التراث التفسيري عند الإمام الرضا
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد : إنّ القرآن الكريم كتاب هداية ولابدّ من توضيح ما يرمي إليه من المعاني والمقاصد للحصول على معارفِه العَميقة ، وإنّ أهمّ مصدر في فهم القرآن إنّما هو الروايات التفسيرية للمعصومين عليهمالسلام ، فهي بالإضافة إلى ما تمنحه من التفسير الصّحيح تزوّدنا كذلك بالمباني التفسيرية ومناهجه وقواعده ووجوهه المختلفة ، فبالإضافة إلى الجانب التعليمي لروايات أهل البيت عليهمالسلام فإنّ أحاديثهم تعدّ مصدراً غنيّاً للحُصول على المناهج والنماذج التفسيرية المختلفة. بناءً على هذا وبسبب سعة الروايات التفسيرية لأهل البيت عليهمالسلام فإنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تعريب هيئة التحرير. مقالتنا هذه قد اقتصرت على التراث التفسيري عند الإمام الرضا عليهالسلام أنموذجاً ، ومن خلال الوقوف عند الروآيات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام والتأمّل فيها يتبيّن لنا أنّ الإمام عليهالسلام لم يتطرّق فقط لتفسير كلام الله وتوضيحه فحسب بل أنّه عليهالسلام قد وضّح وبيّن للمسلمين أهمّ المباني والأصول والقواعد التفسيرية أيضاً. المقدّمة : إنَّ أكثر ما يحتاجه الناس للاستفادة من القرآن الكريم هو فهم ما ترمي إليه الآيات الإلهية من مراد ومقصود ، وإنّ شمولية القرآن تستوجب أن يكون للإنسان معلّمٌ فهيمٌ ومطّلعٌ على حقائق القرآن ليبيّن للناس معارفه ، بناءً على هذا فإنّ الله تبارك وتعالى فوّض رسالة تبيين القرآن وتفسيره إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهذا ما يتبيَّن لنا من الآية (44) من سورة النحل ، وهو بدوره أيضاً استطاع أن يقوم بأعباء هذه المهمّة قولاً وعملاً بأحسن وجه ، ولكن الحقبة الرسالية المحدودة والأجواء الحاكمة عليها آنذاك من جهة والمستوى الفكري والثقافي لعامّة المسلمين من جهة أُخرى لم تكونا كافيتين لضمان ما تستوعبه الأمّة من فهم صحيح للقرآن الكريم ولسلامتها عن الإنحرافات ، بل كان من اللازم أن يبقى هذا التراث مصاناً ومحفوظاً في بيت النبوّة وهم ورثة كتاب الله وترجُمانيِّي وَحيه ، وقد أشار الإمام الصادق عليهالسلام إلى هذه الضرورة العقلية قائلاً : «إنّا أهل بيت لم يزل الله يبعث منّا من يعلم كتابه من أوّله إلى آخره»(1). بناءً على هذا فإنّ لأهل البيت عليهمالسلام الدور الأهمُّ والأساسيُّ في بثِّ ونشر الثقافة القرآنية وخاصّةً تفسير وتبيين الحقائق القرآنية ، فإنّ قسماً من أقوال أهل البيت عليهمالسلام وسيرتهم إنّما يختصّ ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بتفسير وتبيين القرآن كما يختصّ ضمناً بتوضيح وتبيين الأصول والقواعد التفسيرية لكتاب الله ، فإنّهم عليهمالسلام قد وضعوا الخطوط العريضة والمهمّة في معرفة القرآن وتفسيره إضافةً إلى إماطتهم الستار عن الألفاظ المبهمة وتوضيح مبهمات القرآن وبهذا صاروا يعلِّمون طريقة التفسير وكيفية الأخذ بالمناهج الأساسية لفهم القرآن ، وعلى هذا الأساس فإنّ بيانات أهل البيت عليهمالسلام لم تقتصر على توضيح الآيات فحسب بل بلغت إلى أكثر من ذلك لتشمل المباني والأساليب والقرائن والقواعد الدالّة على فهم القرآن بحيث إنّ معرفة هذه الأمور تجعل الطريق مفتوحاً أمام المفسِّرين لمعرفة مقاصد القرآن. لقد استخرجنا في هذه المقالة مباني وأساليب التفسير من الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ، والمراد من الأحاديث التفسيرية هو كلّ ما يتعلّق بشأن من شؤون آيات القرآن الكريم ، سواء كان متعلِّقاً بنزولها أم بقراءتِها أو بيان معانيها ، في ظاهرها أو باطنها ، تنزيلها أو تأويلها أو ..... أو تكون قاعدةً كلِّيّةً من قواعد فهم القرآن الكريم(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البرهان في تفسير القرآن 1/19. (2) اسباب اختلاف الحديث : 466. وتوضيح ذلك : أنّ الحديث التفسيري ـ بصفة كونه حديثاً ـ يشمل كلّ ما يحكي عن شيء من شؤون المعصومين عليهمالسلام وأحوالهم ، من قول أو فعل أو تقرير ، أو نحو ذلك ، وبقيد تعلّقه بالتفسير يشمل كلّ حديث يمكن أن يقع فى طريق إيضاح معاني القرآن الكريم. أهمّية حقبة الإمام الرضا عليهالسلام. كلُّ واحد من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام إنّما هو مصباحٌ مضيء على طريق هداية البشر ومصداقٌ لما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في باب الثقلين ، فإنّ تعاليمهم عليهمالسلامجنباً إلى جنب القرآن الكريم مهّد طريقاً مخلّداً لهداية البشر ، ومن بينهم عليهمالسلامالإمام الرضا عليهالسلام فإنّه وبسبب الأجواء الخاصّة السياسية منها والثقافية التي أحدقت به عليهالسلامآنذاك صارت له بعض الخصائص التي جعلت سيرته وتعاليمه متمايزة من بين سائر الأئمّة عليهمالسلام ، فإن الأحاديث والتعاليم التي وصلت إلينا من الإمام الرضا عليهالسلامتشير إلى استمرارية سنّة أهل البيت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)ومن منشأ الوحي وذلك لأنّ الإمام الرضا عليهالسلام هو إمام من أئمّة أهل البيت عليهمالسلامومصداق من مصاديق الثقلين ، فقد قال الإمام الرضا عليهالسلام : «إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذَّة بالقَذَّة»(1). فقد وصلتنا عن الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير وتوضيح آيات القرآن الكريم روايات كثيرة ، فقد جاء إلى الإمام الرضا عليهالسلام في مكّة رجل قال له : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بصائر الدرجات : 316. «إنّك لتفسِّر من كتاب الله ما لم تسمع به؟ فقال أبو الحسن عليهالسلام : علينا نزل قبل الناس ، ولنا فُسِّرَ قبل أن يفسّر في الناس ، فنحن نعرف حلاله وحرامه ، وناسخه ومنسوخه ، وسفريه وحضريه ، وفي أيِّ ليلة نَزَلَت كم من آية ، وفيمن نزلت وفيما نزلت»(1). من الأمور المثيرة للإنتباه في روايات الإمام الرضا عليهالسلام هو الاهتمام بالعلوم المعروفة لدينا اليوم بالعلوم القرآنية وتفسير القرآن التي تمهِّد للقارىء فهم كتاب الله بنحو أفضل. هذا وإنّ البحث في الروايات الرضوية ودراستها إنّما هو لتبيين مكانة الإمام الرضا عليهالسلام في تبيين العلوم القرآنية والتفسير وتأثير تعاليمه على هذه المباحث ، وهو الهدف من تأليف مقالتنا هذه؛ وقد تناولنا هذه الدراسة من أربعة جهات وهي : المباني القرآنية عند الإمام الرضا عليهالسلام ، المناهج التفسيرية ، القواعد التفسيرية ، والمقاصد التفسيرية. أوّلاً : المباني القرآنية عند الإمام الرضا عليهالسلام. من أهمِّ الأدوار التي قام بها المعصومون عليهمالسلام هو عرضهم المباني والأُسُس التفسيرية في منهجية تفسير القرآن الكريم التي أشاروا إليها دائماً في أقوالهم وتعاليمهم التفسيرية؛ وإنّ التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بصائر الدرجات : 218 ، وسائل الشيعة 27/197 ، بحار الأنوار 23/196. الرضا عليهالسلام تبيّن أنّ أهمّ المباني لمعرفة القرآن في رواياته عليهالسلام هي عبارة عن : 1 ـ خلود القرآن : إنّ القرآن الكريم هو آخر كتاب سماوي لهداية البشر ، بناءً على هذا لابدّ أن تكون قوانينه بحيث يمكنها أن تؤدِّي دورها في هداية المجتمع البشري إلى يوم القيامة ، ويستلزم هذا المبنى بأن تكون للقرآن أحكام خالدة ومطابقة لحاضر البشر ومستقبله ، كما يستلزم أيضاً أن يكون للقرآن باطن عميق ، وقد نقل الإمام الرضا عليهالسلام بواسطة أبيه رواية عن الإمام الصادق عليهالسلام «إنّ رجلاً سأل أبا عبد الله عليهالسلام ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة؟ فقال : إنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان ولا لناس دون ناس فهو في زمان جديد وعند كلِّ قوم غضٌّ إلى يوم القيامة»(1). 2 ـ صيانة القرآن الكريم من التحريف : إنّ عدم إمكان تحريف القرآن الكريم هو واحد من أهمِّ المباني في معرفة القرآن بحيث إنّ إثبات هذا الأمر بحاجة إلى أدلّة قطعية. في رواية قال الإمام الرضا عليهالسلام : « ... لا يَخْلَقُ من الأزمِنة ولا يَغثُّ على الألسنة لأنّه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل القرآن وحجّةً على كلِّ إنسان (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(2)»(3). فمن هذه الرواية يمكننا استنباط صيانة القرآن الكريم من ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 2/87 ، البرهان في تفسير القرآن 1/66. (2) فصلت : 42. (3) عيون أخبار الرضا 2/130 ، البرهان في تفسير القرآن 1/65. التحريف. 3 ـ القرآن وحيٌ إلهيٌّ : إنّ القرآن الكريم قد نطق به الوحي ، وألفاظه وحيٌ إلهيٌّ ، وهذا الأمر يعدُّ واحداً من المباني في تفسير القرآن الكريم ، فإنّ دراسة الروايات الرضوية تبيّن لنا هذا الأمر كما في الرواية التالية عن الحسين بن خالد قال : «قلت للرضا عليهالسلام يا ابن رسول الله أخبرني عن القرآن أخالقٌ أو مخلوق فقال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنّه كلام الله»(1). فهذه الرواية خير شاهد على أنّ القرآن وحيٌ إلهيٌّ وليس من قول البشر. 4 ـ الوضوح في بيان القرآن الكريم : إنّ وضوح بيان القرآن وقابلية فهمه الصحيح من الأمور التي استند إليها علماؤنا ، فإنّ إرشاد روّاد العلم والباحثين في المسائل الإعتقادية وإرجاعهم إلى القرآن الكريم لهو خير دليل على قابلية فهم القرآن الكريم؛ على سبيل المثال جاء في رواية عن عبد العزيز بن المهتدي قال : «سألت الرضا عليهالسلام عن التوحيد فقال كلّ من قرأ قل هو الله أحد وآمن بها فقد عرف التوحيد»(2) فإنّ هذا التشجيع في تدبّر القرآن واستخراج رفيع معارفه في التوحيد إنّما ينبئُنا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأمالي : 545. (2) الكافي 1/91. عن قابلية فهم القرآن ، كما أنّ الروايات التي تُرشد وتُأكّد على عرض الآيات المتشابهات من القرآن الكريم على الآيات المحكمات أيضاً إنّما هي حاكية عن إمكان وقابلية فهم القرآن ، وذلك ما جاء في قول الإمام الرضا عليهالسلام حيث قال : «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هُدِي إلى صراط»(1) فإنّ هذه الرواية تدلُّ على فهم القرآن من ثلاثة أبعاد : الفهم المباشر في إحكام الآيات المحكمات ، فهم التشابه في الآيات المتشابهات ، ردّ المتشابه على المحكم وذلك لفهمه. 5 ـ القرآن كتاب هداية : إنّ الكثير من آيات القرآن تكشف لنا عن حقيقة أنّ القرآن كتاب هداية وذلك مثل قوله تعالى في الآيات التالية : ـ (ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)(2). ـ (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(3). ـ (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَاب مُبِين * هُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)(4). فإنّ هذه الخصوصية للقرآن الكريم هي الأخرى تعدُّ واحدةً من مباني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 1/290. (2) البقرة : 2. (3) النحل : 102. (4) النمل : 1 ـ 2. معرفة القرآن الكريم الّتي تمّت الإشارة إليها في روايات الإمام الرضا عليهالسلام ، ففي رواية سأل فيها الريّان بن الصلت من الإمام الرضا عليهالسلام عن القرآن فأجابه الإمام عليهالسلام قائلاً : «كلام الله لا تتجاوزوه وتطلبوا الهدى في غيره فَتضلُّوا»(1) فبناءً على هذه الرواية فإنّ عالم آل محمّد (صلى الله عليه وآله) جعل الهداية منحصرةً في القرآن وعدّ طلبها من غيره ضلالةً. وفي حديث الإمامة الصادر عن الإمام الرضا عليهالسلام أيضاً جاء فيه أنّه قال : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه (صلى الله عليه وآله) حتّى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلِّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه كملاً»(2). وقد روى محمّد بن موسى الرازي عن أبيه قال : «حدّثني أبي قال : ذكر الرضا عليهالسلام يوماً القرآن فعَظّمَ الحجّة فيه والآية والمعجزة في نظمه قال : هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدّي إلى الجنّة والمنجي من النار لا يَخْلَقُ على الأزمنة ولا يغثّ على الألسنة لأنّه لم يُجعَل لزمان دون زمان بل جُعِلَ دليل البرهان والحجّة على كلِّ إنسان (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(3)»(4). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التوحيد : 244. (2) عيون أخبار الرضا 1/216. (3) فصلت : 42. (4) عيون أخبار الرضا 2/130. ثانياً : المناهج التفسيرية عند الإمام الرضا عليهالسلام. المناهج التفسيرية هي عبارة عن أساليب يتّخذها المفسِّرون لكشف معاني آيات القرآن وألفاظه ، وبالرغم من أنّ هذه الأساليب متعدِّدَة ألاّ أنّه يمكننا أن نقول : إنّ هناك طريقتين كلّيّتين منذ عهد الصحابة وحتّى زماننا هذا قد اتُّخِذَتا في تفسير القرآن الكريم : الأوّل المنهج التفسيري بالمأثور ، والآخر هو المنهج التفسيري العقلي ـ الاجتهادي : والمراد من المنهج التفسيري بالمأثور هو تفسير آيات القرآن عن طريق نفس آيات القرآن (تفسير القرآن بالقرآن) وعن طريق الأحاديث والروايات الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمعصومين عليهمالسلام كما هو ديدن علماء الشيعة في التفسير ، وأمّا السنّة فبالاستفادة من الروايات الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والصحابة. وفي المنهج الثاني فإن التدبّر العقلي له الدور الأساسي بمختلف محاوره الكلامية واللغوية والفلسفية والعرفانية والفقهية و .... التي تتمحور حول هذا المنهج العقلي ـ الاجتهادي. ومع التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ندرك أنّ رواياته التفسيرية عليهالسلام قد جاءت في شتّى المجالات الاعتقادية والاجتماعية والفقهية وذلك ابتناءاً على الاعتقاد بشمولية القرآن وبكونه مرجعاً في جميع الأمور ، ففي ظلِّ هذه المباني القويمة والأصول الأصيلة يمكننا أن نشير إلى المناهج التالية في تفسيره : 1 ـ تفسير القرآن بالقرآن : إنّ العقل يحكم علينا في مجال فهم كلام المتكلّم ورفع الإبهام والإجمال عنه أن نستعين بسائر كلامه الآخر ، فإذا عثرنا على قيود وقرائن في بقية كلامه تساعدنا على فهم أفضل لكلامه فلابدّ من الاستفادة منها. وهذا الحكم يشمل فهم آيات القرآن أيضاً ، فإنّ آيات القرآن غير مستثنات من هذه القاعدة ، وقد صرّح القرآن بضرورة الإرجاع إلى الآيات المحكمة وذلك لفهم المراد والمقصود من سائر الآيات الأُخَر(1) ، ولذلك فمن أراد أن يفهم القرآن فعليه أن يطلب ذلك أوّلاً من نفس القرآن(2) ، فإذا تأمّلنا في آيات القرآن الكريم يتبيّن لنا أنّ بعض الأمور في بعض الآيات قد جاءت بصورة مبهمة ومجملة في حين أنّ نفس هذه الأمور قد جاءت بصورة مفصّلة ومشروحة في آيات أُخرى. ومضافاً على ما ذكرنا فإنّ القرآن بنفسه يعرّف منهجيته أنّه (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)(3) ، وذلك بمعنى أنّه ناظر إلى منهجية تفسير القرآن بالقرآن. وبناءً على ما جاء في الروايات أيضاً فإنّ القرآن مجموعة متكاملة بحيث إنّ بعض آياته ترتبط ببعضها الآخر ، فمع مراجعة الآيات والتدبّر فيها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آل عمران : 7. (2) الاتقان في علوم القرآن 2/434. (3) النحل : 89. يمكننا أن نجعلها شاهداً على آية أخرى وقرينة لفهمها ، بناءً على هذا لا يجب الاكتفاء بما نحصل عليه من مفهوم الآيات من غير أن نراجع وندقِّق في الآيات الأُخرى. لقد أكّد أهل البيت عليهمالسلام في رواياتهم على الإستفادة من الآيات لفهم سائر الآيات الأخر بصورة صحيحة وكاملة ، وقد عرّفوا وأشاروا وأكّدوا على القرآن الكريم كونه أتقن وأضبط مصدر لتفسير القرآن. وقد أشار أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام إلى أنّ آيات القرآن قرينة في تفسيره قائلاً عليهالسلام : «كتاب الله ... ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه ببعض»(1) ، هذا وإنّ الاستعانة بآيات القرآن في التفسير كان هو المنهج الشائع عند المعصومين عليهمالسلام في تفسير القرآن(2) ، وذلك من قبيل الاستدلال بآية لفهم آية أُخرى ، وكذلك الاستفادة من الآيات المحكمة في فهم الآيات المتشابهة. ومضافاً على ما ذكرنا من تفسير القرآن بالقرآن في كونه منهجية أهل البيت عليهمالسلام ، فإنّه يصون أيضاً بنسبة كبيرة من الوقوع في الأخطاء التفسيرية. هذا وإنّ الإمام الرضا عليهالسلام أيضاً قد استفاد في تفسير آيات القرآن من طريقة تفسير القرآن بالقرآن في موارد عديدة ، ونحن هنا نذكر نماذج من هذه الروايات : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نهج البلاغة : خ 133. (2) وقد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير ، الميزان 1/12. أ ـ ففي آية (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(1) قال الإمام الرضا عليهالسلام : «نعم الذكر رسول الله ونحن أهله ، وذلك بيّن في كتاب الله عزّ وجلّ حيث يقول في سورة الطلاق : (فَاتَّقُوا الله يَا أُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله مُبَيِّنَات)(2) فالذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أهله»(3) ، فإنّ الإمام الرضا عليهالسلامقد استفاد هنا من طريقة تفسير القرآن بالقرآن في صدد إثبات هذا الأمر ، وهو أنّ المراد من (أهل الذكر) في الآية هم الأئمّة الأطهار عليهمالسلام ، واستناداً على الآية التي مرّت علينا آنفاً من سورة الطلاق التي جعلت للرسول عنوان (الذكر) فقد استفاد الإمام الرضا عليهالسلام منها كذلك ليعرّف نفسه أنّه من أئمّة أهل البيت عليهمالسلام. ب ـ وفي رواية عن الإمام الرضا عليهالسلام لما سئل عن قوله تبارك وتعالى : (خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ)(4) فقال عليهالسلام : «الختم هو الطَّبع على قلوب الكفّار عقوبةً على كفرهم ، كما قال عزّ وجلّ : (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(5)»(6). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأنبياء : 7. (2) الطلاق : 10 ـ 11. (3) عيون أخبار الرضا 1/239. (4) البقرة : 7. (5) النساء : 155. (6) عيون أخبار الرضا 1/11. ج ـ وفي رواية أخرى فإنّه عليهالسلام استعان بقوله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ....)(1) في تفسير قوله تعالى : (يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلاَدِكُم لِلْذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ)(2) وقال عليهالسلام : «وعلّة أُخرى في إعطاء الذكر مِثلَي ما تُعطى الأنثى لأنّ الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت وعليه أن يعولها وعليه نفقتها ، وليس على المرأة أن تعول الرجل ولا تؤخذ بنفقته إن احتاج ، فوفّر الله تعالى على الرجال لذلك ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)»(3). د ـ وفي رواية أخرى فإنّه عليهالسلام بيّن معنى كلمة (قواما) من سورة الفرقان (الآية 67) استناداً على الآيات التالية (.... عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُـحْسِنِينَ)(4) و (... لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا ....)(5) وفسّرها بمعنى (المعروف) والمعروف بمعنى على قدر عياله ومؤنتهم التي هي صلاح له ولهم. «عن أبي الحسن عليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ (وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً)(6) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النساء : 34. (2) النساء : 11. (3) وسائل الشيعة 26/95 ، عيون أخبار الرضا 2/98. (4) البقرة : 236. (5) الطلاق : 7. (6) الفرقان : 67. قال : القوام هو المعروف (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُـحْسِنِينَ)(1) على قدر عياله ومؤنتهم التي هي صلاح له ولهم (لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا)(2)»(3). ففي تفسير القرآن بالقرآن غالباً ما يُستند إلى الآيات المتّحدة في الموضوع ، ولكن لوحظ في روايات أهل البيت عليهمالسلام أنّهم لم يتّخذوا هذه الطريقة لزوماً في فهم الآيات ، فلم يستفيدوا من الآيات الناظرة إلى الآيات الأخرى كقرائن تفسيرية في بعض الأحيان ، وقد فسَّروا بعض آيات القرآن بآيات أُخرى يبدو أنّها ليس بينها تلازماً ظاهريّاً في فهم تلك الآيات ، وذلك بمعنى أنّهم فسّروا القرآن بما يستنبط من القرآن وليس التفسير بظاهر الآيات المتّحدة في المعنى ، علماً أنّ هذه الطريقة كانت مختصّة بهم عليهمالسلام. ففي رواية قد استفاد الإمام الرضا عليهالسلام من آيات في تفسير آية أُخرى يبدو أنّه لا تلازم بينها وبين تلك الآيات ظاهريّاً في اتّحاد الموضوع ، كما جاء في عقب آية (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ)(4) حيث قال الإمام الرضا عليهالسلام : «المؤذِّن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ، يؤذِّن أذاناً يُسمِعُ الخلائقَ كلَّها ، والدليل على ذلك قول الله عزّ وجلّ في سورة براءة : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة : 236. (2) الطلاق : 7. (3) الكافي 4/56 ، وسائل الشيعة 21/556. (4) الأعراف : 44. (وَأَذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ)(1) فقال أمير المؤمنين عليهالسلام : كنت أنا الأذان في الناس»(2). فإنّ هذا الأمر وهو أنّ أمير المؤمنين كان قد قرأ سورة التوبة بين الناس وأعلن براءة الله ورسوله من المشركين هو أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه بين المسلمين(3) ، وقد أشار أمير المؤمنين عليهالسلام بنفسه إليه(4) ، وقد بيّن الإمام الرضا عليهالسلام استناداً على آية سورة التوبة أنّ ذلك المؤذِّن الذي يؤذِّن يوم القيامة من بين أهل الجنّة : (أَن لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ)(5) هو أمير المؤمنين عليهالسلام وإن كان ظاهر الآية لا دلالة له على ذلك. 2 ـ تفسير القرآن بالسنّة الروائية : إنّ واحداً من أفضل طرق معرفة القرآن والذي يعدّ أَمْراً ضروريّاً في فهمه هو تفسيره بسنَّة المعصومين عليهمالسلام ، وفي واقع الأمر أنّ سنّة المعصومين عليهمالسلام هي أحد أهمّ مصادر علم التفسير وأساس الحصول على المعارف الإسلامية ؛ فإنّ المعصومين عليهمالسلام هم منشأ من نور واحد وكلامهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التوبة : 3. (2) معاني الأخبار : 296 ، علل الشرائع 3/442. (3) الجواهر الحسان 3/162 ، تفسير القرآن العظيم 4/92 ، البرهان 2/729 ، روح البيان 3/386. (4) مسند الإمام الرضا 1/334. (5) الأعراف : 44. حجّة ، كما في معتقد الشيعة وفقاً لما جاء في رواية الإمام الباقر عليهالسلام : «عن جابر قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر : إذا حدّثتني بحديث فأسنده لي ، فقال : حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله عن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ ، وكلّ ما أحدّثك فبهذا الإسناد»(1). وكما في رواية الإمام الصادق عليهالسلام : «إنّا ورثنا محمّداً وعندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وتبيان ما في الألواح»(2). إنّ استناد كلّ إمام من أئمة أهل البيت عليهمالسلام إلى أحاديث وسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وكذلك سنّة الأئمّة المعصومين عليهمالسلام من قبله في تبيين آيات القرآن يمكن أن يلفت نظرنا إلى أمور مهمّة : أ ـ إنّ ذكر مثل هذه الروايات عن الأئمّة المعصومين عليهمالسلام سوف يؤدّي إلى إحياء المدرسة التفسيرية لأهل البيت عليهمالسلام ، ومن خلال هذه المدرسة يتمّ عرض التفسير الصحيح للناس ويتعلّموا منهجيته. ب ـ إنّ اطّلاع الناس على مثل هذه الروايات تجعلهم يدركون المقام العلميَّ لأهل البيت عليهمالسلام ، ويدركون بأنّهم عليهمالسلام ينهلون من منهل علميٍّ واحد فتتجه أنظارهم إليهم ليتزوّدوا من علومهم عليهمالسلام. إنّ الإمام الرضا عليهالسلام وبالرغم من أنّ له إحاطة كاملةٌ بمعاني الآيات وبما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأمالي : 42. (2) الكافي 1/225. تشتمل عليه من مفاهيم ومداليل ، وأنّه عليهالسلام في حدِّ ذاته مصدر من مصادر تفسير القرآن الكريم ، إلاّ أنّه في بعض الأحيان يستشهد في تفسير آيات القرآن الكريم ببعض الروايات التفسيرية للأئمّة الذين كانوا قبله عليهمالسلام. ويمكننا أن نشير في هذا المجال إلى النماذج التالية : 1 ـ «في عيون أخبار الرضا بإسناده إلى إبْراهيم بن عبّاس الصُّوفي الكاتب ، قال : كُنّا يَوماً بين يدي عليّ بن موسى الرضا عليهالسلام فقال : ليس في الدّنيا نعيم حقيقيّ ، فقال له بعض الفقهاء ممّن يحضره : في قول الله عزّ وجلّ : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ)(1) أما هذه النعيم في الدّنيا هو الماء البارد؟ فقال له الرضا عليهالسلام ـ وعلا صوته ـ كذا فَسّرْتُموه أنتم وجعلتموه على ضروب ، فقالت طائفة : هو الماء البارد ، وقال غيرهم : هو الطّعام الطّيّب ، وقال آخرون : هو طيب النّوم ، ولقد حدّثني أبي ، عن أبيه أبي عبد الله عليهالسلام أنّ أقوالكم هذه ذكرت عنده ـ في قول الله عزّ وجلّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ ـ فغضب وقال : إنّ الله عزّ وجلّ لا يسأل عباده عمّا تفضّل عليهم به ، ولا يمنّ بذلك عليهم ، والامتنان بالإنعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عزّ وجلّ ما لا يرضى المخلوق به؟ ولكنّ النعيم حُبّنا أهل البيت وموالاتنا .... يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبوّة لأنّ العبد إذا وفى بذلك أدّاه إلى نعيم الجنّة الذي كان لا يزول»(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التكاثر : 8. (2) عيون أخبار الرضا 2/128. 2 ـ قد نقل الإمام الرضا عليهالسلام روايةً عن آبائه الطاهرين عن أمير المؤمنين عليهالسلام في تفسير سورة الحمد : «قال الإمام [العسكري] عليهالسلام : جاء رجل إلى الرضا عليهالسلام فقال : يابن رسول الله أخبرني عن قوله عزّ وجلّ (اَلْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ) ما تفسيره؟ قال عليهالسلام : لقد حدّثني أبي ، عن جدّي ، عن الباقر ، عن زين العابدين عليهمالسلام أَنّ رجلاً جاء إلى أمير المُؤمنين عليهالسلام فقال : أخبرني عن قوله عزّ وجلّ (اَلْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ) ما تفسيره؟ فقال : (اَلْحَمْدُ لله) هو أن عرّف الله عباده بعض نعمه عليهم جملاً ، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل ، لأَنّها أَكثر من أن تُحصى أو تعرف فقال لهم : قولوا : (اَلْحَمْدُ لله) على ما أنعم به علينا. (رَبِّ الْعالَمِينَ) وهم الجماعات من كلِّ مخلوق ، من الجمادات ، والحيوانات .....»(1). 3 ـ وفي تفسيره عليهالسلام آية (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ .....)(2) جاءت الرواية التالية : «عن الحسين بن خالد ، عن أبي الحسن عليّ موسى الرضا ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ عليهمالسلام قال : إنّ سليمان بن داود قال ذات يوم لأصحابه : إنّ الله تبارك وتعالى قد وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ، سخّر لي الريح والإنس والجنَّ والطير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليهالسلام : 30. (2) سبأ : 14. والوحوش ، وعلّمني منطق الطير ، وآتاني من كلِّ شيء ، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل قد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي فلا تأذنوا لأحد عَلَيَّ بالدخول لئلاّ يرد عَلَيَّ ما ينغّص عَلَيَّ يومي ، فقالوا نعم ، فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره ووقف مُتّكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه سروراً بما أوتي ، فرحاً بما أعطي ، إذ نظر إلى شابٍّ حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره ، فلمّا أبصر به سليمان عليهالسلام قال له : من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم ، فبإذن من دخلت؟! فقال الشابّ : أدخلني هذا القصر ربُّه وبإذنه دخلت ، فقال : ربُّه أحقُّ به منّي ، فمن أنت؟ قال : أنا ملك الموت ، قال : وفيما جئت؟ قال : لأقبض روحك ، فقال؟ امض بما أمرت به في هذا يوم سروري وأبى الله عزّ وجلّ أن يكون لي سرور دون لقائك ، فقبض ملك الموت روحه وهو متّكىء على عصاه ، فبقى سليمان متّكئاً على عصاه وهو ميّت ما شاء الله والناس ينظرون إليه وهم يُقدِّرون أنّه حيٌّ فافتتنوا فيه واختلفوا ، فمنهم من قال : إنّ سليمان قد بقي متَّكئا على عصاه هذه الأيّام الكثيرة ولم يأكل ولم يشرب ولم يتعب ولم ينم إنّه لربُّنا الذي يجب أن نعبده ، وقال قوم : إنَّ سليمان لساحر وإنه يرينا أنّه واقف متّكىء على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك ، فقال المؤمنون : إنّ سليمان هو عبد الله ونبيُّه يدبِّر الله أمره بما شاء ، فلمّا اختلفوا بعث الله عزّ وجلّ الأرضة فدبّت في عصاه فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّت [خرّ] سليمان من قصره على وجهه فشكرت الجنّ الأرضة على صنيعها ، فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلاّ وعندها ماء وطين وذلك قول الله عزّ وجلّ : (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ـ يعني عصاه ـ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)(1)»(2). 4 ـ وفي تفسيره آية (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)(3) ذكر عليهالسلام روايةً عن الإمام الصادق عليهالسلام بواسطة أبيه عليهالسلام : «سمعت عليّ بن موسى الرضا عليهالسلام يقول عن أبيه موسى عن أبيه جعفر بن محمّد عليهالسلام في قوله عزّ وجلّ : (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِن قَوْلِهَا)(4) قال لمّا قالت النملة (يَا أَيُّهَا النَّـمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـانُ وَجُنُودُهُ)(5) : حملت الريح صوت النملة إلى سليمان وهو مارٌّ في الهواء والريح قد حملته فوقف وقال : عَلَيَّ بالنملة ، فلمّا أتي بها قال سليمان : يا أَيّتها النملة أما علمت أنّي نبيٌّ وأنِّي لا أظلم أحداً؟! قالت النملة : بلى ، قال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سبأ : 14. (2) عيون أخبار الرضا 1/265. (3) النّمل : 19. (4) النمل : 19. (5) النمل : 18. سليمان : فلم حذَّرتهم ظلمي وقلت يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم ، قالت : خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها فيعبدون غير الله تعالى ذكره ، ثمّ قالت النملة : أنت أكبر أم أبوك؟ قال سليمان : بل أبي داود ، قالت النملة : فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم أبيك داود؟ قال سليمان : مالي بهذا علم ، قالت النملة : لأنّ أباك داود داوى جرحه بودّ فسمِّي داود ، وأنت يا سليمان أرجو أن تلحق بأبيك ، ثمّ قالت النّملة : هل تدري لم سُخِّرت لك الريح من بين سائر المملكة؟ قال سليمان : ما لي بهذا علم ، قالت النملة : يعني عزّ وجلّ بذلك لو سخّرت لك جميع المملكة كما سخّرت لك هذه الريح لكان زوالها من يدك كزوال الريح ، فحينئذ فتبسّم ضاحكاً من قولها»(1). 5 ـ «حدّثنا عليّ بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبيه محمّد ابن عليّ صلوات الله عليهم في قوله عزّ وجلّ : (فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(2) قال : هو لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله عليٌّ أمير المؤمنين وليّ الله إلى هاهنا التوحيد»(3). 6 ـ «أبا الحسن الرضا عليهالسلام في قول الله (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)(4) قال : فقال أبو جعفر عليهالسلام : نحن باب حطّتكم»(5). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) علل الشرائع 1/72. (2) الروم : 30. (3) تفسير نور الثقلين 4/183. (4) البقرة: 58. (5) تفسير العياشي 1/135 ، بحار الأنوار 23/122. 7 ـ وفي تفسير آية (لِلْذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ)(1) أشار إلى حديث عن أمير المؤمنين عليهالسلام : «عن الرضا عليهالسلام ، عن آبائه ، عن عليٍّ عليهالسلام في حديث أنّ رجلاً سأله لم صار الميراث للذّكر مثل حظِّ الأنثيين فقال : من قبل السنبلة كان عليها ثلاث حبّات فبادرت حوّاء فأكلت منها حبّة وأطعمت آدم حبّتين فلذلك ورث الذكر مثل حظِّ الأنثيين»(2). وعلى هذا المنوال فإنّ الأئمّة عليهمالسلام غير ما اعتمدوه من تفسير القرآن بالقرآن فقد اعتمدوا أيضاً مضافاً على ذلك أحاديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أو أحاديث إمام آخر ، هذا وإنّ المعصومين عليهمالسلام قد أخذوا بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تفسير كثير من الآيات. 3 ـ تفسير القرآن بالأدلّة العقلية القطعية : إنّ للعقل في الإسلام مكانة رفيعة ، وقد تكرَّرت في القرآن الكريم عبارة (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) و (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) التي تدعو إلى التعقّل في فهم كتاب الله ، كما تكرّرت أيضاً عدّة مرّات في القرآن الكريم مشتقّات مفردة (التدبّر) وعلى الخصوص عبارة (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ) ، وذلك في ذمِّ عدم التدبُّر في آيات الكتاب ، وفي الروايات أيضاً فقد عُدَّ العقل أحد الحجّتين الإلهيَّتين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النساء : 11. (2) عيون أخبار الرضا 2/98. للإنسان فقد قال الإمام الكاظم عليهالسلام : «إنّ لله على الناس حُجَّتين حجّة ظاهرة وحجّة باطنة فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والباطنة فالعقول»(1). فمن هنا يتبيّن أنَّ القرآن الذي جاء به الرسول الظاهري (الرسل) لم يكن مخالفاً قطّ مع نتاج الرسول الباطني أي العقل ، فعلى هذا الأساس لا غرو أنّ بعض الآيات لا تفسَّر إلاّ اعتماداً على القواعد والاستلزامات العقلية ، وإنّ عدم الاعتناء بالقواعد العقلية القطعية يؤدِّي إلى الانحراف في التفسير ، وبناءً على ذلك فإنّ الأئمّة المعصومين عليهمالسلام استفادوا في بعض الأحيان في تفسير القرآن الكريم من البراهين والأصول والقواعد العقلية لتفسير آيات القرآن وخاصّة الآيات التي لها صلة بالعقيدة وإثبات وحدانية الله تبارك وتعالى. فإنّ الاستفادة من البرهان والقرائن العقلية في التفسير لبيان وإيضاح مفاهيم ومقاصد الآيات القرآنية يقال له التفسير العقلي ، وتفسير القرآن اعتماداً على العقل إنّما يتمّ على نحوين : النحو الأوّل التصريح بالقوانين العقلية ، والنحو الثاني : بيان الأمور الّتى تتمخّض عن القوانين العقلية وهي (المستلزمات العقلية). أ) التصريح بالقوانين العقلية : المقصود من القوانين العقلية هو بيان قوانين مثل عدم إمكان اجتماع الضدّين والنقيضين لكونها من المحالات ، قانون العلّية ، الحدوث والقِدَم ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي 1/16. صفات واجب الوجود ، الاختلاف والبون بين خصائص واجب الوجود مع ممكن الوجود و ..... فقد اعتمد الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير بعض الآيات على القوانين والبراهين العقلية. إنّ الإمام الرضا عليهالسلام في مناظراته مع بعض الفلاسفة والمتكلّمين الإسلاميِّين وغير الإسلاميِّين كان يلجأ إلى الأدلّة العقلية في القضايا المنطقية لإسكات مخاطبيه وإفحامهم مهما كان لديهم من القدرة العلمية ، وخير شاهد على ذلك مناظراته مع عمران الصابئي وسلمان المروزي والجاثليق وغيرهم. ب) بيان الأمور التي تتمخّض عن القوانين العقلية (المستلزمات العقلية). المراد من هذا هو أنّ الأئمّة عليهمالسلام قد أشاروا في تفسير بعض الآيات الكريمة إلى أمر لازمه حكم عقليٌّ ، فإنّ الأئمّة عليهمالسلام بصفتهم في مقام حملة كتاب الله والمبيّنين له والهواة في تفسير القرآن بالقرآن ، قد استفادوا في خلال مباحثهم القرآنية من الاستدلالات العقلية. وهذا الأمر يؤكّد على لزوم التدبّر في آيات الوحي الذي يُعدُّ هو الآخر من التعاليم القرآنية. وهناك نماذج في هذا المجال في تفسير أهل البيت عليهمالسلام : «هشام بن المشرقي عن أبي الحسن الخراساني عليهالسلام قال : إنّ الله كما وصف نفسه أحد صمد نور ، ثمّ قال : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(1) فقلت له : أفله يدان هكذا ـ وأشرت بيدي إلى يده ـ فقال : لو كان هكذا كان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المائدة : 64. مخلوقاً»(1). فإنّ الإمام عليهالسلام في تفسيره هذا اعتماداً على الأدلّة العقلية بيّن أموراً نظر إليها مخاطبه بنظر سطحيٍّ وظاهريٍّ فقد اعتمد في تفسيرها على المعنى اللغوي في حين أنّه مخالف للاستلزامات العقلية. 4 ـ العلوم الطبيعية في تفسير القرآن. على أنّ المصدر الأصلي لعلوم أهل البيت عليهمالسلام هو العلم الغيبيّ وليس العلم الإكتسابيّ ، ولكن الروايات التفسيرية التي وصلتنا من قبل أئمّتنا عليهمالسلام تارة نرى فيها إشارات إلى المباحث العلمية بحيث بيّنوا فيها أُموراً مطابقة مع التطوّرات العلمية للبشر في عصرنا الحاضر ، نشير إلى نماذج من هذا القبيل من التفسير. «عن الحسن بن خالد عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : قلت أخبرني عن قول الله (وَالسَّماءِ ذَاتِ الْحُبُكِ)(2) فقال هي محبوكة إلى الأرض وشبك بين أصابعه فقلت كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول رفع السماوات بغير عمد ترونها فقال سبحان الله أليس يقول بغير عمد ترونها قلت بلى فقال فثَمّ عمد ولكن لا ترونها قلت كيف ذلك جعلني الله فداك قال فبسط كفّه اليسرى ثمّ وضع اليمنى عليها فقال هذه أرض الدنيا والسماء الدنيا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نور الثقلين 1/650. (2) الذاريات : 7. عليها ...»(1) فإنّ هذا الحديث الشريف يشير إلى قانون الجاذبية وقانون الطرد المركزي للسيّارات والكواكب الذي عليه يتمّ التعادل وتتمّ الموازنة بينها في المدارات الفلكية المعيّنة لها ، فإنّ قوّة الجاذبة وقوّة الطرد المركزي هذه تعتبر كعمد لا يرى تنشدّ إليه الأجرام السماوية. 5 ـ الوقائع التاريخية في تفسير القرآن. إنّ القرآن الكريم يهدف إلى تعليم وتربيت البشر ، فمن خلال أخذ العبرة مضى من التاريخ أتى ببعض الوقائع للأمم الغابرة ، ولكن اجتنب عن ذكر جميع الجوانب التفصيلية لقصصهم واكتفى بانتقاء أبرزها دوراً وأكثرها عبرةً ، ونقل من كلِّ قصّة ما يكون محلاًّ للاعتبار والتأمّل ، وقد احترز عن ذكر سائر وقائع القصّة وأحداثها ، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاِولِي الاْلْبَابِ)(2). إنّ الاطلاع على سائر خفايا قصص القرآن يساعد كثيراً على فهم واستيعاب سائر الآيات بنحو أفضل ، ولتحقّق هذا الهدف لابدّ من الرجوع إلى شخص النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين عليهمالسلام ـ نوّابه وحملة علمه وأسراره الإلهية من بعده ـ ليمكن استيعاب سائر محتويات القصص القرآنية بنحو أفضل ، لأنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأنوار 57/79. (2) يوسف : 111. الأئمّة عليهمالسلام هم أفضل من يمكن أن يفسّر كتاب الله ، ومع الاعتماد على الحقائق التاريخية لوقائع الأمم السالفة فسّر الأئمّة العديد من الآيات وقد أشاروا إلى قصص الأنبياء واستعانوا بها لتوضيح وتبيين آيات القرآن ولشرح آية أو جملة من الآية ، فقد استفاد الإمام الرضا عليهالسلام أيضاً من التاريخ في تفسير آيات القصص القرآنية وبيان سائر محتوياتها ، وعلى سبيل المثال فإنّ بعض هذه الروايات جاءت على النحو التالي : 1 ـ ففي الروايات الواردة عن الإمام الرضا عليهالسلام عقب الآيات (60 ـ 80) من سورة الكهف التي جاءت في جوابه عليهالسلام على الكتاب الوارد عليه من بعض أصحابه يستفسرون منه عن علم النبيّين موسى والخضر عليهماالسلام ، فأجاب عليهالسلام بالتفصيل عن جميع محتويات القصّة. «فحدّثني محمّد بن علي بن بلال ، عن يونس قال : اختلف يونس وهشام بن إبراهيم في العالم الذي أتاه موسى عليهالسلام أيّهما كان أعلم ، وهل يجوز أن يكون على موسى حجّة في وقته وهو حجّة الله على خلقه ، فقال قاسم الصيقل : فكتبوا ذلك إلى أبي الحسن الرضا عليهالسلام يسألونه عن ذلك فكتب في الجواب : أتى موسى العالم فأصابه وهو في جزيرة من جزائر البحر إمّا جالساً وإمّا متّكئاً فسلّم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس فيها سلام ، قال : من أنت؟ قال : أنا موسى بن عمران ، قال : أنت موسى بن عمران الذي كلّمه الله تكليما؟ قال : نعم ، قال : فما حاجتك؟ قال : جئت أن تعلّمن ممّا علّمت رشداً ، قال : إنّي وكِّلتُ بأمر لا تطيقه ووكِّلتَ أنت بأمر لا أطيقه ، ثُمّ حدّثه العالم بما يصيب آل محمّد من البلاء وكيد الأعداء حتّى اشتدّ بكاؤهما ، ثمّ حدّثه العالم عن فضل آل محمّد حتّى جعل موسى يقول ياليتني كنت من آل محمّد وحتّى ذكر فلاناً وفلاناً ومبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قومه وما يلقى منهم ومن تكذيبهم إيّاه وذكر له من تأويل هذه الآية (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة) حين أخذ الميثاق عليهم ، فقالَ لَهُ مُوسى : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ، فقالَ الخضر : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ، فقال موسى عليهالسلام : سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً ، قال الخضر : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَن شَيْء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ، يقول لاتسألني عن شيء أفعله ولا تنكره َعلَيَّ حتّى أنا أخبرك بخبره ، قال : نعم ، فمرُّوا ثلاثتهم حتّى انتهوا إلى ساحل البحر وقد شحنت سفينة وهي تريد أن تعبر فقال لأرباب السفينة : تحملوا هؤلاء الثلاثة نفر فإنّهم قوم صالحون ، فحملوهم فلمّا جنحت السفينة في البحر قام الخضر إلى جوانب السفينة فكسرها وأحشاها بالخرق والطين ، فغضب موسى غضباً شديداً وقال للخضر : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً؟! فقال له الخضر عليهالسلام : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ، قال موسى : لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ، فَخَرجوا من السفينة فمرّوا فنظر الخضر إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنّه قطعة قمر في أذنيه درّتان ، فتأمّله الخضر ثُمّ أخذه فقتله ، فوثب موسى على الخضر وجلد به الأرض فقال : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً؟! فَقالَ الخِضْرُ : أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ، قال موسى : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْراً ، فَانطَلَقَا حتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَة بالعشيِّ تُسمّى الناصرة وإليها ينتسب النصارى ولم يضيّفوا أحداً ولم يطعموا غريباً فاستطعموهم فلم يطعموهم ولم يضيّفوهم فنظر الخضر عليهالسلام إلى حائط قد زال لينهدم فوضع الخضر يده عليه وقال : قم بإذن الله فقام ، فقال موسى لم ينبغ لك أن تقيم الجدار حتّى يطعمونا ويؤونا وهو قوله (لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) فقال له الخضر : هذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ، أمّا السفينة التي فعلت بها ما فعلت فإنّها كانت لقوم لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ـ أي وراء السفينة ـ ملك يأخذ كلّ سفينة صالحة غصباً كذا نزلت ، وإذا كانت السفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئاً ، وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين وطبع كافراً ، كذا نزلت ، فنظرت إلى جبينه وعليه مكتوب طبع كافراً فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً فأبدل الله لوالديه بنتاً وولدت سبعين نبيّاً ، وأمّا الجدار الذي أقمته فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما إلى قوله ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً»(1). 2 ـ وفي رواية أخرى قد تطرّق الإمام الرضا عليهالسلام لذكر محتويات قصّة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير القمي 2/38. بلعم بن باعورا وذلك لبيان آية : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)(1). «عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام : أنّه أُعطي بلعم بن باعوراء الإسم الأعظم ، فكان يدعو به فيستجاب له ، فمال إلى فرعون ، فلمّا مرّ فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم أُدع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا ، فركب حمارته ليمرّ في طلب موسى وأصحابه فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عزّ وجلّ فقالت ويلك على ما تضربني أتريد أجيء معك لتدعو على موسى نبيِّ الله وقوم مؤمنين ، فلم يزل يضربها حتّى قتلها وانسلخ الإسم الأعظم من لسانه ، وهو قوله (فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ)(2) وهو مثل ضربه»(3). 3 ـ وفي تفصيل قصّة القتيل من بني إسرائيل فقد ورد عن الإمام الرضا عليهالسلام هذه الرواية : «أحمد بن محمّد بن أبي نصير البزنطي قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليهالسلام يقول : إنّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابة له ثمّ أخذه وطرحه على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأعراف : 175. (2) الأعراف : 175 و176. (3) تفسير القمي 1/249. طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثمّ جاء يطلب بدمه ، قالوا لموسى عليهالسلام : إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبرنا من قتله؟ قال : إيتوني ببقرة ، قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(1) ، ولو أنّهم عمدوا إلى أيِّ بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم ، قالوا : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ، ـ يعني لا صغيرة ولا كبيرة ـ عَوَانُ بَيْنَ ذلِكَ ولو أنّهم عمدوا إلى أيِّ بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم ، قالوا : ادع لنا ربَّك يبيّن لنا ما لونها ، قال : إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين ، ولو أنّهم عمدوا إلى أي بقرة لأجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم ، قالوا : ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنّا إن شاء الله لمهتدون ، قال : إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها ، قالوا : الآن جئت بالحقّ فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال لا أبيعها إلاّ بملء مسكها ذهباً ، فجاؤوا إلى موسى عليهالسلام فقالوا له ذلك ، فقال : اشتروها فاشتروها وجاؤوا بها ، فأمر بذبحها ، ثمّ أمر أن يضرب الميّت بذنبها فلمّا فعلوا ذلك حيي المقتول ، وقال : يا رسول الله إنّ ابن عمِّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي ، فعلموا بذلك قاتله ، فقال رسول الله موسى بن عمران عليهالسلام لبعض أصحابه : إنّ هذه البقرة لها نبأ ، فقال : وما هو؟ قال : إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه ، وإنّه اشترى تبيعاً فجاء إلى أبيه ورأى أنّ المقاليد تحت رأسه فكره أن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة : 67. يوقظه فترك ذلك البيع ، فاستيقظ أبوه فأخبره ، فقال له : أحسنت ، خذ هذه البقرة فهي لك عوضاً لما فاتك ، قال : فقال له رسول الله موسى بن عمران عليهالسلام : انظروا إلى البرّ ما بلغ بأهله»(1). 4 ـ كذلك نقل الإمام الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام في شأن النبيِّ سليمان بالتفصيل الذي ذكرناه سابقاً. 5 ـ وعلى هذا النحو جاء في رواية الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير آية (إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَالله أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)(2) إنّه عليهالسلام قال : «كانت لإسحاق النبيّ مِنْطَقة يتوارثها الأنبياء والأكابر ، فكانت عند عمّة يوسف ، وكان يوسف عندها ، وكانت تحبّه ، فبعث إليها أبوه أن ابعثيه إليّ وأردّه إليك ، فبعثت إليه أن دعه عندي الليلة لأشمّه ثمّ أرسله إليك غدوة ، فلمّا أصبحت أخذت المنطقة فربطتها في حقوه وألبسته قميصاً وبعثت به إليه ، وقالت : سُرقت المِنْطَقة فوجدت عليه ، وكان إذا سرق أحد في ذلك الزمان دفع إلى صاحب السرقة فأخذته فكان عندها»(3). ثالثاً ـ القواعد التفسيرية عند الإمام الرضا عليهالسلام. إنّ القواعد التفسيرية عبارة عن أحكام وأُمور كلِّية ترشدنا إلى استنباط وفهم معاني القرآن ومعرفة طريقة التعامل معه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 2/2 ، نور الثقلين 1/87. (2) يوسف : 77. (3) تفسير العياشي 2/185. بعبارة أُخرى : إنّ القواعد التفسيرية هي عبارة عن مجموعة من الضوابط الكلّية التي قام عليها الفهم الصحيح لآيات القرآن ، والوصول إلى المعنى الذي أراده الله منها ، وإنّ إيجاد المنهجية الصحيحة للتفسير ، وبيان معاني كلام الله وشرحه ، قائمٌ عليها ، ولازم لها ، مثل صحّت القراءة ، مفاهيم الكلمات في زمن النزول ، قواعد الأدب العربي ، القرائن اللفظية وغير اللفظية ، بيان سبب النزول و ..... ، ومن خلال قراءة الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام نشاهد القواعد التفسيرية التالية : 1 ـ لحاظ معاني المفردات : لاشكّ إنّ أحد لوازم تفسير القرآن هو فهم مفردات آياته ، وقد بلغت أهمّية هذا العلم حدّاً بحيث عدّ الراغب الأصفهاني فهم معاني مفردات الآيات من الضروريّات الأوّليّة لطالبي فهم القرآن الكريم ، وقال البعض الآخر إنّ الاستفادة من حقائق القرآن ومعارفه وأحكامه وآدابه متوقّف على الفهم الدقيق والصحيح لمفردات آياته. بناءً على هذا لابدّ للمفسِّر أن يكون مطّلعاً على معاني ومفاهيم المفردات القرآنية مضافاً إلى اهتمامه بخصوصيّات تلك المفاهيم حتّى يستطيع تفسير القرآن. وإنّ الروايات التفسيرية أيضاً غير مستثنات من هذه القاعدة ، وإنّ التأمّل في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يُبَيِّن لنا مدى اهتمام الإمام عليهالسلام بمعاني مفردات الآيات في تفسير القرآن الكريم ، وقد تطرّق عليهالسلام إليها بأساليب مختلفة ، فبعض روايات الإمام الرضا عليهالسلام مختصّة بتبيين مفردات القرآن أو المترادف ، أو ذكر المترادف مصحوباً بالبيان والتوضيح ، أو ذكر الآيات ذات المفردات المترادفة في المعنى ، وبعض هذه الروايات جاءت في تبيين معنى الكلمة ، وإنّ الإمام عليهالسلام في مثل هذه الروايات يقوم بشرح الكلمة وتبيين معانيها ، ونحن هنا نشير إلى بعض هذه الروايات : تعيين معنى المفردات استناداً بالآيات : ففي رواية استند الإمام الرضا عليهالسلام في بيان معنى (ختم) من (سورة البقرة آية 7) بآية (طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(1) حيث جاءت في اللغة بنفس هذا المعنى(2). «عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضياللهعنه عن إبراهيم بن أبي محمود قال : سألته عن قول الله عزّ وجلّ (خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) قال : الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم كما قال عزّ وجلّ (بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)»(3) وكذلك معنى «قَواماً» في الآية 67 من سورة الفرقان فقد بيّنها استناداً بآية : (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُـحْسِنِينَ)(4) وآية (..... لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ الله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النساء : 155. (2) العين 4/241 ، مجمع البحرين 6/54. (3) عيون أخبار الرضا 1/123. (4) البقرة : 236. بَعْدَ عُسْر يُسْراً)(1). «أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن علي ، عن محمّد بن سنان ، عن أبي الحسن عليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ (وَكَانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً) قال : القوام هو المعروف (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعَاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُـحْسِنِينَ) على قدر عياله ومئونتهم التي هي صلاح له ولهم لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا»(2). بيان وجه تسمية بعض المفردات : إنّ الإمام الرضا عليهالسلام في بعض الروايات يبيّن بعض مفردات الآيات من خلال تبيين وجه تسميتها ، على سبيل المثال فقد بيّن عليهالسلام في رواية وجه تسمية (أولو العزم) في الآية 35 من سورة الأحقاف ، وفي رواية وجه تسمية (أُمّيّ) وفي رواية أخرى وجه تسمية (إبليس) : «إنّما سمِّي أولو العزم أولي العزم لأَنَّهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع ، وذلك أنّ كلّ نبيٍّ كان بعد نوح عليهالسلام كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمان إبراهيم الخليل عليهالسلام ، وكلّ نبيٍّ كان في أيّام إبراهيم وبعده كان على شريعة إبراهيم ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن موسى عليهالسلام ، وكلّ نبيٍّ كان في زمن موسى عليهالسلام وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الطلاق : 7. (2) الكافي 4/56 ، وسائل الشيعة 21/556. وتابعاً لكتابه إلى أيّام عيسى عليهالسلام ، وكلّ نبيٍّ كان في أيّام عيسى عليهالسلام وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) ، فهؤلاء الخمسة هم أُولو العزم ، وهم أفضل الأنبياء والرسل عليهمالسلام ، وشريعة محمّد (صلى الله عليه وآله) لا تنسخ إلى يوم القيامة ، ولا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، فمن ادّعى بعد نبيِّنا أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه»(1). «محمّد البرقي ، عن جعفر بن محمّد الصوفي قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليِّ الرضا عليهالسلام فقلت : يا ابن رسول الله لم سُمّي النبيُّ (صلى الله عليه وآله) الأمِّيّ؟ فقال : ما تقول الناس؟ قلت : يزعمون أنّه إنّما سمّي الأمّي لأنّه لم يحسن أن يكتب ، فقال عليهالسلام : كذبوا عليهم ، لعنة الله ، أنّى ذلك والله يقول في محكم كتابه (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)(2) فكيف كان يعلّمهم ما لا يُحسن ، والله لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين ـ أو قال بثلاثة وسبعين لساناً ـ وإنّما سمِّي الأُمّيّ لأنّه كان من أهل مكّة من أمّهات القرى وذلك قول الله عزّ وجلّ لتنذر أمّ القرى ومن حولها»(3). «عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام أنّه ذكر أنّ اسم إبليس الحارث ، وإنّما قول الله عزّ وجلّ يا إبليس : يا عاصي ، وسمّي إبليس لأنّه أبلس من رحمة الله عزّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) علل الشرائع 1/122. (2) الجمعة : 2. (3) بحار الأنوار 16/133. وجلّ»(1). بيان معنى المفردات : إنّ عدداً من الروايات التفسيرية بيّن فيها الإمام عليهالسلام الجانب اللغوي فقط للمفردة القرآنية ، حيث يذكر المعنى المراد منها بكلمة أو بكلمات أوضح وأسهل أو بكلمة مرادفة للوصول إلى المعنى ، وهذه الطريقة هي أشبه ما يكون بترجمة الكلمة وتوضيحها ، وقد اتّخذت في موارد يحتاج بها المخاطب إلى توضيح المفردة المبهمة فقط ولا يحتاج إلى توضيح أكثر من ذلك ، ففي رواية بيّن الإمام الرضا عليهالسلام معنى (لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ)(2) قائلاً : «لا صغيرة ولا كبيرة»(3). وفي كلام آخر له عليهالسلام في مفردتي (الحرث) و (النسل) في آية : (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)(4) قال عليهالسلام : «النسل هم الذرّية والحرث هم الزرع»(5) حيث بيّن عليهالسلام معنى المفردتين ففسّر (النسل) بالذرية و (الحرث) بالزرع(6). «أبي نصر البزنطي قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليهالسلام يقول : لا فارض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) معاني الأخبار 2/120. (2) البقرة : 68. (3) تفسير العياشي 1/46. (4) البقرة : 205. (5) تفسير العياشي 1/100. (6) مجمع البحرين 2/248. ولا بكر ، يعني لا صغيرة ولا كبيرة ، النسل : هم الذرّية والحرث : الزرع»(1). وفي رواية فسّر آية (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(2) بالعفو من غير عتاب(3). وفي عدد من الروايات التفسيرية نرى الإمام عليهالسلام يشير إلى مطالب أدبية وقواعد لغوية كذلك. وإنّ هذا النوع من الروايات التفسيرية يعتبر أسلوباً من الأساليب التعليمية لانتخاب المناهج الصحيحة في فهم الآيات القرآنية مضافاً إلى ما تبيّنه لنا من منهجية المعصوم في التفسير. والجدير بالذّكر أنّ هذا النوع من الروايات التفسيرية هو عبارة عن بيان معنى المفردات ، في حين أنّ سائر الروايات التفسيرية الأخرى بيّن لنا مناهج وأساليب التفسير مضافاً إلى كونها توضّح معاني الألفاظ القرآنية. 2 ـ لحاظ القراءة الصحيحة : إنّ تفسير القرآن وتبيين مقاصد آياته وإماطة الستار عن المعنى الحقيقي الذي قصده الباري تعالى إنّما ترتبط جميعها بمعرفة الألفاظ وحقيقة الكلمات ، وهذه بدورها متوقّفة على القراءة الصحيحة لآيات القرآن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير العياشي 1/100. (2) الحجر : 85. (3) معاني الأخبار : 374. إنّ القراءة الصحيحة لها الأثر الكبير في فهم معاني الكلمات ومقاصد العبارات القرآنية ، بناءً على هذا فإنّ أوّل خطوة لابدّ للمفسّر أنْ يخطوها لفهم مقاصد الآيات وتبيينها هو التحقيق في القراءة الصحيحة ليتحقّق على أساسها التفسير الصحيح. إنّ القراءة الصحيحة هي القراءة التي تكون مطابقةً لقراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، المطابقة لما أنزله الله تبارك وتعالى ، وإنّ أحد طرق الوصول إلى القراءة الصحيحة هو رواية الأئمّة المعصومين عليهمالسلام. إنّ لحاظ القراءة الصحيحة هو بمثابة واحدة من القواعد التفسيرية التي كانت محلّ اهتمام الإمام الرضا عليهالسلام في تأييده القراءة المشهورة ، ففي رواية العزيز بن المهتدي عن الإمام الرضا ، قال : سألت الرضا عليهالسلام عن التوحيد ، فقال : «كلّ من قرأ (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) وآمن بها ، فقد عرف التوحيد. قلت : كيف يقرؤها؟ قال : كما يقرؤها الناس»(1). إنّ هذه الرواية في غاية الوضوح ويمكننا أن نستنبط منها جواز القراءات المتعارفة في الحقبة الزمنية التي عاشها الأئمّة المعصومون عليهمالسلام.فإنّ القراءة التي تبيّن معنىً آخر غير المعنى الذي أراده الله تبارك وتعالى من الآية وقصده يحكم عليه بالبطلان ، على سبيل المثال ففي الرواية التي جاءت في شأن آية (قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البرهان 5/801. صَالِح .....)(1) فإنّ القائلين بقراءة : (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِح)(2) قد نسب الإمام الرضا عليهالسلام قولهم إلى الكذب وقال : «كذبوا هو ابنه ولكنّ الله عزّ وجلّ نفاه عنه حين خالفه في دينه»(3). قال المجلسي في توضيح هذه الرواية : «لكن كانوا يفسّرون القراءة بكونه معمولاً غير صالح أي ولد زنا ، فنفى عليهالسلام أصل القراءة أو تأويلهم»(4). بناءً على هذا فإنّ القراءة المشهورة التي تقرأ الآية بالمصدرية هي القراءة الصحيحة ، وإنّ ابن نوح في الأصل كان من بيت النبوّة ، ولكن بما أنّ المراد من (أهل) في هذه الآية هم جميع الذين نجوا مع نوح عليهالسلام فقد نفته الآية عن الأهلية فلم يُعدّ ولم يحسب من أهل النبيِّ نوح عليهالسلام. 3 ـ لحاظ سياق الآيات : إنّ من الأسس والقواعد المهمّة في تفسير آيات القرآن الكريم هو لحاظ وصياغة الآية وسياقها ، بل هي من أهمّ القرائن الدالّة على مراد المتكلّم ، فإنّ سياق الآيات بصفته قرينة من القرائن اللفظية المتّصلة في فهم كلام الله(5) ، يستفاد منه في توضيح معاني الآيات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هود : 46. (2) معالم التنزيل 12/451 ، جامع البيان 12/30. (3) عيون أخبار الرضا 2/75 ، تفسير العياشي 2/151. (4) بحار الأنوار 11/321. (5) البرهان في علوم القرآن 2/200. إنّ سياق الآيات هو عبارة عن نوعية وكيفية الترابط والتناسب بين الآيات مع بعضها البعض ، وإنّ الاهتمام بالسياق معناه إمعان النظر من قبل المفسّر في الآيات التي جاءت قبل وبعد الآية المعنية بالتفسير(1). إنّ أصل قرينة وجود السياق وتأثيره في تعيين معنى المفردات ومقاصد العبارات هو واحد من أصول المحاورة العقلائية التي يترتّب عليها الأثر من مراد المتكلّم في جميع اللُّغات ، وإنّ المفسّرين في تفسيرهم لآيات القرآن الكريم قد اهتمّوا بالسياق واستعانوا به في تعيين معنى المفردات وفهم مقاصد الآيات ، وذلك لأنّ آيات القرآن بالإضافة إلى كونها مترابطة في النزول فهي ذات ارتباط موضوعيٍّ ومفهوميٍّ وقد صدرت لأمر واحد. وإنّ الإمام الرضا عليهالسلام كان يهتمّ بتأثير السياق وبمكانته في تفسير الآيات القرآنية ، وكان يعتبر سياق الكلام وصياغته واحداً من قواعد معرفة اللغة في تفسير القرآن الكريم ، ويعدّه من القرائن المهمّة في التفسير ، ونظراً لصياغة الكلمات ، والعبارات والآيات فقد تطرّق عليهالسلام لشرح وبيان آيات القرآن الكريم في مواطن عديدة آخذاً بنظر الاعتبار صياغة العبارات وترابط الكلمات والآيات كما في سورة النجم الآية 13 (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ضميرين هما الفاعل والمفعول في كلمة (رآه) ، وقد عيَّن الإمام الرضا عليهالسلام عائد الضميرين نظراً لسياق الآيات التي جاءت قبل هذه الآية وهي قوله تعالى : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) فقد عدّ الإمام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آفاق التفسير : 46. الرضا عليهالسلام عائد الضمير إلى فؤاد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، ونظراً لسياق الآيات التي جاءت فيما بعد فقد عدّ عليهالسلام عائد الضمير المفعول إلى الله سبحانه وتعالى ، بناءً على هذا فإنّ رؤية النبيّ (صلى الله عليه وآله) آيات الله تعالى إنّما هي بمثابة رؤية الله تبارك وتعالى. فقد قال عليهالسلام : «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال : (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) ، يقول : ما كذب فؤاد محمّد (صلى الله عليه وآله) ما رأت عيناه ، ثمّ أخبر بما رأى فقال : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) ، فآيات الله عزّ وجلّ غير الله ، وقد قال : (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة»(1). والأمر الذي نلاحظه في هذه الرواية هو إنّ الإمام عليهالسلام قد اعتبر ـ بشكل مباشر ـ الاهتمام بسياق الآية أمراً ضروريّاً ، وكان يذكّر عليهالسلام أصحابه أن يتّخذوه قاعدة في التفسير وإن لم يذكر كلمة السياق ولكنّ كلامه عليهالسلام «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث ....» يُستفاد منه اهتمامه بقبل وبعد الآية للحصول على الفهم الصحيح للآيات ، وبعبارة أخرى فإنّ مراده هو السياق الذي يتّخذ اليوم في التفسير. 4 ـ لحاظ عائد الضمير. إنّ الضمير يستفاد منه قصداً للاختصار ، ففي مثل هذه الموارد فإنّ عائد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي 1/95 ، بحار الأنوار 10/345. الضمير تارةً يكون مذكوراً في الكلام ويمكن تعيينه بسهولة ، وتارةً أخرى لايذكر في الكلام ولكن يمكن تعينه من خلال القرائن والسياق ، فإنّ التعيين الصحيح لعائد الضمير هو من العوامل والقرائن المؤدّية إلى الفهم الصحيح لآيات القرآن الكريم. إنّ الإضمار هو من جملة الأمور التي يحتاج اتّضاح مقصدها إلى قرائن معيّنة ، ولحاظ هذا النوع من القرائن لفهم مقصد الآيات أمرٌ ضروريٌّ ، حيث إنّ الضمير يجعل مفهوم الآية غامضاً في بعض الأحيان ، فعندها لابدّ من اللجوء إلى السياق للاستعانة به في إرجاع الضمير لفهم المراد من الآية. وذلك كما مرّ علينا آنفاً في (آية 13 سورة النجم) حيث إنّ الإمام الرضا عليهالسلام أخذ بنظر الاعتبار سياق الآيات واهتمّ بها في تعيين عائد الضميرين الموجودين فيها من فعل (رآه). وكما أنّ التعيين الصحيح لعائد الضمير يؤدّي إلى الفهم الصحيح لآيات القرآن فإنّ الخطأ في تعيينه يؤدّي إلى الفهم الخاطىء لآيات القرآن ، وذلك مثل ما فهمه المأمون العبّاسي من آية (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا)(1) فظنّ أنّ قوله تعالى «اسْتَيْأس الرسل» كان قيده (من الرُّسُل) وأنّ الضمير المستتر في (ظنّوا) والضمير هم في (أنّهم) يعودان إلى (الرُّسُل) ، فعلى أساس هذه القراءة الخاطئة للآية المباركة فقد تردّد المأمون في عصمة الأنبياء وفى يقينهم ، هناك قال الإمام الرضا عليهالسلام في تفسير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يوسف : 110. الآية : «يقول الله تعالى : حتّى إذا استيأس الرسل من قومهم وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا»(1). وقد عدّ (من قومهم) قيداً لقوله تعالى : (استيأس الرسل) في تفسير الآية ، وعدّ عائد الضمير المستتر في (ظنّوا) إلى القوم ، وعائد الضمير (هُم) في (إنّهم) وعائد الضمير المستتر في (كذبوا) إلى (الرُّسُل) ، وتلا مفهوم الآية بالنحو التالي : (حتّى إذا استيأس الرسل من قومهم وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبوا ، جاء الرسل نصرنا) ، وقد ردّ عليهالسلام التوهُّم الناشيء من الفهم الخاطىء للآية وذلك من خلال ذكره عليهالسلام القيد الصحيح لقوله تعالى : (استيأس الرسل) وتعيينه عليهالسلام عائد الضمّير(2). 5 ـ العلم بأسباب النزول. سبب النزول هو عبارة عن الأجواء الحاكمة ومكان وزمان النزول ، لأنّ الآيات قد نزلت في ظروف تلك الأجواء والأوضاع ، والظروف الراهنة آنذاك في المجتمع مؤثّرة في دلالة الآيات ، وتعدّ من القرائن المرتبطة بآيات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البرهان 3/217. (2) البرهان في تفسير القرآن 3/217 : «عن عليّ بن محمّد بن الجهم ، حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهالسلام ، فقال له المأمون : يا بن رسول الله ، أليس من قولك ، إن الأنبياء معصومون؟ قال : بلى ، وذكر الحديث إلى أن قال فيه : فقال المأمون لأبي الحسن عليهالسلام : فأخبرني عن قول الله تعالى : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) قال الرضا عليهالسلام : يقول الله تعالى حتّى إذا استيأس الرسل من قومهم ، وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبوا ، جاء الرسل نصرنا». القرآن ، وإنّ الاعتناء بها ضروريٌ في التفسير. إنّ العلم بأسباب النزول أمر لابدّ منه ولازم لتفسير القرآن وفهم معانيه ، «لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان سبب نزولها»(1). وذكر العلاّمة الطباطبائي رحمهالله في هذا الشأن : «إنّ معرفة سبب النزول تؤدّي إلى فهم واستيعاب المدلول الصحيح للآيات والأحكام ، وتارةً مفهوم ومقصود الآية يبقى مبهماً مع عدم العلم بسبب النزول وحتّى في الموارد التي يمكن فيها حدس مدلول الآية والحصول على مفهومها الصحيح دون الاعتناء بسبب النزول كذلك ، ويمكن مراجعة أسباب النزول والاستفادة منها وذلك لحصول العلم بجزئيّات الموضوع المطروق في الآية وللفهم الأسهل منها والأكثر شفافيّة ، وكذلك من أجل تعيين مصاديق الآية»(2). إنّ ذكر سبب النزول في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام يحضى بمنزلة مرموقة ، وإنّ الرواية التالية عن الإمام الرضا عليهالسلام إنّما تبيّن المنزلة الخاصّة لهذا العلم ، فقد نقل إبراهيم بن العبّاس في شأن الإمام الرضا عليهالسلام واهتمامه بسبب النزول قائلاً : «وكان يختمه في كلّ ثلاثة ، ويقول لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمت ولكنّي ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها وفي أيّ شيء أنزلت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) اسباب نزول القرآن : 10 ، الاتقان : 342. (2) قرآن در اسلام : 118. وفي أيّ وقت ، فلذلك صرت أختم في كلّ ثلاثة أيّام»(1). وقد اعتنى الإمام الرضا عليهالسلام في رواياته التفسيرية بأسباب النزول ، وقد بيّن عليهالسلام أسباب نزول بعض الآيات وذلك لتوضيح الآية المعنية بالتفسير ، ولمّا سأل المأمون الإمام عليهالسلام عن معنى قول الله تبارك وتعالى في آية (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(2) هناك ذكر الإمام الرضا عليهالسلام رواية عن آبائه الطاهرين عن أمير المؤمنين عليهمالسلام رفعاً للإبهام وتوضيحاً بنحو أفضل هذا نصُّها : «عن أبي الصَّلت عبد السَّلام بن صالح الهروي قال : سأل المأمون أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليهالسلام عن قول الله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وما كان لنفس أن تؤمن إلاّ بإذن الله؟ فقال الرضا عليهالسلام : حدّثني أبي موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال : إنّ المسلمين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدوّنا ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما كنت لألقى الله عزّ وجلّ ببدعة لم يحدث إليَّ فيها شيئاً ، وما أنا من المتكلِّفين ، فأنزل الله تعالى عليه يا محمّد (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 2/180 ، وسائل الشيعة 6/217. (2) يونس: 99. الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً) على سبيل الإلجاء والإضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة ، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقّوا منّي ثواباً ولا مدحاً لكنّي أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين ليستحقّوا منّي الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنّة الخلد (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وأمّا قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمَِن إلاّ بِإذْنِ اللهِ) فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها ، ولكن على معنى أنّها ما كانت لتؤمن إلاّ بإذن الله ، وإذنه : أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة ، وإلجاؤه إيّاها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبّد عنها. فقال المأمون : فرّجت عنّي يا أبا الحسن فرّج الله عنك»(1). على هذا الأساس فإنّ الإمام الرضا عليهالسلام مع بيانه سبب نزول الآية قد ردّ التوهُّم الحاصل من ظاهر الآية في شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من إكراهه الناس على قبول الإسلام. يتبيّن من خلال التدقيق في بعض روايات الإمام الرضا عليهالسلام أنّه لا يلاحظ أسباب النزول فحسب بل كان يلاحظ انسجام أسباب النزول مع سياق الآيات كذلك ، وتطبيق أسباب النزول على الآيات ، ففي رواية الإمام الرضا عليهالسلام في شأن نزول آيات (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 2/135 ، مسند الإمام الرضا 1/344 ، الاحتجاج 2/413. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) أنّها جاءت في أبي الدحداح كما في الرواية التالية : «عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : وسمعت الرضا عليهالسلام يقول في تفسير والليل إذا يغشى قال : إنّ رجلاً من الأنصار كان لرجل في حائطه نخلة ، وكان يضرّ به ، فشكا ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعاه فقال : أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة فأبى ، فبلغ ذلك رجلاً من الأنصار يكنّى أبا الدحداح ، فجاء إلى صاحب النخلة فقال : بعني نخلتك بحائطي ، فباعه ، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله ، قد اشتريت نخلة فلان بحائطي ، قال : فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فلك بدلها نخلة في الجنّة. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيّه (صلى الله عليه وآله) (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى إنّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى فَأَمّا مَنْ أَعْطَى) ـ يعني النخلة ـ (وَاتّقَى وَصَدّقَ بِالْحُسْنَى) ـ بوعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَما يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إذا تَرَدّى إنّ عَلَيْنا لَلْهُدَى)»(1). فإنّ سبب النزول الذي بيّنه الإمام الرضا عليهالسلام لهذه الآية جاء منسجماً مع سياق الآيات ، وقد أشير في الرواية إلى هذه المسألة وهي الانسجام بين أسباب النزول وسياق الآيات. 6 ـ لحاظ نوع الخطاب. إنّ الاهتمام بخوصيّات الخطاب والمخاطب هو أحد الأمور الذي يعدّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قرب الإسناد : 356 ، نور الثقلين 5/589. قرينةً في الكلام وله الأثر في دلالة الألفاظ ، فبما أنّ القرآن الكريم جاء كلامه موافقاً ومطابقاً لأصول المحاورة العقلائية نراه قد لاحظ خصوصيّات الخطاب والمخاطب ، ولابدّ من لحاظ هذه الخصوصيّات في تفسير الآية وفهمها ، ومن جملة الآيات التي أشارت إلى ما نحن فيه هي الآيات التي خوطب بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بلهجة العتاب ، فإنّ عدم لحاظ هذا الأمر في الآيات يؤدّي إلى الترديد في عصمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فنظراً لعصمته (صلى الله عليه وآله) وعلوِّ منزلته عند الله تبارك وتعالى يتَّضِح أنّ هذا الخطاب لم يقصد به شخص الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وإنّ الخطاب بالعتاب والتهديد إنّما قصد به الآخرون ، ومن أجل أن يكون أوقع في نفوسهم وأكثر تأثيراً عليهم فقد خوطب به النبيُّ (صلى الله عليه وآله) ، وذاك من باب «إيّاكَ أعني واسمعي يا جارة» الذي ذكره الإمام الرضا عليهالسلام في الدفاع عن عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الرواية التالية : «فقال المأمون لله درُّك يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ (عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ)(1) قال الرضا عليهالسلام : هذا ممّا نزل بـ : (إيّاك أعني واسمعي يا جارة) خاطب الله عزّ وجلّ بذلك نبيّه وأراد به أمّته ، وكذلك قوله تعالى : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ وَلَتَكُوْنَنَّ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ)(2) وقوله عزّ وجلّ (وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيْلا)(3) قال : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) التوبة : 43. (2) الزمر : 65. (3) الإسراء : 74. صدقت يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(1). وقد نقلت هذه الرواية عن الإمام الصادق عليهالسلام أيضاً(2) ، وقد عدّ الشيخ الطوسي المقصود بالخطاب والمعنيّ به هم أُمَّةُ النبيّ (صلى الله عليه وآله)(3) ، وقد عدّ المازندراني هذا النوع من الخطاب نحواً من التعريض حيث قال : «أنّ الخطاب موجّه إلى المخاطب ، في حين أنّ المراد بالخطاب هو شخص آخر من شأنه أن يوجّه له هذا النوع من الخطاب»(4). 7 ـ لحاظ المسلّمات الدينية. إنّ من جملة القرائن المستفادة في تفسير القرآن هي الضرورة الدينية ، وهو الأمر الذي بلغ من الوضوح حدّاً بحيث لا يمكن إنكاره من قبل أيّ أحد ، ولا يحتاج معه إلى تبيّن واستدلال. فإنّ عصمة الأنبياء وتنزيههم عن ارتكاب الذنوب والخطأ هو من المسلّمات الدينية ، وإجمالاً محلّ اتّفاق جميع مذاهب المسلمين ، وإن كانوا يختلفون في كيفيّته وحدوده ، فإنّ مذهب أهل البيت عليهمالسلام وأتباعهم يبرّئون جميع الأنبياء وينزّهونهم عن ارتكاب جميع الذنوب ، صغيرها وكبيرها ، قبل النبوّة وبعدها ، وأنّهم لا يرتكبون حتّى السهو والاشتباه في أداء رسالتهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) عيون أخبار الرضا 1/202 ، قصص الأنبياء : 18. (2) الكافي 2/631. (3) التبيان 10/28. (4) شرح أصول الكافي 11/81. هناك دلائل عديدة سبّبت إلى تشويه سمعة الأنبياء وأسدت إليهم أنواع التهم ، فمن جملة تلك الدلائل هو الفهم الخاطئ للآيات المتشابهة في شأن الأنبياء عليهمالسلام. وهنا كان للأئمّة المعصومين عليهمالسلام الدور الفاعل في إماطة الستار عن وجه الحقيقة وردِّ هذه الإدّعاءات الباطلة والفهم الخاطئ للآيات القرآنية ، وقد دافعوا عن ساحة الأنبياء وذبّوا عنهم ، فإن الإمام الرضا عليهالسلام في مناظراته ـ التي كانت أكثرها من إعداد المأمون وتحت إشرافه ـ عدّ عصمة الأنبياء جزءاً من المسلّمات الدينية ودافع عنها ، وفي إحدى المناظرات عرض عليّ بن الجهم ـ وهو لا يعتقد بعصمة الأنبياء ـ بعض الآيات في شأن آدم ، يونس ، يوسف عليهمالسلام والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، حيث كان يظنّ أنّ ظاهرها في عدم عصمة الأنبياء فخاطب الإمام عليهالسلام فقال له : يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال : نعم ، قال : فما تعمل في قول الله عزّ وجلّ : (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)(1) وفي قوله عزّ وجلّ : (وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ)(2) وقوله عزّ وجلّ في يوسف عليهالسلام : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)(3) وفي قوله عزّ وجلّ في داود : (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)(4) وقوله تعالى في نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله) (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ)(5) فأجاب الإمام عليهالسلام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) طه : 121. (2) الأنبياء : 87. (3) يوسف : 24. (4) ص : 24. (5) الأحزاب : 37. على الأسئلة ووضّح الآيات المذكورة واحدةً تلو الأخرى. ومن جملة ما أورده ابن جهم هو سؤاله عن آية : (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)؟ فقال الرضا عليهالسلام : «ويحك يا علي ، اتّق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ، ولا تتأوّل كتاب الله برأيك ، فإنّ الله عزّ وجلّ قد قال : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله وَالرَّاسِخُونَ)(1) ، وأمّا قوله عزّ وجلّ في آدم : (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم حجّة في أرضه وخليفة في بلاده ، لم يخلقه للجنّة ، وكانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض ، وعصمته يجب أن يكون الأرض ليتمّ مقادير أمر الله ، فلمّا هبط إلى الأرض وجُعل حجّةً وخليفةً عُصم بقوله عزّ وجلّ : (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(2) ...»(3). رابعاً : المقاصد التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام. إنّ الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام تارةً تأتي على وجه بيان المفهوم ، وتارةً من أجل أن تبيّن تفسيراً صحيحاً للآيات القرآنية مضافاً إلى أوجه التأويل وبيان باطن الآيات وتعيين المصداق وتبيين المعارف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آل عمران : 7. (2) آل عمران : 33. (3) عيون أخبار الرضا 1/195. الاعتقادية ، وتفسير الأمور الغيبية وآيات الأحكام. ففي هذا المضمار سنتطرّق إلى البحث في أنواع الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام : 1 ـ تعليم الأصول التفسيرية : إنّ أحد الأمور المهمّة التي كان يقصدها الأئمّة عليهمالسلام في تفسيرهم لآي القرآن هو تعليمهم المباني التفسيرية لأصحابهم وعرضهم القواعد والأصول العملية له ، وقد أشاروا عليهمالسلام إليها مراراً وتكراراً ، كما أنّهم عليهمالسلام كانوا يعلّمون تلامذتهم وأصحابهم المباني التفسيرية ، وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام : «إنّما علينا أن نلقي اليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا»(1) ، وفي رواية أخرى مشابهة لها قال الإمام الرضا عليهالسلام لأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي : «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع»(2). فإنّ هذه الطريقة العملية الخاصّة بهم عليهمالسلام كان لها أثران ، أوّلا : تكوين نوع من الارتباط الوثيق بين القرآن الكريم وبين تلامذتهم مضافاً إلى تلاوة آياته والتدبّر والتفكّر فيها ، بحيث يحصل لهم الارتباط الوثيق والأنس العميق مع القرآن. ثانياً : كان أصحاب الأئمّة عليهمالسلام كلّما يواجهون من الأسئلة في مجال القرآن وتفسيره يحاولون السؤال من الأئمّة لحلّ معضلاته وفهمه فكانوا يسألون أهل البيت عليهمالسلام عن ذلك ويتلقّون منهم الأجوبة الكافية ، وذلك لأنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وسائل الشيعة 18/40. (2) وسائل الشيعة 18/40. الأئمّة عليهمالسلام مضافاً إلى تعليمهم الأصول والمناهج الصحيحة لفهم القرآن كانوا يعلّمون الناس بصورة عملية كيفية التعامل مع الآيات والإستفادة منها ، ويرشدونهم إلى ما يلزم في هذا المضمار. إنّ هذه المنهجية كان لها الدور البنّاء في الفهم القرآني ، وتعدّ طريقاً أساسيّاً في حلّ المشكلات التفسيرية للمفسّرين ، بحيث ساعدهم ذلك في كشف الكثير من مفاهيم الآيات القرآنية؛ فإنّ أهل البيت عليهمالسلام كانوا يغتنمون الفرص لتعليم أصحابهم المعارف العميقة والمعاني الدقيقة للآيات القرآنية ، وكانوا يسعون إلى الارتقاء بالعلوم القرآنية إلى أعلى مستوياتها ، مضافاً إلى أنّهم كانوا يحاولون من خلال بياناتهم الجامعة الكاملة تنمية القدرات العلمية لتلامذتهم في مجال التفسير ومناهجه ومبانيه ، ومن هذا المنطلق فإنّهم عليهمالسلامكانوا يحثّون شيعتهم ويرغّبونهم على أن يتعلّموا طرق التفسير ليسلكوا الطريق الصحيح في التدبّر والتفكّر في القرآن ، ففي رواية يعلّم فيها الإمام الرضا عليهالسلام كيفية أخذ المعنى من الآيات المتشابهة ، ففي تفسير آية (كَلاّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُوْنَ)(1) يقول : «إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده ولكنّه يعني إنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون»(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المطففين : 15. (2) التوحيد : 163 ، عيون أخبار الرضا 1/125 ، معاني الأخبار : 13 ، نوادر الأخبار : 87. فإنّه عليهالسلام مضافاً إلى توجّهه إلى أصل نفي المكانية عن الله تبارك وتعالى يفسّر الآية ويعلّم كيفية أخذ المعنى الصحيح من الآيات المتشابهة. وفي رواية أخرى يوضّح عليهالسلام كيفية أخذ المعنى الصحيح من آية (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارَ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ)(1) وبيّن عليهالسلام أنّ المراد من الأبصار هو الأوهام ، كما في الرواية التالية : «أنّه سأل الرضا عليهالسلام عن شيء من التوحيد فقال : ألا تقرأ القرآن؟ قلت : نعم ، قال : اقرأ (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) فقرأت ، فقال : ما الأبصار؟ قلت : إبصار العين ، قال : لا. إنّما عني الأوهام ، لا تدرك الأوهام كيفيّته وهو يدرك كلّ فهم»(2). 2 ـ تبيين مفاهيم آيات القرآن : إنّ أهل البيت عليهمالسلام لديهم العلم اللدنّي بالقرآن ، فهم يعلمون علماً يقينيّاً وقطعيّاً بالمراد الإلهي وبمعاني الآيات ، فهم يعلمون أصل وحقيقة ما أراده الله وقصده من جميع الآيات ، ولذلك نرى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهمالسلام كانوا يبادورن إلى تبيين وتفسير القرآن لتدرك الأمّة الطريق الصحيح لفهم القرآن لكي لا يتعرّضوا للتشتّت والإنحراف ، فقد أكّد الإمام الباقر عليهالسلام على افتقار الناس إلى تفسر القرآن وعرّف نفسه مرجعاً لتفسيره ، قائلا : «فإنّما على الناس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأنعام : 103. (2) المحاسن : 239. أن يقرأوا القرآن كما أنزل فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا»(1). يستفاد من هذه الرواية أنّ فهم معاني القرآن يفتقر إلى التفسير ، وهذا التفسير لا يمكن الحصول عليه من دون الاستعانة بالأئمّة الأطهار عليهمالسلام ، وبناءً على هذا فقد جاءتنا عن الإمام الرضا عليهالسلام روايات كثيرة في مجال التبيين المفهومي وتفسير الآيات ، نشير إلى بعضها هنا : 1 ـ في تفسير آية (الطّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوْف أَوْ تَسْرِيْحٌ بِإِحْسَان)(2). «عن أبي القاسم الفارسي قال قلت للرضا عليهالسلام : جعلت فداك ، إنّ الله يقول في كتابه : (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوْف أَوْ تَسْرِيْحٌ بِإِحْسَان) وما يعني بذلك؟ قال : أمّا الإمساك بالمعروف : فكفّ الأذى وإجباء النفقة ، وأمّا التسريح بإحسان : فالطلاق على ما نزل به الكتاب»(3). 2 ـ وما نقله عليهالسلام عن أجداده الطاهرين عليهمالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام في تفسير آية (أَكَّالُوْنَ لِلسُّحْتِ)(4) ، قال عليهالسلام : «هو الرجل الذي يقضي لأخيه الحاجة ثمّ يقبل هديّته»(5). 3 ـ وأجاب على سؤال حمدان بن سليمان في شأن الآية : (فَمَنْ يُرِدِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وسائل الشيعة 18/149 ، تفسير فرات : 258. (2) البقرة : 229. (3) تفسير العياشي 1/117. (4) المائدة : 42. (5) صحيفة الإمام الرضا عليهالسلام : 82. اللهُ أَنْ يَهْدِيَهِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)(1). «عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال : سألت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) قال : من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعده من ثوابه حتّى يطمئنّ إليه ، ومن يرد أن يضلّه عن جنّته ودار كرامته في الآخرة لكفره وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً حتّى يشكّ في كفره ويضطرب من اعتقاده قلبه حتّى يصير كأنّما يصّعّد في السماء ، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون»(2). 4 ـ وفي الرواية التالية فسّر قوله تعالى : (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّة فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابِس إلاّ فِي كِتَاب مُبِيْن)(3) بالنحو التالي : «عن الحسين بن خالد قال : سألت أبا الحسن عليهالسلام عن قول الله (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَة إلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّة فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابِس إلاّ فِي كِتَاب مُبِيْن) ، فقال : الورقة السقط يسقط من بطن أمّه من قبل أن يهلّ الولد ، قال : فقلت وقوله : (وَلاَ حَبَّة) قال : يعني الولد في بطن أمّه ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأنعام : 125. (2) معاني الأخبار : 145. (3) الأنعام : 59. إذا أهلّ ويسقط من قبل الولادة ، قال : قلت : قوله : (وَلاَ رَطْب) قال : يعني المضغة إذا أسكنت في الرحم قبل أن يتمّ خلقها قبل أن ينتقل ، قال : قلت قوله : (وَلاَ يَابِس) قال : الولد التامّ ، قال : قلت : (فِيْ كِتَاب مُبِيْن) قال : في إمام مبين»(1). 5 ـ وفسّر قوله تعالى : (بِثَمَن بَخْس)(2) بثمن كلب الصيد كما في الرواية التالية : «عن أبي بصير عن الرضا عليهالسلام في قول الله (وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْس دَرَاهِمَ مَعْدُوْدَة) قال : كانت عشرين درهماً ، والبخس : النقص ، وهي قيمة كلب الصيد إذا قتل كان قيمته عشرين درهماً»(3). 3 ـ تأويل الآيات القرآنية : النوع الآخر من الروايات التفسيرية لدى الإمام الرضا عليهالسلام هو الروايات التي تُعنى بتأويل ما دلّت عليه ظاهر الألفاظ. التأويل : من الأوّل؛ أيّ الرجوع إلى الأصل ، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه ، وهو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة(4) ، والتأويل في الآيات هو بمعنى تبيين الآيات المتشابهة المشار إليها في سورة آل عمران (آية 7)؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير العياشي 1/361. (2) يوسف : 20. (3) تفسير القمي : 318. (4) مفردات الفاظ القرآن : 99 ، التحقيق في كلمات القرآن 1/19. وتعبير الرؤيا كما في سورة يوسف (آية 144) ؛ وعاقبة الأمر وما يؤول إليه العمل كما في سورة الإسراء (آية 35) ؛ وكشف المعنى الباطني كما في سورة الكهف (آية 82) ، وقد عدّ القرآن الكريم التأويل مختصّاً بالله وبالراسخين في العلم في قوله : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْله إلاّ اللهُ وَالرَّاسِخُوْنَ فِي الْعلْمِ)(1) ، وإنّ الرّاسِخُوْنَ فِي العِلْمِ المراد بهم هم الأئمّة عليهمالسلام في الكثير من الروايات(2). فإنّ تأويل الآيات المتشابهة واضح في الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام ، على سبيل المثال ففي تفسيره عليهالسلام قوله تعالى : (كَلاّ إنَّهُم عَنْ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوْبُوْنَ)(3) قدّر كلمة (ثواب) قبل (ربّهم) ، وفي تفسيره عليه السلام آية (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)(4) قدّر عليهالسلام كلمة (أمر) قبل (ربّك) ، وفي تفسيره آية (هَلْ يَنْظُرُوْنَ إلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ)(5) قدّر عليهالسلام كلمة (بالملائكة) بعد (الله) ، وبناءً على ذلك يردّ التوهّم بالجسمانية الحاصل من هذه الآيات(6) ، وإنّ مؤلّف كتاب مواهب الرحمان في تفسير القرآن بعد أن ذكر هذه الروايات قال : «ما ورد في الحديث بيان حسن جدّاً كالآية الشريفة كما هو شأنه عليهالسلام في بيان الآيات المتشابهات»(7). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آل عمران : 7. (2) بصائر الدرجات 3/20 ، تفسير القمي : 451. (3) المطفّفين : 15. (4) الفجر : 22. (5) البقرة : 210. (6) الأمالي : 13. (7) مواهب الرحمان في تفسير القرآن 3/253. 4 ـ تبيين المعنى الباطني للآيات. إنّ الوصول إلى المعاني الباطنية ومعرفة أبعاد المعاني الموجودة في بطون الآيات كثيراً ما تناولته الروايات التفسيرية لأهل البيت عليهمالسلام والتي تدور حول محور التفسير المعنوي والباطني للقرآن الكريم ، وهذا لا يعني أنّهم عليهمالسلاملم يهتمّوا بشرح الألفاظ وبتبيين المعنى اللغوي لكلمات وآيات القرآن ، بل بمعنى أنّ القرآن بما أنّه يحمل وجوهاً متعدّدة فلذلك يتطلّب تفسيراً وتأويلاً من مختلف الوجوه ، ومن هنا يتحقّق معنى الحضور العلمي والمعنوي لأهل البيت عليهمالسلام في مقام كونهم مصداقاً لأهل الذكر ، وقد صرّح الإمام الباقر عليهالسلام بهذا الأمر وهو أنّه لا يمكن لأحد غير الأوصياء أن يدّعي أنّه عالم بكلّ ظاهر القرآن وباطنه(1) ، وكلمة باطن في روايات أهل البيت عليهمالسلام غالباً ليس معناها توضيح المفاهيم وشرح الكلام ومدلوله ، بل لها معنى ووجود آخر متمايز عن هذا المعنى ، فمثلا الآية المباركة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَعِين)(2) فإنّ معناها الظاهري واضحٌ جدّاً يراد به أنّ وجود النعم ومقتضيات الحياة وتداومها إنّما هي بيد الله وإرادته سبحانه وتعالى ، وقائم على أساس تدبيره الشامل لكلّ الوجود ، حيث نستفيد من ظاهر الآية أنّ الله عزّ وجلّ لولا فضله على عباده وعنايته جلّ وعلا لتعسّر عليهم الأمر ، هذا هو المعنى الظاهري للآية ، ولكنّ الإمام الرضا عليهالسلام يكشف لنا في تفسير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي 1/228. (2) الملك : 30. هذه الآية عن صفحة أخرى للمعنى المراد من باطن كلام الله تبارك وتعالى وتذكر لنا الرواية التالية قوله عليهالسلام بما يلي : «سُئل الإمام الرضا عليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَعِين)(1) ، فقال عليهالسلام : «ماؤكُم أبوابكم أيّ الأئمّة عليهمالسلام والأئمّة أبواب الله وبين خلقه فمن يأتيكم بماء مَعين يعني بعلم الإمام»(2). فأوّل عليهالسلام (ماؤكم) بالأئمّة عليهمالسلام و (بِماء مَعِين) بعلم الإمام. ولا شكّ إذا دقّقنا في كلام الإمام وبيانه عليهالسلام سندرك أنّ استعارته عليهالسلام (بماء معين) للعلم النافع مناسبة جّداً؛ لأنّه كما أنّ الماء هو منبع الحياة المادّية والمنشأ الأصلي لإمكان استمراريّتها على وجه الأرض ، فإنّ العلم النافع وخاصّة علم الدين هو بمثابة الأساس للحياة المعنوية وسبباً للسعادة الدنيوية والأخروية للبشر ، وإنّ هذا المعنى قد جاء أيضاً في آيات أخرى من القرآن الكريم كما في سورة الأنفال (24) وآل عمران (164). 5 ـ تعيين المصداق والجري والتطبيق. إنّ بعض الروايات التفسيرية تتعرّض إلى بيان مصداق الآية ، وذلك بمعنى تطبيقها على الواقع الخارجي ، فإنّ الالتفات إلى المصداق والاعتناء به يعيّن حدود المعنى ويمنح الكلام وضوحاً ويخرجه من الإبهام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الملك : 30. (2) تفسير الصافي 2/727. إنّ مثل هذا التفسير يشير إلى المصاديق الخارجية مورد نزول الآية ، ولكن ذكر المصداق تارة يكون بمعنى الجري والتطبيق؛ أي سوق المفهوم إلى مواضيع حسب الظاهر غير مستفادة من ظاهر الكلام ، حيث يبدو من ظاهر الآية أنّها نزلت في موارد كانت الآية ناظرة إلى تلك الموارد فقط ولكن الإمام يوضّح أبعاد أخرى ويمنح المصداق تصوّراً آخر ، ففي مثل هذا التفسير يجري تطبيق الآية على الوقائع والحوادث الخارجية بعينها وكذلك على الأفراد والأشخاص. وأمّا الجري أو الاضطراد فهو عبارة عن تطبيق المفاهيم الحاصلة من الآيات على موارد أخرى مشابهة لمورد شأن النزول ، مع تجريد الموارد المشابهة عن الجزئيّات المختصّة بمورد شأن النزول ، وإنّ اصطلاح الجري هذا مأخوذ من رواية الإمام الباقر عليهالسلام حيث قال في فلسفة الجري والتطبيق : «لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض ، ولكلّ قوم آية يتلونها وهم منها من خير أو شرّ»(1). إنّ ذكر المصداق يحضى بمنزلة خاصّة في روايات أهل البيت عليهمالسلام ، حيث أنّ الحديث عن المصاديق الخارجية المحدّدة في الكثير من الروايات التفسيرية يُغنينا عن التوضيح والشرح المطوّل لمفاهيم الآيات أو تبيين مفرداتها ، ومن الواضح أنّ الهدف المقصود من هذه الروايات هو ذكر بعض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير العياشي 1/21. مصاديق الآية وتطبيقها على أبرز تلك المصاديق وليس الهدف هو تفسير خصوص الآية فقط. وقد أجاب الإمام الرضا عليهالسلام على كتاب أبي الأسد الذي سأل فيه ما تفسير قوله : (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)(1) مبيّناً عليهالسلام واحداً من مصاديق الحكّام ، فكتب إليه : الحكّام القضاة ، ثمّ كتب تحته : هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم عاصي هو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له به إذا كان قد علم أنه ظالم ..(2) وكذلك في تفسير آية (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ الله)(3) فقد عدّ عليهالسلام صلاة الليل مصداقاً للرَّهبانيّة(4). وفي تفسير آية : (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم)(5) فقد عدّ عليهالسلام عبادة الأوثان وشرب الخمر وقتل النفس وعقوق الوالدين وقذف المحصنات والفرار من الزحف وأكل مال اليتيم من مصاديق الذنوب الكبيرة(6). وفي رواية أخرى ينقلها الإمام الرضا عليهالسلام عن أمير المؤمنين عليهالسلام تتبيّن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة : 188. (2) تفسير العياشي 1/85. (3) الحديد : 27. (4) التبيان 2/120. (5) النساء : 31. (6) تفسير العياشي 1/238. منها مصاديق بعض الآيات ، قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام : «بينما أنا أمشي مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في بعض طرقات المدينة إذ لقينا شيخ طوال كثّ اللحية بعيد ما بين المنكبين ، فسلّم على النبيّ (صلى الله عليه وآله) ورحّب به ثمّ التفت إليّ فقال : السلام عليك يا رابع الخلفاء ورحمة الله وبركاته ، أليس كذلك هو يا رسول الله؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : بلى ، ثمّ مضى فقلت : يا رسول الله ماهذا الذي قال لي هذا الشيخ وتصديقك له؟ قال : أنت كذلك والحمد لله ، إنّ الله عزّ وجلّ قال في كتابه : (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(1) والخليفة المجعول فيها آدم عليهالسلام ، وقال عزّ وجلّ (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(2) فهو الثاني ، وقال عزّ وجلّ حكاية عن موسى حين قال لهارون عليهالسلام : (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ)(3) فهو هارون إذ استخلفه موسى عليهالسلامفي قومه وهو الثالث ، وقال عزّ وجلّ (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ)(4) وكنت أنت المبلّغ عن الله عزّ وجلّ وعن رسوله ، وأنت وصيّي ووزيري وقاضي ديني والمؤدّي عنّي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، فأنت رابع الخلفاء كما سلّم عليك الشيخ. أولا تدري من هو؟ قلت : لا قال : ذاك أخوك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة : 30. (2) ص : 26. (3) الأعراف : 142. (4) التوبة : 3. الخضر عليهالسلام فاعلم»(1). وكذلك في تفسير الآية : (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ) فكان أمير المؤمنين عليهالسلام المصداق الوحيد للآية بناءً على الرواية. 6 ـ تبيين المفاهيم الاعتقادية. إنّ الدفاع عن المعتقدات الدينية ومراقبة سير الفكر الديني في المجتمع الإسلامي يمثّل أحد اهتمامات أهل البيت عليهمالسلام ، فلذلك نرى الإمام عليهالسلام يهتمّ في تفسير هذه المفاهيم من خلال تفسيره للآيات ، فإنّ الإمام قد صحّح الكثير من الاعتقادات وبيّنها استناداً إلى الآيات ، وقد واجه بذلك الكثير من المشارب الفكرية مثل المرجئة ، القدرية ، المجسّمة و ... وفي رواية يخوض أحد المتكلّمين في حواره مع الإمام الرضا عليهالسلام نقاشاً كلاميّاً يقول فيه : «إنّا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين ، فقسّم الكلام لموسى ولمحمّد ، الرؤية ، فقال أبو الحسن عليهالسلام : فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين من الجنّ والإنس لا تدركه الأبصار ولا يحيطون به علماً وليس كمثله شيء أليس محمّد؟ قال : بلى ، قال : كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول لا تدركه الأبصار ولا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نور الثقلين 1/49 ، عيون أخبار الرضا 2/10 ، اثبات الهداة 3/30. يحيطون به علماً وليس كمثله شيء ثمّ يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر ، أما تستحون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه ، من وجه آخر قال أبو قرّة : فإنّه يقول : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)(1) فقال أبو الحسن عليهالسلام : إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى ، حيث قال : (مَا كَذَّبَ الْفُؤادُ مَا رَأَى)(2) يقول : ما كذّب فؤاد محمّد ما رأت عيناه ، ثمّ أخبر بما رأى فقال : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)(3) فآيات الله غير الله وقد قال الله : (وَلاَ يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمَاً)(4) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة ، فقال أبو قرّة : فتكذّب بالروايات؟ فقال أبو الحسن عليهالسلام : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها ، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء»(5). وفي رواية أخرى : «عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : سألته فقلت : الله فوّض الأمر إلى العباد ، قال : الله أعزّ من ذلك ، قلت : فجبرهم على المعاصي ، قال :الله أعدل وأحكم من ذلك ، قال : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النجم: 13. (2) النجم : 11. (3) النجم : 18. (4) طه : 110. (5) الكافي 1/96 ، الاحتجاج 2/406 ، الوافي 1/379. ثمّ قال : قال الله : يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك منّي ، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك»(1). فقد بيّن الإمام عليهالسلام في هاتين الروايتين المعتقد الصحيح وعرض التفسير الصحيح للآيات. 7 ـ تفسير الأمور الغيبية. والوجه الآخر من الوجوه التفسيرية عند الإمام الرضا عليهالسلام ، هو بيان الأمور الغيبية وبيان بطون الآيات وبيان الأخبار المرتبطة بأصل نشأة الخلق ومعرفة الوجود ، فقد كانت هناك إشارات في بعض الآيات إلى مباحث الخلقة حيث تمّ توضيحها بواسطة بعض الروايات. فإنّ المأمون يسأل الإمام الرضا عليهالسلام عن آية : (وَهُوَ الذِي خَلَقَ السّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ)(2) فأجابه عليهالسلام : «إنّ الله تعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض فكانت الملائكة تستدلّ بأنفسها وبالعرش والماء على الله تعالى ، ثمّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنّه على كلّ شيء قدير ، ثمّ رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع ثمّ خلق السماوات السبع والأرض في ستّة أيّام وهو مستول على عرشه وكان قادراًعلى أن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي 1/157. (2) هود : 7. يخلقها في طرفة عين ولكنّه عزّ وجلّ خلقها في ستّة أيّام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء فيستدلّ بحدوث ما يحدث على الله تعالى مرّة بعد مرّة ، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه ، لأنّه غنيّ عن العرش وعن جميع ما خلق لا يوصف بالكون على العرش ، لأنّه ليس بجسم تعالى عن صفة خلقه علوّاً كبيراً»(1). وبذلك وضّح الإمام عليهالسلام أموراً ربّما لا يمكن الإنسان الحصول عليها دون الإرتباط به عليهالسلام. 8 ـ تبيين آيات الأحكام. إنّ الإمام الرضا عليهالسلام كسائر المعصومين عليهمالسلام قد تطرّق في بعض الروايات لتبيين وتوضيح بعض آيات الأحكام وقد بيّن للمسلمين جزئيّات بعض الأحكام كما في الروايات التالية : «عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال : سألت الرضا عليهالسلام عن قول الله : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ النُّجُومِ)(2) قال : أربع ركعات بعد المغرب ، وإدبار النجوم ركعتان قبل صلاة الصبح»(3). «عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نصر قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليهالسلام : إنّا حين نفرنا من منى أقمنا أيّاماً ثمّ حلقت رأسي طلب التلذّذ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير نور الثقلين 2/336 ، عيون أخبار الرضا 1/324 ، التوحيد : 320. (2) الطور : 49. (3) بحار الأنوار 84/88. فدخلني من ذلك شيء؟ فقال : كان أبو الحسن صلوات الله عليه إذا أخرج من مكّة فأتي بثيابه حلق رأسه ، قال : وقال في قول الله عزّ وجلّ : (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوْفُوا نُذُوْرَهُم)(1) ، قال : التفث تقليم الأظفار وطرح الوسخ وطرح الإحرام»(2). وفي تفسيره لآية الخمس فيه توسعة لمفهومه : «عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة قال : سألت أبا الحسن عليهالسلام عن الخمس فقال : في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(3). وقد تعرّض الإمام الرضا عليهالسلام إلى سبب تشريع بعض الأحكام وذلك من أجل أن يشرح بعض آيات الأحكام شرحاً أفضل كما في جوابه عليهالسلام على كتاب محمّد بن سنان حيث أشار فيه إلى سبب تحريم بعض المحرّمات مثل قتل النفس ، عقوق الوالدين ، الزنا ، قذف المحصنات ، أكل مال اليتيم ، الفرار من الزحف ، التعرّب بعد الهجرة والربا(4). 9 ـ تبيين الحكمة من الحكم وعلّته. إنّ بعض الروايات التفسيرية يتمّ فيها توضيح وتبيين حكمة الحكم وعلّته ، وذلك من قبيل ما كتبه الإمام الرضا عليهالسلام في جواب مسائل محمّد بن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحج : 29. (2) الكافي 4/504 ، معاني الأخبار 2/485. (3) الكافي 1/545. (4) عيون أخبار الرضا 2/92. سنان حيث قال عليهالسلام : «علّة تزويج الرجل أربع نسوة ويحرم أن تتزوّج المرأة أكثر من واحد ، لأنّ الرجل إذا تزوّج أربع نسوة كان الولد منسوباً إليه ، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو ، إذ هم مشتركون في نكاحها ، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف»(1). 10 ـ الاستناد بآيات القرآن في بيان المطالب. ففي هذا الوجه من الوجوه التفسيرية يبيّن المعصوم حكماً أو أمراً معيّناً ويدعمه بآيات من القرآن ، وبعبارة أخرى إنّ الموضوع أو الحكم الذي يبيّنه المعصومون عليهمالسلام إنّما يذكرون سنده من القرآن وذلك من أجل إقناع المخاطب أو السائل أو لتعليم كيفية الاستفادة من القرآن ، فإنّ الاستناد بآيات القرآن الكريم بعد توضيح بعض الأمور له دورٌ مهمّ في تبيين آيات القرآن. وهذه الطريقة نلاحظها في الروايات التفسيرية للمعصومين عليهمالسلام ومن جملتها الروايات التفسيرية للإمام الرضا عليهالسلام كما في الروايات التالية عنه عليهالسلام : «عن مبارك مولى الرضا عليهالسلام ، عن الرضا عليّ بن موسى عليهالسلام قال : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون فيه ثلاث خصال ، سنّة من ربّه وسنّة من نبّيه ، وسنّة من وليّه ، فأمّا السنّة من ربّه فكتمان السرّ ، قال الله عزّ وجلّ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) علل الشرائع 2/504. رَسُوْل)(1) ، وأمّا السنّة من نبّيه فمداراة الناس فإنّ الله عزّ وجلّ أمر نبيّه (صلى الله عليه وآله) بمداراة الناس فقال : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينْ)(2) ، وأمّا السنّة من وليّه فالصبر على البأساء والضرّاء يقول الله عزّ وجلّ : (والصّابِرِيْنَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرّاءِ وَحِيْنَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الذِيْنَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتّقُوْنَ)(3)»(4). «عن الحسن بن علي الوشّاء قال : سمعت الرضا عليهالسلام يقول : أقرب ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ وهو ساجد ، وذلك قوله تبارك وتعالى : (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)(5)»(6). «إنّ رحم آل محمّد ـ الأئمّة ـ لمعلّقة بالعرش ، تقول : اللهمّ صِل من وصلني ، واقطع من قطعني ، ثمّ هي جارية في أرحام المؤمنين ، ثمّ تلا هذه الآية : (وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءَلُوْنَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)(7)»(8). «قال الإمام الرضا عليهالسلام في رجل أوصى بجزء من ماله ، فقال : جزء من سبعة ، إنّ الله يقول في كتابه (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَاب لِكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْءٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الجنّ : 26 ـ 27. (2) الأعراف : 199. (3) البقرة : 177. (4) معاني الأخبار 1/82. (5) العلق : 19. (6) الكافي 3/265 ، عيون أخبار الرضا 2/7. (7) النساء : 1. (8) تفسير القمي 1/363. مَقْسُوْمٌ)(1)»(2). 11 ـ التفسير التصويري. في بعض الأحيان يكون الإمام في مقام شرح الآية ورفع الإبهام والإجمال عنها ، وذلك من خلال الاستعانة بتصوير الحالة للسائل ، عوضاً عن تبيين المفردات وشرح الآيات؛ حيث شوهد كراراً هذا الأسلوب في تفسير الآيات في سيرة المعصومين عليهمالسلام ، ومن بين هذه الروايات ما بيّنه الإمام الرضا عليهالسلام عمليّاً لعبد الله بن سنان في تفسير آية (وَالَّذِيْنَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)(3) ، فبسط كفّه وفرّق أصابعه وحناها شيئاً ، وعن قوله تعالى : (وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ)(4) فبسط راحته وقال : هكذا ، وقال : القوام ما يخرج من بين الأصابع ويبقى في الراحة من شيء(5). وكذلك في الرواية التالية : «عن الحسن بن خالد ، عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : قلت : أخبرني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجر : 44. (2) تفسير العياشي 2/243. (3) الفرقان : 67. (4) الإسراء : 29. (5) الكافي 4/56. عن قول الله : (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُك)(1) فقال : هي محبوكة إلى الأرض ، وشبّك بين أصابعه ، فقلت : كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول (رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها)(2)؟ فقال : سبحان الله ، أليس يقول : بغير عمد ترونها؟ قلت : بلى ، فقال : فثمّ عمد ولكن لا ترونها ، قلت : كيف ذلك جعلني الله فداك؟ قال : فبسط كفّه اليسرى ثمّ وضع اليمنى عليها ، فقال : هذه أرض الدنيا والسماء الدنيا عليها فوقها قبّة ، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبّة ، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة فوقها قبّة ، والأرض الرابعة فوق السماء الثالثة والسماء الرابعة فوقها قبّة ، والأرض الخامسة فوق السماء الرابعة والسماء الخامسة فوقها قبّة ، والأرض السادسة فوق السماء الخامسة والسماء السادسة فوقها قبّة ، والأرض السابعة فوق السماء السادسة والسماء السابعة فوقها قبّة ، وعرش الرحمن تبارك وتعالى فوق السماء السابعة وهو قول الله : (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ)(3)»(4). وهناك رواية يعلِّم فيها الإمام عليهالسلام أبي نصر البزنطي بشكل عملي كيفية المسح على الرجلين : «عن ابن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليهالسلام قال : سألته عن المسح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الذاريات : 7. (2) الرعد : 2. (3) الطلاق : 12. (4) بحار الأنوار 57/79. على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم ، فقلت : جعلت فداك ، لو أنّ رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا؟ فقال لا إلاّ بكفّه»(1). 12 ـ ردّ التفاسير الخاطئة بآيات القرآن. لا شكّ إنّ أحد مسؤوليّات أهل البيت عليهمالسلام التي قاموا بأعبائها هو ردّهم الشبهات ، فإنّهم عليهمالسلام بالإضافة إلى ما لديهم من الطريقة الإثباتية في تفسير الآيات في الردّ على الشبهات فقد قاموا بتصحيح التفاسير الواردة من غيرهم عليهمالسلامللآيات وردّ الشبهات عنها ، وقد مهّدوا الطريق للتفسير الصحيح وذلك بمخالفتهم للتفاسير الخاطئة والمناهج المخالفة لقواعد التفسير ، مثل التفسير بالرأي ، وتجزئة الآيات ، وعدم الاعتناء بآيات الناسخ والمنسوخ ، والنهي عن تبيين الإسرائيليّات الواردة في الروايات. إنّ شطراً من الروايات المذكورة عن الإمام الرضا عليهالسلام يتبيّن من خلالها أنّ أحد المواضع المنحصرة بهم عليهمالسلام هو هدايتهم إلى التفسير الصحيح وتصحيح الفهم الخاطىء للقرآن الكريم. وقد روى الصدوق رحمهالله في كتبه الثلاثة رواية بسند معتبر «عن الإمام الرضا عليهالسلام عن آبائه عليهمالسلام عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّ الله تبارك وتعالى قال : ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي»(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي 3/30. (2) التوحيد : 68 ، عيون أخبار الرضا 1/116 ، الأمالي : 55. وفي رواية فسّر فيها الإمام الرضا عليهالسلام قوله تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)(1) ثمّ سأل الوشّاء أن كيف تقرأون هذه الآية في شأن ابن نوح؟ ثمّ يردّ القراءة القائلة بنفي البنوّة عن ابن نوح ويكذّبها ويخطّئها ويقول عليهالسلام : «هو ابنه ولكنّ الله عزّ وجلّ نفاه عنه حين خالفه في دينه»(2). يتبيّن من خلال هذا الحوار أنّ الإمام الرضا عليهالسلام مضافاً إلى ما سلكه من التفسير الصحيح فإنّه أراد أن يردّ ويخطّئ التفسير والفهم الخاطئ للآية. نتيجة البحث : إنّ التأمّل في التراث التفسيري للإمام الرضا عليهالسلام يبيّن لنا أنّ الإمام عليهالسلام كالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وكسائر المعصومين عليهمالسلام كانت على عاتقه مهمّة تبيين وتفسير القرآن ، وإنّه عليهالسلام لم يكن ليتطرّق إلى تبيين وتفسير كلام الله فحسب بل قد بيّن للمسلمين أهمّ الأصول والقواعد التفسيرية ، ففي ظلّ التوضيح الدقيق لهذه الأصول في كلام الإمام عليهالسلام يتمّ عرض المبنى المناسب للتفسير الصحيح ليمهّد الأرضية للتقليل من حجم الأخطاء والاشتباهات الحاصلة في التفسير. فمن خلال المباني التي أشار إليها الإمام الرضا عليهالسلام في الروايات يمكننا أن نعدّ منها خلود القرآن ، عدم تحريف القرآن ، إمكان فهم القرآن ، هداية القرآن وكون ألفاظ القرآن صادرة من الوحي الإلهي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هود: 46. (2) البرهان 4/106. كما أنّ الإمام عليهالسلام اتّخذ المناهج التفسيرية التالية في تفسيره للقرآن الكريم وهي عبارة عن تفسير القرآن بالقرآن ، تفسير القرآن بالسنّة ، تفسير القرآن بواسطة الدليل العقلي القطعي ، تفسير القرآن بما توصّل إليه البشر من التطوّر العلمي ، تفسير القرآن بالتاريخ. فمن جملة القواعد التفسيرية الواردة ضمن التفسير المأثور عن الإمام الرضا عليهالسلام يمكننا الإشارة إلى الموارد التالية : الاهتمام بالقراءة الصحيحة ، الاعتناء بمفاهيم الكلمات ، الاهتمام بالقرائن مثل السياق ، سبب النزول ، الاعتناء بخصائص المخاطب ، وسائر الآيات القرآنية والضرورات الدينية ، بحيث يمكننا من خلال هذه القواعد التفسيرية الواردة في روايات أهل البيت عليهمالسلام أن نكوّن في تفسير القرآن مجموعة من المناهج والقواعد التفسيرية. إنّ روايات الإمام الرضا عليهالسلام مضافاً إلى التفسير تشتمل على التأويل ، بيان المعنى الباطني ، تعيين المصداق ، تبيين المعارف الاعتقادية والأمور الغيبيّة وتفصيل آيات الأحكام. هذا وإنّ تبيين بواطن وحقائق الآيات إنّما هو من اختصاصات المعصومين عليهمالسلام الراسخون في العلم ومنحصرٌ بهم. المصادر 1 ـ القرآن الكريم. 2 ـ نهج البلاغة. 3 ـ آفاق التفسير : محمّد عليّ مهدوي راد ، منشورات هستي نما ـ طهران/1382هـ. ش. 4 ـ الاتقان في علوم القرآن : جلال الدين السيوطي ، دار ابن كثير ـ بيروت/1414هـ. ق. 5 ـ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات : الحرّ العاملي ، انتشارات الأعلمي ـ بيروت/1425هـ. ق. 6 ـ الاحتجاج : أحمد بن عليّ الطبرسي ، منشورات المرتضى ـ مشهد / 1403هـ. ق. 7 ـ الأمالي : محمّد بن عليّ ابن بابويه ، كتابخانه اسلامية ـ طهران/1362هـ. ش. 8 ـ الأمالي : الشيخ المفيد ، كنگره شيخ مفيد ـ قم/1413هـ. ق. 9 ـ أسباب نزول القرآن : عليّ بن أحمد الواحدي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت/1411 هـ. ق. 10 ـ بحار الأنوار : محمّد باقر المجلسي ، مؤسسة الوفاء ـ بيروت/1404هـ. ق. 11 ـ البرهان في تفسير القرآن : السيّد هاشم البحراني ، مؤسسة بعثت ـ قم. 12 ـ البرهان في علوم القرآن : بدر الدين الزركشي ، دار المعرفة ـ بيروت/1410هـ. ق. 13 ـ بصائر الدرجات الكبرى : محمّد بن حسن الصفّار ، منشورات الأعلمي ، كتابخانه آية الله المرعشي النجفي ـ طهران/1374هـ. ش ، 1404هـ. ق. 14 ـ التبيان في تفسير القرآن : الشيخ الطوسي ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت/1402 هـ. ق. 15 ـ التحقيق في كلمات القرآن الكريم : حسن مصطفوي ، وزارت فرهنگ وارشاد إسلامي ـ طهران/1368هـ. ش. 16 ـ تحليلي از زندگى امام رضا عليهالسلام : محمّد جواد فضل الله ، آستان قدس رضوي ـ مشهد ، چاپ هفتم/1382هـ. ش. 17 ـ تفسير العيّاشي : محمّد بن مسعود العيّاشي ، المطبعة العلمية ـ طهران/1380هـ. ق. 18 ـ تفسير القرآن العظيم : إسماعيل بن عمرو ابن كثير ، دار الكتب العلمية ـ بيروت/1416هـ. ق. 19 ـ تفسير القمّي : علي بن إبراهيم القمّي ، تحقيق : الطيّب الموسوي الجزائري ، دار الكتاب ـ قم ، چاپ سوم/1404هـ. ق. 20 ـ التفسير المنسوب للإمام الرضا : مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام ـ قم/ 1409هـ. ق. 21 ـ التوحيد : جعفر بن محمّد بن عليّ ابن بابويه ، انتشارات جامعة المدرسين ـ قم/1398هـ. ق. 22 ـ جامع البيان : محمّد بن جرير الطبري ، دار المعرفة ـ بيروت/1412هـ. ق. 23 ـ الجواهر الحسان : الثعالبي ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت/1418هـ. ق. 24 ـ روح البيان : حقّي إسماعيل بروسوي ، دار الفكر. 25 ـ شرح أصول الكافي : محمّد صالح المازندراني ، دار إحياء التراث العربي. 26 ـ الصافي في تفسير القرآن : محمّد محسن الفيض الكاشاني ، تصحيح : حسين الأعلمي ، دار المرتضى ـ بيروت. 27 ـ صحيفة الإمام الرضا عليهالسلام : تحقيق : محمّد مهدي نجف ، كنگره جهاني إمام رضا ـ مشهد/1406هـ. ق. 28 ـ علل الشرائع : محمّد بن علي ابن بابويه ، كتابفروشي داوري ـ قم/1996م. 29 ـ عيون أخبار الرضا : محمّد بن علي ابن بابويه ، انتشارات جهان ـ طهران/1378هـ. ش. 30 ـ قرآن در إسلام : السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، دفتر انتشارات اسلامي ـ قم/1361 هـ. ش. 31 ـ قرب الاسناد : عبد الله بن جعفر الحميري ، مؤسسة آل البيت عليهمالسلام ـ قم/1413هـ. ق. 32 ـ قصص الأنبياء : السيّد نعمت الله الجزائري ، انتشارات كتابخانه آيت الله المرعشي ، 1404هـ. ق. 33 ـ قواعد التفسير : خالد السبت ، دار ابن عفّان ـ بيروت/1421هـ. ق. 34 ـ قواعد التفسير لدى الشيعة والسنة : محمّد فاكر ميبدي ، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية/1428هـ. ق. 35 ـ الكافي : أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران/1365 هـ. ش. 36 ـ كتاب العين : خليل بن أحمد الفراهيدي ، نشر هجرت ـ قم ، چاپ دوم/1409هـ. ق. 37 ـ كنز العمال : علاء الدين المتّقي الهندي ، مؤسّسة الرسالة ـ بيروت/1409هـ. ق. 38 ـ مجمع البحرين : فخر الدين الطريحي ، مرتضوي ـ طهران ، چاپ سوم/1375هـ. ش. 39 ـ مسند الإمام الرضا عليهالسلام : عزيز الله العطاردي ، دار الصفوة ـ بيروت/ 1413هـ. ق. 40 ـ معالم التنزيل : حسين بن مسعود البغوي ، دار احياء التراث العربي ـ بيروت/1420 هـ. ق. 41 ـ معاني الأخبار : محمّد بن عليّ ابن بابويه ، دفتر انتشارات إسلامي ـ قم/1403هـ. ش. 42 ـ مفردات ألفاظ القرآن : حسين بن محمّد راغب الإصفهاني ، دار القلم ـ بيروت/1412هـ. ق. 43 ـ مناقب آل أبي طالب : محمّد بن عليّ ، ابن شهرآشوب المازندراني ، انتشارات علاّمه ـ قم/1379هـ. ش. 44 ـ مواهب الرحمان في تفسير القرآن : عبد الأعلى الموسوي السبزواري/1409هـ ق. 45 ـ الميزان : السيّد محمّد حسين الطباطبائي ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران/1417هـ. ق. 46 ـ نوادر الأخبار : الفيض الكاشاني ، مؤسّسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي ـ طهران/1371هـ. ش. 47 ـ نور الثقلين : عبد عليّ بن جمعة العروسي الحويزي ، انتشارات إسماعيليان ـ قم/1415هـ. ق. 48 ـ الوافي : الفيض الكاشاني ، كتابخانه إمام أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ـ اصفهان/1406هـ. ق. 49 ـ وسائل الشيعة : محمّد بن حسن بن عليّ الحرّ العاملي ، مؤسّسة آل البيت عليهمالسلامـ قم/1409هـ. ق.
المصدر: د. سكينة آخوند - مجلة تراثنا ..
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video