معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

علماء الإمامية في بلاد الحرمين في القرن الحادي عشر ..

علماء الإمامية في بلاد الحرمين في القرن الحادي عشر
على ضوء كتاب العلاّمة آقا بزرك الطهراني
(الروضة النضرة في المائة الحادية عشرة)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة
أثناء اطّلاعي على كتاب الروضة النضرة في المئة الحادية عشرة(1) للعلاّمة الكبير آقا بزرك الطهراني (ت 1389 هـ/1970 م) استرعى انتباهي الحشد الكبير من علماء الإمامية الذين جاوروا مكّة والمدينة لفترات متفاوتة ، فالبعض ولد في أرض الحرمين ، والبعض الآخر جاور العتبات المقدّسة لبضع سنوات من حياته ثمّ آثر الرجوع لمسقط رأسه ، فيما البعض الآخر قرّر قضاء سنوات عمره الأخيرة بجوار بيت الله الحرام أو مرقد النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالمدينة ليدفن في أشرف البقاع.
__________________
(1) سنعتمد في هذا البحث على النسخة التي صدرت ضمن موسوعة (طبقات أعلام الشيعة) عن دار إحياء التراث العربي ط1 ، بيروت 2009 م ، الجزء الثامن ، القرن الحادي عشر.

وأمام هذه الوفرة في المعلومات وغزارة المادّة التاريخية حول الموضوع ، وجدتُ من المناسب أن أقدّم قراءة موجّهة لهذا الكتاب القيّم ، أستقصي فيها ملامح الدور العلمي والأدبي لعلماء الإمامية في بلاد الحرمين ، وذلك من أجل تحقيق الأهداف التالية :
أوّلاً : إبراز قيمة التراث العلمي الذي تركه شيخ الباحثين الحجّة العَلَم الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه‌الله.
ثانياً : إيضاح ملامح الدور الإمامي في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) في (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) من خلال إعادة اكتشاف دور علماء الإمامية وإسهاماتهم في رفد الحركة العلمية والأدبية في ذلك القرن.
ثالثاً : تقديم دراسة متأنّية وهادئة للجذور التاريخية للوجود الإمامي في مكّة والمدينة ، وهو وجود عريق يتّصل بمرحلة صدر الإسلام في القرن الأوّل الهجري ، وإزالة الغموض المرتبط بالتاريخ الشيعي في هذه المنطقة نتيجة لسيادة رؤية أحادية تُقصي التأثيرات الشيعية من الذاكرة التاريخية لأسباب ودواعي طائفية ترتهن بشكل كبير لما يجري اليوم من تحوّلات وأحداث سياسية وصراعات دولية.
رابعاً : محاولة إبراز صفحة مشرقة من صفحات التواصل الفكري المثمر بين علماء الإسلام بمختلف طوائفهم ، وهي صفحة من تاريخنا الإسلامي المجيد تبعث على الفخر والاعتزاز.

هذه هي أبرز الأهداف التي يتوخّاها الباحث ، ويسعى للتأكيد عليها ، فإنّ وُفّقَ في ذلك فذلك من فضل الله ، وإن أخفق فله شرف المحاولة ومسعى التلميذ.
ولقد استفدنا من بعض المصادر والمراجع المرتبطة بموضوع البحث ، ويأتي كتاب فرحة الأنام في تأسيس بيت الله الحرام للحسيني الكاشاني وأمل الآمل للحرّ العاملي ، وتتميم أمل الآمل لعبد النبي القزويني ، وسلافة العصر لابن معصوم المدني ، وحياض العلماء ورياض الفضلاء للميرزا الشيخ عبد الله الأفندي ، من أهمّ المصادر التي اعتمدنا عليها ؛ لأنّها أضافت عنصراً جديداً ومعلومات وفيرة على هذه الدراسة ، لاعتبارات ثلاثة :
ـ أنّها مصادر الشيخ الطهراني نفسه في كتابه الروضة النضرة.
ـ أنّها مصادر تشترك في الموضوع نفسه وتعالج فترة زمنية واحدة.
ـ وحيث إنّ الطهراني عالج مادّته باختصار ، فإنّ هذه المصادر زوّدتنا بتفاصل أكثر وأضاءت جوانب مهمّة لم يشأ الطهراني بحثها بتوسّع في الروضة النضرة ، وإنّما قدّم ملامح رئيسية هي بمثابة مفاتيح تخدم القارئ الذي يريد التوسّع في دراسة الشخصيّات والأعلام الذين ترجم لهم.
أمّا بالنسبة للمصادر الأخرى ، فمنها : مجموعة كتب حديثة تبحث في تاريخ تلك الفترة الاجتماعي والثقافي ، فضلاً عن المقالات والأبحاث المنشورة في عدّة كتب أو مجلاّت تبحث في تاريخ المنطقة بالنحو الذي تكشف عنه المصادر والمراجع الواردة في هوامش البحث.

وقبل أن أختم هذه السطور ، بودّي أن أتقدّم للصديقين العزيزين اللذين ساهما في قراءة مسوّدة هذا البحث وأغنياه بملاحظاتهما القيّمة ، وهما : الأستاذ السيّد علي السادة والأستاذ حسين منصور الشيخ ، ومن البداهة أنّني وحدي مسؤول عن نواقص وأخطاء هذا البحث.
والله وليّ التوفيق
وسام عبّاس السبع
البحرين

تمهيد
مكّة والمدينة المجتمع والتاريخ
حفلت منطقة الحجاز بمجموعة من الوقائع المهمّة تاريخيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً ، وعندما يرد اسمها غالباً ما يقرن بالتوقير والتعظيم ، وقد وتضاعفت أهمّيتها بعد ظهور الإسلام في مكّة المكرّمة ، عندما سطعت أنواره من بطحائها ، وصارت الكعبة المشرّفة قبلة المسلمين ، حيث اتّجهت إليها الأنظار وازداد العناية بأمرها.
ولمّا بلغ المسلمون قمّة المجد والسيادة في منتصف القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) ، ازدهرت العلوم الإسلامية في أرجائها ، وتنبّه رواة الحديث والمغازي إلى وجوب التصنيف والتدوين في الحرمين ، بحيث صار لكلّ منهما رجال قصروا عليهما عنايتهم.
وبدءاً من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ، كان الخلفاء والحكّام المسلمين يبدون اهتماماً كبيراً ببلاد الحجاز ، وذلك طمعاً في شرف رعاية المقدّسات الإسلامية فيها ، إذ كانت الهيمنة على الحرمين الشريفين تُعدّ إحدى أبرز مؤشّرات السيادة على العالم الإسلامي ، ومن يوليها الرعاية الواجبة فهو الأحقّ بالاتّباع ، ولذلك كان الصراع متواصلا عبر التاريخ على نيل شرف خدمتها والسيطرة عليها.
وممّا يدلّ على ما يتمتّع به الحرمان الشريفان في مكّة المكرّمة والمدينة

المنوّرة من اهتمام ، أنّ جدلاً كثيراً حدث بين العلماء حول أفضلية مكّة المكرّمة على المدينة المنوّرة ، أو العكس ، شارك فيه كثير من علماء المذاهب الإسلامية ، حتّى أنّ الإمام جلال الدين السيوطي (ت 911 هـ/ 1505 م) ألّف رسالة صغيرة في هذا الشأن سمّاها : الحجج المبينة في التفضيل بين مكّة والمدينة قرّر فيها تفضيل المدينة المنوّرة على مكّة المكرّمة بقوله : «الذي تميل إليه النفس تفضيل المدينة»(1).
وقد تَنَاولَ السيّد علي خان المدني (ت 1120 هـ/ 1708 م) مسألة الصلاة في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وأضرحة آل البيت ، وبَيَّن أفضليّتها على بعضها ورجّح استحباباً مجاورة مكّة المكرّمة خلافاً لما ذكره غيره مستنداً في ذلك على ما رواه ابن بابويه ، فقال : «وأمّا كون الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله) فيدلّ صريحاً ما رواه رئيس المحدّثين أيضاً في كتاب ثواب الأعمال بإسناده عن مسعد بن صدفه عن الصادق عليه‌السلام قال : (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاةٌ في مسجدي تعدل عند الله عشرة آلاف صلاة في غيره من المساجد إلاّ المسجد الحرام ؛ فإنّ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في مسجدي) ، وفي هذا المعنى أخبار أخر»(2).
ثمّ إنّ المستفاد به في ذلك ما جاء من أحاديث آل البيت عليهم‌السلام ، في كون
__________________
(1) الحجج المبيّنة في التفضيل بين مكّة والمدينة : 43.
(2) رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام 1/476 ـ 477.

مكّة أفضل من سائر بقاع الأرض ، وأنّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)(1).
مكّة المكرّمة :
وقد اختُلِفَ في سبب تمسيتها ؛ فقيل : سمّيت مكّة لأنّها بين جبلين مرتفعين عليها وهي في هبطة بمنزلة المكوك ، وقيل لازدحام الناس فيها حيث يقصدونها من جميع الأطراف من قولهم : امتكّ الفصيل أخلاف الناقة إذا جذب جميع ما فيها جذباً شديداً فلم يَبقَ فيها شيئاً ، وهذا قول أهل اللغة. وقال آخرون : سمّيت مكّة لأنّها لا يفجر بها أحد إلاّ بكّت عنقه ، فكان يصبح وقد التوت عنقه. وبكّة موضع البيت ، وما حول البيت مكّة(2).
وبكّة هي مكّة بيت الله الحرام ، أبدلت الميم باء ، وقيل بكّة بطن مكّة ، وقيل : موضع البيت المسجد ومكّة وما وراءه ، وقيل : البيت مكّة وما ولاه بكّة ، وقال ابن الكلبي : «سمّيت مكّة لأنّها بين جبلين بمنزلة المكوك ، وقال أبو عبيدة : بكّة اسم لبطن مكّة ، وذلك أنّهم كانوا يتباكّون فيه أي يزدحمون»(3).
وتُعدّ مكّة المكرّمة أوّل بلد مقدّس في الإسلام ، ففيها أوّل الحرمين
__________________
(1) رياض السالكين1/476 ـ 477.
(2) معجم البلدان 5/182.
(3) معجم البلدان 1/475.

وثاني القبلتين ، وهي مهبط الوحي والتنزيل ومحطّ أنظار المسلمين ، يتوجّهون شطرها ويحجّون إليها من كلّ حدب وصوب ، فلا عجب أن تهفوا إليها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، فيرجون الله مخلصين أن يمنحهم التوفيق لزيارتها ، ويكتب لهم حجّ البيت فيها وزيارة قبر نبيّه (صلى الله عليه وآله) قبل أن يتوفّاهم الله ويفارقون هذه الحياة الدنيا.
ولم تكن رحلة الحجّ في الفترة التي ندرسها سهلة يسيرة على المسلمين بالشكل التي هي عليه اليوم ، فقد كانت حرارة الشمس الحارقة تصهر الأجساد الآدمية في وهاد الحجاز القاحلة ، وكان على الحجّاج أن يتلاءموا مع برودة ليل الصحراء ، وكان عليهم أن يقاسوا آلام الجوع وكظّة العطش وهم يلهجون بصوت جهير دون توقّف : «لبّيك اللهمّ لبّيك».
كان موكب الحجيج يشقّ طريقه الصحراوي بمهابة ، وكانت القوافل تسير بجمالها الملفوفة بالسجّاد ، وكانت النساء على الجمال يهلّلن على طول الطريق ، وكذا كان يفعل الرجال الذين كانوا يقودون الجمال(1).
وكان الخوف يسيطر على الحجّاج وهم يترقّبون الهجمات التي يشنّها الأعراب ، وكثيراً ما لاتقتصر هذه الهجمات على السرقة والنهب ، إذ يسقط فيها ضحايا كثر ، ومن كان ينجو من القتل تتربّص به الصحراء بقسوتها ، فيموت وهو يحاول الفرار عطشاً ، والمحظوظ من تكتب له النجاة في هذه التجربة المهلكة.
__________________
(1) مكّة المكرّمة في عيون رحّالة نصارى : 96.

ويعطينا الرحّالة الألماني يوهان وايلد Johann Wild ـ على سبيل المثال ـ معلومات حول رحلته للحجّ في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) كعبد رقيق مع سيّده الفارسي إلى مكّة ضمن القافلة المصرية ، وقد عسكر القائد (أمير الحجّ) في حديقة تبعد ميلين عن القاهرة قبل أسبوع ، وتقاطر الحجّاج إلى هناك بالتدريج ، أطلقت الأبواق إيذاناً ببدء الرحلة ، كان الحجّاج يسيرون في نظام لكي تسهل مراقبتهم في أثناء الرحلة ، كانت تحمل الجمال في أرتال الواحدُ تلو الآخر ، ومئة من الجنود المماليك المرافقين ومعهم ستّة مدافع. كان ثلاثون جملاً تحمل سلالاً فارغة لوضع الذين يمرضون من الحجّاج فيها. وكان كلّ رجل يحمل جوداً مملوءاً بالماء يكفي لثلاثة أيّام ، لم يكن هناك إمكانية لإعادة ملئه قبل الوصول إلى السويس ، وما كان شيء أثمن من الماء آنذاك. كان من المناظر المألوفة أن ترى الحجّاج الفقراء يطوفون بالمعسكر يتسوّلون ، وحينما يُقَدّم لهم الطعام كانوا يرفضون قائلين : «لا نريد أن نأكل لكن إكراماً لله شربة ماء».
بعد عبور السويس جابوا شبه جزيرة سيناء ، وكانوا يقضون يوماً كاملاً في شقّ طريقهم عبر الممرّ المرعب لسلسلة العقبة ، وهي سلسلة جبال عالية وصخور شاهقة ، كانت الجمال تقاد من خطامها بينما سار الحجّاج على الأقدام ، مكثوا يومين في مدينة العقبة في الوادي حيث آبار مياه الأمطار الحلوة يحرسها الجنود المماليك خوفاً من البدو.
كان عدد رجال القافلة (20000) وعدد الجمال (100000). وصلوا إلى

ينبع ـ وتقع في منتصف الطريق إلى مكّة ـ في زهاء 19 أو 20 يوماً ، وكان عدد الوفيات (1500) رجل و (900) جمل. بعد ينبع تعرّضوا لمضايقات من البدو وهم يعبرون الجبال(1).
المدينة المنوّرة :
أمّا (المدينة المنوّرة) ، فسمّيت أيضاً يثرب ، قال أبو القاسم الزجّاجي : «يثرب مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، سمّيت بذلك لأنّ أوّل من سكنها عند التفرّق يثرب بن قانية بن مهلائيل ابن إرم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سالم ابن نوح عليه‌السلام ، فلمّا نزلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، سمّاها طيبة وطابة كراهية للتثريب ، وسمّيت مدينة الرسول لنزوله بها.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله) ، لمّا هاجر : «اللهمّ إنّك أخرجتني من أحبّ أرضك إلَيّ
فأسكنّي أحبّ أرضك إليك ، فأسكنه المدينة»(2).
وللمدينة تسعة وعشرون اسماً ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان(3) ، وتكتسب المدينة قداسة خاصّة عند المسملين لشرافة ما ضمّته
__________________
(1) المصدر السابق : 95 ـ 96 ، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 2/194.
(2) معجم البلدان 5/430.
(3) وهي : المدينة ، وطيبة ، وطابة ، والمسكينة ، والعذراء ، والجابرة ، والمحبّة ، والمجبّة ، والمحبورة ، ويثرب ، والناجية ، والموفية ، وأكّالة البلدان ، والمباركة ، والمحفوفة ، والمسلمة ، والمجنّة ، والقدسية ، والعاصمة ، والمرزوقة ، والشافية ، والخيرة ، والمحبوبة ، والمرحومة ، وجابرة ، والمختارة ، والمحرمة ، والقاصمة ، وطبابا. انظر : معجم البلدان 5/83.

في ترابها. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله : «ربّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ، قالوا : المدينة ومكّة»(1). وقال (صلى الله عليه وآله) : «من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإنّه من مات بها كنت له شهيداً (أو شفيعاً) يوم القيامة»(2).
التركيبة الاجتماعية في مكّة والمدينة :
انقسم مجتمع (مكّة المشرّفة) و (المدينة المنوّرة) في القرن الحادي عشر الهجري إلى مجموعة متنوّعة من الطبقات :
ـ أولى هذه الطبقات في مجتمع مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة هي (طبقة الأشراف) ، والأشراف ينتسبون إلى سيّدنا علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ومنهم آل الحسن بمكّة المكرّمة وآل الحسين بالمدينة المنوّرة(3) ، وقد بدأ ظهور طبقة الأشراف سنة 358 هـ (969 م) ، حينما استقلّ أبناء الحسن والحسين بمكّة والمدينة وتولّوا أمور الحجاز(4) ، وأصبح هذا اللقب يطلق على أمراء الحرمين الشريفين وأفراد عائلاتهم ، فلم يكن هذا اللقب معروفاً في بلاد الحجاز من قبل(5) ، وتمتّع الأشراف داخل المجتمع الإسلامي بمكانة
__________________
(1) معجم البلدان 5/83.
(2) معجم البلدان 5/83.
(3) شفاء الغرام 2/194.
(4) إتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميّين الخلفاء : 101.
(5) العلاقات بين مصر والحجاز زمن الفاطميّين والأيّوبيّين : 226 ـ 227.

عظيمة ، حيث تمتّعوا بالاحترام والتقدير من قبل الجميع ، وقد سكن بعضهم المدينة المنوّرة وما حولها ، وبعضهم سكن منعزلاً عن بقية السكّان(1) ، وكان اختيار أمير المدينة من بينهم لرفعة مكانتهم.
ـ ومن الطبقات التي كانت ذات شأن عظيم داخل مجتمع مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة هي (طبقة أصحاب الوظائف الدينية) وتتمثّل في القضاة والخطباء والقرّاء والمؤذّنين والأئمّة وغيرهم(2).
ـ وأجلّ تلك المناصب كان (منصب القضاء) ، فهي الوظيفة الثانية بعد (ولاية إمارة المدينة) ، فلابدّ أن يكون القاضي في المدينة من كبار العلماء والفقهاء لعظمة وظيفته(3) ، حيث كانوا يختارون من رجال العلم وأهل الدين ، ويقومون على تنفيذ الأحكام الدينية على كلّ الناس ، وقد وجد في المدينة قضاة لجميع المذاهب ، فكان لكلّ طائفة إمامها وقاضيها(4) ، كما تمتّع القضاة بنفوذ كبير داخل الدولة وباحترام أمراء بلاد الحجاز ، وكذلك سلاطين المماليك بمصر ، وعاش هؤلاء القضاة في سعة من العيش نتيجة لما أغدقته الدولة عليهم(5).
ـ وأمّا خطباء المدينة فهم يأتون بعد القضاة في مكانتهم ، وكما كان
__________________
(1) الدرر السنية في الأنساب الحسنية والحسينية : 59.
(2) المجتمع الحجازي في العصر المملوكي :19.
(3) العلاقات بين مصر والحجاز : 229.
(4) رحلة ابن بطّوطة المسمّاة تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.؟؟؟
(5) المجتمع الحجازي في العصر المملوكي : 20.

لكلّ طائفة قاض ، كان لها إمام يؤمّها في صلاتها ، فلكلّ إمام مكان محدّد في المسجد يصلّي فيه مع أتباعه(1).
ـ ومن أبرز الطبقات في مجتمع مكّة والمدينة : (طبقة المجاورين) ، وهم يشكّلون جزءاً كبيراً في البناء الاجتماعي لمجتمع المدينة المنوّرة ، حيث استقرّوا واندمجوا مع السكّان الأصليّين ، وهم من أكبر طبقات المدينة عدداً ، وتسميتهم تأتي من الجوار والمجاورة ، وتعني المجاورة البقاء في مكّة والمدينة لفترة غير معلومة تنتهي بخروج المجاور من إحدى هاتين المدينتين أو الوفاة بهما(2).
وتتكوّن هذه الطبقة من كثيرين قدموا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للمجاورة بجوار المسجد النبوي ، وتعدّدت بلدانهم ، خاصّة مصر والشام والعراق والمغرب واليمن وفارس وبلاد ما وراء النهر وغيرها ، وكان منهم العلماء والتجّار وطلبة العلم وأرباب الوظائف الدينية كالأئمّة والقضاة وجماعات أخرى وفدت على المدينة. ولفضل المجاورة بها ، ما لبثوا أن استقرّوا واندمجوا مع سكّانها وشاركوهم في الحركة العلمية والاقتصادية(3).
ولم تكن مدّة مجاورتهم محدّدة ، فقد تطول أو تقصر ، تبعاً لرغبة المجاور وأحوال مكّة والمدينة خلال فترة وجوده ، فقد يمكث بعضهم بضع
__________________
(1) الرحلات المغربية والأندلسية مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين السابع والثامن الهجريّين : 206.
(2) لسان العرب 1/530 ـ 531.
(3) العلاقات بين مصر والحجاز : 234 ـ 235.

سنوات ، وآخرون يفضّلون الإقامة حتّى يدركهم الموت ، ومارس العديد منهم بعض الأعمال إضافة إلى تولية الوظائف الدينية ، ومنها إمامة الحرم النبوي والأذان والقضاء والتدريس والفتوى ، ومنهم طلاّب للعلم(1) ، وقد نالوا الرعاية من جانب الحكّام المسلمين.
ـ أيضاً ، شكّلت (طبقة الأغوات)(2) طبقة ذات خصائص اجتماعية خاصّة ؛ والأغوات هم من يقومون على خدمة المسجد النبوي الشريف ، بعضهم من أصل حبشي أو صقلبي ، وكان صلاح الدين الأيّوبي هو الذي ثبّت قاعدة الخدّام في الحرم النبوي ، وأوقف عليهم الأوقاف والجامكية(3) ، ولهم كتاب بذلك وقفهم فيه على الحرم النبوي الشريف سنة 568 هـ (1172 م) ، كان موجوداً لديهم إلى أيّام السخاوي(4).
كانت طبقتهم كما ذكرها السخاوي في كتابه التحفة اللطيفة تقوم بحفظ المسجد نهاراً ، ومباشرة قفل أبوابه ، والمبيت فيه لحراسته ، ممّا هو الأصلي في ابتكارهم ، وتنزيل القناديل وتعليقها للتعمير والوقود وغسلها أومسحها وإسراج ما يوقد منها سَحَراً ، والدوران بعد صلاة العشاء بالقناديل لتفقد من
__________________
(1) الحياة العلمية الاجتماعية في مكّة : 144.
(2) الأغوات جمع آغا والمقصود بها خدّام سيّد السادات (صلى الله عليه وآله). ينظر : تحفة المحبّين والأصحاب في معرفة ما للمدنيّين من الأنساب : 53.
(3) الجامكية : لفظ فارسي مشتقّ من جامة بمعنى اللباس ؛ أي نفقات أو تعويض اللباس الحكومي وقد ترد بمعنى الأجر أو الراتب أو المنحة والجمع (جامكيات ، جوامك ، جماكى) ينظر : معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي : 51.
(4) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1/61 ـ 63.

يخشى مبيته ، ويرجعون عليه بالمنع ولا يبيت فيه إلا الفرّاش لإطفاء القناديل وفتح الأبواب للمؤذّنين وكنس المسجد والروضة والحجرة كلّ جمعة مع مسح الجدر كلّ سنة وفرش بساط أمير المدينة(1).
ـ كما كانت لـ (طبقة التجّار) مكانة كبيرة في المجتمع المكّي والمدني ، وتتكوّن هذه الطبقة من التجّار الذين يعملون في التجارة بين الشرق والغرب(2) ، حيث يأتون إلى الأماكن المقدّسة بالأطعمة والمؤن المختلفة التي تحتاجها ويشترون من أهلها بضائعهم ، وخاصّة التمر الذي تشتهر به المدينة وتصدّره إلى الخارج(3) ، وقد قام التجّار بدور كبير في تجارة بلاد الحجاز لاعتماد هذه البلاد بالدرجة الأولى على التجارة(4) ، لذا كانوا طبقة ثريّة داخل المجتمع لما يعود عليهم من ثراء بسبب اشتغالهم بالتجارة(5).
ـ وإلى جانب هذه الطبقات ، كانت هناك (طبقة العامّة) ، وهي التي تمثّل الغالبية العظمى داخل مجتمع المدينة ، فمنها الفلاّحون الذين يمثّلون فئة فقيرة داخل المجتمع ، نظراً لطبيعة أراضيها قليلة الأمطار(6). فضلاً عن أنّ الحرفة الأساسية عند أهل مكّة والمدينة هي الرعي ، نظراً للبيئة التي كانوا
__________________
(1) المصدر نفسه 1/61 ـ 63
(2) العلاقات بين مصر والحجاز زمن الفاطميّين والأيّوبيّين : 238.
(3) الرحلة الحجازية لولي النعم الحاج عبّاس حلمي باشا الثاني خديوي مصر : 259.
(4) الرحلات المغربية والأندلسية : 206 ـ 207.
(5) المدينة المنوّرة في العصر الأيّوبي : 122.
(6) العلاقات بين مصر والحجاز ، زمن الفاطميّين والأيّوبيّين : 238.

يعيشون فيها ، ولأنّها الحرفة المفضّلة عند العربي التي تتّفق مع طبيعة الأرض(1).
ـ كذلك ، كان هناك (الأعراب) الذين يعيشون خارج الأماكن المقدّسة في مكّة والمدينة في المناطق المحيطة بها ، وعلى طول الطرق المؤدّية إليها ، فهم فئة من الناس احترف بعضهم السرقة والنهب والاعتداء على الحجّاج وسلب أموالهم ، كما ظهر خطرهم أيضاً على أهل بلاد الحجاز(2).
ولم يكن إرضاء هؤلاء الأعراب والقبائل بالأمر اليسير ، فكثيراً ما تعرّضوا لقوافل الحجّاج بأعمال القتل والسلب والنهب ، بل كانوا يغيرون على المدينة المنوّرة للسلب والنهب أيضاً(3).
ـ وإلى جانب هؤلاء ، شكّل (العبيد) إحدى طبقات مجتمع مكّة والمدينة ، وكان منها أتباع الأمير وأعوانه وخواصّه الذين يسهرون على راحته وخدمته ، بالإضافة إلى تنفيذ أوامره ، حيث كان لكلّ أمير مجموعة من العبيد من أجناس مختلفة ، فمنهم الفرس والروم والبربر والأحباش والنوبة والزنج ، وكلّ مجموعة من هؤلاء كانت لهم عاداتهم من الأطعمة والأشربة والملابس(4).
__________________
(1) العلاقات بين مصر والحجاز ، زمن الفاطميّين والأيّوبيّين : 238.
(2) الرحلات المغربية والأندلسية : 202.
(3) شؤون الحرمين الشريفين في العهد العثماني في ضوء الوثائق التركية العثماني : 22 ـ 23.
(4) مظاهر الحياة الاجتماعية في مكّة والمدينة إبّان القرن الثامن الهجري من خلال كتب الرحّالة : 123.

ـ وكذلك كانت هناك مجموعة تعمل في الحقول والبساتين للخدمة فيها وحراستها ورعي المواشي. ولولا هؤلاء ما قامت زراعة بالمدينة ، وكانوا يتقاضون مقابل ذلك بعض من الغلّة ، ومنهم يقوم بالخدمة في البيوت وهم يسمّون بالنخولة(1) ، كما كانت الإماء والجواري منهم من يجلبن من أسواق النخاسة ، منهنّ الحبشيّات والروميّات والشركسيّات والعربيّات من مولّدات المدينة والطائف واليمامة ومصر(2).
__________________
(1) المدينة المنوّرة في العصر الأيّوبي 2/123.
(2) تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي : 432.

أوّلاً : كتاب (الروضة النضرة) وسيرة مؤلّفه
1) أهمّية كتاب (الروضة النضرة) :
من الخصائص المميّزة في التراث العربي الإسلامي عنايته الشديدة بكتب السير ، وقد ولع المؤرّخون العرب بهذا الفنّ وسبقوا الأمم المعاصرة في هذا المضمار ، فتنوّعت تأليفاتهم وتعدّدت ، فمنها ما رتّبت السير فيه على طبقات ، فهناك كتب لطبقات الشعراء ، والنحاة ، والأدباء ، والأطبّاء ؛ ومنها ما تعدّى إلى تراجم الأعيان عامّة دون الاقتصار على طبقة خاصّة ؛ ومنها ما رتّبت السير فيه على المشاهير في هذا القرن أو ذاك ، فهناك كتاب في أعيان القرن الثامن(1) ، وذلك في أعيان القرن التاسع(2) ، وهناك كتب في القرن العاشر(3) ، وآخر في أعيان القرن الحادي عشر(4) والثاني عشر(5) والثالث عشر(6).
وتأتي أهمّية كتاب الروضة النضرة في المائة الحادي عشرة من حيث كون مؤلّفه عالماً من طبقة العلماء المتخصّصين في المخطوطات ، فقد أفنى
__________________
(1) الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة.
(2) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.
(3) الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة.
(4) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.
(5) سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر.
(6) حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر.

آقا بزرك الطهراني جُلَّ حياته في جمع وملاحقة التراث الإمامي المخطوط.
وهو صاحب الكتاب الذائع الصيت : الذريعة إلى تصانيف الشيعة(1) وفكرة تأليفه كانت في مدينة الكاظميّة أيضاً في قصّة معروفة حدثت له مع السيّد حسن الصدر (ت1354 هـ/ 1935 م) والشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء (ت1373 هـ/ 1954 م) إذ اتّفقوا في تلك البلدة وأقسموا على وضع ما يخدم الطائفة ردّاً على جرجي زيدان الذي أنكر في أحد كتبه عدم وجود تصانيف للشيعة ، والثلاثة كتبوا ووفّقوا في ذلك(2).
__________________
(1) وصفه عبد الجبّار عبد الرحمن في كتابه دليل المراجع العربية والمعرّبة بقوله : «جمع فيه الكتب المؤلّفة على مَرّ العصور ، ورتّبها حسب العناوين ، وإذا تشابهت يُراعي فيها أسماء مؤلّفيها. وهو عمل ببليوغرافي رائع لم يظهر مثله أو ما يُوازيه في البلاد العربية في العصر الحديث ، يضع أوّلاً اسم الكتاب بين قوسين ، ثمّ يذكر اسم المؤلّف الكامل وسنيّ ولادته ووفاته (إن وجدت) ، ومكان وجود الكتاب وذكر بدايته». ينظر : الفضلي ، عبد الهادي : أصول تحقيق التراث : 76.
(2) وكان الباعث على تأليف الذريعة هو ما ذكره (جرجي زيدان) في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربيّة) حينما تحدّث عن الشيعة فقال ما خلاصته : (الشيعة طائفة صغيرة لم تترك أثراً يُذكر ، وليس لها وجود في الوقت الحاضر) فدفع هذا القول الشيخ آقا بزرك ورفيقيه في العلم السيّد حسن الصدر والشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء أن يتعاهدوا ويأخذ كلّ واحد منهم على عاتقه بيان جانب من جوانب الثقافة الشيعيّة الفنّيّة والتعريف بها. وقد تقرّر أن يبحث العلاّمة السيّد حسن الصدر في الآثار العلميّة الشيعيّة ، وبيان فضل الشيعة ، وإسهامهم في تأسيس علوم الإسلام ، وظهرت ثمرة بحثه في كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) الذي طبع بمساعدة الشيخ نفسه عام 1370 هـ ، أمّا العلاّمة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء فقد تقرّر أن يكتب نقداً لكتاب جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربيّة) ويكشف عن كلّ أخطائه فيه ، وقد

وقد طبع الكتاب ضمن موسوعة طبقات أعلام الشيعة وكان نصيب القرن الحادي عشر هو الجزء الثامن من هذه الموسوعة ، وقد سماه : الروضة النضرة في علماء المئة الحادية عشرة كما كتبه بخطّه على ظهر النسخة الأصلية من الكتاب(1).
وهذه الأجزاء التي ضمّتها طبقات الأعلام لا تشتمل إلاّ على فهرس صغير لأسماء بعض من عثر عليهم المؤلّف عندما كان مشغولاً بتأليفه موسوعته : الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ولقرب عهد القرن الحادي عشر فقد كان اطّلاع المؤلّف عن رجاله في إيران خاصة أكثر من سوابقه فزاد حجم هذا المجلّد بالنسبة إلى ما قبله. وأمّا علماء الشيعة في الهند وما والاها فليس فيه ذكر عنهم مع الأسف.
وقد رتّب هذا الجزء كسوابقه على حروف المعجم في أسماء المترجمين ثمّ أشهر ألقابهم ، وقد حُلَّت مشكلة المعروفين بالكنى بغضّ النظر عن كلمات (الأب) و (الابن) و (الأم) ، فأورد ابن حسام في الحاء وأبو البركات وأبو القاسم في الباء والقاف.
وأمّا الأسماء المركّبة التي زاد انتشارها في القرن الحادي عشر عمّا قبله
__________________
نفّذ هذه المهمّة ، وكتب نقداً علميّاً جامعاً للكتاب بمجلّداته الأربعة وطبع ضمن كتابه المراجعات الريحانيّة ، وأمّا الشيخ آقا بزرك فقد تعهّد أن يكتب فهرساً يجمع فيه أسماء كلّ مؤلّفات الشيعة ، انظر : عبد الرحيم محمّد عليّ : شيخ الباحثين آقا بزرك الطهرانيّ حياته وآثاره ، (مطبعة النعمان ، ط1 ، النجف الأشرف1390 هـ) : 29 ـ 30.
(1) الروضة النضرة : 1.

فما كان منها مركّباً من (محمّد) مع أحد ألقاب الأئمّة عليهم‌السلام فقد افترض المؤلّف رحمه‌الله ذلك اللّقب علماً للمترجم له وجعل (محمّد) لقباً مقدّساً لكلّ مُسْلم فأورد (محمّد صادق) في الصاد و (محمّد كاظم) في الكاف مثلاً ، ولعلّ ذلك لكثرة مثل هذا التركيب.
لقد استندت معظم الأحكام والتوصيفات التي كان يطلقها الطهراني في كتابه حول أحوال الشخصيّات التي تناولها ممّا يستنبطه من آثارهم الشخصيّة المخطوطة ، ثمّ من التواريخ العامّة المخطوطة القليلة الوجود ، مثل : أمل الآمل ورياض العلماء ، وذلك قبل طبعهما ، وقليلاً ما كان ينقل عن المطبوعات.
2) طريقة معالجته للموضوع :
يتّبع الطهراني طريقة معيّنة في معالجته سير من يترجم لهم ، فهو يذكر اسم العالم ونسبه وأحياناً عمل الوالد ، وفي بعض الحالات تاريخ ومكان الولادة ، وأسماء الأقارب المرموقين من أهل العلم والرياسة ، ثمّ يتطرّق إلى من حضر العالمُ لدروسهم ومن أجازه منهم ، وما هي الكتب التي درسها والوظائف التي تولاّها ، ثمّ يذكر أهمّ إنتاج العالم الأدبي والكتب التي كتبها والدواوين ، وأحياناً يذكر أبرز آراءه ، وشيئاً عن علاقته بالسلطة ، ثمّ يتطرّق إلى ذكر آرائه وبعض المعلومات العامّة من أحواله الشخصية ووضعه المالي وأسفاره والعلوم التي برع بها ، وأقوال العلماء فيه ، ثمّ أبناءه وتلامذته الذين

اشتهروا من بعده ومن ترجم له منهم ، ثمّ ينتهي إلى تحديد مكان وتاريخ الوفاة وسببها ، خصوصاً في حالات القتل والاغتيال.
لقد أخذتُ كلّ هذه المواضيع بعين الاعتبار ودوّنتُ معلوماتها ثمّ اخترت منهم من جاور أو ولد وعاش أو توفّي في أرض الحرمين لإعطاء معلومات عن عدّة مواضيع مرتبطة بصلب فكرة البحث.
3) حياة المؤلّف :
مؤلّف كتاب الروضة النضرة هو الشيخ محمّد محسن الشريف المدعوّ بآقا بزرك ابن الحاجّ عليّ بن محمّد رضا ابن الحاج محمّد محسن الطهرانيّ(1).
ـ ولد في 11 ربيع الأوّل 1293هـ (6 ابريل 1876م) في مدينة طهران وسط عائلة معروفة بالتديّن والتقوى.
ـ كان أبوه من التجّار الأفاضل المعروفين بالالتزام والتديّن ، ألّف كتاباً أرّخ فيه الحوادث التي رافقت حركة تحريم التنباك ، أمّا جدّه ، فهو الحاج محسن من التجّار البارزين الذين لهم الفضل في تأسيس أوّل مطبعة في إيران.
ـ بدأ فـي طهران بدراسة العلوم الدينية وعمره عشر سنوات ، وظلّ مشغولاً بالدراسة في طهران مدّة اثنتي عشرة سنة قضاها عند الأساتذة
__________________
(1) على هامش الذريعة : 598.

المعروفين ، من أمثال : الشيخ محمّد حسين الخراساني ، والميرزا محمود القمّي ، والشيخ علي نوري الإيلكاني ، والسيّد عبد الكريم اللاهيجي ، وغيرهم.
ـ هاجر إلى النجف الأشرف عام 1315هـ (1897م) لإكمال دراسته الحوزوية عند مراجعها العظام آنذاك ، وعاش في النجف الأشرف حوالي أربع عشرة سنة.
ـ سافر إلى سامرّاء المقدّسة والتحق بحوزتها العلمية للاستفادة من دروس علمائها الأعلام ، وبقي هناك مدّة أربع وعشرين سنة.
ـ في عام 1354هـ (1935م) عاد إلى مدينة النجف الأشرف وبقي فيها مشغولاً في البحث والتصنيف إلى آخر لحظة من عمره الشريف.
ـ وخلال المدّة التي قضاها بين حوزتي النجف الأشرف وسامرّاء المقدّسة ، درس على يد كثير من الأساتذه المشهورين ، نذكر بعضاً منهم : الميرزا حسين النوري ، السيّد مرتضى الكشميري ، الشيخ محمّد طه نجف ، الميرزا حسين خليل ، الآخوند الخراساني ، السيّد محمّد كاظم اليزدي ، الميرزا محمّد تقي الشيرازي ، الملاّ فتح الله الإصفهاني ، الشيخ علي كاشف الغطاء (ت 1350هـ/ 1931م) ، وغيرهم.
ـ حاز الطهراني على إجازة بالرواية ونقل الحديث من كبار علماء الشيعة آنذاك ، منهم : السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيمي ، والشيخ علي الخاقاني ، والشيخ محمّد صالح آل طعّان البحراني ، والشيخ موسى

الكرمانشاهي ، والسيّد أبي تراب الخونساري ، والسيّد حسن الصدر صاحب كتاب تأسيس الشيعة ، وغيرهم.
وله إجازة بالرواية من مشاهير علماء العامّة كذلك ، منهم : الشيخ محمّد علي الأزهري المعروف بـ (الشيخ علي) ، وهو من علماء المذهب المالكي ، والشيخ عبد الوهّاب الشافعي ، والشيخ إبراهيم الحمدي من علماء المدينة المنوّرة ، والشيخ عبد القادر الطرابلسي من مدرّسي الحرم النبوي الشريف ، والشيخ عبد الرحمن الحنفي من مدرّسي الجامع الأزهر.
وقد حصل منه كثير من علماء الشيعة البارزين على إجازة في رواية الحديث ، نذكر بعضاً منهم ، وهم : آية الله السيّد حسين البروجردي ، والسيّد عبد الحسين شرف الدين ، والعلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني صاحب كتاب الغدير ، والشيخ عبد الهادي الفضلي ، والسيّد محمّد حسين الجلالي وغيرهم.
ـ وللشيخ الطهراني خمسة أبناء وأربع بنات ، فالذكور هم :
1 ـ الدكتور محمّد رضا ، وقد قتل في سنة 1354هـ أو 1355هـ (الشمسية) أيّام الحكومة العسكرية التي شكّلت في طهران قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.
2 ـ محمّد باقر المنزوي : توفّي عام 1343هـ ، وقد حزن عليه الشيخ آقا بزرك وتأثّر تأثّراً شديداً ، ورثاه في قصيدة شعرية.
3 ـ الدكتور علي نقي المنزوي وأحمد المنزوي : تمّ بإشرافهما طباعة

ونشر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
4 ـ الأستاذ محمّد تقي المنزوي.
ـ انتقل آقا بزرك إلى رحمة الله بتاريخ 13 ذي الحجة 1389هـ (20 فبراير 1970م) بعد أن قضى ستّاً وتسعين سنة من عمره الشريف بالسعي الحثيث لخدمة الإسلام العزيز ، وقام بتغسيله آية الله المدني ، وشيّع تشييعاً مهيباً ، وصلّى على جسده الطاهر آية الله العظمى السيّد أبوالـقاسم الخوئي قدس‌سره ، ولشدّة تعلّقه بالكتب رحمه‌الله أوصى بدفنه في مكتبتة التي أوقفهـا لخـدمة المسلمين ، وذلك في النجف الأشرف ، وقد أرّخ الشاعر السيّد موسى الكاظمي الهندي وفاته بهذا البيت من الشعر :

كان اسمه تاريخه
 

 

(آقا بزرك محسنُ) (1389هـ)
 

4) آثاره العلمية :
كان الشيخ الطهراني يمتلك مكتبة كبيرة تحتوي على مجموعة كبيرة من الكتب والمخطوطات القيّمة ، وقد أوقفها رحمه‌الله لخدمة عامّة المسلمين ، وقد قام بتأليف أكثر من مئة مؤلّف في مختلف المجالات العلمية ، نأتي على ذكر أبرزها :
1 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : قام بتأليفه ردِّا على ما أثاره الكاتب جرجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية من شبهات حول الشيعة

ومذهب التشيّع ، ومن أبرز تلك الشبهات أن ليس للشيعة دور فـي بناء الفكر والثقافة الإسلامية ، وقد ذكر الشيخ في هذا الكتاب أربعة وخمسين ألفاً وتـسـعمئة وخمسة وثلاثين (54935) مؤلّفاً لعلماء الشيعة في مختلف العلوم الإسلامية ، وقد تجشّم في سبيل إنجاز هذه الموسوعة الذريعة إلى تصانيف الشيعة كثيراً من صعاب السفر والتنقّل بين العراق وإيران وسـورية وفلسطين ومصر وبلاد الحجاز ، لغرض تتبّع الفهارس التي أوردت أسماء تلك الكتب ، وقد طبع هذا الكتاب عدّة مرّات في مدينة النجف الأشرف وطهران في خمسة وعشرين مجلّداً.
2 ـ طبقات أعلام الشيعة : تناول رحمه‌الله في هذا الكتاب ذكر وتعداد علماء الشيعة من القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الهجري ، ألّفه بعد الانتهاء من كتاب الذريعة.
3 ـ حياة الشيخ الطوسي : طبع على شكل مقدّمة لكتاب تفسير التبيان ، وقد ترجم إلى اللغة الفارسية.
4 ـ هديّة الرازي إلى المجدّد الشيرازي : وكتب هذا الكتاب في شرح حياة المجدّد الميرزا حسن الشيرازي الكبير (مطبوع ومترجم إلى اللغة الفارسية).
5 ـ مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال : ألّفه في شرح أحوال ستّ مئة عالم وكاتب ، وردت أسماؤهم في كتب الرجال (طبع في إيران عام 1383هـ).

6 ـ المشيخة : خلاصة لكتاب مصفى المقال.
7 ـ النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف : (مخطوط).
8 ـ توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد : حول تاريخ المذهب الشيعي ، بالإضافة إلى بحوث حول الإجتهاد في مذهب الشيعة ، ونفي الإدّعاءات القائلة بحصر الإجتهاد في المذاهب الأربعة فقط.
9 ـ تفنيد قول العوام بقدم الكلام : كتاب عقائدي يبحث في نفي قدم كلام الله ، ألّفه بناءاً على طلب أحد علماء الموصل في عام 1359هـ (مخطوط).
10 ـ ضياء المفازات في طرق مشايخ الإجازات : كتبه بشكل يشبه هيئة شجرة (مخطوط).
11 ـ إجازات الرواية والوراثة في القرون الأخيرة الثلاثة : (مخطوط).
12 ـ مستدرك كشف الظنون : (مطبوع في طهران سنة 1387هـ).
13 ـ تعريف الأنام في ترجمة المدنية والإسلام : حول عدم التعارض بين الدين والمدنية الحاضرة ، والكتاب مترجم إلى اللغة الفارسية بعنوان : المدنية والإسلام.
14 ـ تقريرات دروس الآخوند الخراساني وشيخ الشريعة الإصفهاني في الفقه والأصول ، بالإضافة إلى عشرات المؤلّفات الأخرى.

15 ـ كشكول الطهراني : طبع مرّتين ، في إيران عن مجلس الشورى ، وطبعة أخرى صدرت بإعداد محمّد علي الحسيني الجلالي.
وعلى الرغم من كثرة انشغالاته بالتأليف والتصنيف ، كان الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه‌الله يتمتّع بقريحة شعرية جيّدة ، وقد كتب منظومة شعرية عقائدية نذكر منها هذين البيتين :

الحمد للربّ لا من سواه
 

 

لا يستحقّ المدح إلا الله
 

يا ربّنا صلّ على المختار
 

 

محمّد وآله الأطهار
 

وقد تحمّل الشيخ الطهراني الكثير من أجل تأليف كتاب الذريعة ، وأقلّ ذلك كلام بعضهم على تأليفه هذا ، فقد قال الشيخ محمّد حرز الدين (ت 1365هـ/ 1946م) في كتابه معارف الرجال : «... وقد زرته حينما ورد النجف ، ولا أنسى أنّها كانت يوم الثلاثاء 27 جمادى الثانية سنة 1354هـ (26 سبتمبر 1935م) في دار الشاعر الأديب السيّد باقر الهنديّ في محلّة الحويش ، وهو إذ ذاك رجلٌ خبير ، عارف متتبّع بحّاثة ، متضلّعٌ في الأدب ، قويّ العضلات ، لا يكلُّ من الكتابة ولا يملّ ، منقّباً عن آثار العلماء والمؤلِّفين من علماء الشيعة الإمامية ومؤلّفيهم بعنوان موجز مرتّب على حروف الهجاء ، وأراني شيئاً من مؤلّفاته المخطوطة ، وحدّثني البعض من أصحابه بقوله : (لو أنّ الشيخ المترجم له بذل جهده هذا في علمي الفقه والأصول لكان فقيهاً حقّاً وعالماً محقّاً) ، وأنا لا أقول بهذه المقالة بل أقدِّر له جهوده واحترم مقامه في

هذا السبيل السامي»(1).
وأمّا عن همّته في التأليف ، فقد كان ذا عزم وصبر وإصرار غريب ، وينقل المحقّق أحمد مجيد الحلّي عن العلاّمة المحقّق السيّد محمّد مهديّ الموسويّ الخرسان قوله : «أنّه كلّما وجدتم في كتاب الذريعة ذكراً لأيّة نسخة من مكتبة آل الخرسان فقصّته أنّه كان الشيخ الطهرانيّ رحمه‌الله يأتي من سامرّاء إلى النجف وينزل عندنا ويصعد لمكتبتنا ويسجّل منها لكتابه الذريعة ، وكانت مهمّتي أن أملأ له (الكازة)(2) نفطاً وقت المغرب لعدم وجود الكهرباء حينها وأصعد بها له ، وكان من عادته أن لا يتعشّى ، وتنفد الكازة من النفط في منتصف الليل مرّة أخرى فأملأها ثانية فتنفد إلى الفجر ، فيخرج إلى الحرم العلويّ للصلاة والزيارة ، وبعدها يرجع إلى الدار فيفطر بالقليل من الطعام ويهجع هنيهة ، ثمّ يباشر الكتابة مرّة أخرى»(3).
ولم يترك الطهراني الكتابة والتأليف إلى آخر عمره ، فكثيراً ما قرأ بعضنا تحت مقدّمات ما يكتبه عبارة : «كتبه بيده المرتعشة في مكتبته الجاني الفاني الآقا بزرك الطهرانيّ» ، فقد عاش هذا الشيخ خمساً وتسعين سنة ، وكانت يده في آخر سنوات عمره الشريف ترتعش ، وكان من أجل أن يكتب كتبه ومقالاته يشدُّ القلم بيده لكي لا يسقط منها ، وهو يكتب ولا يتوقّف عن
__________________
(1) معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء 2/188 ، الرقم 302.
(2) هي باللهجة النجفيّة السراج النفطيّ الذي يُقال له بالعامّيّة أيضاً : (اللالة).
(3) عين على الذريعة : 468.

ذلك.
وينقل أنه كان يمسك يمينه بيساره ويكتب لكي لا ترتعش ، وقد شاهده العلاّمة الشيخ باقر شريف القرشي (ت 1433 هـ/ 2012م) والقلم مشدودٌ بإصبعه وهو واضع يده تحت حنكه ليمسكها من الرعشة في الكتابة(1).
وكان لا يشغله شيء عن عمله في تأليف الذريعة ، فقد قال رحمه‌الله في تأبينه للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء : «... إخواني الكرام : لا أخال أنّ أحداً من النجفيّين وغيرهم لا يعلم بأنّي لم أشترك في أيّ حفل من المحافل والحفلات التي تقام في سائر المناسبات والحوادث العامّة والخاصّة ، ولم أقف خطيباً في أيّ ناد من الأندية علميّة كانت أم أدبيّة ، وذلك لعجزي عن أمثال ذلك أوّلا ، ولاشتغالي بما وقفت نفسي عليه وكرّست حياتي لأجله ثانياً ، غير أنّ هول المصاب وعظم الخطب أوقفاني هذا الموقف»(2).
هذا مع قلّة في ذات اليد وشظف العيش ، فقد رأيت في مكتبته بأمّ عيني بعض مسوّدات كتابه الذريعة وقد كتب بعضها على أكياس السكّر والشاي السمراء القديمة التي كانت متداولة حينذاك ، وبعضها على حواشي الأوراق المطبوعة والفائضة من كتابه الذريعة والطبقات(3).
__________________
(1) مرجع سابق : 468.
(2) شيخ آقا بزرك تهراني؟؟؟
(3) مرجع سابق : 468.

وقد حظي كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة بشهرة واسعة وتلقّفته الساحة العلمية بتعطّش وافتتان ، وعني به الباحثون والعلماء حتّى لقد كُتبت حوله عشرات الكتب والمقالات بين استدراك واختصار وتصحيح ، وقد أحصى محمّد حسين النجفي(1) في مقالة نشرها في مجلّة ميراث شهاب (ع 71 ، 225 ـ 243) بعنوان (در برتو الذريعة)(2) ما نشر حول هذا الكتاب فبلغت 64 عملاً.
يتحدّث المعماري العالمي محمّد مكّية (ت 1436هـ/ 2015م) عن ملابسات تأسيس مشروع جامعة الكوفة كمشروع علمي ريادي بعيد عن وصاية الحكومة المركزية في بغداد ، ويشير إلى أنّ من أوائل من بكّروا في تأييد المشروع رئيس المجمع العلمي العراقي محمّد رضا الشبيبي والسيّد محسن الحكيم والشيخ آقا بزرك الطهراني ، «كذلك التقيت بالشيخ آقا بزرك الطهراني ، وهو من رجال العلم المشهورين في الحوزات الدينية الشيعية ، وقد استقبلنا بترحاب ومودّة ، وأتذكّر أنّه صعد بجسمه النحيل وما يحمل على كاهله من عقود طويلة السلّم إلى رفوف مكتبته العامرة ليهدينا منها كتاباً من كتبه لعلّه الذريعة إلى تصانيف الشيعة. وفي إحدى زياراتنا إلى النجف ، أنا والدكتور علي الوردي زرنا السيّد الخوئي وجرى حوار معه حول مشروع
__________________
(1) من المحقّقين الشباب النابهين والملتحقين بطلب العلوم الدينية في مدينة قم المقدّسة ، له عدد من المقالات المنشورة في بعض المجلاّت المعنية بالتراث الإمامي.
(2) وتعني : «في ظلال الذريعة».

الجامعة ، وكان متواضعاً تواضع العلماء ، وعمد إلى محاورة علي الوردي فيما يكتبه في علم الاجتماع ، وفي تلك الزيارة سمعنا من الخوئي تبريكاته للمشروع»(1).
يقول مكّية : «لفت انتباهي مكتبة العلاّمة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني العامرة ، التي احتوت الآلاف المؤلّفة من الكتب ، فمن صفحات كتبها ومخطوطاتها ألّف موسوعتيه المعروفتين الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، وكتاب طبقات أعلام الشيعة. وقد سلف أن ذكرت تحمّسه وانفعاله فرحاً بنا أن صعد السلّم رغم تقدّمه بالسنّ ونحول بدنه إلى رفوف الكتب ليهدينا منها ، مع أنّه يعرف بأنّنا لم نكن من أهل الالتزام الديني ، وبصفتنا علمانيّين ، لكن كان اللقاء والتفاهم والتعاطف بيننا وبينه حميميّاً. فما توافر من طيبة وحسن نيّات وجدّية في مشروع علمي يكفي أن نكون بمفهوم هذا العالم الجليل ، الأقرب إليه»(2).
وينقل الخطيب السيّد حسن الكشميري(3) الذي قرأ في مجلس الشيخ آقا بزرك الطهراني ما يزيد على ستّ سنوات متواصلة ، حيث كان لديه مجلس أسبوعي في النجف الأشرف يقام صباح كلّ يوم خميس من كلّ أسبوع. يقول : «كان الشيخ آقا بزرك في غاية التواضع بحيث أنّ من لا يعرفه
__________________
(1) خواطر السنين ... سيرة معماري ويوميّات محلّة بغدادية : 224.
(2) خواطر السنين : 226.
(3) إذاعة طهران ، برنامج (مع الصادقين). وقد طبع مؤخّراً.

وهو يمشي في الطريق لايميّزه عن أيّ طالب علم مبتدي ، كان عادّيّاً في حركاته ، مترسّلاً في تصرّفاته ، وقد كان يشعر بالاستئناس الغامر عندما كان يجلس في مكتبته تحوطه كتبه وأوراقه من كلّ ناحية ، وما دخلت عليه بيته إلاّ ووجدته غارقاً بين كتبه وأوراقه وهو مُنحَن وهو يكتب بأصابع مرتعشة. كان لا يَمَلُّ من الكتابة والقلم ، وقد أوصى أن يُحوّل بيته الذي كان لا يملك سواه إلى مكتبة عامّة ، كما أوقف مكتبته الشخصية للمطالعة وأهل العلم».
ومن الصفات التي كنت ألاحظها في سلوك هذا المربّي الكبير ، يقول الكشميري : «أنّه كان لا يسمح بأن يقبّل أَحَدٌ يَدَه ، حتّى أولاده وأسباطه ، وفي إحدى المرّات وفيما كنّا نسير معاً لزيارة الحرم العلوي المطهّر ، سألته : مولاي لما كُلُّ هذا الإصرار على رفضكم تقبيل اليد ، فحبس أنفاسه وأجاب بهدوء : «أتعرفون السيّد صادق ، قلت نعم أعرفه ، هو رجل من كبار العلماء والشعراء ومن فضلاء الحوزة العلمية ، فقال لي : كان السيّد صادق أستاذي وقد تتلمذت عليه وتأثّرت بأخلاقه ، وكان من الأساتذة المحبوبين عندي ، وكان يرفض أن يُقبّل أَحَدٌ يده ، فسألته ذات السؤال الذي سألتني إيّاه ، فأجابني ببيتي شعر :

يد تُقبّل لايُدرى بما صَنَعَت
 

 

ولو دروا أبدلوها القطع بالقبلِ
 

ليست لها غاية ترجو النجاة بها
 

 

إلا ولاء أمير المؤمنين علي»
 

يقول السيّد الكشميري : «كنت أشاهده حينما كان يزور مقام أمير المؤمنين ، كان يقرأ الزيارة بكلّ أعضائه ، وكان حينما يقف عند الضريح المقدّس

يرتجف بخشوع يقارب الانهيار شعوراً منه بعظمة الإمام وحبا فيه.
وقد دفن بعد وفاته في منزله طبقاً لوصيّته ، والذي أوقفه كمكتبة عامّة.
لم يترك من حطام الدنيا درهماً واحداً ، وعاش في النجف أكثر من نصف قرن عيش الكفاف ، وكان دائماً مديناً للبقّال وصاحب المكتبة ، وأتذكّر أنّه بعد وفاته جمع أثاث بيته حينها ولم يساوي إلا سبعة دنانير عراقية ، أي ما يعادل وقتها 21 دولار تقريباً ، هذا كلّ ماتركه هذا الرجل العظيم من مال».

ثانياً : التواجد الإمامي في بلاد الحرمين
تعدّ (المدينة المنوّرة) في العصر الإسلامي الأوّل بمثابة المدرسة الأولى للمسلمين ، فقد ظهرت أولى ملامح الحياة العلمية للمسلمين في هذه المدينة التي انطلقت منها المسيرة المظفّرة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وفي عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكاملت مع ظهور المجتمع الإسلامي في (المدينة) ، واستمرّت إلى حياة الإمام الصادق عليه‌السلام ، «وكانت المدينة المنوّرة الوطن الأوّل لفقهاء الشيعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، فكان من فقهاء الصحابة بعد الإمام أمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم‌السلام : ابن عبّاس حبر الأمّة وفقيهها ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع إبراهيم مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(1).
ومن التابعين تولّى جمع كثير من شيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام حفظ السنّة النبوية وتداولوها فيما بينهم ، ونقلوها إلى الأجيال التي تليهم بأمانة ، حتّى قال الذهبي في ميزان الاعتدال : «فهذا ـ أي التشيّع ـ كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو ردّ حديث هؤلاء ـ أي الشيعة ـ لذهبت جملة الآثار النبوية»(2).
وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّل من صنّف في الفقه ، ودوّن الحديث
__________________
(1) مقدّمة الشيخ محمّد مهدي الآصفي لكتاب (رياض المسائل) 1/11.
(2) ميزان الاعتدال 1/5.

النبوي ، ولم يوافق عمر بن الخطّاب على رأيه ؛ «فعن السيوطي في تدريب الراوي قال : كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم ، فكرهها كثير منهم ، وأباحتها طائفة وفعلوها : منهم : علي وابنه الحسن»(1) ، فكتب الجامعة وهي من إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخطّ علي عليه‌السلام ، وكان يبلغ سبعين ذراعاً ، وقد تواتر نقله في أحاديث الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام(2). وكان لسلمان مدوّنة في الحديث كما يقول ابن شهرآشوب. وعلي بن أبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من فقهاء الشيعة وخواصّ أمير المؤمنين عليه‌السلام. قال النجاشي : «وهو تابعي من خيار الشيعة ، كانت له صحبة من أمير المؤمنين ، وكان كاتباً له ، وحفظ كثيراً ، وجمع كتاباً في فنون الفقه كالوضوء والصلاة وسائر الأبواب ، وكانوا يعظّمون هذا الكتاب»(3).
ومنهم : سعيد بن المسيّب ـ وهو أحد الفقهاء الستّة ـ والقاسم بن محمّد بن أبي بكر ، قال أبو أيّوب : ما رأيت أفضل منه ، وفي كتاب الكافي عن يحيى بن جرير قال : قال أبو عبد الله الصادق عليه‌السلام : كان سعيد بن المسيّب والقاسم بن محمّد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين عليه‌السلام(4).
وبلغ هذا الازدهار الفكري غايته في عهد الإمام الصادق عليه‌السلام ، فقد
__________________
(1) تدريب الراوي 65/2.
(2) أعيان الشيعة 1/290.
(3) رجال النجاشي : 5.
(4) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 299.

ازدهرت المدينة المنوّرة في عصر الإمام ، وزخرت بطلاّب العلوم ووفود الأقطار الإسلامية ، وانتظمت فيها حلقات الدرس ، وكان بيته جامعة إسلامية يزدحم فيه رجال العلم وحملة الحديث من مختلف الطبقات ينتهلون موارد علمه. قال ابن حجر عن الإمام الصادق عليه‌السلام : نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانيّين وأبي حنيفة وشعبة وأيّوب السجستاني(1).
من هنا «كانت المدينة المنوّرة في عهد الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام مدرسة للفقه الشيعي ، ومركزاً كبيراً من مراكز الإشعاع العقلي في العالم الإسلامي. ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نحصي عدد الفقهاء من الشيعة في هذه الفترة وما تركوا من آثار ، ويكفي الباحث أن يرجع إلى كتب أعيان الشيعة ، ورجال النجاشي ، والكشّي ، وتأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ليعرف مدى الأثر الذي تركه فقهاء الشيعة في هذه الفترة التي تكاد تبلغ قرناً ونصف قرن من تاريخ الإسلام في الدراسة الفقهية ، والمحافظة على السنّة النبوية»(2).
ويتواجد حتّى اليوم في (المدينة المنوّرة) أربع جماعات شيعية :
* النخاولة : ومفردها نخلي ، وهم من القبائل العربية ، وقد تداخل
__________________
(1) الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : 199.
(2) رياض المسائل 1/14.

معهم عدد من أبناء القبائل الأخرى طلباً للحماية قبل نحو قرنين من الزمان مثل (العصارى) الذين ينتمون إلى عنزة (بني أعصر). والنخاولة هم أكثر الشيعة عدداً وانتشاراً ، وقد تعرّضوا للاضطهاد والأذى بسبب التحامل الطائفي.
* الأشراف : ويأتون بعد النخاولة في العدد ، وهم سادة بني هاشم ، كما أنهم ينتشرون في مناطق أخرى غير المدينة المنوّرة ، مثل : مكّة المكرّمة وجدّة والطائف والمدن الجنوبية.
قال صاحب كنز الأنساب : إنّ من بين من ينتمي إلى هذه القبيلة (الأشراف) في المنطقتين الغربية والجنوبية الحيادرة ، والنسبة إليهم حيدرية ، وهم بطن من بني جعفر الصادق يعرفون ببني أيمن. وآل إبراهيم ويسكنون ينبع النخل ، وآل حسين مع قبيلة الظفير سادة حسينيّون.
وقد حكم الأشراف المناطق المقدّسة سنوات طويلة في القرون الماضية وحتّى وقت قريب(68).
* قبائل حرب وجهينة (الحروب) : حيث اعتنق بعض أفرعها المذهب الشيعي (فرع بني علي/ الفريد ، وغيرهما). وقد أشار أحد الكتّاب إلى انتشار المذهب الشيعي بين قبائل حرب وجهينة.
* المشاهدة : وهم من أصول عربية ويتواجدون في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، إلاّ أنّهم أقلّ الفئات عدداً ، ومن آل المشهدي الكاتب
__________________
(68) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 20/210.

والروائي محمّد بن عيسى المشهدي(1).
وكانت إمارة المدينة المنوّرة للحسينيّين كما كانت إمارة مكّة للحسنيّين ، لكن أمراء مكّة تظاهروا بالتسنّن فدام ملكهم إلى الربع الأوّل من القرن العشرين وكان آخرهم الملك حسين وابنه علي ، وأمراء المدينة تظاهروا بالتشيّع فزال ملكهم للعصبية. ولم يذكر المؤرّخون من أحوال أمراء المدينة إلاّ نتفاً يسيرة وربّما كان للعصبية مدخل في ذلك ، ولم يذكرهم صاحب مجالس المؤمنين مع ذكره لكثير ممّن هم دونهم.
وفي صبح الأعشى : «وإمرتها [أي المدينة] الآن سنة 799هـ (1397م) متداولة بين بني عطية وبين بني جماز وهم جميعاً على مذهب الإمامية».
ويفهم من صبح الأعشى أنّ أوّل من ولّي إمرة المدينة مستقلاًّ بها طاهر أبو الحسين بن محمد الملقّب بمسلم بن طاهر بن الحسن بن أبي القاسم طاهر ابن يحيى بن الحسن بن جعفر حجّة الله ابن أبي جعفر عبدالله بن الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين ابن الحسين السبط ابن علي بن أبي طالب عليه‌السلام.
وكما كانت (المدينة المنوّرة) التي شهدت ميلاد المجتمع الإسلامي الأوّل تزخر بالوجود الشيعي كذلك كانت (مكّة المكرّمة) المدينة التي تهفو لها قلوب المسلمين ، وفي أفيائها الطاهرة تسكن أقدس البقاع وأطهر الأمكنة ، وفي موسم الحجّ تتهافت إليهما جموع المسلمين القاصدين الحجّ.
ولقد ضمّت مكّة والقرى المحيطة بها أعداد من الشيعة ، ويظهر ممّا
__________________
(1) دائرة المعارف الشيعية 20/210.

عن الجامع اللطيف عند ذكره ولاة مكّة كثرة الشيعة فيها في القرن السادس الهجري ، فإنّه ذكر أنّ ممّن ولّي مكّة سيف الإسلام طغتكين أخ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب سنة 581هـ (1185م) وأنّه قدم مكّة هذه السنة ومنع الأذان بـ (حيّ على خير العمل). ويظهر ممّا ذكره ابن حجر في أوّل الصواعق كثرتهم بها في القرن العاشر الهجري(1).
وكذلك فإنّ السيّد نور الدين علي العاملي أخو صاحب المدارك (ت 1068هـ) المتوفّى في مكّة ، «وقد كان ساكناً فيها ، ولا يسكنها وهو العالم الشيعي الكبير إلاّ لوجود شيعي فيها»(2). وهذا ما يفسّر بقاءه في مكّة أكثر من عشرين سنة(3).
ويذكر السيّد محسن الأمين عنه : «وكانت في ذلك العصر الكلمة والغلبة بمكّة المكرّمة لعلماء الإمامية ، وكانت الإمامة في المسجد الحرام لهم كما يدلّ عليه كلام ابن حجر في أوّل صواعقه ، حيث ذكر أنّه التمس على أقرائها بمكّة حيث إنّ مجمع الروافض بها ، وقال : «طَهّرَ الله البيت منهم». ويدلّ عليه أيضاً ما في تكملة أمل الآمل من أنّ عنده نسخة من كتاب المحاسن للبرقي في أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام بخطّ الإمام بمقام إبراهيم الخليل عليه‌السلام بالمسجد الحرام بمكّة المشرّفة السيّد الشريف عبد الله بن محمّد
__________________
(1) دائرة المعارف الشيعية 21/137.
(2) المرجع نفسه 21/137.
(3) أمل الآمل 1/125.

ابن علي الحسيني الطبري فرغ من نسخها يوم الأحد المبارك من شهر جمادى الأولى من 1044هـ (1635م).
وذكره السيّد ضامن بن شدقم في كتابه وأثنى عليه وقال : منشؤه في الشام ثمّ عطف عنان عزمه إلى البيت الحرام ، تشرّفنا برؤيته مراراً بمكّة المكرّمة سنة 1068هـ»(1).
في المقابل ، نستنتج ممّا ذكره زين العابدين بن نور الدين الحسيني الكاشاني من أعلام القرن الحادي عشر الهجري في فرحة الأنام في تأسيس بيت الله الحرام ـ وقد كان مجاوراً مكّة ـ أنّ سلطنة الحرمين الشريفين كانت بيد «المخالفين» ، أي من أهل السنّة والجماعة(2). وعندما تحدّث الحسيني عن (صفة المسجد الحرام) قال : «وأمّا الأمكنة المبتدعة لكلّ إمام من الأئمّة الأربعة ولا حاجة إلى ذكرها»(3) ، وفي ذلك إشارة إلى أنّ أروقة الحرم المكّي كانت تشهد تدريساً لفقه المذاهب الأربعة بشكل رسمي ونظامي ، أمّا حلقات التدريس طبقاً للمذهب الشيعي الإمامي فقد كانت على الأرجح تتمّ في نطاق ضيّق وبحذر شديد ، ورغم ذلك فإنّ عدم تطرّق السيّد الحسيني إلى حلقات الدرس الشرعي الإمامي ولو بإشارة خاطفة أمرٌ يسترعي الانتباه حقّاً. من هنا يمكن القول أنّ محاولة السيّد محسن الأمين إعطاء الوجود الإمامي في
__________________
(1) أعيان الشيعة 8/289.
(2) فرحة الأنام في تأسيس بيت الله الحرام : 56.
(3) فرحة الأنام : 97.

الحجاز زخماً أكبر ، والمبالغة في تقدير حجمه في بلاد الحرمين أمر يتّسم بعدم الدقّة ، خصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الفتن الطائفية التي اندلعت في بحر هذا القرن ، فقد انتشرت بين سكّان مكّة في ذلك الحين إشاعة مفادها أنّ الشيعة لا يتمّ حجّهم في مذهبهم إلاّ إذا لوّثوا الكعبة بالنجاسة ، وقد صدّق الكثير من الناس هذه الإشاعة كما هي عادة الناس عند استفحال التعقّب الطائفي لديهم ، وفي 8 شوال 1088هـ (4 ديسمبر 1677م) وقعت فتنة طائفية في مكّة المكرّمة من جرّاء تلك الإشاعة ، ننقل فيما يلي وصفاً لتلك الحادثة كما رواها رجل من أهل مكّة شاهدها بنفسه ، حيث قال ما نصّه :
«وفي سنة ثمان وثمانين وألف يوم الخميس ثامن شوّال منها وقع حادث غريب ، وكارثة عجيبة ، هو أنّه وقع في ليلته أن لوّث الحجر الأسود وباب الكعبة ومصلّى الجمعة وأستار البيت الشريف بشيء يشبه العذرة في النتن والخبث ، فصار كلّ من يريد تقبيل الحجر يتلوّث وجهه ويداه ، ففزعت الناس من ذلك ، وضجّت الأتراك واجتمعت ، وغسل الحجر والباب والأستار بالماء ، وبقي الأتراك والحجّاج والمجاورون في أمر عظيم ، وكان إذ ذاك رجل من فضلاء الأروام يلقّب درس عام ، فكان يرى جماعة من الأرفاض بالمسجد الحرام ، وينظر صلاتهم وسجودهم وحركاتهم عند البيت والمقام ، فيحترق لذلك ويتأوّه ، فلمّا وقع هذا الواقع قال : ليس هذا إلاّ فعل هؤلاء الأرفاض اللئام ، الذين يلازمون المسجد الحرام ، وكان حينئذ مع قضاء الملك العلاّم ، السيّد محمّد مؤمن الرضوي قاعداً خلف المقام ، يتلو كتاب الله ذي

الجلال والإكرام ، فأتوا إليه ، وأُخذت الختمة من يديه ، وضُرب على رأسه ، وسُحب حتّى أخرج من باب المسجد المعروف بباب الزيادة فطرح خارج الباب ، وضرب بالحجارة والكسارات حتّى زهق ومات ، وفي حال مسكهم إيّاه من المسجد كلّمهم فيه شخص شريف من السادة الرفاعية يسمّى السيّد شمس الدين ، فعدوا عليه وألحقوه به ، فضرب حتّى مات وجرّ ، ثمّ أصابوا آخر فضربوه وأخرجوه وقتلوه ، وعلى من قبله طرحوه ، ثمّ فعلوا ذلك برابع ، ثمّ بخامس ، ولقد رأيتهم مطروحين ، وبقي بعضهم على بعض ، الآتي والذاهب يوسعهم السبّ والركل ، ولقد رأيت ذلك الشيء وتأمّلته فإذا هو ليس من القاذورات ، وإنّما هو من أنواع الخضراوات ، عجين بعدس ممخخ وأدهان معفّنات ، فصار ريحه ريح النجاسات ، وكان هذا الفعل عند مغيب القمر من تلك الليلة ، ليلة الخميس ثامن الشهر المذكور ، ولم يعلم الفاعل لذلك ، وغلب بعض الظنون أنّ ذلك جعل عمداً وسيلة إلى قتل أولئك ، والله أعلم بالسرائر ، وهو متولّي الباطن والظاهر»(1). وقد تكرّرت هذه الأحداث المؤسفة في مكّة وأخذت بعضها طابعاً دمويّا وراح ضحيّتها عدد من علماء الإمامية في ظلّ موجة من الكراهية الطائفية أدّت بعضها إلى طرد الشيعة نهائيّاً من مكّة(2).
ولعلّ في إشارة الحسيني الكاشاني ، زين العابدين بن نور الدين في
__________________
(1) قصّة الأشراف وآل سعود : 37 ـ 38.
(2) قصّة الأشراف وآل سعود : 38.

كتابه فرحة الأنام من استياء شيخ الحرم المكّي من دور الكاشاني (مجتهد الرافضة)(1) في تأسيس الكعبة وإعادة إعمارها ما يعطي ظلالاً لطبيعة الجوّ المحتقن طائفيّاً وقتها.
وقد ذكر الكاشاني أسماء عدد من علماء الإمامية الذين ساهموا في إعادة إعمار بيت الله الحرام بعد سقوط أمطار غزيرة شتاء عام 1039هـ (1630م) حينما دخل سيل عظيم في المسجد الحرام وغمر الكعبة ، وأحدث دماراً كبيراً في الحرم المكّي ، كما خلّف خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ، وهم : «محمّد الحسين ، وسيّد أحمد بن محمّد معصوم(2) ، ومحمّد علي بن عاشور وأبوه ، وحسن بن عبدالله السمناني المكّي ، ودرويش حيدر الكشميري ، وميرزا خان الكشميري ، والحاج حسن علي الأردبيلي ، والحاج معصوم بيك التبريزي ، وحاجي محمّد شفيع التبريزي وولده إبراهيم بيك ، والشيخ طائف رفيع السيّد ، ولدي أبو جعفر ، وإسماعيل ابن شهيد أوغلي ، والشيخ عبد علي وعبدان للفقير هما : مفلح ونافع»(3).
__________________
(1) فرحة الأنام : 38.
(2) والد السيّد علي خان المدني صاحب (سلافة العصر) ، والسيّد أحمد كان تلميذاً للشيخ محمّد أمين الاسترابادي ، وأنّ وفاته كانت في سنة 1086 هـ ، خاتمة مستدرك الوسائل 1/244.
(3) فرحة الأنام : 109 ـ 111.

ثالثاً : مظاهر النشاط العلمي في مكّة والمدينة
تعدّدت الأسباب والبواعث التي كانت تدفع علماء الأمصار من مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى اتّخاذ المدينتين المقدّستين : (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) مكاناً للسكن والإقامة الدائمة أو المؤقّتة ، وحيث إنّ الدراسة تستهدف بالبحث رصد مظاهر النشاط العلمي لعلماء الإمامية من الذين اتّخذوا من هاتين المدينتين مقرّاً لإقامتهم ، فإنّنا سنحاول هنا إبراز أهمِّ هذه الأدوار العلمية التي نهضوا بها في بلاد الحرمين ، من خلال الاستشهاد بنماذج محدودة نرى أنّها تصلح إلى حدّ بعيد في الخروج باستنتاج قابل للتعميم وصولاً إلى نتائج معيّنة في الموضوع.
1) المجاورة :
رغم اختلاف الدوافع وتباين الأهداف التي كانت تدفع علماء الإسلام على مرّ العصور إلى الارتشاف الإيماني من ربوع أقدس البقاع وأطهرها في مكّة والمدينة ، إلاّ أنّ المقطوع به أنّ هذه الفئة ساهمت بشكل كبير في إثراء الحركة العلمية ومدّها بأسباب النموّ والازدهار ، وكما كانت الأهداف تتباين ، كانت المدّة التي يرغب المسلم المتعطّش لقضائها مجاوراً بيت الله الحرام أو قبر النبي (صلى الله عليه وآله) طامحاً في التعرّض للنفحات القدسية المباركة تختلف بدورها ؛ فمن هؤلاء من ربط بقاءه بنهاية أداء النسك ، ومنهم من مكث فيها فترة من

الزمن راغباً بالجوار ومستمتعاً براحة البال ، على أن يرحل منها بعد تحقيق الأهداف التي بقي من أجلها ، بيد أنّ فئة ثالثة من أولئك القادمين قد راموا الاستقرار الدائم فيها ليختموا حياتهم الدنيا في أقدس البقاع وأطهرها. وعلى الفئتين الأخيرتين أطلق لقب المجاورين.
وتزخر الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت عليهم‌السلام من توجيهات حاثّة على استحباب زيارتهم عليهم‌السلام ، فعن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : «بينما الحسين بن علي عليه‌السلام في حِجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ رفع رأسه فقال له : يا أبة ما لمن زارَك بعد موتك؟ فقال : يابنيّ من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنّة ، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنّة ، ومن أتى أخاك بعد موته فله الجنّة ، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنّة»(1).
وعن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة»(2).
وعن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : «قالَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من أتى مكّة حاجّاً ولم يزرني بالمدينة جفوته يوم القيامة ؛ ومن زارني زائراً وجبت له شفاعتي ؛ ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة ، ومن مات في أحد الحرمين ؛ مكّة أو المدينة لم يعرض إلى الحساب ؛ ومات مهاجراً إلى الله ، وحشر يوم القيامة
__________________
(1) كامل الزيارات : 9.
(2) كامل الزيارات : 10.

مع أصحاب بدر»(1).
وعن علىِّ بن الحسين : عليه‌السلام قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إلىَّ في حياتي ، فإنّ لم تستطيعوا فابعثوا إلىَّ بالسّلام فإنّه يبلغني»(2).
ولعلّ هذا ما يفسّر ظاهرة ازدهار حواضر العلم في العالم الإسلامي عند الإمامية بالقرب من مراقد الأئمّة عليهم‌السلام في المدن المقدّسة : المدينة المنوّرة ، النجف الأشرف ، كربلاء المقدّسة ، قم المقدّسة ، وخراسان ، والكاظمية.
ولقد ذكرنا أبرز من جاور المدينتين المقدّسيتن مكّة والمدينة من علماء الإمامية منهم : محمّد الشدقمي المدني الحسيني وكان حافظاً للقرآن بالقرآءات السبع(3) ، وحيدر بن علي بن نجم الدين الموسوي العاملي (ت 1063هـ/ 1653م)(4) ، والمير حسين القاضي(5) ، وإبراهيم بن عبد الله الخطيب الإسترآبادي(6) ، ونعمة الله بن علي بن أحمد الحسيني الحسني النسّابة(7) المجاور للمدينة المنوّرة وآخرين.
__________________
(1) كامل الزيارات : 11.
(2) كامل الزيارات : 12.
(3) الروضة النضرة : 523.
(4) الروضة النضرة : 194.
(5) الروضة النضرة : 178.
(6) الروضة النضرة : 3.
(7) الروضة النضرة : 619.

2) طلب العلم :
لعلّ من أبرز الدوافع التي كانت تحرّك علماء الإسلام من مختلف المذاهب الإسلامية ، ومنهم علماء الإمامية للهجرة إلى (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) هو الهدف العلمي ، فقد كانت المدينتان المقدّستان تعجّان بنشاط علمي واسع ، كان فيه دور علماء الإمامية بارزاً ومؤثراً ، فهذا مصطفى ابن محمّد التبريزي صاحب تحفة القرّاء وتحفة الأبرار تشرّف بزيارة العتبات ثلاث مرّات وللحجّ ثلاث مرّات ، وفي الحجّة الثانية قرأ بمكّة على إسماعيل القاري وقرأ في سائر أسفاره على جمع من قرّاء العرب مدّة ثلاثين سنة ، وكتب في حجّه الثالث 1067هـ التحفة بين الحرمين راجعاً عن الحجّ ، ولمّا حجّ ورجع إلى إصفهان لازم خدمة مجتهد الزمان الآخوند الملاّ محمّد الخراساني ، يراجع في مشكلاته ويأخذ منه أحكامه(1).
وكان السيّد مرتضى ابن المصطفى التبريزي تملّك نسخة تّامّة من أوّل (الأُصول) إلى آخر (الرّوضة) في الكافي ، وقرأ أكثره على شيخه الملاّ محمّد مؤمن ابن الشاه قاسم السبزواري ، فكتب شيخه إجازة مفصّلة في آخره في 1060هـ (1650م) وذكر فيها من مشايخه محمّد الشهير بنصر المحدّث التوني والحسن بن المشغري الراويين عن الميرزا محمّد الرجالي الاسترابادي ، وقد قرأ عليه أيّام مجاورتهما لمكّة ، وثالثهما بدر الدين الحسيني العاملي المدرّس
__________________
(1) الروضة النضرة : 565 ـ 566

في الروضة الرضويّة والراوي عن البهائي(1).
وجاء في مجموعة التذكارات لبهاء الدين علي بن يونس الحسيني التفريشي التي كتبها في 1024هـ (1615م) وقدّمها لأُستاذه محمّد السبط ، فكتب له : «بسم الله والحمد لله. يقول فقير عفو الله محمّد بن الحسن العاملي إنّ السيّد السند ... ثمّ إنّي اشتغلت بما لابدّ منه من العلوم العقليّة والنقليّة على والدي جمال الدين الحسن قدس‌سره وبعد ذلك على شيخي السيّد شمس الدين محمّد ابن أبي الحسن ... وبعد وفاتهما توجّهت إلى مكّة أقمت نحواً من خمس سنين مشتغلاً في الحديث على الميرزا محمّد الاسترآبادي ...
وفي أثنائها بما لابدّ منه من الأُصول على السيّد ... الأمير نصير الدين حسين قدس‌سره ، مضافا إلى ما لابدّ منه من العلوم على المولى ... محمّد أمين ، وصرفتُ برهة في الاشتغال على بعض العامّة ... إلى أن سهّل الله الوصول إلى العتبات ... وصرتُ منتظماً في سلك أصحاب الإجازات تيمّناً»(2).
وقد أجيز علي رضا ابن آقا جاني من الميرزا محمّد الاسترابادي الرجالي بمكّة بعد قراءته عليه أكثر كتاب التهذيب ، فكتب شيخه له إجازة بخطّه صورتها وهي في آخر النسخة هكذا :
«بسم الله والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد فقد ذاكر المولى الفاضل الورع ، خلاصة الأفاضل المتورّعين مولانا علي رضا وفّقه الله
__________________
(1) الروضة النضرة : 559 ـ 560.
(2) الروضة النضرة : 520.

لما يحبّ ويرضى أكثر كتاب تهذيب الأحكام وبحث تفتيش وتحقيق وإتقان في مدّة من الزمان وكذلك جملة من بقيّة الكتب الأربعة المشهورة في هذا الزمان ، فلمّا لم يساعده على إتمامها حوادث الأيّام أجزت له روايتها بطرقي المقرّرة وأعلاها ما نبّهت عليه في كتب الرجال وإنّما اكتفينا عن التفصيل بهذا الإجمال لضيق المجال وقرب الترحال ، مشرطاً عليه الأخذ بطريق الاحتياط وملازمة الجادّة الموظّفة بين أُولي الفضل والكمال. كتب ذلك العبد الفقير إلى رحمة ربّه الهادي محمّد بن علي الاسترابادي في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام بمكّة المكرّمة زادها الله تعظيماً وتشريفاً سنة ستّ عشرة بعد الألف سنة 1016هـ (1607م) حامداً مصلّياً على محمّد نبيّه وآله مسلّماً مستغفراً عفي عنهما بمحمّد وآله»(1).
وقد قرأ رحمة الله الگيلاني الحيدر آبادي مؤلّف برهان القارئ في تجريد كلام الباري في مكّة على أحمد الجكمي ، وكان نزيل حيدر آباد الهند وحجّ منها 1042هـ (1632م) وعاد إلى حيدر آباد 1045هـ (1635)(2).
وقد تتلمذ حسين العيناثي العاملي في مكّة على محمّد أمين
__________________
(1) الروضة النضرة : 398.
(2) الروضة النضرة : 217.

الإسترآبادي(1) ، وهو أستاذ الحرّ العاملي وقد أجازه سنة 1051هـ (1641م) كما ذكره في آخر الجواهر السنيّة. وقال الحرّ العاملي(2) : «كان فاضلاً عالماً ثقةً صالحاً زاهداً عابداً فقيهاً ماهراً شاعراً ، قرأ عنده أكثر الفضلاء المعاصرين ، بل جماعة من المشايخ السابقين عليهم ، وأكثر تلامذته صاروا فضلاء علماء ببركة أنفاسه. قرأت عنده جملة من كتب العربية والفقه وغيرهما من الفنون ، وممّا قرأت عنده أكثر كتاب المختلف ، وألّف رسائل متعدّدة وكتاباً في الحديث وكتاباً في العبادات والدعاء وهو أوّل من أجازني وكان ساكناً في بلدة جبع ومات بها. انتهى».
ويوجد بخطّه في مكتبة (مدرسة البروجردي) في النجف الفوائد المدنية لأُستاذه محمّد أمين فرغ منه مؤلّفه 1031هـ (1622م) وفرغ من كتابته نهار الأربعاء 27 ذي الحجّة 1047هـ وكتب معه الإثنى عشرية الحجيّة للبهائي في 1025هـ (1616م) ورسالة في عدم جواز تقليد الميّت للشهيد الثاني. قال بعد ذكر نسبه : «المشتهر بابن الحسام العيناثي العاملي»(3).
كما سافر جمال الدين ابن نور الدين علي الجبعي الموسوي العاملي (ت 1097هـ/ 1686م) ، قال الحرّ العاملي : «عالم ، فاضل ، مدقّق ، ماهر ،
__________________
(1) رياض العلماء وحياض الفضلاء 1/44.
(2) أمل الآمل 1/70.
(3) الروضة النضرة : 173 ـ 174.

أديب شاعر ، كان شريكنا في الدرس عند جماعة من مشايخنا ، سافر إلى مكّة وجاور بها ثمّ إلى مشهد الرضا عليه‌السلام ثمّ إلى حيدر آباد وهو الآن ساكن بها ، مرجع لفضلائها ، وله شعر كثير ومعمّيات ، وله حواش كثيرة ، وأورد جملة من أشعاره»(1).
كما جاور مكّة محمّد باقر السبزواري ، ابن محمّد مؤمن (ت 1090هـ/ 1679م) في عام 1062هـ (1652م) ، وقد وصفه الحرّ العاملي بـ : «العالم الفاضل الحكيم المتكلّم ، الجليل القدر» وهو من المجتهدين المتبحّرين في علوم الدين وسائر الفنون والعلوم وأصناف المنطوق والمفهوم. وله الرواية عن محمّد تقي المجلسي (ت 1070هـ/ 1660م) وعن نور الدين علي بن علي بن حسين بن أبي الحسن العاملي (ت 1068 هـ/ 1658م) ، وكان يدرّس بإصفهان بالمدرسة (السميعية) وأوقف لها مكتبة فاشتهرت المدرسة بعد تدريسه فيها باسمه(2).
كما كان للميرزا محمّد أمين الاسترابادي صاحب الفوائد المدنية والفوائد المكّية دور تعليمي مهمّ في مكّة والمدينة ، فقد جاور المدينة ثمّ مكّة وبها توفّي سنة 1036هـ (1627م) ، عنه أخذ جمّ غفير من العلماء
__________________
(1) الروضة النضرة : 122.
(2) الروضة النضرة : 71 ـ 72.

وتلمّذوا عليه ، وله إجازته بخطّه لتلميذه المير عبدالهادي الحسيني التستري كتبها له على ظهر الفقيه بعد قراءته عليه في 1029هـ (1620م)(1).
وممّن كان لهم دور تعليمي مهمّ : حسن العاملي ، ويظهر من إجازة محمّد مؤمن ابن شاه قاسم السبزواري (ت قبل 1077هـ/ 1666م) لمير مرتضى بن مصطفى التبريزي التي كتبها في 1060هـ (1650م) له بخطّه الجيّد : «إنّي قد قرأت معظم الكتب الأربعة على شيخي ومعتمدي وثقتي المبرور المرحوم الفاضل النقي محمّد الشهير بنصر المحدّث التّوني رحمه‌الله ، ثمّ قابلت بعض ما بقى منها مع الشيخ المرحوم المغفور الورع التقي النقي الكامل الشيخ حسن بن المشغري وهما قد قرآ الكتب الأربعة وغيرها مدّة مجاورتهما ببيت الله الحرام على الشيخ السعيد الفاضل الكامل الميرزا محمّد الاسترابادي الذي يروي عن الشيخ إبراهيم بن علي بن عبدالعالي الميسي». كما قرأ على الميرزا الاسترابادي (ت 1028هـ/ 1619م) مؤلّف كتاب الرجال أَوَانَ مجاورته بمكّة(2).
وكان الدرس الفقهي الذي يتّخذ من كتب (الحديث) و (الرواية) محوراً للعملية التعليمية مزدهر بشكل ملحوظ ، وينقل الحرّ العاملي في ترجمته
__________________
(1) الروضة النضرة : 56.
(2) الروضة النضرة : 149 ـ 150.

لأحمد ابن الحسين النباطي العاملي أنّه : «كان عالماً فاضلاً أديباً صالحاً عابداً ورعاً ، وكان شريكنا في الدرس حال القراءة على زين الدين بن محمّد بن الحسن بن الشهيد والحسين بن الحسن بن يونس الظهيري العاملي والعمّ محمّد بن علي الحرّ العاملي في مكّة وتوفّي بالنبطية في 1079هـ»(1).
ويذكر الحسيني الكاشاني ، زين العابدين بن نور الدين بامتنان شديد تأثير زوجته وأمّ ولده محمّد الباقر ، «سكينة بيكَم رحمها الله التي كانت معينتي في طلب العلم بمكّة المعظّمة»(2) وقد ماتت ودفنت في مكّة.
كلّ ذلك يؤكّد أنّ علماء الإمامية شاركوا في القرن الحادي عشر بفعالية في الحياة العلمية في مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، مستفيدين من وجود كبار العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية الذين كانوا يتوافدون دون انقطاع لأداء مناسك الحجّ وزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) أو لمجاورة هاتين البقعتين المقدّستين.
3) التصنيف العلمي :
لعلّ من أبرز المظاهر الدالّة على وجود حركة علمية نشطة في مكّة
__________________
(1) الروضة النضرة : 38 ؛ رياض العلماء 3/274.
(2) فرحة الأنام : 107.

والمدينة المنوّرة في غضون القرن الحادي عشر هو كثافة ما صنّفه العلماء المسلمون من كتب ومصنّفات علمية في مختلف العلوم الإسلامية وعلى رأسها الفقه والحديث والتفسير والتاريخ وعلم الرجال والتراجم وعلم الفلك والطبّ والحساب واللغة.
ومن أبرز علماء الإمامية المصنّفين عبدالنبي بن سعد الجزائري (ت 1021هـ/ 1612م) ، الذي كتب في المدينة المنوّرة بأمر شمس الدين بن علي الشدقمي المدني شرحاً على إرشاد الأذهان عُرف بـ : الاقتصاد في شرح الإرشاد(1).
كما صنّف محمّد أمين الاسترابادي (ت 1036هـ/ 1627م) الفوائد المدنية والفوائد المكّية ، حيث كان متصلّبا في الأخبارية ضدّ الأُصوليّين وأهل العقل ، ويظهر من فوائده المدنية أنّ له شرح أُصول الكافي وشرح الاستبصار وشرح تهذيب الأحكام ، وقد ردّ على المحقّق الدواني والمولى صدرا في حواشيهما على شرح التجريد ، وله رسالة في البداء وأُخرى في طهارة الخمر ونجاستها ، وجواب مسائل الحسين الظهيري العاملي ، و (دانش نامه) فارسي في مسائل كلامية متفرّقة ، والمسائل الكلامية الثلاث في : (علم الله) و (ربط الحادث بالقديم) و (أفعال العباد). وقد شاهد الشيخ يوسف
__________________
(1) الروضة النضرة : 267 ـ 268.

البحراني له حاشية بعض أبواب الطهارة من المدارك(1).
كما ألّف أحمد المكّي ابن شهاب الدين الفضل بن محمّد باكثير في مكّة عام 1027هـ (1618م) كتابه وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل أخرج فيه مناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام من كونه أخاً للرسول ووصيّاً ووزيراً له وغير ذلك من عقائد الشيعة ، والله العالم بالسرائر(2).
كما وضع خضر الموصلي (ت 1007هـ/ 1599م) نزيل مكّة المعظّمة كتابه الإسعاف في 1003هـ (1595م) ، ويظهر من الإسعاف كونه إماميّا كما في نسخة موجودة في مكتبة مدرسة (سپهسالار)(3).
كما وضع الملاّ خليل القزويني (ت 1089هـ/ 1678م) بعض المصنّفات التي كتبها في مكّة المكرّمة ، ويذكر الحرّ العاملي(4) أنّه كان : «فاضلاً ، علاّمة ، حكيماً ، متكلّماً ، محقّقاً مدقّقاً ، فقيهاً ، محدّثاً ، ثقةً ، جامعاً للفضائل ، ماهراً ، معاصراً ، له مؤلّفات ؛ شرح الكافي فارسي وشرح عربي وشرح عدّة الأُصول ورسالة الجمعة وحاشية مجمع البيان والرسالة القمّية
__________________
(1) أمل الآمل 2/112.
(2) الروضة النضرة : 37 ـ 38.
(3) الروضة النضرة : 199 ـ 200.
(4) الروضة النضرة : 199 ـ 200.

والمجمل في النحو ورموز التفاسير الواقعة في الكافي والروضة. رأيته بمكّة الحجّة الأُولى كان مجاوراً بها مشغولاً بتأليف حاشية مجمع البيان»(1).
ومن المصنّفين الإمامية شمسا الگيلاني الإصفهاني وهو من الذين وفِّقوا لمجاورة بيت الله الحرام ، وتركوا تراثاً غزيراً ومتنوّعاً ، ومن مصنّفاته : إثبات الواجب وأسئلة سألها عن أُستاذه ملاّ صدرا (ت 1050هـ/ 1640م) والتحقيقات ألّفها سنة 1045هـ (1635م) وحدوث العالم وتفسير هل أتى ، والحاشية على الشرح الجديد والقديم للتجريد ، والحاشية على شرح حكمة العين ، والحاشية على كتاب المعالم واسمها فصول الأُصول ، والحكمة المتعالية ، ودفع شبهة ابن كمّونة ، وشرح خلاصة الحساب لأُستاذه البهائي والعلم الإلهي أو النورية ألّفها بمكّة 1048هـ (1638م) ، وتوجد رسالته في علم الواجب ، ورسالته في الوجود عند صدر الدين بن الشيخ أحمد الناهضي في النجف ذكر في آخره : «أنّه تمّ على يد مؤلّفه أقلّ العباد ، المجاور بمكّة خير البلاد ، وزادها الله تعالى خيراً وشرفاً إلى يوم الميعاد ، أفقر خلق الله الغني محمّد المشتهر بـ : شمسا الجيلاني غفر الله له ولوالديه ولجميع من له حقّ عليهما أو عليه في تأريخ 1048هـ حامداً مصلّياً مستغفراً»(2).
__________________
(1) الروضة النضرة : 203 ـ 204.
(2) الروضة النضرة : 266 ـ 267.


4) نَسْخُ الكتب :
من الأدوار التي قام بها العلماء وطلبة العلم في العصور السابقة في خدمة العلم (نَسْخُ الكتب) والتي كانت الوسيلة الأبرز لحفظ المصنّفات العلمية وصيانتها من الاندثار والضياع ، وكان لابدّ لمن يعمل في هذه المهنة أن يكون ذا خطٍّ جميل أو حسن مضبوط ، ودقيق وواضح على أقلّ تقدير ، وقد اشتهر في ذلك جملة من النسّاخ ، وصف خطّهم من ترجم لهم بأنّ خطوطهم غاية في الحسن والجمال أو الضبط.
والجدير بالذكر أنّ (نسخ الكتب) أو (الوراقة) بوصفها حرفة لم تكن تغري الناس ، فلا يقدّم على العمل بها إلاّ من يعمل منهم في طلب العلم من العلماء والطلبة ، إضافة إلى من كان حسن الخطّ جيّده ، وقد يكون العالم

ميسور الحال ممّا يدفعه إلى أن يتّخذ جملة من النسّاخ يعهد إليهم بنسخ ما يحتاجه هو أو طلاّبه.
ولقد كان نشر الكتب والمخطوطات وتوزيعها عن طريق النسخ من العوامل التي ساعد فيها النسّاخ مساعدة كبيرة ، خاصّة بمقاييس تلك الفترة التي لم يكن فيها غير طريق النسخ يمكن الركون إليه في استمرار هذه العملية التي كان الدور المنوط بها ضمن أدوار أخرى متعدّدة هو توفير قدر كاف من النسخ الخطّية بعدد طلبة العلم المعنيّين بها(1).
ومن أبرز العلماء الذين نسخوا بعض الكتب السيّد بدر الدين أحمد بن إدريس العاملي الحسيني ، حيث كتب بخطّه نسخة منتقى الجمان تأليف صاحب المعالم الذي فرغ من تأليفه في دمشق 26 شعبان 1006 هـ (ابريل 1598 م) وفرغ صاحب الترجمة من كتابتها في مكّة 1017 هـ (1608 م) وقد كتبها عن نسخة خطّ المؤلّف قرأها على شيخه محمّد السبط في مكّة(2).
كما كتب محمّد زمان الحسيني بن إسماعيل بخطّه خلاصة الأقوال للحلّي في 1007 هـ (1599 م) والنسخة في (الرضوية) وقف محمّد زمان في 1024 هـ (1615 م) ، والمظنون أنّ الواقف هو الكاتب يعني ابن إسماعيل
__________________
(1) صناعة المخطوطات في نجد : 201.
(2) الروضة النضرة : 16.

الحسيني الذي ذكر في آخر الخلاصة أنّه استنسخه من أصل منقول عن خطّ أبي المظفّر يحيى ابن فخر المحقّقين ابن المصنّف ، ثمّ قابله وصحّحه ثانياً في المدينة المباركة مع نسخة خطّ المصنّف بكمال الدقّة ، فيظهر من جميع ذلك أنّ صاحب الترجمة من الأفاضل. والسيّد محمّد زمان قد وقف بعض الكتب على الخزانة الرضوية ، منها المجلّد الأوّل من التهذيب في 1024 هـ (1615 م) وكذا مجلّده الثاني وكمال الدين وتمام من لا يحضره الفقيه الذي كتبه بخطّه فوقّفه في التأريخ المذكور للخزانة الرضوية(1).
وقد كتب محمّد بن علي الحسيني العاملي تملّكه ونسبه في ظهر من لا يحضره الفقيه بعد أن اشتراه في مكّة عام 1007 هـ (1599م) ، والمظنون أنّ المترجم له أخ الحسين المشتري للنسخة ، وقد كتب تملّكه بعد خطّ أخيه ، ولعلّه انتقل إليه بعد موته. والنسخة في مكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام العامّة في النجف(2).
كما كتب نور الدين علي بن علي بن الحسين بن أبي الحسن العاملي (ت 1068هـ) إجازة لمحمّد محسن الإسترآبادي (ت 1089هـ/ 1678م) كتبها له في 1051هـ (1641م) بمكّة وصورتها موجودة في بحار الأنوار(3).
وقد استنسخ المير أبو المحاسن فضل الله دستغيب كتاب الرجال الكبير
__________________
(1) الروضة النضرة : 232 ـ 233.
(2) الروضة النضرة : 522.
(3) الروضة النضرة : 489 ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار 107/25.

للميرزا الإسترآبادي كتبها بخطّه في حياة أُستاذه المؤلّف في مكّة وفرغ من الكتابة 27 / رجب / 1022هـ (12 سبتمبر 1613م) وفرغ من المقابلة مع نسخة خطّ المؤلّف في أواخر شعبان 1022هـ (سبتمبر 1613م) وعليها بعض الحواشي من (المصنّف بخطّه دام ظلّه) وقد توفّي المصنّف أواخر ذي القعدة 1022هـ (سبتمبر 1613م) ، وقد اشترك مع صاحب الترجمة بعض المسافرين معه إلى مكّة وعاونوه في الكتابة والمقابلة ، وبين تمام المقابلة ووفاة المصنّف ثلاثة أشهر تقريباً ، وهذه النسخة موجودة في مكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام العامّة في النجف(1).
كما نلاحظ أنّ علي بن إبراهيم النجفي قد تملّك نسخة تفسير فرات المصحّحة المكتوبة بمكّة 1083هـ ، ولم يكن لتملّكه تأريخ ولكن نقش خاتمه 1083هـ (1672م) وصرّح بأنّه صحّحها مرّة ثانية(2).
أمّا عيسى بن زين العابدين المازندراني فقد كتب بخطّه من لا يحضره الفقيه في أربعة أجزاء ومشيخته في مكّة في 19 شوّال 1053هـ (31 ديسمبر 1643م) وعلى ظهره : «إنّ مالكه كاتبه» ، وقد كانت عند الشيخ آقا بزرك الطهراني بعض أجزاء منه ، وقد كتب عليها حواشي كثيرة لغوية وغيرها تدلّ على مهارته في اللغة والحديث وغيرها(3).
__________________
(1) الروضة النضرة : 440 ـ 441.
(2) الروضة النضرة : 417.
(3) الروضة النضرة : 423.

كما قام عبدالله بن علي الطائي بمقابلة كتاب علل الشرايع وصحّحه في مكّة في 1073هـ (1663م) ، وقابل المير محمّد زمان الطباطبائي نسخته بهذه النسخة في 1125هـ (1616م) ، وكتب ذلك في آخر نسخته مفصّلا(1).
ولمحمّد صادق التويسركاني (حيّاً 1062هـ/ 1652م) تلميذ البهائي شرح لغز النحو بعد إرسال البهائي اللّغز إليه ، فشرحه بـ : (قال أقول) شرحاً لطيفاً نسج في الشرح على أُسلوب أصله وأسماه : زهر الحديقة ، وتوجد منه نسخة في مكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام بقلم قرچغاي خان بتاريخ ج2 سنة 1062هـ (مايو 1652م) ، عليها حواش «منه سلّمه الله ودام بقائه». وقد رأى الطهراني نسخة أُخرى منه في خزانة محمّد حسن كبّة بخطّ مهدي بن نعمة الله بن جمال الدين الحسيني في مكّة في 1173هـ (1760م)(2).
وقد كتب شيخ صنعان بخطّه الفارسي شهادة على نسخة من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، أنّه قوبل مع نسخة خطّ المرندي في سنة 1033هـ (1624م) وفي آخر بعض الأجزاء كتب أنّه استكتب في مكّة. وهذه النسخة موجودة في مكتبة (سپهسالار)(3).
كما كتب محمّد سلمان الصفوي ابن شيخ شاه الأردبيلي بخطّه إيضاح
__________________
(1) الروضة النضرة : 350.
(2) الروضة النضرة : 276.
(3) الروضة النضرة : 271.

الاشتباه للحلّي في 1024هـ (1615م) ، وعلى ظهر النسخة بخطّه : «اللهمّ انفع بها لي ولسائر الشيعة» ، وكتب بخطّه أيضاً ترتيب رجال النجاشي لمحمّد تقي الخادم الأنصاري ، وقد كتبه بمكّة 1024هـ معبّراً عن نفسه بمحمّد سلمان الشريف الصفوي الأردبيلي(1).
وقد اشترى حسين بن علي بن زين الدين الحسيني العاملي من مكّة في سنة 1007هـ (1599م) نسخة من من لا يحضر الفقيه ، وكتب عليه نسبه كذلك. والنسخة موجودة في مكتبة أمير المؤمنين عليه‌السلام (2).
وعندما جاور حامد بن محمّد الإسترآبادي مكّة أكثر من خمس سنين كتب تمام الكافي هناك في أربع مجلّدات موجودة بخطّه ، وكان مشغولاً بنسخه بين العامين 25 ـ 1026هـ (16 ـ 1617م) وخطّه جيّد مجدول مذهب ، وبعد الكتابة قرأها على مشايخه وكتبوا بلاغاتهم على النسخة ، بعضها بعنوان : «بلغ مولانا أيّده الله سماعاً بسماع تحقيق وتدقيق»(3).
كما كتب محمّد أمين القمّي بخطّه لنفسه خلاصة الأقوال في الرجال
__________________
(1) الروضة النضرة : 248.
(2) الروضة النضرة : 169 ـ 170.
(3) الروضة النضرة : 130.

للحلّي في مكّة فرغ منه في ج2/ 1009هـ (ديسمبر 1600م) ، ثمّ وقفه لكافّة الشيعة وشرط التولية لنفسه ما دام حيّاً ، وكتب الوقفية في أوّل القسم الثاني نظماً ونثراً(1).
كما جاور الحاجّ حسين بن محمّد علي المكّي مكّة واستكتب هناك عدّة كتب منها مجلّدين كبيرين من جامع المقاصد(2).
ومن العلماء الذين كان لهم إسهام واضح في حركة نسخ الكتب في مكّة حسين النيشابوري المكّي ، فقد نزل مكّة وجاور بيت الله الحرام ومات بها ، واستكتب فيها باب (إحياء الموات) إلى آخر المواريث من كتاب جامع المقاصد في مجلّد كبير ، كما كتب بخطّه على ظهر النسخة ، ونقلت بعده إلى ولده محمّد باقر ، كما كتبه الولد أيضاً بخطّه في جنب خطّ والده. ومن آثاره نسخة من المدارك كتبها بخطّه ثمّ قابلها وصحّحها بنسخة خطّ المؤلّف وكتب شهادة مقابلته وتاريخ تصحيحه في 18 / ج2 / 1054هـ (22 اغسطس 1644م) على هامش النسخة الموجودة(3).
كما كتب محمّد تقي السرخ آبي المازندراني بخطّه كمال الدين وفرغ
__________________
(1) الروضة النضرة : 59.
(2) الروضة النضرة : 74.
(3) الروضة النضرة : 187.

منه في مكّة في جبل أبي قبيس 11 / شوال/ 1054هـ. (11 ديسمبر 1644م) والنسخة في كتب (الخوانساري)(1). كما نسخ محمّد سلمان الشريف الصفوي الأردبيلي ترتيب محمّد تقي الخادم الأنصاري لكتاب النجاشي في أواسط شعبان سنة 1006هـ (مارس 1598م) كتبها بمكّة في 1024هـ (1615م)(2).
كما كتب بهاء الدين بن محمّد الشيرازي بخطّه في سنة 1060هـ (1650م) الوقف والوصل لمحمّد بن محمّد الزندوي البخاوي ، كما كتب بخطّه في مكّة الإرشاد للمفيد وألحق به فوائد ورسالات وعليه حواش كثيرة بخطّه النسخ الجيّد ، فيها رسالات وفوائد أُخر كتبها محمّد علي بن محمّد صالح الشيباني الشيرازي في مكّة في 27 رمضان 1073هـ (5 مايو 1663م)(3).
أمّا أحمد الأنصاري العاملي الحسيني من تلاميذ محمّد ابن صاحب المعالم الشهير بالشيخ محمّد السبط نزيل بيت الله الحرام ، فقد كتب بخطّه نسخة منتقى الجمان تأليف صاحب المعالم الذي فرغ من تأليفه في دمشق
__________________
(1) الروضة النضرة : 99.
(2) الروضة النضرة : 96.
(3) الروضة النضرة : 87 ـ 88.

26 شعبان 1006هـ (3 ابريل 1598م) وفرغ صاحب الترجمة من كتابتها في مكة 1017هـ (1608م) ، وقد كتبها عن نسخة خطّ المؤلّف ، ثمّ قرأها على شيخه محمّد السبط في مكّة ، واستنسخ عن نسخة بدر الدين المذكور ضياء الدين محمّد بن سيف الدين محمود نسخة لخزانة محمّد مؤمن ابن شاه قاسم ، وبعده ملكها المجلسي الثاني(1).
أمّا أشرف محمّد بن شهاب الجوزي تلميذ شمس الدين محمّد بن خاتون العاملي ، فقد كتب بخطّه النسخ كتاب الديون من تهذيب الأحكام للطوسي آخر الكتاب وقرأه على ابن خاتون في مكّة ، فكتب ابن خاتون في ذيل اسم الكاتب بخطّه في آخره :
«الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله. أنهاه أدام الله تعالى توفيقه وسهّل إلى كلّ خير وفضل وكمال طريقه ، قراءة وتحقيقاً واتقاناً وتدقيقاً وبحثاً عن مشكلاته وكشفاً عن وجوه خرائده وفوائده ، وإشاراته ، أدام الله فوائده وأفضاله وكثّر في العلماء العاملين أمثاله ، وذلك بمكّة المشرّفة ثالث عشر جمادى الآخر 1009هـ تسع وألف. (20 ديسمبر 1600م) وكتب الفقير إلى عفو الله تعالى محمّد بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي لطف الله به حامداً شاكراً ، مصلّياً مسلّماً ، مستغفراً»(2).
__________________
(1) الروضة النضرة : 16.
(2) الروضة النضرة : 50.

كما كتب محمّد الجامعي العاملي مجموعة من الكتب العلمية والعامّة بخطّه استنسخها لنفسه وعليه خاتمه الكبير وسجع الخاتم : «محمّد بن عبد اللطيف الجامعي نزيل حرم الله السامي» ، فيظهر منه أنّه كان مدّة مجاور بيت الله(1).
كما جلب مير حسين القاضي إلى إصفهان من مكّة بَعدَ مجاورتها مدّة نسخة من فقه الرضا وقد ذكر عبدالله أفندي(2) وقال : «فاضل عالم جليل من مشايخ إجازة الأستاذ الاستناد أدام الله فيضه (أي المجلسي الثاني) وعليه اعتمد في صحّة كتاب فقه الرضا ... وأكثر عباراته موافقة لما يذكره الصدوق ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه من غير سند وما يذكره والد الصدوق في رسالته إليه».
وقد استنتج صاحب الرياض بأنّ الكتاب بعينه رسالة علي بن بابويه أرسلها إلى ولده الصدوق من بغداد إلى الري وأنّ انتسابه إلى الإمام الرضا عليه‌السلام غلط نشأ عن اشتراك اسمه واسم والده فظنَّ أنّه لعليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام (3).
أيضاً ، كتب إبراهيم بن علي الأحسائي لنفسه تفسير فرات بن إبراهيم
__________________
(1) الروضة النضرة : 504.
(2) رياض العلماء 2/30.
(3) الروضة النضرة : 178.

في أيّام مجاورته لمكّة ، وكان قد أقام في شيراز ، وفرغ منه ظهر يوم الثلاثاء 22 من شهر ربيع الثاني سنة 1083هـ (17 أغسطس 1672م) ، ونقل في آخره أحاديث من كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم وغيره ، ثمّ قابله مع الشريف عبد الله بن أحمد الأنصاري في مكّة في سنة خمس وثمانين وألف ، وكتب شهادة المقابلة والتصحيح الشريف عبد الله على النسخة بخطّه(1).
5) طلب الحديث :
ازدهر علم الحديث في مكّة والمدينة في القرن الحادي عشر بفضل العلماء المقيمين فيهما والقادمين إليهما من مختلف أنحاء العالم الإسلامي ، وقد تميّز في علم الحديث الميرزا محمّد أمين الإسترآبادي (ت 1036هـ/ 1627م) الذي كان أحد زعماء الاتّجاه الأخباري وقتئذ ، ومن أبرز النماذج أيضاً : حسين بن حسن أبي المكارم الشدقمي المشارك مع والده الحسن الشدقمي ومع أخويه محمّد علي وأُختهم أُمّ الحسين في إجازة حسين بن عبدالصمد والد البهائي ، حيث كتب الإجازة لهم أوان تشرّفه للحجّ في 983هـ (1575م)(2).
ومن الذين عنو بعلم الحديث : عبدالرزّاق المازندراني الذي وصفه
__________________
(1) الروضة النضرة : 2 ـ 3.
(2) الروضة النضرة : 170 ، وصورة الإجازة في رياض العلماء 1/239.

أُستاذه زين العابدين ـ الشهيد مؤسّس بيت الله الحرام في 1040هـ (1631م) ـ ابن نور الدين بن مراد بن علي بن المرتضى الحسيني الكاشاني المكّي فيما كتب له من الإجازة بقوله : «المولى الأجلّ الفاضل المترقّي بحسن فهمه الثاقب إلى أعلى المراتب المتّسعة لتلقّي نتائج المواهب من الرحيم الواهب الشيخ عبدالرزّاق المازندراني بَلَّغَهُ الله من الخير آماله ...». أورد الإجازة في شذور العقيان وصورتها موجودة في آخر بحار الأنوار(1). كتبها في مكّة ويروي فيها عن محمّد أمين الإسترآبادي عن الميرزا محمّد بن إبراهيم الإسترآبادي مصنّف كتب الرجال عن إبراهيم الميسي عن والده علي بن عبدالعالي الميسي(2).
وصاحب علي بن سلطان علي الإسترآبادي ، تلميذ الميرزا محمّد بن علي الإسترآبادي الرجالي صاحب الكتب الثلاثة في الرجال والرواي عنه ، وهو من مشايخ الميرزا محمّد مؤمن بن دوست محمّد الإسترآبادي شيخ المجلسي الثاني وأحمد بن محمّد بن يوسف البحراني كما صرّح به في إجازتيه لهما واصفاً له في كلتا الإجازتين بـ : «الشيخ الصالح المتعبّد الزاهد» ، وكلتا الإجازتين الصادرتين من المير محمّد مؤمن في مكّة للمجلسي وأحمد
__________________
(1) بحار الأنوار 107/14 ـ 16.
(2) الروضة النضرة : 319 ـ 320.

البحراني موجودتان ، وتاريخ إجازته للبحراني سنة 1081هـ (1670م)(1).
وكذلك حسين بن حيدر الكركي (ت1041هـ/ 1632م) المفتي المجتهد بإصفهان ، وهو من شيوخ الإجازة ومن أعاظم العلماء في عصر الشاه عبّاس الماضي (ت 1038هـ/ 1629م). وله كتاب الإجازات ورسائل متفرّقة في مسائل شتّى ، وبعض إجازاته وصورة مشايخه مذكورة في آخر بحار الأنوار(2) ، ويروي عن قرب أربعين شيخاً من أطراف البلاد : مكّة والمدينة والقدس والنجف والحائر والكاظمية ومشهد الرضا عليه‌السلام وهراة وقم وكاشان وإصفهان وسمنان وغيرها(3). وهو ما يدلّل على مدى الانفتاح على علماء المذاهب الأخرى.
ومحمّد حسين الطالقاني الذي كتب بخطّه نسخة من مختلف الشيعة في أحكام الشريعة تصنيف الحلّي ، وقرأ أكثره على أُستاذه جعفر بن كمال الدين البحراني الأوالي ، فكتب الأُستاذ على ظهر النسخة إجازة له وصفه فيها بقوله : «المولى المتّقي الزكي الصالح الفاضل والمواظب على تحصيل الكمالات العلمية الموفّق لاقتناء الخصال الملكية والعلوم العقلية والنقلية
__________________
(1) الروضة النضرة : 274.
(2) بحار الأنوار 106/161 ـ 175.
(3) الروضة النضرة : 181 ـ 183.

مولانا محمّد حسين بن المرحوم مقصود علي الطالقاني».
وتأريخ الإجازة تاسع شوّال 1067هـ (21 يوليو 1657م) والنسخة مجلّد ضخم عند السيّد نصر الله (التقوي) بطهران ، وذكر فيها أنّ أعلى سنده روايته عن نور الدين بن علي بن أبي الحسن العاملي في داره بمكّة عن أخويه صاحبي المدارك والمعالم(1).
والمير سيّد حسن القائني الرضوي يروي عنه السيّد محمّد باقر السبزواري (ت 1017هـ/ 1608) وله تلامذة فضلاء ، منهم المولى الحاج حسين النيشابوري المكّي ، والمولى محمّد يوسف الدهخوارقاني التبريزي ، وهو يروي عن جماعة منهم الشيخ محمّد سبط الشهيد الثاني على ما يظهر من إجازة الحاج حسين المذكور للمولى نوروز علي التبريزي تاريخها 1056هـ (1646م) بمكّة في حياة أُستاذه السيّد حسن صرّح فيها بأنّ أُستاذه الحسن يروي عن محمّد السبط ودعى له بالبقاء ووصفه بقوله : «شيخنا السيّد العالم البارع الجليل الأوحد المير حسن الرضوي القائني عامله الله سبحانه بلطفه ومتّع الأنام بعمره»(2).
وممّن أبدوا عناية بالغة بعلم الحديث : جلال الدين بن الأمير مرتضى ،
__________________
(1) الروضة النضرة : 173.
(2) الروضة النضرة : 153 ـ 154.

وُصِفَ في إجازة كتبها له بعض تلاميذ البهائي (ت1030هـ/ 1621م) ، وله مشايخ كثيرة من علماء مكّة والمدينة والقدس والشام ومصر والعراق وإصفهان وكاشان وقم وقزوين وسمنان ومشهد الرضا عليه‌السلام والكاظمية والحائر ، ذكر فيها روايته عن البهائي في حرم الكاظمين عليهما‌السلام ليلة الجمعة 17 / ج2 / 1003هـ (27 فبراير 1595م) ، كما وجد عين هذه الخصوصيّات بخطّ الحسين بن حيدر الكركي في صورة ذكر مشايخه وأساتيذه المذكورة هذه الصورة أيضاً في بحار الأنوار(1).
ويعدّ إبراهيم الإسترآبادي من مشايخ المير محمّد مؤمن ابن دوست محمّد الإسترآبادي مجاور بيت الله الحرام كما صرّح به في إجازته لأحمد بن محمّد بن يوسف البحراني في 1081هـ. (1670م) ، وقال : «إنّ هذا الشيخ الصالح يروي عن المولى محمّد أمين بن محمّد شريف الإسترآبادي ، عن شيخه الميرزا محمّد الرجالي ، إلى آخر طريقه»(2).
وقد ذكر شمس الدين الشيرازي في بعض رسائله قوله : «رزقني الله بفضله وكرمه مجاورة بيته الحرام ووفّقني لمقابلة أحاديث أئمّة الهدى ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ على الدوام ثمّ سألته عند قبر رسوله عليه‌السلام أن
__________________
(1) الروضة النضرة : 120.
(2) الروضة النضرة : 3.

يرزقني علماً نافعاً يخلّصني من أمر النفس الأمّارة بالسوء وحبائل الشيطان ، فهداني بمنّه إلى مطالعة تفاسير القرآن وعرفت مذهب أصحابنا الذين أخذوا معالم دينهم من أُصول أهل البيت عليهم‌السلام في الآيات التي اختلف فيها في علم الكلام»(1).
وكان شمس الدين محمّد بن شهاب العيناثي العاملي نزيل مكّة من مشايخ الإجازة الكبار ، إذ يروي عنه بالإجازة ماجد الجدحفصي بن هاشم بن علي الصادقي (ت 1028هـ/ 1619م) ، وكذلك الميرزا إبراهيم الهمداني (ت 1026هـ/ 1617م) ، وقد جاور الميرزا إبراهيم بيت الله سنة كاملة ثمّ كتب لمحمّد بن خاتون إجازة في آخر 1008هـ (1600م)(2) ، وممّن روى عن صاحب الترجمة السيّد حسين بن حيدر بن قمر الكركي ، كما ذكره في إجازته الكبيرة وجعله سابع مشايخه الاثني عشر ، قال وله : شرح الإرشاد وشرح الألفية والأنموذج في المنطق والحكمة الطبيعية والإلهية ، وقرأ عليه التهذيب في 1009هـ (1600م) الأمير أشرف محمّد بن شهاب الجوزي فكتب له إجازة(3).
وكان موسم الحجّ يمثّل مناسبة فُضلَى للالتقاء بعلماء وفقهاء الأمصار
__________________
(1) الروضة النضرة : 168 ـ 269.
(2) بحار الأنوار 106/101.
(3) الروضة النضرة : 531 ـ 532.

الإسلامية وأخذ الحديث عنهم ، وكان حسين بن حيدر الكركي (ت 1041هـ/ 1632م) يروي عن قرب أربعين شيخاً من أطراف البلاد : مكّة والمدينة والقدس والنجف والحائر والكاظمية ومشهد الرضا عليه‌السلام وهراة وقم وكاشان وإصفهان وسمنان وغيرها(1).
وكما مرّ آنفاً كان لجلال الدين ابن الأمير مرتضى مشايخ كثيرة من علماء مكّة والمدينة والقدس والشام ومصر والعراق وإصفهان وكاشان وقم وقزوين وسمنان ومشهد الرضا عليه‌السلام والكاظمية والحائر ، ذكر فيها روايته عن البهائي في حرم الكاظمين عليهما‌السلام ليلة الجمعة 17 / ج2 / 1003هـ (27 فبراير 1595م) ، كما وجد عين هذه الخصوصيّات بخطّ الحسين بن حيدر الكركي في صورة ذكر مشايخه وأساتيذه المذكورة هذه الصورة أيضاً في بحار الأنوار(2).
__________________
(1) الروضة النضرة : 181 ـ 183.
(2) الروضة النضرة : 120.

رابعاً : أعلام الإمامية في بلاد الحرمين
تبيّن أنّ مجتمع مكّة والمدينة كان يضمّ بين جنباته وجوداً إماميّاً مهمّاً ، وكان وجود الإماميّين في هاتين البقعتين المطهّرتين ليس حدثاً طارئاً ، بل كان يمثّل أحد خصائص المجتمع المكّي والمدني منذ القدم ، إلاّ أنّه كان يتأثّر بالظروف السياسية والاجتماعية سلباً أو إيجاباً ، فنرى أنّه ينحسر في بعض الفترات ، فيما يتميّز بحيوية ثقافية وبروز اجتماعي ملفت في فترات أخرى.
ومن الصعوبة تصوّر أنّ هاتين المدينتين قد خلتا تماماً من الوجود الشيعي الإمامي فيهما حتّى في أشدّ الظروف قسوة على أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، والذي يحملنا على الاعتقاد باستمرارية الوجود الإمامي وعدم انقطاعه ما تمثله هاتان الحاضرتان من قدسية ومكانة في قلوب المسلمين عامّة وأتباع أهل البيت عليهم‌السلام بشكل خاص ، وذلك لوجود خمسة من مراقد الأئمّة المعصوميين عليهم‌السلام إلى جانب قبر النبي (صلى الله عليه وآله) والمسجد الحرام قبلة المسلمين.
وقد حفلت مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) بمجموعة كبيرة من العلماء الإمامية الذين زاولوا التدريس في الحرم المكّي والمدني وما حولهما من مدارس ومساجد ودور ، وألّفوا كتباً في موضوعات شتّى إلى جانب عدد من الشعراء والأدباء وعلماء الفلك والأطبّاء الذين أثّروا في مسار الحركة العلمية الإسلامية.

1) العلماء :
شهدت فترة الدراسة بروز علماء تفرّغوا لتدريس العلوم الشرعية والعربية للطلاّب الذين كانوا يحرصون على الأخذ والتلقّي عن أولئك الأعلام في حلقات الدرس بالحرمين المكّي والمدني ، وفي المدارس والدور المتاخمة لهما ، ومن أشهر علماء الفترة السيّد بدر الدين أحمد بن إدريس العاملي الحسيني من تلاميذ محمّد ابن صاحب المعالم الشهير بالشيخ محمّد السبط نزيل بيت الله الحرام.
وقد كتب العاملي بخطّه نسخة منتقى الجمان تأليف صاحب المعالم والذي فرغ من تأليفه في دمشق 26 شعبان 1006هـ (2 ابريل 1598م) وفرغ من كتابتها في مكّة 1017هـ (1608م) وقد كتبها عن نسخة خطّ المؤلّف قرأها على شيخه محمّد السبط في مكّة(1).
ومنهم : أشرف محمّد بن شهاب الجوزي تلميذ شمس الدين محمّد ابن خاتون العاملي نزيل مكّة ، وقد كتب بخطّه كتاب الديون من تهذيب الأحكام للطوسي إلى آخر الكتاب وقرأه على ابن خاتون في مكّة ، فكتب ابن خاتون في ذيل اسم الكاتب بخطّه في آخره ما صورته : «الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله. أنهاه أدام الله تعالى توفيقه وسهّل إلى كلّ خير وفضل وكمال طريقه ، قراءة وتحقيقاً وإتقاناً وتدقيقاً وبحثاً عن
__________________
(1) الروضة النضرة : 16.

مشكلاته وكشفاً عن وجوه خرائده وفوائده وإشاراته أدام الله فوائده وأفضاله وكثّر في العلماء العاملين أمثاله ، وذلك بمكّة المشرّفة ثالث عشر جمادى الآخر 1009هـ تسع وألف (20 ديسمبر 1600م). وكتب الفقير إلى عفو الله تعالى محمّد بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي لطف الله به حامداً شاكراً ، مصلّياً مسلّماً ، مستغفراً»(1).
ومنهم : خضر بن عطاء الله الشامي الموصلي (ت 1007هـ/ 1599م)(2)
__________________
(1) الروضة النضرة : 50.
(2) كان خضر بن عطاء الله الموصلي قد غادر مدينة الموصل وجاء إلى مكّة، استقرّ هناك وانضمّ إلى دائرة العلماء الموجودين فيها لأنّه تميّز بمعرفته الجيّدة للغة العربية وبقدرته على تفسير الشعر الذي كان يحفظ كمّية كبيرة منه عن ظهر قلب، وكان يستشهد به كثيراً وينسخ القصائد بخطٍّ جميل مع وضع علامات التشكيل. في سنة 994هـ (1586م) أهدى الشريف حسن بن نُميّ كتابه (الإسعاف)، وهو تعليق على الأبيات «القاضي والكشّاف»، وكان كتاباً لا مثيل له في زمانه حيث حصل المؤلّف على هدية مقدارها (1000) دينار. كما ألّف له أيضاً قصيدة رجز طويلة عن فضائل عائلته وعن أفعاله الحربية. وهكذا عاش خضر في مكّة حياة مترفة ومحترمة إلى أن شكاه الوزير ابن عتيك للشريف واتّهمه بالمظالم؛ لا بل إنّه كتب تقريراً عن ذلك إلى البلاط التركي والبلاط الفارسي حيث قُبلت أقواله واعتبرت صحيحة بحيث إنّ الشريف أعطى الموافقة على نفيه من المدينة المقدّسة. فتمّ إبعاده على الفور وغادر خضر مكّة حزيناً إلى أبعد الحدود متوجّهاً إلى المدينة المنوّرة. وبعد مغادرته بيومين فقط استولى الوزير على بيته ونهب كلّ ما فيه وعرض الأشياء والأغراض للبيع في الأسواق كما كان يعرض تركات المتوفّين. سمع خضر بذلك وهو في منتصف الطريق فشعر باكتئاب شديد ممّا أدّى بذلك إلى انهياره فجأة ووفاته قبل الوصول إلى المدينة، وكان هذا في سنة 1007هـ (1598م). نظم عدّة قصائد من بينها قصيدة في مدح الشريف حسن وبذكره شهاب

نزيل مكّة المعظّمة ، مؤلّف كتاب الإسعاف في 1003هـ (1595م) ، وقد ترجم له السيّد علي المدني في سلافة العصر ، ويظهر من الإسعاف كونه إماميّا(1).
ومنهم : ربيع النباطي العاملي (ت 1002هـ/ 1594م) الذي جاور البيت الحرام حتّى وفاته سنة 1002هـ ، وقد ترجمه محمّد المحبّي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر مفصّلاً وذكر رثاء شهاب الدين أحمد الخفاجي له ورثاء صاحب المعالم بقصيدة مليحة مورّخاً عام الوفات بقوله :

وإذا ذكرت ربيع أيّام مضت
 

 

أرّخ بشوّال فراق ربيع(2)
 

ومن العلماء : محمّد بن عبد اللطيف بن علي العاملي ، من أسرة علمية معروفة فوالده وجدّه من العلماء ، وأخوه محي الدين كان شيخ الإسلام في مدينة (تستر). وقد ترجمه ابن عمّه علي بن رضي الدين بن علي بعد ذكر أبيه عبد اللطيف الذي نزل (خلف آباد). يقول الطهراني : «رأيت الكتب العلميّة والعامّة بخطّ صاحب الترجمة استنسخه لنفسه وعليه خاتمه الكبير وسجع الخاتم (محمّد بن عبداللطيف الجامعي نزيل حرم الله السامي) ، فيظهر
__________________
الدين أحمد الخفاجي في كلا كتابيه عن السير الذاتية بالثناء والتميز. ينظر: فردنياند. فوستنفلد: أشراف مكّة في القرن الحادي عشر الهجري، ترجمة محمود كبيبو ، (دار الورّاق للنشر، بيروت 2015م)، ص 50 ـ 51.
(1) الروضة النضرة : 199 ـ 200.
(2) الروضة النضرة : 214.

منه أنّه كان مدّة مجاور بيت الله»(1).
ومنهم : شمس الدين محمّد بن أحمد العيناثي العاملي نزيل مكّة ، وكان من شيوخ الرواية ، إذ يروي عنه بالإجازة السيّد ماجد الجد حفصي ابن هاشم بن علي الصادقي (ت 1028هـ/ 1619م) ، والميرزا إبراهيم الهمداني (ت 1026هـ / 1617م) ، وقد جاور الميرزا إبراهيم بيت الله سنة كاملة ثمّ كتب له محمّد بن خاتون إجازة في آخر 1008هـ (1599م)(2). وله : شرح الإرشاد وشرح الألفية والأنموذج في المنطق والحكمة الطبيعية والإلهية ، وقرأ عليه التهذيب في 1009هـ (1600م) الأمير أشرف محمّد بن شهاب الجوزي فكتب له إجازة(3).
ومنهم : حسن المشغري العاملي (ت قبل 1060هـ/ 1650م) ، وهو من تلامذة الميرزا الإسترآبادي (ت 1028هـ/ 1619م) مؤلّف كتاب الرجال في مكّة ، وهو من العلماء الأجلاّء العامليّين ، قال محمّد مؤمن ابن شاه قاسم السبزواري (ت قبل 1077هـ/ 1666م) في إجازته لمير مرتضى بن مصطفى التبريزي التي كتبها في 1060هـ (1650م) له بخطّه الجيّد : «إنّي قد قرأت
__________________
(1) الروضة النضرة : 504.
(2) بحار الأنوار 106/101.
(3) الروضة النضرة : 531 ـ 532.

معظم الكتب الأربعة على شيخي ومعتمدي وثقتي المبرور المرحوم الفاضل النقي محمّد الشهير بنصرا المحدّث التّوني رحمه‌الله ثمّ قابلت بعض ما بقى منها مع الشيخ المرحوم المغفور الورع التقي النقي الكامل الشيخ حسن بن المشغري ، وهما قد قرآ الكتب الأربعة وغيرها مدّة مجاورتهما ببيت الله الحرام ، على الشيخ السعيد الفاضل الكامل الميرزا محمّد الإسترآبادي الذي يروي عن الشيخ إبراهيم بن علي بن عبد العالي الميسي»(1).
ومنهم : حسين بن محمّد الشيرازي المجاور لبيت الله الحرام ، وقد كتب له جماعة من العلماء التذكارات بخطوطهم ، منها ما كتبه المحقّق السبزواري محمّد باقر بن محمّد مؤمن سنة مجاورته بمكّة وهي 1062هـ (1652م) ذكر في آخره : «أنّه كتبه لالتماس الفاضل الكامل العالم الورع التقي المتعفّف الألمعي الرّاقي لعلوّ همّته ، رفيع المراتب في الفضائل ، الساعي بأقصى جهده في إكمال النفس وتكميل جلائل الخصائل مولانا شمس الدين حسين الشيرازي» ووالده شمس الدين الشيرازي محمّد من العلماء أيضاً(2).
ومن العلماء المجاورين البيت الحرام : المير حسين القاضي ، قال
__________________
(1) الروضة النضرة : 149 ـ 150. ويلفت الطهراني أنّ ترجمته فاتت الحرّ العاملي في (أمل الآمل).
(2) الروضة النضرة : 171.

المجلسي الأوّل في شرحه الفارسي بـ : من لا يحضره الفقيه أنّ السيّد الفاضل الثقة المحدّث القاضي المير حسين جاء إلى إصفهان من مكّة بعد مجاورتها مدّة وأتانا بنسخة من فقه الرضا ، وكذلك نقل عنه ابنه المجلسي الثاني في بحار الأنوار(1) ، ثمّ نقل عنهما عبدالله أفندي في رياض العلماء وقال : «فاضل عالم جليل من مشايخ إجازة الأستاذ الاستناد(2) أدام الله فيضه وعليه اعتمد في صحّة كتاب فقه الرضا»(3). ولا يستبعد الطهراني اتّحاد المير حسين القاضي مع الحسين الإصفهاني معزّ الدين الذي ذهب سفيراً إلى الروم(4).
ومنهم : معزّ الدين حسين الإصفهاني قاضي إصفهان المعاصر للبهائي والمحقّق الداماد ، ترجمه الأفندي(5) وقال : «المولى الفاضل ، العالم ، الكامل ، المدقّق المعروف بقاضي معزّ ... من أجلّة علماء عصر الشاه عبّاس الماضي (ت 1038هـ/ 1629م) بل أعلمهم ، وكان فائقاً عليهم في جميع الفنون الإلهي
__________________
(1) بحار الأنوار 1/11.
(2) لقب أطلقه الأفندي على العلاّمة محمّد باقر المجلسي صاحب البحار.
(3) أثير جدل واسع حول صحّة اعتبار كتب فقه الرضا ، فالأفندي يرى أنّ أكثر عباراته موافقة لما يذكره الصدوق ابن بابويه في (من لا يحضره الفقيه) من غير سند وما يذكره والد الصدوق في رسالته إليه ، وقد استنتج صاحب (الرياض) بأنّ الكتاب بعينه رسالة علي بن بابويه أرسلها إلى ولده الصدوق من بغداد إلى الري وأنّ انتسابه إلى الإمام الرضا عليه‌السلام غلط نشأ عن اشتراك اسمه واسم والده فظنّ أنّه لعليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام. ينظر : رياض العلماء 2/30.
(4) الروضة النضرة : 159.
(5) رياض العلماء 2/38.

والطبيعي والرياضي مع التصلّب في أُمور الدين ، وقصص تديّنه مشهورة منها حكاية مع (آلو بالوبيك والد الوزير شيخ علي خان). وأحفاده موجودون بإصفهان وقد توجّه سنة 1020هـ (1611م) مع المولى الفاضل السلطان حسين الندوشني اليزدي في خدمة الصدر الجليل قاضي خان السيفي الحسين القزويني إلى سفارة ملك الروم ويظهر اسمه وحكاياته من بعض التواريخ الفارسية المؤلّفة في عصر الشاه عبّاس الماضي ، لكن الظاهر من أمل الآمل والموجود في بعض الإجازات أنّ اسمه معزّ الدين محمّد» ، ويستقرب الطهراني اتحاده مع المير حسين القاضي السابق(1).
ومن أعلام الحركة العلمية في مكّة : إبراهيم بن علي بن عبدالله الأحسائي الذي كتب لنفسه تفسير فرات بن إبراهيم في أيّام مجاورته لمكّة ، وفرغ منه ظهر يوم الثلاثاء 22 شهر ربيع الثاني 1083هـ (17 اغسطس 1672م) ونقل في آخره أحاديث من كتاب دلائل النبوّة لأبي نعيم وغيره ثمّ قابله مع الشريف عبد الله بن أحمد الأنصاري في مكّة في سنة 1085هـ (1674م) وكتب شهادة المقابلة والتصحيح الشريف عبد الله على النسخة بخطّه(2).
ومنهم : المولى خليل بن الغازي القزويني (ت1089هـ/ 1678م) ، ولد
__________________
(1) الروضة النضرة : 159 ـ 160.
(2) الروضة النضرة : 2 ـ 3.

بقزوين وبها توفّي ، عدّه الميرزا حسين النوري في خاتمة مستدرك الوسائل(1) الخامس عشر من مشايخ المجلسي الثاني ، وترجمه مفصّلاً وذكر أنّه يروي عن البهائي (ت 1031هـ/ 1622م). وقال الحرّ العاملي(2) : «فاضل ، علاّمة ، حكيم ، متكلّم ، محقّق مدقّق ، فقيه ، محدّث ، ثقة ، ثقة جامع للفضائل ماهر ، معاصر ، له مؤلّفات ؛ شرح الكافي فارسي وشرح عربي وشرح عدّة الأُصول ورسالة الجمعة وحاشية مجمع البيان والرسالة القمّية والمجمل في النحو ورموز التفاسير الواقعة في الكافي والروضة. رأيته بمكّة الحجّة الأُولى كان مجاوراً بها مشغولاً بتأليف حاشية مجمع البيان».
وترجمه السيّد علي المدني في سلافة العصر وهو من أسرة علمية فوالده أبو ذرّ وأخوه محمّد باقر وولده سلمان من أهل العلم والفضل ، ومقبرته في قزوين جنب مدرسته معروفة.
وله شرح الكافي الموسوم بـ : الصافي وشرحه العربي الشافي ، وزاد الأفندي(3) أنّه قرأ في أوائل حاله على البهائي (ت 1031هـ/ 1622م) والداماد (ت1040هـ / 1631م) والحاج محمود الرناني وحسين اليزدي ، وكان شريك الدرس مع الوزير خليفة سلطان فجعله متولّياً ومدرّساً بناحية (عبد العظيم) (الري) وعمره دون الثلاثين ، ثمّ عزل وهاجر إلى مكّة ، ثمّ رجع وسكن
__________________
(1) خاتمة مستدرك الوسائل: 413.
(2) أمل الآمل 2/112.
(3) رياض العلماء 2/261 ـ 266.

قزوين.
وله أقاصيص ضدّ حكّام قزوين وطهران في تحريمه صلاة الجمعة في حال غيبة المعصوم ، وكان مع ذلك أخباريّاً منكراً للاجتهاد والحكمة والتصوّف والنجوم والطبّ ، وكان يقول أنّ الروضة ليست من الكافي بل هي من تأليف ابن إدريس(1).
ومن المجاورين مكّة المكرّمة أيضاً أخوه : محمّد باقر بن الغازي الذي نُصّب مدرّساً في زاوية (عبد العظيم) ، وله ثلاثون سنة ثمّ عزل وجاور بيت الله سنيناً ثمّ عاد إلى وطنه(2).
ومنهم : المحقّق الحكيم الفيلسوف شمس الدين محمّد الجيلاني الإصفهاني ، المشتهر بـ : (شمسا الجيلاني) ، وقد ذكر في آخر رسالته في علم الواجب : «أنّه تمّ على يد مؤلّفه أقلّ العباد المجاور بمكّة خير البلاد وزادها الله تعالى خيراً وشرفاً إلى يوم الميعاد أفقر خلق الله الغني محمّد المشتهر بـ : شمسا الجيلاني غفر الله له ولوالديه ولجميع من له حقّ عليهما أو عليه في تأريخ 1048هـ حامداً مصلّياً مستغفراً».
وله من المصنّفات : إثبات الواجب ، وأسئلة سألها عن أُستاذه ملاّ صدرا
__________________
(1) الروضة النضرة : 203 ـ 204.
(2) الروضة النضرة : 203 ـ 204.

(ت1050هـ/ 1640م) ، والتحقيقات ألّفها سنة 1045هـ (1635م) ، وحدوث العالم وتفسير (هل أتى) ، والحاشية على الشرح الجديد والقديم للتجريد ، والحاشية على شرح حكمة العين ، والحاشية على المعالم اسمها فصول الأُصول والحكمة المتعالية ، ودفع شبهة ابن كمّونة ، وشرح خلاصة الحساب لأُستاذه البهائي ، والعلم الإلهي أو النورية ألّفها بمكّة 1048هـ (1638م) ورسالة في الوجود(1).
ومنهم : شمس الدين محمّد المكّي الشيرازي ، وهو من العلماء الذين وفقهم الله تعالى لطلب الحديث بجوار الحرم المكّي ، وقد ذكر السيّد إعجاز حسين الكنتوري (ت1240هـ/ 1825م) في كتابه شذور العقيان ما ذكره المولى شمس الدين هذا في بعض رسائله وهو قوله : «رزقني الله بفضله وكرمه مجاورة بيته الحرام ووفّقني لمقابلة أحاديث أئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم على الدوام ، ثمّ سألته عند قبر رسوله (صلى الله عليه وآله) أن يرزقني علماً نافعاً يخلّصني من أمر النفس الأمّارة بالسوء وحبائل الشيطان فهداني بمنّه إلى مطالعة تفاسير القرآن وعرفت مذهب أصحابنا الذين أخذوا معالم دينهم من أُصول أهل البيت عليهم‌السلام في الآيات التي اختلف فيها في علم الكلام ...». وفي مكّة قابل المولى خليل القزويني وأعطاه حاشية العدّة وطالع فيها حتّى قال :
__________________
(1) الروضة النضرة : 266 ـ 267.

«فيها أشياء ليس لها طائل وقائلها كالراقم على الماء»(1).
ومنهم : أحمد بن شهاب الدين الفضل بن محمّد باكثير المكّي ، ألّف في مكّة عام 1027هـ (1618م) كتابه وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل أخرج فيه مناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام من كونه أخا للرسول ووصيّاً ووزيراً له وغير ذلك من عقائد الشيعة ، والله العالم بالسرائر. وقد ترجمه السيّد علي المدني في سلافة العصر وأطراه(2).
ومن أبرز العلماء الإمامية في مكّة في الفترة المذكورة : الميرزا محمّد أمين الإسترآبادي (ت 1036هـ/ 1627م) صاحب الفوائد المدنية والفوائد المكّية المتصلّب في الأخبارية ضدّ الأُصوليّين وأهل العقل ، ويظهر من فوائده المدنية أنّ له شرح أُصول الكافي ، وشرح الاستبصار ، وشرح تهذيب الأحكام ، وردّ على المحقّق الدواني والمولى صدرا في حواشيهما على شرح التجريد ، ورسالة في البداء ، وأُخرى في طهارة الخمر ونجاستها ، وجواب مسائل الحسين الظهيري العاملي ، ودانش نامه (فارسي) في مسائل متفرّقة كلامية ، والمسائل الثلاث الكلامية في : (علم الله) و (ربط الحادث بالقديم) و (أفعال العباد).
__________________
(1) الروضة النضرة : 168 ـ 269.
(2) الروضة النضرة : 37 ـ 38.

قال في اللؤلؤة : «إنّي رأيت له حاشية بعض أبواب الطهارة من المدارك جاور المدينة ثمّ مكّة وبها توفّي سنة 1036هـ (1627م)».
يقول الطهراني : «ورأيت إجازته بخطّه لتلميذه المير عبدالهادي الحسيني التستري كتبها له على ظهر الفقيه بعد قراءته عليه في 1029هـ (1620م) ، والنسخة في كتب السيّد محمّد اليزدي وخطّه جيّد لطيف»(1).
ومن العلماء المجاورين : محمّد أمين القمّي ، كتب بخطّه لنفسه خلاصة الأقوال في الرجال للحلّي في مكّة فرغ منه في ج2/ 1009هـ (ديسمبر 1600م) ثمّ وقفه لكافّة الشيعة وشرط التولية لنفسه ما دام حيّاً ، وكتب الوقفية في أوّل القسم الثاني نظماً ونثراً ، وكتب تمام نسبه بخطّه(2).
ومنهم : محمّد باقر بن محمّد مؤمن السبزواري (ت 1090هـ/ 1679م) فقد جاور مكّة عام 1062هـ. (1652م) ، وفي أمل الآمل وصفه بـ : «العالم الفاضل الحكيم المتكلّم ، الجليل القدر» ، وفي رياض العلماء بالأُستاذ الفاضل وقال : «قرأتُ عليه حاشيته على إلهيّات الشفا». وفي سلافة العصر بأنّه من المجتهدين المتبحّرين في علوم الدين وسائر الفنون والعلوم وأصناف المنطوق والمفهوم.
وقد قرأ في (إصفهان) على علمائها ، وأخذ الرواية عنهم ، وكان يدرّس
__________________
(1) الروضة النضرة : 56.
(2) الروضة النضرة : 59.

بالمدرسة (السميعية) التي بناها عبدالسميع السبزواري وأوقف لها مكتبة فاشتهرت المدرسة بعد تدريسه فيها بمدرسة السبزواري.
ومن تصانيفه : الكفاية والذخيرة والمناسك والخلافية في العبادات كلاهما فارسيّان ، رسالة في الأغسال ، ورسائل في تحديد النهار ، وصلاة الجمعة اثنتان فارسية وعربية ، شبهة الاستلزام ، وشرح الإشارات ، وشرح الزبدة البهائية ، وروضة الأنوار ، ومفاتيح النجاة. وأحفاده في إصفهان من العلماء يعرفون بشيوخية الإسلام ، وهو يحرّم نوعاً من الغناء ولا يشمله السماع الصوفي ، وقد طبع من آثاره الفلسفية حاشية إلهيّات الشّفاء بتحقيق جلال الدين الآشتياني ضمن منتخبات آثار حكماء إيران ج2 ص493 ـ 556 بطهران 1975م(1).
ومن علماء الإمامية في مكّة في القرن الحادي عشر حسين النيشابوري المكّي ابن محمّد علي ، والذي نزل مكّة وجاور بيت الله الحرام ومات بها واستكتب فيها باب (إحياء الموات) إلى آخر المواريث من كتاب جامع المقاصد في مجلّد كبير ، كما كتب بخطّه على ظهر النسخة ، ونقلت بعده إلى ولده محمّد باقر ، كما كتبه الولد أيضاً بخطّه في جنب خطّ والده. قال الأفندي :(2) أنّه رأى إجازة صاحب الترجمة بخطّه لنوروز علي التبريزي
__________________
(1) الروضة النضرة : 71 ـ 72.
(2) رياض العلماء 5/258.

صرّح فيها بأنّه يروي عن المير شرف الدين علي بن حجّة الله الشولستاني وتأريخ الإجازة 1056هـ (1646م).
قال الأفندي أيضاً(1) أنّ الحاج حسين النيشابوري المكّي «توفّي بها في صغرى وولده يسكن مكّة» ، وبما أنّ ولادة صاحب رياض العلماء كانت سنة 1066هـ (1656م) فيكون وفات صاحب الترجمة قريباً من 1080هـ.
يقول الطهراني : «وهو والد محمّد باقر المجاز من المجلسي ومحمّد السراب والسيّد علي خان الدشتكي ، وقد وصفوا في إجازتهم لمحمّد باقر بأنّه : «ابن العلاّمة محمّد حسين النيشابوري»(2) وكذا في إجازات المتأخّرين مثل إجازة رضي الدين بن محمّد حيدر العاملي المكّي للسيّد نصر الله المدرّس الشهيد الحائري ، ورضي الدين المذكور ولد رضاعي لمحمّد باقر ابن صاحب الترجمة ، كما صرّح به في الإجازة المذكورة ، ورأيت من آثار المترجم له ظاهراً نسخة من المدارك كتبها بخطّه ثمّ قابلها وصحّحها بنسخة خطّ المؤلّف وكتب شهادة مقابلته وتاريخ تصحيحه في 18 / ج2 / 1054هـ (20 اغسطس 1644م) على هامش النسخة الموجودة(3).
ومنهم : جعفر بن كمال الدين بن محمّد البحراني (ت 1088هـ/
__________________
(1) رياض العلماء 2/171.
(2) الروضة النضرة : 74.
(3) الروضة النضرة : 187.

1677م) وهو وإن لم يكن من المجاورين إلاّ أنّ الحرّ العاملي يصرّح بأنّه قابله في مكّة ، إذ يقول بعد أن يصفه بالفضل والعلم والصلاح : «... معاصر رأيته بمكّة وتوفّي بحيدر آباد»(1). وقد عبّر عنه علي خان المدني الدشتكي في سلافة العصر في طيّ ترجمة أحمد ابن عبدالصمد البحراني بـ : «شيخنا العلاّمة ...» ولم يترجمه مستقلاًّ.
وفي اللؤلؤة ذكر اشتغاله مع صالح بن عبدالكريم الكرزكاني بشيراز ، ثمّ انتقاله إلى حيدر آباد ووفاته بها في سنة ثمان وثمانين وألف ، وأثنى عليه كثيراً وقال «لم أقف له على شيء من المصنّفات».
والميرزا حسين النوري في خاتمة المستدرك عند ذكر مشايخ المحدّث البحراني حكى ترجمة مفصّلة لصاحب الترجمة عن مجموعة استظهر أنّها لصاحب طيف الخيال ذكر أنّ وفاته أواخر السنة الحادية والتسعين والألف وأنّ له تصانيف شتّى وتعليقات لا تحصى في التفسير والحديث والعلوم العربية منها اللّباب الذي أرسله إلى تلميذه السيّد علي خان الدشتكي وجرى بينهما أبيات فيه.
ووجدت خطّه في آخر شرح التهذيب للعميدي ، هذه صورته :

هذا الكتاب لديّ ملكاً خالصاً
 

 

وأنا المقصّـر جعفر بن كمال
 

وكتبته من بعد ألف قد مضت
 

 

مع أربعين بمنتهى شوّال
 

وله : الكامل في الصّناعة وهو أرجوزة في التجويد نظمها بإشارة السيّد
__________________
(1) أمل الآمل 2/53.

علي خان المدني الدشتكي في ثلاثين باباً والموجود عند المشكاة ثلاثة أبواب منه ، أوّله :

قال الفقير الطالب الغفران
 

 

من ربّه جعفرٌ البحراني
 

ابن كمال الدين شيخ القرّاء
 

 

في عصره بل هو شيخ الإقراء(1)
 

ومنهم : جلال الدين ابن الأمير مرتضى ، وله مشايخ كثيرة من علماء مكّة والمدينة والقدس والشام ومصر والعراق وإصفهان وكاشان وقم وقزوين وسمنان ومشهد الرضا عليه‌السلام والكاظمية والحائر ، ذكر فيها روايته عن البهائي في حرم الكاظمين عليهما‌السلام ليلة الجمعة 17 / ج2 / 1003هـ (26 فبراير 1595م) ، كما وجد عين هذه الخصوصيّات بخطّ الحسين بن حيدر الكركي في صورة ذكر مشايخه وأساتيذه المذكورة هذه الصورة أيضا في بحار الأنوار.
وُصِفَ في إجازة كتبها له بعض تلاميذ البهائي ، وقد حكاها في نجوم السماء مع هذه الترجمة عن شذور العقيان لإعجاز حسين اللكهنوي. قال : «السيّد المرتضى الأجلّ العامل العالم الناسك المتورّع النسيب المدقّق شارح الأحاديث المصطفويّة وناقد الأخبار النّبوية ـ إلى قوله ـ جمال الملّة والحقّ والدين ابن المرتضى الأعظم ـ إلى قوله ـ تاج الملّة والحقّ والدين ...».
يقول الطهراني : «وعلى مقتضى ظاهر لفظ الإجازة يكون الاسم جمال الدين لا ما ذكره في العنوان ، يعني (جلال الدين) ، فراجع صورة الإجازة
__________________
(1) الروضة النضرة : 109 ـ 111.

المسطورة في آخر بحار الأنوار ، وهي إجازة من الحسين بن حيدر بن قمر الكركي المفتي بإصفهان الذي هو شيخ محمّد تقي المجلسي الأوّل»(1).
ومنهم : حامد بن محمّد الجرجاني الإسترآبادي الذي جاور مكّة أكثر من خمس سنين ، وكتب تمام الكافي هناك في أربع مجلّدات موجودة بخطّه ، وخطّه جيّد مجدول مذهّب ، وبعد الكتابة قرأها على مشايخه وكتبوا بلاغاتهم على النسخة ، بعضها بعنوان «بلغ مولانا أيّده الله سماعاً بسماع تحقيق وتدقيق»(2).
ومنهم : المير سيّد حسن القائني الرضوي أستاذ عدد من الفضلاء منهم : المولى الحاج حسين النيشابوري المكّي والمولى محمّد يوسف الدهخوارقاني التبريزي ، وهو يروي عن جماعة منهم الشيخ محمّد سبط الشهيد الثاني على ما يظهر من إجازة الحاج حسين المذكور للمولى نوروز علي التبريزي تاريخها 1056هـ (1646م) بمكّة في حياة أُستاذه السيّد حسن صرّح فيها «بأنّ أُستاذه الحسن ، يروي عن محمّد السبط وَدَعَا له بالبقاء ووصفه بقوله شيخنا السيّد العالم البارع الجليل الأوحد المير حسن الرضوي القائني عامله الله سبحانه بلطفه ومتّع الأنام بعمره».
__________________
(1) الروضة النضرة : 120.
(2) الروضة النضرة : 130.

وقد سكن مشهد الرضا عليه‌السلام بخراسان ، وترجمه الأفندي مرّتين(1) في الأوّل في حرف الحاء بعنوان الحسن وهو الأصحّ والثاني في الكنى بعنوان أبو الحسن القايني.
يقول الطهراني : ولعلّه متّحد مع الحسن الرضوي ابن المير محمّد زمان(2) ، وفي باب الكنى من رياض العلماء عند ذكر أبي الحسن القائني قال أنّه والد الشاه ميرزا المعاصر الساكن بالمشهد الرضوي ، ولكن يظهر من إجازته لمحمّد يوسف أنّ اسمه الحسن وليس أبو الحسن وكذا صرّح به في ديباجة ترجمته لرسالة العقايد للبهائي ، ألّفها للأمير حسن خان حاكم هراة ، وله مؤلّفات أُخر ، منها الحاشية على أُصول الكافي. مات حوالي عصرنا في المشهد الرضوي ودفن فيه(3).
ومنهم : نصير الدين حسين بن إبراهيم الحسيني الدشتكي ، أخو الأمير نظام الدين أحمد جدّ علي خان المدني الدشتكي بن أحمد بن محمّد معصوم ابن نظام الدين أحمد. قال السيّد المدني في سلافة العصر إنّ هذين الأخوين يشبهان الشريفين المرتضى والرضي. وتوفّي المير نصير الدين حسين 1023هـ (1614م) وعدّ في مفرحة الأنام من القبور التي بمكّة «قبر سيّد
__________________
(1) رياض العلماء 1/187 و 5/449.
(2) الروضة النضرة :143 و 234.
(3) الروضة النضرة : 153 ـ 154.

الصالحين السيّد نصير الدين حسين» يعني صاحب ترجمة.
وحكى الأفندي في ترجمته(1) عن (عالم آرا) أنّه تزوّج ببنت إبراهيم ميرزا ابن أخي الشاه طهماسب وكانت فاضلة عالمة متورّعة كسائر بنات العائلة المالكة(2).
ومنهم : حسين بن الحسن الظهيري العيناثي العاملي ، فقد قال الميرزا أفندي : إنّه «قرأ على محمّد أمين بمكّة ، وله رسالة في السؤال عن بعض المسائل المعضلة من الأصلية والفرعية»(3). وهو أُستاذ محمّد بن الحسن الحرّ وأجازه سنة 1051هـ (1641م) ، كما ذكره في آخر الجواهر السنيّة.
وقال الحرّ العاملي : «كان فاضلاً عالماً ثقة صالحاً زاهداً عابداً فقيهاً ماهراً شاعراً ، قرأ عنده أكثر الفضلاء المعاصرين ، بل جماعة من المشايخ السابقين عليهم ، وأكثر تلامذته صاروا فضلاء علماء ببركة أنفاسه ، قرأتُ عنده جملة من كتب العربية والفقه وغيرهما من الفنون وممّا قرأتُ عنده أكثر كتاب المختلف ، وألّف رسائل متعدّدة وكتاباً في الحديث وكتاباً في العبادات والدعاء وهو أوّل من أجازني وكان ساكناً في بلدة جبع ومات بها»(4). وعنه
__________________
(1) رياض العلماء 2/35.
(2) الروضة النضرة : 167 ـ 168.
(3) رياض العلماء 1/44.
(4) أمل الآمل 1/70.

أخذه في رياض العلماء(1). وله مسائل سألها عن محمّد أمين بن محمّد شريف الإسترآبادي فكتب الإسترآبادي جواب مسائله(2).
ومنهم : حسين بن حيدر الكركي (ت 1041هـ/ 1632م) المفتي المجتهد بإصفهان ، وهو يروي عن قرب أربعين شيخاً من أطراف البلاد : مكّة والمدينة والقدس والنجف والحائر والكاظمية ومشهد الرضا عليه‌السلام وهراة وقم وكاشان وإصفهان وسمنان وغيرها(3). وقد ترجمه الأفندي في رياض العلماء
__________________
(1) اعترض آقا بزرك الطهراني هنا على صاحب الرياض ، لخلط رآه في نسخته المخطوطة في النجف ، ويرى في المطبوع من الرياض بقم 1401 هـ بصورة تكرار لبعض التراجم في ص43 إلى ص48 من المجلّد الثاني.
(2) الروضة النضرة : 173 ـ 174.
(3) ذكر الطهراني أسماء بعضهم وأبرزهم : البهائي والمولى معاني التبريزي في 1003هـ وبايزيد بن عناية الله البسطامي سنة 1004هـ وضياء الدين محمّد الكاشاني 1005هـ ونجيب الدين تلميذ صاحب (المعالم) في 1010هـ ونور الدين محمّد بن حبيب الله ، والمير أبو الولي في 1005هـ والسيّد رحمة الله والمير حيدر بن علاء الدين التبريزي ، والشاه مرتضى الكاشاني ، وشجاع الدين محمود وتاج الدين حسين بن شمس الدين الصاعدي ، وتاج الدين حسن بن شرف الدين الفلاورجاني الإصفهاني ومحمّد علي بن عناية الله ، وعبد الصمد أخي البهائي وابنه أحمد ومحمّد بن أحمد الأردكاني ، والقاضي حبيب الله ، وغياث الدين علي ، وعبد علي النجفي ، والقاضي صفي الدين محمّد الزواري ، وأبي البركات ، ومحمّد الطالقاني وعبدالله بن قنديل ، ولطف الله الميسي والسيّد حسين بن الحسن ، وعبدالعالي الكركي ، ومحمّد بن خاتون ، والمير الداماد ، ومحمّد السبط ، وحسين الكاشاني ، وعبد اللطيف الجامعي ، ومحمّد بن علي الأحسائي ومحمّد الدامغاني.

مرّتين(1) مع الشكّ في تعدّدهما. والمترجم له شيخ إجازة محمّد تقي المجلسي (ت1070هـ/ 1660م) والمحقّق السبزواري ، وهو من أعاظم العلماء في عصر الشاه عبّاس الماضي (ت 1038هـ/ 1629م) وله كتاب الإجازات ورسائل متفرّقة في مسائل شتّى وبعض إجازاته وصورة مشايخه مذكورة في آخر بحار الأنوار(2).
ومن تصانيفه : إشراق الحقّ من مطلع الصدق في جواز تسمية الحجّة عليه‌السلام ، كتب بخطّه على ظهر النسخة بيده اسم الكتاب وأنّه تصنيف الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ حسين بن حيدر بن قمر بن علي الحسيني الكركي العاملي عامله الله بلطفه الخفيّ بالنبي والوصي وآلهما الأطهار الأبرار ، وذكر في آخره أنّه فرغ منه في 23 شهر رمضان سنة 1020هـ (29 نوفمبر 1611م) وكتب بخطّه إجازة(3) لتلميذه القارئ عليه الكتاب(4).
__________________
(1) وعدّه في الأُولى من مشايخ المير الداماد وليس بصحيح فإنّه من تلاميذه. ينظر : رياض العلماء 2/88 و 91.
(2) بحار الأنوار 106/161 ـ 175.
(3) وهذا لفظها «... أجزت للمولى الفاضل المحقّق والأولى الكامل المدقّق صاحب الفهم الوقّاد والطبع النقّاد الأخ في الله والمحبوب لوجه الله ، مولانا نصير الدين محمّد سلّمه الله تعالى وأدام ، وبلّغه إلى أعلى درجات الكمال وأقامه أن يروي عنّي هذه الرسالة لمن شاء وأحبّ والملتمس منه عدم النسيان من صالح الدعوات سيّما بمظانّ الإجابات ... وكتب مؤلّفها الحسين بن حيدر الكركي الحسيني عفى عنه بالنبي وآله».
(4) الروضة النضرة : 181 ـ 183.

ومن كبار العلماء أيضاً : نور الدين علي بن علي بن نور الدين بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي ثمّ المكّي مسكنا (ت 1068هـ) ، قرأ عليه في الطائف ومكّة الشيخ قاسم بن محمّد الكاظمي كما ذكره في إجازته لنور الدين محمّد سبط أخي الفيض الكاشاني. وقد تلمّذ على أبيه نور الدين علي بن الحسين تلميذ الشهيد الثاني وعلى أخويه ، ذكر الحرّ(1) ، قال : وله شرح المختصر النافع والفوائد المكّية وشرح الاثنى عشريّة الصلاتيّة البهائيّة وغير ذلك.
وله شرح مختصر النافع سمّاه بـ : الغرر الجامع(2) ، وله حاشية على المعالم لأخيه.
__________________
(1) أمل الآمل 1/24.
(2) الذريعة 16/37.

وذُكر في السلافة بثناء بليغ وذكر أنه «قطن بمكّة شرّفها الله تعالى ... رأيته بها وقد أناف على التسعين والناس تستعين به ولا يستعين ... وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجّة 1068هـ» ثمّ ذكر جملة من أشعاره. وقال في أمل الآمل : حضرت درسه بالشام يسيراً وكنت صغيراً ، ورأيته بمكّة أيّاماً وكان ساكناً بها أكثر من عشرين سنة ، ولمّا مات رثيته بقصيدة (1).
ومنهم : علي الحرّ العاملي ، ابن الحسن بن علي بن محمّد أخو المحدّث الحرّ العاملي. قال أخوه الحرّ(2) وعنه نقل الأفندي(3) : «كان فاضلاً صالحاً زاهداً عابداً ، قرأ على أبيه وعليّ ، وتوفّي في طريق مكّة راجعاً بعد ما حجّ ثلاث حجج متوالية في ثلاث سنين 1078هـ (1667م)»(4).
ومنهم : زين الدين بن محمّد بن زين الدين الشهيد (ت 1074هـ/1667م) ، سافر إلى مكّة في سنة 1030هـ (1621م) ، وهي السنة التي انتقل البهائي إليها ، وجاور مكّة إلى أن توفّي بها. ترجمه المحبّي في خلاصة الأثر وعلي خان في سلافة العصر وتلميذه الحرّ في أمل الآمل وأخوه علي في الدرّ المنثور ويظهر من الأخير أنّه ولد 1009هـ (1600م) ، توفّي 1074هـ (1664م) ودفن بقرب والده في مقبرة خديجة الكبرى بمكّة ، وفي
__________________
(1) الروضة النضرة : 386 ـ 387.
(2) أمل الآمل 1/118.
(3) رياض العلماء 3/410.
(4) الروضة النضرة : 391.

سلافة العصر أرّخه 1062هـ. (1652م) وفي مجلّة المجمع العلمي سنة 1064هـ (1654م).
وذكر في الدرّ المنثور أنّه قرأ على أخيه ـ يعني صاحب الترجمة ـ كثيراً من الأُصول والفقه والهيئة ، وقرأ صاحب الترجمة في أوائل أمره على والده محمّد وتلاميذ جدّه الحسن صاحب المعالم وهو في بلادنا ، ثمّ سافر إلى العراق أوقات إقامة والده بها ، ثمّ إلى بلاد العجم ، فأنزله البهائي في داره وبقى عنده مدّة طويلة مشتغلاً عنده وعند غيره بالعلوم الرياضية ، ثمّ سافر إلى مكّة حتّى أدركته الوفاة. وله ديوان شعر صغير(1) ، وكان يعترض على جدّه الشهيد الثاني وعلى الشهيد الأوّل في قلّة التقيّة ويذكر عليهم ذلك «مع كثرة قراءتهم على علماء العامّة حتّى ترتّب على ذلك ما ترتّب عفا الله عنهم»(2).
ومنهم : زين العابدين الجبعي ابن نور الدين علي بن علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي (ت 1073هـ/ 1663م) ، قال الحرّ العاملي : «كان عالماً فاضلاً عابداً عظيم الشأن جليل القدر حسن العشرة كريم الأخلاق ، من المعاصرين ، قرأ على والده وعلى جملة من مشايخنا وغيرهم. ولمّا مات رثاه أخي الشيخ زين العابدين الحرّ بقصيدة»(3) ، وعنه نقل الأفندي الذي قال :

وقد أتى تاريخه سيّداً
 

 

قد لبس الدهر ثياب الحداد
 

وهو مطابق لما حُكِي عن ضامن بن شدقم في كتابه تحفة الأزهار من
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 9/410.
(2) الروضة النضرة : 236.
(3) أمل الآمل 1/100 ، رياض العلماء 2/398.

أنّه توفّي بمكّة ودفن بالمعلّى في 1073هـ (1663م) وكذا ذكره في بغية الطالبين. وله أربعة إخوة كلّهم علماء ؛ أبو الحسن وجمال الدين وعلي وحيدر ، كلّهم من معاصري الحرّ(1).
ومنهم : علي رضا بن آقا جاني ، المجاز من الميرزا محمّد الإسترآبادي الرجالي بمكّة بعد قراءته عليه أكثر كتاب التهذيب ، فكتب شيخه له إجازة بخطّه صورتها وهي في آخر النسخة هكذا : «بسم الله والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد ، فقد ذاكر المولى الفاضل الورع ، خلاصة الأفاضل المتورّعين مولانا علي رضا وفّقه الله لما يحبّ ويرضى أكثر كتاب تهذيب الأحكام وبحث تفتيش وتحقيق وإتقان في مدّة من الزمان وكذلك جملة من بقيّة الكتب الأربعة المشهورة في هذا الزمان ، فلمّا لم يساعده على إتمامها حوادث الأيّام أجزت له روايتها بطرقي المقرّرة وأعلاها ما نبّهت عليه في كتب الرجال وإنّما اكتفينا عن التفصيل بهذا الإجمال لضيق المجال وقرب الترحال مشرطاً عليه الأخذ بطريق الاحتياط وملازمة الجادّة الموظّفة بين أُولي الفضل والكمال. كتب ذلك العبد الفقير إلى رحمة ربّه الهادي محمّد بن علي الإسترآبادي في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام بمكّة المكرّمة زادها الله تعظيماً وتشريفاً سنة ست عشرة بعد الألف 1016هـ (1607م) حامداً مصلّياً على محمّد نبيّه وآله مسلّماً مستغفراً عفي عنهما بمحمّد وآله».
وكتب المجاز في آخر كتاب الحدود من هذه النسخة صورة خطّ الشهيد الثاني على نسخته وإمضاء المجاز هكذا : «كتبه العبد الجاني ابن آقا جاني علي رضا عفي عنهما في مكّة المكرّمة عند حضرة الكعبة في ذي
__________________
(1) الروضة النضرة : 237.

القعدة سنة ست عشرة وألف (1016هـ/ 1608م»(1).
ومنهم : محمّد علي الشيباني ، ابن محمّد صالح الشيرازي ، كتب بخطّه حواشي متفرّقة من بعض الرسائل وبعض الأدعية وغيرهما في مكّة وفرغ منه 27 رمضان 1073هـ (5 مايو 1663م) والمتن هو الإرشاد للمفيد كتب بقلم بهاء الدين محمّد بن محمّد القاري أيضاً في مكّة في التاريخ المذكور(2).
ومنهم : المير محمّد مؤمن بن شرف الدين علي الحسيني الإسترآبادي الشهيد بمكّة 1088هـ (1677م) ومن مشايخ المجلسي وصاحب رسالة العروض ورسالة ميزان المقادير ونزيل (الدكن) والمعظّم عند الملوك القطب شاهية هناك وكان حيّاً في 1031هـ. (1622م)(3).
ومنهم : المير أبو المحاسن فضل الله دستغيب بن محبّ الله (ت 1022هـ/ 1613م) ترجمه إعجاز حسين (ت 1286هـ/ 1869م) في شذور العقيان وحكى عنه في نجوم السماء ووصفه بـ : «العالم الفاضل العابد الزاهد الورع الصالح الجليل القدر العظيم الشأن» وهو من تلاميذ الميرزا محمّد بن علي بن إبراهيم الحسيني (ت 1026هـ/ 1617م) صاحب كتب الرجال الكبير والوسيط والوجيز وماجد بن هاشم البحراني (ت 1028هـ/ 1619م) ، وذكر في النجوم شطراً من إجازة الماجد له التي كتبها في 1023هـ (1614م)
__________________
(1) الروضة النضرة : 398.
(2) الروضة النضرة : 404.
(3) الروضة النضرة : 434.

والموجودة صورتها في آخر مجلّدات بحار الأنوار(1).
ومن آثاره : الرجال الكبير للميرزا الإسترآبادي كتبها بخطّه في حياة أُستاذه المؤلّف في مكّة وفرغ من الكتابة 27 رجب 1022هـ (12 سبتمبر 1613م) وفرغ من المقابلة مع نسخة خطّ المؤلّف في أواخر شعبان 1022هـ (اكتوبر 1613م) وعليها بعض الحواشي من «المصنّف بخطّه دام ظلّه» وقد توفّي المصنّف أواخر ذي القعدة 1022هـ (1613م) واشترك مع صاحب الترجمة بعض المسافرين معه إلى مكّة وعاونوه في الكتابة والمقابلة ، وبين تمام المقابلة ووفاة المصنّف ثلاثة أشهر تقريباً(2).
ومنهم : محمّد محسن بن محمّد مؤمن (ت 1089هـ/1678م) ، وهو يروي عن نور الدين علي بن علي بن الحسين بن أبي الحسن العاملي (ت 1068هـ/ 1658م) بإجازة كتبها له عام 1051هـ (1641م) بمكّة وصورتها موجودة في بحار الأنوار(3) ، وصفه فيها بـ : «المولى الجليل الفاضل الأثيل المتقن محمّد محسن بن محمّد مؤمن» ووصفه شيخنا النوري في الفيض القدسي وخاتمة المستدرك بالعلم والفضل والصلاح وغيرها ، وعدّه في المستدرك خامس مشايخ المجلسي ، وترجمه في نجوم السماء وأورد صورة إجازة نور الدين له نقلاً عن كتاب شذور العقيان في تراجم الأعيان للسيّد
__________________
(1) بحار الأنوار 107/17 ـ 19.
(2) الروضة النضرة : 440 ـ 441.
(3) الروضة النضرة : 489.

إعجاز حسين(1). وقد كان من المشايخ ؛ قال الحرّ في أمل الآمل : «كان فاضلاً محقّقاً زاهداً عابداً معاصراً ، عمّر نحواً من ثمانين سنة ثمّ انتقل إلى مشهد الرضا عليه‌السلام بقصد المجاورة ومات فيه سنة 1089هـ (1678م).
ومنهم : محمّد الإسترآبادي (ت 1028هـ/ 1619م) ، ابن علي بن إبراهيم الحسيني ، غادر النجف وأقام في مكّة حتّى أدركته الوفاة ، وهو مؤلّف كتب الرجال منهج المقال الكبير المطبوع والآخر الوسيط ، والثالث ، وصفه محمّد صادق النيسابوري في إجازته لمحمّد التستري في 1110هـ (1698م) عند ذكره لمشايخ المولى نصرا بما لفظه : «عن شيخه المحقّق والميرزا المدقّق السيّد الأمجد ميرزا محمّد صاحب كتاب الرجال» وكلمة (السيّد) إن لم يكن بالمعنى اللغوي يدلّ على أنّ المترجم له كان من ذرّية الرسول (صلى الله عليه وآله) كما صرّح المجلسي بها أيضاً.
ووصفه المحبّي في خلاصة الأثر بالعالم العلاّمة. وله غير كتاب الرجال شرح آيات الأحكام ، وحاشية تهذيب الحديث ورسائل أُخرى متعدّدة. توفّي بمكّة ثالث عشر ذي حجّة أو ثالث ذي القعدة سنة 1028هـ (22 اكتوبر 1619م) كما في مصفى المقال.
ترجمه مصطفى التفريشي في نقد الرجال ونقل عنه في جامع الرواة ،
__________________
(1) بحار الأنوار 107/25.

ونقل في أمل الآمل(1) عن السلافة وفاته بمكّة 1026هـ (1617م) ، وزاد الأفندي(2) في تعليقاته على أمل الآمل المطبوع نقلاً عن بعض أنّ المترجم له كان مع المقدّس الأردبيلي الملاّ أحمد حين وفاته في النجف فسئل عمّن يرجع إليه في التعليم فأشار إلى المير فضل الله في العقليّات والمير علاّم في النقليّات ، فدخل الغيظ من ذلك على الميرزا محمّد المترجم له حيث لم يجعله في عدادهما ، فلم يَبقَ في النجف وتوجّه إلى مكّة وأقام بها(3).
ومنهم : مصطفى التبريزي ، ابن محمّد إبراهيم القاري المشهدي ، تشرّف بزيارة العتبات ثلاث مرّات ، وللحجّ ثلاث مرّات ، وفي الحجّة الثانية قرأ بمكّة على إسماعيل القاري ، وقرأ في سائر أسفاره على جمع من قرّاء العرب مدّة ثلاثين سنة ، وكتب في حجّه الثالث سنة 1067هـ (1657م) كتاب التحفة بين الحرمين راجعاً عن الحجّ ، له من التصنيفات : تحفة القرّاء وتحفة الأبرار ووقوف القرآن ورسالة سند قراءة عاصم.
وقد ترجم نفسه في الفصل الخامس من تلك الرسالة التي ألّفها بعد تحفة القاري في 1067هـ (1657م) وعمره ستّون سنة وقت التأليف ، وذكر أنّه ولد في (تبريز) في 1007هـ (1599م) وجاور مشهد الرضا عليه‌السلام وله
__________________
(1) أمل الآمل 2/281.
(2) رياض العلماء 5/116.
(3) الروضة النضرة : 497.

عشرون سنة ، وقرأ القرآن على والده أوّلا ، ثمّ قرأ في 1030هـ (1621م) بقراءة عاصم على الحاج محمّد رضا ابن الحاج محبّ علي السبزواري الذي قرأ على والده أوّلاً ثمّ على المولى محمّد أمين الذي قرأ على جدّه الملاّ عماد الدين علي الشريف القاري الإسترآبادي بسنده المذكور في تصانيفه. وبعد حجّته الأخيرة رجع إلى إصفهان ، ولازم خدمة مجتهد الزمان الآخوند الملاّ محمّد الخراساني ، يراجع في مشكلاته ويأخذ منه أحكامه(1).
ومنهم : محمّد مؤمن الإسترآبادي ، بن دوست محمّد الحسيني المكّي المجاور للحرم الشريف الإلهي حيّاً وميّتاً ، والشهيد للتشيّع في الحرم في 1087هـ (1676م) عن عمر طويل.
وجاء في أمل الآمل : «محمّد مؤمن الإسترآبادي ساكن مكّة ، عالم فاضل فقيه محدّث ، صالح عابد شهيد ، له رسالة في الرجعة من المعاصرين». وزاد صاحب الأفندي(2) في تعليقاته على أمل الآمل : «أدركته في الحجّة الأُولى ومات شهيداً بمكّة سنة سبع وثمانين وألف في مسجد الحرام بتهمة التنجيس»(3).
وأمّا في (المدينة المنورة) فأبرز العلماء الذين جاوروها :
__________________
(1) الروضة النضرة : 565 ـ 566
(2) رياض العلماء 5/154.
(3) الروضة النضرة : 592 ـ 593.

إسماعيل بن علي بن صالح فلجي (حيّاً 1020هـ/ 1611م) ، العراقي المولد الجزائري المسكن ، من تلاميذ عبدالنبي بن سعد الجزائري. روى عنه بعض الأفاضل في المدينة عام 1023هـ (1614م) على ما وجد بخطّه على ظهر نسخة من الاقتصاد في شرح الإرشاد تصنيف الشيخ عبدالنبي الجزائري ما لفظه : «ومن مناقب شيخنا العلاّمة المقدّس الشيخ عبدالنبي بن سعد الجزائري مصنّف هذا الكتاب تغمّده الله برحمته في صلابته في الأُمور الدينية أنّه تحاكم إليه طائفتان» إلى آخر القضية. وكان حيّاً إلى سنة 1013هـ (1604م) التي فرغ فيها من كتابه الإمامة (1).
ومن العلماء : محمّد زمان الحسيني بن إسماعيل كتب بخطّه خلاصة الأقوال للحلّي في 1007هـ (1599م) والنسخة في الرضوية وقف محمّد زمان في 1024هـ (1615م) والمظنون أنّ الواقف هو الكاتب يعني ابن إسماعيل الحسيني الذي ذكر في آخر الخلاصة أنّه استنسخه من أصل منقول عن خطّ أبي المظفّر يحيى ابن فخر المحقّقين بن المصنّف ثمّ قابله وصحّحه ثانياً في المدينة المباركة مع نسخة خطّ المصنّف بكمال الدقّة ، فيظهر من جميع ذلك أنّ صاحب الترجمة من الأفاضل. وقد أوقف السيّد محمّد زمان بعض الكتب على الخزانة الرضوية ، منها : المجلّد الأوّل من التهذيب في 1024هـ (1615م) وكذا مجلّده الثاني وكمال الدين وتمام من لا يحضره الفقيه الذي
__________________
(1) الروضة النضرة : 48.

كتبه بخطّه فوقّفه في التأريخ المذكور للخزانة (الرضوية)(1).
ومنهم : سليمان الشدقمي (ت 1057هـ/ 1647م) ، ابن شمس الدين محمّد بن بدر الهندي المدني الحمزوي الحسيني. ترجمه ضامن بن شدقم في تحفة الأزهار وقال : «إنّه كان عالماً فاضلاً كاملاً محقّقاً مدقّقاً صالحاً عابداً ... سافر إلى العراق بقصد زيارة أجداده بعد ما أخذ في المدينة عن والده وعمّيه علي والحسين ، وفي بلاد العجم أخذ عن البهائي (ت1030هـ/ 1621م) والمير محمّد باقر الداماد (ت 1041هـ/ 1632م) فعرّفاه للشاه عبّاس (ت 1038هـ/ 1629م) فأكرم مقامه وقرّر له أوقاف أهل الحرمين ، وحكى ذلك كلّه عن خاله محسن بن محمّد بن الحسن أخ صاحب الترجمة إلى أن قال : أنّه توفّي ببغداد فرثاه عمّه علي (ت 1033هـ/ 1624م)». وقد توفّي 1057هـ (1647م)(2).
ومن علماء الإمامية الذين تشرّفوا بمجاورة مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) : شمس الدين ابن علي بن الحسن بن شدقم الحسيني المدني ، قال الأفندي(3) : إنّه سئل عن الشيخ عبد النبي بن سعد الجزائري (ت 1021هـ/ 1612م) بالمدينة أن يكتب شرحاً على إرشاد الأذهان للحلّي فكتب هو بأمره
__________________
(1) الروضة النضرة : 232 ـ 233.
(2) الروضة النضرة : 250.
(3) رياض العلماء 3/274.

الشرح الموسوم بـ : الاقتصاد في شرح الارشاد. وجدّه الحسن الشدقمي بن علي النقيب كان تلميذ الحسين بن عبدالصمد والد البهائي وأثنى عليه في سلافة العصر ، ولوالده علي ابن الحسن مسائل سئلها البهائي كما في أمل الآمل(1).
2) الأدباء والشعراء :
وإلى جانب العلماء الذين تفرّغوا للعلم والتأليف في العلوم الشرعية والعربية ، ظهر في مكّة والمدينة المنوّرة في تلك الفترة مجموعة من الشعراء والأدباء ، الذين أسهموا في الحياة العلمية ، من أبرزهم :
السيّد نظام الدين أحمد بن محمّد معصوم الحسيني (ت1085هـ/ 1674م) والد علي خان المدني ، وقد ترجمه ولده في سلافة العصر وأثنى عليه ثناءً بليغاً وذكر جملة من أشعاره وأشعار بعض الأُدباء المجارين معه مثل محمّد بن علي الشامي وعيسى النجفي وأحمد الجوهري والسيّد حسين بن المطهّر الجرموزي (هرمزي) اليمني والحسن بن علي باعفيف اليمني وعبد الله الزنجي.
وذكر أنّه رحل إلى (حيدر آباد) سنة 1055هـ (1645م) وحلّ عند السلطان عبد الله بن محمّد قطب شاه ، فأملكه من عامه ابنته. وقال في أمل الآمل : «عالم ، عظيم الشأن ، جليل القدر ، شاعر ، أديب ، له ديوان شعر ورسائل متعدّدة ، كان كالصاحب بن عبّاد في عصره. مدحه شعراء زمانه ،
__________________
(1) الروضة النضرة : 267 ـ 268.

توفّي في زماننا بحيدر آباد ، وكان مرجع علمائها وملوكها ، وكان بيننا وبينه مكاتبات ومراسلات ...».
وحكى عن مآثر الكرام : «إنّ والدة المير نظام الدين بيگم أُخت الشاه عبّاس تزوّج بها المير محمّد معصوم في طريق الحجّ ، وبعد الأعمال جاور مكّة حتّى ولد المير نظام بها ونشأ منشأً حسناً واشتغل حتّى فاق أقرانه في الفضل فطلبه وزير عبدالله قطب شاه إلى حيدر آباد ، فتزوّج المير نظام الدين بابنة السلطان عبدالله ، ولم يرزق منها ، بل ولد له علي خان من زوجة أُخرى ليلة النصف من جمادى الأُولى 1052هـ (11 أغسطس 1642م) بالمدينة ولذا قد يقال له المدني. وفي سنة 1054هـ (1644م) نهض إلى بلاد الهند إلى أن توفّي بحيدر آباد سنة 1086هـ (1675م)». ولم يذكر ولده وفاته لأنّه ألّف سلافة العصر سنة 1082هـ (1671م) في حياة والده المير نظام الدين أحمد(1).
ومنهم : أحمد بن محمّد بن مكّي الشهيد الجزّيني العاملي ، ونسبة إلى الجدّ لأنّه من أحفاد الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي كما صرّح به في أمل الآمل وقال : «كان عالماً فاضلاً ، أديباً ، شاعراً منشياً سكن بلاد الهند مدّةً وجاور بمكّة سنين وهو من المعاصرين».
وقد ذكر الطهراني أنّه يوجد بخطّه المجلّد الثاني من كتاب خلق
__________________
(1) الروضة النضرة : 23.

الإنسان وقف مدرسة (فاضل خان) فرغ منه 1052هـ (1642م) وامضاؤه (أحمد بن مكّي الشهيدي الشامي)(1).
ومنهم : جمال الدين ابن نور الدين علي بن علي بن أبي الحسن الموسوي الجبعي العاملي (ت 1097هـ/ 1686م). قال في أمل الآمل : «عالم ، فاضل ، مدقّق ، ماهر ، أديب شاعر كان شريكنا في الدرس عند جماعة من مشايخنا سافر إلى مكّة وجاور بها ، ثمّ إلى مشهد الرضا عليه‌السلام ثمّ إلى (حيدر آباد) وهو الآن ساكن بها ، مرجع لفضلائها ، وله شعر كثير ومعمّيات ، وله حواشي كثيرة وأورد جملة من أشعاره».
وفي بغية الطالبين في آل شرف الدين عن نزهة الجليس إنّه توفّي بحيدر آباد سنة 1097هـ. (1686م) وترجمه عبّاس بن علي بن نور الدين في كتابه نزهة الجليس مفصّلاً وأثنى عليه غاية الثناء وأورد قصيدته المتغزّلة :

يانديمي بمهجتي أنديك
 

 

قم وهات الكؤوس من هاتيك
 

اسقنيها ممزوجة من فيك
 

 

بالذي أورد المحاسن فيك(2)
 

ومنهم : حسين بن الحسن العاملي المشغري ، ويبدو أنّه عاش سنواته الأخيرة في مكّة ، حيث توفّي فيها ليلة الاثنين عاشر ذي القعدة 1030هـ
__________________
(1) الروضة النضرة : 25.
(2) الروضة النضرة : 122.

(1621م) ودفن بالمعلّى قرب قبر خديجة.
قال الحرّ العاملي : «كان فاضلاً صالحاً جليلَ القدر ، شاعراً أديباً ، قرأ على البهائي وعلى محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني ، سافر إلى الهند ثمّ إلى إصفهان ثمّ إلى خراسان وسكن بها حتّى مات ، وكان عمّي محمّد بن علي بن محمّد الحرّ يصف فضله وعلمه وفصاحته وكرمه. رأيتُ جملة من كتبه ، منها كتاب النكاح من التذكرة وعليه خطّ البهائي بالإجازة له ، يروي عن عمّي عنه عن البهائي»(1).
وحكى الشيخ علي في الدرّ المنثور تاريخ وفاة والده محمّد بن الحسن ابن الشهيد عن خطّ تلميذه ومصاحبه بمكّة صاحب الترجمة ، بعنوان الشيخ حسين بن الحسن بن الحسين العاملي المشغري ، وأنّه كتب التأريخ بخطّه على ظهر شرح الاستبصار لأُستاذه الشيخ محمّد بن الحسن المتوفّي 1030هـ (1621م).
يقول الطهراني : «ورأيت بخطّه فوائد علمية في مجموعة السيّد محمّد خطيب قطب شاه كتبها تذكاراً له أوان مسافرته إلى الهند». وترجمه الأفندي وقال : «لم أجد ترجمته في أمل الآمل وإنّما رأيت خطّه على ظهر الكامل لابن الأثير في 1027هـ. (1618م) ورأيت مجموعة في هراة كتب بخطّه فيها بعض المطالب عن الكشّاف تذكرة لمحمّد حسين المدرّس الكاسي الهروي (المذكور) وخطّه لا يخلو عن جودة وتأريخه أواخر رمضان أوائل العشر
__________________
(1) أمل الآمل 1/69.

الخامس من المئة الحادية عشر»(1).
وترجمه ثانياً أيضاً(2) ونقل ما في أمل الآمل ثمّ ذكر أنّه رأى إجازته لتلميذه الشيخ عبدالكاظم الكاظمي تأريخها أوائل المئة الحادية عشرة. قال : وعندي الكامل لابن الأثير كتب تملّكه عليه في 1027هـ (1618م) وكان قبله لمحمّد بن خاتون العاملي(3).
ومن الذين جاوروا الحرم المكّي من أهل الأدب والشعر :
الشريف ضياء الدين يوسف بن يحيى الحسني اليمني الصنعاني (ت 1121هـ/ 1709م) صاحب كتاب نسمة السحر في ذكر من تشيّع وشعر ، إذ حجّ وأقام بمكّة نحو سنتين ، وامتدح الأشراف ، وأفاد مالاً. وكاتب السيّد صدر الدين علي بن أحمد الحسيني المدني (1120هـ/ 1708م) ، ثمّ لقيه بمكّة المشرّفة في سنة 1114هـ (1702م).
وينتمي الصنعاني إلى أسرة كريمة تنتسب إلى أكرم البيوت وأشرفها ، لها باع في العلم والأدب ، إضافة إلى تولّي الرعيل الأوّل منهم الإمامة والرئاسة والإمارة والقضاء في اليمن ، وهي زيدية المعتقد ، سواه ، فهو إمامي إثنا عشري(4). ولد بمدينة صنعاء باليمن في جمادى الأولى سنة 1078هـ
__________________
(1) رياض العلماء 2/43.
(2) رياض العلماء 2/45.
(3) الروضة النضرة : 185 ـ 186.
(4) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 2/372 ـ 373.

(1667م) ونشأ فيها وحقّق علوم العربية والأصولين والمنطق ، وشارك في الطبّ وتضلّع في الأدب ونثر ونظم فأجاد.
وقد أشار إلى مكانته العلمية في أرجوزة له منها قوله :

وإنّني لأحفظ القرآنا
 

 

غيباً يهزُّ لفظه الصفوانا
 

وأحفظ النحو وعلم الصرفِ
 

 

حفظاً له يمشي النحاة خلفي
 

والشعر والبيان والمعاني
 

 

والمنطق المذكور في اليونانِ
 

ثمّ البديع والحديث واللغة
 

 

والطبّ والتاريخ عمّن بلغه
 

وأعلم الجدال والتفسيرا
 

 

فاسأل به عن فطنتني خبيرا
 

وأحفظ الأخبار والأنسابا
 

 

والفقه والأصول والحسابا
 

ولي من الشعر الغريب الممتنع
 

 

ما لو زهير ذاقه إثري تبع
 

من كلّ غرّا حلوة النظامِ
 

 

ما صاغها قبلي أبو تمّامِ
 

وإن أردت النثر فالبلابلُ
 

 

تشدو به إذ تورق الخمائلُ
 

والفاضل المصريّ عنه قاصرُ
 

 

ومنتقى مروان فيه حائرُ
 

هذا وما خُيّرت من عرفاني
 

 

أكثر ممّا قصّه لساني(1)
 

وأغلب شعره مبثوث في كتابه نسمة السحر وما أورده له صاحب نشر العرف في ترجمته له ، ومنه يرثي أخاه زيد بن يحيى المتوفّى 1104هـ (1693م) عن عمر لايتجاوز الثلاثين سنة بقصيدة أوّلها :
__________________
(1) نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف 2/955 ـ 956.

 

بعد الأحبّة ما في العيش من أربِ
 

 

ولي التجلّد والتسليم للنوبِ
 

كيف الأمان وذي الدنيا تخاتلنا
 

 

وليس منها سوى التمويه والكذبِ
 

وهي طويلة ، ومنها :

إنّي أهيم بسلوى ثمّ يزعجني
 

 

ذكري لزيد خليل المجد والأدبِ
 

هوى الشقيق الذي ودّعته فغدت
 

 

تنهلّ كالورد أجفاني بمنسكبِ
 

 

خِلٌّ فقدتُ به ماليس واجدهُ
 

 

من الفضيلة في الأعجام والعربِ(1)
 

وله من المصنّفات إضافة إلى نسمة السحر : طلوع الضياء وهو ديوان جمع فيه شعر أخيه زيد بن يحيى بن الحسين ، و (أرجوزة) في سيرته.
3) المؤرّخون :
وبرز في مكّة والمدينة في تلك الفترة جملة من المؤرّخين الذين اهتمّوا بجوانب من التاريخ وتراجم الأعلام وتدوين الرحلات.
ومنهم : السيّد زين العابدين بن علي الحسيني الكاشاني ، الكاشاني مولداً المكّي موطناً ومدفناً السعيد الشهيد مؤسّس بيت الله الحرام بتفصيل ذكره في كتابه مفرّحة الأنام في تأسيس بيت الله الحرام(2) ، حيث هدم بعض جوانب الكعبة بالسيل في 19 شعبان 1039هـ. (3 ابريل 1630م) : «وشرعوا
__________________
(1) نشر العرف 1/707.
(2) أوضح الطهراني أنّ فتح الله بن مسيح الله مؤلّف (أبنية الكعبة) أدرج فيه ترجمة عربية للرسالة الفارسية (مفرّحة الأنام) للمترجم له. وقد ذكر في (جنّة النعيم ، ص293) طرفاً من تاريخ التعمير هذا للكعبة. وذكر في (خطّي فارسي ، ص3941) وفي فهرس مكتبة كلّية الآداب بطهران النسخ الفارسية لرسالة زين العابدين الكاشاني المترجم له.

بهدم بقيّتها سوى جانب الحجر الأسود في 3 ج2 / 1040هـ (7 يناير 1631م) ، وشرع في التأسيس في رجب 1040هـ (فبراير 1631م) وتمّ في 27 رمضان 1040هـ (21 فبراير 1631م) ، وأوّل من وضع الحجر الأسود في الأساس هو المتَرجَم له ومعه جماعة من المؤمنين سمّاهم في الكتاب وصرّح فيه بأنّ محمّد أمين الإسترآبادي كان أُستاذه وذكر أنّ قبره في المعلّى مع الميرزا محمّد الرجالي ومحمّد السبط وغيرهم. وصرّح الأفندي(1) بأنّه استشهد بمكّة للتشيّع ودفن بالمعلّى مع مشايخه وأورد في شذور العقيان بعض إجازاته لتلميذه عبد الرزّاق المازندراني وتمام الإجازة موجودة في آخر بحار الأنوار(2).
ومنهم: كما ولد وترعرع السيّد علي خان المدني (ت 1120هـ/ 1611م) صاحب سلافة العصر منذ ولادته في (المدينة المنورة) عام 1052هـ (1642م) وحتّى وفاته في (شيراز) عام 1120هـ (1611م) ، هو السيّد علي صدر الدين ابن الأمير أحمد نظام الدين ابن الأمير محمّد معصوم. يصل نسبه إلى زيد ابن الإمام علي بن الحسين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام.
أمّا نسبه من جهة الأمّ ، فأمّه القانتة بنت الشيخ محمّد بن أحمد المنوفي المصري الشافعي ، نزيل مكّة وأحد أعيانها وفضلائها ، ورئيس الشافعية فيها ،
__________________
(1) رياض العلماء 2/399.
(2) الروضة النضرة : 238 ـ 239 ، بحار الأنوار 107/14.

قال عنه المحبّي (ت 1111هـ/ 1699م) : «هو المقام خليفة الشافعي»(1) ، وفضلاً عن قيامه بمهامّ العلم والتدريس فإنّه كان تاجراً ، ومعه مفتاح الكعبة المشرّفة ، وتوفّي سنة أربع وأربعين وألف من الهجرة النبوية المباركة (2).
أمّا خاله فهو القاضي عبد الجواد المنوفي قال عنه المحبّي : «كان فاضلاً أديباً حسن الذاكرة ، أخذ بمكّة من علمائها وولي بها مدرسة»(3). «وكانت وفاته خامس شوّال سنة (1068هـ)، ودفن بالطائف بقرب تربة ابن عبّاس»(4).
ولابن معصوم أخوان ، اثنان من أبيه ، الأوّل منهم هو السيّد محمّد يحيى بن أحمد نظام الدين ، قال عنه المحبّي : «أخو السيّد علي صاحب السلافة ، قال أخوه في وصفه : أخي وشقيقي وابن أبي(5) ... وكانت ولادته في سنة ثمان وأربعين وألف (1048هـ/ 1638م) وذهب إلى والده في الهند ، وأقام إلى أن مات ، وكانت وفاته بها في سنة اثنتين وتسعين وألف (1092هـ/ 1681م)»(6).
وقد ذكر ابن معصوم طرفاً من الحالة السيّئة التي عاشها وأهله في مكّة
__________________
(1) نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة 4/173.
(2) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر 3/344 ـ 345 ، نفحة الريحانه 4/172.
(3) خلاصة الأثر 2/392.
(4) سلافة العصر :125 ، خلاصة الأثر 2/396.
(5) سلافة العصر : 36.
(6) خلاصة الأثر 3/376 ـ 379.

المكرّمة وما جاورها ، وكان أميرها آنذاك الشريف (زيد بن المحسن بن الحسين) إذ قال فيه : «وليها ـ أي مكّة المكرّمة ـ وهي جمرة تخترم ، ونار تضطرم ، فأخمد نيرانها وأمّن جيرانها ، وكانت ولايته سنة إحدى وأربعين وألف ، وله من العمر سبع وعشرون سنة»(1) بعد أن ثار ضدّ الشريف (نامي) وبقي في الحكم حتّى وفاته عام 1077هـ (1666م).
وسافر إلى بلاد الهند بدعوة من أبيه أحمد ناظم الدين (ت 1089هـ/ 1668م) ، ووصوله إليها في شهر ربيع الأوّل من عام 1068هـ (مارس 1658م) ، وكان حاكم الدكن آنذاك السلطان عبد الله قطب شاه ، الذي اتّخذ من السيّد أحمد نظام الدين (عينا) ، وهو من أرفع المناصب الحكومية عندهم ، وقد برع ابن معصوم في جملة من العلوم وترك فيها مصنّفات في اللغة العربية والأدب والفقه ، وشؤون الثقافة الأخرى ، وصنّف أكثر من عشرين كتاباً ورسالة.
وكان لوالده السيّد أحمد نظام الدين مجلس عامر بالعلماء والأدباء يقصدونه من كلّ حدب وصوب في الديار الهندية ، وأتاح له منصبه كوزير في حكومة الدكن أن يكون مجلسه مهوىً لقلوب أهل العلم.
وكان والده معلّمه الأوّل ، إذ كان أديباً وشاعراً وعالماً ، وقد حضر في مجلسه وأصغى بما دار فيه من محاورات ومناظرات ، فأخذ عنه كثيراً ، ومن أساتذته أيضاً جعفر بن كمال الدين البحراني (ت 1088هـ/ 1774م) ، خرج
__________________
(1) رحلة ابن معصوم أو سلوة الغريب وأسوة الأريب : 52.

من البحرين إلى شيراز ومنها إلى الهند حيث استوطن فيها ، ومحمّد بن علي ابن يوسف الشامي العاملي (ت 1104هـ/ 1693م).
4) العلوم الطبيعية والتطبيقية :
لقد برع في مكّة في تلك الفترة الزمنية أعلام تخصّصوا في العلوم الطبيعية والتطبيقية مثل الحساب والفلك والطبّ والصيدلة ، فمن الذين برعوا في الطبّ محمّد صالح الگيلاني الحكيم (ت 1088هـ/ 1774م) نزيل اليمن ، وهو تلميذ البهائي ، ترجمه ضياء الدين يوسف (ت 1121هـ/ 1709م) في كتابه نسمة السحر بذكر من تشيّع وشعر الذي فرغ من بعض أجزائه في 1114هـ (1702م) ، وحكى فيه عن أُستاذه وابن عمّه السيّد محمّد بن الحسين بن الحسن ابن الإمام القاسم ، وكان محمّد تلميذ صاحب الترجمة في علم الطبّ ، وحكى محمّد عن صاحب الترجمة بعض أحواله منها أنّه حضر بحث البهائي في إصفهان وتلمّذ عليه وعلى غيره من الأعيان وأقام دهراً في خدمة بعض الأطبّاء في بيمارستان إصفهان التي كانت كلّية للطبّ والكيمياء في عهدها.
قال : وبرع في أنواع العلوم حتّى علم الصنعة ، وكان فاضلاً في المنطق والرياضيّات والتصريف والنحو والأدب مع الخطّ الحسن الجيّد ، وأمّا الطبّ فهو إمامه المطلق حتّى صار طبّه مثلاً في بلاد اليمن ، وحكى عنه أيضاً إنّ أباه وجدّه بلغا العمر الطبيعي ، قال : وكذلك هو بلغ العمر الطبيعي لأنّه توفّي

1088هـ (1677م) ، وله مئة وتسعة عشر سنة ، وحكى عنه أيضاً «أنّه ارتحل من بلاد العجم إلى بلاد الهند فأقام بها أربعين سنة في مملكة الدكن أيّام أبي الحسن قطب شاه فَعَلاَ صيته ، واقتنى نفايس الكتب فعزم الحجّ وأخذ معه ذخائر كتبه في البحر فغرق ما معه ونجى بنفسه ، وأقام بمكّة زماناً فركب البحر مريداً البلاد الهندية فاجتاز باليمن أيّام الإمام (المتوكّل على الله) إسماعيل بن القاسم (ت1087هـ/ 1676م) فلمّا تحقّق الإمام فضله ألزمه بالقيام باليمن واشترى له داراً في صنعاء بخمسمئة غرش وخدمه آل القاسم ، ونال منهم الرغائب ، وكان لا يعالج أحداً إلاّ بأُجرة نظير سلفه بقراط ، حكى في نسمة السحر جملة من معالجاته الغريبة وذكر جمعاً من تلاميذه ومنهم والده يحيى قال : «وكان يأتي إلى والدي لدرسه ويأخذ منه أُجرة كلّ يوم ربع غرش» ثمّ ذكر جملة من أشعاره ، وترجمته في النسمة طويلة اختصرها الطهراني في الروضة (1).
ومن الجدير بالملاحظة هنا ، أنّ حالة الصراعات السياسية والعسكرية في البلاد العربية والإسلامية في الفترة أسفرت عن انحلال الثقافة وتدنّي المستوى العلمي والأدبي بين أبنائها وخاصّة إبّان حكم بني عثمان الذين حاربوا اللغة العربية وفرضوا على شعوبها اللغة التركية بعد اتخاذهم إيّاها لغة رسمية للبلاد العربية ، ممّا أثّر في الثقافة عندهم ، فانحدر فيها الشعر والشعراء
__________________
(1) الروضة النضرة : 287 ـ 288.

إلى مستويات متدنّية «وتجد ضعفاً في أساليب الكثيرين إلى جانب ضعف الألفاظ والتراكيب ، وقد جاء ذلك عن عجزهم عن التصرّف في اللغة تصرّف المالك لزمامها والمتمكّن من دقائق أسرارها ، وقد أخفى بعضهم هذا الضعف بثوب الصناعة اللفظية والمحسنات البديعية»(1) ، حتّى سادت هذه الصناعة وعمّت شعر تلك الفترات ، فضلاً عن ظهور فنون شعرية اختلطت فيها اللغة الفصيحة بالعامية مثل الدوبيت والكان كان ، والقوما ، والزجل ، والموشّح ، إضافة إلى رواج بعض الصناعات الشعرية المتمثّلة بالتأريخ الشعري وغيرها(2).
وبالمقابل ، نشأت حركة تأليف متواصلة في ميادين شتّى ، إلاّ أنّها اتّسمت بالشروح والحواشي(3) ، فنبغ فيهم علماء ومؤلّفون ، من أمثال : بهاء الدين العاملي (ت 1031هـ/ 1622م) ، والمقري (ت1041هـ/ 1632م) ، والشهاب الخفاجي (ت 1069هـ/ 1659م) ، ويوسف البديعي (ت 1073هـ/ 1663م) ، وعبدالقادر البغدادي (ت 1093هـ/ 1682م) ، والمحبي الشامي (ت 1111هـ/ 1699م) ، وابن معصوم المدني (ت 1120هـ/ 1611م) وغيرهم كثير.
__________________
(1) في أدب العصور المتأخّرة : 38.
(2) تأريخ آداب العرب 3/353 ـ 421.
(3) تاريخ آداب اللغة العربية 3/286 ـ 290.

خلاصة البحث
ونستطيع بعد ذلك أن نقف على مجموعة من النقاط التي يجدر التأكيد عليها وبيان أهمّيتها وهي :
1) إن (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) كانتا مركزين علميّين وعباديّين لهما خصوصيّتهما وتفرّدهما في العالم الإسلامي ، فالمكانة العظيمة لبيت الله الحرام ولمقام النبي (صلى الله عليه وآله) جعل من هاتين البقعتين الطاهرتين مركزاً يستقطب إليه المسلمين من كلّ مكان بصرف النظر عن مذاهبهم الدينية وانتمائاتهم العقائدية ويغريهم بالتوطّن الدائم ، وهذا ما أفسح لهم مجالاً واسعاً فظهرت في هاتين البقعتين بعد ذلك أنماط من الحوارات العلمية والجدل الرصين بين علماء المذاهب الإسلامية في إطار من الاحترام المتبادل والذي قد لايخلو في بعض وجوهه من المنافسة والحماس العنيف أحياناً ، لكن الجميع ظلّوا يحترمون صيغة التعايش التي يفرضها الانتماء للمكان.
ولم يقف الأمر عند حدود التعاطي العلمي والإفادة من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى ـ سواء بالاحتكاك المباشر والشخصي عبر حضور حلقات الدروس أو الاستجازة في طلب الحديث ، أم بشكل غير مباشر من خلال الاستفادة من مضامين كتبهم واستنساخها والتعليق عليها واختصارها أو تهذيبها أو الردّ عليها ـ إنّما تَعَدّاهُ إلى التزاوج المختلط ونشوء المصاهرات وهو ما نجده ، على سبل المثال ، في حالة السيّد أحمد الدشكتي ، والد صاحب سلافة العصر ، حيث تزوّج بنت الشيخ محمّد بن أحمد المنوفي

المصري الشافعي نزيل مكّة وأحد أعيانها وفضلائها ورئيس الشافعية فيها ، وهي سليلة بيت علم ووجاهة وقضاء كما أوضحنا.
2) إنّ المماحكات الطائفية في الحجاز والتي كانت تندلع بين الحين والآخر كانت في واقع الأمر تمثّل حالات استثنائية لاتعكس واقع الحال ، فقد كان التشيّع يمثّل ظاهرة أصيلة في المجتمع المكّي والمدني ، ولم يكن بالأمر الطاري ولا الدخيل ، ورغم الإقرار بأنّ أتباع مذهب أهل البيت كانوا يتعرّضون ـ كما يتعرّض الشيعة في كلّ مكان ـ للمضايقات والتهميش الاجتماعي ، إلاّ أنّ المسار التاريخي للتشيّع في الحجاز ظلّ متدفّقاً برغم الظروف الصعبة التي كانت تحيط به ، ولايمكن القول بأنّهم واجهوا عنفاً دمويّاً واستهدافاً منظّماً على طول الخطّ ، لاسيّما في الحالات الكثيرة التي كان الشيعة الإماميّون يعيشون في حالة من السُبات السياسي الذي لايَستَفزّ الأغلبية السنّية الحاكمة ، الأمر الذي جعل من العلاقات السنّية الشيعية تكون في حالة موادعة طويلة الأجل لفترة ليست بالقصيرة.
3) تبيّن أنّ الأغلبية الساحقة من المجاورين لبيت الله الحرام وقبر الرسول (صلى الله عليه وآله) كانوا ينحدرون من بلاد فارس ، حيث تبيّن أنّ من بين 77 من علماء الإمامية المجاورين طبقاً لما أورده الطهراني في الروضة النضرة ، ينحدر 36 منهم من بلاد فارس ، في حين يمثّل علماء جبل عامل المرتبة الثانية من حيث العدد بواقع 22 عالماً ، ومن المدينة المنوّرة 6 علماء ، ومن العراق 4 علماء ، ومن بلاد البحرين (أول والقطيف أو الأحساء) عالمين اثنين ، أمّا الهند واليمن ومكّة المكرّمة فعالم واحد لكلّ منها ، أمّا العلماء الإماميّون الذين لم يُعرف إنتماؤهم الجغرافي لعدم وجود قرائن تنبي عنه

بوضوح فعددهم أربعة علماء ، وذلك بالشكل الذي يوضّحه الجدول التالي :

التسلسل

البلد

عدد المجاورين

1
2
3
4
5
6
7
8
9

بلاد فارس
جبل عامل
المدينة المنوّرة
العراق
غير المعلوم
الهند
البحرين والقطيف والأحساء
مكّة المكرّمة
اليمن
المجموع

36
2
6
4
4
1
2
1
1
75

وأمّا من حيث طول الإقامة ، فقد تبيّن أنّ اثني عشر عالماً من المجاورين فقط آثروا المجاورة حتّى الوفاة ، ودفنوا في مكّة أو المدينة ، والأغلبية الساحقة منهم بَقَوا بضع سنين ثمّ رجعوا بلدانهم ، وذلك بالنحو الذي يوضّحه الجدول التالي :

 التسلسل

مكان الوفاة

العدد

1
2
3
4
5
6
7

العراق
المدينة المنوّرة
بلاد فارس
جبل عامل
الهند(حيدر آباد)
مكّة المكرّمة
غير معلوم
المجموع

1
1
10
2
4
11
48
77

 

4) الوجود الإمامي في بلاد الحرمين في القرن الحادي عشر يمثّل امتداداً لما قبله من قرون خلت ، فهذا الوجود له امتداد تاريخي بعيد الجذور ، والقرن الحادي عشر يمثّل واسطة العقد والحلقة التي تصل ماضيه بمستقبله.
5) رغم أنّ كتاب طبقات أعلام الشيعة لم يُخصّصه مؤلّفه لموضوع المجاورين للحرمين الشريفين ، إلا أنّه كشف عن معلومات وتفاصيل تاريخية تتصل بالموضوع وتكشف جانباً كبيراً منه ، وقد وفّر الكتاب بمعلوماته الغزيرة للباحثين المهتمّين زاداً نافعاً وخلق أرضية لدراسة مختلف جوانب الحياة العلمية والاجتماعية عبر القرون.
ورغم أنّ المؤلّف لم يبحث بالتفصيل حياة من ترجم لهم ، إلاّ أنّ ذلك لا يقلّل من قيمة عمله بلحاظ ضخامة العمل وجسامته وهو عمل تنوء بحمله مؤسّسات بطاقم كامل من الباحثين المتخصّصين. وما يهمّنا هنا هو مناقشة المعيار الذي احتكم إليه الشيخ الطهراني ـ أعلى الله مقامه ـ في كتابه طبقات أعلام الشيعة ، وهو معيار (التشيّع) لأهل البيت ، فهل التزم به الشيخ الطهراني في عمله؟
لقد لاحَظنَا أنّ الكتاب حفل بعدد من الأسماء التي ينسبها إلى التشيّع خطأً ، اعتماداً على أدلّة لاتفيد الجزم بالانتماء العقائدي للتشيّع ، نظير ما ذكره عن خضر الموصلي(1) ، على سبيل المثال ، اعتماداً على ما ذكره في كتابه الإسعاف والتي تفيد بميول شيعية لمؤلّفه!!
__________________
(1) أوردنا هذا المثال فحسب لأنّه ورد ضمن العلماء المجاورين وقد أشرنا إليه في ثنايا البحث ، وإلاّ فالأمثلة في موسوعة الطبقات كثيرة جدّاً.

ومن المعروف أنّ اصطلاح (التشيّع) عند أهل الجرح والتعديل من علماء الجمهور كان يُراد به تفضيل الإمام علي عليه‌السلام على عثمان ، أمّا النيل من بني أميّة فهو عندهم (تشدّد في التشيّع).
أمّا تفضيل الامام علي على أبي بكر وعمر فهو (الرفض) ، حسب تعريفهم ، وأمّا النيل من أبي بكر وعمر فهو (الغلوّ في الرفض) حسب هذا التعريف.
وبناءً على هذا التقسيم أدخلوا الكثير من أهل العلم في التشيّع لمجرّد تفضيلهم الإمام علي عليه‌السلام ، وقدحهم في بني أميّة ، فمن الحفّاظ عدّوا النسائي والحاكم في الشيعة ؛ لهذا الاعتبار وحده.
وعلى هذا القياس عَدّوا جماعة في رجال الشيعة ، ولم يكونوا كذلك ، وعلى رأسهم محمّد بن جرير الطبري ـ صاحب التاريخ ـ حتّى أدخله الدكتور عبد العزيز محمّد نور ولي في كتابه أثر التشيّع على الروايات التاريخية وترجم له ترجمة مفصّلة ، وصنع مثل هذا مع النسائي ، والحاكم النيسابوري وعبد الرزّاق صاحب المصنّف.
وقد وقع هذا الخطأ كثيراً في كتابي الذريعة وأعيان الشيعة لمثل تلك الاعتبارات أو لاعتبارات أخرى ، كالتصنيف في فضائل أهل البيت أو الذبّ عنهم ، أو لمجرّد إيراد أحاديث أو إثبات وقائع تاريخية تثبت حقوقهم ، وقد وقع هذا عند الشيخ الطوسي والنجاشي ، أمّا أمثلته في الموسوعتين الكبيرتين الذريعة والأعيان فكثير جدّاً(1).
__________________
(1) معجم مؤرخي الشيعة 1/29 ـ 30.

من هنا تظهر الحاجة الماسّة إلى إعادة إخراج كتاب الطبقات وتحقيقه تحقيقاً علميّاً يليق بأهمّيته ومكانة مؤلّفه الذي أسدى خدمات عظيمة للتراث الإسلامي بما تركه من نتاج غزير ظلّ محوراً لعدد لايحصى من الدراسات التاريخية والتراثية ، إنّ إعادة إخراج الكتاب محقّقاً بأجزائه السبعة عشر سيتيح للباحثين وطلاّب العلم الوقوف على جانب من عظمة ما تركه علماء الإمامية عبر القرون من مخزون علمي غزير ومتنوّع ، ولعلّ أهمّ ما يبرّر هذه الدعوة ثلاثة أمور : الأخطاء الإملائية والأسلوبية ، فكثير من عبارات الطبقات تحوي لحناً أعجميّاً ، والاشتباهات التاريخية وأبرز شواهدها نسبة غير الشيعة إلى التشيّع ، وأخيراً الحاجة الماسّة للاستدراكات والتعليقات على مادّة الكتاب ، فكثيرٌ من المخطوطات التي أشار إليها الطهراني أصبحت اليوم مطبوعة ومتاحة للقراء ، والكثير من النسخ الخطّية التي نَبّه الطهراني إلى وجودها في المكتبات الخاصّة انتقلت إلى مراكز أبحاث متخصّصة ، أو ظهرت نسخ أكثر اعتباراً منها ، بل أنّ الكثير من النسخ الخطّية أصبحت مصوّراتها متوفّرة في أغلب مراكز المخطوطات والمكتبات المتخصّصة في إطار سياسة التبادل العلمي بين المكتبات الخطّية في العالم ، وهذا يعني أن تحوّلاً هائلاً قد حَدَثَ في عالم المخطوطات عمّا كان عليه الحال قبل خمسين عاماً أو أبعد ، الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في قيمة ما كتبه الشيخ الطهراني فيما يتعلّق بمظانّ النسخ الخطّية وأماكن وجودها اليوم أخذاً بالاعتبار كلّ هذه التحوّلات الكبيرة التي جرت في عالم المخطوطات وأوجه العناية بالتراث المخطوط.

الخاتمة
ننتهي ممّا سبق أنّ المدينتين المقدّستين (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) كانتا تعجّان بحياة علمية نشطة شارك فيها جمٌّ غفيرٌ من العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية ، وكان لعلماء الإمامية مساهمة واسعة وأدوار جليلة في هذه المجال ، فقد ظهر على مسرح الحياة العلمية والاجتماعية في هاتين المدينتين المقدّستين مجموعة من العلماء الذين تفرّغوا للتدريس ، وألّف كثير منهم مؤلّفات في علوم متنوّعة مثل الفقه والحديث والتفسير والسيرة النبوية والتراجم والمنطق والحساب والفلك ، جرياً على ما كان سائداً في البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
وتبيّن أنّ أغلب العلماء الإمامية الذين ساهموا في النشاط العلمي في كلّ من مكّة والمدينة كانوا من الوافدين عليها بقصد المجاورة وطلب العلم ، وأنّ الأغلبية الساحقة منهم وفدوا من فارس وجبل عامل ، وجماعة أقلّ منهم وفدت من العراق واليمن ، ناهيك عن علماء شبه الجزيرة العربية.
وقد برز من بين هؤلاء العلماء مشتغلين بحقل الدراسات الإسلامية في المجالات المذكورة كالسيّد بدر الدين أحمد بن إدريس العاملي الحسيني ،
وأشرف محمّد بن شهاب الجوزي ، ومحمّد بن عبد اللطيف بن علي العاملي ، وشمس الدين محمّد بن أحمد العيناثي العاملي ، وحسن بن المشغري العاملي (ت قبل 1060هـ/ 1650م) ، وحسين ابن محمّد الشيرازي ، والمير حسين القاضي ، ومعزّ الدين حسين الإصفهاني ، والمولى خليل بن

الغازي القزويني (ت1089هـ/ 1678م) ، وشمس الدين محمّد الجيلاني الإصفهاني ، وشمس الدين محمّد المكّي الشيرازي ، وأحمد بن شهاب الدين الفضل بن محمّد باكثير المكّي ، والميرزا محمّد أمين الإسترآبادي (ت 1036هـ/ 1627م) وغيرهم من العلماء.
كما ظهر أيضاً أدباء وشعراء كبار مثل : نظام الدين أحمد بن محمّد معصوم الحسيني (ت 1085هـ/ 1674م) وولده علي خان المدني (ت 1120هـ/ 1708م) ، وأحمد بن محمّد بن مكّي الشهيد الجزيني العاملي ، وجمال الدين ابن نور الدين علي بن علي بن أبي الحسن الموسوي الجبعي العاملي (ت 1097هـ/ 1686م) ، وحسين بن الحسن العاملي المشغري ، وضياء الدين يوسف بن يحيى الحسني اليمني الصنعاني (ت 1121هـ/ 1709م) صاحب نسمة السحر في من تشيّع وشعر. هؤلاء شكّلوا مع آخرين غيرهم حالة أدبية وشعرية خصبة اتّسمت بخصائص معيّنة.
وإلى جانب ذلك ، ظهر في مكّة والمدينة علماء أعلام توجّهوا بجهودهم نحو العلوم التطبيقية من أطبّاء وفلكيّين وصيادلة بالنحو الذي أوضحنا جانباً منه في ثنايا البحث ، وذَكَرَتهُ بالتفصيل كتب التراجم كأمل الآمل للحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن (ت 1104هـ/ 1693م) ورياض العلماء وحياض الفضلاء ، للميرزا عبد الله أفندي (ت 1130هـ/ 1718م) والمجاميع الأدبية وأبرزها : سلافة العصر للسيّد علي خان المدني وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبّي ، محمّد أمين (ت 1111هـ/ 1699م) وغيرها من المصادر الأخرى التي تعكس توافر مناخ علمي جعل من الحجاز

مركزاً علميّاً مميّزاً يزاحم الحواضر العلمية الشهيرة في العالم الإسلامي وقتئذ مثل : إصفهان واستانبول والقاهرة ودمشق وخراسان وبغداد والنجف الأشرف ، إذ كانت مقصداً لوفود العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يشدّون إليهما الرحال ويستكملون تعلميهم على يد علمائها.
إنّ ما نخلص إليه في هذه الخاتمة أنّ (مكّة المكرّمة) و (المدينة المنوّرة) في فترة الدراسة حفلت بوجود نشاط علمي شارك فيه علماء الإسلام متعدّدي المذاهب ومن مختلف بقاع العالم الإسلامي ، وكان لعلماء الإمامية دورٌ أصيلٌ في إنضاج مساره ، وكانت هاتان الحاضرتان تسود فيهما ثقافة لا تختلف في إطارها العام عمّا كان يسود البلدان العربية والإسلامية الأخرى ، كما توضّحه طبيعة الاهتمامات العلمية والمؤلّفات التي ظهرت في هذه الفترة ، والتي نجدُ التركيز فيها على وضع المتون والشروح والحواشي.
وأخيراً ، لعلّ هذه الدراسة قد أوفت الموضوع حقّه من الاهتمام والعناية ، وهي محاولة متواضعة قُصد بها تسليط الضوء على النشاط العلمي في مكّة والمدينة لعلماء الإمامية في فترة زمنية اتّسمت بكثير من الفتن والاضطرابات السياسية التي عصفت بالعالم الإسلامي ، وفي بقعتين طاهرتين كانت وما تزال مقصداً للمسلمين من شتّى بقاع العالم.

المصادر
1 ـ اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميّين الخلفاء : المقريزي ، تقي الدين أحمد ابن علي (ت 845هـ/ 1441م) ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ لجنة إحياء التراث الإسلامي ، القاهرة ، ط1 ، 1387هـ.
2 ـ أشراف مكّة في القرن الحادي عشر الهجري : فرديناند ، فوستنفلد ، ترجمة : محمود كبيبو ، دار الورّاق للنشر ، بيروت 2015م.
3 ـ أصول تحقيق التراث : الفضلي ، عبد الهادي.
4 ـ أعيان الشيعة : الأمين ، محسن (ت 1371هـ/ 1951م) ، تحقيق : حسن الأمين ، دار التعارف للمطبوعات ط 5 ، بيروت 2000م.
5 ـ أمل الآمل : الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن (ت 1104هـ/ 1693م) ، مؤسّسة دار الوفاء ، ط 2 ، بيروت 1983م.
6 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : المجلسي ، محمّد باقر (ت 1111هـ/ 1699م) ، مؤسّسة الوفاء ط2 ، بيروت 1983م.
7 ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع : الشوكاني ، محمّد بن علي (ت 1250هـ) ، مطبعة السعادة ، القاهرة 1348هـ.
8 ـ تاريخ آداب العرب : الرافعي ، مصطفى ، دار الكتاب العربي ، ط6 ، بيروت 2001م.
9 ـ تاريخ آداب اللغة العربية : زيدان ، جرجي ، مطبعة الهلال ، القاهرة 1913م.
10 ـ تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي : حسن ، إبراهيم حسن ، مكتبة النهضة المصرية 1982م.
11 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الصدر ، حسن ، دار الرائد العربي ، ط1 ، بيروت 1981م.
12 ـ التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة : السخاوي ، محمّد بن عبد الرحمن ، بيروت 1993م.
13 ـ تحفة المحبّين والأصحاب في معرفة ما للمدنيّين من الأنساب : الأنصاري ، عبد الرحمن ، تحقيق : محمّد العروسي المطوي ، المكتبة العتيقة ، تونس ، 1970م.
14 ـ الحجج المبينة في التفضيل بين مكّة والمدينة : السيوطي ، جلال الدين ، تحقيق : محمّد زينهم محمّد عرب ، دار الأمين ، القاهرة 1993م.
15 ـ حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر : لعبد الرزّاق البيطار (ت 1335هـ/ 1917م).
16 ـ الحياة العلمية والاجتماعية في مكّة : العبيكان ، طرفة عبد العزيز ، مكتبة الملك فهد الوطنية ، الرياض 1996م.
17 ـ خاتمة مستدرك الوسائل : النوري ، الميرزا حسين ، تحقيق : رحمة الله الرحمتي الأراكي ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، ط1 ، قم 1434هـ.
18 ـ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر : المحبّي ، محمّد أمين (ت 1111هـ/1699م) ، دار الكتب العلمية ،ط1 ، بيروت 2006م.
19 ـ خواطر السنين (سيرة معماري ويوميّات محلّة بغدادية) : مكّية ، محمّد ، دار الساقي ، بيروت 2005م.
20 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية : الأمين ، حسن ، دار التعارف للمطبوعات ، ط6 ، بيروت 2001م.
21 ـ الدرر السنية في الأنساب الحسنية والحسينية : البرادعي ، أحمد بن محمّد ، ط 2 ، 1349هـ.
22 ـ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة : لابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي (ت 852هـ/1448م).
23 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : الطهراني ، آقا بزرك (ت 1389هـ/ 1970م) ، دار الأضواء ، بيروت ، د. ت.
24 ـ الرجال : النجاشي ، أحمد بن علي ، تحقيق : موسى الشبيري الزنجاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم.
25 ـ الرحلات المغربية والأندلسية : عواطف محمّد يوسف ، الرياض 1996م.
26 ـ رحلة ابن بطّوطة المسمّاة تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار : ابن بطّوطة ، أبو عبد الله اللواتي الطنجي (ت779هـ/ 1377م) ، تحقيق : عبد الهادي التازي ، المغرب 1997م.
27 ـ رحلة ابن معصوم أو (سلوة الغريب وأسوة الأريب) : لابن معصوم ، علي خان ، تحقيق : شاكر هادي شكر ، عالم الكتب ، مكتبة النهضة العربية ، ط1 ، بيروت 1988م.
28 ـ الرحلة الحجازية : لولي النعم الحاج عبّاس حلمي باشا الثاني ، خديوي البتنوني ، محمّد لبيب ، مصر ، مطبعة مدرسة والده عبّاس الأوّل ، ط1 ، القاهرة 1327هـ.
29 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام : لابن معصوم ، علي خان ، تحقيق : محسن الحسيني الأميني ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، ط4 ، قم 1425هـ.
30 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : الأفندي ، الميرزا عبد الله الإصفهاني (ت 1130هـ/1718م) ، تحقيق : أحمد الحسيني ، مؤسّسة التاريخ العربي ، ط1 ، بيروت 2010م.
31 ـ رياض المسائل : للسيّد علي الطباطبائي (ت 1231هـ) ، تحقيق ونشر : مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، ط1 ، قم المشرّفة 1412هـ.
32 ـ سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر : لمحمّد خليل المرادي (ت 1206هـ/ 1792م).
33 ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام : الفاسي ، محمّد بن أحمد المكّي المالكي (ت 832 هـ/1429م) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بدون تاريخ.
34 ـ شيخ آقا بزرك تهراني : صفري ، علي أكبر ، مؤسّسة تراث الشيعة ، قم 1390 ش.
35 ـ شيخ الباحثين آقا بزرك الطهراني حياته وآثاره : عبد الرحيم محمّد علي ، مطبعة النعمان ، ط1 ، النجف الأشرف1390هـ.
36 ـ شؤون الحرمين الشريفين في العهد العثماني في ضوء الوثائق التركية العثمانية : هريدي ، محمّد عبد اللطيف ، دار الزهراء للنشر ، ط1 ، القاهرة 1989م.
37 ـ صناعة المخطوطات في نجد : المنيف ، عبد الله بن محمّد ، أروقة للدراسات والنشر ، ط1 ، عمّان 2014م.
38 ـ الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : لأبن حجر الهيتمي ، أحمد بن محمّد (ت 973هـ/ 1566م) ، تحقيق : عبدالرحمن التركي وكامل محمّد الخرّاط ، دار الوطن ، الرياض ، دون تاريخ.
39 ـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع : للسخاوي ، شمس الدين محمّد بن عبدالرحمن (ت 902 هـ/ 1497م).
40 ـ طبقات أعلام الشيعة : آقا بزرك الطهراني ، دار إحياء التراث العربي ط1 ، بيروت 2009م ، الجزء الثامن ، القرن الحادي عشر.
41 ـ العلاقات بين مصر والحجاز زمن الفاطميّين والأيوبيّين : صبحي عبد المنعم ، العربي للنشر والتوزيع ، دون تاريخ.
42 ـ على هامش الذريعة : الأشكوريّ ، أحمد الحسينيّ نسخة بژوهى ، العدد 2 ، ص 298.
43 ـ عين على الذريعة : الحلّي ، أحمد مجيد ، مقال منشور في مجلّة مخطوطاتنا الصادرة عن العتبة العلوية ، العدد 3 ـ 4 ، 2015م / 1436هـ.
44 ـ فرحة الأنام في تأسيس بيت الله الحرام : الحسيني الكاشاني ، زين العابدين بن نور الدين ، تحقيق : عمّار نصّار ، حيدر لفتة مال الله ، مشعر ، طهران 1428هـ.
45 ـ في أدب العصور المتأخّرة : رشيد ، ناظم ، جامعة الموصل ـ كلّية الآداب ، مكتبة بسّام ، 1985م.
46 ـ قصّة الأشراف وآل سعود : الوردي ، علي ، دار الورّاق للنشر ، ط3 ، بيروت 2013م.
47 ـ كامل الزيارات : القمّي ، جعفر ابن قولويه ، دار المرتضى ، ط1 ، بيروت 2008م.
48 ـ الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة : لمحمّد نجم الدين الغزّي (ت 1061هـ/ 1651م).
49 ـ المجتمع الحجازي في العصر المملوكي : صبحي عبد المنعم ، المكتبة التاريخية ، العربي للنشر والتوزيع ، ط1 ، 1997م.
50 ـ المدينة المنوّرة في العصر الأيّوبي : حرب ، جميل ، دار تهامة ، ط1 ، جدّة 1985م.
51 ـ مظاهر الحياة الاجتماعية في مكّة والمدينة إبّان القرن الثامن الهجري من خلال كتب الرحّالة : شبني ، أحمد هاشم أحمد بدر ، مجلّة مركز البحوث ودراسات المدينة المنوّرة ، العدد الرابع عشر والخامس عشر.
52 ـ معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء : حرز الدين ، محمّد ، تحقيق : محمّد حسين حرز الدين ، نشر : مكتبة المرعشي ، قم 1405هـ.
53 ـ معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي : محمّد أحمد دهمان ، دار الفكر ، ط 1 ، دمشق 1990م.
54 ـ معجم البلدان : الحموي ، ياقوت ، دار إحياء الثراث العربي ، بيروت 1979م.
55 ـ معجم مؤرّخي الشيعة : عبد الحميد ، صائب ، مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي ، ط1 ، قم المقدّسة 2004م.
56 ـ مكّة المكرّمة في عيون رحّالة نصارى : رالي ، أغسطس ، ترجمة : حسن سعيد غزالة ، دارة الملك عبدالعزيز ، الرياض 1430هـ.
57 ـ ميزان الاعتدال : الذهبي ، شمس الدين محمّد بن أحمد ، (ت748هـ/ 1347م) ، دار الرسالة العالمية ، ط1 ، دمشق 2009م.
58 ـ نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف إلى سنة (1357هـ) : الصنعاني ، محمّد ابن محمّد ابن زبارة الحسني ، مصر 1359 ـ 1376هـ.
59 ـ نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة : المحبّي ، محمّد أمين (ت 1111هـ/ 1699م) ، دار الكتب العلمية ، ط1 ، بيروت 2005م.


المصدر: وسام عبّاس السبع - مجلة تراثنا ..
عدد مرات القراءة:
1345
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :