معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

حقيقة الإيمان والكفر في فكر الشريف المرتضى ..

حقيقة الإيمان والكفر في فكر الشريف المرتضى

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة :
ارتبط ظهور الكثير من الأبحاث والنظريّات الكلاميّة في التاريخ الإسلامي بأحداث معيّنة أدت إلى إبرازها والتركيز عليها ، ومن تلك الأحداث التاريخية التي أدّت إلى ظهور بعض النظريّات الكلامية هي حروبُ أمير المؤمنين عليه‌السلام ، والتي منها معركة صفّين ، فعندما شارفت المعركة على أن تضع أوزارها ، وتنكشف الغبرة عن انتصار كاسح لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، إذا بمجموعة تمرق من داخل جيشه ينقلبون عليه ، ويؤدّي انقلابهم إلى إيقاف الحرب والتحاكم بين الطرفين ، وبعد ذلك ندم المارقون على فعلتهم ، وتوصّلوا ـ حسب ما أدّى إليه فكرهم ـ إلى أنّ ما قاموا به من القبول بالتحاكم كان ذنباً كبيراً ينبغي التوبة منه ، وإنّ مَن لم يَتُبْ منه يكون كافراً!!

ومن هنا ظهروا على العالَم بنظريّة جديدة أدّت إلى انعكاسات خطيرة على مستوى الواقع الإسلامي ، من تكفير لكبار الشخصيّات ، وعلى رأسها الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكلّ المخالفين لنظريّتهم من المسلمين ، إضافةً إلى نشوب حروب عديدة ـ أوّلها النهروان ـ انتهت بسفك دماء آلاف المسلمين ، إلى غير ذلك من الانعكاسات ، وبذلك تشكّلت ظاهرة جديدة عُرفت باسم : (الخوارج) ، وقسّمت المسلمين إلى مؤمن وكافر(1).
وفي مقابل هذه النظريّة المتطرّفة ظهرت نظريّة متطرّفة أُخرى ، فيها شيء من الانفتاح المتطرّف في مقابل انغلاق الخوارج المتطرّف ، إنّها نظريّة (الإرجاء) ، فقد ركّزت هذه النظريّة على أنّ مرتكب الكبيرة يُرجأ أمره إلى الله تعالى مهما ارتكب من الجرائم والكبائر من ظلم وقتل ومعاصي ، وأنّه لا يحقّ لنا اعتباره كافراً ، أو قتله(2) ، وقد استغلّ بنو أميّة هذه النظريّة ودعموها ؛ باعتبارها يمكن أن تبرّر أعمالهم الظالمة ، خاصّة وأنّهم أخذوا يواجهون تحدّي تيّار الخوارج الذي كان لا يتردّد في الإعلان عن كفرهم ، وخروجهم عن الدين(3).
لقد أدّت النظريّتان المتطرّفتان المذكورتان ـ إضافة إلى آثارهما على الواقع الإسلامي ـ إلى تأثير كبير في الجانب النظريّ الكلاميّ ، حيث أدّتا إلى
__________________
(1) انظر : الكامل للمبرّد ، ص567 وما بعدها.
(2) انظر : فِرَق تسنن (بالفارسية) ، ص216 وما بعدها.
(3) الانحرافات الكبرى ، ص488.

بروز نزاعات كلامية كبيرة ، وطرح تساؤلات كثيرة حول مرتكب الكبيرة ، وهل أنّ مرتكب الكبيرة من أهل القبلة كافر ، ويستحقّ القتل؟ وما هي حقيقة الكفر؟ وما هي حقيقة الإيمان الذي يقع في مقابله؟ وما هو مصير مرتكب الكبيرة يوم القيامة ، هل يخلد في النار ، أم يخرج منها بعد دخوله لمدّة فيها؟ كلّ هذه وغيرها تساؤلات مهمّة فرضت نفسها على طاولة البحث الكلامي ، وتطلّبت تقديم إجابات واضحة عليها.
وفي الفترة الواقعة ما بين نهايات القرن الأوّل وبدايات القرن الثاني ، وقعت حادثة في البصرة كان لها ارتباط بالنزاع المتقدّم ، وأدّت إلى ظهور فرقة كلامية كبيرة استمرّ وجودها قروناً ، وكان لها أثرٌ بارزٌ على مجمل تاريخ علم الكلام الإسلامي.
فقد دخل يوماً رجلٌ على حلقة الحسن البصري في الجامع بالبصرة ، حيث كان قد تجمّع حوله مجموعة من تلامذته ، ومنهم تلميذه واصل بن عطاء الذي أصبح له بعد هذه الحادثة شأن كبير ، وسأل ذلك الرجل الحسنَ البصري عن النزاع الدائر حول حقيقة مرتكب الكبيرة ، وهل هو مؤمن أو كافر ، فقال ما مضمونه : «يا إمام الدين!! لقد ظهرت في زماننا جماعةٌ يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم كفرٌ يخرج به عن الملّة ، وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان ، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان ، ولا يضرّ مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم مرجئة الأُمّة ، فكيف تحكم لنا في

ذلك اعتقاداً؟»(1).
وقبل أن يجيب الحسن عن السؤال ، ويكشف عن رأيه الذي يبدو أنّ واصلا كان يعلم به ويختلف معه ، قام واصل من المجلس ، وقال : «أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ، ولا كافر مطلقاً ، بل هو في منزلة بين المنزلتين ، لا مؤمن ولا كافر»(2) ، ثمّ انتحى جانباً من المسجد ، وجلس إلى اسطوانة أخرى ، واعتزل من ذلك اليوم درس الحسن ؛ وبذلك ظهر على العالَم بفرقة جديدة سمّيت : (المعتزلة) ، وصارت عقيدة (المنزلة بين المنزلتين) أحد أصولها ، ومن العلامات الفارقة التي يتميّز بها المعتزلي من غيره ، حيث قسّم الناس إلى ثلاثة أقسام : مؤمن ، وكافر ، ولا مؤمن ولا كافر ، وهو المسمّى : بـ : الفاسق.
وبذلك أخذ بحث حقيقة الإيمان والكفر يأخذ مكانه شيئاً فشيئاً بين البحوث والكتب الكلامية ، حتّى خُصّص له باب مستقلّ ، وقد طرح هذا البحث في الكتب الكلامية المتقدّمة تحت عنوان : (الأسماء والأحكام) ، حيث يُبحث هناك عن حقيقة اسم المؤمن والكافر والفاسق ، وعن حكم هذه الأسماء ، من حيث التخليد في النار وعدمه ، وغير ذلك.
فقد أصرّ المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة ـ رغم عدم كفره ـ مخلّد في النار ، ولا يخرج منها أبداً ، أي إنّ ما توعّد به الله تعالى مرتكبي الكبائر من
__________________
(1) الملل والنحل ، ج1 ، ص48.
(2) المصدر السابق.

العقاب لابدّ أن يتحقّق ، ولذلك عُرف المعتزلة باسم : (الوعيدية) ، وصار (الوعيد) أحد أصولهم الخمسة المشهورة(1).
وقد ظهر هذا البحث عند الإماميّة ، فأدلوا بدلوهم ، وبيّنوا رأيهم حوله ، ومن هؤلاء المتكلّمين الإماميةِ الشريفُ المرتضى الذي كان له دورٌ في تأسيس نظرة خاصّة إلى حقيقة الكفر والإيمان ، وما يتعلّق بذلك من بحوث ، مستعيناً بنظريّات شيخه المفيد ، فقد كانت نظريّاته حول الإيمان والكفر قريبة جدّاً من الشيخ المفيد.
وحاولنا في هذه الدراسة استعراض نظريّة الشريف المرتضى حول حقيقة الإيمان والكفر ، وتأثيرات نظريّته على البحوث الكلامية الأخرى.
وقد تطرّقنا إلى نظريّات وآراء للمرتضى قد تبدو مبهمة أو غريبة في عصرنا ـ مثل نظريّة (الموافاة) ـ لكنّها كانت حاضرة وبقوّة في فكر المرتضى ومدرسته الكلامية ، حيث اهتمّ بها في مختلف كتبه ورسائله ، لكنّنا حاولنا أن نكشف عنها ونبيّنها للباحثين ، عسى أن نكون قد وُفّقنا في الكشف عن بعض الزوايا المغفول عنها في فكره.
حقيقة الإيمان والكفر :
تنوّعت النظريّات المطروحة حول حقيقة الإيمان والكفر ، فقد جعلهما الخوارج مرتبطين بالعمل ، فصار الإيمان والكفر اسمَين للطاعات والمعاصي ،
__________________
(1) مقالات الإسلاميّين ، ص278.

فمن يفعل الطاعات يكون مؤمناً ، ومن يرتكب المعاصي وبالتحديد الكبائر يكون كافراً(1).
ولم يختلف المعتزلة مع الخوارج في تعريف الإيمان ، حيث ربطوه بالعمل وفعل الطاعات ، وقد كان من المتوقّع أن يعرّفوا الكفر كذلك ، ويجعلوا للعمل دوراً فيه ، لكنّهم رأوا أنّ تعريف الكفر بذلك سوف يوقعهم في مطبّات ، فإنّ الكثير من المسلمين قد يرتكبون بعض المعاصي الصغيرة ، كما أنّ مَن يرتكب الكبائر لا يستحقّ اسم الكفر ، ولذلك عرّفوا الكفر بنتائجه ، فقالوا إنّه : (اسم لما استُحقّ به عقاب عظيم ، وأجريت على فاعله أحكام مخصوصة)(2).
وقد أضاف المعتزلة قسماً ثالثاً غير الإيمان والكفر وهو الفسق ، حيث جعلوا للعمل أيضاً دوراً في تعريفه ، فقد وجدوا أنّ شريحة من المسلمين ممّن يرتكب الكبائر لا يستحقّون اسم المؤمن ؛ لارتكابهم الكبائر ، كما لا يستحقّون اسم الكافر ؛ لأنّ معصيتهم لم تصل إلى حدّ يجعلهم يستحقّون القتل أو المنع من التوارث والنكاح ، لذلك قالوا إنّ مرتكب الكبيرة يسمّى فاسقاً ، وهذا يعني ربط تعريف الفسق بالعمل أيضاً(3).
أمّا الإماميّة فذهب بعضهم إلى أنّ الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله
__________________
(1) مقالات الإسلاميّين ، ص86.
(2) الذخيرة ، ص537.
(3) شرح الأصول الخمسة ، ص471.

وبالإمام وبجميع ما جاء من عندهم ، ولتفصيل أقوالهم مجال آخر(1).
ولكن عندما وصلت النوبة إلى الشريف المرتضى(2) ، ذهب إلى تعريف الإيمان بأنّه (التصديق بالقلب) ، ولا اعتبار بما يجري على اللسان ، أي إنّه جعل الإيمان من سنخ المعرفة والعلم والتصديق بما يجب على المكلّف معرفته ، مثل معرفة الله تعالى ، وكلّ ما أوجب معرفته(3) ، وجعل الكفر في مقابله ، فعرّفه بأنّه (الجحود بالقلب) ، أي جحود ما أوجب الله تعالى معرفته ، وبذلك انقسم الناس حسب هذا التعريف إلى مؤمن وكافر.
وقد منح تعريف الإيمان والكفر بالتصديق والجحود للمرتضى مرونة في تسمية مرتكب الكبيرة ، فلو كان قد ربط الإيمان ـ بالعمل كما فعل المعتزلة ـ لاضطر إلى إخراج مرتكب الكبيرة من دائرة الإيمان الذي كان عندهم اسماً للطاعات ، لكنّه ربط تعريف الإيمان بالاعتقاد القلبي ، وبما أنّ ارتكابَ الكبيرة مرتبط بالعمل ، لذا صار من الممكن الحفاظ على صفة الإيمان لمرتكب الكبيرة ، مع إعطائه في نفس الوقت اسم الفاسق ، فمرتكب الكبيرة مؤمن قلباً واعتقاداً ، وفاسق فعلاً.
وقد قال الشيخ المفيد بهذا الصدد : «وأقول : إنّ مرتكبي الكبائر من أهل
__________________
(1) مقالات الإسلاميين ، ص53.
(2) تقدّم أنّ آراء الشريف المرتضى قريبة جدّاً في هذا المجال من آراء الشيخ المفيد ، لكنّنا ركّزنا البحث هنا على المرتضى لأنّه مورد بحثنا ، ولوجود مادّة علميّة في كتبه حول هذا الموضوع أكثر غزارة من كتب المفيد.
(3) الذخيرة ، ص536.

المعرفة والإقرار مؤمنون بإيمانهم بالله وبرسوله وبما جاء من عنده ، وفاسقون بما معهم من كبائر الآثام»(1).
وقد قال المرتضى : «إنّ الفاسق يجتمع استحقاقهما ـ وإن كانا متقابلين ـ له ، استحقاق الذم والمدح ، والتعظيم والاستخفاف ، بإيمانه وطاعته ، وفسقه ومعاصيه»(2).
لكن وفقاً للنظرة الاعتزاليّة كان مرتكب الكبيرة قد خرج من الإيمان ، فلا هو مؤمن ولا كافر ، بل هو واقع في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر ، وهي منزلة الفسق.
هذا كلّه بالنسبة إلى مرتكب الكبيرة بحسب النظرة الاعتزاليّة التي فرّقت بين الصغيرة والكبيرة ، وأمّا المرتضى فقد ركّز على أنّه لا فرق بين صغيرة وكبيرة ، فإنّ كلّ معصية لله تعالى تعدّ كبيرة ، وأمّا الاختلاف بالصغر والكبر يرجع إلى الإضافات والمقارنات ، فعندما نقارن معصيةً مع أُخرى ، تبدو إحداهما كبيرة بالنسبة إلى الأخرى ، وإلاّ فكلاهما كبيرة في حدِّ ذاتها ، ولذلك عرّف الشريف المرتضى الفسق بأنّه عبارة عن (كلّ معصية لله تعالى).
فشمل مصطلحُ الفسق عنده كلّ معصية ، سواء كانت كبيرة أم صغيرة(3) ، وهو مخالف لمصطلح المعتزلة الذي ميّز بين الصغيرة والكبيرة ،
__________________
(1) أوائل المقالات ، ص84.
(2) رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الرسّية الأولى) ، ج2 ، ص376 ؛ (جُمل العلم والعمل) ، ج3 ، ص18.
(3) الذخيرة ، ص533.

وخاصّة في الآثار المترتّبة عليها كما سيأتي. وبهذا يكون تعريف اسم الفاسق عند الشريف المرتضى إنّه : (المرتكب للمعصية) ، لا المرتكب للكبيرة فقط كما كان يرى المعتزلة.
إنّ نظرة الشريف المرتضى لحقيقة الفسق فسحت المجال أمام الفاسق للحفاظ على اسم الإيمان إجمالاً ، وبذلك صار هناك أمل لنجاته ، بينما خروجه من دائرة الإيمان عند المعتزلة جعلته ـ كما سيأتي ـ خالداً في جهنّم ، ولا مجال لنجاته إذا هو خرج من الدنيا بلا توبة. كما أنّ جَعْل التصديق القلبي أساساً للإيمان سمح للمرتضى بإخراج المنافقين من دائرة الإيمان بكلّ سهولة ، فإنّ المنافق مهما أظهر من الإيمان القولي والفعلي ، فإنّه لا يكتسب عنوان المؤمن أبداً ما دام قلبه جاحداً للمعارف الحقّة(1).
ويمكن أن يُطرح إشكال على تعريف الكفر بأنّه الجحود القلبي ، وأنّه لا اعتبار باللّسان وحتّى الأفعال ، والإشكال هو أنّ هذا التعريف يعني أنّ مَن فعل بعض الأفعال الكُفرية ـ مثل السجود للشمس ـ لا يمكن عدُّه كافراً ؛ بسبب أنّ السجود فعل خارجي ، وليس جحوداً قلبياً ، والكفرُ في الحقيقة هو الجحود القلبي ـ حسب رأي الشريف المرتضى ـ لا السجود.
أجاب الشريف المرتضى على هذا الإشكال من دون أن يضطرّ إلى التنازل عن تعريفه للكفر بالقول : لا شبهة في وصف مَن سجد للشمس بأنّه كافر ، لكن هذا لا يعني أنّ نفس السجود للشمس كفرٌ ، بل لأنّ هناك إجماعاً
__________________
(1) الذخيرة ، ص 541.

من قبل المسلمين على تكفير مَن يسجد للشمس ، فنجعل هذا الإجماع دليلاً على أنّ الساجد للشمس جاحد ومكذّب في قلبه ، وأنّه لا إيمان ولا تصديق له في قلبه ، لأنّه لو لم يكن كذلك لمَا حصل إجماع على كفره ، فيكون السجود دليلاً على الجحود والكفر القلبي.
وقد استدلّ الشريف المرتضى على رؤيته إلى حقيقة الإيمان والكفر بعدّة أدلّة ، نذكر بعضها باختصار :
أوّلا : إنّ الإيمان في اللغة بمعنى التصديق(1) ، وليس اسماً لأفعال الجوارح ، ولذلك يقال : (فلان يؤمن بالمعاد) أي يصدّق به ، و (فلان لا يؤمن بكذا) ، أي لا يصدّق به(2).
ثانياً : لو كانت الطاعات كلّها إيماناً ، لم يكن لأحد من البشر ـ حتّى الأنبياء عليه‌السلام ـ كامل الإيمان ؛ لأنّهم لم يستكملوا جميع الطاعات. ولو كان الواجب من الطاعات هو الإيمان ، لوجب أن يكون مَن فعل الصغائر من الأنبياء عليه‌السلام ـ على قول مَن يجوّزها عليهم ـ غير كامل الإيمان ؛ لأنّه قد أخلّ بفرض.
ثالثاً : قوله تعالى : (الّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيْمانَهُمْ بِظُلْم)(3) ، فهذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ المعاصي والظلم لا تتنافى مع الإيمان. وقوله
__________________
(1) معجم مقاييس اللغة ، ج1 ، ص133 ؛ لسان العرب ، ج13 ، ص21.
(2) الذخيرة ، ص538.
(3) الأنعام ، الآية 82.

تعالى : (وَالّذِيْنَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلاَيَتِهِمْ مِن شَيء حَتّى يُهَاجِرُوا)(1) ، فقد دلّت هذه الآية على أنّهم مؤمنون وإن لم يهاجروا(2).
أحكام أصحاب الأسماء :
تعرّض المتكلّمون عامّة ومنهم الشريف المرتضى إلى البحث عن مصير وحُكم أصحاب الأسماء المتقدّمة ، أي اسم : المؤمن ، والكافر ، والفاسق ، فما هو مصيرهم ، وهل ينتهون إلى النعيم الباقي ، أو العقاب الدائم ، أو يُعفى عنهم؟ وغير ذلك من تساؤلات نستعرضها في ما يلي بشيء من الاختصار :
أوّلاً : حكم المؤمن
رأى المعتزلة أنّ المؤمن يستحقّ لأجل إيمانه المدح والتعظيم والموالاة(3) ، ولو كان مرتكباً لبعض المعاصي الصغيرة ـ لا الكبيرة ، لأنّ ارتكاب الكبائر يخرجه من الإيمان كما تقدّم ، فالمؤمن عندهم لا يرتكب من الذنوب إلاّ الصغائر ـ فيمكن أن تسقط بواسطة الطاعات التي عملها ، فلو كانت طاعاته أكثر من معاصيه فسوف يزول أثر المعاصي بواسطة تلك الطاعات(4).
__________________
(1) الأنفال ، الآية 72.
(2) الذخيرة ، ص543.
(3) شرح الأصول الخمسة ، ص 474.
(4) شرح الأُصول الخمسة ، ص434.

وذهب الشريف المرتضى على أنّ المؤمن يستحقّ الثواب الدائم الأبدي ، واستدلّ على ذلك بالإجماع(1) ، والذي يظهر منه أنّه إجماع الأمّة ، وهو يعني أنّ المعتزلة يشتركون معه في ذلك.
وأمّا رأيه في الصغائر والكبائر ـ وقد تقدّم أنّ ارتكاب الكبائر عنده لا يُخرج المؤمن من الإيمان ـ فقد ذهب إلى أنّها يمكن أن تزول بعفو مَن بيده العفو ، وهو الله تعالى. وأمّا فكرة زوال أثر المعاصي بواسطة الطاعات فهو أمر مرفوض عنده كما سوف يأتي خلال البحث إن شاء الله تعالى.
الموافاة على الإيمان :
ذكر الشريف المرتضى عند حديثه عن الإيمان والمؤمن شرطاً للإيمان ، وهو شرط : (الموافاة على الإيمان).
ولتوضيح هذا الشرط ينبغي الإشارة إلى أساسه الذي ابتنى عليه ، فقد وجد المرتضى أنّ هناك إجماعاً على أنّ الإيمان يُستحقّ عليه الثواب الدائم الأبدي ، كما أنّ هناك إجماعاً آخر على أنّ الموت على الكفر يُستحقّ به العقاب الدائم الأبدي ، وعلى هذا إذا كفر المؤمن بعد إيمانه ومات على الكفر صار مستحقّاً للثواب والعقاب الدائميَّين الأبديَّين!!
لكنّ هناك إجماعاً ثالثاً دلّ على أنّ الإنسان لا يستحقّ الثواب والعقاب
__________________
(1) الذخيرة ، ص521.

بصورة دائميّة وأبديّة(1) ، فكيف يمكن الجمع بين هذه الإجماعات الثلاثة المتعارضة ظاهراً؟
لأجل حلّ هذه الإشكالية صرّح المرتضى بأنّ من صار مؤمناً ؛ فإنّه لا يكفر أبداً ؛ وذلك لكي لا يجتمع عليه الثواب والعقاب الدائميان ، فهو يستحقّ لإيمانه الثواب الدائم فقط(2).
وأمّا من كان مؤمناً بحسب الظاهر ، ثمّ كفر في نهاية حياته ومات على الكفر ؛ فهو في الحقيقة لم يجتمع فيه الإيمان والكفر ، وإنّما نعلم مِن ختم حياته بالكفر أنّه ما كان مؤمناً حقّاً منذ البداية ، بل كان منافقاً يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر ، أي أنّه ما كان مؤمناً ثمّ كفر ، بل كان كافراً منذ البداية ؛ لأنّه تقدّم أنّه لو كان مؤمناً ثمّ كفر لاستحقّ الثواب والعقاب الدائميّين الأبديّين ، وهو خلاف الإجماع ، وهذا يعني أنّه ما كان مؤمناً حقّاً ، وإنّما كان يتظاهر بالإيمان ، وهو ما يسمّى بـ : النفاق ، فهو يستحقّ لكفره العقاب الدائم الأبدي فقط.
ولإكمال فكرة (الموافاة على الإيمان) التي أردنا توضيحها ، نقول : بما أنّ الإيمان حالة باطنية (تصديق قلبي) كما تقدّم ، فلا يمكن التعرّف على المؤمن من ظاهره ؛ لأنّه قد يكون منافقاً كما تقدّم ، فما هو السبيل لمعرفة
__________________
(1) المصدر السابق ؛ وانظر : رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص148 ؛ (جوابات المسائل الرازيّة) ، ج1 ، ص131.
(2) الذخيرة ، ص302.

المؤمن؟
أجاب الشريف المرتضى على هذا التساؤل من خلال جعل شرط للايمان ، وهذا الشرط هو (الموافاة على الإيمان).
ومعناه : أنّ مَن يسمّى مؤمناً يجب أنْ يبقى على ظاهر الإيمان إلى آخر لحظة من حياته ، ولا يُنهي حياته بالكفر الصريح ، كالخروج على إمام الزمان الشرعي ، أو إنكار إمامة أحد الأئمّة الاثني عشر عليهم‌السلام ، أو غير ذلك ، فإنّه لو أنهى حياته بمثل هذا النوع من الكفر ، لعلمنا أنّه لم يكن مؤمناً منذ البداية ، بل كان منافقاً ، بينما إذا وافى على الإيمان ، أي وصل إلى آخر محطّة من حياته وهو مؤمن ، فحينئذ نعلم أنّه كان مؤمناً حقاً(1).
قال الشريف المرتضى : «والصحيح ـ وهو مذهب أصحاب الموافاة منّا ـ أنّ من علمنا موته على كفره ، قطعنا على أنّه لم يؤمن بالله طرفة عين ، ولا أطاعه في شيء من الأفعال ، ولم يعرف الله تعالى ولا عرف رسوله (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ الذي يُظهره مِن المعارف أو الطاعات مَن علمنا موته على الكفر إنّما هو نفاقٌ وإظهارٌ لما في الباطن بخلافه»(2).
وفي الحقيقة ليست الموافاة شرطاً للإيمان ، وإنّما هي دليل على الإيمان ، فهي تكشف لنا عن الإيمان ، وتميّز المؤمن من غير المؤمن(3).
__________________
(1) الذخيرة ، ص521 ـ 522.
(2) رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطرابلسيّات الثانية) ، ج1 ، ص336.
(3) الذخيرة ، ص522.

وبعبارة علمية : «الموافاة دليل إثباتي على الإيمان ، وليست شرطاً ثبوتيّاً له».
إنّ فكرة (الموافاة) سمحت للمرتضى ولغيره من الإمامية ممّن آمنوا بها أن يعتبروا مَن أظهر الإيمان في البداية من أمثال معاوية ، ثمّ قام بحرب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولم يُظهر التوبة من ذلك إلى آخر حياته ، أن يعتبروه أنّه ما كان مؤمناً منذ البداية بل كان منافقاً ، فقد قال المرتضى بهذا الصدد : «قتالُ أمير المؤمنين عليه‌السلام بغيٌ وكفرٌ ، جار مجرى قتال النبيّ (صلى الله عليه وآله) ... فمن حاربه عليه‌السلام ومات من غير توبة ، قطعنا على أنّه ما كان في وقت من الأوقات مؤمناً ، وإنْ أظهر الإيمان»(1).
كما سمحت فكرة الموافاة للمؤمنين بها أن يجيبوا بكل سهولة على الاستدلال على إيمان بعض السابقين إلى الإسلام بآيات مثل قوله تعالى :
(وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2).
فإنّ مثل هذه الآيات إنّما تدلّ على استحقاق السابقين للجنّة ، لكن بشرط موافاتهم على الإيمان ، أمّا إذا اختلّ هذا الشرط وقاموا في فترات متأخّرة من حياتهم بارتكاب أفعال تخالف الإيمان ، فإنّهم سوف لن يكونوا مشمولين بالآية ، وبذلك سوف لن يستحقّوا الجنّة.
__________________
(1) رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الميَّافارقيّات) ، ج1 ، ص283.
(2) التوبة ، الآية 100.

قال الشيخ المفيد عند تعليقه على الاستدلال بالآية الآنفة الذكر : «إنّ الله سبحانه لا يَعِدُ أحدا بالثواب إلاّ على شرط الإخلاص والموافاة ... وإذا كان الأمر على ما وصفناه ، فالحاجة ماسّة إلى ثبوت أفعالِ مَن ذكرتَ في السبق والطاعة لله تعالى في امتثال أوامره ظاهراً على وجه الإخلاص ، ثمّ الموافاة بها على ما ذكرناه ، حتّى يتحقّق لهم الوعد بالرضوان والنعيم المقيم ، وهذا لم يقم عليه دليل»(1).
ثانياً : حكم الكافر :
اتّفق المعتزلة والإماميّة على أنّ الكافر يستحقّ العقاب الدائم الأبدي ، وقد تقدّم أنّ الشريف المرتضى استدلّ على ذلك بالاجماع ، فلا خلاف إذن في ذلك.
ومن الأفضل هنا البحث عن تحديد بعض مصاديق الكفر من وجهة نظر الشريف المرتضى ، وذلك كما يلي :
1 ـ من مصاديق الكفر عند الشريف المرتضى التقليد ، فقد ذهب رحمه‌الله إلى كفر المقلّد في أُصول الدين ، والسبب في ذلك يعود إلى أنّه كان يَعتبر المقلّد مكلّفاً بالمعرفة ، وقادراً على تحصيلها ؛ لامتلاكه العلوم اللازمة لذلك ، فإن أهمل تحصيلها صار كافراً.
نعم ، إذا كان فاقداً للقدرة على تحصيل المعرفة بسبب عدم امتلاكه
__________________
(1) الإفصاح ، ص77 ـ 78.

للعلوم اللازمة لتحصيلها لم يكن مكلّفاً ، فيكون كالصغار والمجانين ، بل كالأنعام في عدم التكليف.
قال الشريف المرتضى : «إنّ مَن لا يقدر على تمييز الحقّ من الباطل في فروع الدين ، لا يقدر على مثل ذلك في أصوله ، ومَن هذه صفته فهو عامّي في الأصول والفروع ، ولا يجب عليه شيء من النظر والبحث ، وكما لا يجبان عليه فلا يجب عليه التقليد في الفروع ، كما لا يجب عليه مثل ذلك في الأُصول ، وهذا جار مجرى البهائم والأطفال الخارجين عن التكليف ، فلا حرام عليهم ولا حلال لهم»(1).
2 ـ ومن مصاديق الكفر لدى المرتضى الجهلُ بالأصول ، فإنّ الجهل بالله تعالى والنبوّة وغير ذلك من أصول الدين يعتبر كفراً من وجهة نظره ، وذلك لأنّ لأصول الدين أدلّة قاطعة وواضحة ، وإنّ التوصّل إلى العلم واليقين فيها أمرٌ ممكن ، فلا يبقى هناك مجال للظنّ أو عدم العلم في ذلك ، بل لابدّ من تحصيل العلم واليقين فيها(2).
3 ـ كما أنّ من مصاديق الكفر عند المرتضى هو محاربة الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام(3) ، وجحد النص عليه(4) ، وإنّ مَن فعل ذلك ومات من غير توبة ، علمنا أنّه ما كان مؤمناً في حياته قط ، وذلك وفقاً لمبدأ الموافاة الذي
__________________
(1) رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل التبانيّات) ، ج1 ، ص43.
(2) المصدر السابق (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص154.
(3) المصدر السابق (جوابات المسائل المَيّافارِقِيّات) ، ج1 ، ص283.
(4) المصدر السابق (جوابات المسائل الطرابلسيّات الثانية) ، ج1 ، ص336.

تقدّم الحديث عنه(1).
ثمّ إنّ الشريف المرتضى قد ركّز على نقطة مهمّة من وجهة نظره ، وهي نفي المعرفة عن الكفّار ، فقد ذهب إلى أنّ الكفّار غير عارفين بالله تعالى ؛ وذلك لأنّ المعرفة إيمانٌ ، ويُستحَقّ عليها الثواب الدائم ، بينما الكفر يُستحَقّ عليه العقاب الدائم ، ولا يمكن اجتماع الثواب والعقاب الدائميّين كما تقدّم ، أي إنّ المنكرين للنبوّة مثلاً لا يمكن أن يكونوا عارفين بالله تعالى ؛ لأنّ إنكار النبوّة كفر ، ومعرفة الله إيمان.
ولهذا لا يصحّ أن يقال : إنّ هؤلاء الكفّار ينظرون في أدلّة إثبات وجوده تعالى كما ننظر فيها نحن ، فتحصل عندهم المعرفة به تعالى ؛ لا يقال هذا ؛ لأنّنا لا نعلم يقيناً أنّهم ينظرون في أدلّتنا ، ولو فرضنا أنّهم نظروا فيها ، فلا نعلم أنّه قد توفّرت عندهم جميع الشروط لتحقّق المعرفة ؛ إذ لعلّ بعض الشروط اللاّزمة لتحقّق المعرفة غير موجودة عندهم ، ولو سملّنا بحصول المعرفة لبعض الكفّار ، لكنّهم سوف لن يستحقّوا الثواب على هذه المعرفة ؛ لأنّ الثواب إنّما يُستحَقّ إذا فُعل الفعل لوجه وجوبه ، لا لوجه آخر كالرياء والسمعة(2).
وقريبٌ من هذا الكلام قولُ الشيخ المفيد : «لا طاعة من كافر ؛ لأنّه لا
__________________
(1) انظر مصادر الهامشيَن السابقين.
(2) المصدر السابق (جوابات المسائل الرسّية الأولى والثانية) ، ج2 ، ص328 ـ 329 ، 391.

يعرف ربّه ، وإذا لم يعرفه لم تصحّ منه طاعة ؛ إذ الفعل إنّما يكون طاعة بقصد الفاعل به إلى المُطاع ، وإذا كان جاهلاً بالمُطاع لم يصحّ منه توجيه الفعل إليه»(1).
ويبدو أنّ كلّ هذا الكلام لا يشمل المستضعفين ، والذين لا بصيرة لهم في الدين ، فإنّ هؤلاء لا يحكم عليهم بالكفر(2).
ثالثا : حكم الفاسق :
ذهب المعتزلة إلى أنّ الفاسق المرتكب للكبيرة خالد في نار جهنّم(3) ، واختلف الشريف المرتضى معهم حول هذا الموضوع ، فذهب إلى انقطاع عذابه ، ومصيره إلى الجنّة كما سيأتي بعد قليل.
لقد صار هذا البحث مثاراً لجدل طويل وعريض بين المتكلّمين ، وقد أثاره المعتزلة في البداية ، ثمّ دخل في أروقة البحث الكلامي ، وركّز المعتزلة بحوثهم على دوام عقاب مرتكب الكبيرة ، فذهبوا إلى أنّ مرتكب الكبيرة خالد في جهنّم لا محالة ، وذلك فيما لو مات من دون توبة ، وأمّا البحث عن دوام الثواب فيبدو أنّهم بحثوا عنه استطراداً.
__________________
(1) الفصول المختارة ، ص66.
(2) رسائل الشريف المرتضى (مسألة في امتناع علي عليه‌السلام عن محاربة الغاصبين لحقّه بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)) ، ج3 ، ص320.
(3) شرح الأصول الخمسة ، ص449 ـ 450.

وفي ما يلي بحثٌ عن كلا المسألتين :
1 ـ دوام العقاب : ميّز المرتضى بين عقاب الكفر وعقاب باقي المعاصي ، أي : أنّه ميّز بين عقاب الكفر وعقاب الفسق ، فقد تقدّم أنّه عرّف الفسق بأنّه ارتكاب المعاصي ، فذهب إلى أنّ عقاب الكفر دائميّ ؛ وذلك لإجماع الأمّة ، أمّا عقاب سائر المعاصي ـ عقاب الفسق ـ سواء الكبائر والصغائر فلا دليل عقليّ على دوام عقاب مرتكبها وخلوده في جهنّم ، فلابدّ من الرجوع إلى السمع ، وإذا رجعنا إلى السمع وجدناه يدلّ على أنّ عقاب المعاصي غير الكفر منقطع وجوبا ، وذلك بشرط أن يرافقه الإيمان(1).
ويؤيّد ذلك بعض الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، مثل ما رواه إبراهيم بن العبّاس ، قال : كنّا في مجلس الرضا عليه‌السلام ، فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها : إنّها لا تغفر.
فقال الرضا عليه‌السلام : «قال أبو عبد الله عليه‌السلام : قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة ، قال الله عزّ وجلّ : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)»(2).
وروى محمّد بن أبي عمير ، قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما‌السلام يقول : «لا يخلّد الله في النار إلاّ أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك ، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يُسئل عن الصغائر ، قال الله تبارك وتعالى :
__________________
(1) الذخيرة ، ص300.
(2) التوحيد للصدوق ، ص395 ، والآية من سورة الرعد ، الآية 6.

(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلَكُمْ مُدْخَلا كَرِيْماً)»(1).
أمّا المعتزلة فقد تحدّثوا عن دوام عقاب مرتكبي المعاصي كلّها ، وإن لم تكن كفراً(2) ، سوى أنّهم ركّزوا على مرتكبي الكبائر (وهم الفسّاق حسب تعريفهم) ؛ باعتبار أنّهم ذهبوا إلى أنّ الصغائر يمكن أن يزول أثرها إذا كان في مقابلها طاعات أكثر منها أو تساويها ، كما سيأتي إن شاء الله.
إذن فقد ركّز المعتزلة بحثهم على الكبائر ، وقالوا بخلود مرتكب الكبيرة (الفاسق) في جهنّم ، بينما رفض الشريف المرتضى ذلك ، وذهب إلى وجوب انقطاع عذاب الفاسق ؛ فإنّ الفاسق ـ وفقاً لما تقدّم من بيان لنظرية المرتضى ـ مؤمن في عقيدته ، فاسق في أفعاله ، فهو بإيمانه يستحقّ الثواب الدائم إجماعاً.
فلا يمكن أن يستحقّ في نفس الوقت العقاب الدائم لفسقه ، وإلاّ اجتمع عليه الثواب والعقاب الدائميّان ، وقد تقدّم وجود إجماع على عدم اجتماعهما ، إذن لابدّ أن يكون عقابه منقطعاً. وهذا كلّه مستفاد مما تقدّم من آراء المرتضى.
2 ـ دوام الثواب : رأى الشريف المرتضى أنّه لا دلالة في العقل على
__________________
(1) التوحيد للصدوق ، ص396 ، والآية من سورة النساء ، الآية 31.
(2) الذخيرة ، ص300.

دوام الثواب على فعل الطاعات ، بل المرجع في ذلك إلى الإجماع والسمع ؛ فإنّ الإجماع قد دلّ على دوام ثواب الطاعة ، فهو قد اتّفق مع بعض المتكلّمين على دوام ثواب الطاعة ، سوى أنّه اختلف معهم في دليل ذلك ، وهل هو العقل ، أو السمع والإجماع؟(1)
وقد ناقش الشريف المرتضى الأدلّة العقليّة التي أُقيمت لإثبات دوام الثواب ، والتي منها : إنّ الوجه في استحقاق المدح والثواب واحد ، كما أنّ وجه استحقاق الذمّ والعقاب واحد ، فإذا كان المدح والذمّ دائميّين ، صار الثواب والعقاب دائميّين أيضاً.
وناقش المرتضى هذا الاستدلال من خلال التشكيك في الصغرى حيث قال : «غير مسلّمٌ لكم أنّ وجه استحقاق المدح والذمّ هو وجه استحقاق الثواب والعقاب، وكيف يصحّ ذلك والقديم تعالى يستحقّ المدح على فعل الواجب ولا يستحقّ الثواب، ولو فعل القبيح ـ تعالى عن ذلك ـ لا يستحقّ الذمّ دون العقاب»(2).
وقد تقدّم أنّ القول بدوام الثواب هو أحد الأمور التي دعت الشريف المرتضى إلى تبنّي نظرية الموافاة(3).
__________________
(1) الذخيرة ، ص280 ـ 281 ؛ رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص148.
(2) الذخيرة ، ص281.
(3) المصدر السابق ، ص521.

مُسقطات الثواب والعقاب :
استمرّ البحث حول أحكام الفاسق المرتكب للمعاصي ـ حسب تعريف المرتضى للفاسق والفسق ـ ، أو المرتكب للكبيرة ـ حسب تعريف المعتزلة ـ ، فكانت أحد الأبحاث المهمّة التي تطرّق اليها المتكلّمون في هذا المجال هي كيفية سقوط العقاب عنه.
ومن الواضح أنّ البحث عن سقوط العقاب عن الفاسق يشمل ـ وفقاً لرأي المرتضى ـ سقوطه في الدنيا والآخرة ، أي يمكن الحديث عن سقوط العقاب عنه في الدنيا لأمور يفعلها فيها كالتوبة ، كما يمكن الحديث عن ذلك في الآخرة لأمور تحصل له فيها كالشفاعة ، إلاّ أنّ بحث سقوط العقاب يختصّ حسب رأي المعتزلة بحالة الدنيا فقط ؛ وذلك لأنّهم حكموا بخلود الفاسق في النار إذا مات من دون توبة ، وهذا يعني عدم إمكان سقوط العقاب عنه في الآخرة بأيّ حال من الأحوال.
ومهما يكن من أمر ، فقد استعرض المتكلّمون مجموعة من الأمور المسقطة للعقاب ، ولكن قبل التعرّض لها ينبغي الإشارة إلى مسقطات الثواب ؛ لوجود ارتباط وثيق بين البحثين ، وذلك كما يلي :
1 ـ مُسقطات الثواب :
رفض الشريف المرتضى ـ ناسباً ذلك إلى الإماميّة ـ أن يَسقط الثواب

بشيء من الأشياء ، فإنّ الثواب عنده إذا ثبت لا يزيله شيء(1). وقد تقدّم قبل قليل أنّ الإجماع قد دلّ على دوام ثواب الطاعة.
أمّا المعتزلة فذهبوا إلى إمكان زوال الثواب إمّا من خلال الندم على الطاعة ، وإمّا من خلال التحابط ، والذي يعني أنّ المعاصي قد تصل إلى حدّ بحيث تُبطِل وتُحبِط الطاعات ، وخاصّة إذا كانت تلك المعاصي من الكبائر ، فإنّها تُحبِط ثواب الطاعات ، فالتحابط هو إبطال المعصية للطاعة ، أو إبطال عقاب المعصية لثواب الطاعة(2).
وقد وقف الشريف المرتضى في وجه نظرية التحابط وناقشها بعدة مناقشات :
منها : أنّه لا تنافي بين الطاعة والمعصية ، ولا بين الثواب والعقاب ؛ لأنّه يمكن أن يكون المكلّف مؤمناً بقلبه ـ وهذه طاعة ـ وعاصياً بجوارحه في نفس الوقت ، ولا تنافي بين الأمرين. وأمّا المستحَقّ على الطاعة والمعصية من الثواب والعقاب فلا تنافي بينهما أيضاً ؛ لأنّ المستحَقّ من الثواب والعقاب أمر معدوم ، فإنّهما إنّما يوجدان بعد الموت ، وذلك في الجنّة أو النار ، أمّا الآن فالثواب والعقاب معدومان ، ولا تضادّ بينهما(3).
ومنها : أنّه بناءً على التحابط سيكون مَن جمع بين إحسان وإساءة
__________________
(1) الذخيرة ، ص302.
(2) شرح الأصول الخمسة ، ص422 ؛ المنقذ من التقليد ، ج2 ، ص42.
(3) شرح جُمَل العلم والعمل ، ص147 ؛ الذخيرة ، 303.

متساويين كمَن لم يُحسِن ولم يُسِئ ، وإذا كان المستحَقّ على إساءته هو الزائد ، لكان كمن لم يحسن ، كما لو كان المستحَقّ على إحسانه هو الزائد ، لكان كمن لم يسئ ، ومن الواضح أنّ كلّ هذا مخالف للضرورة والبداهة(1).
وقد ناقش الشريف المرتضى الأدلّة التي أقامها المعتزلة لإثبات التحابط ، كما قام بتأويل الآيات القرآنية التي دلّت بظاهرها على التحابط(2).
2 ـ مُسقطات العقاب :
ذهب الشريف المرتضى إلى أنّ العقاب لا يزيله شيء إلاّ عفو مالكه عنه ، فالذي يملك العفو هو الوحيد الذي يستطيع أن يزيل العقاب ، ولا توجد طريقة أخرى لإزالة العقاب ، لأنّه لا يوجد وجه آخر يقتضي زوال العقاب ، وقد نسب المرتضى ذلك إلى الإمامية(3).
ولكن من جهة أخرى سوف يأتي أنّ الشريف المرتضى كان يرى إمكان زوال العقاب بأمور أخرى ، مثل التوبة والشفاعة ، فكيف يمكن الجمع بين عدم زوال العقاب بشيء إلاّ عفو صاحبه عنه ، وبين إمكان زواله بأمور أخرى غير ذلك؟
للإجابة على ذلك يمكن أن يقال : إنّ عفو مَن بيده العفو يمكن أن
__________________
(1) الذخيرة ، ص303.
(2) المصدر السابق ، ص303 ـ 316.
(3) المصدر السابق ، ص302.

يحصل من خلال التوبة أو الشفاعة ، لكن لا وجوباً ، فهذه الأمور لا توجب العفو على مَن بيده العفو ، وإنّما هي عامل مساعد عليه.
وعلى أيّ حال ، فإنّ المرتضى ذهب إلى أنّ الطريق الوحيد لزوال العقاب هو : عفو مَن بيده العفو.
أمّا المعتزلة ؛ فقالوا : إنّ العقاب يزول بالتفضّل ، كما يزول بالندم ـ وهو التوبة ـ لكن على نحو الوجوب. كما أنّ عقاب المعاصي الصغيرة يزول إذا زاد ثواب الطاعات على عقاب المعصية ، وهو الذي يسمّى : (التكفير) ، وهو عكس (التحابط) ، والذي يعني زوال الثواب بالعقاب(1).
أمّا الشفاعة فسوف يأتي أنّها عندهم غير مسقطة للعقاب ، وإنّما هي رافعة للدرجات(2) ، فلا تدخل من وجهة نظرهم في ضمن مسقطات العقاب.
إذن إنّ أهم مسقطات العقاب من وجهة نظر المرتضى والمعتزلة هي (العفو ، والتوبة ، والشفاعة ، والتكفير).
وفي ما يلي نتعرّض إلى بحث أهمّ المسقطات للعقاب وهي التوبة والشفاعة ، ونبيّن الخلاف حول حقيقتهما بين الشريف المرتضى والمعتزلة.
أمّا التكفير : فقد تقدّم الحديث عنه عند الكلام عن التحابط ؛ لأنّ التكفير والتحابط متعاكسان ومتقابلان ، وإنّ روحهما واحدة ، فلا حاجة إلى
__________________
(1) المنقذ من التقليد ، ج2 ، ص42.
(2) شرح الأصول الخمسة ، ص463 ـ 465.

إعادة الكلام. كما تقدّم الكلام قبل قليل عن العفو.
حقيقة التوبة :
ذهب الشريف المرتضى إلى أنّ التوبة ـ والتي تعني الندم على الفعل القبيح ، والعزم على أنّ لا يعود الفاعل إلى فعله القبيح(1) ـ لا تزيل العقاب على نحو الوجوب ، وإنّما تزيله من باب التفضّل من الله تعالى ؛ وذلك لدلالة الإجماع والسمع(2) ، أي أنّه عند التوبة لا يجب زوال العقاب ، وإنّما يتفضّل الله تعالى بإزالته.
وهذا الكلام يتلائم مع ما تقدّم من أنّ التوبة ليست من مسقطات العقاب عند المرتضى ، وإنّما المُسقِط الوحيد للعقاب هو عفو مَن بيده العفو ، وهو الله تعالى في محلّ كلامنا.
وبذلك يختلف الشريف المرتضى مع المعتزلة مرّة أخرى ، حيث ذهبوا إلى أنّ التوبة تُسقِط العقاب وتحبطه على نحو الوجوب ، فتكون من وجهة نظرهم من مسقطات العقاب.
وقد رفض الشريف المرتضى أن تكون التوبة مسقطة للعقاب بنفس الطريقة التي رفض بها التحابط ، فقال : إنّه لا تنافي ولا تضادّ بين التوبة في نفسها وبين العقاب ، فكيف تبطل ما لا تنافيه ولا تضادّه؟!
__________________
(1) الذخيرة ، ص320.
(2) المصدر السابق.

إضافةً إلى أنّ العقاب المُستحَقّ أمر معدوم ، والتوبة موجودة ، والموجود لا يبطل المعدوم(1). وهذه نفس الطريقة التي أبطل بها التحابط كما تقدّم.
واستدلّ المعتزلة على أنّ التوبة تزيل العقاب وجوباً بأدلّة ناقشها المرتضى كلّها ورفضها ، منها : إنّ التوبة إذا لم ترفع العقاب وجوباً ، لأدّى ذلك إلى قبح تكليف الفاسق بعد فسقه ؛ لأنّ التكليف إنّما يحسن تعريضاً للثواب ، والفاسق إذا استحق العقاب فإنّه لا يجوز أن يستحقّ الثواب ، فينبغي على ذلك أن تكون له طريقة للتخلّص من العقاب لكي ينتفع بما عُرِّض له من الثواب على الطاعة ، ولا طريق سوى التوبة ، فلابدّ أن تُسقِط العقابَ وجوباً(2).
من الواضح أنّ هذا الدليل ناشي من تشبُّع روح المعتزلة بفكرة التحابط والتنافي بين الثواب والعقاب ، بحيث إذا استحقّ الإنسان العقاب بسبب فسقه ، فإنّ هذا العقاب سوف لن يفسح المجال لأيّ ثواب ، وذلك بسبب التعارض والتنافي بينهما ، فلابدّ أوّلا من زوال العقاب من خلال التوبة ، حتّى يُفسَح المجال أمام استحقاق الثواب.
ولهذا رفض الشريف المرتضى هذا الاستدلال من خلال مناقشة الصغرى ، فإنّه مَن قال إنّ الفاسق المُستحِقّ للعقاب لا يمكنه أن يحصل على
__________________
(1) الذخيرة ، ص316 ـ 317.
(2) المغني (التوبة) ، ج14 ، ص340 ؛ الذخيرة ، ص317.

شيء من الثواب؟ إنّ هذا أوّل الكلام ، وهو محلّ النزاع ؛ فإنّ المرتضى يرى أنّه لا يستحيل اجتماع استحقاق الثواب والعقاب معاً وفي آن واحد ، كما تقدّم عند البحث عن إبطال التحابط(1).
حقيقة الشفاعة :
اختلف الشريف المرتضى مع المعتزلة أيضاً حول حقيقة الشفاعة ، فالشفاعة عنده تعني إسقاط العقاب عن مُستحِقّه ، ولكن هذا الإسقاط ـ كما تقدّم في التوبة ـ ليس واجباً على الله تعالى ، بل هو تفضّل منه(2). وبذلك يتّضح ما تقدّم من أنّ المُسقِط الوحيد للعقاب هو عفو مَن بيده العفو ، أمّا التوبة والشفاعة فليستا إلاّ شروطاً أو مقدّمات للعفو والتفضّل بإسقاط العقاب.
أمّا المعتزلة فلم يعرّفوا الشفاعة بذلك أي إسقاط العقاب ، وذلك لأنّهم قسّموا المعاصي إلى كبائر وصغائر ، أمّا الكبائر فعقابها لا يسقط برأيهم أبداً ، بل صاحبها مخلّد في النّار ، وأمّا المعاصي الصغيرة فيمكن أن يرتفع عقابها من خلال إحباطه وإزالته ، وبذلك لم تبقَ لهم حاجة بحسب الظاهر إلى تفسير الشفاعة بسقوط العقاب.
أمّا الشفاعة الواردة في الآيات والروايات ففسّروها بزيادة المنافع
__________________
(1) الذخيرة ، ص317.
(2) المصدر السابق ، ص505 ؛رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص150.

والدرجات ، وذهبوا إلى أنّ الشفاعة ترفع من منزلة المشفوع له.
لكن أشكل الشريف المرتضى على هذا التعريف للشفاعة بأنّه يلزم منه أن نكون شفعاء للنبيّ (صلى الله عليه وآله) إذا دعونا الله تعالى له بزيادة الدرجات ، ومن الواضح أنّه لا أحد يرضى بتسمية الأشخاص العاديّين شفعاء للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، لا لفظاً ولا معنىً(1).
واستدلّ الشريف المرتضى على تعريفه للشفاعة من خلال الحديث النبويّ المشهور : «ادخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي»(2) ، فإنّه دلّ على أنّ الشفاعة خاصّة بأهل المعاصي والعقاب ، وذلك لأجل إسقاط العقاب عنهم ، لا رفع منزلتهم(3).
نتيجة البحث
الإيمان عند المرتضى هو التصديق القلبي ، والكفر هو الجحود القلبي ، ولا عبرة باللفظ والفعل ، نعم قد تعتبر بعض الأفعال ـ مثل السجود للشمس ـ علامة على الكفر. وأمّا الفسق فهو ارتكاب المعاصي مطلقاً ، من دون تمييز بين الصغيرة والكبيرة.
__________________
(1) الذخيرة ، ص505 ؛ رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص150.
(2) المعجم الأوسط ، ج6 ، ص106.
(3) الذخيرة ، ص507 ؛ رسائل الشريف المرتضى (جوابات المسائل الطبريّة) ، ج1 ، ص151.

أمّا حكم المؤمن فهو الخلود في الجنّة ، وقد كان يرى المرتضى أنّ الثواب إذا ثبت فإنّه لا يزيله شي ، وإنّ المؤمن لا يمكن أن يكفر أبداً. وحكم الكافر الخلود في جهنّم. وأمّا حكم الفاسق فهو انقطاع عقابه ـ لو حصل ـ وجوباً ، وذلك لأنّ إيمانه يدعوه إلى الجنّة.
وأخيراً ذهب الشريف المرتضى إلى أنّ المُسقِط الوحيد للعقاب هو عفو مَن بيده العفو.

المصادر
1 ـ الإفصاح في الإمامة : الشيخ المفيد ، تحقيق : مؤسسة البعثة ، الناشر : دار المفيد ـ بيروت ، ط2 ، 1414 ـ 1993.
2 ـ الانحرافات الكبرى ، سعيد أيوب : الناشر : دار الهادي ـ بيروت ، ط1 ، 1412 ـ 1992.
3 ـ أوائل المقالات : الشيخ المفيد ، تحقيق : الشيخ إبراهيم الأنصاري ، الناشر : دار المفيد ، قم ، 1414 ـ 1993.
4 ـ التوحيد : الشيخ الصدوق ، تحقيق : هاشم الحسيني الطهراني ، الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية في قم.
5 ـ الذخيرة في علم الكلام : الشريف المرتضى ، تحقيق : السيد أحمد الحسيني ، الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم ، 1411.
6 ـ رسائل الشريف المرتضى : تقديم وإشراف : السيد أحمد الحسيني ، إعداد : السيد مهدي الرجائي ، دار القرآن الكريم ، قم ، ط1 ، 1405.
7 ـ شرح الأصول الخمسة : القاضي عبد الجبار ، تعليق : أحمد بن الحسين بن أبي هاشم ، عُني به : سمير مصطفى رباب ، الناشر : دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، ط 1 ، 1422 ـ 2001.
8 ـ شرح جُمل العلم والعمل : الشريف المرتضى ، تحقيق : يعقوب الجعفري المراغي ، الناشر : دار الأسوة ، قم ، ط1 ، 1414.
9 ـ فِرَق تسنن (مجموعة بحوث بالفارسية) : اعداد : مهدي فرمانيان ، الناشر : نشر أديان ، قم ، ط1 ، 1386ش.
10 ـ الفصول المختارة من العيون والمحاسن : الشريف المرتضى ، الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، ط1 ، 1413.
11 ـ الكامل في اللغة والأدب : أبو العباس المبرّد ، تحقيق : جُمعة حسن ، الناشر : دار المعرفة ـ بيروت ، ط1 ، 1425 ـ 2004.
12 ـ لسان العرب : محمّد بن مكرم ابن منظور الأنصاري ، الناشر : نشر أدب الحوزة ، قم ، 1405.
13 ـ معجم مقاييس اللغة : أبو الحسين أحمد ابن فارس ، ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، الناشر : مركز النشر ـ مكتب الإعلام الإسلامي ، قم ، 1404ق.
14 ـ المعجم الأوسط : الحافظ الطبراني ، تحقيق : قسم التحقيق بدار الحرمين ، الناشر : دار الحرمين ، 1415 ـ 1995.
15 ـ المغني في أبواب التوحيد والعدل (التوبة) ، ج14 : القاضي عبد الجبّار الهمذاني ، راجعه : د. ابراهيم مدكور ، حقّقه : مصطفى السقا ، إشراف : د. طه حسين.
16 ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين : أبو الحسن الأشعري ، ، عُني بتصحيحه : هلموت ريتر ، الناشر : منشورات فرانز شتاينر ـ فيسبادن ، ط3 ، 1400 ـ 1980م.
17 ـ الملل والنحل : محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، تحقيق : محمد سيد كيلاني ، الناشر : دار المعرفة ـ بيروت.
18 ـ المنقذ من التقليد : الشيخ سديد الدين الحمّصي الرازي ، تحقيق ونشر : مؤسّسة النشرالإسلامي ـ قم ، ط1 ، 1414ق.

المصدر: حيدر البيّاتي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
334
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :