه هدى للمتّقين وضلالة للكافرين المعاندين، وهذا يعني أنّ نظر القرآن الكريم هنا ليس إلى خاصيّة معرفيّة في تعامل الإنسان مع النصّ القرآني، بل إلى خاصية أخلاقيّة، وهي تعني أنّ من يتق الله ويخشاه فهو قابلٌ لأن ينتفع بالتوجيه القرآني، ومن يصبح قلبه طاغياً فإنّ النصّ القرآني سيكون طيّعاً بالنسبة إليه كي يستغلّه أسوأ استغلال.
وبهذا نكتشف أنّ هذه الآيات بنفسها دالّة على التوجيه، غاية الأمر أنّ الإنسان بصفاته الأخلاقيّة قادر على أن يتلقّى هذا التوجيه ليكون هداية له أو أن يتلقّاه ليكون ضلالاً.
ويشهد لما نقول أنّ القرآن الكريم في مواضع ـ وهذا ما لم يُشر إليه سروش ـ نصّ على أنّ الوحي والكتاب هداىة للناس أجمعين، وهذا يناقض ما قاله سروش، فالكتاب بنفسه يمثل هداية للجميع، وهذا شاهد على أنّ له جهة حتى لو فرض أنّ بعض من ينحرف أخلاقيّاً بإمكانه أن يوظّف الكتاب ويستغلّه أسوأ استغلال، أو أن يُصبح انحرافه الأخلاقي دافعاً له لفهم الكتاب بطريقة منسجمة معه.
إنّ الآيات القرآنية التي استدلّ بها سروش هنا لا تفيد الحصر، لا من الناحية اللغوية، كما هو واضح، ولا حتى من الناحية الموضوعيّة بعد أخذ القرآن كلّه ضمن سياق الرصد والتأليف، فالقرآن الكريم وصف نفسه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185)، وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (آل عمران: 3 ـ 4)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾(آل عمران: 96)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون﴾ (الأنعام: 91).
إنّ هذه الآيات تدلّ على أنّ المنزل من الوحي الإلهي كان هدى وبياناً ورحمة وموعظةً للناس جميعاً، والسبب في تنوّع الآيات يبدو لي واضحاً، فإنّ المواعظ الأخلاقيّة هدى للناس، لكنّ تحقق الهداية بوصفها أمراً عينياً خارجياً واقعياً ليس بيد الهادي نفسه، بل هو بحاجة إلى الطرف الآخر؛ إذ بعناد الطرف الآخر لا تحصل الهداية الخارجيّة، فعندما يتمّ توصيف الكتب السماوية بأنّها هداية للناس فهذا يعني النظر إلى جانب المؤثر والهادي والفاعل، وأمّا عندما توصف بأنّها هداية للمؤمنين، فإنّ ذلك بمعنى تحقّق الاستجابة منهم وفعلية الهداية خارجاً، وانبعاثهم عن هديها، وتلقّي أرواحهم السليمة لرسالتها بإيجابيّة، ومن هنا يصحّ لأستاذ المدرسة أن يقول: إنّ درسي ينفع كلّ طلابي، وفي الوقت نفسه يقول: إنّ درسي نفعٌ للمجدّين من طلابي، وعليه فلا يصحّ استشهاد الدكتور سروش من جهة، بل لم يكن هذا الاستشهاد موضوعيّاً دون استحضار سائر النصوص القرآنيّة، لتكوين صورةٍ صحيحة.
وإذا رفض سروش هذا التفسير للنصوص القرآنيّة التي استشهد هو بها، فلا أقلّ من ضرورة أن نقرّ جميعاً بأنّ القرآن هداية للناس وفي الوقت عينه هو هداية بنوع خاصّ للمؤمنين، والثانية لا تنفي الأولى، ولا تشير النصوص إلى كون الثانية نافية للأولى، وإلا فنحن نسأل سروش: إذا كان الدين ـ بتعريف سروش له ولأغراضه ـ جاء لهداية المتقين، فما الذي ينفعنا به بعد أن وصلنا لمرتبة التقوى بما تحمله هذه المرتبة من دلالة في القرآن الكريم، خاصّة وأنّ الآية التي استند إليها سروش تشرح حال المتقين حيث تقول: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 3 ـ 5)؟! إذا كان الغرض من الدين كما قال سروش هو تقوية الأخلاق أو بالتعريف بالآخرة فالمفترض أنّ المتقي ـ وفقاً لهذه الآيات ـ قد حصلت له هذه الحالة، فكيف يفسّر سروش الموقف هنا؟!
وبناءً على ذلك كلّه، لا يصحّ كلام سروش من أنّ صيرورة الدين ذا جهة ينافي شرط الإيمان والتقوى، بل الدين يوجّه الإنسان بما هو إنسان، غاية الأمر أنّ هذا الإنسان إذا أسلم لفطرته وروحه الأخلاقيّة الكامنة فيه، استجاب لنداء الدين والوحي، فارتقى في الهداية أكثر فأكثر، وإلا قطع الطريق على الهداية الإرائيّة للدين، بل أمكنته نفسُه من تحويل الدين الهادي ـ في اُفق ذاته ـ إلى ضلال، والنظر إليه بعيون معكوسة.
وإذا أردتُ أن أضمّ مفهوم (الشريعة الصامتة الخرساء) إلى مفهوم (الدين لا جهة له)، فيمكنني القول بأننّا نقبل بتأثير الخلفيّات المعرفيّة للقارئ في فهم النص، ونقبل بدور العلوم الخارج ـ دينيّة في التأثير على العلوم الداخل ـ دينيّة، وفق بيان خاص، لكنّ نحت سروش مصطلح «الشريعة الخرساء» لا يبدو موفَّقاً؛ لما يحمله من معاني قد لا تكون دقيقة؛ فإنّه:
أ ـ إذا اُريد من الخرس أنّ الكلام مجرّد أصوات والكتابة مجرّد ألوان على ورق، وأنّه لولا وجود عقلٍ إنساني لن يكون لهذه الأصوات والألوان أيّ قدرة على النطق، فهذا كلام صحيح لا أظنّ أنّ أحداً يناقش فيه، ويصدق معه عنوان الخرس.
ب ـ وأما إذا اُريد أنّ خلفيات القارئ وتساؤلاته تثير الذهن لأخذ جملة معطيات من النصّ أو الخطاب لم يكن الذهن ليذهب إليها من مجرّد سماع الخطاب أو قراءة النصّ، بما يعني أنّ النصّ لولا إثارة الذهن يبدو وكأنّه لا ينبؤ عن ذاته، فهذا الكلام صحيحٌ أيضاً؛ فإنّ الكثير من النتائج التي توصّل اليها المفسّرون لاحقاً لم تكن تخطر على بال أحد ممّن سبق رغم قراءتهم النص أو سماعهم الخطاب آلاف المرات، مما يجعل دور الإنسان هنا هو دور الفاعل والنص هو المنفعل بهذا المعنى للفعل والانفعال.
ج ـ وأمّا إذا اُريد أنّ النصّ لا يُعطي أيّ شيء، وأنّ من يسمعه لا يخطر في باله معطى ينفعل الذهن فيه من خلال سماع الخطاب، وأنّ المعنى الذي جاء في الاحتمال الثاني يسري إلى تمام مدلولات النص ومعطياته، فهذا المعنى يصحّ توصيف الشريعة معه بالخرساء، لكنّه في حدّ نفسه غير صحيح؛ لأنّ النص أو الخطاب يُحدثان في العقل صورةً يقصدها المتكلّم. صحيحٌ أنّ حدوث هذه الصورة يحتاج إلى مقدّمات مادية وعقليّة كتحقّق الوعي عند المخاطب مقابل الإغماء والنوم أو كونه فاهماً للغة ومعاني الكلمات أو غير ذلك، لكنّ هذا لا يبرّر توصيف النص أو الخطاب بالصامت أو تشبيهه بالطبيعة الصامتة([20])، وهذا الاستنتاج حول الصمت عندما يُؤخذ على إطلاقه العريض هذا، فهو يخالف الإدراك الإنساني الفطري لظاهرة التحاور والكلام المعروفة في حياة البشر، بل لن يكون في الوجود حينئذٍ إلا الخرس، وكان يجب البرهنة منطقيّاً على إطلاقيّة الدعوى المذكورة.
في ظنّي أنّ سروش تعامل مع ظاهرة الفهم تعاملاً فلسفيّاً تجريديّاً، على طريقة الهرمنوطيقا الفلسفيّة، ولم يتعامل معها تعاملاً في أفق الصيرورة التجربيّة الإنسانية التاريخيّة والاجتماعيّة، فصار حاله أشبه بحال بعض نقّاده الذي أشكلوا عليه ـ مخطئين ـ في نظريّته حول القبض والبسط وتغيّر المعرفة الدينيّة، من أنّ المعرفة وجودٌ ذهني، والوجود الذهني مجرّد، والمجرّد لا يتغيّر!([21])، فهؤلاء تعاملوا مع المعرفة تعاملاً أنطولوجيّاً فلسفيّاً، فيما كان سروش يتعامل معها هناك تعاملاً إنسانيّاً تاريخيّاً اجتماعيّاً في اُفق الصيرورة الزمنيّة، وأظنّه ارتكب الخطأ نفسه هنا الذي وقع فيه تجاهَه بعضُ خصومِه من قَبْل.
وعليه، فإذا قصد المعنى الأوّل فالنص صامت، وإذا قصد المعنى الثاني فلا يصدق الصمت المطلق ولا الكلام المطلق، وأما إذا قصد المعنى الثالث فالصمت صادق لكنّ المضمون غير صحيح، من هنا نفضّل الاستعاضة عن مفهوم الصمت والخرس بثنائي النطق والصمت معاً.
يُضاف إلى ذلك كلّه أنّه كيف يفسّر سروش توصيف القرآن نفسه بأنّه بيان وهدى ونور وبصائر وتبيان ومبين وأمثال هذه التوصيفات؟ وهل ينسجم ذلك مع إطلاق مفهوم الصمت؟ بل كيف جعل سروش تفسير التجربة تفسيراً صحيحاً، وكذلك تقوية الأخلاق في حياة البشر، وتعريف الإنسان بما بعد الموت، إحدى وظائف الدين وأغراضه، ثم وصف النصّ هنا بأنّه صامت ووصف الدين بأنّه لا جهة له، إذا قصد المعنى الإطلاقي للكلمة؟! ألا يبدو أنّ هناك تناقضاً في البين؟! أليس قيام الدين بهذه الأغراض هو نوعٌ من الهداية والتوجيه؟! إلا إذا جعل الدين مفهوماً منفصلاً تماماً عن النصّ والتاريخ!
كما أنّ مجرّد وجود اختلافات تفسيريّة في النصوص لا يبرّر دعوى أنّ النصّ لا يحكي عن نفسه ولا يقف خلفه مرادٌ لقائله، أصابته إحدى هذه التفاسير بنوعٍ من الإصابة، فإنّ هذا الأمر لا نملك دليلاً على نفيه، فإذا قال سروش شيئاً ما، ثم فَسّر كلامَه الآخرون كلٌّ على طريقته، فهذا لا يُثبت أنّ سروش لم يرد شيئاً من كلامه، كما لا يُثبت أنّ تمام التفاسير لم تكن منفعلة بدرجةٍ ما بالنصّ عندما احتكّت به، بحيث كان النصّ ـ بما يملك من أدوات انتقاليّة ذهنيّة قائمة على المواضعات اللغويّة والعرف الاجتماعي المكتنز في اللغة نفسها ـ موصلاً للرسالة من المرسِل إلى المتلقّي، بل يشهد لما نقول أنّه رغم كلّ الاختلافات في تفسير النصوص الدينيّة، إلا أنّ القواسم المشتركة التفسيريّة في النصوص لا تكاد تُحصى، وما تزال باقية عبر التاريخ منذ مئات السنين، فهذا القاسم المشترك المتنوّع القارئ يؤكّد أنّ النصّ يمكنه أن يحظى بثبات تفسيري نسبي.
إنّ طريقة سروش في القراءة الخارج ـ دينية للدين نفسه ممتازة وضرورية، لكن الوقوف عند هذه الطريقة في دراسة الدين وإعطائها الأولويّة المعرفيّة المطلقة على سائر أشكال القراءة الدينية، موضوعٌ يحتاج إلى مُثبت منطقي، فإذا لم يؤمن إنسانٌ ما بمرجعية الوحي حقّ له ذلك بعد أن يقدّم قراءته لعدم إيمانه هنا، أمّا من يقول بأنّه يؤمن بالوحي، فإنّ عليه أن تكون قراءته جامعة بين الداخل والخارج، والسياق الفكري العام الذي قدّمه سروش وكان آخره حديثه عن الوحي اللفظي والمعنوي كلّه يصبّ في اتجاه لا يظهر منه بوضوح تبنّيه الوحي مرجعاً معرفيّاً مميّزاً، ومن ثمّ فطريقة مقاربة الموضوع هنا غير دقيقة؛ لأنّ عليه أن يجعل المناقشة في أصل مرجعيّة الوحي.
والنتيجة: إنّ إطلاقيّة فكرة صمت الشريعة وعدم وجود جهة للدين، غير دقيقة، والباحث عليه أن يحدّد مساحة الدين من خلال مراجعةٍ خارج وداخل ـ دينيّة معاً، وبإجراء المقاربة والمقارنة بين المدخلين يتوصل الى نتيجة، تماماً كما قلنا عند مناقشة نظريّة المهندس بازرگان، أمّا الاقتصار على القراءة الخارج ـ دينيّة بوصفها الحَكَم الوحيد، فهذا كأنّه يوحي بأنّ الباحث حسم خياراته قبل أن يدخل للنصّ، ويريد فقط أن يُسقط هذه الخيارات على هذا النصّ.

2 ـ الأصول الموضوعيّة لعَرَضيّة الفقه، بحث عن معايير التصنيف

يبدو لي أنّ فكرة الذاتي والعرضي في الدين فكرة ممتازة وموفّقة، وفي الوقت عينه ليست جديدة أبداً على الفكر الإسلامي، بل والديني عامّة، فلطالما اشتغل علماء الدين والمفكّرون والفلاسفة على هذه التراتبيّة في تصنيف المعطيات الدينيّة، فعندما يتمّ الحديث عن أصول وفروع، فهذا يعني نوعاً من الذاتيّة والعرضيّة، وإن لم يكن بالمعنى الذي فهمه سروش، بل النظريات المقاصديّة في الفقه الإسلامي تتعاطى في جوهرها ـ ومنذ قرون عديدة ـ بثنائيّة الذاتيّة والعرضية مع الكثير من النصوص التشريعيّة، خاصّة في تصنيفها النصوص إلى نصوص أهداف ونصوص وسائل.
لا يهمّنا هنا ما إذا كانت فكرة سروش حديثة أو لها جذور وامتدادات في التراث الديني، بقدر ما يهمّنا كيف تمكّن سروش من تصنيف العرضي والذاتي في الدين. وسوف أركّز كلامي على الفقه وما يتصل به.
يضع سروش ثلاثة معايير هي التي دفعته لاعتبار الفقه شأناً عرضيّاً قشريّاً:
المعيار الأوّل: ما أخذه من ولي الله الدهلوي من تاريخيّة بعض التشريعات وكونها متناسبة مع الفضاء العربي مثلاً.
هذه الفكرة نعتقد بها اعتقاداً عميقاً، لكن:
أ ـ الطفرة التي قام بها سروش هنا هي أنّ غاية ما يمكنه أن يثبت أنّ بعض التشريعات لها جذور تاريخيّة، أو كانت متناسبة مع المجتمع العربي بخصوصه،ومن ثمّ فهي زمنيّة، لكنّ أغلب التشريعات أو فلنقل نسبة كبيرة من التشريعات لا يوجد ما يؤكّد ارتهانها للفضاء العربي، وأنّ القرآن لو نزل والسُنّة لو صدرت في فضاء غير عربي لما كانت هذه التشريعات أصلاً.
لا أدري كيف يُثبت سروش بمقاربة موضوعيّة قاعدة مطلقة من هذا النوع؟ هذا يحتاج لأدلّة ومعايير اجتهاديّة وتاريخيّة تفصيليّة، وليس فقط لمقاربات مجتزأة لبعض التشريعات عبر محاولة الإقناع بوسيلة الأمثلة المحدودة! وذلك أنّنا لاحظنا أنّ هذا الاتجاه يقارب العديد من الموضوعات بهذه الطريقة لكنّه لم يثبت الارتهان الزمكاني إلا في حدود معيّنة، فكيف نفسّر الارتهان الزمني العربي لكيفية الصلاة ولموضوع المعاملات، والمفروض أنّ جميع هذه المعاملات التي عرفها العرب كانت سائدة في ذلك الزمان برمّتها، وليست خاصّة بالمجتمع العربي، بل هي سائدة إلى يومنا هذا.
ب ـ لنفرض أنّ بعض التشريعات زمكانيّة، لكنّ تأسّف سروش في موضعٍ آخر ـ وهو تأسفٌ في محلّه ونشاركه فيه ـ على غياب فقه المقاصد، معناه أنّ التشريعات الزمكانيّة تقف خلفها تشريعات ثابتة أكثر كليّةً، فهذا هو فقه المقاصد المتعالي عن الزمكانيّة والذي تأسّف عليه سروش، فعندما نقول بزمكانيّة تحريم الشطرنج فهذا معناه أنّ المحرّم هو اللعب بآلات القمار، وعندما نقول بزمكانيّة أنصبة الزكاة فهذا يعني أنّ المعيار هو الموارد المالية العمدة في المجتمع، وعندما نقول بزمكانية قيمومة الرجل نتيجة موقعه الاقتصادي فهذا يعني أنّ القيمومة تابعة لموقع الطرفين من الأسرة، ولا تعني الزمكانية عرضيّة الفقه وصيرورته على هامش الدين وزوال اعتباره القيمي، أو فقل: إنّ العرضيّ هو الشكل الخارجي لبعض التشريعات، وليس أصل الفقه والنظام التشريعي. هذه هي الطفرة التي نتحدّث عنها في مقاربة سروش.
ج ـ لا يستطيع سروش أن يثبت لنا ببرهان حاسم أنّ مجرّد كون شيء كان موجوداً عند العرب وأقرّته الشريعة، فهذا يعني أنّه تشريع ديني خاصّ بالعرب. لا أفهم ـ بنظري القاصر ـ هذا الاستنتاج من هذه المقدّمات سوى عبر نوع من العرض الاحتمالي لا أكثر، فما الذي ينفي الفرضيّة التي يمكن طرحها هنا في أنّ تشريع الرضاع هو في أصل الشرع وثابت، ولو نزل الشرع في الهند أو آسيا الوسطى لأثبت شيئاً من هذا النوع، غاية الأمر أنّ الشرع لما نزل في بلاد العرب، كان من الطبيعي أن يصادف في بعض تشريعاته التي لا تزيد عن الواحد في المائة أموراً كان شرّعها العرب فيما بينهم، وصادفت الشريعة الواقعية في أصلها لا في تفاصيلها، فتفاصيل أحكام الرضاع لا نجدها عند العرب؟! وهو ما نتوقّع حصوله لو نزل القرآن في غير بلاد العرب بحيث سيصادف بعض التشريعات التي كانت موجودة هناك، إذ لم يدّعِ القرآنُ بأنّ تشريعاته برمّتها لا يمكن لعقول البشر وتجاربهم أن تصل إليها مطلقاً. هل هناك شيء يمكنه أن ينفي فرضية من هذا النوع ما دامت هذه الأحكام ذات الجذور في الحياة العربيّة قليلة للغاية نسبةً لمجموع الأحكام الشرعيّة؟
بل ألا يمكن أن نتحدّث هنا بمنطق الفرضيّات التاريخيّة المعقولة، ونحن نمارس في الحقيقة تحليلاً تاريخيّاً للظواهر، عبر القول بإمكانية أن تكون بعض هذه التشريعات على الأقلّ إنّما عرفه العرب من تأثير اليهود على حياتهم أو من بقايا الديانة الإبراهيميّة، كما بقي الحجّ عندهم وفق حديث القرآن الكريم عن الأصول الإبراهيميّة له؟ كيف أستطيع تجاوز كلّ هذه الفرضيّات التاريخيّة المعقولة، لكي اُثبت قانون العرضيّة الذي سيطال الفقه كلّه أو أغلبه ـ على اختلاف عبارات سروش في موضعٍ هنا وهناك ـ وحصر نفسي في فرضيّة واحدة دون تقديم ترجيحات علميّة موضوعيّة لها؟
والشيء الذي يدعونا لمزيد تأمّل ـ ولا نريد خوض البحث فيه هنا حاليّاً ـ هو التحقّق من وجود هذه الظواهر أصلاً عند العرب، ومديات إمكان إثبات هذا الأمر تاريخيّاً بطريقة موثوقة حتى نبني على الشيء مقتضاه؛ إذ لعلّ ما يثبت تاريخيّاً من هذه الأشياء التي يفترض أن يختصّ بها العرب ـ لا ما كان قاسماً مشتركاً إنسانيّاً ـ ليس سوى القليل جداً، بما لا يسمح بأخذه أساساً لاعتماد نظريّة عرضيّة الفقه بهذه السعة.
وبهذا يتبيّن أنّ هذا المعيار لا يصلح برهاناً مرجّحاً لعَرَضيّة الفقه بالطريقة التي قاربها سروش، بل إنّ سروش لا يقدر على أن يقدّم لنا برهاناً ـ وليس مجرّد استئناس تميل النفس إليه ـ على أنّ الشريعة لو نزلت في غير العرب لكانت جميع أو أغلب أحكامها مختلفة عن الحال الحاضر، بصرف النظر عن صحّة الاجتهادات الفقهيّة القائمة اليوم. إنّ هذه الفرضيّة غير ممكنة الإثبات علميّاً (بعيداً عمّا سيأتي عند الحديث عن نظريّة المفكّر محمّد مجتهد شبستري)، كلّ ما نستطيع ترجيحه في مقاربة خارج ـ دينيّة هو أنّ بعض هذه التشريعات زمنيّة ذات صلة بالفترة أو المناخ المحيط، أمّا أن جميع هذه المنظومة الفقهيّة هي كذلك، فهو أمر لا يبدو إثباته ممكناً من ناحية علميّة، ما لم يقم سروش بالاجتهاد الداخل ـ ديني ليتوصّل عبر مراجعة تمام هذه التشريعات وأدلّتها إلى إثبات زمكانيّتها أو على الأقلّ إبطال إطلاقيّتها الزمكانيّة المتعالية عن الملل والأقوام، وهو ما لم يقم به سروش قطّ.
نحن نوافق على أنّ الاجتهاد المعاصر لا يقتصر على قضايا من نوع الاستصحاب والعلم الإجمالي، بل هو فنّ الترجمة الثقافيّة أيضاً، لكنّ هذا لا يصيّر الفقه عرضيّاً بالمعنى السروشي للكلمة، بل يعيد إنتاج الفقه تحت سقف ضرورته وذاتيّته، فلو سلكنا مسالك المقاصديّة ببعض مدارسها على الأقلّ، فنحن بحاجة ماسّة لترجمة ثقافيّة، لكنّ هذا شيء وعرضية الفقه التي طرحها سروش شيء آخر، فلاحظ بنفسك.
المعيار الثاني: الأسئلة والأجوبة، فحيث إنّ الفقه هو نظام الأسئلة والأجوبة، فهذا يعني ـ عند الدكتور سروش ـ أنّه لا علاقة له بذاتيّات الدين؛ إذ لو لم تقع الأسئلة لما حصلت الأجوبة، مستشهداً بالآية الكريمة التي مرّت سابقاً، وهنا يمكننا التعليق:
أوّلاً: إنّ الآية الكريمة ـ لو بقينا معها دون أيّ عنصر خارجي ـ ليس فيها أيّ إشارة لا من قريب ولا من بعيد، إلى موضوع الفقه الإسلامي، ففكرة السؤال والجواب فيها غير واضحة المتعلَّق، كل ّما يمكننا فهمه هو أنّ بعض الأمور كانوا يسألون عنها وكان تحصيل الجواب حولها يوجب أذيّتهم أو سوءهم وانزعاجهم، فطالبهم القرآن الكريم بأنّ يتوقّفوا عن مثل هذا، وأن ينتظروا نزول الوحي ثم يسألوا عنها، فأين هي العلاقة بين هذه الآية وموضوعة الفقه؟ أليس من المتوقّع أن يكون الموضوع على صلة بأمور خارجيّة كان يزعجهم الاطّلاع عليها لو عرفوها قبل وقتها؟
بل لو أخذنا بعض نصوص أسباب النزول لوجدنا أنّ سياق نزول هذه الآية لا علاقة له بالفقه الإسلامي، فأحدهم يسأل عن والده: هل هو في النار أو لا؟ والآخر يسأل من هو أبوه؟ وهكذا، فليس في نصوص أسباب النزول ما يوجب القطع والحصر بأنّ سياق النزول فقهي أو قانوني([22]).
ثانياً: لو تجاوزنا هذا الأمر، ألا يعني النصّ أنّ القرآن يريد توجيههم في حركة الأسئلة ولا يريد منعهم من السؤال، فكأنّ طبيعة القضيّة كانت بحيث إنّ طرح الأسئلة قبل نزول القرآن يوجب سوءهم، وأنّ عليهم أن ينتظروا نزول القرآن في القضيّة كي يطرحوا الأسئلة، فليس الموضوع رفضاً للأسئلة، بل هو في توقيت هذه الأسئلة واختيار زمانها المناسب، ومن ثمّ فالتفسير المشهور لهذه الآية في ربطها بالقضايا الفقهية لا دليل عليه من الآية نفسها، فضلاً عن أنّه لو ربط بذلك فلا يدلّ على أنّ الأجوبة لم تكن لتأتي لولا الأسئلة، بل يدلّ على أنّ بيانها كان محدّداً بإطارٍ زمانيّ معيّن، وأين هذا من فكرة عرضيّة الفقه والتشريعات أو عرضيّة القضايا التي يتمّ تبيينها من خلال الإجابة عن أسئلة مطروحة؟
وهذه المناقشة منّا هنا مبنيّة على أنّ جملة: (وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تُبدَ لكم)، دالّة على الترخيص في السؤال حين نزول القرآن، لا فقط على الإخبار عن وقوع الجواب على تقدير السؤال عند نزول القرآن، وإلا فلا تتمّ هذه المناقشة.
ثالثاً: إنّ الأسئلة والأجوبة ظاهرة بشريّة طبيعيّة متوقّعة، فكيف يمكن للدكتور سروش أن ينفي أنّ صاحب الشرع قد بنى في نشر شريعته على أساسين:
الأساس الأوّل: البيان الابتدائي، وذلك مثل النص القرآني الذي جاء في غالبه بعيداً عن سياقات الأسئلة والأجوبة، بل هو في كثير من الأحيان بعيد أيضاً عن سياقات أسباب النزول، أو لا يعلم أنّ فيه سبباً للنزول. وإلى جانب هذا النصّ الكثيرُ من نصوص السنّة الشريفة والتي أطلقها النبيّ ـ أو الإمام ـ بلا سؤال ولا جواب، ولا أقلّ من أنّ بعض الروايات لا يوجد فيها ما يكشف عن وجود أسئلة أو استفهامات سبقتها، وبإمكاننا مراجعة التراث الحديثي عند المسلمين للتأكّد من أنّ نسبةً كبيرة من النصوص، لا يوجد ما يؤكّد أنّها وقعت جواباً عن سؤال.
وهذا يعني أنّ تصوّر أنّ الفقه مبنيٌّ في بيانه على نظام الأسئلة والأجوبة فقط تصوّرٌ غير دقيق ميدانيّاً.
الأساس الثاني: التوقّعات الطبيعيّة في نشر البيانات المتبقية، عبر سلسلة تساؤلات المؤمنين، فإذا كانت الشريعة على علمٍ أو تتوقّع ظهور الأسئلة، فبنت استكمال بيانها لذاتها عبر نظام الأجوبة، فلا يكون معنى ذلك أنّ ظاهرة السؤال والجواب جعلت الشريعة عرضة لأسئلة السائلين، فكأنّه غاب عنّا أنّ ظاهرة الأسئلة هي ظاهرة بشريّة متوقّعة، وأنّه من الممكن أنّ الشارع اعتمد على هذه الظاهرة التي تمثل ردّ فعل بشري طبيعي تلقائي كي يوضح بقية أحكامه من خلالها.
ويتعزّز هذا الكلام عندما نعرف أنّ صاحب الشريعة هو الله سبحانه العالم بمآلات الأمور وبالمستقبليّات، فقياس إدارته لنشر شريعته على مقياس البشر في معلوماتهم المستقبليّة المحدودة ربما لا يكون مقنعاً، فلعلّه يعرف من قَبْل أنّ هذه الأسئلة سوف تُطرح، فاعتمد على حركة الأسئلة المعلومة من قبل لكي يبني توضيح شريعته على ذلك، فأين هي الأدلّة النافية لمثل هذه الفرضيّات المعقولة جداً؟([23]).
هذا، ويمكننا الموافقة على بعض الإشكاليّات التي تطال بعض الأسئلة والأجوبة بشكل جزئي، وهذا موضوع آخر نتركه لمحلّه.
من هنا، لا أجد واضحاً ما قاله سروش من أنّ جميع القصص والوقائع والأحداث وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنّة هو من عَرَضي الدين، سواء كان في الفقه أم في غيره، إذ يبدو لي أنّ سروش فكّ الارتباط بين النصّ القرآني وصاحب النصّ وهو الله سبحانه وتعالى، العالم المطلق، فلماذا لا يكون هذا العالم المطلق قد اختار طريقة بيان رسائله عبر دمج الرسائل الكليّة بالوقائع الزمنيّة، ومن ثمّ فالرسالة تظلّ أبديّة متعالية فيما الواقعة بذاتها تتحوّل لحدث زمني منقضٍ، بمعنى أنّ الواقعة الجزئيّة هي مجرّد أنموذج لوقائع مشابهة في حياة البشر، وبالتعليق عليها واتخاذ موقف منها يمكن استنتاج رؤية كليّة متحرّرة من الواقعة ذاتها بعد ذلك، فعندما يخطأ المسلمون فيما فعلوه في معركة اُحد، فإنّ هذا الخطأ ليس ظاهرة منفردة عبر التاريخ، بل هو بطبيعته ظاهرة متكرّرة في حياة البشر، ومن ثمّ فالنصّ القرآني اختار اتخاذ موقف منها بوصفها أنموذجاً لظاهرة بشريّة متكرّرة متعالية عن الحصرية الزمكانيّة، فمضمون الرسالة القرآنية ليس عرضيّاً، وإن كان السبب الزمني لنزول هذا الموضوع عرضيّاً، وهذا هو ما ترجع إليه كلمات العديد من علماء التفسير الإسلامي، من أنّ المورد لا يخصّص الوارد، وأسباب النزول لا تضيّق الحكم أو تحصره بها خاصّة، وإلا فنفس الوقائع والحوادث والمجريات التاريخيّة ليست من أصل الدين بهذا المعنى، لكنّ هذا لا يعني أنّ مضمونها الرسالي تحوّل إلى عَرَضيّ من عرضيّات الدين، فالعلاقة مع الحدث التاريخي هي في الحقيقة علاقة مع الرسالة التي يتضمّنها هذا الحدث، لا مع الوقائع الزمنيّة بما هي هي، وربما يكون سروش أراد هذا المعنى لكنّ عبارته لم تكن وافية في ظنّي.
نعم، بإمكان الدكتور سروش الدخول هنا في مساجلات داخل ـ دينيّة، وداخل ـ تفسيريّة؛ للمناقشة في مناهج الفهم هذه، لا أن يتخذ موقفاً كليّاً بعرضيّة الأسئلة والأجوبة والقصص والوقائع وما يتّصل بها في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة.
والكلام الذي قلناه هنا حول معياريّة العرضيّة في الفقه، يمكن أن نقوله بعينه في معياريّة العرضيّة في القضايا الطبيّة والعلميّة والإنسانيّة التي تضمّنتها النصوص الدينيّة، فقد اعتبر سروش أنّ الانتظار الحقيقي من الدين لا يكمن في هذه، دون أن يقيم أيّ دليل على هذا الأمر رغم افتراضه صدقها جميعاً، فمع فرض صدق جميع هذه القضايا العلميّة التي تضمّنتها النصوص كيف عرف سروش أنّها من العرضيّات؟! وما هو البرهان الذي عنده على أنّها كذلك؟ وما هو المعيار؟ ولماذا لا يكون الدين ـ بعد فرض صدقها جميعاً ـ متقوّماً بمثل هذه أيضاً؟ كنّا نترقّب من الدكتور سروش أن يقارب الموضوع بطريقة معياريّة، وليس بطريقة توصيفيّة، خاصّة ونحن نوافقه في عدم وجود تلازم ضروري ذاتي بين صدق شيء تضمّنته النصوص، ودينيّة هذا الشيء بوصفه جزءاً من رسالة الأنبياء التي تتحوّل إلى عنصر من عناصر العلاقة بين الإنسان وربّه.
أظنّ أنّ سروش رسم الدين بالطريقة التي يميل هو إليها، ثم بدأ بفرز الأمور التي هي خارج مدار تصوّره الخاص للدين، دون أن يقيم برهاناً، ثم حَكَم على النصوص الدينيّة ومحتوياتها تبعاً للصورة التي رسمها هو بنفسه من قبل، مفتقداً في ذلك كلّه إلى الدليل. وحجرُ الزاوية الذي أوصله إلى هنا هو أنّه لم يسمح للنصّ أن يحكي عن نفسه.
بقي أن نلاحظ على الدكتور سروش أنّه لم يوضح لنا لماذا جعل العقيدة من ذاتيات الدين فيما الفقه من عرضيّاته؟ وما هي العقيدة أساساً عنده وما هو معيارها؟ ولماذا ظلّ النبيّ من ذاتيات الدين دون الأئمّة من أهل البيت؟ مع أنّ مقاربة سروش للموضوعات تعطي أنّ النبيّ يفترض منطقيّاً أن لا يكون من الذاتيات؛ لأنّه ليس سوى واسطة في إيصال ذاتيِّ الدينِ إلينا، لا أنّه بنفسه ذاتيّ من الذاتيّات، فلماذا لم يعتقد سروش بأنّ تصديق النبيّ ليس سوى وسيلة معرفيّة بشريّة للوصول إلى الدين نفسه في ذاتيّاته وجوهره، لا أنّه هو من ذاتيّاته وجوهره، خاصّة وأنّ النبيّ بكلّ تفاصيل حياته ليس سوى سلسلة من الوقائع التاريخيّة التي يفترض أنّ سروش لم يعتقد بكونها من الذاتيّات؟
هذا كلّه يشي بأنّ نظريّة سروش لا تزال ناقصة وتحتاج للكثير من المكمّلات، كما أنّها تعاني من فقدان المعايير الجليّة المبرهنة، فضلاً عن تورّطها ـ في بعض الزوايا ـ بشيءٍ من التناقض والمفارقة، إلى جانب أنّ الأسلوب البيانيّ للدكتور سروش ـ صاحب النظريّة ـ تقترب أحياناً من المبالغة في تقديم النتائج واستنباطها من المقدّمات، فتعطي نتائج أكبر من حجم المقدّمات التي يفترضها، وهذه مشكلة أعتقد بأنّ غير واحد يُتوقّع أن يلاحظها عليه، فالعديد من مقدّماته صحيحة، وتقدّم لنا نتائج نافعة، لكنّ الخروج بتعميمات منها غير دقيق علميّاً.
من هذا كلّه، يتضح أنّ معيار العرضيّة الذي وضعه سروش للفقه الإسلامي غير مقنع، وليس أمامنا ما يثبت عرضيّة الفقه برمّته أو بغالبه، سوى مسألة دنيويّة الفقه التي ستأتي قريباً بحول الله.

3 ـ تساؤلات حول (أقليّة الفقه)

إنّني ممّن يتفق تماماً مع الكثير مما جاء في اُطروحة سروش حول أقليّة الفقه، مما عرضناه سابقاً عند بيان نظريّته، فنحن نقبل بالتمييز بين القوانين والبرامج، ونقبل بأنّ الدنيا لا تُدار بالفقه وحده، وأنّ الإدارة المجتمعيّة تحتاج لسلسلة متعاضدة من العلوم يقف الفقه والقانون معها، وقد ألمحنا إلى ذلك من قبل، وأنّ توقّع أن يكون الفقه لوحده ـ بما هو فقه ـ حلّال جميع المشاكل غير دقيق.
كما أنّني من المؤمنين تماماً بأنّ الفقه قد تضخّم موقعه في الحياة الدينيّة، بحيث ابتلع سائر جوانب الدين هو وعلم الكلام بمعناهما النمطي، وأنّ تقدّم الفقهاء على سائر علماء الدين مفهومٌ غير مقنع، وكأنّهم الوحيدون الناطقون الرسميّون باسم الدين! حتى أنّك تجد أنّ الفقيه رغم عدم تضلّعه أحياناً في العلوم العقائديّة، إذا أفتى برأيٍ عقديٍّ ما، كان في الحياة الدينيّة مقدّماً على غيره ممّن قضى عمره في الدراسات الفلسفيّة والكلامية والعرفانيّة، وتجد المفسّر مؤتمراً بأوامر الفقيه وفي درجةٍ تالية له. وهذا كلّه غير مفهوم عندي، فكلّ الفرقاء يشاركون في فهم الدين من زواياه المتنوّعة، وليس فهم الفقيه بما هو فقيه للقضايا الفلسفيّة والعرفانية والتفسيرية وغير ذلك مقدَّماً على فهم غيره، ولا علم أصول الفقه هو علم أصول فهم الدين كما يصوّره بعضهم، بل هو علم أصول فهم القانون من النصوص الدينيّة أو فهم النصوص القانونيّة، وينفع شيئاً ما في غير ذلك.. نعم الفقيه في القضايا الحقوقيّة والقانونية مقدَّمٌ على من ليس مختصّاً بها، ولو جمع الرجلُ الفقهَ إلى غيره فهو خير.
هذا كلّه أتفق فيه مع آخرين، لكن لديّ هنا بعض المداخلات على ما طرحه سروش في قضيّة الأقليّة والأكثريّة في الدين، ناظراً هنا فقط إلى زاوية الفقه خاصّة:
أ ـ إذا كانت بعض التيارات في الوسط الإسلامي تبالغ في المراهنة على قدرة الفقه الإسلامي على حلّ جميع المشاكل لوحده، كما صوّر ذلك لنا سروش نفسه، فإنّ تيارات عديدة داخل الاتجاهات الفقهيّة ولها رموزها الكبيرة لا تعتقد بمثل هذا، دون أن تذهب بالفقه نحو الأقليّة التي طرحها سروش، أو فلنقل: كان ينبغي لسروش أن يوضح أنّ التيارات الكبرى في الفقه الإسلامي هي تيارات أقليّة، إذا حصرنا الموقف بين الأقليّ والأكثري.
فمثلاً لا أعتقد بأنّ هناك الكثير ممّن يرفض الفكرة التي تقول بأنّ الفقه بحاجة إلى خبراء العلوم في تسييل القوانين، فإذا قال الفقيه بوجوب حفظ الغابات مثلاً فهو لا يدّعي عادةً بأنّ وسائل حفظ الغابات يُنتجها الفقه، بل هو يقرّ بوجوب الرجوع إلى أهل الخبرة في إدارة عمليّة تطبيق القانون، فالخطط والبرامج ليست عند الكثير من الفقهاء جزءاً من الفقه، بل هي وسائل لتطبيق القانون يُرجع فيها لأهل الخبرة، وبإمكان أيّ ناظر في التراث الفقهي عند المسلمين أن يكتشف مدى حضور موضوعة (أهل الخبرة) في المدوّنات الفقهيّة، بوصفهم المرجع في تشخيص الواقع، والمرجع في آليّات تطبيق القانون وتسييله، فلماذا هذه المبالغة من الدكتور سروش في أخذ بعض الأمثلة لتصوير الفقه الإسلامي على أنّه يدّعي أنّ بإمكانه ـ مستقلاً عن سائر العلوم البشريّة ـ إدارة الحياة لوحده؟!
إنّ فقيهاً كبيراً مثل السيد محمّد باقر الصدر يصرّح بأنّ الشريعة لم تقدّم علم الاقتصاد للإنسانيّة، بل قدّمت مذهباً اقتصاديّاً وإطاراً قانونيّاً لحركة الاقتصاد منطلقةً من مرجعيّة العدالة الاجتماعيّة، وهذه شهادة واضحة في أنّ الفقيه المسلم ـ وهو هنا فقيهٌ شموليّ يؤمن بالإسلام السياسي، ويرفع شعار (الإسلام هو الحلّ) ـ لا يدّعي أنّ فقه الاقتصاد بديلٌ عن علم الاقتصاد، ولا الفقهاء بدائل للاقتصاديّين، بل الفقه هو الجانب القانوني للحياة الاقتصاديّة.
إنّني أعتقد بأنّ الطرف الذي كان ينبغي لسروش هنا أن يوجّه إليه مثل هذا النوع من الانتقادات ليس الفقهاء، بل تياراتٌ اُخَر ربما يكون لها وجود بين بعض الفقهاء، مثل تيار أسلمة العلوم بمعنى وجود جميع العلوم والفنون في النصوص الدينيّة، وهو تيّار آمن به الغزّالي من قبل، ومثل بعض اتجاهات تيار (العلم الديني) المعاصر، والذي طرح أصل فكرته أمثال الشيخ جوادي الآملي، وإلا فالفقه الإسلامي في غالب مدارسه لا يذهب مثل هذه المذاهب، ومن غير الصحيح محاكمة الفقه وفقاً لتوجّهات تيارات محدودة جداً فيه، كما هي العادة السلبيّة التي تُمارس في الجدل القائم بين المذاهب.
إذن، نحن نوافق سروش على أنّ الأحكام ليست خططاً وبرامج كاملة، لكنّنا نختلف معه في قوله بأنّ ما نحتاجه هو الخطط وليس الأحكام. إنّ هذا التبسيط من دور الأحكام لا يقوم على معطى علمي صحيح، بل الصحيح هو أن نعطي الطرفين حقّهما وموقعهما، وأعتقد أنّ الفقه الإسلامي يقبل مقولة سروش هنا في أنّه لا يقدّم خططاً تنموية هنا وهناك، وإنّما يؤمّن لبرامج التنمية الحمايةَ ويحيطها بالإطار القيمي الأخلاقي، ويوفّر لها سياقاً قانونياً ضابطاً يحول دون تحوّلها إلى طبقيّة فاحشة أو إلى استعباد وظلم وتعدٍّ وغير ذلك، ولم نسمع من رموز الفقهاء الكبار عبر التاريخ أنّهم يرون الفقه أساساً في البرامج الصحيّة التي تقوم بها وزارة الصحّة، أو أنّه يقدّم لوزارة الزراعة خططها وبرامجها، بل هم يقرّون دائماً وكلماتهم صريحة واضحة بضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة، فهم يقولون بأنّ الفقه لا يجبر العظم الكسير وإنما تجبره خبرات الإنسان الطبيعيّة، ولا يعطي الإنسان مالاً وإنّما تعطيه ممارسته في السوق وعمله، وإذا كان هناك بعض المفرطين في العقود الأخيرة قد أوحوا بعكس ذلك فيحقّ لسروش الردّ عليهم، لكنّ التراث الفقهي الإسلامي لا يحكي عن توجّهات مفرطة سائدة من هذا النوع.
وإذا لم يكن الفقه برامج وخططاً تنمويّة، فهذا لا يُضعف من شأنه، تماماً كالدستور والقوانين المدنية والجزائية والجنائية والتجارية و.. فهل سيراها سروش بلا فائدة؛ لأنّها لا تضع البرامج والخطط، وإنّما تنظّم العلاقات وتحلّ المنازعات وترفع التزاحم المصلحي القائم بين الناس؟ وهل يمكن قيامة التنمية دون قانون؟ وهل سيكون هناك مجتمع أساساً دون قانون؟ هذا هو ما يقوله الفقهاء عن أهميّة الفقه ودوره لا أكثر.
نعم، كلام سروش يصلح نقداً على الفهم الإطلاقي لأحاديث: ما من شيء إلا وهو موجود في الكتاب والسنّة، كما تقدّم منّا تسجيل هذا النقد؛ فإنّ هذا الفهم الإطلاقي يفترض الشمول لكلّ البرامج والخطط في كلّ زمان ومكان، الأمر الذي يصعب الخروج منه إلا بمعطى أيديولوجي مسبق كما لاحظنا سابقاً وسوف نلاحظ لاحقاً بعون الله تعالى. وهذا ما يعني أنّ سروش كان عليه أن يسجّل نقداً آخر على المفارقة بين واقع الفقه الإسلامي ومجموعة نصوص شموليّة الدين التي بين أيدينا هنا؛ فإنّ واقع الفقه الإسلامي ـ بل والعلوم الدينية كافّة ـ لم يستطع الاستجابة لحجم الدعوى التي أطلقتها هذه النصوص، بناءً على فهمها الإطلاقي العريض، رغم مرور أكثر من ألف عام على هذه الدعوى.
ب ـ لم يكن تفسير مصطلح (الفقه بالحدّ الأدنى/الفقه الأقلّي) دقيقاً في كلام سروش، وذلك أنّ سروش يعتبر أنّ الفقه الأكثري هو الفقه الذي يرجع في كلّ شيء لإدارة الحياة إلى الكتاب والسنّة فقط، والحال أنّ الحياة لا تُدار بالفقه فقط، ويقابله الفقه الأقلّي. وعندما يشرح لنا سروش الفقهَ الأقلّي فهو يفسّره بأنّه الرجوع لمصادر أخرى في إدارة الحياة غير الفقه والقانون، بينما نجده عندما يُسقط نظريّة الأقلّي والأكثري في الدين على الأخلاق والعقيدة وغير ذلك، فهو يفسّرها بأنّ الدين لا يعطي كلّ القضايا الأخلاقيّة بل الحدّ الأدنى منها، ولا يعطي كلّ القضايا العقديّة بل الحدّ الأدنى منها، وهذا يعني أنّ سروش كان عليه عندما أسقط نظريّته على الفقه أن يفسّر الفقه الأقلّي بأنّه الفقه الذي لا يستوعب تمام القوانين، لا الفقه الذي لا يكفي لوحده في إدارة المجتمع؛ لأنّه ليس سوى قوانين.
وإذا فسّر سروش الفقه الأقلّي بما قلناه سيكون معنى الفقه الأقلّي هو عدم شموليّة الشريعة ـ بما هي منظومة قانونيّة ـ لكلّ الوقائع، بمعنى عدم وجود قوانين لكلّ الوقائع، وهذه أقليّةٌ أبعد من أقليّة سروش نفسه.
ج ـ إنّ ثنائيّة: (الأكثري ـ الأقلّي) التي استخدمها الدكتور سروش تعبيرٌ غير دقيق بل موهمٌ؛ وذلك أنّ هذه الكلمة تشي بأنّ الفقه يقدّم أقلّ شيء ممكن من المعطيات، مع أنّ فكرة الأقلّي وفقاً لتعريف سروش تستوعب حالة تغطية الفقه لإدارة كلّ شيء في الحياة عدا نزر يسير جداً؛ لأنّ سروش يصرّح بأنّه لا يوجد حدّ وسط، فإمّا أن تؤمن أنت بالفقه بالحدّ الأعلى، أو أن تكون من القائلين بالفقه بالحدّ الأدنى، وهو يعرّف الحدّ الأعلى بأنّه ما يجعل البشر ـ لأجل سعادتهم الدنيويّة والاُخرويّة ـ غير محتاجين لأيّ مصدر غير الكتاب والسنّة، في كلّ أمورهم المتصلة بالاقتصاد والحكومة والتجارة والقانون والأخلاق ومعرفة الله وغير ذلك، في مقابل الرؤية الأقليّة التي تعتبر أنّ الشرع في الموارد المذكورة لم يقدّم سوى الحدّ الأدنى اللازم وغير الكافي، ومن هنا يستنتج سروش أنّه لا توجد حالة وسطى([24])، وهذا الاستنتاج يبدو لي أنّه أخذه من دوران الأمر بين حالتي الاعتقاد بالكفاية وعدم الاعتقاد بالكفاية.
لكنّ هذه الطريقة في تناول الموضوع غير موفّقة، بل هي ملتبسة، بل هي لا تخدم سروش نفسه؛ لأنّ سروش وضعنا بين خيارين عندما نلاحظ سياق طرحه للموضوع، فإمّا أن نكون أكثريّين بالطريقة التي عرضها هو للأكثريّة، أو أن نكون معه في تصويره الخاصّ للأقليّة التي عرضها بنفسه، مع أنّ الكثير ـ وربما أكثر ـ فقهاء المسلمين وعلماء الدين الإسلامي هم أقليّون وليسوا أكثريّين، كما قلنا في النقطة السابقة، وهذا يعني أنّ ثنائية الأقليّة والأكثرية بتعريف سروش لا توصله إلى ما يريد، فمن يقول بنسبة التسعة والتسعين في المائة من تغطية الكتاب والسنّة لقضايا الحياة فهو أقلّي عنده، مع أنّ مثل هذا الشخص لا يوصل فكرة سروش في أقليّة الدين والشريعة؛ فتعريف الأقليّة عنده لا يوضح النسبة التي يحتلّها الدين من حياة البشر، أرجو التدقيق.
وبهذا يتبيّن أنّ الأقليّة مفهومٌ نسبيّ مشكّك له درجات ومراتب، وكون شخص أقليّاً لا يعني أنّه ذهب إلى تفسير سروش للأقليّة التي تعني الحدّ الأدنى، فإنّ الأقليّة لها مراتب كثيرة بعضها بعيد جداً عن مرتبة الأكثريّة وبعضها قريب جداً منها، وهذا التباس مفهومي ومصطلحي وقع فيه سروش، بل هو بذلك أوهم الآخرين ـ ولو من حيث لا يشعر ـ بأنّهم إمّا أن يفسّروا الأقليّة على طريقته أو أنّهم أكثريّون بالمعنى الذي طرحه هو، مع أنّ بإمكانهم أن لا يكونوا أكثريّين ولا يؤمنوا في الوقت عينه بأقليّته بالتصوير الذي عرضه هو لها.

4 ـ تذبذب الموقف من الفقه في ضوء الاُخرويّة وأغراض الدين

إنّ ما يرتبط بأخرويّة الدين في كلام الدكتور سروش سبق أن علّقنا عليه بالتفصيل عند مناقشة نظريّة أمثال الشيخ علي عبد الرازق والمهندس مهدي بازرگان، فكلّ ما قلناه هناك يمكننا أن نعلّق به على أخرويّة الدين عند سروش هنا نتيجة تطابق وجهات النظر بينهم على هذا المستوى، لكنّني اُريد هنا أن اُضيء على بعض النقاط الجزئيّة.
إنّ ما ذكره سروش من أغراض للدين صحيحٌ؛ لكنّ السؤال يكمن في عدّة نواحٍ:
الناحية الأولى: إنّ العديد من الباحثين هنا خلط بين مفهومين:
مفهوم الأولويّة
مفهوم الذاتيّة والحصر
فعندما أجعل الآخرة هي الأصل في الدين، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ الدنيا غير مُلاحَظَة، بل يعني أنّها تمثل درجةً تالية في البرنامج الإلهي للإنسان في هذه الحياة، ومن ثمّ فالانتقال من قوّة حضور الآخرة في مركز الدائرة الدينيّة إلى إخراج الدنيا من الدائرة كلّها هو انتقال غير موضوعي وغير منطقي ويحتاج لمقاربة استدلاليّة، ومن ثمّ فحصر أهداف الدين بما ذكره سروش ليس بواضح، وعندما يقوم العرفاء بالتركيز على جوانب اُخرويّة في الدين من نوع بعث الطمأنينة وتشييد الأخلاق وتقويتها وبناء الروح وغير ذلك، فهذا لا يعني أنّ العرفاء أو غيرهم لا يعتبرون الفقه جزءاً من المنظومة الدينيّة، وسوف يأتي أنّ الغزاليَّ بنفسه لم يقصد إخراج الفقه أو إقصاءه عندما تحدّث عن دنيويّته، بل قصد وضعَه في مرتبته الخاصّة والحدَّ من تعملقه في مقابل تقزيم الجانب المعنوي من الدين.
بناءً عليه، فغاية ما تعطيه مركزيّة الآخرة في البناء الديني هو تابعيّة الدنيا، وتراجع دور الفقه في بناء المشروع الديني للبشر، وليس انسحاب الفقه من الساحة تماماً، في حين أنّ سروش انطلق من مركزيّة الآخرة ـ وهي مركزيّة ليس لديّ شكّ فيها أبداً ـ نحو سحب البساط تماماً من تحت الفقه، ولهذا نحن نسأل سروش: ما هو الفقه اليوم؟ هل يمكن أن يقدّم لنا صورة عن الفقه تربطه بالدين؟
إنّ سروش يذهب نحو فرديّة الدين، ومن ثمّ فهل يعتبر أنّ الفقه فرديّ أيضاً؟ وإذا كان الفقه فرديّاً فهذا معناه أنّه ينظّم حياة الفرد في علاقته بذاته وبالآخرين ضمن الأسرة، وإلا فما معنى الفرديّة؟ ليس من معنى للفرديّة إذا لم يكن الفقه مرتبطاً بعلاقات الإنسان الشخصيّة مع الآخرين ومع الطبيعة وسائر المحيط الذي يحتكّ به الإنسان، وهذا يعني أنّ الفقه له موقف من كلّ هذه القضايا، ومن الجليّ أنّ الفقه عندما يتدخّل في كلّ هذه القضايا فلن يكون عرضيّاً، ولن يخرج من الدائرة بل سيكون حَكَماً في هذه الدائرة من حياة الفرد بشكلٍ تلقائي، هذا كلّه في الوقت الذي لا نجد للفقه أيّ وجود عند سروش، فكيف جمع سروش بين وجود الفقه وعدمه؟ وهل يمكنه أن يصوّر لنا الفقه الديني في ظلّ منظومته؟
من الممكن أن يفهم سروش الفقه على أنّه مجرّد شكل ظاهري منظّم للعبادات لا أكثر، ومن ثمّ فلا علاقة له بأيّ شيء آخر غير الفقه العبادي، وهو أمر يمكن أن يحلّ بعض المشاكل لكنّه لا يبدو مفهوماً على مستوى المبرّر الموضوعي، فلماذا كانت نصوص الفقه غير العبادي خارج الفقه ونصوص الفقه العبادي داخله؟ وكيف نستطيع التمييز وفقاً لمبرّر منطقي أو هرمنوطيقي أو تاريخي؟
أعتقد بأنّ أمثال الدكتور محمّد أركون كانوا أوضح وأعمق وأصرح من سروش، عندما تحدّثوا عن انتهاء عصر الفقه الإسلامي، في حين لا يبدو مفهوماً موقع الفقه من الدين عند سروش، فهو من جهةٍ عرضيٌّ بما يوحي بخروجه من الدائرة، خاصّة وأنّه لا يبدو له أيّ حضور ضمن سلسلة أغراض الدين التي قدّمها لنا سروش وأشرنا إليها من قبل، ومن جهة أخرى فقهٌ مقاصدي بما يوحي ببقائه ضمن إعادة تكوين له، ومن جهة ثالثة هو حلّال المشاكل القانونيّة وليس واضعاً لبرامج، ومن جهة رابعة هو شأنٌ دنيوي ينظّم دنيا الناس خاضعاً للاختبار وهادفاً حلّ الخصومات والمنازعات، وهذا يعني أنّه يتصل بشؤون غير عباديّة ترتبط بالنظام العلائقي بين الناس، غاية الأمر أنّه خاضع للاختبار.
من الممكن ـ دفاعاً عن الدكتور سروش هنا ـ أنّ نبرّر ذلك بأنّه مسيرة تحوّلات فكريّة عنده جعلته يتخذ مواقف متحوّلة من الفقه وصولاً لموقف نهائي، كما ومن الممكن أن يكون موقف سروش من الفقه ـ وهذا ما لا أستبعده شخصيّاً ـ مطابقاً تماماً لموقف شبستري الأخير من أنّه منظومة قانونيّة انتهى عصرها وانقضت تماماً، غاية الأمر أنّه حاول أن يدخل في مساجلات جدليّة مع الطرف الآخر؛ بهدف تحقيق أكبر مكسب ممكن من التضييق على الفقه وجرّه للانزواء بأعلى مستوى مقدور.. ذلك كلّه ممكن، لكن في نهاية الأمر، نشعر ـ ونحن نتعامل مع نصوص سروش ـ بشيء من عدم وضوح الرؤية لدينا في موقفه النهائي من أصل وجود الفقه وشرعيّته اليوم في ظلّ أغراض الدين وأخرويّته.
الناحية الثانية: لم يوضح لنا سروش ـ وهو يذهب لجعل كلّ شيء اُخرويّاً وعباديّاً([25]) ـ مديات العلاقة بين العبادة والدنيا، كما لو يوضح لنا بدقّة الحدَّ الأدنى من الربط بين الدنيا والآخرة في الدين، عندما قال بأنّ الدين يهتمّ بالدنيا بمقدار الضرورة والحاجة، فما هي الضرورة هنا؟ وما هي حدودها؟ وما هي المعايير في وضع هذه الحدود؟
نحن نوافق سروش في أنّ الدين جاء يحمل معه الغرض الاُخروي والروحي والماورائي، وأنّه جاء ليأخذ حدّاً معيناً من الربط بين الدين والدنيا، ونقرّ أيضاً بأنّ الدين ليس غرضه الرقيّ المادي بالإنسان بقدر ما يريد رقيّه المعنوي، وأعتقد أنّ هذه الفكرة صحيحة فيما طرحه بازرگان وسروش وشبستري وغيرهم، بمعنى أنّ الدين لم يكن غرضه أن يُخرج الإنسان من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي أو العكس، ولم يكن غرضه توجيه الإنسان لكي يعرّفه كيف يحصل على المال الأزيد أو الصحّة والسلامة أو غير ذلك، وإنّما كان غرضه أن ينظّم له أموره في ظلّ أيّ وضع كان، وهذه الفكرة نلتقي فيها مع نظريّة سروش تماماً، ونخالف الكثير من الفريق الآخر، لكن كان يفترض بالدكتور سروش أن يكون أكثر وضوحاً في تحديد «الحدّ الأدنى» من الربط بين الدنيا والآخرة؛ لأنّ هذا المفهوم هلامي ومطّاط، ولا يحكي عمّا تحته من مساحات.
فإذا طالَبَ الدينُ الإنسانَ بالتعاضد والتكافل الاجتماعي ودعم الفقراء والمساكين، فهل يريد منه أن يدفع المال بوصف ذلك عمليّة ذاتية تربوية للنفس فقط كما قال سروش أو أنّه أخذ بعين الاعتبار أيضاً البُعد الموضوعي في هذه العناوين، وهو البعد الذي ينفتح على قضايا تنظيميّة وعلى همّ دنيوي في رفع حالة الفقر في المجتمع وأخذه نحو وضعٍ اقتصاديّ آخر؟
إنّ الكثير جداً ممّا أسماه سروش (عبادات) له بُعده الروحي الذي لا نناقش فيه، لكنّ السؤال: هل لاحظ الإسلام بُعده الدنيوي الموضوعي الناتج عنه تلقائيّاً أو لا؟ وهل كان نظره إلى البعد الفردي والأخروي فحسب؟ فعندما يقول القرآن الكريم: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ فهل نفهم منه أنّه يريد أمراً اُخروياً أو دنيوياً أيضاً؟ وهل هذا المفهوم المتضمّن في هذه الآية الكريمة اُخروي؟ ولماذا لم يتركه بين الأغنياء دولةً ليكون ذلك تجربةً روحيّةً لهم ولغيرهم فيما هو الابتلاء؟
وبعبارة موجزة: إنّ مفهوم (الحدّ الأدنى) غير واضح هنا، كما أنّ البعد الموضوعيّ للسلوك الروحي في ارتداداته العمليّة لم تتمّ تجليته أيضاً، خاصّة وأنّ سروش نفسه يعتبر أنّ الوصول إلى تحديد أنّ الدين للدنيا أو للآخرة أو لهما معاً لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر فهم الدنيا والآخرة وعلاقتهما معاً([26])، ولا أجد ـ في نظري القاصر ـ أنّ سروش شرح لنا هذه العلاقة الأنطولوجيّة بشكل معمّق أو مبرهن.

5 ـ إبطال الاحتكار لا يُنتج إقصاء الفقه، من مخاصمة الفقيه إلى الإطاحة بالفقه!

إنّ النتيجة التي يخرج بها سروش هي أنّ من يحلّ مشاكل الإنسان ومن ينبغي البحث عن حلول لمشاكله وقضاياه فيه هو العقل الجمعي للإنسان لا الفقه وأمثاله، ولكنّ كلّ المقدّمات التي ساقها في طروحاته لا تثبت هذه النتيجة؛ لأنّ غاية ما تقدّمه لنا تلك المعطيات هو أنّ الفقه والدين ليست فيهما حلول لكلّ قضايا الحياة؛ وأنّهما لا يستطيعان وضع خطط وبرامج لإدارة الحياة البشريّة على وجه الأرض، لكنّ هذا لا يعني أنّهما لا يشكّلان رافداً من روافد إدارة الحياة؛ لأنّ الحياة لا تدار أيضاً بالعقل الإنساني وحده إدارةً مضمونة النتائج، فنفي احتكار الفقه لإدارة الحياة لا يُنتج ـ منطقيّاً ـ احتكار العقل لها؛ لأنّ ما ينفي الموجبةَ الكليّة لا يُثبت بالضرورة السالبةَ الكليّة، فقد ارتكب سروش قفزة غير مبرّرة موضوعيّاً.
وكما قال سروش بأنّه لا يمكن إثبات أرجحيّة النظام الإسلامي على غيره من نظم العالم([27])، كذلك يمكننا أن نقول له بأنّه لا يمكن إثبات صواب نظام بشري بعينه على سائر النظم المقترحة من السماء والأرض، فإذا استحال الترجيح هناك استحال هنا، وهذا ما ينتج ـ وفق بناءات الدكتور سروش نفسه ـ أنّ من يدير الحياة يجب التفتيش عنه في مزودج العقل الجمعي الإنساني ومعطيات الوحي السماوي في الديانات كافّة، وإلا فإنّ عجز واحدٍ منهما في الاستبداد بإدارة الحياة لا يعني أنّه فَقَدَ دوره بالكليّة.
إنّ ما أشرنا له أخيراً في كلام سروش، من أنّ إدارة الحياة لا تكون بالفقه، ومدير الحياة ليس هو الفقيه، كلامٌ تعرّض له سروش مراراً وتكراراً في محاضراته وكتاباته، وأعتقد أنّ كتاباته هذه تقع في سياق تاريخي يضعها في وضع مواجهة مع التجربة الدينية الحكوميّة التي عرفها الشيعة في القرن العشرين وإلى اليوم في إيران ـ وطن الدكتور سروش ـ ولن نتعرّض هنا للإسلام السياسي، خاصّة بصيغة ولاية الفقيه؛ وإنّما نريد أن نوضح أنّ وجود مشكلة مع الإسلام السياسي أو مع نظريّة ولاية الفقيه بالخصوص لا يستبطن بالضرورة مشكلةً مع الفقه نفسه، كما سنرى مع مثل الدكتور نصر حامد أبوزيد، الأمر الذي لا يفرض على الدكتور سروش خوض معركة بهذا الحجم، فنظريّة ولاية الفقيه ليست الممثّل الحصريّ والوحيد تاريخياً ـ في الفكر والممارسة ـ للفقه الإسلامي، بل نجد من يراها مخالفةً لقول معظم ومشهور فقهاء الإماميّة([28])، فضلاً عن الفقه السنّي، فإذا رفض شخصٌ ولاية الفقيه ـ أو الصورة السائدة للإسلام السياسي ـ فلا يعني ذلك أنّه مضطرّ لرفض ولاية الفقه نفسه أو ولاية الدين نفسه في الحياة البشريّة.
وبعبارة موجزة: إنّ الإطاحة بفكرةٍ ما لا يتمّ من خلال إثبات مشكلة في أحد تجلّيات هذه الفكرة، وإنّما من خلال إثبات عقم كلّ مظاهر وتجلّيات هذه الفكرة، وكما قلنا سابقاً، يبدو أنّ سروش لم يختر المواجهة على أرض نصيّة في تفسير هذه النظرية أو تلك، وإنّما اختار أرضاً خارج ـ نصيّة، حتى لا يكون النصّ حَكَماً بينه وبين خصومه، فضلاً عن أن يكون مصدراً، وإذا حصر رفضه بنظريّة ولاية الفقيه لصالح أطروحة أخرى فكأنّه ظلّ في وضع داخل ـ فقهي، في حين أنّه يريد الخروج عن السياق كلّه لقراءته من الخارج انسجاماً مع اتجاهه الفكري العام الذي يحبّذ دراسة الموضوعات المعرفيّة من سياق خارجي لا داخلي.

6 ـ مديات توظيف (دنيويّة الفقه) في تعيين الموقف منه

أودّ هنا أن نتوقّف قليلاً عند موقف الإمام الغزالي من الفقه، واستثمارات الدكتور سروش وشبستري وغيرهما لهذا الموقف؛ وبهذا سيكون عملنا ضمن مراحل أربع:
المرحلة الأولى: تحليل فهم كلّ من سروش وشبستري ونصر حامد أبوزيد لنظريّة الغزالي في دنيويّة الفقه، وإجراء مقارنة بين فهومهم الثلاثة.
المرحلة الثانية: تحليل نظريّة الغزالي وفهمنا لها، ومن ثمّ تسجيل ملاحظات نقديّة على فهم الشخصيّات الثلاث المشار إليها لكلام الغزالي.
المرحلة الثالثة: عرض وتحليل نظريّة الفيض الكاشاني المعارِضة لنظريّة الغزالي، وتقديم ملاحظات عليها، وعلى مداخلات الدكتور سروش المتعلّقة بها.
المرحلة الرابعة: التوقّف عند توظيف كلّ من سروش وشبستري لنظريّة الغزالي في دنيويّة الفقه عبر الدعوة لمنطق الاختبار التجريبي.

6 ـ 1 ـ دنيويّة الفقه (الغزّاليّة) بين سروش وشبستري ونصر حامد أبوزيد، قراءة مقارنة

لاحظنا سابقاً كيف أنّ أبا حامد الغزالي كان يعتبر أنّ الفقه علم الدنيا والفقهاء علماء دنيا، وأنّه لولا الخصومات والشهوات ما احتاج البشر إلى الفقه أصلاً، ولاحظنا تفسير سروش لموقف الغزالي بحيث يبدو الفقه وكأنّه خارج المنظومة الدينيّة، عبر تصنيفه بأنّه علم دنيويّ؛ تمهيداً من سروش لتحويل الفقه إلى علم تجربي علماني وضعي كما رأينا وسنرى.
لم يكن سروش الوحيد في تناول وتحليل موقف الغزالي من الفقه، بل شاركه في ذلك محمّد مجتهد شبستري، وسبقهما الدكتور نصرحامد أبوزيد في كتابه (مفهوم النصّ)، الذي أنهاه ـ وفقاً لتاريخ مقدّمة الكتاب ـ في عام 1987م، أي قبل صدور مقالة سروش بعامين تقريباً، وسوف أشير لما طرحه شبستري، ثم أقوم بطرح فهم أبوزيد، حيث توجد اختلافات طفيفة في التقويمات بينهم، ثم ننتقل لتقويم فهمهم جميعاً لتفسير الغزالي لهويّة الفقه وموقعه.
أمّا شبستري، فيتعرّض لنظريّة الغزالي ـ بشكل رئيس ـ في موضعين من كتابه (نقد القراءة الرسميّة للدين):
في الموضع الأوّل، يفهم شبستري من الغزالي أنّ الفقه علمٌ علماني يتابع المسارات الطبيعيّة لولادة القوانين في التجربة البشريّة، ومن ثمّ فلا يعدّ اتّباعه من التديّن، غاية ما يربطه بالدين هو أنّ على الفقه أن يقدّم ما يساعد على تقوية التجربة الدينيّة، فالفقه الصحيح هو ما يساعد على تقوية هذه التجربة، لا ما يساعد على إضعافها، فهذا هو معيار قبوله دينيّاً، لا أنّه علم دينيّ ويكون اتّباعه متصلاً بالتديّن، وهذا هو ما عناه الغزالي من دنيويّة الفقه، وفقاً لتفسير شبستري([29]).
في الموضع الثاني، يظهر شبستري رافضاً تحويل الفقه لعلم دنيوي، مستنداً لرأي الغزالي أيضاً في أنّ علم الفقه هو علم أوامر الله تعالى ونواهيه، ففصله عن البعد الروحي والتجربة الدينيّة يصيّره دنيويّاً، وهذا هو ما رفضه الغزالي والعرفاء من وجهة نظر شبستري([30]).
قد يبدو موقف شبستري غير واضح في فهمه لرأي الغزالي، فتارةً ينتصر لدنيويّة الفقه وأخرى يشتكي منها، وفي الموضعين يستند لكلام الغزالي! وهو ما انتقده عليه بعض الباحثين([31])، لكن ربما يمكن فهم شبستري بشكل منسجم؛ وذلك أنّه لا يريد تحويل علم الفقه إلى علم ديني أسراري غير دنيوي، بل غاية ما يقصده شبستري من الموضعين هو أنّ الفقه علم إدارة الدنيا، لكنّ إنتاج الفقه بعيداً عن مصالح التجربة الدينيّة والروحيّة ليس صحيحاً، فكأنّ شبستري يريد أن يقوّم القانون العلماني الديني المسمّى بالفقه أو بغير الفقه، فيعتبر أنّه، من موقفه الإيماني، يمكن تقويم القوانين الدنيويّة التي ترعى المصالح الدنيويّة ويلزمها أن ترعاها، من خلال كون أيّ من هذه المنظومات القانونيّة العلمانيّة الدنيويّة أقرب لتوفير وتأييد وتقوية التجربة الدينية الإيمانيّة في المجتمع. بهذه الطريقة يأخذ شبستري بدنيويّة الفقه، وفي الوقت عينه يقوم بتقويمه ـ إيمانيّاً ـ من زاوية قدرته على خدمة التجربة الدينيّة والابتعاد عن الشكلانيّة الدنيويّة. والغزالي يحمل كلامه شيئاً من هذا المعنى، ففي الوقت الذي يعتبر الفقه علماً دنيويّاً يشتكي من دنيويّة الفقهاء، والجمع بين الظاهرتين يقضي بأنّ الفقه عند الغزالي دنيويّ، لكن لا ينبغي اللهث خلف الدنيا، بل لابدّ لكلّ دنيويٍّ من أن يخدم الآخرة.
من خلال هذا كلّه، يظهر لنا الفرق بين سروش وشبستري في فهم وتوظيف نظريّة الغزالي، فهما يشتركان في دنيويّة الفقه وعلمانيّته، لكنّ شبستري يبدو أكثر تحفّظاً عندما يولي اهتماماً لتقويم الفقه من زاوية إيمانيّة، ويبدو هنا أكثر اقتراباً من الهمّ الصوفي والعرفاني من سروش الذي يغلب عليه طابع نقد التجربة الفقهيّة من أساسها، فإضافة شبستري مرجعيّة التجربة الدينيّة بوصفها من مقوّمات سلامة القانون العلماني (الفقه الدنيوي)، تبدو متقدّمة ـ إيمانيّاً ـ على محاولة سروش الذي توقّف عند البعد العلماني للفقه ومحاكمته دنيويّاً وفقاً لنظريّة المصلحة، وإن كان سروش يلتقي مع روح فكرة شبستري في مواضع اُخر من بحوثه ومنهجه بشكل عام.
أمّا الدكتور نصر حامد أبوزيد (2010م)، فيُفرد الفصل الأخير من كتابه (مفهوم النصّ) لدراسة ما يراه التحوّل الوظيفي في النصّ، مركّزاً جهوده جميعها على تجربة أبي حامد الغزالي، بوصفه نقطة التحوّل المذكور.
لقد أحدث الإمام الغزالي في كتابه (جواهر القرآن) ـ كما اعتمده أبوزيد ـ تحوّلاً كبيراً في فهم وظائف النصّ وطبيعته، فبعد أن كان عمليّة نزول من عند الله إلى الإنسان تهدف الإفصاح، تحوّلت إلى حركة صعوديّة سعياً إلى الله، وأدّى ذلك ـ بشكلٍ تلقائي ـ إلى انصراف الإنسان لبناء حياته الأخرويّة بوصفها المنقلب الذي سيؤول إليه، معرضاً عن بناء الحياة الدنيويّة وإعادة تشكيل الواقع بهدف صنع الحياة وإشباع الحاجات جميعها([32]).
أدّى التحوّل المذكور إلى أن يُصبح الهدف من النصّ هو قائله، واُعرض عن المخاطَب الذي هو الإنسان نفسه، وتحوّلت الحركة تلقائياً محدثةً انحرافاً كبيراً.
كان ذلك مع الغزالي قبل ابن عربي (638هـ) بقرنٍ من الزمن، هناك اختلطت المدرسة الأشعريّة بالمنحى الصوفي([33])، وتنطلق تصوّرات الغزالي ـ فيما يراه أبوزيد ـ من ثنائي الدنيا والآخرة، وهو ثنائي أحدث الغزالي بينه قطيعة، ومن الدنيا والآخرة جاءت مقولة الظاهر والباطن عند الغزالي لتعيد تصنيف علوم القرآن من جديد.
يضع الغزالي تقسيمه لعلوم القرآن وفق نظام ثنائي الظاهر والباطن، فيقسّمها إلى علوم اللباب وعلوم القشر والصدف.
في علوم القشر والصدف، هناك علم مخارج الحروف، يليه صعوداً علم اللغة، فعلم النحو، فعلم القراءات، فعلم التفسير الظاهر.
أمّا علوم اللباب، فهي الأخرى ذات طبقتين سفلى وعليا:
1 ـ أما السفلى فقصص القرآن عن الأنبياء والكفار، وعلم الكلام، وعلم الفقه.
2 ـ وأمّا العليا فهي معرفة الله، ومعرفة طريق السلوك إليه، ومعرفة الحال عند الوصول (الثواب والعقاب).
وتحتلّ معرفة الله المرتبة العليا، تبدأ من معرفة الأفعال الإلهيّة في عالمي الغيب والشهادة، وتمرّ بمعرفة الصفات، لتصل إلى أرقى معرفة، ألا وهي معرفة الذات.
وعبر هذه الطريقة، أصبحت علوم الفقه والتفسير والكلام علوماً دونيّةً، فيما كانت معرفة الله، أي تلك المعرفة التي يبلغها الصوفي والعارف، هي الأساس الذي لا ترقى إليه معرفة أخرى.
وإذا ما ضممنا ـ كما فعل أبوزيد ـ مبدأ التوحيد بين القرآن والصفات الإلهية لغدا النصّ القرآني بدوره بحراً من الأسرار والعلوم التي لا حصر لها([34])، وعبر ذلك يتمّ إنتاج المنهج الرمزي ومسالك التأويل الباطني، عبر مزدوج أشعري صوفي كما لاحظنا([35]).
وبهذه المنظومة، يغدو من الطبيعي تولّد الثنائي الذي غطّى حركة الفكر الإسلامي عموماً، أي ثنائي العامّة والخاصة الذي راج في الأوساط الصوفيّة، وأخذه العلماء، كما طبّقه الشيعة على أنفسهم وغيرهم (ولو لم يكن تطبيقاً حرفيّاً) على أساس أنهم الخاصّة وأهل السنّة هم العامّة، والنقطة الحسّاسة عند الغزالي في موضوع العامة والخاصة هو اعتباره العامة خدمة للخاصّة، فهم ـ أي الخاصّة ـ متفرّغون لله، لهذا كان لابد من آخرين يكدّون ويكدحون، ليتسنّى للخاصّة سلوك طريق الله، وهو ما يعتبره أبوزيد قلباً للتقسيم الاجتماعي الواقع في المجتمع([36]).
ويذهب الغزالي مذهباً أبعد من ابن عربي، حينما يضع الخلاص في ثنائي العامّة والخاصة، عندما يكون خلاص العامّة بالأخذ بمجمل الاعتقادات الأشعريّة، فيما ينحصر الخاصّة بالمتصوّفة والعرفاء، وفي هذا ما فيه من تصوّر نهاية سوداوية للآخر كالشيعة والخوارج والمعتزلة والفلاسفة، وهو اتجاه بالغ الخطورة يؤسّس له الغزالي هنا([37])، ضامّاً إيّاه إلى ثنائياته الأخرى ليغدو مصطلح الخاصّة والعامة تعبيراً آخر عن المتصوّفة والبله.
ورغم أنّ الفقهاء فيما بعد وفي عصرنا الحاضر، استخدموا هم أيضاً منطق الخاصّة والعامة، إلا أنّ الغزالي لم ينظر إلى علم الفقه ـ كما يقول أبوزيد ـ إلا بوصفه علماً دنيوياً له في الدرجة الثانية تعلّقٌ بالآخرة، وهذا ما أدّى إلى تحوّل وظيفي في الفقه نفسه وتبدّل في مقاصد الشريعة من إقامة مجتمع إلى تحقيق الخلاص الفردي، وهو ما دفع الغزالي لتسجيل نقده على توسّع
هذا العلم([38]).
ورغم نقد أبوزيد للغزالي، بيد أنّه يرى في التحوّل الوظيفي نتاجاً لسيطرة العسكر من السلاجقة والترك والديلم، ثم الدولة العثمانيّة([39])، وهو بذلك يحاول ربط المشكلة بعامل خارجي، فاسحاً المجال لمثل علي حرب لوضعه في مصاف أمثال الدكتور محمّد عابد الجابري (2010م) في تفسيره مشكلة العقل العربي تفسيراً خارجياً جاء من الهرمسية والغنوصيّة والمانوية.. دون أن يبحث عن أسرار المشكلة من الداخل([40]).
ولنقارن كلاً من سروش وشبستري من جهة، وأبوزيد من جهة أخرى، فسنجد فرقاً كبيراً؛ وذلك أنّهم جميعاً متفقون على فهم كلام الغزالي على أنّه رغبة في تقليص وتقزيم موقع الفقه والفقهاء، لكنّهم يختلفون بشكلٍ جذريّ في تقويم الموقف:
ففيما ذهب سروش وشبستري إلى الانتصار للغزالي في موقفه من الفقه، انحيازاً لنزعة روحيّة إيمانية باطنية ظهرت جليّاً في كلمات شبستري، وهي في الأصل موجودة في ثنايا بحوث سروش الأخرى.
وجدنا نصر حامد أبوزيد، ينتقد موقف الغزالي من الفقه، ويرى أنّ الغزالي بنظرته الدونيّة للفقه هذه، أراد تحويل الدين من الدنيا إلى الآخرة، ليؤسّس تديّناً صوفيّاً رمزيّاً تأويليّاً باطنيّاً، وهو ما اعتبره أبوزيد غنّصوية تقتل قدرة الدين على أن ينفع الإنسان في الدنيا، فأبوزيد يريد للدين أن يكون دنيويّاً بمعنى معيّن، فيما سروش وشبستري لا يريدان ذلك، وأبوزيد ينتصر للفقه الدنيويّ؛ لأنّه في الأصل ينزع نزعةً مقاصديّة، ولا يريد الإطاحة بالفقه ولا تحويل حياة المسلم ـ بما هو مسلم ـ إلى حياة دروشة وتصوّف، بل يريد إعادة إنتاج الفقه وفق رؤية مقاصديّة تنفع المسلم في الدنيا وتمنحه الخلاص في الآخرة معاً.
من هنا نجد أنّ توظيف سروش ـ شبستري لكلام الغزالي منتصرين له يبدو هو بعينه محلّ نقدٍ شديد في أوساط العديد من المثقفين الدينيّين العرب، الذين اشتهر بينهم أنّ الغزالي هو حجر الزاوية في تدهور الثقافة الإسلاميّة وانهيار العقل في الدين، وتلاشي اهتمام المسلمين بالدنيا وتراجع حضارتهم بسبب ذلك. إنّهم يعتبرون أنّ الغزالي بنزعته الصوفية الغنوصية التأويليّة قضى على العقل الكلامي والفلسفي من جهة، وسدّد ضربته للشريعة الناهضة بدنيا الناس من جهة ثانية، وحوّل الدين إلى شأن باطني فردي غير قادر على المشاركة في نهضة المسلمين، بما جعله يبدو عاطلاً عن العمل، الأمر الذي هيمن على حياة المسلمين إلى زمان أمثال الشيخ محمّد عبده (1905م) الذي أعاد التفكير في النهضة المعتزليّة العقليّة الدنيويّة بالمعنى الإيجابي للكلمة.
إنّ رؤية سروش ـ شبستري إيجابيّة للغزالي؛ انتصاراً لنزعة صوفيّة إيمانيّة علمانيّة، لكنّ رؤية أبوزيد سلبيّة هنا انتصاراً لنزعة عملانيّة دنيويّة نهضويّة، بيد أنّ غاية المثقف الإيراني ليست هي نفسها التي يصبو إليها الغزالي في قراءة أبوزيد له؛ لأنّ سروش وشبستري يريدان تحويل مهمّات الدنيا إلى العقل أيضاً، غاية الأمر العقل المفارق للنصّ، في توجّهٍ علماني واضح، لا نجد مثله عند أبوزيد، فالشلل الصوفي الذي أصاب الأمّة من وجهة نظر أبوزيد، وضع له سروش وشبستري حلاً، وهو التخلّي عن مرجعيّة الدين في إدارة الدنيا، وبهذا لا يصبح الدين معيقاً لنهضة الدنيا، فالدين الدنيوي الذي أراده أبوزيد استبدله سروش وشبستري بالعقل الدنيوي المخارج للدين، بينما يرى أبوزيد أنّ موقف الدين من العقل والدنيا له أكبر الأثر في نهضة الدنيا بين المسلمين.

6 ـ 2 ـ مطالعة نقديّة لفهم (أبوزيد ـ سروش ـ شبستري) نظريّةَ الغزالي

بعد هذا الاستعراض لمواقف الرموز الثلاثة من نظريّة الغزالي وتفسيرها، لابدّ لنا أن نفسّر نظريّة الغزالي وفقاً لنصوصه، لنعمد بعدها إلى تقويم فهم الثلاثة (أبوزيد ـ سروش ـ شبستري) لها.
ينطلق الغزالي في مقدّمة الإحياء، مبيّناً الهمّ الذي يعيشه، حيث يقول: m.. فأدلّة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء([41])، وقد شغر منهم الزمان ولم يبقَ إلا المترسّمون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستغواهم الطغيان، وأصبح كلّ واحدٍ بعاجل حظّه مشغوفاً، فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، حتى ظلّ علم الدين مندرساً، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً. ولقد خيّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام، عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسّل به الواعظ إلى استدراج العوام؛ إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام، وشبكة للحطام، فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح، مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة، وعلماً وضياءً ونوراً، وهداية ورشداً، فقد أصبح من بين الخلق مطويّاً، وصار نسياً منسياً، ولما كان هذا ثلماً في الدين ملمّاً، وخطبا مدلهماً، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهماً، إحياءً لعلوم الدين، وكشفاً عن مناهج الأئمّة المتقدّمين، وإيضاحاً لمباهي العلوم النافعة عند النبيّين والسلف الصالحين..n([42]).
من الواضح أنّ الغزالي هنا يشعر بخيبة أمل من تراجع وضع العلوم الإيمانيّة، التي يراها مقدَّمة على سائر العلوم.
لكنّ الغزالي بعد صفحات يذكر النصّ الذي نقله سروش ونقلناه من قبل، ثم يقول: mفإن قلت: لم سوّيت بين الفقه والطبّ؛ إذ الطبّ أيضاً يتعلّق بالدنيا وهو صحّة الجسد، وذلك يتعلّق به أيضاً صلاح الدين، وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين؟ فاعلم أنّ التسوية غير لازمة، بل بينهما فرق، وأنّ الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه: أحدها أنّه علمٌ شرعيّ؛ إذ هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطبّ فإنّه ليس من علم الشرع. والثاني أنّه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة لا الصحيح ولا المريض، وأمّا الطبّ فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلّون. والثالث أنّ علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة؛ لأنّه نظر في أعمال الجوارح، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب. وأمّا الصحّة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط، وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطبّ ظهر شرفه، وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم طريق الآخرةn([43]).
فالغزالي هنا يقرّب علم الفقه من علم الآخرة، ولا ينزل به حدّ سائر علوم الدنيا، وهذا ما يفسّر ما طرحه الغزالي في كتاب جواهر القرآن، حيث قسّم العلوم المتصلة بفهم القرآن الكريم إلى علوم القشر وعلوم اللبّ، كما رأينا سابقاً، واعتبر علوم الطبقة السفلى ـ ومنها الفقه والكلام ـ وسطاً بين العلوم القشريّة وعلوم اللبّ العليا([44]).
من الواضح في هذا النصّ أيضاً أنّ الغزالي ليست لديه مشكلة مع الفقه، بل لديه مشكلة مع موقعيّته، فهو يجعله من علوم اللبّ، وينأى به عن العلوم القشريّة، غاية الأمر لا يرتفع به مستوى العلم بالله سبحانه، تماماً كما نأى به ـ في النصّ السابق ـ عن العلوم الدنيويّة المحضة كالطبّ، ليجعله مجاوراً لعلم الآخرة، بل لا يستغني عنه سالك الآخرة.
وفي كتاب المراقبة والمحاسبة من الإحياء، يقول الغزالي: mفإنّ الناس كلّهم قد هجروا هذه العلوم، واشتغلوا بالتوسّط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتّباع الشهوات، وقالوا: هذا هو الفقه، وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة العلوم، وتجرّدوا لفقه الدنيا الذي ما قُصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب، ليتفرّغ لفقه الدين، فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقهn([45]).
هذا النصّ مهمّ؛ إذ يعتبر الغزالي فيه أنّ الفقه علم من علوم الدين، وأنّ ما جعله من هذه العلوم هو أنّه يدفع الشواغل عن القلوب كي تتفرّغ لفقه الدين الحقيقي، وهذا ما يجعل الغزالي يعتبر علم الفقه طريقاً لخلق بيئة حاضنة لولادة الفقه الحقيقي المعنوي عنده، ولا يبيّن هنا أنّ الفقه علمٌ غير مهمّ أو أنّه مستحقَر، بل يبيّن موقعه من علم الآخرة، وأنّه بمثابة طريق خادم له، وليس معارضاً، لكنّ الناس غرقت في الطريق ونسيت الهدف.
في ظلّ هذه النصوص وما سبق، كيف يمكن فهم نظريّة الغزالي؟ وهل يحذف الغزالي علم الفقه ويضعه في مصاف علوم الدنيا أو أنّه يهدف لشيء آخر؟ هل تصوير سروش وشبستري لكلامه على أنّه حذف لعلم الفقه من الدين وتحويله لعلم دنيا يقوم على المعايير الدنيويّة هو تصوير صحيح أو لا؟
يجب هنا أن نفهم الغزالي فهماً شاملاً، فكتاب إحياء علوم الدين الذي استمرّ تأليفه من قبل الغزالي فترة طويلة من الزمن، إلى جانب كتابه (المنقذ من الضلال)، يشرحان لنا وضع الغزالي، فالغزالي كانت شكواه دنيويّة العلماء وغرقهم في مستوى معيّن من المعرفة الدينيّة، لقد كان الغزالي ـ بتعبير الدكتور نصر حامد أبوزيد ـ يشتكي من عصره وزمانه، بل ومن نفسه وماضيه، فقد لاحظ وهو يبدأ رحلته الصوفيّة كيف أنّ مختلف طبقات علماء الدين وغيرهم ذابوا في الدنيا، ووظّفوا كلّ المفاهيم الدينيّة لأجل الدنيا فقط، فصار الفقه والأخلاق والعرفان والتصوّف والكلام والفلسفة كلّها لأجل الدنيا ومصالحها، لهذا نجده يشتكي من علوم الحيل الفقهيّة التي جاء بها الأحناف، وكأنّه يريد أن يقول بأنّها ليست سوى نتيج لمصالح الدنيا التي يتمّ ليُّ عنق النصّ لأجلها.
فلنلاحظ سويّة هذا النصّ لنكتشف شكوى الغزالي حيث يقول: mولو سُئل فقيهٌ عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلاً أو عن التوكّل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقّفَ فيه، مع أنّه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلّدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم تخلُ البلد عمّن يقوم بها ويكفيه مؤونة التعب فيها، فلا يزال يتعب فيها ليلاً ونهاراً، وفي حفظه ودرسه ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به؛ لأنّه علم الدين وفرض الكفاية، ويلبّس على نفسه وعلى غيره في تعلّمه، والفطن يعلم أنّه لو كان غرضه أداء حقّ الأمر في فرض الكفاية لقدّم عليه فرض العين، بل قدّم عليه كثيراً من فروض الكفايات، فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمّة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلّق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحداً يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه لا سيما الخلافيّات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع. فليت شعري كيف يرخّص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة، وإهمال ما لا قائم به؟ هل لهذا سبب إلا أنّ الطبّ ليس يتيسر الوصول به إلى تولّي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلّد القضاء والحكومة والتقدّم به على الأقران والتسلّط به على الأعداء، هيهات هيهات! قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء، فالله تعالى المستعان، وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ، ويضحك الشيطانn([46]).
إنّ أيّ مُراجع لمصنّفات الغزالي ـ خاصّة الكتابين المشار إليهما ـ يشعر بوضوح أنّ الرجل ليست له مواقف من هذه العلوم، ولا يريد حذفها أو اعتبارها غير ذات قيمة، ولا يريد إقصاءها من سلسلة العلوم الدينيّة أو اعتبارها خارج إطار الدين أو علمنتها، بل كلّ ما يريده الغزالي هو مَوْضَعة هذه العلوم والمعارف ووقف تغوّلها، وإعادة استذكار العلوم الروحيّة والسلوك الروحي إلى الله في عصرٍ طغت عليه المادّة والماديات، وتحوّل الدين فيه إلى مجرّد الفقه وتنظيم الأبدان والشكليّات، للوصول إلى مصالح الدنيا، وإغراق المعرفة الدينيّة بتفاصيل ترفيّة قليلة الحاجة وترك ما يحتاج إليه من تطهير القلوب، وهو عصر فقدت فيه العبادة معناها لتتحوّل إلى مجرّد أعمال ظاهريّة، فيما تحوّل الفقه إلى علم مصالح بشريّة يمكن التلاعب به لذلك، كما تحوّل علم الكلام إلى سلسلة من المجادلات والصراعات العقيمة المقسية للقلوب في نظر الغزالي الذي ما ترك في الإحياء فرصةً إلا وشنّ فيها أعنف الهجمات على المتكلّمين.
إنّ مشكلة الغزالي هي في وعي الأولويّات وترتيب العلوم الدينيّة، وإحياء ما اندثر منها بين المسلمين وموضعتها بشكل مختلف، أو إعادة تكوين بعض العلوم من هويّة عقليّة إلى هويّة نقليّة، لا في حذف علم أو غيره من منظومة المعرفة الدينيّة، وإلا فالغزالي نفسه كان يبحث في علم الكلام في الإحياء نفسه، غاية ما في الأمر أنّه اعتبر أنّ النصّ يكفينا جدليّات علم الكلام وسجاليّاته المقسية للقلوب، كما بحث في الفقه في مواضع متعدّدة خاصّة في ربع العادات، لكنّنا كنّا نجد الغزالي حريصا دوماً على أن يخلع على هذه البحوث مَسحة روحيّة، ويبتعد بها عن أن تغرق في البعد الظاهري والشكلي نحو التسامي بها في الآفاق الروحيّة الرحبة، ولهذا أنت تجد الغزالي عندما يتحدّث عن أيّ علم فهو يرصد تأثيراته الأخلاقية والروحيّة والاجتماعيّة، إلى جانب تحديد مديات الحاجة إليه.
بل ثمّة نصّ للغزالي واضح جداً فيما نحن فيه، حيث يقول الغزالي في بحثه حول آداب المعلّم والمتعلّم: mالوظيفة التاسعة: أن يكون قصد المتعلّم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضيلة، وفي المآل القرب من الله سبحانه والترقّي إلى جوار الملإ الأعلى من الملائكة والمقرّبين، ولا يقصد به الرئاسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران، وإذا كان هذا مقصده طلب لا محالة الأقرب إلى مقصوده، وهو علم الآخرة. ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم، أعني علم الفتاوى وعلم النحو واللغة المتعلّقين بالكتاب والسنّة، وغير ذلك مما أوردناه في المقدّمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي فرض كفاية. ولا تفهمن من غلوّنا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم، فالمتكفّلون بالعلوم كالمتكفّلين بالثغور والمرابطين بها والغزاة المجاهدين في سبيل الله، فمنهم المقاتل، ومنهم الرّدء، ومنهم الذي يسقيهم الماء، ومنهم الذي يحفظ دوابهم ويتعهّدهم. ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم، فكذلك العلماء، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله﴾. والفضيلة نسبيّة، واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدّل على حقارتهم إذا قيسوا بالكنّاسين. فلا تظنّن أنّ ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر، بل الرتبة العليا للأنبياء، ثم الأولياء، ثم العلماء الراسخين في العلم، ثم للصالحين على تفاوت درجاتهمn([47]).
ألا يبدو واضحاً هنا أنّ الغزالي ليس بصدد حذف علمٍ من العلوم من دائرة الدين، بل بصدد ترتيبها؟
هذا كلّه بعيداً عن أنّ الغزالي ظلّ قبل وبعد الإحياء والمنقذ من الضلال من المصنّفين في علوم الشريعة، فهذا كتابه المستصفى دوّنه بعدهما، وفي مقدّمته قال بنفسه: mالعلوم ثلاثة:
1 ـ عقليّ محض، لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه، كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وإنّ بعض الظن إثم، وبين علوم صادقة لا منفعة لها، ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع، وليست المنفعة في الشهوات الحاضرة، والنعم الفاخرة، فإنّها فانية داثرة، بل النفع ثواب دار الآخرة([48]).
2 ـ ونقلي محض، كالأحاديث والتفاسير، والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في الاستقلال بها الصغير والكبير؛ لأنّ قوّة الحفظ كافية في النقل، وليس فيها مجالٌ للعقل.
3 ـ وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي الشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنّه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرّف بمحض العقول، بحيث لا يتلقّاه الشرع بالقبول، ولا هو مبنيّ على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف علم الفقه وسببه، وفّر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكاناً، وأجلّهم شأناً، وأكثرهم أتباعاً وأعواناً، فتقاضاني في عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا، وثواب الآخرة والأولى، أن أصرف إليه من مهلة العمر صدراً، وأن أخصّ به من متنفّس الحياة قدراً، فصنّفت كتباً كثيرة في فروع الفقه وأصوله، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة، ومعرفة أسرار الدين الباطنة، فصنّفت فيه كتباً بسيطة، ككتاب إحياء علوم الدين، ووجيزة، ككتاب جواهر القرآن، ووسيطة ككتاب كيمياء السعادة، ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة، فاقترح عليّ طائفة من محصّلي علم الفقه تصنيفاً في أصول الفقه، أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق..n([49]).
انطلاقاً ممّا تقدّم، يمكننا التعليق على فهم الرموز الثلاثة (أبوزيد ـ سروش ـ شبستري) لنظريّة الغزالي:
أ ـ فنصر حامد أبوزيد يأخذ على الغزالي ـ في تقسيمه العلوم ـ استخفافه بمثل الفقه، بتحويله mمقاصد الشريعة تحويلاً تاماً من إقامة المجتمع إلى الخلاص الفرديn([50])، فيما الغاية هي الصلاح الأخروي، وعندما يتعرّض لنقد الغزالي للإكثار والتوسّع في علم الفقه نقداً لا يستثني الغزالي منه نفسه، يلاحظ عليه أنّ هذا الموقف منبثق من تصوّر الغزالي لغاية العلم، وحصرها في المجال الفردي لتحقيق الخلاص([51]).
إلا أنّ نصوص الغزالي ـ كما رأينا وسنرى ـ لا تؤكّد فكرة نصر حامد أبوزيد:
أمّا على صعيد استهتار الغزالي بالفقه وأمثاله من العلوم، فنلاحظ أنّ أبوزيد ينطلق هنا من أسس أنسيّة في تحليل العلوم، وكما انطلق الغزالي من أساس روحي أخروي مرتباً العلوم وفقه، فعل أبوزيد الفعل نفسه من منطلق أنسي دنيوي (لا بالمعنى السلبي للكلمة)، وكما لا يرضى أبوزيد بأن توصف محاولته استخفافاً بالأمور الروحية أو العقائدية أو.. كذلك لا يعني تقسيم الغزالي أنّه استخفّ بالفقه.
إنّ علم الفقه علم قانوني ينظّم حياة الإنسان، وفي سياق المفهوم القرآني لدور الفقه ثمّة ترابط بين الدنيا والآخرة، إنّ فصل الدور العام للعلوم الدينية عن هدف الخلق وعن النظام الأنطولوجي الإسلامي محاولة لتشطير العلوم الإسلامية وفق أساس من الخارج لا من الداخل، إنّ الدنيا في المفهوم الإسلامي مزرعة، ولا ندري ماذا نفعل مع أكثر من ألف آية تتحدّث عن الآخرة، وفي العديد من الآيات الذامّة للدنيا؟ هل نستنطق هذه النصوص ـ ولا نظنّ ـ بصورة توحي بأصالة الدنيا واعتباريّة الآخرة حسب التعبير الفلسفي؟ إنّ أصالة الآخرة مبدأ يفترض بأبوزيد مثلاً لكي ينكره تقديم دراسة شاملة تعطينا انطباعاً عن تصوّره مدعّماً بأدلّته، وهذا ما لم يفعله، وإنّما عمد لواقع تاريخي سلبي لعبت الصوفيّة دوراً فيه، ليحمّل تقسيم الغزالي تبعاته.
لم يحاكم أبوزيد، وهو يمارس في كتابه (مفهوم النص) عمليّةَ درس قرآني، تجربة الإمام الغزالي من منطلق قرآني، وإنما من تصوّر مسبق حملته إليه الصراعات الأصوليّة ـ العلمانية، كما تسمّى هذه الثنائية في العالم العربي، وفي مصر بالتحديد.
كان أبوزيد يحمل همّ إعادة بناء مجتمعنا الممزّق، وكانت همومه هي هموم المواطن المسلم والعربي، إنّها الديمقراطية والحرية والتعددية والاختلاف و.. وهذا حقّه الذي لا يسلب منه، كما ومن حقّ أبوزيد مقارعة التخلّف الاجتماعي والديني، وهو تخلّف سببه الجمود على الموروث مع خلع لباس التاريخيّة عنه، فمن حق قارئ أبوزيد أن يسأله عن تفسيره للنص القرآني في رأيه عن ثنائي الدنيا والآخرة، لاسيما بوصفه باحثاً قرآنياً، وهذا ما يصحّح مطالبته بذلك باعتبار تجربته محاولة من الداخل لا نقداً من الخارج، كما أراده منه علي حرب، ومن ثمّ فأيّ مبرّر لهذا التجاهل ما دام النص شديد الحرص على مفهوم الآخرة، كما يلاحظ بوضوح؟!
إنّ الدراسة السيكولوجية والسسيولوجية للخطاب الديني، ليست مبرراً ـ لمن يحاول الانطلاق من الداخل ـ لتقديم تقويم نهائي، بل لا يحقّ له تقديم هذا التقويم ما دام النص ما يزال محافظاً على مركز من مراكز الصدارة.
وما دامت الآخرة هي الأساس، فمن الطبيعي أن يتعاطى الغزالي مع الدنيا وحركة تنظيمها تعاطياً آليّاً أداتياً استطراقياً، وهذا ما يجعل علم الفقه علماً دنيوياً بهذا المعنى، إنّه علم يريد تنظيم الدنيا لكي تنتظم أمور الآخرة، لا لكي تنتظم أمور الدنيا فحسب، لكنّه في الوقت نفسه يرى أنّ انتظام أمور الآخرة لا يتمّ إلا بنظم أمور الدنيا.
إنّ نقد الغزالي كان لابد أن ينطلق من داخل المناخ الإسلامي، عبر إثارة تساؤل يستفهم عن مدى إمكانيّة الجمع بين تقسيم الغزالي وعدم التورّط في الإفراط الصوفي؟
وإذا تبرهن أنّ هذا الأمر غير ميسور، صحّ القول بأنّ دعوة الغزالي من الزاوية العمليّة هي دعوةٌ لتفكيك المجتمع والعودة إلى العزلة الصوفيّة المتمثلة في الخلاص الفردي، أمّا إذا استطعنا الجمع المذكور فلن تكون أمامنا من مشكلة في القيام بعملية دمج تربط الدنيا بالآخرة مع حفظ أصالة الآخرة.
هل قول الغزالي بأنّ الفقه والتفسير من علوم القشر أو اللباب بالطبقة السفلى معناه أنه أبطل مفعول هذه العلوم أو دعا إلى وضعها جانباً، أو طالب بهجران الدنيا، رغم تصريحه بأنّ الحاجة تعمّ لهذا العلم (الفقه) لتعلّقه بعلاج الدنيا أوّلاً ثم بعلاج الآخرة؟
إنّ عملية تقسيم العلوم لا تعني الاستهانة ببعضها، وإنّما وضع مفاضلة، وإذا دعا الغزالي لتجاوز الشريعة بحثاً عن الحقيقة على أسس الطريقة فمن حقّنا مطالبته، لكنّ وضعه معرفة الله بذاته في أعلى الهرم مع افتراضه أنّ كلّ العلوم الأخرى تقع في سلسلة لا مفرّ منها أمرٌ لا ضير فيه، بعيداً عن النقاش الأوّلي مع الصوفية والعرفاء حول تصوّراتهم لمعرفة الله ولقائه.
وإذا رجعنا إلى كلمات الغزالي نفسه في التبرير الذي وضعه لذاته بجعله الفقه من علوم الدنيا، لرأينا أنّه لا يقصد بذلك الاستهانة أو التوهين بهذا العلم وأمثاله، يقول ـ وهو في صدد تحديد المقصود من العلم الذي جعل في الحديث فريضة على كلّ مسلم ـ: mوليس المراد بهذا العلم (المذكور في الرواية) إلا علم المعاملة (لا علم المكاشفة) والمعاملة التي كلّف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة: اعتقاد، وفعل، وترك..n([52]). وبعد تعرّضه للعلوم الواجبة على نحو الكفاية كالطب والحساب والفقه و.. قال: mولعمري إنّه (أي الفقه) متعلّق أيضاً بالدين، ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتمّ الدين إلا بالدنيا..n([53])، وهذا واضح في أنّه يريد أن يأخذ بالفقه، غايته أنّه يراه طريقاً لا غاية.
وليس هذا هو موقف الغزالي وحده، بل لقد صرّح العديد من العرفاء، أنّ منهجهم قائم على رعاية الشريعة وعدم الاستخفاف بها، فقد صرّح ابن عربي بتابعيّة الولي للنبي في الأمور الراجعة إلى ظواهر الأعمال، رغم اعتقاده بأرفعية مقام الولاية عن مقام النبوة، بل لقد صرّح نفسه في فتوحاته بأنّ mكلّ من قال من أهل الكشف أنّه مأمور بأمرٍ إلهي في حركاته وسكناته مخالف لأمر شرعي محمدي تكليفي فقد التبس عليه الأمر..n([54])، وهذا نص واضح، يؤكّد أنّ جماعة العرفاء لم يدافعوا عن تجاوز الشريعة، بل اعتبروا المداومة عليها شرطاً لازماً لسلامة مسيرتهم الروحية ورحلتهم الباطنية، وإذا كان لنا من ملاحظة عليهم فهو ـ كما قال أبوزيد ـ في قصرهم الشريعة بالأمور الفرديّة دون ملاحظة البعد الاجتماعي، وهو أمرٌ لم يكن مقصوراً عليهم، وإنما كان بلاءً أصاب كلّ الفرقاء والاتجاهات، بمن فيهم الفقهاء أنفسهم، ومن ثم تعدّدت أسبابه وتنوّعت دوافعه بما لا يسمح بتوحيد السبب وحصره بجهة أو بشخص، أي لا معنى لحصره بجماعة العرفاء ولا بالغزالي لوحده، فالشيعة الإماميّة مثلاً كانت لهم ظروفهم التي فرضت تنحّيهم عن الحياة السياسية العامة مما ترك ذلك أثراً في حالة الفردية والانكماش التي غطّت فقههم كلّه تقريباً في بعض الحقبات الزمنية، هذا فضلاً عن أنّ ذلك لا يبطل التقسيم الذي وضعه الغزالي كما أشرنا، والذي نحن بصدد الحديث حوله لا حول كلّ المنظومة الفكرية للغزالي أو الدفاع عنها.
علاوةً على ذلك، نعرف جميعاً بأنّ الكثير من العلماء سعوا في مؤلّفاتهم للقول بأنّ العلم الذي اختصّوا فيه هو أشرف العلوم أو من أشرفها بحسب تعابيرهم، فبعض المتكلّمين جعل علم الكلام أشرف العلوم([55])، فيما جعل بعض الفلاسفة الفلسفةَ([56])، أمّا بعض الفقهاء فأصرّوا على أنّ الفقه هو أشرفها([57])، وهكذا جعل الأصوليون علم الأصول([58])، وجعل المفسّرون التفسيرَ كذلك([59])، لقد كانت هذه نزعة شاملة بقيت حتى حقبات متأخرة، وإذا كان الغزالي قد قسّم العلوم جاعلاً معرفة الذات الإلهية أرقاها، فهو قد مارس تطبيقاً لظاهرة عامة، ولم يبتكر شيئاً من العدم.
وحصيلة الكلام، إنّ مجرّد تقسيم الغزالي العلوم تقسيماً كالذي أسلفناه لا ينبئ عن مشكلة، نعم في فكر الغزالي مشاكل أخرى تصبّ في المآزق التي يبحث عنها أبوزيد، ويشترك الغزالي في بعضها مع التيار الصوفي عموماً وهي خارج إطار بحثنا الساعة.
إلى جانب هذا كلّه، فإنّ نقد الغزالي لبعض العلوم كالكلام والفقه، يجب فهمه في سياقه التاريخي، ولا يصحّ تفسيره بعيداً عن هذا السياق، لقد أقرّ أبوزيد بملاحظته إحياء علوم الدين والمنقذ من الضلال و.. بأنّ الغزالي كان ردّة فعل على الواقع القائم، لقد بلغت المجادلات الكلامية مبلغاً مفرطاً قسّم المسلمين وأغرقهم في جدل لا نتيجة من ورائه، كما بلغ تطوّر الفقه حداً دفع الفقهاء إلى ملاحقة مسائل هامشية أضاعوا بها أعمارهم من قبيل هل يجوز الزواج من الخامسة إذا كانت جنّية؟ أو هل يحسب الجن من أفراد نصاب صلاة الجمعة؟ الأمر الذي أثار سخريّة المستشرقين فيما بعد([60])، أمّا علماء اللغة والتجويد و.. فقد أفرطوا في ملاحقة تحليلات وتشدّدات لا محصل من ورائها ولا فائدة عملية ترتجى منها، شبه صفة التورّم التي نعت العلامة محمد مهدي شمس الدين علم أصول الفقه بها، وفي خضم هذا كلّه، شاهدَ الغزاليُ الفساد الطبقي والأخلاقي في العلماء وغيرهم، كما يبدو ذلك كلّه جلياً من كتابه إحياء علوم الدين، فليلاحظ نقده على الجدل والمناظرة وعلى الكلام وغيره، ولتُلاحظ نصوصه التي نقلناها آنفاً.
ولا نريد تنزيه الغزالي فلا شأن لنا به، وإنّما نريد تفسير موقف من هذا النوع. إنّ القيام بثورة روحيّة في مجتمع نضبت فيه القيم وجفّت فيه فائدة العلوم ليس أمراً سلبياً، ولا يمكن أن نفهمه على مقاييس زماننا، وإذا كانت النتيجة التي خرج بها الغزالي قابلة للنقد ـ وهي كذلك بالتأكيد ـ فإنّ هذا لا يفسّر خطوته بوصفها خطوة سلبية وارتدادية ارتجاعيّة، ولو أنّ العلماء الذين أتوا بعد الغزالي وظّفوا مفاهيمه في سياقٍ مناسب وعصرهم لربما اختلف الأمر، إنّ هذا هو ما تقتضيه القراءة التاريخية للفكر والتي تضعه في سياقه التاريخي الخاص.
وخلاصة القول: إنّ محاكمة النتيجة شيء، وتفسير موقف الغزالي شيء آخر، إنّ ما يجب ملاحظته في موقف الغزالي هو قياسه على المناخ المعاصر الذي كان بحاجة في ظل تفكّك الدولة إلى زخم روحي هائل يعيد إنتاج القيم، وهذا ما أراده الغزالي نفسه في ذاته ومجتمعه.
لكن كأنّ أبوزيد افترض أنّ العمق الاستراتيجي للخطاب الديني المعاصر الذي يستهدف هو نقده ينتهي بأبي حامد الغزالي لهذا سلّط الضوء عليه، فيما الأمر ليس كذلك، بمعنى أنّ الاتجاه الصوفي والعرفاني مثّل طيفاً واسعاً اشتمل تيارات عدة بين متطرّفة ومعتدلة، ومن الخطأ محاكمة كلّ تيارات التصوّف على أساس مدرسة الغزالي كما يقول الدكتور حسن حنفي([61])، فقد تطوّر التصوّف ـ كغيره من الاتجاهات الفكرية ـ تطوّراً ملحوظاً، بل لقد فقد تسميته هذه في الفكر الشيعي الإمامي لتحلّ محلّها كلمة (العرفان)، لتبدو كلمة ـ التصوّف ـ في هذا الفكر ذات مدلول سلبي، وقد بلغ العرفان الإمامي ـ على سبيل المثال ـ مبلغاً كبيراً، وتطوّر تطوّراً مذهلاً، وحلّ أكثر من إشكاليّة يتألّم منها أبوزيد. إنّ العرفان الإمامي في القرن العشرين خرّج السيد محمد حسين الطباطبائي والسيّد الخميني والشيخ مرتضى مطهري، كما خرّج العرفان والنزعات الروحيّة أمثال السيد جمال الدين الأفغاني (1897م) ومحمّد إقبال اللاهوري (1938م)، وعبد القادر الجزائري (1883م)، ومحمد أحمد المهدي السوداني (1885م)، ممن شكّلوا بمجموعهم معالم الجمع بين دنيوية الدين وأخرويّته. إنّ تجاهل هذا التطوّر المذهل في العرفان الإسلامي هو الذي برّر لأبوزيد تسجيل ملاحظاته على تيار التصوّف، إنّ قدرة الدمج الموجودة عند أمثال العلامة الطباطبائي بين الاتجاه العرفاني الخالص وحركيّة الحياة والانغماس في الوقت نفسه في عملية نقد تحريري للفكر الديني كان يمكنها أن تشكّل مفتاحاً لمثل أبوزيد لتسجيل ملاحظته على الخطاب الديني المعاصر([62])، دون أن يبخس تياراً كبيراً في الإسلام حقّه باختزاله في اتجاه واحد، بل وشخص واحد، وإذا كانت تياراتٌ ما تستقي معالم طريقها من أمثال الغزالي، فإنّ من يسمّيهم أبوزيد أصحاب الخطاب الرجعي ليسوا جميعاً على هذا الطريق، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.
هذا كلّه على خطّ فهم وموقف الدكتور نصر حامد أبوزيد لنظريّة الغزالي، وقد تبيّن لنا أنّ روح فكرة الغزالي في تقسيم العلوم وموقعيّة الفقه ـ بعيداً عن بعض عباراته القاسية ـ يمكن الموافقة عليها، دون التورّط في الانحصار بها من جهة أو في القبول بحرفيّتها، كما سوف يأتي توضيحه، فقد حمّلها أبوزيد أكثر ممّا تتحمّل.
نعم، نحن مع نصر حامد أبوزيد وغيره في نقد مسيرة الغزالي في مناهجيّة التأويل الصوفي وفي موقفه السلبي من العلوم العقليّة والطبيعيّات.
ب ـ أمّا ما طرحه الدكتور سروش والشيخ شبستري، فقد صار واضحاً أنّه لم يكن دقيقاً، حيث رأينا كيف أنّ الغزالي لم يساوِ علوم الدنيا كلّها مع الفقه، وأنّ سروش بالخصوص قد انتقى العبارات بطريقة توحي وكأنّ الغزالي يعتبر علم الفقه لا صلة له بالآخرة إطلاقاً، مع أنّ هذا الكلام غير دقيق، ولا حاجة هنا للإطالة والتكرار، بل لعلّ المُراجع للنصوص التي سبق أن نقلناها يميل أكثر إلى الاقتناع بأنّ الغزالي كان يسعى لربط الفقه بالآخرة، انطلاقاً من ارتباط الدنيا بالآخرة.
واللافت للنظر أنّ سروش نفسه يصرّح قبل طرحه فكرة دنيويّة الفقه بسنوات، وفي موضعٍ آخر، بأنّ الغزالي لم يكن ينكر الفقه، كما لم يكن جاهلاً بالفلسفة، لكنّه ينكر هذا التقدّم غير المبرّر لهما([63]).
والنتيجة التي نخرج بها هي أنّ الغزالي لم يكن يريد أن يكون بولس الإسلام، فلم يستهدف حذف الشريعة وإحلال الإيمان والمعنويّة مكانها، ولم يؤسّس عهداً جديداً إيمانيّاً مكان العهد القديم الفقهي، بل أراد أن يموضع الفقه، ويخلع على الحياة بُعداً معنويّاً صوفيّاً.. إنّ كتابات الغزالي تؤكّد أنّه يريد تحويل الجهود من مجرّد تصحيح السلوك الظاهري إلى جعل سلامة السلوك الظاهري مجرّد ارتداد طبيعي لسلوكٍ باطني سليم، فإصلاح الروح ينتج عنه صلاح السلوك الظاهري، والقوّة نحتاجها ضدّ أولئك الذين يصدر عنهم السلوك السيء نتيجة عدم صلاح قلوبهم.
إلا أنّ الغزالي ـ مع ذلك ـ أخطأ عندما تعامل أحياناً مع فكرة علم الآخرة على أنّه من شؤون الخواصّ، فإنّ هذه الفكرة توحي بأنّ المشروع الأخروي في الدين هو مشروع فردي وتنتمي إليه فئة خاصّة مصطفاة، وكأنّه بذاته غير متوفّر لجمهور الناس، وهذه ثقافة صوفيّة غير صحيحة، بينما لو جعل الغزالي السلوك الأخروي شأناً تربويّاً دينيّاً عامّاً تماماً كما هو الفقه في تعامله مع المنازعات والظاهريّات، لتحوّل الدين إلى ظاهرة تربويّة اجتماعيّة عامّة تستهدف إصلاح القلوب وتربية السلوك الباطني الذي تنبعث منه السلوكيّات الظاهريّة الصالحة، وسيصبح الدين علاجاً نفسيّاً وروحيّاً يؤدي الى تكوّن الشخصية السويّة التي تنبعث منها تصرّفات لائقة.. أعتقد هذا الأمر هو الذي ورّط المتصوّفة ـ وربما أيضاً لأسباب تاريخيّة ـ في خطاب نخبوي، خاصّة عندما قدّموا رحلتهم بوصفها أمراً بالغ الصعوبة لا يصله إلا القلّة من الناس، بما أوحى وكأنّ الرحلة الروحيّة هي رحلة موجّهٌ خطابها سلفاً لفئة قليلة من البشر، وهذا هو مقتل بعض أشكال الخطاب الصوفي في تقديري إلى يومنا هذا على أكثر من صعيد، ولهذا نحن نقول بأنّ الفقه الحالي عليه أن يستوعب فقه الآخرة أو العكس، بحيث يصبح الفقهان فقهاً واحداً هو الفقه الأكبر ضمن رؤية مقاصدية روحيّة متعالية، وتشظّيهما وتصويرهما اثنين هو الذي سبّب وما يزال الكثير من المشاكل، حتى أنّ الغزالي نفسه لم يسعَ لدمجهما، بل وافق على فصلهما.

6 ـ 3 ـ الفيض الكاشاني ونقده الغزالي بالهوية الاُخرويّة للفقه، وقفة وتأمّل

رغم أنّ الفيض الكاشاني (1091هـ) يوافق الغزالي والكثير من الاتجاهات الروحيّة في الإسلام في موقفهم من حالات الإفراط أو الدنيويّة التي وقع فيها الفقهاء والمتكلّمون وغيرهم، بيد أنّه يتحفّظ على موقف الغزالي من علم الفقه وفهمه له.
إنّ الفيض الكاشاني يعتبر الفقهَ علمَ المقرّبات والمبعّدات، فيربطه تلقائيّاً بالآخرة، وكانّه يفصله بدرجةٍ ما عن الدنيا، فالواجبات التي يرشدنا إليها الفقه هي المقرّبات التي تقرّب العبد من الله سبحانه، بينما المحرّمات التي ينهانا عنها هي المبعِّدات التي تبعده عنه تعالى، فالشرعيّات تكمن هويّتها في التقريب من الله والتبعيد عنه، لا في بناء الدنيا ومصالحها والغرق في ترتيب أمورها كما صوّر لنا الغزالي القضيّة، وبهذا يصبح علم الفقه من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا خلافاً لما فعله الغزالي.
يقول الفيض الكاشاني: «ما ذكره أبو حامد من أوّل الفصل إلى آخره ليس على ما ينبغي، وليس معنى علم الفقه ما زعمه، بل هو علمٌ شريف إلهيّ نبويّ مستفاد من الوحي ليُساق به العباد إلى الله عزّ وجلّ وبه يترقّى العبد إلى كلّ مقام سنيّ، فإنّ تحصيل الأخلاق المحمودة لا يتيسّر إلا بأعمال الجوارح على وفق الشريعة الغرّاء من غير بدعة، وتحصيل علوم المكاشفة لا يتيسّر إلا بتهذيب الأخلاق وتنوير القلب بنور الشرع وضوء العقل، وذلك لا يتيسّر إلا بالعلم بما يقرّب إلى الله عزّ وجلّ من الطاعات المأخوذة من الوحي ليتأتى بها العبد على وجهها، والعلم بما يبعّد عن الله عزّ وجلّ من المعاصي ليجتنب عنها، والمتكفّل بهذين العلمين إنّما هو علم الفقه، فهو أقدم العلوم وأهمّها، وقد ورد عن أهل البيت عليهم السّلام أنّه ثلث القرآن، فكيف لا يكون من علم الآخرة ما هذا شأنه، فكأنّ أبا حامد لم يفرّق بين الخلافة النبويّة الحقّة التي يُعتبر فيها رعاية قلوب الرعيّة من الإمام الداعي وإصلاحها، وبين السلطنة المتغلّبة الجائرة التي لا يعتبر فيها ذلك، فصار ذلك منشأ خطائه، وبالجملة يجب على كلّ مكلَّف أن يحصّل من علم الفقه ما يحتاج إليه بنفسه بفرض العين وما يحتاج إليه غيره بفرض الكفاية سواء فيه العبادات والمعاملات من غير فرق، وأمّا فقهاء العامّة فليس يصلح فقههم أن يعدّ من العلم، حتّى يقال: إنّه من علوم الدنيا أو الآخرة؛ لأنّه مخلوط ببدع وجهالات وأهواء مخترعة مضلّات، كما سنشير إلى بعضها في مواضعه إن شاء الله.. وممّا يدلّ على شرف علم الفقه وشدّة الاهتمام به ما روّيناه من طريق الخاصّة بإسنادنا الصحيح عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله×، يقول: «إنّ آية الكذّاب بأن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، فإذا سألته عن حرام الله تعالى وحلاله لم يكن عنده شيء»..»([64]).
يُستخلص من هذا النصّ:
أوّلاً: إنّ الفقه من علوم الآخرة؛ نظراً لخاصية التقريب والتبعيد فيه من جهة، وانطلاقاً من مستوى حثّ النصوص عليه واهتمام الدين به من جهة ثانية.
ثانياً: إنّ سبب خطأ الغزالي هو خلطه بين الولاية الإلهيّة والولاية السلطانيّة الجائرة.
ثالثاً: إنّ الفقه الموصوف ليس هو فقه الجمهور وأهل السنّة؛ لأنّه غير صحيح، بل لا يليق أن يُصنّف علماً، بل هو فقه الإماميّة المأخوذ من أهل البيت النبويّ.
ووسط هذا الخلاف بين الغزالي والكاشاني، ينتصر سروش لنظريّة الغزالي ويعارض مقاربة الكاشاني للفقه، انطلاقاً من العناصر الآتية:
1 ـ إنّ اعتبار علوم أهل السنّة خارجة عن إطار العلم هو عمليّة محاكمة غير صحيحة؛ لأنّ العلم لا يكون علماً بالصواب والخطأ الذي فيه، ولا بالبعد الأخلاقي وغير الأخلاقي الذي فيه، وسبب هذا الخلل هو الخلط بين العلم بوصفه القضايا المطابقة للواقع، وبين مجموعة القضايا المنتظمة والممنهجة التي تدور حول موضوع واحد ولها هويّة تاريخيّة، وإذا لم يكن علم الفلسفة والطبيعيّات عند الغزالي ولا علم الفقه السنّي عند الكاشاني علماً فليس ذلك إلا بالمعنى الأوّل على أبعد تقدير، لا بالمعنى الثاني، وهذا كافٍ في إدراج هذه العلوم ضمن زمرة العلوم، حتى لو كان لنا موقف من صوابها وخطئها، تماماً كالقضيّة الكاذبة فإنّها بكذبها لا تفقد صفة القضيّة، ولكنّها تفقد صفة الصدق فقط.
2 ـ أين يقوم الفقه بالتقريب والتبعيد الذي يصفه لنا الكاشاني؟ فهل الصلاة الفقهيّة هي معراج المؤمن عنده وهي التي يتحقّق بها التقرّب إلى الله حقيقةً رغم انصراف القلب فيها وغياب الله عن لبّها؟ وهل الصوم مع الغيبة والنميمة والنوم وغير ذلك مقرّبٌ؟ وهل الحيل الفقهيّة مقرّبة؟ وهل بكثرة الطلاق والزواج يتقرّب العبد إلى الله؟ أو بالمراجعات القضائيّة التي يحصل بها على أمواله يكون له قربٌ منه تعالى؟ وهل الفقه يُنتج لنا إنساناً مخلصاً عفيفاً صبوراً خلوقاً مشفقاً متواضعاً..؟!
ويختم سروش محاكمة العَلَمَين بأنّ فهم الغزالي للفقه والناتج عن رؤيته الاجتماعيّة أعمق بكثير، وهو أدقّ وأكثر وعياً من فقه الفيض الكاشاني([65]).
وفي سياق هذه المواقف الثلاثة لكلّ من: الغزالي ـ الكاشاني ـ سروش، لديّ بعض التعليقات:
التعليق الأوّل: أعتقد بأنّه يوجد اختلاف هنا في تفسير كلمة القرب والبعد من الله سبحانه وتعالى، فالغزالي وسروش يفهمان من هذه الكلمة ـ فيما يبدو ـ التجربة الروحية التي تجعل العبد وجودياً أو شعوريّاً قريباً من الله سبحانه، ومن ثمّ فالسلوك المقرّب هو السلوك الذي يظهر في روح العبد ارتقاءً روحيّاً يشعر به العبد بأنّه يعيش مع معشوقه.
بينما يبدو من الفيض الكاشاني أنّ التقريب والتبعيد يتصلان بالنجاة الاُخرويّة والرضا الإلهيّ، من حيث إنّ البعد عن النار والاستقرار في الجنّة هو ـ بحسب المآل ـ قربٌ من الله سبحانه في الآخرة، فترك المحرّمات وفعل الواجبات يحقّقان التقريب بالمعنى الثاني، وربما لا يحقّقناه بالمعنى الأوّل، وربما لهذا يرجع تعريف الشهيد الأوّل (786هـ) للفقه؛ حيث يقول: mالعلم بالأحكام الشرعية العمليّة عن أدلتها التفصيليّة؛ لتحصيل السعادة الأخرويّةn([66]).
وسط هذا الالتباس المفترَض، يخيّل لي بأنّ الفريقين على حقّ نسبيّاً، فالفقه الحالي ليست فيه أيّة إشارة (إلزاميّة) للجوانب الروحيّة حتى يكون مقرّباً بالمعنى الأوّل، عدا مثل باب النيّة في العبادات حيث يُشترط الإخلاص، بينما الفقه مقرّبٌ بالمعنى الثاني؛ لأنّه التزام بجادّة الشرع وعدم ارتكاب ما يوجب دخول العبد النار يوم القيامة، فهو فقه خلاص ونجاة وليس فقهَ فناءٍ في الله سبحانه.
التعليق الثاني: بناء على ما تقدّم، يمكن للفقه أن يُنتج إنساناً مليئاً بالرذائل الأخلاقيّة القلبيّة، وفي الوقت عينه ملتزم بالشريعة بالمعنى القانوني والحقوقي اللازمَين، لكنّ هذا الإمكان الافتراضي القائم على مقاربة البنية الفقهية والفتوائيّة في سيرورتها التاريخيّة لا يعني أنّ الفقه في هويّته التاريخيّة يُنتج إنساناً غير مقترب من الله روحيّاً أو لا يشعر بالذات الإلهيّة في حركة سلوكيّاته في الحياة، ومعنى هذا الكلام أنّ التجربة التاريخيّة للإنسان المتديّن الفقهي تؤكّد أنّ درجة معيّنة من الإحساس بالله موجودة عنده، وهي التي تدفعه لترك الرذائل الأخلاقيّة الجوارحيّة والذهاب نحو السلوكيّات الصالحة، بحيث لا يظلم الناس، ولا يشرب الخمر، ولا يسرق، بل يتجه نحو العبادات وبذل المال في سبيل الخير ومساعدة الفقراء والمساكين و.. فعبر التاريخ كان الفقه يوجّه أفراد الناس لينبعثوا نحو السلوك الصحيح انطلاقاً من روح أخلاقيّة ومن إحساس بانبعاث قربي من الله سبحانه، ولا يمكننا ـ بمطالعة تاريخيّة ـ فصل التجربة الأخلاقيّة المعنويّة للفرد الملتزم فقهيّاً عن التزامه الفقهي نفسه.
صحيحٌ أنّ التجربة التاريخيّة السلوكيّة الفقهيّة لا تبلغ بالعبد عادةً مسالك الروحانيّة العليا، لكنّها لا تُبعده أو تُفقده مراتبها الأولى، بخلقها فضاء مناسباً.
وبناء على النقطتين المتقدّمتين، يظهر أنّ الغزالي وسروش أصابا في تقويم الفقه في بنيته الذاتية، بصورته التي نعرفها له عبر التاريخ، لكنّهما لم يصيبا في قراءته في واقعه المجتمعي ـ التاريخي، فالملتزمون بالشريعة عادةً ما كانوا عبر التاريخ يتجهون بسلوكٍ قربي إلى الله، يولده فيهم الالتزامُ الفقهي ومتابعة الفقهاء، خاصّة وأنّ الفقه لا يغيب أبداً عن مفهوم المستحبّات والمكروهات، والتي يقترب الكثير منها من باب الفضائل القلبيّة الأخلاقيّة المسمّاة عند الغزالي بعلم الآخرة أو علم المعاملة الأخرويّ.
بل إنّ الغزالي نفسه عندما اعتبر أنّ علم الآخرة هو علم فرض عين لا فرض كفاية، إنّما قدّم علم الآخرة بمقاربة فقهيّة، ومن ثمّ فمن دفعه للانتصار هو اجتهاده الفقهي، فالفقه نفسه هو الذي أثبت له علم الآخرة بنحو فرض العين، فكيف يكون الفقه في ذاته وهويّته خالياً من علم الآخرة؟! ألا يُفترض بالغزالي هنا أن يغيّر صورة القضيّة من أن تكون محاكمةً للفقه إلى أن تكون محاكمة لبعض الاجتهادات والمدارس الفقهيّة التي لم تتوصّل إلى إدراج علم الآخرة ضمن الفرائض التي يُكلّف بها العباد، ومن ثمّ يكون الخلاف (داخل ـ فقهي) وليس (خارج ـ فقهي)؟!
وبهذا يتبيّن أن سروش عندما عاتب الكاشاني في قراءته العلم عبر ثنائيّة الحقّ والباطل في ذاته، وطالبه بقراءته في واقعه التاريخي الإنساني، لم يقم بالشيء عينه عندما أراد الحكم على علم الفقه، فقد قرأه بذاته ولم يقرأه بوجوده التاريخي البشري وتأثيراته الإنسانيّة!
التعليق الثالث: إنّ الكاشاني هو الآخر فَهِمَ كلامَ الغزالي بطريقة خاطئة، وأخذ مقطعاً من كلامه دون أن ينظر في سائر كلماته في الإحياء وغيره، وقد رأينا سابقاً كيف أنّ الغزالي كان يربط الفقه بالآخرة ربطاً أداتيّاً، ولا يفصله عنه، لكنّه لم يكن يعتقد بكفايته أو باستبداده في خلق الإنسان الصالح الإلهيّ، بل كان يدعو لموضعته بشكل صحيح دون مبالغة أو تبخيس.
التعليق الرابع: إنّ مقاربة الكاشاني لسبب وقوع الغزالي في الخطأ هنا ليست دقيقة، وذلك:
أ ـ لا علاقة لموضوع الولاية الإلهيّة (الإمامة الشيعيّة) والولاية السلطانيّة بقدرات الفقه على إنتاج القرب والبعد والصلاح والفساد، بل لم أفهم لماذا أقحم الكاشاني هذه القضيّة هنا؟ وهل كان الغزالي يدافع عن سلوك السلاطين بجعله سلوكهم مصدراً فقهيّاً؟! بل على العكس من ذلك وجدنا الغزالي في نصوصه السابقة يؤكّد أنّ الفقيه هو الذي يوجّه السلطان في القانون، تماماً كما الفقه والشريعة يوجّهان الإمام في إدارة الناس عند الشيعة، فما وجه الربط بين قضيّة الفقه والصلاح وقضيّة الإمامة والسلطنة؟! يبدو لي أنّه إقحام شيء لا داعي لإقحامه، وكأنّ الكاشاني تصوّر أنّه لو كان الإمام المعصوم هو السلطان الفعلي لما وقع ما وقع، مع أنّ هذا ليس راجعاً لجانب الفقه من إمامته، بل لانضمام الجوانب الأخرى لها، مما افتقدته التجربة السلطانيّة، وأين هذا من إشكاليّة بحثنا؟!
ب ـ يبدو لي أنّ سروش قارب قضيّة سلب صفة العلم عن الفقه السنّي من زاوية فلسفيّة، وأظنّ أنّ هذه المقاربة ـ على سلامتها ـ لا تكفي هنا، خاصّة لو أصرّ الكاشاني على ادّعاء أنّه أراد محاكمة علم الفقه السنّي وفقاً لثنائية الصواب والخطأ، من هنا يمكننا مشاركة سروش في نقد الكاشاني في هذه النقطة بطريقة أكثر عمقاً وواقعيّة، وذلك أنّ الفيض الكاشاني اعتبر أنّ الفقه السنّي لا يصحّ وصفه بأنّه علم؛ لما فيه من بدع وأخطاء، ولا أدري كيف يمكن التعامل مع مثل هذه الدعاوى الكبرى؟! فهل الفقه الشيعي ـ بمعنى حاصل اجتهادات الفقهاء الشيعة عبر التاريخ، وليس نمط الاستدلال الفقهي ـ يختلف عن الفقه السنّي كثيراً؟ وهل نسبة الاختلاف تزيد عن الخمسة في المائة؟ دعونا نقارب الموضوع من زاوية واقعيّة وتاريخيّة وميدانيّة، فكم هي نسبة الاختلاف الفقهي التي تخوّل شخصاً مثل الكاشاني أن يُرجع سبب خطأ الغزالي هنا إلى قياسه الأمور على فقه أهل السنّة، وهل المشاكل التي أشار إليها الغزالي خاصّة بالفقه السنّي عبر التاريخ؟ أرجو التدقيق هنا، حيث نتحدّث بالدقّة عن الفقه وليس عن سائر الأمور المختلف فيها بين المذاهب.
ولا اُريد أن أنفي المفاضلة بين الفقه الشيعي والسنّي، فقد تكون موجودة بالفعل، لكنّ مستوى هذه المفاضلة لا يخوّل أبداً طريقة مقاربة الكاشاني للقضيّة، بالغاً بها إلى حدّ إخراج علم الفقه السنّي عن زمرة العلوم! وكأنّ علم الفقه السنّي مخلوقٌ مختلف تماماً في هويّته التاريخيّة الوقوعيّة عن علم الفقه الشيعي! وإلا فليبيّن لنا الكاشاني ـ أو غيره ـ مبرّرات هذه الدعوى الكبيرة، فهل لو قرأنا كتابه الفقهي (مفاتيح الشرائع)، سنجده مخلوقاً آخر يختلف كلّ الاختلاف عن المدوّنة الفقهيّة السنيّة؟!
وعلى أيّة حال، أعتقد بأنّ الجميع في قضيّة الهويّة الدنيويّة والأخرويّة للفقه على صوابٍ ما، ويهدفون شيئاً مشتركاً، وهو أنّ الفقه ليس هو الرسالة النهائيّة لبناء الإنسان في الرؤية الدينيّة ما لم نقم بتغيير بنيته وإنتاجه ضمن قراءة جديدة تدمجه مع الأخلاق الروحيّة والاجتماعيّة، ولكنّ المهم بالنسبة للجميع أنّ الفقه هو في نهاية المطاف علمٌ ديني، يستقي ذاته وهويّته ـ فيما يستقي ـ من النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنّة، سواء سمّيناه أخرويّاً أم دنيويّاً، عدا بعض الاضطراب في عبارات الدكتور سروش كما رأينا.

6 ـ 4 ـ تأمّلات عابرة في اختبار (المقدّس الفقهي) دنيويّاً

إنّ فكرة اختبار الفقه دنيويّاً فكرة قائمة بنفسها على قيام الشريعة على نظريّة المصلحة، وابتناء الشريعة على المصالح والمفاسد في المتعلَّقات، وهي النظريّة التي ىؤمن بها الكثير من الشيعة والمعتزلة، بينما رفضها آخرون بمن فيهم بعض الإماميّة أنفسهم.
كما تقوم هذه الفكرة أيضاً على الاعتقاد بأنّ ملاك الحكم والمصلحة الكامنة خلفه ممّا يمكن الوصول إليه أو إلى بعضه المعتدّ به الذي لولاه لم ينعقد الحكم، وهو الاعتقاد الذي يمكن ملاحظة حضوره في غير الفقه الإمامي، فيما هو باهت الحضور في الاجتهاد الشرعي عند الإماميّة، عدا في الفترة الأخيرة التي بتنا نشهد له فيها توسّعاً وحضوراً ما، بل إلى يومنا هذا السائدُ هو نفي إمكانات الكشف في الملاكات عادةً، بل قد يعتبر بعضٌ أنّ فكرة كشف الملاكات فكرة يمكن أن تقوّض أركان الشريعة الإسلاميّة عبر إخضاعها للتقويم البشري دوماً، وجعل القوانين الشرعية تحت رحمة العقل الحداثي التجريبي، ومن ثمّ تغييب فكرة التعبّد والتسليم في العلاقة العمليّة مع الله.
وليس المجال هنا مجالَ بحث نظريّة الملاكات وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، ولا لنظريّة إمكانات كشف هذه الملاكات، ولا لمساحة التعقّل والتعبّد في الدين، إذ نترك ذلك لحلقة بحثية أخرى نُعِدّ لها بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ومن ثمّ نريد أن نفترض الآن أنّ الشريعة برمّتها مبنيّة على نظام المصالح والمفاسد الدنيويّة في المتعلّقات، إمّا لكونها تمام الملاك أو جزء الملاك الذي من دونه لا يقوم الحكم، وأنّ هذه الملاكات مقدورة الفهم والاكتشاف للإنسان، بوصف ذلك كلّه أصلاً موضوعاً.
وعليه، فنحن نوافق سروش على أنّ النظام الترميزي السرّي لا يمكن أن يدير الحياة الدنيويّة لوحده، وأنّ الفقه لابدّ أن يخضع للاختبار والتجربة، في بعض المساحات على الأقلّ، لكن ما نعنيه نحن لا يتنافى مع السياق، بمعنى أنّ عمليّة الاختبار هذه يمكنها أن تُثبت أحد أمور:
أ ـ إنّ تطبيقنا للدين غير صحيح؛ فالفشل على مستوى التجربة والاختبار يمكن في كثير من الأحيان أن يكون راجعاً إلى الفشل في الأداء التطبيقي؛ فعلينا التأكّد من أنّ عناصر النظريّة كانت مأخوذة بأجمعها أو أغلبها في مرحلة التطبيق، لاسيما في ظلّ ما يقال من أنّ النظريّة الإسلامية تمثل كلّاً مترابطاً، وأنّ كلّ جزء فيها هو جزء من كلّ، وفقاً لتعبير السيد باقر الصدر، وقد رأينا سروش نفسه عندما تكلّم عن مسألة الدين بحدّه الأدنى والأعلى قد أشار لهذا الأمر عندما اعتبر أنّ قطع يد السارق ليس سوى حدّ معين في ظروف خاصّة اقتصاديّاً، وهي الفكرة عينها التي قالها السيد الصدر في (اقتصادنا) وهو يتكلّم عن كون الاقتصاد الإسلامي جزءاً من كلٍّ مترابط([67]).
ب ـ إنّ فهمنا للدين غير صحيح وذلك عندما لا نلاحظ مشكلةً في التطبيق؛ بمعنى أن تكون استنتاجاتنا التي أخذناها من النصوص الدينية مغلوطة، أو طريقة إثباتنا لتلك النصوص كانت خاطئة، وهذا ما يفرض إعادة النظر في فهمنا وآليّاته وطرقه.
ج ـ أن لا تكون هناك مشكلة في الفهم ولا في التطبيق، وفي هذه الحال يجب الإقرار بأنّ الموقف الفقهي الذي خرجنا به لا يمثل الموقف الديني في مرحلتنا الزمنيّة هذه، والسبب في هذه النتيجة هو أنّ النجاح الذي حقّقه الفقه مثلاً في مرحلة زمنيّة معيّنة هو نجاح نسبي زمني كما يفهمه سروش وأمثاله من العلماء والمفكّرين، والاستجابة الطبيعيّة لهذا الفهم هو أن يكون الفشل في لحظةٍ أخرى فشلاً نسبياً غير مطلق؛ لأنّ الإطلاق فيه يخالف أساسيّات التفكير الزمكاني؛ فإذا كان غير مطلق، فإنّ هذا يفرض تعديل النظريّة الفقهيّة اليوم بما يُقدرها على تحقيق الأغراض المرجوّة منها، وهو ما يؤول إلى أنّ المشكلة تكمن في فهم الدين مرّةً أخرى، وأنّ المطلوب مثلاً تنشيط القواعد العامة والعناوين الثانويّة.
وبعبارة موجزة: الاختبار يهدم عادةً إطلاقات الأدلّة، لا أصل الدليل؛ والسبب هو أنّ فشل التجربة هنا أو هناك، ليس سوى عمليّة استقراء ناقص، لا يسمح بالتعميم على طول الخطّ الزماني والمكاني، بل يقيّد القاعدة بإطاره ما لم تكن المعطيات المتوفّرة بالتي تسمح بالتعميم والتوسّع نتيجة خصوصيّات معيّنة الأمر الذي يبقى حالةَ استثناءٍ في العادة([68]). ولا نريد بذلك إثبات صحّة الحكم الشرعي بالتجربة في مكان آخر، بل المفترض أنّنا نختبر الحكم الشرعي في إطار زمكاني محدّد، والحكمُ يأخذ شرعيّته من النصّ، وإلا فلو لم يكن النصّ مشرعناً للحكم في انطلاقته، لما كان هناك معنى للفقه القائم على الدين من الأوّل حتى نقوم باختباره، بل كان يفترض بسروش أن يصرّح بما ذهب إليه أركون وشبستري من انتهاء عصر الفقه الإسلامي وانطلاق عصر المقنّن الوضعي، بدل إتعاب نفسه بجعل الفقه (بما هو فقه) دنيويّاً، ثم اختباره، ولعلّه من الأصل كان يريد الوصول لتلك النتيجة.
وهذا كلّه يعني أنّ خضوع الفقه للاختبار لا يعني إلغاءه بالكلّية بالضرورة، وإنّما يعني ضرورة التعديل في النظريّة تعديلاً زمكانيّاً. هذا كله لو سلّمنا أنّ فشل الفقه يكون شموليّاً وليس فشلاً لبعض مفاهيمه، خاصّة وأنّ سروش نفسه يأخذ على مطهّري إشكاله على قوانين علم الاجتماع بأنّها قابلة للنقض في موضعٍ أو موضعين دوماً، ويرى ـ أي سروش ـ محقّاً أنّ ذلك سببُه أنّ مطهّري كان مسكوناً بالهاجس الفلسفي العقلي دوماً بحيث بقي مسكوناً بصرامة الموجبة الكليّة، ولم يدرك بوضوح روح العلوم الإنسانيّة ومعاييرها([69]).
على خطٍّ آخر، إذا كنّا نوافق على ضرورة خضوع الفقه في مرحلة إدارته للمجتمع لقانون التجربة والاختبار، فإنّ من الضروري أن نعرف: ما هو معيار النجاح والفشل؟ إنّ هذا المعيار يظلّ هو الأهم؛ لأنّ أيّ خطأ في تحديد هذا المعيار سيؤدّي إلى الفشل في الحكم على الدين في مرحلة الاختبار. كما ومن الضروري أن نكون واقعيّين في رصد الفشل والنجاح؛ لأنّه لا يوجد في مجال التجربة هذه نجاح مطلق وفشل مطلق في أكثر الأحيان.
ما أريد قوله هو أنّ النجاح والفشل لا يؤخذ فيهما الجانب المادي للحياة فقط، كما لا يؤخذان بوجودهما المطلق، بل بوجودهما النسبي، وما نقصده من ذلك هو أنّ النجاح المادي في المجتمع إذا صاحبه تدهور قيمي وأخلاقي وروحي فهو لا يُحسب نجاحاً بالمعايير الدينية، حتى تلك المعايير التي تؤخذ للدين الأخروي، فلابدّ من أخذ مشهد القيم في الموضوع والحالة الروحيّة والإيمانية كذلك، ونوازن ما تحقّق على هذا الصعيد مع ما تحقّق على الصعد الأخرى، وهذا ما كان يسمّيه السيد محمّد باقر الصدر ـ وهو يوصّف الاقتصاد الإسلامي في معالمه الرئيسة ـ بالصفة الأخلاقيّة في الاقتصاد الإسلامي، إلى جانب صفته الواقعيّة القائمة على الانسجام مع الأبعاد التكوينيّة للإنسان، فالصفة الأخلاقيّة موجِّهة للاقتصاد([70])، وهذا ما يعني أنّ الرؤية الأخلاقيّة الدينيّة تترك أثرها في تقويم نجاح التجربة وفشلها، وليست المعايير الدنيويّة المحضة التي يؤمن بها العقل المادّي الحديث.
كما أنّ النجاح والفشل مفهومان نسبيان، بمعنى أنّ النجاح ليس هو مطلق تحقّق الأهداف العليا، بل هو تحقّق الأهداف في ظلّ الإمكانات ووسط التهديدات ضمن إطار زمنيّ معقول، كما تقول الإدارة الاستراتيجيّة، ومن ثم فيجب أن تؤخذ هذه الأمور بعين الاعتبار جميعاً، حتى لا نحرق المراحل ونستعجل النتائج.
وفي هذا السياق نفسه، يأتي موضوع اختبار التطبيق الجزئي، إذ التطبيق تارةً يكون في فصاء مساعد، وأخرى في فضاء غير مساعد، وفي الحالتين يجب أخذ الفضاء المحيط بعين الاعتبار لرصد درجة النجاح، فأن تقوم بإنشاء بنك غير ربوي في فضاء عالمي ربوي أمر يختلف عن تشييد بنك غير ربوي في فضاء غير ربوي([71])، ممّا يتطلّب خطوات مختلفة ويفرض علينا توقّعات ذات مستويات مختلفة أيضاً.
والخلاصة: إنّ نظرية سروش وإن سعت لفهم الدائرة الدينية في سياق مختلف عن السياقات السابقة ومكمّل لنظريّة بازرگان، وقدّمت لنا أفكاراً وإضاءات جميلة ورائعة في تقديري، إلا أنّها لم تتمكّن من تقديم إجابات واضحة في السياق الذي نحن فيه، ولهذا لا تبدو لي كافية أو مقنعة في ظلّ فضاء ديني، بل غالباً ما غرقت في الادّعاءات دون تقديم مبرّرات موضوعيّة بحجم تلك الادّعاءات العلميّة.


([1]) هذا البحث جزءٌ من كتاب (شمول الشريعة: 531 ـ 608)، من تأليف حيدر حبّ الله، نشر دار روافد في بيروت، الطبعة الأولى، 2018م.

([2]) نشر هذا الكتابَ دارُ الرافدين عام 2017م، مترجماً للعربيّة، تحت عنوان (حول الدين، خطابات إلى محتقريه من المثقّفين)، كما نشرته دار التنوير ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد في العام نفسه بترجمة أخرى.

([3]) الحجتيّة (انجمن حجتيّة) جماعة اُسّست عام 1953م، على يد محمود ذاكر زاده تولائي المعروف بالشيخ محمود الحلبي (1997م)، في ظروف ثورة محمّد مصدّق، ويقال بأنّ ظروف التأسيس كانت لمواجهة البهائيّة في إيران، ثم اتسع نطاقها بشكل متسارع لتنضم إليها الكثير من الشخصيّات، ولكن تدريجياً وقع خلاف بين هذه الحركة التي انطلقت ثقافيّاً ودينيّاً، وبين خطّ السيد الخميني، وهذا ما جعلها تحت رضا وتأييد شاه إيران آنذاك على ما قيل، لتتلقّى أكبر الضربات بانتصار الثورة عام 1979م، ورغم أنّ العديد من رموزها قد أيّدوا الثورة بعد انتصارها ودعوا للمشاركة في الانتخابات، إلا أنّها حلّت نفسها ـ صوريّاً على ما قيل ـ بدايات الثمانينيّات، بعد انتقاد صريح وجّهه الخميني لها. واليوم توجد آراء كثيرة تتكلّم عن بقاء نشاط الحركة بشكل خفي وتمدّدها عبر شخصيات بارزة إلى يومنا هذا، وأنّ العديد من التيارات المهدويّة تنتمي لهذا الفكر وتستقي منه.

([4]) انظر ـ على سبيل المثال أيضاً ـ: عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة: 17 ـ 37.

([5]) راجع حول نظريّة الذاتي والعرضي في الدين: سروش، بسط تجربة نبوي: 29 ـ 82؛ وحول عرضيّة الفقه لاحظ له أيضاً: مدارا ومديريت: 272، 275.

([6]) وجيه كوثراني، بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه، الدولة والمواطن: 183.

([7]) انظر: سروش، بسط تجربة نبوي: 71 ـ 73، 89 ـ 91؛ ومدارا ومديريت: 119 ـ 156، 175 ـ 225، 227 ـ 276، 301 ـ 334، 353 ـ 380؛ وتفرج صنع: 366 ـ 395.

([8]) انظر: الفخر الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي 8: 115.

([9]) راجع حول نظريّة الدين الأقلّي والأكثري وكذلك الفقه والثروة الأحكاميّة و..: سروش، بسط تجربة نبوي: 83 ـ 112، 362 ـ 363؛ ومدارا ومديريت: 138 ـ 139، وقصّه أرباب معرفت 1: 48 ـ 53.

([10]) انظر: سروش، بسط تجربة نبوي: 71، 90؛ وقصّه أرباب معرفت 1: 33 ـ 45، 176 ـ 177، 353 ـ 411؛ ومدارا ومديريت: 138 ـ 139، 191 ـ 193، 353 ـ 380.

([11]) انظر: سروش، تفرّج صنع: 370.

([12]) إحياء علوم الدين 1: 32.

([13]) أي الخفر والحرّاس.

([14]) إحياء علوم الدين 1: 34 ـ 38.

([15]) المصدر نفسه 3: 269 ـ 275.

([16]) انظر: سروش، قصه أرباب معرفت 1: 33 ـ 54؛ وبسط تجربه نبوي: 71 ـ 73؛ ومدارا ومديريت: 253 ـ 257، 274 ـ 275، 276، 326 ـ 327.

([17]) انظر: بسط تجربة نبوي: 90 ـ 91، 344 ـ 345، 355 ـ 374.

([18]) انظر: مدارا ومديريت: 196 ـ 197، 301 ـ 334، 353 ـ 380.

([19]) لأجل التوضيح، يمكن الحصول على أهمّ تصوّرات سروش حول الفقه والشريعة، مما أشرنا له في الهوامش السابقة، في كتبه الآتية:
1 ـ فربه تر از ايديولوجي.
2 ـ مدارا ومديريّت: وذلك في البحوث والمقالات ذات العناوين الآتيّة: أ ـ آنكه به نام بازرگان بود نه به صفت. ب ـ دين ايدلوجيك وايديولوجي ديني. ج ـ ايديولوجي ودين دنيوي. د ـ خدمات وحسنات دين. هـ ـ مدارا ومديريت مؤمنان. و ـ تحليل مفهوم حكومت ديني.
3 ـ بسط تجربه نبوي، خاصّة المقالات الآتية: أ ـ ذاتي وعرضي در اديان. ب ـ دين اقلي واكثري. ج ـ راز ورازداني.
4 ـ قصّه ارباب معرفت، خاصّةً المقالات الآتية: أ ـ جامه تهذيب بر تن إحياء. ب ـ دكتر شريعتي وبازسازي فكر ديني.
5 ـ تفرّج صنع، خاصّة مقالته تحت عنوان: مطهري وإحيا كننده در عصر جديد.
6 ـ مقالة: فقه در ترازو، والتي كتبها سروش لنقد الشيخ منتظري في قضيّة الارتداد، ونشرت في مجلّة كيان، العدد 46.

([20]) على تقدير التسليم بأنّ الطبيعة صامتة، وهذا كلام آخر.

([21]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: عبد الله جوادي آملي، شريعت در آيينه معرفت: 342 ـ 344.

([22]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الطبرسي، مجمع البيان 3: 428 ـ 429.

([23]) أمّا مسألة عدم تدوين السنّة والحفظ الإلهي لها، وعلاقة ذلك بمرجعيّة السنّة وحجيّتها، فهذا بحثٌ آخر، سبق أن عالجناه في كتابنا: حجيّة الحديث: 259 ـ 320، فراجع.

([24]) انظر: سروش، بسط تجربه نبوي: 84.

([25]) يذكّرني هذا الموضوع بما طرحه سيّد قطب حول الخطأ الذي وقع فيه الفقه الإسلامي عندما قسّم نفسه إلى عبادات ومعاملات، في وقت تكون كلّ المسلكيّات في الإسلام قائمة على أنّ كلّ أفعالنا تخضع لمنطق العبادة، وأنّ العبادة ليست بعض الأفعال الخاصّة، بل سلوك المتديّن المؤمن هو برمّته سلوكٌ عبادي. انظر: سيد قطب، خصائص التصوّر الإسلامي ومقوّماته: 114.

([26]) انظر: مدارا ومديريّت: 184.

([27]) المصدر نفسه: 204.

([28]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الخوئي، صراط النجاة 1: 10، 12.

([29]) انظر: شبستري، نقدى بر قرائتِ رسمى از دين: 420.

([30]) انظر: المصدر نفسه: 163.

([31]) انظر: مسعود إمامي، المثقفون الدينيّون وتحديث الفقه، مجلّة الاجتهاد والتجديد، العدد 13 ـ 14: 102 ـ 103.

([32]) انظر: أبوزيد، مفهوم النص: 245.

([33]) المصدر نفسه: 246.

([34]) المصدر نفسه: 254 ـ 255.

([35]) المصدر نفسه: 256 ـ 257.

([36]) المصدر نفسه: 261 ـ 262، 286 ـ 287.

([37]) المصدر نفسه: 282 ـ 283.

([38]) المصدر نفسه: 264 ـ 265؛ وانظر دراسة أبوزيد حول مقاصد الشريعة في كتابه: الخطاب والتأويل، الفصل الخامس من القسم الثاني: 201 ـ 208، حيث قدّم فيه طرحاً جديداً لنظريّة المقاصد، يربطها بثلاثي العقل والحريّة والعدل، بدلاً من الخماسي المشهور.

([39]) مفهوم النص: 12 ـ 13.

([40]) انظر: علي حرب، نقد النصّ: 213 ـ 214.

([41]) ينقل سروش أنّ شريعتي يعتبر المثقّف هو وارث الأنبياء، فانظر: تفرّج صنع: 382.

([42]) إحياء علوم الدين 1: 17.

([43]) المصدر نفسه 1: 38 ـ 39.

([44]) انظر: الغزالي، جواهر القرآن: 35 ـ 47.

([45]) إحياء علوم الدين 4: 475.

([46]) إحياء علوم الدين 1: 41.

([47]) المصدر نفسه 1: 78 ـ 79.

([48]) كان ينبغي للدكتور نصر حامد أبوزيد أنّ ينتقد الغزالي في هذا النصّ الذي يحرّك المسلمين نحو إهمال العلوم الطبيعيّة ـ عدا الطبّ ـ وحصر المعرفة بالعلوم النقلية أو العقلية المؤيّدة بالنقل والمركّبة معه، فمثل هذا النصّ يمكن اعتباره مدمّراً من ناحية حضاريّة، تماماً كما أجهز الغزالي على الفلسفة وعلم الكلام فيما لو كانا عقليين خالصين بعقلانيّتهما، ولمزيد اطّلاع لاحظ كلام الغزالي في إحياء علوم الدين 1: 42 ـ 43، حيث أبدى هناك قلقه من علوم الكلام والفلسفة والرياضيات والهندسة والطبيعيّات، غير الطبّ.

([49]) المستصفى في علم الأصول 1: 3 ـ 4.

([50]) مفهوم النصّ: 264.

([51]) المصدر نفسه: 265.

([52]) إحياء علوم الدين 1: 32؛ وقد أخذ الغزالي هذا الكلام من أبي طالب المكّي، كما أشار إلى ذلك العلامة محمد بن محمد الحسيني الزبيدي المعروف بمرتضى في كتابه: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 1: 135.

([53]) إحياء علوم الدين 1: 36.

([54]) الفتوحات المكيّة 1: 179.

([55]) يُفهم من العلامة الحلي في مقدّمته على كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 19.

([56]) يُفهم ذلك من تسميتهم لها بأنّها العلم الأعلى، راجع ـ على سبيل المثال ـ: الطباطبائي، بداية الحكمة: 7.

([57]) راجع ـ على سبيل المثال ـ: محمد بن علي الموسوي العاملي، مدارك الأحكام 1: 3.

([58]) راجع ـ على سبيل المثال ـ: السرخسي، أصول الفقه 1: 3.

([59]) راجع ـ على سبيل المثال ـ: الشوكاني، فتح القدير 1: 11 ـ 12. وتهمّنا الإشارة إلى أنّ النماذج التي أتينا بها ربما كان بعضها متأخّراً عن زمن الغزالي، إلا أنه مع ذلك، فإنّ هذه الفكرة مترقّبة في الثقافة آنذاك، عنيت خصوصاً الجانب النرجسي من الثقافة الذي كان سائداً أيضاً ويعطي إيحاء بأنّ تمييز علم على علم أمرٌ مترقب ومعقول، مما يجعل تبنّي الغزالي لها أمراً غير غريب.

([60]) راجع ـ على سبيل المثال ـ: أجناس جولدتسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام: 63 ـ 66.

([61]) انظر: حوار الأجيال: 416؛ بل يرى حنفي في المصدر نفسه: 16 ـ 17، أنّ الغزالي نفسه لا يمكن فهمه من خلال الإحياء والمنقذ والجواهر، فقد كان (المستصفى في علم أصول الفقه) آخر ما كتبه الغزالي، وله فيه مواقف لا تبعد كثيراً عن مفهوم النص في علوم القرآن لنصر حامد أبوزيد، وقد كان للمستصفى أبلغ الأثر في ابن رشد الفقيه، ومن ثم فجواهر القرآن إنّما هو بحث في علوم القرآن على الأصول الصوفيّة فقط.

([62]) انظر حول العلامة الطباطبائي ودوره التنويري التحريري: حيدر حبّ الله، علم الكلام عند السيد محمّد حسين الطباطبائي، قراءة في جدل العقل والنصّ، مجلّة الكلمة، العدد 36: 45 ـ 74.

([63]) انظر: تفرّج صنع: 369.

([64]) الكاشاني، المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء 1: 59 ـ 60.

([65]) سروش، قصة ارباب معرفت 1: 34 ـ 53. أجد نفسي موافقاً لسروش في توصيفه الغزالي بصاحب الرؤية السيكولوجيّة والسيسيولوجية، فالغزالي يرفدنا في إحياء علوم الدين وغيره بالكثير من المقاربات النفسية والاجتماعية الكاشفة عن وعي ممتازٍ له بالبناء النفسي والاجتماعي للبشر وحركة الصيرورة والسيرورة الاجتماعيّة، وتأثير الشعور واللاشعور في الإنسان، وهذا واضح لكلّ من قرأ الإحياء، بعكس مساهمات الفيض الكاشاني في المحجّة، فإنّك لو حذفت نصَّ الإحياء منه، لا تكاد تعثر على شيء مهم بمثل هذا النوع من القراءة.

([66]) ذكرى الشيعة 1: 40.

([67]) انظر: الصدر، اقتصادنا: 337 ـ 346.

([68]) ما سمح لي بهذا، هو قابليّة القانون للتقييد والتخصيص؛ لأنّه من سنخ الأمور الاعتباريّة، وإلا فإنّ انخرام القاعدة في حالةٍ بالاستقراء يوجب هدم القاعدة بوصفها كليّاً قانونيّاً علميّاً، كما ثبت في مباحث الاستقراء، وبالتأكيد لابدّ أن يكون هذا بعد التثبّت من أنّ خرق القاعدة كان نتيجة واضحة لزوال المقتضي لا لوجود المانع، وإلا فلو كان الخرق لوجود المانع فهو لا يهدم اقتضاء المقتضي بوصفه قاعدة أيضاً، ما لم يصبح الخرق دائميّاً أو أكثريّاً، وفي هذا السياق يمكن مراجعة الأبحاث التي تعرّض لها الاستقرائيون والأرسطيّون معاً في مسألة التعميمات الاستقرائيّة.

([69]) انظر: قصة ارباب معرفت 1: 404.

([70]) انظر: الصدر، اقتصادنا: 332 ـ 335.

([71]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الصدر، البنك اللاربوي في الإسلام: 17 ـ 19.

حيدر حب الله([1]) ..

عدد مرات القراءة:
640
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :