معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

النعماني ومصادر الغيبة ..

النعماني ومصادر الغيبة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة :
إنّ مفهوم غيبة صاحب العصر والزمان وبيان أسبابها وأبعادها ومسح الغبار عن وجهها الناصع قد أفضى إلى تأليف الكثير من الكتب عبر القرون الأولى ومن قبل المنتسبين إلى مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية ، وللأسف الشديد لم يصل إلينا من هذه الكتب الكثيرة عبر عوادي الزمن غير النزر القليل ، حتّى أنّ بعض هذه المصادر لا نرى سوى أسماء لها في كتب الفهارس من قبيل : فهرست النجاشي ، المعروف بـ : رجال النجاشي ، وفهرست الشيخ الطوسي وغيرها ، وعلى الرغم من ذلك يمكن لنا من خلال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.

البحث والتنقيب أن نحفر كوّة في جدار التراث للوصول إلى الكتب المفقودة ، وإنّ هذه المهمّة رهن بتنقيح مباني منهج جديد في المباحث الرجالية والتعريف بالكتب ، وهي عملية يمكن تسميتها بـ : (تحديد المصادر).
وقد وقف كاتب هذه السطور منذ سنوات على أهمّية هذا النوع من البحوث ، وقام بجهود حثيثة في بيان الأبعاد النظرية والعملية لهذا النوع من الأبحاث ، على أمل أن تجد هذه الأعمال طريقها إلى النشر.
هناك ثلاثة مصادر هامّة لبحث (الغيبة) وهي : كتاب الغيبة لأبي عبد الله النعماني (في النصف الأوّل من القرن الرابع) ، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة(1) للشيخ أبي جعفر الصدوق (306 ـ 381هـ) ، وكتاب الغيبة للشيخ أبي جعفر الطوسي (385 ـ 460هـ).
تمّ تأليف كلّ واحد من هذه الكتب الثلاثة بأسلوب خاصّ ، بيد أنّها بأجمعها تشترك في العديد من المسائل ، ومن بين الأمور التي تشترك فيها هذه الكتب الثلاثة هو افتقادنا لأكثر مصادرها ، ومن هنا أضحت تعرف بوصفها من المصادر الأولى ، وإنّ الأثر الروائي الأوّل من بين هذه الكتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك من ذهب إلى القول بأنّ عنوان هذا الكتاب هو : إكمال الدين وإتمام النعمة ، وهو خطأ بدليل أنّ الصدوق نفسه ـ وهو مؤلّف الكتاب ـ يشير إلى هذا الكتاب في جميع أعماله الأخرى بعنوان (كمال الدين وتمام النعمة) ، كما أنّ القول باقتباس هذا العنوان من الآية الثالثة من سورة المائدة لا ينهض دليلاً على تسمية الكتاب بـ : (إكمال الدين وإتمام النعمة) ، ونترك تفصيل البحث في هذه النقطة إلى فرصة أخرى.

الثلاثة هو كتاب غيبة النعماني ، وقد اختصّ هذا الكتاب بذكر الأحاديث المأثورة عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام(1) ، وأحياناً الأحاديث المأثورة عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) بشأن الغيبة ومبانيها الاعتقادية ، ولا تجد في هذا الكتاب شيئاً من الحديث عن غيبة الأنبياء السابقين ، وأخبار المعمّرين وما إلى ذلك ـ ممّا استحوذ على جزء كبير من كتاب كمال الدين وتمام النعمة ـ كما لم يبحث في تاريخ الغيبة ، من جهة : ولادة الإمام المهدي ، ووقائع الغيبة الصغرى ، وسيرة النوّاب الأربعة ، والتوقيعات الصادرة عن الناحية المقدّسة ، وما إلى ذلك من الأبحاث التي نشاهدها في كتاب كمال الدين وتمام النعمة ، وكذلك في غيبة الشيخ الطوسي ، كما لا نشاهد في هذا الكتاب شيئاً من البحوث والمسائل (الكلامية ـ العقلية) التي شكّلت مدخلاً لكتاب غيبة الشيخ الطوسي ، فقد بحث النعماني في كتابه موضوع الغيبة ومبانيها الاعتقادية من زاوية روائية بحتة ، وقد شكّلت مسائل من قبيل : ضرورة وجود الإمام ، والأئمّة الإثنا عشر ، وكونهم أوصياء ، وأنّهم منصوص عليهم من قبل الله ، وضرورة الاعتقاد بالإمام والحجّة على الأرض ، وضرورة الصبر وانتظار الفرج في عصر الغيبة ، واختبار الشيعة وامتحانهم في هذه الحادثة ، وكذلك أوصاف الإمام المنتظر ، وعلامات الظهور ، وجانب من أحوال الإمام وخصائص أنصاره وأصحابه وشيعته في عصر الظهور ، وهذه نماذج من المسائل المبحوثة في كتاب الغيبة للنعماني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني : 23 ـ 29.

ومن بين ما يميّز هذا الكتاب اعتماده على الكثير من المصادر التي لا نجدها إلاّ في هذا الكتاب حصريّاً ، ولذلك فقد اشتمل هذا الكتاب على الكثير من الأحاديث التي لم يرد ذكر لها في غيره من مصادر الغيبة الموجودة بين أيدينا ، وهذا ما سيتّضح من خلال الجولة التي سنقوم بها على مصادر هذا الكتاب في هذا المقال.
تتبّع المصادر :
إنّ البحث في تتبّع مصادر الكتب الحديثية يعدّ من الأبحاث الهامّة التي لم تحظ بالاهتمام الكافي ، وإنّ السبب الرئيسي لعدم الخوض في هذا البحث يكمن في استحالة الوصول إلى مثل هذه المصادر ، ولكن بعد توفّر برامج الحاسوب فيما يتعلّق بالكتب الحديثية أصبح الخوض في هذا النوع من الأبحاث متاحاً ، وفيما يلي نستعرض فهرسة لبعض الفوائد المترتّبة على بحث تتبّع المصادر :
1 ـ إنّ معرفة مصادر الكتاب تؤثّر على تقييم مدى ما لذلك الكتاب من قيمة واعتبار ؛ فكلّما ارتفعت قيمة مصادر الكتاب انعكس ذلك على رفع رصيد ذلك الكتاب نفسه.
2 ـ كما يؤثّر بحث معرفة المصادر على تقييم اعتبار تلك المصادر ؛ إذ أنّ اعتماد العلماء الكبار على كتاب يلعب دوراً كبيراً في إثبات الاعتبار والقيّمة العلمية له.

3 ـ من خلال تتبّع المصادر يمكن ترميم أجزاء من التراث المفقود ، وبذلك نحصل على رؤية أفضل بشأن مضمون هذه الكتب.
4 ـ إنّ معرفة مصادر الروايات المسندة تحظى في المباحث الحديثية بأهمّية قصوى ، إذ من خلال ذلك يمكن لنا أن نخطو خطوات واسعة في التعرّف إلى التحريفات والتصحيفات الواقعة في الأسانيد ، وتمييز المشتركات الواقعة فيها ، ورفع الإبهامات الموجودة في الأسانيد وما إلى ذلك ، إلاّ أنّ هذا المقال لا يستوعب التفصيل في هذا البحث.
5 ـ هناك مباني رجالية هامّة لا تحتاج إلى بحث في طرقها إلى الكتب ، ومن هنا يغدو العثور على الطرق في الأسانيد هامّاً للغاية.
6 ـ هناك توجّه عند المستشرقين عموماً ، وهو أنّهم يرجعون تاريخ أيّ مقولة أو نظرية تصلهم إلى تاريخ الحقبة الزمنية التي دوّنت بها تلك المقولة ، وبغضّ النظر عن الإشكالات المبنائية الهامّة الواردة على هذا التوجّه الناشئ عن عدم معرفة ماهية السند ودوره في المستندات التاريخية ، إلاّ أنّ هذا التوجّه على كلّ حال ألقى بظلاله على الطبقة المثقّفة وعلى الجامعيّين من ذوي الاختصاص في العلوم الإنسانية ، وطبقاً لهذا التوجّه فإنّ العثور على المصادر المدوّنة لكتاب ما يمكنه أن يدفع بتاريخ تلك المقولة إلى أعوام وربّما قرون من تاريخها الواقعي ، ممّا يضفي تأكيداً على أصالة تلك المقولة.
وبناءً على هذا تمّ ترتيب هذا المقال على ثلاثة أقسام ، على النحو الآتي :

الفصل الأوّل : تاريخ حياة المؤلّف : وقد سعينا في هذا الفصل من خلال البحث في المصادر الحديثية والرجالية المتوفّرة إلى عرض المزيد عن سيرة النعماني وشيوخه وتلاميذه وغايته من تأليف كتاب الغيبة ، والتاريخ التقريبي لتأليفه.
الفصل الثاني : مصادر كتاب الغيبة : في هذا الفصل يتمّ التعريف بالمصادر المدوّنة التي استند إليها النعماني في كتابه ، وكذلك الروايات التي سمعها مشافهة من شيوخه ، كما أوردنا في هذا الفصل بحثاً مسهباً بشأن أسلوب العثور على مصادر الكتب الحديثة المسندة أيضاً.
الفصل الثالث : علاقة النعماني بأستاذه الكليني : وقد تمّ تدوين هذا الفصل لرفع بعض الإبهامات بشأن أحاديث باب الإمام الثاني عشر في كتاب الكافي.
جدير بالذكر أنّ جميع الإحالات الموجودة في غيبة النعماني كانت طبقاً لطبعة هذا الكتاب والتي حقّقها الأستاذ علي أكبر الغفّاري (مكتبة الصدوق ، طهران ، 1397هـ. ش) ، وقد طبع هذا الكتاب مؤخّراً بالمواصفات الآتية : (أنوار الهدى ، تحقيق : فارس حسّون كريم ، قمّ ، 1422هـ. ق) ، وقد كنت أرجو أن تشتمل هذه الطبعة على تصحيح الأخطاء السندية من خلال مقابلتها بالمخطوطة أو الرجوع إلى نسخة بحار الأنوار إلاّ أنّني لم أجد أثراً لهذه التصحيحات ، وبعد مراجعتي لمقدّمة التحقيق أدركت أنّه لم يتمّ الرجوع

إلى أيّ نسخة خطّية ، وهو أمر يدعو إلى العجب ، والذي يبدو أنّ الميزة الوحيدة لهذه الطبعة تكمن في تخريجات الأحاديث فقط ، على أمل أن يؤخذ تحقيق هذا النوع من التراث بجدّية أكبر.
على أمل أن يحظى هذا المقال برضى صاحب أمرنا ومحبوبنا الغائب عن أنظارنا ، فهو سرّ الخلق والوجود ، وبيمنه رزق الورى وثبتت الأرض.

الفصل الأوّل
تاريخ حياة النعماني رحمه‌الله
إنّ مؤلّف كتاب الغيبة هو أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الكاتب ، من كبار علماء القرن الهجري الرابع ، وقد وصفه النجاشي ، فقال :
«أبو عبد الله الكاتب ، النعماني ، المعروف بابن زينب(1) ، شيخ من أصحابنا ، عظيم القدر ، شريف المنزلة ، صحيح العقيدة ، كثير الحديث ، قدم بغداد وخرج إلى الشام ومات بها»(2).
ليس هناك من معلومات دقيقة حول تاريخ ومكان ولادته أو أسرته أو مراحل حياته الأولى ، وما أمكن لنا الحصول عليه من طيّات أسانيد كتاب الغيبة بشأن سيرته وحياته كالآتي :
1 ـ روى له أبو القاسم موسى بن محمّد القمّي عام (313هـ في شيراز حديث اللوح ـ الحديث المعروف الذي رواه جابر بن عبد الله الأنصاري ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي غيبة الطوسي (90 / 127) تمّ التعبير عنه بـ : «المعروف بابن أبي زينب النعماني الكاتب».
(2) رجال النجاشي 1043 / 383.

عن سعد بن عبد الله الأشعري(1).
2 ـ في عام (327هـ) كان النعماني متواجداً في بغداد ؛ لأنّه أخذ الحديث عن أبي علي محمّد بن همّام في شهر رمضان من تلك السنة في داره الواقعة في بغداد(2).
3 ـ وفي عام (333هـ) أخذ الحديث عن محمّد بن عبد الله بن معمر الطبراني في طبرية من نواحي الأردن(3)(4).
4 ـ في بداية أسناد عدد من الأحاديث في باب (ما روي من أنّ الأئمّة إثنا عشر من طريق العامّة) نشاهد اسم محمّد بن عثمان ، وقد روى في أكثر هذه الأسانيد عن ابن أبي خيثمة (أبو بكر بن أبي خيثمة = أحمد بن أبي خيثمة = أحمد) ، وفي بداية هذه المجموعة من الأسانيد ذكر الاسم الكامل لهذا الراوي على النحو الآتي : (محمّد بن عثمان بن علاّن الدهني البغدادي) وأشير إلى أنّ أخذ الرواية عنه كان في دمشق(5) دون أن يعيّن تأريخ الأخذ بالتحديد ، فمن هو هذا الراوي؟ من خلال التتبّع في كتب الرجال والتاريخ لم نعثر على شخص بهذا الاسم ، في حين رأينا في كتب التراجم والرجال عند
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني 5 / 62.
(2) المصدر نفسه 6 / 249.
(3) معجم البلدان ، 17 ، (أطلس تاريخ الإسلام ، العديد من الموارد) ، معجم ما استعجم 1 / 93.
(4) غيبة النعماني 1 / 39.
(5) المصدر نفسه 37 / 102.

العامّة شخصاً آخر ويبدو أنّه نفس هذا الراوي.
وقد ترجم مؤلّف تاريخ بغداد لـ : (عثمان بن محمّد بن علي بن أحمد ابن جعفر بن دينار بن عبد الله أبو الحسين المعروف بابن علاّن الذهبي) قائلاً : «عثمان بن محمّد بن علي بن أحمد بن جعفر بن دينار بن عبد الله ، أبو الحسين المعروف بابن علاّن الذهبي ، حدّث بالشام وبمصر» ، ثمّ نقل كلاماً عن المحدّث الذي روى الحديث في دمشق قائلاً : «حدّثنا أبو الحسين عثمان بن محمّد بن علاّن الذهبي البغدادي ، قدم علينا في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة» ، وفي نهاية الترجمة نقل عن بعض المحدّثين أنّه بغدادي ، حيث قال : «أبا الحسين ، بغدادي قدم مصر ... وخرج فتوفّي بدمشق ، قال ابن مسرور : توفّي بحلب. قال لي الصوري : توفّي سنة أربع وثلاثين وثلاثمئة بحلب»(1).
كما ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق قائلاً : «عثمان بن محمّد بن علي بن علاّن بن أحمد بن جعفر أبو الحسين الذهبي البغدادي» ، ثمّ قال : «عثمان بن محمّد بن علي بن علاّن بن أحمد بن جعفر أبو الحسين الذهبي البغدادي». وقال : «سكن مصر ، وحدّث بها وبدمشق». ثمّ ذكر مشايخه ويظهر من بينهم اسم (أبي بكر بن أبي خيثمة)(2).
وبعد المقارنة بين ما ذكره ابن عساكر وما ذكره الخطيب البغدادي ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ بغداد 11 / 301 ـ 302 / 6091.
(2) تاريخ مدينة دمشق 40 / 26 / 4635.

يبدو أنّ (عليّاً) و (علاّن) شخصية واحدة ، وأنّ (علاّن) هو الطريقة العامّية لتلفّظ اسم (عليّ)(1) ، وعليه فإنّ تكرار هذين الاسمين في سلسلة النسب قد يكون من السهو والغلط.
وعلى كلّ حال يبدو أنّ هذا الشخص هو أستاذ الشيخ النعماني ، وأنّه ألقى الحديث على النعماني في حدود تلك السنة (332هـ) في دمشق عندما كان فيها ، وربّما وقع خطأ أو تصحيف في ضبط اسمه في غيبة النعماني ، حيث حصل خلط بين اسمه واسم والده ، وإنّ لقبه (الذهبي) مثبت بالذال ـ المعجمة ـ والباء ـ الموحّدة ـ كما تمّ التصريح بذلك في كتب ضبط الأسماء والألقاب(2) ، وقد تمّ تصحيفه في غيبة النعماني بـ : (الدهني).
5 ـ جاء في بداية الغيبة أنّ أبا عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني قد قرأ هذا الكتاب في حلب على أبي الحسين محمّد بن علي البجلي الكاتب(3) ، وربّما كان هذا الراوي هو نفسه راوي النعماني المعروف محمّد ابن علي أبو الحسين الشجاعي الكاتب ، والذي جاء اسمه في هذا الموضع من بعض نسخ الكتاب الأخرى ، وقد ذكر أنّ رواية أبي عبد الله النعماني له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة ابن صلاح : 309 ، تدريب الراوي 2 / 789 ، تجريد أسانيد الكافي 11 ، وقارن ذلك مع أنساب السمعاني 4 / 264.
(2) توضيح المشتبه 4 / 49 ، الإكمال لابن ماكولا 3 / 396 ، تاريخ دمشق 40 / 27 نقلاً عن عبد الغني بن سعيد.
(3) غيبة النعماني : 18.

قد حصلت في ذي الحجّة من عام 342 للهجرة(1) ، وبذلك يبدو أنّ لقب (البجلي) تصحيف من (الشجاعي) ، وإنّ الشبه القريب بين هذين اللقبين في شكل كتابتهما أدّى إلى هذا التصحيف.
هذه بعض موارد روايات النعماني التي تمّ التصريح فيها بمكان أو زمان أخذ الحديث أو روايته. والجدير بالذكر هنا أنّ الكثير من مشايخ النعماني هم من مشايخ هارون بن موسى التلعكبري ـ كبير المحدّثين في بغداد ـ أيضاً ، وأنّ التلعكبري قد أخذ الرواية عنهم حوالي تلك السنة (327 للهجرة) وهي الفترة ذاتها التي أخذ فيها النعماني الحديث في بغداد عن أبي علي محمّد بن همّام ، وربّما يشير عدم التنويه إلى مكان أخذ التلعكبري الرواية عن هؤلاء الرواة أنّه قد حصل ذلك في بغداد ، ويظهر من بعض مشايخ النعماني أنّه حضر في بغداد أيضاً ، من هنا يبدو أنّ أكثر أخذ النعماني للحديث كان في بغداد ، وفيما يلي نستعرض بعض المعلومات بشأن مشايخ النعماني والتي يمكن أن تساعدنا في إثبات هذا الاحتمال.
فمن المشايخ الذين أخذ النعماني عنهم الرواية في بغداد ـ غير أبي علي محمّد بن همّام ـ فهم :
1 ـ أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفي المعروف بـ : (ابن عقدة) (332 للهجرة)(2) ، فقد روى عنه النعماني الكثير من الأحاديث ، وقد سافر ابن عقدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه ، الهامش رقم : 2.
(2) تاريخ بغداد ، 5 / 22 ، رجال الطوسي ، 409 / 5949 = 30 ، قارن ذلك مع

إلى بغداد ثلاث مرّات(1) ، وفي سفرته الثالثة إلى بغداد والتي كانت في عام (330 للهجرة) حصل على كرسي إملاء الحديث في مسجد الرصافة ومسجد براثا(2) ، ويبدو أنّ النعماني قد أخذ عنه الحديث في هذه الفترة أي في عام (330 للهجرة) بالتحديد.
2 ـ أحمد بن نصر بن هوذة أبو سلمان الباهلي (المتوفّى في شهر ذي الحجّة من سنة 333 في جسر النهروان) ، أخذ التلعكبري عنه الحديث عام (331 للهجرة) وحصل منه على إجازة في الرواية(3).
3 ـ سلامة بن محمّد ، وأكثر أحاديثه في غيبة النعماني عن أحمد بن علي بن داود القمّي(4).
ذكر الشيخ الطوسي بشأن سلامة بن محمّد بن إسماعيل الأرزني أنّه : «نزيل بغداد ، أخذ التلعكبري عنه الحديث سنة (328 للهجرة) ، وحصل منه على إجازة في الرواية»(5) ، وهو خال أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهرست الطوسي (تحقيق : السيّد عبد العزيز الطباطبائي) : 70 / 86 ، رجال النجاشي ، 95 / 233 حيث أرجع تاريخ وفاته لعام (333 للهجرة) ، ويبدو أنّه غير صحيح.
(1) تاريخ بغداد 5 / 18 ، نقلاً عن ابن الجعابي تلميذ ابن عقدة.
(2) تاريخ بغداد 5 / 15 ، (وكذلك : ص 22 ، السطر 16) ، أمالي الطوسي 269 / 501 المجلس 10 ، ج 39.
(3) رجال الطوسي 409 / 5950 = 21.
(4) غيبة النعماني 18 / 134 ، 6 / 149 ، 6 / 286 ، وكذا راجع ما سيأتي في هذه المقالة.
(5) رجال الطوسي 427 / 6139 = 4.

طبقاً لرواية النجاشي فإنّ (أحمد بن داود) قد تزوّج من أخت (سلامة ابن محمّد) ، وقد رزق منها (بأبي الحسن محمّد بن أحمد) ، وإنّ (سلامة بن محمّد) عمد بعد وفاة (أحمد بن داود) إلى اصطحاب ولده (أبو الحسن محمّد) إلى بغداد ، وأقام فيها ردحاً من الزمن ، ثمّ سافر إلى الشام ليعود بعدها أدراجه إلى بغداد ثانية ، ليفارق الدنيا هناك عام (339 للهجرة)(1).
نحتمل قويّاً أنّ النعماني قد أخذ الحديث والرواية عن سلامة بن محمّد في بغداد ـ وليس في الشام ـ وكان ذلك في حوالي تلك السنة ـ عام (327 للهجرة) ـ التي أخذ فيها التلعكبري الرواية عن سلامة أيضاً.
4 و 5 ـ أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الله بن يونس الموصلي الأكبر ، وأخوه أبو القاسم عبد الواحد ، فقد سمع التلعكبري الحديث من كلا هذين الأخوين عام (326 للهجرة) ، وحصل على إجازة في الرواية من أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الله (2).
6 ـ محمّد بن يعقوب الكليني ، فقد روى عنه النعماني الكثير من الأحاديث ، وفي عام (327 للهجرة) سمع عدد من رواة الكافي الحديث عن الكليني في بغداد (باب الكوفة)(3) ، وقد توفّي الكليني في هذه المدينة عام (328 أو 329 للهجرة) ، ودفن في مقبرة (باب الكوفة)(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، 192 / 514.
(2) رجال الطوسي ، 431 / 6183 و6184 = 26 و 27.
(3) مشيخة التهذيب 10 / 29 ، ومشيخة الاستبصار 4 / 310.
(4) فهرست الطوسي 395 / 603 ، رجال الطوسي 439 / 6277 ، رجال النجاشي 377 / 1026 ، الإكمال لابن ماكولا 7 / 144.

يجب أن تعود رواية النعماني عن الكليني إلى حوالي عام (327 للهجرة) في بغداد ، وطبقاً لرواية ابن عساكر فإنّ الكليني قد سافر إلى دمشق ، وأنّه روى الحديث عن بعض مشايخه في بعلبك(1) ، ولكن يبدو أنّ سفر النعماني إلى الشام قد جاء بعد وفاة الكليني ، لذلك لا يمكن اعتبار رواية النعماني عن الكليني ذات صلة بهذه الرحلة.
ومن بين مشايخ النعماني ـ الذي تشير بعض الشواهد إلى حضورهم وتواجدهم في بغداد ـ أحمد بن محمّد بن عمّار الكوفي الذي روى عنه التلعكبري(2).
ومحمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري حيث ذكر النجاشي في ترجمته في رجاله أنّه قال : «كان السبب في تصنيفي هذه الكتب أنّي تفقّدت فهرست كتب المساحة التي صنّفها أحمد بن أبي عبدالله البرقي ونسختها ورويتها عمّن رواها عنه وسقطت هذه السنة الكتب عنّي فلم أجد لها نسخة فسألت أخواننا بقم وبغداد والريّ فلم أجدها عند أحد منهم»(3).
ومن بين مشايخ النعماني : علي بن أحمد البندنيجي ، وبندنيج مدينة قريبة من بغداد(4) ، وربما كان هو علي بن أحمد بن نصر البندنيجي ، الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ دمشق 56 / 297.
(2) فهرست الطوسي 71 / 88 ، وكذلك ما سوف يأتي في بقية المقال.
(3) رجال النجاشي 355 / 949.
(4) أنساب السمعاني 1 / 402.

قال ابن الغضائري : «إنّه يسكن في الرملة من فلسطين»(1). ولذلك يبدو أنّ النعماني قد أخذ عنه الحديث في بغداد أو بلاد الشام.
ومن بين مشايخ النعماني : محمّد بن الحسن بن محمّد بن جمهور العمّي ـ ولم يذكر اسمه إلا مقروناً باسم محمّد بن همّام ـ وكما يقول القاضي محسن بن علي التنوخي ـ صاحب كتاب نشوار المحاضرة ـ : «فإنّه كان من شيوخ أهل الأدب في البصرة ، وإنّه لازم والد القاضي التنوخي طويلاً»(2) ، وإنّ القاضي محسن التنوخي ـ الذي ترعرع في البصرة(3) ـ قد درس عنده الخطّ والإنشاء ، ولازمه مدّة طويلة»(4). ولا نعرف بدقّة ما إذا كان النعماني قد روى الحديث عن محمّد بن الحسن بن محمّد بن جمهور في البصرة ، أم أنّه روى عنه الحديث في بغداد كما هو الشأن في محمّد بن همّام.
وعليه فمن خلال التدقيق فيما تقدّم يمكن لنا أن نحصل على صورة قريبة من الواقع عن حياة النعماني ، فهو وإن لم يكن من أهل بغداد ولكنّه أقام فيها منذ حوالي عام (327 للهجرة) ، وأنّه أخذ الرواية عن مشايخ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه 3 / 91 ، وأيضاً : مجمع الرجال 4 / 165 ، خلاصة العلاّمة الحلّي 235 / 27 ، رجال ابن داود 481 / 320 ، رجال ابن الغضائري (إعداد السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي) 3 / 82. جدير بالذكر أنّنا نجد تصحيفاً في لقبه في بعض الموارد المتقدّمة.
(2) نشوار المحاضرة 4 / 109 نقلاً عن معجم الأدباء 6 / 498 ، وراجع أيضاً : كتاب نشوار المحاضرة 3 / 165 و 258.
(3) نشوار المحاضرة ، مقدّمة المصحّح ، ص 19 و 20.
(4) المصدر السابق 4 / 109.

الحديث في بغداد ، وفي حوالي العام (334 و 333 للهجرة) سافر إلى الشام ، وكان في حلب عام (342هـ) ، وروى هناك كتابه لتلاميذه ، ويحتمل أنّه قد ألّفه هناك ، وكانت وفاته في بلاد الشام أيضاً.
جدير بالذكر أنّ عدداً من كبار علماء الشيعة قد هاجروا إلى بغداد قبيل عام (330 للهجرة) ، فكانت هجرة محمّد بن يعقوب الكليني وأبو عبد الله النعماني في عام (327 للهجرة) ، ويحتمل قويّاً أن تكون هجرة سلامة بن محمّد الأرزني برفقة ابن أخته أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي إلى بغداد قد حدثت في تلك السنوات ، وقد سافر كلّ من سلامة بن محمّد ومحمّد بن يعقوب الكليني وأبي عبد الله النعماني إلى بلاد الشام ، ويغلب على الظنّ أنّ سفر سلامة بن محمّد إلى الشام قد تزامن مع سفر أبي عبد الله النعماني في سنة (333 للهجرة) تقريباً ، فهل كان سبب هذه الأسفار المتشابهة والمتزامنة يعود إلى دافع واحد؟ وهل يمكن لنا أن نعزو ذلك إلى حضور الأسرة الشيعية الحاكمة من آل حمدان ـ وخاصّة سيف الدولة الأمير المحبّ للعلم والأدب ، والذي كان يجلّ العلماء كثيراً ويدنيهم منه ـ واعتباره مؤثّراً في هذه الأسفار(1) ، هذا وقد ذهب ابن الجعابي ـ المحدّث الشيعي الشهير في بغداد ـ إلى سيف الدولة الحمداني فقرّبه منه وأدناه وجعله من خاصّته (2) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ، هامش مدخل آل حمدان 1 / 692 ، نقلاً عن الثعالبي ، يتيمة الدهر 1 / 11 ، وغيرهما.
(2) فهرست الطوسي 325 / 506.

وفي تلك السنة ـ بالتحديد (333 للهجرة) ـ استولى سيف الدولة على حلب ، وكانت سيطرته الكاملة عليها في بداية سنة (334 للهجرة)(1).
علماً بأنّ لقب (الكاتب) الذي يحمله النعماني يمكن أن يكون ناظراً إلى نوع من الصلة بينه وبين أصحاب المناصب ، ولكنّنا لا نعرف شخصاً بعينه كان النعماني كاتباً له.
تاريخ تأليف كتاب الغيبة :
ليس بأيدينا تاريخ دقيق لتأليف كتاب الغيبة للنعماني ، وقد ذكر مصحّح هذا الكتاب أنّ تاريخ تأليفه يعود إلى شهر ذي الحجّة من عام (342 للهجرة) معتمداً في ذلك على عبارة مدوّنة على غلاف إحدى المخطوطات لهذا الكتاب(2) ، بيد أنّ هذا الرأي لا يستند إلى دليل صحيح ؛ لأنّ هذا التاريخ إنّما يعبّر عن تاريخ رواية الكتاب من قبل المؤلّف إلى تلميذه أبي الحسين الشجاعي ، وبناءً على القاعدة(3) فإنّ تأليف الكتاب يعود إلى ما قبل هذا التاريخ ، ولتحديد تاريخ تأليف هذا الكتاب يمكن الاستناد إلى تاريخ أخذ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ، مدخل آل حمدان 1 / 690.
(2) غيبة النعماني ، مقدّمة المصحّح ، ص 2.
(3) إنّما تمّ التعبير بـ : (بناءً على القاعدة) ؛ لأنّ الغالب هو رواية الأستاذ لكتابه إلى تلاميذه بعد تأليفه ، ولكن يحدث أحياناً أن يبادر المؤلّف إلى تدوين كتابه من خلال إملاء مضامينه على تلاميذه ، كما حدث ذلك بالنسبة إلى الكثير من مؤلّفات الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى ، من قبيل : عدّة الأصول ، والخلاف ، واختيار الرجال ، والذريعة.

المؤلّف للرواية عن محمّد بن عبد الله الطبراني سنة (333 للهجرة) ، ولذلك لا يمكن الرجوع بتاريخ تأليف هذا الكتاب إلى ما قبل عام (335 للهجرة)(1).
أمّا الطريق الأكثر دقّةً والأفضل لتحديد تاريخ تأليف الكتاب فهو من خلال العبارات الواردة فيه بشأن عمر الإمام المنتظر أثناء تأليف الكتاب ، حيث قال : «وله الآن نيّف وثمانون سنة»(2) ، وحيث إنّ كلمة النيّف غير محدّدة فلا يمكن تحديد عمر الإمام فوق الثمانين بدقّة ، ولكن يمكن لنا أن نستفيد من هذه العبارة أنّ الإمام كان له من العمر أثناء تأليف الكتاب واحد وثمانون سنة كحدٍّ أدنى(3) ، وبالإلتفات إلى القول الصحيح(4) الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لو كان الكتاب قد ألّف في سنة (333 للهجرة) لكان من الأنسب أن يقول : في هذه السنة ، بدلاً من الاكتفاء بذكر التاريخ ، وإذا كان قد ألّفه عام (334 للهجرة) لكانت عبارة (في السنة المنصرمة) أنسب.
(2) غيبة النعماني : 152.
(3) قال ابن منظور الأفريقي في لسان العرب : (ناف الشي نوفاً : ارتفع وأشرف). وهناك رأيان في تفسير معنى النيّف ، الأوّل : ما نقله ابن منظور عن أبي العبّاس قوله : الذي حصّلناه من أقاويل حُذّاق البصريّين والكوفيّين أنّ النيّف من واحدة إلى ثلاث. وأمّا الرأي الآخر ، فيصل بالنيّف إلى تسعة. وعليه فإن كان النعماني يذهب في تعبيره مذهب الحذّاق من البصريّين والكوفيّين ـ على ما نقله أبو العبّاس عنهم ـ تردّد تاريخ تأليف الكتاب بين عامي (336 و 339 للهجرة) ، ولكن حيث لا يمكن لنا التأكّد من مذهب النعماني بهذا الشأن لا يمكن لنا الجزم بذلك بضرس قاطع. جدير بالذكر أنّ كلمة (نيّف) قد تكرّرت من النعماني في موضع آخر بيّن فيه عدد الخاصّة من أصحاب الإمام المهدي بعدد أصحاب بدر (الثلاثمئة ونيّف) ، ولكن حيث ورد النيّف هنا بعد الثلاثمئة ، فلا يمكن لنا أن نستند إليه في بحثنا هذا.
(4) وهناك أقوال أخرى في بيان تاريخ ولادة الإمام المهديّ المنتظر ، ولكنّها

يحدّد سنة ولادة الإمام بـ : (255 للهجرة)(1) أو (256 للهجرة)(2) فإنّ تاريخ تأليف الكتاب لا يمكن أن يتقدّم على سنة (336 للهجرة)(3) ؛ وبذلك يتراوح تاريخ تأليف هذا الكتاب يتردّد بين عام (336 و 342 للهجرة) ، وبذلك يكون تأليف الكتاب بعد سفر النعماني إلى الشام ، ويحتمل أن يكون قد كتبه في حلب ، حيث قرأه النعماني على تلميذه أبي الحسن الشجاعي ، كما يتّضح من مقدّمة الكتاب أنّه قد ألّفه عندما كان بعيداً عن وطنه ، وذلك حيث يصرّح في بيان جمع مادّة الكتاب قائلاً : «بحسب ما حضر في الوقت ؛ إذ لم يحضرني جمع ما رويته في ذلك لبعده عنّي ، وإنّ حفظي(4) لم يشتمل عليه ، والذي رواه الناس من ذلك أكثر وأعظم ممّا رويته ، ويصغر ويقلّ عنه ما عندي» ، فلربّما أنّ النعماني لم يستطع أن يأخذ جميع كتبه ومدوّناته الحديثيّة في سفره إلى الشام ، وبالرغم من ذلك نرى في كتابه هذا الحجم من الروايات والمصادر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ساقطة عن الاعتبار ، الفصول المختارة : 318 ، الصراط المستقيم 2 / 233 ، دلائل الإمامة : 501 ، غيبة الطوسي : 242 / 208 ، كشف الغمّة :3 / 234 ، وغيرها.
(1) الكافي 1 / 514 ، الفصل الأوّل من كمال الدين 430 / 4 ، 432 / 9 و 12 ، الإرشاد 2 / 339 ، غيبة الطوسي 234 / 204 ، 238 / 206.
(2) الكافي ، 1 / 329 / 5 ، 514 / 1 ، فرق الشيعة ، غيبة الطوسي ، 231 / 198 ، 245 / 212 ، 259 / 226 ، 272 / 237 ، 393 / 362.
(3) من المفيد أن نعلم أنّ الكليني ـ وهو من أهمّ أساتذة النعماني ـ لم يذكر إلاّ عامين لولادة الإمام المهدي ، وهما (255 و 256 للهجرة) ، وعليه يجب أن لا يعدو رأي النعماني رأيه.
(4) هل تعني كلمة (حفظي) هنا هو الحفظ بمعنى الجمع أو الحفظ عن ظهر قلب؟ كلا الأمرين محتمل.

مشايخ النعماني :
قبل الدخول في صلب الموضوع تجدر بنا الإشارة إلى أنّ المراد من المشايخ في هذا البحث أو غيره ـ من البحوث الروائية والرجالية ـ هو المعنى الواسع الذي يشمل حتّى الأشخاص الذين روى عنهم النعماني ولو رواية واحدة ، كما يشمل المشايخ الذين روى عنهم الراوي من أحد الطرق المعتبرة أيضاً وإن لم يحصل لقاء مباشر بينه وبينهم ، وإنّما روى عنهم بإذنهم وإجازتهم.
لقد ذكروا لمشايخ النعماني فهرسين ، الفهرس الأوّل : ذكره المحدّث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل(1) ، والفهرس الثاني : ذكره المصحّح الدؤوب الذابّ عن أهل البيت عليهم‌السلام الأستاذ الغفّاري في مقدّمة النسخة المطبوعة لكتاب الغيبة(2).
ففي الفهرس الثاني أضيف اسم محمّد بن عثمان بن علاّن الدهني البغدادي(3) ، وإنّ إضافة هذا الاسم لابدّ منها ، ولكن سبق أن ذكرنا أنّ هناك تحريفين في هذا الاسم الأوّل : في قلب الاسم والتقديم والتأخير فيه ، والثاني : في تصحيف الاسم ، فإنّ اسمه الصحيح هو : عثمان بن محمّد بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خاتمة مستدرك الوسائل ، ج 21 ( = ج 3 الخاتمة) ، ص 267 ـ 270 ]وكذلك 448 و 449 [نقلاً عن رياض العلماء. وبطبيعة الحال هناك تأمّل من قبل المؤلّف في اعتبار كون بعض هؤلاء الأفراد من المشايخ ، من قبيل (التلعكبري).
(2) غيبة النعماني (المقدّمة) ص 14 و 15.
(3) المصدر أعلاه ، ص 14 و 15.

علاّن الذهبي ـ بالذال والباء ـ البغدادي(1).
وفي خاتمة المستدرك نطالع عدداً من الأسماء الجديدة في فهرس مشايخ النعماني إلاّ أنّنا لم نجد رواية للنعماني عنهم في موضع آخر ، حيث يبدو أنّ ذلك قد نشأ عن الخطأ في النسخة التي وصلت بيد المحدّث النوري.
فهرس مشايخ النعماني في خاتمة المستدرك :
هناك أسماء جديدة في هذا الفهرس في عداد مشايخ النعماني ممن لم نرَ لهم أثراً في غير هذا الفهرس وهم عبارة عن :
1 ـ عليّ بن عبد الله «عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم»(2).
ولم يُرَ مثل هذا الاسم في أسانيد النعماني ، ويبدو أنّ ذلك قد نشأ عن التحريف الشائع في سند الغيبة : عليّ بن أحمد عن عبيد الله بن موسى عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء في أحد أسانيد غيبة الطوسي ـ ص 90/127 ـ لقب هذا الراوي نقلاً عن النعماني بشكله الصحيح (الذهبي). جدير بالذكر أنّ سماحة الأستاذ عليّ أكبر مهدي بور قد قابل نسخته من غيبة النعماني بعدد من النسخ المخطوطة ، ومن بينها النسخة المحفوظة في (آستان قدس رضوي) مكتبة العتبة الرضوية المقدّسة (بتاريخ : 577 ، رقم : 1754) ، والنسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، وهي لا تختلف في الغالب عن النسخة المتقدّمة ، وقد تكرّم علينا بنسخته ، ونحن في هذا المقال نشير إلى هاتين النسختين بعلامة النسخة الرضوية والمرعشية ، وقد ذكرت هاتان النسختان لقب الراوي في سند غيبة النعماني ـ ص 31/102 ـ بشكله الصحيح أي (الذهبي).
(2) خاتمة المستدرك ، ج 21 ، ص 268 ، رقم : 9 ، (ط).

عليّ بن إبراهيم بن هاشم(1) ، حيث سقط (أحمد عن) و (بن موسى) من هذا السند فبقي الاسم كما هو مدوّن أعلاه.
2 ـ الشيخ الجليل هارون بن موسى التلعكبري(2).
لم نعثر على رواية للنعماني عنه في أيّ مصدر ؛ ولذلك لم نعرف السبب في وضع هذا الاسم في فهرس مشايخ النعماني ، ولكن يمكن لنا أن نذكر احتمالين في هذا المجال :
الاحتمال الأوّل : هو ما جاء في غيبة النعماني في ذكر طرق المؤلّف إلى كتاب سليم بن قيس ـ بعد ذكر الطرق إليه ـ حيث أضاف هذا الطريق عند ما قال : «وأخبرنا من غير هذه الطرق هارون بن محمّد قال : حدّثني أحمد بن عبد الله (عبد الله خ. ل) بن جعفر بن المعلّى الهمداني ...»(3).
إنّ هارون بن محمّد ـ الواقع في هذا السند ـ شيخ جديد للنعماني لم يرد ذكره في فهرس مقدّمة طبعة الغيبة ـ والذي سوف نلقي الضوء عليه فيما بعد ـ ، وربّما قرأوا هذا الاسم باسم هارون بن موسى ، أو أنّه قد تمّ تحريفه في بعض النسخ على هذه الصيغة وقد وقعت هذه النسخة المحرّفة بيد المحدّث النوري ، أو أنّهم قرأوا الاسم بصيغة (هارون أبو محمّد) أو تمّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 5/54 ؛ وكذلك رقم : 7 ، ص 12/115 ، ص 4/163 ، ص 12/199 ، ص 7/251 ، وفي هذه الموارد قد أضيف (البندنيجي) و (عن موسى العلوي) بعد أحمد ، أو أضيف أحدهما دون الآخر.
(2) خاتمة المستدرك ، ج 21 ، ص 268 ، رقم : 12 ، (يب).
(3) غيبة النعماني ص 68.

تحريفه إلى هذه الصيغة ، فاعتبر شيخ التلعكبري.
الاحتمال الثاني : نطالع في النسخة المطبوعة لـكفاية الأثر سنداً بهذه الصيغة : «هارون بن موسى قال : حدّثنا محمّد بن إبراهيم النحوي ...» ، فربّما تمّ تحريف (النحوي)(1) في بعض نسخ الكتاب بـ : (النعماني) ، ثمّ وقع الخلط بين الراوي عن النعماني وشيخه فأصبح هارون بن موسى التلعكبري في عداد مشايخ النعماني.
والاحتمال الأوّل يبدو هو الأقوى.
3 ـ محمّد بن أحمد بن يعقوب (عن أبي عبد الله الحسين بن محمّد)(2).
إنّ من بين من ذكرهم المحدّث النوري بوصفهم من مشايخ النعماني : أبو عليّ أحمد بن محمّد بن أحمد بن يعقوب بن عمّار الكوفي(3) ، ثمّ عمد إلى ذكر العنوان المقصود في البحث فقال : «والظاهر أنّه والد الشيخ المتقدّم ، وأنّهم من أحفاد إسحاق بن عمّار الصيرفي الكوفي ، وقد تقدّم أنّه [محمّد بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأثر ، ص 177 ، علماً بأنّه قد ورد هذا الاسم في النسخة المخطوطة لكفاية الأثر وكذلك في رواية بحار الأنوار ـ ج 36 ، ص 211/345 ـ عن هذا الكتاب على الشكل الآتي : محمّد بن إسماعيل النحوي ، ومن هنا رأينا ترجيح الاحتمال الأوّل على الاحتمال الثاني.
(2) خاتمة المستدرك ، ج 21 ، ص 270 ، الرقم : 17 ، (يز).
(3) المصدر أعلاه ، ح 21 ، ص 269 ، الرقم : 16 ، (يو).

أحمد بن يعقوب] من مشايخ جعفر بن قولويه»(1).
غير أنّنا لم نعثر في أسانيد النعماني على اسم محمّد بن أحمد بن يعقوب ، بل الذي هو من مشايخ النعماني : أحمد بن محمّد بن أحمد بن يعقوب ، وهناك روايتان متتاليتان في كتاب غيبة النعماني بهذا الإسناد :
1 ـ «حدّثنا أبو عليّ أحمد بن محمّد [بن أحمد](2) بن يعقوب بن عمّار الكوفي ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثنا القاسم بن هشام اللؤلؤي ...».
2 ـ «أخبرنا أحمد بن محمّد بن يعقوب ، قال : حدّثنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قراءة عليه ...»(3).
يبدو من بعض نسخ الكتاب وقوع تحريف في السند الثاني ، فحصل خلط بين اسم الأب وابنه الذي هو شيخ النعماني ، ومع حدوث هذا الخلط أصبح محمّد بن أحمد بن يعقوب من مشايخ النعماني ، وعليه يكون أحمد ابن محمّد بن أحمد بن يعقوب هو وحده من مشايخ النعماني ، والعجيب أنّ مصحّحي الطبعة الجديدة لخاتمة المستدرك لم يشيروا إلى هذه النقطة ، في حين أنّهم أشاروا في الهامش إلى الإحالة إلى كتاب غيبة النعماني.
ومن المفيد أن نذكر أنّ المحدّث النوري رحمه‌الله ، يذكر ثلاث رواة في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خاتمة مستدرك الوسائل ، ج 21 ، ص 270 ، رقم (16) يز.
(2) الإضافة من النسخة الرضوية والمرعشية ، ويبدو أنّ المحدّث النوري قد اعتمد على مثل هذه النسخة.
(3) غيبة النعماني ، ص 21/90 ، ص 22/91.

مشيخة جعفر بن قولويه ، وهم : (محمّد بن أحمد بن عليّ بن يعقوب)(1) ، و (أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن عمّار)(2) ، و (أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن يعقوب)(3) ، واحتمل أن تكون هذه الأسماء الثلاثة لشخص واحد(4). وبالرجوع إلى كامل الزيارات يتّضح أنّ الروايات التي رواها ابن قولويه عن العناوين الثلاثة المتقدّمة بأجمعها عن عليّ بن الحسن [بن عليّ] بن فضّال.
وفي رجال النجاشي نشاهد أيضاً رواية العنوان الثاني ـ من دون ذكر كنية أبي عبد الله ـ عن عليّ بن الحسن بن فضّال(5) ، من هنا يمكن اعتبار هذه الأسماء الثلاثة لشخص واحد.
وقيل في هامش إحدى طبعات كامل الزيارات : يبدو أنّ الاسم الصحيح في هذا السند ، (عليّ بن محمّد بن يعقوب [الكسائي الكوفي]) الذي هو من مشايخ ابن قولويه (6).
وكأنّ سبب هذا الاستظهار يعود إلى رواية عليّ بن محمّد بن يعقوب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات ، ب 8/9.
(2) المصدر أعلاه ، ب 10/72.
(3) المصدر أعلاه ، ب 3/95 بدون كنية أبي عبد الله ، في باب 5/76.
(4) خاتمة المستدرك ، ج 21 ، ص 256.
(5) رجال النجاشي ص 378/146.
(6) كامل الزيارات ، ب 5/76 (هامش طبعة نشر صدوق ، تحقيق : بهراد جعفري ، تحت إشراف : الأستاذ الغفّاري) ، وكذلك ب 3/95 وقارن الهامش ، ح 8 ، من الباب 9.

ومحمّد بن أحمد بن يعقوب عن عليّ بن الحسن بن فضّال(1) ، إلاّ أنّ هذا الدليل غير كاف ، فليس هناك ما يبرّر اعتبار اسم هذا الراوي ـ الذي ورد في أربعة مواضع من كامل الزيارات على صيغة محمّد بن أحمد ـ أنّه قد تمّ تحريفه إلى عليّ بن محمّد.
ويبدو أيضاً أنّ هذين الراويين كانا من أسرة واحدة ؛ إذ أنّ النسب الكامل لعليّ بن محمّد بن يعقوب ـ على ما ذكره الشيخ الطوسي في رجاله ـ هو : عليّ بن محمّد بن يعقوب بن إسحاق بن عمّار الصيرفي الكوفي العجلي(2) ، وبذلك تلتقي سلسلة نسب هذين الراويين عند يعقوب ممّا يثبت أنّهما كانا أولاد عمّ(3).
يبدو أنّ أبا عليّ أحمد بن محمّد ـ الراوي الذي نحن بصدد الحديث عنه ، والذي يروي عنه النعماني في السندين السابقين ـ هو نجل أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن يعقوب.
والجدير بالذكر أنّ هناك قرائن عدّة تثبت أنّ شيخ النعماني هو : أحمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات ، ب 3/81 ، وكذلك التهذيب ج 4 ، ص 456/162 ، ص 459/163 و 361 ؛ الاختصاص ، ص 51 و84 ؛ رجال النجاشي ، ص 243/98 ؛ فلاح السائل ، ص168 و 289 ، وكذلك كتاب العلل ، ج 2 ، ص 7/522. ويبدو أنّ عليّ بن الحسين قد صحّف فيه بـ : (عليّ بن الحسن).
(2) رجال الشيخ الطوسي ، ص 6182/431 = 25.
(3) وفي مورد من الموارد جاء في نسب أبي عبد الله محمّد اسم عليّ قبل يعقوب (كامل الزيارات ، ب 8/9) ، وبما أنّه قد جاء فقط في هذا المورد فلا يمكن إدخال هذا الاسم في سلسلة نسبه.

ابن محمّد بن عمّار الكوفي الذي ترجمت له الكتب الرجالية(1) ، وإنّ تشابه بعض أسانيد هذا الراوي بسندين لأستاذ النعماني(2) ، وكذلك روايتهما عن أبيهما(3) ، ووصف (العجلي) في بعض الأسانيد بعد اسم أحمد بن محمّد بن عمّار(4) مع الالتفات إلى وصف عليّ بن محمّد بن يعقوب بهذا الوصف أيضاً من القرائن الدالّة على اتّحاد هذين الاسمين في شخص واحد ، ونتيجة بحثنا الطويل هذا هو أنّ النعماني قد أخذ الحديث عن أبي عليّ أحمد بن محمّد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، ص 236/95 ؛ فهرس الشيخ الطوسي ، ص 88/70 ؛ رجال الشيخ الطوسي ، ص 6017/416 = 97.
(2) في رجال النجاشي ـ ص 868/316 ـ يروي أحمد بن محمّد بن عمّار عن أبيه (نوادر القاسم بن هشام اللؤلؤي) ، وهذا الطريق شبيه بالطريق الموجود في غيبة النعماني ـ ص 21/90 ـ لذلك رأى مصحّح طبعة كتاب النعماني هذين الاسمين لشخص واحد. والطريق الآتي في رجال النجاشي ـ ص 957/357 ـ شبيه بهذا الطريق : «أحمد بن محمّد بن عمّار قال : حدّثنا القاسم بن هشام اللؤلؤي وعليّ بن الحسن بن فضّال». وفي سند غيبة النعماني ـ ص 22/91 ـ يبدو أنّ المراد من أبي عبد الله الحسين بن محمّد هو الحسين بن محمّد بن الفرزدق المعروف بالقطعي (وتوجد ترجمته في رجال النجاشي ـ ص 160/67 ـ وفي رجال الشيخ الطوسي ـ ص 6091/422 = 26 ـ. كما يروي أحمد بن محمّد بن عمّار ـ كما في كتاب كمال الدين وتمام النعمة ، ج 1 ، ص 37 ـ عن الحسن بن محمّد القطعي أيضاً ، ويبدو أنّ الحسن قد جاء تصحيفاً للحسين. وراجع أيضاً : العيون ، ج 1 ، ص 3/97 ؛ وبحار الأنوار ، ج 48 ، ص 27/225.
(3) رواية أبي عليّ أحمد بن محمّد بن عمّار الكوفي عن أبيه عن عليّ بن الحسن بن فضّال في التهذيب ـ ج 6 ، ص 52/24 ـ وشبيه به ما في الإقبال ـ ص 468 ـ وكذلك في قصص الأنبياء للراوندي ـ ص 63/80 ـ جاءت رواية أحمد بن محمّد بن عمّار عن أبيه.
(4) خصائص الأئمّة ، ص 72.

ابن أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن عمّار (م. 346 هـ) ، ويبدو أنّ رواية النعماني عنه هي من نوع رواية المعاصر عن المعاصر.
مشايخ النعماني الآخرون :
كما عثرنا على مشايخ للنعماني غير أولئك الذين ذكروا في مقدّمة كتاب غيبة النعماني ، فهناك شيخان منهم ذكرا في كتاب الغيبة ، ولكن جاء ذكرهما في طيّات توضيحات المؤلّف أو بعد ذكر طريق آخر من طرق الاسناد ، فسقط اسماهما ، وهما :
1 ـ هارون بن محمّد(1) ، «عن أحمد بن عبيد الله ـ عبد الله خ. ل ـ بن جعفر بن المعلّى الهمداني»(2) ، في الطريق إلى كتاب سُليم بن قيس.
ويبدو أنّ المراد من هارون بن محمّد هو هارون بن محمّد الضبّي أبو جعفر ، وقد أضاف الخطيب البغدادي في كتابه بعد ذكر هذا الاسم : «والد القاضي أبي عبد الله الحسين بن هارون(3) ، وهو من أهل عمان ، سكن بغداد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 68.
(2) في الاستبصار ـ ص 10 ـ نقلاً عن النعماني روى عن هذا الراوي ـ أحمد ـ رواية عن كتاب سليم بن قيس سقط من سندها هارون بن محمّد. ولذلك لم يعتبر شيخاً للنعماني.
(3) وردت ترجمته في تاريخ بغداد ـ ج 8 ، ص 146 ـ باسم الحسين بن هارون بن محمّد أبو عبد الله الضبّي (320 ـ 398) وقد عدّد سلسلة نسبه إلى ضبّة بن أدّ. وعليه يكون ما جاء في سند اليقين ـ ص 168 ـ من التعبير بالصيني في قوله (القاضي أبو عبد الله الحسين بن هارون بن محمّد الصيني) تصحيفاً عن الضبّي.

وحدّث بها ... ورحل إلى مدينة السلام [بغداد] سنة خمس وثلاثمئة ... إلى أن توفّي في سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة»(1).
ويحتمل قويّاً أن يكون النعماني قد أخذ عنه الحديث في بغداد ، فيجب إضافة اسمه إلى مشايخ النعماني الذين أخذ عنهم الحديث في بغداد وسبق أن تمّ ذكرهم.
2 ـ عبد الحليم بن الحسين السمري :
أشار النعماني إلى أنّ السفر الأوّل من التوراة قد اشتمل على ذكر اثني عشر عظيماً من ولد إسماعيل اختارهم الله للإمامة وأضاف قائلاً : «أقرأني عبد الحليم بن الحسين السمري رحمه‌الله ما أملاه عليه رجل من اليهود بأرجان يقال له : الحسين (حسن. خ. ل) بن سليمان من علماء اليهود بها من أسماء الأئمّة عليهم‌السلام بالعبرانية وعدّتهم»(2) ، ثمّ أضاف قائلاً : «وقرء هذا الكلام والتفسير على موسى بن عمران ابن زكريّا اليهودي ، فصحّحه ، وقال فيه إسحاق بن إبراهيم ابن بختويه اليهودي الفسوي مثل ذلك ، وقال سليمان بن داود النوبنجاني مثل ذلك»(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ بغداد ، ج 14 ، ص 33.
(2) جاء في تعبير النعماني لفظ (أقرأني) ، بمعنى أنّ عبد الحليم بن الحسين السمري قد أعطى النعماني نصّاً ، وأنّ النعماني قام بقراءة ذلك النصّ عليه ، فيكون أخذه عنه قراءة.
(3) غيبة النعماني ، ص 108 ـ 109 ، وهناك اختلاف في نسخ الكتاب بشأن بعض هذه الأسماء ، ولكنّنا أحجمنا عن ذكرها.

ويبدو أنّ أسماء هؤلاء اليهود كان نقلاً عن عبد الحليم بن حسين السمري ، ويحتمل أنّ جميع هذه المسائل قد تمّ نقلها عن الحسين (الحسن) ابن سليمان اليهودي في أرَجان.
ومن الجدير بالذِّكر هو أنّ اسم النبيّ(صلى الله عليه وآله) في هذا الموضع من كتاب غيبة النعماني جاء على صورته العبرية (مامد) ، وكذلك الشأن بالنسبة إلى أسماء الأئمّة الاثني عشر ؛ ولجهل الناسخين بها فقد تمّ ضبطها في كلّ نسخة بشكل مغاير عن سائر النسخ الأخرى ، وإنّ العثور على العبارة الصحيحة رهن باستيعاب اللغة العبرية وعبارة التوراة في هذا الخصوص ، وكذلك هناك عبارة أخرى نقلت في وصف الأئمّة الاثني عشر وجميعها بحاجة إلى مزيد من دقّة النظر.
3 ـ يوسف بن أحمد (محمّد خ. ل) الجعفري :
جاء في غيبة الطوسي نقلاً عن النعماني عن هذا الراوي قوله : «حججت سنة ستّ وثلاثمئة ، وجاورت بمكّة تلك السنة وما بعدها إلى سنة تسع وثلاثمئة ، ثمّ خرجت عنها منصرفاً إلى الشام»(1).
هل روى النعماني الحديث عن هذا الراوي عندما كان في الشام؟
وقد تحدّثت هذه الرواية عن دلائل إمام العصر (عجّل الله فرجه)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة الطوسي ، ص 225/257 ؛ ونقلاً عنه في بحار الأنوار ، ج 52 ، ص 3/5 ؛ وكذلك خرائج الراوندي ، ج 1 ، ص 466 ؛ الصراط المستقيم ، ج 2 ، ص 211 دون الإشارة إلى اسم النعماني.

ومعجزاته ، فهل كان هذا الحديث موجوداً في كتاب دلائل النعماني أم أنّ الراوي نقله عنه مشافهة؟
4 ـ يمكن إضافة (بعض إخواننا) كإسم راو مجهول في سلسلة مشايخ النعماني أيضاً :
قال النعماني بعد ذكر رواية : «وجدت هذا الحديث عند بعض إخواننا ، فذكر أنّه نسخه من أبي المرجّي ابن محمّد الغمر التغلبي»(1).
بعد إضافة هذا الاسم إلى سلسلة مشايخ النعماني ، فإنّ هذه السلسلة ستحتوي على عشرين شيخاً بأسمائهم باستثناء شيخ واحد فقط بقي مجهول الاسم.
مزيد من التعريف بمشايخ النعماني :
ذكرنا في طيّات المسائل المتقدّمة جملة من التوضيحات في التعريف بمشايخ النعماني ، وفيما يلي نضيف بعض الأمور الأخرى أيضاً :
أ ـ إنّ أغلب مشايخ النعماني هم من مشايخ الإمامية المعروفين ، كما يمكن العثور ضمن مشايخه على بعض أتباع المذاهب الأخرى أيضاً ، فقد كان أبو العبّاس ابن عقدة الكوفي(2) المحدّث الزيدي الجارودي والحافظ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 328 ؛ ونقلاً عنه في بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 22 ، وقد ذكر اسم الراوي في هذا الكتاب : (أبي المرجي بن محمّد بن المعمّر الثعلبي) ، والنسخة الرضوية والمرعشية شبيهة بالنصّ المطبوع ، مع إضافة : (بن) قبل الغمر.
(2) راجع : تاريخ بغداد ، ج 5 ، ص 14 ؛ رجال النجاشي ، ص 233/94 ؛ رجال

القدير صاحب المحفوظات الكثيرة (249 ـ 332) من بين مشايخ النعماني.
وقد روى النعماني عنه الكثير تحت اسم أحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقدة الكوفي ، وعبّر عنه في المورد الأوّل قائلاً : «لم يطعن أحد في وثاقته وعلمه بالحديث ورجال الحديث».
وكما نلاحظ في اسمه فقد كتبت كلمة (ابن) ـ بإثبات الألف ـ قبل (عقدة)(1) ، والسبب في ذلك أنّ عقدة ليس والد (سعيد) بل هو لقب (محمّد)(2). وعليه فإنّ عقدة ليس صفة لـ (سعيد) كي يجب إسقاط الألف عن (ابن) ، بل هي إمّا وصف أو بدل أو عطف بيان عن (أحمد) ، وعليه يجب إثبات هذه الألف.
ب ـ كما روى النعماني عن غير الشيعة من أمثال : محمّد بن عثمان [عثمان بن محمّد. ظ.] الذهبي ، الواردة روايته في باب (ما روي أنّ الأئمّة إثنا عشر من طريق العامّة)(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الطوسي ، ص 5949/409 ؛ فهرس الطوسي ، ص 86/68 ؛ سير أعلام النبلاء ، ج 15 ، ص 345 ـ 352 ؛ لسان الميزان ، ج 1 ، ص 399 ـ 402.
(1) وقد ذكّر بعض الأفاضل مصحّح كتاب غيبة النعماني بهذه المسألة ، وقد استدركها المصحّح في كتاب الغيبة ، ولكن تمّ إغفالها في طبعة التهذيب الذي نشر من قبل المصحّح بعد كتاب الغيبة. (ج 1 ، ص 54/168 ، ص 164/464 ، ج 2 ، ص 70/219 ، ج 3 ، ص 32/33 ، ص 19/195 ، ج 4 ، ص 39/149 ، ج 5 ، ص 21/8).
(2) راجع : مصادر العامّة ، ترجمة ابن عقدة ، وخاصّة : تاريخ بغداد ، ج 5 ، ص 14.
(3) غيبة النعماني ، ص 102 ـ 107.

وقد فتح النعماني بذلك باباً في هذا المجال وافتتحه بحديث رواه هذا الراوي(1) ، وأنّ الأسانيد في هذا الباب ـ والتي هي أسانيد عامّية ـ تبدو بأجمعها من رواية هذا الراوي ، حيث تمّ إسقاط بداية أسانيدها ، فهي بحسب المصطلح (معلّقة) ، وبحسب الظاهر فإنّ هذا الراوي عامّي.
جـ ـ كما روى النعماني عن محمّد بن عبد الله بن المعمّر الطبراني ، وقال عنه : «وكان هذا الرجل من موالي يزيد بن معاوية ومن النصّاب»(2). وفي النسخة (الرضوية) لم ترد كلمة (من) في هذه العبارة ، وعليه فإنّ كلمة (الموالي) (بضمّ الميم) تعني المحبّ ، وفي نسخة (المرعشية) ، جاء التعبير بـ : (يوالي) بدلاً (من موالي) ، ولكن المعنى يبقى واحداً ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى النسخة المطبوعة ، ولكن الغالب في (المولى) (ج الموالي) تعني المحرّر من العبودية ، ويمكن للكلمة هنا أن تشير إلى أنّ أحد أجداده معتق من قبل يزيد بن معاوية(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 1/116 ؛ وأيضاً : ص 23/126.
(2) المصدر أعلاه ، ص 39 ، وجاء في بعض النسخ (الثقات) بدل (النصّاب) تصحيفاً ، خاصّة إذا فسّرنا كلمة (موالي) بمعنى المحبّين. أو دقّقنا النظر في النسخة (الرضوية) والنسخة (المرعشية).
(3) إنّ لكلمة (المولى) الكثير من المعاني ، وقد فسّرت في أغلب الكتب الرجالية وفي أسانيد الحديث بالمعتق والمحرّر. وإنّ ذكر هذا الوصف في الكتب الرجالية للإشارة إلى أنّ إعتاق الرقبة يؤدّي إلى نوع من انتساب المعتق (بالفتح) أو نسله ـ المولود بعد الانعتاق ـ إلى الشخص المعتق (بالكسر) أو قبيلته. ولذلك تتقيّد الكتب الرجالية ـ

كما أنّ مذهب بعض المجاهيل من مشايخ النعماني من أمثال : أبو القاسم الحسين بن محمّد البارزي(1) مجهول أيضاً.
د ـ ومن بين مشايخ النعماني : أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي ، الذي يروي عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي ، وقد روى عنه النعماني بعبارات متنوّعة ، من قبيل :
«أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي»(2).
«[أبو سليمان] أحمد بن نصر بن هوذة الباهلي»(3).
وقد ورد ما يشبه هذا العنوان في مقدّمة غيبة النعماني في عداد مشايخ النعماني(4) ، وهو خطأ. وقد ذكره الشيخ الطوسي في رجاله وقال : «أحمد بن نصر بن سعيد الباهلي ، المعروف بابن أبي هراسة ... يلقّب أبوه هوذة ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي تعنى بذكر أنساب الرواة ـ بذكر هذا الوصف. وإنّ العبارة الحديثية القائلة : «مولى القوم منهم ـ أو من أنفسهم ـ» تشير إلى رابطة (الولاء). (راجع : المصادر الحديثية ، من قبيل : غيبة النعماني ، ص 235 ؛ غيبة الطوسي ، ص 190 ؛ بحار الأنوار ، ج 103 ، ص 203 ـ 204).
(1) في النسخة المطبوعة لكتاب (غيبة النعماني) ، ص 34 ، جاءت كلمة (الباوري) بدلاً من (البارزي) في النسخة الرضوية والمرعشية.
(2) غيبة النعماني ، ص 17/209. ونظير ذلك في أمالي الطوسي ، ص 1048/479 ، ص 1015/481 ، ص 1085/491 ، المجلس ، ص 7/17 ، وص 20 و 54.
(3) غيبة النعماني ، ص 1/127 ، للأستاذ مهدي بور ، وضع في نسخته اسم (بن نصر) بين معقوفتين ([ ]) ، ولا ندري ما إذا كان ذلك اعتماداً على نسخة ، أم أنّ ذلك تصحيحاً من قبله.
(4) غيبة النعماني ، (المقدّمة) ، ص 2/14.

مات في ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة»(1).
إنّ كلمة (بن) في هذا العنوان زائدة ، كما أنّها لم ترد في النسخة (الرضوية) ، ويحتمل أن يكون (أحمد بن هوذة ابن أبي هراسة الباهلي) هو الصحيح(2).
وقد ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قائلاً : «أحمد بن نصر بن سعيد ، أبو سليمان النهرواني ـ ويُعرف بابن أبي هراسة ـ حدّث عن إبراهيم ابن إسحاق الأحمدي(3) ـ شيخ من شيوخ الشيعة ـ روى عنه أبو بكر أحمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال الشيخ الطوسي ، ص 5950/409 = 31.
(2) يقوم هذا الاحتمال على أساس أنّ (ابن أبي هراسة) تابعاً لأحمد ، وليس صفة لهوذة ، كما هو الحال بالنسبة إلى أحمد بن محمّد ين سعيد بن عقدة الذي تقدّم ذكره. ومثال لهذا البحث : محمّد بن عليّ ابن الحنفية ، وقد حذفت الألف عن كلمة (ابن) التي تسبق (الحنفية) في أغلب النسخ ، وبالنظر إلى أنّ الحنفية صفة لوالدة محمّد ـ فليس هو اسم لوالد عليّ بن أبي طالب ـ يجب إثبات الألف (راجع : كمال الدين وتمام النعمة ، ج 1 ، ص 33 و 35 ، وقارن ذلك بصفحة 44).
جدير ذكره أنّه في التهذيب ـ ج 9 ، ص 27/241 ـ سواء في طبعة النجف الأشرف وطبعة الأستاذ الغفّاري وردت كلمة ابن الحنفية في اسم محمّد بن عليّ ابن الحنفية في بداية السطر ، وبطبيعة الحال طبقاً لرسم الكتابة الراهنة تكتب الألف في (ابن) تلقائيّاً إذا أتت في بداية السطر ، وبالتالي فإنّ الفائدة المعنوية لإثبات (الألف) قد زالت. ولذلك عمد آية الله الوالد ـ مدّ ظله ـ في تصحيح رجال النجاشي إلى حذف الألف من (ابن) حتّى في بداية السطر ـ خلافاً للرسم الراهن ـ فإذا كتبت الألف من ابن في أوّل السطر يكون لذلك فائدة معنوية.
(3) الأحمدي تصحيف الأحمري ، وما ورد في تاريخ بغداد من التعبير بـ : (شيخ من شيوخ الشيعة) اعتبر المصحّح أنّ مراد الخطيب البغدادي هو إبراهيم بن إسحاق ،

ابن عبد الله الدوري الورّاق(1) ، وقال : قدم علينا من النهروان»(2).
وأمّا في عنوان أحمد بن نصر بن هوذة إمّا أن تكون عبارة (بن نصر) زائدة ويكون إثباتها قد حصل بسبب إدراج الهامش في النصّ ، وإمّا يجب حذف كلمة (بن) بعد (نصر) ، وإمّا أن يكون كتابة اسم الراوي بالشكل الآتي : أحمد بن نصر ابن هوذة ، بإثبات الألف في كلمة (ابن) الثانية.
وفي فهرس مشايخ النعماني في خاتمة المستدرك(3) ذكر هذا الرواي على الشكل الآتي : (أحمد بن محمّد بن هوذة بن هراسة) ، وقد ورد فيه (هراسة) بدلاً من (أبي هراسة) خطأً ، وإنّ (محمّد) تصحيف عن (أحمد) ، وإنّ إضافة هذا الاسم في سلسلة نسبه من باب الجمع بين النسخة الصحيحة والنسخة المصحّفة ، وعليه تكون عبارة (بن محمّد) في هذا العنوان زائدة.
ونُلفت النظر هنا بأنّنا استنبطنا حضور أحمد بن هوذة في بغداد من رواية التلعكبري ـ شيخ المحدّثين البغداديّين ـ إلاّ أنّ ترجمته في تاريخ بغداد في الجزء المتعلّق بأهالي بغداد أو الوافدين إليها ـ خصوصاً مع الالتفات إلى عبارة أبي بكر الدوري الذي كان في بغداد وشهد قدوم أحمد بن نصر إليها ـ يشكّل دليلاً أوضح على حضوره في بغداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولذلك وضعه بين معترضتين ، ولكن يبدو أنّه الشخص المترجم له نفسه ، أعني : أحمد ابن نصر.
(1) من مشايخ البغداديّين ، وقد ولد ـ على ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، ج 4 ، ص 234 و 235 ـ سنة (299 للهجرة) ، وتوفّي سنة (379 للهجرة).
(2) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج 5 ، ص 2640/183.
(3) خاتمة المستدرك ، ج 21 ، ص 268 ، رقم : 10 ، (ي).

هـ ـ إنّ من بين مشايخ النعماني عليّ بن أحمد البندنيجي الذي يروي دائماً عن عبيد الله بن موسى (العلوي العبّاسي)(1).
سبق وأن ذكرنا أنّ هذا الراوي ربّما يكون هو نفسه عليّ بن أحمد بن نصر البندنيجي الذي قال ابن الغضائري عنه : «إنّه يسكن في الرملة من فلسطين»(2).
هناك سند في أمالي الطوسي نقلاً عن أبي المفضّل (محمّد بن عبد الله الشيباني) ، يقوّي هذا الاحتمال : «حدّثنا عليّ بن أحمد بن نصر البندنيجي بالرقّة ، قال : حدّثنا أبو تراب عبيد الله بن موسى الروياني(3) ، قال : حدّثنا عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، قال : حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عليّ عن أبيه عن جدّه عن جعفر بن محمّد ...»(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بقيد العلوي العبّاسي في غيبة النعماني ، ص 3/52 ، ص 15/155 ، ص 18/176 ، ص 8/205 ، ص 3/284 ، وبقيد العبّاسي في غيبة النعماني ، ص 3/289 ، وسنبحث بشأن روايته فيما بعد.
(2) وهناك احتمال أن يكون هو عبيد الله بن موسى العلوي العبّاسي الذي نجده في أسانيد غيبة النعماني ، إلاّ أنّ اختلاف مشايخهما ، وعدم وجود دليل على كون عبيد الله بن موسى الروياني علويّاً لا نستطيع الجزم بذلك.
(3) أمالي الطوسي ، ص 1222/589 ؛ مج 11/25 ، ونقلاً عنه ما في بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 264 ، هامش 13.
(4) طبقاً لتقرير الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (ج 5 : ص 468) فإنّ أوّل سماع صحيح لحديث أبي الفضل الشيباني (297 ـ 387هـ) كان في سنة (306هـ) (وانظر أيضاً : أمالي الطوسي ، ص 1116/510 = مج 23/18 ، ص 1117/511 = مج 23/18) ، كما هناك رواية في أمالي الطوسي ـ ص 1257/609 = مج 5/28 ـ عن أبي الفضل عن

إنّ أبا الفضل الشيباني المحدّث المجدّ والمثابر على أخذ الحديث عن المشايخ ، قد أخذ الحديث طوال سنوات عن الكثير من المشايخ(1) ، وهو من نفس طبقة أبي عبد الله النعماني تقريباً.
وعلى كلّ حال فإنّ (الرقّة) في السند المتقدّم و (الرملة) في رجال ابن الغضائري كانتا متشابهتين في الكتابة ، ولذلك يحتمل أن يكون إحداهما مُصحّفاً عن الآخر ، وإن كان يحتمل كذلك أنّ شخصاً عاش في إحداهما وروى الحديث في الأخرى(2).
وهناك سند آخر شبيه بهذا السند في الإقبال نقلاً عن أبي الفضل محمّد ابن عبيد الله الشيباني نفسه : «حدّثني (حدّثنا خ. ل) عليّ بن نصر السبندينحي ، قال : حدّثني عبد الله (عبيد الله خ. ل) بن موسى ، عن عبد العظيم الحسني ، عن أبي جعفر الثاني عليه‌السلام ـ في حديث ـ قال : من زار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض الرواة في سنة (304 هـ) أيضاً. وأيّاً كان فقد روي أخذ أبي الفضل الشيباني للحديث في الأعوام (307 و 308 و 310 و 314 و 316 و 318 و 321 و 342 و 328هـ) (المورد الأخير موضع تأمّل : أمالي الطوسي ، ص 1335/641 = مج 21/32 ، قارن بصفحة 11191/577 = مج 5/23 ، ص 1225/590 = مج 14/25 حيث ذكر بدلاً من 328 ، 318) في مختلف مجالس أمالي الشيخ (المجالس ، ص 16 ـ 19 ، ص 22 ـ 25 ، ص 32) ، وعليه فإنّه يكون من طبقة النعماني تقريباً.
(1) وراجع على الخصوص : الاحتجاج ، ج 2 ، ص 607 (حدّث الشيخ أبو عليّ الحسن بن معمّر ـ محمّد خ. ل ـ الرقّي بالرملة ...).
(2) الإقبال ، ص 212 ، ونقلاً عنه في الوسائل ، ج 14 ، ص 19633/474 ، وبحار الأنوار ، ج 101 ، ص 31/101 (كلاهما بلفظ : عليّ بن نصر عن عبيد الله بن موسى) ، وكذلك : بحار الأنوار ، ج 98 ، ص 166 (بعبارة : عليّ بن نصر البرسجي ، قال : حدّثنا عبيد الله بن موسى).

الحسين...»(1).
يبدو أنّ عليّ بن نصر هو عليّ بن أحمد بن نصر نفسه ، وقد سقط اسم أبيه أو حصل اختصار في نسبه ، وعلى كلّ حال فإنّ لقبه تصحيف عن (البندنيجي).
و ـ من بين مشايخ النعماني ـ الواقع في الكثير من أسانيد الغيبة ـ عليّ ابن الحسين المسعودي ، والذي روى عنه في الغالب دون ذكر لقبه ، وفي بعض الموارد مع ذكر لقب المسعودي(2).
وفي فهرس مشايخ النعماني في خاتمة المستدرك أضاف بعد ذكر اسمه قائلاً : «صاحب إثبات الوصية ومروج الذهب ، عن محمّد بن يحيى العطّار بقم»(3).
وجاء اسمه في مقدّمة كتاب غيبة النعماني في عداد مشايخه : «1 ـ عليّ ابن الحسين [المسعودي] حدّثه بقم ظاهراً»(4). وقد استظهر في الهامش : (أنّه هو عليّ بن بابويه القمّي) ، وقد جاء توضيح هذا الأمر فيما بعد وبشكل أوضح في حاشية سند من أسانيد الغيبة ، فقد ذكر المصحّح في هامش السند بهذا اللفظ : «أخبرنا عليّ بن الحسين ، قال : حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 43/188 ، ص 38/241 ، ص 2/312 ، ونشاهد وصف المسعودي في بعض النسخ المخطوطة لهذا الكتاب أيضاً.
(2) خاتمة المستدرك ، ج 19 ، ص 127.
(3) غيبة النعماني (المقدّمة) ، ص 14.
(4) المصدر أعلاه ، ص 1/285.

بقم» : أنّ المراد من عليّ بن الحسين ـ بقرينة (قم) ـ هو عليّ بن بابويه المعروف ، ولكن أضيف له في بعض مواضع الكتاب الأخرى لقب (المسعودي) ، وأنا أتصوّر أنّ هذا اللقب من إضافات النسّاخ الذين تصوّروا أنّه هو المراد ، فإنّ عليّ بن الحسين المسعودي لم يذهب إلى مدينة قم أبداً ، ولم يقل بذلك أحد. مضافاً إلى ذلك إنّ محمّد بن يحيى كان من مشايخ عليّ ابن بابويه وليس من مشايخ المسعودي(1).
وفيما يلي ينبغي التنبيه إلى بعض الأمور :
أوّلاً : يذهب بعض المحقّقين إلى القول بوجود شخصين اسمهما عليّ ابن الحسين المسعودي في القرن الرابع ، أحدهما : المؤرّخ الشهير ، صاحب مروج الذهب والتنبيه والإشراف ، وهو من أبناء العامّة بلا ترديد ولكنّه ذو ميول شيعية. والآخر : صاحب كتاب إثبات الوصية ، وهو شيعيّ إماميّ المذهب ، وهو شيخ النعماني دون الأوّل.
وبناءً على ذلك لا يكون هناك ما يدعو إلى إنكار وصف (المسعودي) واعتباره زائداً ، كما أنّ كلام المحدّث النوري وما جاء به كاتب مقدّمة كتاب الغيبة ـ من اعتبارهما عليّ بن الحسين المسعودي الوارد في أسانيد الغيبة ، هو نفسه صاحب كتاب مروج الذهب ـ لن يكون صائباً.
جدير ذكره أنّه لا شكّ في أنّ مؤلّف إثبات الوصية ليس هو المسعودي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب (طبعة شارل بلا) ، ج 2 ، ص 124 ، الفقرة 869 بالاستفادة من تنويه
الأستاذ الجلالي في مقدّمة الإمامة والتبصرة من الحيرة ، ص 52.

المؤرّخ الشهير ، ولكن هناك احتمال أيضاً في أن لا يكون اسم مؤلّف هذا الكتاب عليّ بن الحسين المسعودي ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى لم يثبت أنّ مؤلّف كتاب إثبات الوصية هو شيخ النعماني ، وسوف نفصّل الكلام في هذا الشأن في مقال (إثبات الوصية وصاحب مروج الذهب).
ثانياً : سواء أكان المسعودي شخصاً واحداً أو أكثر ، فهل هناك من دليل يثبت أنّ النعماني قد روى عن عليّ بن الحسين المسعودي المؤرّخ؟
يمكن لنا أن نذكر (أو ذكروا) هنا ثلاثة أدلّة في هذا الشأن ، وهي :
1 ـ لم يقل أحد بقدوم المسعودي المؤرّخ إلى قم ، في حين أنّ شيخ النعماني قد أخذ الحديث في قم عن محمّد بن يحيى العطّار.
ـ بيد أنّ هذا الدليل غير تامٍّ ؛ لأنّ المسعودي قد صرّح في بعض مواضع مروج الذهب أنّه قد ذهب إلى قم(1).
2 ـ إنّ شيخ النعماني يروي دائماً عن محمّد بن يحيى العطّار ، في حين لم نجد لصاحب مروج الذهب رواية عنه في أيّ موضع.
ـ وهذا الدليل لا يصحّ أيضاً ؛ إذ أنّ ترجمة المسعودي المؤرّخ لم ترد في كتب التراجم والرجال إلاّ مقتضبة وغير واضحة ، ولم يذكر فيها مشايخه بوضوح أبداً ، وعليه ربّما كان قد روى عن محمّد بن يحيى العطّار أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك في الصفحة الخامسة والثمانين من غيبة النعماني رواية تشير إلى أنّ طينة وفطرة جميع الأئمّة واحدة ، وأنّهم كانوا منذ بدء الخليقة حافّين بعرش الرحمن في وجود واحد ، وجاء في أخرها : (أوّلنا محمّد ، وأوسطنا محمّد ، وآخرنا محمّد). انظر : خاتمة المستدرك ، ج 19 ، ص 125 ـ 126.

3 ـ لا شكّ في كون شيخ النعماني كان شيعيّاً ، ورواياته روايات شيعية خالصة ، حيث يروي في جملة ما يروي الحديث الوارد بشأن (حضور الأئمّة الإثنا عشر عليهم‌السلام حول العرش في بدء الخليقة)(1) ، أو (وصف الأئمّة وشيعتهم في عالم الذّر)(2) ، ومن البعيد أن يروي المسعودي المؤرّخ وصاحب مروج الذهب مثل هذه الروايات.
إنّ هذا الدليل ـ الذي هو من أقوى الأدلّة ـ وإن كان يجعل احتمال رواية النعماني عن المسعودي المؤرّخ احتمالاً مستبعداً ، ولكنّه لا يكفي في نفيه نفياً قاطعاً ؛ لأنّ نقل رواية واحدة بالمضامين أعلاه لا ينهض دليلاً على الإيمان بمضمونها والاعتقاد بصحّتها ، خاصّة وأنّ المسعودي صاحب مروج الذهب قد نقل روايات وصنّف كتباً تنسجم كلّ الانسجام مع مضامين هذه الروايات ، وقد فصّلنا الكلام حول هذا الأمر في مقال : (إثبات الوصية وصاحب مروج الذهب).
ومن ناحية أخرى ، سوف نذكر في الفصل الثاني من هذا المقال أنّ روايات عليّ بن الحسين المسعودي في غيبة النعماني تنتهي بأجمعها إلى محمّد بن عليّ الكوفي ، ويبدو أنّها بأجمعها مأخوذة من كتابه ، وإنّ عليّ بن الحسين المسعودي يقع في الطريق إلى كتاب محمّد بن عليّ الكوفي.
ووقوعه في الطريق إلى بقية الكتب ـ فضلاً عن سلسلة الأسانيد ـ إنّما جاء من الإجازة بالرواية من طريق العامّة فقط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 90.
(2) راجع : نهاية هذا القسم من المقال.

وبالتالي فإنّ هذا لا ينهض دليلاً على أنّ عليّ بن الحسين المسعودي ـ شيخ النعماني ـ كان مطّلعاً بدقّة على محتوى الروايات التي أجاز للنعماني روايتها ، وعليه لا يمكن من هذه الناحية إنكار رواية النعماني عن عليّ بن الحسين المسعودي العامّي المؤرّخ وصاحب كتاب مروج الذهب.
وبطبيعة الحال فقد أشرنا إلى قوّة احتمال أن يكون عليّ بن الحسين المسعودي أكثر من شخصية واحدة ، ويذهب الظنّ إلى أنّ شيخ النعماني هو غير صاحب مروج الذهب.
ثالثاً : سبق وأن ذكرنا أنّ مصحّح كتاب غيبة النعماني قد استنبط من عبارة (بقم) الواردة في رواية عليّ بن الحسين عن محمّد بن يحيى العطّار ، أنّ المراد من عليّ بن الحسين هو عليّ بن بابويه المعروف.
بينما ذهب المحدّث النوري إلى العكس من ذلك تماماً ، فقد استفاد من هذه العبارة أنّ المراد ليس هو ابن بابويه المعروف ؛ إذ أنّ صدور هذه العبارة لا يتناسب وعليّ بن الحسين بن بابويه الساكن في قم بعدّة أدلّة سوف نبحثها مفصّلاً.
إنّ كلام مصحّح كتاب غيبة النعماني يثير الكثير من العجب! فلم نعثر على أيّ توضيح منه فيما يتعلّق بكيفية دلالة عبارة (بقم) على أنّ المراد من عليّ بن الحسين هو عليّ بن بابويه القمّي المعروف.
وبطبيعة الحال فإنّ كلام المحدّث النوري رحمه‌الله في محلّه وملفت للانتباه.
وفيما يلي سنعمد أوّلاً إلى توضيح هذا الكلام ثمّ نقوم بدراسته وتحليله

فيما بعد :
ـ إنّ عليّ بن الحسين بن بابويه هو ـ على حدّ تعبير النجاشي ـ شيخ القمّيّين وكبيرهم ، وهو فقيههم وثقتهم في عصره ، وليس هناك من دليل على أنّه قد أقام في غير قم ، نعم يبدو أنّه تواجد في بغداد في أواخر حياته (في سنة تناثر النجوم ، في عام 323 هـ) ، ويبدو أنّ ذلك حدث أثناء سفره إلى الحجّ(1) ، فمن المستبعد لمن يسكن في قم عندما يروي عن محمّد بن يحيى العطّار ـ الذي هو من مشايخ القمّيّين كذلك ـ أن يشير إلى أنّ روايته عنه كانت في قم ؛ لأنّ هذا النوع من الإيضاحات إنّما يضاف إذا كانت هناك خصوصية لذكرها في الرواية ، وعندما يكون كلّ من المتلقّي والشيخ من أهل قم(2) لا تكون هناك ـ بناءً على القاعدة ـ من حاجة إلى ذكر أنّه أخذ الحديث عنه في قم ؛ لأنّه سيكون من قبيل توضيح الواضحات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مع الالتفات إلى هذا التوضيح ندرك استحالة التمسّك بعبارة الشيخ الصدوق القمّي ـ حدّثني حمزة بن محمّد العلوي في قم (معاني الأخبار ، ص 1/301 ؛ عيون أخبار الرضا (ع) ، ج 1 ، ص 5/227 ؛ ص 43/292 ، ج 2 ، ص 13/6 ، ص 24/159 ، ص 13/209) ـ في الإجابة على استدلال المحدّث النوري ، لأنّ الصدوق كان نزيل الريّ ، وكان أيضاً شيخ الطائفة في خراسان (رجال النجاشي ، ص 1049/389) وقد سافر إلى الكثير من المدن ، ولم يكن ساكناً في مدينة قم. ومن ناحية أخرى لم يتّضح ما إذا كان شيخه ساكناً في قم. وعليه لا تكون المقارنة بين رواية الصدوق عن حمزة بن محمّد برواية عليّ بن الحسين عن محمّد بن يحيى العطّار مقارنة موفّقة.
(2) ذكر في غيبة النعماني ، ص 97 ، عن راوي الكتاب وناسخه باسم أبي الحسن الشجاعي ، ويبدو أنّه مصحّف عن أبي الحسين ، راجع : غيبة النعماني ، ص 18 ، النصّ والهامش 2 ؛ غيبة الطوسي ، ص 90/127 ، ص 257/225 ؛ رجال النجاشي ، ص 1043/383.

وعندما نقوم بدراسة هذا الكلام نجد بأنّنا من خلال هذا الاستدلال لا يسعنا القول بضرس قاطع : إنّ المراد من عليّ بن الحسين الوارد في أسانيد غيبة النعماني ليس هو عليّ بن الحسين بن بابويه ؛ لأنّ عليّ بن الحسين إذا حدّث النعماني في مدينة غير قم ـ كما لو حدّثه في بغداد مثلاً ـ لم يكن في تحديد مكان تحديث محمّد بن يحيى بمدينة قم غضاضة.
إلاّ أنّه وبطبيعة الحال فإنّ الإنصاف يقتضي أن نعتبر هذا الدليل نافعاً في تضعيف احتمال أن يكون المراد من عليّ بن الحسين هو ابن بابويه.
كما أنّنا طبقاً لهذا الدليل وإن لم ننكر أن يكون المراد من هذا الإسنادهو ابن بابويه ، إلاّ أنّه لا دليل لدينا يثبت أنّ المراد من عليّ بن الحسين في هذا الإسناد هو ابن بابويه ، وإنّ مجرّد رواية ابن بابويه عن محمّد بن يحيى العطّار لا يكفي لإثبات هذا الأمر ؛ إذ ليس هناك من شاهد يثبت أنّ الذي يروي عن محمّد بن يحيى ـ بإسم (عليّ بن الحسين) ـ هو ابن بابويه فقط.
رابعاً : ذكر مصحّح كتاب غيبة النعماني في مقدّمة الكتاب كلاماً يثير التعجّب أكثر من جميع كلماته المتقدّمة ، وذلك إذ يقول : «يبدو أنّ النعماني قد أخذ الحديث عن عليّ بن الحسين في قم» في حين أنّ أسانيد الغيبة تشهد على العكس من ذلك تماماً ؛ إذ لو كان النعماني قد سمع الحديث من عليّ بن الحسين في قم ، لا يبقى هناك من معنى لقول عليّ بن الحسين إنّه أخذ الحديث عن محمّد بن يحيى العطّار في قم.
ومن ناحية أخرى فإنّنا لم نعثر على دليل يثبت حضور النعماني في

مدينة قم.
وعليه تكون نتيجة البحث أنّ شيخ النعماني هو عليّ بن الحسين المسعودي ـ وليس عليّ بن بابويه ـ الذي أخذ الحديث عن محمّد بن يحيى العطّار في قم ، وأمّا موضع رواية النعماني عن المسعودي فغير معلوم ، والذي يغلب على الظنّ أنّه غير المسعودي مؤلّف مروج الذهب ، وعليه يحتمل أن يكون هو مؤلّف كتاب إثبات الوصية.
تلامذة النعماني :
1 ـ أبو الحسين(1) محمّد بن عليّ الشجاعي الكاتب والراوي والناسخ لكتاب غيبة النعماني ، وقد قرأ هذا الكتاب على المصنّف. ولذلك كان الآخرون(2) يقرأون هذا الكتاب عليه ، وقد شهد النجاشي هذا الأمر في المشهد العتيق ، وقد أوصى نجله أبا عبد الله الحسين بن محمّد الشجاعي بأن يتمّ الاحتفاظ بهذا الكتاب وسائر كتبه الأخرى عند النجاشي ، وقد كانت النسخة المقروءة من غيبة النعماني موجودة عند النجاشي(3).
نستفيد من هذه العبارة أنّ النجاشي كان على علاقة وثيقة بنجل هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مثل أحمد بن عبدون ، المعروف بـ : (ابن الحاشر) (غيبة الطوسي ، الموضع نفسه) ، أبو الفرج محمّد بن عليّ القنائي (غيبة النعماني ، ص 18).
(2) رجال النجاشي ، ص 1043/383.
(3) راجع : مجلّة نور علم ، السنة الأولى ، العدد : 11 و 12 ، مقال (أبو العبّاس النجاشي وعصره).

الراوي ، علماً بأنّ النجاشي كان قد ولد عام (372 للهجرة)(1) ، وعليه فإنّ طبيعة الأمور تقتضي أنّه التقى بمحمّد بن عليّ الشجاعي عندما كان صغيراً ، حيث لم يسمح له صغر سنّه بالاشتراك في مجالس الدرس والحديث(2) ، وبناءً على ذلك يمكن اعتبار الشجاعي الأب كان حيّاً في حوالي عام (380 للهجرة) كحدّ أدنى ، وأنّ وفاته كانت في هذه الفترة أو بعدها بقليل.
وقد جاء في بداية غيبة النعماني أنّ هذا الكتاب نقل برواية أبي الحسين محمّد بن عليّ البجلي الكاتب ، ثمّ جاء فيه : أنّ أبا عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني قد رواه له في حلب(3).
ويبدو أنّ هذا الراوي هو نفسه راوية النعماني المعروف ، ويبدو أنّ (البجلي) هنا مصحّف عن (الشجاعي).
وقد جاء في مقدّمة غيبة النعماني قوله : «لم أعثر للنعماني على راوية آخر غير أبي الحسين محمّد بن عليّ الشجاعي الكاتب»(4) ، ولكن كاتب هذه السطور بعد البحث الواسع في مختلف الكتب الرجالية والحديثية عثر على رواة آخرين للنعماني :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد ورد ما يشبه هذا الأمر في ترجمة هارون بن موسى التلعكبري (م : 385) في رجال النجاشي ، ص 1184/439. وانظر أيضاً : ص 1028/377.
(2) غيبة النعماني ، ص 18 ، جدير ذكره أنّ هذا النصّ لم يرد في النسخة الرضوية.
(3) غيبة النعماني (المقدّمة) ، ص 15.
(4) فيما يتعلّق بدعاء السرّ ، انظر : مصباح المجتهد ، ص 95 ، 235 ، 244 ، وكذلك : البلد الأمين ، ص 28 و64.

2 ـ أبو غالب أحمد بن محمّد الزراري :
لقد ذكر في رسالته الشهيرة ـ رسالة أبي غالب الزراري ـ مقاطع كتبها بخطّ يده ، وكانت تشتمل على دعاء السرّ(1) ، ويضيف أبو غالب قائلاً : «حدّثني بها أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني عن الرجال المذكورين في الكتاب»(2).
ويُفهم من هذه العبارة أنّ هذه المقاطع هي أجزاء كتاب ـ يبدو أنّه في موضوع الدعاء ـ من تأليف النعماني.
3 ـ عليّ بن محمّد بن يوسف الحرّاني :
روى دعـاء (الاعتقاد) نقلاً عن النعمانـي بأسناده عن الإمـام الكاظم عليه‌السلام(3).
وقد روى السيّد ابن طاووس روايات عن هذا الراوي في عدّة مواضع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة أبي غالب الزراري ، ص 96/179 ؛ وطبقات أعلام الشيعة ، القرن الخامس = نابس ، ص 230.
(2) مجمع الدعوات ، ص 233 ، ونقلاً عنه في بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 11/182 ، ونقلاً عن كتاب العتيق الغروي (= مجموع أدعية أبي الحسين محمّد بن هارون التلعكبري ، انظر : الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 20 ، ص 54). وقد ورد اسم النعماني في بحار الأنوار على النحو الآتي : محمّد بن عبد الله بن إبراهيم النعماني. وفي طبعة مجمع الدعوات أضيفت كنية أبي عبد الله إلى بدايته ، ويبدو أنّه تصحيف عن (بن عبد الله) ، وإنّ الجمع بينهما من الجمع بين النسخة الصحيحة والنسخة المحرّفة ، وقد وقع ذلك في النسخ المخطوطة كثيراً. وعلى كلّ حال فإنّ عبارة (بن عبد الله) زائدة.
(3) فلاح السائل ، ص 49 ، 245 ، 288.

دون لقب الحرّاني ـ(1) ، ويحتمل أنّه هو (ابن خالويه) المترجم له في رجال النجاشي(2).
4 ـ عليّ بن الحسن بن صالح بن وضّاح النعماني :
وقد نقل العلاّمة المجلسي عن مجموع (الدعوات) لمحمّد بن هارون التلعكبري بأنّ (أبا الفتح) غازي بن محمّد الطرائقي قد روى عن هذا الراوي ـ بحسب الظاهر في دمشق وفي نهاية شعبان عام 399 للهجرة ـ عن خطّ النعماني أدعية أيّام الأسبوع.
وربّما كان هذا الراوي والراوي السابق قد نقلا هذه الروايات عن كتاب دعاء النعماني الذي استنسخه أبو غالب الزراري بخطّ يده.
5 ـ أبو المرجّا محمّد بن عليّ بن طالب البلدي(3) :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، ص 669/268 ؛ وأيضاً : ص 951/355.
(2) بحار الأنوار ، ج 90 ، ص 143 ؛ وأيضاً في ج 86 ، ص 202 ، ج 94 ، ص 190 حيث نقلت روايات عن النعماني من كتاب العتيق الغروي.
(3) جاءت روايته عن النعماني في كنز الفوائد ، ج 1 ، ص 352 ، ونقلاً عنه في المستدرك ، ج 12 ، ص 13924/217 ، وفي هذين الكتابين تحوّل طالب إلى أبي طالب ، وهو خطأ. انظر : كنز الفوائد ، ج 1 ، ص 87 ، 328 ، ج 2 ، ص 67 ؛ بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 17/260 ، ج 74 ، ص 7/280 ؛ نابس ، ص 230. وفي وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 33515/169 ، حيث ورد اسم الراوي مورد البحث بشكل صحيح ، ويبدو أنّ اشتهار اسم الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ عليّ بن أبي طالب ـ قد أدّى إلى حدوث هذا الخطأ المتقدّم ؛ (يبدو أنّ هذا الهامش يعود لأبي المرجّا محمّد بن عليّ بن طالب البلدي ، الآتي! فليراجع) المعرّب.

أخذ الكراجكي الحديث عنه في القاهرة ، وقد عبّر عن النعماني بقوله : «أستاذي أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني رحمه‌الله»(1).
6 ـ الشريف أبو عبد الله محمّد بن عبيد الله بن الحسين بن طاهر بن يحيى الحسيني :
لم نعثر على اسمه في كتب الأنساب والتراجم ، ولكن بالالتفات إلى وجود اسم أبيه وجدّه في كتب الأنساب ، يكون نسبه على النحو الآتي : (أبو عبد الله محمّد بن أبي القاسم عبيد الله بن أبي عبد الله الحسين بن أبي الحسين طاهر بن يحيى ، النسّابة المعروف بالعبيدلي بن الحسن بن جعفر الحجّة بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام زين العابدين).
وفي كتاب الفخري يذكر بشأن أبيه أبي القاسم عبيد الله : «كان في الحجاز وأعقابه في مصر»(2).
وقال علماء الأنساب بشأن جدّه أبي عبد الله الحسين : «أعقابه في الرملة وفي مصر»(3) ، وقد كانت مصر قريبة من الشام وحلب ـ التي اتّخذها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنز الفوائد ، ج 1 ، ص 352.
(2) الفخري ، ص 61 ؛ وقد جاء اسمه أيضاً في الشجرة المباركة ، ص 151.
(3) تهذيب الأنساب ، ص 233 ؛ الشجرة المباركة ، ص 149 ؛ المنتقلة الطالبية ، ص 146 و 300 ، كما ورد اسمه في الفخري ، ص 58 و61 ؛ عمدة الطالب ، ص 327 ؛ تحفة الأزهار ، ص 198 ؛ لباب الأنساب ، ص 616 ؛ أنساب الشريف أبي الحسن الفتوني ، (ص 145 ، نسخة مخطوطة بخطّ وتنظيم الراحل آية الله الزنجاني ـ جدّ كاتب السطور) أيضاً.

أبو عبد الله النعماني سكناً له في أواخر حياته ومات فيها ـ وكانت تعدّ الرملة من مدن الشام آنذاك.
وقد ذكر صاحب لباب الأنساب أنّ عمّ أبيه ـ عبيد الله بن طاهر بن يحيى ـ قد توفّي في عام (329 للهجرة)(1) ، وهذا يتناسب مع كون حفيد أخيه ـ محمّد بن عبيد الله بن الحسين بن طاهر ـ راوية عن أبي عبد الله النعماني.
وقد وجدنا روايته عن النعماني في تضاعيف جزء من أجزاء تاريخ دمشق لابن عساكر والذي خصّصه لترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام. وسوف نجعل مسك الختام في هذا القسم من هذا المقال هذه الرواية الشريفة :
«أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال ، ثنا الشريف أبو عبد الله محمّد بن عبيد الله بن الحسين بن طاهر بن يحيى الحسيني ، ثنا أبو عبد الله الكاتب النعماني ، ثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، ثنا عليّ بن الحسن التيمي ، ثنا جعفر بن محمّد بن حكيم وجعفر بن أبي الصبّاح ، قالا : ثنا إبراهيم بن عبد الحميد عن رقبة بن مصقلة العبدي(2) ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : أتى رجلان عمر بن الخطّاب في ولايته يسألانه عن طلاق الأمة ، فقام معتمداً بشيء بينهما حتّى أتى حلقة في المسجد ، وفيها رجل أصلع ، فوقف عليه ، فقال : يا أصلع ما قولك في طلاق الأمة؟ فرفع رأسه إليه ثمّ أومأ إليه بإصبعيه ، فقال عمر للرجلين : تطليقتان ؛ فقال أحدهما :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لباب الأنساب ، ص 616.
(2) أشار ابن عساكر بعد ذكر الحديث إلى أنّ اسم عبد الله بن الحويعة بن صبرة العبدريـ الذي ورد في بعض الأسانيد محرّفاً على صيغة عبد الله بن ضبيعة العبدي ـ قد سقط من هذا الجزء من سلسلة الأسناد.

سبحان الله ، جئنا لنسألك وأنت أمير المؤمنين ، فمشيت معنا حتّى وقفت على هذا الرجل [فسألته] فرضيت منه بأن أومأ إليك! فقال : أوَتدريان من هذا؟ قالا : لا. قال : هذا عليّ بن أبي طالب ، أشهد على رسول الله (صلى الله عليه وآله)سمعته وهو يقول : لو أنّ السماوات السبع وضعن في كفّة ميزان ، ووضع إيمان عليّ في كفّة ميزان ، لرجح بها إيمان عليّ»(1).
استطراد على سنة تناثر النجوم :
ورد في رجال النجاشي تأريخ وفاة الشيخ الكليني وكذلك الشيخ عليّ ابن الحسين بن بابويه في عام (329 للهجرة) ، وسُمّيت هذه السنة بـ : (سنة تناثر النجوم)(2). وهناك من كبار العلماء من عزا سبب هذه التسمية إلى وفاة الكثير من العلماء الكبار فيها من أمثال : (الشيخ الكليني ، وابن بابويه القمّي ، وعليّ بن محمّد السمري)(3) ، بيد أنّ هذه التسمية ـ كما قال المحقّق التستري(4) ـ تشير إلى ظاهرة طبيعية حدثت في عام (323 للهجرة) ليلة هجوم القرامطة على الحجيج فكانت الشهب قد ظهرت بكثرة في السماء في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ مدينة دمشق ، ج 42 ، ص 340 ـ 341.
(2) قاموس الرجال ، ج 7 ، ص 437.
(3) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 8 ، ص 311 ؛ التنبيه والأشراف ، ص 338 [تاريخ تأليفه عام 345] ؛ مروج الذهب ، ج 5 ، ص 21 ، 2915 ، ضمن تاريخ خلافة المتوكّل [بداية التأليف في عام (332 للهجرة) ، وتاريخ الفراغ من تأليفه عام (336هـ)].
(4) رجال الشيخ الطوسي ، ص 6191/432 = 34.

تلك الليلة بطولها(1) ، وكانت هذه الظاهرة من الغرابة حتّى اقترنت تسمية تلك السنة بها.
وقد حدثت هذه الظاهرة في (عام 323 للهجرة) ، وليس في (عام 329 للهجرة) كما ذكر النجاشي ، فما هو السبب الذي أوقع النجاشي في هذا الخطأ؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من تسليط الضوء على السنة التي جاء فيها عليّ بن بابويه إلى بغداد.
جاء في رجال الشيخ الطوسي في ترجمة عليّ بن بابويه : «روى عنه التلعكبري ، قال : سمعت منه [الحديث] في السنة التي تهافتت فيها الكواكب ، دخل بغداد فيها»(2).
وفي غيبة الطوسي نقل عن نجل عليّ بن بابويه (أبي عبد الله الحسين ابن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه) أنّه قال : «حدّثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاجّ ـ وهي سنة تناثر الكواكب ـ أنّ والدي رضی‌الله‌عنه كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضی‌الله‌عنه يستأذن في الخروج إلى الحجّ .. فخرج في الجواب : لا تخرج في هذه السنة. فأعاد فقال : هو نذر واجب ، أفيجوز لي القعود عنه؟ فخرج الجواب : إن كان لا بدّ فكن في القافلة الأخيرة ، فكان في القافلة الأخيرة ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة الطوسي ، ص 270/322.
(2) رجال الشيخ الطوسي ، ص 6191/432 = 34.

فسلم بنفسه وقُتل من تقدّمه في القوافل الأخر»(1).
إنّ هذه العبارة تثبت بوضوح أنّهم كانوا يتّخذون من هذه الظاهرة السماوية العجيبة وسيلة إلى تحديد سنة وقوع الأحداث ، وعليه لا يمكن القول إنّ هذه الظاهرة قد تكرّرت في سنتين متقاربتين ، أي سنة (323 للهجرة) ، وسنة (329 للهجرة) ، وعلاوة على ما في الكتب التأريخية القريبة من عصر هذه الظاهرة تمثّل رواية غيبة الطوسي ـ بالالتفات إلى وفاة الحسين ابن روح (عام 326 للهجرة) ـ شاهداً آخر على أنّ ظاهرة تناثر النجوم لم تحدث في عام (329 للهجرة).
يبدو أنّه قد وقع خلط في رجال النجاشي بين تاريخ وصول عليّ بن بابويه إلى بغداد (سنة 323 للهجرة) وتاريخ وفاته (سنة 329 للهجرة) ، وقد سرى هذا الخلط إلى ترجمة الكليني أيضاً. ومن المحتمل أن يكون سبب هذا الخلط سهوٌ آخر نراه في موضع آخر من رجال النجاشي.
ولكن قبل أن ننقل عبارة النجاشي يجدر بنا الإشارة إلى أنّ هناك روايتان في تاريخ وفاة عليّ بن بابويه : فهناك رواية تؤرّخ وفاته بـ : (328 للهجرة) ، بينما تذهب الرواية الأخرى إلى أنّ وفاته كانت في عام (329 للهجرة) ، وعليه يحتمل أن يكون الخلط بين هاتين الروايتين ـ مضافاً إلى الخطأ الذي نشير إليه لاحقاً ـ قد أدّى إلى اعتبار (سنة 329) هي (سنة تناثر النجوم).
فعبارة النجاشي التي أشرنا إليها والتي جاءت في رجاله (262/684)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة الطوسي ، ص 270/322.

نقلاً عن (الكلوذاني) فقد قال فيها : «أخذت إجازة عليّ بن الحسين بن بابويه لمّا قدم بغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة بجميع كتبه».
ربّما نستفيد من لحن الكلام في هذه الرواية أنّ ابن بابويه لم يأتِ إلى بغداد إلاّ مرّة واحدة. وعليه يبدو أنّ كلمة (ثلاث) في هذه العبارة قد تمّ تصحيفها إلى (ثمان) ، وعليه تكون سنة (323 للهجرة) هي سنة تناثر النجوم وليست سنة (329 للهجرة) ، وأنّ عليّ بن بابويه إنّما دخل بغداد في هذه السنة ، وليس في سنة (328 للهجرة) ، وربما أنّه عندما وصل إلى بغداد لم يكن النعماني قد جاء إليها بعد ، ولذلك لم يرو عنه.

تنويه :
إنّ المقال الراهن يتناول التعريف بمحتوى كتاب غيبة النعماني ، وذكر أبوابه الرئيسة ، ومنهج تأليفه ، وخصائصه المؤثّرة ، ودراسة ونقد النسخ المخطوطة والمطبوعة منه ، مع بيان ضرورة العمل على نقد وتصحيح جديد لهذا الكتاب.
وقد أشرنا في مقدّمة هذه السلسلة من المقالات ـ على نحو الإجمال ـ إلى التعريف بكتاب الغيبة للنعماني ، مع بيان اختلافه عن مثيليه ، أي : كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق ، والغيبة للشيخ الطوسي. وفيما يلي نروم التعريف بهذا الكتاب بتفصيل أكثر.
أبواب الكتاب :
لقد تمّ تنظيم كتاب الغيبة للنعماني ضمن ستّة وعشرين باباً ، وهي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



أبواب مقتضبة نسبيّاً في الغالب ، وأمّا الأبواب التفصيلية التي تشكّل المحتوى العام للكتاب فهي عبارة عن :
ـ الباب الرابع (ص 57 ـ 111) : ما روي في أنّ الأئمّة إثنا عشر إماماً وأنّهم من الله وباختياره.
وفي ختام هذا الباب تمّ نقل عدد من الروايات من طرق العامّة في إثبات عدد الأئمّة عليهم‌السلام ـ اثني عشر إماماً ـ ، كما تعرّض إلى ذكر عبارة من التوراة فيها أسماء الأئمّة باللغة العبرية.
ـ الباب السادس (ص 116 ـ 127) : تناول فيه روايات الأئمّة الإثني عشر من طرق العامّة ، ويبدو أنّه أضيف بعد تأليف الكتاب (1).
ـ الباب العاشر (ص 140 ـ 194) : ما روي في غيبة الإمام المنتظر [وهو (2)] الثاني عشر.
ـ الباب الثالث عشر (ص 212 ـ 247) : ما روي [جاء خ. ل (3)] في صفته [صفات القائم عليه‌السلام ، خ. ل] وسيرته وفعله [وفي أصحابه وما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولذلك لم يرد هذا الباب في بعض النسخ الأخرى. وفي وسط هذا الباب وفي ص 119 بالتحديد نطالع هذا العنوان أيضاً (ما رواه جابر بن سمرة ... بعد ما في الأصل ...). وهذه العبارة تشير إلى إلحاق وضمّ هذا الباب بعد الفراغ من تأليف الكتاب. فقد نقلت روايات جابر بن سمرة قبل ذلك في ص 103 ـ 104 (رقم : 31 ـ 33) ، ص 106 (رقم : 36) ، ص 107 (رقم : 38).
(2) تمّ إضافته من النسخة الموجودة في مكتبة الإمام الرضا عليه‌السلام والتي سوف نتناول وصفها فيما بعد.
(3) تمّ إضافته من النسخة الرضوية.

يريد الله ـ جلّ وعزّ ـ به (1)] ، وما نزل من القرآن فيه.
ـ الباب الرابع عشر (ص 247 ـ 283) : ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم عليه‌السلام [ويدلّ (تدلّ خ. ل) على أنّ ظهوره يكون بعدها كما قالت الأئمّة عليهم‌السلام].
وفي هذه الأبواب الموسّعة نطالع بعض العناوين الفرعية أيضاً ، الأمر الذي يجعل نقل الأحاديث أكثر نظماً.
إنّ أبواب الكتاب على ثلاثة أنحاء تقريباً : الأبواب التمهيدية (المرتبطة بمباني الغيبة) ، الغيبة وعصر الغيبة ، عصر الظهور وعلاماته.
تشتمل الأبواب التسعة الأولى من الكتاب على المباني العقائدية للغيبة ، من قبيل : ضرورة حفظ الأسرار ، واعتبار منصب الإمامة من المناصب الإلهية ، وضرورة وجود الإمام في الأرض ، والروايات ذات الصلة بالأئمّة الإثني عشر عليهم‌السلام.
أمّا الأبواب الثلاثة التي تلي تلك الأبواب ـ من الباب العاشر إلى الثاني عشر ـ فتختصّ بتقرير عصر الغيبة. والباب الخامس عشر والسادس عشر يرتبطان بهذه المرحلة أيضاً.
وأمّا سائر أبواب هذا الكتاب ففي عصر الظهور أو علامات الظهور.
ومن بين هذه الأبواب نجد باباً واحداً ـ الباب الرابع والعشرون ـ فقط يرصد موضوعاً خاصّاً ؛ إذ يثبت هذا الباب بطلان إمامة إسماعيل ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تمّ إضافته من النسخة الرضوية.

ابن الإمام الصادق عليه‌السلام ـ وهو مرتبط بادّعاء المهدوية من قبل الخليفة الفاطمي ـ الذي ينتمي إلى المذهب الإسماعيلي ـ وسوف نتحدّث فيما بعد حول هذا الموضوع بتفصيل أكبر إن شاء الله.
توضيحات تناولها المؤلّف في كتابه :
لقد اشتمل الكتاب في معظمه على نقل روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، غير أنّ المؤلّف في مقدّمته المسهبة نسبيّاً(1) ، وفي تضاعيف الروايات والأحدايث قد أضاف بعض الإيضاحات والتي أفرد لها في المجموع ما يقرب من ستّة عشر كتاباً(2).
وقد ذكر المؤلّف في مقدّمة كتابه أنّ الدافع من وراء تأليف الكتاب هو انحراف أكثر المنتسبين إلى التشيّع عن الطريق المستقيم بسبب وقوع الغيبة ، وأشار إلى أنّ أكثر الناس قد أقبلوا إلى هذا المذهب بدوافع غير صحيحة ، ولذلك فإنّهم تنكّروا له بمجرد أن تعرّضوا لأدنى شبهة ، وقد أشار في مقدّمته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 18 ـ 32.
(2) المصدر أعلاه ، ص 36 / ذيل 7 (مقتضب) ، 42 ، 43 ـ 51 ، 55 ـ 57 ، 101 ـ 102 ، 107 ـ 110 ، 112 / ذيل 4 (مقتضب) ، 115 ـ 116 ، 127 / ذيل 24 (مقتضب) ، 135 ، 136 / ذيل 1 (مقتضب) ، 144 ـ 145 ، 149 ، 151 ، 153 ـ 154 ، 157 ـ 158 ، 160 ـ 161 ، 163 ، 165 ـ 166 ، 169 ـ 170 ، 172 / ذيل 5 (مقتضب) ، 173 ـ 174 ، 175 / ذيل 12 (مقتضب) ، 179 ، 183 ـ 184 ، 184 ـ 185 ، 190 ـ 191 ، 193 ـ 194 ، 196 ، 201 ، 207 ـ 208 ، 211 ـ 212 ، 244 ـ 247 ، 282 ـ 283 ، 311 / ذيل 5 (مقتضب) ، 323 ـ 324 ، 332 (خاتمة الكتاب).

إلى أمر ملفت للنظر عندما قال ما مضمونه : بالنظر إلى كلّ ما بلغنا من الأحاديث الكثيرة المروية عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام بشأن الغيبة ، لو لم تحصل الغيبة ، لكان ذلك هو الدليل على بطلان مذهب الإمامة ، وعليه فإنّ تحقّق الغيبة هو بنفسه دليل على صدق أقوال الأئمّة عليهم‌السلام.
وأضاف المؤلّف بأنّ الحيرة والشكّ الذي أصاب أكثر الشيعة في هذا الموضوع ، لم يكن بالأمر غير المتوقّع ؛ لأنّ الأئمّة عليهم‌السلام سبق أن تنبّأوا به وأخبروا عنه.
وقد اختتم المؤلّف مقدّمته بفهرس لمسائل الكتاب وموضوعاته.
لقد جمع المؤلّف في الأسلوب النثري للكتاب بين الرصانة والإنسيابية الممزوجة بالصناعات الأدبية وخاصّة السجع ، وفي الوقت نفسه كان بعيداً كلّ البعد عن التصنّع والتكلّف ، ممّا يدلّ على سعة باع المؤلّف وتمكّنه من ناصية الأدب العربي ، وبطبيعة الحال لا يمكن لمن تحلّى بصفة (الكاتب) أن لا يكون على غير هذه الصفة.
وبميمنة كتابة هذه الأسطر في يوم ولادة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فإنّنا نتشرّف هنا بذكر صلوات زاكية على الإمام وسائر الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام مقتبسة من مقدّمة الكتاب(1) ، فقد قال الشيخ النعماني بعد ذكر مناقب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقلنا نصّ هذه الصلوات عن النسخة الرضوية ، وسنشير إلى موارد اختلاف النسخ في الهامش إن شاء الله.

«صلّى الله عليه وعلى أخيه أمير المؤمنين تاليه في الفضل ، ومؤازره في اللأواء والأزل ، وسيف الله على أهل الكفر والجهل ، ويده المبسوطة بالإحسان والعدل ، والسالك نهجه في كلّ حال ، والزائل مع الحقّ حيثما زال ، والحاوي(1) علمه والمستودع سرّه ، [و] الظاهر على مكنون أمره ، وعلى الأئمّة من آله الطاهرين الأخيار ، الطيّبين الأبرار ، معادن الرحمة ، ومحل النعمة ، وبدور الظلام ، ونور الأنام ، وبحور العلم ، وباب السلم(2) الذي ندب الله ـ جلّ وعزّ ـ خلقه إلى دخوله ، وحذّرهم النكوب عن سبيله ، حيث قال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)»(3)(4).
الموضوعات المحورية في كلام النعماني :
لقد تطرّق المؤلّف إلى مختلف الموضوعات ، ومن المفيد أن نشير إلى جانب من هذه الموضوعات :
ـ الردّ على العامّة(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي نصّ النسخة المطبوعة : الخازن.
(2) في نسخة الأستاذ الغفّاري (السلام) بدل السلم، وعلى الرغم من كونها أنسب مع السجع مع عبارة (الأنام) ولكن العبارة الصحيحة الواردة في المخطوطة وفي الطبعة الحجرية هي: (السلم) والّتي تتفق في السجع مع كلمة (العلم) قبلها، وتتناسب مع الآية المستشهد بها أيضاً.
(3) البقرة : 208.
(4) غيبة النعماني ، ص 20.
(5) المصدر أعلاه ، ص 29 ، 30 ، 43 ـ 51 ، 55 ـ 57.

ـ الردّ على المعتزلة ، وقولهم في جواز تقدّم المفضول على الفاضل أو الأفضل(1).
ـ بطلان القياس والاجتهاد بالرأي(2).
ـ وجوب الرجوع إلى أهل البيت عليهم‌السلام ، وعدم الاستغناء عنهم(3).
ـ مصائب السيّدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام واعتبار هذه المصائب وصمة عار لا تمحى من جبين أدعياء الإسلام(4).
ـ اشتمال القرآن على جميع العلوم ـ كبيرها وصغيرها ـ ولكن لا يحيط بهذه العلوم غير أهل البيت عليهم‌السلام(5).
ـ ذمّ الاختلاف في الدين(6).
ـ إفضاء إنكار إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام أو أيّ واحد من الأئمّة عليهم‌السلامإلى النفاق(7).
ـ إنّ إنكار أحد الأئمّة ، بمنزلة إنكار جميع الأئمّة(8).
ـ لا تكون الإمامة إلاّ بنصّ إلهي ، فلا دور للناس في اختيار الإمام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 29.
(2) المصدر أعلاه ، ص 20 ، 45 ، 48 ، 49 ، 50 ، 110 ، 165.
(3) المصدر أعلاه ، ص 30 ، 43 ـ 45 ، 55.
(4) المصدر أعلاه ، ص 48.
(5) المصدر أعلاه ، ص 48 ـ 50.
(6) المصدر أعلاه ، ص 50 ـ 55.
(7) المصدر أعلاه ، ص 56 ـ 57.
(8) المصدر أعلاه ، ص 57.

ـ وثاقة كتاب سُليم بن قيس (وهو من مصادر غيبة النعماني)(1).
ـ تواتر الروايات الواردة في تحديد عدد الأئمّة بإثني عشر إ ماماً(2).
ـ إنّ الروايات التي تحدّد عدد الأئمّة بإثني عشر إ ماماً لا تنسجم إلاّ مع عقيدة الشيعة الإمامية(3).
ـ الإشارة إلى قلّة المؤمنين والمعتقدين بالمذهب الصحيح في تلك الحقبة(4).
ـ الفرق الشيعية المنحرفة عن أصل التشيّع وبطلانها ، وتحذير الشيعة من اتّباع الضالّين(5).
ـ بطلان إدّعاء الإمامة من قبل السادة والأشراف من آل أبي طالب(6).
ـ قيام الشواهد في الروايات على صحّة عقائد الإمامية ، وانطباقها على إمام العصر والزمان (عجل الله فرجه) وغيبته(7).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 101.
(2) المصدر أعلاه ، ص 101 ، 127.
(3) المصدر أعلاه ، ص 107.
(4) المصدر أعلاه ، ص 22 ، 26 ، 27 ، 157 ، 165 ، 169 ، 170 ، 186.
(5) المصدر أعلاه ، ص 20 ـ 23 ، 57 ، 102 ، 135 ، 153 ، 157 ، 161 ، 165 ، 169 ، 173.
(6) المصدر أعلاه ، ص 153.
(7) المصدر أعلاه ، ص 136 ، 144 ، 145 ، 149 ، 169 ، 173 ، 183 ، 184 ، 190 ، 193 ، 169.

ـ الآراء المختلفة بشأن صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)(1).
ـ إمكان طول العمر بالنسبة إلى صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه)(2).
ـ تشبيه غيبة الإمام المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ بقصّة ولادة النبيّ موسى عليه‌السلام ونشأته(3).
ـ تواتر روايات الغيبة(4).
ـ الإشارة إلى روايات أهل البيت عليهم‌السلام بشأن الغيبة الأولى (= الغيبة الصغرى) ، والتي كان فيها السفراء الأربعة وسطاء بين الإمام عليه‌السلام وعامّة الناس(5).
ـ وصف منزلة ومكانة السفراء الأربعة(6).
ـ انتهاء فترة الغيبة الصغرى ، وبداية الغيبة الثانية (= الغيبة الكبرى)(7).
ـ سنّ (صاحب الأمر) و (القائم) وهيئته عند الظهور لا تنطبق على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 157 ، 169.
(2) المصدر أعلاه ، ص 157 ، 211.
(3) المصدر أعلاه ، ص 157.
(4) المصدر أعلاه ، ص 160.
(5) المصدر أعلاه ، ص 161 ، 173.
(6) المصدر أعلاه ، ص 174.
(7) المصدر أعلاه ، ص 161 ، 174 ، 193.

أيّ واحد من الأئمّة السابقين ، وغيرهم من الذين ادّعوا المهدوية(1).
ـ توجيه الروايات التي حدّدت وقت الظهور(2).
ـ هيئة الإمام المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ الواردة في الروايات وعدم انطباقها على الخليفة الفاطمي(3).
ـ الإشارة إلى بطلان المذهب الإسماعيلي(4).
أسلوب تأليف الكتاب :
إنّ المؤلّف لم يستند في كتابه على روايات الخاصّة(5) ، وإن كان كتابه لا يخلو من روايات العامّة(6) وحتّى نصوص التوراة التي كان يذكرها في سياق التأكيد على الحقيقة(7).
وقد عمد النعماني إلى رفد الروايات بإيضاحات مقتضبة(8) أحياناً ، وأحياناً يلقي الضوء على الرواية من خلال دعمها برواية أخرى(9) ، أو أن يشرح مضمونها من خلال الأحاديث المعروفة من قبيل : حديث الثقلين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 185 ، 190 ، 323.
(2) المصدر أعلاه ، ص 190.
(3) المصدر أعلاه ، ص 244 ـ 246 ، 282 ، 283.
(4) المصدر أعلاه ، ص 32 ، وانظر أيضاً : ص 324 ـ 329.
(5) المصدر أعلاه ص 102.
(6) المصدر أعلاه ، ص 102 ـ 107 ، وكذلك : 116 ـ 127.
(7) المصدر أعلاه ، 108 ـ 109.
(8) المصدر أعلاه ، ص 36 ، هامش : 7.
(9) المصدر أعلاه ، ص 175.

مثلاً (1).
إنّ الإيضاحات التي يذكرها المؤلّف مفعمة بالآيات القرآنية ، ممّا يثبت عمق معرفته وتخصّصه في مجال القرآن الكريم.
ومن خلال التوضيحات التي يسوقها في كلامه ندرك أنّ مخاطبه هم الشيعة ، ولذلك نراه يقول في الكثير من مواضع الكتاب : «يا معشر الشيعة»(2) ، و «يا أيّها الشيعة الأخيار»(3).
ومن ناحية أخرى فإنّ الكتاب موضوع في الدرجة الأولى للردّ على أهل البدع من الفرق المنسوبة إلى التشيّع ، وقد عبّر النعماني عن هذه الجماعة بعبارات من قبيل : «أهل الدعاوى الباطلة المنتمين إلى الشيعة وهم منهم براء»(4) ، أو «طوائف من العصابة (العصائب خ. ل) المنسوبة إلى التشيّع المنتمية إلى نبيّها محمّد وآله (صلى الله عليه وآله) ممّن يقول بالإمامة»(5). أو «الطوائف المنتسبة إلى التشيّع ممّن خالف الشرذمة المستقيمة على إمامة الخلف بن الحسن بن عليّ»(6).
وبطبيعة الحال فإنّ المؤلّف لم يغفل عن تقديم الإجابات الإجمالية عن مواقف العامّة وبيان فساد مذاهبهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 42.
(2) المصدر أعلاه ، ص 24 ، 101 ، 207 ، 323. وكذلك : ص 183.
(3) المصدر أعلاه ، ص 157.
(4) المصدر أعلاه ، ص 102.
(5) المصدر أعلاه ، ص 17.
(6) المصدر أعلاه ، ص 157.

إنّ أسلوب تأليف الكتاب والصناعة الأدبية فيه ملفت للانتباه ، فإنّ المؤلّف قد استعمل أساليب يستهدف من ورائها تحريك ذهن القارئ ، ليخرجه من حالة الخمول والتراخي ، فتراه يدعو القارئ إلى التفكير وإلى التأمّل ، وأن يتفاعل مع الإثارات الفكرية المطروحة في طيّات الكتاب ، ويخرجه من الدائرة الانفعالية ، وذلك إذ تراه يقول : (فتأمّلوا)(1) ، و (فاعتبروا)(2) ، و (فانظروا)(3) ، و (انظروا)(4) ، و (فتبيّنوا)(5) ، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ المنتشرة في جميع نصوص الكتاب(6).
وبالتالي فإنّه يلفت الأنظار إلى المصير والعاقبة السيّئة التي تنتظر المنحرفين عن المسار الصحيح أي مسار الإمامة ، حيث نرى كلمات النعماني في هذا الكتاب طافحة بالتحذير والإنذار والبشارة(7).
وهو يمدح مخاطبيه بأوصاف خاصّة ، ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من حثّ وتشجيع على التدبّر والتفكير في أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام من أجل الوصول إلى أعتاب الهداية والاستمرار على نهج الولاية ؛ انظر إلى التعابير الآتية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 101 ، 244 و 245.
(2) المصدر أعلاه ، ص 157 ، 165.
(3) المصدر أعلاه ، ص 101 ، 244.
(4) المصدر أعلاه ، ص 201 ، 245 ، 323.
(5) المصدر أعلاه ، ص 207.
(6) المصدر أعلاه ، ص 157 ، 165 ، 201 و..
(7) المصدر أعلاه ، ص 23 ، 55 ، 135 ، 166 ، 172 ، 183 ، 184 ، 190 ، 244 ، 323. وكذلك : الموارد التي سبق ذكرها في الهوامش المتقدّمة.

ـ «يا أولي الأبصار»(1).
ـ «يا أولي الأبصار الناظرة بنور الهدى ، والقلوب السليمة من العمى ، المشرقة بالإيمان والضياء»(2).
ـ «يا من وهب الله له بصيرة وعقلاً ، ومنحه تمييزاً ولبّاً»(3).
ـ «أيّها الشيعة الأخيار»(4).
ـ «يا معشر الشيعة ممّن وهب الله تعالى له التمييز وشافي التأمّل والتدبّر لكلام الأئمّة عليهم‌السلام»(5).
والدعاء للمخاطبين بتعبيرات من قبيل : «رحمكم الله»(6) في سياق تأثير الكتاب عليهم.
ومن ناحية أخرى يعمد المؤلّف إلى ذمّ أهل البدع بذكر أوصافهم القبيحة ، فتراه يقول : «المبتدعون الذين لم يُذقهم الله حلاوة الإيمان والعلم ، وجعلهم بنجوة منه وبمعزل عنه»(7).
وإنّ إيضاحات المؤلّف مفعمة بحمد الله والثناء عليه ، وطلب الهداية وبلوغ الحقيقة(8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 165.
(2) المصدر أعلاه ، ص 165.
(3) المصدر أعلاه ، ص 244.
(4) المصدر أعلاه ، ص 157.
(5) المصدر أعلاه ، ص 183.
(6) المصدر أعلاه ، ص ص 57 ، 101 ، 165 ، 193 ، 201 ، 323.
(7) المصدر أعلاه ، ص 165.
(8) من باب المثال انظر : المصدر أعلاه ، ص 145 ، 158 ، 163 ، 165 ، 212 ، 246 ، 323.

ولا بأس هنا من ذكر هذا النصّ النثري المؤثّر والمحرّك للمشاعر الذي جادَ به يراع المؤلّف ، إذ يقول :
«فاستيقظوا ـ رحمكم الله ـ من سِنة الغفلة ، وانتبهوا من رقدة الهوى ، ولا يذهبنّ عنكم ما يقوله الصادقون عليهم‌السلام صفحاً باستماعكم إيّاه بغير آذان واعية ، وقلوب متفكّرة ، وألباب معتبرة متدبّرة لما قالوا أحسن الله إرشادكم ... والحمد لله ربّ العالمين».
ولكي يعمل المؤلّف على تحريك أذهان المخاطبين ، ويثير عندهم الفضول إلى معرفة الحقّ والحقيقة فإنّه يقوم بتوظيف الأسلوب الاستفهامي ـ وخاصّة الاستفهام الاستنكاري ـ والعبارة الآتية تبيّن مختلف أنواع هذا الأسلوب :
«أليس في هذه الأحاديث ـ يا معشر الشيعة ـ بيان ظاهر ونور زاهر؟ هل يوجد أحد من الأئمّة الماضين عليهم‌السلام يُشكّ في ولادته ، واُختلف في عدمه إلاّ هذا الإمام الذي جعل كمال الدين به وعلى يديه ...»(1).
«فمَن صاحبُ هذه الغيبة غير الإمام المنتظر؟ ومَن الذي يشكّ جمهور الناس في ولادته إلاّ القليل ، وفي سِنّه؟ ومَن الذي لا يأبه له كثير من الخلق ولا يصدّقون بأمره ، ولا يؤمنون بوجوده إلاّ هو؟»(2).
«أما ترون ـ زادكم الله هدى ـ هذا النهي عن التنويه باسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص 183.
(2) المصدر أعلاه ، ص 169.

الغائب عليه‌السلام»(1).
«فأيّ أمر أوضح وأىّ طريق أفسح من الطريقة التي دلّ عليها الأئمّة عليهم‌السلامفي هذه الغيبة ونهجوها لشيعتهم حتّى يسلكوها مسلّمين غير معارضين ولا مقترحين ولا شاكّين ، وهل يجوز أن يقع مع هذا البيان الواقع في أمر الغيبة شكّ»(2).
«هل هذه الأحاديث ـ رحمكم الله ـ إلاّ دالّة على غيبة صاحب الحقّ»(3).
وبذلك فإنّ أبا عبد الله النعماني الكاتب يدعو الشيعة ـ من خلال نثره النابض بالحياة ـ إلى التفكير ، وكلّه أمل بهدايتهم إلى الصراط المستقيم(4).
طبعات كتاب غيبة النعماني :
هناك بأيدينا خمس طبعات لكتاب غيبة النعماني ، وهي كالآتي :
1 ـ الطبعة الحجرية : من إعداد : علي نقي الجيلاني ، دار الخلافة ، طهران ، 1318 هـ ، وهي بخط محمّد القمّي ، وقد ورد في مقدّمة الكتاب بتاريخ (1317 للهجرة) : «لقد تمّ نسخها وتصحيحها بدقّة متناهية عن العديد من النسخ القديمة في دار الإيمان قم».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص 153.
(2) المصدر أعلاه ، ص 179.
(3) المصدر أعلاه ، ص 193
(4) فيما يتعلّق بتفاؤل المؤلّف بهداية الشيعة المتنكّبين للصراط ، انظر على وجه الخصوص : ص 208.

وجاء في خاتمة الكتاب : «قد بلغ قبالاً وتصحيحاً على نسخ معتمدة في مجالس آخرها صبيحة الجمعة لعشرة أيّام بقين من ربيع الأوّل سنة (1317 هـ) ، وحرّره بيمناه الوازرة محمّد القمّي ، (1317 هـ)».
كما طبع في ملحقه كتاب الأربعين للشهيد الأوّل ، وقد شغل الصفحات من (183 إلى 213).
2 ـ طبعة تبريز : قامت بطباعتها مكتبة الصابري سنة (1383 هـ) ، وقد استنسخت هذه الطبعة عن طبعة سابقة بالأفست كذلك ، مع استبدال مقدمتها ذات الصفحة الواحدة بمقدّمة أخرى من ستّ عشرة صفحة بقلم وليّ الله الإشراقي ، ونرى في نهاية الكتاب فهرسة بأبواب الكتاب ، ولا تحتوي هذه الطبعة على كتاب الأربعين للشهيد الأوّل.
3 ـ الطبعة التي قام بتصحيحها علي أكبر الغفّاري : قامت بطباعتها مكتبة الصدوق في طهران سنة (1397 هـ) ، نشرت هذه الطبعة أوّلاً من دون تحريك ، ثمّ تمّ تحريك كلماتها في الطبعة الثانية على يد السيّد محسن الأحمدي ، وأعاد النظر فيها حسين آغا أستاد ولي ، وسوف نتحدّث عن هذه الطبعة بتفصيل أكثر.
4 ـ الطبعة التي قام بتحقيقها فارس حسّون كريم : وقامت بطباعتها أنوار الهدى في قمّ سنة (1422 هـ) ، وقد أنجزت هذه الطبعة عن الطبعة السابقة بعد حذف هوامشها ، وإضافة تخريج الأحاديث إليها.
5 ـ الطبعة المصحوبة بترجمة إلى اللغة الفارسية : وكانت الترجمة بقلم محمّد جواد الغفّاري ـ نجل الأستاذ الغفّاري ـ عن طبعته التي طبعت في

دار نشر صدوق في طهران سنة (1418 هـ).
النسخ المخطوطة لغيبة النعماني وطبعة الأستاذ الغفّاري :
أشار الأستاذ الغفّاري في مقدّمة الكتاب إلى أنّه اعتمد في تصحيحه على ثلاث نسخ ، واحدة بتاريخ : (1077 هـ) ، والثانية من دون تاريخ إلاّ أنّ خطّها يوحي بأنّها تنتمي إلى ما قبل القرن العاشر أو ما يقرب منه ، وأمّا النسخة الثالثة والأخيرة وهي الأهمّ من بين تلك النسخ فهي النسخة المطبوعة ، وقد تمّت مقابلة أسانيدها والبابين الأخيرين منها مع النسخة رقم (187) المحفوظة في مكتبة آستان قدس رضوي من قبل آية الله الزنجاني ـ والد راقم هذه السطور ـ أدام الله تعالى ظلّه ، وقد جاء وصف النسخة من قبله في المقدّمة.
وقد عمد راقم سطور هذا المقال إلى مراجعة هذه النسخة ، ولاحظ أنّ جميع الكتاب ـ سنداً ومتناً ـ قد قوبل بهذه النسخة ، ومن خلال التدقيق في المقابلات توصلنا إلى أنّ مقابلة النسخة قد تمّت عبر مرحلتين ، وإنّ المقابلة الكاملة للنسخة قد جاء بعد استفادة الأستاذ الغفّاري منها ، وكان يقوم بمقابلة النسخة على قدر حاجته من تلك المقابلة ولذلك نراه قد اقتصر على مقابلة بعض الموارد التي كان يرى أنّها ضرورية فقط ـ وليس جميع الأسانيد ـ ، لذلك يمكن القول بأنّه لم تتمّ الاستفادة من هذه النسخة القيّمة والثمينة في هذه الطبعة.
جدير بالذكر أنّ سماحة حجّة الإسلام والمسلمين علي أكبر مهدي بور

ـ دامت بركاته ـ قد قابل نسخته بهذه النسخة مرّتين بدقّة ، كما قابلها أيضاً بالنسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي وهي مطابقة في الغالب للنسخة المتقدّمة ، وقد تفضّل عليّ بتزويدي بنسخته وقد منّ عليّ بهذه البادرة الحسنة.
خصائص النسخة الخطّية المحفوظة في مكتبة آستان قدس رضوي :
إنّ هذه النسخة المحفوظة في هذه المكتبة تحت رقم (187) من كتب الأخبار ، وتحت رقم (1754) ضمن مجموع الكتب المحفوظة ، يرجع تاريخ كتابتها إلى العام (577 للهجرة) ، وللأسف الشديد يبدو أنّ اسم الناسخ قد طاله الحذف أثناء قصّ الصفحة ، وقد تمّ وقف هذه النسخة مع (399) مجلّد آخر من قبل الشيخ أسد الله المعروف بـ : (ابن خاتون المشهدي) عام (1067 للهجرة) على العتبة المقدّسة للإمام الرضا عليه‌السلام ، وإنّ بعض أجزاء الكتاب كتبت بخطّ مختلف ولكنّه قديم أيضاً(1).
هناك في هذه النسخة روايات وأحياناً باب أو أبواب من الكتاب لم تذكر ، وإليك فهرستها على النحو الآتي :
ـ ص 35 ، ح 4 : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ...
ـ ص 37 ، ح 11 : حدّثنا محمّد بن همّام بن سهيل ...
ـ الباب 6 ، ص 116 ـ 127 (الحديث المروي من طريق العامّة). وقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) 134 ـ 147 من النسخة المطبوعة.

سبق أن ذكرنا أنّ هذا الباب كأنّه أضيف إلى الكتاب بعد الفراغ من تأليفه.
ـ ص 129 ، ح 4 : أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ...
ـ ص 129 ، ح 5 ، حدّثنا محمّد بن يعقوب ...
ـ ص 135 ، ح 19 : أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ...
ـ ص 175 ، ح 15 : حدّثنا عبد الواحد بن عبد الله ...
ـ ص 175 ، ح 16 : حدّثنا محمّد بن يعقوب الكليني ...
ـ ص 179 ، ح 25 : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ...
ـ ص 216 ، ح 6 : أخبرنا محمّد بن يعقوب ...
ـ ص 224 ، ح 7 : وعن محمّد بن يحيى ...
ـ ص 241 ، ح 38 : أخبرنا عليّ بن الحسين المسعودي ...
ـ ص 286 ، ح 6 : أخبرنا سلامة بن محمّد ...
ـ ص 286 ، ح 7 : حدّثنا عبد الواحد بن عبد الله بن يونس ...
ـ ص 287 ، ح 8 : أخبرنا أبو سليمان ...
ـ الباب 21 إلى أواخر الباب 24 (ص317 ـ أواخر ص328).
ـ ص 331 ، ح 7 : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ...
اختلاف النسخة الرضوية عن طبعة الأستاذ الغفّاري :
هناك اختلاف بينهما في الكثير من الأمور وحتى في الأحاديث فهل كانت هذه الأختلافات من إضافات المصنّف بعد إتمام تأليف الكتاب أم أنّ النسخة الخطّية قد تعرّضت لهذا النقص؟ حيث لم يتّضح أيّ من ذلك. ومن

خلال مقارنة هذه النسخة بالنسخة المطبوعة من الكتاب نلاحظ اختلافات كبيرة بينهما في الأسانيد ونصوص الأحاديث وتوضيحات المؤلّف ، وفي أغلب الموارد نلاحظ أنّ العبارة الأصحّ أو الأفضل هي عبارة النسخة المخطوطة.
وفيما يأتي من أبحاث هذه المقالة ستكون لنا إشارة في معرض الحديث عن مصادر الكتاب إلى موارد الاختلاف في أسانيد هذه النسخة والنسخة المطبوعة.
وأمّا هنا فسوف نقتصر على بيان اختلاف متن هاتين النسختين في قسمين :
القسم الأوّل يرتبط باختلافات مقدّمة الكتاب ، حيث تعرضنا في هذا القسم إلى أكثر الاختلافات.
وأمّا القسم الثاني فقد تناولنا فيه نماذج من الاختلافات الأخرى في سائر مواضع هذا الكتاب.
ولتسهيل المقارنة بين الطبعتين سوف نأتي على ذكر مواضع من الطبعة الحجرية أيضاً ، حيث أنّه في بعض الموارد تتطابق فيها الطبعة الحجرية مع النسخة الرضوية ، وقد علّمنا هذه الموارد بوضع نجمة أمامها (*) ، وفي بعض الموارد تمّ ذكر عبارة النسخة الرضوية في هامش الطبعة الحجرية ، وقد أشرنا إليها بعبارة (الهامش) في الطبعة الحجرية.
اختلافات النسخة الرضوية عن طبعة الأستاذ الغفّاري في مقدّمة الكتاب :
طبعة الأستاذ الغفّاري/ الطبعة الحجرية/ نصّ النسخة المطبوعة/ نصّ

النسخة الرضوية
ـ ص 18 ، أواخرها/ * ص 2 ، أواسطها/ إن تعدّوا/ وإنْ تعدّوا [آية قرآنية].
ـ ص 19 ، س 2/ ص 2 ، أواخرها/ دالّين هادين/ دالّين وهادين.
ـ ص 19 ، س 3/ ص 2 ، أواخرها/ ومبلّغين مؤدّين/ مبلّغين ومؤدّين.
ـ ص 19 ، س 5/ ص 2 ، س أخير/ أطلعهم على غيبه/ أطلعهم عليه من غيبه.
ـ ص 19 ، س 7 و 8/ ص 3 ، س 1/ ترفّعاً لأقدارهم/ رفعاً لأقدارهم.
ـ ص 19 ، س 8 و 9/ ص 3 ، س 2/ ولتكون حجّة الله عليهم تامّة/ ولتكون حجّته بالغة تامّة.
ـ ص 19 ، س 13/ ص 3 ، س 7/ فصيّره إماماً/ بتصييره إماماً.
ـ ص 19 ، س 14/ ص 3 ، س 7/ وأعطاه الشفاعة/ بإعطائه الشفاعة.
ـ ص 20 ، س 11/ * ص 3 ، س أخير/ أذكاها/ أزكاها.
ـ ص 20 ، س 14/ ص 4 ، س 1/ طوائف من العصابة/ طوائف من العصائب.
ـ ص 20 ، س 16/ ص 4 ، س 4/ فاز بذمّتها/ دان بدينها.
ـ ص 21 ، س 1/ ص 4 ، س 6/ التنزّه عن سائر المحظورات/ التنزّه عن المحظورات.
ـ ص 21 ، س 3/ ص 4 ، أواسطها/ كلمها/ كلمتها.

ـ ص 21 ، أواخرها/ ص 5 ، س 1/ الفرقة الثابتة على الحقّ/ الفرقة المحقّة الثابتة على الحقّ ؛ [وفي هامش النسخة الرضوية تمّت الإشارة إلى اختلاف النسخة].
ـ ص 21 ، ما قبل الأخير/ ص 5 ، س 1/ لا يضرّها الفتن/ لا تضرّها الفتن.
ـ ص 22 ، س 6/ * ص 5 ، س 6 ، الهامش/ لم يهتمّوا لطلب العلم/ لم يهتمّوا بطلب العلم.
ـ ص 22 ، س 8/ ص 5 ، أواسطها/ على قدر روايتهم/ على حسب روايتهم.
ـ ص 22 ، س 10/ ص 5 ، أواسطها/ دخل في هذه المذاهب/ دخل في هذا المذهب.
ـ ص 22 ، ما قبل آخرها/ ص 5 ، أواخرها/ طلباً للرئاسة وشهوة لها وشغفاً بها/ حبّاً للرئاسة وشهوة لها وشغفاً.
ـ ص 23 ، س 2/ ص 5 ، أواخرها/ وهن من نفسه بصحّة ما نطق به منه/ وهن يقينه بصحّة تعلّق به منه.
ـ ص 23 ، س 9/ ص 6 ، س 4/ إرشادهم في الحيرة/ إرشادهم عند الحيرة.
ـ ص 20 ، س 9/ * ص 3 ، أواخرها/ باب السلام/ باب السلم.
ـ ص 23 ، س 13/ ص 6 ، أواسطها/ الهداية إلى ما أوتي عنهم فيها ما يُصحّح/ الهداية إلى ما أتي عنهم فيها ممّا يُصحّح.

ـ ص 23 ، س ما قبل الأخير/ ص 6 ، أواسطها/ حسن الصورة/ حسن البصيرة.
ـ ص 23 ، س الأخير/ ص 6 ، أواسطها/ أتحفه بالفهم/أخلصه بالفهم.
ـ ص 24 ، س 8/ ص 6 ، أواخرها/ قوي اليقين في قلوبهم بصحّة ما تلقّوه/ قدر اليقين في قلوبهم بصحّة ما تلقّوه.
ـ ص 24 ، س 16/ ص 7 ، س 3/ ولا تكونوا/ ولا يكونوا. [إنّ هذه الكلمة جزء من آية قرآنية جاءت على هذا الشكل ، وفي النسخة الخطّية غير منقّطة].
ـ ص 24 ، س 18/ ص 7 ، س 5/ (إن الله يحيي الأرض)/ (اعلموا أنّ الله ...).
ـ ص 21 ، س ما قبل الأخير/ ص 7 ، س 6/ فإنّه/ كأنّه.
ـ ص 24 ، س أخير/ ص 7 ، س 7/ فتأويل هذه الآية جاء/ فتأويل هذه الآية جار.
ـ ص 25 ، س 4/ * ص 7 ، أواسطها/ إمّا ظاهر معلوم أو خائف مغمور/ إمّا ظاهر معلوم وإمّا خائف مغمور.
ـ ص 25 ، س 13/ ص 7 ، أواخرها/ ما حدث من هذه الفرق العاملة بالأهواء/ ما حدث في الشيعة من هذه الفرق العاملة بالأهواء.
ـ ص 26 ، س 7/ ص 8 ، أواسطها/ كان له طعام قد ذراه/ كان له طعام فذراه.
ـ ص 26 ، س 12/ ص 8 ، أواسطها/ حتّى نقيت منه رزمة كرزمة

الأندر [الذي] لا يضرّه السوس شيئاً/ حتّى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر [والاندر : البيدر] لا يضرّها السوس شيئاً.
ـ ص 27 ، س ما قبل الأخير/ ص 9 ، أواسطها/ ناقة صالح/ ناقة ثمود.
ـ ص 29 ، س 2/ * ص 10 ، س 6/ ما وفّق الله جمعه/ ما وفّق الله لجمعه.
ـ ص 29 ، س 7/ ص 10 ، أواسطها/ سرّ آل محمّد عليهم‌السلام/ سرّ الله.
ـ ص 29 ، أواخرها/ ص 10 ، أواخرها/ وإنّهم أحد الثقلين/ بدلاً من (التمسّك).
ـ ص 29 ، س أخير/ ص 11 ، س 4/ خذلاناً من الله شملهم به استخفافهم ذلك وبما كسبت أيديهم/ خذلاناً من الله شملهم به استحقاقهم ذلك بما كسبت أيديهم.
ـ ص 30 ، س 10/ ص 11 ، أواسطها/ المؤثّرون الملح الأجاج على العذب النمير الفرات/ (النمير) لم يرد في النسخة.
ـ ص 31 ، س 4/ * ص 11 ، س ما قبل الأخير/ فيمن ادّعى الإمامة ومن زعم إنّه إمام وليس بإمام/ فيمن ادعى الإمامة ومن ادّعاها له وليس بإمام.
ـ ص 31 ، ما قبل آخرها/ ص 12 ، أواسطها/ ما جاء فيما يلقى القائم منذ قيامه عليه‌السلام فيبتلى من جاهلية الناس/ ما جاء فيما يلقى القائم عند قيامه عليه‌السلام ، ويستقبل من جاهلية الناس ، [إلاّ أنّه في عنوان الباب ص 296 من النسخة المطبوعة جاء فيها (ويستقبل) أيضاً].
ـ ص 31 ، س الأخير/ ص 12 ، أواسطها/ جيش الغضب/ جيش العُصَب/ [في ص 311 و 312 من النسخة المطبوعة في عنوان الباب وفي نصّ الحديث أيضاً جاء (الغضب) و (غضب) وفي النسخة المخطوطة جاء (العُصَب) و (عُصَب)].
نماذج من سائر مواضع الكتاب :
طبعة الغفّاري/ الطبعة الحجرية/ نصّ المطبوعة/ نصّ النسخة الرضوية
ـ ص 43 ، أواخرها/ ص 18 ، أواسطها/ فإنّ القرآن مع العترة/ فالقرآن مع العترة.
ـ ص 45 ، س 7 و 8/ * ص 19 ، أواخرها/ فوكّلهم الله عزّ وجلّ بمخالفتهم أمره وعدولهم عن اختياره وطاعته وطاعة مَن اختاره لنفسه فولاّهم إلى اختيارهم وآرائهم وعقولهم/ بدلاً من (فولاّهم) جاء (ولهم).
ـ ص 50 ، أواسطها/ ص 22 ، أواخرها/ الذين يدين به العباد/ الذين يدين به الضُلاّل [الطبعة الحجرية : الذين تدين به أئمّة الضلال].
ـ ص 56 ، أواسطها/ * ص 26 ، س 7/ فإذا كانت هذه حال من أخلف الوعد في أنّ عقابه النفاق المؤدي إلى الدرك الأسفل من النار/ بدل (أنّ عقابه) جاء (أعقابه) ، [السطر ما قبل الأخير في نفس الصفحة يؤيّد صحّة ما جاء في المخطوطة].
ـ ص 65 ، س 1/ ص 30 ، أواخرها/ أبدال الأرض/ بدلاً من (أبدال) جاء (أبداً).
ـ ص 101 ، أواخرها/ ص 47 ، س 6/ من طرق رجال الشيعة الموثّقين/ من طريق رجال الشيعة الموفّقين.
ـ ص 102 ، س 2/ ص 47 ، أواسطها/ المقداد وسلمان الفارسي/ سلمان والمقداد.
ـ ص 160 ، ما قبل آخرها/ ص 82 ، هامش/ يطالبون بالإرشاد إلى شخصه والدلالة على موضعه ويقترحون إظهاره لهم ، وينكرون غيبته ، لإنّهم بمعزل عن العلم/ ومع هذا الإنذار بقلّة علمهم وضعف بصائرهم وأنّهم بمعزل عن العلم يترجّون ظهور الإمام لهم ويطالبون بالإرشاد إلى شخصه ويذكرون غيبته ويقولون ما فعل وأين هو ولِمَ يغيب وإلى كم يغيب ، وهم يعلمون ما سبق من علم الله وتدبيره في أمر هذا الإمام وصفه الله في المرتبة والمنزلة تحكّماً عن (على خ. ل) الله واقتراحاً على وليّه واستعجالاً لأمره وتقدّماً بين يديه.
ـ ص 163 ، أواسطها/ ص 85 ، س 5 ، هامش/ فيه شبه من يوسف/ فيه سنة [من] يوسف.
ـ ص 169 ، ما قبل آخرها/ ص 88 ، أواخرها/ وهم الجازمون/ وهم الحازمون.
ـ ص 299 ، أواخرها/ ص 160 ، س 6/ وأزد/ وأزد البصرة.
ـ ص 311 ، أواخرها/ ص 167 ، أواخرها/ حدّثني مَن رأى المسيّب ابن نجبة ، قال : وقد جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ومعه رجل يقال له : ابن

السوداء ، فقال له : يا أمير المؤمنين .../ حدّثني من رأى المسيّب بن نجبة وقد جاء يدخل إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ومعه رجل يقال له : ابن السوداء وهو متلبّبة فقالوا : يا أمير المؤمنين ....
ـ ص 331 ، ما قبل آخرها/ ص 180 ، س الأخير/ ملك القائم منّا/يملك القائم منّا.
نموذج ملفت للغاية عن تحريفات النسخة المطبوعة(1) :
نطالع في حديث عن الإمام الباقر عليه‌السلام في النسخة المطبوعة لغيبة النعماني ، (ص 301) (ص 161 ، من الطبعة الحجرية) : «إنّهما أجلان : أجل محتوم ، وأجل موقوف. فقال له حمران : ما المحتوم؟ قال : الذي لله فيه المشيئة. قال حمران : إنّي لأرجو أن يكون أجل(2) السفياني من الموقوف. فقال أبو جعفر عليه‌السلام : لا والله ، إنّه لمن المحتوم».
يرد على هذا النصّ إشكال من ناحيتين :
الناحية الأولى : أنّ هذا النصّ اشتمل على تعريف الأجل المحتوم فقط.
والناحية الثانية : أنّ هذا التعريف ينسجم مع الأجل الموقوف أكثر من انسجامه مع الأجل المحتوم.
إنّ هذين الإشكالين ينبثقان عن سبب واحد ، وهو وجود سقط في النسخة المطبوعة ، فقد سقطت عبارة : «قال : الذي لا يكون غيره ، قال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد نوّه الأستاذ مهدي بور إلى هذا الأمر.
(2) ورد في النسخة الرضوي «أمر» بدلاً من «أجل» ويبدو أنه هو الأحسن.

فما الموقوف؟» من قبل عبارة : «قال : الذي لله فيه المشيئة».
إنّ تكرار عبارة : «قال : الذي ...» في هذا الحديث أدّت بالناسخ أن يقفز بصره من إحديهما إلى الأخرى ، فأدّى هذا إلى حدوث مثل هذا السقط.
ومع الالتفات إلى ما تقدّم نجد هناك حاجة ماسّة إلى طبعة جديدة نقدية لغيبة النعماني تأخذ بنظر الاعتبار النسخة الرضوية ، وربّما أمكن من خلال البحث في فهارس النسخ المخطوطة في مختلف المكتبات العثور على نسخة أو نُسخ أخرى يستفاد منها في عملية التصحيح ، وقد كان لدى العلاّمة المجلسي في الغالب نسخ أصلية قيّمة ، ولذلك يبدو من الضروري الاعتماد على كتاب بحار الأنوار بوصفه نسخة هامّة في عملية تصحيح غيبة النعماني ، على أمل أن يتولّى هذه المسؤولية صاحب همّة وكفوء ليعمل على إحياء هذا الأثر القيّم إن شاء الله تعالى.
تاريخ تأليف الكتاب :
تقدّم أن ذكرنا أنّ كتاب غيبة النعماني قد تمّ تأليفه ـ على ما يبدو ـ قبل شهر ذي الحجّة الحرام من عام (342 للهجرة) ، حيث أملاه مؤلّفه على تلميذه ؛ ومع الأخذ بنظر الاعتبار تصريحه بما يراه من كون عمر الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) عند تأليفه الكتاب كان يربو على الثمانين سنة عندما قال : «له الآن نيّف وثمانون سنة» ، فلا يمكن أن يعود تاريخ تأليف الكتاب إلى ما قبل عام (336 للهجرة) ، وعلى هذا الأساس فإنّ تاريخ تأليف الكتاب

يعود إلى ما بين عام (336 للهجرة) إلى عام (342 للهجرة).
وفيما يلي نحاول أن نقدّم تاريخاً دقيقاً لتأليف الكتاب بملاحظة عبارة أخرى في غيبة النعماني.
ففي منتصف كتاب غيبة النعماني هناك كلام حول النزاعات والحروب الدائرة بين أحد مدّعي المهدوية وأبي يزيد الأموي ، وقد استفاد البعض منه أنّ تاريخ تأليف الكتاب متقدّم على موت أبي يزيد ، وأنّ الكتاب قد تمّ تأليفه عندما كانت الحروب بينه وبين مدّعي المهدوية محتدمة ، وعلى الرغم من أنّ تلك العبارة لا توحي بما فهموه ، إلاّ أنّها قد تنفعنا ببيان آخر فيما نحن فيه. ولمزيد من التوضيح ننقل نصّ عبارة النعماني(1) :
فبعد أن عمد النعماني إلى نقل عدد من الروايات في صفة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) ومنزلته ، بادر إلى نقل رواية جليلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام بشأن منزلة الإمام المهدي ، حيث قال : «ولو أدركته لخدمته أيّام حياتي» ، وقد عقّب النعماني على هذه الرواية قائلاً : «فتأمّلوا [بعد هذا] ما يدّعيه المبطلون ، ويفتخر به الطائفة البائنة(2) المبتدعة من أنّ الذي هذا وصفه ، وهذا حاله ومنزلته من الله عزّ وجلّ ، هو صاحبهم ومن الذي يدعون له ؛ فإنّه بحيث هو في أربعمئة ألف عنان ، وإنّ في داره أربعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد نقلنا هذا النصّ عن النسخة الرضوية ، وسنشير إلى اختلاف طبعة الأستاذ الغفّاري عن هذه الطبعة.
(2) لا يمكن قراءة هذه الكلمة في النسخة الرضوية بوضوح ، وفي هامش طبعة الأستاذ الغفّاري عن بعض النسخ نقلت هذه الكلمة على صيغة «الشانئة».

آلاف خادم روميّ وصقلبيّ(1). وانظروا هل سمعتم أو رأيتم أو بلغكم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، أو (2) عن الأئمة الطاهرين عليهم‌السلام أنّ القائم بالحقّ هذه صفته التي يصفونه بها ، وإنّه يظهر ويقيم(3) بعد ظهوره ، بحيث هو في هذه السنين الطويلة ، وهو في هذه العدّة العظيمة ، يناقفه أبو يزيد الأمويّ ، فمرّة يظهر عليه ويهزمه ، ومرّة يظهر هو على أبي يزيد ، ويقيم بعد ظهوره وقوّته وانتشار أمره بالمغرب والدنيا على ما هي عليه؟! فإنّكم تعلمون بعقولكم ـ إذا سلمت من الدخل ـ وتمييزكم ـ إذا صفى من الهوى ـ أنّ الله قد أبعد من هذه حاله عن أن يكون القائم لله بحقّه والناصر لدينه والخليفة في أرضه والمجدّد لشريعة نبيّه»(4).
فهذه العبارة لا تتحدّث إلاّ عن النزاع والقتال الذي كان دائراً بين أبي يزيد الأمويّ وهذا الشخص الذي كان يدّعي المهدوية والذي استمرّ لسنوات طويلة ، والّتي تؤكد على أنّ النصر كان مرّة حليف هذا المدّعي للمهدوية ، ومرّة حليف أبي يزيد ، ولكن هل انتهى هذا القتال أم أنّه كان لا يزال قائماً؟ هذا ما لا يتّضح من العبارة نفسها.
وقبل مواصلة البحث يبدو من المفيد هنا أن نشير إلى تمرّد أبي يزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الطبعة الحجرية ونسخة الغفّاري ورد التعبير بـ : «الصقالبي» ، وصقلب مدينة تقع في صقلية وهي جزيرة في بحرالمغرب ممّا يحاذي تونس. انظر : تاج العروس ، ج 3 ، ص 200.
(2) في النسخة الحجرية وطبعة الغفّاري : «و» بدلاً من «أو».
(3) في النسخة الحجرية ونسخة الغفّاري «يقيم».
(4) غيبة النعماني ، ص 245 و 246 ، (الطبعة الحجرية ، ص 129 و 130).

باختصار :
إنّ أبا يزيد ـ مخلّد بن كيداد ـ الذي كان من أتباع مذهب النكارية وهم طائفة من الخوارج كان قد جمع أنصاراً له وذلك في سنة (316 للهجرة) ، وبدأ يروّج لفكرة الخوارج في تكفير كلّ من خالفهم من المسلمين.
تحدّثت الكتب التاريخية عن مطاردته من قبل القائم خليفة المهدي ، وهروبه من قبضة القائم وعودته سرّاً إلى مسقط رأسه في (توزر) وذلك سنة (325 للهجرة) ، وأشارت المصادر التاريخية إلى سجنه على يد والي (قسطيلية) ، وقد نجح أنصاره في تحريره من السجن ، وتحصّن في جبال (الأوراس) ، فحاصره القائم هناك ، واستمرّ هذا الحصار سبع سنوات.
وتعود حروبه ضدّ القائم ، وسيطرته على مختلف المدن في غرب أفريقية إلى عامي (332 و 333 للهجرة)(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء في مقال (أبو يزيد النكاري) في دائرة المعارف الإسلامية (ج 6 ، ص 413) : «صرّح المقريزي (اتّعاظ الخنفاء ، ص 109) بأنّه خرج في سنة (303 للهجرة) ، وإنّ ما قاله بعض المؤرّخين من أنّ المهدي قد بنى مدينة المهدية عام (303 للهجرة) (ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 8 ، ص 94) على شكل قلعة حصينة لصدّ الهجمات المحتملة من أبي يزيد (القاضي نعمان ، افتتاح الدعوة ، ص 278 ، ابن الأثير ، الموضع نفسه) ، يؤيّد هذا الرأي». وقد تمّ تحريف عبارة المقريزي في طبعة من طبعات (الاتعاظ) والتي اعتمدها المقال ، حيث تمّ إسقاط كلمة «وثلاثين» ، وقد ذكرت هذه العبارة في تحقيق الدكتور جمال الدين شيّال (القاهرة ، 1416 للهجرة ، ج 1 ، ص 75) بشكلها الصحيح ؛ وعليه فإنّ المقريزي يؤرّخ تمرّده بعام (333 للهجرة). وهذه المقاطع في (الاتّعاظ) مقتبسة عن (الكامل في التاريخ) لابن الأثير حيث تحدّث عن أبي يزيد في أحداث سنة (333 للهجرة) أيضاً.

لقد تمكّن أبو يزيد في سنة (333 للهجرة) من الإستيلاء على أكثر المدن الواقعة في شمال أفريقية ، مثل : قسطيلية وأربس والقيروان وحاصر القائم في عاصمة حكمه في مدينة المهدية ، وقد استمرّ هذا الحصار حتّى عام (334 للهجرة) ، وقد استمرّت المواجهات والانسحابات والإخفاقات والانتصارات له في هذه السنة أيضاً ، وفي شهر رمضان من تلك السنة توفّي القائم ، وحلّ محلّه ابنه المنصور في سدّة الحكم ، كما تواصلت معارك أبي يزيد ضدّ الفاطميّين في تلك السنة بضراوة أيضاً ، ولكن في نهاية المطاف وقع أبو يزيد في قبضة عساكر المنصور ، حتّى توفّي في نهاية المحرّم من عام (336 للهجرة) متأثّراً بجراحه التي أصيب بها في آخر معاركه. وقد وردت تفاصيل هذه الأحداث في كتب التأريخ فلا داعي إلى إعادتها والإسهاب في نقلها وتكرارها في هذا المقال.
في العبارة مورد البحث من كتاب غيبة النعماني هناك أمران يستحقّان الوقوف والتأمّل ، وهما :
أوّلاً : وصف أبي يزيد بالأمويّ ، وهو أمر لم نشاهده في أيّ موضع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنّ التأييد الذي ذكر لخروج أبي يزيد في سنة (303 هـ) عجيب ؛ إذ يشير ابن الأثير إلى أنّ المهدي الفاطمي إنّما بنى المهدية بسبب التنبّؤات الواردة في الكتب بشأن صاحب الحمار ـ (لقب أبي يزيد) ـ وليس بسبب خروجه ، وإنّ عبارة القاضي نعمان في هذا الموضوع أكثر وضوحاً وصراحة ؛ فقد أشار إلى أنّ أبا يزيد هو الدجال الوارد ذكره في الروايات ، وأنّ بناء المهدية كان من أجل الحيلولة دون هجماته (انظر : افتتاح الدعوة ، تحقيق : فرحات دشراوي ، ص 327 ، الفقرة 296 ، ص 332 ، الفقرة 299) ، فلو تمّ التدقيق في هذه العبارة ، لاتّضح جليّاً أنّها تفيد بما يخالف مراد المؤلّف.

آخر. فقد وصف أبا يزيد بلحاظ أرومته بالبربريّ واليفرنيّ والزناتيّ ، كما وصف بلحاظ عقيدته ومذهبه بالخارجيّ الأباضيّ والنكاريّ(1). فما هو منشأ وصفه بالأمويّ؟ يبدو أنّ منشأ ذلك يعود إلى اتّصاله بالأمويّين في الأندلس ، فقد ذكر ابن عذاري المراكشي قائلاً : «وفي منسلخ شوّال من سنة (333 للهجرة) قدم على الناصر رسولان من أبي يزيد ـ مخلّد بن كيداد المعروف بصاحب الحمار ـ القائم بأفريقية على أبي القاسم الشيعي ، برسالة منه يخبر بتغلّبه على القيروان ورقّادة وعملهما ، وإيقاعه بأصحاب الشيعي فيها ، وما يعتقده من ولاية الناصر ، ويأوي إليه من اعتقاده إمامته. واتصلت كتب أبي يزيد ورسله على قرطبة من ذلك الوقت إلى حين وفاته»(2).
كما نقلت المصادر التاريخية هذه العلاقة التي كانت قائمة سنة (334 للهجرة) و (335 للهجرة) أيضاً ، وقد كان الهدف منها طلب النجدة من الناصر(3).
إنّ الأمر الهام في هذا البحث هو أنّ عبارة النعماني ووصفه لمدّعي المهدوية يثبت بوضوح أنّه كان في أثناء تأليف الكتاب على قيد الحياة ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من باب المثال ، انظر : التنبيه والإشراف ، ص 289 ، الكامل في التاريخ ، ج8 ، ص 422 ، البيان المُغْرِب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج 2 ، ص 212 و 214 ، تاريخ ابن خلدون ، ج 4 ، ص 52.
(2) البيان المُغْرِب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج 2 ، ص 212.
(3) البيان المُغْرِب ، ج 2 ، ص 212 ـ 214 ، وانظر أيضاً : دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ، ج 6 ، ص 414 ، نقلاً عن العديد من المصادر ، ومن بينها : تاريخ الخلفاء الفاطميّين في المغرب ، ص 373 و 385 ـ 386.

وذلك حيث يقول : «فإنّه بحيث هو في أربعمئة ألف عنان ، وإنّ في داره أربعة آلاف خادم رومي وصقلبي» ، حيث أنّ هذه العبارة فيها ظهور قوي في كونه كان حيّاً يرزق في حين تأليف الكتاب.
لا شكّ في أنّ هذا الشخص هو الخليفة الفاطمي ، ولكن هل المراد منه القائم الفاطمي أم غيره؟ يبدو من عبارة الأستاذ الغفّاري وتأكيد النعماني بقوله : «القائم بالحقّ ، والقائم لله» بحقّه أنّها تشير إلى هذا المعنى.
وكذلك يمكن الاستشهاد على ذلك بعبارة : «بحيث هو في هذه السنين الطويلة» حيث يستفاد منها أيضاً كونه كان حيّاً في زمان تأليف الكتاب.
فإذا كان هذا الاحتمال صحيحاً ، فبالالتفات إلى تاريخ وفاة القائم في شهر رمضان من سنة (334 للهجرة) ، يعود تاريخ تأليف الكتاب إلى ما قبل هذا التاريخ. إلاّ أنّ هذا لا ينسجم مع استنتاجنا السابق بشأن تاريخ تأليف كتاب غيبة النعماني والذي قلنا فيه : إنّ تأليف الكتاب لا يمكن أن يعود إلى ما قبل سنة (336 للهجرة).
نضيف إلى ذلك أنّ حجم كتاب غيبة النعماني وإن كان صغيراً إلاّ أنّه من الطبيعي أنّ الكتاب كان يكتب بشكل تدريجي. وعليه نقول : إنّ العبارة المرتبطة بغارات أبي زيد في كتاب غيبة النعماني تأتي بعد مئة صفحة من العبارة المرتبطة بعمر إمام العصر والزمان عليه‌السلام ، والتي استنتجنا منها أنّ تاريخ تأليف الكتاب لا يمكن أن يكون سابقاً على العام (336 للهجرة) ، ومن هنا يبدو أنّ عدم انسجام هاتين النتيجتين متين.
فلو كان المراد من مدّعي المهدوية في هذه العبارة هو المنصور ابن

القائم(1) ، فإنّه قد مات في سنة (341 للهجرة) ، وعليه لن يكون هناك إيّ إشكال على استنتاجنا السابق ، ولكن يبعد أن يكون مراد النعماني هو المنصور.
إنّ عقدة هذا البحث رهن بالالتفات إلى مسألة أشار إليها المؤرّخون في مصادرهم ، إذ قالوا : بأنّ المنصور أخفى موت والده خوفاً من اشتداد أمر أبي يزيد ، فلم يسمّ نفسه خليفة ، ولم يغيّر في ضرب النقود ، ولم يغيّر في قراءة الخطب وسائر شؤون الخلافة الأخرى ، فلمّا قضى على تمرّد أبي يزيد أعلن عن موت أبيه ، ونصب نفسه خليفة عنه(2).
وعليه من الطبيعي أن لا يطّلع النعماني على موت القائم حتّى سنة (336 للهجرة) ، متصوّراً أنّه لا يزال على قيد الحياة.
وبعد ضمّ كلتا هاتين العبارتين مورد البحث من كتاب غيبة النعماني إلى بعضهما نصل إلى نتيجة مفادها أنّ كتابة الأجزاء الوسطى من هذا الكتاب تعود إلى سنة (336 للهجرة) ؛ إذ مع أخذ موت أبي يزيد في شهر محرّم من سنة (336 للهجرة) بنظر الاعتبار ، يبعد أن يبقى النعماني على جهله بموت القائم الفاطمي حتّى نهاية تلك السنة. وبعد إضافة هذه النقطة وهي أنّ الكتاب ليس كبير الحجم ، يمكن القول بأنّ الفراغ من تأليف الكتاب كان في تلك السنة (أي سنة 336 للهجرة) أو السنة التي تليها مباشرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا وإنّ نفس ادّعاء المنصور المهدوية بحاجة إلى تحقيق في حدّ ذاته.
(2) الكامل في التاريخ ، ج8 ، ص 434 و 455 ، افتتاح الدعوة ، ص 334 ، الفقرة 300.

وبطبيعة الحال علينا أن لا نتجاهل حقيقة أنّ النعماني وإن كان قد أضاف بعض الروايات إلى الكتاب بعد تأليفه ، ولكن ليس لدينا دليل على أنّه قد أحدث تغييراً في بنية الكتاب ، ولذلك لا يمكن القول بأنّ الكتاب كان قد تمّ تدوينه وتأليفه مرّتين ، لنكون بحاجة إلى البحث في تاريخ تأليفاته المختلفة.
ونتيجة البحث هو : أنّ الأجزاء الوسطى من كتاب غيبة النعماني تعود إلى سنة (336 للهجرة) ، وأمّا خاتمة الكتاب فيبدو أنّها تعود أيضاً إلى تلك السنة ، أو السنة التي تليها مباشرة.
حقيقة بشأن كتاب غيبة النعماني :
قام شرف الدين الأسترآبادي في كتاب تأويل الآيات بنقل بعض الروايات عن غيبة الشيخ المفيد ، وقد عمد إلى حذف بداية الأسانيد من أغلبها ، ولكنّه في موضع من كتابه هذا (الصفحة رقم 208) وفي هامش سورة التوبة بادر إلى نقل روايتين بكامل سنديهما تخلّلهما توضيح من المؤلّف منقولة من ذلك الكتاب :
ـ «حدّثنا عليّ بن الحسين ، قال : حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار ... وأوضح من هذا ـ بحمد الله ـ وأنور وأبين وأزهر ...».
ـ «أخبرنا سلامة بن محمّد ، قال : حدّثنا أبو الحسن علي بن معمّر ...».

وقد روي هذان الحديثان على هذه الصيغة(1) في غيبة النعماني (ص86/17 ، 87/ 18).
كما تمّ نقل سائر الموارد المنقولة في كتاب تأويل الآيات عن كتاب غيبة الشيخ المفيد بأجمعها في كتاب غيبة النعماني أيضاً :
ـ تأويل الآيات ، ص 87 (هامش سورة البقرة) ، غيبة النعماني (ص 314/6 ، 282/67).
ـ تأويل الآيات ، ص 102 (هامش سورة البقرة) ، غيبة النعماني (ص 132 / 14).
ـ تأويل الآيات ، ص 123 (هامش سورة آل عمران) ، غيبة النعماني (ص 41 / 2).
ـ تأويل الآيات ، ص 133 (هامش سورة آل عمران) ، غيبة النعماني (ص 26 ، ص199/13).
ـ تأويل الآيات ، ص 256 (هامش سورة النحل) ، غيبة النعماني (ص 198/9 ،243/43).
ـ تأويل الآيات ، 384 (هامش سورة الشعراء) ، غيبة النعماني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بطبيعة الحال يمكن ملاحظة بعض الاختلافات الطفيفة في هذين النقلين ، من قبيل : إبدال «حدّثنا» في الحديث الأوّل ، في النسخة المطبوعة من غيبة النعماني بـ : «أخبرنا» ، ولكن ورد التعبير في الطبعة الحجرية (ص 41) بنفس عبارة «حدّثنا» في بداية الحديث.
كما لم يرد ذكر بعض أوصاف الرواة في كتاب تأويل الآيات ، حيث يمكن إرجاع سبب ذلك إلى حذفها من قبل المؤلّف رعاية للإختصار.

174 / 11).
وعليه ليس هناك من شكّ في أنّ النسخة التي نسبها شرف الدين الأسترآبادي إلى الشيخ المفيد ، لم تكن سوى نسخة عن كتاب غيبة النعماني! فما الذي أدّى إلى حدوث هذا الخلط؟
وللإجابة عن هذا السؤال لابدّ من الالتفات إلى أنّ الشيخ المفيد كان له كتاب في الغيبة ، وقد ورد ذكره في كتاب رجال النجاشي(1) ، ويبدو ـ بطبيعة الحال ـ أنّ هذا الكتاب هو من بين كتبه المفقودة ، وليس بأيدينا أيّ معلومات خاصّة عنه أيضاً ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ الشيخ المفيد يكنّى بـ : (أبو عبد الله) ، واسمه : (محمّد بن محمّد بن النعمان) ؛ ولذلك كان يتمّ التعبير عنه أحياناً بـ : (أبو عبد الله ابن النعمان)(2) ، ومن هنا يبدو الشبه بين اسم الشيخ المفيد وبين اسم أبي عبد الله النعماني مؤلّف كتاب غيبة النعماني جليّاً ، ومن هنا فإنّ تحريف اسم (أبو عبد الله النعماني) إلى (أبو عبد الله بن النعمان) ، أو الخلط بين هذين الاسمين ، هو السبب في نسبة كتاب غيبة النعماني إلى الشيخ المفيد.
وبطبيعة الحال علينا أن لا نغفل عن اشتراك النعماني والمفيد في الاسم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، ص 401 / 1067.
(2) مسكّن الفؤاد ، ص 38 (ونقلاً عنه في بحار الأنوار ، ج 82 ، ص 121) ، رجال النجاشي ، ص 404 / 1070 ، شرح نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 165 ، كما ورد التعبير بـ : (ابن النعمان) في رجال النجاشي في ص 161 / 425 ، ص 431 / 1161 ، ص 457 / 1246.


تنويه :
تعرّضنا في الفصول السابقة من هذا المقال إلى بيان سيرة حياة أبي عبد الله النعماني مؤلّف كتاب الغيبة ، والتعريف بهذا الكتاب. وفي هذا الفصل سوف نتعرّض لأزمة الإمامة في عصر الغيبة ـ والتي كانت هي الغاية الرئيسة من وراء تأليف النعماني لهذا الكتاب ـ وكذلك إجابة النعماني عن شبهة طول عمر إمام العصر والزمان (عج) ، ومن ثمّ ننتقل إلى دراسة ظاهرة اندثار المذاهب المنحرفة بعد عصر النعماني. وفي الختام سنبحث في لقب النعماني وبعض الأشخاص الآخرين الذين لقّبوا بهذا اللقب.
أزمة الإمامة في عصر الغيبة وظاهرة طول عمر الإمام المنتظر (عج) :
لقد مثّلت غيبة إمام العصر (عج) اختباراً إلهيّاً كبيراً. فعلى الرغم من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعريب: السيّد حسن علي مطر الهاشمي.

الروايات المستفيضة التي وردت في غيبة الإمام ، والتمهيدات الكثيرة التي قام بها الأئمّة عليهم‌السلام في هذا الشأن من أجل إعداد الناس لهذه المرحلة(1) ، نجد ردّة عن الحقّ من قبل الكثير من الشيعة ، حيث مالوا إلى التيّارات المنحرفة بمجرّد حدوث الغيبة. وعلى حدّ تعبير النعماني : «فإنّنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيّع ، المنتمية إلى نبيّها محمّد (صلى الله عليه وآله) ممّن يقول بالإمامة ... قد تفرّقت كلمها ، وتشعّبت مذاهبها ... فطار بعضها علوّاً [غلوّاً] ، وانخفض بعضها تقصيراً ، وشكّوا جميعاً إلاّ القليل في إمام زمانهم ووليّ أمرهم وحجّة ربّهم»(2). وقد أكّد النعماني على هذه الحقيقة مراراً ، وهي أنّه لم يثبت على منظومة الإمامة والوفاء لإمامة إمام العصر (عج) من أدعياء التشيّع غير النزر اليسير(3).
بيد أنّ النعماني لا يذكر أسماء هذه الفرق والتيارات المنحرفة بشكل صريح ، وإنّما يكتفي بالإشارة إلى بعضها فقط.
وفي موضع من الكتاب بعد ذكره لعدد من الروايات أضاف قائلاً : «وهذه الأحاديث دالّة على ما قد آلت إليه أحوال الطوائف المنتسبة إلى التشيّع ممّن خالفوا الشرذمة المستقيمة على إمامة الخلف بن الحسن بن عليّ عليه‌السلام ؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن جملة ما قام به الأئمّة عليهم‌السلام في هذا الاتّجاه ، التأسيس لنظام الوكالة ، والارتباط غير المباشر بين الناس والأئمّة عليهم‌السلام ، وعدم إعطاء إجابات واضحة عن الأسئلة الدينية ، وإحالة السائل إلى الروايات المروية عن الأئمة السابقين مع بيان كيفية حلّ الروايات المتعارضة و ....
(2) غيبة النعماني ، تحقيق : علي أكبر الغفّاري ، ص20 ـ 21.
(3) غيبة النعماني ، ص26 ، 27 ، 157 ، 169 ، 170 ، 186.

لأنّ الجمهور منهم من يقول في الخلف : أين هو؟ وأنّى يكون هذا؟ وإلى متى يغيب؟ وكم يعيش هذا؟ وله الآن نيّفٌ وثمانون سنة! فمنهم من يذهب إلى أنّه ميّت ، ومنهم من ينكر ولادته ، ويجحد وجوده بواحدة ، ويستهزئ بالمصدّق به ، ومنهم من يستبعد المدّة ويستطيل الأمد ، ولا يرى أن الله في قدرته ونافذ سلطانه وماضي أمره وتدبيره قادرٌ على أن يمدّ لوليّه في العمر كأفضل ما مدّه ويمدّه لأحد من أهل عصره وغير أهل عصره ، ويظهر بعد مضيّ هذه المدّة وأكثر منها»(1).
ثمّ أخذ النعماني بعد ذلك بالإجابة عن شبهة طول عمر الإمام (عج) بإجابتين. ولكنّا قبل الدخول في بيان الجواب الأوّل نسترعي انتباه القارئ إلى أنّ عمر صاحب العصر والزمان (عج) عند مباشرة النعماني تأليف كتابه كان قد بلغ حدّاً تجاوز الحدّ الطبيعي لأعمار سائر الناس ، ومن هنا طرحت الشبهة في عمره الشريف ، ولكن حيث إنّ عمر الإمام في حينها لم يتجاوز عمر كبار المعمّرين في ذلك الوقت ، كان من الطبيعي للنعماني أن يجيب في بعض جوابه من خلال التمثيل بأنّ هناك الكثير من المعاصرين له قد تجاوزت أعمارهم المئة سنة ومع ذلك يتمتّعون بقوى جسدية وصحّة كاملة.
بيد أنّ هذه الإجابة إنّما كانت إجابة مرحلية ؛ إذ لم يكن هناك ما يضمن ظهور الإمام الحجّة (عج) في القريب العاجل ، وقد كان النعماني مدركاً بأنّ عمر الإمام سيتجاوز الأعمار الطبيعية ، من هنا فإنّه يجيب عن تلك الشبهة بشكل جوهريّ إذ يقول : ما هو المانع من اعتبار طول عمر الإمام المنتظر من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص157.

جملة كراماته ؛ إذ ليس هناك من دليل على ضرورة أن يتساوى الإمام في عمره مع سائر الناس ، وقد مثّل النعماني لذلك بقصّة بقاء النبيّ موسى عليه‌السلام على قيد الحياة ، والتي ذكرت في القرآن الكريم ، ففي قصّة ولادة موسى بذلت السلطات الفرعونية الحاكمة كلّ ما بوسعها من أجل الحيلولة دون ولادته ، إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى قضى ببقائه على قيد الحياة بشكل غير طبيعي ، حتّى جعله يترعرع في أحضان ذلك الذي كان يريد القضاء عليه ، وذبح من أجل ذلك جميع المولودين حديثاً ، وبعد منعطفات طويلة ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم حانت ساعة ظهوره التي قدّرها الله في وقتها.
يبدو أنّ النعماني قد استند في هذا التمثيل إلى أمرين :
الأوّل : إنّ سنّة الله في الحفاظ على الأنبياء والأولياء لم تقم حتماً على المحافظة عليهم بالطرق الطبيعية المألوفة ، بل قد تتمّ المحافظة عليهم بالطرق غير الطبيعية. ومن هنا يمكن لعمر الإمام المنتظر (عج) من أجل المحافظة عليه أن يمتدّ إلى ما شاء الله.
الأمر الآخر : إنّ النبيّ موسى عليه‌السلام كان في مستهلّ حياته وطفولته وبداية شبابه يعيش في غيبة ، ومفهوم هذه الغيبة يعني : أنّ من كان حوله من الناس م يكونوا يعرفون أنّه هو الذي ادّخره الله للانتقام من الظلمة. ويمكن أن نطرح ما يشبه هذا المعنى والمفهوم بالنسبة إلى غيبة إمام العصر (عج) أيضاً.
وهنا يبدو من النافع والمفيد أن نشير إلى بحث بشأن رؤية المجتمع في عصر النعماني إلى مسألة الغيبة ومدّتها.

رؤية الشيعة في بداية الغيبة إلى مدّة غيبة الإمام (عج) :
كتب بعض المحقّقين في هذا المجال يقول : في الأيّام الأولى التي تمّ فيها الكلام بين الشيعة بشأن وجود الإمام وغيبته ربّما قلّ أن يكون هناك من يحتمل أنّ غيبة الإمام (عج) ستستمر إلى فترة طويلة جدّاً ، فقد كان الشيعة يتصوّرون أنّ الإمام (عج) سيظهر بمجرّد زوال المشاكل التي كانوا يعانون منها والأخطار المحدقة التي كانت تهدّد حياة الإمام ، وأنّه سيقوم بأعباء الإمامة كما هو ديدن آبائه وأجداده الطاهرين عليهم‌السلام. وقد كان الاعتقاد السائد بين الشيعة أنّه (عج) سيظهر في حياة أولئك الكبار والمعمّرين من أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام من الذين شهدوا ولادته وأقرّوا بإمامته ، حتّى يثبتوا صحّة دعواه لمكان رؤيتهم ومعرفتهم له ، وبذلك يقف الشيعة على صحّة هذه الحقائق ويركنون إلى الاطمئنان بها.
ومن ثمّ تطرّق في الهامش إلى عبارة ابن قبة : (مسألة في الإمامة) إذ يقول : «وأما قولهم إذا ظهر فكيف يُعلم أنّه ابن الحسن بن عليّ؟ فالجواب في ذلك أنّه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجّة من أوليائه كما صحّت إمامته عندنا بنقلهم»(1).
نجد هنا حدوث سوء فهم لعبارة ابن قبة ، وللأسف الشديد فإنّ الذي أدّى إلى سوء فهم هذه العبارة هو نقلها بشكل مبتور ، وفيما يلي نذكر تتمّة كلام ابن قبة ليتّضح عدم صواب الفهم المتقدّم ، فقد استطرد ابن قبة بعد الكلام السابق قائلاً :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مكتب در فرايند تكامل (المذهب في مساره التكاملي) ، ص121 ـ 122.

«وجواب آخر وهو أنّه قد يجوز أن يظهر معجزاً يدلّ على ذلك ، وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ، ونجيب الخصوم به ، وإن كان الأوّل صحيحاً»(1).
إنّ الإشكال الذي طُرح هنا هو حول كيفية معرفة صاحب العصر (عج) من قبل الناس عند ظهوره ، وقد ذكر ابن قبة جوابين عن هذا الإشكال ، والإجابة الثانية التي يعتمدها في الردّ على المخالفين هو أنّ إمام العصر (عج) يمكنه أن يعرّف نفسه للناس من خلال إظهار المعجزة.
وعندما كان ابن قبة منشغلاً بتأليف كتابه كان هناك إجابة مفترضة عن الإشكال المتقدّم وهي الإجابة التي ذكرها كجواب أوّل ، وقد استند إليها المحقّق المعاصر في غير محلّه ، في حين أنّ هذا الجواب ليس دليلاً على أنّ الناس لم يكونوا يحتملون أن تطول غيبة إمام العصر (عج) ، بل إنّ طرح مثل هذا الجواب هو للإجابة عن مجرّد احتمال أن لا تمتدّ غيبته لفترة طويلة ، وأنّه سيظهر في عصر أولئك الكبار والمعمّرين من أصحاب الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام.
وبعبارة أخرى : تمّ الخلط في هذا الاستدلال المذكور بين أمرين :
الأوّل : إنّ الناس في ذلك العصر كانوا يعتقدون أنّ غيبة إمام العصر (عج) لن تمتدّ لفترة طويلة جدّاً.
الثاني : إنّ الناس في تلك الحقبة كانوا يحتملون عدم استمرار غيبة صاحب الأمر (عج) لفترة طويلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ص186.

وإنّ الأمر الثاني ـ الذي هو أمر صحيح ، ويمكن استنتاجه من عبارة ابن قبة ـ من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى استدلال. وأمّا ادّعاء المحقّق المعاصر فيتعلّق بالأمر الأوّل الذي لا يمكن استنتاجه من عبارة ابن قبة.
وبطبيعة الحال من الواضح أنّ الجواب الأوّل لابن قبة إنّما هو جواب مرحلي ، فهو وإن كان كافياً لدفع الشبهة بالنسبة إلى تلك الفترة ، ولكن لا يمكن الاستناد إليه والتعويل عليه في اقتلاع الشبهة وحسمها من الأساس ، وربّما لهذا السبب نجد ابن قبة نفسه كان يعوّل على الإجابة الثانية ويستفيد منها في مقام المناظرة مع المخالفين والخصوم(1).
تكملة توضيح جواب النعماني عن شبهة طول عمر إمام العصر(عج) :
فيما يتعلّق بمسألة طول عمر الإمام (عج) يمكن الحصول على جوابين أيضاً من تضاعيف كلام النعماني ، وإنّ الإجابة الأولى إجابة مرحلية تقتصر على عصر النعماني وما بعده بفترة قصيرة ، وحاصل هذه الإجابة : إنّ مدّة عمر الإمام (عج) يمكن أن لا تتجاوز في حدّها الأقصى عمر أكبر المعمّرين في تلك الحقبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لو أنّ ابن قبة كان قد اكتفى في مقام ردّ تلك الشبهة بالجواب الأوّل فقط لكان هناك متّسع للقول بأنّ هذا الجواب يبدو مرحليّاً ، لكن يجب علينا أن ندرك بأنّ فهم ابن قبة للغيبة والظهور لا يترك لنا المجال إلاّ القول بأنّ جوابه جواب أساسي ، بيد أنّه بالالتفات إلى تعدّد إجابات ابن قبة لا يمكن أن يكون هذا التصوّر صحيحاً. وعلى كلّ حال فإنّنا من خلال كلام ابن قبة لا نستفيد غير اعتقاده الخاصّ ، دون الاعتقاد العام والسائد.

بيد أنّ الجواب الرئيسي للنعماني هو جوابه الثاني ، وحاصله : أن لا دليل لدينا على أنّ عمر الإمام (عج) لن يتجاوز الأعمار الطبيعية ، وأنّه لابدّ أن يكون مثل العمر المتعارف لسائر الناس ، فلا الله سبحانه وتعالى عاجز عن إطالة عمر الإمام (عج) ، ولا سنّته بشأن أوليائه قائمة على اتّباع القوانين المتعارفة والطبيعية دائماً وأبداً ، كما نجد ذلك بالنسبة إلى قصّة النبيّ موسى عليه‌السلام حيث نشاهد أساليب غير متعارفة فيما يتعلّق بولادته وتربيته ونشأته والمحافظة عليه.
وقد أشار النعماني في موضع آخر إلى تشكيك أكثر الناس في ولادة الإمام الحجّة المنتظر (عج) ، وفي عمره أيضاً ، مستنداً في طول زمان غيبته إلى الروايات التي تتحدّث عن غيبة إمام العصر (عج) والتي تمّ التأكيد فيها على أنّه سيكون من الصعب على الناس تحمّل ذلك ، فلا يؤمن به إلاّ النزر اليسير من المؤمنين(1) ، فإنّ هذه الروايات بنفسها تؤكّد على غرابة هذه الحادثة واختلافها عن سائر الحوادث الأخرى ، بحيث يمكن جعلها شاهداً على الجواب الرئيسي والأساسي للنعماني عن شبهة طول عمر الإمام الحجّة المنتظر (عج).
هذا وقد تعرّض أرباب الفرق والنحل من أمثال : النوبختي وسعد بن عبد الله إلى ذكر الفرق المنحرفة التي ظهرت بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام بالتفصيل(2) ، ومن بين تلك المذاهب مذهب الجعفرية (أتباع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ، ص169 ، وانظر أيضاً : ص21 ، 23 ، 26 ، 28 ، 186.
(2) فرق الشيعة ، ص105 ـ 119 ، والمقالات والفرق ، ص102 ـ 116.

جعفر بن علي ، المعروف بجعفر الكذّاب) حيث كان لتلك الفرق الكثير من الأتباع والمؤيّدين(1). وقد أشار النعماني مراراً إلى أنّ الغالبية العظمى من الشيعة قد انحرفت عن الصراط المستقيم بعد الغيبة ، ولكن ما هو مدى صحّة ودقّة هذا الكلام؟ وهل تمّ أخذ جميع الحواضر الشيعية بنظر الاعتبار لإصدار مثل هذا التعميم؟ فهل تمّ أخذ مدينة قم بنظر الاعتبار مثلاً؟ أم أنّ النعماني قد اقتصر في قوله هذا على الحواضر القريبة من مدن إقامته في العراق والشام فقط؟ وهذا ما يحتاج إلى مزيد من التحقيق والتأمّل(2).
ومن المفيد هنا أن نذكر أنّ شبهات الغيبة لم تقتصر على المنحرفين عن صراط التشيّع المستقيم ، بل كان هذا الأمر يُشكّل معضلة فكرية حادّة حتّى بالنسبة إلى الشيعة الراسخين والثابتين على تشيّعهم أيضاً ، وقد أشار عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (م : 328 أو 329) في مقدّمة كتاب الإمامة والتبصرة من الحيرة إلى هذه المسائل ، وقد واجه ابنه الشيخ الصدوق هذه الحيرة لدى أكثر الشيعة الذين كانوا يأتون إليه عند إقامته في نيشابور ، إنّنا نرى حتّى عالماً متديّناً مثل : الشريف أبو سعيد محمّد بن الحسن القمّي ـ وهو من أسرة آل الصلت المعروفة بتشيّعها ـ يقع في الشكّ والحيرة بسبب كلام بعض الفلاسفة والمناطقة بشأن الإمام القائم (عج) وطول غيبته ، وقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كمال الدين ، ص320 و321 ، ومصادر أخرى تمّت الإشارة إليها في كتاب (مكتب در فرايند تكامل ، ص113 و114).
(2) لقد عبّر النوبختي عن المؤمنين بإمامة المهدي بـ : (الجمهور) ، وهو ما لا ينسجم مع الكلام المتقدّم من النعماني ، انظر : الفصول المختارة ، ص318.

أدّى ذلك إلى تأليف كتاب كمال الدين وتمام النعمة بتوجيه من إمام العصر والزمان (عج) في عالم الرؤيا ، وقد كان لتأليف كتب (الغيبة) دور هام في دفع هذا النوع من الشبهات وإصلاح المسار الفكري للتشيّع قطعاً.
مصير المذاهب المنحرفة بعد النعماني :
ورد في الفصول المختارة(1) ـ نقلاً عن الحسن بن موسى النوبختي ـ التعريف مفصّلاً بأربع عشرة فرقة ظهرت بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ، وقد أفاد الشيخ المفيد قائلاً : «وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقة موجودة في زماننا هذا ـ وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة ـ إلاّ الإمامية الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمّى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حسب ما شرحناه فيما تقدّم عنهم ، وهم أكثر فرق الشيعة عدداً وعلماً ، ومتكلّمون نظّار ، وصالحون عبّاد ، متفقّهة وأصحاب حديث وأدباء وشعراء ، وهم وجه الإمامية ورؤساء جماعتهم والمعتمد عليهم في الديانة».
واستطرد الشيخ المفيد قائلاً : «ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحدٌ من جملة الأربع عشرة فرقة التي قدّمنا ذكرها ظاهراً بمقاله ، ولا موجوداً على هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يبدو أنّ (الفصول المختارة) من تأليف السيّد المرتضى ، وقد جمع في هذا الكتاب فصولاً من كلام [كتاب خ. ل] الشيخ المفيد في المجالس [بمعنى المناظرات على ما يبدو] ، وبعض المسائل من كتابه العيون والمحاسن. (راجع : مقدّمة الكتاب وصور نسخه المخطوطة في بداية (الفصول المختارة) ، طبع مؤتمر ألفيّة الشيخ المفيد) ، ويحتمل قويّاً أن تكون المطالب التي نقلناها هنا مأخوذة من العيون والمحاسن.

الوصف من ديانته ، وإنّما الحاصل منهم حكاية عمّن سلف ، وأراجيف بوجود قوم منهم لا يثبت»(1).
إنّ الفقرة الأخيرة تشير إلى إشاعات حول بعض أتباع هذه المذاهب في عصر المؤلّف ، إذ يرى الشيخ المفيد عدم صحّتها.
وقد أشار الشيخ المفيد في كتابه الفصول العشرة في الغيبة الذي ألّفه سنة (410 للهجرة) إلى أنّه لم يعثر على أحد من أحفاد جعفر كان قد اختلف مع الشيعة الاثنى عشرية حول مسألة إمامة ابن الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام وبقائه على قيد الحياة وانتظار ظهوره ، وقد دعم الشيخ الطوسي هذا الرأي في كتابه الغيبة الذي ألّفه في سنة (447 للهجرة) ، وقد كانت هذه الفرقة قد اندثرت تماماً ولم يعد لها من وجود في ذلك الزمان.
وقد نقل بعض المحقّقين المعاصرين ما تقدّم وأضاف إليه قائلاً : «يبدو أنّه بالإمكان الوثوق بمضمون هذا الكلام فيما يتعلّق بالحدود التقليدية لمذهب التشيّع من المدينة إلى خراسان ، بيد أنّ الكثير من أحفاد جعفر قد هاجروا إلى المدن والحواضر البعيدة عن المناطق والبلدان الشيعية ، من قبيل :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سمعت من بعض المؤلّفين مشافهة يتحدّث عن عدم دقّة علماء الشيعة ، ومثّل لذلك بعبارة المفيد. وفي مقام توضيح إشكاله أشار إلى كلام السيّد الشريف الرضي قدس‌سره في مقدّمة كتاب (خصائص الأئمّة ، ص37) حيث يصرّح بأنّ جمهور الموسوية سنة (383 للهجرة) كانوا يقولون بالوقف ، ولا يذهبون إلى إمامة الأئمّة بعد الإمام الكاظم عليه‌السلام. بيد أنّ عبارة المفيد كما هو واضح ناظرة إلى اندثار الفرق التي ظهرت بعد استشهاد الإمام العسكري عليه‌السلام دون أمثال فرقة الواقفية التي ظهرت قبل ذلك. وعليه فإنّ كلام هذا الكاتب هو الذي لا ينطوي على الدقّة ، وليس كلام أمثال الشيخ المفيد!

مصر والهند ونظرائهما .. وأصبح بعضهم من أقطاب ومشايخ الصوفية ، ومن بين تلك الطرق الصوفية التي تنتقل فيها الزعامة والمشيخة بالوراثة موجودة حاليّاً في تركيا. وقد أرجعت هذه الفرقة سلالة مشيختها في أحدث إصداراتها إلى جعفر الذي يدعونه بجعفر المهدي ، وقد أشار أحد المتأخّرين من مشايخهم واسمه السيّد أحمد حسام الدين (المتوفّى سنة (1343 للهجرة) .. بشكل غير مباشر في مقدّمة تفسيره إلى أنّه (وارث النبيّ) و (إمام العصر)»(1).
إنّ هذه العبارة تنطوي على شيء من الغموض ، فالذي يبدو من ظاهرها(2) أنّ المؤلّف يعتقد أنّ فرقة الجعفرية لم تندثر في عصر الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، وقد استند في إثبات ذلك إلى استمرار بقاء سلسلة طريقة أبناء جعفر إلى العصر الراهن في تركيا ، إلاّ أنّ بقاء سلسلة الطريقة لا يتنافى مع اندثار الجعفرية في عصر الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ؛ لأنّ المراد من اندثار الجعفرية يعني القول بإمامة شريعتهم ، دون مشيخة طريقتهم ، كما هو الحال بالنسبة إلى معروف الكرخي الذي تنتهي إليه سلاسل الكثير من طرق الصوفية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مكتب در فرايند تكامل ، ص118 ـ 121.
(2) هناك احتمال مخالفة الظاهر في عبارة هذا الكتاب، إذ بالالتفات إلى انتشار وتفرّق أبناء جعفر في البلدان القصية والبعيدة لا يمكن التسليم بصحّة اندثار الجعفرية؛ إذ يحتمل أن يكون بعض أولاد جعفر الذين بقوا على هذا المذهب كانوا يعيشون في المدن النائية والبعيدة عن الحواضر الشيعية؛ وعليه فاحتمال عدم الاندثار هو الأقرب دون ادّعاء عدم الاندثار، وهذا الاحتمال على خلاف الظاهر؛ إذ أنّ بيان مثل هذا الاحتمال يحتاج إلى ذكر بعض المسائل المتقدمة والتي نحن في غنى عن ذكرها هنا.

وبطبيعة الحال فإنّ كون هذه السلسلة الصوفية تقوم على الوراثة وانتقال المشيخة من الآباء والأجداد إلى الأبناء في ذلك الزمان بحاجة إلى إثبات ، ولا يكفي في إثبات ذلك مجرّد بقاء هذه السلسلة على الطريقة الراهنة في الوقت الحاضر.
إن كان مراد السيّد حسام الدين من التعبيرين المذكورين وهما : (وارث النبيّ) و (إمام العصر) في الشريعة ، ولو افترضنا أنّه يدّعي الإمامة في الشريعة عن طريق التوارث وانتقال المرجعية من الآباء إلى الأبناء ، وأنّ هذه المرجعية قد انتقلت إليه من آبائه ، فإنّ مجرّد هذا الادّعاء لا يصحّ دليلاً على أنّ آباءه كانوا يدّعون الإمامة حقيقة ، أو أنّهم كانوا يعتقدون بإمامة جعفر ، بل من المحتمل أن يكون شخص من أولاد جعفر قام بهذه الدعوى بعد سنين من اندثار الجعفرية ونسبها إلى أجداده أيضاً ، وعليه لا دليل على عدم صحّة كلام الشيخ المفيد والشيخ الطوسي بشأن اندثار الجعفرية في عصرهما.
وفيما يلي نعود إلى مواصلة الكلام بشأن سيرة أبي عبد الله النعماني.
لقب النعماني :
يشير صاحب كتاب روضات الجنّات في ترجمة النعماني إلى أنّ لقب النعماني منسوب إلى النعمانية ، وهي مدينة بين واسط وبغداد ، ويَحتمل بعيداً نسبته إلى قرية في مصر معروفة بهذا الاسم ، وقد أضاف : إنّ هذا اللقب لا ينتسب إلى النعمانية ـ بفتح النون ـ والتي هي مدينة صغيرة بين حماة وحلب ، أو إلى النعمان ـ بالفتح ـ والذي هو اسم واد في طريق الطائف ، أو إلى

النُعمان الذي تَسمّى به بعض المشاهير(1).
يمكن إرجاع عدم نسبة هذا اللقب إلى النَعمانية والنَعمان ـ بفتح النون ـ إلى اختلاف تلفّظ هذين الاسمين واسم النُعماني ـ بضمّ النون ـ ولكن ما هو سبب عدم نسبته إلى النُعمان؟ هذا ليس واضحاً(2). ومن ناحية أخرى لم يتّضح سبب احتمال صاحب روضات الجنّات أن يكون هذا اللقب نسبةً إلى قرية في مصر رغم بُعده ، في حين يُصرّح بإنكار أن يكون منسوباً إلى النُعمان.
وقد ذهب السمعاني في أنسابه على هامش مدخل (النعماني) إلى القول بنسبته إلى النعمانية ـ مدينة بين بغداد وواسط على ضفاف نهر دجلة ـ ثمّ ذكر أسماء عدد من المحدّثين الملقّبين بهذا اللقب(3) من أمثال : أبي جعفر محمّد بن سليمان الباهلي النعماني (المتوفّى سنة 322 للهجرة) في النعمانية ، وهو قريب في المعاصرة للنعماني صاحب الغيبة.
وقد جاء في كتاب تاريخ بغداد في ترجمة أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم النعماني أنّ تأريخ وفاته كان في سنة (345 للهجرة) ، وبذلك يكون معاصراً تماماً للشيخ النعماني صاحب كتاب الغيبة الذي كان حيّاً في شهر ذي الحجّة من سنة (342 للهجرة)(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روضات الجنّات ، ج6 ، ص127.
(2) ويجب الالتفات إلى كلام ياقوت الذي يذكره بعد ذلك من أنّ النعمانية نفسها منسوبة إلى شخص يدعى النُعمان.
(3) أنساب السمعاني ، ج5 ، ص509 ، واللباب في تهذيب الأنساب ، ج3 ، ص317.
(4) تاريخ بغداد ج6 ، ص399.

كما يعتبر أبو الحسن علي بن ثابت بن أحمد بن إسماعيل النعماني الذي يروي عنه أبو الحسن الدارقطني (المتوفّى سنة 345 للهجرة) ، من طبقة النعماني صاحب الغيبة أيضاً.
وقال ياقوت الحموي في هامش مدخل (النعمانية) ـ بعد ضبطها بضم النون ـ في كتاب معجم البلدان : «كأنّها منسوبة إلى رجل اسمه النُعْمان ؛ بُليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفّة دجلة ... وأهلها شيعة غالية كلّهم ... وقد نسب إليها قوم من أهل الأدب في كتاب ابن طاهر»(1).
ويمكن لنا ـ بالنظر إلى مذهب سكّان هذه المدينة ـ أن ننسب النعماني صاحب الغيبة إلى هذه المدينة أيضاً. ولكن لم يتّضح لنا من هو القائل بنسبة سكّان هذه المدينة إلى الغلوّ في التشيّع؟ وربّما تسرّبت هذه العبارة إلى معجم البلدان من كتاب ابن طاهر ، والمراد من ابن طاهر على ما يبدو هو أبو الفضل محمّد بن طاهر المقدسي (المتوفّى سنة 507 للهجرة) ، والذي ألّف كتاباً بعنوان المؤتلف والمختلف ، وقد طبع هذا الكتاب في لندن سنة (1890 للميلاد) على يد المستشرق (دي بونك) تحت عنوان الأنساب المتّفقة في النقط والضبط(2).
ومهما يكن فليس من الواضح اعتبار النعمانية في عصر النعماني صاحب الغيبة ـ في أواسط القرن الرابع ـ مركزاً للتشيّع الغالي ـ على حدّ تعبير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معجم البلدان ، ج5 ، ص339 ـ 340.
(2) مقدّمة المؤتلف والمختلف ، تحقيق : د. موفّق بن عبد الله بن عبد القادر ، ج1 ، ص74.

الرجاليّين من أهل السنّة ـ ، بل الذي نحتمله أنّ النعمانية لم تشهد انتشار التشيّع إلاّ بعد سنوات من تلك الحقبة.
وإنّ المحدّثين الملقّبين بالنعماني من المعاصرين لصاحب الغيبة ـ من الذين تمّت الإشارة لهم في العبارة المنقولة عن أنساب السمعاني ـ هم على ما يبدو من أهل السنّة بأجمعهم.
وهناك الكثير من الذين ينتسبون إلى لقب النعماني في كتبنا الروائية ، من أمثال : أحمد بن داوود النعماني ، مؤلّف كتاب دفع الهموم والأحزان وقمع الغموم والأشجان(1) ـ والذي لا نملك معلومات كثيرة حوله ـ ، وعليّ بن الحسن بن صالح بن الوضّاح النعماني الذي يروي عن أبي عبد الله بن إبراهيم ابن أبي رافع وعن الخطّاب وأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني(2).
وقد نقل الكفعمي في المصباح أمراً عن النعماني في نهج السداد(3) ، والمقصود من هذا الشخص هو عبد الواحد بن الصفيّ النعماني ، وكتابه شرح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مهج الدعوات ، ص103 ـ 304 ، مصباح الكفعمي ، ص205 ـ 296 ، الأمان من أخطار الأسفار ، ص126 ، المجتنى ، ص1 ، وانظر أيضاً : مكتبة ابن طاووس ، ص226 ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج8 ، ص233 ، وج11 ، ص245 على هامش عنوان (الرفع) المشار إليه في هذا الكتاب ، وقد رأى أنّ كلمة الرفع (بالراء) تصحيفاً عن الدفع (بالدال).
(2) بحار الأنوار ، ج90 ، ص123 ، نقلاً عن كتاب مجموع الدعوات لمحمّد بن هارون التلعكبري.
(3) مصباح الكفعمي ، ص343.

رسالة واجب الاعتقاد للعلاّمة الحلّي(1) ، وقال صاحب الرياض [ما معناه] :«أظنّ أنّه من أحفاد النعماني صاحب الغيبة» ، ولكن لم يتّضح لنا منشأ هذا الظنّ ، ومجرّد لقب النعماني لا يمكنه تبرير مثل هذا الظنّ.
روى البيّاضي في الصراط المستقيم عن كتاب القاضي النعماني : «لو لم يكن هذا الاسم تصحيفاً عن القاضي النعماني(2) ، قد يكون المراد منه علي نجل القاضي نعمان المصري ، مؤلّف دعائم الإسلام ، الذي تولّى منصب القضاء ـ مثل أبيه ـ عن الخلافة الفاطمية»(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع : الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج14 ، ص163 ، ج24 ، ص418 ، وقد عبّر عن هذا الكتاب أحياناً بـ : (تحصيل السداد) ، الذريعة ، الموضع نفسه ، كشف الظنون ، ج1 ، ص343.
(2) ورد في مناقب ابن شهر آشوب ، ج2 ، ص364 عبارة عن القاضي النعمان موجودة بنفسها في بحار الأنوار ، ج40 ، ص230/10 ، وفي ج79 ، ص72/24 بلفظ القاضي النعماني.
(3) الصراط المستقيم ، ج1 ، ص3.

لقد تناولنا في هذه السلسلة من المقالات تاريخ حياة النعماني وأساتذته وتلامذته ، وقد تعرّضنا إلى كتاب غيبة النعماني وتحديد تاريخ تأليفه ومباحث أخرى حول الكتاب.
وفي هذه الحلقة سنعمد إلى تعداد مؤلّفات النعماني ونتحدّث عن المعلومات المختلفة بشأنها ، وسوف نتحدّث بشكل رئيسي عن تفسير النعماني ، ونسبة رسالة المحكم والمتشابه إلى النعماني أو إلى السيّد المرتضى.
مؤلّفات النعماني :
1 ـ كتاب الغيبة :
يعتبر هذا النصّ من أشهر مؤلّفات النعماني ، وقد تحدّثنا آنفاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



وسنتحدّث عنه مفصّلاً. أمّا هنا فنكتفي بالإشارة إلى أنّ العلاّمة الطهراني قال : «يتّضح من بعض المواطن أنّ هذا الكتاب كان يُسمّى بـ : (ملاء العيبة في طول الغيبة) ، أو أنّه كان معروفاً بهذه التسمية»(1) ، وقد جاء هذا العنوان في مدخل حرف (الميم) من كتاب الذريعة أيضاً(2) ، وإنّ عدم معرفة المصدر الذي أخذ منه هذه التسمية يجعلنا عاجزين عن تقييم اعتبار مثل هذه المعلومة.
2 ـ كتاب الفرائض :
لقد تعرّض أبو العبّاس النجاشي إلى ذكر هذا الكتاب في معرض ترجمته لأبي عبد الله النعماني(3) ، ولكن ليس له من أثر اليوم بين أيدينا ، ولم أعثر على من تعرّض له ، وهنا سنكتفي ببيان موضوع هذا الكتاب : إنّ كلمة فرائض ـ جمع فريضة ـ تستعمل في العديد من المعاني ، فالفريضة والفرض قد تعني الواجب ـ دون أيّ قيد ـ ، جاء في كتاب العين : «الفرض : الإيجاب ، والفريضة : الاسم»(4) ، وجاء في لسان العرب : «فرضت الشيء أفرضه فرضاً : أوجبته ... وافترضته كفرضه : والاسم : الفريضة ...(5). والفرض والواجب سيّان عند الشافعي ، والفرض آكد من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 16 ، ص 79.
(2) المصدر أعلاه ، ج 22 ، ص 183.
(3) رجال النجاشي ، ص 383 / 1043.
(4) كتاب العين ، ج 7 ، ص 28.
(5) لسان العرب ، ج 7 ، ص 202.

الواجب عند أبي حنيفة»(1).
ونسب النجاشي في ترجمة محمّد بن الحسن بن عبد الله الجعفري(2) كتاب علل الفرائض والنوافل إليه ، وإنّ كلمة الفرائض في هذه العبارة تعني ـ بقرينة التقابل مع النوافل ـ مطلق الواجب.
وأحياناً تكون هذه الكلمة بمعنى العمل الواجب الذي يكون مجعولاً من قبل الله مباشرة(3). في قبال السنّة بمعنى الحكم الذي يجعله النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) وفقاً لبصيرته الإلهيّة والعناية التي حباه بها الله من معرفته(صلى الله عليه وآله) بالمصالح والمفاسد ، وبذلك تكون ممضاة من قبل الله سبحانه وتعالى.
هناك اختلافات في الأحكام بين الواجبات الإلهية المباشرة والواجبات الإلهية غير المباشرة ، وهذا يشير إلى أهمّية القسم الأوّل ، وقد تمّت الإشارة إلى هذه المسألة في الحديث المعروف : (لا تعاد الصلاة) أو عبارة : (لا تنقض السنّة الفريضة)(4) ، بيد أنّ هذه الرسالة لا تتسع للتفصيل في هذا البحث.
وعلى كلا المعنيين فإنّ كتاب الفرائض للنعماني سوف يكون له مدخلية في العديد من أبواب الفقه. وبطبيعة الحال قد يمكن لنا اعتبار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر أعلاه ، ج 7 ، ص 203.
(2) رجال النجاشي، ص 324 / 884.
(3) هناك في الجزء الأوّل من الكافي ، ص 265 باب تحت عنوان (باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمّة عليهم‌السلام في أمر الدين. وفي بصائر الدرجات ، ص 378 و 383 هناك بابان في هذا المضمون ، ومن خلال الكثير من الروايات الواردة فيهما نستنتج الولاية التشريعية للنبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار عليهم‌السلام.
(4) الخصال ، ص 284 / 35 ؛ الفقيه ، ج 1 ، ص 339 / 991 ؛ والتهذيب ، ج 2 ، ص 152 / 55 ويبدو أنّه قد أخذه عن الفقيه.

الفرائض بمعنى مطلق الواجبات (العلمية والعملية والسلوكية والاعتقادية) ، وعندها يكون للكتاب مضمون كلامي ـ فقهي مثل كتاب الاقتصاد فيما يجب على العباد للشيخ الطوسي ، حيث اشتمل القسم الأوّل منه على المسائل الكلامية ، والقسم الثاني منه على المسائل الفقهية(1).
كما تستعمل الفرائض أحياناً في خصوص المواريث ، وذلك حيث نجد عنوان كتاب الفرائض(2) ضمن آثار الكثير من المؤلّفين المدرجة في كتب الفهارس والمراد في الكثير منها هو المواريث ، وإنّ ذكر هذه التسمية إلى جانب الأبواب الفقهية الأخرى وخاصّة كتاب الوصايا خير شاهد على هذا المعنى. وإنّ كتاب الفرائض للمؤلّفين الآتي ذكرهم يتعلّق بخصوص هذا الكتاب الفقهي ، ومنهم : الحسن بن سعيد ، والحسين بن سعيد (مشتركان)(3) ، وأحمد بن محمّد بن الحسين بن الحسن بن دول القمّي(4) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن الكتب الكلامية ـ الفقهية الأخرى يمكننا ذكر : جمل العلم والعمل ، للسيّد المرتضى ؛ ومختصر ما لا يسع المكلّف الإخلال به ، للشيخ الطوسي ؛ وواجب الاعتقاد ، للعلاّمة الحلّي (الذريعة ، ج 25 ، ص 4).
(2) بالإضافة إلى الموارد التي سنذكرها تباعاً ، راجع : رجال النجاشي ، ص 36 / 73 ، ص 97 / 240 (لهذا المؤلّف كتاب في الغيبة ، مثل النعماني) ، 132 / 339 ، 166 / 438 ، 215 / 561 ، 263 / 688 ، 283 / 752 ، 339 / 908 ، 341 / 916 ، 385 / 1046 ، 393 / 1051 ، 399 / 1067 ، 433 / 1164 ، 443 / 1194 ؛ فهرست الطوسي ، ص 29 / 34 ، 72 / 91 ، 325 / 504 ، 401 / 611 ، 426 / 663
كتاب الفرائض عن الصادق عليه السلام ، 519 / 824.
(3) رجال النجاشي ، ص 58 / 137 ؛ فهرست الطوسي ، ص 150 / 230.
(4) رجال النجاشي ، ص 89 / 223.

وصفوان بن يحيى(1) ، وعبد العزيز بن يحيى الجلودي(2) ، وعليّ بن الحسن ابن عليّ بن فضّال(3) ، ومحمّد بن أرومة(4) ، وموسى بن الحسن بن عامر(5) ، ويحتمل قويّاً : الحسن بن محمّد بن سماعة(6) ، وعليّ بن الحسن الطاطري(7) ، ومحمّد بن الحسن الصفّار(8) ، ومعاوية بن حكيم(9) ، والحسن ابن محبوب(10).
وقد نسب النجاشي ثلاثة كتب باسم الفرائض ، وهي : (الفرائض الكبير) ، و (الفرائض الأوسط) ، و (الفرائض الصغير) إلى الفضل بن شاذان(11) ، ولابدّ من إرجاعها إلى مسائل المواريث وفقاً لما ذكرنا ، وإنّ الفتاوى المنقولة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رحال النجاشي ، ص 197 / 524 ؛ فهرست الطوسي ، ص 242 / 356.
(2) رجال النجاشي ، ص 240 / 640.
(3) رجال النجاشي ، ص 257 / 676.
(4) رجال النجاشي ، ص 329 / 891 ، وكذلك انظر : فهرست الطوسي ، ص 407 / 621.
(5) رجال النجاشي ، ص 406 / 1078.
(6) رجال النجاشي ، ص 41 / 84 ؛ فهرست الطوسي ، ص 134 / 193 ؛ رسالة أبي غالب الزراري ، ص 184.
(7) رجال النجاشي ، ص 255 / 667.
(8) رجال النجاشي ، ص 354 / 948.
(9) رجال النجاشي ، ص 412 / 1098.
(10) فهرست الطوسي ، ص 122 / 162.
(11) رجال النجاشي ، ص 307 / 840 ؛ الشيخ الطوسي في الفهرست ، ص 361 / 564 حيث نسب إليه كتابي الفرائض الكبير والفرائض الصغير فقط.

عن هذا العالم في الكتب الروائية في باب الإرث(1) إنّما تمّ نقلها من أحد هذه الكتب ، كما نقلت في الكتب الروائية فتاوى عن يونس بن عبد الرحمن(2) ، ولابدّ وأن تكون هذه الفتاوى مأخوذة عن كتاب الفرائض أو كتابه الآخر المسمّى بـ : (الفرائض الصغير)(3).
علماً بأنّ كتاب الإيجاز في الفرائض تأليف الشيخ الطوسي(4) ، واحتجاج الشيعة على زيد بن ثابت في الفرائض لسعد بن عبد الله(5) كلاهما في المواريث.
ومن الجدير بالذكر أنّ واحداً من كتب المواريث كتاب من إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخطّ أمير المؤمنين عليه‌السلام(6) ، وقد تمّ التعبير عنه بـ : (صحيفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي ، ج 7 ، ص 88 ـ 90 ، 95 ـ 96 ، 98 ـ 99 ، 105 ـ 108 ، 116 ـ 118 ، 120 ـ 125 ، 142 ، 145 ـ 146 ، 148 ـ 149 ، 161 ـ 162 ، 166 ـ 167 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 257 ، ص 267 ، 269 ، 274 ، 276 ، 286 ، 292 ، 295 ، 320.
(2) الكافي ، ج 7 ، ص 83 ـ 84 ، 115 ـ 116 ؛ وكذلك انظر : ص 145 و 164 و 121 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 293.
(3) رجال النجاشي ، ص 447 / 1208/ وانظر أيضاً : فهرست الطوسي ، ص 511 / 813.
(4) تمّ نشر هذا الكتاب ضمن الرسائل العشر (ص 267 ـ 281) من قبل دفتر انتشارات اسلامي ، قم ، حوالي عام 1403 ق.
(5) رجال النجاشي ، ص 177 / 467 ؛ وانظر أيضاً : الكافي ، ج 75 ، ص 407 / 2.
(6) الكافي ، ج 7 ، ص 93 / 1 ، 94 / 3 ، 98 / 3 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 263 / 5614 ، 268 / 5616 ؛ التهذيب ، ج 9 ، ص 247 / 2 ، ص 270 / 4 و ....

الفرائض)(1) ، أو (صحيفة كتاب الفرائض)(2). وقد قام الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام بإظهار هذا الكتاب لزرارة ومحمّد بن مسلم ، ويحتمل أن يكون هذا الكتاب جزءاً من كتاب عليّ عليه‌السلام(3) ، والذي نقل عنه الأئمّة عليهم‌السلام الكثير من الروايات المأثورة عنهم في مختلف الأبواب الفقهية وغير الفقهية(4).
وفي موضع من كتاب الكافي تمّ نقل الكثير من الروايات التفصيلية بشأن ديات أعضاء جسم الإنسان عن أمير المؤمنين عليه‌السلام تحت عنوان (كتاب الفرائض) ، «عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين عليه‌السلام على عليّ أبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي ، ج 7 ، ص 81 / 4 ، 94 / 2 ؛ التهذيب ، ج 9 ، ص 272 / 6 ، ص 273 / 9 ، 306 / 14.
(2) الكافي ، ج 7 ، ص 93 / 1 ؛ التهذيب ، ج 9 ، ص 247 / 2 ، 270 / 4.
(3) تمّ نقل بعض المسائل في كتاب الميراث من كتاب عليّ عليه‌السلام ، انظر : الكافي ، ج 7 ، ص 77 / 1 ، 136 / 1 ، وخاصّة ما رواه أبو بصير في ص 119 / 1 عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام ، أنّ الإمام في معرض الإجابة عن أسئلة أبي بصير عن الفرائض ، أراه كتاب عليّ عليه‌السلام وهو (كتاب جليل). وأيضاً : الفقيه ، ج 4 ، ص 283 / 5636 ، ص 306 / 5656 ؛ التهذيب ، ج 9 ، ص 308 / 24 ، 325 / 9.
(4) من باب المثال للحصول على المضامين غير الفقهية ـ كما هو الحال بالنسبة للمضامين الاعتقادية والأخلاقية ـ انظر : الكافي ، ج 1 ، ص 41 / 1 (لزوم بذل العلم) ، ص 407 / 1 (باب أنّ الأرض كلّها للأئمّة) ، ج 2 ، ص 71 / 2 (باب حسن الظنّ بالله) ، ص 136 / 22 (باب ذم الدنيا) ، ص 259 / 29 (باب شدّة الكبائر) ، ... وفي المضامين الفقهية ، الكافي ، ج 3 ، ص 9 / 4 (باب الوضوء من سؤر الدواب) ، ص 175 / 6 ، (باب جنائز الرجال والنساء) ، ص 505 / 17 (باب منع الزكاة) ، ج 4 ، ص 340 / 7 (باب ما يلبس المحرم من الثياب ، وما يكره له لباسه) ، 368 / 3 (باب المحرم يموت) ، 389 / 5 (باب كفّارة ما أصاب المحرم من الطير والبيض) ، وما إلى ذلك من الأبواب الفقهية.

الحسن عليه‌السلام فقال : هو صحيح»(1). ولكن تمّ التعبير عن عرض هذا الكتاب في موضع آخر بلفظ : (عرضت كتاب الديات)(2) ، وذكر في موضع آخر بعبارة : (عرضت الكتاب) أو (عرضت كتاب عليّ عليه‌السلام)(3) ، وهي تعبيرات صحيحة ، ويبدو أنّ التعبير بكتاب الفرائض عن كتاب الديات غير صحيح ، وأنّه قد نشأ من خلط الرواة.
وقد استعملت للفرائض في اللغة معاني أخرى أيضاً(4) ، ولكن على فرض صحّة هذه المعاني(5) يبعد أن يكون المراد من كتاب الفرائض واحداً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي ، ج 7 ، ص 330 / 1 ؛ التهذيب ، ج 10 ، ص 285 / 9 نقلاً عن الكافي.
(2) الكافي ، ج 7 ، ص 311 / 1 ؛ التهذيب ، ج 10 ، ص 245 / 1 نقلاً عن الكافي.
(3) الكافي ، ج 7 ، ص 327 / 5 بعبارة (عرضت الكتاب) ، وذُكر أنّ هذه الرواية نقلت في التهذيب ، ج 10 ، ص 292 / 1135 بعبارة : (عرضت كتاب علي) ، ويحتمل أن يكون هذا نقل بالمعنى.
(4) جاء في لسان العرب ، ج 7 ، ص 203 : الفريضة من الإبل والبقر ما بلغ عدد الزكاة ... والفريضة ما فرض في السائمة من الصدقة ... وفي حديث حنين : (فإنّ له علينا ستّ فرائض ، وهو البعير المأخوذ من الزكاة ، سمّي فريضة ؛ لأنه واجب على ربّ المال ، ثمّ اتسع فيه حتّى سُمّي البعير فريضة في غير الزكاة). وقد ذكرت عدّة معاني للفرض ، ولا ندري ما إذا كانت كلمة الفريضة قد استعملت فيها أم لا ، من باب المثال : 1 ـ التوقيت ، وكلّ واجب مؤقّت فهو مفروض. 2 ـ القراءة ، يقال فرضت جزئي أي قرأته. 3 ـ الهبة. 4 ـ العطية المرسومة وما إلى ذلك.
(5) من باب المثال ، جاء في لسان العرب ، ج 7 ، ص 203 : الفرض : السنّة ، فرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)أي سنّ. وإن كان المراد من السنّة هو الاستحباب ، فإنّ مثل هذا الاستعمال غير واضح.

من هذه المعاني.
هذا ويمكن لنا من خلال كتاب الفرائض لأبي عبد الله النعماني أن نشهد على فقاهته.
3 ـ كتاب الردّ على الإسماعيلية :
كذلك نسب أبو العبّاس النجاشي هذا الكتاب إلى النعماني في معرض ترجمته(1) ، ولكن نسخته مفقودة وليس لها من وجود حاليّاً ، ولم نرَ من نقل عن هذا الكتاب. يمكن القول بشأن موضوع هذا الكتاب : إنّ اتّساع رقعة نفوذ الإسماعيلية ووصولهم إلى السلطة في شمال أفريقية ، مع ادّعاء المهدوية من قبل الخلفاء الفاطميّين ، يمكن أن يكون هو الدافع وراء النعماني في تأليف هذا الكتاب ، وقد سبق ـ في معرض تعريفنا بغيبة النعماني ـ أن ذكرنا أنّ النعماني من خلال تأليفه لكتاب الغيبة واصل جهاده الفكري في مواجهة الأفكار المنحرفة وخاصّة الأفكار الإسماعيلية ، كاشفاً النقاب عن بطلان دعوى المهدوية من قبل القائم الفاطمي. فقد خصّص باباً مستقلاًّ من كتاب الغيبة لإثبات عدم إمامة إسماعيل ابن الإمام الصادق عليه‌السلام ، ولم يتعرّض في كتاب الغيبة لأيّ فرقة منحرفة أخرى بهذه الصراحة ، ولم يبادر إلى الإجابة عن شبهاتها ، وهذا يعكس الحجم الكبير لنفوذ الإسماعيلية ، وضرورة التصدّي لهم فكريّاً في تلك الفترة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، ص 383 / 1043.

كما نلاحظ كتباً أخرى للنعماني ـ غير كتبه الثلاثة ـ من خلال قراءتنا في تضاعيف الكتب الرجالية والروائية :
4 ـ كتاب الدعاء :
في رسالة أبي غالب الزراري ـ ضمن الكتب الموجودة في مكتبته التي أجاز لولده روايتها عنه ـ تحدّث عن «أجزاء بخطّي فيها دعاء السرّ» ، وأضاف أنّ النعماني قد رواها له عن المحدّثين المذكورين في تلك الكتب(1).
يبدو أنّ النعماني قد ألّف كتاباً في الدعاء ، وأنّ جميعه أو بعضاً منه يمثّل الأجزاء المشار إليها في العبارة المتقدّمة.
ويمكن لنا في تأييد نسبة تأليف كتاب الدعاء إلى النعماني أن نستشهد بعدد من الروايات المنقولة في المصادر الحديثية عن النعماني وقد ورد فيها ذكر دعاء أو عدد من الأدعية ، فقد روى علي بن محمّد بن يوسف الحرّاني دعاء الاعتقاد عن النعماني بسنده إلى الإمام الكاظم عليه‌السلام(2) ، ونقلاً عن محمّد ابن هارون التلعكبري في مجموع دعوات غازي بن محمّد الطرائقي أنّه يروي أدعية أيّام الأسبوع بخطّ النعماني ، وهذه الأدعية منقولة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رسالة أبو غالب ، ص 179.
(2) مهج الدعوات ، ص 233 ؛ بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 182.
(3) بحار الأنوار ، ج 90 ، ص 143.

روى العلاّمة المجلسي عن كتاب قديم ـ عثر على نسخته في النجف ـ(1) ، رواية في سندها أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ، تشتمل هذه الرواية على كرامة لإمام العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ، وقد انساق الحديث هناك إلى كلام الإمام الصادق عليه‌السلام في دعاء الإلحاح ، ودعاء أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد صلاة الفريضة وفي سجدة الشكر ، ودعاء الإمام السجّاد عليه‌السلام أثناء السجود في حجر إسماعيل عند الميزاب.
ويمكن أن تكون هذه الرواية مأخوذة من كتاب الدعاء ، كما يمكن أن تكون مأخوذة عن كتاب الدلائل الذي سنذكره في العنوان الآتي(2).
5 ـ كتاب الدلائل :
إنّ الدلائل تعني الكرامات والمعاجز التي تثبت إمامة الأئمّة عليهم‌السلام. وقد نسب ابن طاووس هذا الكتاب للنعماني ، ونقل عنه روايتين(3). وقد توصل جيلبرغ ـ باعتبار ورود دلائل الإمام الرضا في الجزء التاسع ـ إلى الحدس بأن يكون الجزء الأوّل منه مختصّ بدلائل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ سائر الأجزاء ترتبط بسائر الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام على ترتيب إمامتهم(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 16 ، 47.
(2) بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 190 / هامش ح 2 ومختصرها في ج 86 ، ص 202 / هامش ح 15.
(3) فرج المهموم ، ص 95 ؛ الأمان ، ص 119.
(4) مكتبة ابن طاووس ، ص 228.

هناك رواية مروية في غيبة الطوسي نقلاً عن النعماني يمكن أن تكون منقولة عن كتاب الدلائل ؛ إنّ هذه الرواية تشتمل على واحدة من دلائل إمام العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) والتي حدثت في فترة الغيبة الصغرى وذلك في عام 309 للهجرة ، وقد ورد فيها لفظ (الدلائل) ولفظ (الدلالة) صراحة.
وقد تمّت الإشارة في هامش كتاب الدعاء إلى رواية أخرى يحتمل أن تكون مأخوذة من هذا الكتاب.
وقد سبق في البحث عن تلامذة النعماني أن ذكرنا رواية عنه نقلاً عن تاريخ دمشق لابن عساكر ، اشتملت على فضيلة من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام برواية عمر بن الخطّاب ، ويحتمل أن تكون هذه الرواية مأخوذة من هذا الكتاب ، وبطبيعة الحال فإنّ الفضائل لم تعدّ من مصاديق الدلائل طبقاً لمصطلح ذلك العهد ، بيد أنّ كتب الدلائل ـ كما هو الحال بالنسبة إلى دلائل الإمامة للطبري ـ كانت تتعرّض في بعض المناسبات لفضائل الأئمّة عليهم‌السلام أيضاً.
6 ـ كتاب التسلّي والتقوّي :
ورد في المسألة الحادية عشرة من كتاب جوابات المسائل الطرابلسيّات الثانية للسيّد المرتضى ، بحث حول المُسوخ. وقد عرض السائل هذا البحث وأضاف قائلا : هناك الكثير من الروايات التي تحدّثت عن مسخ الناس قبل يوم القيامة ، وقد أكّد الشيخ المفيد صحّتها ، ورواها في كتابه التمهيد ، بيد أنّه

عدّ نظريّة التناسخ من المحالات ، وقال : ما ورد من الأخبار المعتبرة لا يفيد إلا مسخ الله لجماعات من الناس قبل يوم القيامة.
وقد استطرد السائل قائلاً :
إنّ النعماني قد روى الكثير من هذه الروايات والتي تحتمل معنى النسخ ـ بمعنى التناسخ ـ كما تحتمل معنى المسخ ، وإنّ إحدى تلك الروايات هي التي رواها في كتاب التسلّي والتقوّي وأسندها إلى الإمام الصادق عليه‌السلام ، وهي رواية طويلة جاء في آخرها أن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وجبرائيل عليه‌السلام ومَلَك الموت عليه‌السلام يحضرون الكافر عند قبض روحه.
ثمّ نقل من هذه الرواية ما يزيد على صفحة تحدّثت عن مسخ أعداء أهل البيت عليهم‌السلام على شكل ديدان ، ومسخ عمر بن سعد على شكل قرد ، وقد طلب السائل من السيّد المرتضى توضيح هذا النوع من الأحاديث.
إنّ عنوان الكتاب والرواية المنقولة يوحي أنّ للكتاب مضموناً مشابهاً لمضمون كتاب (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى عليه‌السلام) ؛ حيث تحدّث عن مكافأة من يعتقد بولاية أهل البيت عليهم‌السلام ، وعقوبة أعدائهم.
جدير ذكره أنّه ورد في كتاب كنز الفوائد حديث له مضمون مشابه لمضمون حديث التثليث : «أيّها الناس ، حلالي حلال إلى يوم القيامة ، وحرامي حرام إلى يوم القيامة ، وبينهما شبهات من الشيطان ...»(1) ، وقد ورد في ذيلها عبارة في ذمّ إيذاء المؤمن ، ووصف المؤمنين ومحبّتهم لبعضهم البعض ، وهو يذكّرنا بالأبيات التي قالها الشاعر المعروف سعدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنز الفوائد ، ج 1 ، ص 353.

الشيرازي :

بني آدم أعضاى يك ديگرند
 

 

كه در آفرينش زيك گوهرند
 

چو عضوى به درد آورد روزگار
 

 

دگر عضوها را نماند قرار(1).
 

ويحتمل أن يكون حديث «حلالي حلال إلى يوم القيامة ...» مأخوذاً من هذا الكتاب ، كما أنّه يحتمل أن يكون من الروايات التي نقلها النعماني مشافهة ، أو يكون أساس نقل هذه الرواية من كتاب مثل كتاب ابن محبوب وما جاء فيه من ذكر النعماني ما هو إلاّ لوقوعه في طريق الكراجكي إلى هذا الكتاب.
7 ـ تفسير النعماني :
تضمّن الجزء الثالث والتسعين من كتاب بحار الأنوار على رسالة مستقلّة في (أصناف آيات القرآن وأنواعها وتفسير بعض آياتها برواية النعماني) وقد جاء نصّها بشكل كامل ، وقد طبعت هذه الرسالة تحت عنوان (المحكم والمتشابه) طبعة حجرية في بيروت (عام 1312 للهجرة) بخطّ محمّد تقي ، ولكن يُنسب تأليفها إلى السيّد المرتضى علم الهدى. وبعد ذكر مقدّمة مشتملة على خطبة الكتاب وأهمّية القرآن ، واقتران القرآن وأهل البيت عليهم‌السلام ، وضرورة أخذ علم القرآن عن أهل البيت وأتباعهم ، قال :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهذا الشعر مقتبس من الحديث النبويّ الشريف : «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمّى» ، انظر : بحار الأنوار ، ج 58 ، ص150 ، الحديث رقم : 28.

«قال أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر(1) النعماني رحمه‌الله في كتابه في تفسير القرآن : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ابن(2) عقدة ، قال : حدّثنا أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي عن اسماعيل بن مهران عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن اسماعيل بن جابر ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام يقول : إنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً ، فختم به الأنبياء ...».
وبعد ذكر بعض الأمور بشأن الشريعة النبوية ، والظلم الذي لحق بأوصياء النبيّ بعد رحيله ، تمّ التذكير بالمنهج الخاطئ في تفسير القرآن والرجوع إلى هذا الكتاب السماوي دون الالتفات إلى دقائقه ولطائفه ، ومن خلال الإشارة إلى أقسام الآيات القرآنية ومطالبها وضرورة إدراك ذلك كمقدّمة للتفسير وحصر علم ذلك على أهل البيت عليهم‌السلام ، ثمّ أضاف قائلاً :
«ولقد سأل أميرَ المؤمنين عليه‌السلام شيعتُه عن مثل هذا فقال : إنّ الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام ...».
ثمّ أحصى ما يقرب من خمسين قسماً من الآيات والمعارف القرآنية ، ثمّ عمد بعد ذلك إلى توضيحها بالتفصيل. وهناك عدّة نقاط جديرة بالبحث والدراسة بشأن هذه الرسالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة الطبعة الحجرية وردت كلمة (حفص) وهي تصحيف ، والصحيح (جعفر) ، كما ورد في كتاب بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 3.
(2) تعمّدنا إضافة الألف في كلمة (ابن) وقد سبق أن شرحنا سبب ذلك.

أ ـ نسبة الرسالة إلى السيّد المرتضى.
ب ـ نسبة الرسالة إلى النعماني.
ج ـ دراسة الرسالة بوصفها نصّاً روائيّاً من حيث المتن والسند.
د ـ تقرير الرسالة بوصفها نصّاً تفسيريّاً.
هـ ـ مقارنة الرسالة بمقدّمة تفسير القمّي.
و ـ تفسير النعماني ورسالة سعد بن عبد الله.
أ ـ نسبة الرسالة إلى السيّد المرتضى :
لم يرد ذكر لهذه الرسالة في عداد آثار السيّد المرتضى في كتب القدماء ، من قبيل : رجال النجاشي(1) ، وفهرست الشيخ الطوسي(2) ، وإجازة محمّد بن محمّد البصروي عن السيّد المرتضى والتي اشتملت على قائمة بمؤلّفاته(3) ، ومعالم العلماء لابن شهرآشوب(4) ، ومن خلال تتبّعي فإنّ أوّل شخص نسب هذه الرسالة إلى السيّد المرتضى هو الشيخ الحرّ العاملي ، حيث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رجال النجاشي ، ص 270 / 708.
(2) فهرست الشيخ الطوسي ، ص 288 / 432 ، جاء في هذا الكتاب : (له من التصانيف ومسائل البلدان شيء كثير يشتمل على ذلك فهرسته المعروفة ، غير أنّي أذكر أعيان كتبه وكبارها) ، فهل المراد من الفهرست المعروف هو المذكور في إجازة البصروي أم هو فهرست آخر؟ لم يتّضح ذلك تماماً.
(3) رياض العلماء ، ج 4 ، ص 34.
(4) معالم العلماء ، طبعة النجف الأشرف ، ص 69 / 477 ؛ وطبعة طهران ، ص 61 / 465.

كرّر هذا الأمر في الكثير من مواضع وسائل الشيعة(1) ، وأمل الآمل(2) ، والفصول المهمّة في أصول الأئمّة(3).
كما ذكر ذلك معاصره العلاّمة محمّد باقر المجلسي في مقدّمة بحار الأنوار أيضاً(4) ، ولكنّه لم يُشر إلى هذه النسبة في أيّ موضع آخر من مواضع بحار الأنوار ، وقد اعتبر في جميع المواطن أنّ هذه الرسالة هي من تفسير النعماني(5) ، واكتفى في نقل كامل الرسالة بعبارة : (برواية النعماني) فقط(6). وبعد صاحب الوسائل كثيراً ما تردّدت نسبة هذا الكتاب في كلمات الفقهاء إلى السيّد المرتضى ، من قبيل : صاحب الحدائق في كتاب الحدائق الناضرة(7) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد تكررت عبارة (عليّ بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً من تفسير النعماني) في الوسائل عدّة مرّات ، كما هو الحال مثلاً في : ج 1 ، ص 27 / 35 و 107 / 263 ، 300 / 789 و 399 و 1042 و 483 و 1281 وفي أكثر من أربعين مورداً في كتب أخرى.
(2) أمل الآمل ، ج 2 ، ص 184 ؛ ونقلاً عنه في رياض العلماء ، ج 4 ، ص 47.
(3) الفصول المهمّة في أصول الأئمّة ، ج 1 ، ص 36 و 345.
(4) بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 10.
(5) مثال ذلك في : بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 208 / 48 ، وج 6 ، ص 245 / 76 ، وج 7 ، ص 43 / 22 و ... الخ. كما جاءت في ج 110 ، ص 114 جاءت هذه النسبة ضمن إجازة الشيخ الحرّ العاملي للفاضل المشهدي ، ويحتمل قويّاً أنّ العلاّمة المجلسي قد ذكر هذه النسبة في مقدّمة بحار الأنوار تبعاً لصاحب الوسائل.
(6) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 1.
(7) الحدائق الناضرة ، ج 6 ، ص 299 ، وج 12 ، ص 371 ، وج13 ، ص 59 ، وج 22 ، ص 496 ، وج 25 ، ص 633 ، ونقلاً عن وسائل الشيعة ، في ج 2 ، ص 270 ، وج 23 ، ص 13.

وكذلك في لؤلؤة البحرين(1) ، وصاحب الرياض في رياض العلماء(2) ، والمحقّق القمّي في غنائم الأيام(3) ، والفاضل النراقي في مستند الشيعة(4) ، وصاحب الجواهر في جواهر الكلام ، و ...(5).
حيث يبدو أنّ نسبة هذا الكتاب من قبل كبار العلماء جاءت تبعاً لما ورد في كتاب وسائل الشيعة الذي أضحى محوراً معتمداً لدى الفقهاء في نقل الروايات ، كما أنّ صاحب الحدائق أخذ هذا الأمر في بعض الموارد نقلا عن الوسائل وقد اعتبر الفقهاء هذه النسبة من المسلّمات ولم يقوموا بأىّ تحقيق في هذا الشأن.
ولم أجد أىّ شاهد معتبر على إثبات هذه النسبة ، كما أنّ الهيكليّة العامّة لهذا التفسير الذي هو بأجمعه عبارة عن نقل رواية فيها نوع من التفصيل تختلف عن أسلوب آثار السيّد المرتضى ، فقد انتهج السيّد المرتضى في جميع مؤلّفاته منهجاً مستقلاًّ وإبداعيّاً بالكامل ، فقد عمد إلى نقل الروايات في أثناء كتابه ، ولا نجد بين آثار السيّد كتاباً لا يعكس جانباً من أفكاره وآرائه ، لذلك لا يمكن القبول بنسبة هذا الكتاب إلى السيّد المرتضى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لؤلؤة البحرين ، ص 322 ، ونقلاً عنه في روضات الجنّات ، ج 4 ، ص 301 ـ 303.
(2) رياض العلماء ، ج 8 ، ص 42.
(3) غنائم الأيام ، ج 2 ، ص 379 ، وج 4 ، ص 359.
(4) مستند الشيعة ، ج 1 ، ص 247 ، وج 10 ، ص 84.
(5) جواهر الكلام ، ج 30 ، ص 33 ، وج 33 ، ص 98.

جدير بالذكر أنّ المحقّق المعروف محمّد أبو الفضل إبراهيم عمد في مقدّمة أمالي السيّد المرتضى إلى نسبة رسالة المحكم والمتشابه إلى السيّد المرتضى نقلاً عن ابن شهر آشوب في معالم العلماء(1).
وقد تكرّر ذات الشيء في مقدّمة الانتصار بقلم رشيد الصفّار أيضاً ، وبطبيعة الحال تمّت المناقشة في نسبة الكتاب إلى السيّد المرتضى.
ولم يرد هذا الأمر في أىّ واحد من طبعتي معالم العلماء في ترجمة السيّد المرتضى ، وقد يكون منشأ هذا الاشتباه عبارة المحدّث البحراني في لؤلؤة البحرين ، فإنّه بعد ذكر كتب السيّد المرتضى ، قال : «هذا ما ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء ، ومن مؤلّفاته أيضاً رسالة المحكم والمتشابه ، وكلّها منقولة من تفسير النعماني»(2). وربّما كان كاتب المقدّمة قد ألقى نظرة سريعة على هذه العبارة ، فتصوّر أنّ المسألة المتعلّقة برسالة المحكم والمتشابه منقولة عن ابن شهر آشوب.
إنّ عدم صحّة نسبة هذا الكتاب إلى السيّد المرتضى يُعدُّ أمراً مسلّماً به تقريباً ، وعليه لم يتّضح لنا سبب نسبة هذا الكتاب إليه ، والأمر الوحيد الذي يمكن ذكره في هذا الشأن هو أنّ صاحب رياض العلماء ينقل عن السيوطي في طبقات النحاة كتاباً تحت عنوان (المحكم) في عداد مؤلّفات السيّد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة أمالي السيّد المرتضى ، ص 14.
(2) لؤلؤة البحرين ، ص 322.

المرتضى(1) ، ولكن في النصّ المطبوع لكتاب السيوطي ورد بدلاً من هذا الاسم مفردة (المحكي)(2) ، وهي تتمّة لاسم كتاب للسيّد المرتضى تحت عنوان : كتاب النقض على ابن جنّي في الحكاية والمحكي ، والذي نسب في مصادر رجالية أُخرى إلى السيّد المرتضى أيضاً(3).
وبطبيعة الحال يبعد أن يكون مثل هذا التصحيف هو الذي أدّى إلى هذه النسبة.
ب ـ نسبة الكتاب إلى أبي عبد الله النعماني :(4)
تقدّم أن رأينا الرواية التفصيلية لهذه الرسالة عن النعماني في كتابه الذي ألّفه في تفسير القرآن ، وإنّ السند المذكور في هذه الرسالة هو من الأسانيد المعروفة والمتكرّرة كثيراً عند النعماني ، كما سنذكر ذلك في معرض الحديث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رياض العلماء ، ج 4 ، ص 29.
(2) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ، تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، ج 2 ، ص 162.
(3) فهرست الشيخ الطوسي ، ص 288 / 432 ؛ معالم العلماء ، طبعة النجف الأشرف ، ص 69 / 477 ، طبعة طهران ، ص 61 / 465. وفيما يتعلّق ببحث (الحكاية والمحكي) انظر من باب المثال : أوائل المقالات ، ص 122 ، وبعض الكتب المتعلّقة بهذا البحث انظر : رجال النجاشي ، ص 401 / 1067 ؛ فهرست الشيخ الطوسي ، ص 32 / 36 ، 444 / 711.
(4) في كتابتي لهذا الجزء كانت أمامي مقالة لسماحة السيّد المددي في العدد : 28 من مجلّة كيهان انديشه ، تحت عنوان (رسائلي بيرامون قرآن منسوب به أهل بيت) ، ص 116 ـ 117.

عن سند هذا الكتاب.
بيد أنّ النجاشي لا ينسب إليه مثل هذا الكتاب مع أنّه يقول في ترجمة النعماني : «رأيت أبا الحسين محمّد بن علي الشجاعي الكاتب يقرأ عليه كتاب الغيبة ... ووصّى لي ابنه أبو عبد الله الحسين بن محمّد الشجاعي بهذا الكتاب وبسائر كتبه ، والنسخة المقروءة [أي من كتاب الغيبة] عندي». قد يمكن بالالتفات إلى هذه العبارة (سائر كتبه) من النجاشي التأمّل في نسبة هذا الكتاب إلى النعماني.
ولكن يجب الإلتفات أوّلاً : أنّه لا يُفهم من هذه العبارة أنّ النجاشي كان بصدد إحصاء جميع مؤلّفات النعماني ، وخاصّة إذا ما عرفنا أنّ تفسير النعماني ما هو إلاّ مجرّد رواية واحدة تفصيلية ، وربّما اعتبر النجاشي ـ في هذا النوع من الموارد ـ الكتاب من تأليف شخص مثل الحسن بن علي بن أبي حمزة ، وهذا ما سنتحدّث عنه فيما بعد أيضاً.
ثانياً : ليس هناك من دليل على أنّ النجاشي قد حصل على جميع مؤلّفات النعماني ، كما لا يفهم ذلك من العبارة المتقدّمة أيضاً ، وإنّما أقصى ما تفيده هذه العبارة هو أنّ أبا عبد الله الشجاعي قد أوصى له بكتب النعماني التي بحوزته والتي ذكرها النجاشي ، وبالتالي فإنّ هذه الكتب قد دخلت في ملكيّته ، وعلى فرض صحّة هذا الفهم من عبارة النجاشي(1) ، لا يمكن لنا أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقوم هذا الفهم على أن يكون المراد من (وصّى لي) هو الوصية بالمصطلح الفقهي ،

ننكر نسبة كتب أخرى للنعماني غير تلك التي ذكرها النجاشي.
ثالثاً : سبق أن ذكرنا أنّه يظهر من تضاعيف كتب القدماء أنّه بالإضافة إلى الكتب الثلاثة الأولى وهي : (الغيبة ، والفرائض ، والردّ على الإسماعيلية) كان للنعماني كتب أخرى أيضاً ، ولا شكّ في أنّ كلام أمثال أبي غالب الزراري أقوى ممّا فهمناه من كلام النجاشي.
بعد أن كانت عبارة النجاشي لا يُفهم منها نفي نسبة هذا الكتاب للنعماني ، فما هو الدليل على إثبات ذلك للنعماني؟
إنّ أوّل شيء يمكن لنا أن نسوقه كدليل على هذه النسبة ، عبارة ابن شهر آشوب في باب (في من عُرف بكنيته) في معالم العلماء ، حيث قال :
«أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم ، له تفسير القرآن لأهل البيت عليهم‌السلام»(1).
قال سماحة السيّد المددي بشأن هذه العبارة :
«إنّ هذا الاسم والكنية وإن كانا ينطبقان على النعماني ، ولكن مع ذلك لا يمكن الاطمئنان إلى أنّ مراده منهما هو النعماني المعروف ، فضلاً عن الجزم واليقين بذلك ، خاصّة وأنّ هذا الكتاب يشتمل على تبويب لأبحاث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالتالي فإنّ ذلك يعني أنّ أبا عبد الله الشجاعي قد ملّك نسخ كتب النعماني إلى النجاشي ، وبطبيعة الحال فإنّ ملكية هذه النسخ قد انتقلت إلى النجاشي بعد وفاة الشجاعي ، بما في ذلك النسخة المقروءة لغيبة النعماني. ولكن إذا كان المراد من الوصية هو المصطلح في علم الدراية ، لا يكون هذا الفهم مسلّماً. (انظر : مقباس الهداية ، ج 3 ، ص 162).
(1) معالم العلماء ، طبعة النجف ، ص 134 / 904 ؛ وطبعة طهران ، ص 121 / 877.

وآيات القرآن الكريم ، وإنّ جميعه جاء على شكل رواية واحدة مأثورة عن الإمام أمير المؤمنين ، وليس تفسيراً بالمعنى المعروف»(1).
يضيف الكاتب : أنّه لا شكّ في أنّ مراد ابن شهر آشوب من هذه العبارة ليس هو النعماني ؛ وذلك لأنّه قد ترجم للنعماني في باب الأسماء بعبارة : «محمّد بن إبراهيم أبو عبد الله النعماني ، من كتبه كتاب الغيبة»(2) ، ولا معنى إلى إعادة ذكره مرّة ثانية في باب الكنى ، خاصّة وأنّ النعماني غير معروف بكنيته ، وأنّ النجاشي يعلم بأنّ النعماني يُعرف بـ : (ابن زينب)(3) ، وقد اشتهر في العصور اللاحقة بالنعماني. وأنا لا أتذكّر أن رأيت كلاماً عن النعماني في كتاب دون ذكر لقبه.
علماً أنّه من الممكن لشخص أن يذهب إلى القول بأنّ المراد من العبارة المتقدّمة هو النعماني ، وذلك من خلال القول : إنّ هناك نسخة تحمل عنوان (تفسير القرآن لأهل البيت عليهم السلام) منسوبة إلى شخص اسمه (أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم) قد وصلت إلى ابن شهر آشوب ، وحيث إنّه لم يكن يعرف المؤلّف باسمه ، فقد ذكره في باب الكنى ، مع إضافة استبعاد أن يكون هناك مؤلّفان لكتاب تفسير واحد ويتّحدان في الاسم واسم الأب والكنية ، وبذلك تكون نسبة هذا الكتاب إلى النعماني ثابتة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كيهان انديشه ، العدد : 28 ، ص 116.
(2) معالم العلماء ، طبعة النجف ، ص 118 / 783 ؛ وطبعة طهران ، ص 105 / 759.
(3) رجال النجاشي ، ص 383 / 1043. وفي غيبة الشيخ الطوسي ، ص 127 / 90 في سند قال إنّه يعرف بابن أبي زينب النعماني الكاتب.

بيد أنّ هذا الاستدلال غير متين ؛ إذ لا نعلم العصر الذي ينتمي له هذا الشخص ، وإنّ اسمه واسم أبيه وكنيته كانت جميعها مشهورة ومتداولة ، ولا يبعد أن يكون هناك شخصان بهذه المواصفات خصوصاً إذا كانا ينتسبان إلى عصرين مختلفين. وممّا يعزّز عدم متانة الاستدلال المتقدّم هو أن نضيف هنا أنّ التعبير عن هذه الرسالة بـ : (لأهل البيت عليهم‌السلام) ، مع أنّها لم تُنقل إلاّ عن أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يبدو مناسباً أبداً.
ثمّ إنّنا لو قبلنا بأنّ النعماني كان له كتاب بعنوان (تفسير القرآن) ، فكيف يمكن لنا أن نثبت أنّ النسخة الموجودة حاليّاً هي له ، أو أن نثبت أنّ هذه الرسالة مأخوذة عن تفسير النعماني؟
في الجواب عن هذا السؤال نقول إجمالاً : إنّ إثبات نسبة النسخ إلى الكتب مسألة هامّة ، ولها أساليبها الخاصّة ، وإن الاستناد إلى إجازات العلماء في ذلك غير مجدية ؛ لأنّ الإجازات في أغلبها عامّة ومن دون مناولة ، ولا تساعد على نسبة الكتب إلى مؤلّفيها ، فضلاً عن إثبات نسخة بعينها. وعليه فإنّ إثبات نسبة النسخ إلى المؤلّفين يكون من خلال أساليب خاصّة تتبّع في معرفة النُسخ مع الالتفات إلى علامات البلاغ ومقابلة ومقارنة الكتاب بآراء وأفكار المؤلّف وأسلوب وسياق تأليفاته ، ومقارنة أسانيده بالأسانيد المعروفة ، وفي هذا الشأن لا فرق بين الإجازة والوجادة أبداً طبقاً لمصطلح أهل الدراية.
وقد ذكرت تفصيل هذا البحث في رسالة مستقلّة حول دور الطرق

والمشيخة في الأسناد ، ولا مجال لذكر هذا التفصيل هنا.
وإنّما نكتفي هنا بالإشارة إلى أنّ ذكر اسم النعماني صراحة في بداية الكتاب ، وتطابق سنده مع الأسانيد المعروفة للنعماني ، وانسجام محتوى الكتاب مع أسلوب التفكير الروائي للنعماني المبتني على محورية أهل البيت عليهم‌السلام في أخذ التعاليم الدينية ، لا يبعد أن يكون هذا الكتاب من تأليف النعماني.
ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنّ المحدّث النوري يرى أنّ رسالة المحكم والمتشابه للسيّد المرتضى هي اختصار لتفسير النعماني(1) ، ولكن بالالتفات إلى فقدان أصل تفسير النعماني ، وإنّ العبارة الواردة في بداية هذه الرسالة ليس فيها ما يصرّح بوضوح أنّ كتاب تفسير النعماني كان أكبر حجماً من هذه الرسالة ، فلا يمكن الحكم باختصار الرسالة الموجودة عن تفسير النعماني.
نختم هذا القسم بنقل ومناقشة كلام سماحة السيّد المددي حيث قال :
«بما أنّ النعماني قضى آخر أيّام حياته في الشامات ـ وفي مدينة حلب تحديداً ـ وكانت وفاته هناك ، مضافاً إلى انتشار تيّار الغلوّ في تلك المنطقة ـ وهو الأمر الذي يفسّر تواجد العلويّين هناك حتّى هذه اللحظة ـ وتأثيره على الفكر الشيعي هناك ، هذا كلّه يقوّي احتمال كون هذا الأمر هو السبب الكامن وراءاعتبار هذا الكتاب ضمن التراث العلمي للنعماني ، لينتشر فيما بعد في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خاتمة المستدرك ، ج 4 (مستدرك وسائل الشيعة ، ج 22) ، ص 243.

المحافل العلمية المعروفة آنذاك ، أي : قم وبغداد والكوفة وغيرها على صورته الراهنة دون إسناد مباشر إلى المؤلّف ـ ولو على شكل إجازة ـ».
وقال في الختام :
«وبطبيعة الحال تبقى هذه الأمور مجرّد احتمالات ، وعلى الرغم من قيام بعض الشواهد على تأييد ذلك ، ولكن تبقى هناك حاجة إلى مزيد من الشواهد»(1).
بيد أنّي لم أعثر ولو على شاهد واحد ـ حتّى وإن كان ضعيفاً ـ يثبت أنّ الرسالة مورد البحث قد كتبت في الشامات.
ويبدو أنّ تأثير الغلوّ على الفكر الشيعي في منطقة الشامات يعود إلى نشاط الحسين بن حمدان الخصيبي ، وقد أشارت مصادر العلويّين إلى دوره الكبير في إرساء الدولة الحمدانية ، حتّى قالت فيه إنّه كان المرشد الروحي لسيف الدولة الحمداني ، وتعتقد أنّ اعتلاء الدولة الحمدانية ما هو إلاّ بسبب اهتمام الحسين بن حمدان بها وحرصه عليها(2). وقال ابن حجر : «قيل : إنّه كان يؤمّ لسيف الدولة»(3). ولكن إلى أيّ حدّ يمكن الاعتماد على هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كيهان انديشه ، العدد : 28 ، ص 116 ـ 117.
(2) تاريخ العلويّين ، محمّد أمين غالب الطويل ، ص 259 و 260 و 314 و 316 و 318 و 324 ، وقد أرّخ هذا الكتاب وفاة الخصيبي في سنة 346. وانظر أيضاً : مقدّمة الهداية الكبرى ، ص 5.
(3) لسان الميزان ، ج 2 ، ص 517 / 2710.

الكلام؟ هذا كلّه يحتاج إلى دراسة. وهل تأثير الحسين بن حمدان على سيف الدولة يعني بالضرورة تأثير تيّار الغلوّ على الفكر الشيعي في تلك المنطقة؟ هذا كلّه غير واضح.
والأهمّ من ذلك أنّنا لم نعثر على أىّ أثر يثبت لنا ارتباط الحسين بن حمدان بالنعماني ، ومن ناحية أخرى نجد أنّ النعماني في هذه الرسالة يروي هذا الحديث الطويل عن طريق ابن عُقدة وهو من الكوفة وارتحل إلى بغداد ، دون أن تكون له صلة بالشامات ، ولذلك لا يمكن لنا أن ندّعي انتقال هذه الرسالة من الشامات إلى قم وبغداد والكوفة.

لقد تناولنا في هذه السلسلة من المقالات تاريخ حياة النعماني وأساتذته وتلامذته ، وقد تعرّضنا إلى كتاب غيبة النعماني وتحديد تاريخ تأليفه ومباحث أخرى حول الكتاب ، وتعداد مؤلّفات النعماني وتحدّثنا عن المعلومات المختلفة بشأنها ، وكذلك كتاب تفسير النعماني ، ونسبة رسالة المحكم والمتشابه إلى النعماني أو إلى السيّد المرتضى ، وسوف نبحث هنا بالتفصيل حول سند ومضمون هذا الكتاب وخاصّة الحسن بن علي بن أبي حمزة وأبوه من الناحية الرجالية ، حيث يتبيّن من خلال كلّ ذلك عدم اعتبار تفسير النعماني نصّاً حديثيّاً.
ج ـ مناقشة تفسير النعماني بوصفه نصّاً روائياً :
القسم الأوّل : مناقشة سند رواية النعماني :
ـ إنّ أوّل من روى هذا الحديث هو أحمد بن محمّد بن سعيد
__________________
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



المعروف بابن عُقدة ، وهو على مذهب الزيدية الجارودية ، ولكن لا شكّ في وثاقته وجلالة قدره(1).
ـ أمّا إسماعيل بن مهران فقد أثنى النجاشي في رجاله عليه تبعاً لفهرست الشيخ الطوسي بوصفه : «ثقة معتمد عليه»(2) ، وقال عنه علي بن الحسن بن فضّال : «رُمىَ بالغلوّ» ، وأضاف محمّد بن مسعود العيّاشي بعد نقل هذا الكلام : «يكذبون عليه ، كان تقيّاً ثقة خيّراً فاضلاً»(3). وعليه لا ينبغي التشكيك في وثاقته.
بيد أنّ ابن الغضائري قال عنه :
«ليس حديثه بالنقي ، فيضطرب تارة ويصلح أخرى ، ويروي عن الضعفاء كثيراً ، ويجوز أن يخرج شاهداً»(4).
غير أنّ هذا الكلام ـ مع الالتفات إلى فقرته الأخيرة ـ يثبت عدم إمكان اعتبار روايات إسماعيل بن مهران دليلاً من وجهة نظر ابن الغضائري ، وإنّما يمكن لنا الاستناد إليها باعتبارها شاهداً فقط ، بيد أنّه ثبت في محلّه أنّ تضعيفات ابن الغضائري تقوم على قاعدة معرفة مضامين النصوص لرواة
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 94 / 233 ؛ فهرست الشيخ الطوسي ، ص 68 / 86 ؛ رجال الطوسي ، ص 409 / 5949 = 30 ؛ غيبة النعماني ، ص 25.
(2) رجال النجاشي ، ص 26 / 49 ، ويبدو أنّه أخذه عن فهرست الشيخ الطوسي ، ص 27 / 32.
(3) رجال الكشّي ، ص 589 / 1102.
(4) رجال ابن الغضائري ، ص 38 ؛ مجمع الرجال ، ج 1 ، ص 225 ؛ رجال ابن داود ، ص 428 / 61 ؛ رجال العلاّمة الحلّي ، ص 8 / 6.

الحديث ، وهو أمر استنباطي واجتهادي لا حجّية له ، والعبارة المذكورة هنا هي في حدّ ذاتها شاهد صريح على استناد ابن الغضائري على مضامين نصوص روايات إسماعيل بن مهران في تضعيفه.
وأمّا الرواي الأخير لهذا الحديث فهو إسماعيل بن جابر. قال الشيخ الطوسي في باب أصحاب الباقر عليه‌السلام من رجاله :
«إسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي ، ثقة ، ممدوح ، له أصول رواها عنه صفوان بن يحيى»(1).
وهنا توجد بعض الأبحاث الرجالية بشأن تحديد هوية هذا الراوي وارتباطه بإسماعيل الجعفي ، وقد تحدّثنا عن ذلك في رسالة مستقلّة حول إسماعيل الجعفي ، ولا نرى حاجة إلى إعادة هذه الأبحاث في هذا المقال. وعلى أىّ حال ليس هناك من كلام في وثاقة ثلاثة رواة في سند هذه الرواية ، ويبقى الكلام في ثلاثة رواة آخرين في سند هذه الرواية ، وهم :
أوّلاً : أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي :
ليس هناك توثيق صريح له ، ولكن من الممكن إثبات اعتبار الحديث من ناحيته ببيانين ، وفي كلا البيانين تمّ الاستفادة من المباني الرجالية المختلف فيها ، ولكنّنا نرى صحّة المباني الرجالية لهذين البيانين ، وهنا لا نجد مجالاً لطرح هذه المباني وإثباتها ، ولذلك سنكتفي بذكر أصل هذين البيانين :
__________________
(1) رجال الشيخ الطوسي ، ص 124 / 1246 = 18.

البيان الأوّل : روى ابن عُقدة الكثير من الروايات عن هذا الراوي(1) ، وإن كثرة رواية كبار المشايخ عن راو واحد تشكّل دليلاً على وثاقته.
البيان الثاني : يبدو أنّ هذا السند هو طريق النعماني إلى كتاب الحسن ابن عليّ بن أبي حمزة البطائني الذي تكرّر ذكره مراراً في غيبة النعماني(2) ، وقد تعرّضنا في سياق الكلام عن مصادر غيبة النعماني إلى طرق الكشف عن مصادر الكتب ونشير هنا إلى أنّ من بين الأساليب الهامّة في معرفة المصادر أنّه إذا كانت الأسانيد المنتهية إلى شخص معيّن ذات ترتيب واحد وقد تعدّدت من بعده إلى طرق مختلفة ، كان ذلك الشخص مؤلّفاً للمصدر ، وإنّ السند المشترك المتكرّر إليه يعتبر طريق المؤلّف إلى مصدر الكتاب.
وفيما يتعلّق بنفس هذا السند الوارد في غيبة النعماني كذلك نتوصّل من خلال نفس هذا المبنى إلى أنّ الحسن بن عليّ بن أبي حمزة هو مؤلّف المصدر الذي أخذ عنه النعماني أحاديثه ، وما جاء في هذا السند هو نفسه الذي جاء في السند الذي بحثنا عنه في بداية تفسير النعماني. وقد نسب
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 4 / 1 ، 10 / 7 ، 28 / 53 ، 36 / 73 ، 46 / 95 ، 124 / 320 ، 126 / 328 ، 171 / 450 ، 323 / 585 ، 252 / 663 ، 281 / 745 ، 303 / 826 ، 356 / 952 ، 414 / 1103 ، 417 / 1115 ، 449 / 1212 ، وانظر أيضاً : الهامش التالي.
(2) غيبة النعماني ، ص 34 / 3 ، 51 / 2 ، 54 / 6 ، / 194 / 1 ، 198 / 11 ، 200 / 16 ، 204 / 6 ، 234 / 21 ، 240 / 35 ، 241 / 37 ، 250 / 6 ، 253 / 13 ، 257 / 14 ، 263 / 22 و 24 ، 264 / 27 ، 267 / 37 ، 269 / 40 ، 317 / 2 ، 320 / 10 ؛ وأيضاً : مزار المفيد ، ص 158 / 3 ؛ فهرست الشيخ الطوسي ، ص 89 / 119.

النجاشي في رجاله في ترجمة الحسن بن علي بن أبي حمزة كتاباً إليه بعنوان (فضائل القرآن)(1) ، مع ذكر طريقه إليه(2) ، وهو نفس الطريق مورد البحث. ومن خلال مجموع هذه الموارد يبدو أنّ الطريق المذكور هو طريق النعماني إلى الحسن بن علي بن أبي حمزة.
ومن ناحية أخرى قال عليّ بن الحسين بن فضّال إنّه كتب تفسير القرآن من بدايته إلى نهايته عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، وربّما كان هذا يعني أنّ الحسن بن علي بن أبي حمزة كان له كتاب في التفسير وأنّ ابن فضّال قد كتب نسخة عنه وقام بروايته عنه.
ويحتمل أن يكون (فضائل القرآن) و (تفسير القرآن) أجزاء من كتاب أوسع عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، وأنّه يشتمل على مباحث تفسيرية عامّة مثله مثل تفسير النعماني ، تفسير آحاد السور وفضل قراءة سور القرآن.
ولو ثبت أنّ تفسير النعماني مأخوذ عن كتاب الحسن بن عليّ بن فضّال ، لأمكننا ذلك مع الأخذ بنظر الاعتبار المبنى الرجالي القائل بعدم الحاجة إلى مناقشة السند في الطريق إلى الكتب ، تصحيح الطريق المتقدّم ، رغم عدم إمكان إثبات وثاقة أحمد بن يوسف بن يعقوب.
__________________
(1) نقل الشيخ الصدوق الكثير من الروايات في أبواب ثواب سور القرآن التي تصل أسانيدها إلى الحسن بن علي بن أبي حمزة وتنفصل عنه بعد ذلك ، ويبدو أن هذه الأحاديث مأخوذة من كتاب فضائل القرآن هذا (انظر : ثواب الأعمال ، ص 130 ـ 158).
(2) رجال النجاشي ، ص 36 / 73.

الثاني والثالث : الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني وأبوه علي ابن أبي حمزة :
ـ كان عليّ بن أبي حمزة البطائني من الوكلاء البارزين للإمام الكاظم عليه‌السلام ومن المعتمدين في المجتمع الشيعي ، وبعد سجن الإمام الكاظم عليه‌السلام كان الشيعة يحملون الكثير من أموال الإمام إلى عليّ بن أبي حمزة وغيره من وكلاء الإمام. وبعد استشهاد الإمام عليه‌السلام تسبّبت كثرة هذه الأموال بافتتان بعض هؤلاء الوكلاء ، فقالوا بأنّ الإمام الكاظم هو آخر الأئمّة ، وأنكروا إمامة الإمام الرضا عليه‌السلام ، وهكذا تبلور مذهب الواقفية(1).
وعلى الرغم من ذلك فقد ورد اسم عليّ بن أبي حمزة في الكثير من الروايات ، وقد روى عنه كبار المحدّثين من أمثال ابن أبي عمير ، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، والحسن بن محبوب ـ من أصحاب الإجماع ـ وكذلك عليّ بن الحكم ، وغيرهم ، وعليه كيف نوفّق بين ذلك وبين الانحراف العقائدي الشديد لعليّ بن أبي حمزة؟
ذكرت هنا احتمالات ، نشير إلى بعضها إجمالاً :
يذهب المحدّث النوري إلى الاعتقاد بأنّ عليّ بن أبي حمزة كان ثقة حتّى بعد تأسيس مذهب الواقفية(2) ، بيد أنّ الشواهد التاريخية الواضحة تثبت
__________________
(1) فيما يتعلّق بظهور المذهب الواقفي ، انظر : رجال الكشّي ، ص 404 / 759 / 871 ، 467 / 888 ؛ علل الشرائع ، ج 1 ، ص 235 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 1 ، ص 112 / 2 و 113 / 3 ؛ غيبة الطوسي ، ص 64.
(2) خاتمة المستدرك ، ج 4 ، (مستدرك الوسائل ، ج 22) ، ص 468 ـ 471.

البون الشاسع بين الواقفة والإمامية ، ومع سعة هذا الشرخ لا يمكن اعتبار زمان تحمّل الحديث عن عليّ بن أبي حمزة يعود إلى زمن انتسابه إلى المذهب الواقفي(1) ، فمن ناحية كان موقف الواقفة تجاه الإمام الرضا عليه‌السلام شديداً ، حتّى سمحوا لأنفسهم أن يتجرّأوا ويتجاسروا على مقامه الشريف(2) ، حتّى أنّ الإمام الرضا عليه‌السلام قد حظر التعامل مع الواقفة ومجالستهم ، واعتبرهم بمثابة النواصب(3) ، وبذلك يتّضح الموقف السلبي للشيعة منهم ، وإنّ لقب الممطورة(4) ـ الذي يعني الكلاب المبتلّة بماء المطر ـ هو اللقب الذي أطلقه الإمامية على الواقفة ، ممّا يثبت الشرخ الواسع بين هذين الاتجاهين(5).
وعليه فإنّ كبار الإمامية قبل ظهور الواقفية أي في الوقت الذي كان
__________________
(1) صرّح الشيخ البهائي في بعض كتبه بهذا الأمر.
(2) انظر على وجه الخصوص : رجال الكشّي ، ص 455 ـ 467 ؛ غيبة الشيخ الطوسي ، ص 23 ـ 81.
(3) رجال الكشّي ، ص 457 / 864 ؛ وكذلك في ص 229 / 410 و 411 ، 460 / 873 و 874.
(4) رجال الكشّي ، ص 460 / 875 و 461 / 878 و 879 ؛ غيبة الطوسي ، ص 69 ؛ الفصول العشرة في الغيبة ، ص 48 و 109 ؛ كمال الدين ، ص 93 ؛ المسائل الصاغانية ، ص 6.
(5) تمّت الإشارة في كتب المقالات والفرق من قبيل : فرق الشيعة للنوبختي ، ص 81 و 82 ؛ المقالات والفرق ، ص 92 و 93 ؛ مقالات الإسلاميّين ، ص 29 ، إلى الجذور التاريخية لهذا اللقب ، ووجه هذه التسمية كناية عن الكلاب التي يصيبها المطر لشدّة عفنها وإهمالها عند الناس ، وربّما كان ذلك بسبب تنجّس الإنسان الذي يدنو من مثل هذه الكلاب. ومهما كان فإنّ هذا التعبير يحكي عن عمق الشرخ بين الإمامية والواقفة ، وانظر أيضاً : مكتب در فرايند تكامل ، ص 84 ، الهامش رقم : 33.

يشهد فيه لعليّ بن أبي حمزة وغيره من الواقفة المعروفين من أمثال زياد بن مروان القندي بجلالة القدر كانوا يأخذون عنهم الرواية ، وحيث إنّ مدار تقييم أحاديث كل راو هو زمن تحمّل الحديث عنه ، لذلك فإنّ الانحراف المذهبي وضعف أو كذب هؤلاء الرواة بعد ذلك لا يضرّ بصحّة الأحاديث المروية عنهم قبل حصول هذا الانحراف.
بيد أنّ هذه الطريقة في إثبات الاعتبار لروايات عليّ بن أبي حمزة لا يجدينا نفعاً في بحثنا هذا ؛ لأنّ هذه الطريقة إنّما تأتي فيما إذا كان الراوي عن عليّ بن أبي حمزة من الإمامية ، وليس شخصاً مثل الحسن بن عليّ بن أبي حمزة الذي هو من كبار الواقفة.
وبطبيعة الحال لو ذهبنا مذهب المحدّث النوري في توثيق عليّ بن أبي حمزة حتّى بعد تأسيس المذهب الواقفي ، فإنّ نتيجة البحث سوف تأخذ منحىً آخر مغايراً تماماً ، بيد أنّ هذا المبنى غير تام كما أثبتنا ذلك بالتفصيل ، وعليه تكون الرواية عن عليّ بن أبي حمزة غير تامّة.
ـ أمّا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة فكما جاء في رجال الكشّي أنّ عليّ بن الحسن بن فضّال قال عنه :
«كذّاب ملعون ، رويت عنه أحاديث كثيرة ، وكتبت عنه تفسير القرآن كلّه من أوّله إلى آخره ، إلاّ أنّي لا أستحلّ أن أروي عنه حديثاً كثيراً»(1).
__________________
(1) رجال الكشّي ، ص 552 / 1042 ، جدير بالذكر أنّ هذا الكلام بهذه الألفاظ ورد في ترجمة عليّ بن أبي حمزة أيضاً ، وكان السؤال فيه موجّهاً من قبل العيّاشي إلى عليّ

وفي رجال النجاشي نقلاً عن رجال الكشّي تمّ الاكتفاء بعبارة (فطعن عليه) فقط(1) ، ويحتمل أنّ سبب ذلك جنوح النجاشي إلى الاختصار.
وقيل بشأنه في رجال ابن الغضائري :
«واقف ابن واقف ، ضعيف في نفسه ، وأبوه أوثق منه ، وقال عليّ بن
__________________
ابن الحسن أيضاً (ص 404 / 756). إنّ مورد السؤال هنا هو (ابن أبي حمزة) ، وبقرينة عنوان رجال الكشّي يبدو للذهن أنّ المراد منه هو عليّ بن أبي حمزة ، إلاّ أنّ القرائن الواضحة تثبت أنّ المراد من ابن أبي حمزة هو الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، وعليه فإنّ ذكر هذه العبارة في ذيل ترجمة عليّ بن أبي حمزة ليس صحيحاً. وإنّ أهمّ قرينة على ذلك أنّ ولادة عليّ بن الحسن بن فضّال كانت بعد وفاة عليّ بن أبي حمزة. وفي توضيح هذا الأمر من الضروري أن نشير إلى ولادة عليّ بن الحسن بن فضّال. قال النجاشي في ترجمته (رجال النجاشي ، ص 257 / 676) أنّه عندما كان في الثامنة عشرة من عمره قابل أحاديث أبيه معه ، وحيث أنّه لم يكن يفهم الأحاديث ، فإنّه لم يكن يرويها على نحو مباشر ، وإنّما يروي الحديث عن أبيه بتوسّط أخويه ، وبعد الالتفات إلى أنّ وفاة أبيه الحسن بن عليّ بن فضّال في عام 224 ، إذا كان زمن مقابلة الأحاديث في حدود تلك الفترة ، ستكون ولادة عليّ في حدود عام 206 ، وعلى أيّ حال لا يمكن لولادته أن تكون أبعد بكثير من هذا التاريخ ، ولذلك يمكن القول إنّه ولد في عام 202 أو 203 للهجرة بعد استشهاد الإمام الرضا عليه‌السلام ، إلاّ أنّ عليّ بن أبي حمزة قد ذكر في عدد من الروايات أنّه توفّي في حياة الإمام الرضا عليه‌السلام ، (رجال الكشّي ، ص 404 / 755 ، 444 / 834) وقد ورد التصريح في رواية أنّه توفّي عندما كان الإمام الرضا في خراسان ، (دلائل الإمامة ، ص 365 / 318) ، وعليه فإنّ وفاة عليّ بن أبي حمزة كانت في السنوات الأخيرة من حياة الإمام الرضا عليه‌السلام. من هنا كان سماحة الوالد ـ مدّ ظله ـ يؤكّد في بحث كلّيّات علم الرجال بالاستناد إلى هذا الدليل أنّ المراد من ابن أبي حمزة في كلام عليّ بن الحسن بن فضّال ، ليس عليّ بن أبي حمزة.
(1) رجال النجاشي ، ص 36 / 73.

الحسن بن فضّال(1) : «إنّي لأستحي من الله أن أروي عن الحسن بن عليّ» ، وحديث الرضا عليه‌السلام فيه مشهور»(2).
وقد اعتبر بعض مشايخ حمدويه بن نصير الحسن بن عليّ بن أبي حمزة أنّه «رجل سوء»(3) ، وقد اعتبره الكشّي في ترجمة شعيب العقرقوفي أنّه كذّاب(4).
كما أنّ وقوع الحسن بن عليّ بن أبي حمزة في أسانيد كامل الزيارات وأسانيد تفسير القمّي ليس دليلاً على وثاقته أيضاً ، ولذلك ليست هناك من حاجة إلى مقارنة هذا الأمر بالتضعيفات المتقدّمة(5).
وعلى الرغم من ذلك فقد سعى المحدّث النوري من خلال تقديم بعض القرائن إلى إثبات وثاقة الحسن بن عليّ بن أبي حمزة(6).
__________________
(1) جاء في النصّ المطبوع لرجال ابن الغضائري ، ص 51 / 33 (الحسن بن عليّ بن فضّال) ، ويبدو أنّه من الخطأ ، والصحيح ما ذكرناه نقلاً عن مجمع الرجال ، ج 2 ، ص 22. انظر أيضاً : رجال العلاّمة الحلّي ، ص 213 / 7. ولا يبعد أن يكون هذا الأمر فيه إشارة إلى ما ذكر في رجال الكشّي ، وأنّه قد حصل تحريف في أحد هذين النقلين.
(2) إنّ حديث الإمام الرضا عليه‌السلام بشأن عليّ بن أبي حمزة مشهور ، وليس بشأن ولده الحسن (انظر : معجم رجال الحديث ، ج 5 ، ص 16).
(3) رجال الكشّي ، ص 552 / 1042.
(4) رجال الكشّي ، ص 443 / هامش 831.
(5) قارنوا ذلك بما جاء في معجم رجال الحديث ، ج 5 ، ص 15.
(6) مستدرك الوسائل ، ج 22 ، (خاتمة المستدرك ، ج 4) ، ص 242.

نقل ومناقشة كلام المحدّث النوري في إثبات وثاقة الحسن بن علي بن أبي حمزة :
القرينة الأولى : إنّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر ـ من الجماعة التي لا تروي إلاّ عن الثقة ـ قد روى عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة في باب تدبير التهذيب.
كان سماحة الوالد ـ مدّ ظله ـ يُشير في أبحاثه الرجالية إلى أنّ هذا الحديث بالالتفات إلى تعقيداته السندية والمتنية لا يصحّ الاستناد إليه في الأبحاث الرجالية ، ويحتمل احتمالا كبيراً أنّه تعرّض للتحريف ، وفي الموارد التي يكون فيها الحديث عرضة للغرابة والتعقيد والإعضال لا يمكن التمسّك بأصالة عدم التحريف للقول بانتفاء احتمال التحريف في السند ، وفي ملحق المقال سوف نتحدّث بشأن هذا السند.
القرينة الثانية : رواية الكثير من الكبار عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة.
فقد ذكر المحدّث النوري أسماء عدد من الأشخاص الذين يروون عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، وإنّ أغلب هؤلاء لم يروِ عنه إلاّ رواية واحدة أو بضع روايات في الحدّ الأقصى ، وإنّ وثاقة بعضهم بحاجة إلى بحث وتحقيق ، كما هو الحال بالنسبة إلى صالح بن أبي حمّاد(1) ، وفيما يخصّ هذا
__________________
(1) ذكر صالح بن حمّاد في المستدرك ، ج 22 (خاتمة المستدرك ، ج 4) ، ص 243 ، وهو خطأ.

الراوي لم نعثر على رواية مباشرة له عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة(1).
والراوي الوحيد الذي له الكثير من الروايات عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، هو إسماعيل بن مهران ، وليس هناك من شكّ في جلالة قدره ، بالرغم من وجود بعض التضعيفات في حقّه ، ولكن لا يمكن التعويل عليها كثيراً(2).
بيد أنّ كثرة رواية إسماعيل بن مهران عنه لا تنهض في كونها دليلاً على وثاقة الحسن بن علي بن أبي حمزة(3) ، وذلك للأسباب الآتية :
__________________
(1) وبطبيعة الحال فإن صالح بن أبي حماد في بعض الروايات يروي عن الحسن بن علي (الكافي ، ج 2 ، ص 157 / 3. ج 4 ، ص 155 / 5. ج 5 ، ص 92 / 4) ، والمراد من الحسن بن علي في هذا الأسناد إما هو الوشاء (الذي يروي عنه صالح بن أبي حماد إمّا بهذا العنوان أو بعنوان الحسن بن علي الوشاء. انظر : معجم الرجال ، ج 9 ، ص 375 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 2 ، ص 228 / 1 ، وقارن ذلك بصفحة 232 / 1) أو ابن فضّال (الذي يروي عنه أيضاً صالح بن أبي حماد. انظر : معجم الرجال ، ج 9 ، ص 373) ، وليس هناك من مبرّر يحتّم علينا القول بأن المراد من الحسن بن علي هنا هو الحسن بن علي بن أبي حمزة ، أو أن ننفي احتمال ذلك.
(2) وقد نقلت في شأنه أكثر أقوال الرجاليين انظر : رجال ابن الغضائري ، ص 38 ؛ رجال الكشّي ، ص 589 / 1102.
(3) ما سنعمد إلى توضيحه في النصّ إنّما هو بشأن أداء الرواية عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة من قبل إسماعيل بن مهران. ولكن يبقى السؤال هنا : مع وجود الشرخ الكبير بين الإمامية والواقفة ، كيف يمكن لإسماعيل بن مهران أن يروي عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة؟ في الجواب عن هذا السؤال يجب علينا أن ندرك أنّ الحسين بن مهران وهو أخو إسماعيل بن مهران كان من الواقفة (رجال النجاشي ، 56 / 127 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 2 ، 213 / 20) ؛ كما كان ابن عمّه أحمد بن محمّد بن أبي

أوّلاً : قال ابن الغضائري عن إسماعيل بن مهران : «يروي عن الضعفاء». فإذا قبلنا بهذا الكلام فإنّ كثرة الرواية لإسماعيل بن مهران عن أحد الرواة لا تكون دليلاً على وثاقة ذلك الراوي ؛ لأنّ رواية الأحاديث الكثيرة من قبل راو جليل القدر عن أحد الرواة تدلّ على وثاقة المروي عنه باعتبارها قاعدة سارية في قبول وثاقة المرويّ عنه ولكنّها لا تصدق في الرواة الذين لا يتحرّزون عن الرواية عن الضعفاء من أمثال أحمد بن محمّد بن خالد البرقي الذي يخالف في ذلك ديدن المحدّثين.
ثانياً : لو لم نقل بما قاله الغضائري ، أو أنكرنا نسبة كتاب الرجال إليه ، واعتبرنا مؤلّفه شخصاً مجهولاً لا يُعتمد عليه ، فوفقاً لمقتضى التحقيق فإن كثرة رواية الأجلاء عن رجل واحد لا يقوم دليلاً على وثاقته دائماً ، بل إنّ ذلك يتوقّف على شروط ، منها :
1 ـ أن لا تكون الروايات المروية عنه خاصّة بالمستحبّات والسنن ؛ إذ قد يكون هناك تعويل في الرواية على قاعدة (من بلغ) أو قاعدة (التسامح في أدلّة السنن) ، دون النظر إلى وثاقة الراوي.
2 ـ في الموارد التي لا يكون فيها خبر العادل غير العلمي حجّة ، بل
__________________
نصر في بداية أمره واقفيّاً ثمّ اهتدى بعد ذلك (غيبة الطوسي ، ص 71 / 46). بل كان آل مهران من القائلين بالمذهب الواقفي (غيبة الطوسي ، نفس الموضع). لذلك يحتمل أنّ كون إسماعيل بن مهران كان واقفيّاً في بداية أمره ، ثمّ اهتدى ، وإنّ أخذه الحديث عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة يعود للفترة التي كان فيها واقفيّاً. وعلى فرض أنّ إسماعيل بن مهران لم يكن واقفيّاً أبداً ، يمكن القول بأنّ واقفية أسرته هي التي أعدّت الأرضية إلى ارتباطه بالحسن بن عليّ بن أبي حمزة.

يجب في مورده تحصيل العلم ، كما هو الحال بالنسبة إلى المسائل الاعتقادية ؛ إذ في هذا النوع من المسائل قد يكون نقل الرواية عن الراوي مقدّمة لتحصيل العلم ، بمعنى أنّه من خلال ضمّ الأحاديث الأخرى بعضها إلى البعض الآخر وتراكم القرائن المختلفة نتوصّل إلى إثبات المسألة ، ففي تحصيل العلم لا حاجة إلى أن يكون كلّ واحد من الأحاديث المعتمد عليها معتبرة بأجمعها ، ومن هنا كانت الأحاديث الضعيفة مؤثّرة في تحقيق التواتر ، ففي المسائل الاعتقادية تروى الكثير من الأحاديث في الكتب الروائية ، والكثير من هذه الأحاديث غير معتمدة من الناحية السندية ، ولكنّها تساعد على تحصيل العلم من خلال ضمّها إلى الأحاديث الأخرى ، ولذلك مثلاً نشاهد في كتاب الحجّة من الكافي أسماء كثير من المجهولين ، ويبعد أن يكون الكليني من القائلين بتوثيق جميع هؤلاء الأشخاص ، بل يبدو أنّ السبب في نقل الرواية عن هؤلاء الأفراد يعود إلى نفس هذه المسألة المشار إليها آنفاً من ضمّ الأحاديث بعضها إلى بعض.
وفيما يتعلّق بإسماعيل بن مهران ورواياته الكثيرة عن الحسن بن عليّ ابن أبي حمزة فلا ينطبق عليه ما ذكرناه آنفاً وإنّما من باب أنّ كثيراً من رواياته إنّما هي في السنن والمستحبّات من قبيل : ثواب سور القرآن الكريم(1) ، أو فضل الصلوات على النبيّ الأكرم وأهل بيته(2) فلا داعي لوثاقة
__________________
(1) الكافي ، ج 2 ، ص 620 / 3 ، 623 / 10 ؛ أمالي الصدوق ، المجلس 16 / 8 ، وخاصّة ثواب الأعمال ، أبواب ثواب قراءة سور القرآن ، ص 130 ـ 158.
(2) الكافي ، ج 2 ، ص 492 / 6.

السند فيها وذلك وفقاً لقاعدتي «من بلغ» و «التسامح في أدلّة السنن».
كما روى إسماعيل بن مهران الكثير من الروايات المتّصلة بموضوع الغيبة والمهدوية عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة(1) ، إذ يمكن لمثل هذه الروايات أن تكون مقدّمة لتحصيل العلم واليقين ، دون الأخذ بنظر الاعتبار وثاقة المروي عنه.
مضافاً إلى أنّه حتّى لو افترضنا أنّ إسماعيل بن مهران كان يرى وثاقة الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، فإنّ هذا التوثيق معارض بتضعيفه من قبل عليّ بن الحسن بن فضّال.
أمّا القرينة الثالثة ـ التي ترتبط بموضوع بحثنا الأصلي بشكل أكبر ـ وهي أنّ الأصحاب قد تلقّوا روايات الحسن بن عليّ بن أبي حمزة بالقبول.
وقد ذكر المحدّث النوري تفسير النعماني هذا بوصفه شاهداً على هذه المسألة ، وأشار إلى أنّ عليّ بن إبراهيم قد جاء بخلاصة هذه الرواية في بداية تفسيره ، وقد لخّص السيّد المرتضى تفسير النعماني وقد عرف هذا التلخيص بـ : رسالة المحكم والمتشابه ، وقد غيّر الشيخ الجليل سعد بن عبد الله ترتيب هذا الحديث ، وعمد إلى تبويبه ، وتفريق أجزائه على مختلف الأبواب.
ولكن هذه القرينة أيضاً لا يمكن القبول بها على وثاقة الحسن بن عليّ ابن أبي حمزة ؛ إذ يمكن القول بشأن مقدّمة تفسير علي بن إبراهيم والارتباط الوثيق بينهما :
__________________
(1) لقد ورد ذكر إسماعيل بن مهران في سند مشابه لسند تفسير النعماني في كتاب غيبة النعماني بكثرة ، وقد أشرنا إلى هذه الموارد في بداية الكلام عن تفسير النعماني.

أوّلاً : ليس هناك من دليل على أنّ هذه المقدّمة مأخوذة من هذا التفسير ، بل يحتمل أن تكون مأخوذة من رواية أخرى ، وهي نفسها كانت قد وصلت إلى الحسن بن عليّ بن أبي حمزة أيضاً ، وإنّه أضاف عليها إضافات كثيرة ونسبها إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام.
وثانياً : إنّ التفسير الموجود اليوم باسم تفسير عليّ بن إبراهيم كذلك ليس من تأليفه ، بل هو تفسير شخص آخر ، ويبدو أنّه من تأليف علي بن حاتم القزويني الذي كان يكثر من النقل عن تفسير القمّي(1) ، فنسب إلى القمّي وعلى الرغم من التصريح باسم عليّ بن إبراهيم في مقدّمة هذا التفسير ، ولكن بملاحظة ما قيل في حقّ عليّ بن حاتم من أنّه «يروي عن الضعفاء»(2) ، وتوسّط شخص اسمه أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بين مؤلّف هذا التفسير وعليّ بن إبراهيم في مستهلّ نصّ التفسير(3) ، والذي لم نعثر على دليل على وثاقته ؛ كلّ ذلك يجعلنا لا نستطيع الاعتماد على مقدّمة هذا التفسير ، وتبعاً لذلك لا يمكن القول باعتماد علي بن إبراهيم على الحسن بن عليّ بن أبي حمزة.
وقد تحدّثنا سابقاً حول رسالة المحكم والمتشابه ونسبتها إلى السيّد المرتضى.
كما أنّ رسالة سعد بن عبد الله رسالة مجهولة ولا يمكن الجزم بنسبتها
__________________
(1) دانشنامة جهان إسلام ، مدخل تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ، للكاتب.
(2) رجال النجاشي ، ص 263 / 688.
(3) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 27.

إلى سعد بن عبد الله ، وسوف نتحدّث عنها بتفصيل أكثر إن شاء الله.
فبالالتفات إلى ما تقدّم نستنتج عدم وجود دليل على وثاقة الحسن بن عليّ بن أبي حمزة.
المسألة الأخرى التي يمكن أن نشير إليها بشأن سند تفسير النعماني هي أنّ رواية عليّ بن أبي حمزة عن إسماعيل بن جابر لم ترد في موضع آخر ، ولكن حيث إنّ هذه المسألة بالنظر إلى الظروف الزمانية والمكانية لا تجعل من رواية عليّ بن أبي حمزة عن إسماعيل بن جابر أمراً مستغرباً(1) ، لا تكون مسألة ذات أهمّية.
فنتيجة البحث هي أنّه بلحاظ وجود الحسن بن عليّ بن أبي حمزة وأبيه في سند تفسير النعماني ، لا يمكن اعتبار هذا الكتاب بوصفه نصّاً حديثيّاً معتبراً.
أمّا الآن فنتساءل : هل يمكن اعتبار هذا الحديث بملاحظة نصّه رواية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام؟
القسم الثاني : مناقشة تفسير النعماني بملاحظة نصّ الحديث.
الذي يبدو من تفسير النعماني باستثناء المقدّمة التي هي عبارة عن
__________________
(1) إن كلاًّ من عليّ بن أبي حمزة وإسماعيل بن جابر من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم عليهما‌السلام ، وكلاهما كوفيّ. (انظر : رجال الشيخ الطوسي ، ص 160 / 1789 = 93 ، 331 / 4934 = 13 ؛ رجال البرقي ، ص 28 ؛ وكذلك : رجال الشيخ الطوسي ، ص 245 / 3402 = 311 ، 339 / 5049 = 10 ؛ رجال البرقي ، ص 25 و 48 ؛ رجال الكشّي ، ص 49 / 656).

صفحتين ، والصفحة التي في بداية الرواية المروية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ بقية الرواية إلى نهايتها هي من كلمات الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهذا ما تشهد له العبارات الواردة في النصّ من قبيل : «سُئل صلوات الله عليه»(1) ، أو «سألوه»(2) التي ورد ذكرها في هذه الرسالة مراراً وتكراراً ، وفي بعض موارد الحديث نجد تعبيرات تؤكّد على هذا الأمر ، من قبيل :
ـ «لمّا أردت قتل الخوارج بعد أن أرسلت إليهم ابن عبّاس لإقامة الحجّة عليهم ، قلت : يا معشر الخوارج»(3).
طبقاً لهذه العبارة تكون هذه الرواية قد صدرت عن أمير المؤمنين بعد معركة النهروان مع الخوارج.
ـ ثمّ قال صلوات الله عليه : «وأوصاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا عليّ إن وجدت فئة تقاتل بهم ؛ فاطلب حقّك ، وإلاّ فالزم بيتك ، فإنّي قد أخذت لك العهد يوم غدير خمّ بأنّك خليفتي ووصيّي ، يا أبا الحسن حقيق على الله ...»(4).
ـ «وذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يُكثر من مخاطبتي بأبي تراب»(5).
والآن نريد أن نرى هل يمكن من خلال قراءتنا لنصّ هذا الحديث أن نحكم بأنّ هذا التفسير من كلام الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام؟
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 11.
(2) بحار الأنوار، ج 93، ص 6 و 11 و 12 و 16 و 17 ـ مرّتين ـ و 20 و 22 و 23.
(3) بحار الأنوار 93 / 15.
(4) بحار الأنوار 93 / 15.
(5) بحار الأنوار 93 / 27.

ونناقش هذا البحث من زاويتين ، الأولى من ناحية الأساليب والالتفات للمفردات والعبارات وطريقة ترتيبها ، والثانية من ناحية المحتوى ومقارنة الأفكار المثارة في الحديث ومدى انسجامها مع عصر أمير المؤمنين عليه‌السلام.
مناقشة أسلوب تفسير النعماني(1) :
قال سماحة السيّد المددي بشأن أسلوب الكتاب :
«إنّ أسلوب الكتاب بشكل عام أقرب إلى تأليف كتاب أو رسالة منه إلى كلام المعصومين عليهم‌السلام المتعارف والمتعاهد لدينا ، كما أنّه من الناحية الأدبية متوسّط في أدائه الأدبي ، وهو ممزوج بالمصطلحات العلمية من قبيل : العام والخاص ، والناسخ والمنسوخ ، والقياس والرأي والاجتهاد وما إلى ذلك ، وإنّه من ناحية أسلوب البيان ومتانة الألفاظ ودقّة المعاني ووضوح المطالب وشموليّتها واستيعابها غير قابل للمقارنة بنهج البلاغة على الإطلاق»(2).
إنّ كلام سماحة السيّد في مجموعه كلام صائب ومتين ، وإن كنت أختلف معه في بعض الجزئيّات ، فمثلاً :
إنّ كلمات من قبيل : العام والخاص ، والناسخ والمنسوخ ، ليست
__________________
(1) بعد أن أعددت مقدّمات كتابة هذه المقالة وتدوين بعض أجزائها ، اطّلعت على مقال لسماحة السيّد المددي في العدد 28 من مجلّة (آيينه ى پژوهش) (وهنا أرى من واجبي أن أتقدّم بالشكر لسماحة الشيخ مهدوي راد الذي أطلعني على هذا المقال والتي لفتت انتباهي عندما كتبت هذا الجزء من مقالتي هذه وعندما تعرّضت إلى نسبة هذه الرسالة إلى النعماني فبذلت جهدي في بيان المضامين المفصّلة في مقالته على نحو الإجمال.
(2) آيينه ى پژوهش ، العدد : 28 ، ص 114.

مصطلحات علمية بالضرورة ، فإنّ هذه الكلمات مستعملة في الأحاديث بمعانيها العرفية ، وهي قريبة من معانيها الاصطلاحية(1) ، كما أنّ مفردة القياس والرأي والاجتهاد ليست مفردات مستحدثة ، ولذلك فقد وردت في الأحاديث المعتبرة المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن أمير المؤمنين عليهما‌السلام ، فمثلاً وردت كلمة القياس في حديث معتبر عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) إذ يقول : «ما على ديني من استعمل القياس في ديني»(2).
وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول فيها : «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس ، ومن دان الله بالرأي لم يزل رأيه في ارتماس»(3).
ولو أنّه قد ذكر مفردة الاستحسان بدلاً من ذكر هذه المفردات لكان أنسب(4).
كما أنّ مقارنة تفسير النعماني بنهج البلاغة الذي هو مختار الشريف
__________________
(1) من باب المثال انظر : الكافي ، ج 1 ، ص 62 / 1 ، ص 213 / 2 ؛ بصائر الدرجات ، ص 203 / 4 ، 204 / 8 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 164 / 6 ؛ كتاب سُليم بن قيس ، ص 620 و 783 حيث جاء التعبيرفي هذه الموارد بمفردات العام والخاص والناسخ والمنسوخ ، وبعضها لا إشكال فيه من الناحية السندية (بصائر الدرجات ، ص 203 / 4).
(2) أمالي الصدوق ، مج 2 / 3 ؛ التوحيد ، ص 68 / 23 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 1 ، ص 116 / 4 ؛ مشكاة الأنوار ، ص 9.
(3) الكافي ، ج 1 ، ص 57 / 17.
(4) حيث لم أرَ استعمال مفردة الاستحسان في رواية بمعنى مشابه للمعنى المراد اصطلاحاً.

الرضي من مجموع كلمات الإمام لا يبدو صائباً ؛ لأنّ مؤلّف نهج البلاغة إنّما اختار بعض الخطب والكلمات عن أمير المؤمنين التي رأى أنّها تقف في مرتبة عالية من الناحية الأدبية والبلاغية.
وقد نقل سماحة السيّد المددي ثلاثة مقاطع من هذه الرسالة ليستنتج منها عدم تشابه هذه الرسالة بالكلام المعروف عن الإمام ، وإنّ هذه المقاطع خير شاهد على هذا الكلام ، وخاصّة المقطع الأوّل (ص 67 بالالتفات إلى عبارة : وغيره ممّا لو شرح لطال به الكتاب) والمقطع الثالث (ص 91 ، وأمّا الردّ على من قال بالرأي والقياس والاستحسان ، ...).
وهذه نماذج أخرى نذكرها في سياق الكلام :
ـ «وقد اعترض على ذلك بأن قيل : قد رأينا أصنافاً من الحيوان لا يُحصى عددها ، يبقى ويعيش بغير أمر ولا نهي ... وإذا جاز أن يستقيم بقاء الحيوان المستبهم ... بطل قولكم إنّه لابدّ للناطقين من آمر وناه ، وإلاّ لم يبقوا. والردّ عليهم هو أنّ الله تعالى لمّا خلق الحيوان على ضربين : مستبهم وناطق ...» (ص 42).
ـ «قال المعترض : قد وجدنا بعض البهائم ... قيل : هذا الذي ذكرتم لا يكون على العموم ، وإنّما يكون في الواحد بعد الواحد لعلّة ما ... وجه آخر هو أن ... فبطل الاعتراض» (ص 43).
ـ «اللهمّ إلاّ أن يدّعي مدّع أنّ الإمامة مستغنية عمّن هذه صفته ...» (ص 44).
علماً بأنّ عبارة (اللهمّ إلاّ أن) قد وردت في رواية عن الإمام جعفر

الصادق عليه‌السلام(1) ، ولكنّها لم ترد في عبارات من سبقه من الأئمّة عليهم‌السلام ، وخاصّة عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام(2).
ـ «وأمّا من أنكر فضل رسول الله 9 ، فالدليل على بطلان قوله قول الله عزّ وجلّ ... والدليل على ذلك قول جبرئيل 7 ... ويزيد ذلك بياناً قوله تعالى ...» (ص87).
وسوف نشير لاحقاً إلى نماذج شبيهة بهذه النماذج.
وخلاصة القول : إنّ الأسلوب الأدبي لتفسير النعماني ومفرداته وتعبيراته لا تنسجم مع أسلوب الأحاديث المعروفة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام.
محتوى رسالة النعماني :
لقد تمّ ذكر الكثير من آيات القرآن الكريم في تفسير النعماني للردّ على بعض الأفكار والآراء ، وإنّ ظاهر عبارات التفسير يفهم منها أنّ هذه الأفكار كانت موجودة في عصر صدور هذا الحديث ، وأنّ الحديث إنّما صدر للإجابة عن هذه الأفكار والآراء ، وإنّ هذه الآراء ليست من الآراء التي ظهرت بعد صدور النصّ بسنوات. في حين أنّ هذه الأفكار التي اشتملت عليها هذه الرسالة لم تكن مطروحة في عصر الإمام عليّ عليه‌السلام ، ويبدو أنّها ظهرت بعد ظهور علم الكلام واتّساع رقعة الجدل الكلامي بين المسلمين في مرحلة
__________________
(1) الكافي ، ج 1 ، ص 233 / 1 ؛ إرشاد المفيد ، ج 2 ، ص 187 ؛ رجال الكشّي ، ص 428 / 802.
(2) وإنّ نقل دعائم الإسلام ، ج 2 ، ص 353 في هذا المورد غير معتمد.

لاحقة ، وعلى الرغم من عدم توفّر الوقت الكافي لدراسة جميع الأحاديث المعتمدة المروية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، إلاّ أنّني لا أتصوّر إمكانية العثور على شاهد معتبر يُثبت وجود هذه الأفكار في عصر الإمام عليّ عليه‌السلام. ومن بين تلك الأفكار مثلاً :
ـ الردّ على من زعم أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وأنّ الكفر كذلك (ص 5).
ـ ردٌّ على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب (ص 5 ، وكذلك ص 84).
ـ ردٌّ على من أنكر فضل النبيّ (صلى الله عليه وآله) على جميع الخلق (ص 5 ، وكذلك ص 87).
ـ ردٌّ على من أنكر الإسراء به (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج (ص 5 وكذلك ص 85).
ـ أمّا الردّ على المجبّرة وهم الذين زعموا أنّ الأفعال إنّما هي منسوبة إلى العباد مجازاً لا حقيقة ، وإنّما حقيقتها لله لا للعباد ، وتأوّلوا في ذلك آيات من كتاب الله لم يعرفوا معناها (ص 85).
كما أنّ استعمال مصطلحي الحقيقة والمجاز في عصر الإمام عليّ عليه‌السلام موضع تأمّل!
ـ وخالفهم فرقة أخرى في قولهم ؛ فقالوا إنّ الأفعال نحن نخلقها عند فعلنا لها ، وليس فيها صنع ولا اكتساب ولا مشيئة ولا إرادة ... (ص 86).
ـ وأمّا عصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء فقد قيل في ذلك أقاويل

تختلف ، قال بعض الناس : هو مانع من الله تعالى يمنعهم عن المعاصي فيما فرض الله عليهم من التبليغ عنه إلى خلقه ، وهو فعل الله دونهم ، وقال آخرون : العصمة من فعلهم ؛ لأنّهم يحمدون عليها ، وقال آخرون : يجوز على الأنبياء والمرسلين والأوصياء ما يجوز على غيرهم من الذنوب كلّها ، والأوّل باطل لقوله ... (ص 88 و 89).
ـ أمّا الإحتجاج على من أنكر الحدوث مع ما تقدّم فهو أنّا لمّا رأينا هذا العالم المتحرّك متناهية أزمانه وأعيانه وحركاته وأكوانه وجميع ما فيه ، ووجدنا ما غاب عنّا من ذلك يلحقه النهاية ووجدنا العقل يتعلّق بما لا نهاية ، ولولا ذلك لم يجد العقل دليلاً يفرّق ما بينهما ، ولم يكن لنا بدّ من إثبات ما لا نهاية له معلوماً معقولاً أبديّاً سرمديّاً ليس بمعلوم أنّه مقصور القوى ولا مقدور ولا متجزّئ ولا منقسم ، فوجب عند ذلك أن يكون ما لا يتناهى مثل ما يتناهى ، وإذ قد ثبت لنا ذلك فقد ثبت في عقولنا أنّ ما لا يتناهى هو القديم الأزلي ، وإذا ثبت شيءٌ قديم وشيءٌ محدث ، فقد استغنى القديم البارئ للأشياء عن المحدث الذي أنشأه وبراه وأحدثه ، وصحّ عندنا بالحجّة العقلية أنّه المحدث للأشياء ... (ص 90 ـ 91).
وفيما بعد تتواصل هذه البحوث والمفردات الفلسفية.
ـ أمّا الردّ على من قال بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد ومن يقول : (إنّ الاختلاف رحمة) ، فاعلم أنّا لمّا رأينا من قال بالرأي والقياس قد استعمل شبهات الأحكام لمّا عجزوا عن عرفان إصابة الحكم ، وقالوا : «ما من حادثة إلاّ ولله فيها حكم ، ولا يخلو الحكم من وجهين ، إمّا أن يكون نصّاً أو

دليلاً ، وإذ رأينا الحادثة قد عدم نصّها فزعنا ـ أي رجعنا ـ إلى الاستدلال عليها بأشباهها ونظائرها» (ص 91).
ومن ثمّ يستمرّ في نقل ونقد مختلف الأدلّة من الآيات والروايات النبوية وعمل الصحابة المستفادة في إثبات القياس ، ولكن عند مقارنة كلّ ذلك بالروايات المأثورة عن الأئمّة وخاصّة أمير المؤمنين عليه‌السلام لا نرى وجه شبه بينهما.
والمسألة الملفتة للانتباه في هذا البحث هي أنّ المقاطع الأخيرة من الرسالة غلب عليها الطابع العقلي والفلسفي بحيث تختلف اختلافاً كاملاً عن أسلوب وسياق الرسالة العام في بدايتها ووسطها.
خلاصة الكلام : إذا لقينا نظرة عابرة على نص هذا الكتاب ومقارنة أسلوبه الأدبي والأفكار المطروحة فيه بالأسلوب الأدبي المتّبع في الأحاديث المروية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام والأفكار السائدة في ذلك العصر ، تجعل احتمال صدور هذه الرواية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام منتفياً تقريباً.
وبطبيعة الحال فإنّ سماحة السيّد المددي ذكر كلاماً بشأن هذه الرسالة ورسالة سعد بن عبد الله وهو في مجموعه كلام صائب ومتين ، إذ يقول : «لا شكّ في أنّ كلتا الرسالتين ترجع جذورهما إلى النصوص الروائية لأهل البيت عليهم‌السلام ، وإنّ الكثير من مضامينهما ـ حتّى الروايات المحرّفة ـ وصلت إلينا ولكن بألفاظ وتعبيرات مختلفة ـ المرسلة أو المسندة منها ـ عن الأئمّة عليهم‌السلام ، ويُحتمل احتمالاً قويّاً ـ قريباً لليقين ـ أنّ الكثير من الروايات في مجال فضائل القرآن وأنواع الآيات وتبويبها الموضوعيّ ، ودلالة الآيات القرآنية على أحقّية

منهج أهل البيت عليهم‌السلام ، وبطلان سائر المذاهب المنحرفة وبعبارة أخرى : إنّ محورية القرآن الكريم في جميع مجالات معارف وأحكام الإسلام والتي وصلت إلينا عن الأئمّة عليهم‌السلام ـ وخاصّة أمير المؤمنين عليه‌السلام ـ كانت في متناول الأصحاب المتقدّمين وقد وردت في هاتين الرسالتين إمّا بالمعنى أو بالمضمون ، وذلك وفقاً للمذاق الشخصي للمؤلّفين وأسلوبهم(1).
استدراك :
فيما يتعلّق بالبحث عن وثاقة الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ذكرنا أنّ المحدّث النوري رحمه‌الله وقد كان من ضمن استدلالاته استدلاله برواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عنه ، وكان سند الرواية ونصّها كالآتي :
«عنه (أي محمّد بن أحمد بن يحيى) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : قلت له : إنّ أبي هلك وترك جاريتين ... فقال عليه‌السلام : رضىَ الله عن أبيك ، ورفعه مع محمّد وأهله ...»(2).
ولكن هذه الرواية تواجه مشكلتين ، مشكلة من حيث السند ، ومشكلة عند مقارنة سندها مع متن الحديث ، وكلّ ذلك يؤدّي إلى عدم إمكان الاستناد إليها ، وذلك للأسباب الآتية :
أوّلاً : إنّ طبقة محمّد بن أحمد بن يحيى تثبت أنّه لا يروي عن أحمد
__________________
(1) كيهان انديشه ، العدد : 28 ، ص 122.
(2) التهذيب ، ج 8 ، ص 262 / 16.

ابن محمّد بن أبي نصر مباشرة ، بل لابدّ من وجود شخص يتوسّط بينهما. علماً أنّ أسانيد بعض الروايات تذكر رواية محمّد بن أحمد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، إلاّ أنّ هذه الروايات تبدو مرسلة ، أو أنّها تعرّضت للسقط أو للتحريف. والتفصيل في هذا الأمر لا يتناسب مع هذه الرسالة.
وفي الروايات التي تتعرّض أسانيدها للتحريف يكون احتمال حصول التحريف في سائر أجزائها الأخرى قويّاً أيضاً ؛ إذ أنّ بعض أسباب التحريف من قبيل : إعياء الناسخ عند كتابة السند ، أو اضطراب الهامش والنصّ ، أو تعذّر قراءة خطّ الناسخ ، لا يستبعد أن تسري إلى جميع أجزاء السند.
وثانياً : في بعض نسخ التهذيب ورد ذكر نصير بدلاً من نصر ، ويبدو أنّ التصحيف هذا ورد في هذه النسخة خطأ ، لعدم وجود شخص بهذا الاسم في الأسانيد والكتب الرجالية(1) ، بيد أنّ هذا الخطأ ـ مع الالتفات إلى ما تقدّم سابقاً ـ يمكن أن يؤثّر في البحث عن السند ، ولربّما أدّى بنا هذا النوع من الأخطاء إلى تحديد السند الصحيح.
ثالثاً : من الغريب وجود الحسن بن عليّ بن أبي حمزة في هذا السند لسبب يتعلّق بشخص الرواي ، وآخر يتعلّق بمتن الحديث ، إذ لم نرَ رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر عنه في موضع آخر أبداً ، ومن جهة أخرى فإنّ
__________________
(1) وبطبيعة الحال فإنّنا نرى مثل هذا العنوان في بعض الأسانيد المحرّفة ، كما في : تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 27 ، وقارن ذلك أيضاً بـ : بحار الأنوار ، ج 92 ، ص 228 / 8 ؛ قرب الأسناد ، الطبعة الحجرية ، ص 151 ، وقارن ذلك أيضاً بـ : بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 262 / 5 ـ ص 153 ـ وقارن ذلك أيضاً بـ : بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 265 / 8.

المراد من (أبي الحسن) عليه السلام في الحديث مع ملاحظة الظروف المحيطة به ومع الالتفات إلى نصّ الحديث لا يمكن أن يكون هو الإمام الكاظم عليه‌السلام ؛ إذ ورد الكلام في نصّ الحديث عن موت والد الراوي ، وقد كان عليّ بن أبي حمزة على قيد الحياة في زمن إمامة الإمام الرضا عليه‌السلام ، وهو الذي أسّس مذهب الوقف مع جماعة آخرين ، وإنّ مواجهاته مع الإمام الرضا عليه‌السلام مشهورة(1) ، وقد كانت وفاته في أواخر حياة الإمام الرضا عليه‌السلام. وسواء أكان المراد من أبي الحسن هو الإمام الرضا عليه‌السلام أو الإمام الهادي عليه‌السلام سيواجه الحديث مشكلة :
فأوّلاً : إنّ الحسن بن عليّ بن أبي حمزة كان واقفيّاً ، لا يؤمن بإمامة الرضا عليه‌السلام والأئمّة من بعده ، فمن المستبعد جدّاً أن يسأله عن الحكم الشرعي لمسألته.
وثانياً : إنّ التعبير بـ : (رضي الله عن أبيك ، ورفعه مع محمّد (صلى الله عليه وآله) وأهله) لا يتناسب أبداً مع عليّ بن أبي حمزة البطائني الذي أكّدت الروايات بقاءه على فساد مذهبه من الوقف ووفاته على ذلك ، وابتلائه بالعذاب الأخروي(2).
كان سماحة الوالد ـ مدّ ظله ـ في بحث مشايخ البزنطي ومناقشة ما إذا
__________________
(1) رجال الكشّي ، ص 463 / 883 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 2 ، ص 213 / 20 ؛ غيبة الطوسي، ص 224 / 188 ؛ دلائل الإمامة ، ص 435 / 405 ؛ وكذلك انظر : غيبة الطوسي ، ص 69 / 74 ، 70 / 75 ؛ قرب الأسناد ، ص 347 / 1255 ، 351 / 1260 ، 374 / 1330 ، 391 / 1370 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 372 / 75 ؛ رجال الكشّي ، ص 405 / 760 ؛ دلائل الإمامة ، ص 365 / 318.
(2) رجال الكشّي ، ص 404 / 755 ، 444 / 834 ؛ دلائل الإمامة ، ص 395 / 318.

كان يروي عن غير الثقة أم لا؟ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما تقدّم ، لا يرى هذه الرواية مناسبة في إثبات نقل البزنطي عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، ويطرح احتمال وقوع التحريف في سند هذا الحديث بشكل قويّ.
فإذا كان قد وقع التحريف في هذا السند ، فما هو السند الصحيح؟
هناك عدّة احتمالات في البين :
1 ـ الاحتمال الأوّل ـ على ما خطر في ذهني ـ أن يكون راوي الحديث أحد أبناء أبي حمزة الثمالي ، وأبو حمزة راو عظيم الشأن ، جليل القدر ، وقد ورد التعبير عنه في بعض الروايات بالقول : (أبو حمزة في زمانه ، مثل سلمان في زمانه)(1) ، يكون هذا وبذلك فإنّ الدعاء الرفيع الوارد عن الإمام في هذا الحديث بشأنه يكون مناسباً جدّاً.
وقد راجعت مخطوطة أسانيد أصحاب الإجماع للسيّد الوالد ـ قسم أسناد البزنطي ـ للتأكّد من هذا الاحتمال ، فوقعت على رواية البزنطي عن محمّد بن أبي حمزة في سند واحد ، وقد نُقلت هذه الرواية في كتاب الحسين بن سعيد والذي طبع بعنوان نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى ، على الشكل الآتي :
«النضر وأحمد بن محمّد وعبد الكريم جميعاً عن محمّد بن أبي
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 115 / 296 ، رواية مرسلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، رجال الكشّي ، ص 485 / 919 بسند متّصل عن الإمام الرضا عليه‌السلام ، وكذلك في ص 203 / 357 بعبارة (كلقمان في زمانه) ويبدو أنّه تحريف. انظر : قاموس الرجال ، ج 2 ، ص 450.

حمزة ، عن سعيد بن يسار ...»(1).
إنّ أحمد بن محمّد ـ أستاذ الحسين بن سعيد ـ هو أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ؛ لأنّ الحسين بن سعيد لا يروي عن شخص آخر باسم أحمد بن محمّد(2) ، وإنّ محمّد بن أبي حمزة هو نجل أبي حمزة الثمالي المعروف(3).
وفي بيان تحريف السند الذي نحن في صدده يمكن لنا أن نحتمل أنّ أصل السند هو (ابن أبي حمزة) ، وأنّ المراد منه هو محمّد بن أبي حمزة ، بيد أنّ بعض المحدّثين توهّم أنّه الحسن بن عليّ بن أبي حمزة ، ومن باب النقل بالمعنى ، نقلوا السند على صيغته الموجودة في التهذيب.
وهذا الاحتمال جيّد ، ولكن نظراً إلى أنّ رواية البزنطي عن محمّد بن أبي حمزة لم ترد في غير المورد المتقدّم ، فإنّه يصعب التعويل على هذا
__________________
(1) الكتاب المطبوع باسم نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى ، ص 93 / 220 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 14 ، ص 381 / 17020 ؛ بحار الأنوار ، ج 104 ، ص 8 / 12.
(2) معجم رجال الحديث ، ج 5 ، ص 428 ، وهناك رواية عن الحسين بن سعيد عن أحمد بن محمّد بن يزيد (الكافي ، ج 6 ، ص 356 / 8) ، وقد نقلت بنفسها في مكارم الأخلاق ، ج 1 ، ص 420 عن أحمد بن يزيد وهو النقل الصحيح. وقد روى الحسين بن سعيد في رواية أخرى عن أحمد بن يزيد (الكافي ، ج 6 ، ص 378 / 1 ؛ المحاسن ، ج 2 ، ص 564 / 971) ويبدو أنه قد تمّ تصحيف أحمد بمحمّد في بعض النسخ ، وقد جاءت هاتان النسختان مع بعضهما في بعض النسخ المتأخّرة.
(3) رجال البرقي ، ص 20 ؛ رجال الطوسي ، ص 313 / 4650 = 675 ؛ رجال النجاشي ، ص 358 / 961 ، وكذلك : ص 54 / 121 ، وقد ورد في رجال الطوسي ، ص 300 / 4393 = 418 عنوان (محمّد بن أبي حمزة التيملي الكوفي) ، ويبدو أنّ التيملي تصحيف عن الثمالي.

الاحتمال بشكل قاطع.
2 ـ الاحتمال الثاني في هذا السند أن يكون راوي الحديث هو عليّ بن أبي حمزة ، الذي روى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر عدّة روايات(1) ، وقد عبّر عنه البزنطي في بعض الروايات بـ : (ابن أبي حمزة)(2) ، ولذلك يمكن اعتبار أصل السند ابن أبي حمزة ، وقد تمّ تطبيق الترحيم الصادر عن الإمام خطأ على عليّ بن أبي حمزة.
وفي تأييد هذا الاحتمال نقول : إن التعبير بـ : (هلك) يعني (مات) ، وهو تعبير خاصّ لا يحتوي على دلالة سلبية ، وإنّ هذا التعبير رغم استعماله في آية إرث الكلالة (النساء : 176) ، ولكنّه على كلِّ حال ليس تعبيراً شائعاً ، علماً بأنّ هذه المفردة نشاهدها في بعض أسئلة علي بن أبي حمزة(3).
فيما يتعلّق بهذا الاحتمال يجدر بنا القول : إنّنا نشاهد في الكثير من الروايات نقل عليّ بن أبي حمزة عن أبيه(4) ، وقد تمّ التعبير في أغلبها عن
__________________
(1) معجم رجال الحديث ، ج 2 ، ص 615 و 616 و 625 نقلاً عن مشيخة الفقيه [ج 4 ، ص 488] ـ طريق المؤلّف إلى علي بن أبي حمزة ـ ج 23 ، ص 326.
(2) الكافي ، ج 4 ، ص 316 / 7 ، 367 / 1 ؛ قرب الأسناد ، 351 / 1260 ، 374 / 1330 ، 391 / 1370 ، وكذلك : تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 372 / 75.
(3) الكافي ، ج 7 ، ص 18 / 10 (سألت عبداً صالحاً عن رجل هلك فأوصى بعتق نسمة ...). الفقيه ، ج 4 ، ص 261 / 5608 (عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : سألته عن جار لي هلك وترك بنات ...).
(4) الكافي ، ج 4 ، ص 60 / 2 ، في سند ضعيف ومرسل ؛ أمالي الصدوق ، مج 95 / 10 ؛ الخصال ، ص 160 / 206 (الراوي عن عليّ بن أبي حمزة في كلا هذين السندين هو الحسين بن يزيد النوفلي) ؛ مشكاة الأنوار ، ص 100 لا يخلو من إرسال.

عليّ بن أبي حمزة بعبارة عليّ بن سالم(1) ، ومع ذلك ليس هناك من دليل يُثبت أنّ سالم أبو حمزة البطائني كان من الكبار والأجلاّء ، إذ لم يرد ذكره في أيٍّ من الكتب الرجالية ، وإنّما ورد اسمه في بعض نسخ رجال الشيخ في جملة أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام(2).
3 ـ الاحتمال الثالث أنّ أصل السند هو : أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الحسن بن عليّ ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، وقد أضيف (بن أبي حمزة) إلى السند خطأً ، أو أنّه كان على شكل هامش تفسيري ، ثمّ أضيف إلى النصّ بتصوّر أنّه سقط منه ، أو أنّ بعض النسّاخ تصوّر أنّ المراد من الحسن بن عليّ هو ابن أبي حمزة ، وأضيفت هذه العبارة إلى السند إمّا عن قصد أو من سهو القلم.
وفي توضيح هذا الاحتمال نقول : في الجزء الثامن من التهذيب والذي فيه هذا الحديث الذي نحن بصدده ، جاء حديث آخر بهذا السند :
__________________
(1) الفقيه ، ج 3 ، ص 313 / 4119 ، 351 / 5758 ؛ التهذيب ، ج 7 ، ص 178 / 42 (ويبدو أنّه مأخوذ من مورد الفقيه الأوّل) ؛ الاختصاص ، ص 223 ؛ أمالي الصدوق ، مج 4 / 7 ، 29 / 21 ، 49 / 16 ، 70 / 10 ، 72 / 7 ، 92 / 4 ، 94 / 7 ؛ التوحيد ، ص 403 / 10 ؛ الخصال ، ص 68 / 101 ، 72 / 109 ؛ صفات الشيعة ، ص 2 ، علل الشرائع ، ج 1 ، ص 13 / 10 ، 15 / 1 ، 68 / 1 ، 77 / 1 ، 131 / 1 ، 154 / 1 ، 283 / 1 ، 284 / 1 ، ج 2 ، ص 571 / 4 ؛ عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 1 ، ص 7 / 2 ؛ فضائل الأشهر الثلاثة ، ص 18 / 3 ؛ كمال الدين ، ص 135 / 4 ؛ قصص الأنبياء للراوندي ، ص 66 / 47.
(2) رجال الشيخ الطوسي ، ص 218 / 2884 = 122 ، راجع : هامش الكتاب ومعجم الرجال ، ج 8 ، ص 9.

«عنه (أي محمّد بن أحمد) ، عن أبي عبد الله الرازي ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن الحسن بن عليّ ، عن أبي الحسن عليه‌السلام قال : قلت له : إنّ لي جارية ...»(1).
إنّ سند هذا الحديث ـ الذي يشبه السند الذي نحن بصدده من عدّة جهات ، وقد تحدّث نصّه عن جارية أيضاً كما هو حال الحديث المعنيّ لدينا ـ يمكن أن ينفعنا في حلّ مشاكل السند الذي نبحثه ؛ إذ ورد في هذا السند اسم أبي عبد الله الرازي بين محمّد بن أحمد بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي نصر ، وبإضافته إلى السند المعنيّ في بحثنا يرتفع أوّل إشكال لدينا.
ومن ناحية أخرى : إذا نظرنا إلى عبارة (الحسن بن عليّ) من دون بن أبي حمزة فسوف يرتفع الإشكال في الراوي الأخير للحديث أيضاً.
فإذا كان هذا الاحتمال صحيحاً ، فمن هو المراد من الحسن بن علي؟
مع الالتفات إلى السند الذي جاء في مستطرفات السرائر ، (ص 575) نقلاً عن جامع البزنطي «قال : وحدّثنا الحسن بن عليّ بن يقطين ، عن أبيه عليّ بن يقطين ...» ، يمكن أن يكون المراد من الحسن بن عليّ هو الحسن ابن عليّ بن يقطين وأبوه عليّ بن يقطين ، وهو من الأجلاّء ومن كبار الشيعة ، وهو بجدارة يستحقّ دعاء الإمام عليه‌السلام القائل : «رضي الله عن أبيك ، ورفعه مع محمّد وأهله».
إلاّ أنّ تعقيدات مستطرفات السرائر بشكل عام ، والغرائب العديدة التي في هذا الكتاب ـ خاصّة عند روايته عن جامع البزنطي ـ لا يمكن لنا إثبات
__________________
(1) التهذيب ، ج 8 ، ص 310 ، ح 26.

رواية البزنطي عن الحسن بن عليّ بن يقطين بمجرّد النظر إلى هذا السند الوحيد.
وعلى كلِّ حال لا شكّ في حدوث التحريف في السند الذي نحن بصدده ، وبذلك يبقى السند الأصلي مجهولا لدينا ، ومع الالتفات إلى تحريف السند ، فإنّ الاستناد إليه في البحث عن وثاقة الحسن بن عليّ بن أبي حمزة لا يكون تامّاً.

تحدّثنا في هذه السلسلة من المقالات عن أبي عبد الله النعماني صاحب كتاب الغيبة ، وفي معرض دراسة مؤلّفاته تناولنا تفسير النعماني في بعض جوانبه ، وقلنا سابقاً : إنّ رسالة تفسير النعماني لا يمكن الاستناد إليها من حيث السند ، وأمّا من حيث ألفاظ المتن ، والأفكار المطروحة فيها ؛ فإنّها غير منسجمة مع الروايات المأثورة عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، ومع عصر أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولذلك لا يمكن اعتبار كتاب تفسير النعماني نصّاً روائيّاً ، ولكنّه يبقى مع ذلك في عداد التفاسير الشيعية القديمة.
وفي هذا القسم سوف نتحدّث عن هذا الكتاب ، ونحلّل الآراء والأفكار التفسيرية المطروحة فيه ، كما نتناول أسلوب المفسّر في بيان الآيات القرآنية ، وفي بداية البحث سوف نلقي نظرة عامّة على هذا التفسير.
__________________
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



د ـ تفسير النعماني بوصفه نصّاً تفسيريّاً :
نظرة عامّة على تفسير النعماني :
يستهلّ الكاتب هذا الكتاب بمقدّمة(1) يبدو أنّها ليست لأبي عبد الله النعماني. وقد تمّ التأكيد في هذه المقدّمة على وجوب اتّباع القرآن والسنّة ، كما تمّت الإشارة إلى أنّ فهم القرآن يتوقّف على مراجعة أحاديث أهل بيت النبيّ عليهم‌السلام ، ثمّ تعرّض إلى الآيات التي تشير إلى الإمام عليّ عليه‌السلام ، فإنّ الفكرة التأويلية واضحة عند المؤلّف في تفسيره لمصطلحات مثل : (السبيل)(2) و (الذكر)(3) ، و (القرآن)(4) بأمير المؤمنين عليه‌السلام. وهذا النهج التأويلي هو الغالب والمهيمن على مجموع هذا التفسير.
وقد ختمت هذه المقدّمة بذكر آية تمّ تطبيقها على الأئمّة عليهم‌السلام من خلال الاستناد إلى وجوب العصمة.
وبعد هذه المقدّمة تمّ نقل رواية طويلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، في حين أنّ المرويّ من هذه الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، هو ما يقرب من الصفحة الأولى فقط. أمّا سائر الرواية فهي عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، حيث أكّد الإمام
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 92 ، ص 1 ـ 3.
(2) في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)، الفرقان: 27.
(3) في قوله تعالى : (يَاوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ...) ، الفرقان : 28 ـ 29.
(4) في قوله تعالى : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) ، الفرقان : 30.

الصادق عليه‌السلام في بدايتها على مسألة خاتمية النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، وإفضاء علم كتاب الله إلى أوصيائه ، وتفرّق الناس عنهم ، ثمّ أشار إلى انحراف الناس في تفسير القرآن ، وبيّن العلوم المختلفة التي يتوقّف عليها علم تفسير كلام الله. وكان هذا نافذة إلى الكلام المروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، حيث يتمّ التعرّض في بداية الرواية المنقولة عن الأمير عليه‌السلام إلى بيان فهرسة لأقسام الآيات ومضامينها ، ثمّ تعرّض بعد ذلك إلى شرح هذه الفهرسة التي تشتمل على الكثير من مصطلحات ومباحث العلوم القرآنية.
فهرسة عناوين تفسير النعماني :
تمّ تنظيم فهرسة أقسام الآيات ومضامينها على ثلاثة أنحاء ، فأوّلاً تمّ ذكر الأقسام السبعة لآيات القرآن الكريم ، حيث قال : «وهي : أمر ، وزجر ، وترغيب ، وترهيب ، وجدل ، ومثل ، وقصص» ، ثمّ قال : «هناك مصطلحات ثنائية متقابلة في القرآن الكريم ، من قبيل : الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والخاصّ والعام ...» ، وما إلى ذلك ، وختمه بعبارة : «حرف مكان حرف» ، وهكذا يمكن الحصول على ما يقرب من أحد عشر عنواناً(1) ، وفي النوع الثالث من الفهرسة يبدأ بكلمة (منه) ، ليتعرّض إلى بيان أقسام وأنواع
__________________
(1) وذلك باعتبار الناسخ والمنسوخ عنواناً واحداً ، وكذا المحكم والمتشابه عنواناً واحداً أيضاً. وعنوان منقطع (الواو) بعد هذه الكلمة زائدة معطوف ، ومنقطع غير معطوف ، إذا اعتبرا عنوانين كان النوع الثاني أحد عشر عنواناً ، وإذا اعتبرا عنواناً واحداً كان المجموع عشرة عناوين.

الآيات القرآنية ، حيث كرّر كلمة : (منه : ...) واحداً وأربعين مرّة.
وبذلك يكون قد ذكر ما مجموعه 58 أو 59 عنواناً من عناوين علوم القرآن في هذه الفهرسة.
أمّا العناوين التي جاءت في القسم الثالث بتصدير كلمة (منه : ...) ، فيمكن لنا ـ بالالتفات إلى موضوعاتها ـ أن ندرجها ضمن الأقسام الآتية(1) :
أ ـ الارتباط بين لفظ القرآن ومعناه(2) ، من قبيل :
ما لفظه خاصّ (الرقم 18) ، ما لفظه واحد ومعناه جمع (الرقم 20) ، مخاطبة لقوم والمعنى لآخرين (الرقم 36) ، مخاطبة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ومعناه واقع على أمّته (الرقم 37).
ب ـ التحريف اللفظيّ أو المعنويّ في القرآن ، من قبيل :
ما هو باق محرّف عن جهته (الرقم 24) ، ما هو على خلاف تنزيله (الرقم 25) ، ما تأليفه وتنزيله على غير معنى ما أنزل فيه (الرقم 39).
ج ـ التأويل والتنزيل ، من قبيل :
ما تأويله في تنزيله (الرقم 26) ، ما تأويله قبل تنزيله (الرقم 27) ، ما تأويله بعد تنزيله (الرقم 28).
__________________
(1) تسهيلاً لوصول القارئ إلى المصدر عمدنا في هذا المقال إلى ترقيم عناوين الفهرسة ، وبذلك تشغل أقسام الآيات السبعة التسلسل من العدد : 1 إلى 7 ، والعناوين التي تأتي بعد عبارة : في القرآن ناسخ ومنسوخ و ... من العدد : 8 إلى 17 (واعتبرنا عبارة : منقطع معطوف ومنقطع غير معطوف ، عنوانين) ، والعناوين المبدوءة بكلمة : (منه) من العدد : 18 إلى 58.
(2) الأعداد من 18 إلى العدد 23 ، وكذلك العددان 36 و 37 من هذا القسم أيضاً.

د ـ تأليف الآيات وارتباطها ببعضها ، من قبيل :
آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى (الرقم 29) ، آيات نصفها منسوخ ونصفها متروك على حاله (الرقم 30) ، آيات مختلفة اللفظ متّفقة المعنى (الرقم 31) ، آيات متّفقة اللفظ مختلفة المعنى (الرقم 32).
هـ ـ أنواع الرُخَص في القرآن(1) ، من قبيل :
آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة (الرقم 33) ، رخصةٌ صاحبها فيها بالخيار ، إن شاء أخذ وإن شاء تركها (الرقم 34).
و ـ الردّ على الأديان والمذاهب والأفكار المنحرفة(2) ، من قبيل :
ردّ من الله تعالى واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية والقدرية والمجبّرة وعبدة الأوثان وعبدة النيران (الرقم 42) ، الردّ على من زعم أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، وإنّ الكفر كذلك (الرقم 43).
ز ـ أخبار الأوصياء والأنبياء ، من قبيل :
معرفة ما خاطب الله عزّ وجلّ به الأئمّة والمؤمنين (الرقم 54) ، أخبار خروج القائم منّا عجّل الله فرجه (الرقم 55) ، أخبار الأنبياء وشرائعهم وهلاك أممهم (الرقم 57) ، ما بيّن الله تعالى في مغازي النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحروبه وفضائل أوصيائه (الرقم 58).
__________________
(1) الأعداد من 33 إلى 35 من هذا القسم.
(2) الأعداد من 40 إلى 53 (باستثناء العدد 48 الذي ذكر لمناسبة) ، من هذا القسم.

ح ـ موضوعات متفرّقة(1) ، من قبيل :
[ما] لا يُعرف تحريمه إلاّ بتحليله (الرقم 38) ، صفات الحقّ وأبواب معاني الإيمان ووجوبه ووجوهه (الرقم 48).
المقارنة بين الفهرسة الإجمالية وبين الأبحاث التفصيلية في تفسير النعماني :
بعد ذكر عناوين أقسام الآيات والأبحاث القرآنية المطروحة يعمد صاحب التفسير إلى شرح هذه العناوين بشكل مُسهب ، ومن خلال المقارنة بين العناوين وبين الشروح نشاهد اختلافاً كبيراً بينهما ، وهو أمر بحاجة إلى بحث ودراسة من أجل الوقوف عند أسباب هذا الاختلاف.
1 ـ الاختلاف في الترتيب :
يبدأ شرح الأبحاث التفصيلية في تفسير النعماني من القسم الثاني من عناوين الفهرسة ، ابتداءً من شرح الناسخ والمنسوخ(2) (الرقم 8 من الفهرس) ، والمحكم والمتشابه(3) (الرقم 9 من الفهرس) ، والخاصّ والعامّ(4) (الرقم 10 من الفهرس) ، حيث يتمّ تناول شرح عناوين الفهرس ، وبعد ذلك
__________________
(1) الأعداد من 38 و 48 و 56 من هذا القسم.
(2) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 6 ـ 11.
(3) المصدر أعلاه ، ص 11 ـ 23.
(4) المصدر أعلاه ، ص 23 ـ 26.

تمّ شرح الأرقام : 22(1) و 19(2) و 25(3) ومن الفهرس ، وبذلك يظهر الاختلاف الواضح بين ترتيب الفهرس وترتيب الأبحاث التفصيلية.
وقد ورد شرح الأقسام السبعة من الآيات القرآنية الموجودة في بداية الفهرس في شرح الأبحاث ضمن الأرقام : 27(4) و 28 و 29 و 30 و 31 و 32(5) و 33(6).
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص11 ـ 26.
(2) المصدر أعلاه ، ص26.
(3) المصدر أعلاه ، ص26 ـ 28.
(4) القسم الأوّل من الأقسام السبعة : أمر لم يبيّن تحت هذا العنوان ، ولكن توضيح فرائض (البحار ج93 ، ص62 ـ 65) يمكن أن نعدّه شرحاً لهذا القسم.
(5) المصدر أعلاه ص65 ـ 618.
(6) نذكر هنا العناوين التي تمّ شرحها في تفسير النعماني على ترتيب وأرقام الصفحات في بحار الأنوار ، ج 93 ، ثمّ نشير إلى رقم ذكرها في الفهرست : 1 ـ الناسخ والمنسوخ (ص 6 ـ 11) ، وفي هامشها سُئل الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن أوّل سورة نزلت في مكّة ، وأوّل سورة نزلت في المدينة المنوّرة ، وأجاب الإمام عن ذلك؟ (الفهرست ، رقم 8) ، 2 ـ المحكم والمتشابه (ص 11 ـ 32 ،؟ رقم 9) ، 3 ـ الخاصّ والعامّ (ص 23 ،؟ رقم 10) ، 4 ـ ما ظاهره العموم ومعناه الخصوص (ص 23 ـ 25 ، لم يرد في الفهرست على هذه الشاكلة) ، 5 ـ ما لفظه خصوص ومعناه عموم (ص 25 و 26 ، لم يرد في الفهرست على هذه الشاكلة) ، 6 ـ ما لفظه ماض ومعناه مستقبل (ص 26 ،؟ رقم 22) ، 7 ـ ما نزل بلفظ العموم ولا يراد به غيره (ص 26 ،؟ رقم 19) ، 8 ـ ما حُرّف من كتاب الله (ص 26 ـ 28 ،؟ رقم 25) ، 9 و 10 ـ الآية التي نصفها منسوخ ونصفها متروك بحاله لم ينسخ ، وما جاء به من الرخصة بعد العزيمة ، ص 28 ،؟ الأرقام 30 و 33 وكذلك رقم 12) ، 11 ـ الرخصة التي هي الإطلاق بعد النهي (ص 28 ، لم يرد في الفهرست) ، 12 ـ الرخصة التي ظاهرها خلاف باطنها (ص 29 ،؟ رقم

__________________
35) ، 13 ـ الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار ، ص 30 ، رقم 34 ، جاء هذا الرقم في شرح الأبحاث في أصل نسخة البحار قبل الرقم السابق ، وتمّ تغييره من قبل مصحّح البحار) ، 14 ـ المنقطع المعطوف في التنزيل (ص 30 ـ 32 ،؟ رقم 15) ، 15 ـ حرف مكان حرف (ص 32 ،؟ رقم 17) ، 16 ـ [ما هو متّفق اللفظ مختلف المعنى] ، (ص 32 ،؟ رقم 32 ، هذا العنوان أضافة من مصحّح البحار بالالتفات إلى الفهرست الإجمالي وتفسير القمّي) ، 17 ـ احتجاجه تعالى على الملحدين (ص 33 و 34 ،؟ رقم 40) ، 18 ـ الردّ على عبدة الأصنام والأوثان (ص 34 و 35 ـ40) ، 19 ـ الردّ على الثنويّة (ص 35 و 36 ـ رقم 40) ، الردّ على الزنادقة ، (ص 36 و 37 ،؟ رقم 40) ، 21 ـ الردّ على الدهرية (ص 37 ، جاء في هامش آية : وهذا وأشباهه ردّ على الدهرية والملاحدة ممّن أنكر البعث والنشور ، رقم 40) ، 22 ـ ما جاء في القرآن على لفظ الخبر ومعناه الحكاية (ص 38 ، رقم 23 ، وقد ورد في هامش توضيح آية : إنّه ردّ على اليهود ، رقم 42) ، 23 ـ الردّ على النصارى (ص 38 و 39 ، رقم 41) ، 24 ـ السبب الذي به بقاء الخلق (ص 39 ـ 46 ،؟ رقم 56) ، 25 ـ معايش الخلق وأسبابها (ص 46 ـ 49 ،؟ رقم 56) ، 26 ـ الإيمان والكفر والشرك وزيادته ونقصانه (ص 49 ـ 62 ،؟ الأرقام 43 و 48 و 49) ، وفي هامش شرح العنوان نشاهد العناوين الآتية : ما فرض الله على الجوارح (ص 49 ـ 54) ، السبق إلى الإيمان (ص 54 و 55) ، طاعة ولاة الأمر (ص 55 ـ 58) ، فضل المؤمنين (ص 59) ، وجوه الكفر (ص 60 و 61) ، وجوه الشرك (ص 61 و 62) ، وجوه الظلم (ص 62) ، الردّ على من أنكر زيادة الكفر (ص 62) ، 27 ـ الفرائض (ص 62 ـ 65 ،؟ رقم 56 وكذلك الأرقام 1 و 13 و 14) ، وكذلك ورد ضمناً : شرح حدود الفرائض وحدود الإمام المستحقّ للإمامة (ص 64) أيضاً ، 28 ـ الزجر في كتاب الله (ص 65 ،؟ رقم 2) ، 29 ـ ترغيب العباد (ص65 ،؟ رقم 3) ، 30 ـ الترهيب (ص 65 ،؟ رقم 4) ، 31 ـ الجدل (ص 66 ،؟ رقم 5) ورد في هذا الرقم الاحتجاج على الملحدين وأصناف المشركين ، (أيضاً ،؟ رقم 40) ، 32 ـ القصص عن الأمم (ص 67 ،؟ رقم 7) ، وقد تمّ تقسيم هذا الرقم إلى ثلاثة أقسام ، وهي : (ما مضى) ، و (ما كان في عصره) ، و (ما أخبر الله تعالى به أنّه يكون بعده).

2 ـ فرز عناوين الفهرس :
إنّ بعض عناوين الفهرس تشتمل بدورها على عدد من العناوين ، قد تمّ فرزها وتناولها في الشرح مع عدم مراعاة ترتيبها.
من باب المثال : ورد العنوان الأربعون في الفهرس على النحو الآتي :
__________________
33 ـ ضرب الأمثال (ص 68 ،؟ رقم 6) ، 34 ـ الذي تأويله في تنزيله (ص 68 و 69 ،؟ رقم 26) ، 35 ـ الذي تأويله قبل تنزيله (ص 69 ـ 77 ـ رقم 27) ، 36 ـ ما تأويله بَعْدَ تنزيله (ص 77 ـ 78 ، رقم 28) ، 37 ـ [ما تأويله مع تنزيله] ، (ص 78 ـ 82) ، هذا العنوان من إضافة مصحّح البحار ، وقد جاء في نصّ البحار في ص 79 هذا العنوان : أمّا ما أنزل الله تعالى في كتابه ممّا تأويله حكاية في نفس تنزيله وشرح معناه ، كما جاء العنوان المضاف من قبل المصحّح في ص 68 أيضاً ، ولكنّه لم يرد في الفهرست) ، 38 ـ الرد على من أنكر خلق الجنّة والنار (ص 82 و 83 لم يرد في الفهرست) ، 39 ـ [الرد على] من أنكر البداء (ص 83 و 84 ، لم يرد في الفهرست) ، 40 ـ الردّ على من أنكر الثواب والعقاب في الدنيا وبعد الموت قبل القيامة (ص 84 و 85 ،؟ رقم 44) ، 41 ـ الرد على من أنكر المعراج (ص 85 ،؟ رقم 46) ، 42 ـ الرد على المجبّرة (ص 85 و 86 ،؟ رقم 40) ، 43 ـ [الردّ على القدرية ، ص 86 ، العنوان من قبل كاتب السطور ،؟ رقم 40] ، 44 ـ الردّ على من أنكر الرجعة (ص 86 ،؟ رقم 51) ، 45 ـ من أنكر فضل رسول الله (ص) ، (ص 86 ـ 88 ،؟ رقم 45) ورد في هامش هذا الرقم بحث عصمة الأنبياء والمرسلين والأوصياء وما قيل في ذلك من الأقاويل (ص 88 ـ 98) ، 46 ـ الردّ على المشبّهة (ص 90 ، لم يرد في الفهرست). 47 ـ مخاطبة النبيّ والمراد غيره (ص 90 ،؟ رقم 37) ، 48 ـ مخاطبة لقوم والمراد به قوم آخرون (ص 90 ،؟ رقم 36). 49 ـ الاحتجاج على من أنكر الحدوث (ص 90 و 91 ، بحث كلاميّ عقليّ وليس تفسيريّاً ، ولم يرد في الفهرست) ، 50 ـ الردّ على من قال بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد ومن يقول أنّ الاختلاف رحمة (ص 91 ـ 97 ، بحث كلاميّ عقليّ ، وأحياناً يرد ذكر بعض الآيات ، ولم يأت على ذكرها في الفهرست).

«ومنه ردّ من الله تعالى واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية والقدرية والمجبّرة وعبدة الأوثان وعبدة النيران».
وقد تمّ شرح هذا العنوان مع تفكيكه إلى العناوين الآتية :
17 ـ احتجاجه تعالى على الملحدين (ص 33 ـ 34).
18 ـ الردّ على عبدة الأصنام والأوثان (ص 34 ـ 35).
19 ـ الردّ على الثنوية (ص 35 ـ 36).
20 ـ الردّ على الزنادقة (ص 36 ـ 37).
21 ـ الردّ على الدهرية (ص 37 ، وفي هامش الآية في نهاية الصفحة ، جاء ما يلي : وهذا وأشباهه ردّ على الدهرية والملاحدة ممّن أنكر البعث والنشور).
22 ـ الردّ على المجبّرة (ص 85 ـ 86).
23 ـ الردّ على القدرية (ص 86 ، العنوان من كاتب السطور).
والمثال الآخر هو العنوان السادس والخمسون ، حيث ورد في الفهرس على الشكل الآتي :
«ما بيّن الله تعالى فيه شرائع الإسلام وفرائض الأحكام ، والسبب في معنى بقاء الخلق ومعائشهم ووجوه ذلك».
وقد تمّ إيضاح هذا العنوان ضمن العناوين الآتية :
24 ـ السبب الذي به بقاء الخلق (ص 39 ـ 46).
25 ـ معايش الخلق وأسبابها (ص 46 ـ 49).
27 ـ الفرائض (ص 26 ـ 65).

كما جاء في ضمنها بيان حدود الفرائض وحدود الإمام المستحقّ للإمامة.
كما أنّ العنوانين رقم 13 و 14 من الفهرس (الحلال والحرام ، والفرائض والأحكام) ليسا أجنبيّين عن هذا القسم أيضاً.
3 ـ التغيير في عناوين الفهرس :
لدى شرح البحوث حدثت بعض التغييرات في بعض عناوين الفهرس ، وهي في غالبها من باب النقل بالمضمون ، من قبيل :
تبديل كلمة المَثَل (رقم 6 الفهرس) بضرب الأمثال (في شرح الأبحاث رقم : 33 ، ص 68) ، أو تبديل القصص (رقم 7 الفهرس) بالقصص عن الأمم (في شرح الأبحاث رقم 32 ، ص 67).
إلاّ أنّ هذا النوع من التغييرات لا يؤثّر في شيء ، ولكن تحدث أحياناً بعض التغييرات التي تؤثّر في المعنى أيضاً ؛ من باب المثال ورد الرقم 44 في الفهرس على النحو الآتي : (ردّ على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب) ، ولكنّها جاءت في شرح البحوث على النحو الآتي : الردّ على من أنكر الثواب والعقاب في الدنيا(1) ، وبعد الموت قبل القيامة (الرقم 40 ص 84 ـ 85).
والمثال الآخر الملفت للنظر : عنوان الخاصّ والعامّ في الفهرس ، ففي
__________________
(1) وبطبيعة الحال إذا أخذنا المعنى المقابل للآخرة ، بشكل يشمل عالم البرزخ أيضاً ، عندها يكون معنى العبارتين واحداً.

الفهرس وفي ضمن عناوين المجموعة الثانية ذكر عنوان الخاصّ والعامّ (رقم 10) ، ونشاهد في ضمن عناوين المجموعة الثالثة من الفهرس (التي تبدأ بعبارة (منه) ـ العناوين التالية :
18 ـ ما لفظه خاصّ.
19 ـ ما لفظه عامّ محتمل العموم(1).
في حين نرى في شرح أبحاث هذا التفسير ما يلي :
رقم 3 ـ وسألوه صلوات الله عليه عن الخاصّ والعامّ في كتاب الله تعالى ، فقال : إنّ من كتاب الله تعالى آيات لفظها الخصوص والعموم ، ومنه آيات لفظها الخاصّ ومعناه عام ، ومن ذلك لفظ عامّ يريد به الله تعالى العموم ، وكذلك الخاصّ أيضاً.
رقم 4 ـ فأمّا ما ظاهره العموم ومعناه الخصوص ، فقوله تعالى ... (ص23).
رقم 5 ـ وأمّا ما لفظه خصوص ومعناه عموم (ص 25).
رقم 7 ـ وأمّا ما نزل بلفظ العموم ، ولا يراد به غيره (ص 26).
إنّ هذا النوع من التغييرات يحتمل أن يكون ناشئاً عن خطأ الناسخين ، ففي عبارة الفهرس قد يكون هناك سقط ، بل وتحريف أحياناً ، وبذلك ظهر هذا الاختلاف.
__________________
(1) بعد هذه العناوين ، جاء في عناوين أخرى : 20 ـ ما لفظه واحد ومعناه جمع. 21 ـ ما لفظه جمع ومعناه واحد. وهذان العنوانان لا ربط لهما بمسألة العامّ والخاصّ ، وإنّما هي عناوين مستقلّة تمّ إيضاحها في تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 11 ، ولم ترد في شرح بحوث تفسير النعماني.

4 ـ عناوين الفهرس التي لم تُشرح :
لم ترد بعض عناوين الفهرس في الشرح التفصيلي لأبحاث تفسير النعماني ، ويحتمل أن يكون خطأ في النسخة أو حدوث سقط فيها هو الذي تسبّب بذلك. في حين نرى بعض هذه العناوين في مقدّمة تفسير القمّي ، من قبيل :
رقم 11 ـ مقدّم ومؤخّر (تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 8).
رقم 20 ـ ما لفظه واحد ومعناه جمع (تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 11).
رقم 21 ـ ما لفظه جمع ومعناه واحد (تفسير القمّي ، ج1 ، ص 11).
رقم 29 ـ آيات بعضها في سورة ، وتمامها في سورة أخرى (تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 12).
رقم 50 ـ ردّ على من وصف الله تعالى وحده (تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 25).
بيد أنّ هناك العديد من العناوين لم ترد في تفسير القمّي أيضاً ، وهذه العناوين هي كالآتي :
رقم 16 ـ منقطعٌ غير معطوف.
رقم 24 ـ ما هو باق محرّف عن جهته.
رقم 31 ـ آيات مختلفة اللفظ متّفقة المعنى.
رقم 38 ـ ما لا يعرف تحريمه إلاّ بتحليله. (وقد جاء هذا العنوان في فهرس تفسير القمّي أيضاً ، ولكن لم يذكر له شرحاً.
رقم 39 ـ ما تأليفه وتنزيله على غير معنى ما أنزل فيه. (معنى العبارة

غير واضح ، وأنّ احتمال وقوع التحريف فيها يبدو احتمالاً وجيهاً).
رقم 47 ـ ردّ على من أثبت الرؤية. في (تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 20 ، جاء بدلاً من هذا العنوان ، عنوان : الرد على من أنكر الرؤية).
رقم 52 ـ الردّ على من زعم أنّ الله عزّ وجل لا يعلم الشي حتّى يكون.
رقم 53 ـ ردّ على من لم يعلم الفرق بين المشيئة والإرادة والقدرة في مواضع.
رقم 54 ـ معرفة ما خاطب الله عزّ وجلّ به الأئمّة والمؤمنين.
رقم 55 ـ أخبار خروج القائم منّا عجّل الله فرجه.
رقم 57 ـ أخبار الأنبياء وشرائعهم وهلاك أممهم.
رقم 58 ـ ما بيّن الله تعالى في مغازي النبيّ(صلى الله عليه وآله) وحروبه وفضائل أوصيائه ، وما يتعلّق بذلك ويتّصل به.
علماً أنّه من الممكن أن يكون المؤلّف قد اعتبر بعض هذه العناوين ـ من قبيل : (أخبار الأنبياء) ـ غنيّة عن الشرح والتوضيح ، بيد أنّ أغلب العناوين المتقدّمة تحتاج إلى شرح ، من هنا يحتمل بشكل كبير أن يكون شرح هذه العناوين قد سقط من النسخة الموجودة لتفسير النعماني.
ومن الجدير بالذكر أنّ هناك عناوين أخرى في الفهرس لم يرد شرحها في التفسير ، ولكن ربّما كان سبب عدم ذكرها عائداً إلى الاكتفاء بشرح العناوين المماثلة لها ، من قبيل الرقم (13 و 14) من الفهرس : (الحلال والحرام ، والفرائض والأحكام) ، والرقم (1) من الفهرس : (الأمر) ، إذ تمّ توضيحها إلى حدٍّ ما ضمن الشرح المتعلّق بالفرائض (رقم 56 من الفهرس =

26 من شرح الأبحاث ، ص 62 ـ 65) ، وكذلك قد يكون المراد من الرقم (12) في الفهرس : (العزائم والرخص) ، ربّما كان المراد منه هو الرقم (33) في الفهرس : (آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة).
5 ـ العناوين التي ورد شرحها في المتن ولم تذكر في الفهرس :
وهي عبارة عن :
الرقم 11 ـ الرخصة التي هي الإطلاق بعد النهي (ص 28).
الرقم 37 ـ ما تأويله مع تنزيله (ص 78 ـ 82)(1) ـ وفي ص 68 تمّت الإشارة له أيضاً ، وجاء في ص 79 : (وأمّا ما أنزل الله تعالى في كتابه ممّا تأويله حكاية في نفس تنزيله) ومن ثمّ شرح معناه.
الرقم 38 ـ الردّ على من أنكر خلق الجنّة والنار (ص 82).
الرقم 39 ـ [الردّ على] من أنكر البداء (83 ـ 84).
الرقم 46 ـ الردّ على المشبّهة (ص 90).
الرقم 49 ـ الاحتجاج على من أنكر الحدوث (ص 90 ـ 91) ، وقد ذكر في هذا الرقم بحث كلامي عقلي دون الاستناد إلى أىّ آية.
الرقم 50 ـ الردّ على من قال بالرأي ، والقياس ، والاستحسان ، والاجتهاد ، ومن يقول إنّ الاختلاف رحمة (ص 91 ـ 97) ، وحلّ المباحث الواردة من هذا القبيل هي كلامية أيضاً ، وقد استند أحياناً في تضاعيف البحث إلى بعض الآيات.
__________________
(1) عنوان هذه الصفحة من إضافات مصحّح البحار استناداً إلى تفسير القمّي.

إذن فما الوجه في مثل هذا النوع من الاختلاف بين فهرس المباحث وشرحها؟
يبدو أنّه يعود إلى حدوث سقط في سائر أرقام النسخ المتوفّرة للفهرس ، باستثناء الرقم 49 و 50 ، ولكنّ هذين الرقمين نظراًإلى الاختلاف الفاحش بينهما وبين سائر بحوث الرسالة ـ يمكن أن لا يكونان من أصل الرسالة ، بل إنّها من المسائل الملحقة بها.
إنّ الاختلافات الموجودة بين فهرس تفسير النعماني وشرح أبحاثه إذا أرجعناها إلى خطأ الناسخين ووقوع التحريف ، أو حدوث سقط في النسخ المتوفّرة ، فإنّه لا يمكن تبرير جميع هذه الاختلافات بمثل هذه التبريرات ، علماً بأنّني لم أجد توضيحاً شافياً لهذه الاختلافات ، وعلى كلّ حال فإنّ هذه الاختلافات تساهم بدورها في التقليل من قيمة واعتبار هذا الكتاب ، خاصّة إذا نظرنا إليه بوصفه نصّاً روائيّاً.
وفيما يلي نقدّم مزيداً من التوضيح بشأن أبحاث هذا الكتاب ، وفي البداية نذكر عبارة من هذا الكتاب ـ ترتبط بمبحث المهدوية ـ تيمّناً وتبرّكاً.
المهدوية في تفسير النعماني :
إنّ من البحوث القرآنية التي تمّت الإشارة إليها في مقدّمة تفسير النعماني : (أخبار خروج القائم منّا عجّل الله فرجه) (رقم 55) ، ولكن للأسف الشديد إنّ هذا العنوان لم يتمّ تناول شرحه في التفسير.
أمّا العنوان الآخر في المقدّمة والذي يرتبط بمبحث المهدوية فهو : (ردٌّ

على من أنكر الرجعة ، ولم يعرف تأويلها) (رقم 51) ، وقد جاء في توضيح هذا المبحث :
«وأمّا الردّ على من أنكر الرجعة ، فقول الله عزّ وجلّ : (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(1) ، أي : إلى الدنيا. وأمّا معنى حشر الآخرة ، فقوله عزّ وجلّ : (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(2) ، وقوله سبحانه : (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(3) ، في الرجعة ، فأما في القيامة ، فإنّهم يرجعون».
وفي هذه الفقرة تمّ التأكيد على هذه المسألة ، وهي أنّ الحشر في القيامة حشر عام لا يُستثنى فيه أيّ شخص ، وإنّ الحشر الذي يخصّ (فوجاً) من الكافرين والمكذّبين لا يمكن أن يكون في القيامة ، وإنّما يعود إلى عصر الظهور ، وبذلك يُشير إلى ما يذهب إليه الشيعة من القول بالرجعة.
ومن ثمّ استطرد في كلامه قائلاً :
«ومثل قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)(4) ، وهذا لا يكون إلاّ في الرجعة».
طبقاً لهذه الآية الشريفة أخذ الله على النبيّين عهداً بأن يؤمنوا بالنبيّ
__________________
(1) النمل : 83.
(2) الكهف : 47.
(3) الأنبياء : 95.
(4) آل عمران : 81.

الخاتم (صلى الله عليه وآله) وأن ينصروه ، وإنّ الإيمان بنبيّ الإسلام من قبل أنبياء السلف مفهومه واضح ، إلاّ أنّ نصرة نبيّ الإسلام من قبل الأنبياء الماضين لا يمكن تصوّره إلاّ في عصر الظهور ، وهذا يثبت مفهوم الرجعة.
«ومثله ما خاطب الله تعالى به الأئمّة ووعدهم بالنصر والانتقام من أعدائهم ، فقال سبحانه : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(1) ، وهذا إنّما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا. ومثله قوله تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(2) ، وقوله سبحانه : (اِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد)(3) ، أي : رجعة الدنيا».
وإنّ الوعد بالنصر المؤزّر للمؤمنين والمتديّنين ، وحكومتهم على الأرض ، وانتشار الأمن والسلام ، وانحسار الخوف والرعب ، لا يتحقّق إلاّ في عصر الرجعة.
ثمّ أجاب عن استبعاد عودة الناس إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، وذلك من خلال ذكر أمثلة قرآنية فيها دلالة على عودة بعض الناس إلى الحياة في هذه الدنيا ، من قبيل قوله تعالى :
__________________
(1) النور : 55.
(2) القصص : 5.
(3) القصص : 85.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)(1) ، ثمّ ماتوا. وقوله عزّ وجلّ : (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا)(2) ، فردّهم الله تعالى بعد الموت إلى الدنيا وشربوا ونكحوا ، ومثله خبر العزير.
وفي تضاعيف تفسير النعماني ثمّة عبارات ملفتة للانتباه بشأن إمام العصر (عج) ، ففي بحث المحكم والمتشابه ـ وبمناسبة البحث عن معاني (الضلال) ـ أشار إلى معنى من بين معاني هذه المفردة ـ الضلال ـ التي وردت في رواية عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) خاطب فيها الإمام الوصيّ عليه‌السلام يذكر فيها أمر الناس في عصر الغيبة ؛ حيث فقدوا إمامهم ، واستقاموا على الصبر في انتظار بزوغ شمس الهداية ، وقد ورد التعبير عنهم بـ : (أهل الضلال) ، إذ يقول :
«يا أبا الحسن ، حقيق على الله أن يُدخل أهل الضلال الجنّة ، وإنّما أعني بهذا المؤمنين الذين قاموا في زمن الفتنة على الائتمام بالإمام الخفيّ المكان ، المستور عن الأعيان ، فهم بإمامته مقرّون ، وبعروته مستمسكون ، ولخروجه منتظرون ، موقنون غير شاكّين ، صابرون مسلمون ، وإنّما ضلّوا عن مكان إمامهم وعن معرفة شخصه».
ففي عصر الغيبة إنّما يكون الضالّ هم الناس ، حيث يفتقدون بركة ظهور الإمام ولا يدركون حضور شخصه الكريم ، علماً بأنّ وجود إمام
__________________
(1) البقرة : 243.
(2) الأعراف : 155.

العصر(عج) كلّه حضور دائم.
وبعد ذكر هذا المثال ، قال :
«فكذلك المنتظر لخروج الإمام عليه‌السلام ، المتمسّك بإمامته ، موسّعٌ عليه جميع فرائض الله الواجبة عليه ، مقبولة منه بحدودها ، غير خارج عن معنى ما فرض الله ، فهو صابر محتسب ، لا تضرّه غيبة إمامه»(1).
في توضيح أقسام النور ومعانيه في القرآن ـ من خلال الإشارة إلى أنّ القرآن والأوصياء المعصومين عليهم‌السلام هم أنوار إلهية تضاء بها المدن ، ويهتدي بها عباد الله ـ عمد إلى تأويل قوله تعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)(2) ، وتمّ تطبيق مقاطع الآية على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، والصدّيقة الطاهرة وأولادها المعصومين عليهم‌السلام ، وممّا جاء في هذا التطبيق ، قوله : «والكوكب الدرّي القائم المنتظر الذي يملأ الأرض عدلاً»(3).
وتطغى مباحث الإمامة على جميع مواضيع تفسير النعماني.
الناسخ والمنسوخ في تفسير النعماني :
إنّ أوّل بحث تمّ شرحه في تفسير النعماني هو مبحث (النسخ) ، ويبدأ
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 16.
(2) النور : 35.
(3) المصدر أعلاه ، ص 21.

هذا المبحث ببيان السرّ في ظهور النسخ. وإنّ النسخ مرتبط بالتدرّج فيالتشريع ، فقد كان الناس في عصر نزول القرآن قريبو عهد من الأفكار والتقاليد الجاهلية ، وكان من الصعب عليهم تقبّل الأحكام الجديدة المغايرة لما ألفوه طوال حياتهم السابقة ، لذلك فقد اقتضت رحمة الله أن يتمّ إنزال الأحكام الشرعية بشكل تدريجي وعبر برنامج مرحلي(1).
ثمّ أشار إلى ستّ عشرة آية من الآيات المنسوخة في القرآن ، وأغلبها من الآيات المعروفة في كونها منسوخة ، من قبيل آية حدّ الزنا(2) ، وآية عدّة الوفاة(3) ، وآية الكفّ(4) ، وآية الأمر بالهدنة مع الكافرين(5) ، وآية عدد
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 6.
(2) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 307 ؛ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، ص 221 ؛ ابن المتوّج ، الناسخ والمنسوخ ، ص 87 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 136.
(3) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 305 ؛ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، ص 213 ؛ ابن المتوّج ، الناسخ والمنسوخ ، ص 70 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 108.
(4) الناسخ والمنسوخ ص 172 ، شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 261 ؛ وفي التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 380 هناك مناقشة في نسخ هذه الآية.
(5) الناسخ والمنسوخ ص 121 ، شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 190 ؛ وانظر أيضاً : محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 317 ، وفي ص 354 نقل عن صاحب مجمع البيان أنّه لم يذهب إلى القول بنسخ هذه الآية.

المقاتلين(1) ، وآية ميراث الأخوة في الدين(2).
بيد أنّ مفاد النسخ في تفسير النعماني أوسع من معناه الاصطلاحي ، فقد تطرّق في هذا التفسير إلى بيان أحكام منسوخة لم تنزل آية في القرآن على طبقها ؛ وتوضيح ذلك : إنّ بعض أحكام الشريعة الإسلامية كان يتمّ تطبيقها في بداية الأمر دون أن تنزل آية على طبقها ، وقد تمّ إلغاء هذه الأحكام بعد مدّة ، وقد تمّ بيان إبطال هذا الحكم وإلغاؤه من خلال آية أو آيات ، من قبيل الآية التي حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة(3) ، في حين نحن لا نرى الآية المنسوخة هنا(4).
هو هناك إشارة في تفسير النعماني إلى أنّ الحكم كان في بادئ الأمر هو حرمة مقاربة الزوجة في شهر رمضان حتّى في الليل ، وأنّ الصائم لو نام في الليل لم يجز له تناول الطعام ، ولكنّ هذا الحكم قد ألغي بالآية رقم 187 من
__________________
(1) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 303 ؛ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، ص 228 ؛ ابن المتوّج ، الناسخ والمنسوخ ، ص 121 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 190.
(2) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 311 ؛ ابن المتوّج ، الناسخ والمنسوخ ، ص 122 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 192.
(3) البقرة : 144.
(4) وقد نقل عن قتادة أنّ آية تحويل القبلة ناسخة لقوله تعالى : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ، البقرة : 115. انظر : محمّد هادي معرفت ، (التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 319 بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 200) ، بيد أنّ هذا الكلام على فرض صحّته ، لا ربط له بكلام النّعماني في تفسيره.

سورة البقرة. وهنا كذلك لا يوجد تصريح بالآية المنسوخة ، ولكن مع ملاحظة عبارة : «على معنى صوم بني إسرائيل في التوراة» يُحتمل أن تكون الآية التي اعتبرت منسوخة هي قوله سبحانه وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(1)(2).
وقد استعمل مؤلّف تفسير النعماني أحياناً مصطلح (النسخ) بشأن أحكام كانت في الشرائع السابقة ولم ترد في الشريعة الإسلامية ، من قبيل الأحكام القاسية التي فرضت على بني إسرائيل(3) ، أو كيفية قصاص الأنفس في التوراة حيث لم يشترط التساوي بين القاتل والقتيل في الجنس (ذكر أو أنثى) ، ولم يشترط المنزلة الاجتماعية (حرّ أو عبد) ، بينما هذه الشروط موجودة في الشريعة الإسلامية(4). علماً بأنّ التعبير بـ : (الناسخ) في هذه الموارد لا ينسجم مع معناه الاصطلاحي.
ورد ذكر بعض الآيات في هذا التفسير ضمن الآيات المنسوخة ، مع أنّ
__________________
(1) البقرة : 183.
(2) الناسخ والمنسوخ ، ص 51 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 77 ؛ وانظر أيضاً : محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 321 حيث ناقش في كون هذه الآية منسوخة.
(3) محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 9.
(4) محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 9 ، ومن الجدير ذكره أنّ الرجل إذا قتل امرأة أمكن لأوليائها أن يقتصّوا من القاتل ، ولكن عليهم ـ في هذه الحالة ـ أن يدفعوا لورثته وذويه نصف ديته. وفيما يتعلّق بآية القصاص ، انظر أيضاً : الناسخ والمنسوخ ، ص 47 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 68 ؛ محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 220.

هناك بحثاً ونقاشاً في كونها منسوخة أو غير منسوخة ، وقد رفض البعض اعتبارها منسوخة. وقد تمّ البحث حول ذلك في كتب التفسير والعلوم القرآنية بالتفصيل(1) ، ولا نرى حاجة إلى الخوض في طرح هذه المسائل في هذه الدراسة ، إلاّ أنّنا سنكتفي هنا بالبحث في آية واحدة فقط. فقد ورد في تفسير النعماني أنّ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)(2) ، قد تمّ نسخه بقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(3)(4) وقد نقل عن بعض المفسّرين من أمثال : ابن عباس والسدّي وقتادة وربيع اعتبار نسخ الآية الأولى. كما وردت بعض الروايات في هذا الشأن أيضاً(5). ولكنّ هذا الادّعاء
__________________
(1) كما في قوله تعالى : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) ، النساء : 8. فقد ذهب سعيد بن المسيّب إلى اعتبارها منسوخة بآية المواريث ، وتدلّ على ذلك بعض الروايات عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما‌السلام أيضاً ، إلاّ أنّ بعض الروايات الأخرى لا تعتبر الآية منسوخة ، انظر : الناسخ والمنسوخ ، ص 83 ؛ شرح عبد الجليل القارئ على الناسخ والمنسوخ ، ص 131 ؛ محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 331 ؛ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، ص 254. وقوله تعالى : (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقاً حَسَناً) ، النحل : 67 ، فقد دلّت بعض الروايات على أنّها منسوخة ، واعتبرها الفيض الكاشاني من باب نسخ السكوت. انظر : محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 365. وقوله تعالى : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) ، البقرة : 83 ، التي قال قتادة إنها منسوخة بآيات السيف ، انظر : محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 319.
(2) آل عمران : 102.
(3) التغابن : 16.
(4) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 11.
(5) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 329. وقال الشيخ

يبدو غريباً للوهلة الأولى ؛ لأنّ الشرط في النسخ أن يكون مضمون الآيتين متنافياً. بالالتفات إلى أنّ الآية الأولى ـ بحكم العقل القطعي والبديهي ـ مقيّدة بالقدرة ، لا يكون هناك تناف بين الآيتين ، كي يمكن لنا أن ندّعي النسخ(1).
بيد أنّ هذا الإشكال غير صحيح(2) ، ولتوضيح عدم صحّة هذا الاستدلال من المناسب أن نلاحظ هنا ثلاثة أمور ، وهي كالآتي :
المسألة الأولى : صحيح أنّ التكاليف بحكم العقل مقيّدة بالقدرة ، بيد أنّ القدرة التي يشترطها العقل في التكاليف هي القدرة العقلية ، وليست العرفية ؛ فالتكليف الذي يقترن امتثاله بالحرج والمشقّة التي لا تحتمل جائز عقلاً ، رغم أنّه غير مقدور عرفاً.
المسألة الثانية : لو ورد ذكر مفاهيم من قبيل : القدرة والاستطاعة في الأدلّة الشرعية ، فالظاهر منها القدرة العرفية ، ولذلك فإنّها لا تشمل موارد الحرج.
المسألة الثالثة : إنّ الأحكام الشرعية مقيّدة بعدم الحرج بأدلّة خاصّة دلّت على نفي الحرج ، من قبيل قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
__________________
الطبرسي رحمه‌الله : (وأنكر الجبائي نسخ هذه الآية ؛ لما فيه من إباحة بعض المعاصي) ، لم يتّضح مراد الجبائي من هذا الكلام. هذا وقد ذكر ابن عبّاس في مجمع البيان بوصفه من الذين قالوا بعدم نسخ الآية.
(1) ذكر هذا الإشكال في كتاب (التمهيد) على صورة إشكالين. انظر : محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 330.
(2) ورد بيان عدم صوابية هذا الإشكال في (بحوث في تاريخ القرآن وعلومه) ، ص 209 ، حيث إنّ أصل كلامه وأصل كلامنا واحد ، ولكن هناك بعض الفوارق بينهما في كيفية تقريب الكلام.

مِنْ حَرَج)(1) ، بيد أنّ هذا التقييد لا يرد في جميع الموارد ، فإذا كان الحكم من البداية ناظراً إلى حالة الحرج ـ من قبيل آيات الجهاد ـ فإنّ أدلّة نفي الحرج لا ترفع وذلك الحكم ، بعبارة أخرى : إذا كان الفرد الظاهر لدليل هو حالة الحرج ، حيث لا يصحّ إخراج الفرد الظاهر من الدليل ، فإنّ أدلّة نفي الحرج لا يمكنها أن تقيّد هذا الدليل ، وفيما يتعلّق بقوله تعالى : (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)(2) يمكن اعتبار الفرد الظاهر للتقوى الإلهية بالشكل الذي يستحقّها المقام الربوبي صورة حرجية ، حيث تقترن بمشقّة كبيرة(3) ؛ لذلك لا يمكن اعتبار مورد الحرج خارجاً عن مفاد هذه الآية ، وعليه فإنّ هذه الآية ستنافي قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(4) قهراً.
علماً بأنّنا لسنا بصدد إثبات النسخ في هذه الآية(5) ، وإنّما أقصى ما نريد قوله هو إنّ هذه الدعوى غير مُستبعدة ، ولا يمكن أن يكون هذا
__________________
(1) الحج : 78.
(2) آل عمران : 102.
(3) جاء في (بحوث في تاريخ القرآن وعلومه) ، ص 110 ، قوله : (إنّ تعبيرات من قبيل : "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" ، و : "فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا" ناظرة بأجمعها إلى أمر يفوق المتعارف ، ولكن هل تشتمل هذه الآيات على ذمّ الفرد على عدم قيامه بالتكليف الذي فيه حرج عليه؟ ليس واضح تماماً.
(4) التغابن: 16.
(5) إذ أوّلاً : لم يثبت كون صورة الحرج هي الفرد الظاهر في مورد قوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ). وثانياً : يحتمل أن يكون قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) قرينة على أنّ الأمر في قوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ليس أمراً إلزاميّاً شرعيّاً ، بل هو أمر استحبابي ، أو أمر إلزامي أخلاقي. وإذا كان هذا المعنى خلاف الظاهر البدويّ لهذه الآية ، لن يكون دليلاً على نسخ هذه الآية.

الإشكال دليلاً على عدم متانة تفسير النعماني.
والنقطة التي تستحقّ التأمّل ـ فيما يتعلّق ببحث النسخ في تفسير النعماني ـ هي أنّ هذا الكتاب قد ذكر آيتين بوصفهما من الآيات المنسوخة ، وهو أمر لم نشاهده في أيّ كتاب آخر ، وهاتان الآيتان هما :
أوّلاً : قوله تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)(1) ، فقد ورد في تفسير النعماني أنّ المشار إليه في عبارة (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) هو الرحمة ، أي : خلقهم للرحمة بهم. وقال : إنّ هذه الآية قد نسخت بقول الله تبارك وتعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ)(2)(3) بيد أنّي لم ألحظ تنافياً بين هاتين الآيتين ـ حتّى على المستوى البدوي ـ كي يمكن الحديث عن النسخ ، فإذا كانت الغاية من خلق الجنّ والإنس عبادة الله تعالى فهل يكون ذلك منافياً لكونه قد خلق الناس رحمة بهم؟! وهل عبادة الحقّ تعالى تتنافى مع رحمته؟!
هذا وأنّ هذه الآية هي من سنخ الأخبار وليست بياناً للأحكام ، والنسخ إنّما يأتي في الأحكام دون الأخبار(4).
__________________
(1) هود : 118 ـ 119.
(2) الذاريات : 56.
(3) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 10. ويحتمل أن يكون المراد في تفسير النعماني هو نسخ الآية في سورة الذاريات ، بالآية الواردة في سورة هود.
(4) محمّد هادي معرفت ، التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 283. وقد روى الطبرسي في هامش تفسيره لقوله تعالى : (اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى

والآية الثانية هي : (إنّ الذّيْنَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنّا الحُسْنى ... لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ)(1) ـ والتي مفادها الأخبار ـ قد ذكرها النعماني في تفسيره بأنّها نسخت بقوله تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَاً مَقْضِيّاً)(2)(3).
__________________
وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ، البقرة : 62 ، عن ابن عبّاس أنّه قال بنسخ هذه الآية بقوله تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) في سورة آل عمران ، الآية رقم : 85. وأضاف قائلاً : (وهذا بعيد ؛ لأنّ النسخ لا يجوز أن يدخل الخبر الذي هو متضمّن للوعد ، وإنّما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي يجوز تغيّرها وتبدّلها بتغيّر المصلحة) ، ثمّ قال : (فالأولى تفنيد هذه النسبة إلى ابن عبّاس). [وجدنا العبارة الأخيرة في الكتاب المتوفّر عندنا من مجمع البيان لعلوم القرآن ، كالآتي : (فالأولى أن يحمل على أنه لم يصحّ هذا القول عن ابنعباس) ، المعرّب].
إنّ أصل ما ذكره العلاّمة الطبرسي كلام صحيح ، بيد أنّ تطبيقه على هذا البحث لا يصحّ ؛ إذ يمكن اعتبار مضمون الآية مرتبطاً بالشريعة ، وذلك بأن نقول : إنّ الالتزام بالشرائع السابقة في بداية الأمر والعمل بها كان جائزاً ، ثمّ نُسخ هذا الحكم ، وإنّ الوعد في الآية إنّما يقتصر على أولئك الذين كانوا متمسّكين بالأديان السابقة بعد نزول الآية ، وقبل نزول الآية الثانية ، أمّا بعد نزول الآية الثانية فلا وجود لوعد في البين. وبطبيعة الحال فإنّنا لا نروم تصحيح دعوى النسخ ؛ لأنّ مضمون الآية الواردة في سورة البقرة لا يفيد تأييد الأديان السابقة ، وإنّما مرادها شيء آخر ذكرته كتب التفسير. وكلّ ما نريد قوله هنا هو إنّ ادّعاء النسخ في هذه الآية ليس مستغرباً.
(1) سورة الأنبياء : 101 ـ 103.
(2) سورة مريم : 71.
(3) بحار الأنوار ج93 / ص11 ، يحتمل من عبارة تفسير النعماني أن يكون مرادها نسخ الآية الثانية مع الآية الأولى.

فإنّ هذه الآية التي تطرّقت للإخبار عن يوم القيامة لا يمكن لها أن تكون منسوخة ، وقد ذكر المفسّرون في تفسير الآية الثانية وجوهاً مختلفة بحيث عدّ بعضهم موضوع الآية في الكفّار خاصّة ، وفسّر بعضهم الآية بوجوه أخرى نستغني عن ذكرها في هذا المقال(1) ، ونحن نشير هنا إلى ما ذكرها أحد أولئك المفسّرين :
فقد ذهب أحد المفسّرين إلى أنّ كلمة الورود في الآية إنّما هي بمعنى الوصول إلى جهنّم ومشارفها لا الدخول بها(2) ، ومنهم الزجّاج ، وقد عدّ آية (إنّ الذّيْنَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنّا الحُسْنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُوْنَ) دليلا قاطعاً على هذا التفسير ، ولسنا هنا في صدد البحث عن مدى صحّة وسقم هذا الإستدلال(3) وإنّ الفخر الرازي عدّ الآية دليلا على تفسير الورود بالدخول في جهنّم(4) ، وعلى كلّ حال فإنّه يمكن أن يُستشعر نوع من التنافي بين مدلول تلك الآية مع الظهور البدوي لآية (وَإِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُهَا) ، وربّما يكون مثل هذا الاستشعار ـ مع عدم التوجّه بشرائط النسخ ـ سبباً جعل النعماني يعدّ
__________________
(1) تفسير الطبري (تحقيق محمود شاكر) ، ج16 ص126 ـ 132 ، التفسير الكبير للفخر الرازي (منشورات محمّد علي بيضون) ج21 ، ص 207 ـ 209 مجمع البيان (أوفسيت طبعة مصر) ج6 ، ص504 ـ 506 و ...
(2) مجمع البيان ج6 ، ص 505.
(3) إنّ الآية المذكورة لا تنفي دخول المؤمنين في النار فقط بل تبيّن أنّ المؤمنين مبعدون عن النار كذلك ، فإذا كان الورود في الآية الأخرى بمعنى الوصول فإنّها لا تتلائم مع معنى ابتعادهم عنها.
(4) التفسير الكبير ، 21 / 208.

الآية الأولى منسوخة في تفسيره.
خلاصة الكلام في هذا القسم هو أنّ توضيحات تفسير النعماني في شأن النسخ والآيات المنسوخة بالرغم من أنّها لا تخلو من فائدة إلاّ أنّها لا تخلو من التأمّل الذي يقلّل من شأن الكتاب ، خصوصاً إذا أردنا اعتباره متناً حديثيّاً.

تنويه :
توصّلنا في سلسلة مقالات (النعماني ومصادر الغيبة) إلى دراسة مؤلّفات النعماني ، وبحثنا في تفسير النعماني بالتفصيل ، وخرجنا بنتيجة مفادها : أنّ هذه الرسالة لا يمكن اعتبارها نصّاً روائيّاً. ثمّ تعرّضنا إلى هذا الكتاب بوصفه نصّاً تفسيريّاً ، وبحثنا في الناسخ والمنسوخ فيه. وفي هذا العدد سوف نتحدّث حول المحكم والمتشابه في هذا التفسير ، ومن خلال الإشارة إلى الآية القرآنية الواردة في هذا الخصوص ، وروايات أهل البيت عليهم‌السلام في هامش تلك الآية ، نحاول أن نتناول آراء الكتاب في هذا المجال.
إنّ البحث الثاني من بحوث العلوم القرآنية الذي أعطي حيّزاً كبيراً من
__________________
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



الشرح والتوضيح في تفسير النعماني هو بحث المحكم والمتشابة. ولتوضيح رؤية هذا التفسير لا مندوحة لنا من ذكر منشأ هذا البحث وبعض المسائل الرئيسة المرتبطة به.
منشأ مصطلح المحكم والمتشابه :
إنّ مصطلح المحكم والمتشابه مقتبس من الآية السابعة من سورة آل عمران ، إذ يقول الله سبحانه وتعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(1).
لقد شغل بحث المحكم والمتشابه منذ القدم حيّزاً واسعاً وكبيراً من تفكير العلماء. وقد كان شرح مضمون المحكم والمتشابه ، وتعيين مصاديق هذين المصطلحين ، والعمل على رفع الغموض والإبهام عن الآيات المتشابهة ، وبيان المعنى الصحيح للآيات المتشابهة ، وبيان الحكمة من هذه الآيات يعدّ من بين الجهود التي بُذلت في هذا المجال.
إنّ السؤال الذي يتصدّر هذا البحث عادة هو : هل أنّ العلم بالآيات المتشابهة من اختصاص الذات الإلهية فقط ، أو أنّ للراسخين في العلم طريقاً إلى هذا العلم أيضاً ، يُحدِّد أسلوب التعاطي مع الآيات المتشابهة؟ وإنّ الإجابة عن هذا التساؤل ترتبط بكيفية تركيب الآية وتأليفها ؛ فإن كانت عبارة
__________________
(1) آل عمران : 7.

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوفة على (الله) ، واعتبرنا جملةً (يَقُولُونَ ...) جملة حاليةً ، كان للراسخين في العلم نصيبهم من معرفة الآيات المتشابهة. وأمّا إذا كانت عبارة (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مبتدأ ، وجملة (يَقُولُونَ ...) خبرها ، وكانت واو العطف تعمل على عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى ، أو أنّها كانت واو استئناف ، اقتصر العلم بالآيات المتشابهة على الذات الإلهية فقط. وإنّ انتخاب أيّ واحد من هذين الاحتمالين يعود إلى أسلوب المفسّر ومنهجه في التفسير(1). ونحن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض المسائل المتعلّقة بهذه الآية الشريفة ، ثمّ نلقي نظرة على الأحاديث والروايات الواردة في المحكم والمتشابه ، وفي الختام سيكون لنا شرح لرؤية تفسير النعماني في هذا البحث ، مع مقارنة هذه الرؤية بآراء قدماء المفسّرين.
مسائل مقتبسة من الآية :
1 ـ يبدو من ظاهر هذه الآية أنّ تقسيم الآيات القرآنية إلى محكم ومتشابه هو من الحصر الشمولي ، أي أنّ الآيات القرآنية لا تخرج من كونها من أحد هذين القسمين ، إمّا محكمة أو متشابهة ، وليس هناك من شقّ ثالث.
2 ـ إنّ هذه الآية تُسمّي الآيات المحكمات بـ : (أمّ الكتاب) ، وإنّ
__________________
(1) إنّ من بين المصادر النافعة في هذا المجال ، مقالة تحت عنوان (آيا تأويل قرآن را فقط خدا ميداند؟) ، بقلم : بهاء الدين خرمشاهي ، قرآن پژوهى ، ص 732 ـ 745 ؛ وكذلك مقالة (تأويل در دانشنامه جهان اسلام) ، بقلم : حسن طارمي راد ، وخاصّة القسم الرابع تحت عنوان (آگاهى؟ از تأويل قرآن).

المعنى الحقيقي للأمّ على ما يبدو هو ظاهر معنى الأمر الذي نعرفه(1) ، ويبدو أنّ إطلاق لفظ الأمّ على الآيات المحكمات من باب أنّها مرجع لسائر الآيات القرآنية الأخرى ، كما يرجع الأولاد إلى أمّهم ، وترجع جذورهم إليها ، فإنّ الآيات المتشابهات أيضاً تعود إلى الآيات المحكمات ، ويتّضح معناها من خلال الرجوع إلى أمّهاتها.
إلاّ أنّه هل يمكن إرجاع الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات دون الاستعانة بالقرائن الخارجية؟ أم لابدّ لنا في ذلك من الاستعانة بالقرائن الخارجية من قبيل : الأحاديث المأثورة عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل بيته عليهم‌السلام بوصفهم المرجع في تفسير الآيات؟
لا تشتمل هذه الآية على إجابة واضحة وصريحة عن هذا السؤال ، ولكن لو اعتبرنا (الراسخون في العلم) هم العلماء بالتأويل ، كان الرجوع إليهم في تأويل الآيات المتشابهات أمراً طبيعيّاً.
3 ـ بما أنّ الآيات المتشابهات قابلة للتأويل ، فإنّ الذين في قلوبهم مرض يتّخذونها ذريعة ووسيلة للوصول إلى أهدافهم ومآربهم اللامشروعة.
__________________
(1) جاء في الكثير من كتب اللغة أنّ أحد المعاني الحقيقية لكلمة (الأم) (أو المعنى الحقيقي الوحيد لهذه الكلمة) هو : أصل وأساس الأشياء (انظر مثلاً : كتاب العين ، ج 8 ، ص 426 ؛ تهذيب اللغة ، ج 15 ، ص 631 ـ 633 ؛ الصحاح ، ج 5 ، ص 1863 ؛ لسان العرب ، ج 12 ، ص 28 و 31 و 32 ؛ مجمع البحرين ، ج 6 ، ص 9). ولكن لا يبعد أن يكون المعنى الرئيس لهذه المفردة هي الأمّ المعروفة ، وبعد تجريد هذا المعنى من خصوصيّته ، يتبلور معنى الأساس والقاعدة والأصل لهذه المفردة. كما أنّ المسار الطبيعي لوضع الألفاظ يقتضي في بداية الأمر وضعها للمعاني المحسوسة والملموسة ، ثمّ تتّسع شيئاً فشيئاً ليشمل المعاني الانتزاعية والمجرّدة أيضاً.

وإنّ معنى التأويل هو رجوع الشيء عن حالته التي هو عليها. فإذا كان للآية معنى ظاهري ، فإنّ الرجوع بالآية عن هذا المعنى وتفسيرها بمعنى آخر يُعدُّ من مصاديق التأويل. فلو كانت الآية مجملة ، وتحتمل معنيين أو أكثر ، فإنّ تعيين أحد المعنيين وترجيحه على المعنى أو المعاني الأخرى يكون من مصاديق التأويل أيضاً.
إنّ من الضروري معرفة أنّ التأويل يتعلّق بارتباط الألفاظ بمعانيها ـ بمعنى موارد استعمالها ـ ، أم أنّ تحديد مصاديق المعاني وتقديم تصوير لمفهوم المفردات ـ فوق ما يستفاد من الألفاظ أي يرتبط بدلالة اللفظ على المعنى ـ يدخل في دائرة التأويل أيضاً؟ هذا ما سوف نتحدّث عنه بتفصيل أكثر.
الأمر الذي نريد التأكيد عليه هنا ، هو أنّ تفسير الآية بمعناها الظاهري لا يعتبر تأويلاً على ما يبدو ، حتّى إذا كانت هناك قرائن قطعية تدلّ على أنّ هذا المعنى الظاهري للآية ليس هو مراد الله سبحانه وتعالى ، وبالطبع قد تكون القرائن القطعية من الوضوح بحيث تؤثّر في بلورة ظهور الآية ، من قبيل الآيات التي تتحدّث عن الصفات الإلهية وتثبت لله (يداً) أو (وجهاً) وما إلى ذلك ، فبالالتفات إلى القرينة العقلية القطعية الواضحة القائمة على استحالة أن يكون لله جسم لا يكون لهذه الآيات ظهور في معنى التجسيم ، ولذلك فإنّ المجسمة الذين تمسّكوا بهذه الآيات إنّما صاروا يلتزمون في الحقيقة بالمعنى المخالف لظاهر الآية ، وهذا يدخل في دائرة التأويل ، من هنا يمكن لمثل هذه الآيات أن تدخل في قسم المتشابهات.

نظرة إلى الروايات ذات الصلة بالآية الشريفة :
إنّ الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم‌السلام تتعرّض صراحة إلى تفسير هذه الآية أو بعضها ، ومن بينها روايات كثيرة تؤكّد على أنّ الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام هم الراسخون في العلم ، وأنّ أولئك عندهم علم تأويل الكتاب ، كما جاء ذلك في صحيحة الفضيل بن يسار :
«قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن هذه الرواية : (ما من القرآن آية إلاّ ولها ظهر وبطن) ؛ فقال : (ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما قد مضى ، ومنه ما لم يكن(1) ، يجري كما يجري الشمس والقمر ... قال الله : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(2) ، نحن نعلمه»(3).
وعليه فإنّ حديث التأويل يرتبط ببطن القرآن ، وإنّ العلماء بالتأويل هم الأئمّة عليهم‌السلام. وسوف نتحدّث لاحقاً فيما يتعلّق بالارتباط بين التنزيل والتأويل.
وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «نحن الراسخون في العلم ، ونحن نعلم تأويله»(4). وفي رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام كذلك
__________________
(1) وفي رواية البصائر ، ج 2 ، ص 203 : (ما لم يجئ) ، وفي رواية تفسير العيّاشي ، ج 1 ، الحديث : 5 ، ص 11 : (ما لم يكن بعده) ، ومهما كان فإنّ المراد هو تأويل الآية بعد تنزيلها.
(2) آل عمران : 7.
(3) بصائر الدرجات ، ح 7 ، ص 196 ، ومع اختلاف في الألفاظ في ح 2 ، ص 203 ؛ وفي تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 5 ، ص 11 ، والمقطع الأخير من الحديث في تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 7 ، ص 164.
(4) أصول الكافي ، ج 1 ، ح 1 ، ص 213 ؛ بصائر الدرجات ، ح 5 و 7 ، ص 204 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 8 ، ص 164.

روى المقطع الأوّل من الحديث(1).
وفي صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه‌السلام هناك تكرار لهذه العبارة : «ونحن الراسخون في العلم»(2).
وقد تمّ التأكيد على هذا الأمر في رواية أخرى أيضاً(3) ، ومن هنا فقد
__________________
(1) تأويل الآيات ، ص 423 ، نقلاً عن تفسير ابن مهيار.
(2) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 186 ؛ التهذيب ، ج 4 ، ح 1 ، ص 132 ؛ بصائر الدرجات ، ح 1 و 6 ، ص 202 و 204 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 155 ، ص 247 ؛ مناقب ابن شهر آشوب ، ج 1 ، ص 285 ، وج 4 ، ص 215.
(3) من قبيل : رواية بريد بن معاوية العجلي عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، والذي جاء في بعض الروايات بتعبير عن أحدهما (انظر : أصول الكافي ، ج 1 ، ح 2 ، ص 213 ؛ بصائر الدرجات ، ح 4 ، ص 203 ، وح 8 ، ص 204 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 6 ، ص 164 ؛ تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 96 ، مع اختلاف في ألفاظ الحديث والزيادة والنقيصة في هذه المصادر). وجاء هذا النص بسند آخر في بشارة المصطفى ، ص 193 ، وعلى نحو مرسل عن الإمام الباقر عليه‌السلام في دعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 20. وكذلك رواية عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه‌السلام (انظر : الكافي ، ج 1 ، ح 3 ، ص 213 ، وأيضاً : ح 14 ، ص 414 ؛ مناقب ابن شهر آشوب ، ج 4 ، ص 421. وكذلك رواية الحسن بن عباس بن حريش عن جعفر الثاني ، والذي تمّ تطبيق "الراسخون في العلم" في ضمنها نقلاً عن الإمام الباقر عليه‌السلام على النبيّ والأئمّة (الكافي ، ج 1 ، ص 245) ، وكذلك في نقلين في كتاب سُليم بن قيس الهلالي (ص 771 و 941) ، وكذلك في رواية الإمام الحسن واحتجاجه على معاوية (الاحتجاج ، ج 2 ، ص 63) ، وفي رواية أبي القاسم الكوفي (مناقب ابن شهر آشوب ، ج 1 ، ص 285) ، وفي رواية أبانة أبي العبّاس الفلكي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، (مناقب ابن شهر آشوب ، ج 3 ، ص 98) ، تم تفسير الراسخون في العلم بأمير المؤمنين والأئمّة عليهم‌السلام. وفي رواية الاحتجاج ، ج 1 ، ص 536 ، شهد ابن عبّاس في خطابه لأمير المؤمنين أنّ

تمّ تخصيص باب في الكافي وبصائر الدرجات(1) لهذا الأمر ، وهو أنّ الراسخون في العلم هم الأئمّة عليهم‌السلام.
وفي بعض الروايات اقتباس صريح من الآية الشريفة ، حيث يبدو من هذه الروايات ـ بوضوح ـ أنّ قوله تعالى : (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) معطوف على (اللهُ)(2) كما في صحيحة أبي عُبيدة التي جاءت في شأن الآية الأولى من سورة الروم عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، أنّه قال : «يا أبا عُبيدة إنّ لهذا تأويلاً لا يعلمه إلاّ الله والراسخون في العلم من آل محمّد»(3).
وفي قبال هذه الروايات الكثيرة والمعتبرة والتي تدعو إلى الاطمئنان(4) ، هناك خطبة مروية عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يمكن أن يستفاد منها أنّ (الراسخون في العلم) لا يعلمون تأويل الكتاب(5) ، ولكن لا يمكن الركون إلى
__________________
الإمام من الراسخين في العلم. وجاء في الخطبة رقم : 144 من نهج البلاغة : أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا ، كَذِباً وَبَغْياً عَلَيْنَا (شرح ابن أبي الحديد ، ج 9 ، ص 84 ؛ غرر الحكم ، ص 115 ، 2001 ؛ مناقب ابن شهر آشوب ، ج 1 ، ص 285).
(1) الكافي ، ج 1 ، ص 213 ؛ بصائر الدرجات ، ص 202 ـ 204.
(2) كمال الدين وإتمام النعمة ، ح 3 ، ص 649 ؛ بصائر الدرجات ، ح 6 ، ص 506 ؛ دلائل الإمامة ، ص 478 و 483 ؛ غيبة النعماني ، ح 1 ، ص 41 ، وح 5 ، ص 250.
(3) الكافي ، ج 8 ، ص 269 و 397 ؛ تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 152 ، تفسير سورة الروم.
(4) وهناك من هذه الروايات بطبيعة الحال ما هو غير معتبر من الناحية السندية ، إلاّ أنّها بمجموعها تبعث إلى الاطمئنان ، وإنّ بعضها معتبر من الناحية السندية أيضاً.
(5) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 91 ، المعروفة بخطبة الأشباح ؛ شرح ابن أبي الحديد ، ج 6 ، ص 403 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 5 ، ص 163 ؛ التوحيد ، ص 53.

هذه الرواية في قبال تلك الروايات ، والملفت للانتباه في هذه الرواية هو أنّها تفيد أنّ المعنى الظاهري لـ (الراسخون في العلم) هو غير التفسير الموجود في هذا الحديث ، من هنا صارت الرواية بصدد توجيه الآية ، إذ يقول الإمام عليه‌السلام : (وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ ، الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغيْبِ الْمَحْجُوبِ ، فَمَدَحَ الله ـ تَعَالَى ـ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً ، وَسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيَما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً).
فإن كان المعنى الظاهري للراسخين في العلم مطابقاً لهذه الرواية ، لم تكن هناك من حاجة إلى مثل هذا الشرح والتوضيح بأنّ الله قد وصف ترك هؤلاء الأفراد التعمّق فيما لم يحيطوا به علماً رسوخاً في العلم(1).
وعلى كلّ حال ، فبالنظر إلى الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام ، لا يبقى هناك من شكٍّ في أنّ قراءة الوقف على (الله) في هذه الآية الشريفة خاطئة ، ويجب اعتبار (الراسخون في العلم) عطفاً على الله.
* وهناك الكثير من الروايات حول المحكم والمتشابه وتفسير هاتين المفردتين وبيان أحكامهما ، من ذلك موثّقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام يقول فيها :
«سمعته يقول : (إنّ القرآن فيه محكم ومتشابه ، فأمّا المحكم فنؤمن به ،
__________________
(1) وقد روي عن عائشة ما يُشبه هذا الكلام أيضاً (انظر : تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 214).

فنعمل به وندين به ، وأمّا المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به ، وهو قول الله تبارك وتعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)»(1)(2).
وقد نقل جابر الجعفي كذلك هذا النصّ عن الإمام عليه‌السلام (3).
كما يستفاد من الروايات الكثيرة الأخرى أنّ وظيفة المؤمنين تجاه الآيات المحكمة هو العمل بها ، وتجاه الآيات المتشابهة هو الإيمان بها(4) ، من ذلك ما ورد في صحيحة هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه‌السلام بعد تقسيم قرّاء القرآن إلى ثلاث مجموعات ، حيث جاء في وصف القرّاء من أهل الجنّة :
__________________
(1) آل عمران : 7.
(2) تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 451 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 6 ، ص 11 وح 4 ، ص 162. كما نقلت هذه الرواية في بصائر الدرجات ، ح 3 ، ص 203 ، نقلاً عن وهيب ابن حفص عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، وبالالتفات إلى سائر الموارد ـ وخاصّة رواية تفسير القمّي ـ وكذلك إكثار وهيب بن حفص الرواية عن أبي بصير ، يبدو سقوط عبارة عن أبي بصير من سندها.
(3) أصل جعفر بن محمّد بن شريح ، المطبوع ضمن الأصول الستة عشر (ص 66 ، الطبعة المحقّقة ، ص 225).
(4) 1 ـ كما في رواية عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، (الخصال ، ح 216 ، ص164 ؛ معدن الجواهر ، ص 31). 2 ـ ورواية عن الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام ، (الاحتجاج ، ج 2 ، ص 27 ، وقريب من مضمونها في إرشاد القلوب ، ج 1 ، ص 79) ، ص 79). 3 ـ ودعاء الإمام الصادق عليه‌السلام ، (الكافي ، ج 2 ، ص 574). 4 ـ ودعاء آخر (مصباح المتهجّد ، ص 456 ؛ البلد الأمين ، ص 115) ، وانظر أيضاً : سعد السعود ، ص 222 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 2 ، ص 9 وح 185 ، ص 80 ، ج 2 ، ص 162 ؛ تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 96 ؛ الكافي ، ج 2 ، ح 11 ، ص 630 ؛ معاني الأخبار ، ح 1 ، ص 189.

«إذا قرأ قارئ القرآن فاستتر به تحت برنسه ، فهو يعمل بمحكمه ، ويؤمن بمتشابهه ، ويُقيم فرائضه ، ويحلّ حلاله ويحرّم حرامه»(1).
وفي رواية عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه أوجب العمل بالمحكم ، وأمر بترك العمل بالمتشابه(2) ، ويبدو أنّ المراد من هذه الروايات عدم العمل بالمتشابه ما دام باقياً على هذا الوصف ، وإلاّ فإنّ المتشابه إذا خرج عن دائرة التشابه من خلال تفسير أهل البيت عليهم‌السلام مثلا ، لن يكون مشمولاً لمثل هذا الحكم(3). وأمّا ما هو المنهج لرفع التشابه عن المتشابهات ، فهو بحث آخر.
فبالرغم من أنّ هذه الروايات ليست بصدد بيان مفهوم المحكم والمتشابه ، وإنّما هي بصدد بيان حكمهما ، ولكن يمكن الاستفادة منها في تفسير المحكم والمتشابه ، ومثال ذلك : أنّنا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الآيات المنسوخة أُمرنا بترك العمل بها ـ فنؤمن بها ولا نعمل بها ـ فتكون بذلك من الآيات المتشابهة ، كما سيأتي توضيح ذلك من خلال توضيح وجهة نظر تفسير النعماني.
أمّا الروايات التي تعرّضت إلى تفسير المحكم والمتشابه بشكل مباشر(4) ، فإنّها فسّرت المحكم بالآيات التي يتمّ العمل بها ، وقدّمت تفسيرين
__________________
(1) الخصال ، ح 165 ، ص 142.
(2) أمالي الطوسي ، ح 743 ، ص 357 (مج 12 / 82).
(3) انظر على وجه الخصوص : الاحتجاج ، ج 1 ، ص 146 ؛ اليقين ، ص 351 ؛ الإقبال ، ص 456 ؛ التحصين ، ص 582.
(4) تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ح 1 ، ص 10 ، وح 3 ، ص 162 ، ح 7 ؛ وكذلك : ح 7 ،

للمتشابه ، أحدهما : (الذي يشبه بعضه بعضاً)(1) ، والآخر : (ما اشتبه على جاهله)(2).
والتفسير الأوّل يشتمل على شيء من الغموض والإبهام ، والذي يبدو منه أنّ المراد من الآية المتشابهة هي الآية التي يمكن أن يُفهم منها معان مختلفة ، وحيث إنّ كلّ واحد من هذه المعاني يمكنه أن يكون هو المراد من الآية ، تكون مشابهة لبعضها من هذه الناحية ، ولذلك يُطلق على هذه الآية أنّها متشابهة.
وفي التفسير الثاني فسّر التشابه بمعنى الاشتباه ، حيث تمّت الإشارة إلى أنّ معنى الآية المتشابهة هو كونها مشتبهة ومبهمة لمن لا يعلمها ، وهذا التفسير يُثبت أنّ تشابه الآية أمر نسبي ، وإنّ الجاهلين بها هم وحدهم الذين لا يعرفون معنى الآية(3).
وفي رواية ورد الحديث على لزوم ردّ متشابه القرآن إلى محكمه(4) ،
__________________
ص 11 ، ويبدو أنّ تفسير المحكم قد سقط من نصّ الحديث (انظر على وجه الخصوص : ح 3 ، ص 162).
(1) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 10.
(2) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ح 7 ، ص 11 ، ح 1 ، و 162.
(3) من هنا يتمّ تصنيف هذه الرواية في عداد الروايات التي تعتبر الراسخين في العلم هم العلماء الذين يعلمون تأويل متشابهات الكتاب.
(4) جاء في الكثير من الروايات أنّ المعرفة الكاملة بكتاب الله لا تكون إلاّ عند الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، ومن بينها ما روي عن الإمام الباقر عليه‌السلام في خطابه لقتادة حيث قال : (إنّما يعرف القرآن من خوطب به) ، انظر : الكافي ، ج 8 ، ح 485 ، ص 311.

ومع الالتفات إلى الروايات الكثيرة التي تعرّف الأئمة المعصومين عليهم‌السلام بوصفهم المرجع في معرفة المتشابهات(1) ، يجب تفسير ردّ المتشابه إلى المحكم بحيث ينسجم مع مرجعية أهل البيت عليهم‌السلام في هذا الخصوص ، وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : «عليكم بهذا القرآن ، أحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه ، واعملوا بمحكمه وردّوا متشابهه إلى عالمه ، فإنّه شاهد عليكم وأفضل ما به توسّلتم»(2).
__________________
وبطبيعة الحال فقد أوضح الأصوليّون في كتبهم أنّ هذا النوع من الروايات لا يتنافى مع حجّية ظواهر القرآن بعد الرجوع إلى الروايات ، ولا يُستفاد منها أنّ شرط تفسير القرآن هو العثور على حديث على طبقه (انظر : فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 142 ـ 149). هذا وإنّنا هنا إنّما نقتصر على ذكر الروايات التي تحدّثت عن المحكم والمتشابه ، وتحصر معرفتها على أهل البيت عليهم‌السلام وتؤكّد على ضرورة الرجوع إليهم في هذا المجال ، من قبيل : كتاب سليم ، ص 783 و 843 ؛ الكافي ، ج 1 ، ح 1 ، ص 64 ، ج 5 ، ح 1 ، ص 65 ؛ الاختصاص ، ص 98 و 235 ؛ بصائر الدرجات ، ح 3 ، ص 135 ، وح 3 ، 198 ؛ تحف العقول ، ص 193 و 348 و 451 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 14 وح 177 ، ص 253 ؛ تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 182 ؛ الاحتجاج ، ح 1 و 2 ، ج 1 ، ص 610 ؛ الإرشاد ، ج 1 ، ص 34 ؛ أمالي الصدوق ، مج 55 / 1 ؛ التوحيد ، ص 304 / 1 ؛ الخصال ، ح 131 ، ص 257 وح 1 ، ص 576 ؛ شواهد التنزيل ، ج 1 ، ح 41 ، ص 47 ؛ غيبة النعماني ، ص 80 ؛ كمال الدين ، ح 37 ، ص 284 ؛ مناقب ابن شهر آشوب ، ج 2 ، ص 38 ؛ تأويل الآيات ، ص 631 (هامش سورة التوحيد) ؛ نهج البلاغة ، الخطبة الأولى ، وكذلك الخطبة رقم : 210 ؛ شرح ابن أبي الحديد المعتزلي لنهج البلاغة ، ج 1 ، ص 116 ؛ وكذلك انظر : الكافي ، ج 1 ، ح 9 ، ص 43 ؛ أمالي الصدوق ، مج 15 / 16 ؛ المحاسن ، ج 1 ، ح 201 ، ص 206.
(1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 1 ، ح 39 ، ص 290 ؛ الاحتجاج ، ج 2 ، ص 383.
(2) غرر الحكم ودرر الكلم ، ح 1986 ، ص 111.

وفي رواية عن الإمام الرضا عليه‌السلام أنّه قال لأحد العلماء :
«لا تتأوّل كتاب الله برأيك ؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)»(1).
مفهوم المحكم والمتشابه في تفسير النعماني ومقارنته بآراء المتقدّمين من المفسّرين :
كانت هناك منذ القدم تفسيرات وأقوال مختلفة بشأن المحكم والمتشابه بوصفهما مصطلحين قرآنيّين وربّما بلغت هذه الأقوال ستّة عشر قولاً(2) ، ونحن هنا لسنا بصدد البحث في هذه الأقوال وبيان الاختلاف فيما بينها ، كما أنّ بعض هذه الأقوال قد تمّ تناولها في العصور اللاحقة لتفسير النعماني ، ولا شأن لنا بها ، إنّما نحن هنا بصدد تبيين أوجه الشبه بين رؤية تفسير النعماني بشأن هذين المصطلحين وآراء المفسّرين المتقدّمين عليه.
في تفسير النعماني لا نشاهد تعريفاً محدّداً لهذين المصطلحين ، وإنّما
__________________
(1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج 1 ، ح 1 ، ص 191 ؛ أمالي الصدوق ، المجلس العشرون ، ح 3.
(2) تجد التقرير الموسّع لهذه الأقوال التي ذكرها المتقدّمون من المفسّرين في تفسير الطبري على هامش تفسير الآية مورد البحث (تحقيق : محمود شاكر ، ج 3 ، ص 202 ـ 206). وللوقوف على سائر الأقوال ، انظر : الإتقان في علوم القرآن ، للسيوطي ، (تصحيح : فوّاز أحمد زمرلي) ، ج 1 ، ص 592 ـ 601. ولمناقشة هذه الأقوال ، انظر : تفسير مناهج البيان ، ج 1 ، ص 19 ـ 28 ، الميزان ، ج 3 و ... وفي حاشية البرهان في علوم القرآن للزركشي ، تحقيق : يوسف عبد الرحمن مرعشلي ، ج 2 ، ص 197 ذكر الكثير من المصادر التي تعرّضت لبحث المحكم والمتشابه.

هناك عناصر استعملت لتوضيحها ، وإنّ بعض هذه العناصر نشاهدها في كلمات المتقدّمين من المفسّرين. وفي المجموع يمكن أن نحصل على أربع عناصر في تفسير النعماني بشأن هذين المصطلحين :
1 ـ عدم النسخ في الآيات المحكمة :
نلاحظ في كلمات المفسّرين الأوائل ما يُشبه هذا المعنى ، فقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال : «المحكمات التي هي أمّ الكتاب : الناسخ الذي يُدان به ويعمل به. والمتشابهات : هنّ المنسوخات التي لا يُدان بهنّ»(1). ويبدو أنّ هذه العبارة تنطوي على شيء من المسامحة ، ولا يمكن الحصول منها على مراد المتكلّم. ويبدو أنّ المراد من هذا الكلام : إنّ كلّ آية لم يتمّ نسخها فهي محكمة ـ سواء أكانت ناسخة لآية أخرى أم لا ـ. والتعبير الصحيح هو الموجود في تفسير النعماني ، حيث نشاهد ما يشبه هذا التعبير في واحدة من الروايات عن الضحّاك ، حيث فسّر المحكم بغير المنسوخ (دون الناسخ)(2).
وفي بعض الروايات يُذكر المحكم في قبال المنسوخ أيضاً ، كما هو الشأن في صحيحة معمّر بن يحيى عن أبي جعفر عليه‌السلام (3). وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال : «فالمنسوخات من المتشابهات ، والمحكمات من الناسخات»(4). وبعد التدقيق في الحديث يبدو حصول تقديم وتأخير في
__________________
(1) تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 202 ـ 203.
(2) تفسير النعماني ، ج 3 ، ص 203.
(3) الكافي ، ج 5 ، ح 8 ، ص 556 ؛ التهذيب ، ج 7 ، ح 64 ، ص 463. ونظير ذلك في مسائل علي بن جعفر ، ص 144.
(4) الكافي ، ج 2 ، ح 1 ، ص 28.

ألفاظ الحديث ، وأنّ الصحيح هو : (الناسخات من المحكمات). وفي كلمات المفسّرين يُستعمل المحكم أحياناً في قبال المنسوخ أيضاً(1). ولكن يبدو وجود إشكال في إطلاق المتشابه على الآيات المنسوخة ، وهو ما سنبحثه لاحقاً إن شاء الله.
2 ـ المحكم هو الذي تمّ التعبير عنه في أقسام آيات القرآن تحت عنوان (ما تأويله في تنزيله) :
وقد جاء في توضيح ذلك أنّه : ما لا يحتاج في تأويله إلى أكثر من تنزيله.
ولمزيد من التوضيح يجب الرجوع إلى الأقسام المذكورة لآيات القرآن في بداية تفسير النعماني ، ومن بين تلك الأقسام نلاحظ الأقسام الثلاثة الآتية : (منه ما تأويله في تنزيله ، ومنه ما تأويله قبل تنزيله ، ومنه ما تأويله بعد تنزيله)(2).
وفي شرح تفصيلي تمّ ربط (ما تأويله في تنزيله) بآيات التحريم والتحليل ، وتمّت الإشارة إلى أنّ السامع لهذه الآيات لا يحتاج إلى السؤال
__________________
(1) من باب المثال ، انظر : فقه القرآن للراوندي ، ج 2 ، ص 184 و 344 و 346 ؛ سعد السعود ، ص 226 و 286 ؛ التمهيد في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 306 و 308 و 333 و 344 و 363 و 378 (نقلاً عن مختلف الكتب التفسيرية) ؛ بحوث في تاريخ القرآن وعلومه ، ص 207 و 211 و 241 و 250 و 254 (نقلاً عن مختلف الكتب ، ولا سيّما الإتقان في علوم القرآن للسيوطي).
(2) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 4 ، وفي هذا الشأن انظر أيضاً : تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 5 و 13 ـ 15.

عنها(1) ، وتمّ ربط (ما تأويله قبل تنزيله) بالآيات التي تحكي عن بعض الأمور التي كانت في عصر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) والتي لم يسبق بيان حكمها ، وحتّى النبيّ نفسه لم يكن عالماً بحكمها(2) ، وتمّ ربط (ما تأويله بعد تنزيله) بالآيات التي تتنبّأ بالأحداث القادمة من قبيل حروب الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام مع العصاة ، ويوم القيامة ، والرجعة(3).
إلاّ أنّه لم يتّضح لنا الوجه المنطقي لهذا التقسيم ، ولم يتّضح في مورد الآيات من القسم الثاني والثالث ما إذا كان هناك من حاجة إلى السؤال عن مضمون الآية أم لا؟ ومن ناحية أخرى فإنّ هذا التقسيم ليس شاملاً ، فإنّه على سبيل المثال لا يشمل الآيات التي تتحدّث عن قصص الأنبياء ، أو الآيات المتعلّقة بالتوحيد أو الصفات الإلهية ، أو الآيات الأخلاقية.
وفي الشرح التفصيلي لهذه الأقسام الثلاثة في تفسير النعماني أضاف إليها قسماً رابعاً ، وهو : (ما تأويله مع تنزيله)(4) ، وقيل في توضيح هذا القسم : في هذه الآيات ـ خلافاً لآيات القسم الأوّل (ما تأويله في تنزيله) ـ لا يمكن الاكتفاء بمجرّد التنزيل ، بل يجب أن يقترن بها تفسير الآية أيضاً. وقد تمّ إيضاح هذا القسم من خلال ذكر عدد من الأمثلة ، ومن بينها ، قوله تعالى :
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 68.
(2) المصدر أعلاه ، ج 93 ، ص 69.
(3) المصدر أعلاه ، ج 93 ، ص 77.
(4) المصدر أعلاه ، ج 93 ، ص 68. وفي الصفحة 78 التي تعرّضت لشرح هذا القسم حدث سقط في هذا العنوان من نسخة تفسير النعماني ، وقد عمد مصحّح الكتاب إلى إضافة هذا العنوان اعتماداً على النص السابق ، وقد أضافه تفسير القمّي في ص 12.

(كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1) حيث يتعيّن على السامع أن يعلم من هم الصادقون الذين يجب أن يكون المؤمنون معهم ، وذلك من خلال تعريف النبي لهم ، وعلى الأمّة أن تطيع أمر النبيّ في ذلك.
والمثال الآخر هي الآية التي تأمر بإطاعة أولي الأمر في قول الله سبحانه وتعالى : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2) فمن دون تفسير أولي الأمر بالعترة من أهل بيت النبيّ ، الأكرم(صلى الله عليه وآله) يبقى الناس في حيرة من أمرهم. ومن هذا القسم آيات الصلاة والصوم وسائر العبادات الأخرى أيضاً ، حيث وردت في كتاب الله بشكل مجمل ، وقد ترك بيان كيفيّتها إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، كما أنّ الآيات التي تحدّثت عن تولّي أولياء الله والتبرّي من أعداء الله تحتاج بأجمعها إلى تفسير من قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله) لمعرفة أولياء الله وأعداء الله.
ولا بأس هنا من إضافة هذا التوضيح وهو أنّ التفسير والتأويل الذي ذكر هنا لا ربط له بتحديد المراد من ألفاظ القرآن(3) ، فليس هناك من غموض
__________________
(1) التوبة : 119.
(2) النساء : 59.
(3) وبطبيعة الحال يمكن القول إنّ تفسير (الصادقين) بأهل البيت عليهم‌السلام إنّما هو باعتبار أنّ الألف واللام في كلمة (الصادقين) للعهد دون الجنس ؛ ولذلك فإنّها لا تعود إلى استعمال الألفاظ لما وضعت إليه ، بيد أنّه لم يتّضح ما إذا كانت الروايات ناظرة إلى هذا الأمر ، بل يمكن للروايات أن تكون ناظرة إلى أنّ الذين يكونون من الصادقين من جميع الجهات وفي القول والعمل ليسوا سوى أهل البيت ؛ فالصادق الحقيقي لا يكون إلاّ في ضوء العصمة. وذلك كما يقول الشاعر شهريار :

«چو به دوست عهد بندد زميان پاك بازان
 

 

چو علي كه ميتواند كه بسر برد وفارا»
 


في مفردة (الصادقين) من الناحية اللغوية والمراد منها عند الاستعمال ، ولكن حيث إنّ معرفة المفاهيم الواقعة مورداً للأمر والنهي لا تكون كافية في امتثال الأمر والنهي من دون معرفة مصاديقها ، لا مناص من أن تكون مصاديق هذه المفاهيم واضحة أيضاً ، وإنّ المراد من التفسير والتأويل في هذا المقام هو تحديد مصاديق هذه المفاهيم ، ولذلك فإنّ هذه الآيات تدخل من هذه الناحية في عداد المتشابهات ، ومن مجموع هذه الإيضاحات ندرك أنّ الآيات المحكمات غنيّة عن التفسير ـ سواء في مرحلة المدلول الاستعمالي للألفاظ ، أو في مرحلة تحديد مصاديقها) ـ وأمّا الآيات المتشابهة فهي الآيات التي تحتاج إلى تفسير وبيان في واحدة من هاتين المرحلتين.
3 ـ إنّ المتبادر للذهن من تفسير النعماني أنّ الآيات المحكمات إنّما تختصّ بمورد الحلال والحرام والواجبات والمحرّمات(1) ، كما نرى ذلك أيضاً في كلمات بعض المفسّرين المتقدّمين أيضاً(2) ، وقد نُقل هذا الكلام بعبارة أوضح عن آخرين من أمثال : مجاهد ، حيث قال في تفسير المحكم : «ما فيه من الحلال والحرام ، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدّق بعضه بعضاً»(3) ، علماً بأنّ تفسير النعماني يشير في موضع آخر إلى أنّ الآيات ذات الصلة بالصلاة والصوم وغيرهما من الفرائض تحتاج إلى بيان من النبيّ
__________________
وقد ترجم إلى العربية شعراً وذلك في قول الشاعر :

«ميثاق الأبرار إذا ينجلي
 

 

للوِدِّ أوفاهم ولاءً علي».
 

(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 12.
(2) تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 202 (نقلاً عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس).
(3) المصدر أعلاه ، ج 3 ، ص 204.

الأكرم(صلى الله عليه وآله)(1) ، وربّما أمكن التوفيق بين هاتين العبارتين بالقول : إنّ هذه الآيات لا تشتمل على غموض فيما يتعلّق ببيان أصل الفرائض ، ولكنّها لم تذكر خصوصيّات هذه الفرائض ؛ وعليه فإنّ هذه الآيات تكون محكمة من جهة ، ومتشابهة من جهة أخرى.
4 ـ جاء في تفسير النعماني : «وأمّا المتشابه من القرآن فهو الذي انحرف منه متّفق اللفظ مختلف المعنى». وطبقاً لهذا التوضيح فإنّ الألفاظ التي استعملت في القرآن في مختلف الوجوه والمعاني تكون متشابهة. ثمّ تعرّض إلى مختلف معاني الضلال (ص 12 ـ 16) ، والوحي (ص 16) ، والخلق (ص 17) ، والفتنة (ص 17 ـ 18) ، والقضاء (ص 18 ـ 20) ، والنور (ص 20 ـ 22) ، والأمّة (ص 22 ـ 23) ، وفي موضع آخر من تفسير النعماني ورد بيان معنى الكفر (ص 60 ـ 61) ، والشرك (ص 61 ـ 62) ، والظلم (ص 63).
وشبيه هذا التفسير جاء في مقدّمة تفسير القمّي أيضاً(2). فقد جاء بالعديد من معاني الألفاظ في مواطن مختلفة من المجلّد الأوّل من تفسير القمّي ، من قبيل : الضلال (ص 7) ، والهداية (ص 30) ، والإيمان والكفر (ص 32 في ضمن الرواية) ، والحياة (ص 35) ، والعدّة (ص 78) ، وصلاة الخوف (ص 79) ، والصوم (ص 185 ـ في ضمن الرواية) ، والأمّة (ص 323) ، والهدى (ص 359) ، والزنا وحدوده (ص 95).
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 78.
(2) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 7 و 96.

إنّ هذا التفسير للمتشابه يبدو غير منسجم مع التفسير السابق للمحكم الذي جاء في العنصر الثاني ، فإنّ الألفاظ التي تستعمل في معاني مختلفة في القرآن لا تحتاج إلى تأويل بالضرورة ؛ إذ ربّما تكون مصحوبة بقرائن تمنح الألفاظ ظهوراً خاصّاً ، فلا يكون معها بحاجة إلى التأويل. وعليه فإنّ هذا التفسير مغاير للتفسير الوارد في بعض الكتب التفسيرية للمحكم والمتشابه والقائل : بأنّ المحكم هو الذي لا يقبل إلاّ تأويلاً واحداً ، أمّا المتشابه فهو الذي يقبل أكثر من تأويل(1).
العلاقة بين (المتشابه) وبين المصطلح القرآني (الأشباه والنظائر) :
إنّ أحد البحوث التي شكّلت منذ عهد قديم عنواناً من عناوين العلوم القرآنية هو بحث (الأشباه والنظائر). وإنّ فنّ الأشباه يرتبط بالألفاظ التي استعملت في مختلف مواضع القرآن في معان مختلفة.
علماً أنّ هناك اختلاف في تفسير مصطلحي الأشباه والنظائر(2) ، وهو أمر لا يرتبط بمحل بحثنا كثيراً.
وإنّ أقدم كتاب متوفّر في هذا الفنّ يعود لمقاتل بن سليمان البلخي (م 150 هـ) ، تحت عنوان (الأشباه والنظائر في القرآن الكريم) ، تحقيق : الدكتور
__________________
(1) تفسير الطبري ، ج 3 ، ص 204.
(2) مقدّمة وجوه القرآن ، تأليف : إسماعيل بن أحمد الحيري النيشابوري ، تحقيق : الدكتور نجف عرشي ، مشهد ، بنياد پژوهشها؟ اسلامي ، 1422 ، ص 33 ـ 35.

عبد الله محمود شحاتة(1).
وهنا لا نجد متّسعاً لتوضيح مصطلح الأشباه بشكل كامل ، وإنّما نكتفي بالإشارة إلى أنّ الكثير من المعاني المذكورة للألفاظ ليس فيها الدقّة الكافية ، بل إنّ الألفاظ قد استعملت في معان جامعة تتضمّن معان مختلفة ، وفي بعض الموارد نصل إلى معان خاصّة من خلال قرائن أخرى من خارج اللفظ. وبعبارة أخرى : استفادة المعنى الخاصّ من باب تعدّد الدال والمدلول.
إنّ مقارنة أشباه الألفاظ المذكورة في تفسير النعماني مع ما ورد في كتاب مقاتل ، تثبت استقلالية تفسير النعماني تماماً ، فعلى سبيل المثال نجد النعماني قد ذكر أربعة وجوه للخلق ، وهي : خلق الاختراع ، وخلق الاستحالة ، وخلق التقدير ، وخلق التغيير(2) ، في حين ذكر مقاتل سبعة وجوه للخلق(3) لا ينسجم منها إلاّ وجه واحد مع ما ذكره النعماني ؛ حيث ذكر من بين معاني الخلق : الخلق في الدنيا ، وهو منسجم مع خلق الاختراع.
ذكر النعماني فيما يتعلّق بكلمة (الوحي) سبعة وجوه ، وهي :
1 ـ وحي النبوّة والرسالة.
2 ـ وحي الإلهام.
3 ـ وحي الإشارة.
__________________
(1) مقدّمة المصدر المتقدّم ، ص 36 ـ 39 ، حيث يذكر فهرسة بأسماء الذين كتبوا في هذا الفنّ (سواء وصلتنا كتبهم أم لم تصل).
(2) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 17.
(3) الأشباه والنظائر ، ح 124 ، ص 261.

4 ـ وحي التقدير.
5 ـ وحي الأمر.
6 ـ وحي الكذب.
7 ـ وحي الخبر(1).
وذكر مقاتل لهذه المفردة خمسة معان ، ثلاثة منها تنسجم مع ما ذكره النعماني ، وهي : (الأوّل والثاني والخامس) ، أمّا المعنيان الأخريان فهما مختلفان عمّا جاء في تفسير النعماني ، وهما : (وحي الكتاب ، والقول)(2).
وفيما يتعلّق بمفردة (القضاء) نجد هناك توافق تامٌّ بين تفسير النعماني وكتاب مقاتل في بيان الوجوه(3). وبطبيعة الحال هناك اختلافات بينهما على مستوى البيان والتعبير فقط.
وعلى هذا الأساس ليس هناك أيّ ارتباط خاصّ يمكن إثباته بين تفسير النعماني وكتاب مقاتل فيما يتعلّق ببحث الأشباه.
أمّا كتاب تفسير القمّي فإنّه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتفسير النعماني ؛ إذ أنّ تفسير القمّي يولي أهمّية كبيرة لبحث المحكم والمتشابه ، حتّى أنّه يشير مراراً وتكراراً في هامش الآيات إلى المحكم منها(4) ، وكثيراً ما يتعرّض إلى بيان
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 16.
(2) الأشباه والنظائر ، ح 55 ، ص 168.
(3) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 18 ـ 20 ؛ الأشباه والنظائر ، ح 152 ، ص 294.
(4) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 106 ، 129 ، 133 ، 142 ، 145 ، 159 ، 163 ، 168 ، 190 ، 194 ، 195 ، 203 ، 204 (مرتان) ، 208 ، 219 (مرتان) ، 221 ، 223 ،

الوجوه المختلفة لمفردة من المفردات ، وإنّ الأشباه المذكورة في تفسير القمّي هي في الغالب ذات الأشباه والوجوه المذكورة في تفسير النعماني ، فمثلاً ورد في تفسير النعماني ذكر خمسة أشباه لمفردة (الفتنة) ، وهي : الاختبار(1) ، والكفر ، والعذاب ، وحبّ المال والولد ، والمرض(2) ، وقد ورد ذكر جميع هذه الوجوه والأشباه لهذه المفردة في تفسير القمّي ، باستثناء الوجه الأخير (المرض)(3). وفي تفسير النعماني ورد ذكر خمسة أشباه لمفردة (الأمّة)(4) ، وقد وردت ذات هذه الوجوه والأشباه الخمسة في تفسير القمّي ، بالإضافة إلى ثلاثة أشباه أخرى(5).
__________________
226 ، 227 ، 239 ، 240 ، 283 ، 301 ، 309 ، 311 ، 312 ، 313 ، 320 ، 321 ، 359 ، 363 ، 367 ، 384 ، 385 ، 387 ، ج 2 ، ص 17 ، 19 ، 21 (مرتان) ، 37 ، 212 (مرتان) ، 223 ، 288 و 350.
(1) سقط هذا العنوان من تفسير النعماني على ما سيأتي بيانه.
(2) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 17.
(3) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 7 ، وفي ص 175 ، وج 2 ، ص 70 ، 111 و 341 ، حيث تكرّر معنى الاختبار ، وفي ج 1 ، ص 277 ، ومعنى الكفر ، وفي ج 2 ، ص 223 ، ومعنى العذاب ، وفي ج 2 ، ص 372 ، ومعنى حبّ المال والولد. وفي ج 1 ، ص 195 تمّ تفسير الفتنة بمعنى العذاب ، وفي ج 2 ، ص 110 ، بمعنى البلية.
(4) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 22 و 23.
(5) والمعاني الثلاثة الأخرى المذكورة في تفسير القمّي ، هي : أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) ، الخلق كلّه ، كما ورد تفسير الأمّة المعدودة بأصحاب القائم ، (وكذلك انظر : ج 1 ، ص 323 ، ج 2 ، ص 205) ، وفي ج 1 ، ص 62 ورد تفسير الأمّة بالأئمّة ، وفي ج 1 ، ص 70 ، 310 ، 337 و 389 ، ج 2 ، ص 282 ورد تفسير الأمّة بالمذهب ، وفي ج 1 ، ص 345 ورد تفسير الأمّة بالحين ، وفي ج 1 ، ص 321 ورد تفسير الأمّة بخروج القائم (عجّل الله تعالى في فرجه الشريف).

لا شك في أنّ بين تفسير النعماني وتفسير القمّي ارتباطاً خاصّاً ، بحيث يبدو أنّ أحدهما قد أخذ من الآخر ، أو أنّهما قد اشتركا في الأخذ من مصدر آخر.
التنويه إلى بعض الأمور بشأن المحكم والمتشابه في تفسير النعماني :
1 ـ تمّ التأكيد في تفسير النعماني على أنّ توضيح المتشابه بحاجة إلى (مسألة الأوصياء) ، ومن دون ذلك فإنّ الآيات المتشابهة ستؤدّي إلى هلاك الناس(1). حيث نشاهد هذا المعنى في الكثير من الروايات أيضاً ، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
2 ـ إنّ إطلاق مصطلح المتشابه على الآيات المنسوخة لا يخلو من التكلّف ، وفيه نوع من المؤنة ؛ لأنّ علماء الأصول قد أوضحوا أنّ ظاهرة النسخ في الواقع إنّما هي تقييد للإطلاق الزماني للآيات المنسوخة ، وإنّ الظهور الأوّلي للآيات المنسوخة يشير إلى أنّ الحكم المبيّن في هذه الآيات هو لجميع الأزمنة ، وبعد مجيء الآية الناسخة يتّضح أنّ الآية المنسوخة إنّما كانت سارية المفعول لزمن خاصّ ـ أي إلى حين ورود الآية الناسخة ـ ، وعلى هذا الأساس فإنّ الآية الناسخة تشكّل قرينة على كون المعنى الظاهري للآية المنسوخة (وإطلاقها الزماني) ليس هو مراد الشارع. ولذلك من الصعب اعتبار الآيات المنسوخة من المتشابه ؛ إذ سبق أن ذكرنا أنّ الآيات المتشابهة
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 12 و 15.

تقبل التأويل ، وإنّ الذين في قلوبهم مرض يسعون ـ من خلال بيان المعاني التي لا تفهم من ظاهر الآيات المتشابهة ـ إلى الوصول إلى أهدافهم اللامشروعة ، وفي الآيات المنسوخة يكون المعنى الظاهري للآية هو المعنى الذي لا يكون مراداً لله ، وليس المعنى التأويلي للآية.
يبدو أنّ اعتبار الآيات المنسوخة من المتشابه هو في حقيقته نوع توسّع في مفهوم لفظ المتشابه مستفاد من الآية السابعة من سورة آل عمران ، ولأنّ الآيات المنسوخة تشبه الآيات المتشابهة من حيث عدم إمكان العمل بهما ، فقد تمّ وضع الآيات المنسوخة في دائرة الآيات المتشابهة ، علماً بأنّ هذا التوسّع المفهومي الذي هو من باب المجاز بحاجة إلى دليل ، حيث يمكن اعتبار الروايات دليلاً على ذلك.
3 ـ فيما يتعلّق ببحث المحكم والمتشابه في تفسير النعماني هناك بعض الأخطاء في النسخة المتداولة لهذا التفسير ، وقد عمد مصحِّح البحار إلى تصحيح بعضها ، بينما بقي البعض الآخر دون تصحيح ، من قبيل :
في بداية تفسير مفردة (الفتنة) هناك سقط في العبارة ، حيث يجب أن يكون أصل العبارة مثلاً كالآتي :
«سألوه عن المتشابه في تفسير الفتنة ؛ فقال : [هو على خمسة أوجه ، فمنه : فتنة الاختبار ، وهو قوله تعالى :] (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا ...)(1)(ص17)» ، حيث نشهد سقطاً للعبارة التي أوردناها بين المعقوفتين بقرينة السياق ، واعتماداً على تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 96.
__________________
(1) العنكبوت : 1 ـ 2.

وفي عبارة «أمّا قضاء الكتاب والحتم فقوله تعالى في قصّة مريم : (وَكَانَ أَمْرَاً مَقْضِيّاً) ، أي معلوماً» (ص19) يبدو أنّ (معلوماً) صحِّف وكان أصله (مكتوباً) أو (محتوماً).
وهناك سقط في بداية بيان أقسام (الأمّة) أيضاً ، وإنّ أصل العبارة يجب أن تكون على هذه الصيغة مثلاً : «وسألوه ـ صلوات الله عليه ـ عن أقسام الأمّة في كتاب الله ، فقال : [الأمّة في كتاب الله على وجوه ، منها المذهب ، وهو] قوله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)(47) وقد أضفنا ما بين المعقوفتين استناداً إلى تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 323 ، وتفسير النعماني ، ص 26.
خلاصة الكلام بشأن تفسير النعماني بوصفه نصّاً تفسيرياً :
إنّ هذا التفسير على الرغم من وجود بعض مواطن الخلل ـ والتي نشأ بعضها من أخطاء الناسخين ـ يعتبر من النصوص التفسيرية القيّمة ، فيجب أخذ آراء مؤلّفه فيما يتعلّق بتفسير الآيات ، وإنّ إنكار هذا الكتاب بوصفه نصّاً روائياً يجب أن لا يؤدّي إلى القول بعدم اعتباره بوصفه نصّاً تفسيريّاً.
__________________
(1) البقرة : 213.

تنويه :
إنّ هذه السلسلة من المقالات تناولت تعريفاً تفصيلياً بالنعماني ومؤلّفاته ، وقد تعرّضت إلى تفسير النعماني من مختلف الزوايا. وفي هذا القسم سوف نقوم بمقارنة هذا الكتاب مع كتابين مشابهين له ، وهما : مقدّمة تفسير القمّي ، ورسالة سعد بن عبد الله.
هـ ـ مقارنة تفسير النعماني بمقدّمة تفسير القمّي :
جاء في مقدّمة التفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمّي ـ بعد ذكر
__________________
(1) تعريب : السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



خطبة الكتاب التي لا تختلف عن خطبة تفسير النعماني إلاّ في بعض الموارد القليلة ، وبعد الاستفتاح بعبارة : «قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الهاشمي القمّي» ـ ذكر أقسام آيات القرآن ومفاهيمها ضمن سبعة وأربعين عنواناً ، ثمّ عمد إلى توضيح كلّ عنوان بشكل مختصر مع ذكر آية أو آيتين وربّما ثلاث آيات أحياناً كمثال لذلك العنوان.
إنّ الهيكلية العامّة لكلا التفسيرين متقاربة ، وفيما يتعلّق ببيان المباحث هناك تشابه كبير بين هذين الكتابين. وقد أشرنا إلى نماذج من هذه المباحث في تضاعيف الأقسام السابقة من هذه المقالة ، ومن جملة ما قلناه هو أنّ هناك الكثير من مواطن الاشتراك بين تفسير القمّي وتفسير النعماني في مبحث (المحكم والمتشابه) ، حيث إنّ تفسير (المتشابه) في كلا هذين التفسيرين مشابه للآخر ، ففي مختلف مواطن الجزء الأوّل من تفسير القمّي تمّ بيان معاني الألفاظ المختلفة معتمداً في ذلك على تفسير خاصّ للآيات المتشابهة ، وإنّ وجوه الألفاظ المختلفة في تفسير القمّي هي في الغالب ذات الوجوه في تفسير النعماني أيضاً. وبناءً على ذلك قلنا بأنّه لا بدّ من وجود ارتباط بين تفسير النعماني وتفسير القمّي ، ويبدو أنّ أحدهما قد أخذ من الآخر ، أو أنّهما قد أخذا واقتبسا من مصدر ثالث مشترك بينهما.
وقد ساهم هذا الارتباط والعلقة بين هذين التفسيرين إلى إصلاح بعض مبهمات النسخ من تفسير النعماني وذلك من خلال الاعتماد على تفسير

القمّي ؛ ومثال ذلك : جاء في بداية تفسير النعماني عناوين من العلوم القرآنية دون توضيحها ، في حين أنّه تمّ توضيح بعض هذه العناوين في مقدّمة تفسير القمّي ، علماً بأنّ أكثر هذه العناوين لم ترد في هذا التفسير.
وفيما يلي نتطرّق مرّة أخرى إلى مقارنة أدقّ بين تفسير النعماني ومقدّمة تفسير القمّي.
الاختلافات بين التفسيرين :
على الرغم من التقارب الكبير بين هيكلية هذين التفسيرين ومواضيعيهما بيد أنّنا نشاهد اختلافين جوهريّين بينهما ، وهما :
الاختلاف الأوّل : إنّ تفسير النعماني تفسيرٌ كُتب بصورة مستقلّة ، في حين أنّ مقدّمة تفسير القمّي قد كتبت بوصفها مقدّمة لنصّ تفسيري(1) ؛ ولذلك فقد أحال في المقدّمة إلى النصّ التفسيري مراراً وتكراراً ، وقد تمّ التأكيد على أنّ هناك المزيد من نماذج الآيات ذات الصلة قد تمّ الإشارة إليها في متن التفسير(2).
الاختلاف الثاني : إنّ هذا الاختلاف يرجع منشأه إلى حدّ ما إلى الاختلاف الأوّل ، وهو أنّ تفسير النعماني أكثر سعة وتفصيلا من مقدّمة تفسير
__________________
(1) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 6 و 27.
(2) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 7 (مرتان) ، 11 (مرتان) ، 12 ، 15 ، 16 ، 23 ، 25 ، 26.

القمّي ، فإنّ مقدّمة تفسير القمّي تشغل حوالي إثنين وعشرين صفحة ، في حين أنّ القسم المشابه لها في تفسير النعماني يشغل حوالي إثنين وتسعين صفحة ـ أكثر من أربعة أضعاف ـ. وفي ذيل كلِّ عنوان في تفسير النعماني ذكرت الكثير من الآيات التي لم نشاهد أكثرها في مقدّمة تفسير القمّي ، وفي الآيات المشتركة أيضاً نجد تفسير النعماني أكثر تفصيلاً. وفي ما يلي نجري ـ من باب المثال ـ مقارنة بين المبحث الأوّل في هذين التفسيرين ، أي مبحث الناسخ والمنسوخ :
تعرّض تفسير النعماني أوّلاً إلى بيان العلّة من النسخ في القرآن ، ولم يتعرّض تفسير القمّي إلى ذلك ، وفي تفسير النعماني ذكرت ستّة عشر آية منسوخة مع بيان كيفية نسخ بعضها ، في حين لم يذكر منها في تفسير القمّي سوى آيتين ، وإنّ توضيح هاتين الآيتين أقصر بكثير من التوضيح الوارد بشأنهما في تفسير النعماني.
وفيما يلي نضع الآية الأولى من تفسير النعماني في مبحث النسخ إلى جانب العبارة المشابهة لها في تفسير القمّي ـ التي هي الآية الثانية المرتبطة بالناسخ والمنسوخ ـ لتكون عملية المقارنة بينهما أيسر :
تفسير النعماني (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 6).
مقدّمة تفسير القمّي (ص 6).
ـ فكانت من شريعتهم في الجاهلية أنّ المرأة إذا زنت حبست في بيت وأقيم بأودها حتّى يأتي الموت ، وإذا زنى الرجل نفوه عن مجالسهم وشتموه

وآذوه وعيّروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا ، قال ـ تعالى ـ في أوّل الإسلام : (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا)(1) ، فلمّا كثر المسلمون وقوي الإسلام ، واستوحشوا أمور الجاهلية ، أنزل الله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(2) إلى آخر الآية ، فنسخت هذه الآية ، آية الحبس والأذى.
ـ ومثله أنّ المرأة كانت في الجاهلية إذا زنت تحبس في بيتها حتّى تموت ، والرجل يؤذى ، فأنزل الله في ذلك : (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً)(3) ، وفي الرجل : (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا)(4) ؛ فلمّا قوي الإسلام ، أنزل الله : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(5) فنسخت تلك.
__________________
(1) النساء : 15 ـ 16.
(2) النور : 2.
(3) النساء : 15.
(4) النساء : 16.
(5) النور : 2.

وهناك اختلافات أخرى بين متني التفسيرين :
في مستهلّ كلا النصّين فهرسة بأقسام الآيات ومضامينها ، ثمّ يُعمد إلى شرح هذه الفهرسة ، وقد تمّ عرض هذه الفهرسة في الكتابين بشكلين مختلفين وقد تقدّم أن ذكرنا بأنّ فهرسة تفسير النعماني قد تمّ تنظيمها على ثلاثة أنحاء ، فأوّلاً تمّ التعرّض للأقسام السبعة من آيات القرآن ، ومن ثمّ تمّ الانتقال إلى المصطلحات الثنائية في القرآن بعبارة (في القرآن) ، وبعد ذلك يتمّ بيان أنواع الآيات بعبارة (منه).
وفي مقدّمة تفسير القمّي تمّ تنظيم العناوين على نحوين(1) : فإنّ أكثر العناوين تبدأ بكلمة (منه). في حين تبدأ بعض العناوين في نهاية الفهرسة بكلمة (فيه). وقد تمّ استفتاح فهرسة تفسير القمّي بالمصطلحات الثنائية في القرآن ، وذلك على النحو الآتي : «منه ناسخ ومنه منسوخ ، ومنه محكم ومنه متشابه ، ومنه عام ومنه خاص ، و ..». وفيما يتعلّق بالأقسام السبعة في بداية تفسير النعماني لم تذكر سوى أربعة أقسام منها ، في نهاية فهرسة تفسير القمّي ، وأمّا الأقسام الثلاثة الأخرى (الأمر والزجر والجدل) فلم ترد في تفسير القمّي.
يمكن إحصاء عناوين تفسير القمّي ضمن سبعة وأربعين عنواناً(2) ، وإنّ
__________________
(1) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 5 و 6.
(2) وفي هذا الإحصاء تمّ إدراج المصطلحات الثنائية ضمن رقم واحد. وبذلك تمّ اعتبار الناسخ والمنسوخ عنواناً واحداً ، والمحكم والمتشابه عنواناً واحداً أيضاً.

أربعين عنواناً منها تبدأ بكلمة (منه) ، والسبعة الأخرى منها تبدأ بكلمة (فيه).
كما هناك اختلاف في ترتيب العناوين في كلا الكتابين ، حيث تلاحظ في كلّ واحد منهما عناوين لا توجد في الكتاب الآخر ، وجدير بالذكر أنّ هذا الاختلاف نلاحظه أيضاً حتّى في فهرس عناوين تفسير القمّي وشرح عناوينه ، كما نشاهد هذا الاختلاف أيضاً في فهرس تفسير النعماني وتوضيح عناوينه.
مقارنة فهرسة عناوين تفسير القمّي وشرح عناوينه بتفسير النعماني :
إنّ بعض عناوين الفهرس من مقدّمة تفسير القمّي لم يأت ترتيبها على نفس ما جاء من الترتيب الموجود في متن الكتاب(1) وهو اختلاف لم يتّضح لنا وجهه(2).
قد وردت عشر عناوين في فهرس عناوين تفسير القمّي ، ولكن لا يوجد لها شرحٌ في متن الكتاب.
__________________
(1) تفسير القمّي ، ج1 ، ص5 و 6 ، الأرقام 8 ، 10 ، 11 ، 19 ، 20 ، 28 ، 31 ، 33 ، 44.
(2) باستثناء ما يتعلّق في مورد عنوان الترهيب والترغيب (رقم : 44 و 45) والذي تقدّم في شرحهما في ص 26 مفهوم الترغيب ، يبدو حدوث تحريف في فهرست العناوين ، وإنّ الترتيب الطبيعي لهذين العنوانين قد تعرّض لخطأ الناسخين. وقد ورد عنوان الترغيب في تفسير النعماني قبل الترهيب أيضاً (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 4 ، و 65) ، كما أنّ الإحالات الأخرى في تفسير النعماني تعود إلى هذا الجزء من بحار الأنوار.

وقد ورد بعضها في فهرس تفسير النعماني ، ولكن لم يرد لها شرح(1)في المتن ، وبعضها جاء في فهرس تفسير النعماني وتمّ شرحها في متنه(2) ، والبعض الآخر لم يرد في تفسير النعماني أبداً(3) لا في في الفهرس ولا في المتن.
جدير ذكره أنّ مقدّمة تفسير القمّي قد اشتملت على ردّ على الجهمية (الرقم : 27) وردّ على القدرية (الرقم : 32) ولم يرد شرحهما ، ولم يرد توضيح هذين العنوانين في تفسير النعماني أيضاً ، رغم ذكر القدرية في فهرس العناوين(4) ، وهناك في هذين العنوانين بعض الغموض ، ويبدو أنّ المراد من القدرية هم المعتزلة (5) ، والمراد من الجهمية هم
__________________
(1) تفسير القمّي، ج 1، ص 5 و 6، رقم: 23 (تفسير النعماني، الرقم: 38) ؛ الرقم: 29 (تفسير النعماني، الرقم: 40) ؛ الرقم 32 (تفسير النعماني، الرقم: 40) ؛ الرقم: 40 (تفسير النعماني، رقم 54 وأيضاً انظر: الرقم: 58) ؛ الرقم: 41 (تفسير النعماني، الرقم: 55).
(2) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 5 و 6 ، الرقم : 24 (تفسير النعماني ، الرقم : 40 ، وتوضيحه في ص 33) ؛ الرقم : 42 (تفسير النعماني ، الرقم : 56 والرقم : 57 ، وتوضيحه في ص 62 و 67) ؛ الرقم : 43 (تفسير النعماني ، الرقم : 58 ، وتوضيحه في ص 67) ؛ الرقم : 46 (تفسير النعماني ، الرقم : 6 ، وتوضيحه في ص 67).
(3) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 5 ، الرقم : 36.
(4) تفسير النعماني ، الرقم : 40 ، ضمن عنوان طويل.
(5) تمّ ذكر القدرية والمجبّرة في تفسير النعماني ، الرقم : 40 ، والذي يبدو من ظاهره أنّهما فرقتان مختلفتان ، ولذلك يبدو أنّ المراد من القدرية هم المعتزلة. جدير بالذكر أنّه بالالتفات إلى لعن القدرية على لسان النبيّ الأكرم ، فقد نسب كلّ من المعتزلة والأشاعرة الأخرى إلى القدرية (انظر : كنز الفوائد ، ج 1 ، ص 123 ؛ بحار الأنوار ، ج

المجبّرة (1) ، حيث تمّت الإشارة في كلا الكتابين إلى الآيات التي تردّ مذهبيهما.
كما تمّ شرح العديد من العناوين في تفسير القمّي دون أن ترد في فهرس العناوين ، وإنّ بعضها قد تمّ شرحه في تفسير النعماني(2) ، والبعض الآخر لم يرد شرحه في تفسير النعماني أيضاً(3).
وهناك عنوان ورد ذكره وشرحه في تفسير القمّي وفي فهرس العناوين ، ولم يرد ذكره في تفسير النعماني أبداً(4) ؛ فمن أين نشأت هذه الاختلافات؟
__________________
5 ، ص 5) ، وفي تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 198 (ذيل سورة الأنعام) قال بشأن الآية القائلة : (مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) : هو ردّ على قدرية هذه الأمّة. واضح أنّ المراد من القدرية هنا هم المعتزلة ، وهذا يؤيّد أن يكون المراد من هذه المفردة في تفسير النعماني هم المعتزلة أيضاً.
(1) الجهم بن صفوان (م 128) الذي تنسب إليه فرقة الجهمية.
(2) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 10 : وأمّا ما هو محرّف منه (تفسير النعماني ، ص 26 ؛ وانظر أيضاً : ص 4 ، الرقم : 24) ، ص 11 : وأمّا ما لفظه ماض وهو مستقبل (تفسير النعماني ، ص 4 ، رقم : 22 ، وتوضيحه في ص 26) ، ص 15 : وأمّا ما هو متّفق اللفظ ومختلف المعنى (تفسير النعماني ، ص 5 ، رقم : 32 ، وتوضيحه في ص 32 من دون ذكر عنوان).
(3) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 11 : ما لفظه واحد ومعناه جمع (تفسير النعماني ، ص 5 ، رقم : 20).
(4) تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 5 ، رقم 37 : ردّ على من أنكر خلق الجنّة والنّار ، وشرحه في ص 21 ؛ وفي تفسير القمّي ، ص 4 ، رقم 12 تمّ التعبير بـ (ما تأويله مع تنزيله) ، وتمّ شرحه في ص 13 ، ولم يرد في فهرسة تفسير النعماني ، ولكن تمّت الإشارة في هذا العنوان في ص 68 ، وقد تمّ شرحه في ص 78 من دون ذكر عنوان ،

يبدو أنّ الكثير منها قد نشأ من الاختلاف في نسخ هذين الكتابين الروائيّين.
وإنّما هناك مورد واحد فقط يختلف فيه هذان الكتابان اختلافاً كاملاً ، وهو أمر ملفت للانتباه : ففي تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 20 ذكر عنوان : (أمّا الردّ على من أنكر الرؤية) وقام بتوضيحه(1). وقد ورد هذا العنوان في فهرس عناوين تفسير النعماني بالنحو التالي : (ردّ على من أثبت الرؤية) (رقم : 47) من دون أن يقوم بتوضيحه.
ومن الجدير ذكره أنّ بعض عناوين فهرس تفسير القمّي قد تمّ شرحها باختلاف يسير ، حيث جاء ذكرها بالمعنى(2).
__________________
ويبدو حدوث سقط في فهرسة العناوين. وفي تفسير القمّي ، ص 4 ، رقم : 5 تمّ التعرّض إلى الردّ على المعتزلة. وقد تمّ شرحه في ص 23 ولم يرد توضيح ذلك في تفسير النعماني ، ولكن يبدو أنّهم القدرية الذين ورد ذكرهم في فهرسة عناوين تفسير النعماني في رقم : 40.
(1) وبطبيعة الحال تمّت الإشارة في شرح هذا العنوان إلى رواية ، وقد تمّت الإشارة فيه إلى أنّ هذه الرواية لا تؤدّي إلى التشبيه ، انظر أيضاً : تفسير القمّي ، ج 2 ، ص 334.
(2) ومن المناسب هنا أن نقدّم مقارنة كاملة بين هذه النصوص. وفي البداية سنورد العناوين على ترتيب فهرسة عناوين تفسير القمّي ، وبعد ذلك نستعرض إحالات شرحها في تفسير القمّي. وبعد ذلك نذكر رقم العنوان في فهرسة عناوين تفسير النعماني ، ونشير إلى موارد الاختلاف بينها :
تفسير القمّي : رقم 1 : منه ناسخ ومنه منسوخ. (شرح : فأمّا الناسخ والمنسوخ ، ص 6. تفسير النعماني ، رقم 8). رقم 2 : منه محكم ومتشابه. شرح : وأمّا المحكم ... وأمّا المتشابه ... ، ص 7. (تفسير النعماني ، رقم 9). رقم 3 : منه عام ومنه

__________________
خاص. انظر : رقم 8 (تفسير النعماني ، رقم 10). رقم 4 : منه تقديم ومنه تأخير. شرح : وأمّا التقديم والتأخير ، ص 8. (تفسير النعماني ، رقم 11 ، مقدم ومؤخر). رقم 5 : منه منقطع ومنه معطوف. شرح : أمّا المنقطع المعطوف ، ص 9. (تفسير النعماني ، رقم 15 ، منقطع ومعطوف ، وبعد ذلك في رقم 16 ذكر المنقطع غير المعطوف). رقم 6 : منه حرف مكان حرف. شرح ص 9. (تفسير النعماني ، رقم 17). رقم 7 : منه على خلاف ما أنزل الله. شرح في ص 10 وبعد ذلك : وأمّا ما هو محرّف منه. (تفسير النعماني ، رقم 25 : منه ما هو على خلاف تنزيله ، وانظر أيضاً : رقم 39 : منه ما تأليفه وتنزيله على غير معنى ما أنزل فيه). رقم 8 : منه ما لفظه عام ومعناه خاص. رقم 9 : منه ما لفظه خاص ومعناه عام (وقد ورد هذان الرقمان في شرح ص 7 و 8). (في تفسير النعماني رقم 18 : ما لفظه خاص ، وفي رقم 19 : ما لفظه عام محتمل العموم وهو لا يخلو من الخلل. انظر أيضاً : تفسير النعماني ، ص 23 وص 25). رقم 10 : منه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى. شرح في ص 12. (تفسير النعماني رقم 29). رقم 11 : منه ما تأويله في تنزيله. شرح في ص 13. (تفسير النعماني ، رقم 26). رقم 12 : منه ما تأويله مع تنزيله. شرح في ص 13 (لم يرد في فهرسة عناوين تفسير النعماني ، بيد أنّه تمّت الإشارة إلى هذا العنوان في ص 68 ، وجاء توضيحه دون ذكر العنوان في ص 78). رقم 13 : منه ما تأويله قبل تنزيله. شرح ص 14 (تفسير النعماني ، رقم 27). رقم 14 : منه ما تأويله بعد تنزيله. شرح ، ص 14. (تفسير النعماني ، رقم 28). رقم 15 : منه رخصة إطلاق بعد الحظر. شرح ص 15 : وأمّا الرخصة التي هي بعد العزيمة. (تفسير النعماني ، رقم 33 : منه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة ، وانظر أيضاً : رقم 12 ، عزائم ورخص). رقم 16 : منه رخصة صاحبها بالخيار إن شاء فعل وإن شاء ترك. شرح في ص 15 مع تبديل الفعل بالأخذ. (تفسير النعماني ، رقم 34 بعبارة : إن شاء أخذ وإن شاء تركها). رقم 17 : منه رخصة ظاهرها خلاف باطنها ، يعمل بظاهرها ولا يُدان بباطنها. شرح في ص 15 (تفسير النعماني ، رقم 35 : منه رخصة ظاهرها خلاف باطنها يعمل بظاهرها عند التقية ولا يعمل بباطنها). رقم 18 : منه ما على لفظ الخبر

__________________
ومعناه حكاية عن قوم. شرح في ص 16 : وأمّا ما لفظه خبر ومعناه حكاية. (تفسير النعماني ، رقم 23 : منه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم آخرين). رقم 19 : منه آيات نصفها منسوخة ، ونصفها متروكة على حالها. شرح في ص 12 (تفسير النعماني ، رقم 30 : منه آيات نصفها منسوخ ، ونصفها متروك على حاله). رقم 20 : منه مخاطبة لقوم ، ومعناه لقوم آخرين. شرح في ص 12 (تفسير النعماني ، رقم 36 : منه مخاطبة لقوم والمعنى لآخرين). رقم 21 : ومنه مخاطبة للنبيّ(صلى الله عليه وآله)والمعنيّ أمّته. شرح في ص 16 بتبديل أمّته بـ (لأمّته). (تفسير النعماني ، رقم 37 : منه مخاطبة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ومعناه واقع على أمّته). رقم 22 : منه ما لفظه مفرد ومعناه جمع. شرح في ص 11 : وأمّا ما لفظه جمع ومعناه واحد وهو جار في الناس ، وبعد ذلك : وأمّا ما لفظه واحد ومعناه جمع ... وأمّا ما لفظه ماض وهو مستقبل .... (تفسير النعماني ، رقم 20 : منه ما لفظه واحد ومعناه جمع ، وبعد ذلك ، رقم 21 : ما لفظه جمع ومعناه واحد ، رقم 22 : ما لفظه ماض ومعناه مستقبل). رقم 23 : منه ما لا يعرف تحريمه إلاّ بتحليله. لم يرد في الشرح (وقد ذكر في تفسير النعماني ، رقم 38 ولم يتمّ شرحه). رقم 24 : منه ردّ على الملحدين. لم يرد في الشرح (في تفسير النعماني رقم 40 جاء هذا العنوان : منه ردّ من الله تعالى ، واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية والقدرية والمجبّرة وعبدة الأوثان وعبدة النيران). رقم 25 : منه ردّ على الزنادقة. انظر : رقم 24. شرح ص 17 (تفسير النعماني ، رقم 40) رقم 26 : منه ردّ على الثنوية ، انظر : رقم 24. شرح في ص 17 (تفسير النعماني ، رقم 40) رقم 27 : منه ردّ على الجهمية ، انظر : رقم 24 ، ويبدو أنّ المراد هم المجبّرة الذين سيرد ذكرهم في رقم 33 (لم يرد في الشرح ولا في تفسير النعماني). رقم 28 : منه ردّ على الدهرية ، انظر : رقم 24. شرح في ص 18. (تفسير النعماني ، رقم 40). رقم 29 : منه ردّ على عبدة النيران ، انظر : رقم 24. لم يرد في الشرح (تفسير النعماني ، رقم 40). رقم 30 : منه ردّ على عبدة الأوثان. انظر : رقم 24. شرح في ص 17 (تفسير النعماني ، رقم 40). رقم 31 : منه ردّ على المعتزلة ، انظر : رقم 24 ، وأيضاً رقم 32. شرح في ص 23 (لم يرد في تفسير النعماني). رقم

__________________
32 : منه ردّ على القدرية ، انظر : رقم 24 ، ويبدو أنّ المراد هم المعتزلة الذين ورد ذكرهم في الرقم السابق. لم يرد في الشرح. (تفسير النعماني ، رقم 40). رقم 33 : منه ردّ على المجبّرة ، انظر : رقم 24 وأيضاً رقم 27. شرح في ص 22 (تفسير النعماني ، رقم 40). رقم 34 : منه ردّ على من أنكر من المسلمين الثواب والعقاب بعد الموت يوم القيامة. شرح في ص 19 : وأمّا الردّ على من أنكر الثواب والعقاب ... ومثله كثير ممّا هو ردّ على من أنكر عذاب القبر (تفسير النعماني ، رقم 44 : منه ردّ على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب). رقم 35 : منه ردّ على من أنكر المعراج والإسراء ، شرح في ص 20 (تفسير النعماني ، رقم 46 : منه ردّ على من أنكر الإسراء به ليلة المعراج). رقم 36 : منه ردّ على من أنكر الميثاق في الذرّ (لم يرد في الشرح ولا في تفسير النعماني). رقم 37 : منه ردّ على من أنكر خلق الجنّة والنار. شرح في ص 21 (لم يرد في تفسير النعماني) رقم 38 : منه ردّ على من أنكر المتعة والرجعة. شرح في ص 24 : وأمّا الرد على من أنكر الرجعة (تفسير النعماني ، رقم 51 : منه ردّ على من أنكر الرجعة ولم يعرف تأويلها). رقم 39 : منه ردّ على من وصف الله عزّ وجل. شرح في ص 25 (تفسير النعماني ، رقم 50 : منه ردّ على من وصف الله تعالى وحده). رقم 40 : منه مخاطبة الله عزّ وجلّ لأمير المؤمنين والأئمّة ، وما ذكره الله من فضائلهم. لم يرد في الشرح (تفسير النعماني ، رقم 54 : منه معرفة ما خاطب الله عزّ وجل به الأئمّة والمؤمنين ، ولكن لم يرد توضيح بهذا الشأن ، انظر أيضاً : تفسير النعماني ، رقم 58) ؛ رقم 41 : فيه خروج القائم وأخبار الرجعة وما وعد الله تبارك وتعالى الأئمّة من النصرة والانتقام من أعدائهم. لم يرد في الشرح (تفسير النعماني ، رقم 55 : منه أخبار خروج القائم منّا عجّل الله تعالى فرجه ، ولكن لم يرد له شرح). رقم 42 : فيه شرائع الإسلام وأخبار الأنبياء ، ومولدهم ومبعثهم وشريعتهم وهلاك أمّتهم. لم يرد في الشرح (تفسير النعماني ، رقم 56 : منه ما بيّن الله تعالى فيه شرائع الإسلام وفرائض الأحكام والسبب في معناه بقاء الخلق ومعائشهم ووجوه ذلك ، ورقم 57 : منه أخبار الأنبياء وشرائعهم وهلاك أممهم). رقم 43 : فيه ما نزل بمغازي النبيّ(صلى الله عليه وآله). لم يرد شرحه (تفسير النعماني ، رقم 58 : منه ما بيّن الله تعالى من مغازي

كما يمكن لنا ـ من خلال مقارنة العناوين التي تمّت فهرستها في مقدّمة تفسير القمّي وشرحها ، وكذلك مقارنتهما بتفسير النعماني ـ أن نتوصّل إلى مجموعة من التحريفات التي تسلّلت إلى مقدّمة تفسير القمّي.
التحريفات في مقدّمة تفسير القمّي :
ـ جاء في الرقم 5 من مقدّمة تفسير القمّي : «منه منقطع ومنه معطوف» ، والصحيح : (منه منقطع معطوف). كما هو موضّح في شرح المتن في ص 9 ، كما نشاهد في تفسير النعماني رقم 15 عنوان «منقطع ومعطوف» ، وإنّ واو العطف في العبارة زائدة.
ـ وفي الرقم 34 : «منه ردّ على من أنكر من المسلمين الثواب والعقاب بعد الموت يوم القيامة» ، ويبدو أنّ العبارة يجب أن تكون (قبل يوم القيامة) ؛ حيث تعني عذاب القبر ، وقد تمّ شرحها في ص 19. وقد ورد في تفسير النعماني رقم 44 على الشكل الآتي : «منه ردّ على من زعم أن ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب».
__________________
النبيّ(صلى الله عليه وآله)وحروبه وفضائل أوصيائه وما يتعلّق بذلك ويتّصل به). رقم 44 : فيه ترهيب. شرح في ص 26 (تفسير النعماني ، رقم 4) رقم 45 : فيه ترغيب ، شرح في ص 26. (تفسير النعماني ، رقم 3). رقم 46 : فيه أمثال. لم يرد في الشرح (تفسير النعماني ، رقم 6 : مثل). رقم 47 : فيه أخبار وقصص. شرح في ص 26. وأمّا القصص فهو ما أخبر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله) من أخبار الأنبياء وقصصهم (تفسير النعماني ، رقم 7 ، القصص).

ـ وفي الرقم 38 : «منه ردّ على من أنكر المتعة والرجعة» ، يبدو أن كلمة (المتعة) زائدة. (الشرح في ص 24) ، وفي تفسير النعماني رقم 51).
و ـ تفسير النعماني ورسالة سعد بن عبد الله :
قال العلاّمة المجلسي بعد نقله رسالة النعماني في بحار الأنوار بشكل كامل : «أقول : وجدت رسالة قديمة مفتتحها هكذا : حدّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي ـ رحمه الله ـ قال : حدّثني سعد الأشعري القمّي أبو القاسم ـ رحمه الله ـ وهو مصنّفه : الحمد لله ذي النعماء والآلاء ، والمجد والعزّ والكبرياء ، وصلّى الله على محمّد سيّد الأنبياء ، وعلى آله البررة الأتقياء ، روى مشايخنا عن أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) : أنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف : أمر ، وزجر ، وترغيب ، وترهيب ، وجدل ، وقصص ، ومثل».
ثمّ استطرد العلاّمة المجلسي قائلاً : «وساق الحديث إلى آخره ، لكنّه غيّر الترتيب ، وفرّقه على الأبواب ، وزاد فيما بين ذلك بعض الأخبار»(1).
وفي الجزء الثاني والتسعين من بحار الأنوار بعد ذكر سند هذه الرسالة نقل عنها بابين ، وهما : باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عزّ وجلّ ممّا رواه مشايخنا رحمة الله عليهم عن العلماء من آل محمّد صلوات الله عليه وعليهم ، وباب تأليف القرآن وأنّه على غير ما أنزل الله
__________________
(1) بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 97.

عزّ وجل(1).
وحيث إنّ مضمون هذه الرسالة في الغالب يشبه مضمون تفسير النعماني ، فإنّ العلاّمة المجلسي قد اكتفى بالنقل عن تفسير النعماني ، فقط وامتنع عن النقل من الرسالة ، وإنّما قام بنقل الروايات الخاصّة برسالة سعد بن عبد الله في أجزاء مختلفة من بحار الأنوار(2).
هناك نسخة لرسالة سعد بن عبد الله محفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي برقم 12366 / 2 ، وقد جاء في نهايتها : «هذا ما وصل إليّ من نسخة الرسالة الشريفة ، استنسختها بعجلة في أرض الغريّ في شهر جمادى الأولى 1303 ، وأنا العبد محمّد باقر بن محمّد جعفر الهمداني البهاري ، وهذا مطابق للنسخة التي أخذت منها ، ولكنّها لم تكن سالمة حقّ السلامة كما ترى». [الورقة 2 / 38].
في هذه الرسالة لم يقدّم مزيداً من التوضيح بشأن أصل هذه الرسالة ،
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ج 92 ، ص 60 ـ 73 ، وقد ورد هذان البابان في مخطوطة الرسالة ، الورقة 16 / 1 إلى الورقة 22 / 1.
(2) المصدر أعلاه ، ج 65 ، ص 387 ، (تفسير النعماني ، بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 61) ؛ ج 66 ، ص 29 (بالإشارة) ؛ ج 83 ، ص 47 (تفسير النعماني ، بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 15) ؛ ج 84 ، ص 71 (وقد ورد جانب من هذه الرواية في الكافي ، ج 2 ، ص 36 ضمن رواية أبي عمرو الزبيري عن الإمام الصادق عليه‌السلام. وكذلك في تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 63 ، هامش سورة البقرة ، ومرسلاً في دعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 8) ؛ ج 84 ، ص 382 (تفسير النعماني ، بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 61) وكذلك تكرّر مقطعان من البابين المنقولين في بحار الأنوار بشكل كامل ، وفي ج 53 ، ص 117 ، (ج 92 ، ص 64) وج 103 ، ص 305 (ج 92 ، ص 65).

وفي نسخة تفسير النعماني(1) جاء في عبارتها الأخيرة : «كتب ذا العبد الفاقر محمّد المدعو بباقر معجّلاً لمحض وجود النسخة في أرض الغرىّ ، وختم في يوم الجمعة : 14 / شهر جمادى الأولى / 1303 من نسخة مغشوشة كتب في 1063».
وهناك احتمال كبير في أنّ رسالة سعد بن عبد الله وتفسير النعماني قد وضعتا إلى جوار بعضهما في نسخة واحدة ، وإنّ المرحوم البهاري قد استنسخهما من هذه النسخة. وقد تمّ تعريف نسخة المرحوم البهاري في فهرسة مكتبة آية الله المرعشي ، ج 31 ، ص 259.
__________________
(1) إنّ هذه النسخة من تفسير النعماني نافعة لحلّ بعض إشكالات النقل الموجودة في بحار الأنوار عن تفسير النعماني. ففي هذه النسخة مثلاً هناك إضافة لعبارة (منه ما تأويله مع تنزيله) (الورقة 1 / 4) بعد عبارة : (منه ما تأويله في تنزيله) (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 4 ، رقم 26 عن فهرسة عناوين تفسير النعماني) وهذا هو الصحيح وقد سقط في نقل بحار الأنوار (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 78 ـ 82 وكذلك ص 68 و 79). وقد عمدنا في الأقسام السابقة من المقال ـ ضمن العناوين التي جاء شرحها في تفسير النعماني ولم تذكر في الفهرسة ـ إلى ذكر هذا المورد وأشرنا إلى أنّ الظاهر حدوث سقط في النسخ الموجودة في الفهرسة.
المثال الآخر على جدوائية هذه النسخة في مورد عبارة بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 72 حيث تمّت الإشارة في الحاشية 2 إلى وقوع سقط في الحديث. في نسخة روقة 2 / 74 إضافة لعدّة أسطر.

نظرة سريعة في نسخة المرحوم البهاري(1) :
__________________
(1) فيما يلي ننقل عناوين فصول هذه الرسالة عن هذه النسخة ، على النحو الآتي :
فأمّا الترغيب ... فأمّا الترهيب ... ومثل الجدل ... (ورقة 1 / 1) ، وأمّا القصص فإنّه ينقسم ثلاثة أقسام : منها ما كان قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ومنها ما كان في عصره ، ومنها ما حكى الله جلّ وعزّ عمّا يكون بعده ، فأمّا ما مضى ... (ورقة 2 / 1) ، وأمّا الذي كان في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) ... وأمّا قصص ما يكون بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ... فأمّا المثل ... ، وهو على أربعة أوجه ، ومنه ما تأويله في تنزيله ، ومنه ما تأويله مع تنزيله ، ومنها ما تأويله قبل تنزيله ، ومنها ما تأويله بعد تنزيله ، فأمّا الذي تأويله في تنزيله ... (ورقة 1 / 2) ، وأمّا الذي تأويله مع تنزيله ... (ورقة 2 / 2) ، وأمّا الذي تأويله قبل تنزيله ... (ورقة 1 / 3) ، وأمّا الذي تأويله بعد تنزيله ... (ورقة 2 / 7) ، باب الناسخ والمنسوخ (ورقة 1 / 8) ، باب المحكم والمتشابه ، فأمّا المحكم والمتشابه ... (ورقة 1 / 10) ، فأمّا المحكم ... (ورقة 2 / 10) ، وأمّا المتشابه ... (ورقة 1 / 11) ، وأمّا الخاصّ والعام فإنّ الآية ربّما كان لفظه لفظ العموم ومعناه معنى الخصوص ، ومنه ما كان لفظه لفظ العموم (ورقة 2 / 14) ، ومعناه معنى العموم ، ومنه ما كان لفظه لفظ الخصوص ، ومعناه معنى العموم ، فأمّا ما معناه معنى الخصوص ولفظه لفظ العموم ... (ورقة 1 / 15) ، ومنه (في الحاشية : أمّا ظ) ما لفظه لفظ العموم ومعناه معنى الخصوص ... وأمّا لفظه الخصوص ومعناه معنى العموم ... (ورقة 2 / 15) ، باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عزّ وجلّ ممّا رواه مشايخنا عن العلماء من آل محمّد : (ورقة 1 / 16) ، باب تأليف القرآن وإنّه على غير ما أنزل الله عزّ وجلّ (ورقة 2 / 18) ، ورد هذان البابان في بحار الأنوار ، ج 92 ، ص 60 ـ 73) ، وفي القرآن احتجاج الله على الملحدين الذين عدلوا عن التوحيد ... (ورقة 1 / 22) ، وممّا احتجّ الله على عبدة الأوثان .. (ورقة 2 / 22) ، وممّا احتجّ الله على من قال بالإثنين ... (ورقة 1 / 23) ، وما احتجّ به جلّ ذكره على أهل الدهر ... (ورقة 1 / 23) ، وفي القرآن أشياء قد ذكرها الله حكايات قوم قالوها فنزل القرآن بهذا على لفظ الخبر وهي حكايات ... (ورقة 2 / 23) ، وقد احتجّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)على النصارى ... (ورقة 2 / 23) ، قد بيّن

في بداية هذه الرسالة نشاهد عنوان (تفسير سعد الأشعري القمّي) ،
__________________
الله تبارك وتعالى في القرآن إنّ بقاء هذا الخلق من أربعة أوجه : الأمر والنهي ، والغذاء والأكنان ، واللباس والتناكح ؛ فالأمر والنهي فيهما باب واحد ... وأمّا الغذاء فإنّه من نبات الأرض والأنعام ... وأمّا ما جعله الله غذاؤهم من جهة الأنعام ... (ورقة 1 / 24) ، وأمّا الأكنان واللباس ... وأمّا التناكح ... وقد بيّن الله جلّ وعزّ سبب معاش الخلق فأعلمنا أنّها من خمسة أوجه من الإمارة والعمارة والتجارة والإجارة والصدقات ، فأمّا الإمارة ... (ورقة 2 / 24) ، وأمّا باب العمارة ... ، وأمّا باب التجارة ... وأمّا باب الإجارة ... وأمّا باب الصدقات ... (ورقة 2 / 25) ، والملك له دعائم أربعة : القدرة والهيبة والسطوة والأمر والنهي ومجراهما واحد ، وأمّا باب القدرة ... (ورقة 26 / 2) ، وقد احتجّ بعض من أنكر هذا ، فقال : قد رأينا حزوباً من البهائم لا يُحصى عددها تبقى بلا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ... (ورقة 2 / 27) ، وقد قال بعض أصحابنا في المستبهم ... (ورقة 2 / 27) ، وقد ذهب بعضهم هذا السواد الأعظم من المرجئة والقدرية والخوارج إلى ... فكان من الردّ عليهم أن قيل ... (ورقة 1 / 29) ، باب الإيمان والكفر والشرك والضلال والظلم ، فأمّا باب الإيمان ... (ورقة 1 / 30) ، ... قلت : فأخبرني عن وجه الكفر في كتاب الله عزّ وجلّ؟ فقال : الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه ... (ورقة 1 / 33) ، وأمّا الشرك وليس تفسيره في هذا الحديث ، فهو على ثلاثة أوجه ... ، وأمّا الظلم فهو على وجوه .... (ورقة 2 / 33) ، باب حدود الفروض التي فرضها الله على خلقه ، وهي خمسة فكبار حدود الصلاة ... (ورقة 3 / 34) ، كبار حدود الزكاة ... كبار حدود الحجّ ... كتاب حدود الصوم ... (ورقة 2 / 34) ، كبار حدود الوضوء ... كبار حدود الولاية ... (ورقة 1 / 35) ، وجعل الله جلّ وعزّ لهذه الفرائض الأربع دلالتين ، وهما أعظم الدلائل في السماء الشمس والقمر ... (ورقة 2 / 35) ، باب فيما تأويله من القرآن قبل تنزيله ... (ورقة 2 / 35) ، الأمر في القرآن على وجوه ... ومنه على جهة العذاب ... ومنه على جهة الترهيب ... باب في العصمة ، قال قوم في عصمة الأنبياء والرسل والأوصياء أقاويل مختلفة ... (ورقة 2 / 37).

وبعد البسملة والسند وخطبة الكتاب يبدأ نصّ الرسالة كما نقله العلاّمة المجلسي. وبعد توضيح الآيات المرتبطة بالترغيب والترهيب والجدل [ورقة 1 / 1] عمد إلى تقسيم القصص إلى ثلاثة أقسام وهي : (ما كان قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله)) ، و (ما كان في عصره) ، و (ما حكى الله جلّ وعزّ عمّا يكون بعده) ، وقام بتوضيح هذه الأقسام ، ويستشهد لذلك ببعض الآيات [ورقة 2 / 1 و 1 / 2] ، ثمّ استطرد في ذكر أمثلة على (المثل) ، ولا نشاهد توضيحاً بشأن الأمر والنهي في هذا القسم من الرسالة.
وبعد ذلك عمد مؤلّف هذه الرسالة إلى تقسيم الآيات القرآنية إلى أربعة أنواع ، وهي : (ما تأويله في تنزيله ، وما تأويله مع تنزيله ، وما تأويله قبل تنزيله ، وما تأويله بعد تنزيله) ، مع توضيح هذه الأنواع وذكر بعض الشواهد على كلّ واحد منها [ورقة 1 / 2 فما بعد] ، ثمّ تعرّض في هذه الرسالة إلى باب الناسخ والمنسوخ [ورقة 1 / 8] ، وباب المحكم والمتشابه [ورقة 1 / 10] ، ثمّ إلى بابين آخرين في هذه الرسالة منقولين في بحار الأنوار بشكل كامل [ورقة 1 / 16 إلى 1 / 22] ، وقد اشتملت هذه الرسالة على الكثير من البحوث الواردة في تفسير النعماني ، وغالبية هذه البحوث موجودة في مختلف أبواب الرسالة وهي في الرسالة أوسع منها في تفسير النعماني ، وإن كان الإطار العام للمطالب واحد في كلا الكتابين.
وقد كتبت العناوين والفصول في هذه النسخة باللون الأحمر ، كما نشاهد بعض الإصلاحات بهذا اللون أيضاً ، وربّما كان ذلك ناشئاً عن المقابلة

مع النسخة الأصل أو اجتهاد في التصحيح.
اسم الرسالة ونسبتها إلى سعد بن عبد الله :
ذكرنا أنّه قد جاء في بداية مخطوطة هذه الرسالة عنوان (تفسير سعد الأشعري القمّي) ، وقد عبّر عنها العلاّمة المجلسي تارة بـ : عبارة «رسالة سعد بن عبد الله في أنواع آيات القرآن»(1) ، وتارة أخرى بعبارة «تفسير سعد بن عبد الله برواية ابن قولويه عنه»(2) ، وإنّ كلا هذين التعبيرين يُشيران إلى محتوى الكتاب ، ولا يتحدّثان عن تسمية خاصّة لهذه الرسالة.
وقد استعمل العلاّمة المجلسي في مقدّمة بحار الأنوار تعبيراً جديداً تناول فيه هذه الرسالة لا نشاهده في أىّ موضع آخر من بحار الأنوار ، فعند ما تناول مصادر كتاب بحار الأنوار ذكر هذه الرسالة بعبارة : «كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، للشيخ الثقة الجليل القدر سعد بن عبد الله الأشعري ، رواه عنه جعفر بن محمّد بن قولويه ، وستأتي الإشارة إليه أيضاً في كتاب القرآن»(3) ، وقد أخذت هذه التسمية طريقها إلى كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة للعلاّمة الطهراني ، لتنتقل بعد ذلك إلى فهرس المخطوطات
__________________
(1) محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 53 ، ص 117 ؛ ج 92 ، ص 40 ؛ وانظر أيضاً : ج 69 ، ص 29.
(2) المصدر أعلاه ، ج 83 ، ص 47 ؛ ج 84 ، ص 71 و 372 ؛ ج 103 ، ص 305.
(3) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 15.

في مكتبة آية الله المرعشي النجفي(1) ، وإنّ هذه التسمية مقتبسة من ترجمة سعد بن عبد الله في رجال النجاشي ، حيث نسب في هذه الترجمة كتاباً بهذا الاسم إلى سعد بن عبد الله(2) ، بيد أنّنا لم نعثر على دليل معتبر لهذه النسبة ، وحتّى إذا قبلنا بأصل نسبة هذا الكتاب إلى سعد بن عبد الله ، إلاّ أنّنا لم نعثر على دليل يثبت أنّ هذه الرسالة هي ذات الكتاب الذي ورد اسمه في رجال النجاشي ، خصوصاً مع الالتفات إلى أنّ هذه الرسالة لا تختصّ فقط ببحث الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، وإنّ باب الناسخ والمنسوخ لم يأت في بداية الرسالة كي يكون ذلك توجيهاً لهذه التسمية ، وإنّما جاء هذا الباب في الورقة الثامنة ، ممّا يعني أنّ خمس حجم هذه الرسالة قد تقدّم على هذا الباب.
وأمّا فيما يتعلّق بأصل نسبة هذا الكتاب إلى سعد بن عبد الله ، فيجب معرفة الأمور التالية :
أوّلاً : لم يتّضح من هو قائل العبارة الأولى من الكتاب والتي تقول : «حدّثنا جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي».
ثانياً : لا نشاهد في النسخة المتوفّرة من هذا الكتاب أىّ شواهد تمنحها
__________________
(1) العلاّمة الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 24 ، ص 7 ؛ وفي ج 4 ، ص 276 ، تمّ إرجاع تفسير سعد بن عبد الله إلى هذا العنوان أيضاً. فهرست النسخ المخطوطة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، ج 31 ، ص 259.
(2) رجال النجاشي ، ص 177 ، رقم 467.

اعتباراً ، من قبيل : البلاغ والمقابلة والإمضاء وتأييد علماء السلف وما إلى ذلك من الموارد ، وإنّ أوصاف النسخة التي كانت بحوزة العلاّمة المجلسي فإنّها غير واضحة ، ومجرّد وصف العلاّمة المجلسي لهذه الرسالة بأنّها قديمة لا ينهض دليلاً على اعتبارها ، وفي الوقت الراهن لا توجد لهذه الرسالة غير نسخة واحدة ، وهي نسخة البهاري.
ثالثاً : إنّ مقارنة أسانيد الكتاب مع الأسانيد المعروفة للمؤلّف يمكنها ـ أحياناً ـ أن تكون مؤيّداً على صحّة انتساب الكتاب إليه ، في حين لا يوجد في هذا الكتاب أىّ سند يساعدنا في إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلّف.
رابعاً : ليس بأيدينا أيّ كتاب آخر لسعد بن عبد الله في علم الحديث أو علوم القرآن حتّى نتمكّن من خلاله أن نقارن بينه وبين هذه الرسالة لكي يساعدنا في إثبات نسبة هذا الكتاب إلى سعد بن عبد الله ، فليس لسعد سوى رسالة المقالات والفرق ، حيث يذكر فيها مختلف الفرق الشيعية ، ولا ربط لها بموضوع هذه الرسالة ، أمّا كتابه بصائر الدرجات واختصاره فهو مفقود ، وإنّ الرسالة المطبوعة تحت عنوان مختصر بصائر الدرجات هو كتاب للحسن بن سليمان الحلّي ، وهو عبارة عن مختارات من مختلف الكتب ، وأوّلها هو مختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله ، وإنّ القسم المختار من هذا الكتاب(1) في هذا المختصر هو عبارة عن مجموعة من الأحاديث المسندة ، ولا يوجد أىّ شبه بينه وبين الرسالة المقصودة في بحثنا ، وإنّ الأجزاء
__________________
(1) مختصر بصائر الدرجات ، ص 1 ـ 30 ، ص 36 ، ص 51 ـ 106.

الختامية لكتاب الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد(1) كانت من كتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله أيضاً(2) ، وهو كذلك لا ارتباط له بهذه الرسالة.
خلاصة الكلام : إنّنا لم نعثر على أىّ دليل معتبر على إثبات نسبة هذا الكتاب إلى سعد بن عبد الله.
ومن ناحية أخرى هناك إشكال في سند هذه الرسالة يضعّف هذه النسبة ؛ ففي سندها جعفر بن محمّد بن قولويه يروي بلا واسطة عن سعد بن عبد الله مباشرة ، في حين لا توجد أيّ رواية في الكتب الروائية وطرق وأسانيد كتب الرجال مثل سند هذه الرواية ، وإنّما نجد هذا الراوي يروي تارة عن سعد بن عبد الله بواسطة أبيه(3) ، وتارة أخرى بواسطة أخيه علي(4).
__________________
(1) إنّ نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ المفيد غير صحيحة. انظر : مجموعة مقالات المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، رقم 9 ، ص 135 ـ 184 ، رقم 55 ، ص 191 ـ 264.
(2) المصدر أعلاه ، رقم 9 ، ص 164 ، رقم 55 ، ص 233.
(3) هناك الكثير من روايات ابن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله في كامل الزيارات. وانظر أيضاً : معجم رجال الحديث ، ج 17 ، ص 167 ـ 168 ؛ وفي ج 23 ، ص 133 من هذا الكتاب ذكر عنوان قولويه مشيراً إلى رواية أبي القاسم بن قولويه أو ابن قولويه عن أبيه ، وفي نهاية الرواية ورد أنّ هذا الراوي هو محمّد بن قولويه ، وهذا التعبير فيه مسامحة ، فإنّ قولويه ليس هو محمّد بن قولويه ، وإنّما هو من أجداد محمّد. وفي عنوان أبي القاسم بن قولويه وابن قولويه حدث اختصار في النسب ، ولجهة انتسابه إلى الجدّ تمّ حذف عدد من الأشخاص في سلسلة نسبه. انظر : رجال النجاشي ، ص 123 ، رقم 318.
(4) كامل الزيارات ، الباب 1 / 9 ، 3 / 48 ، 3 / 82.

حيث جاء في ترجمة سعد بن عبد الله في رجال النجاشي عن الحسين بن عبد الله أنّه قال : «جئت بالمنتخبات [تأليف سعد بن عبد الله] إلى أبي القاسم بن قولويه ـ رحمه الله ـ أقرأها عليه ؛ فقلت : حدّثك سعد؟ فقال : لا ، بل حدّثني أبي وأخي عنه ، وأنا لم أسمع من سعد إلاّ حديثين»(1).
كما ورد في ترجمة جعفر بن محمّد بن جعفر بن موسى بن قولويه (أبو القاسم) أنّه روى عن سعد بواسطة أبيه وأخيه ، وإنّه لم يسمع من سعد سوى أربع روايات)(2).
ورغم إمكان القول بانسجام هذين النقلين ؛ إذ أنّ الحديث المشتمل على مقطعين يعدّ أحياناً حديثين ، وأحياناً أخرى حديثاً واحداً ، ولكن مهما كان فإنّ الرسالة المنسوبة إلى سعد بن عبد الله تشتمل على الكثير من الروايات ، ولا يمكن اعتبارها مجرّد روايتين أو أربع روايات.
وبطبيعة الحال يحتمل أن يكون هناك سقط في سند هذه الرسالة (3) ، ولكن هذا الأمر لا يمكن القطع به.
وبذلك لا نستطيع إثبات نسبة هذا الكتاب إلى سعد بن عبد الله.
اعتبار الرسالة المنسوبة إلى سعد بن عبد الله :
لم نشاهد في هذه الرسالة أىّ رواية مسندة ، بل إنّها تشتمل في الغالب
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 178 ، رقم 467.
(2) المصدر أعلاه ، ص 133 ، رقم 318.
(3) العلاّمة الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 24 ، ص 9.

على روايات مرسلة ونقل لأقوال العلماء أحياناً ، وعلى هذا الأساس فإنّ روايات هذا الكتاب تصنّف ضمن الروايات الضعيفة ، وبذلك تكون رواياته ساقطة عن الاعتبار ، ولكي نثبت اعتبارها علينا اللجوء إلى القرائن الخارجية.
قال العلاّمة المجلسي في اعتبار هذه الرسالة ورسالة النعماني :
«وكتابا التفسير راوياهما معتبران مشهوران ، ومضامينهما موافقتان لسائر الأخبار ، وأخذ منهما علي بن إبراهيم وغيره من العلماء الأخيار ، وعدّ النجاشي من كتب سعد بن عبد الله كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ، وذكر أسانيد صحيحة إلى كتبه ، وكتاب المقالات عدّه الشيخ والنجاشي من جملة كتب سعد وأوردا أسانيدهما الصحيحة إليه»(1).
والمراد من راوي هذا الكتاب على ما يبدو هو مؤلّف الكتاب ، أي : سعد بن عبد الله الذي تحدّثنا عن نسبة الكتاب إليه ، ولم تثبت عندنا هذه النسبة ، وإنّ الأسانيد الصحيحة إلى كتب سعد بن عبد الله لا تجدي نفعاً بهذا الشأن.
وإذا تجاوزنا هذه المسألة ، فإنّ العلاّمة المجلسي قد استند في إثبات الاعتبار لهذين الكتابين إلى أمرين ، وهما :
أوّلاً : انسجام وتوافق مضمونيهما مع مضامين سائر الأخبار.
وثانياً : رواية علي بن إبراهيم وغيره من العلماء عنهما.
وفيما يتعلّق بالأمر الأوّل يجدر القول إنّ مراده ـ على ما يبدو ـ هو
__________________
(1) محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 32.

الموافقة الإجمالية لمضامين هذين الكتابين مع سائر الأخبار ، وإنّ الغاية من هذا الكلام هو إثبات الاعتبار لهذين الكتابين في الجملة ، وإلاّ فإنّنا لو نظرنا إلى روايات هذين الكتابين رواية رواية سنجد أنّ الروايات التي انفرد بروايتها هذان الكتابان كثيرة جدّاً ، ففي بحث الناسخ والمنسوخ ـ على سبيل المثال ـ تمّ ذكر العديد من الآيات بوصفها ناسخة ، في حين لم ترد رواية في تأييد ذلك ، وإنّ التوسّع في البحث عن مدى التوافق بين مضامين هذين الكتابين مع سائر الأحاديث بحاجة إلى بحث أوسع وأعمق.
هذا وإنّ روايات رسالة سعد بن عبد الله وتفسير النعماني على الرغم من عدم حجّيّتهما ، ولكن إذا جاء مضمون هذه الروايات موافقاً لما جاء في سائر الأحاديث الأخرى ـ وإن لم تكن معتبرة ـ يمكن أن يكون هذا الأمر مؤثّراً في تأييدها ، ويشكّل مقدّمة لحصول الاطمئنان بمضمون الحديث.
ومن المفيد هنا التذكير بأنّ إرسال الحديث لا يلازم عدم صحّته ، بل إنّ هذه الملازمة لا تصدق حتّى في الأحاديث المعلومة الراوي وكان الراوي فيها ضعيفاً بل كذّاباً أو وضّاعاً ، وإنّ ذلك لا يشكّل دليلاً قطعيّاً على كون الحديث مجعولا ، فإنّ الكذّاب والوضّاع الذي يتعمّد وضع الأحاديث لا يصدر عنه الكذب والوضع فقط ، وإنّما الطبيعة في ذلك تقتضي من أمثال هؤلاء الأفراد أن تكون أكثر أحاديثهم صحيحة كي يتمكّنوا من تسريب أكاذيبهم القليلة في المجتمع ضمن الكثير من الأحاديث الصحيحة كي لا يفتضح أمرهم. ولذلك فإنّ أحاديث الضعاف في إطار حساب احتمالات صدق الحديث لها أهمّيّتها

أيضاً ، فضلاً عن الأحاديث المرسلة.
وبطبيعة الحال فإنّ انفراد الضعيف برواية الحديث وعدم روايته من قبل الرواة الآخرين يُشكّل نقطة ضعف في الرواية ، ويقوّي من احتمال عدم صحّتها.
وإنّ الاختلافات التي نشاهدها أحياناً بين التفسير المنسوب إلى سعد بن عبد الله وتفسير النعماني ـ وخاصّة في طريقة إسناد الأحاديث إلى الأئمّة عليهم‌السلام ـ تُشكّل في حدّ ذاتها نقطة ضعف أخرى في هذا الشأن.
وفيما يتعلّق بالأمر الثاني الذي جاء في كلام العلاّمة المجلسي يجدر القول بأنّه لا يوجد دليل معتبر لدينا على أنّ علي بن إبراهيم قد نقل عن رسالة سعد بن عبد الله أو تفسير النعماني ، علماً بأنّ ارتباط هذه الرسائل الثلاث لا يمكن إنكاره ، ولكن ليس من الواضح ما إذا كان علي بن إبراهيم قد أخذ عنهما ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار عدم ثبوت نسبة الكتاب إلى سعد بن عبد الله يحتمل أن تكون هذه الرسالة هي تفصيل وتوسعة لمقدّمة تفسير القمّي ليس إلاّ ، علماً بأنّه لا يوجد شاهد على أخذ سائر العلماء من القدماء عن هذين الكتابين باستثناء علي بن إبراهيم.
وخلاصة الكلام فإنّ الأحاديث التي انفردت بها رسالة سعد بن عبد الله لا نستطيع الاعتماد عليها والاستناد إليها.
مقارنة رسالة سعد بن عبد الله مع تفسير النعماني :
على الرغم من وجود نوع من التشابه الكلّي بين هذين النصّين ، إلاّ أنّه

توجد هناك بعض الاختلافات بينهما :
ـ إنّ ترتيب عرض المواضيع في الكتابين مختلف.
ـ في رسالة سعد بن عبد الله تمّ إدراج المسائل ضمن أبواب مختلفة عمّا عليه في تفسير النعماني.
ـ في رسالة سعد بن عبد الله قد وضعت الأحاديث في تضاعيف النصّ.
(وقد أشار العلاّمة المجلسي في كلامه إلى هذه الاختلافات الثلاثة).
ـ مضافاً إلى ذلك أنّ ألفاظ هذين النصّين تختلف أحياناً عن بعضهما البعض.
ـ إنّ رسالة سعد بن عبد الله تخلو من فهرسة للعناوين.
ـ إنّ إسناد الروايات إلى الأئمّة عليهم‌السلام يتمّ على شكلين مختلفين في كلّ من الكتابين.
ـ إنّ ظاهر تفسير النعماني هو عبارة عن حديث واحد عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأمّا تفسير سعد بن عبد الله فقد نقل هذا الحديث عن أمير المؤمنين ولكن بترتيب آخر ، فتارة ينقل على شكل رواية مرسلة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، وتارة عن الإمام الباقر عليه‌السلام ، وتارة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام بشكل غير مباشر ، وتارة إسناده إلى إجماع المسلمين.
ولتوضيح هذه الاختلافات اخترنا ثلاثة نصوص من هاتين الرسالتين ، علماً بأنّ النصّ الأوّل هو عبارة عن عدّة مقاطع ، ومن خلال مقارنة هذين

الكتابين تتّضح بعض الاختلافات الأخرى بينهما :
النصّ الأوّل :
في تفسير النعماني (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 10 و 11).
ـ ونسخ قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(1) ، بقوله تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)(2).
ـ ونسخ قوله تعالى : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا)(3) ، بقوله تعالى : (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ...)(4)إلى آخر الآية.
ـ ومن المنسوخ(5) قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(6) ، نسخها قوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(7).
ـ ونسخ قوله تعالى : (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
__________________
(1) الذاريات : 56.
(2) هود : 118.
(3) النساء : 8.
(4) النساء : 11.
(5) تمّ تغيير العبارة في النسخة المطبوعة لبحار الأنوار ، وأمّا في طبعة الكمباني للبحار والنسخة المخطوطة لتفسير النعماني الورقة 1 / 44 بهذا الشكل.
(6) آل عمران : 102.
(7) التغابن : 16.

سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)(1) ، بآية التحريم وهي قوله جلّ ثناؤه : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(2) ، والإثم هو الخمر.
وفي رسالة سعد بن عبد الله (الوقة 2 / 9 ، 1 / 10).
ـ ومنه ما رواه محمّد بن مسلم وغيره عن أبي جعفر [وأبي عبد الله عليه‌السلام] عليهما السلام(3) في قول الله عزّ وجلّ : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(4) ، فنسختها : (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)(5).
ـ وروي عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قول الله جلّ وعزّ : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا)(6) ، قال نسختها آية الفرائض قوله : (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ... الآية (7).
ـ وروي عنه في قول الله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)(8) ، قال نَسَخَتْها :
__________________
(1) النحل : 67.
(2) الأعراف : 33.
(3) إضافة في حاشية النسخة ، وجدير بالذكر أنّه بعد ذلك صحّح عليه‌السلام بـ : عليهما‌السلام.
(4) الذاريات : 56.
(5) هود : 118.
(6) النساء : 8.
(7) النساء : 11.
(8) آل عمران : 102.

(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(1) [جاء هذا المقطع في رسالة سعد بن عبد الله ، بعد المقطع التالي].
ـ وروي عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قول الله : (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)(2) ، ثمّ نزلت آية التحريم فنسخت هذه الآية ، وقد روى بعضهم أنّ آية التحريم هي قوله : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ)(3) ، فالإثم هي الخمر ؛ لقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)(4) فهي الإثم.
ـ قول بعضهم عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : إنّ الله جلّ وعزّ حرّم الخمر بقوله : (إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)(5) ، فأمر باجتناب الرجس ، واحتجّ بقول الله في تحريم الرجس كلّه بأنّ الله لم يحرّم على العباد ما حرّم إلاّ لعلّة فيه ، وذلك قوله : (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ)(6) ، فكلّ رجس محرّم.
ومن المفيد التذكير بهذه النقطة بشأن هذين النصّين ، وهي أنّ هناك في
__________________
(1) التغابن : 16.
(2) النحل : 67.
(3) الأعراف : 33.
(4) البقرة : 219.
(5) المائدة : 90.
(6) الأنعام : 145.

عبارة تفسير النعماني نوعاً من الغموض والإبهام بشأن أكثر الآيات ، بحيث لا يعرف الناسخ من المنسوخ ، وأمّا عبارة رسالة سعد بن عبد الله فهي واضحة ، ومن خلال مقارنتها بعبارة تفسير النعماني يتّضح أنّ مفعول (نَسَخَ) في هذه الآيات مقدّم على الفاعل ، وإنّ الآية الأولى منسوخة ، والآية الثانية ناسخة.
النصّ الثاني :
في تفسير النعماني (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 15).
«ولمّا أردت قتل الخوارج بعد أن أرسلت إليهم ابن عباس لإقامة الحجّة عليهم ، قلت : يا معشر الخوارج ، أنشدكم الله ، ألستم تعلمون أنّ في القرآن ناسخاً ومنسوخاً ...».
«ثمّ قلت : اللهمّ إنّك تعلم إنّي حكمت فيهم بما أعلمه».
ثمّ قال (صلوات الله عليه) : «وأوصاني رسول الله (صلّى عليه وآله) فقال : يا عليّ إن وجدت فئة تقاتل بهم فاطلب حقّك ، وإلاّ فالزم بيتك ، فإنّي قد أخذت لك العهد يوم غدير خم بأنّك خليفتي ووصيّي ، وأولى الناس بالناس بعدي ، فمثلك كمثل بيت الله الحرام ، يأتونك الناس ولا تأتيهم».
رسالة سعد بن عبد الله (الورقة 2 / 11 و 1 / 12).
وقد روي في الحديث : إنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال للخوارج حين فارقوه وحكموا : «نشدتكم بالله يا معشر الخوارج تعلمون أنّ في القرآن ناسخاً ومنسوخاً ...».

«اللهمّ إنّك تعلم إنّي حكمت في أهل صفّين ، وبما أعلم من ناسخ القرآن ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، فلمّا فعلت الأمّة ما فعلت من تركها المبين الهادي ، واعتمدت على عقولها وآرائها واختيارها الذي هو أدنى على الذي هو خير ، ونقضوا عهده أذن الله للهادي بالسكوت والجلوس».
النصّ الثالث :
في تفسير النعماني (بحار الأنوار ، ج 93 ، ص 11).
«وسُئل (صلوات الله عليه) عن أوّل ما أنزل الله عزّ وجلّ من القرآن ، فقال(صلى الله عليه وآله) : أوّل ما أنزل الله عزّ وجلّ من القرآن بمكّة سورة (إقرأ باسم ربّك الذي خلق) ، وأوّل ما أنزل بالمدينة سورة البقرة».
وفي رسالة سعد بن عبد الله (ورقة 1 / 10).
«أجمع المسلمون على أنّ أوّل ما نزل من القرآن (إقرأ باسم ربّك) ، وأوّل ما أنزل بالمدينة سورة البقرة ، وآخر ما نزل (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)»(1).
من خلال مقارنة رسالة سعد بن عبد الله بتفسير النعماني يقوى احتمال أن تكون هذه الرسالة مقتبسة من تفسير النعماني ، وهي توسعةٌ لمضامينها.
__________________
(1) التوبة : 129.

المهدوية في رسالة سعد بن عبد الله :
سبق وأن أشرنا إلى المهدوية في تفسير النعماني في مبحث المحكم والمتشابه عند الإشارة إلى كلمة (الضلال) ، وأنّه فسّر الضلال بالضياع ، وأنّ الضائعين والمنتظرين والمؤمنين بالإمام الغائب قد وعدوا بالجنّة. وإنّ ما يُشبه هذا النصّ ـ ولكن بتفصيل أوسع ـ نجده في رسالة سعد بن عبد الله حيث لم ينقل العلاّمة المجلسي في بحاره سوى جزء منها ، وسوف نذكر هنا النصّ الكامل دون أيّ توضيح ، ولا بدّ من التنويه إلى أنّنا لا نمتلك إلاّ نسخة واحدة من رسالة سعد بن عبد الله ، وإنّ بعض كلمات هذه النسخة غير مقروء ، فقد يكون هناك خطأ في قراءة بعض الكلمات.
هذه العبارة جاءت بعد النصّ الثاني من البحث السابق وهي كالتالي :
«وكذلك ما قد حدث في زماننا من استتار الحجّة المفروض الطاعة ، إذ كانت الأمّة على هذا السبيل الذي ذكرنا وتعدّيهم على الأئمّة الهداة بالكذب عليهم والإذاعة لأسرارهم ، وتعريضهم إيّاهم ، وبفتح الغلول للقول والأعداء (الاعتداء؟) ونبذهم عهد الله وراء ظهورهم ، وتوثبهم على حقوقهم ، وطلبهم بحبلهم (أو بحيلهم ، ولعلّ الصواب : بجهلهم أو بخبثهم) ما فيه سفك دمائهم ودم هاديهم ، فستر الله عنهم ذلك الهادي واتّبع ناس إمامته والهداة قبله ، فعمّ الضلال أهل الأرض ، وقد روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام الأخبار الكثيرة في ذلك أنّه : (إذا كان ذلك ستر الله عنهم الحجّة [الورقة 1 / 12] وغيّبه). وأنّه عليه‌السلام قال : (حقّ على الله أن يُدخل الضُلاّل الجنّة). وإنّما عنى بذلك ما ابتلوا به في

هذا العصر ، وهم مقرّون بولايته غير ناقضين لعهده وعهد الله إليهم فيه ، فهم مقيمون متديّنون بفرض طاعتهم أوّلهم وآخرهم ، عارفون أنّه قائم العين فيهم ، موجود الشخص من عقب الماضي قبله الهادين ، وقد خفي عليهم اسمه وموضعه للعلّة التي ذكرناها وشرحناها ، فهؤلاء هم الذين قال العالم عليه‌السلام : (حقّ على الله أن يُدخل الضُلاّل الجنّة). إذ ضلّوا عن اسمه ومكانه بعد أن يكونوا مقيمين على ولايته وإمامته بتعيّن (بيقين؟) لما وقفهم عليه الماضي قبله من أمره ونهيه ؛ لأنّ الاسم لا يدرك إلاّ بالخبر ، وكذلك الموضع ، والذي فرض الله على العباد في هذا المعنى فهو على وجهين لا يدرك بغيرهما ، فوجه منه (كذا والظاهر سقوط : الخبر) ، ووجه منه العقل.
فأمّا ما فرض عليهم من جهة العقل فأن يعلموا أنّ لهم خالقاً ، وأنّ الخالق بعث الأنبياء والرسل ، وأنّ الرسل قد أقاموا لهم بعدهم الدلائل المبيّنة 1لما يختلفون فيه من أمر دينهم ودنياهم ؛ إذ قد علموا أن ليس في وسعهم معرفة ما يحتاجون إليه ، فهذا ما فرض الله جلّ وعزّ عليهم من جهة العقل.
وأمّا اسم الحجّة وموضعه فلا يدرك إلاّ من طريق الخبر والتوقيف(1)(فمن كان مقيماً على الإقرار بالأئمّة كلهم (صلوات الله عليهم) وبإمام زمانه وولايته وإنّه قائم العين ، مستور من عقب الماضي قبله ، وقد خفي عليهم
__________________
(1) من هنا إلى آخر النصّ منقول في بحار الأنوار، ج 83، ص 47، رقم 25. ولم يحذف من الحديث سوى عبارة (فهذا هو المعنيّ) إلى (من قبل الله جلّ وعزّ).

اسم الحجّة وموضعه في هذا الوقت ، فمعذور في إدراك(1) الاسم والموضع حتّى يأتيه الخبر الذي بمثله تصحّ الأخبار ، وبمثله يثبت الاسم والمكان ، فهذا هو المعنيّ فيما [ورقة 2 / 12] قال العالم عليه‌السلام حقّ على الله أن يُدخل الضُلاّل الجنّة ؛ إذ لم يكن العلّة من قبله ، وإنّما العلّة من قبل الله جلّ وعزّ ، ومثل ذلك إذا حُجب على العباد عين الشمس التي جعلها دليل الصلاة ، فموسّع عليهم تأخيرها حتّى يتبيّن لهم أو يصحّ لهم خروج الوقت ، وهم على يقين أنّ عينها لم تعطّل ، وقد خفي عليهم موضعها) ... [ورقة 1 / 13].
__________________
(1) وكأنّه بمعنى من المعاني : في مسألة إدراك الاسم والموضع معذور ، وعليه لا حاجة إلى اعتبار كلمة (عدم) ساقطة قبل (الإدراك).

تنويه :
بعد التعريف بأبي عبد الله النعماني ـ مؤلّف كتاب الغيبة ـ والبحث في مؤلّفاته وفي التفسير المنسوب إليه ، حيث تحدّثنا عن صحّة انتسابه إليه ، وتناولنا هذا الكتاب من مختلف الزوايا. وفي هذه الحلقة سوف نبحث في كتابين نُسبا خطأً إلى النعماني ، وسوف نعمل على إيضاح منشأ هذا الخطأ. وبعد ذلك سنعرّف سبط النعماني أي الوزير المغربي. وكذلك سوف ننقل ترجمة النجاشي له ولخال أبيه ـ هارون بن عبد العزيز الكاتب ـ وسيكون لنا توضيح في هذا الشأن أيضاً. وسوف نختم هذا القسم من تحقيقنا بترجمة
__________________
(1) تعريب: السيّد حسن علي مطر الهاشمي.



رسائل للوزير المغربي في شرح سيرته الذاتية وسيرة أسرته مع ذكر بعض المسائل بشأن هذه الرسالة.
كتابان نُسبا خطأً إلى النعماني :
لقد نسبت بعض كتب الفهارس ومعاجم الكتب كتاب جامع الأخبار وكتاب نثر اللآلئ في الحديث إلى النعماني(1) ، ويبدو أنّ هذه النسبة مأخوذة من كلام صاحب الروضات ، فقد نقل في ترجمة النعماني عبارتين عن مقدّمة بحار الأنوار ، وقد جاء في إحديهما ما يلي :
«وكتاب جامع الأخبار(2) كتاب الغيبة للشيخ الفاضل الكامل الزكي محمّد بن إبراهيم النعماني ـ رحمه الله ـ تلميذ الكليني».
وجاء في العبارة الثانية : «كتاب نثر اللآلئ وكتاب جامع الأخبار من أجلّ الكتب»(3).
__________________
(1) إيضاح المكنون ، ج 1 ، ص 350 وج 2 ، ص 624 ؛ هدية العارفين ، ج 2 ، ص 46 ؛ معجم المؤلّفين ، ج 8 ، ص 195.
(2) لا نشاهد هنا حرف العطف ، لذلك يحتمل أن يكون صاحب الروضات يرى أنّ المرحوم المجلسي يعتبر كتاب جامع الأخبار هو كتاب الغيبة ، وبطبيعة الحال فإنّه احتمال بعيد ، ولم يفهم مؤلّفو كتب الفهارس العبارة على هذا النحو.
(3) روضات الجنّات ، ج 6 ، ص 195. اكتفى صاحب الروضات بنقل هاتين العبارتين فحسب. ويبدو من ظاهر هذا الأمر أنّه ينسب القول بتأليف هذين الكتابين من قبل النعماني إلى العلاّمة المجلسي ، ولكنّ هناك احتمال أنّه يعتبر مجرّد كتاب جامع الأخبار من تأليف النعماني ، وأمّا نقل العبارة الثانية فهو لمجرّد بيان أنّ العلاّمة

وقد نوّه المحدّث النوري من خلال الإشارة إلى عبارتي مقدّمة البحار إلى وجود تحريفات في نقل صاحب الروضات(1) ، فمن خلال عبارتي العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار يتّضح أنّ هذين الكتابين ليسا من تأليف النعماني ، فما هو السبب الذي أدّى إلى مثل هذا الفهم الخاطئ لهاتين العبارتين؟
لكي نبيّن المنشأ الاحتمالي لهذا الخطأ ، يجب علينا أن نشير إلى عبارتي مقدّمة بحار الأنوار لكي يمكننا أن نبيّن سبب مثل هذا الخطأ ؛ ففي الفصل الأوّل من مقدّمة بحار الأنوار الذي يبحث في تعريف مصادر البحار ومؤلّفيها قد ورد عنوان كتاب جامع الأخبار ، وقد شغل ما يقرب من الستّة أسطر من البحث في بيان مختلف الاحتمالات بشأن مؤلّف الكتاب ، ثمّ قال : «وكتاب الغيبة للشيخ الفاضل الكامل الزّكي محمّد بن إبراهيم النعماني تلميذ الكليني»(2).
إنّ مقارنة هذه العبارة بالعبارة المنقولة في روضات الجنّات ، ينشأ منها هذا الاحتمال ، وهو أنّ صاحب الروضات لم يراجع هذا النصّ بصورة تفصيلية ، وإنّما راجع نصّاً يقتصر على ذكر أسماء مصادر البحار ومؤلّفيها ، وقد حُذفت منها المسائل المرتبطة بالاحتمالات الواردة بشأن مؤلّف كتاب جامع الأخبار ؛ ولذلك ذهب به التصوّر إلى أنّ كتاب جامع الأخبار مثل كتاب
__________________
المجلسي يعتبر جامع الأخبار من أجلّ الكتب. وقد فهم كتّاب الفهارس من عبارة الروضات الاحتمال الأوّل.
(1) خاتمة المستدرك ، ج 3 ، (مستدرك الوسائل ، ج 21) ، ص 271.
(2) بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 13 ـ 14.

الغيبة هو من تأليف النعماني.
أمّا نسبة نثر اللآلئ إلى النعماني فقد نشأ من خطأ مضافاً إلى الخطأ الذي مرّ آنفاً فقد جاء في الفصل الثاني من مقدّمة البحار ـ الخاصّ ببيان اعتبار مصادر الكتاب ـ كلام العلاّمة المجلسي بشأن كتاب عوالي اللآلئ(1) ، وقال : إنّ مؤلّف هذا الكتاب لم يميّز التستّر من اللّباب ، فقد اكتفى بذكر بعض نقوله في بحار الأنوار. ثمّ قال : «ومثله كتاب نثر اللئالي وكتاب جامع الأخبار. وكتاب النعماني من أجلّ الكتب ، وقال الشيخ المفيد رحمه الله في إرشاده ...». (وقد أورد هنا عبارة المفيد في الثناء على كتاب الغيبة للنعماني)(2).
وكأنّ عبارة (ومثله) لم تكن في نسخة صاحب الروضات ، أو أنّه لم يلتفت لها ، فلذلك ظنّ أنّ عبارة (من أجلّ الكتب) قد جاء في شأن كتاب نثر اللآلئ وجامع الأخبار كذلك ، وحيث إنّه تصوّر أنّ جامع الأخبار من تأليف
__________________
(1) الصحيح أنّ اسم هذا الكتاب هو العوالي بـ (العين المهملة) ، انظر : خاتمة المستدرك ، ج 1 (مستدرك الوسائل ، ج 19) ، ص 344.
(2) بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 31 ، جدير بالذكر أنّ عبارة (وكتاب النعماني) لم ترد في نقل صاحب الروضات ، من هنا يحتمل عدم ورود حرف العطف (و) قبل (كتاب النعماني) في نسخة صاحب الروضات من البحار ، أو أنّ صاحب الروضات لم يلتفت إلى حرف العطف ، وعليه فقد اعتبر (كتاب النعماني) توضيحاً لجامع الأخبار ، وقد حذفه اختصاراً. وهذا الاحتمال ينسجم مع الاحتمال الذي ذكرناه أوّلاً (وهو أنّ صاحب الروضات ربّما تصوّر أنّ العلاّمة المجلسي يرى أنّ جامع الأخبار هو نفسه كتاب الغيبة).

النعماني ، فقد اعتبر نثر اللآلئ من تأليفه أيضاً بقرينة السياق.
وعلى أيّ حال فإنّ هذا الفهم من عبارة بحار الأنوار اشتباه واضح ، ففي هذه العبارة يرى العلاّمة المجلسي كتاب نثر اللآلئ مثله مثل عوالي اللآلئ الذي اكتفى بنقل بعض رواياته ، وقد صرّح في الفصل الأوّل بأنّ هذين الكتابين هما من تأليف ابن أبي جمهور الأحسائي(1).
إنّ جملة (كتاب النعماني من أجلّ الكتب) جملة مستقلّة وكاملة ومؤلّفة من مبتدأ وخبر ، وإنّ عطفها على ما قبلها من قبيل عطف جملة على جملة أو هي واو استئنافية. وإنّ عبارة جامع الأخبار يحتمل قويّاً أنّها معطوفة على نثر اللآلئ ، ولا ربط لعبارة (من أجلّ الكتب) بها. وأمّا مدح الشيخ المفيد فإنّ مقصوده هو كتاب النعماني فقط ، وليس جامع الأخبار.
ومهما كان فإنّ نثر اللآلئ هو من تأليف ابن أبي جمهور الأحسائي ، وقد ذُكرت احتمالات عديدة بشأن مؤلّف جامع الأخبار(2) ، ولا شكّ في أنّ هذين الكتابين ليسا من تأليف النعماني.
أسرة النعماني :
لا يوجد الكثير من الأخبار بشأن أسرة النعماني ، وكلّ ما نعرفه أنّ
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 13.
(2) لقد طبع كتاب جامع الأخبار مراراً ، ولا ربط بين هذا الكتاب وبين النعماني ، وبشأن مؤلّف هذا الكتاب انظر : الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 5 ، ص 33.

حفيده لابنته ـ أبو القاسم (الوزير المغربي) الحسين بن عليّ بن حسين ـ هو من كبار العلماء ومن السياسيّين البارزين في عصره ، فقد تردّد اسمه كثيراً في الكتب التأريخية التي رصدت أحداث تلك الحقبة ، حيث كان محوراً للكثير من الأحداث فيها ، وقد وردت ترجمته في الكثير من مصادر السير والتاريخ ، وأوّل ترجمة له وردت في رجال النجاشي(1).
إنّ أهمّ مصدر تناول سيرة حياته هو كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب ، لابن العديم كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة (المتوفّى سنة 660 للهجرة)(2) ، خصوصاً وأنّ هذا الكتاب يشتمل على رسالة عن الوزير المغربي تحتوي على معلومات قيّمة للغاية بشأن حياته وحياة أسرته(3) ، كما يحتوي هذا الكتاب على ما كتبه والد الوزير بشأنه وهو تقريرٌ ملفت للنظر(4).
أمّا المصادر المتأخّرة فقد اشتمل الكثير منها على بيان سيرته ، وأكثر المصادر تفصيلاً في هذا الشأن كتاب أعيان الشيعة ، حيث اشتمل هذا الكتاب
__________________
(1) وبطبيعة الحال لقد ورد ذكر الوزير المغربي في بعض المصادر المتقدّمة ، ويمكن الاستفادة منها في ترجمة حياة الوزير المغربي ، من قبيل : مجالس إيليا مطران نصيبين ، وكتاب المجالس السبعة التي وقعت بين الوزير وبين مطران إيليا الذي في نصيبين تاريخ المسبحي ، و ... ، انظر : الوزير المغربي ، ص 243. لم ترد ترجمة المغربي في أيّ واحدة من تلك المصادر.
(2) بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2532 ـ 2555.
(3) المصدر أعلاه ، ص 2535 ؛ الوزير المغربي ، ص 198.
(4) بغية الطلب ، ص 2537.

على ذكر سيرته في موضعين ، أحدهما : على هامش اسم حسين(1) ، والآخر ـ عن طريق الخطأ ـ على هامش اسم عليّ بن الحسين ، حيث اشتمل على معلومات جديدة وقيّمة(2). هذا وقد اشتملت المصادر الحديثة على سيرة الوزير المغربي أيضاً ، وسنكتفي بذكر كتاب واحد منها مع ذكر العنوان الذي جاء على غلاف هذا الكتاب :
(الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن علي ، العالم الشاعر الناثر الثائر ، دراسة في سيرته وأوجه ما تبقّى من آثاره) ، وهذا الكتاب من تأليف الدكتور إحسان عبّاس ، وقد أشار في مقدّمة كتابه إلى المؤلّفات المطبوعة للوزير المغربي.
ولا تبدو هناك حاجة إلى بيان السيرة التفصيلية للوزير المغربي في هذا المقال ، من هنا فإنّنا سنكتفي بنقل عبارة رجال النجاشي عنه وعن أحد أقربائه ، وكذلك نقل أجزاء من رسالة الوزير المغربي في التعريف بأصله ونسبه وما كتبه أبيه في شأنه. وفي القسم التالي من هذا المقال سوف نتعرّض إلى شذرات من المعلومات حول الوزير المغربي وأسرته ، ثمّ نصحّح بعض الأخطاء التي وقع فيها البعض بشأنه ، وننقل آراءه التفسيرية بشكل كامل.
ترجمة الوزير المغربي في رجال النجاشي :
قال أبو العبّاس النجاشي في رجاله :
__________________
(1) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 111 ـ 116.
(2) المصدر أعلاه ، ج 8 ، ص 187.

«الحسين بن عليّ بن الحسين بن محمّد بن يوسف الوزير أبو القاسم المغربي من ولد بلاس بن بهرام جور ، وأمّه فاطمة بنت أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني شيخنا صاحب كتاب الغيبة. له كتب ، منها : ... توفّي رحمه الله يوم النصف من شهر رمضان ، سنة ثمان عشرة وأربع مئة»(1).
هناك فقرتان من هذا النصّ بحاجة إلى إيضاح :
الفقرة الأولى : قد يُفهم من عبارة (من ولد بلاس بن بهرام جور) أنّ بلاس هو نجل (بهرام جور) مباشرة إلاّ أنّ الصحيح هو أنّ بلاس ينتسب إلى بهرام جور عبر واسطتين أو ثلاث وسائط ، وقد نقل ابن العديم نسب الوزير المغربي عن مخطوطة خطّها الوزير بيده ، وكذلك عن مخطوطة لولده عبد الحميد(2) ، وطبقاً لما كتبه الوزير المغربي فإنّ بلاش (الذي هو بلاس على ما يبدو)(3) هو ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور(4) ، وقد ضبط عبد الحميد
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 69 ، رقم : 167.
(2) بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2532.
(3) يمكن لبلاس أن يكون معرباً عن بلاش ؛ إذ جرت العادة على تبديل الشين سيناً عند التعريب ؛ من قبيل : نيسابور (معرّب نيشابور) ، وسابور (معرّب شابور) ، وسابري (معرّب شابوري) ، وقاسان (معرّب كاشان).
(4) في النسخة المطبوعة لـ (بغية الطلب) نشاهد كلمة (بن) بين (بهرام) و (جور) وهو تحريف واضح ، ونشاهد ما يُشبه هذا التحريف في تاريخ دمشق ، ج 14 ، ص 105 أيضاً.

اسمه على شكل فلاش وتلفّظه الآخر بلاش ـ على ما يبدو ـ(1) معتبراً إياه ابن جاماسب(2) بن فيروز بن يزدجرد(3) بن بهرام جور ، ويبدو أنّ هذا النقل هو الأصحّ(4).
إنّ بهرام جور (بهرام الخامس) هو الملك الساساني الخامس عشر ، ابنه (يزدجرد الثاني) هو الملك السادس عشر ، وحفيده (پيروز الأوّل) ، هو الملك الثامن عشر ، وابن پيروز (جاماسب) هو الملك الساساني الحادي والعشرين ، وقد كان ليزدجرد الثاني ولد اسمه بلاش أيضاً ، جلس على العرش خلفاً لأخيه (پيروز)(5) ، ويبدو أنّ بلاش ـ الوارد في نسب الوزير
__________________
(1) إنّ بلاش ـ والذي روي أحياناً بشكل ولاش ـ وكذلك فلاش ، يمكن أن تكون ألفاظاً مختلفة لمفردة واحدة. حيث غالباً ما يتمّ استبدال الحرف (ب) و (ف) و (و) و (پ) التي هي بأجمعها من الحروف الشفوية ، كما في مفردة پهلوي وبهلوي وفهلوي في إيران القديمة (انظر : فرهنگ معين ، المقدّمة ، ص 21 ـ 23) ، وجدير بالذكر أنّ صاحب كتاب تاريخ دمشق ، ج 14 ، ص 105 ، قد ضبط هذا الاسم على شكل (ملاس) وهو من التحريف.
(2) نقل ابن خلّكان نسبته بواسطة واحدة عن خطّ الوزير المغربي ، وقد استبدل جاماسب في هذا النقل بجاماس ، ويبدو أنّه من باب الاختصار (وفات الأعيان ، ج 2 ، ص 172) ، وفي بعض النقول تمّ تحريف هذا الاسم بـ (جايناسيف) ، و (خايناشف). (انظر : بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2532 ـ 2542) ؛ تاريخ دمشق ، ج 14 ، ص 105.
(3) وفي النسخة المطبوعة لكتاب بغية الطلب تمّ تحريف "يزدجرد" بـ "يزدحرد".
(4) إذ ورد اسم جاماسف (الذي هو جاماسب) في عدّة نقول ، وإن كان بشكل محرّف.
(5) لقد اعتمدنا في بيان سلسلة الملوك الساسانيّين على كتاب (فرهنگ معين ، ج 5 ،

المغربي ـ هو حفيد أخيه.
لقد التفت صاحب قاموس الرجال إلى الإشكال الواقع في كلام النجاشي ، فقال :
«بلاس ليس ولداً لبهرام بل هو ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام ، وقد كان بلاس عمّاً لأنوشيروان ، وقد بنى ساباط المدائن. وأصل ساباط كان بلاس آباد ، وقد تحوّل إلى ساباط بفعل التخفيف والتعريب»(1).
إنّ النسب الذي يذكره صاحب قاموس الرجال لبلاس هو ذاته النسب المنقول عن خطّ الوزير المغربي ، وقد ذكرنا أنّه يحتمل سقوط جاماسب من هذا النسب. وعلى أيّ حال فإنّ عم أنوشيروان (بلاش)(2) كان هو الملك الساساني التاسع عشر ، وهو غير بلاش جدّ الوزير المغربي ، وإنّ بلاش الذي
__________________
ص 702). ومن الجدير ذكره أنّ هناك اختلافاً في بيان عدد الملوك الساسانيين ، وربّما كان السبب في ذلك يعود إلى قصر الفترة التي حكم فيها بعض ملوك هذه السلالة ، أو ربّما يعود ذلك إلى اعتبار فترة حكم الذين وصلوا إلى السلطة مرّتين فترة واحدة. فعلى سبيل المثال : ذكر المسعودي في التنبية والإشراف ، ص 87 ـ 90 ، أنّ عدد الملوك الساسانيين ثلاثين ملكاً ، في حين ذكر في فرهنگ معين أنّ عددهم يصل إلى سبعة وثلاثين ملكاً. وطبقاً لنقل المسعودي فإنّ بهرام جور هو الملك الرابع عشر ، ويزدجرد الثاني هو الملك الخامس عشر ، وفيروز هو الملك السادس عشر ، وبلاش هو الملك السابع عشر ، في حين لم يرد ذكر جاماسب في سلسلة الملوك الساسانيين.
(1) قاموس الرجال ، ج 3 ، ص 498. وانظر أيضاً : معجم البلدان ، ج 3 ، ص 187 ، هامش مادّة ساباط كسرى.
(2) أنوشيروان هو نجل قباد الأوّل نجل بيروز الأوّل ، وبلاش الملك أخ لبيروز وعم لوالد أنوشيروان.

هو جدّ الوزير كان أبن أخيه أو حفيد أخيه.
وقد ذهب صاحب قاموس الرجال إلى تخطّي كلام النجاشي في هذا المورد ، ولكن يُحتمل أنّ النجاشي ـ بالالتفات إلى الاختلاف في نسب بلاس ـ إنّما ذكر عبارة بلاس بن بهرام جور من باب الاختصار في النسب ، وعليه لا يمكن أن نحكم على النجاشي بالخطأ بضرس قاطع.
القسم الثاني : لقد بحث علماء الرجال في كلمة (شيخنا) الواردة في هذه العبارة ، وقد وردت عبارة النجاشي التي تقدّم ذكرها بعينها في خلاصة العلاّمة الحلّي(1) ، وقد تمّ حذف الكتب من عبارة (صاحب كتاب الغيبة. له كتب ، منها : ...) إلى نهاية العبارة اختصاراً ، وقد اعترض بعض علماء الرجال على نقل العلاّمة الحلّي قائلين : إن كان الوزير المغربي أستاذاً للنجاشي ، فلا يمكن أن يكون أستاذاً للعلاّمة الحلّي(2) ، وهناك من قال إنّ نقل هذه العبارة في خلاصة العلاّمة دون حذف كلمة (شيخنا) هو الذي أدّى إلى ظهور هذا الإشكال(3).
وقد أصاب صاحب قاموس الرجال عندما قال : إنّ كلمة (شيخنا) الواردة في كلام النجاشي إنّما تعني النعماني وليس الوزير المغربي خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجيء عبارة (صاحب كتاب الغيبة) بعدها مباشرة ،
__________________
(1) خلاصة الأقوال ، ص 53 ، رقم 29.
(2) حاوي الأقوال ، ج 3 ، ص 60 ونقلاً عنه في تنقيح المقال ، ج 1 ، ص 338 / 2996 ، وانظر أيضاً : منتهى المقال ، ج 3 ، ص 60.
(3) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 112.

وإنّ عبارة شيخنا ، تعني شيخ طائفتنا(1). وعليه لا إشكال في استعمال العلاّمة الحلّي لهذه العبارة(2).
وعلى الرغم من عدم تمامية الإشكال الذي أورده علماء الرجال على العلاّمة الحلّي بتلك الصيغة من وجهة نظرنا ، ولكن يمكن تقرير الإشكال بصيغة أخرى ، ببيان أنّ القسم الأوّل من خلاصة العلاّمة الحلّي خاصّ بالمقبولين من الرواة(3) ، في حين لا نرى في ترجمة الوزير المغربي أيّ توثيق أو وصفه بما يُشعر المدح والثناء ، من هنا يبدو أنّ العلاّمة الحلّي قد ذهب إلى اعتبار وصف (شيخنا) يعود إلى الوزير المغربي ، ويحتمل أنّ العلاّمة الحلّي في هذه الترجمة لم يراجع أصل رجال النجاشي ، وإنّما اعتمد في ذلك
__________________
(1) إنّ استعمال كلمة (شيخنا) هنا ليس من باب الاستعمال المجازي ، وإنّما المراد من الضمير (نا) في هذه العبارة يعود إلى الطائفة ، وليس التلاميذ. وإنّ تعيين مرجع الضمير لا ربط له بالحقيقة والمجاز. ونجد ما يُشبه هذا الاستعمال في كلمة (شيخنا) في رجال النجاشي ، ص 398 / 1064. انظر : قاموس الرجال ، ج 9 ، ص 403.
(2) قاموس الرجال ، ج 3 ، ص 497.
(3) إنّ عبارة مقدّمة خلاصة العلاّمة الحلّي كالآتي : (ولم نطل الكتاب بذكر جميع الرواة ، بل اقتصرنا على قسمين منهم ، وهم الذين اعتمد على روايتهم ، والذين أتوقّف عن العمل بنقلهم ... ورتّبته على قسمين وخاتمة : الأوّل : فيمن اعتمد على روايته ، أو ترجّح عندي قبول قوله) ، (ص 2 و 3) ، إنّ عبارة : (ترجّح عندي قبول قوله) لا تخلو من الغموض ، ويبدو أنّ المراد هم أولئك الذين دلّت الأمارة على وثاقتهم. وتفصيل هذا البحث لا يتّسع له هذا المقال. وعلى كلّ حال يبدو أنّ عبارة الثناء في ترجمة الوزير المغربي التي تبرّر ذكر اسمه في القسم الأوّل من خلاصة العلاّمة الحلّي ، فهي عبارة (شيخنا).

على نقل أستاذه أحمد بن طاووس عن رجال النجاشي في حلّ الإشكال(1) ؛ إذ في هذا النقل تمّ حذف عبارة (صاحب كتاب الغيبة) اختصاراً ، ولذلك فقد تصوّر العلاّمة الحلّي أنّ كلمة (شيخنا) تعود إلى صاحب الترجمة ؛ ولهذا السبب اعتبر أنّها تعني شيخ الطائفة الإمامية ـ وهي عبارة في غاية الأهمية في مدح بل توثيق الراوي ـ فأورد اسم حسين بن علي المغربي في القسم الأوّل من رجاله.
مؤلّفات الوزير المغربي في رجال النجاشي :
هناك العديد من المؤلّفات التي كتبها الوزير المغربي وقد ذُكر أكثرها في رجال النجاشي ، وفيما يلي نستعرض هذه المؤلّفات مع إضافة بعض الإيضاحات لبعضها :
1 ـ خصائص علم القرآن :
قال ابن شهرآشوب في معالم العلماء :
«أبو القاسم المغربي الوزير ، له كتاب المصابيح في تفسير القرآن»(2).
وقد أشار صاحب رياض العلماء بعد نقل هذه العبارة إلى أنّ هذا الكتاب هو نفس خصائص علم القرآن على ما يبدو (3) ، ولكنّه لم يذكر أيّ
__________________
(1) بيان ارتباط حلّ الإشكال وخلاصة الأقوال بحاجة إلى بحث مستقل.
(2) معالم العلماء ، ص 138 / 952.
(3) رياض العلماء ، ج 2 ، ص 146.

دليل على ذلك. ولا يمكن الحكم بوضوح على ما إذا كان هذان الكتابان كتاباً واحداً أم كتابين مختلفين ، والذي يبدو من عنوان (خصائص علم القرآن) أن يكون موضوعه في علوم القرآن ـ الذي هو من مباني علم التفسير ـ وليس في علم التفسير.
وعلى كلّ حال فقد نسب ابن العديم إلى الوزير المغربي كتاباً في تفسير القرآن ، ويبدو أنّه عنى بذلك كتاب المصابيح ، وقد قال بشأن هذا الكتاب : «أحسن فيه على اختصاره»(1). وقد أخبر الوزير المغربي في رسالته عن الكثير من الإملاءات التي كانت له في تفسير القرآن وتأويله(2). وربّما كان كتاب تفسير القرآن ، وأحياناً كتاب خصائص علم القرآن قد تمّ إعدادهما من هذه الإملاءات.
وهذا التفسير غير موجود حاليّاً ، ولكن يبدو أنّه كان عند الشيخ الطوسي ؛ لأنّه قد نقل الكثير من المسائل في كتاب التبيان عن الوزير المغربي. وفي القسم التالي من هذا المقال سوف نقوم ببيان آرائه التفسيرية.
2 ـ اختصار إصلاح المنطق :
إنّ هذا الكتاب الذي كان عنوانه هو المنخل(3) من نتائج إقامة الوزير المغربي في مصر ، وقد كتب والد الوزير المغربي خلف نسخة الكتاب بعد
__________________
(1) بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2533.
(2) المصدر أعلاه ، ص 2536.
(3) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، القسم الرابع ، المجلّد الثاني ، ص 476.

الإشارة إلى تاريخ ولادته ، والجهود التي بذلها نجله من أجل تحصيل العلم في الصغر ، قائلاً :
«لقد اختصر هذا الكتاب ، وبلغ الغاية في هذا الاختصار ، وقد أدرج فيه جميع فوائد الكتاب ، ولم يفتقد أي واحد من ألفاظ الكتاب. وإنّما عمد إلى تغيير بعض أبواب الكتاب رعاية للاختصار ، واضعاً كلّ نوع في موضعه المناسب. وبعد اختصار هذا الكتاب ذكرته بنظمه. وقد بدأه وأنجز بعض أوراقه في ليلة واحدة. وكان ذلك منه قبل أن يكمل السابعة عشر من عمره»(1).
وقد عرض المؤلّف هذا الكتاب على أبي العلاء المعرّي ، فاستحسنه وأرسل له رسالته الأغريضية في الثناء عليه(2).
3 ـ اختصار غريب المصنّف :
4 ـ رسالة في القاضي والحاكم.
5 ـ كتاب الإلحاق بالاشتقاق.
6 ـ اختيار شعر أبي تمّام.
7 ـ اختيار شعر (البحتري).
8 ـ اختيار شعر (المتنبّي) والطعن عليه.
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 2537.
(2) المصدر أعلاه ، ص 2533 ، وفيما يتعلّق بهذا الكتاب انظر على وجه الخصوص : الوزير المغربي ، ص 24.

وغير هذه الكتب هناك كتب أخرى من تصنيف الوزير المغربي ، ومن بينها : كتاب (الإيناس) في علم الأنساب ، وكتاب (أدب الخواص) ، وهما مطبوعان. وهناك نصوص متفرّقة من كتبه المفقودة مجموعة في كتاب الوزير المغربي ، وقد اشتمل هذا الكتاب على بعض الأشعار المتبقية من ديوانه.
ترجمة أحد أقارب الوزير المغربي في رجال النجاشي :
نجد اسم الوزير المغربي في رجال النجاشي في ترجمة هارون بن عبد العزيز ، حيث قال :
«هارون بن عبد العزيز أبو علي الأراجني (الأوارجي ظ) الكاتب ، مصري ، كان وجهاً في زمانه ، مدحه المتنبّي ، وله ابن اسمه علي وكان حسن التخصيص (التخصّص) بمذهبنا ، وهو جدّ أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم ، له كتاب الرد على الواقفة»(1).
كلام العلاّمة المامقاني واعتراض صاحب قاموس الرجال في الشأن :
ذكر صاحب تنقيح المقال اسم علي بن هارون بن عبد العزيز في كتابه وقال : لم أعثر بشأنه إلاّ على عبارة النجاشي : (له ابن اسمه علي) ، وأمّا عبارة (وكان حسن التخصيص (التخصّص) بمذهبنا) ، فيبدو أنّها تخصّ والده (صاحب الترجمة في رجال النجاشي)(2).
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 439 / 1183.
(2) تنقيح المقال ، ج 2 ، ص 314 / 8552.

وقد اعترض صاحب قاموس الرجال على هذا الكلام قائلاً :
جملة (وكان حسن التخصيص بمذهبنا) تعود إلى علي بن هارون بن عبد العزيز ، وإلاّ فإنّ ذكر اسم علي دون توضيح إضافي لغو خارج عن وظيفة الرجالي ؛ لأنّ العالم الرجالي ليس مثل المتخصّص في علم الأنساب الذي تقتصر وظيفته على ذكر طبقات الأفراد فقط.
ويحتمل أن تكون العبارة اللاحقة للنجاشي (وهو جدّ أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم) عائدة إليه أيضاً. وإن عبارة (له كتاب) المتعلّقة بهارون بن عبد العزيز صاحب الترجمة ، لا تشكّل مانعاً من كلامنا المتقدّم في كون العبارة التي مرّت آنفاً هي بشأن ولده علي ؛ لقيام القرينة على ارتباط هذه العبارة بصاحب الترجمة. ومن جهة أخرى فإنّ فصل هذا الكلام وعدم ذكر حرف العطف في بدايته دليل آخر على صحّة كلامنا(1).
مناقشة كلام صاحب قاموس الرجال :
بعد دراستنا لكلام صاحب القاموس لابدّ لنا من الإشارة إلى أمرين فيما يخصّ رجال النجاشي ، الأوّل : النظرة العامّة لهذا الكتاب إلى رجال النجاشي. والثاني : التحقيق في خصوص الترجمة المتقدّمة لهارون بن عبد العزيز في رجال النجاشي.
__________________
(1) قاموس الرجال ، ج 7 ، ص 599.

وفيما يتعلّق بالأمر الأوّل نشير إلى أنّ هذه الرؤية إلى كتاب رجال النجاشي بحدّ ذاتها مهمّة في فهم عبارات الكتاب ، حيث تدعونا هذه الطريقة في الكثير من تراجم كتاب النجاشي إلى بيان تفسير خاصّ لعباراته. وتفصيل هذا الكلام يحتاج إلى مقال مستقلّ ، ولكنّنا سنكتفي هنا بذكر بعض المسائل في إثبات عدم صوابية تحليلات صاحب القاموس لعبارات النجاشي :
أوّلاً : في بداية الجزء الثاني من رجال النجاشي تمّ تعريف هذا الكتاب على النحو الآتي :
«كتاب فهرست أسماء مصنّفي الشيعة وما أدركنا من مصنّفاتهم ، وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم ، وما قيل في كلّ رجل منهم من مدح أو ذمّ»(1).
إنّ كلمة (أنسابهم) في هذه العبارة تثبت أنّ النجاشي عند تأليف هذا الكتاب كان ناظراً إلى أنساب الرواة ، وعليه فإنّ هدفه لم يكن رجاليّاً بحتاً.
ثانياً : عند مراجعة كتاب رجال النجاشي يتبيّن لنا أنّ المؤلّف كان مهتمّاً بذكر أسر الرواة ، ففي ما يقرب من خُمس التراجم ورد ذكر الآباء والإخوة والأجداد والأعمام والأخوال والأولاد وما إلى ذلك ، بل اتّسعت الدائرة لتشمل حتّى زوج الخالة أحياناً(2) ، وقد اقترن ذلك في الغالب بتوضيحات حول الأقارب ، ولربّما كان ذلك من أجل إلقاء مزيد من الضوء على التعريف
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 211.
(2) المصدر أعلاه ، ص 159 / 421.

بصاحب الترجمة ، إلاّ أنّ هذا ليس قاعدة مضطردة في جميع الموارد ، حيث لم يتمّ ذكر الأقارب لهذه الغاية دائماً ، فعلى سبيل المثال نقرأ في ترجمة عبيد الله بن أحمد بن نهيك قوله : «وآل نهيك بالكوفة بيت من أصحابنا ، منهم عبد الله بن محمّد وعبد الرحمن السمريان وغيرهما»(1) ، كما جاء في ترجمة محمّد بن سماعة : «والد الحسن وإبراهيم وجعفر ، وجدّ معلّى بن الحسن»(2). فلو كان الهدف مجرّد التعريف بمحمّد بن سماعة ، لم تكن هناك ضرورة إلى سرد جميع هذه الأسماء.
وكذلك جاء في ترجمة المعلّى بن خنيس : «وابن أخيه [أخته] عبد الحميد بن أبي الديلم)(3) ، ولا شكّ في أنّ المعلّى بن خنيس أكثر شهرة من عبد الحميد بن أبي الديلم ، وعليه لا يصحّ التعريف بالمعلّى بن خنيس من خلال التعريف بعبد الحميد بن أبي الديلم.
ويبدو أنّ ذكر جميع هذه الأمور جاء في سياق التعريف بأقارب الراوي ، وإنّ ذكرها شكّل غاية مستقلّة للنجاشي للتعريف بهم ، وليس من اللازم أن نبحث له عن غاية أخرى غير هذه الغاية ، وعلى هذا الأساس فإنّ ذكره لعبارة : «وكان خاله علاّن الكليني الرازي» وذلك في ترجمة العالم والمحدّث الشيعي الشهير محمّد بن يعقوب الكليني ، خير دليل على ذلك(4).
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 232 / 615.
(2) المصدر أعلاه ، ص 329 / 890.
(3) المصدر أعلاه ، ص 417 / 1116.
(4) المصدر أعلاه ، ص 377 / 1026.

ثالثاً : يعمد الرجاليّون أحياناً ـ ضمن الترجمة ـ إلى بيان سبب لقب أو كنية الراوي ، وعليه يمكن أن يكون ذكر عبارة (وله ابن اسمه علي) في هذه الترجمة لبيان وتوضيح منشأ تلك الكنية ، والملفت للانتباه أنّ هذه العبارة قد تكرّرت مرّة واحدة فقط في رجال النجاشي ، وذلك في ترجمة موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان ، وفي هذه الترجمة بعد ذكر كنية أبي علي يستطرد قائلاً : «وله ابن اسمه علي وبه كان يكتني»(1) ؛ وعليه لا حاجة إلى اعتبار جملة (كان حسن التخصيص بمذهبنا) مرتبطة بابن صاحب الترجمة ، وبشكل عام ـ كما نوّه الشيخ المامقاني ـ إنّ الظهور الأوّلي لهذا النوع من التعابير هو ارتباطه بصاحب الترجمة ، وما لم نعثر على قرينة واضحة على الخلاف لا ينبغي أن نرفع أيدينا عن هذا الظهور.
وفيما يتعلّق بالأمر الثاني ـ البحث في خصوص ترجمة هارون بن عبد العزيز في رجال النجاشي ـ كذلك نبدأ أوّلاً بالقول : إنّه لم يكن هارون بن عبد العزيز ولا نجله (علي) جدّاً للوزير المغربي لأبيه ، بل إنّ هارون بن عبد العزيز هو خال أبيه ، وإنّ علي بن هارون هو ابن خال أبيه ، كما تمّ التصريح بذلك في رسالة الوزير المغربي(2).
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 405 / 1075.
(2) بغية الطالب ، ج 6 ، ص 2535. جدير بالذكر إنّ تحريف عبارة النجاشي قد أدّى إلى تعريف الوزير المغربي في كتاب الذريعة ، ج 22 ، ص 123 بأنّه : الحسين بن علي بن الحسين بن محمّد بن هارون بن عبد العزيز. وبطبيعة الحال إذا تجاوزنا

ويبدو أنّ كلمة (جد) في النسخة المتوفّرة لرجال النجاشي ، تحريف عن كلمة (خال) ، فبعد التحام الألف باللام من كلمة (خال) تبدو شديدة الشبه بكلمة (جد) ، فإنّ حصول هذا التحريف وحدوث ذلك في أثناء الكتابة وامتزاج الحبر أمر طبيعي جدّاً. وهذا الأمر يثبت أنّ الجملة المتقدّمة ترتبط بـ : (هارون بن عبد العزيز) ، وليس بنجله (علي). وعلى فرض اعتبار أنّ هذه الجملة من خطأ النجاشي ، فإنّ هذا الخطأ يكون مؤيّداً لارتباطها بـ : (هارون بن عبد العزيز) ، لأنّ الخطأ في اعتبار الخال بدلاً من الجد أقرب إلى التحقّق من الخطأ في اعتبار ابن الخال بدلاً من الجد.
خلاصة الكلام : لا وجود لأيّ قرينة تصرفنا عن الظهور البدوي لكلام النجاشي ؛ ولذلك يجب اعتبار جملة (وكان حسن التخصيص) والجملة التالية لها مرتبطة بـ : (هارون بن عبد العزيز) وليس بولده (علي).
رسالة الوزير المغربي في التعريف بأصله ونسبه وسيرته العلمية :
اتّهم الوزير المغربي في بغداد باعتناق المذهب الإسماعيلي الذي كان يحظى بدعم من الحكّام المصريّين ، وإنّ لقب المغربي يُعدّ خير شاهد على
__________________
تحريف أو خطأ النجاشي ـ إذ يمكن إطلاق كلمة الجدّ على الجدّ من جهة الأمّ أيضاً ـ لا ينبغي اعتبار هذه السلسلة النسبية للوزير النعماني. مضافاً إلى أنّ النجاشي في الأساس قد عرف محمّداً (جدّ الوزير المغربي) على أنّه ابن يوسف. (انظر : رجال النجاشي ، ص 69 ، الرقم : 167).

ارتباطه بالمصريّين ، وقد كتب الوزير رسالة يدافع فيها عن نفسه ليعرضها على الخليفة العبّاسي (القادر) ، وقد نقل ابن العديم الجزء الأوّل من هذه الرسالة في كتابه بغية الطلب(1).
ولأهميّة هذه الرسالة في التعريف بالوزير المغربي وأسرته ، سوف ننقل القسم الأكبر منها ، ممّا يعتبر سيرة الكاتب بقلمه :
ففي البداية نوّه إلى الاتّهام الذي وجّه إليه ، موضّحاً نسبته إلى المغربي التي كانت هي السبب وراء ذلك الاتّهام ، فقال :
«كان أصلي من البصرة ، وانتقل سلفي عنها في فتنة البريدي إلى بغداد ، وكان جدّ أبي وهو أبو الحسن علي بن محمّد يخلف على ديوان المغرب ، فنسب به إلى المغربي ، وولد له جدّي الأدنى ببغداد في سوق العطش ، ونشأ وتقلّد أعمالاً كثيرة ، منها تدبير محمّد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة ، وكان خال أبي وهو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي المعروف ـ الذي مدحه المتنبّي ـ متحقّقاً بصحبة أبي بكر محمّد بن رائق ، فلمّا لحق أبا بكر بن رائق ما لحقه بالموصل ، سار جدّي وخال أبي إلى الشام ، والتقيا بالإخشيذ ، وأقام والدي وعمّي ـ رحمهما الله ـ بمدينة السلام (بغداد) ، وهما حدثان إلى أن توطّدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد(2) ، وأنفذ
__________________
(1) بغية الطلب ، ج 5 ، ص 2535 ، نقلاً عن : الوزير المغربي ، ص 198.
(2) ويبدو أنّ المراد من شيوخهما : جدّ وخال والد الوزير. وإنّ هذه العبارة تشرح سبب عدم اصطحاب والد الوزير وعمّه ، حيث أنّ المسافرين إلى الشام لم يجدوا أوضاعهم متّسقة ، فرأوا عدم اصطحاب الصغار أحجى.

الإخشيذ غلامه المعروف بفاتك المجنون الممدوح المشهور ـ وقد مدحه المتنبّي ـ فحملهما (أي هذان الملازمان أو الأولياء)(1) ومن يليهما إلى الرحبة وسار بهما على طريق الشام إلى مصر فأقامت الجماعة هناك إلى أن تجدّدت قوّة المستولي على مصر فانتقلوا بكلّيتهم وحصلوا في حيّز سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان مدّة حياته ، واستولى جدّي على أمره استيلاء يشهد به مدائح أبي نصر بن نباته فيه ، ثمّ غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده غلبة تدلّ عليها مدائح أبي العبّاس النامي فيه ، ثمّ شجر بينهما ما يتّفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا ففارقه من الرحبة ، وانحدر إلى الأنبار قاصداً مدينة السلام ، فلمّا حصل بالأنبار وجد العراق مضطرباً ، وبهاء الدولة ـ رحمه الله ـ في أوّل أمره غالباً ؛ فخوّف من المقام ، فركب مغرّراً بنفسه قاصداً الشام ليتمكّن من تعرّف أخبارنا وافتكاك أسارنا ، فإنّا كنّا بحلب معوّقين من بعده ، فلقي بمصر الحظوة التي عرفت ، وليتها ما اتّفقت ، فإنّ ختامها كان سمّاً رعافاً ، وعقباها كان بوراً واجتياحاً ، وانتقلت في أثره ، وكانت والدتي من أهل العراق ، ولنا إلى اليوم أملاك بالنعمانية موروثة ، فكنّا بمصر زوّاراً وبالعراق لما انتقلنا إليها قاطنين وأُلاّفاً ، فهذا أوّلاً حديث الأصل الذي وقع الاشتباه ، وتمّ التمويه فيه.
ثمّ ارجع إلى ذكر الدين فإنّي نشأت وغذّيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ومناقبة الفقهاء ومجالسة العلماء ، والله ما رأيت قط بتلك البلاد مأدبة
__________________
(1) عبارة النسخة المطبوعة من بغية الطلب كالآتي : «فحملها (محملها) ومن يليهما».

ولا وليمة إلاّ ولعرس ، ولا كنت متشاغلاً إلاّ بعلم أو دين ، ولقد سلم لي من جزازات كتبي ما هو اليوم دالّ على تشاغلي بالدين القيّم ، واستمراري على النهج الأسلم ؛ لأنّه ليس كتاب من كتب السنة إلاّ وقد أحطت به رواية ورمته دراية ، وها هنا اليوم نسختان من موطّأ مالك سماعي من جهتين ، وعليهما خطوط الشيخين والصحيحان لمسلم والبخاري ، وجامع سفيان ومسانيد عدّة عن التابعين ، ولي ـ وأحمد الله ـ إملاءات عدّة في تفسير القرآن وتأويله وتخريجات من الصحاح المذكورة ، وسمعت كتاب المزني عن الطحاوي عن المزني ، وأمّا الأحاديث المنثورة التي كنت أبكّر بكور الغراب لاستماعها ، وأطرح زينة الدنيا في مزاحمة أشياعها فأكثر من أن تحصى».
إنّ الوزير المغربي عمد من خلال هذه التوضيحات إلى إثبات عدم صحّة الظنون الباطلة في حقّه.
توضيح بعض المسائل في هذه الرسالة :
أوّلاً : إنّ والدة الوزير المغربي ـ التي كانت لها بعض الأملاك التي ورثها الوزير المغربي ـ هي فاطمة بنت أبي عبد الله النعماني(1) ، وقد سبق لنا أن ذكرنا بعض الاحتمالات بشأن لقب النعماني ووجه نسبة هذا اللقب إليه دون أن نصل إلى نتيجة واضحة بهذا الشأن(2) ، إلاّ أنّ هذه الفقرة تشكّل دليلاً واضحاً
__________________
(1) رجال النجاشي ، ص 69 ، رقم : 167.
(2) تناولنا ذلك في الحلقات الأولى من هذا البحث.

على انتساب النعماني إلى مدينة النعمانية ، وبذلك يكون بحثنا في هذا الموضوع قد تمّ.
ثانياً : لقد كانت خاتمة أسرة الوزير المغربي في مصر مريرة ومؤلمة ، فقد قام الحاكم العبيدي بقتل والده وعمّه ، وقد تعقّب إخوته ، فظفر بشقيقين للوزير المغربي وقتلهما ، بينما تمكّن الوزير المغربي من التواري والخروج من مصر خلسة ، وبعدها أخذ يسعى في الانتقام من حاكم مصر ، وقد شكّلت هذه الفترة من حياة الوزير المغربي منعطفاً هامّاً في حياته السياسية ، وسوف نشير إليها إجمالاً.
ثالثاً : قد سعى الوزير المغربي في هذه الرسالة إلى التظاهر باعتناق المذهب السنّي ، وليس هناك من شكّ في أنّ ذلك كان منه بداعي التقيّة ، إذ لا شكّ ولا شبهة في تشيّعه(1) ، وإنّ ترجمته في رجال النجاشي ـ الخاصّ بفهرسة مصنّفات الشيعة ـ يُشكّل دليلاً قاطعاً على انتمائه إلى التشيّع ، وقد ذكر أبو جعفر البصري النقيب أستاذ ابن أبي الحديد المعتزلي ما يؤيّد أنّ الوزير المغربي كان رافضيّاً(2) ، ولا يخفى مدى تعلّقه الكبير بأهل البيت عليهم‌السلام ويبدو ذلك جليّاً من وصيّته بدفنه إلى جوار أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وسعيه الحثيث إلى تحقيق هذه الوصية(3) ، وأهمّ دليل على تشيّع الوزير المغربي قصائده في
__________________
(1) الوزير المغربي ، ص 89 ـ 90.
(2) شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ، ج 6 ، ص 14 ؛ أعيان الشيعة ، ج 8 ، ص 187.
(3) ولما أحسّ [الوزير المغربي] من نفسه بالموت كتب كتاباً إلى كل من يصل إليه من

مدح أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وتصريحه بغصب حقّه من قبل الخلفاء الأوائل وهجائه لهم(1). وننقل هنا شيئاً من أشعاره تيمّناً :

«صلّى عليك الله يا من دنا
 

 

من قاب قوسين مقام النبيهِ
 

أخوك قد خُولفتَ فيه كما
 

 

خُولف في هارون موسى أخيهِ
 

هل برسول الله من أسوة
 

 

لم يقتدِ القومُ بما هُنّ فيهِ»(2).
 

وقد تمّت الإشارة في هذه الأبيات إلى حديث المنزلة ، الذي قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ عليه‌السلام : «يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى».
ومن الجدير بالذكر أنّ الوزير المغربي لم يصرّح باعتناقه مذهب أهل السنّة ، حيث يبدو من ذلك أنّه لم يرَ ضرورة للكذب في إبداء هذا المعتقد ؛
__________________
الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة ، يعرّفهم فيه أنّ محظيّة له توفيت وإنّ تابوتها يجتاز بهم إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وكان قصده أن لا يتعرّض أحد لتابوته وأن ينطوي خبره ؛ فتمّ له ذلك ، وحمل الكتاب مع تابوته ، وكلّ من يجتاز به ظنّ أنّه الجارية ، حتّى وصل ودفن بالمشهد (انظر : بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2555). وقيل أيضاً : إنّ الوزير المغربي كان قد أوصى بأن يدفن تحت أعتاب الإمام الحسين عليه‌السلام ، وقد كتب بيتين من الشعر لتوضع على شاهدة قبره (انظر : الوزير المغربي ، ص 152) ، ولكن يبدو أنّه أعرض عن هذه الوصية.
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، ج 6 ، ص 17 (ونقلاً عنه في الوزير المغربي ، ص 1360 ، الأبيات : 13 ـ 27) ، وانظر أيضاً : الوزير المغربي ، ص 127 وص 148 نقلاً عن أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 116.
(2) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 116 ؛ الوزير المغربي ، ص 158. هذا وقد نسب البيت الثاني والثالث بعد تغيير طفيف في الألفاظ إلى الرئيس أبو يحيى بن الوزير أبو القاسم المغربي (انظر : مناقب ابن شهرآشوب ، ج 2 ، ص 223).

إذ أمكنه التغلّب على هذه المشكلة من خلال التورية ، وإنّ العبارة المتقدّمة التي تنطوي على التورية يمكن لها أن تكون دليلاً على شدّة تمسّكه بالتشيّع ؛ إذ أنّه يحجم عن الكذب حتّى في حالة التقية.
رابعاً : وبما إنّه قد كتب هذه الرسالة في ظروف التقية ، فقد دعاه ذلك إلى الإحجام عن انتساب أمّه إلى أبي عبد الله النعماني (بوصفه من مشاهير علماء الشيعة) ، إلاّ أنّ ابن خلّكان صرّح بأنّها بنت أبي عبد الله النعماني في رسالة (أدب الخواص)(1).
خامساً : إنّ هذه الرسالة تشير إلى مثابرة الوزير المغربي على طلب العلم ، وهو أمر قد شهد له به والده أيضاً.
ما كتبه والد الوزير المغربي في شأنه :
لقد كتب والد الوزير المغربي (عليّ بن الحسين) على ظهر نسخة من كتاب (اختصار إصلاح المنطق) ـ وهو من تأليف الوزير المغربي ـ في وصف ولده ما يلي :
«وُلد ـ سلّمه الله وبلّغه مبلغ الصالحين ـ أوّل وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد ، الثالث عشر من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمئة ، واستظهر القرآن وعدّة من الكتب في اللغة والنحو ، ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم ، ونظم الشعر وتصرّف في النثر ، وبلغ من الحظ
__________________
(1) ابن خلّكان ، وفيات الأعيان ، ج 2 ، ص 172.

ما يقصر عنه نظراؤه ، ومن حساب المولِّد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات إلى ما يستقلّ بدونه الكاتب ، وذلك كلّه قبل استكماله أربع عشرة سنة ...»(1).
ثمّ استطرد في بيان بعض التوضيحات حول كتاب (اختصار إصلاح المنطق) حيث تقدّم ذكر ذلك.
__________________
(1) بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2537 ؛ وفيات الأعيان ، ج 2 ، ص 173.

تنويه :
فيما يلي سوف نتحدّث ـ عن الصلة بين السيّد المرتضى والوزير المغربي ـ بشأن تاريخ تأليف كتاب المقنع في الغيبة ـ الذي يُشكّل مصدراً رئيساً لبحث الغيبة ـ لنذكر شذرات متفرّقة حول الوزير المغربي ، ومن ثمّ نتعرّض إلى آرائه التفسيرية بالتفصيل لنقوم من خلالها بالبحث في منهجه التفسيري ، لننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن نجله (أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين) وأشعاره ، ثمّ نختم البحث بشأن أسرة أبي عبد الله النعماني بذكر بعض أرحام الوزير المغربي.
__________________
(1) تعريب: السيّد حسن عليّ مطر الهاشمي.



الوزير المغربي والسيّد المرتضى
لقد ورد ذكر اسم الوزير المغربي في بداية رسالتين من رسائل السيّد المرتضى (علم الهدى) ، وهما : رسالة مسألة في الولاية من قبل السلطان(1) ، ورسالة المقنع في الغيبة. حيث نقرأ في مستهلّ رسالة في الولاية من قبل السلطان ما يلي :
«جرى في مجلس الوزير السيّد الأجلّ أبي القاسم الحسين بن عليّ المغربي(2) ـ أدام الله سلطانه ـ في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وأربعمئة ، كلام في الولاية من قبل الظلمة وكيفية القول في حسنها وقبحها ، فاقتضى ذلك إملاء مسألة وجيزة يطّلع بها على ما يحتاج إليه في هذا الباب ...».
لا يبعد أن تكون الهواجس الدينية والمذهبية التي كانت تنازع الوزير المغربي في حينها ـ حيث كان يتولّى أمر الوزارة لمشرف الدولة البويهي ـ كانت هي الدافع وراء طرح مثل هذه المسألة وكتابة هذه الرسالة ، فإنّ الوزير
__________________
(1) ذكر النجاشي هذه التسمية لرسالة السيّد المرتضى في رجاله ، ص 271 / 708. وقد طبعت هذه الرسالة تحت عنوان «مسألة في العمل مع السلطان» ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى ، ص 87 ـ 97. ولكن بالالتفات إلى مقدّمة هذا الكتاب نجد تسمية هذه الرسالة بـ «مسألة في الولاية من قبل الظلمة» هو الأنسب بها.
(2) تم تحريف هذه الكلمة في النصّ المطبوع بالمغربي.

المغربي قد تولّى بعض المسؤوليّات من قبيل الوزارة وكاتب الديوان من قبل هؤلاء الخلفاء والأمراء على الرغم من اعتقاده بمذهب التشيّع الذي يقول بعدم شرعية خلافة الخلفاء وأمراء الجور الأمر الذي كان يثير مخاوف لدى جميع الشيعة الذين يتولّون مثل هذه المناصب ، كان الهاجس الملحّ بالنسبة لهم هو التعرّف على الأحكام الشرعية المترتّبة على من يتولّى مثل هذه المناصب. ومن هنا يأتي استفسار الوزير المغربي من السيّد المرتضى حيث طلب منه الإجابة عن هذه المسألة ، وقد بيّن السيّد المرتضى في هذه الرسالة المختصرة حدود ما يجوز وما يحرم من قبول الولاية من قبل سلاطين الجور.
خلاصة الكلام أنّ السيّد المرتضى يذهب إلى جواز التصدّي للمسؤولية في أجهزة سلاطين الجور إذا كان الدافع من ذلك إقامة الحقِّ ودفع الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل يكون الدخول في أمر السلطان واجباً ، خاصّة إذا كان ذلك مصحوباً بالإكراه ، بحيث تتعرّض حياته للخطر إذا لم يقبل الولاية منه.
وقد كانت مثل هذه الدوافع هي السبب وراء قبول العلماء والصالحين التصدّي لهذه الأعمال. وفي الحقيقة فإنّ الذي يبدو بحسب الظاهر هو أنّ هؤلاء الأفراد كانوا منصوبين من قبل سلاطين الجور ، بيد أنّ الحقيقة هي أنّهم منصوبون من قبل الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام ، لأنّهم إنّما قبلوا بتولّي هذه المناصب بإذن خاصّ من الأئمّة مع اشتراط رعاية بعض الأمور عليهم ، وبطبيعة الحال

يتعيّن على هؤلاء أن لا يقوموا ببعض الأعمال الجائرة ، وخاصّة مثل قتل النفس ، فإنّ ذلك لا يجوز حتّى لو كان هناك إكراه في البين.
وإذا وافقوا على تولّي مثل هذه المناصب لدوافع صحيحة ، لم يكن للناس الحقّ في منازعتهم والاعتراض عليهم.
هذا وقد استطرد السيّد المرتضى في هذه الرسالة واسترسل في بيان كيفية تشخيص الدوافع الصحيحة من السقيمة لنفس المتولّي لتلك المناصب وسائر الناس أيضاً.
الوزير المغربي ورسالة المقنع في الغيبة :
أمّا الرسالة الأخرى للسيّد المرتضى التي وردت فيها الإشارة إلى اسم الوزير المغربي فهي رسالة المقنع في الغيبة ، إذ جاء في بدايتها ما يلي :
«جرى في مجلس الوزير السيّد ـ أطال الله في العزّ الدائم بقاءه ، وكبت حسّاده وأعداءه ـ كلام في غيبة الإمام ألممتُ بأطرافه ، لأنّ الحال لم يقتض الاستقصاء والاستيفاء ، ودعاني ذلك إلى إملاء كلام وجيز فيها يطّلع به على سرّ هذه المسألة ويحسم مادّة الشبهة المعترضة فيها ، وإن كنت قد أودعت الكتاب الشافي في الإمامة ، وكتابي في تنزيه الأنبياء والأئمّة : من الكلام في الغيبة ما فيه كفاية ...»(3).
يبدو أنّ المراد من الوزير في هذه العبارة هو الوزير المغربي ، كما ذكر
__________________
(1) السيّد المرتضى ، المقنع ، ص 31.

ذلك العلاّمة الطهراني في كتابه القيّم الذريعة إلى تصانيف الشيعة(1). وليس من المستبعد أن تكون هذه الرسالة قد كتبت بعد الرسالة المتقدّمة ، فإنّ أسلوب دعاء السيّد المرتضى للوزير المغربي يوحي بأنّ الوزير كان يعاني من حسد الحاسدين وعداوة بعض المبغضين ، وإنّ مقارنة هذا الدعاء بالدعاء الوارد في الرسالة الأولى يثبت اختلاف الواقع السياسي الذي كان عليه الوزير المغربي في فترة كتابة كلتا الرسالتين ، ولكي نلقي مزيداً من الضوء على هذا الموضوع يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة على سيرة حياة الوزير المغربي المليئة بالمنعطفات :
تعرّضنا في المقال السابق إلى رواية الوزير المغربي لسيرته وبداية حياته وجذور أسرته وكيفية انتقالهم إلى مصر وتمكّنهم فيها ، وقد كانت نهاية حياة هذه الأسرة في مصر مأساوية ، حيث غضب عليهم الحاكم العبيدي في ذي القعدة من عام 400 للهجرة ، فقتل والد الوزير المغربي وعمّه وأخوين له ، وقد سعى إلى الظفر بالوزير المغربي نفسه أيضاً ، بيد أنّ الوزير نجح في الإفلات من قبضته ، حيث احتال عليه بدهاء وهرب منه ولجأ إلى أمير الرملة ابن الجرّاح حسّان بن حسن ، وقد أضمر الوزير الانتقام من حاكم مصر ، وعمل على إثارة أمير الرملة ضدّ خليفة مصر ، وشجّعه على بيعة أمير مكّة أبو الفتوح الحسن بن جعفر.
__________________
(1) العلاّمة الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 22 ، ص 123 (نقلاً عن المحدّث النوري).

وقد ذهب الوزير المغربي إلى مكّة ، ثمّ عاد منها إلى الرملة بصحبة أمير مكّة ، وحيث تخوّف الحاكم من هذه التحرّكات بذل أموالاً طائلة لاجتذاب ابن الجرّاح إلى صفّه ، ولذلك فقد أعرض ابن الجرّاح عن أبي الفتوح ، فعاد أبو الفتوح إلى مكّة ، وهرب الوزير المغربي إلى العراق ، وأقام هناك عند فخر الملك في واسط ، وقد حظي الوزير المغربي باحترام فخر الملك ، وقد عمل الأخير على إزالة سوء ظنّ الخليفة العبّاسي به ، وبعد مقتل فخر الملك انتقل الوزير المغربي إلى بغداد ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى الموصل ليتولّى الكتابة والوزارة للأمير قرواش(1).
وقد أشار ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ ضمن أحداث سنة 411 للهجرة إلى إلقاء قرواش القبض على الوزير المغربي ، واحتيال الوزير عليه وهروبه من سجنه ، حيث قال ما نصّه : «في هذه السنة قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلّد على وزيره أبي القاسم المغربي ... وأمّا المغربي فإنّه خدع قرواشاً ، ووعده بمال له في الكوفة وبغداد فأمر بحمله ، وترك»(2).
وقال في بيان أحداث سنة 414 للهجرة : «في هذه السنة قبض مشرف الدولة على وزيره مؤيّد الملك الرخجي في شهر رمضان .... واستوزر بعده أبا القاسم الحسين بن عليّ بن الحسين المغربي ، ومولده بمصر سنة سبعين
__________________
(1) لقد وردت أخبار الوزير المغربي في العديد من المصادر ، ولكنّنا اعتمدنا في الغالب على «معجم الأدباء» ، ج 10 ، ص 83.
(2) عزّ الدين بن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 5 ، ص 651 و 652.
 

وثلاثمائة»(7).
كما نقل ابن العديم هذا التاريخ لاستيزار الوزير المغربي عن تاريخ الصابي أيضاً(8) ، بيد أنّه نقل عن مصادر أخرى أنّ تاريخ وزارته في بغداد في شهر رمضان سنة 415 للهجرة(9) ، ويبدو أنّ ذلك وقع خطأ ؛ لأنّ السيّد المرتضى يُشير في بداية رسالته ـ رسالة الولاية من قبل السلطان ـ إلى تواجده وحضوره في مجلس الوزير السيّد الأجل أبي القاسم الحسين بن عليّ المغربي ـ أدام الله سلطانه ـ في جمادى الآخرة سنة 415 للهجرة ، ويبدو من ظاهرها أنّ وزارة الوزير المغربي كانت في هذا التاريخ(10).
وقد أشار ابن الأثير في أحداث سنة 415 للهجرة إلى الخلاف المحتدم بين الأثير عنبر الخادم ومعه الوزير ابن المغربي من جهة ، وبين الأتراك من جهة أخرى ، الأمر الذي أدّى إلى هروب الوزير المغربي إلى قرواش(11).
وأضاف ابن الأثير أنّ وزارة الوزير المغربي قد استمرّت لعشرة أشهر وخمسة أيّام. وعليه فبالالتفات إلى بداية وزارته في شهر رمضان المبارك من سنة 414 للهجرة ، تكون وزارته قد بلغت نهايتها في شهر رجب أو ربّما في شهر شعبان من سنة 415 للهجرة. ويبدو أنّ رسالة المقنع في الغيبة قد كتبت
__________________
(1) المصدر أعلاه ج6 ، ص 376.
(2) انظر ، ابن العديم ، بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 6 ، ص 2537.
(3) المصدر أعلاه ، ص 2540 و 2552.
(4) رسائل الشريف المرتضى ، المجموعة الثانية ، ص 89.
(5) عزّ الدين بن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 6 ، ص 10.
 

في الفترة الأخيرة من وزارة المغربي أو عندما تزعزع الموقع السياسي للوزير المغربي.
وإثر الفتنة التي وقعت بين العلويّين والعبّاسيّين في الكوفة(1) ، عمد الأمير قرواش إلى نفي أبي القاسم المغربي بأمر من الخليفة العبّاسي(2) ، فانتقل إلى ديار بكر ، وتولّى الوزارة للأمير عليها وهو أحمد بن مروان ، حتّى وافته المنية في ميافارقين ، في الحادي عشر من شهر رمضان سنة 418 للهجرة عن عمر ناهز الثامنة والأربعين سنة(3) ، فحملت جنازته طبقاً لوصيّته إلى الكوفة ، ودفن إلى جوار مرقد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام.
مدح السيّد المرتضى للوزير المغربي :
وقد ذكر السيّد المرتضى في معرض كلامه في بداية رسالة المقنع عبارات في مدح الوزير المغربي وهي عبارات جديرة بالالتفات ، حيث اعتبر من بين أهمّ ما يميّز الوزير المغربي أنّه يعتبر خبيراً في معرفة فنون الكلام وقد شبّهه بالقول : «عرض الجواهر على منتقدها ، والمعاني على السريع إلى إدراكها ، الغائص بثاقب فطنته إلى أعماقها»(4).
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ج 6 ، ص 10 ـ 11 ؛ بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 6 ، ص 2552.
(2) الكامل في التاريخ ، ج 6 ، ص 20.
(3) بغية الطلب ، ج 6 ، ص 2555 ؛ تاريخ دمشق ، ج 14 ، ص 109.
(4) السيّد المرتضى ، المقنع ، ص 32.
 

حيث تشير هذه العبارة إلى أنّ الوزير المغربي فيما يتعلّق بتمييز الكلام السليم من غيره بمنزلة الخبير بمعرفة الجواهر ، بالإضافة إلى سرعة فهمه وإدراكه لمعانيها بثاقب فطنته ، ثمّ استطرد قائلاً :
«وأرى من سبق هذه الحضرة العالية ـ أدام الله أيّامها ـ إلى أبكار المعاني واستخراجها من غوامضها وتصفيتها من شوائبها وترتيبها في أماكنها ، ما ينتج الأفكار العقيمة ، ويُذكّي القلوب البليدة و ...».
وفي هذه العبارة إشارة إلى تمكّن الوزير المغربي من الإبداع والتمييز بين السليم والسقيم وتنظيمه الصحيح للمطالب.
فإنّ الدقّة الموجودة في مؤلّفات الوزير المغربي لدليل واضحٌ على هذه الخصائص المتوفّرة لديه.
وسوف تكون لنا عودة لتقييم آرائه التفسيرية كما سنأكّد مرّة أخرى على نظريّاته المبتكرة.
ثمّ وصف السيّد المرتضى مجلس الوزير بالسوق العامرة التي لا تعرض فيها إلاّ البضائع الثمينة ، وأمّا البضائع الرديئة فلا مكان لها في هذه السوق أبداً ، وقد سأل الله أن يديم هذه النعمة.
تعدّ رسالة المقنع في الغيبة من المصادر الهامّة والأمّ فيما يتعلّق بغيبة الإمام المنتظر (عج) ، وقد كانت هذه الرسالة ـ التي هي عبارة عن تحليل كلامي بديع في هذا المجال ـ مصدراً رئيسيّاً لكتاب الغيبة للشيخ الطوسي ، ولكتاب إعلام الورى للشيخ الطبرسي ، كما صرّح بذلك مصحّح هذه الرسالة
 

في مقدّمتها(1).
وجدير بالذكر أنّ العلاّمة الطهراني قال ـ في ذيل عنوان مسألة في معنى الباء ـ : «... للسيّد الشريف المرتضى علم الهدى ، موجود عند الحاج سيّد أبو القاسم الأصفهاني في النجف ، كتبها بعد ما جرى البحث فيها في مجلس الوزير أبي القاسم الحسين بن عليّ المغربي في جمادى الأولى سنة 415 للهجرة»(2).
وهذا التاريخ هو المذكور في بداية رسالة الولاية من قبل السلطان ، وفي النصّ المطبوع لرسالة مسألة في معنى الباء لم يرد كلام بشأن هذا التاريخ ولا مجلس الوزير أبداً(3) ، ولا نعلم ما إذا كان هناك سقط في بداية النسخة المطبوعة(4) أم أنّ العلاّمة الطهراني قد خلط في كلامه بين رسالتي السيّد المرتضى.
اسم الوزير المغربي في مؤلّفات الآخرين :
لقد ورد ذكر الوزير المغربي في الكثير من الكتب التاريخية واللغوية ،
__________________
(1) ص 12 ـ 16.
(2) الشيخ الآغا بزرگ الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 20 ، ص 394 / 3630.
(3) رسائل الشريف المرتضى ، المجموعة الثانية ، ص 67.
(4) تستهلّ هذه الرسالة بعبارة : «ليس يمتنع القول ...» ولا نرى أيّ خطبة أو مقدّمة في بدايتها ، من هنا يكون احتمال حصول السقط في النسخة المطبوعة وارداً إلى حدّ كبير.
 

وقد نقلت عنه بعض المطالب(20) ، وقد وردت الإشارة إلى اسم الوزير المغربي بكثرة من قبل العلاّمة الطهراني في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، وكذلك من قبل العلاّمة السيّد محسن الأمين في كتاب أعيان الشيعة(21) ،
__________________
(20) من قبيل : ابن ماكولا ، الإكمال ، ج 1 ، ص 277 ؛ ابن العديم ، بغية الطلب في تاريخ حلب ، ج 9 ، ص 4291 و 4295 و 4296 ؛ ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج 1 ، ص 111 و 349 ، وج 2 ، ص 117 و 539 ، وج 3 ، ص 88 و 157 و 233 و 379 ، وج 4 ، ص91 ، وج 6 ، ص 400 ؛ البلاذري ، معجم البلدان ، ج 2 ، ص 217 و 493 ، وج 4 ، ص 345 ، الصحاح ، ج 6 ، ص 2376 ؛ ابن منظور الإفريقي ، لسان العرب ، ج 2 ، ص 197 ، وج 11 ، ص 313 ، وج 12 ، ص 593 ؛ تاج العروس ، ج 1 ، ص 463 و 651 ، وج 2 ، ص 290 و 361 و 414 ، والكثير من الموارد الأخرى ، انظر : مختلف مواضع كتاب الوزير المغربي.
(21) العلاّمة الطهراني ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، ج 1 ، ص 85 / 18 ، 354 / 1868 ، 357 / 1878 ، 363 / 1905 و 1906 ، 364 / 1908 ، 387 / 1989 وج 2 ، ص 173 / 637 و 638 ، 250 ، 289 / 1165 ، 516 / 2033 وج 4 ، ص 273 ، 314 ، 320 ، 420 / 1851 ، 508 وج 7 ، ص 169 / 897 وج 9 ، ص 249 ، 699 (وهنا تمّت الإشارة إلى أن عبد المحسن الصوري قد نظم قصيدة في مدح والد الوزير المغربي ، وهي موجودة في ديوانه) ، 1268 / 8131 وج 10 ، ص 113 ، 158 وج 11 ، ص 83 / 520 ، 287 / 1738 وج 12 ، ص 77 / 523 ، 270 / 1802 وج 17 ، ص 6 / 30 ، 53 / 287 وج 19 ، ص 17 / 73 وج 20 ، ص 170 / 2438 ، 175 / 2465 ، 179 / 2485 ، 293 / 3033 ، 394 / 3630 ، 398 / 3656 وج 21 ، ص 79 / 4039 وج 22 ، ص 122 / 6360 ، ص 123 / 6362 ، ص 197 / 6679 ؛ أعيان الشيعة ، ج 1 ، ص 174 ، 183 ، 191 ، 284 وج 2 ، ص 21 ، 221 ، 395 ، 396 ، 416 ، 445 وج 3 ، ص 36 ، 242 ، 251 ، 255 وج 4 ، ص135 ، 513 ، وج 5 ، ص 38 ، 39 ، 227 (موردان) ، 257 ، وج 6 ، ص 146 ، وج 7 ، ص 340 (موردان) ، وج 8 ، ص 99 ، وج 10 ، ص 197 ، 281 ، 306.

ونحن هنا لا نرى حاجة إلى نقل تفصيلي لكلِّ هذه الإشارات ، وإنّما نكتفي بنقل عدد من العبارات القصيرة التي تحتاج إلى شيء من التوضيح ، أو المعلومات الخاصّة بشأن الوزير المغربي :
1 ـ في كتاب بحار الأنوار في ضمن الإجازة الكبيرة للعلاّمة الحلّي إلى بني زهرة ، جاء ذكر طرقه إلى مصنّفات الهروي ، على النحو الآتي :
«ومن ذلك جميع مصنّفات الهروي صاحب كتاب الغريبين ورواياته عنّي عن والدي رحمه‌الله عن السيّد فخار بن معد الموسوي ، عن أبي الفرج بن الجوزي ، عن ابن الجواليقي ، عن أبي زكريّا الخطيب التبريزي ، عن الوزير أبي القاسم المقري ، عن الهروي. وبهذا الإسناد جميع مصنّفات أبي القاسم الوزير المغربي ورواياته»(1).
وقد ورد في هذا النصّ التعبير بـ : (المقري) وهو تحريف أو تصحيف لكلمة (المغربي).
2 ـ وقد نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء في ترجمة محمّد بن جعفر التميمي ، المعروف بابن النجّار (المتوفّى سنة 402 للهجرة) ـ الذي هو من مشايخ النجاشي ـ عن كتاب زيادات فهرست ابن النديم تأليف الوزير
__________________
كما وردت ترجمة الوزير المغربي في الجزء السادس ، ص 111 ، والجزء الثامن ، ص 187 أيضاً (كما تقدّم) ، وأيضاً : مستدركات أعيان الشيعة ، ج 2 ، ص 122 ، وج 3 ، ص 2522 ، وج 4 ، ص 47 ـ 97 (نقلاً عن الدكتور إحسان عبّاس) ، وج 5 ، ص 291 ، 255 ، 297.
(1) العلاّمة محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 107 ، ص 80 ـ 81.
 

المغربي :
«ولد سنة إحدى عشرة وثلاثمئة قال : وكان من مجوّدي القرّاء ، أخذ عن النقّار وغيره ، وكان يقرئ لحمزة والكسائي الغالب في أخذه ، ولقي أحمد ابن يونس ، وروى قراءة عاصم عنه عن الأعشى عن أبي بكر عيّاش عن عاصم ، ولقي من المحدّثين القدماء ابن الأشناني الكبير وابن الأشناني القاضي ، وابن مروان القطّان ، وأبا عبيدة وغيرهم. قال : وكنّا سمعنا منه : كتاب القراءات ، وكتاب مختصر في النحو ، وكتاب الملح والنوادر ، وكتاب التحف والطرف ، وكتاب الملح والمسارّ ، وكتاب روضة الأخبار ونزهة الأبصار ، وكتاب تاريخ الكوفة رأيته»(1).
3 ـ وفي ترجمة أبي طالب محمّد بن عليّ بن عليّ ، المعروف بابن الخيمي (549 ـ 642 للهجرة) تمّ ذكر كتاب له اسمه الردّ [ردّ] على الوزير المغربي(2).
وهذا الكتاب غير متوفّر عندنا ، ولا نعرف شيئاً عن محتواه ، ولكن يبدو على كلّ حال أنّ المراد من الوزير المغربي هو هذه الشخصية المعروفة
__________________
(1) معجم الأدباء ، ج 18 ، ص 103. جدير بالذكر أنّ الدكتور إحسان عبّاس الذي كان بصدد جمع ما تبقّى من تراث الوزير المغربي ضمن كتاب (الوزير المغربي) ، قد أغفل ذكر هذا النصّ ، ومن هنا جاء نقلنا لهذا النصّ لما يحتوي عليه من نقاط هامّة في حياة الوزير المغربي.
(2) الوافي بالوفيات ، طبعة دار إحياء التراث ، ج 4 ، ص 130 ؛ هدية العارفين ، ج 2 ، ص 122 ؛ أعلام الزركلي ، ج 6 ، ص 282.
 

التي نتحدّث عنها.
وقد عثرنا على شخصين آخرين يُعرفان بالوزير المغربي ، وهما : محمّد بن الحسين بن عبد الرحيم عميد الدولة أبو سعيد المعروف بالوزير المغربي (م 388 للهجرة)(1) ، والآخر : لسان الدين ابن الخطيب محمّد بن عبد الله أبو عبد الله الوزير المغربي (713 ـ 776 للهجرة)(2) ، وهو متأخّر عن عصر ابن الخيمي ، وعليه لا يمكن لكتاب ابن الخيمي أن يكون ردّاً عليه ، كما أنّ الشخص الأوّل لم يكن معروفاً بوصفه من العلماء والمفكّرين ؛ وعليه فإنّ كتاب ابن الخيمي في الردّ على الوزير المغربي حيث وصفه فيه بأنّه إمام في اللغة ورواية الشعر والأدب(3) ، يجب أن يكون ردّاً على الوزير المغربي المعروف الذي كان لغويّاً وبارزاً في الشعر والأدب.
4 ـ وقد ذكر مؤلّف تهذيب الكمال في ترجمة عبد الله بن مسلم القرشي الفهري أبو محمّد المصري (125 ـ 197 للهجرة) في عداد رواته شخصاً اسمه غالب بن الوزير المغربي(4) ، فمن هو هذا الشخص؟ وما هي نسبته إلى الوزير المغربي الذي عقدنا البحث من أجله؟ وما هي طبيعة روايته عن عبد الله بن وهب وأين حصلت؟ وهل هناك احتمال حصول تحريف في هذا العنوان؟ أسئلة لم تحسم الإجابة عنها بعد.
__________________
(1) هديّة العارفين ، ج 2 ، ص 56 ؛ أعلام الزركلي ، ج 9 ، ص 242.
(2) المصدر أعلاه ، ج 2 ، ص 167 ؛ إيضاح المكنون ، ج 2 ، ص 409 و 474.
(3) الوافي بالوفيات ، ج 4 ، ص 130.
(4) تهذيب الكمال ، ج 16 ، ص 281.

5 ـ عمد الدكتور إحسان عبّاس في كتابه الوزير المغربي إلى جمع أشعاره من مختلف الكتب ، وفي كتاب تفسير كشف الأسرار هناك بيتان من الشعر لم ينقلهما الدكتور إحسان عبّاس في كتابه ، وقد ذُكر هذان البيتان في تفسير كشف الأسرار على الشكل الآتي :

«خُلِقتَ من التُّراب فصِرتَ شَخصاً
 

 

بَصيراً بالسُّؤال وبالجَوابِ
 

وعُدتَ إلى التُّرابِ فصِرتَ فيه
 

 

كأنَّكَ ما بَرِحتَ مِنَ التُّرابِ»(1)
 

ويمكن إطلاق لقب (أبو القاسم المغربي) على أشخاص من أمثال :
ـ أبو القاسم المغربي (أستاذ الحاكم الحسكاني) ، المنصور بن خلف بن حمّود الصوفي المغربي المالكي (م 415 للهجرة)(2).
ـ عبد الخالق بن شبلون المغربي المالكي (م 391 للهجرة)(3).
ـ عبد الخالق بن عبد الوارث المغربي السيوري (م 460 للهجرة)(4).
ـ أبو القاسم المغربي (أستاذ ابن عساكر)(5) ، عبد الملك بن عبد الله بن
__________________
(1) تفسير كشف الأسرار وعُدّة الأبرار ، ج 7 ، ص 446.
(2) يروي الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ، ج 1 ، ص 135 / 146 عن أبي القاسم المغربي عن أبي بكر بن عبدان الحافظ. وقد روى في موضعين آخرين عن المنصور بن خلف ، أحدهما في ص 305 / 318 (وهو مثل المورد الأول عن أبي بكر أحمد بن عبدان) ، والآخر في ص 417 / 440.
(3) الذهبي ، تاريخ الإسلام ، طبعة بشار عواد ، ج 8 ، ص 704.
(4) سير أعلام النبلاء ، ج 18 ، ص 101 / 213 ومصادره وهوامشه.
(5) تاريخ دمشق ، ج 41 ، ص 112 و 116.

داود (م 527 للهجرة)(1).
ـ أبو القاسم بن الحكم المغربي(2).
ولم يُعرف أيّ واحد من هؤلاء بوصفه شاعراً ، بيد أنّنا نعرف شاعرين بهذا الاسم ، أحدهما : الوزير المغربي ، والآخر : محمّد بن هاني الأندلسي(3) ، ولم يتّضح من هو المراد من أبي القاسم المغربي في العبارة الآنفة ، ولكن يبدو أنّ احتمال كون المراد منه الوزير المغربي هو الأقوى.
6 ـ كما نقل صاحب كتاب الوزير المغربي عن أعيان الشيعة أشعاراً في مدح الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام(4) ، ومن هذه الأشعار ما نقطع بنسبته إلى نجل الوزير المغربي (أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين) ، والبعض الآخر فهو محتمل النسبة إليه. وسيكون لنا حديث مفصّل بهذا الشأن إن شاء الله.
7 ـ نقل البيّاضي ثلاثة أبيات من الشعر عن نجل الوزير المغربي(5) ، وهذه الأبيات من قصيدة تفصيلية نظمها أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين نجل الوزير المغربي. وسيأتي النصّ الكامل لهذه القصيدة في ترجمته.
كما نسب البيّاضي ثلاثة أبيات أخرى من الشعر للوزير المغربي(6) ،
__________________
(1) تذنيب ابن النجار على تاريخ بغداد ، ج 1 ، ص 40.
(2) تفسير البغوي ، ج 1 ، ص 272.
(3) الوافي بالوفيات ، ج 1 ، ص 260.
(4) الوزير المغربي ، ص 148 و 149 و 158.
(5) الصراط المستقيم ، ج 3 ، ص 10.
(6) المصدر أعلاه ، ص 278.
 

حيث يحتمل أن تكون هذه الأبيات من نظم الوزير المغربي نفسه. وإنّ التعبير في مورد الأبيات الثلاثة الآنفة للذكر بـ : (نجل المغربي) يؤيّد انتساب هذه الأبيات الثلاثة الأخرى إلى الوزير المغربي نفسه :

«أجاز الشافعيُّ فقال شَيئاً
 

 

وقال أبو حنيفة لا يجُوزُ
 

فضلّ الشِّيبُ والشبّانُ منّا
 

 

ولم تُهدى الفتاةُ ولا العجُوز
 

ولم آمن على الفقهاءِ حَبساً
 

 

إِذا ما قيلَ للأُمناءِ جُوزوا».
 

ما وصل إلينا من تفسير الوزير المغربي :
تقدّم أن أشرنا في أثناء الحديث عن مؤلّفات الوزير المغربي إلى تفسيره ، وبحثنا في اسم هذا الكتاب واتّحاده مع خصائص علم القرآن ، وفي كتب التراجم تمّ الاكتفاء بنقل جملة واحدة عنه (1).
وقد قام الدكتور إحسان عبّاس في كتاب الوزير المغربي بجمع المتوفّر من أشعار وكتب الوزير المغربي ، إلاّ أنّه لم ينقل شيئاً عن تفسيره ، وإنّما اكتفى بمجرّد تعريف مقتضب عن شخصيته كمفسّر ، واقتصر على نقل القليل من آرائه التفسيرية(2) ، ولذلك بقي الجانب التفسيري لهذا العالم الشهير مستتراً ، إلاّ أنّ الأستاذ الفاضل مرتضى كريمي نيا قد عثر على ثلاث نسخ منه
__________________
(1) رياض العلماء ، ج 2 ، ص 147 ؛ أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 114.
(2) حيث أشار في هامش اسم تفسيره للقرآن إلى ذكر عبارة مروية في أعيان الشيعة ، وتحدّث بشيء قليل عن رأيه في إعجاز القرآن. انظر : الوزير المغربي ، ص 100 ـ 103.
 

وقد قدّم دراسة حولها في مجلّة (تراثنا)(1) تحت عنوان (المصابيح في تفسير القرآن كنز من تراث التفسير الشيعي) ، والآن هو بصدد تحقيقه.
بيد أنّه من خلال الرجوع إلى تفسير التبيان نتمكّن من الحصول على الكثير من الآراء التفسيرية للوزير المغربي ، كما يمكن الحديث عن منهجه في تفسير القرآن.
لقد اشتمل هذا الكتاب في سبعة وخمسين موضعاً منه على ذكر اسم الوزير المغربي وآرائه (2) ، كما ورد ذكر الوزير المغربي كثيراً في مجمع البيان للعلاّمة الطبرسي ، وتفسير روض الجنان للشيخ أبي الفتوح الرازي ، ومتشابه القرآن ومختلفه لابن شهر آشوب ، وفقه القرآن لقطب الدين الراوندي. وبعد مقارنة هذه الكتب بتفسير التبيان لا نجد فيها شيئاً جديداً من النقل. ويبدو أنّه لا يوجد من هؤلاء المؤلّفين مَن كان يمتلك أصل تفسير الوزير المغربي ، وإنّما قد اعتمدوا بأجمعهم على تفسير التبيان في نقله عن الوزير
__________________
(1) تراثنا ، العدد (113 ـ 114) ، ص : 55 ، السنة التاسعة والعشرون سنة (1434هـ).
(2) جدير بالذكر أنّ اسم الحسين بن عليّ المغربي قد تمّ تحريفه في بعض الموارد على شكل الحسن بن عليّ المغربي ، انظر : التبيان ، ج 1 ، ص 129 ، وج 2 ، ص 573 ، وج 3 ، ص 31 و 366 (بيد أنّ طبعة جامعة المدرّسين تخلو من هذه التحريفات) ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 112 ، وج 2 ، ص 224 ؛ متشابه القرآن ومختلفه ، ج 1 ، ص 141. وفي بعض مواضع تفسير أبو الفتوح الرازي تمّ التعبير عن الوزير المغربي خطأ بـ : (عليّ بن الحسين المغربي). (روض الجنان ، ج 6 ، ص 20 ، 117 ، 221 ، 225 ، 267 ، 410 ، وج 7 ، ص 19 ، 123 ، 319).
 

المغربي. وبشكل عام فإنّ الكتب المتقدّمة قد اقتبست عن تفسير التبيان(1) في أكثر الموارد.
وفيما يلي نستعرض جميع المنقولات التفسيرية للوزير المغربي على ترتيب السور القرآنية ، كي يتمكّن الباحثون من الاستفادة من آرائه التفسيرية والوصول إلى منهجه التفسيري. ونحن هنا لا نتعرّض إلى صوابية آرائه أو عدم صوابيّتها ، وسنكتفي بذكر بعض النقاط في معرفة منهجه العام في التفسير ، فنقول :
1 ـ (ألم)(2).
«اختلف العلماء في معنى أوائل [أمثال] هذه السور مثل (ألم) و (ألمص) و (كهيعص) و (طه) و (صاد) و (قاف) و (حم) وغير ذلك على وجوه ... وروي في أخبارنا أنّ ذلك من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، واختاره الحسين بن عليّ المغربي ، وأحسن الوجوه التي قيلت
__________________
(1) قال الطبرسي في مقدّمة مجمع البيان بعد الثناء والمدح الكثير على تفسير التبيان : (وهو القدوة أستضيء بأنواره ، وأطأ مواقع آثاره) ، ولكنّه أضاف إلى ذلك قائلاً : (غير أنّه خلط في أشياء ممّا ذكره في الإعراب والنحو الغثّ بالسمين ، والخاثر بالزباد ، ولم يميّز بين الصلاح ممّا ذكره فيه). ومن خلال المقارنة بين التبيان ومجمع البيان يتّضح أنّ الطبرسي قد نقل أغلب مسائل تفسيره عن الطوسي (ولكن بتنظيم أحسن) إلاّ ما كان متعلّقاً بمسائل النحو والإعراب. كما أنّ تأثير التبيان على فقه القرآن للراوندي من العمق بحيث يمكن القول إنّ فقه القرآن إنّما هو تنظيم للمسائل الفقهية في تفسير التبيان على ما هو عليه ترتيب الكتب الفقهية. وأمّا تفسير أبو الفتوح الرازي فهو في الغالب ترجمة للتبيان.
(2) البقرة : 1.
 

قول من قال إنّها أسماء للسور ...»(1).
2 ـ (اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)(2).
«نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الأحزاب ، قتلوا يوم بدر في قول الربيع بن أنس واختاره البلخي والمغربي ... والذي نقوله إنّه لابدّ أن تكون الآية مخصوصة ... وأمّا القطع على واحد ممّا قالوه ، فلا دليل عليه ويجب تجويز كلّ واحد من هذه الأقوال»(3).
3 ـ (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(4).
«قال أبو عبيدة : (إذا)(5) زائدة ... قال الزّجاج والرّماني : أخطأ أبو عبيدة لأنّ كلام الله لا يجوز أن يحمل على اللغو مع إمكان حمله على زيادة فائدة. قال : ومعنى (إذا) الوقت وهي اسم كيف يكون لغواً؟ قال والتقدير الوقت. والحجّة في (إذا) أنّ الله عزّ وجلّ ذكر خلق الناس وغيرهم ، فكأنّه قال : ابتدأ خلقك إذ قال ربُّك للملائكة. وقال الفضل : لمّا امتنّ الله بخلق السماوات والأرض ، ثمّ قال : وإذ قلنا للملائكة ما قلناه فهو نعمة عليكم
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 48 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 1 ، ص 358) ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الهوامش التالية ستكون الإحالات بين المعقوفتين عن تفسير التبيان منقولة عن هذه الطبعة.
(2) البقرة : 6.
(3) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 59 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 1 ، ص 378).
(4) البقرة : 30.
(5) ورد في كلتا الطبعتين (إذا) ، والموجود في الآية الشريفة (إذ).
 

وتعظيم لأبيكم ، واختار ذلك الحسين بن عليّ المغربي»(1).
4 ـ (اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(2).
«معنى هادوا : تابوا ... وأصل الهود : الطمأنينة ، ويخبر به عن لين السير ، ومنه الهوادة وهي السكون. قال الحسين بن عليّ المغربي : أنشدني أبو رعاية السلمي ـ وهو من أفصح بدوي أطاف بنا وأغزرهم رواية ـ :

صباغتها من مهنة الحيِّ بالضحى
 

 

جياد المداري حالك اللون أسودا
 

إذا نفضته مال طوراً بجيدها
 

 

وتمثاله طوراً بأغيدا فوّدا
 

كما مال قنوا مطعم هجرية
 

 

إذا حركت ريح ذرى النخل هوّدا
 

المطعم : النخلة ، شبّه شعرها بأقناء البسر ، هوّد : تحرّك تحريكة ليّنة ، قال زهير :

ولا رهقـاً من عـائذ متـهوّد
 

 

وليس اسم يهود مشتقّاً من هذا»(3).
 

5 ـ (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 129 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 53). جدير بالذكر أنّنا نقلنا هنا شيئاً من عبارات المفسّرين الآخرين كيما يتّضح كلام الحسين بن عليّ المغربي بشكل أفضل. وهو ما سنقوم به في نقل سائر الموارد. كما سوف نتحدّث عن المراد من (الفضل) في عبارة (قال الفضل) إن شاء الله تعالى.
(2) البقرة : 62.
(3) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 281 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 288).
 

وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ)(1).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : الحجارة الأولى حجارة الجبال تخرج منها الأنهار ، والثانية حجر موسى الذي ضربه فانفجر منه عيون ، فلا يكون تكراراً ، وقوله : (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) قال أبو عليّ والمغربي : معناه بخشية الله ، كما قال : (يَحْفَظُوْنَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي بأمر الله. قال : وهي حجارة الصواعق والبرد»(2).
6 ـ (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)(3).
«وقوله : (اِلاَّ أَمَانِيَّ ...) وقال الكسائي والفرّاء وغيرهما : معناه إلاّ تلاوة وهو المحكيّ عن أبي عبيدة [زائر] عليّ ما رواه عنه عبد الملك بن هشام وكان ثقة ، وضعّف هذا الوجه الحسين بن عليّ المغربي وقال : هذا لا يعرف في اللغة»(4).
7 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا
__________________
(1) البقرة : 74.
(2) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 309 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 330).
(3) البقرة : 78.
(4) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 318 ، (ج 2 ، ص 345) ؛ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 282.
 

وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(1).
«والسبب الذي لأجله وقع النهي عن هذه الكلمة [أي راعنا] ، قيل فيه خمسة أقوال :
وقال أبو جعفر عليه‌السلام : هذه الكلمة سبّ بالعبرانية ، إليه كانوا يذهبون. قال الحسين بن عليّ المغربي : فبحثتهم عن ذلك فوجدتهم يقولون : راع رن. قال : على معنى الفساد والبلاء ، ويقولون : (أنا) بتفخيم النون وإشمامها بمعنى ، لأنّ مجموع اللفظين واللفظتين فاسد ؛ لأنّ لمّا عوتبوا على ذلك قالوا : إنّا نقول كمايقول المسلمون ، فنهي المسلمون عن ذلك.
ولمّا كان معنى (راعنا) يراد به النظر قال : قولوا ـ عوضها ـ : انظرنا أي انظر الينا ، (واسمعوا) ما يقوله لكم الرسول»(2).
8 ـ (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)(3).
«أم على ضربين : متّصلة ومنفصلة ، فالمتّصلة عديلة الألف وهي مفرّقة لما جمعته (أيّ) ، كما أنّ (أو) مفرّقة لما جمعته (أحد) ؛ تقول : اضرب أيّهم شئت أزيداً أم عمراً أم بكراً ، والمنفصلة غير المعادلة لألف الاستفهام قبلها لا
__________________
(1) البقرة : 104.
(2) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 389 ، (ج 2 ، ص 444) ، يبدأ الشيخ الطوسي البحث بشأن (انظرنا واسمعوا) بعد عدّة أسطر ، ولذلك يبدو أنّ هذا المقطع هو استمرار لكلام الحسين بن عليّ المغربي ، وإنّ الشيخ الطوسي إنّما نقله هنا كي لا ينقطع كلامه.
(3) البقرة : 108.
 

يكون إلا بعد كلام ؛ لأنّها بمعنى بل ... وكذلك أم تريدون ، كأنّه قيل : بل تريدون ... قال الفرّاء : إن شئت قلت قبله استفهام فتردّه عليه ، وهو قوله :
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ قَدِيرٌ)(1) ، وقال الرمّاني : في هذا بعد أن تكون على المعادلة ولابدّ أن يقدّر له (أم تعلمون خلاف ذلك). ([فتسألون] رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) والمعنى أنّهم يتخيّرون الآيات ويسألون المحالات كما سئل موسى ، فقالوا : (اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)(2) ، وقالوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)(3) وهذا الوجه اختاره البلخي والمغربي»(4).
9 ـ (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(5).
«قال البلخي : الضمير في (أتمّهنّ) راجع إلى الله وهو اختيار الحسين ابن عليّ المغربي.
قال البلخي : الكلمات هي الإمامة على ما قال مجاهد. قال : لأنّ الكلام متّصل ولم يفصل بين قوله : (اِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) وبين ما تقدّمه بواو ، فأتمّهن الله بأن أوجب بها الإمامة له بطاعته واضطلاعه ، ومنع أن ينال
__________________
(1) البقرة : 106.
(2) الأعراف : 138.
(3) البقرة : 55.
(4) تفسير التبيان ، ج1 ، ص403 ، (ج2 ، ص463).
(5) البقرة : 124.
 

العهد الظالمين من ذريّته ، وأخبره بأنّ منهم ظالماً فرضي به وأطاعه ، وكلّ ذلك ابتلاء واختبار»(1).
10 ـ (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(2).
«والنسك في اللغة العبادة ... وقيل إنّ النسك الغسل ، قال الشاعر :

فلا ينبت المرعى سباخ عراعر
 

 

ولو نسكت بالماء ستّة أشهر
 

أي غسلت ، ذكره الحسين بن عليّ المغربي قال وليس بمعروف»(3).
11 ـ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)(4).
«وقوله : (وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى ...) وقال الحسين بن عليّ المغربي : المعنى فيها صلاة الجماعة ؛ لأنّ الوسط العدل فلمّا كانت صلاة الجماعة أفضلها خصّت بالذكر ، وهذا وجه مليح غير أنّه لم يذهب إليه أحد من المفسّرين»(5).
12 ـ (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 446 ، (ج 2 ، ص 517) ؛ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 380.
(2) البقرة : 128.
(3) تفسير التبيان ، ج 1 ، ص 465 ، (ج 3 ، ص 9).
(4) البقرة : 238.
(5) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 275 ، (ج 3 ، ص 397) ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 112.
 

مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(1).
«قال أبو مسلم والأزهري : الفحشاء البخل والفاحش البخيل ، قال طرفة :

 ...........
 

 

عقيلة مال الفاحش المتشدّد
 

وقال الحسين بن عليّ المغربي : والّذي يقوّي قوله ما أنشده أبو حيرة الراحل من طيّ :

قد أخذ المجد كما أرادا
 

 

ليس بفحّاش يضنّ الزادا)
 

قال الرّماني : والله ما قالاه بعيد. والفحشاء المعاصي في أغلب الاستعمال ، ومعنى البيت الذي أنشداه أنّ الفاحش هو سيّئ الردّ بسؤاله وضيفانه وذلك من البخل لا محالة ، قال كعب :

أخي ما أخي لا فاحش عند بيته
 

 

ولا برم عند اللقاء هبوب»(2).
 

13 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)(3).
«فإن قيل : فلم قال : (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) فكرّر لفظ إحداهما ،
__________________
(1) البقرة : 268.
(2) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 348 ، (ج 3 ، ص 491).
(3) البقرة : 282.
 

ولو قال : فتذكّرها الأخرى ، لقام مقامه مع اختصاره.
قيل : قال الحسين بن عليّ المغربي : (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا) يعني إحدى الشهادتين ، أي تضيع بالنسيان فتذكّر إحدى امرأتين الأخرى ، لئلاّ يتكّرر لفظ إحداهما بلا معنى ، ويؤيّد ذلك أنّه يسمّى ناسي الشهادة ضالاًّ ، ويجوز أن يقال : ضلّت الشهادة إذا ضاعت ، كما قال تعالى : (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا)(1) أي ضاعوا منّا. ويحتمل أن يكون إنّما كرّر لئلاّ يفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول ، فإنّ ذلك مكروه ، غير جيّد ، فعلى هذا يكون إحداهما الفاعلة والأخرى المفعول به»(2).
14 ـ (هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(3).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : (أولاء) يعني به المنافقين ، كما تقول ما أنت زيداً يحبّه (4) ولا يحبّك.
وهذا مليح غير أنّه يحتاج أن يقدّر عامل في أولاء يفسّره قوله :
__________________
(1) الأعراف : 37 ؛ غافر : 74.
(2) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 374 ، (ج 3 ، ص 528).
(3) آل عمران : 119.
(4) يبدو أنّ الصحيح (تحبّه) ، وقد ورد التحريف في كلتا الطبعتين من تفسير التبيان بـ (يُحبّه).
 

(يحبّونهم)(1) ؛ لأنّه مشغول لا يعمل فيما قبله كقوله : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ)(2) في من نصبه»(3).
15 ـ (اِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(4).
«قيل في معنى قوله : (غَمّاً بِغَمّ) قولان : ... قال الحسين بن عليّ المغربي : معنى (غَمّاً بِغَمّ) يعني غمّ المشركين بما ظهر من قوّة المسلمين على طلبهم على حمراء الأسد ؛ فجعل هذا الغمّ عوض غمّ المسلمين بما نيل منهم»(5).
16 ـ (فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(6).
«قوله : (فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّهِ) معناه فبرحمة ، و (ما) زائدة بإجماع
__________________
(1) الظاهر أن (تحبّونهم) هو الصحيح ، كما هو الوارد في الآية الشريفة ، وهذا يؤيّد التحريف والتصحيف الحاصل في المورد السابق.
(2) يس : 39.
(3) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 573 ، (ج 4 ، ص 205).
(4) آل عمران : 153.
(5) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 22 ، (ج 4 ، ص 259) ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 862.
(6) آل عمران : 159.
 

المفسّرين ... قال الحسين بن عليّ المغربي : عندي أنّ معنى (ما) أيّ ، وتقديره : فبأيّ رحمة من الله. وهذا ضعيف»(1).
17 ـ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا)(2).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : معنى (مَا طَابَ) أي بلغ من النساء ، كما يقال : طابت الثمرة إذا بلغت ، قال : والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل بلوغها ، لئلاّ يجري عليها الظلم ، فإنّ البالغة تختار لنفسها»(3).
18 ـ (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)(4).
«أصل الكلالة : الإحاطة ... وقال أبو مسلم : أصلها من كَلَّ إذا أعيى ، فكأنّه تناول الميراث من بعد على كلال وإعياء.
وقال الحسين بن عليّ المغربي : أصله عندي ما تركه الإنسان وراء ظهر مأخوذاً من الكلالة وهي مصدر (الأكلّ) وهو الظهر ، وقال : قرأت على أبي أسامة في كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني يقول العرب : ولاّني فلان أكلّه
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 31 ، (ج 4 ، ص 268).
(2) النساء : 3.
(3) 85 - تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 104 ، (ج 4 ، ج 3 ، ص 352) ؛ فقه القرآن ، ج 2 ، ص 98.
(4) النساء : 12.
 

على وزن «أظلّه» أي : ولاّني ظهره ، قال : وهذا الاسم تعرفه العرب وتخبر به عن جملة النسب والوراثة ، قال عامر بن الطفيل :

وإنّي وإن كنت ابن فارس عامر
 

 

وفي السرّ منها والصريح المهذّب
 

فما سوّدتني عامر عن كلالة
 

 

أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
 

هكذا أنشده الرازي في كتابه وينشد عن وراثة.
وقال زياد بن زيد العذري :

ولم أرث المجد التليد كلالة
 

 

ولم يأن منّي فترة لعقيب
 

والكلّ : الثقل ويقولون لابن الأخ ومن يجري مجراه ممّن يعال على وجه التبرّع : هذا كلّي ...»(1).
19 ـ (يَوْمَئِذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً)(2).
«وقوله : (وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) لا ينافي قوله : (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)(3) لأنّه قيل في معنى الآية سبعة أقوال ... :
والسادس : قال الحسين بن عليّ المغربي : تمنّوا أن يكونوا عدماً ، وتمّ الكلام ثمّ استأنف فقال : (وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) أي : لا تكتمه جوارحهم
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 136 ، (ج 4 ، ص 388) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 28 ؛ فقه القرآن ، ج 2 ، ص 337 ؛ روض الجنان ، ج 5 ، ص 279 ؛ تفسير شاهي ، ج 2 ، ص 602.
(2) النساء : 42.
(3) الأنعام : 23.
 

وإن كتموه هم»(1).
20 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)(2).
«(مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) وقيل في معناه أربعة أقوال : ... الثالث : قال الفراء ـ واختاره البلخي والحسين بن عليّ المغربي ـ إنّ معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجه القرود»(3).
21 ـ (اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيماً)(4).
«قوله : (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) قيل فيه ثلاثة أقوال : ... والجواب الثاني ـ اختاره البلخي والجبّائي والزجّاج ـ إن الله تعالى يجدّدها بأن يردّها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة ، كما يقال : جئتني بغير ذلك الوجه ، وكذلك إذا جعل قميصه قباءً ، جاز أن يقال : جاء بغير ذلك اللباس ، أو غيّر خاتمه فصاغه خاتماً آخر جاز أن يقال : هذا غير ذلك الخاتم
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 204 ، (ج 4 ، ص 466).
(2) النساء : 47.
(3) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 216 ، (ج 4 ، ص 480) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 87.
(4) النساء : 56.
 

وهذا هو المعتمد عليه.
والثالث : قال قوم : إنّ التبديل إنّما هو للسرابيل التي ذكرها الله في قوله : (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان)(1) ، فأمّا الجلود فلو عذّبت ثمّ أوجدت لكان فيه تفتير عنهم. وهذا بعيد ؛ لأنّه ترك للظاهر وعدول بالجلود إلى السرابيل ولا نقول : إنّ الله تعالى يعدم الجلود ، بل على ما قلناه يجدّدها ويطريها بما يفعل فيها من المعاني التي تعود إلى حالتها ...
ويقوّي ما قلناه أنّ أهل اللغة يقولون : أبدلت الشيء بالشيء إذا أزلت عيناً بعين ، كما قال الراجز :
(عزل الأمير بالأمير المبدل)
وبدّلت ـ بالتشديد ـ إذا غيّرت هيئته والعين واحدة يقولون : بدلّت جبّتي قميصاً إذا جعلتها قميصاً ذكره المغربي»(2).
22 ـ (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)(3).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : الآية نزلت في عبد الله بن أبىّ وما أصابه من الذّل عند مرجعهم من غزوة (بني المصطلق) وهي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين. فاضطرّ إلى الخشوع والاعتذار وذلك مذكور في
__________________
(1) إبراهيم : 50.
(2) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 231 ، (ج 4 ، ص 498) ؛ متشابه القرآن ومختلفه ، ج 2 ، ص 114 و 285.
(3) النساء : 62.
 

تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لمّا تضرّع إلى رسول الله عليهما‌السلام في الإقالة والاستغفار ، واستوهبه ثوبه ليتّقي به النار. يقولون : [ما] (أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) أي بكلامه بين الفريقين المتنازعين في غزوة بني المصطلق.
وقوله : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)(1) يأساً منهم ، و (عِظْهُمْ) إيجاباً للحجّة عليهم ، و (قُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) فيه دلالة على فضل البلاغة وحثّ على اعتمادها»(2).
23 ـ (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيماً)(3).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : المعنى ليس يتمنّون الكون معهم في الخير والشرّ كأهل المودّات ، وإنّما يتمنّون ذلك عند الغنيمة كالبعداء يذمّهم بسوء العهد مع سوء الدين»(4).
24 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ
__________________
(1) النساء : 63.
(2) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 241 ، (ج 4 ، ص 508) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 103. جدير بالذكر أنّ الآية التي تلي هذه الآية هي قوله تعالى : (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) ، النساء : 63. ويبدو أنّ المغربي قد فسّر كلا الآيتين مرّة واحدة ، وقد عمد الشيخ الطوسي إلى إيراد كلّ كلامه كي لا ينقطع تسلسله. وقد جاء تفسير الآية التالية في تفسير التبيان بعد ذلك بشكل مستقلّ ، وقد أكّد هناك على فضل البلاغة مجدّداً.
(3) النساء : 73.
(4) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 256 ، (ج 4 ، ص 526) ؛ روض الجنان ، ج 6 ، ص 20.
 

تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(1).
«قوله : (كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ ...) اختلف في معناه ...
وقال المغربي : معناه : كذلك كنتم أذلاّء آحاداً إذا صار الرجل منكم وحده خاف أن يختطف»(2).
25 ـ (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيماً * دَرَجَات مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً)(3).
«فإن قيل : كيف قال في أوّل الآية : (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) ، ثمّ قال في آخرها : (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيماً) وهذا ظاهر التناقض؟!
قلنا : عنه جوابان : ... والثاني : قال أبو عليّ الجبائي : أراد بـ «الدرجة» الأولى : علوّ المنزلة وارتفاع القدر على وجه المدح لهم ، كما يقال : فلان أعلا درجة عند الخليفة من فلان ، يريدون بذلك أنّه أعظم منزلة ، والثاني أراد الدرجات في الجنّة التي تتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر
__________________
(1) النساء : 94.
(2) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 299 ، (ج 5 ، ص 49) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 146.
(3) النساء : 95 ـ 96.
 

استحقاقهم ولا تنافي بينهما.
وقال الحسين بن عليّ المغربي : إنّما كرّر لفظ التفضيل لأنّ الأوّل أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين ، والثاني أراد تفضيلهم في الآخرة بدرجات النعيم»(1).
26 ـ (اِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)(2).
«قال المغربي : ذكر (عسى) هاهنا تضعيف لأمر غيرهم ؛كما يقول القائل : ليت من أطاع الله سلم فكيف من عصاه. ومثله قول الشاعر :

ولم تر كافر نعمى نجا
 

 

من السوء ليت نجا الشاكر»(3).
 

27 ـ (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)(4).
«قال المغربي : (هؤلاء) كناية عن اللصوص الّذين يجادل عنهم وهو
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 302 ، (ج 5 ، ص 53) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 146 ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 335.
(2) النساء : 97 ـ 99.
(3) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 304 ، (ج 5 ، ص 55).
(4) النساء : 109.
 

غير «أنتم» ولذلك حسن التكرير. ومعنى الآية : (ها أنتم الذين جادلتم)»(1).
28 ـ (اِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيدًا)(2).
«اختلفوا في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال : ... الخامس : قال الحسين بن عليّ المغربي : (اِلاَّ إِنَاثاً) معناه : ضعافاً عاجزين لا قدرة لهم. يقولون : سيف أنيث وميناثة ـ بالهاء ـ وميناث أي غير قاطع ، قال صخر الغىّ :

فتخبره بأنّ العقل عندي
 

 

جراز لا أفلّ ولا أنيث
 

وأنث في أمره : إذا لان وضعف والأنيث : المخنّث. قال الكميت :

وشذّبتُ عنهم شوك كلّ قتادة
 

 

بفارس يخشاها الأنيث المغمّز.
 

قال الأزهري : والإناث : الموات»(3).
29 ـ (اِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)(4).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : (مُذَبْذَبِينَ) مطرودين من هؤلاء ومن
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 320 ، (ج 5 ، ص 75).
(2) النساء : 117.
(3) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 331 ، (ج 5 ، ص 89) ؛ روض الجنان ، ج 6 ، ص 117.
(4) النساء : 142 ـ 143.
 

هؤلاء من (الذبّ) الذي هو الطرد»(1).
30 ـ (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)(2).
«قرأ حمزة وخلّف زُبوراً بضمِّ الزاي ، الباقون بفتحها ـ حيث وقعت ـ ، من ضمِّ الزاي احتمل ذلك وجهين ...
قال الحسين بن عليّ المغربي : (زُبور) جمع (زَبور) ومثله (تُخُوم) و (تَخُوم) و (عُذُوب) و (عَذوب) وقال : ولا يجمع فَعول ـ بفتح الفاء ـ على فُعول ـ بضمّ الفاء ـ إلا هذه الثلاثة فيما عرفنا.
والزبر : إحكام العمل في البئر خاصّة ، يقال : (بئر مزبورة) إذا كانت مطوية بالحجارة ، ويقال : ما لفلان زبر ، أي : عقل ، وزُبَرُ الحديد : قطعُهُ ، واحدها : زُبْرة ، وتقول : زبرت الكتاب أزبره ، زَبْراً مثل ذبرته أذبره ذبراً ، بالذال المعجمة»(3).
31 ـ (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ)(4).
«الاستفتاء والاستقضاء واحد ، يقال : قاضيته وفاتيته ، قال الشاعر :

تعالوا نفاتيكم أأعيا وفقعس
 

 

إلي المجد أدنى أم عشيرة حاتم
 

هكذا أنشده الحسين بن عليّ المغربي»(5).
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 366 ، (ج 5 ، ص 131).
(2) النساء : 163.
(3) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 392 ، (ج 5 ، ص 162).
(4) النساء : 176.
(5) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 408 ، (ج 5 ، ص 181).
 

32 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)(1).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : (اِلاَّ مَا يُتْلَى) معناه : من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
وهذا الذي ذكره سهو منه ؛ لأنّ الله تعالى نفى عن نفسه أن يكون جعل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، فلا تكون المحرّم واستثنى هاهنا ما حرّمه تعالى فلا يليق بذلك»(2).
33 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)(3).
«اختلفوا في معنى شعائر الله على سبعة أقوال ... وقال الحسين بن عليّ المغربي : المعنى لا تحلّوا الهدايا المشعرة ، وهو قول الزجّاج واختاره البلخي ، وأقوى الأقوال قول عطا ...»(4).
34 ـ (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)(5).
«وقوله : (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ...) اختلف أهل اللغة في تأويلها ، فقال
__________________
(1) المائدة : 1.
(2) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 416 ، لقد سقط في هذه الطبعة ما يقرب من سطرين ، (ج 5 ، ص 191) ؛ روض الجنان ، ج 6 ، ص 221.
(3) المائدة : 2.
(4) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 419 ، (ج 5 ، ص 194) ؛ مجمع البيان ، ج 6 ، ص 225 ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 303.
(5) المائدة : 2.
 

الأخفش وجماعة من البصريّين : لا يحقّن لكم ... وقال الكسائي والزجّاج : معناه : لا يحملنّكم ... وقال الفرّاء : معناه : لا يكسبنّكم شنآن قوم. واستشهد الجميع بقول الشاعر :

ولقد طعنت أبا عينية طعنة
 

 

جَرَمَتْ فزارةَ بعدها أن يغضَبوا.
 

فمنهم من حمل قوله (جرمت) على أنّ معناه : حملت ، ومنهم من حمله على أنّ معناه : أحقّت الطعنة لفزارة الغضب ، ومنهم من قال : كسبت فزارة أن يغضبوا. وقال المغربي : معناه قطعت فزارة ، وليس من هذا في شيء وسمع الفرّاء من العرب من يقول : فلان جريمة أهله أي كاسبهم ، وخرج يجرمهم أي يكسبهم. والأقاويل متقاربة المعاني»(1).
35 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(2).
«قال الحسين بن عليّ المغربي : معنى (اِذَا قُمْتُمْ) إذا عزمتم عليها وهممتم بها. قال الراجز للرشيد :

ما قاسم دون الفتى ابن أمّه
 

 

وقد رضيناه فقم فسمّه
 

فقال : يا أعرابيُّ ، مارضيتَ أن تدعونا إلى عقد الأمر له قعوداً حتّى أمرتنا بالقيام؟ فقال : قيام عزم لا قيام جسم. وقال حريم الهمداني :
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 424 ، (ج 5 ، ص 201).
(2) المائدة : 6.
 

 

فحدّثت نفسي أنّها أو خيالها
 

 

أتانا عشاء حين قمنا لنهجعا(1).
 

أي : حين عزمنا للهجوع».
36 ـ (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)(2).
«وقوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) قيل في معناه أقوال : ... الرابع : قال الحسين بن عليّ المغربي : معناه : لو شاء الله الاّ يبعث إليهم نبيّاً ، فيكونون متعبّدين بما في العقل ويكونون أمةً واحدةً ، وأقوى الوجوه
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 448 ، (ج 5 ، ص 236) ؛ روض الجنان ، ج 6 ، ص 267 ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 12. جدير بالذكر أنّ الشيخ الطوسي بعد نقل هذا الكلام استطرد قائلاً : (وأقوى الأقوال ما حكينا أوّلاً من أنّ الفرض بالوضوء يتوجّه إلى من أراد الصلاة وهو على غير طهور. فأمّا من كان متطهّراً فعليه ذلك استحباباً ...) ، إنّ هذا الكلام ناظر إلى الخلاف المحكي قبل نقل كلام الوزير المغربي. (ثمّ اختلفوا هل يجب ذلك كلّما أراد القيام إلى الصلاة أو بعضها أو في أيِّ حال هي؟ فقال قوم المراد به إذا أراد القيام وهو على غير طهور ، وهو الذي اختاره الطبري و ...). إنّ نقل كلام المغربي هنا لا يبدو مناسباً ، وقد أدّى إلى صعوبة فهم عبارة الكتاب. ويبدو أنَّ الشيخ الطوسي قد عثر على تفسير المغربي بعد إكمال تأليفه لكتابه ، فأضاف كلامه إلى تفسيره وأقحمه في موضع غير مناسب ، فأدّى إلى هذا الاضطراب والإرباك في الكتاب.
(2) المائدة : 48.
 

أوّلها»(1).
37 ـ (اِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(2).
«أقول : اختلفوا في من نزلت هذه الآية فيه ؛ فروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن ـ على ما حكاه المغربي عنه ـ والطبري والرّماني ومجاهد والسدّي : إنّها نزلت في علىّ حين تصدّق بخاتمه وهو راكع. وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله وجميع علماء أهل البيت»(3).
38 ـ (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ...)(4).
«أقول : أخبر الله تعالى في هذه الآية عن اليهود أنّها قالت : إنّ يد الله مغلولة ... وقال الحسين بن عليّ المغربي : حدّثني بعض اليهود الثقات منهم بمصر : أنّ طائفة قديمة من اليهود قالت ذلك بهذا اللفظ»(5).
39 ـ (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 546 ، (ج 5 ، ص 347) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 314 ؛ روض الجنان ، ج 6 ، ص 410 ؛ متشابه القرآن ومختلفه ، ج 1 ، ص 141 و 261.
(2) المائدة : 55.
(3) المصدر أعلاه ، ص 559 ، (ج 5 ، ص 360) ؛ المصدر أعلاه ، ج 3 ، ص 325 ؛ المصدر أعلاه ، ج 7 ، ص 19 ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 116 ، وقد نقل هذا الكلام في تفسير البرهان ، ج 2 ، ص 320 عن تفسير مجمع البيان أيضاً.
(4) المائدة : 64.
(5) تفسير التبيان ، ج 3 ، ص 580 ، (ج 5 ، ص 382) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 339.
 

عَقَّدْتُمْ الإِيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة)(1).
«أقول : قرأ (عاقدتم) بالألف ابن عامر ، و (عقدتم) بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، والباقون بالتشديد ...
وقال أبو عليّ الفارسي : من شدّد احتمل أمرين :
أحدهما : أن يكون لتكثير الفعل ؛ لقوله : (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ) مخاطباً الكثرة ، فهو مثل : (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ). والآخر أن يكون (عقّد) مثل (ضعّف) لا يراد به التكثير ، إنّ (ضاعف) لا يراد به فعل من اثنين.
وقال الحسين بن عليّ المغربي : في التشديد فائدة ، وهو أنّه إذا كرّر اليمين على محلوف واحد ، فإذا حنث لم يلزمه إلاّ كفارة واحدة وفي ذلك خلاف بين الفقهاء والّذي ذكره قويّ»(2).
40 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)(3).
«قوله (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) يعني عقوبة ما فعله ونكاله وقال المغربي :
__________________
(1) المائدة : 89.
(2) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 11 ، (ج 5 ، ص 426) ؛ روض الجنان ، ج 7 ، ص 123 ؛ فقه القرآن ، ج 2 ، ص 224.
(3) المائدة : 95.
 

الوبال من الطعام : الثقيل الذي لا يستمرّ أو لا يوافق ، وهو قول الأزهري. قال كثير :

فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها
 

 

مشوم البلاد يشتكون وبالها»(1).
 

41 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(2).
«(أنفسكم) نصب على الإغراء ، كأنّه قال : احفظوا أنفسكم أن تزلّوا كما زلّ غيركم ، والعرب تغري بـ : (عليك) و (إليك) ، و (دونك) ، و (عندك) فينصب الأسماء بها ولم يغروا بـ : (منك) كما أغروا بـ : (إليك) ؛ لأنّ إليك أحقّ بالتنبيه بـ : (منك) والإغراء : تنبيه على ما يجب أن يحذر ؛ لذلك لم يغروا بـ : (فيك) ونحوها من حروف الإضافة وحكى المغربي أنّه سمع من يغري بـ : (وراءك) و (قدّامك)(3).
42 ـ (وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)(4).
«في ما ينتصب به قوله : (يَوْمَ) قيل فيه ثلاثة أقوال : أحدها أنّه انتصب بمحذوف ، تقدير : احذروا يوم يجمع الله الرسل. الثاني : اذكروا يوم يجمع الله. الثالث : قال الزجّاج : ينتصب بقوله (اتَّقُوا اللَّهَ) ، وقال المغربي : يتعلّق
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 27 ، (ج 5 ، ص 445).
(2) المائدة : 105.
(3) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 40 ، (ج 5 ، ص 461).
(4) المائدة : 108 ـ 109.
 

بقوله (لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) إلى الجنّة (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)(1). ولا يجوز أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل ؛ لأنّهم لم يؤمروا بالتّقوى في ذلك اليوم ، لكن انتصب على أنّه مفعول به ، و (اليوم) لا يتّقى ولا يحذر وإنّما يتقى ما يكون فيه من العقاب والمحاسبة والمناقشة ؛ كأنّه قال : اتّقوا عقاب يوم ، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه»(2).
43 ـ (اِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(3).
«وقوله (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) معناه : أنّك القادر الذي لا يعاتب وأنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك.
وقيل : معناه أنّك أنت (القدير) الذي لا يفوتك مذنب ولا يمتنع من سطوتك مجرم ، (الحكيم) فلا تضع العقاب والعفو إلاّ موضعهما ولو قال : الغفور الرحيم ، كان فيه معنى الدّعاء لهم والتذكير برحمته ، على أنّ العذاب
__________________
(1) إلى هنا ينتهي كلام الوزير المغربي ، وما بعده كلام الشيخ الطوسي. وهو إيضاح للأقوال الثلاثة المتقدّمة ، ولا ربط له بكلام الوزير المغربي ؛ إذ من الواضح أنّه بناء على احتمال المغربي يكون (يوم) ظرفاً ، وليس مفعولاً به. ويبدو أنّ الشيخ الطوسي إنّما أضاف رأي الوزير المغربي بعد إتمامه تأليف الكتاب ، ولم يلتفت إلى أنّ هذا القول هو قول رابع ، وإنّ إضافته إلى الأقوال الثلاثة وإيضاحها يحدث نوعاً من الفصل والتشويش في عبارة الكتاب.
(2) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 52 ، (ج 5 ، ص 475) ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 402.
(3) المائدة : 118.
 

والعفو قد يكونان غير صواب ولا حكمة ، فالإطلاق لا يدلّ على الحكمة والحسن ، والوصف بـ (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يشتمل على العذاب والرحمة إذا كانا صوابين.
وقال الحسين بن عليّ المغربي : رأيت على باب دار بمصر في موضع يقال له (بيطار بلال) معروف لوحاً قديماً من ساج عليه هذا العشر(142) وفيه : فإنّك أنت الغفور الرحيم وتاريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها ولعلّها باقية إلى اليوم»(143).
44 ـ (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)(144).
«وفي قوله (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) أقوال : أحدها أنّ قوله بجناحيه تأكيد ... وقال قوم : إنّما قال ذلك ليدلّ على الفرق بين طيران الطيور بأجنحتها وبين
__________________
(1) جاء في حاشية طبعة جامعة المدرّسين : (كذا ولم نتحقّق المراد من العشر المشار إليه ، ولعلّه تصحيف). ويحتمل أن يكون المراد منه الآيات العشر ، ابتداءً من قوله تعالى : (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) إلى هذه الآية. والآيات التسع الأولى تتعلّق بالحوار بين الله والنّبيّ عيسى بن مريم عليه‌السلام والحواريّين. والآية الأولى طبقاً لبعض الاحتمالات ذات صلة بهذه المجموعة من الآيات. وجاء في القاموس : (عواشر القرآن الآي التي يتمّ بها العشر) ، فيحتمل أن يكون النصّ الآنف مرتبطاً بهذه المفردة ، وإنّ المراد من (العشر) هو الآية العاشرة من هذه الآيات ، وهي الآية مورد البحث.
(2) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 72 ، (ج 5 ، ص 496). جدير بالذكر أنّ نقل كلام الوزير المغربي هنا يقوّي احتمال أن تكون الفقرة السابقة (وقيل : معناه ...) من كلام المغربي ، خاصّة بعد الالتفات إلى عبارة : (ولو قال الغفور الرحيم ...).
(3) الأنعام : 38.
 

الطيران بالإسراع ، تقول : طرت في جناحين إذا أسرعت ، قال الشاعر :

فلو أنّها تجري على الأرض أدركت
 

 

ولكنّها تهفو بتمثال طائر
 

وأنشد سيبويه :

فَطِرْتُ بمُنصُلي في يَعْمَلات
 

 

دوام الأيد تخبطن السريحا
 

وقال المغربي : أراد أن يفرّق بين الطائر الذي هو الفائز الفالح في القسم ، قال مزاحم العُقَيْلي :

وطيري بمخراق أشمّ كأنّه
 

 

سليل جياد لم ينله الزغايف [ئب](1)
 

أي : فوزي واغنمي»(2).
45 ـ (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(3).
«(يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) قيل في معناه قولان : ... وقال البلخي ـ واختاره الحسين بن عليّ المغربي ـ : (يتوفّاكم) بمعنى يحصيكم عند منامكم واستقراركم ، قال الشاعر :

إنّ بني الأدرم ليسوا من أحد
 

 

ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد
 

ولا توفّاهم قريش في العدد
__________________
(1) أنشده في اللسان ـ مادّة خرق ـ بلفط : وطيري لمخراق أشمّ كأنه / سليم رماح لم تنله الزعانف (حاشية طبعة جامعة المدرّسين).
(2) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 128 ، (ج 5 ، ص 65).
(3) الأنعام : 60.
 

معناه : لا يحصيهم في العدد»(1).
46 ـ (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)(2).
«وليس في قوله إنّه خلقها ليهتدوا : (بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ما يدلّ على أنّه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي : بل يشهد أنّه خلقها لأمور جليلة عظيمة ومن فكّر في صغر الصغير منها وكبر الكبير ، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها وظهور منافع الشمس والقمر في نشوء الحيوان والنبات علم أنّ الأمر كذلك ، ولو لم يخلقها إلاّ للاهتداء لما كان لخلقها صغاراً وكباراً واختلاف مسيراتها معنى.
قال الحسين بن عليّ المغربي : هذا من البلخي إشارة منه إلى دلالتها على الإحكام»(3).
47 ـ (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)(4).
«قال المغربي (دَرَسْتَ) معناه : علمت ، كما قال (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ)(5)
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 157 ، (ج 6 ، ص 100) ؛ روض الجنان ، ج 7 ، ص 319.
(2) الأنعام : 97.
(3) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 213 ، (ج 6 ، ص 168).
(4) الأنعام : 105.
(5) الأعراف: 169.
 

أي : علموه فعلى هذا يكون (اللام) لام الغرض ، كأنّه قال : فعلنا ذلك ليقولوا علمت»(1).
48 ـ (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(2).
«وقال الحسين بن عليّ المغربي : قوله (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ)معناه : إنّا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين ، وهو حشو بين الجملتين(3) ، أي نختبر قلوبهم فنجد(4) باطنها بخلاف الظاهر»(5).
49 ـ (يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ...)(6).
«وقوله (مِنْكُمْ) وإن كان خطاباً لجميعهم والرسل من الإنس خاصّة ، فإنّه يحتمل أن يكون لتغليب أحدهما على الآخر ...
وقال الضحّاك : ذلك يدلّ على أنّه تعالى أرسل رسلاً من الجنّ ، وبه
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 288 ، (ج 6 ، ص 187).
(2) الأنعام : 110.
(3) نقرأ قبل هذه الآية : (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ) ، ويقول المغربي : إنّ قوله تعالى : (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) جملة معترضة بين هذه الجملة وجملة (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة).
(4) النصّ في كلا الطبعتين (أن يختبر قلوبهم فيجد) ويبدو أنّ العبارة الآنفة المنقولة في حاشية طبعة جامعة المدرّسين عن المخطوطة ، هي الأصحّ.
(5) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 238 ، (ج 6 ، ص 198) ؛ مجمع البيان ، ج 4 ، ص 541 ؛ روض الجنان ، ج 7 ، ص 415.
(6) الأنعام : 130.
 

قال الطبري ، واختاره البلخي أيضاً وهو الأقوى ، وقال الجبّائي والحسين بن عليّ المغربي : المعنى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ) يعني : معشر المكلّفين والمخلوقين (رُسُلٌ مِنْكُمْ) يعني من المكلّفين.
وهذا إخبار وحكاية عمّا يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة وليس بخطاب لهم في دار الدنيا وهم غير حضور فيكون قبيحاً ، بل هو حكاية على ما قلناه»(1).
50 ـ (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)(2).
«وقوله (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) اختلفوا في حدّ الأشد ... ، وواحد الأشدّ. قيل فيه قولان : أحدهما : (أشدّ) مثل (أضُرّ) جمع (ضَرّ) و (أشُدّ) جمع (شَدّ) والشّد : القوّة ، وهو استحكام قوّة شبابه وسنّه ، كما «شدّ النهار» : ارتفاعه.
وحكى الحسين بن عليّ المغربي عن أبي أسامة(3) : أنّ واحده (شدّة) مثل نعمة وأنعم.
وقال بعض البصريّين : «الأشدّ» واحد مثل : «الآنك»»(4).
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 277 ، (ج 6 ، ص 243).
(2) الأنعام : 152.
(3) المراد منه اللغوي الكبير أبو أسامة جنادة بن محمّد الأزدي الهروي. وقد كان أستاذاً للوزير المغربي ، وقد لقي المصير الذي لقيته أسرة الوزير المغربي من القتل على يد حاكم الخليفة المصري. وقد كان قتله عام 399 للهجرة (انظر : ابن خلّكان ، وفيات الأعيان ، ج 1 ، ص 372).
(4) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 318 ، (ج 6 ، ص 290).
 

51 ـ (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)(1).
«أقول : قيل في معنى قوله (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) مع أنّ كتاب موسى قبل القرآن ، و (ثم) تقتضي التراخي ، قولان :
أحدهما : إنّ فيه حذفاً ، وتقديره : ثمّ اتُل عليكم آتينا موسى الكتاب.
وقال أبو مسلم : عطفه على المنن التي امتنّ بها على إبراهيم من قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ)(2) إلى قوله (اِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(3) واستحسنه المغربي»(4).
52 ـ (يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(5).
(وَلِبَاسُ التَّقْوَى) فيه خمسة أقوال : ... الخامس : قال الرمّاني : هو العمل الذي يقي العقاب وفيه الجمال ، مثل جمال الناس من الثياب.
وقال الحسين بن عليّ المغربي : (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) يعني الذي كان
__________________
(1) الأنعام : 154.
(2) الأنعام : 84.
(3) الأنعام : 84 ـ 87. وكأنّه طبقاً لهذا الاحتمال تكون الكثير من الآيات المذكورة في البين من ملحقات الآيات المتقدّمة.
(4) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 321 ، (ج 6 ، ص 294) ؛ مجمع البيان ، ج 4 ، ص 595.
(5) الأعراف : 26.
 

عليكم في الجنّة خير لكم ، بدلالة قوله : (ذَلِكَ) وهي للبعيد»(1).
53 ـ (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)(2).
«وأمرهم أن (أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) قيل فيه وجوه : ... وقال الفرّاء : معناه إذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد ، فصلّ فيه ولا تقل : آتي مسجد قومي وهو اختيار المغربي»(3).
54 ـ (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(4).
«أمّا خمس الغنيمة ، فإنّه يقسّم عندنا ستة أقسام : فسهم لله وسهم لرسوله النبيّ ـ وهذان السهمان مع سهم ذي القربي ، للقائم مقام النبيّ عليهما‌السلامينفقها على نفسه وأهل بيته من بني هاشم ـ وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لأبناء سبيلهم من أهل بيت الرسول لا يشركهم فيها باقي الناس ؛ لأنّ الله تعالى عوّضهم ذلك عمّا أباح لفقراء المسلمين ومساكينهم وأبناء سبيلهم من الصدقات ؛ إذ كانت الصدقات محرّمة على أهل بيت الرسول ، وهو قول عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، ومحمّد بن عليّ الباقر ابنه عليه‌السلام رواه
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 379 ، (ج 6 ، ص 362).
(2) الأعراف : 29.
(3) تفسير التبيان ، ج 4 ، ص 384 ، (ج 6 ، ص 367) ؛ مجمع البيان ، ج 4 ، ص 635.
(4) الأنفال : 41.
 

الطبري بإسناده عنهما.
وقال الحسين بن عليّ المغربي حاكياً عن الصابوني(1) من أصحابنا : إنّ هؤلاء الثلاثة فرق لا يدخلون في سهم ذي القربى وإن كان عموم اللفظ يقتضيه ؛ لأنّ سهامهم مفردة وهو الظاهر من المذهب»(2).
55 ـ (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ)(3).
«إنّما قيل : (عَنْ يَد) ليفارق حال الغصب على إقرار أحد ... وقال الحسين بن عليّ المغربي : معناه عن قهر ، وهو قول الزجّاج»(4).
56 ـ (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(5).
«أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفّار من اليهود والنصارى أنّهم (يُرِيدُونَ
__________________
(1) هو محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان أبو الفضل الجعفي الكوفي ، المعروف بالصابوني ، كان ساكناً في مصر ، وله فيها منزلة ومكانة ، وكتابه الفاخر في الفقه معروف ومشهور. روى عنه ابن قولويه (م 369 للهجرة) صاحب كتاب كامل الزيارات. (رجال النجاشي ، ص 374 ، رقم : 1022 ؛ فهرست الشيخ الطوسي ، ص 545 ، رقم : 901 ؛ كامل الزيارات ، ب 1 ، ح 17 ، ب 14 ، ح 2). وقد يكون الوزير المغربي قد تعرّف إليه لمكان سكناه في مصر.
(2) تفسير التبيان ، ج 5 ، ص 123 ، (ج 6 ، ص 367) ؛ فقه القرآن ، ج 1 ، ص 244.
(3) التوبة : 29.
(4) تفسير التبيان ، ج 5 ، ص 203.
(5) التوبة : 32 (أو 33).
 

أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) و (الإطفاء) ، إذهاب نور النار ، ثمّ استعمل في إذهاب كلِّ نور ، و (نور الله) القرآن والإسلام في قول المفسّرين : السدّي والحسن. وقال الجبّائي : (نور الله) الدلالة والبرهان ؛ لأنّه يهتدى بها. وواحد الأفواه (فم) في الاستعمال ، وأصله (فوه) فحذفت (الهاء) وأبدلت من (الواو) (ميم) ؛ لأنّه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها.
ولمّا سمّى الله تعالى الحجج والبراهين نوراً سمّى معارضتهم له إطفاء ، وأضاف ذلك إلى الأفواه ؛ لأنّ الإطفاء يكون بالأفواه وهو النفخ وهذا من عجيب البيان ، مع ما فيه من تضعيف شأنهم وتصغير كيدهم ؛ لأنّ النفخ يؤثّر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة ، ذكره الحسين بن عليّ المغربي»(1).
57 ـ (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(2).
«وقوله : (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) قيل : إنّ معناه لأميتوا كأنّه قيل : لقطع أجلهم وفرغ منه. قال أبو ذؤيب :

وعليهما مسرودتان قضاهما
 

 

داود أو صنع السوابغ تبّع.
 

وقال الحسين بن عليّ المغربي : معناه ردّ قطع أجلهم إليهم لكون السبب فيه دعاؤهم»(3).
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 5 ، ص 207.
(2) يونس : 11.
(3) تفسير التبيان ، ج 5 ، ص 346.

تنويه :
لقد تناولنا في الحلقات السابقة دراسة تفصيلية حول كتاب الغيبة للنعماني وسيرة حياة المؤلّف وتأليفاته ونسبتها إلى النعماني وعصر الغيبة والشبهات التي تدور حولها ، وفيما يلي سنواصل الحديث حول الوزير المغربي وآرائه التفسيرية بالتفصيل لنقوم من خلالها بالبحث في منهجه التفسيري ، لننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن نجله (أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين) وأشعاره ، ثمّ نختم البحث بشأن أسرة أبي عبد الله النعماني بذكر بعض أرحام الوزير المغربي.
__________________
(1) تعريب: السيّد حسن عليّ مطر الهاشمي.
           


 

جولة في المنهج التفسيري للوزير المغربي
من خلال قراءتنا للموارد التفسيرية الآنفة تتّضح لنا أمورٌ عديدةٌ بشأن الأسلوب التفسيري المتّبع عند الوزير المغربي ، وفيما يلي نشير إلى هذه الموارد :
1 ـ يتمتّع الوزير المغربي باستقلالية في الإبداع بعيداً عن التقليد ، حتّى أنّه يطرح أحياناً آراء لم يسبقه أحد في طرحها ، من باب المثال أنّه فسّر الصلاة الوسطى في المورد الحادي عشر بصلاة الجماعة ، ويبدو هذا الرأي للوهلة الأولى غريباً إلاّ أنّنا عندما نطالع التوجيه الذي يسوقه لذلك تزول غرابته بحيث يمكن القول بأنّه تفسير وجيه ومعقول ، فقد قال الوزير المغربي إنّ «المعنيّ فيها صلاة الجماعة ؛ لأنّ الوسط العدل فلمّا كانت صلاة الجماعة أفضلها خصّت بالذكر» ، ومن هنا يمكن حمل (الصلاة الوسطى) على صلاة الجماعة.
وبغضِّ النظر عن صوابية أو عدم صوابية هذا التفسير ، فهو على كلّ حال رأي يسترعي الالتفات ، كما أشار الشيخ الطوسي إلى ذلك بقوله : «وهذا وجه مليح» ، وأضاف قائلاً : «غير أنّه لم يذهب إليه أحد من المفسّرين» ، ويبدو أنّه نوع من الاعتراض ، كما أنّ لديه الكثير من الآراء الإبداعية الأخرى(1).
__________________
(1) كما نجد ذلك مثلاً في الموارد الآتية : 13 إلى 19 ، و 24 و 27 إلى 29 ، و 35 و 47 و 48 و 52.
           

2 ـ إنّ الشيخ الطوسي غالباً ما يكتفي بنقل كلام الوزير المغربي فقط ، دون تأييده أو تضعيفه ، ويكتفي أحياناً بالتنويه إلى ملاحته(1) ، حيث يتبيّن من خلال قوله : (مليح) هو قبوله له في بعض الأحيان(2) ، وأحياناً يراه ضعيفاً أو ينسبه إلى السهو (3). وفي بعض الأحيان يشير إلى عدم صوابية رأي الوزير المغربي وذلك من خلال تبنّي الرأي الآخر(4).
3 ـ لسنا في هذا المقال بصدد بيان صوابية آراء الوزير المغربي. وإنّما نكتفي بالقول إنّ بعض آرائه الإبداعية لا تبدو صحيحة. من باب المثال نعمد إلى إيضاح المورد السابع عشر :
ذهب المفسّرون إلى القول بأنّ الفعل (طاب) في هذه الآية يعني الحلّية ، بيد أنّ الوزير المغربي قال بأنّه يعني البلوغ ، وذلك من خلال الاستناد إلى قولنا : (طابت الثمرة) ، ثمّ أضاف قائلاً : إنّ هذه الآية في مقام النهي عن تزويج الفتيات اليتيمات قبل البلوغ ، وبذلك يتّضح ارتباط فعل الشرط في قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) بالجزاء في قوله : (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أيضاً.
__________________
(1) فبالإضافة إلى المورد الذي أشرنا له في النصّ ، هناك تصريح في المورد الرابع عشر بكونه مليحاً ، ولكنّه أضاف إلى ذلك أنّه بحاجة إلى تقدير في الكلام ، وكأنّ في هذا إشعاراً بعدم قبوله.
(2) قال في المورد التاسع والثلاثين : (والذي ذكره قويّ).
(3) كما في المورد السادس عشر ، حيث قال : (هذا ضعيف) ، وفي المورد الثاني والثلاثين : (هذا الذي ذكره سهو منه).
(4) كما في الموارد الآتية : 1 و 33 و 36 و 49.
           

إنّ هذا التفسير رغم دقّته لا يبدو صحيحاً ، فإنّ بين الشاهد الذي ساقه الوزير المغربي وهذه الآية فرقاً لم يلتفت إليه ، فإنّ الفعل (طاب) إذا ورد غير مقرون بحرف الجرّ قد يفيد معنى البلوغ ، كما في الشاهد الذي ذكره الوزير المغربي ، بيد أنّ مفهوم البلوغ لا يتناسب مع التعبير بـ : (لكم) ، وإنّ تعدية هذا الفعل بحرف الجرّ يحتاج إلى تكلّف شديد ، من هنا يبدو أنّ ما ذهب إليه الوزير المغربي في تفسير الآية بعيداً جدّاً.
4 ـ لقد استشهد الوزير المغربي في تفسير الآيات بالكثير من الأشعار(1).
5 ـ ويقوم أحياناً بتفسير آية من خلال النظر إلى آية أخرى(2).
6 ـ كما أنّ دقّته في المفردات واجتهاداته اللغوية لفهم الكلمات مثيرة للاهتمام(3) ، حتّى أنّه لا يغفل المعاني اللغوية البعيدة للكلمة أيضاً(4).
7 ـ كما أنّه يستعين أحياناً لتوضيح رأيه بالأمثلة العرفية أيضاً(5).
8 ـ وإنّ شعر أبي رعاية السلمي ـ الذي عبّر عنه الوزير المغربي قائلاً : «إنّه أفصح بدويٍّ أطاف بنا وأغزرهم رواية» ـ يُعَدُّ من الأشعار التي اعتمدها
__________________
(1) انظر الموارد رقم : 4 و 10 و 12 و 28 و 30 و 35 و 40 و 44 و 45.
(2) انظر الموارد رقم : 5 و 8 و 13 و 47.
(3) انظر الموارد رقم : 4 و 18 و 21 و 30 ، وانظر أيضاً المورد رقم : 39 و 50.
(4) انظر مثلاً الموارد رقم : 10 و 12 و 29.
(5) انظر الموارد رقم : 14 و 21و 26.
           

الوزير المغربي في تفسيره(1).
9 ـ كما كان الوزير المغربي يسأل اليهود من أجل الحصول على معاني الآيات ، ويعتمد على آرائهم(2).
والملفت للانتباه أنّ الوزير المغربي قد وجد لوحاً قديماً في مصر منصوباً على باب دار يعود بناؤها إلى عام 70 للهجرة ، وقد كتب على هذا اللوح بعض آيات القرآن الكريم ، وإنّها اشتملت على كلمة غير موجودة في القرآن ، ومع ذلك لا يتجاوز هذه المسألة ويذكرها في تفسيره(3).
10 ـ إنّ الاهتمام بروايات أهل البيت عليهم‌السلام (4) ، ونقل فتوى الصابوني الفقيه الإمامي المقيم في مصر(5) ، والنقل عن أبي بكر (الجصّاص) الرازي في أحكام القرآن(6) ، من الخصائص الأخرى لتفسير الوزير المغربي.
11 ـ يعتمد الوزير المغربي على علم البلاغة ، وينبّه على هامش تفسير
__________________
(1) انظر المورد رقم : 4. وفيما يتعلّق بالمورد رقم : 41 بعد ذكر العبارات التي تستعملها العرب في الإغراء ، أضاف قائلاً : (وحكى المغربي أنّه سمع من يُغري بـ «وراءك» و «قدّامك»).
(2) انظر المورد رقم : 7 ، والمورد رقم : 38 (حدّثني بعض اليهود الثقات منهم بمصر ...).
(3) انظر المورد رقم : 43.
(4) انظر المورد رقم : 1 و 7 ، وكذلك انظر المورد رقم : 37.
(5) المورد رقم : 54. وقد أيّد الشيخ الطوسي هذا الرأي المنقول بقوله : (وهو الظاهر من المذهب).
(6) المورد رقم : 37 ، وانظر أيضاً المورد رقم : 18.
           

أحد الآيات إلى دلالتها على فضيلة هذا العلم(1) ، وفي مورد آخر يتعرّض إلى الدلالات البلاغية في الآية بشكل صريح(2).
وربّما كان ميله هذا هو الذي أدّى به إلى إيضاح التكرار الذي نشاهده في بعض الآيات(3) أو أن يرى عدم زيادة كلمة في الآية على خلاف إجماع المفسّرين الذين يحكمون بزيادتها(4) ، ويمكن أن يكون هذا النوع من الأبحاث ناشئاً عن كون الوزير المغربي متكلّماً وأنّه ينطلق في ذلك من منطلق دفع شبهات المغرضين.
12 ـ يتّفق الوزير المغربي أحياناً مع المفسّرين الآخرين في آرائهم ، حيث تنسجم آراؤه في الأعمّ الأغلب مع علماء المعتزلة ، ومن بينهم البلخي الذي كان الوزير أكثر انسجاماً معه(5) ، ومع أبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي (م 327 للهجرة) مؤلّف كتاب التفسير الكبير(6) ، وأمّا المعتزلة الآخرين الذين يتّفق معهم الوزير المغربي في الرأي فهم عبارة عن :
__________________
(1) انظر المورد رقم : 22.
(2) انظر المورد رقم : 56.
(3) انظر الموارد رقم : 5 و 13 و 25 و 27 ، وانظر أيضاً المورد رقم : 44.
(4) انظر المورد رقم : 16. وقد ذهب الشيخ الطوسي بطبيعة الحال إلى تضعيف رأيه.
(5) انظر المورد رقم : 2 (قول الربيع بن أنس) ، و 8 (وهو القول الذي يذهب إليه الرمّاني أيضاً) ، و 9 و 20 (قول الفرّاء) ، و 34 ، (قول الزجّاج) ، 45 ، وانظر أيضاً المورد رقم : 46.
(6) سير أعلام النبلاء ، ج 16 ، ص 313 ، وج 15 ، ص 255 ، ومصادر حاشيته.
           

أبو عليّ الجبّائي(1) محمّد بن عبد الوهاب (م 303 للهجرة) ، وهو رئيس المعتزلة في البصرة(2).
الرمّاني(3) عليّ بن عيسى (م 384 للهجرة)(4).
أبو مسلم(5) محمّد بن بحر الإصفهاني (م 322 للهجرة) صاحب كتاب جامع التأويل ومحكم التنزيل(6).
أمّا العلماء الآخرون الذين يتّفق معهم الوزير المغربي ، فهم عبارة عن :
الزجّاج(7) أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد (م 311 للهجرة) الأديب المعروف وصاحب كتاب معاني القرآن(8).
الفرّاء(9) يحيى بن زياد (م 207 للهجرة) النحوي المعروف صاحب كتاب معاني القرآن(10).
__________________
(1) مع عبارة أبي عليّ (المورد رقم : 5) ومع عبارة الجبائي (المورد رقم : 49) ، وانظر أيضاً المورد رقم : 25.
(2) سير أعلام النبلاء ، ج 14 ، ص 183 ، ومصادر حاشيته.
(3) انظر المورد رقم : 8.
(4) سير أعلام النبلاء ، ج 16 ، ص 533 ، ومصادر حاشيته.
(5) انظر المورد رقم : 51.
(6) الوافي بالوفيات ، ج 2 ، ص 175 ؛ لسان الميزان ، ج 5 ، ص 737.
(7) انظر المورد رقم : 33 و 55.
(8) سير أعلام النبلاء ، ج 16 ، ص 360 ، ومصادر حاشيته.
(9) انظر المورد رقم : 20.
(10) سير أعلام النبلاء ، ج 10 ، ص 118 ، ش 12 ، ومصادر حاشيته.
           

الربيع بن أنس(1) البكري الخراساني (م 139 أو 140 للهجرة)(2).
الفضل(3) ، ففي التبيان هناك ثلاثة مواضع (في طبعة جامعة المدرّسين) نقل فيها شيء عن شخص اسمه الفضل أيضاً(4) ، وهناك نقل عن الفضل بن سلمة في موضعين(5) ، وقد جاء في حاشية طبعة جامعة المدرّسين للتبيان أنّ المراد من الفضل بن سلمة هو أبو سلمة الفضل بن سلمة بن جرير الجهني (م 319 للهجرة)(6) ، ولكنّه كان من فقهاء المالكية ولم يكن له أيّ ميول لغوية أو تفسيرية ، ولم ينسب له أحد أيّ تأليف في اللغة أو العلوم المرتبطة بعلوم القرآن.
وجاء في طبعة النجف في أكثر هذه المواضع اسم المفضّل بدلاً من الفضل(7) وهو الصحيح ، فهو المفضّل بن سلمة بن عاصم أبو طالب الضبّي ،
__________________
(1) انظر المورد رقم : 2.
(2) إنّ الأمر المنقول في التبيان عن الربيع بن أنس ، قد نقل في تفسير الطبري (ج 1 ، ص 152 و 160 و 162) عن عمّار بن الحسن عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس. والربيع بن أنس في هذا السند هو الربيع بن أنس البكري الخراساني الذي يروي عنه أبو جعفر الرازي (تهذيب الكمال ، ج 9 ، ص 60 ، وج 33 ، ص 193).
(3) انظر المورد رقم : 3.
(4) تفسير التبيان ، (طبعة جامعة المدرّسين) ، ج 2 ، ص 19 و 20 و 61.
(5) المصدر أعلاه ، ص 25 و 156.
(6) المصدر أعلاه ، ص 156 ، وانظر ترجمته في : موسوعة طبقات الفقهاء ، ج 4 ، ص 327 ومصادرها.
(7) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 109 ، (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 20) ، وص      

وله العديد من المؤلّفات ومن بينها كتاب البارع في اللغة ، وكتاب معاني القرآن ، وضياء القلوب في معاني القرآن(1) ، وقد نقل عنه الطوسي بعض الأمور في مواضع أخرى من التبيان أيضاً(2) ، وقد تمّت الإشارة إلى اسمه في مقدّمة التبيان ، وفي هذه المقدّمة جاء اسمه في عداد المفسّرين مع توضيح لمنهجه :
«والمفضّل بن سلمة وغيره استكثروا في علم اللغة واشتقاق الألفاظ»(3).
وقد توفّرت كتب المفضّل بن سلمة عند أساتذة الشيخ الطوسي من أمثال : السيّد المرتضى وأخيه الشريف الرضي(4) ، وقد تمّ تحريف اسمه في
__________________
135 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 61) ، وص 195 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 156).
(1) وفيات الأعيان ، ج 4 ، ص 205 ؛ فهرست ابن النديم ، ص 37 و 80 ؛ أعلام الزركلي ، ج 7 ، ص 279 ؛ ترجمته في تاريخ بغداد ، ج 13 ، ص 125 حيث وردت ترجمته ضمن من اسمهم المفضّل (في باب الميم) ، ولذلك لا يحتمل التحريف أو التصحيف في اسم المفضّل.
(2) التبيان ، ج 1 ، ص 101 ، (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 9) ، وص 321 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 349) ، وقد أشار في الهامش إلى أنّ هذا الأمر منقول في تهذيب اللغة عن الأزهري ، وقد كنّى عن المفضّل بـ (أبي طالب).
(3) المصدر أعلاه ، ص 1 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 1 ، ص 268).
(4) جاء في حقائق التأويل ، ص 37 تسمية كتاب المفضّل بن سلمة الكوفي بـ (ضياء القلوب في معاني القرآن) ، وانظر أيضاً : ص 39 ؛ أمالي (السيّد المرتضى) ، ج 2 ، ص 55 ، و 147.
           

بعض المصادر إلى الفضل(1).
وفي ختام هذا البحث ، نجد من النافع التذكير بأمرين ، وهما :
أوّلاً : ذكرنا في المورد رقم 35 و 42 أنّ الشيخ الطوسي ـ على ما يبدو ـ قد حصل على تفسير الوزير المغربي بعد إكماله تأليفه الأوّلي لتفسير التبيان ، وإنّه لذلك قد أخلّ بانسجام الأبحاث بعد إقحام بعض المقاطع والنصوص من تفسير الوزير المغربي إلى تفسيره ، الأمر الذي أوجد صعوبة في فهم عباراته أحياناً لعدم انسجامها(2).
وفي بعض الموارد لم يدرج الشيخ الطوسي رأي الوزير المغربي ضمن سائر الآراء الأخرى(3) ، فما هو السبب في ذلك؟ أرى أنّ أوضح جواب عن
__________________
(1) نجد في التبيان ، ج 1 ، ص 108 ، (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 2 ، ص 19) ، بعض الأمور المنقولة عن الفضل ، ومن خلال الرجوع إلى التفاسير الأخرى ، يتّضح تحريفه عن المفضّل. انظر : مجمع البيان ، ج 1 ، ص 130 ؛ ابن الجوزي ، زاد المسير ، ج 1 ، ص 40 ؛ تفسير العزّ بن عبد السلام ، ص 109 ؛ تفسير البحر المحيط ، ج 1 ، ص 251. ومن بين الموارد الأخرى لتحريف اسمه : السرائر ، ج 1 ، ص 294 عن الفضل بن سلمة في كتاب البارع ، ج 2 ، ص 181 عن المفضّل بن سلمة في كتاب البارع وهذا هو الصحيح. وفي كشف النعمة ، ج 1 ، ص 43 نقل بحث لغوي عن الفضل بن سلمة في ضياء القلوب ، وتحريفه واضح. انظر أيضاً : تاريخ بغداد ، ج 5 ، ص 418 (الفضل بن سلمة بن عاصم) ؛ فتح الباري ، ج 4 ، ص 274 ؛ نيل الأوطار ، ج 5 ، ص 290.
(2) وربّما كان هذا هو السبب في عدم ذكر الوزير المغربي ومنهجه التفسيري في بداية تفسير التبيان في معرض ذكر المفسّرين ومناهجهم.
(3) انظر المورد رقم : 52 ، وانظر أيضاً المورد رقم : 15 و 30.
           

هذا السؤال هو أنّ الشيخ الطوسي قد عثر على تفسير الوزير المغربي بعد إكماله لتأليف تفسير التبيان ، ولم يشأ الإخلال ببنية تفسيره ، ولذلك اكتفى بمجرّد إضافة كلام الوزير المغربي إلى تفسيره دون التعرّض إلى الهيكلية الأولى لتفسير التبيان.
ثانياً : هناك سؤال يتبادر إلى الذهن وهو : لماذا اقتصر نقل آراء الوزير المغربي في التبيان على ما وجدناه في هذا التفسير دون الإحاطة بنقل جميع آرائه التفسيرية. فهل الوزير المغربي لم يوفّق إلى إتمام تفسيره ، أو أنّ هذا التفسير بأسره لم يصل إلى الشيخ الطوسي؟ وتبقى الإجابة عن هذا السؤال بالنسبة لنا غير واضحة(1).
آراء الوزير المغربي في تفاسير أهل السنّة :
من خلال البحث في تفاسير أهل السنّة عبر برامج الحاسوب ، لم نجد نقلاً جديداً عن الوزير المغربي إلاّ في كتاب البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي الغرناطي محمّد بن يوسف (م 745 للهجرة)(2) ، حيث نجد آراءه
__________________
(1) ستكون لنا إشارة ثانية إلى هذا البحث عند نقلنا بعض العبارات عن تفسير البرهان للزركشي.
(2) وبطبيعة الحال فقد نقل الآلوسي الكثير من الآراء عن الوزير المغربي في تفسيره (انظر : تفسير الآلوسي ، ج 3 ، ص 59 ، وج 4 ، ص 92 و 230 ، وج 5 ، ص 49 ، وج 6 ، ص 154 ، وج 7 ، ص 54 ، وج 8 ، ص 59 و 107). ولكن هذه الآراء بأجمعها موجودة في تفسير التبيان ، ويبدو أنّ الآلوسي قد نسبها إلى الوزير المغربي اعتماداً على ما وجده في التبيان.
           

في سبعة مواضع من هذا الكتاب ، في خمسة منها باسم المغربي ، وفي مورد واحد باسم ابن المغربي ، وفي واحد منها باسم أبو عبد الله الوزير المغربي ، والمراد من جميع هذه الأسماء هو الوزير المغربي أبو القاسم الحسين بن عليّ(1) ، إنّ العنوان الأخير ـ رغم الخطأ الملحوظ فيه ، وهو ما سنتحدث عن أسبابه لاحقاً ـ يمثل في حدّ ذاته شاهداً على نسبة ما نقل فيه إلى الوزير المغربي. والشاهد الآخر أنّ الشيخ الطوسي قد نقل في التبيان عن الوزير المغربي إحدى المسائل التي نقلها أبو حيّان.
وعند التدقيق في الموارد الأخرى التي نقلها أبو حيّان ومقارنتها بالأسلوب التفسيري للوزير المغربي تمثّل شاهداً آخر على نسبة هذه الآراء إلى الوزير المغربي ، ونحن هنا سنبدأ أوّلاً بنقل الآراء التي حكاها أبو حيّان عن الوزير المغربي لنعمل بعد ذلك على مقارنة الشبه بينها وبين المنهج التفسيري للوزير المغربي.
النقل الأوّل : هامش الآية الثانية والستّين من سورة البقرة ، بشأن (الصابئين) :
«قال المغربي عن الصابي صاحب الرسائل : هم قريب من المعتزلة ، يقولون بتدبير الكواكب»(2).
__________________
(1) وبطبيعة الحال نجد في مقدّمة تفسير أبي حيّان الكثير من الثناء على تفسير ابن عطية المغربي ، ولكن يبدو أنّه يذكر هذا المفسّر باسم ابن عطية ، وليس المغربي.
(2) البحر المحيط (طبعة دار الكتب العلمية) ، ج 1 ، ص 402 ، (طبعة دار الفكر) ، ج 1 ، ص 386.
           

النقل الثاني : هامش الآية السابعة والثلاثين بعد المئتين من سورة البقرة : (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ):
«الألف واللام في النكاح ، للعهد أي عقدة لها(1) ، قال المغربي : وهذا على طريقة البصريّين وقال غيره : الألف واللام بدل الإضافة أي نكاحه ... وهذا على طريقة الكوفيّين»(2).
النقل الثالث : هامش الآية رقم 245 من سورة البقرة : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً).
«قال ابن المغربي : انقسم الخلق حين سمعوا هذه الآية إلى فرق ثلاثة :
الأولى : اليهود ؛ قالوا إنّ ربّ محمّد يحتاج إلينا ، ونحن أغنياء وهذه جهالة عظيمة ، وردّ عليهم بقوله : (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء)(3).
والثانية : آثرت الشحّ والبخل وقدّمت الرغبة في المال.
والثالثة : بادرت إلى الامتثال كفعل أبي الدحداح وغيره انتهى»(4).
النقل الرابع : هامش الآية 255 من سورة البقرة (آية الكرسي) :
«قال المغربي : من تكرّس الشيء ، تراكب بعضه على بعض وأكرسته
__________________
(1) هناك غموض في العبارة ، وربّما كان فيها تحريف ، وإنّ كلمة (نكاحه) يبدو أنّها محرّفة عن (نكاحها).
(2) البحر المحيط (دار الكتب) ، ج 2 ، ص 246 ، (دار الفكر) ، ج 2 ، ص 539.
(3) آل عمران : 181.
(4) البحر المحيط (دار الكتب) ، ج 2 ، ص 261 ، (المصدر ، ج 2 ، ص 565).
           

أنا قال العجّاج :

ياصاح هل تعرف رسماً مكرسا
 

 

قال نعم أعرفه وأكرسا
 

وقال آخر :

نحن الكراسي لا تعدّ هوازن
 

 

أمثالنا في النائبات ولا الأسد»(1)
 

النقل الخامس : هامش الآية 260 من سورة البقرة : (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِّنْهُنَّ جُزْءًا):
«... وخصِّصت الجبال بعدد الأجزاء فقيل : أربعة قاله قتادة والربيع ، وقيل : سبعة ؛ قاله السدّي وابن جريح وقيل : عشرة ؛ قاله أبو عبد الله الوزيرالمغربي وقال : عنه في رجل أوصى بجزء من ماله إنّه العشر ، إذ كانت أشلاء الطيور عشرة»(2).
النقل السادس : هامش الآية 52 من سورة آل عمران : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ):
«قال المغربي : إنمّا قال عيسى : «من أنصاري إلى الله» بعد رفعه إلى السماء وعوده إلى الأرض وجمع الحواريّين الإثني عشر وبثّهم في الآفاق يدعون إلى الحقّ.
وما قاله من أنّ ذلك القول كان بعد ما ذكر بعيد جدّاً لم يذكره غيره ، بل
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 290 ، (المصدر ، ص 613 الأشد بدل الأسد).
(2) المصدر ، ص 310 (المصدر ، ص 647).
           

المنقول والظاهر : أنّه قال ذلك قبل رفعه إلى السماء»(1).
النقل السابع : هامش الآية 117 من سورة النساء :
وهذا المورد هو المورد الثامن والعشرون الذي نقلناه عن التبيان(2) ، مع اختلاف يسير في بعض التعبيرات(3).
مناقشة ما نقله أبو حيّان عن المغربي :
إنّ ما نقله أبو حيّان منسجم مع الأسلوب التفسيري للوزير المغربي ؛ إذ يبدو الإبداع الذي يتّسم به الوزير المغربي جليّاً في النقل السادس ، حيث لم يتحرّز الوزير المغربي من إبداء رأي لم يسبقه إليه أحد ، وبطبيعة الحال فإنّ هذا الأسلوب لا يرتضيه أبو حيّان الغرناطي.
وأن الاستشهاد بأقوال الشعراء والخوض في غمار البحوث اللغوية كما في النقل الرابع هي من مميّزات الأسلوب التفسيري للوزير المغربي أيضاً.
والمورد الملفت للانتباه هو النقل الخامس الذي نقله أبو حيّان عن الوزير حيث جاء فيه الاسم خطأ (أبو عبد الله الوزير المغربي) ، وقد فسّر في هذا النقل الجزء بالعُشر ، وقد ورد هذا التفسير في بعض الروايات المأثورة
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 494 (المصدر ، ج 3 ، ص 173).
(2) المصدر أعلاه ، ج 3 ، ص 368 (المصدر ، ج 4 ، ص 69).
(3) قال الشاعر (بدلاً من قال صخر الغىّ) ، أنّث في أمره لان والأنيث : المخنّث الضعيف من الرجال (بدلاً من : أنث في أمره إذا لان وضعف ، والأنيث : المخنّث) ، وأمّا بقية العبارة فلم تنقل.
           

عن أهل البيت عليهم‌السلام (1) ، حيث نشاهد فيها التعبير بـ : «في رجل أوصى بجزء من ماله» كما في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام (2) ، وبدون (في) في رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه‌السلام (3) ، حيث تمّت الإشارة في كلتا الروايتين إلاّ الآية الشريفة : (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَل مِّنْهُنَّ جُزْءًا)(4) ، حيث وضع النبيّ إبراهيم عليه‌السلام أجزاء الطيور على عشرة جبال ، ويبدو أنّ الوزير المغربي عندما نقل رواية أبي عبد الله عليه‌السلام قد فسّر الجزء في الآية المتقدّمة بالعُشر لأنّها عشرة جبال ، وعندما نقل أبو حيّان ذلك عن تفسير الوزير المغربي قد ضمّ اسم أبي عبد الله إلى الوزير المغربي عن طريق الخطأ ، أو أنّ هذا الخطأ كان موجوداً من البداية في النسخة التي بحوزته من تفسير الوزير المغربي.
وكما تقدّم أن ذكرنا فإن الاهتمام بالروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام هو من الخصائص التفسيرية للوزير المغربي.
ومن الجدير بالذكر أنّ تفسير التبيان قد اشتمل على توضيح مستفيض
__________________
(1) لمشاهدة الروايات ذات الصلة انظر : وسائل الشيعة ، كتاب الوصايا ، الباب 54 ؛ جامع أحاديث الشيعة ، أبواب الوصايا ، الباب 35.
(2) وسائل الشيعة ، ج 19 ، ص 383 (الباب السابق ، ج 10) ؛ جامع أحاديث الشيعة ، ج 35 ، ص 295 ، الرقم : 35428 (الباب السابق ، ج 6).
(3) المصدر أعلاه ، ص 381 ، الرقم : 24805 (الحديث الثالث من الباب) ، المصدر أعلاه ، الرقم : 35429 (الحديث السابع من الباب) ، والحديث التالي هو ذات هذا الحديث.
(4) البقرة : 260.
           

حول مفردة (الكرسي) ومشتقّاتها ، وهي شبيهة بالنقل الرابع لأبي حيّان(1) ؛ من هنا يحتمل أن تكون جميع هذه التوضيحات اللغوية مأخوذة عن كلام الوزير المغربي ، وأنَّ نقل أبي حيان مجرّد تلخيص لكلامه. وفي الأساس هناك احتمال أن تكون بعض آراء الوزير المغربي موجودة في تضاعيف تفسير التبيان من دون نسبتها إليه ، ومن الصعب التعرّف إليها.
تفسير المغربي في برهان الزركشي :
لقد جاء في كتاب البرهان في علوم القرآن لمحمّد بن عبد الله الزركشي (745 ـ 794 للهجرة) ذكر الوزير المغربي وتفسيره وهو ممّا يُلفت الانتباه ، فهو في البحث عن أساليب القرآن والفنون البلاغية فيه قد عدّد موارد استعمال الاسم الظاهر بدلاً من الضمير ، وقال :
«الخامس : إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنّه غير المراد كقوله تعالى ... وقوله تعالى : (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) كرّر السّوء ؛ لأنّه لو قال : (عليهم دائرته) ؛ لالتبس بأن يكون الضمير عائداً إلى الله تعالى. قال الوزير المغربي في تفسيره»(2).
__________________
(1) تفسير التبيان ، ج 2 ، ص 309 ، من عبارة «أمّا العلم» في وسط الصفحة إلى عبارة «أصل الباب الكرسي : تراكب الشيء بعضه على بعض» في ص 310 (طبعة جامعة المدرّسين ، ج 3 ، ص 441 ـ 442).
(2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، تحقيق : د. المرعشي وآخرين ، ج 3 ، ص 65.
           

إنّ هذا الرأي ـ الذي يشابه بعض الموارد التي نقلناها عن تفسير التبيان يأتي في سياق بيان مغزى التكرار ـ إنّما يلفت الانتباه لأنّه يرتبط بأواخر القرآن ، خلافاً لسائر النقول الأخرى التي تعود بأجمعها إلى بدايات القرآن ـ سورة يونس وما قبلها ـ ، فهل كان الوزير المغربي قد بلغ في تفسيره نهايات القرآن أيضاً ، أم جاء بيان هذه الآية بما يتناسب مع غيرها من الآيات؟ ليس هناك جواب شاف على ذلك.
نجل الوزير المغربي :
إنّ للوزير المغربي ولداً اسمه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين ، وقد ورد اسمه في كتب التراجم بشكل مستقلّ وضمن ترجمة والده أيضاً ، وقد وصفه الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات قائلاً :
«(ابْن الْوَزير المغربي) عبد الحميد بن الْحُسَيْن بن عَلىّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي أَبُو يحيى ابْن الْوَزير أبي الْقَاسِم المغربي تقدّم ذكر وَالِده. كَانَ فَاضلاً أديباً يكْتب مليحاً روى ببغداد عَن أَبِيه ، وروى عَنهُ أَبُو مَنْصُور العكبري وَفَارِس الذهلي. وَمن شعره الطَّوِيل ...»(1). كما صرّح ابن العديم ضمن ترجمة الوزير المغربي برواية نجله أبي يحيى عبد الحميد عنه أيضاً(2).
__________________
(1) الصفدي ، الوافي بالوفيات ، ج 18 ، ص 85 (طبعة دار إحياء التراث ، ج 18 ، ص 51).
(2) نعيم الطلب ، ج 6 ، ص 2534 و 2542.
           

لا تتوفّر لدينا معلومات بشأن سيرته ولا تاريخ ولادته أو وفاته ، وكلّ ما نعلمه عنه أنّه عند ولادته أرسل له أبو عبد الله محمّد صاحب ديوان الجيش في مصر هذين البيتين (من بحر المخلع البسيط) :

«قد أطلع الفأل مِنْهُ معنى
 

 

يُدْرِكهُ الْعَالم الذكي
 

رَأَيْت جدّ الْفَتى عليّاً
 

 

فَقلت جدّ الْفَتى عَليّ»(1)
 

وقد نقل عنه السدّآبادي في كتاب المقنع في الإمامة نصّاً مستقلاًّ ، وقد عبّر عنه بلقب الرئيس أبو يحيى بن الوزير المغربي(2) ، وإنّ هذا التعبير ـ الوارد في مناقب ابن شهر آشوب أيضاً(3) ـ يدلّ على رئاسته ، وإن كنّا لا نعلم كيفيّتها.
وهنا سوف نجمع أشعار أبي يحيى المغربي ، ثمّ نتعرّض إلى الأشعار المنسوبة له ، لنتحدّث عن هذه الأشعار والأشعار الأخرى التي يحتمل أن تكون من نظمه :
1 ـ بعد أن أشار السدّآبادي في كتاب المقنع في الإمامة إلى اختلاف الناس بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في أمر الخلافة ، قال :
__________________
(1) الوافي بالوفيات ، ج 12 ، ص 446 ، وانظر أيضاً : الوزير المغربي ، ص 91.
(2) المقنع في الإمامة ، ص 55.
(3) مناقب ابن شهر آشوب ، ج 3 ، ص 19 (الإحالة الأولى عن المناقب ، طبعة المطبعة العلمية) ، (طبعة يوسف البقاعي ، دار الأضواء ، ج 3 ، ص 26 ؛ طبعة بمبئي ، الطبعة الحجرية ، ج 3 ، ص 31). وسوف نتحدّث بعد ذلك بشأن البيتين اللذين نسبا هنا إلى ابن الوزير المغربي.
           

«أنشدني الرئيس أبو يحيى بن الوزير المغربي لنفسه ـ رضي الله عنه ـ يشرح حال القوم :

إذا كان لا يعرف الفاضليـ
 

 

نَ إلاّ شبيههم بالفضيلة
 

فمن أين للأمّة الاختيا
 

 

رُ لولا عقولهم المستحيلة
 

وإن كان إجماعهم حجّة
 

 

فلم ناقض الشيخ فيهم دليله
 

وعاد إلى النصّ يوصي به
 

 

ومن قبل خالف فيه رسوله
 

وقام الخليفة من بعده
 

 

بسنّ الضلال فيهدي سبيله
 

ويـزعـم بيعته فلتة
 

 

ويصدق لا صدّق الله قيله
 

عقد عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح لأبي بكر البيعة في سقيفة بني ساعدة فلمّا ولّي عمر بنصّ أبي بكر عليه ، قال عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، من عاد إلى مثلها فاقتلوه ، وفي بعض الروايات : اضربوه بالسيف».
تمام القطعة :

«ويجعلها بعد في ستّة
 

 

معلقة بشروط طويلة
 

فيدرأ عن سالم شكّه
 

 

وقد كان أحرى بسوء الدخيلة
 

ويوقعه فيهم شبهة
 

 

ليبرد بالغيظ منهم غليله
 

وما كان أعرفه بالإما
 

 

م ولكنّ تضليله حيلة
 

فلو رخّص الله في دينه
 

 

لأوشك من مكره أن يزيله
 

ولكن أتيح له حيلة
 

 

وعاجله الله بالفتك غيلة
 

 

 

وغادر من فعله سبّة
 

 

يجرّ الزمان عليها ذيوله»(1).
 

هناك بعض النقاط التي يمكن إثارتها بشأن هذه الأبيات الشعرية :
النقطة الأولى : نشاهد في كتاب أعيان الشيعة ضمن أشعار الوزير المغربي ، الأبيات الآتية :

«أيا غامصين المزايا الجليلة
 

 

من المرتضى والسجايا الجميلة
 

ويا غامضين عن الواضحات
 

 

كأن العيون لديها كليلة
 

إذا كان لا يعرف الفاضلين
 

 

إلا شبيههم في الفضيلة
 

فمن أين للأمة الاختيار
 

 

عفا لعقولكم المستحيلة
 

عرفنا عليّاً بطيب النجار
 

 

وفصل الخطاب وحسن المخيلة
 

تطلع كالشمس رأد الضحى
 

 

بفضل عميم وأيد جزيلة
 

فكان المقدّم بعد النبيّ
 

 

على كلّ نفس بكلِّ قبيلة»(2).
 

يبدو أنّ هذه الأبيات ـ التي ورد البيت الثالث والرابع منها مشابهاً بما في البيتين الأوّل والثاني من النصِّ المتقدِّم (باختلاف يسير) ـ والأبيات السابقة تعود إلى قصيدة واحدة ، وبعد تصريح السدّآبادي بأنّ هذه القصيدة من نظم أبي يحيى نجل الوزير المغربي ، تكون جميع هذه الأبيات بطبيعة الحال من نظمه. ومن الواضح أنّ الأشعار التي نقلها السدّآبادي ليست بداية القصيدة ، وإنّما قد أخذها من وسط القصيدة لمناسبتها مع بحثه.
__________________
(1) المصدر أعلاه ، ص 55 ـ 57.
(2) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 116 ؛ الوزير المغربي ، ص 148.
           

النقطة الثانية : لقد أورد ابن شهر آشوب البيت الأول والثاني في مناقبه نقلاً عن (يحيى بن الوزير المغربي)(1) ، ولابدّ أن يكون قد وقع تحريف في هذا الإسم ، والصحيح هو (أبو يحيى).
النقطة الثالثة : نقل البيّاضي في كتاب الصراط المستقيم الأبيات رقم 11 إلى 13 من هذه القصيدة نقلاً عن ابن المغربي(2) ، والذي يفهم من كلامه أنّ المراد من ابن المغربي هو أبو يحيى نجل الوزير المغربي.
2 ـ قال أبو يحيى المغربي :

«يا راكب الشهباء تعــمل عبلة
 

 

سلّم على قبر بسامرّاء
 

قبر الإمام العسكري وابنه(3)
 

 

وسميّ أحمد خاتم الخلفاء»(4)
 

3 ـ ومن شعره : [الطويل]

«لقيت من الدنيا أموراً ثلاثة
 

 

ولو كان منها واحد لكفانيا
 

تكدّر عيش المرء بعد صفائه
 

 

وهجر خليل كان للفجر قاليا
 

__________________
(1) مناقب آل أبي طالب ، ج 1 ، ص 258 ، (طبعة يوسف البقاعي ، ج 1 ، ص 319). في هاتين الطبعتين ، ورد في المصرع الثاني من البيت الثاني التعبير بـ (وما) بدلاً من (لولا) ، بيد أنّه في طبعة بمبي ، ج 2 ، ص 9 ، جاءت العبارة بشكلها الصحيح (لولا).
(2) الصراط المستقيم ، ج 3 ، ص 10.
(3) يبدو أنّ المراد من الإمام العسكري هو الإمام الهادي عليه‌السلام ، وابنه الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام ، وإنّ عبارة (سميّ أحمد) معطوفة على كلمة (قبر).
(4) مناقب آل أبي طالب ، ج 4 ، ص 426 ، (طبعة يوسف البقاعي ، ج 4 ، ص 459 ؛ طبعة بمبي ، ج 5 ، ص 128).
           

 

وثالثة تنسى الأحاديث كلّها
 

 

ثقيل إذا أبعدت عنه أتانيا»(1)
 

الأشعار المنسوبة إلى أبي يحيى المغربي :
1 ـ جاء في كتاب المناقب لابن شهر آشوب :
«قال الرئيس أبو يحيى ابن الوزير أبو القاسم المغربي :

هل في رسول الله من أسوة
 

 

لم يقتـد القوم بمـــا سنّ فيه
 

أخوك هل خولفت فيه كما
 

 

خالف موسى قومُه في أخيه»(2)
 

وفي كتاب أعيان الشيعة في ترجمة أبي القاسم المغربي نسب الأشعار التالية إلى الوزير :

«صلّى عليك الله يا من دنا
 

 

من قاب قوسين مقام النبيه
 

أخوك قد خولفت فيه كما
 

 

خولف في هارون موسى أخيه
 

هل برسول الله من أسوة
 

 

لم يقتد القوم بما هنّ(3) فيه»
 

ثمّ أضاف قائلاً : «وهي أطول من هذا»(4).
لم يتّضح لنا ما هو المصدر الذي استند إليه العلاّمة الأمين في نسبة هذه الأشعار إلى الوزير المغربي ، ولذلك لا يمكن لنا أن نحكم بشأن كلامه هذا
__________________
(1) الوافي بالوفيات ، ج 18 ، ص 85 ، الرقم : 87.
(2) مناقب آل أبي طالب ، ج 3 ، ص 19 ، (طبعة يوسف البقاعي ، ج 3 ، ص 26 ؛ طبعة بمبي ، ج 3 ، ص 31).
(3) يبدو أنه تحريف عن (سنّ).
(4) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 116 ؛ الوزير المغربي ، ص 158.
           

بشكل قطعي.
ولكن فيما يتعلّق بالبيتين الواردين في مناقب ابن شهر آشوب ، فإنّ السدّآبادي قد جاء بهما في كتاب المقنع بعد الأشعار التي نقلها عن المنصور النمري ، حيث قال :
وله أيضاً من أبيات :

«هل في رسول الله من أسوة
 

 

لو يقتدي القوم بما سنّ فيه
 

أخوك ................
 

 

 .................»(1).
 

يُفهم من هذه العبارة بوضوح أنّ هذين البيتين هما من نظم المنصور النمري ، وقد تقدّم عليهما في المقنع قصيدة طويلة لأبي يحيى ابن الوزير المغربي(2) ؛ لذا يُحتمل أنّ ابن شهر آشوب قد راجع هذا الكتاب ونقل منه هذين البيتين ، وقد غفل عن وجود اسم المنصور النمري في البين ، فنسبهما إلى أبي يحيى المغربي.
2 ـ ورد في مناقب ابن شهر آشوب ما يلي :

«يا ابن الذي بلسانه وبيانه
 

 

هدي الأنام ونزل التنزيل
 

عن فضله نطق الكتاب وبشّرت
 

 

بقدومه التوراة والإنجيل
 

لولا انقطاع الوحي بعد محمّد
 

 

قلنا محمّد من أبيه بديل
 

__________________
(1) المقنع في الإمامة ، ص 71 ، وعنه ما في الدرّ النظيم ، ص 251.
(2) المقنع في الإمامة ، ص 71 ، ص 55 ـ 57.
           

 

هو مثله في الفضل إلا أنّه
 

 

لم يأته برسالة جبريل»(1).
 

قال العلاّمة الأمين في كتاب أعيان الشيعة :
«وأورد ابن شهرآشوب في المناقب أبياتاً للمغربي في الإمام الباقر والظاهر أنّه أراد به الوزير المغربي ؛ لأنّها لا توجد في ديوان ابن هانئ»(2).
إن هذا الكلام يتألّف من شقّين ، وهما :
الشقّ الأوّل : (إنّ هذه الأبيات ليست لابن هانئ ؛ لعدم وجودها في ديوانه).
وصحّة هذا الادّعاء رهن بأن تكون جميع أشعار ابن هانئ موجودة في ديوانه بشكل كامل ، ونحن لا نستطيع إثبات ذلك بضرس قاطع. وفي الأساس فإنّ إطلاق المغربي على ابن هانئ يبدو مستبعداً.
الشقّ الثاني : بما أنّ هذه الأشعار ليست لابن هانئ ، فيجب أن تكون للوزير المغربي.
وهذا الكلام أيضاً إنّما يصحّ إذا كانت القضية من قبيل مانعة الخلوّ ، بمعنى أن تنحصر هذه الأبيات بأن تكون صادرة عن أحدهما لا غير ، فهي إمّا أن تكون صادرة عن ابن هانئ أو الوزير المغربي ولكن الاحتمال الآخر الموجود هنا هو أن تكون هذه الأبيات من نظم أبي يحيى نجل الوزير
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب ، ج 4 ، ص 181 ، (طبعة يوسف البقاعي ، ج 4 ، ص 197 ؛ طبعة بمبي ، ج 5 ، ص 3) ؛ الوزير المغربي ، ص 149.
(2) أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 115.
           

المغربي.
والمسألة الأهمّ هي أنّ ابن شهرآشوب قد ذكر هذه الأبيات في سيرة الإمام الجواد عليه‌السلام أيضاً ، ولكن طبقاً للنسخ المطبوعة من المناقب ذُكر أنّ قائلها هو المعرّي(1) ، والمراد من المعرّي هو أبو العلاء المعرّي ، الذي نقل عنه بعض الأشعار في مواضع أخرى من المناقب أيضاً(2).
وعليه ليس من الواضح من هو قائل هذه الأشعار ، وفي مدح أيّ إمام من الأئمّة قيلت ، وما إذا كان هناك تحريف في عبارة ابن شهر آشوب في النسخ المطبوعة؟ يبقى ملفّ هذا البحث مفتوحاً إلى حين العثور على نسخة معتمدة لكتاب المناقب لابن شهرآشوب(3).
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب ، ج 4 ، ص 392 (طبعة يوسف البقاعي ، ج 4 ، ص 423).
(2) المصدر أعلاه ، ج 1 ، ص 305 ، ج 4 ، ص 55 (طبعة يوسف البقاعي ، ج1 ، ص 369 ، ج 4 ، ص 62).
(3) لقد راجعت نسختين معتبرتين جدّاً لكتاب المناقب ، وتعود إحداهما إلى القرن السادس والسابع ، ولا يوجد فيها باب سيرة الإمام الباقر والإمام الجواد ، والأخرى التي كتبت بتاريخ 24 من ذي القعدة عام 777 للهجرة ، وهي محفوظة في مكتبة المرعشي النجفي برقم (3823) ، (فهرست مكتبة آية الله المرعشي النجفي ، ج 10 ، ص 201). وفي هذه النسخة في فصل حياة الإمام الباقر عليه‌السلام ، لا ترى نقطة حرف الغين ولا نقطة حرف الباب من كلمة المغربي ، ولكن نتوء حرف الباء قبل الياء واضح ، وعليه لا يمكن أن يكون المراد هو المعرّي. وإنّ القسم الأخير من هذه النسخة ، بما في ذلك الفصل المتعلّق بالإمام الجواد عليه‌السلام قد تمّ تجديد كتابته ، ولذلك لا ينفعنا في بحثنا.
           

سائر أقرباء الوزير المغربي :
أشرنا في القسم السابق من هذا المقال إلى البعض من أقارب الوزير المغربي ، من أمثال : والده وإخوته وعمِّه وخال أبيه (هارون بن عبد العزيز الأوارجي) ونجله (عليّ بن هارون بن عبد العزيز).
ومن بين أقارب الوزير المغربي يمكن لنا تسمية صهره أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن عمر(1) ، وابن أخته النقيب نجم الدين أسامة الذي تولّى نقابة الأشراف (عام 452 للهجرة)(2) ، وابن أخ الوزير المغربي أبو الفرج محمّد بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين المغربي ، وقد ورد اسمه في عدد من الكتب التاريخية(3). وإذا كان ابناً لشقيق الوزير المغربي فإنّه في مثل هذه الحال سيكون ابناً لسبط أبي عبد الله النعماني ، وبذلك تكون له صلة ببحثنا.
ومهما كان فإنّنا نكتفي هنا بكلام ابن الصيرفي أبو القاسم عليّ بن منجب بن سليمان في كتاب الإشارة إلى من نال الوزارة بشأنه ، حيث ترجم ابن الصيرفي له تحت عنوان : (الوزير الأجلّ الكامل الأوحد صفيّ أمير المؤمنين وخالصته أبو الفرج محمّد بن جعفر المغربي) ، وبعد الإشارة إلى أسرته ذكر حادثة قتل جدّه وأعمامه ، ثمّ قال عن الوزير المغربي :
__________________
(1) ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج 9 ، ص 336.
(2) عمدة الطالب ، ص 275.
(3) ومن بينها : الكامل في التاريخ لابن الأثير ، ج 9 ، ص 644 ، ج 10 ، ص 30 ؛ سير أعلام النبلاء ، ج 18 ، ص 313.
           

«كان الوزير أبو الفرج سار إلى المغرب وخدم هناك ، وتنقّلت به الأحوال ، وبعد عودته إلى مصر اصطنعه اليازوري ، وولاّه ديوان الجيش ، وكانت السيّدة والدة الإمام المستنصر بالله تُعنى به ، ولمّا ولّي البابليّ الوزارة قبض عليه في جملة أصحاب اليازوري واعتقله ، فتقرّرت له الوزارة في الاعتقال ، وخلع عليه في شهر ربيع الآخر من سنة خمسين وأربع مئة ، فما تعرّض لخليفة بغداد ، ولا فعل في البابلي ما فعله البابلي فيه وفي أصحاب اليازوري ، وأقام سنتين وشهوراً وصُرف في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة ، وكان الوزراء إذا صُرفوا لم يُستخدموا ، فاقترح لمّا صُرف أن يُولّى بعض الدواوين ، فولّي ديوان الإنشاء ، وصار استخدام الوزراء إذا صُرفوا سُنّة تمنع الخمول وتؤمن الدثور ، وهو الذي استنبط هذه الفعلة ، وتنبّه على ما فيها من المصلحة ، وتوفّي في سنة ثمان وسبعين وأربع مئة»(1).
__________________
(1) أبو القاسم الصيرفي ، الإشارة إلى من نال الوزارة ، ص 47 ـ 48.

 

ما وصل إلينا من كتاب الآل
تأليف الحسين بن خالويه أبو عبد الله النحوي
(المتوفّى سنة 370 هجرية)

 

الشيخ عبد الحليم عوض الحلّي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد الرسل أجمعين محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
أمّا بعد ...
فإنّه من المعلوم أنّ كتاب الآل من جملة تأليفات النحوي الحسين بن خالويه المتوفّى سنة 370 هجرية ، وقد صدر منه إلى عالم النور ووقع بيد العلماء الأعلام ونقلوا منه على مدى قرون عديدة ، ولكن للأسف لم يصل إلينا متنه ولم يقع بأيدينا في العصر الحاضر ، فلعلّ نسخه موجودة في المكتبات التي لم تفهرس ، أو أنّه خارج البلدان الإسلامية كسائر التراث الإسلامي ، أو أنّه موجود وقد سقط من أوّله وآخره شيء ولم تعلم هويّة
 

الموجود ، أو غير ذلك.
وعلى أيّ حال فهو من الكتب المهمّة القديمة المفقودة حالياً ، وقد صرّح جماعة من العلماء بنسبته إليه ، وإليك الآن عرض بعض عباراتهم :
قال النجاشي (ت 450 هـ) : «الحسين ابن خالويه أبو عبد الله النحوي : سكن حلب ومات بها ، وكان عارفاً بمذهبنا مع علمه بعلوم العربية واللغة والشعر. وله كتب منها : كتاب الأُول ومقتضاه ذكر إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، حدّثنا بذلك القاضي أبو الحسين النصيبي ، قال : قرأته عليه بحلب ، وكتاب مستحسن القراءات والشواذّ»(1).
أقول : كأنّ الشيخ النجاشي لم يخض في مضمون الكتاب ، ولذلك تراه قائلا : (ومقتضاه) ، كما أنّ تسميته بـ : (الأُول) تعطي احتمالا أنّه اسم ثان أو تصحيف عنه ، مع أنّ تقارب موضوع الكتابين يقوّي أنّه هو أو مثله.
وقال ابن شهرآشوب (ت 588 هـ) : «أبو عبد الله الحسين ابن خالويه له كتاب الآل»(2).
وقال ياقوت الحموي (ت 626 هـ) في معجم الأدباء في مقام ذكر تأليفات ابن خالويه ما نصّه : «وكتاب الآل ذكر في أوّله أنّ الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً ، وذكر فيه الأئمّة الاثني عشر ومواليدهم ووفياتهم
__________________
(1) فهرست أسماء مصنّفي الشيعة 67 / 161.
(2) معالم العلماء : 77.
           

وغير ذلك»(1).
وقال ابن خلّكان (ت 681 هـ) في وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان بعد نسبة كتاب ليس في كلام العرب ما نصّه : «وله كتاب لطيف سمّاه الآل ، وذكر في أوّله أنّ الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً وما اقتصر فيه ، وذكر فيه الأئمّة الاثني عشر وتواريخ مواليدهم ووفياتهم وأمّهاتهم ، والذي دعاه إلى ذكرهم أنّه قال في جملة أقسام الآل وآل محمّد بنو هاشم»(2).
وقال العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) في الخلاصة : «له كتاب في إمامة أمير المؤمنين» ، وقال الشيخ الطهراني معلّقاً عليه : «والظاهر أنّه ما أراد غير كتاب الآل المذكور»(3).
أقول : وكأنّه رضوان الله تعالى عليه قد أخذ هذا المطلب من الشيخ النجاشي المتقدّم ذكره.
وقال اليافعي (ت 768 هـ) في مرآة الجنان في حوادث سنة (370 هـ) : «وله كتاب لطيف سمّاه كتاب الآل ، وذكر في أوّله أنّ الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً وما اقتصر فيه ، ثمّ ذكر الأئمّة الاثني عشر من آل محمّد وتاريخ مواليدهم ووفياتهم وأسماء آبائهم وأمّهاتهم ، والذي دعاه إلى ذكرهم أنّه قال في جملة أقسام الآل : وآل محمّد صلّى الله عليه وآله بنو
__________________
(1) معجم الأدباء 9 / 200 / 21.
(2) وفيات الأعيان 2 / 177 / 194.
(3) الذريعة 1 / 37 / 180.
           

هاشم»(1).
وجاء في لسان الميزان لابن حجر العسقلاني (ت 825 هـ) : «وقد قرأ أبو الحسين النصيبي وهو من الإمامية عليه كتابه في الإمامة»(2).
وقال حاجي خليفة (ت 1067 هـ) في كشف الظنون : «كتاب الآل لأبي عبد الله حسين بن أحمد النحوي المعروف بابن خالويه المتوفّى سنة (370هـ) سبعين وثلاثمائة ذكر في أوّله أنّ الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً ، وذكر أيضاً الأئمّة الاثني عشر وأبناء هاشم»(3).
ثمّ إنّه ذكر اسم هذا الكتاب ونسبته لابن خالويه كلّ من الشيخ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة(4) ، والميرزا النوري الطبرسي في خاتمة المستدرك(5) والسيّد الخوئي في معجم رجال الحديث(6) والسيّد الجلالي المعاصر في فهرس التراث(7).
هذا ، وإنّ السيوطي قد ترجم لابن خالويه ولكنّه لم يذكر كتاب الآل في جملة كتبه(8).
__________________
(1) مرآة الجنان وعبرة اليقظان 2 / 297.
(2) لسان الميزان 2 / 267 / 1116.
(3) كشف الظنون 2 / 1396.
(4) الذريعة 1 / 37 / 180.
(5) خاتمة المستدرك 7 / 271 / 583.
(6) معجم رجال الحديث 6 / 252 / 339.
(7) فهرس التراث 1 / 415.
(8) بغية الوعاة : 1 / 529 ـ 530.
           

وبعد أن اطّلعت على نسبة كتاب الآل لأبي عبد الله الحسين بن خالويه النحوي نقول : إنّ الشيخ الطهراني رحمه الله قد ذكر في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة كتابين يحملان عنوان الآل :
الأوّل : «كتاب الآل للشيخ أبي الحسن علي بن محمّد بن يوسف بن مهجور الفارسي المعروف بابن خالويه أيضاً ، وهو غير الحسين بن أحمد ساكن حلب ، وغير أبي عبد الله الحسن الشافعي صاحب الطارقية في إعراب ثلاثين سورة ، بل الفارسي المذكور ترجمه النجاشي(1) ـ أيضاً ـ ، لكنّه لم يذكر هذا الكتاب له ، وإنّما حكى نسبته إليه سيّدنا الحسن صدر الدين في تأسيس الشيعة(2) عن اليافعي وغيره ، والمظنون أنّه ليس غير كتاب الحسين بن أحمد بن خالويه المذكور أوّلاً ، فراجع»(3).
الثاني : كتاب الآل والعذب الزلال ، عدّه في كشف الظنون من الكتب التي ألّفت في بيان مناقب الأئمّة الاثني عشر عند ذكره مناقب الأئمّة ، لكنّه لم يذكر اسم مؤلّف الآل ، والظاهر أنّه من المتأخّرين عن ابن خالويه المذكور ، وأنّه غير كتاب الآل له بل هذا مقصور على مناقبهم عليهم السلام فقط كما يظهر من العنوان»(4).
__________________
(1) فهرست أسماء مصنّفي الشيعة 268 / 699.
(2) تأسيس الشيعة: 86.
(3) الذريعة 1 / 38 / 181.
(4) الذريعة 1 / 38 / 182.
           

مَن نقل عن كتاب الآل :
قد ذكرنا سابقاً أنّ كتاب الآل قد صدر من المؤلّف ابن خالويه ، وقد كانت نسخه موجودة متداولة عند العلماء ، وقد نقلوا عنه وأوردوا عباراته في كتبهم ، وإنّ أقدم الناقلين عنه حسب تتبّعنا السيّد ابن طاووس (ت 664 هـ) في الإقبال في الباب التاسع حيث قال : «فصل فيما نذكره من الدعاء في شعبان مروي عن ابن خالويه»(1) ، ولكنّه لم يصرّح أنّه أخذه من كتاب الآل ، ولكن يظهر أنّه منه.
كما أنّ أكثر من نقل عن ابن خالويه هو الإربلي (ت : 692 هـ) صاحب كتاب كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عليهم‌السلام.
ونقل عنه ابن الصبّاغ المالكي (ت 855 هـ) في كتاب الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة.
ونقل عنه الشيخ تقي الدين الكفعمي (ت 905 هـ) في كتاب صفوة الصفات في شرح دعاء السمات معاني كلمة الصلاة والآل ، حيث قال : «وأفرد ابن خالويه كتاباً صنّفه في معنى الآل ، وسمّي كتاب الآل»(2).
وينقل عن كتاب الآل هذا مير محمّد أشرف الحسيني العاملي في فضائل السادات الذي ألّفه سنة (1103 هـ) قال العلاّمة الطهراني في الذريعة : «فيظهر وجوده عنده»(3).
__________________
(1) إقبال الأعمال 3 / 295.
(2) صفوة الصفات : 398.
(3) الذريعة 1 / 38 / 180.
           

إن قلت : النقل عن كتاب معيّن لا يدلّ على وجوده عنده ، فلعلّه نقل عنه بواسطة أو بواسطتين.
قلت : المؤلّف مير محمّد أشرف قد ذكر في أوّل كتابه فضائل السادات فهرس مصادر الكتب التي نقل منها في كتابه ، وذكر من جملتها كتاب الآل لابن خالويه ، وكرّر ذكر ذلك في آخره(1).
وأمّا العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) فقد نقل عنه بواسطتين :
الأولى : كتاب كشف الغمّة في معرفة الأئمّة للإربلي.
الثانية : كتاب منهج التحقيق إلى سواء الطريق.
قال الطهراني في الذريعة : «منهج التحقيق إلى سواء الطريق ينقل في حديقة الشيعة المنسوب إلى المقدّس الأردبيلي عن باب منه في بيان أفضلية أمير المؤمنين عليه‌السلام على سائر الأنبياء والمرسلين [ما عدا رسول الله(صلى الله عليه وآله)] ، وينقل عنه الشيخ حسن بن سليمان تلميذ الشهيد في كتاب المحتضر قائلاً : [روى بعض علماء الإمامية في كتاب منهج التحقيق بإسناده إلى سلمان ...] وفي موضع آخر قال : [كتاب منهج التحقيق عن كتاب نوادر الحكمة ...] وينقل عنه السيّد هاشم في مدينة المعاجز بعض معجزات أمير المؤمنين عليه‌السلام مصرّحاً بأنّه لبعض الإمامية ، وكذا ينقل عنه في أنساب النواصب المؤلّف سنة (1076هـ)»(2).
__________________
(1) فضائل السادات 1 / 39 ، و 2 / 410.
(2) الذريعة 23 / 184 / 8570.
           

نبذة عن حياة ابن خالويه :
ذكر ياقوت الحموي في معجم الأدباء أنّ اسمه : الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان(1) ، ومثله ذكر اليافعي في مرآة الجنان وابن خلّكان في وفيات الأعيان(2) ، وأمّا باقي المصادر المترجمة له فقد صرّحت بأنّه الحسين ابن محمّد بن خالويه ، وكنيته : عبد الله ، وأنّه نشأ في همذان ، ثمّ وفد إلى بغداد بعد ذلك(3).
ويشاركه في هذا الرأي السيوطي في بغية الوعاة(4) ، وقد سجّل الرواة أنّه في سنة أربع عشرة وثلاثمائة دخل بغداد ليتلقّى عن شيوخها ، ويأخذ عن أعلامها.
هذا ، ولم تتعرّض كتب التراجم لسنة مولده كما هو الحال في أغلب المصنّفين والمؤلّفين ، وإن تعرّضت لسنة وفاته ، فقد أجمعت على أنّه توفّي بحلب سنة سبعين وثلاثمائة ، باستثناء من شذّ من ذلك(5).
شيوخه :
أخذ ابن خالويه من مشايخ كثيرة في اللغة والأدب ، والآن نذكر لك
__________________
(1) معجم الأدباء 9 / 200.
(2) مرآة الجنان 2 / 394 ، وفيات الأعيان 2 / 168.
(3) إنباه الرواة في أنباه النحاة 1 / 359.
(4) بغية الوعاة 1 / 529.
(5) وفيات الأعيان 2 / 179 ، معجم الأدباء 9 / 200.
           

بعض شيوخه الذين كان لهم أثر كبير في تكوينه العلمي والثقافي :
1 ـ ابن مجاهد : تلقّى ابن خالويه على ابن مجاهد علوم القرآن الكريم والقراءات ، وهو : أحمد بن موسى بن العبّاس التميمي ، كان يلقّب في عصره بشيخ الصنعة(1).
2 ـ ابن دريد : وهو أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي ، تلقّى عليه ابن خالويه النحو والأدب ، وكان ابن دريد شاعراً كثير الشعر ، ومن شعره (المقصورة) المشهورة ، والقصيدة المشهورة التي جمع فيها بين المقصور والممدود ، ولمّا مات هو وأبو هاشم الجبّائي في يوم واحد ودفنا في مقبرة (الخيزران) قال الناس : مات علم اللغة والكلام بموت ابن دريد والجبّائي ، وقد رثاه جحظة فقال :

فقدت بابن دريد كلَّ منفعة
 

 

لما غدا ثالث الأحجار والترب
 

قد كنت أبكي لفقد الجود آونة
 

 

فصرت أبكي لفقد الجود والأدب(2)
 

3 ـ ابن الأنباري : هو أبو بكر محمّد بن القاسم بن بشّار الأنباري النحوي ، كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيّين ، وأكثرهم حفظاً للغة. وكان ابن الأنباري مهتمّاً بالدراسة القرآنية ، فقد ذكروا أنّه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم(3).
__________________
(1) الحجّة في القراءات السبع (المقدّمة) / 4.
(2) تاريخ بغداد 2 / 194 / 622.
(3) تاريخ بغداد 3 / 199 / 1540.
           

4 ـ أبو عمر الزّاهد : هو أبو عمر : محمّد بن عبد الواحد بن أبي هاشم اللغوي الزاهد ، كان من أكابر أهل اللغة ، وأحفظهم لها ، أخذ عن أبي العبّاس ثعلب ، وكان يعرف بغلام ثعلب(1).
5 ـ أبو سعيد السيرافي : هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي ، كان من ألمع نجوم عصره ، فسعى إليه ابن خالويه ، وجلس في حلقته ، وتأثّر به أثراً كبيراً ظهر في منهجه اللغوي والنحوي ، وذلك لأنّ أبا سعيد كان زعيم المحافظين في عصره ، حيث يرى أنّ اللغة مرجعها الرواية والنقل ، لا القياس والعقل ، وبهذا المنهج استطاع السيرافي أن يهزم (متّى) المنطقي في مناظرة مشهورة ، جعلت الوزير ابن الفرات ـ وكان مشاهداً لها ـ يقول في السيرافي : «عين الله عليك أيّها الشيخ ، فقد ندّيت أكباداً ، وأقررت عيوناً ، وبيّضت وجوهاً ، وحكت طرازاً لا يبليه الزمان ، ولا يتطرّق إليه الحدثان»(2).
تلاميذه :
تتلمذ على يد ابن خالويه جماعة كثيرة في العلم واللغة والأدب ، وكان من أشهرهم :
1 ـ المعافى بن زكريّا النهرواني.
__________________
(1) تاريخ بغداد 3 / 159 / 1181.
(2) معجم الأدباء 8 / 228.
           

2 ـ عبد المنعم بن غلبون.
3 ـ الحسن بن سليمان.
4 ـ أبو بكر الخوارزمي ، قال ياقوت : من تلامذته.
5 ـ أبو الحسين النصيبي ، قال ياقوت : قرأ عليه كتابه في الإمامة ومثله قال النجاشي(1).
6 ـ الشيخ أبو الحسن محمّد بن عبد الله الشاعر الشهير بالسلامي.
7 ـ سعيد بن سعيد الفارقي النحوي(2).
رحلاته :
ذكر السيوطي في إنباه الرواة : أنّه دخل اليمن ، ونزل ديارها(3) ، وهي رواية اللّحجي(4) اليمني في كتابه الأترجّة حين تعرّضه لابن الحائك(5) اليمنيّ وشعره ، قال ما نصّه : «ومن الشاهد على ذلك أنّ الحسين بن خالويه الإمام
__________________
(1) الذريعة 1 / 180 / 928 ، أعيان الشيعة 5 / 421.
(2) أنظر : أعيان الشيعة 5 / 421.
(3) إنباه الرواة في أنباه النحاة 1 / 361.
(4) اللّحجي بالفتح ثمّ السكون منسوب إلى لحج باليمن ، وهو مسلم بن محمّد اللّحجي ، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان 5 / 325 : كان حيّاً سنة (530 هـ) له كتاب (الأترجة) في شعراء اليمن.
(5) هو الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المعروف بابن الحائك ، عالمٌ ، أديبٌ ، مشاركٌ في أنواع العلوم ، توفّي بسجن صنعاء ، سنة 334 هـ (معجم المؤلّفين لكحّالة 3 / 20).
           

لمّا دخل اليمن ، ونزل ديارها ، وأقام بها ، شرح ديوان ابن الحائك وعنى به ، وذكر غريبه وإعرابه».
ثمّ قال صاحب الإنباه : «ولم أعلم أنّ ابن خالويه دخل اليمن إلاّ من كتاب الأترجة هذا ، وهو كتاب غريب ، قليل الوجود اشتمل على ذكر شعر اليمن في الجاهلية والإسلام»(1). وعلى أيّة حال ـ إن صحّت هذه الرواية ـ فمن المؤكّد أنّ رحلته هذه إلى اليمن كانت قبل رحلته إلى حلب ، حيث سكنها وعاش في كنف سيف الدولة الحمداني بها ، وهناك انتشر علمه. ويزيد الإنباه أنّه تصدّر أيضاً (بميّافارقين) و (حمص) للإفادة والتصنيف ، وأخيراً استقرّ به المقام في حلب ، حيث وافاه الأجل المحتوم سنة سبعين وثلاثمائة»(2).
وفيما يبدو أنّ ابن خالويه كانت معيشته ضنكاً ، يدلّ على ذلك قوله لسيف الدولة حينما سأل جماعة في مجلسه : هل تعرفون اسماً ممدوداً ، وجمعه مقصور؟ فقالوا : لا.
فقال ابن خالويه : أنا أعرف اسمين لا أقولهما إلاّ بألف درهم لئلاّ يؤخذا بلا شكر.
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله :
[من الطويل]
__________________
(1) إنباه الرواة في أنباه النحاة 1 / 361.
(2) إنباه الرواة في أنباء النحاة 1 / 361.
           

 

وكم قائل مالي رأيتك راجلاً
 

 

فقلت له من أجل أنّك فارس(1)
 

وقوله :
[من البسيط]

الجود طبعي ولكن ليس لي مالُ
 

 

فكيف يبذل مَن بالقرض يحتالُ
 

فهاك حظّي فخذه اليوم تذكرة
 

 

إلى اتّساعي فلي في الغيب آمالُ(2)
 

أقوال العلماء فيه :
أطراه العلماء ومدحوه وبيّنوا فضله في اللغة والأدب والرواية ، وإليك بعض ما قيل في حقّه :
قال الثعالبي (ت 429 هـ) في يتيمة الدهر : «أبو عبد الله الحسين ابن خالويه ... صار أحد أفراد الدهر في كلّ قسم من أقسام الأدب والعلم ، وكانت إليه الرحلة من الآفاق ، وآل حمدان يكرّمونه ويدرسون عليه ويقتبسون منه»(3).
وقال ابن خلّكان : «أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي اللغوي أصله من همذان ولكنّه دخل بغداد وأدرك جلّة العلماء بها وانتقل إلى الشام واستوطن حلب وصار بها أحد أفراد الدهر»(4).
__________________
(1) وفيات الأعيان 2 / 179 ، الوافي بالوفيات 12 / 201.
(2) معجم الأدباء 9 / 204.
(3) يتيمة الدهر 1 / 136.
(4) وفيات الأعيان 2 / 179.
           

وقال ياقوت الحموي في معجم الأدباء : «من كبار أهل اللغة والعربية ... وتقدّم في العلوم حتّى كان أحد أفراد عصره ، وكانت الرحلة إليه من الآفاق ، واختصّ بسيف الدولة ابن حمدان وبنيه ، وقرأ عليه آل حمدان وكانوا يجلّونه ويكرمونه فانتشر علمه وفضله وذاع صيته»(1).
وقال أبو عمرو الداني في طبقات القرّاء فيما حكاه عنه ياقوت : «كان ابن خالويه عالماً بالعربية ، حافظاً للّغة ، بصيراً بالقراءة ، ثقة مشهوراً»(2).
وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان : «الحسن بن أحمد ابن خالويه النحوي الهمذاني الأصل نزيل حلب ، قال ابن أبي طي : كان إماميّاً عالماً بالمذهب ، قال : وقد ذكر في كتاب ليس ما يدلّ على ذلك»(3).
وقال النجاشي : «الحسين بن خالويه أبو عبد الله النحوي ، سكن حلب ومات بها ، وكان عارفاً بمذهبنا مع علمه بعلوم العربية واللغة والشعر انتهى»(4).
وذكره صاحب الفلاكة والمفلوكين فقال : «الحسين بن أحمد بن حمدان بن خالويه الهمذاني اللغوي المقري النحوي ، أبو عبد الله ، أحد العلماء المشهورين والأدباء المصنّفين ، قال ابن مكتوم ـ كما نقلته من خطّه ـ : وكان ابن خالويه على إمامته في اللغة ضعيفاً في النحو ، وعلّله ضعيفاً في
__________________
(1) معجم الأدباء 9 / 200.
(2) معجم الأدباء 9 / 200.
(3) لسان الميزان 2 / 267 / 1116.
(4) فهرس أسماء مصنّفي الشيعة : 67 / 161.
           

التصريف ، وله في ذلك مع أبي علي الفارسي وتلميذه أبي الفتح ابن جنّي حكايات معروفة ، ولأبي علي الفارسي في تغليطه كتاب نقض الهاذور ، ثمّ قال : وأنت إذا وقفت على ضعفه في العربية وقفت على سرّ الحكاية المشهورة عنه وأنّها ليست من هضم النفس في شيء وهي قوله : (أنا منذ خمسين سنة أتعلّم النحو ما تعلّمت ما أقيم به لساني) انتهى ، وضعفه في العربية لم يقم عليه شاهد ، والحكاية المشار إليها لا تخرج عن هضم النفس أو بيان سعة العربية»(1).
وقال في نزهة الألبّاء : «كان من كبار أهل اللغة ، ولم يكن في النحو بذاك»(2).
وفي فهرست ابن النديم : «خلط المذهبين» أي مذهب الكوفيّين والبصريّين في النحو (3).
وقال الأفندي في رياض العلماء : «أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي الإمامي الشيعي الهمذاني ثمّ الحلبي ، الفاضل العالم المفسّر الأديب المتقدّم المعروف بابن خالويه النحوي ، كان معاصراً للزجّاج النحوي وأبي علي الفارسي»(4).
وعن الرافعي في تاريخه أنّه قال : «أتى بغداد واستفاد من أعيان
__________________
(1) حكاه عنه السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة 5 / 420.
(2) نزهة الألبّاء / 311.
(3) فهرست ابن النديم : 192.
(4) رياض العلماء 2 / 42.
           

العلماء ، ثمّ أتى حلب وتوطّن فيها ، واشتهر بالفضل في الآفاق ، وكان معظّما مكرّما عند آل حمدان ، وكانوا يستفيدون منه»(1).
وعن ابن النجّار في ذيل تاريخ بغداد : «وقال كان أحد أفراد الدهر في العلوم والأدب ، وكان إليه الرحلة من الآفاق وسكن حلب فكان آل حمدان يكرّمونه ومات بها»(2).
مكانته اللغوية والنحوية :
ابن خالويه كانت له قدم راسخة في الدراسات اللغوية ، فقد تتلمذ على ابن دريد ، وابن دريد له في اللغة كتاب الجمهرة وهو كتاب ثمين عرف قيمته أولو العلم ورجالات الأدب منذ تأليفه ، وابن خالويه كان راوياً لهذه الجمهرة ، وقد كتب عليها حواشي من استدراكه على مواضع منها ، ونبّه على بعض أوهام وتصحيفات ، ولمكانة ابن خالويه اللغوية ردّ على ابن دريد ، ونقده في مسائل عديدة من جمهرته.
وله آراء في النحو لا تقلّ عن آرائه في اللغة ، ولعلّ السبب في عدم اشتهار ابن خالويه بالنحو هو أنّه كان يؤمن بأنّ اللّغة تؤخذ سماعاً لا قياساً ، والتأليف النحوي ـ كما جرت به عادة النحاة ـ يدور حول العلّة والمعلول ، والقياس والمنطق ، ومن أجل ذلك لم يؤلّف كتباً عديدة في النحو ، أو في
__________________
(1) حكاه عنه السيّد الأمين في أعيان الشيعة 5 / 420.
(2) حكاه عنه السيّد الأمين في أعيان الشيعة 5 / 420.
           

أصوله كما فعل الفارسي وتلميذه ابن جنّي ، ولكنّه مع هذا كان معلّماً نحويّاً ولغويّاً ، وقد سجّل له الرواة هذه الحقيقة فقالوا : «كان إماماً ، أحد أفراد الدهر في كلّ قسم من أقسام العلم والأدب ، وكان إليه الرحلة من الآفاق ، وكان آل حمدان يكرّمونه»(1).
إ نتاجه العلمي :
السيوطي في بغية الوعاة ينصّ على أنّ من تصانيفه : الجمل من النحو ، الاشتقاق ، أطرغش ، القراءات ، إعراب ثلاثين سورة ، شرح الدريدية ، المقصور والممدود ، الألفات ، المذكّر والمؤنّث ، كتاب ليس ، كتاب اشتقاق خالويه ، البديع في القراءات(2).
ويزيد كتاب الإنباه على البغية كتاب الأسد ، تقفية ما اختلف لفظه واتّفق معناه لليزيدي ، المبتدأ في النحو (3).
ومعجم الأدباء يزيد على ما ذكر كتاب الآل : «ذكر في أوّله أنّ الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً ، وذكر فيه الأئمّة الاثني عشر ومواليدهم ووفياتهم ، وغير ذلك»(4).
وغاية النهاية يزيد ما يأتي : حواشي البديع في القراءات ، كتاب
__________________
(1) انظر : مقدّمة كتاب الحجّة في القراءات السّبع : 11.
(2) بغية الوعاة 1 / 530.
(3) إنباه الرواة في أنباه النحاة 1 / 361.
(4) معجم الأُدباء 9 / 204.
           

مجدول في القراءات ألّفه لعضد الدولة(1).
ويزاد على هؤلاء الرواة ما يأتي :
1 ـ كتاب الريح : وهو مخطوط ، يتكوّن من ثلاث ورقات ، مخطوط رقم 5252 هـ ـ دار الكتب المصرية ، أوّله : قال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن خالويه النحوي : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فإنّ الريح اسم مؤنّثه(2) ...
2 ـ كتاب أسماء الله الحسنى : فقد نصّ في كتابه إعراب ثلاثين سورة : أنّ له كتاباً في أسماء الله الحسنى ، وقد قال في ذلك ما نصّه : «وقد صنّفتها في كتاب مفرد ، واشتقاق كلّ اسم منها ومعناه»(3).
3 ـ رسالة في قوله : ربّنا لك الحمد ملء السماوات ... ، وقد أشار إلى هذه الرسالة الشيخ محيي الدين يحيى النووي في كتابه تصحيح التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وقال ما نصّه قوله : «ربنا لك الحمد ملء السماوات ، يجوز ملء بالنصب والرفع ، والنصب أشهر ، وممّن حكاها ابن خالويه ، وصنّف في المسألة»(4).
4 ـ شرح ديوان ابن الحائك : حيث عنى بغريبه وإعرابه(5).
__________________
(1) غاية النهاية في طبقات القرّاء 1 / 237 / 1082.
(2) مخطوطة مصوّرتها عندي.
(3) إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم / 14.
(4) الحجّة في القراءات السبع / 15 (مقدّمة التحقيق).
(5) إنباه الرواة في أنباه النحاة 1 / 361.
           

5 ـ كتاب مختصر في شواذّ القراءات من كتاب البديع ، عنى بنشره المستشرق ج. برجستراسر وطبع بالمطبعة الرحمانية بمصر 1934م.
6 ـ كتاب أسماء ساعات الليل : قال الشيخ إبراهيم الكفعمي في فرج الكرب : «إنّ فيه مائة وثلاثين اسماً» ، وقال العلاّمة الطهراني في الذريعة : «يظهر منه أنّه كان موجوداً إلى عصره»(1).
7 ـ العشرات في اللغات : أي اللغة لها عشر معان ، وهو مخطوط بمكتبة مجيد موقّر بطهران ، ونسخ سنة (760 هـ).
8 ـ كتاب الهاذور : الذي ردّ فيه على أبي علي الفارسي حينما ألّف كتاب الإغفال ليردّ على شيخه أبي إسحاق الزجّاج(2).
9 ـ شرح ديوان أبي فراس الحمداني : وقد جاء في مقدّمة شرحه للديوان ما نصّه : «قال أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن أحمد بن خالويه : مَن حلّ من الشرف السامي ، والفضل والكرم الذائع ، والأدب البارع ، والشجاعة المشهورة ، والسماحة المأثورة أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدون بن الحارث العدوي. كان سيف الدولة ... مثقّفه ومتبنّيه ... وما زال يعاملني بالمحبّة ... يلقي إليَّ شعره دون الناس ، ويحظر عليّ نشره حتّى سبقتني وإيّاه الركبان ، فحملت منه ما ألقاه إليّ وشرحته بما أرجو أن يقرنه الله
__________________
(1) الذريعة 2 / 67 272.
(2) الحجّة في القراءات السبع / 15 (مقدّمة التحقيق).
           

عزّ وجلّ بالصواب والرشاد»(1).
وليس لابن خالويه عمل في هذا الديوان غير روايته وبيان المناسبات المختلفة للقصائد التي احتواها الديوان. هذا وقد قام الدكتور سامي الدهّان بنشر الديوان وتحقيقه في جزءين سنة (1944 م) وطبع في بيروت.
__________________
(1) الذريعة 13 / 264 / 978.
           

ما وصل إلينا من كتاب الآل
وبعد أن اطّلعنا على أحوال المؤلِّف والمؤلَّف نحاول أن نقرأ ما بقي منه متناثراً إلى زماننا هذا ، والذي نقله عنه المصنّفون وأودعوه في كتبهم ، وقد رتّبنا ذلك في موارد :
المورد الأوّل : قال السيّد ابن طاووس (ت 664 هـ) في إقبال الأعمال : «فصل فيما نذكره من الدعاء في شعبان ، مرويّ عن ابن خالويه» ثمّ قال : «واسم ابن خالويه الحسين بن محمّد ، وكنيته أبو عبد الله(1).
وذكر النجاشي أنّه كان عارفاً بمذهبنا ، مع علمه بعلوم العربية واللغة والشعر ، وسكن بحلب(2).
«وذكر محمّد بن النجّار في التذييل : وقد ذكرناه في الجزء الثالث من التحصيل ، فقال عن الحسين بن خالويه : كان إماماً أوحد أفراد الدهر في كلّ قسم من أقسام العلم والأدب ، وكان إليه الرحلة من الآفاق ، وسكن بحلب ، وكان آل حمدان يكرّمونه ، ومات بها ، قال : إنّها مناجاة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام والأئمّة من ولده عليهم‌السلام ، كانوا يدعون بها في شهر شعبان(3) :
(اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد واسمع دعائي إذا دعوتك ، واسمع ندائي إذا ناديتك ، وأقبل عليّ إذا ناجيتك ، فقد هربت إليك
__________________
(1) إقبال الأعمال 3 / 295.
(2) فهرست أسماء مصنّفي الشيعة 67 / 161.
(3) إقبال الأعمال 3 / 295.
           

ووقفت بين يديك ، مستكيناً لك ، متضرّعاً إليك ، راجياً لما لديك ، تراني وتعلم ما في نفسي وتخبر حاجتي وتعرف ضميري ، ولا يخفى عليك أمر منقلبي ومثواي ، وما أريد أن أُبدي به من منطقي ، وأتفوّه به من طلبتي ، وأرجوه لعاقبتي ، وقد جرت مقاديرك عليّ يا سيّدي فيما يكون منّي إلى آخر عمري ، من سريرتي وعلانيتي ، وبيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ، ونفعي وضرّي.
إلهي إن حرمتني فمن ذا الذي يرزقني ، وإن خذلتني فمن ذا الذي ينصرني. إلهي أعوذ بك من غضبك وحلول سخطك. إلهي إن كنت غير مستأهل لرحمتك فأنت أهل أن تجود عليَّ بفضل سعتك. إلهي كأنّي بنفسي واقفة بين يديك ، وقد أظلّها حسن توكّلي عليك ، فقلتَ ما أنت أهله وتغمّدتني بعفوك. إلهي إن عفوت فمن أولى منك بذلك ، وإن كان قد دنا أجلي ولم يدنني منك عملي ، فقد جعلت الإقرار بالذنب إليك وسيلتي. إلهي قد جرت على نفسي في النظر لها ، فلها الويل إن لم تغفر لها. إلهي لم يزل برّك عليّ أيّام حياتي ، فلا تقطع برّك عنّي في مماتي. إلهي كيف آيس من حسن نظرك لي بعد مماتي ، وأنت لم تولني إلاّ الجميل في حياتي. إلهي تولّ من أمري ما أنت أهله ، وعد عليّ بفضلك على مذنب قد غمره جهله. إلهي قد سترت عليّ ذنوباً في الدنيا وأنا أحوج إلى سترها عليّ منك في الأخرى ، إذ لم تظهرها لأحد من عبادك الصالحين فلا تفضحني يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. إلهي جودك بسط أملي وعفوك أفضل من عملي. إلهي فسرّني بلقائك
 

يوم تقضي فيه بين عبادك. إلهي اعتذاري إليك اعتذار من لم يستغن عن قبول عذره ، فاقبل عذري ، يا أكرم من اعتذر إليه المسيؤون. إلهي لا تردّ حاجتي ولا تخيّب طمعي ولا تقطع منك رجائي وأملي. إلهي لو أردت هواني لم تهدني ، ولو أردت فضيحتي لم تعافني. إلهي ما أظنّك تردّني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك. إلهي فلك الحمد أبداً أبداً دائماً سرمداً يزيد ولا يبيد كما تحبّ وترضى. إلهي إن أخذتني بجرمي أخذتك بعفوك ، وإن أخذتني بذنوبي أخذتك بمغفرتك ، وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أنّي أحبّك. إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي.
إلهي كيف أنقلب من عندك بالخيبة محروماً ، وقد كان حسن ظنّي بجودك أن تقلبني بالنجاة مرحوماً. إلهي وقد أفنيت عمري في شِرَّة السهو عنك وأبليت شبابي في سكرة التباعد منك. إلهي فلم أستيقظ أيّام اغتراري بك وركوني إلى سبيل سخطك ، إلهي وأنا عبدك وابن عبدك قائم بين يديك ، متوسّل بكرمك إليك. إلهي أنا عبد أتنصّل إليك ممّا كنت أواجهك به من قلّة استحيائي من نظرك ، وأطلب العفو منك ، إذ العفو نعت لكرمك. إلهي لم يكن لي حول فأنتقل به عن معصيتك إلاّ في وقت أيقظتني لمحبّتك وكما أردت أن أكون كنت ، فشكرتك بإدخالي في كرمك ، ولتطهير قلبي من أوساخ الغفلة عنك. إلهي انظر إليّ نظر من ناديته فأجابك ، واستعملته بمعونتك فأطاعك ، يا قريباً لا يبعد عن المغترّ به ، ويا جواداً لا يبخل عمّن رجا ثوابه. إلهي هب لي
 

قلباً يدنيه منك شوقه ، ولساناً يرفعه إليك صدقه ، ونظراً يقرّبه منك حقّه. إلهي إنّ من تعرّف بك غير مجهول ، ومن لاذ بك غير مخذول ، ومن أقبلت عليه غير مملوك. إلهي إنّ من انتهج بك لمستنير ، وإنّ من اعتصم بك لمستجير ، وقد لذت بك يا إلهي فلا تخيّب ظنّي من رحمتك ، ولا تحجبني عن رأفتك ، إلهي أقمني في أهل ولايتك مقام من رجا الزيادة من محبّتك. إلهي وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك ، واجعل همّي في روح نجاح أسمائك ومحلّ قدسك ، إلهي بك عليك إلاّ ألحقتني بمحلّ أهل طاعتك والمثوى الصالح من مرضاتك ، فإنّي لا أقدر لنفسي دفعاً ولا أملك لها نفعاً. إلهي أنا عبدك الضعيف المذنب ومملوكك المنيب ، فلا تجعلني ممّن صرفت عنه وجهك وحجبه سهوه عن عفوك. إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك ، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور ، فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك. إلهي واجعلني ممّن ناديته فأجابك ، ولاحظته فصعق لجلالك ، فناجيته سرّاً وعمل لك جهراً. إلهي لم أُسلّط على حسن ظني قنوط الأياس ، ولا انقطع رجائي من جميل كرمك. إلهي إن كانت الخطايا قد أسقطتني لديك فاصفح عنّي بحسن توكّلي عليك. إلهي إن حطّتني الذنوب من مكارم لطفك فقد نبّهني اليقين إلى كرم عطفك. إلهي إن أنامتني الغفلة عن الاستعداد للقائك فقد نبّهتني المعرفة بكرم آلائك. إلهي إن دعاني إلى النار عظيم عقابك فقد دعاني إلى الجنّة جزيل ثوابك. إلهي فلك أسأل وإليك أبتهل وأرغب أن
 

تصلّي على محمّد وآل محمّد وأن تجعلني ممّن يديم ذكرك ولا ينقض عهدك ، ولا يغفل عن شكرك ولا يستخفّ بأمرك. إلهي وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفاً ، وعن سواك منحرفاً ، ومنك خائفاً مراقباً ، يا ذا الجلال والإكرام ، وصلّى الله على محمّد رسوله وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً)»(1).
المورد الثاني : قال الإربلي في كتاب كشف الغمّة في معرفة الأئمّة عليهم السلام : «روى ابن خالويه في كتاب الآل أنّ آمنة بنت وهب أمّ النبيّ صلّى الله عليه وآله رأت في منامها أنّه يقال لها : إنّك قد حملت بخير البرية وسيّد العالمين ، فإذا ولدته فسمّيه محمّداً ، فإنّ اسمه في التوراة حامد ، وفي الإنجيل أحمد ، وعلّقي عليه هذه التميمة ـ التميمة التعويذ ـ قالت : فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها :
[من الرجز]

أعيذه بالواحد
 

 

من شرّ كلّ حاسد
 

وكلّ خلق مارد
 

 

من قائم وقاعد
 

عن القبيل(2) عاند
 

 

على الفساد جاهد
 

يأخذ بالمراصد
 

 

من طرق الموارد
 

أنهاهم عنه بالله الأعلى ، وأحوطه باليد العليا ، والكفّ التي لا ترى ، يد الله فوق أيديهم ، وحجاب الله دون عاديتهم ، لا يطوره ولا يضرّه في مقعد
__________________
(1) إقبال الأعمال 3 / 295 ـ 302
(2) السبيل خ ل.
           

ولا مقام ، ولا مسير ولا منام ، أوّل الليل وآخر الأيّام»(1).
واستمرّ الإربلي في كلامه ناقلاً بعض الحوادث المزامنة لولادة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وقد يكون هذا النقل عن كتاب الآل ، وقد يكون عن غيره حيث لم يشر إلى المنقول منه ، حيث قال : «وارتجس إيوان كسرى يوم ولادته ـ الرجس بالفتح : الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير ـ ورجّت السماء ـ بالفتح ترجّ إذا رعدت وتمخّضت وارتجّت مثله ـ وسقطت منه أربع عشرة شرفة ، وخمدت نيران فارس ، ولم تخمد قبل ذلك منذ ألف سنة ، وغاضت بحيرة ساوة ، ورؤيا المؤبذان(2) وإنفاذ عمرو بن بقيلة إلى شقّ وسطيح الكاهنين وإخبارهما بقرب أيّامه له وظهوره قصّة مشهورة قد نقلها الرواة وتداولها الإخباريّون ، ورأى بعض اليهود في ليلة ولادته صلّى الله عليه وآله النجوم وانقضاضها ، فقال : في هذه الليلة ولد نبيّ ، فإنّا نجد في كتبنا أنّ الشياطين تمنع من استراق السمع وتُرجم بالنجوم لذلك ، وسأل هل ولد في هذه الليلة لأحد؟
فقيل : نعم لعبد الله بن عبد المطّلب.
فقال : أرونيه ، فأخرج إليه في قماطه فرأى عينيه ، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء وعليها شعرات ، فوقع إلى الأرض مغشيّاً عليه ، فتعجّبت منه قريش وضحكوا.
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 21.
(2) الموبذان : عالم المجوس.
           

فقال : أتضحكون ، هذا نبيّ السيف ، وليبيرنّكم(1) ، وقد ذهبت النبوّة من بني إسرائيل إلى الأبد ، فتفرّقوا يتحدّثون بما قال.
وفي التوراة ما حكاه لي(2) بعض اليهود ورأيته أنا في توراة معربة ، وقد نقله الرواة أيضاً : «إسماعيل قبلت صلاته وباركت فيه وأنميته وكثّرت عدده بـ : مادماد ـ معناه بمحمّد ـ وعدد حروفه اثنان وتسعون حرفاً ، سأخرج اثني عشر إماماً ملكاً من نسله ، وأعطيه قوماً كثير العدد ، وأوّل هذا الفصل بالعبري لاشموعيل شمعيثو خو.
ولمّا سافر أبو طالب إلى الشام قال : يا عمّ إلى من تكلني ولا أب لي ولا أمّ؟ فرقّ له فقال : والله لأخرجنّك معي ولا تفارقني أبداً ، ولمّا وصل معه إلى بصرى رآه بحيراء الراهب عن بعد والغمامة تظلّه ، فصنع لقريش طعاماً ودعاهم ولم يكن له عادة بذلك ، فحضروه وتأخّر صلّى الله عليه وآله لصغر سنّه ، فقال : هل بقي منكم أحد؟
فقالوا : نعم صبيّ صغير ، فقال : أريده ، فلمّا أكلوا وانصرفوا خلا به وبعمّه وقال : يا غلام أسألك باللات والعزّى ـ لأنّه سمعهم يحلفون بهما ـ فقال : لا تسألني بهما ، فوالله ما أبغضت شيئاً كبغضي لهما ، فسأله عن أشياء من حاله ويقظته ومنامه وأموره ، فأخبره بما وافق ما عنده من صفته ، ثمّ نظر
__________________
(1) بار فلان إذا هلك وأباره الله أهلكه.
(2) يحتمل رجوع الضمير إلى ابن خالويه بناءً على استمرار المنقول منه ، ويحتمل رجوعه إلى صاحب كشف الغمّة ، فتأمّل.
           

إلى ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه على الصفة التي يعرفها ، فقال لأبي طالب : ما هذا الغلام منك؟
قال : ابني؟ قال : ليس ابنك ، وما يكون أبوه حيّاً ، قال ابن أخي ، قال : وما فعل أبوه؟ قال : مات وأمّه حبلى به ، قال : صدقت ، ارجع بابن أخيك واحفظه من اليهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت منه ليبغينه شرّاً ، فإنّه صلّى الله عليه وآله كائن له شأن ، ولمّا عاد به عمّه تبعه جماعة من أهل الكتاب يبغون قتله فردّهم بحيراء ، وذكّرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره.
وقال أبو طالب رضي الله عنه في ذلك :
[من الكامل]

إنّ ابن آمنة النبيّ محمّداً
 

 

عندي بمثل منازل الأولاد
 

يذكر فيها حال بحيرا وردّ من ردّه من اليهود عن النبي صلّى الله عليه وآله ، وبشارة سيف بن ذي يزن جدّه عبد المطلب به وتعريفه إيّاه حاله حين قدم عليه يهنّيه بعود الملك إليه ، وهي معروفة منقولة ، وهذا باب لو أوغلت فيه أطلت ولم أبلغ مدى عشيره ولا أتيت مع الإسهاب بيسيره وأين الثريّا من يد المتناول ، وكيف لي بعد الرمال والجنادل»(1).
أقول : ذكرت سابقاً أنّ نقل الإربلي عن ابن خالويه قد تكون نهايته إلى آخر العوذة المنقولة في ولادة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وقد يكون المنقول
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 21.
           

عن ابن خالويه إلى هنا ، وهو الأرجح ، لاعتياده التصريح بالمصدر المنقول عنه ، ولمّا لم يكن كذلك فيقوى أن يكون الكلام مستمرّاً والله العالم.
المورد الثالث : نقل الإربلي في كشف الغمّة أنّه قال أبو عبد الله الحسين بن خالويه : الآل ينقسم في اللّغة خمسة وعشرين قسماً.
1 ـ آل الله قريش ، قال الشاعر ـ هو عبد المطلب ـ :
[من الرمل]

نحن آل الله في كعبته
 

 

لم يزل ذاك على عهد ابرهم
 

2 ـ وقال آخرون : أراد نحن آل بيت الله ، أي قطّان مكّة وسكّان حرم الله ، والعرب تقول في الاستغاثة : يا آل الله يريدون قريشاً.
3 ـ وآل محمّد صلّى الله عليه وآله بنو هاشم ، مَن آل إليه بحسب أو قرابة.
4 ـ وقيل : آل محمّد صلّى الله عليه وآله كلّ تقيّ.
5 ـ وقيل : آل محمّد من حرمت عليه الصدقة ، فأمّا قوله تعالى : (يَرِثُنُي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوْبَ)(1) قيل : يرث نبوّتهم وعلمهم ، عن الحسن البصري ، وقوله تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ)(2) وقال ابن عبّاس : ورثة الحبورة يعني العلم والحكمة ، ولذلك سمّي العالم حبراً من الحبار ، وهو الحسن والجمال.
__________________
(1) مريم : 6.
(2) النمل : 16.
           

6 ـ وآل الله أهل القرآن ، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله : إنّ لله أهلين قيل : من هم؟ قال أهل القرآن.
وفي حديث آخر : أهل القرآن عرفاء أهل الجنّة ، وإذا فضّل الله شيئاً نسبه إليه. كما قيل للكعبة بيت الله ولرجب شهر الله ، وجمع الأهل في السلامة أهلون وأهلين في المذكّر ، والمؤنّث أهلات ، فيكون جمعاً لأهله ولأهل.
قال الشاعر(1) :
[من الطويل]

وهم أهلات حول قيس بن عاصم
 

 

إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا
 

والكوثر الكثير العطاء وهو فوعل من الكثرة.
فإن قيل : ما الفرق بين الآل والأهل؟
قلت : هما سواء ، إنّ الهمزة في آل مبدّلة من الهاء في أهل ثمّ لينت كما قيل : هيّاك وإيّاك وهيهات وأيهات ، ودليل ذلك إجماع النحويّين على أنّ تصغير آل أهيل بردّه إلى أصله لا خلاف فيه ، إلاّ أنّ الكسائي أجاز أويلا وأهيلا تارة على اللفظ وتارة على الأصل ، كما قيل في جمع قيل وهو الملك أقيال على لفظ قيل وأقول على الأصل ، وقال آخرون : الاختيار أن تقول في الجماد والأسماء المجهولة : أهل ، وفي الحيوان والأسماء المعروفة : آل ،
__________________
(1) هو المخبّل السدّي.
           

يقال : أهل بغداد ، وآل القوم ، وآل محمّد»(1).
7 ـ والآل : السراب الذي تراه في الصحراء وعند الهاجرة كأنّه قال الشاعر يهجو بخيلا :
[من الكامل]

إنّي لأعلم أنّ خبزك دونه
 

 

نكد البخيل ودونه الأقفال
 

وإذا انتجعت لحاجة لم يقضها
 

 

وإذا وعدت فإنّ وعدك آل
 

وقد فرّقوا بين الآل والسراب فقالوا : السراب قبل الظهر والآل بعده.
8 ـ والآل أعواد الخيمة.
9 ـ والآل : اسم جبل بعينه.
10 ـ والآل : الشخص ، تقول : رأيت آل زيد وشخصه وسواده ، بمعنى رأيت شخصه.
11 ـ والآل : الإنسان نفسه ، يقال : جاءني آل أحمد ، أي جاءني أحمد ، ورأيت آل الرجال أي الرجال ، وهذا حرف غريب نادر ذكره الفضل ابن سلمة في ضياء القلوب ، واحتجّ بقوله تعالى : (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ)(2) أي ممّا ترك موسى وهارون وبقول جميل :
[من الطويل]

بثينة من آل النساء وإنّما
 

 

يكن لأدنى لا وصال لغائب
 

__________________
(1) انظر صفوة الصفات : 412.
(2) البقرة: 248.
           

أي هي من النساء في غدرهنّ وتلونهنّ.
12 ـ ويقال : فلان من آل النساء أي خلق منهنّ.
13 ـ وفلان من آل النساء أي يتبعهنّ ويحبّ مجالستهنّ ، والعزهاة(1) ضدّ ذلك.
14 ـ وآل فرعون من كان على دينه ومذهبه ، قال تعالى : (وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ)(2) والذين غرقوا ثلاثة آلاف ألف (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ)(3) أي بالجدب والقحط.
فإن قال قائل : فما حقيقة الآل في اللغة عندك دون المجاز هل هو خاصّ لأقوام بأعيانهم ، أم عامّ في جميعهم؟ متى سمعناه مطلقاً غير مقيّد؟
فقل : حقيقة الآل في اللغة القرابة خاصّة دون سائر الأمّة ، وكذلك العترة ولد فاطمة عليها‌السلام خاصّة ، وقد يتجوّز فيه بأن يجعل لغيرهم كما تقول : جاءني أخي ، فهذا يدلّ على أخوّة النسب ، تقول : أخي تريد في الإسلام وأخي في الصداقة وأخي في القبيل والحيّ ، قال تعالى : (وَإلَى ثَمُوْدَ أَخَاهُمْ صَالِحا)(4) ولم يكن أخاهم في دين ولا صداقة ولا نسب ، وإنّما أراد الحيّ والقبيل ، والأخوّة : الأصفياء والخلصان ، وهو قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعليّ عليه‌السلام : إنّه
__________________
(1) وهو الذي لا يقرب النساء، قال الشاعر:

إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا
 

 

فكن حجراً من يابس الصخر جامداً
 

(2) البقرة : 50.
(3) غافر : 86 ، الأعراف : 130.
(4) الأعراف: 73.
           

أخوه ، قال عليّ عليه‌السلام : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يقولها بعدي إلاّ مفتر ، فلولا أنّ لهذه الأخوّة مزيّة على غيرها ما خصّه الرسول(صلى الله عليه وآله)بذلك ، وفي رواية أخرى : لا يقولهما بعدي إلاّ كذّاب.
ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن لوط : (هؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم)(1) ولم يكن بناته لصلبه ولكن بنات أمته فأضافهنّ إلى نفسه رحمة وتعطّفاً وتحنّناً ، وقد بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، حيث سئل فقال : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفونني فيهما؟
قلنا : فمن أهل بيتك؟ قال : آل عليّ وآل جعفر وآل عقيل وآل العبّاس.
وسئل ثعلب لم سمّيا الثقلين؟ قال : لأنّ الأخذ بهما ثقيل ، قيل : ولم سمّيت العترة؟ قال : العترة القطعة من المسك ، والعترة : أصل الشجرة.
قال أبو حاتم السجستاني : روى عبد العزيز بن الخطّاب عن عمرو بن شمر عن جابر ، قال : أجمع آل رسول الله(صلى الله عليه وآله) على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وعلى أن لا يمسحوا على الخفّين. قال ابن خالويه : هذا مذهب الشيعة ومذهب أهل البيت ، وقد تخصّص ذلك العموم قال الله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2) ، قالت أمّ سلمة رضي الله عنها : نزلت في النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم.
__________________
(1) هود: 78.
(2) الأحزاب : 33.
           

عن أنس قال : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يمرّ ببيت فاطمة بعد أن بنى عليها عليّ عليه‌السلام ستّة أشهر ، ويقول : الصلاة أهل البيت ، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ). قال : وكان علي بن الحسين عليه‌السلام يقول في دعائه : اللهمّ إنّ استغفاري لك مع مخالفتي ، للؤم. وإنّ تركي الاستغفار مع سعة رحمتك ، لعجزٌ ، فيا سيّدي إلى كم تتقرّب إليّ وتتحبّب وأنت عنّي غنيّ ، وإلى كم أتبعّد منك وأنا إليك محتاج فقير. اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أهل بيته ـ ويدعو بما شاء ـ.
فمتى قلنا : آل فلان مطلقاً فإنّما نريد من آل إليه بحسب أو قرابة ، ومتى تجوّزنا وقع على جميع الأمّة.
وتحقيق هذا أنّه لو أوصى بماله لآل رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم تدفعه الفقهاء إلاّ إلى الذين حرمت عليهم الصدقة ، وكان بعض من يدّعي الخلافة يخطب فلا يصلّي على النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقيل له في ذلك ، فقال : إنّ له أهيل سوء إذا ذكرته اشرأبّوا ، فمن المعلوم أنّه لم يرد نفسه لأنّه كان من قريش ، ولمّا قصد العبّاس الحقيقة قال لأبي بكر : النبيّ(صلى الله عليه وآله) شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.
15 ـ وآل أعوج وآل ذي العقال نسل أفراس من عتاق الخيل ، يقال : هذا الفرس من آل أعوج إذا كان من نسلهم ، لأنّ البهائم بطل بينهما القرابة والدين ، كذلك آل محمّد من تناسله فاعرفه قال تعالى : (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)(1) أي عالمي
__________________
(1) آل عمران : 33.
           

زمانهم ، فأخبر أنّ الآل بالتناسل لقوله تعالى : (ذُرِّيَةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض)(1). قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : سألت ربّي أن لا يدخل أحداً من أهل بيتي النار فأعطانيها.
16 ـ وأمّا قولهم : قرأت (آل حم) فهي السور السبعة التي أوّلهنّ حم ، ولا تقل : الحواميم ، وقال أبو عبيدة : الحواميم سور في القرآن على غير القياس(2).
17 ـ وآل يس آل محمّد.
18 ـ وآل يس حزقيل وحبيب النجّار ، وقد قال ابن دريد مخصّصاً لذلك العموم وإن لم يكن بنا حاجة إلى الاحتجاج بقوله ، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد ذكره في عدّة مواضع كآية المباهلة وخصّ عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً عليهم‌السلام بقوله : اللهمّ هؤلاء أهلي.
وكما روي عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّه صلّى الله عليه وآله أدخل عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً عليهم‌السلام في كسائه وقال : اللهمّ إنّ هؤلاء أهلي أو أهل بيتي ، فقالت أمّ سلمة : وأنا منكم؟ قال : أنت بخير أو على خير كما يأتي في موضعه ، ومن شعر ابن دريد :
[من الكامل]

إنّ النبيّ محمّداً ووصيّه
 

 

وابنيه وابنته البتول الطاهرة
 

أهل العباء فإنّني بولائهم
 

 

أرجو السلامة والنجا في الآخرة
 

__________________
(1) آل عمران : 33.
(2) غريب الحديث لابن سلام 4 / 93 ، الصحاح 5 / 1907.
           

 

وأرى محبّة من يقول بفضلهم
 

 

سبباً يجير من السبيل الجائرة
 

أرجو بذاك رضى المهيمن وحده
 

 

يوم الوقوف على ظهور الساهرة
 

قال : الساهرة أرض القيامة.
19 ـ وآل مرامر : أوّل من وضع الكتاب بالعربية ، وأصلهم من الأنبار والحيرة فقد أمللت آل الله وآل محمّد وآل القرآن وآل السراب والآل الشخص ، وآل أعوج فرسا ، وآل جبلا ، وآل يس وآل حم وآل زيد نفسه ، وآل فرعون : آل دينه وآل مرامر.
20 ـ والآل : الروح.
21 ـ والآل : الحزانة والخاصّة.
22 ـ والآل : القرابة.
23 ـ والآل : كلّ تقيّ.
24 ـ والآل : جمع آله وهي خشبة.
25 ـ والآل : حربة يصاد بها السمك.
فأمّا الأهل فأهل الله أهل القرآن وأهل البيت وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام على ما فسّرته أمّ سلمة ، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بينا هو ذات يوم جالساً ، إذ أتته فاطمة عليها‌السلام ببرمة فيها عصيدة فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله) أين عليّ وابناه؟
قالت : في البيت ، قال : ادعيهم لي ، فأقبل عليّ والحسن والحسين بين يديه وفاطمة أمامه ، فلمّا بصر بهم النبيّ(صلى الله عليه وآله) تناول كساءً كان على المنامة خيبريّاً ، فجلّل به نفسه وعليّاً والحسن والحسين وفاطمة ، ثمّ قال : اللهمّ إنّ
 

هؤلاء أهل بيتي وأحبّ الخلق إليّ فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، فأنزل الله تعالى : (إنّما يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ)(1) الآية.
وفي رواية أخرى قالت : فقلت يا رسول الله : ألست من أهل بيتك؟ قال صلّى الله عليه وآله : «إنّك على خير ، أو إلى خير»(2) وجاء في صفوة الصفات «أنّه لما نعي جعفر وكان قد قتل بمؤتة ، قال(صلى الله عليه وآله) : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً ، أفتراه أنّه صلّى الله عليه وآله أراد جميع الناس؟).
هذا ما لا يقوله ذو لبّ ، قاله ابن خالويه»(3).
المورد الرابع : قال الإربلي في كشف الغمّة : «ونقلت من كتاب الآل لابن خالويه عن حذيفة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : من أحبّ أن يتمسّك بقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده ، ثمّ قال لها : كوني فكانت فليتولّ عليّ بن أبي طالب من بعدي»(4).
المورد الخامس : «ومثله عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : من سرّه أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويتمسّك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله ، ثمّ قال لها : كوني فكانت فليتولّ عليّ بن أبي طالب من بعدي. قلت : رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، وتفرّد به بشر عن شريك»(5).
__________________
(1) الأحزاب : 33.
(2) كشف الغمّة 1 / 41 ـ 47 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 86 ـ 98.
(3) صفوة الصفات : 414.
(4) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 89 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 181.
(5) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 89 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 181 ، وعنه في بحار الأنوار 39 / 267 ح 42.
           

المورد السادس : «ومن كتاب الآل في حديث أمّ سلمة رضي الله عنها لمّا أتت فاطمة عليها السلام بالعصيدة قال : أين عليّ وابناه؟ قالت : في البيت ، قال : ادعيهم لي ، فأقبل عليّ والحسن والحسين بين يديه وتناول الكساء على ما قلناه آنفاً ، وقال : اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي وأحبّ الخلق إليّ الحديث بتمامه»(1).
المورد السابع : «ومن كتاب ابن خالويه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ عليه‌السلام : حبّك إيمان وبغضك نفاق ، وأوّل من يدخل الجنّة محبّك ، وأوّل من يدخل النار مبغضك(2) ، وقد جعلك الله أهلاً لذلك ، فأنت منّي وأنا منك ، ولا نبيّ بعدي»(3).
المورد الثامن : «ومنه أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال : خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) من بيت زينب بنت جحش حتّى أتى بيت أمّ سلمة فجاء داقّ فدقّ الباب ، فقال : يا أمّ سلمة قومي فافتحي له ، قالت : فقلت : ومن هذا يا رسول الله الذي بلغ من خطره أن أفتح له الباب وأتلقّاه بمعصمي وقد نزلت فيّ بالأمس آيات من كتاب الله؟
فقال : يا أمّ سلمة إنّ طاعة الرسول طاعة الله وإنّ معصية الرسول معصية
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 90 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 181.
(2) إلى هنا ورد في الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ 1 / 151.
(3) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 90 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 181. وعنه في بحار الأنوار 39 / 267 ح 42.
           

الله عزّ وجلّ ، وإنّ بالباب لرجلاً ليس بنزق(1) ، ولا خرق ، وما كان ليدخل منزلاً حتّى لا يسمع حسّاً ، وهو يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، قالت : ففتحت الباب فأخذ بعضادتي الباب ، ثمّ جئت حتّى دخلت الخدر ، فلمّا أن لم يسمع وطئي دخل ثمّ سلّم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ قال : يا أمّ سلمة ـ وأنا من وراء الخدر ـ أتعرفين هذا؟ قلت : نعم هذا عليّ بن أبي طالب.
قال : هو أخي ، سجيّته سجيّتي ـ السجيّة الخلق والطبيعة ـ ولحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، يا أمّ سلمة هذا قاضي عداتي من بعدي ، فاسمعي واشهدي يا أمّ سلمة ، هذا وليّي من بعدي ، فاسمعي واشهدي يا أمّ سلمة ، لو أنّ رجلاً عَبَدَ الله ألف سنة بين الركن والمقام ولقى الله مبغضاً لهذا أكبّه الله عزّ وجلّ على وجهه في نار جهنّم»(2).
المورد التاسع : ومن كتاب الآل عن مالك بن حمامة ، قال : طلع علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذات يوم متبسّماً يضحك ، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ما الذي أضحكك؟ قال : بشارة أتتني من عند الله في ابن عمّي وأخي وابنتي ، إنّ الله تعالى لمّا زوّج فاطمة أمر رضوان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً ـ يعني بذلك صكاكاً ، وهي جمع صكّ وهو
__________________
(1) نزق الرجل : نشط وطاش وخفّ عند الغضب وخرق الرجل من باب ضرب يضرب أو نصر ينصر كذب ولعب لعب الصبيان بالمخاريق ومن باب علم يعلم حمق ولم يحسن عمله.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 90 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 182. وعنه في بحار الأنوار 39 / 267 ح 42 كتاب الأربعين للماحوزي : 121.
           

الكتاب ـ بعدد محبّينا أهل البيت ، ثمّ أنشأ من تحتها ملائكة من نور فأخذ كلّ ملك رقّاً ، فإذا استوت القيامة بأهلها هاجت الملائكة والخلائق ، فلا يلقون محبّاً لنا محضاً أهل البيت إلاّ أعطوه رقّاً فيه براءة من النار. فنثار عمّي وابن أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمّتي من النار.
ثمّ قال الإربلي : كان ينبغي أن أذكر هذا الحديث عند ذكر تزويج أمير المؤمنين بسيّدة نساء العالمين فاطمة عليها‌السلام ولكن جرى القلم بسطره ، وأينما ذكر فهو من أدلّة شرفها وشرفه ، وفخرها وفخره ، ومهما ظنّ أنّه مبالغة في أوصافهما فهو على الحقيقة دون قدرها وقدره.
[من السريع]

خير البرايا كلّها آدم
 

 

وخير حيٍّ بعده هاشم
 

وصفوة الرحمن من خلقه
 

 

محمّد وابنته فاطم
 

وبعلها الهادي وسبطاهما
 

 

وقائم يتبعه قائم
 

منهم إلى الحشر فمن قال لا
 

 

فقل له لا أفلح النادم(1).
 

ثمّ إنّ الإربلّي كرّر الحديث أعلاه في المجلّد الثاني من كشف الغمّة ، وقال في ذيله : «ثمّ قال الإربلي : هذا الحديث ذكرته في أخبار علي عليه‌السلام ، وذكرته هنا لما فيه من ذكر فاطمة عليها‌السلام وكان ذكره عند تزويجه بها عليهما‌السلام أولى ، وأينما ذكر فهو دالّ على شرفهما صلّى الله عليهما»(2).
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 90 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 184.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 83 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 161.
           

وجاء في الفصول المهمّة لابن الصبّاغ : «ومن كتاب الآل ورواه أبو بكر الخوارزمي(1) في كتاب المناقب عن بلال بن حمامة ، قال : طلع علينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذات يوم متبسّماً ضاحكاً إلى آخر الحديث أعلاه ووجهه مشرق كدارة القمر ، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ما هذا النور؟ قال : بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي ، فإنّ الله زوّج عليّاً من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبى فحملت رقاقاً ـ يعني صكاكاً ـ بعدد محبّي أهل بيتي وأنشأ تحتها ملائكة من النور ورفع إلى كلّ ملك صكّاً ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محبّ لأهل البيت إلاّ دفعت إليه صكّاً فيه فكاكه من النار ، فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أُمّتي من النار»(2).
المورد العاشر : «وعن أنس بن مالك رضي‌الله‌عنه في قوله تعالى : (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)(3) قال : عليّ وفاطمة (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)(4)قال : الحسن والحسين. رواه صاحب كتاب الدرر عن محمّد بن سيرين في قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَه نَسَباً وَصِهْرًا)(5) أنّها نزلت في النبىّ(صلى الله عليه وآله) وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه هو ابن عمّ رسول
__________________
(1) هو الموفّق بن أحمد الخوارزمي المتوفّى سنة (568 هـ) ، الأعلام للزركلي 7 / 20.
(2) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ 1 / 149.
(3) الرحمن : 19.
(4) الرحمن : 22.
(5) الفرقان : 54.
           

الله(صلى الله عليه وآله) زوج ابنته فاطمة فكان نسباً وصهراً»(1).
المورد الحادي عشر : قال الإربلّي في كشف الغمّة : «ومن الكتاب المذكور ، أي كتاب الآل ، عن شقيق بن سلمة عن عبد الله ، قال : رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وهو يقول : هذا وليّي وأنا وليّه ، عاديت من عادى وسالمت من سالم»(2).
المورد الثاني عشر : «وروى ابن خالويه في كتاب الآل قال : حدّثني أبو عبد الله الحنبلي قال : حدّثنا محمّد بن أحمد بن قضاعة ، قال : حدّثنا أبو معاذ عبدان بن محمّد قال : حدّثني مولاي أبو محمّد الحسن بن عليّ عن أبيه عليّ بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام ، قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : لمّا خلق الله آدم وحوّاء تبخترا في الجنّة فقال آدم لحوّاء : ما خلق الله خلقاً هو أحسن منّا ، فأوحى الله إلى جبرئيل ائت بعبدَيَّ الفردوس الأعلى ، فلمّا دخلا الفردوس نظر إلى جارية على درنوك(3) من درانيك الجنّة وعلى رأسها تاج من نور وفي أذنيها قرطان من نور قد أشرقت الجنان من نور وجهها.
__________________
(1) هذا الخبر والذي بعده جاء عطفاً على خبر بلال بن حمامة فيحتمل أن يكون من كتاب الآل ، الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ 1 / 149.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1 / 92 ، وفي الطبعة الجديدة 1 / 184.
(3) نوع من البسط له مخمل.
           

فقال آدم : حبيبي جبرئيل من هذه الجارية التي قد أشرقت الجنان من حسن وجهها؟
فقال : هذه فاطمة بنت محمّد نبيّ من ولدك يكون في آخر الزمان ، قال : فما هذا التاج الذي على رأسها؟
قال : بعلها عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.
قال ابن خالويه : البعل في كلام العرب خمسة أشياء الزوج والصنم من قوله : (أَتَدْعُوْنَ بَعْلاً)(1) ، والبعل اسم امرأة وبها سمّيت بعلبك ، والبعل من النخل ما شرب بعروقه من غير سقي ، والبعل السماء ؛ والعرب تقول : السماء بعل الأرض.
قال : فما القرطان اللذان في أذنيها؟
قال : ولداها الحسن والحسين قال آدم : حبيبي أخلقوا قبلي؟ قال : هم موجودون في غامض علم الله قبل أن تخلق بأربعة آلاف سنة»(2).
المورد الثالث عشر : «وعن ابن خالويه من كتاب الآل يرفعه إلى عليّ ابن موسى الرضا عن آبائه عليهم‌السلام عن عليّ صلّى الله عليه وآله قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا معشر الخلائق غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد صلّى الله عليه
__________________
(1) الصافّات : 125.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 83 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 157 ، بحار الأنوار 25 / 5 ح 8 وج 43 / 52.
           

وآله.
وزاد ابن عرفة عن رجاله يرفعه إلى أبي أيّوب الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع نكّسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة عليها السلام على الصراط ، فتمرّ ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين»(1).
المورد الرابع عشر : ومنه عن نافع بن أبي الحمراء ، قال : شهدت رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمانية أشهر إذا خرج إلى صلاة الغداة مرّ بباب فاطمة عليها السلام فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، الصلاة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(2)(3).
المورد الخامس عشر : «ومن كتاب الآل عن الحسين بن عليّ عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال : يا فاطمة إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(4).
المورد السادس عشر : «ومن كتاب الآل لابن خالويه اللّغوي عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنّة من أحبّهما أحبّني ومن أبغضهما أبغضني.
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة2 / 83 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 159.
(2) الأحزاب : 33.
(3) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 83 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 159.
(4) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 85 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 160.
           

وعن جابر قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إنّ الجنّة تشتاق إلى أربعة من أهلي قد أحبّهم الله وأمرني بحبِّهم ، عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي عليه السلام الذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام»(1).
المورد السابع عشر : «ومن كتاب الآل مرفوعاً إلى عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : قالت الجنّة يا ربّ أليس قد وعدتني أن تسكنّي ركناً من أركانك؟ قال : فأوحى الله إليها أما ترضين إنّي زيّنتك بالحسن والحسين فأقبلت تميس كما تميس العروس»(2).
المورد الثامن عشر : «ومن كتاب منهج التحقيق إلى سواء الطريق(3)رواه من كتاب الآل لابن خالويه يرفعه إلى جابر الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : (إنّ الله عزّ وجل خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نور واحد ، فعصر ذلك النور عصرة فخرج منه شيعتنا ، فسبّحنا فسبّحوا وقدّسنا فقدّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا ووحّدنا فوحّدوا. ثمّ خلق الله السماوات والأرض وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا ولا تقديسا فسبّحنا فسبّحت شيعتنا فسبّحت الملائكة ، وكذا في البواقي ، فنحن الموحّدون حيث لا موحّد غيرنا ،
__________________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 149 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 314. بحار الأنوار 43 / 303 في شمائل الحسن عليه السلام.
(2) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2 / 149 ، وفي الطبعة الجديدة 2 / 314.
(3) تقدّم الكلام عنه.
           

وحقيق على الله عزّ وجلّ كما اختصّنا واختصّ شيعتنا أن يزلفنا وشيعتنا في أعلى علّيّين ، إنّ الله اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجساماً فدعانا فأجبناه فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله عزّ وجلّ»(1).
المورد التاسع عشر : «وروي عن عمر بن الخطّاب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع ، إنّ كلّ سبب ونسب وصهر منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي وصهري.
قال عمر : فلمّا سمعت ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وآله أحببت أن يكون بيني وبينه نسب وسبب وصهر ، فخطبت إلى عليّ رضي الله عنه ابنته أُمّ كلثوم(رض) من فاطمة رضي الله عنها بنت محمّد صلّى الله عليه وآله فزوّجنيها.
قيل : وكان ذلك في سنة سبع عشر من الهجرة ودخل بها في ذي القعدة من السنة المذكورة ، وكان صداقها أربعين ألف درهم فولدت له زيداً أو زينباً»(2).
المورد العشرون : «وعن عمّار بن ياسر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : طوبى لمن أحبّك وصدّق فيك ، وويلٌ لمن أبغضك
__________________
(1) بحار الأنوار 27 / 131ح 122.
(2) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ 1 / 151.
           

وكذّب فيك»(1).
المورد الحادي والعشرون : «وعن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله نظر إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال له : (أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، من أحبّك فقد أحبّني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، وبغضك بغض الله ، فالويل كلّ الويل لمن أبغضك)»(2).
المورد الثاني والعشرون : «وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال : (ألا ومَن مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمّد زفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى زوجها)»(3).
المورد الثالث والعشرون : قال الشيخ الكفعمي في صفوة الصفات في شرح دعاء السمات في تفسير لفظ الصلاة ما نصّه : «الصلاة يقال على معان تسعة ، ذكرها ابن خالويه في كتاب الآل ، ونحن نذكرها بلفظ غيره بزيادة ونقصان(4).
__________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3 / 135 ، مسند أبي يعلي 3 / 179 ، شرح نهج البلاغة 9 / 167.
(2) تاريخ مدينة دمشق 42 / 292.
(3) الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة لابن الصبّاغ 1 / 592.
(4) هذا ما جاء في نسخة صفوة الصفات المحفوظة في مكتبة الملك فهد ، وأمّا بقية نسخ الكتاب ففيها : (ونحن نذكرها بلفظه من غير زيادة ولا نقصان) بدل من : (ونحن نذكرها بلفظ غيره بزيادة ونقصان) وما انتخبناه هو الأرجح ، فقد رأينا نقل عبارات           

الأوّل : الصلاة المعروفة المشتملة على الركوع والسجود وغيرهما ، قيل : إنّما سمّيت بذلك لأنّ المصلّين يصفّون صفوفاً ، يحاذي كلّ واحد برأسه صلوي الآخر عند الركوع.
الثاني : الصلاة الدعاء كقوله تعالى : (وَصَلِّ عَلَيْهِم) أي ادع لهم ، ومنه الحديث : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ، فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصلّ ، أي فليدع لأرباب الطعام بالمغفرة والبركة.
ومنه الحديث الآخر : الصائم إذا أكل عنده صلّت عليه الملائكة ، وكذا قوله صلّى الله عليه وآله : «من صلّى عليّ مرّة صلّت عليه الملائكة عشراً» ، قال الأعشى لابنته :
[من البسيط]

عليك مثل الذي صلّيت فاعتصمي(1)
 

 

 ..................
 

أي لك مثل ما دعيتي ، ومثل ذلك الصلاة على الجنازة إنّما هي الدعاء.
الثالث : الصلاة تقال على الرحمة التي هي صلاة الله وإنّه تعالى عطف في الآية بالرحمة على الصلاة وهي هي لاختلاف اللفظين ، وقال عدي بن زيد :
[من الوافر]
__________________
متأخّرة عن ابن خالويه ضمن معاني الصلاة ، ولم نأت بها حذراً من الخروج عن مقصد الرسالة ، فتأمّل.
(1) انظره في ديوان الأعشى : 120 ، وعجزه : نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعا.
           

 

 ..................
 

 

وألفى قولها كذباً وميناً(1)
 

والكذب والمين واحد.
الرابع : الصلاة التبريك ، كقوله تعالى : (إنّ اللهَ وَمَلائِكَتهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النّبِيّ)(2) أي يباركون عليه.
الخامس : الصلاة الغفران كقوله تعالى : (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُوْن)(3) أي مصيبون طريق الحقّ.
وقال ابن عبّاس : المؤمن إذا سلّم الأمر لله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير : الصلاة من الله وهي المغفرة والرحمة ، وتحقيق سبيل الهدى(4).
وفي حديث سودة بن زمعة أنّها قالت : يا رسول الله إذا متنا صلّى لنا عثمان بن مظعون حتّى تأتينا؟ فقال لها : إنّ الموت أشدّ ممّا تقدّرين ، فقال شمر قولها : (صلّى لنا) أي (استغفر لنا عند ربّه) قاله الهروي(5).
السادس : الصلاة الدين والمذهب ، قال تعالى حكاية عن قول قوم شعيب عليه السلام : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ
__________________
(1) ديوان عدي بن زيد العبادي 102 ، وصدره : وقدّدت الأديم لراهشيه.
(2) الأحزاب : 56.
(3) البقرة : 157.
(4) جامع البيان 2 / 58 ، تفسير ابن أبي حاتم الرازي 2 / 264.
(5) حكاه ابن منظور في لسان العرب 14 / 264.
           

آبَاؤُنَا)(1) أي دينك يأمرك ، ومثله قوله تعالى : (وَإَذِا قِيْلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُوْن)(2) لم يرد به الركوع وحده ، بل أراد وإذا قيل لهم : ادخلوا في الدين والشريعة امتنعوا.
السابع : الصلاة الإصلاح والتسوية ، قال : فما صلّى عصاك كمستديم.
أي يصلحها ويسوّيها بالصلا ، وهي النار(3).
الثامن : الصلاة بيت النصارى ، ومنه قوله تعالى : (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ)(4) ويقال لهذا البيت : صلاة ، وإلى هذا المعنى ذهب الشاعر بقوله :
[من الخفيف]

اتّق الله في الصلاة ودعها
 

 

إنّ في الصوم والصلاة فسادا
 

والصوم ذرق النعام.
التاسع : إحدى صلوي الدابّة ، وهما ما اكتنف الذنب من يمين وشمال ، ومنه قولهم : سبق أبو بكر صلوي عمر ، ويقال للثاني من خيل السباق : المصلي(5).
__________________
(1) هود : 87.
(2) المرسلات : 48.
(3) قال الخليل في العين 7 / 155 ، وصلى عصاه إذا أدارها على النار يثقفها ، قال :

فلا تعجل بأمرك واستدمه
 

 

فما صلى عصاك كمستديم
 

وفي الحديث : لو شئت لدعوت بصلاء فالصلاء الشواء لأنّه يصلى بالنار.
(4) الحج : 40.
(5) صفوة الصفات في شرح دعاء السمات : 410.
           

هذا ما عثرت عليه متشتّتاً من بقايا كتاب الآل لابن خالويه جمعته وقدّمته بين يدي الباحثين ، عسى أن يكون باعثاً للبحث والتنقيب عنه وعن المظلوم من تراثنا العزيز ، خصوصاً إذا كانت المضامين المجموعة متوافقة مع مضامين كتاب سقطت صفحاته الأولى والأخيرة ، ممّا يشجّع القول : إنّ هو هو ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
 

المصادر
1 ـ القرآن الكريم
2 ـ إقبال الأعمال : للسيّد علي بن طاووس ، المتوفّى سنة 664 هجرية ، نشر مركز الإعلام الإسلامي في قم.
3 ـ أعيان الشيعة : للسيّد محسن الأمين ، المتوفّى سنة 1371 هجرية ، نشر دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، لبنان
4 ـ إنباه الرواة في أنباه النحاة : لأبي الحسن علي بن يوسف الشيباني المعروف بابن القفطي المتوفّى سنة 646 هجرية ، نشر دار الكتب المصرية في القاهرة.
5 ـ المستدرك على الصحيحين : للحاكم النيسابوري ، المتوفّى سنة 405 هجرية ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان.
6 ـ بحار الأنوار : للشيخ محمّد باقر المجلسي ، المتوفّى سنة 1111هجرية ، نشر مؤسسة الوفاء في بيروت.
7 ـ بغية الوعاة في طبقات النحاة : لجلال الدين السيوطي المتوفّى سنة 911 هجرية ، نشر دار المعرفة في بيروت.
8 ـ تاريخ بغداد : للخطيب البغدادي ، المتوفّى سنة 463 هجرية ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان.
9 ـ تاريخ مدينة دمشق : لابن عساكر ، المتوفّى 571 هجرية ، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
10 ـ تفسير ابن أبي حاتم الرازي : لابن أبي حاتم الرازي ، المتوفّى 327 ، نشر المكتبة العصرية.
11 ـ الحجة في القراءات السبع : لابن خالويه ، المتوفّى 370 هجرية ، نشر دار الشروق في الكويت.
12 ـ جامع البيان : لابن جرير الطبري ، المتوفّى سنة 310 هجرية ، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.
13 ـ رياض العلماء : للمولى عبد الله الأفندي من أعلام القرن الثاني عشر ، نشر مكتبة السيّد المرعشي في قم.
14 ـ ديوان عدي بن زيد العبادي : لعدي بن زيد العبادي ، جمع أبي سعيد السكري.
15 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة : للشيخ الطهراني المتوفّى سنة 1389 هجرية ، نشر دار الأضواء في بيروت.
16 ـ شرح نهج البلاغة : لابن أبي الحديد المعتزلي ، المتوفّى سنة 656 ، نشر دار إحياء الكتب العربية.
17 ـ الصحاح للجوهري : المتوفّى سنة 393 ، نشر دار العلم للملايين في بيروت.
18 ـ صفوة الصفات في شرح دعاء السمات : للشيخ الكفعمي ، المتوفّى سنة 905 هجرية ، من المقرر أن تنشره مكتبة العلامة المجلسي في قم.
19 ـ غريب الحديث : لابن سلام المتوفّى سنة 224 هجرية ، نشر دار الكتاب العربي في بيروت.
20 ـ الفصول المهمة في معرفة الأئمة : لابن الصباغ المالكي ، المتوفّى سنة 855 هجرية ، نشر دار الحديث في قم.
21 ـ فضائل السادات : للسيّد محمد أشرف سبط الميرداماد المتوفّى سنة 1145 هجرية ، نشر بهار القلوب في قم.
22 ـ فهرس أسماء مصنفي الشيعة المعروف برجال النجاشي : لأحمد بن العباس الكوفي النجاشي ، المتوفّى سنة 450 هجرية ، نشر جماعة المدرسين في قم.
23 ـ فهرس التراث : للسيّد محمّد حسين الجلالي المعاصر ، نشر دليل ما في قم.
24 ـ فهرست ابن النديم : لابن النديم البغدادي ، المتوفّى سنة 438 هجرية ، طبعة مصر.
25 ـ كتاب الأربعين : للشيخ الماحوزي ، المتوفّى سنة 1121 هجرية ، مطبعة أمير ، قم.
26 ـ كشف الظنون : لمصطفى بن عبد الله المعروف بحاجي خليفة ، المتوفّى سنة 1067 هجرية ، نشر دار إحياء التراث العربي في بيروت.
27 ـ كشف الغمة : لأبي الفتح الإربلي ، المتوفّى سنة 693 هجرية ، نشر دار الأضواء في بيروت ، واستفدنا من الطبعة الجديدة والتي نشرها المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام في قم.
28 ـ لسان العرب : لمحمد بن مكرم بن منظور ، المتوفّى سنة 711 هجرية ، نشر أدب الحوزة في قم.
29 ـ لسان الميزان : لابن حجر العسقلاني ، المتوفّى سنة 852 هجرية ، نشر مؤسسة الأعلمي في بيروت.
30 ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان فيما يعتبر من حوادث الزمان : لليافعي اليمني ، المتوفّى سنة 768 هجرية ، نشر دار الكتب العلمية في بيروت.
31 ـ مستدرك الوسائل : للميرزا حسين النوري الطبرسي ، المتوفّى سنة 1320 هجرية ، نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث في قم.
32 ـ مسند أبي يعلى : لأبي يعلى الموصلي المتوفّى سنة 307 هجرية ، نشر دار المأمون للتراث.
33 ـ معجم رجال الحديث : للسيّد الخوئي ، المتوفّى سنة 1411 هجرية.
34 ـ معالم العلماء : لابن شهرآشوب السروي ، المتوفّى سنة 588 هجرية ، تحقيق السيّد صادق بحر العلوم.
35 ـ معجم الاُدباء : لياقوت الحموي ، المتوفّى سنة 626 هجرية ، نشر دار الفكر في بيروت.
36 ـ نظم درر السمطين : للزرندي الحنفي ، المتوفّى سنة 750 هجرية ، الطبعة الأولى.
37 ـ الوافي بالوفيات : للصفدي ، المتوفّى سنة 764 هجرية ، نشر دار إحياء التراث.
38 ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : لابن خلّكان ، المتوفّى سنة 681 هجرية ، نشر دار الثقافة.
39 ـ يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر : لعبد الملك الثعالبي ، المتوفّى سنة 429 هجرية ، نشر دار الكتب العلمية في بيروت.


المصدر: محمّد جواد الشبيري الزنجاني - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
5861
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :