معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تاريخ الحوزات العلميّة والمدارس الدينيّة عند الشيعة الإمامية (الحوزة العلمية في الحلّة) ..

تاريخ الحوزات العلميّة والمدارس الدينيّة عند الشيعة الإمامية (الحوزة العلمية في الحلّة)

بسم الله الرحمن الرحيم

المدخل : نشأة مدينة الحلّة :
يتّفق البلدانيّون والمؤرّخون على أنّ تأسيس مدينة الحلّة تمّ على يد أميرها الشهير سيف الدولة ، صدقة بن منصور بن دبيس بن عليّ بن مزيد الأسدي سنة (495 هـ).
يقول ابن الأثير في الكامل ضمن حوادث سنة (495 هـ) : «وفيها بنى سيف الدولة صدقة ابن مَزيد الحلّة بالجامعين ، وسكنها ، وإنّما كان يسكن هو وآباؤه في البيوت العربية»(1).
__________________
(1) الكامل في التاريخ 6/425.

ويتوسّع الحموي في وصف الحلّة ، ومنطقة الجامعين التي حوتها ، فيقول : «والحلّة ، علم لعدّة مواضع وأشهرها : حلّةُ بني مَزيد ، مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد كانت تسمّى الجامعين .. وكان أوّل من عمّرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن عليّ بن مزيد الأسدي ، وكانت منازل آبائه الدور من النيل ، فلمّا قوي أمره ، واشتدّ أزره ، وكثرت أمواله لاشتغال الملوك السلجوقية ، بما تواتر بينهم من الحروب ، انتقل إلى الجامعين ، موضع غربي الفرات ليبعد عن الطالب وذلك في محرّم سنة (495 هـ)». ثمّ يصف لنا منطقة الجامعين قبل أن يمصّرها (سيف الدولة) فيقول : «وكانت أجمة تأوي إليها السباع فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة ، وتأنّق أصحابه في مثل ذلك ، فصارت ملجأً ، وقد قصدها التجّار فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها ..».
وفي مكان آخر من معجمه يقول الحموي : «الجامِعَين : كذا يقولونه بلفظ المجرور المثنّى ، هو حلّة بني مَزيد التي بأرض بابل على الفرات بين بغداد والكوفة وهي الآن مدينة كبيرة آهلة .. وقد أَخرجت خلقاً كثيراً من أهل العلم والأدب ينسبون الحلّي ..»(1).
وقد زار الحلّة بعد تأسيسها الرحّالة المعروف (ابن جبير) ووصفها وصفاً دقيقاً ، مركِّزاً على الجانب العمراني فيها التي تدلّ ـ بحسب قوله ـ :
__________________
(1) معجم البلدان 3/ 24 ، 176.

«على عظم الإستطاعة والقدرة»(1).
كما أن الرَّحَّالة المشهور (ابن بطّوطة) زار الحلّة سنة (727 هـ) ، فأعاد ما ذكره ابن جبير عنها ، ممّا يدلّ على بقاء الحلّة عمارتها وأهمّيتها خلال الفترة بين زيارتي الرحّالتين(2).
ولا نريد أن نتوسّع كثيراً في نشأة المدينة وأعمالها وقراها التابعة لها ، فالحلّة غنية عن التعريف في حضارتها وتركيبتها الاجتماعية فهي وريثة (أرض بابل) «التي نشأ فيها حضارات قديمة بابلية وكلدانية وسومرية ، وعلى مرور السنين تكوَّن شعب ينتمي إلى أُصول بابلية وكلدانية وسومرية أطلق عليهم العرب اسمَ (النبط) .. وكان هذا الشعب النبطي وريث الحضارات القديمة التي نشأت في هذه البقعة وكانت فيها بقية صالحة ـ عند الفتح الإسلامي ـ تحتفظ بمعارف الأقدمين وتتدارسها ، وبواسطتهم رسخت الحضارة في أرض بابل»(3).
كذلك امتزج في هذه المدينة عناصر اجتماعية متعدّدة شكّلت نسيجاً اجتماعيّاً مثاليّاً في تعايشه وتعاونه ، يقول مؤرّخ الحلّة يوسف كركوش : «إنَّ المجتمع الحلّي كان يتكوّن من عناصر مختلفة : عرب وأكراد ونبط سكّان البلاد الأصليّين ، أمّا العرب فكان أكثرهم من بني أسد ، ولهم السيادة .. وأمّا
__________________
(1) رحلة ابن جبير : 154.
(2) رحلة ابن بطّوطة : 232 ، وانظر : متابعات فكرية : 4 ـ 5.
(3) تاريخ الحلّة 1 / 2 ـ 3.

الأكراد فهم قبيلة الجاوان» ، قال الفيروزآبادي : «وجاوان قبيلة من الأكراد سكنوا الحلّة المزيدية بالعراق ..»(1).
وجاء في مجلّة المجمع العلمي العراقي : «كان الجاوانيّون ـ قبل نزوحهم إلى الحلّة ـ يسكنون الجانب الشرقي لدجلة حيال طريق خراسان ، والظاهر أنّهم امتدّوا في السكنى على النهروان في شرق بغداد ... قرب الكوت .. وهذه القبيلة حالفت بني مزيد ، وشاركتهم في السرّاء والضرّاء قبل نزوحهم إلى النيل .. وكانت السيادة لبني مزيد عليهم وعلى بني أسد ، ومن انضمَّ إليهم .. ولا تزال محلّتهم في الحلّة تعرف بـ (الكرّاد الجواني) وفي عهد الأمير ورّام (الثاني) ابن أبي فراس انتقل الجاوانيّون إلى أرض الجامعين ليؤسّسوا الحلّة مع أمير بني أسد صدقة»(2).
الفصل الأوّل
منطلق الحركة العلمية في الحلّة
المبحث الأوّل : دور الأُمراء المزيديّين في ترسيخ الحركة العلمية في الحلّة :
ممّا لا شكّ فيه أنّ أُمراء بني مزيد الأسدي كانوا من الشيعة ، ويشاركهم في عقيدة التشيّع حلفاؤهم من القبائل العربية الأُخرى ، كقبائل خفاجة ،
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 26 ـ 27.
(2) مجلّة المجمع العلمي العراقي : م 7 ، 1 / 94 ، 96 ، 98.

وعبادة ، وعقيل ، بالإضافة إلى حليفهم الرئيسي الكرد الجاوانيّون ، فنجد أنّ الرحّالة ابن بطّوطة في رحلته ؛ والتي كان فيها يولي اهتمامه بعقيدة ومذهب سكّان المدن التي يزورها ، يقول عن الحلّة : «وأهل هذه المدينة كلّها إمامية إثنا عشرية ، وهم طائفتان إحداهما تُعرَف بالأكراد ، والأُخرى تُعرَف بأهل الجامعين»(1).
وجاء في مقال المجمع العلمي : «كانت قبيلة الجاوان ـ الكردية ـ شافعية المذهب ، والمزيدون شيعة إثنى عشرية ، ولكن على مرّ الأيّام اندمجوا ببني أسد ، فصاروا شيعة إثني عشرية ، كما استعربوا ..»(2).
ويتحدّث ابن الأثير في الكامل ضمن حوادث سنة (443 هـ) عن الفتنة بين العامّة ببغداد فيقول : «وأُحرق المشهد ـ ويعني مشهد الإمام موسى الكاظم والإمام محمّد الجواد عليهما‌السلام .. وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجرِ في الدنيا مثله .. ـ ثمّ يقول : ولمّا انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس ابن مزيد عظم عليه واشتدّ وبلغ منه كلّ مبلغ ؛ لأنّه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل ، وتلك الولاية كلّهم شيعة ، فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله ، فروسل في ذلك وعوتب ، فاعتذر بأنّ أهل ولايته شيعة ، واتّفقوا على ذلك ، فلم يمكنه أن يشقّ عليهم ..»(3).
__________________
(1) رحلة ابن بطّوطة : 232.
(2) مجلّة المجمع العلمي العراقي : م 7 ، 1/ 98.
(3) الكامل في التاريخ 6 / 158 ـ 159.

ونصّ ابن الأثير «يفيد بأنّ منطقة الحلّة وحتّى قبل تأسيس المدينة كانوا من الشيعة الإمامية»(1).
ومن طريف ما ينقل في عقيدة أهل الحلّة الشيعية ما ذكره الكتبي ابن شاكر في فوات الوفيات من قول الشاعر عبد الرحمن ابن أبي القاسم الكناني المتوفّى سنة (635 هـ) مخاطباً راجح الأسدي الحلّي :

يقولون لي ما بالُ حظّك ناقصاً
 

 

لدى راجح ربُّ السماحة والفضلِ
 

فقلتُ لهم إنّي سميّ ابن مُلجم
 

 

وذلك اسمٌ لا يقولُ به حلِّي(2)
 

وأمارة بني مزيد قد سبقت قيام دولتهم في الحلّة عام (495 هـ) على يد مؤسّسها صدقة بن مزيد الأسدي ، فكان لهم حضور فاعل ومؤثّر في الأحداث التي سبقت قيام دولتهم ولفترة زمنية تمتدّ إلى ما يقارب القرن من الزمن.
يقول أحد الباحثين : «والمزيدون قبيلة شيعيّة حكمت المنطقة خلال سنة (387 هـ) حتّى سنة (558 هـ) .. وأوّل من اعترف بوجود الأُمراء المزيديّين في هذه المنطقة هم البويهيّون سنة (403 هـ) لاعتقادهم الراسخ أنّ المزيديّين هم وحدهم يستطيعون ؛ بما أُوتوا من قوّة ، أن ينشروا الأمن في المنطقة الواقعة تحت سيطرتهم من هجمات القبائل المخلّة بالأمن ، لكن
__________________
(1) المصدر نفسه 6 / 158 ـ 159 ، وانظر : متابعات تاريخية : 6.
(2) نفس المصدر : 6 عن فوات الوفيات 2 / 283 ، وقد ورد في المصدر : «لدى راجح ربُّ الفهاهة والجهل».

الأمارة المزيدية بلغت استقلالها شبه الكامل كامبراطورية لأُمراء الشيعة في أوج قوّة العهد السلجوقي ، عندما كان السلاجقة مسيطرين على معظم المناطق الإيرانية ، وكانت بغداد العاصمة نفسها واقعة تحت نفوذهم ، متّخذين من مدينة الحلّة عاصمةً لأمارتهم»(1).
ففي الوقت الذي كان الشيعة يتعرّضون للاضطهاد المذهبي في بغداد وإيران ، على يد السلاجقة بعد سقوط الدولة البويهية ، نجد الشيعة والتشيّع ينتشر في الحلّة وضواحيها والمناطق الجنوبية التي خضعت للإمارة المزيدية.
وفي الوقت الذي كان فيه السلاجقة يضطهدون العلماء الشيعة ويتعرّضون لدور العلم والمكتبات الشيعية ، بل وكلّ ما يمتّ للشيعة بصلة ضمن عملية استئصال وردع مذهبي ممنهج ، وفّرت الدولة المزيدية للفقهاء والعلماء الشيعة الأجواء الآمنة والمستقرّة ، فانطلقت فيها حركة العلم والعلماء.
يقول أحد المحقّقين : «الحلّة هي وريثة بابل .. وكان بابل وسوراء وحواليها معقل العلم قبيل الإسلام وبعده ، ومركز الاصطكاك العقلي بين مفكّري الأُمم الهند وإيران من الشرق ، والسريان والآراميّين من الغرب ، وبها امتزج الغنوص الشرقي مع النبوّات السامية ، ثمّ صار معقل الشيعة ، ومنها كان يلهم الشيعة بكرخ بغداد ، وبعد الاضطهاد السلجوقي لهم وإحراق مكتباتهم
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 73.

ومنها مكتبة شاپور ببغداد ، والتجاء الشيخ الطوسي منها إلى النجف في (448 هـ) ، تعاون المزيديّون والأكراد الجاوانيّون ، مع البساسيري ببغداد ، فألغوا الخلافة العبّاسية في (450 هـ) ، وخطبوا للمستنصر الفاطمي ، ثمّ بعد قتل البساسيري ورجوع الأتراك السجلوقيّين والخلافة العبّاسية إلى بغداد ، قام سيف الدولة صدقة بن دبيس المزيدي مع الجوانيّين ببناء الحلّة ، فصارت مركز الشيعة وذلك في المحرّم (495 هـ) ، وبقيت كذلك حتّى سقوط بغداد في (656 هـ)»(1).
وكان لأُمراء الدولة المزيدية دور كبير في انطلاق النهضة الفكرية والعلمية في مدينة الحلّة وعلى مدى قرون من الزمن ، وكان على رأس أُولئك الأُمراء مؤسّس دولتهم الأمير صدقة بن مزيد الأسدي ، الذي يصفه المؤرّخون بأنّه : «رئيس كامل ، سيرته من أجمل السير وأحسنها»(2).
«لقد كان من أهمّ أسباب النهضة الفكرية في الحلّة ، اهتمام الأُمراء المزيديّين بهذه الناحية ، وتشجيعهم المستمرّ لرجال العلم والأدب ، وإجزالهم العطايا والهبات لهم ، فقصدهم الكثير من الشعراء ، كما حظي عندهم العلماء والفضلاء ، حتّى أنّ سيف الدولة صدقة بن مزيد كانت له مكتبة ضخمة تضمّ
__________________
(1) منزوي ـ عليّ نقي ، في تعليقته على كتاب والده آقا بزرك الطهراني ، الأنوار الساطعة في المائة السابعة المعروف بـ : (طبقات أعلام الشيعة) 3 / 8 ، وانظر الكامل في التاريخ 6 / 187 و428 وما بعدها.
(2) أعيان الشيعة 7 / 386.

أُلوف المجلّدات»(1).
ويصف ابن الأثير مقتل صدقة بن مَزيد ضمن أحداث سنة إحدى وخمسمائة بإسهاب فيقول :
«في هذه السنة .. قتل الأمير سيف الدولة صدقة .. أمير العرب ، وهو الذي بنى الحلّة السيفية بالعراق ، وكان قد عظم شأنه ، وعلا قدره ، واتّسع جاهه ، واستجار به صغار الناس وكبارهم ، فأجارهم .. وكان له من الكتب المنسوبة الخطّ شيء كثير ، أُلوف مجلّدات ، وكان يحسن يقرأ ، ولا يكتب ، وكان جواداً حليماً ، صدوقاً ، كثير البرّ والإحسان ، ما برح ملجأ لكلّ ملهوف ، يلقى من يقصده بالبرّ والتفضّل .. وكان عادلاً .. يحفظ الأشعار ، ويبادر إلى النادرة ، رحمه الله ، لقد كان من محاسن الدنيا»(2).
وهكذا كان خلفه من الأُمراء حيث وصفوا بالجود والكرم والأدب والشعر ، وحمى الجار ، «ومهما يكن فلقد كان الأُمراء المزيديّون من محبّي العلم والأدب ومشجّعيهما ..»(3).
ولو أردنا ذكر ما قاله المؤرّخون وما استشهد به الأُدباء والشعراء من مناقب ومآثر وكرم وجود وفضل .. لهذه الأُسرة الكريمة لطال بنا المقام ، إذ يكفي أن نشير إلى أنّ لسيف الدولة سيرة عطرة طويلة مدوّنة يقول عنها سيّد
__________________
(1) متابعات تاريخية وفكرية : 9 عن تلخيص مجمع الآداب : 4 ، ق 3 : 186.
(2) الكامل في التاريخ 6 / 479 ـ 484.
(3) متابعات تاريخية وفكرية : 9.

الأعيان : «رأيتُ مدائحه في أربع مجلّدات ، ورأيت سيرته من أجمل السير وأحسنها»(1).
وعن الدولة المزيدية ألّف الشاعر والأديب أبو البقاء هبة الله كتاب المناقب المزيدية في أخبار الدولة الأسدية(2).
وممّا ينبغي أن نشير إليه أنّ التشيّع في مدينة الحلّة وسكّانها ، أقدم من تأسيس المدينة في نهاية القرن الخامس ، إذ أنّ المدن والقرى والقصبات التي شكّلت جغرافية مدينة الحلّة كانت من المناطق الزراعية المأهولة بالسكّان وكان أهلها من الشيعة ، وهنالك مشاهد ومزارات ومراقد لكثير من أبناء الأئمّة من أهل البيت : في هذه المنطقة(3) ، ممّا يعني ارتباط أهالي هذه المناطق بأهل البيت وتشيّعهم وولائهم(4).
يقول صاحب الروضات : «إنّ الحلّة كانت قديمة التشيّع وخرج من علمائها الكثير من الفحول ، وإنّ مزاراتهم فيها مشهورة»(5).
وكان دور الدولة المزيدية وأُمرائها مهمّاً جدّاً في تجذير هذا التشيّع وتوسعته وانتشاره وقوّته.
__________________
(1) أعيان الشيعة 7 / 386.
(2) نفس المصدر 7 / 387 وانظر : دائرة المعارف الشيعية 3 / 382 وما بعدها.
(3) للتوسّع انظر : مراقد المعارف.
(4) للتوسّع انظر : الإمارة المزيدية الأسديّة في الحلّة : 323 وما بعدها.
(5) روضات الجنّات 2 / 270.

المبحث الثاني : دور تلامذة الشيخ الطوسي ومدرسة النجف وبغداد في إرساء الحركة العلمية في الحلّة :
تعتبر الحوزة العلمية في الحلّة الوريث الشرعي لحوزتي بغداد وحوزة النجف الأشرف في دورها الأوّل ، حيث كانت المصبَّ لكلا الحوزتين ، وميراثهما العلمي انتقل إليها عن طريق علماء وفضلاء كلتا الحوزتين.
فبعد الأحداث والفتن التي حلّت ببغداد واستيلاء السلاجقة على الحكم في أواسط القرن الخامس تفرّق طلاّب العلم والعلماء في البلاد المجاورة بحثاً عن الأمن وحرّية التعليم ، وكانت الحلّة وجهة بعضهم ؛ لأنّها كانت خارجة عن قبضة السلاجقة ، وكان لأُمراء بني مَزيد السيطرة التامّة على هذه المنطقة حتّى قبل إعلان إمارتهم في سنة (495 هـ). فمن المؤكّد أنَّ عدداً لا يستهان به من أُولئك العلماء قد هاجر إلى هذه المدينة والحاضرة العلمية الجديدة ، إلاّ أنّ المصادر التاريخية لا تسعفنا بشيء تفصيلي يذكر من المعلومات عن هذه الهجرة ، وإنّما هنالك شذرات من هنا وهناك لا تكوّن صورة واضحة المعالم.
وأمّا حوزة النجف الأشرف وطلاّبها فإنّها كانت الرافد الأكبر الذي صبَّ في حوزة الحلّة الفتية ، لأنّها كانت الأقرب جغرافيّاً ، والأقرب زمنيّاً إليها من حوزة بغداد التي تبتعد زمنيّاً عن حوزة الحلَّة لأكثر من قرن من الزمن ، «فكانت النجف أكثر علاقة بها ـ أي الحلّة ـ من غيرها ، وكان فيها يومئذ تلامذة الشيخ الطوسي الذي غادر بغداد سنة (448 هـ) .. واستوطن النجف

وبقي فيها يدرس إلى أن توفّي سنة (460 هـ) ، فقام تلامذته مقامه ، فلمّا مصّر الأمير سيف الدولة الحلّة واتّخذها مركزاً لأعماله قويت الرابطة بين البلدتين ، وامتدّت أعناق النجفيّين إليه ، وعلّقوا عليه الآمال ليحيوا ما اندثر من نفوذهم وما كان لهم في عهد آل بويه من الحرّية التامّة في التعبير عن آرائهم»(1).
وحقيقة الأمر ، أنّ العلاقة بين المدينتين (النجف والحلّة) علاقة عقائدية وثيقة ، وتبادلتا الأدوار الفكرية والعلمية والثقافية بعد أُفول حوزة بغداد العلمية في أواسط القرن الخامس ، «إذ أخذت النجف تظهر إلى الوجود كحاضرة إسلامية ، وأصبحت مدرسة علمية كبيرة .. ومدينة ذات خصائص المدينة الكاملة في القرن الخامس الهجري ، وهي بذلك قد تزامنت مع بناء مدينة الحلّة في عهد الدولة المزيدية. وبحكم العلاقة العقائدية بين المدينتين ، أخذت الحلّة تمدّ بأنظارها نحو النجف الأشرف ....
وبعد وفاة الشيخ الطوسي (460 هـ) والشخصيّات العلمية البارزة التي خلفته في حوزته الفتية في النجف الأشرف ، برز على الساحة العلمية والفكرية ابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) فمدّت النجف ببصرها نحو الحلّة ومدرستها العلمية «فكان بروزه ـ ابن إدريس ـ إيذاناً بانتعاش مدرسة الحلّة في منتصف القرن السادس الهجري ، وعند ذلك أخذت مدرسة الحلّة تنافس مدرسة النجف ...»(2).
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 4.
(2) النجف الأشرف والحلّة الفيحاء : 8 ـ 14.

ورغم اتّفاق كلمة العلماء المؤرّخين للمسيرة العلمية على انتساب تأسيس حوزة الحلّة العلمية إلى ابن إدريس الحلّي ، إذ يوصف في كلماتهم بـ «مؤسّس الحوزة العلمية في الحلّة»(1).
إلاّ أنّ المرحلة التي سبقت ابن إدريس لم تكن تخلو من الفقهاء وطلاّب العلم. يقول الشيخ الفضلي : «قبل أن تشتهر الحلّة كمركز علمي كبير من مراكز الحركات العلمية الإمامية على يد الشيخ محمّد بن إدريس العجلي الحلّي ، كانت كالنجف قبل الطوسي ... ، فيها نواة حركة علمية ، تمثّلت في بعض الفقهاء والطلاّب ، فابن إدريس مؤسّس ورئيس المركز العلمي الكبير في الحلّة ..»(2).
ومهما يكن من أمر ، فالعوامل الأساسية والثانوية المساعدة في تأسيس الحوزة العلمية في الحلّة يمكن أن نلخّصها بما يلي :
أوّلاً : وجود الأُمراء من بني مزيد ودولتهم الشيعية.
ثانياً : وجود نواة لحركة علمية في مدينة الحلّة.
ثالثاً : ضعف الحركة العلمية في النجف بعد الشيخ الطوسي.
رابعاً : ما يمتلكه الشيخ ابن إدريس من شخصية علمية شجاعة.
هذه كلّها مجتمعة عوامل تكاملت فساعدت ابن إدريس على أن يجلب الأضواء نحو الحلّة ، ويستقطب العلماء والطلاّب من الأقطار الأُخرى إلى
__________________
(1) روضات الجنّات 6 / 278.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي : 341.

الحلّة ، ويجعل منها المركز العلمي الرئيسي للحركة العلمية ، ابتداءً من القرن السادس الهجري وحتّى النصف الأوّل من القرن التاسع الهجري»(1).
وقبل أن ندخل في رحاب شخصية محمّد بن إدريس الحلّي وحركته العلمية ، ومنهجه العلمي ، لابدّ لنا من الإشارة إلى بعض الفقهاء السابقين عليه في الحلّة ، وبعضهم من أساتذته ومشايخه في الفقاهة والرواية ، وهم يشكّلون النواة التي ابتني عليها الصرح العلمي لمدينة الحلّة الفيحاء.
وفيما يلي نبذة مختصرة من تراجم أُولئك العلماء :
1 ـ يحيى بن بطريق الأسدي الحلّي (ت 600 هـ) :
وآل بطريق «بيت رفيع ذو علم وفضل وأدب في الحلّة ، وكلّهم شيعة إمامية. وكان يحيى بن بطريق عالماً فاضلاً محدّثاً محقّقاً .. له مؤلّفات منها العمدة والمناقب ...»(2).
قال عنه ابن حجر في لسان الميزان : «يحيى بن الحسن بن الحسين بن عليّ الأسدي الحلّي .. المعروف بابن بطريق ، قرأ على الحمصي الرازي الفقه والكلام على مذهب الإمامية ، وسكن بغداد مدّة ثمّ واسط .. وكانت وفاته بالحلّة في شعبان سنة (600 هـ) وله سبع وسبعون سنة ..»(3).
وابن بطريق يروي في الأغلب عن عماد الدين محمّد بن قاسم الطبري
__________________
(1) نفس المصدر : 341 (بتصرّف).
(2) تاريخ الحلّة 2 / 13 عن الحصون المنيعة.
(3) لسان الميزان 6 / 247.

الراوي عن الشيخ أبي عليّ بن الشيخ الطوسي ، وكذلك يروي عن محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندراني صاحب كتاب المناقب والمتوفّى سنة (588 هـ)(1).
وابن بطريق وإن لم يكن من أساتذة ابن إدريس إلاّ أنّه كان من علماء الحلّة السابقين على ابن إدريس والمعاصرين له ، ومن المعمّرين من بعده.
2 ـ عربي بن مسافر :
من فقهاء الحلّة وعلمائها في القرن السادس الهجري ، والشيخ الأكثر شهرةً من بين مشايخ بن إدريس .. وكان شيخاً جليلاً ، وكبيراً معروفاً في أصحاب الإمامية(2). وكان من تلامذة الشيخ الطوسي .. وينقل المحدّث النوري : «إنَّ محمّد ابن المشهدي حضر درس ابن مسافر في منزل الأخير في الحلّة عام (573 هـ)(3).
3 ـ عبد الله بن جعفر الدوريستي :
وهو من فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري ، وأحد مشايخ ابن إدريس الحلّي وأساتذته .. ويذكر أنّ الدوريستي انتقل إلى بغداد عام (560 هـ) ، وأخذ أحاديث أهل البيت : عن جدّه محمّد بن موسى .. توفّي بعد عام
__________________
(1) روضات الجنّات 8 / 197 ، تاريخ الحلّة 2 / 13.
(2) رياض العلماء 3 / 310.
(3) مستدرك الوسائل 3 / 475.

(600 هـ) بقليل(1).
4 ـ الحسين بن رطبة السوراوي :
وهو من فقهاء الإمامية في القرن السادس ، وأحد مشايخ ابن إدريس ، بل وشيخ مشايخ ابن إدريس .. وابن إدريس كان قد قرأ كتاب النهاية للشيخ الطوسي عنده. وعدّه الأفندي في الرياض من كبار مشايخ الأصحاب ومن أجلاّء الفقهاء وكان تلميذاً عند الشيخ أبي عليّ بن الطوسي(2).
5 ـ الحسن بن رطبة السوراوي :
من فقهاء العراق في القرن السادس الهجري ، وكان فقيهاً فاضلاً وعابداً ، ومن العلماء الكبار ومن أجلّة الفضلاء .. وكانت له بعض المصنّفات وكتب عدّة ، وكان لابن إدريس إجازة روايتها(3).
6 ـ هبة الله بن رطبة السوراوي :
وهو أحد مشايخ ابن إدريس الذين يروون عن أبي عليّ الطوسي ووالده الشيخ أبي جعفر الطوسي ، وهو والد الحسن والحسين المارّ ذكرهما آنفاً(4).
7 ـ عماد الدين الطبري :
__________________
(1) بحار الأنوار 106 / 42 ، ابن إدريس : 59.
(2) رياض العلماء 2 / 93 ، ابن إدريس : 60.
(3) نفس المصدر 1 / 249 ، أمل الآمل 2 / 10 ، 80.
(4) طبقات الطهراني ، الثقات العيون في سادس القرون : 332.

أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الآملي صاحب كتاب بشارة المصطفى ، ويروي عن الشيخ أبي عليّ الطوسي ، وكان شيخاً لابن إدريس ، كما كان شيخاً لقطب الدين الراوندي ، وشاذان بن جبريل(1).
8 ـ عليّ بن إبراهيم العريضي :
من أجلاّء عصره ، وأحد مشايخ ابن إدريس ويذكره ابن إدرس في خاتمة رسالته الفقهية المضايقة .. ومن تلامذته يمكن عدّ ورّام بن أبي فراس ، كما يمكن عدّ عليّ بن عليّ بن نما من مشايخه أيضاً(2).
9 ـ السيّد شرف شاه الأفطسي :
عالم وفقيه إماميّ من فقهاء القرن السادس الهجري ، وهو واحد من سلسلة مشايخ ابن إدريس الذي تفيد بعض الإجازات أنّ ابن إدريس حاز منه على إجازة أيضاً. ويستفاد من بعض الأسانيد الروائية أنّ الأفطسي كان حيّاً عام (573 هـ)(3).
10 ـ ابن شهر آشوب المازندراني :
رشيد الدين محمّد بن عليّ .. أحد مفاخر العلماء الشيعة في القرن السادس الهجري ، ذكره المحدّث النوري فأثنى عليه ثناءً لا مثيل له ، كما وصفه الحرّ العاملي : «بالعالم الفاضل الثقة ، المحدّث ، المحقّق ، العارف
__________________
(1) هدية الأحباب : 213 ، ابن إدريس : 61 ـ 62.
(2) رياض العلماء 3 / 326.
(3) رياض العلماء 3 / 9 ، الذريعة 20 / 175.

بالرجال والأخبار .. الجامع للفضائل والصفات»(1) ، وهو من مشايخ ابن إدريس الحلّي(2) توفّي رحمة الله عليه في شعبان سنة (588 هـ)(3).
11 ـ هبة الله بن نما :
وهو الشيخ الرئيس العفيف أبو البقاء الحلّي ، من مشايخ الشيخ محمّد ابن المشهدي صاحب المزار ويروي عنه في سنة (569 هـ) وسنة (573 هـ) فيظهر حياة أبي البقاء إلى هذا التاريخ. ويروي عنه أيضاً ولده الشيخ جعفر ابن أبي البقاء هبة الله بن نما والد الشيخ نجيب الدين أبي إبراهيم محمّد بن جعفر الذي هو من مشايخ المحقّق الحلّي .. وجاء في صدر بعض نسخ كتاب سليم بن قيس هكذا : «أخبرني الرئيس أبو البقاء هبة الله بن نما بن عليّ بن حمدون ، بداره بحلّة الجامعين في جمادى الأُولى (565 هـ) ، عن الحسين بن أحمد بن طحال المقدادي مجاور النجف في (520 هـ) عن الشيخ أبي عليّ ابن الطوسي في رجب (490 هـ)»(4).
فابن نما من المعاصرين لابن إدريس ومن أساطين وأساتذة حوزة الحلّة العلمية.
كما أنّ هنالك علماء كباراً من أُسرة (آل نما) في طبقات المحقّق
__________________
(1) خاتمة المستدرك 3 / 484 ، أمل الآمل 2 / 285.
(2) مصفى المقال : 415.
(3) أعيان الشيعة 10 / 17.
(4) طبقات الطهراني : الثقات العيون 2 / 534 ـ 535.

والعلاّمة الحلِّيَّين سوف تأتي الإشارة إليهم.
فأُولئك هم نخبة من الفقهاء الذين سبقوا عصر الشيخ ابن إدريس أو من معاصريه ، وبعضهم من مشايخه وأساتذته.
كما أنّ ابن إدريس عاصر علمين كبيرين من أعلام فقهاء أهل البيت : وكانت له بعض المساجلات والردود العلمية معهما ، وهما :
أوّلاً : أبو المكارم بن زهرة الحلبي (ت 585 هـ) :
وهو من طبقة ابن إدريس ومن المعاصرين له ، وكانت لابن إدريس معه مكاتبات وذكره ابن إدريس في كتابه السرائر(1) ، وتنصّ بعض الكتب الرجالية على أنّه من مشايخ ابن إدريس ، وأنّ ابن إدريس قد روى عنه(2).
ولابن زهرة منهج نقديٌّ في علم الأُصول كما هو واضح في كتابه الأُصولي غنية النزوع الذي تناول فيه بالنقاش للأدلّة الأُصولية للشيخ الطوسي في كتابه الأُصولي العدّة. فهو يشارك ابن إدرس في نقده لمنهج الشيخ الطوسي(3) كما سوف يأتينا في محلّه.
رغم هذا القاسم المشترك ولمشاركته في المنهج النقدي ، إلاّ أنّ ابن إدريس تناول فقه ابن زهرة بالنقد الحادّ ، فنجده يقول عنه ـ بعد أن ينقل أحد آرائه الفقهية ـ : «والقائل بهذا هو السيّد العلوي أبو المكارم بن زهرة
__________________
(1) السرائر 2 / 442 ـ 443.
(2) أمل الآمل 2 / 106.
(3) المعالم الجديدة : 74.

الحلبي رحمه‌الله ، شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني ، وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ ، فاعتذر بأعذار غير واضحة ...»(1).
وابن زهرة ، لم يكن مجاوراً لابن إدريس في الحلّة ، وإنّما كان من أعيان السادات والنقباء بحلب وتوفّي فيها عام (585 هـ)(2).
ثانياً : الحمصي الرازي (حدود 585 هـ) :
وهو محمود بن عليّ بن الحسن ، الشيخ الإمام سديد الدين الحمصي الرازي الحلّي.
قال عنه الطهراني : «علاّمة زمانه في الأُصولين ، ورع ثقة ، له تصانيف ، منها : التعليق الكبير والتعليق الصغير والمنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد والمصادر في أُصول الفقه ، وصفه تلميذ منتجب الدين بن بابويه بقوله : حضرت مجلس درسه سنين وسمعت أكثر هذه الكتب بقراءة من قرأ عليه ..»(3).
وسواء كان الحمصي من أهل الريّ مولداً أم من مدينة حمص السورية من بلاد الشام ، على خلاف بين مترجميه(4) ، فإنّه نزل مدينة الحلّة لمدّة من الزمن وتتلمذ عليه مجموعة من علمائها منها ورّام بن أبي فراس ، وألّف هناك
__________________
(1) السرائر 2 / 442 ـ 443.
(2) طبقات الطهراني : الثقات العيون 2 / 87.
(3) نفس المصدر 2 / 295 عن فهرست منتجب الدين : 107.
(4) روضات الجنّات 7 / 158 وما بعدها.

بعض مؤلّفاته منها كتابه التعليق العراقي الذي ألّفه في العراق في بلدة الحلّة بالتماس علمائها(1).
ويعبّر عنه ابن إدريس في كتابه السرائر بقوله : «سألني شيخنا محمود ابن عليّ ابن الحسين الحمصي المتكلّم الرازي ..» ثمّ يثني عليه بقوله : «.. وكان منصفاً ؛ غير مدّع لما لم يكن عنده معرفة حقيقته ، ولا من صنعته ، وحقّاً ما أقول : لقد شاهدته على خلق قلّ ما يوجد في أمثاله ، من عودة إلى الحقّ ، وانقياده إلى ربقته ، وترك المرء ونصرته ، كائناً من كان صاحب مقالته ، وفّقه الله وإيّانا لمرضاته وطاعته»(2).
رغم هذا المديح الذي كاله ابن إدريس للحمصي ، إلاّ أنّ الحمصي لم تكن نظرته إيجابية اتّجاه ابن إدريس كما سوف يأتينا.
وهنالك علماء آخرون من المعاصرين لابن إدريس من مدينة الحلّة ومن خارجها ذكرهم بعض الكتّاب(3). ولم يرد لهم ذكر في كتاب ابن إدريس السرائر.
المبحث الثالث : ابن إدريس الحلّي ودورهُ في ترسيخ حوزة الحلّة :
بعد فترة من الركود والسُّبات العلمي الذي حلّ بحركة الاجتهاد في مدرسة أهل البيت : حيث هيمنت شخصية الشيخ الطوسي رضي‌الله‌عنه على الحياة
__________________
(1) الذريعة 4 / 163.
(2) السرائر 2 / 190 ـ 191.
(3) انظر ، فقهاء الفيحاء 2 / 70 ـ 96.

العلمية زمناً ليس بالقصير ، وركدت خلالها الحركة العلمية الإبداعية ، وغدت كتب الشيخ وآراؤه مدار البحث بين الفقهاء ، وتهيَّب الكثير منهم مخالفته أو نقد آرائه لشدّة اعتقادهم به ، وحسن ظنّهم بعلمه ....
بعد هذه الفترة العصيبة عادت حركة الاجتهاد إلى حيويّتها ونشاطها ، وظهر في علماء الشيعة من تجاوز بفكره واجتهاده كثيراً عن آراء واستنباطات الشيخ الطوسي ، فلاحَت في أُفق الفقه الشيعيّ الإماميّ تباشير نهضة علمية تتقدّم أشواطاً بعيدة إلى الأمام ، وكانت بداية هذه النهضة قائمة على نقد بعض آراء الشيخ الطوسي ومخالفتها.
وكان حامل لواء هذه النهضة المباركة الشيخ (محمّد بن أحمد بن إدريس الحلّي العجلي) (ت 598 هـ). الذي وضع أقوال الشيخ الطوسي واجتهاداته موضع الدراسة والنقد العلمي ، وفتح باب النقاش فيها وألّف كتابه القيّم السرائر.
كذلك نجد من العلماء المعاصرين لهذه الفترة ، من انبرى لمناقشة الآراء الأُصولية للشيخ الطوسي في كتابه العدّة وهو ابن زهرة الحلبي المعاصر لابن إدريس ، في كتابه القيم غنية النزوع ، يقول الشهيد الصدر في المعالم : «وكتاب السرائر من الناحية التاريخية يعاصر إلى حدٍّ ما كتاب الغنية الذي قام فيه حمزة ابن عليّ بن زهرة الحسيني الحلبي بدراسة مستقلّة لعلم الأُصول .. فالكتابان متقاربان من الناحية الزمنية».
ثمّ يضيف السيّد الشهيد الصدر : «ونحن إذا لاحظنا أُصول ابن زهرة

وجدنا فيه ظاهرة مشتركة بينه وبين فقه ابن إدريس تميّزهما عن عصر التقليد المطلق للشيخ ، وهذه الظاهرة المشتركة هي الخروج على آراء الشيخ ، والأخذ بوجهات نظر تتعارض مع موقفه الأُصولي والفقهي ، .. فابن إدريس يحاول في السرائر تفنيد ما جاء في فقه الشيخ من أدلّة ، كذلك نجد ابن زهرة يناقش في الغنية الأدلّة التي جاءت في كتاب العدّة ، ويستدلّ على وجهات نظر معارضة ، بل يثير أحياناً مشاكل أُصولية جديدة لم تكن مثارة من قبل في كتاب العدّة بذلك النحو»(1).
وقد تكون مناقشات ابن زهرة لآراء الشيخ الطوسي أكثر عمقاً من مناقشات ابن إدريس ، لأنّها تناقش مباني الشيخ ، إلاّ أنّ ابن إدريس هو الذي اشتهر في مواجهة آراء الشيخ وردّها. كذلك ابن البرّاج الطرابلسي (ت 481هـ) خالف في كتابه المهذّب البارع آراء أُستاذه الطوسي ، ولكن لا نجد صدى لهذه المخالفة.
وقد ترجمنا باختصار لابن زهرة الحلبي ، فيما مضى ، فلابدّ لنا من ترجمة أيضاً لابن إدريس مع بعض التوسّع في منهجه النقدي لآراء الشيخ الطوسي الفقهية.
ابن إدريس الحلّي في سطور :
وابن إدريس هو «ابو عبد الله محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن
__________________
(1) المعالم الجديدة لعلم الأُصول : 74 ، وللتوسّع انظر : غنية النزوع ، قسم أُصول الفقه 2 / 265 وما بعدها.

الحسين بن القاسم بن عيسى العجليّ الربعيّ»(1). ولد سنة (543 هـ) وتوفّي سنة (598 هـ) ، عن خمس وخمسين سنة.
ترجم له ابن داود في رجاله فقال في شأنه : «كان شيخ الفقهاء بالحلّة ، متقناً في العلوم ، كثير التصانيف ...»(2).
وفي إجازة المحقّق الثاني : «ومنها جميع مصنّفات ومرويّات الشيخ الإمام السعيد المحقّق ، خير العلماء والفقهاء ، فخر الملّة والحقّ والدين ، أبي عبد الله محمّد بن إدريس الحلّي الربعيّ ، برّد الله مضجعه وشكر له سعيه»(3).
ومن أهمّ آثار ابن إدريس الفقهية كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي(4) وهو بحقٍّ كتاب جامع في كلّ أبواب الفقه شحنه بالتحقيق والتفريع على الأصول واستنباط المسائل الفقهية من أدلّتها الشرعية الشيء الكثير ، وكان ولا زال هذا الأثر الخالد محطّاً لأنظار الفقهاء وأهل النظر والاجتهاد. «وقد أثنى عليه علماؤناً المتأخّرون واعتمدوا على كتابه وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدّمين وأصولهم ... وقد ذكر أقواله العلاّمة وغيره في كتب الاستدلال وقبلوا أكثرها»(5).
__________________
(1) منتهى المقال : 260 والربعيّ نسبة إلى بني ربيعة.
(2) رجال ابن داود : 269 ، طبقات الطهراني ، الثقات العيون في سادس القرون 2 / 290 ، تنقيح المقال 2 / 77.
(3) بحار الأنوار 104 / 73.
(4) منتهى المقال: 260.
(5) نقد الرجال : 291.

وله آثار فقهية وأُصولية أُخرى ، وحاشية مهمّة على تفسير التبيان للشيخ الطوسي(1).
ويتّصل نسب الشيخ ابن إدريس بالشيخ الطوسي يقول الحرّ العاملي : «يروي عن خاله أبي عليّ الطوسي بواسطة وغير واسطة ، وعن جدّه لأُمّه أبي جعفر الطوسي ...»(2).
وبظهور ابن إدريس الحلّي ، نهض البحث العلمي من جديد وانطلقت حركة الاجتهاد بحيوية فائقة تميّزت بالعمق والشمول والسعة ، على أيدي فقهاء عظام.
والذي يميّز دور ابن إدريس الحلّي عن غيره من معاصريه أنّه كان من أشدّهم جرأة ، وأكثرهم نقداً لطريقة الشيخ الطوسي ، حتّى لامَه الكثيرون على هذه الطريقة ، بل رأى البعض أنَّ ابن إدريس قد تجاوز الحدَّ في معارضته ونقد آراء الشيخ الطوسي ، ونُسب إليه أنّه أساء إلى شخصية الشيخ ، وهي نسبة غير صحيحة(3).
وبابن إدريس فُسِح الطريق لمناقشة آراء الشيخ وأفكاره العلمية ، ولولاه لم يكن يجرأُ أحد على ذلك.
«ولم يلقَ ابن إدريس ـ في زمانه ـ أىَّ ترحيب أو استقبال ، بل جُوبِه
__________________
(1) انظر : أمل الآمل 2 / 244.
(2) المصدر نفسه 2 / 243.
(3) انظر ، معجم رجال الحديث 15 / 64.

بمعارضة شديدة ، ولكنّه كان الفاتح لنقد الشيخ الطوسي والمحطّم للفكر التقليدي الجاف الجامد ، وقد أسدى بذلك خدمة كبرى للطائفة في انفتاح باب الاجتهاد والاعتماد على الفكر الحرّ المشوب بالصدق والصفاء»(1).
المنهج الاستدلالي لابن إدريس ، وأهمّ النتائج لحركته العلمية :
كانت لحركة ابن إدريس العلمية آثار كبيرة على حركة الاجتهاد في القرن السادس الهجري ، والقرون اللاّحقة ، وكان لهذه الحركة منهجها ونتائجها والتي يمكن تلخيصها بما يلي :
أولاً : كسر الجمود الذي كان عليه الفقهاء من تلامذة الشيخ وتلامذتهم ، والقضاء على الركود الذي مني به الفقه الإمامي خلال هذه الفترة ، الذي ربّما لو استمرّ لأدّى إلى انتهاء الاجتهاد وغلق بابه عند الإمامية ، وذلك بما أقدم عليه من إبداء آرائه الفقهية المخالفة لآراء من تقدّمه من الفقهاء ، ومناقشة ومحاكمة آراء الفقهاء السابقين عليه ، فأعاد بهذا إلى الاجتهاد حيويّته ونشاطه ، وفتح المجال رحباً إلى استخدامه(2).
ثانياً : استخدام القواعد الأُصولية :
كما أنّه ليحافظ على نفس الاتّجاه المعتدل الذي رسمه الشيخ المفيد ، والتزمه من بعده تلامذته كالمرتضى والطوسي وتلامذتهما ، ركّز كثيراً في
__________________
(1) مقدّمة جامع المقاصد 1 / 19.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي : 344.

درسه وتأليفه على استخدام القواعد الأُصولية(1).
ثالثاً : تربيع مصادر الفقه بذكر الدليل العقلي :
والدليل العقلي هو الدليل الرابع الذي كشف عنه السيّد المرتضى في بعض جواباته(2) ، إلاّ أنّه لم يدرجه في قائمة المصادر تهيّباً من الإثارة ، وحفاظاً على الوضع الفكري القائم آنذاك من أن ينجرّ إلى الصراع العميق.
يقول الشيخ المظفّر : «وأوّل من وجدته من الأُصوليّين يصرّح بالدليل العقلي الشيخ ابن إدريس المتوفّى (598 هـ)»(3). ثمّ نقل عبارة ابن إدريس في مقدّمة كتابه السرائر إذ يقول : «... فإنَّ الحقَّ لا يعدو أربع طرق :
1 ـ إمّا كتاب الله سبحانه.
2 ـ أو سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) المتواترة المتّفق عليها.
3 ـ أو الإجماع.
4 ـ أو دليل العقل.
فإذا فقدت الثلاثة ، فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل فيها ...»(4).
والملاحظ أنّ الأدوار الاجتهادية السابقة لعصر ابن إدريس لم يكن فيها
__________________
(1) المصدر نفسه : 345.
(2) انظر ، رسائل الشريف المرتضى ، أجوبة المسائل الموصليّات الثالثة 1 / 210.
(3) أُصول الفقه للمظفّر 2 / 122.
(4) مقدّمة السرائر 1 / 46.

للعقل والاستدلال العقلي أثر واضح في كلمات واستدلالات العلماء ، إلاّ اللّهمّ عند ابن أبي عقيل العماني ، وابن جنيد الإسكافي ، لكن الذين جاءوا من بعدهما لم يحذوا حذوهما بالأخذ بدليل العقل في الاستنباط الفقهي.
والذي يلاحظ كتاب السرائر ـ وهو أثر فقهيٌّ مهمٌّ خلّفه ابن إدريس ـ يجد منهج ابن إدريس العقلي متجلّياً في استدلالاته الفقهية ، بل كان رحمه‌الله من دعاة الفقهاء إلى الأخذ بالاستدلال العقلي(1).
رابعاً : عدم تجويزه العمل بخبر الواحد المظنون صدوره عن المعصوم :
وقد سبقه إلى هذا كلّ من : ابن قبة ، والشريف المرتضى ، وابن البرّاج ، وأبي المكارم ابن زهرة ، وأبي عليّ الطبرسي.
وربّما نسب هذا إلى غير هؤلاء ، قال الشيخ الأنصاري(2) : «فالمحكي عن السيّد ، والقاضي ، وابن زهرة ، والطبرسي ، وابن إدريس ـ قدّس الله أسرارهم ـ المنع».
وربّما نسب إلى المفيد قدس‌سره ـ حيث حُكي عنه في المعارج ـ أنّه قال : «إنَّ خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن به دليل يفضي بالنظر إلى العلم ، وربّما يكون إجماعاً ، أو شاهداً من عقل»(3).
هذه أهمُّ الآثار التي يمكن الإشارة إليها كنتائج للحركة العلمية
__________________
(1) أدوار اجتهاد : 283.
(2) فرائد الأُصول الأنصاري 1 / 109.
(3) التشريع الإسلامي : 347. معارج الأُصول للمحقّق الحلّي : 137 وما بعدها.

الاجتهادية التي قام بها ابن إدريس الحلّي ، حيث قطع الاجتهاد والفقه الاجتهادي بفضل جهوده مراحل جديدة وتوسّعت مجالات الاجتهاد والاستدلال والأبحاث الفقهية ، بعد أن كان باب الاجتهاد مهدّداً بالغلق والاقتصار على آراء المتقدّمين ، وخاصّة آراء الشيخ الطوسي.
تلامذة ابن إدريس والراوون عنه :
نصّ بعض المترجمين لسيرة ابن إدريس على تتلمذ بعض الفضلاء عليه ، وهم على قلّة عددهم قد واصلوا طريق أُستاذهم في التحقيق والتأليف وصاروا من الفقهاء والأساتذة الذين يشار إليهم بالبنان.
قال صاحب الرياض وهو يترجم لابن إدريس : يروي عنه جماعة من الأفاضل منهم :
1 ـ الشيخ نجيب الدين بن نما الحلّي.
2 ـ والسيّد شمس الدين فخار بن معد الموسوي.
3 ـ والسيّد محمّد بن عبد الله بن زهرة الحسيني الحلبي ، كما يظهر من بعض أسانيد الصحيفة(1).
4 ـ ويروي السرائر عنه : عليّ بن يحيى الخيّاط.
5 ـ وأجاز روايته السرائر عنه ليوسف بن علوان ..(2).
__________________
(1) رياض العلماء 5 / 32 ـ 33.
(2) أمل الآمل 2 / 210 ، 214 ، 310.

6 ـ الشيخ طومان بن أحمد العاملي(1).
ويعتبر الشيخ نجيب الدين محمّد بن جعفر بن نما الحلّي (ت 645 هـ) من أبرز تلامذة ابن إدريس ، وهو شيخ المحقّق الحلّي ، والشيخ سديد الدين والد العلاّمة الحلّي ، والسيّد الرضيّ ، والسيّد أحمد بن طاووس. وهو والد الشيخ جعفر بن محمّد صاحب مثير الأحزان .. قال المحقّق الكركي في ذكر المحقّق الحلّي ما هذا لفظه : «وأعلم مشايخه بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الأوحد محمّد بن نما الحلّي ، وأجلّ أشياخه الإمام المحقّق قدوة المتأخّرين فخر الدين محمّد بن إدريس الحلّي العجلي برّد الله مضجعه ..»(2) ، فالشيخ نجيب الدين حلقة الوصل بين ابن إدريس وبين المحقّق الحلّي ، والذي بدوره يعتبر المؤسّس الحقيقي للحوزة العلمية في الحلّة كما سوف يأتينا لاحقاً.
كذلك يعتبر شمس الدين فخار بن معد الموسوي (ت 630 هـ) ، من تلامذة ابن إدريس المبرّزين ، وقد نعت في كلمات العلماء بالصفات الحسنة التي قلّ نظيرها في غيره ، فهو الفقيه ، والمحدّث ، والنسّابة ، والمؤرّخ ، والعارف بالأُصول والفروع ، وممّن «قلّ نظيره في مشايخ إجازاتنا الورعين ، ورجال رواياتنا المطّلعين المتتبّعين ، بحيث لم يشذَّ عنه إجازة من إجازات الأصحاب ، ولم يخل منه سندٌ من أسانيد علمائناً الأطياب ، وكان رحمه الله تعالى من عظماء وقته ، وكبراء زمانه ، في الدنيا والدين ، فخراً وفخارة ،
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 103.
(2) مقدّمة التحقيق لكتاب السرائر 1 / 10 ـ 11 ، وانظر : هدية الأحباب : 339.

وفخير الطويِّين المنتجبين والفقهاء والمجتهدين»(1).
وهو أيضاً يمثّل حلقة الاتّصال بين ابن إدريس وطبقة المحقّقين الكبار من أمثال المحقّق الحلّي ، وأبناء طاووس ، والشيخ سديد الدين يوسف بن عليّ والد العلاّمة الحلّي ، وغيرهم(2) ، فأُولئك يروون عنه ، وهو يروي عن أُستاذه. وهكذا تتّصل الحلقة ببعضها وتتكامل ، حتّى تصل إلى تلامذة تلامذتهم ؛ يقول الشهيد الثاني رحمه‌الله في إجازته : «ومصنّفات ومرويّات السيّد السعيد العلاّمة المرتضى إمام الأُدباء والنسّاب والفقهاء شمس الدين أبي عليّ فخار بن معد الموسوي» ..(3).
وتلامذة ابن إدريس الآخرين والراوون عنه لهم شأنهم ومكانتهم أيضاً ، ووردت بحقِّهم كثير من كلمات المدح والثناء ، ممّا لا يسع المجال لذكرهم ؛ وذكر ما يتّصل بشأنهم.
وإجمالاً ، كان أُولئك التلامذة والرواة عن ابن إدريس من العلماء الأفذاذ ومن شيوخ الرواية ، ومن المصنّفين ، وتركوا لنا آثاراً علمية نافعة.
* الملاحظات النقدية على منهج ابن إدريس :
كما كان ابن إدريس رحمه‌الله عالماً نقّاداً لأفكار العلماء وخاصّة في قراءته
__________________
(1) روضات الجنّات 5 / 347 ـ 348 ، وانظر : البحار 104 / 19 ، والفوائد الرضوية : 346.
(2) لؤلؤة البحرين : 281.
(3) نفس المصدر : 282.

النقدية لفقه الشيخ الطوسي ، ولبعض معاصريه من أمثال ابن زهرة الحلبي ..
كذلك وجِّهت له ولمنهجه بالذات مجموعة من النقود والملاحظات من المعاصرين له ، ومن غيرهم ، ومن أهمّ هذه الملاحظات النقدية :
أوّلاً : قيل فيه : «إنّه مخلّط لا يعتمد على تصنيفه» :
وهو ما ينقله الشيخ منتجب الدين في الفهرست عن الحمصي ، حيث قال : «وقال شيخنا سديد الدين محمود الحمصي .. : هو ـ أي ابن إدريس ـ مخلّط لا يعتمد على تصنيفه»(1) ، ووافقه على ذلك التستري في قاموس الرجال(2) ، كذلك نعته العلاّمة بقلّة معرفته بالروايات والرجال(3).
إلاّ أنّ الإنصاف يقتضي أن لا نصادر جهود ابن إدريس العلمية ، نتيجة خطأ علمي هنا أو هناك. وننعته بالتخليط وعدم الاعتماد بشكل مطلق.
يقول السيّد الخوئي : «ما ذكره الشيخ محمود الحمصي من أنّ ابن إدريس مخلّط لا أعتمد على تصنيفه ، فهو صحيح من جهة وباطل من جهة ، أمّا إنّه مخلّط في الجملة فممّا لا شكّ فيه ، ويظهر ذلك بوضوح من الروايات التي ذكرها فيما استطرفه .. وأمّا قوله : لا يعتمد على تصنيفه ، فهو غير صحيح ، وذلك فإنّ الرجل من أكابر العلماء ومحقّقيهم ، فلا مانع من الاعتماد
__________________
(1) فهرست أسماء علماء الشيعة : 173.
(2) قاموس الرجال 8 / 45.
(3) مختلف الشيعة 2 / 357.

على تصنيفه في غير ما ثبت فيه الخلاف»(1).
ثانياً : وقيل عنه : «إنّه كان معرضاً عن الأخبار» :
قال ابن داود في الرجال : «محمّد بن إدريس ، كان شيخ الفقهاء بالحلّة متقناً في العلوم كثير التصانيف ، لكنّه أعرض عن أخبار أهل البيت (بالكلّية)»(2).
وتقييم ابن داود مضطرب في نظر كثير من علماء الرجال ، فهو يمدحه بقوله : «شيخ الفقهاء .. متقناً للعلوم كثير التصانيف» فهذا المدح يقتضي من ابن داود أن يذكر ابن إدريس في القسم الأوّل من كتابه ؛ ولهذا ردّ مقولة ابن داود كثير من علماء الرجال كالبحراني ، والمامقاني ، وأبو عليّ الحائري .. وغيرهم(3). كما أنّ كتب ومصنّفات ابن إدريس المشحونة بروايات أهل البيت وأخبارهم : تكذّب هذه النسبة التي يدّعيها ابن داود وينفرد بها.
نعم ، كلّ ما في الأمر أنَّ ابن إدريس لا يعمل بالخبر الواحد المجرّد عن القرينة ، وهو مبنى اجتهادي التزم به جملة من العلماء السابقين والمعاصرين له كالشيخ المفيد والسيّد المرتضى ، وابن زهرة الحلبي(4).
ثالثاً : وقيل عنه أيضاً : «إنّه وجَّه الإهانة وإساءة الأدب للشيخ الطوسي»
__________________
(1) معجم رجال الحديث 15 / 63.
(2) رجال ابن داود : 269.
(3) انظر ، مقدّمة تحقيق كتاب السرائر في حياة المؤلّف 1 / 14 ـ 15.
(4) معجم رجال الحديث 15 / 64.

وهو ما ادّعاه العلاّمة المامقاني في كتابه الرجالي الكبير تنقيح المقال ، «مستحضراً جملة من العبارات والمقاطع من كتاب السرائر لابن إدريس شاهداً على صحّة ذلك ، وينقل الشيخ المامقاني كلاماً للعلاّمة المجلسي في بحار الأنوار ، يقوم على أنّ ابن إدريس قد أساء الأدب في حقّ شيخ الطائفة .. ثمّ يقول : «في مواضع من السرائر أعظم ممّا نقله صاحب البحار حتّى أنّه في كتاب الطهارة عند إرادة نقل قول بالنجاسة عن الشيخ يقول : «وخالي شيخ الأعاجم أبو جعفر الطوسي يفوح من فيه رائحة النجاسة» ، وهذا منه قد بلغ في إساءة الأدب النهاية ، وقد تداول على ألسنة المشايخ أنّ هذه الإساءة للأدب هي التي قصّرت عمره ...»(1).
إلاّ أنّ هذه الدعوى لا أساس لها من الصحّة ، فابن إدريس يذكر الشيخ الطوسي في كثير من الموارد من كتابه السرائر مشفوعة بأسمى آيات الاحترام والتقدير ، والعبارة التي ينسبها المامقاني لابن إدريس وكتابه السرائر لا وجود لها في كتابه ، حتّى أنّ أحد الباحثين في تراث ابن إدريس يقول : «لم أعثر على الجملة التي نقلها المامقاني في أىّ من النسخ المتوفّرة لكتاب السرائر الأعمّ من المطبوع أو المخطوط .. وبناءً عليه ، فمن الممكن أن يكون العلاّمة المامقاني .. قد سمع هذا النصّ من غيره ..»(2).
ومهما يكن من أمر ، فابن إدريس لم يسِىء الأدب مع الشيخ الطوسي ،
__________________
(1) تنقيح المقال 2 / 77.
(2) ابن إدريس : 451.

ولا مع غيره من الفقهاء الذين ناقش آراءهم الفقهية ، وإنّما كانت هناك نوع من الحدّة في المناقشات ، وهو غير الإساءة.
رابعاً : التعاطي الحادّ مع الفقهاء والمحدّثين :
وهو إشكال وارد على ابن إدريس ، فقد سدّد كلمات عنيفة للفقهاء عند مناقشة آرائهم الفقهية ، ولم يسلم أحد منهم من هذا العنف اللفظي من قبيل تعبير «ما يضحك الثكلى» ، وتعبيره «وما قاله .. أضعف من بيت العنكبوت» ، أو قوله بحقِّ ابن زهرة : «.. وهذا قلّة تحصيل منه لما يقوله ويودعه تصانيفه» وغيرها من العبارات الحادّة(1).
لقد كان ابن إدريس عالماً نقّاداً لآراء الآخرين ، وكان قاسياً عنيفاً في نقده ، وفيه حدّة طبع ، لا ندري هل كانت هذه الشدّة من بعض صفاته الأخلاقية الموروثة أو المكتسبة؟ أو أنَّ أُسلوب المواجهة كانت تقتضي منه هذا الأُسلوب من الخطاب؟
خامساً : اتّهام الفقهاء بالاتّباع والتقليد :
ولم يقتصر هذا الاتّهام على العصر الذي تلى عصر الشيخ الطوسي ، إذ توقّفت عجلة الاجتهاد عن الحركة ، وأُصيبت بالركود فأصبح ذلك العصر عصر التقليد ، وهذا ما صرّح به غير ابن إدريس أيضاً ، كما ينقل عن سديد الدين الحمصي وهو أحد معاصري تلك المرحلة قوله : «لم يبقَ للإمامية مُفت
__________________
(1) نفس المصدر : 452 ـ 453 ، وانظر السرائر 2 / 443.

على التحقيق ، بل كلّهم حاك»(1).
وإنّما نجد ابن إدريس يتّهم الشيخ الطوسي نفسه بالتقليد «وإنّه رضي ببعض أقوال أهل السنّة لا سيّما منهم الإمام الشافعي .. وإنّ القسم الأعظم من كتابي المبسوط والخلاف ليس سوى تلك الفروع الفقهية التي طرحها المخالفون في كتبهم ..»(2).
وكلام ابن إدريس بحقِّ الشيخ الطوسي ، وابن البرّاج ، .. ليس بصحيح على إطلاقه ، لأنّه يستلزم نفي ريادة وأصالة الفقه الشيعيّ وحركته التكاملية التي انتجت لنا كتاب المبسوط ، والخلاف ، وجواهر الفقه ، وغيرها. كما أنّ الاقتباس والأخذ ببعض وجوه الآراء التي تلتقي مع الفقه السنّي لا تسمّى تقليداً أو اتّباعاً.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ ابن إدريس «له فضله ومنزلته العالية بين علماء الطائفة ، وغلطه في مسألة من مسائل الفنّ لا يستلزم الطعن عليه»(3) ، فهو فقيه مجدّد ، استطاع أن يضيف شيئاً جديداً إلى الموروث الفقهي ، كما استطاع أن يؤسّس لمدرسة فقهية منهجية فيها حيوية النقد والتجديد.
«والانتقادات ـ التي وجِّهت إليه ـ لم تقلّل من أهمّية جهوده العلمية التي أحلّته مكانته في تأريخ الفكر الشيعيّ رئيساً للمذهب ، وشيخاً لعلماء عصره ،
__________________
(1) روضات الجنّات 7 / 161.
(2) ابن إدريس : 454.
(3) لؤلؤة البحرين : 279.

فسرعان ما عاد فقهاء الطائفة إلى الاعتماد على مرويّاته ، والتعبير عنه بما يليق ومكانته وزعامته العلمية والروحية التي تبوّأها في عصره»(1).
الفصل الثاني
الحوزة العلمية في الحلّة بعد وفاة ابن إدريس الحلّي
المبحث الأوّل : الأُسر والبيوتات العلمية في الحلّة ودورهم في ازدهار حوزتها العلمية :
توفّي الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي رحمه‌الله كما عن ولده (صالح) في يوم الجمعة وقت الظهر 18 شوّال (598 هـ)(2).
وبوفاته فقدت حوزة الحلّة العلمية علماً من علمائها ، وفقيهاً مجدّداً من فقهائها ، تاركاً وراءه ثروة علمية تمثّلت في موسوعة فقهية ، ومختصرات وتعليقات علمية.
وبوفاة ابن إدريس لم تنطفئ جذوة العلم في حوزة الحلّة العلمية ، ولم تصب حركة العلم والاجتهاد بالركود أو التوقّف ، وإنّما سارت سيراً حثيثاً متواصلاً متكاملاً.
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 77 ـ 78.
(2) تاريخ الحلّة 2 / 55.

لقد برز بعد ابن إدريس الحلّي رحمه‌الله علماء كبار ، ومجتهدون ومحقّقون جهابذة ، استطاعوا أن يرتقوا بالاجتهاد والاستدلال الفقهيّ إلى مراتب عالية تجاوز فيها الفقه الاجتهادي خطر الركود والغلق لباب الإجتهاد.
ونستطيع بحقّ أن نطلق على الدور الذي جاء بعد ابن إدريس في حوزة الحلّة العلمية بـ (دور الاستقلال للفقه الإمامي) أو مرحلة (النموّ والرشد) للفكر الاجتهادي.
ففي مدرسة الحلّة بعد الشيخ ابن إدريس الحلّي ، جاء دور الأُسر العلمية الحلّية التي أسهم علماؤها في مجال العلوم الإسلامية بقسط وافر ؛ وأعطوا لمركز الحلّة الأهمّية من خلال ما قاموا به من التدريس والتأليف والإضافات الجيّدة الجادّة في هذا المجال.
ومن أشهر هذه الأُسر في هذه الحقبة من الزمن ، الممتدّة من القرن السادس الهجريّ حتّى القرن التاسع الهجريّ ـ أي لأكثر من ثلاثة قرون ـ : أُسرة آل طاووس وأُسرة آل نما ، والهذليّون ، والأسديّون(1).
ولاتسع هذه الدراسة لاستيعاب جميع أعلام هذه الأُسر العلمية ونشاطهم الفقهي والاُصولي وإنّما سوف نشير إلى بعض آثارهم العلمية في ثنايا هذا البحث(2).
ومن أهمّ أعلام مدرسة الحلّة العلمية بعد ابن إدريس هو المحقّق
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 347 ـ 348.
(2) انظر كتابنا : تطوّر حركة الإجتهاد عند الشيعة الإمامية : 295 وما بعدها.

الحلّي رضي‌الله‌عنه (ت 676 هـ) والذي بظهوره في حوزة الحلّة العلمية يبدأ الدور الثاني من أدوار مدرسة الحلّة ، وتستمر باستمرار النشاط الفقهي لأعلام هذه المدرسة وحتّى نهاية القرن الثامن الهجري.
وكانت الحركة العلمية في عصره بلغت شأواً عظيماً ، حتّى صارت الحلّة من المراكز العلمية في البلاد الإسلامية(1).
فأكثر من ثلاثة قرون من النشاط العلمي الدائب هي تعبير صادق عن هذه الحوزة العلمية المهمّة(2).
أوّلاً : المحقّق الحلّي :
فمن هو المحقّق الحلّي؟ وما هو دوره العلمي في حوزة الحلّة؟
تنتسب هذه المرحلة من مراحل الحوزة العلمية في الحلّة ، وهي من مراحل تطوّر الاجتهاد والاستدلال الفقهي المهمّة ، إلى المحقّق الحلّي رضي‌الله‌عنه حيث شهد الاجتهاد الفقهي على يد هذا العَلَم تطوّراً كبيراً في مستواه ، كما سيأتي من خلال بيان خصائص هذه المرحلة.
يقول السيّد الشهيد الصدر في المعالم : «واستمرّت الحركة العلمية التي نشطت في عصر ابن إدريس تنمو وتتّسع وتزداد ثراءاً عبر الأجيال ، وبرز في تلك الأجيال نوابغ كبار صنّفوا في الأُصول والفقه وأبدعوا ، فمن هؤلاء
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 227 (الهامش).
(2) للتوسّع في معرفة هذه الأُسر والبيوتات ، ودورهم العلمي في مدرسة الحلّة ، انظر : تاريخ الحلّة 2 / 15 وما بعدها.

المحقّق الحلّي .. وهو تلميذ تلامذة ابن إدريس ومؤلّف الكتاب الفقهي الكبير شرائع الإسلام الذي أصبح بعد تأليفه محوراً للبحث والتعليق والتدريس في الحوزة ، بدلاً عن كتاب النهاية ...»(1).
والمحقّق الحلّي هو : نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى ابن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي المشتهر بـ (المحقّق) و (المحقّق الحلّي) (602 ـ 676 هـ).
وصفه تلميذه ابن داود في رجاله بقوله : «المحقّق المدقّق الإمام العلاّمة ، واحد عصره ، كان أَلْسَن أهلِ زَمَانه ، وأقومهم بالحجّة ، وأسرعهم استحضاراً»(2).
وقال فيه السيّد حسن الصدر في إجازته الكبيرة للشيخ الطهراني : «هو أوّل من نبع منه التحقيق في الفقه ، وعنه أخذ وعليه تخرّج ابن أُخته العلاّمة الحلّي رضي‌الله‌عنه وأمثاله من أرباب التحقيق والتنقيح ، وليس في الطائفة أجلُّ منه بعد الشيخ الطوسي ...»(3).
وقال السيّد الصدر عنه أيضاً : «وبرز من عالي مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد جهابذة ، وهذا لم يتّفق لأحد قبله»(4).
__________________
(1) المعالم الجديدة : 75.
(2) رجال ابن داود : 62 ، وعنه في لؤلؤة البحرين : 229.
(3) لؤلؤة البحرين : 228 (الهامش).
(4) شرائع الإسلام ، ج 1 ، التقديم : 7.

خلّف (المحقّق الحلّي) مؤلّفات كثيرة من أهمّها كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام والمعتبر في شرح المختصر ، وفي علم الأُصول كتاب معارج الأُصول.
وسوف نشير إلى منهجيته في مؤلّفاته من خلال الحديث عن خصائص هذه المرحلة.
يقول أحد الباحثين :
«وقد هذّب «المحقّق» آراء الشيخ الطوسي وبلورها ودوَّن أصولها ، واستفاد كثيراً من اعتراضات وانتقادات ابن إدريس ، وقابل تلك الانتقادات بالدفاع عن مدرسة الشيخ(1).
* أساتذة المحقّق الحلّي :
تتلمذ المحقّق الحلّي وروى عن مجموعة من المشايخ ، كان لهم الأثر الكبير في نشأته العلمية ، بالإضافة إلى أُسرته وبيته العريق في العلم والأدب ، يضاف إلى ذلك الأجواء العلمية الزاخرة بالعطاء العلمي ، والمليئة بجهابذة الفقهاء والعلماء والتي كانت تسود في الحلّة في القرن السابع الهجري ، ومن أشهر أساتذة المحقّق :
1 ـ الحسن بن يحيى الأكبر بن الحسن بن سعيد الحلّي ، وهو والد
__________________
(1) جامع المقاصد ـ المقدّمة 1 / 20.

المحقّق الحلّي ، قرأ عليه ولده ، ويروي عنه(1). وصفه صاحب الرياض بالفقيه الفاضل(2).
2 ـ أحمد بن يوسف بن أحمد الحسيني العريضي :
قال عنه في أمل الآمل : «كان فاضلاً فقيهاً صالحاً عابداً»(3) ، أخذ عنه الفقهاء : سديد الدين يوسف .. والد العلاّمة الحلّي ، والمحقّق أبو القاسم جعفر بن الحسن ، وأحمد بن طاووس(4).
3 ـ الحسن بن عليّ الدَربي ، الملقّب بتاج الدين ، قال عنه في أمل الآمل : عالم جليل القدر ، يروي عنه المحقّق(5).
4 ـ سالم بن محفوظ بن عزيزة بن وشاح السوراوي الحلّي ؛ الملقّب بسديد الدين ، وهو عالم فقيه فاضل ، له مصنّفات يرويها العلاّمة عن أبيه عنه(6) ، أخذ عنه المحقّق جعفر بن الحسن الحلّي ، علم الكلام وشيئاً من الفلسفة ، وقرأ عليه المنهاج(7).
5 ـ عليّ بن الحسن بن إبراهيم الحسيني العريضي الحلّي ، الملقّب
__________________
(1) طبقات الطهراني ، الأنوار الساطعة في المائة السابعة 3 / 45.
(2) الرياض 1 / 191.
(3) أمل الآمل 2 / 31.
(4) موسوعة طبقات الفقهاء 7 / 41.
(5) أمل الآمل 2 / 65.
(6) نفس المصدر 2 / 125.
(7) موسوعة طبقات الفقهاء 7 / 83.

بمجد الدين ؛ في رياض العلماء : «كان من سادة العلماء وقادة الفقهاء ، يروي عنه المحقّق»(1) ونصّ صاحب الطبقات على أنّ العريضي : «من مشايخ المحقّق الحلّي»(2).
6 ـ فخار بن معد بن أحمد بن محمّد الموسوي الحائري (ت 630 هـ).
وصفه الحرّ العاملي بقوله : «كان عالماً فاضلاً أديباً محدّثاً» وله كتب كثيرة ، يروي عنه المحقّق(3) ، ويروي هو عن ابن إدريس الحلّي(4).
7 ـ محمّد بن جعفر بن محمّد بن أبي البقاء هبة الله ابن نما الربعي (ت 645 هـ).
«عالم محقّق فقيه جليل ، من مشايخ المحقّق»(5).
ويعتبر ابن نما شيخ الإمامية في عصره ، وصف بأنّه : شيخ الطائفة ورئيسها غير مدافع ، أخذ عنه جماعة من الفقهاء والعلماء ، وقام في سنة ستّ وثلاثين وستمائة بتعمير بيوت الدرس في الحلّة ، وأسكنها جماعة من الفقهاء(6).
__________________
(1) رياض العلماء 4 / 151.
(2) طبقات الطهراني 3 / 103.
(3) أمل الآمل 2 / 214.
(4) لؤلؤة البحرين : 281.
(5) أمل الآمل 2 / 253.
(6) موسوعة طبقات الفقهاء 7 / 214.

8 ـ محمّد بن عبد الله بن عليّ بن زهرة الحسيني الإسحاقي.
قال عنه الحرّ العاملي : «فاضل عالم جليل ، يروي عنه المحقّق»(1).
9 ـ يوسف بن أحمد العريضي.
فقيه إماميّ زاهد ، يروي عنه المحقّق الحلّي(2).
فمن أُولئك الأفذاذ من الفقهاء والعلماء اكتسب المحقّق الحلّي علومه ومعارفه الفقهية والأُصولية والأدبية.
* تلامذة المحقّق الحلّي والراوون عنه :
يعتبر المحقّق الحلّي رائد مرحلة مهمّة من مراحل تطوّر المدرسة الفقهية الشيعية الإثني عشرية ، وصاحب مدرسة ومنهج متميّز في مجال البحث الفقهي والأُصولي ، ولهذا انجذب طلاّب العلم والمعرفة لحلقة درسه ، حتّى قيل إنّه : «برز من مجلس تدريسه أكثر من أربعمائة مجتهد جهابذة ، وهذا لم يتّفق لأحد قبله»(3).
بل إنَّ تأسيس الحوزة الحلّية ، وانتقال المركز العلمي من النجف إليها ، يعزوه بعضهم إلى عصر المحقّق الحلّي ، وليس إلى عصر ابن إدريس الحلّي. يقول السيّد محمّد صادق بحر العلوم : «إنّه في عهد المحقّق الحلّي انتقل
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 280.
(2) نفس المصدر 2 / 350.
(3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 306.

المركز العلمي من النجف الأشرف إلى الحلّة السيفية»(1).
ومهما يكن من أمر ، فإنّ حوزة الشيخ المحقّق الحلّي قد ضمّت عدداً من الفقهاء والأُصوليّين .. يقول ابن داود في ترجمته : «وله تلاميذ فقهاء فضلاء ..»(2).
ومن أبرز تلامذة المحقّق الحلّي :
1 ـ العلاّمة الحلّي ، سديد الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الشهير بالعلاّمة الحلّي ، وهو ابن أُخت المحقّق الحلّي ، وتتلمذ على خاله .. وسوف يأتينا لاحقاً ترجمة له ، ولآثاره العلمية.
2 ـ الفاضل الآبي ، الحسن بن ربيب أبي طالب اليوسفي الآبي الحلّي ، وهو صاحب كشف الرموز ، وهو شرح لكتاب أُستاذه المحقّق المختصر النافع(3).
3 ـ الحسن بن عليّ بن داود الحلّي ، تقيّ الدين (ت 711 هـ) وهو صاحب كتاب الرجال المعروف باسمه ، وقد ترجم لنفسه في كتابه ترجمة وافية ، وترجم لأُستاذه المحقّق ترجمة وافية أثنى فيها عليه ، وقال : «.. قرأتُ عليه وربّاني صغيراً ، وكان له عليَّ إحسان عظيم والتفات ، وأجازني جميع ما
__________________
(1) دليل القضاء الشرعي 3 / 185.
(2) رجال ابن داود 1 / 63.
(3) أعيان الشيعة 2 / 172.

صنّفه وقرأه ورواه وكلّ ما تصحّ روايته عنه ..»(1).
4 ـ طومان أو (ظمان) بن أحمد العاملي المناري (ت 728 هـ).
ذكره الحرّ العاملي في كتابه ووصفه بقوله : كان فاضلاً عالماً محقّقاً .. وتتلمذ على المحقّق الحلّي(2). ويعتبر المترجم له من أبرز أساتذة علماء جبل عامل ، وتتلمذ عليه جمع من علمائها منهم : جمال الدين مكّي العاملي والد الشهيد الأوّل(3).
5 ـ عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت 693 هـ) الملقّب بغياث الدين ، وهو صاحب كتاب فرحة الغريّ في تعيين قبر الإمام عليّ عليه‌السلام وهو مؤلّف مشهور ، لمُؤلِّف مشهور ، إذ أنّ أُسرة آل طاووس من الأُسر العلمية ، ولهم مكانتهم الاجتماعية ، وهم من أشراف السادات الذين تقلّدوا نقابة العلويّين وتوارثوها ، «وإذا تتبّعنا أعلام أُسرة آل طاووس في النجف والحلّة نجد فيها الفقيه والنقيب وأمير الحاج ، ولهم مساهمات علمية وفكرية في مدرستي النجف والحلّة ، وامتداداتها إلى كربلاء وبغداد»(4).
6 ـ عليّ بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي (رضي الدين) وكان عالماً فاضلاً ، وهو أخ للعلاّمة الحلّي ، يروي عن والده وعن المحقّق
__________________
(1) رجال ابن داود : 75 ، 62.
(2) أمل الآمل 1 / 103.
(3) نفس المصدر 1 / 103.
(4) النجف الأشرف والحلّة : 23.

الحلّي(1).
7 ـ محفوظ بن وشاح الأسدي الحلّي .. روى عن السيّد فخار بن معد الموسوي ، وتتلمذ على المحقّق الحلّي ..(2).
8 ـ عليّ بن محمّد بن أحمد بن عليّ ، الملقّب بشرف الدين ، المعروف هو وأبوه بـ (ابن العلقمي) وصف في أمل الآمل بالعالم الجليل القدر ، والشاعر الأديب ، ومن تلامذة المحقّق(3). تقلّد ابن العلقمي (الأب) الوزارة في أواخر الدولة العباسية كذلك تقلّده الابن بعده(4).
9 ـ محمّد بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي ، (صفيّ الدين أبوه يحيى بن سعيد (ت 690 هـ)) صاحب كتاب الجامع للشرائع ، ابن عمّ المحقّق الحلّي ، وولده محمّد : فاضل جليل من تلامذة المحقّق(5).
10 ـ محمّد بن أحمد (جلال الدين) كان عالماً فاضلاً وهو من تلامذة المحقّق الحلّي ، وهو شيخ الشهيد الأوّل(6).
تلك عشرة كاملة من أبرز تلامذة المحقّق الحلّي ، وهنالك الكثير ممّن
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 211.
(2) أعيان الشيعة 15 / 391 ، وروضات الجنّات 2 / 184 ـ 185.
(3) أمل الآمل 2 / 201.
(4) الأعلام للزركلي 5 / 221.
(5) أمل الآمل 2 / 213.
(6) للتوسّع ، انظر : مدرسة الحلّة : 108 وما بعدها.

تتلمذ عليه أو ممّن استجازه فأجازه ممّا لا يسعنا استيعابهم في هذا المختصر(1).
* وفاة المحقّق الحلّي ومدفنه :
توفّي المحقّق الحلّي في مدينة الحلّة ودفن فيها سنة (676 هـ) ، كما هو الصحيح المحقّق عند علماء التراجم والرجال(2) ، ومرقده معروف مشهور في مدينة الحلّة : «وهو مزار معروف وعليه قبّة وله خدّام يتوارثون أباً عن جدّ»(3).
* آثاره العلمية :
لقد خلّف المحقّق الحلّي تراثاً فقهيّاً وأُصوليّاً وكلاميّاً ، اتّسم بالدقّة والتحقيق ، وإنّها (محرّرة عذبة) كما يصفها تلميذه ابن داود الذي أورد له تسعة كتب ثمّ قال : «وله كتب غير ذلك ليس هنا موضع استيفائها ، فأمرها ظاهر»(4).
ومن أهمّ كتبه الفقهية كتابه الذي اشتهر به شرائع الإسلام وكتابه
__________________
(1) انظر المصدر نفسه 2 / 298.
(2) رجال ابن داود : 63 ، أمل الآمل 2 / 49 ، لؤلؤة البحرين : 229.
(3) تاريخ الحلّة 2 / 22.
(4) رجال ابن داود : 62.

الأُصولي معارج الأُصول بالإضافة إلى كتابه الفقهي الموسوم بـ المختصر النافع وشرحه المعروف بـ المعتبر في شرح المختصر.
وقد اتّسمت مؤلّفاته بمنهجية جديدة في تقسيم أبواب الفقه ، كما أنّه نقل الفقه إلى دائرة أوسع ممّا كان عليه ، وتوسّع وتعمّق في مناهج الاستنباط والاستدلال .. وهذا ما سوف يأتينا الحديث عنه لاحقاً في الفصل الثالث إن شاء الله.
ثانياً : العلاّمة الحلّي ودوره في حوزة الحلّة العلمية :
يعتبر العلاّمة الحلّي من أبرز تلامذة المحقّق الحلّي وابن أُخته ، ولو لم يتخرّج من محضر درس المحقّق الحلّي إلاّ العلاّمة لكفى به فخراً ، فهو أُمّة في رجل ، ويحار الباحث كيف يدخل إلى رحاب شخصيّته ، المتعدّدة في جوانبها ، الغزيرة في مواهبها «إنّه بحر العلوم الذي لا يوجد له ساحل ، وكعبة الفضائل التي تطوى إليها المراحل»(1). ولهذا سوف نكتفي بذكر بعض الملامح من شخصيته ، تاركين التفاصيل إلى كتب التراجم ، وهي مليئة بالمعلومات الوافية عنه.
فمن هو العلاّمة الحلّي؟ وما هو دوره في حوزة الحلّة العلمية؟
العلاّمة الحلّي هو : «جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن عليّ بن محمّد بن المطهّر الأسدي الحلّي المعرف بـ (العلاّمة الحلّي) (ت
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 226.

726 هـ)».
ترجم له ابن داود في الرجال قائلاً : «شيخ الطائفة ، وعلاّمة وقته ، وصاحب التحقيق والتدقيق ، كثير التصانيف ، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول والمنقول»(1).
وترجم له من العامّة الحافظ ابن حجر في لسان الميزان قائلاً : «عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم ، وكان آية في الذكاء ، شرح مختصر ابن الحاجب شرحاً جيّداً .. واشتهرت تصانيفه في حياته ...»(2).
ومن أهمّ آثاره الفقهية والأُصولية :
لا يمكن في هذا المختصر استيعاب مؤلّفات العلاّمة جميعها لأنّها بدرجة لا تصدّق من الكثرة. يقول السيّد الصدر ، في معرض حديثه عن المصنّفين من علماء الشيعة ، قائلاً : «ومنهم آية الله العلاّمة الحلّي ... صنّف في كلّ فنون العلوم ، المعقول والمنقول ما يزيد على خمسمائة جلد»(3).
وذكر له صاحب ريحانة الأدب مائة وعشرين كتاباً(4).
«ولقد قيل : إنّه وُزّع تصنيفه على أيّام عمره من يوم ولادته إلى موته ، فكان قسط كُلّ يوم كرّاساً ، مع ما كان عليه من الاشتغال بالإفادة ، والاستفادة
__________________
(1) رجال ابن داود : 78.
(2) لسان الميزان 2 / 317.
(3) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 270 ـ 271.
(4) ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب (بالفارسية) 3 / 109 ـ 113.

والتدريس والأسفار .. وهذا من العجب العجاب ..»(1).
سبق العلاّمة الحلّي رضي‌الله‌عنه أقرانه في فقه الشريعة ، وألّف فيه المؤلّفات المتنوّعة من المطوّلات والمتوسّطات والمختصرات ، كما فاق في علم الأُصول ، وألّف فيه كذلك على المستويات الثلاثة ، فكانت كتبه الفقهية والأُصولية محطّ أنظار العلماء في عصره إلى اليوم ، تدريساً وشرحاً وتعليقاً. وقد ترجم لنفسه في كتابه الخلاصة وذكر قائمة مطوّلة من كتبه الفقهية والأُصولية والكلامية والنحوية والمنطقية والحديثية ... وأضاف عليها الحرّ العاملي ما لم يذكره بعد تأليفه لخلاصة الأقوال(2).
فمن مؤلّفاته الفقهية المطوّلة :
1 ـ مختلف الشيعة.
2 ـ تذكرة الفقهاء.
3 ـ منتهى المطلب.
ومن المتوسّطات :
1 ـ قواعد الأحكام.
2 ـ التجريد.
ومن المختصرات :
1 ـ إرشاد الأذهان.
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 227.
(2) انظر : أمل الآمل 2 / 81 ـ 85 ، وخلاصة الأقوال في علم الرجال : 109 ـ 113.

2 ـ إيضاح الأحكام.
3 ـ تبصرة المتعلّمين.
ومن مؤلّفاته في علم الأُصول :
من المطوّلات :
1 ـ نهاية الوصول إلى علم الأُصول.
ومن المتوسّطات :
1 ـ تهذيب طريق الوصول إلى علم الأُصول.
ومن المختصرات :
1 ـ مبادي الوصول إلى علم الأُصول(1).
هذا وقد ألّف العلاّمة رحمه‌الله في جميع أنواع فنون العلوم من الحكمة العقلية ، إلى الفلسفة وعلم الكلام ، والمنطق والجدل ، وألّف في الردِّ على الخصوم والاحتجاج عليهم.
مشايخ وأساتذة العلاّمة الحلّي :
لقد كان العلاّمة الحلّي دؤوباً في طلب العلم من مظانّه ، وكان منفتحاً على علماء الإسلام جميعاً ، ولم يقتصر على علماء الإمامية فقط ، وإنّما نجد في سلسلة مشايخه وفي بعض إجازاته عدداً من علماء المذاهب الإسلامية من
__________________
(1) انظر : لؤلؤة البحرين ـ مع تعليقة السيّد بحر العلوم على ترجمة العلاّمة : 210 ـ 211.

غير الشيعة.
وقائمة أسماء شيوخ العلاّمة وأساتذته طويلة لا يمكن استيعابها في هذا المختصر ، ويأتي على رأس هذه القائمة والده المعظّم «سديد الدين يوسف بن عليّ بن محمّد ، الذي كان عالماً فاضلاً فقيهاً متبحّراً ، وهو أُستاذ العلاّمة الأقدم .. والشخص الثاني الذي قرأ عليه هو المحقّق الحلّي ، وذكر الحرّ العاملي : أنّه قرأ على المحقّق الحلّي أكثر من غيره من الأساتذة الكبار الأماجد(1). كذلك من أساتذته نصير الدين الطوسي ، الذي قرأ عليه العلوم العقلية وإلهيّات الشفا لابن سينا .. وغير أُولئك الكثير من علماء ومشايخ عصره».
* وأمّا تلامذته والراوون عنه فهم أيضاً من الكثرة بمكان ، وتجد فيهم من أتباع المذاهب الأُخرى أيضاً. وعلى رأس تلامذته ولده فخر المحقّقين الذي ورث والده في العلم والعمل ، وترأّس المدرسة الحلّية بعد وفاة والده(2).
وبالجملة : فالعلاّمة الحلّي رحمه‌الله آية من آيات الله العلمية ، وشخصية فذّة ، يعجز الكاتب عن إحصاء فضائله(3). توفّي رحمة الله عليه في الحادي عشر من المحرّم سنة (726 هـ) ونقل إلى النجف وقبره معروف في حرم أمير
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 81.
(2) للتوسّع انظر : مدرسة الحلّة : 226 ـ 279.
(3) للتوسّع انظر : أعيان الشيعة 5 / 398 ، (مصدر سابق).

المؤمنين عليه‌السلام.
ثالثاً : فخر المحقّقين ودوره في حوزة الحلّة :
من هو فخر المحقّقين؟ وما هو دوره في مدرسة الحلّة العلمية؟ إنّه : ابن الحسن بن يوسف الأسدي الحلّي المعروف بفخر المحقّقين (ت 771 هـ) وَلَدِ العلاّمة الحلّي ، تصدَّر بعد والده للتدريس ، وتصدّى للتأليف ، وترأّس مدرسة الحلّة بعد وفاة والده.
ويكفيه ثناءً أن لُقِّب ـ وبجدارة واستحقاق بـ (فخر المحقّقين).
ولد سنة (682 هـ) وكان من أبرز تلامذة والده وبلغ درجة الإجتهاد وهو في العاشرة من عمره(1) ، أثنى عليه والده في مقدّمة الكثير من كتبه العلمية وطلب منه إكمالها واصلاحها وتحقيقها(2) ونظرة واحدة تلقى على كتابه إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد الذي ألّفه بأمر والده العلاّمة ، تبيّن لنا عمق درجته العلمية ، ويعتبر كتاب إيضاح القواعد والرسالة الفخرية من أهمّ المراجع في الفقه الاستدلالي.
وقد عبّر الشيخ البهائي عن كتاب الإيضاح بأنّه «لا يوجد له نظير في الكتب الفقهية الاستدلالية»(3).
__________________
(1) روضات الجنّات 4 / 222 ، وانظر مقدّمة كتب العلاّمة : تذكرة الفقهاء ، والإرشاد ، والألفين ، والقواعد.
(2) تاريخ فقه وفقهاء ـ بالفارسية ـ : 225.
(3) المرجع نفسه : 225.

«حضر الشهيد الأوّل درسه العالي ، وسجّل انطباعه عنه في بعض إجازاته بقوله : الشيخ الإمام ، سلطان العلماء ، ومنتهى الفضلاء والنبلاء ، خاتمة المجتهدين ، فخر الملّة والدين»(1).
ومن أهمّ آثاره الفقهية :
1 ـ إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد (قواعد الأحكام لوالده).
2 ـ حاشية الإرشاد إرشاد الأذهان لوالده.
3 ـ الرسالة الفخرية في معرفة النية.
ومن أهمّ آثاره الأُصولية :
1 ـ شرح مبادئ الأُصول مبادئ الأُصول لوالده.
2 ـ غاية السَؤُول في شرح تهذيب الأُصول تهذيب الأُصول لوالده.
وفاته ومدفنه :
توفّي فخر المحقّقين في ليلة 25 جمادى الثانية عام (771 هـ) ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ولعلّه دفن قريباً من والده في أيوان الصحن الشريف الذهبي بجنب المنارة الشمالية(2).
رابعاً : المقداد السيوري ودوره في حوزة الحلّة :
هو : جمال الدين أبو عبد الله المقداد بن عبد الله بن محمّد بن الحسين
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 376.
(2) لؤلؤة البحرين : 191 (الهامش) وطبقات الطهراني : الحقائق الراهنة في المائة الثامنة : 185 ، ورياض العلماء 5 / 77 ، ومدرسة الحلّة : 279.

ابن محمّد الأسدي السيوري الحلّي المعروف بـ (الفاضل المقداد) (ت 826 هـ).
«كان رحمه‌الله علماً من الأعلام ووجهاً من وجوه أصحابنا ، يرد إليه طلاّب العلم ، وروّاد الفضل ، فهو شيخ من المشايخ العظام ، واسطوانة في الفقه والكلام ، وقد تخرّج عليه جمع من الفقهاء وسمع منه كثير من مشايخ الإجازة»(1).
ومن أهمّ آثاره الفقهية :
1 ـ التنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع.
ومختصر الشرائع هو المختصر النافع للمحقّق الحلّي ، نعته الخوانساري في روضات الجنّات بأنّه : «أمتن كتاب في الفقه الاستدلالي ، وأوزن خطاب ينتفع به الداني والعالي»(2).
2 ـ جامع الفوائد في تلخيص القواعد.
وهو اختصار لكتاب القواعد والفوائد لأستاذه الشهيد الأوّل.
3 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية.
4 ـ كنز العرفان في فقه القرآن.
ولم نعثر له ـ بما بين أيدينا من فهارس كتبه ـ على مؤلّفات في علم الأُصول.
__________________
(1) مقدّمة كنز العرفان 1 / 8 ـ 12.
(2) المصدر نفسه.

ومن أهمّ آثاره العلمية كتاباه التنقيح والكنز وهما من أُمّهات مراجع الفقه الإمامي ، ولكنّه اشتهر بـ الكنز.
وفاق الكنز في شهرته نظائره من كتب آيات الأحكام ، ويرجع هذا إلى ما امتاز به من سلامة في المنهج ، وحسن تبويب ، فقد رتّبه ترتيب أبواب الفقه ، درس في كلّ باب الآيات التي تخصّه ، دراسة فقهية استدلالية ، يعرض آراء المذاهب السنّية ، ويقارن ويوازن بينها وبين رأي المذهب الإمامي ، ثمّ يردّها ردّاً علميّاً بما يثبت صحّة ما يرتأيه في المسألة على هدي أصول المذهب»(1).
خامساً : ابن فهد الحلّي ، ودوره في حوزة الحلّة :
من هو ابن فهد الحلّي؟ إنّه : جمال السالكين أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن فهد الأسدي الحلّي المعروف بـ (ابن فهد الحلّي) (ت 841 هـ).
وصف بأنّه : «جمع بين المعقول والمنقول ، والفروع والأُصول ... والعلم والعمل ، بأحسن ما كان يجمع ويكمل»(2).
وهو من أبرز تلامذة الفاضل المقداد.
ومن آثاره الفقهية :
1 ـ المهذّب البارع إلى شرح النافع.
وهو شرح لكتاب المختصر النافع للمحقّق الحلّي ، ويعدّ من مراجع
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 379.
(2) روضات الجنّات 1 / 71 ـ 75.

الفقه الإمامي الاستدلالي ، نقل عنه الكثيرون ممّن جاؤوا بعد مؤلّفه.
2 ـ شرح الإرشاد (إرشاد الأذهان للعلاّمة الحلّي).
وأيضاً هو من المراجع في الفقه الإمامي الاستدلالي(1).
3 ـ الموجز الحاوي.
وهو من المتون الفقهية المراجع.
بالإضافة إلى الكتب الفقهية الأُخرى ، وهي ما بين شرح لمتن فقهيٍّ أو تأليف مستقلّ ، وابن فهد رضي‌الله‌عنه هو صاحب الكتاب القيّم عدّة الداعي ونجاح الساعي وهو من أشهر كتب الدعاء عند الشيعة.
سادساً : يحيى بن سعيد :
أبو زكريّا يحيى بن أحمد بن سعيد الهذلي (ابن عمّ المحقّق الحلّي) (ت 689 أو 690 هـ).
ترجمه ابن داود في الرجال فقال : «شيخنا الإمام العلاّمة الورع القدوة ، كان جامعاً لفنون العلوم الأدبية والفقهية والأُصولية ..»(2).
أ ـ من أهمّ آثاره الفقهية :
1 ـ الجامع للشرائع.
2 ـ نزهة الناظر في الأشباه والنظائر.
ب ـ ومن آثاره العلمية في علم الأُصول :
1 ـ المدخل في أُصول الفقه.
__________________
(1) تاريخ التشريع : 379.
(2) رجال ابن داود : 202.

الفصل الثالث
التراث الفقهي والأُصولي لعلماء حوزة الحلّة العلمية
يعتبر دور علماء مدرسة الحلّة من الأدوار المهمّة في دنيا الاجتهاد وحركته التكاملية ، حيث نستطيع أن نلمس التطوّر الكبير في عدّة جوانب من هذه المدرسة سواء في شكل الإنتاج الفقهي ومضمونه ، أو في مستواه الكمّي والكيفي.
بل نلمس هذا التطوّر في الأسس والمباني الفقهية ، فضلاً عن المجالات والميادين المتنوّعة التي أخذ الفقه الشيعي باختراقها والدخول إليها من قبيل فقه الدولة الإسلامية ، والخراج والأرض ، وغيرها.
كما أنَّ الملاحظ في هذه المرحلة استقلال الفقه الشيعي عن محاكاة الفقه غير الشيعي الذي لاحظناه عند بعض علماء مدرسة بغداد.
المبحث الأوّل : خصائص التراث الفقهي والأُصولي لمدرسة الحلّة :
وفيما يلي تفصيل أهمِّ الخصائص التي ميّزت التراث الفقهي والأُصولي لمدرسة الحلّة :

أوّلاً : في مجال أُصول الفقه :
ممّا قام به الشيخ المحقّق الحلّي من دور في سبيل تطوير مسيرة الفقه الإمامي تأليفه لكتابين في أُصول الفقه وهما المعارج والنهج ؛ وذلك ليواصل تنمية الفكر الأُصولي ، وتجلية وتنقيح القواعد الأُصولية(1).
وهذا الاهتمام الجادُّ بعلم الأُصول أدّى إلى تنقيح مباحثه وإعادة النظر في تنظيمها ، والاستقلال في طرح المسائل الأُصولية ، بنحو مبتكر متميّز ؛ ليبتعد بذلك عن طريقة المحاكاة للمباحث الأُصولية عند العامّة.
وانعكس هذا الاهتمام على ميدان البحث والدرس الأُصولي ، إذ نجد العلاّمة الحلّي وهو من تلامذة المحقّق ألّف أكثر من مؤلَّف أُصولي وفي مستويات علمية مختلفة(2).
«وأثمر هذا الاهتمام بعلم اُصول الفقه نموّاً كمّياً ونوعيّاً في بحوث ومسائل هذا العلم ، حتّى تجلّي في توظيف علم الأُصول في مباحث الفقه الاستدلالي بشكل واضح ، كما أثمر تطوير بحوث الفقه المعاملي بشكل عام على أساس القواعد العلمية التي شيّدت في علم الأُصول»(3).
كذلك استطاع المحقّق ومن بعده العلاّمة من تطوير وبلورة المفاهيم والمصطلحات الأُصولية ، وإضافة أو توضيح بعض القواعد الأُصولية.
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 356.
(2) للاطلاع انظر : المصدر نفسه : 365.
(3) تطوّر حركة الاجتهاد : 300.

«فمقارنة ما دوّنه المحقّق في معارج الأُصول وتلميذه العلاّمة الحلّي في نهاية الوصول إلى علم الأُصول مع ما دوّنه المرتضى والطوسي في الذريعة والعدّة تكفي لإبراز هذا المَعْلَم من معالم هذه المرحلة»(1).
وقد كانت كتب العلاّمة الأُصولية كلّها محور البحث والدرس والتعليق والشرح ، وقامت بدور كبير في نشر الفكر الأُصولي وتركيز قواعده والتربية على الاعتماد عليها في مجال الاستنباط والاستدلال(2).
ثانياً : علم الحديث/ دراية الحديث.
كان المذهب السائد في الدور الأوّل والثاني من أدوار تطوّر الاجتهاد هو القول : بعدم جواز العمل بخبر الواحد المظنون صدوره عن المعصوم ، وقد التزم بهذا المبنى الشيخ ابن إدريس «وقد سبقه إلى هذا كلّ من : ابن قبة ، والشريف المرتضى ، وابن البرّاج ، وأبي المكارم بن زهرة ، وأبي عليّ الطبرسي(3) وربّما نسب إلى المفيد ذلك ... بل وربّما نسب إلى الشيخ ... وكذا المحقّق ، بل إلى ابن بابويه»(4) إلاّ أنّه برز من العلماء من يقول بحجّية خبر الواحد الجامع لشرائط الحجّية ، وقد تنامى هذا الاتّجاه من حيث اتّساع
__________________
(1) المصدر نفسه.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي : 375.
(3) تاريخ التشريع الإسلامي : 347 ولاحظ معارج الأُصول فصل خبر الواحد. والذريعة ومقدّمة التبيان. إلاّ أنّ نسبة ذلك إلى الشيخ الطوسي لا يخلو من تأمّل فمن تصانيفه (رسالة في العمل بخبر الواحد وبيان حجّيته).
(4) انظر : فرائد الأُصول للأنصاري 1 / 109.

دائرة القائلين به ، ومن حيث تنقيح وتنظيم البحوث المرتبطة بهذا الأصل المهمِّ جدّاً في عملية الاستنباط(1).
كذلك في هذه المرحلة التاريخية ـ أواسط القرن السابع الهجري ـ التي انتهى إليها الفكر الفقهي الإمامي حيث اختفت القرائن التي كان الفقهاء يقيّمون الحديث من خلالها ، من حيث القطع بصدوره ، وعدمه ، على هدى من معرفتهم لها.
هذه الأُمور وغيرها دعت إلى وضع منهج خاصّ لتقييم الأحاديث من حيث الإسناد ، فظهر عندنا ظاهرة (تربيع الحديث) أي التصنيف الرباعي للحديث ، حيث قسّم الحديث إلى أربعة أقسام :
1 ـ الصحيح. 2 ـ الحسن. 3 ـ الموثّق. 4 ـ الضعيف.
وقد اختلف مؤرّخو ذلك بين إسناد هذا التقسيم الرباعي للأخبار للسيّد : جمال الدين أبي الفضائل أحمد بن طاووس (ت 673 هـ) أو إلى تلميذه العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). غير أنّ الرأي المشهور إسناده للسيّد أحمد بن طاووس(2).
يقول السيّد الخوانساري في روضات الجنّات وهو يترجم للسيّد جمال الدين بن طاووس :
«... واخترع تنويع الأخبار إلى أقسامها الأربعة المشهورة ، بعدما كان
__________________
(1) مراحل تطور الاجتهاد ، مجلّة فقه أهل البيت 14 / 152.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي : 353.

المدار عندهم في الصحّة والضعف على القرائن الخارجية والداخلية لا غير ، ثمّ اقتفى أثره في ذلك تلميذه العلاّمة ، وسائر من تأخّر عنه من المجتهدين إلى أن زيد عليها في زمن المَجلسيَّين أقسام أُخر»(1).
ومهما يكن من أمر هذا التقسيم ، فإنّه من ابتكارات مدرسة الحلّة وحوزتها العلمية في هذه المرحلة من مراحل تطوّر الاجتهاد ، «وتعتبر هذه الظاهرة تطويراً ملموساً في ميدان أدوات وأُصول الاستنباط ، إذ تعبّر عن تنقيح الحديث وتنعكس على النتاج الفقهي بشكل مباشر ، كما انعكست على كتب الحديث من حيث تصنيف أحاديثها على أساس القيمة الفقهية لكلّ حديث من حيث درجة اعتباره ومدى إمكان الاعتماد عليه في مجال الاستنباط»(2).
ثالثاً : تدوين الحديث وعلم الرجال :
يعتبر علم الرجال ـ إلى جانب علم الدراية ـ من أهمِّ الأدوات العلمية للفقيه خلال ممارسة عملية الاستنباط والاستدلال الفقهي.
ومن أجلّ تمييز الأحاديث التي يستند إليها في الاستدلال الفقهي متناً وسنداً برزت الحاجة لهذين العِلْمين «الدراية والرجال».
__________________
(1) انظر : روضات الجنّات 1 / 66 ، التحرير الطاووسي : 9 ، قواعد الحديث : 15 ـ 16.
(2) انظر : مجلّة فقه أهل البيت ، مقال : مراحل تطوّر الاجتهاد : العدد 14 ، ص 152 ـ 153.

وقد مرّ بنا اهتمام الشيخ الطوسي بعلم الرجال وتأليفه لكتابه الرجالي المعروف رجال الطوسي ولكن كانت محاولة الشيخ رحمه‌الله محاولة تأسيسية في هذا الميدان الذي لم يسبقه أحد فيه. وجاء دور العلاّمة الحلّي رحمه‌الله لينهض بهذا الأمر وضمن عقلية منهجية منظّمة ، ومن أجل أن يحقّق هدف سلفه ، وهو وضع الهيكل العلمي المتكامل لتطوير الفكر الفقهي الإمامي ، وإعداد الوسائل الوافية للنهوض بعملية الاستنباط ، من خلال إعداد العدّة المتكاملة للمادّة الفقهية أقوالاً وأدلّة ، وطريقة استدلال.
وممّا ألّفه العلاّمة في علمي (الحديث والرجال) يدخل في هذا المجال التطويري لعملية الاجتهاد.
فبعد أن أَلَّفَ في علم الحديث مجموعة من المؤلّفات القيّمة والتي منها :
1 ـ كتاب استقصاء الاعتبار في تحقيق معاني الأخبار(1).
2 ـ كتاب مصابيح الأنوار في جمع جميع الأخبار.
3 ـ كتاب الدرّ والمرجان في الأحاديث الصحاح والحسان.
4 ـ كتاب النهج الوضاح في الأحاديث الصحاح.
بعدها عكف على تأليف الكتب الرجالية حيث لاحظ «وجود حاجة ماسّة لاستقراء رجال الحديث وفرز الثقات من غيرهم ، تسهيلاً لعملية
__________________
(1) طبع هذا الكتاب بتحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث.

الاستنباط ، كما لاحظ وجود أسماء مشتركة ، يبقى اشتراكها عقبة في طريق الاستنباط ، ومن هنا بدأت المحاولة الجادّة لتمييز الأسماء المشتركة التي تقع في طريق الأخبار ...»(1).
وقد تجلّى هذا الاهتمام في آثاره الرجالية من خلال :
1 ـ خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال.
«رتّبه على قسمين : الأوّل فيمن يعتمد عليه ، والثاني فيمن يتوقّف فيه»(2).
2 ـ كشف المقال في معرفة أحوال الرجال.
«وهو الرجال الكبير ، الذي يحيل إليه كثيراً في خلاصته ...».
3 ـ إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة.
«في ضبط تراجم الرجال على ترتيب حروف أوائل الأسماء ببيان الحروف المركّبة منها أسماؤهم وأسماء آبائهم ، وبلادهم. وذكر حركات تلك الحروف»(3).
هذه أهمُّ الخصائص التي ميّزت تراث مدرسة الحلّة في مجال أُسُس الفقه الاجتهادي وأدواته. وكان لبعض فقهاء هذه المرحلة اهتمامات أُخرى بالعلوم والمعارف التي لها بعض المدخلية في بعض الأبواب الفقهية مثل :
__________________
(1) مجلّة فقه أهل البيت ، مقال : مراحل تطوّر الاجتهاد : العدد 14 ، ص 153.
(2) الذريعة 7 / 214.
(3) نفس المصدر.

الرياضيّات ، وعلم الهيئة والفلك ، وعلم المنطق ، والفلسفة ، والكلام ، والنحو ، وغيرها من العلوم التي تخدم المادّة الفقهية. وهذا ما نجده واضحاً في الآثار العلمية للخواجة نصير الدين الطوسي ، والعلاّمة الحلّي ، وآل طاووس.
المبحث الثاني : الفقه والنشاط الفقهي الاجتهادي لحوزة الحلّة العلمية :
لقد شهد الفقه والنشاط الفقهي في هذا الدور تطوّراً ملحوظاً ، فاق التطوّر الذي حصل في المراحل السابقة من حيث الكمّ أو من حيث الكيف ، وهذا ما سوف نلاحظه في التراث الفقهي لمدرسة الحلّة العلمية إذ نلاحظ :
أوّلاً : الاستقلال وعدم المحاكاة :
لقد لاحظنا في المرحلة السابقة حالة المحاكاة التي ابتلي بها الفقه الشيعيّ من خلال مسايرته للفقه السنّي ، وهذه مسألة طبيعية في سياق البدايات ؛ حيث إنَّ بداية انطلاق الفقهاء نحو التوسّع في الفقه الاستدلالي والتفريعي ، ومحاولة إثبات سعة الفقه الشيعي ، بل تفوّقه على الفقه الآخر ، كانت بطبيعة الحال تعتمد على شيء من المحاكاة ، وخاصّة في عناوين المباحث وأدلّتها بما يتناسب مع الاتّجاه الأُصولي الشيعي.
والذي نلاحظه في هذه المرحلة وخاصّة في الفقه المدوّن للمحقّق والعلاّمة رحمهما‌الله هو رفع اليد عن حالة المحاكاة التي لاحظناها في

المرحلة السابقة.
وذلك «حينما أخذ الفقه الشيعيّ مساره الطبيعي وبدأ الفقهاء بتنقيح أُصول فقههم وأدوات استنباطهم ، فكان من الطبيعي أن تنعكس النظرة المستقلّة إلى الفقه الشيعيّ على النشاط الفقهي الشيعيّ أوّلاً ، وتنتهي هذه النظرة إلى اجتناب المحاكاة مهما أمكن ثانياً.
وهكذا بدأ النشاط الفقهي ينحو باتّجاه الاستقلال التامّ عن التأثّر بالفقه غير الشيعي ، وانتج هذا الاتّجاه فقهاً متميّزاً بأدواته ومناهجه ومصادره وعمليّات استنباطه ومدوّناته الفقهية مضموناً وشكلاً معاً»(1).
ثانياً : تطوّر في المنهج والعرض للبحوث الفقهية :
نلاحظ في هذه المرحلة تطوّراً ملموساً في حقل تنظيم ومنهجة عرض البحوث الفقهية «فتأليف المحقّق الحلّي لكتاب الشرائع حقّق به مرحلة مهمّة من مراحل التطوير في المتون الفقهية ، وبخاصّة عند مقارنته بكتاب النهاية للشيخ الطوسي ، حيث لم يلتزم في تأليفه ذكر متون الأحاديث وألفاظها ، ولأنّه أيضاً أكثر فيه من التفريع وذكر الأقوال والإشارة إلى نتائج الأدلّة ، ممّا جعله يستقطب اهتمام الدارسين والباحثين والمؤلّفين ؛ ... كذلك اختصاره للشرائع في كتابه الذي أسماه المختصر النافع.
«وبهذين الكتابين استطاع الشيخ المحقّق أن ينقل التأليف الفقهي من
__________________
(1) مجلّة فقه أهل البيت ، مقال : مراحل تطوّر الاجتهاد : العدد 14 ، ص 154.

وضعه ومنهجه الذي كان عليه عند جماعة الفقهاء والمحدّثين ، حيث الالتزام بمتون الأحاديث وألفاظها ، إلى التأليف بالتعبير الحرّ»(1).
كذلك نلاحظ هذه المنهجية وجزالة الألفاظ في منهج العلاّمة الحلّي في كتاب التبصرة حيث اقتصر فيه على مجرّد الفتوى مع العرض الميسّر ، والأُسلوب السهل ، مراعاة لمستوى المتعلّمين حيث يبدأون به.
ثالثاً : ظهور الموسوعات الفقهية الاستدلالية :
وأثمرت هذه النظرة الاستقلالية للفقه ومستلزماته ظهور موسوعات فقهية استدلالية ضخمة أثْرَت الفقه الإمامي ، ونهضت بالفقه الاستدلالي إلى مرتبة عالية من حيث المستوى العلمي ، ومن حيث حجم البحوث الفقهية وتنوّعها واستيعابها ، إلى جانب التنقيح والتهذيب للمباحث الفقهية الموروثة.
ويلمس الباحث هذه الخصوصية في الموسوعات الفقهية التي دوّنها العلاّمة الحلّي رضي‌الله‌عنه من قبيل : المختلف ، والتذكرة ، والمنتهى وغيرها.
كما نلاحظ ذلك في الآثار العلمية لعلماء هذه المرحلة.
رابعاً : تطوّر الفقه المقارن :
وقد تطوّر في هذا الدور الفقه المقارن ـ الذي كانت بداياته مع إبداعات الشيخ الطوسي العلمية وكتابه القيّم الخلاف ـ تطوّراً ملحوظاً سواء من حيث كيفية العرض ، أو من حيث المحتوى العلمي والاستدلال.
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 356 ـ 357.

والمتتبّع للآثار العلمية لهذه المرحلة يجد في مجال الفقه المقارن عدّة مستويات من البحث المقارن ، كما هو واضح في آثار العلاّمة الحلّي أعلى الله مقامه.
فقد وضع قدس‌سره بين يدي العلماء والمحقّقين والمتطلّعين إلى سموِّ مرتبة الاجتهاد المطلق مجموعة فقهية متكاملة في الفقه المقارن ، منها :
1 ـ كتاب مختلف الشيعة إلى أحكام الشريعة :
وعرَّفه في كتابه الخلاصة بقوله «ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصّة وحجّة كلّ شخص والترجيح لما نصير إليه» وقد أوضح قدس‌سره الغرض من كتابه ، وما دعاه إلى تأليفه(1).
2 ـ كتاب تذكرة الفقهاء :
قال قدس‌سره في خطبة الكتاب مبيّنا موضوعه والغاية من تأليفه : «قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بـ (تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء) ، وذكر قواعد الفقهاء ، ... وأشرنا بكلّ مسألة إلى الخلاف ، واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف»(2).
وتسميته بـ تذكرة الفقهاء يشير إلى هذا ، ذلك أنّ التذكرة عند القدامى تعني الكتاب الذي يحتوي ما يحتاجه العالم في مجال تخصّصه.
فهو قدس‌سره أراد أن يضع بين يدي الفقهاء من الإمامية ما يحتاجون إلى
__________________
(1) مختلف الشيعة ، ج1 ، خطبة الكتاب.
(2) تذكرة الفقهاء ، ج1 ، خطبة الكتاب.

معرفته من أقوال غير الشيعة في المسائل الخلافية ، وأدلّة تلك الأقوال ، وطريقة المناقشة للأقوال ومحاكمة الأدلّة»(1). ولهذا يعدّ من كتب الفقه الخلافي.
3 ـ كتاب ـ منتهى المطلب في تحقيق المذهب :
عرّفه في كتاب خلاصة الأقوال بقوله : «ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه ، ورجّحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه»(2).
«وهذا يعني أنّ الكتاب من كتب الفقه المقارن : هدف المؤلّف من تأليفه أن يكون رائد الباحث الإمامي معرفة الحقّ في المسألة الفقهية ، وهذا لا يتأتّى إلاّ بوضع كتاب في الفقه المقارن»(3).
والذي يبدو أنَّ السبب في بروز كتب الفقه المقارن في هذه المرحلة هو البعد النسبي عن عصر النصّ وامتداد عصر الغيبة الكبرى ، حيث ظهرت الاختلافات بين علماء الشيعة في حدود الأدلّة وخاصّة الروائية منها ، والتي يستند إليها في الاستنباط الفقهي من حيث دلالتها وسندها ، كذلك بروز مسائل وحالات مستحدثة تستوجب الإجابة عنها على ضوء القواعد العامّة ، فمن الطبيعي أن يبادر العلماء من أمثال العلاّمة رضي‌الله‌عنه إلى إغناء مجال البحث والاستنباط الفقهي بمثل هذه المؤلّفات القيّمة.
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 372.
(2) خلاصة الأقوال في معرفة الرجال : 14 مقدّمة المحقّق.
(3) نفس المصدر : 372.

وظاهرة بروز أبحاث الفقه المقارن في الفقه الإمامي من الظواهر الإيجابية جدّاً الدالّة على تقدّم وسموّ الفقه الإمامي نفسه ، حيث نلاحظ ذلك جليّاً في المراحل اللاحقة.
ولم تتوقّف عملية التأليف في الفقه المقارن عند حدود تأليفات العلاّمة الحلّي رضي‌الله‌عنه وإنّما سار على نفس الطريق من بعده ، جملة من الأعلام ، حيث جاء بعد العلاّمة المحقّق الآبي ، وفخر المحقّقين ـ ولد العلاّمة ـ فنقلوا الفقه المقارن نقلة متميّزة فقارنوا بين آراء علماء الشيعة وأعملوا فيها النقد والإبرام مكان آراء علماء السنّة(1).
خامساً : تدوين القواعد الفقهية :
لم تشهد المراحل السابقة أي مؤلّف مستقلّ في موضوع (القواعد الفقهية) وإنّما كانت هذه القواعد مبثوثة في ضمن المباحث الفقهية.
ولهذه القواعد الفقهية أهمّيتها في عالم الاستنباط وممارسة الاستدلال الفقهي الاجتهادي ، حيث يستند إليها في كثير من أبواب ومباحث الفقه ، مثل ، قاعدة الطهارة ، والحلّية ، والتجاوز ، والفراغ ، كذلك قاعدة اليد ، والملكية .. وغيرها الكثير من هذه القواعد(2).
وأوّل مؤلّف في موضوع «القواعد الفقهية» عند الإمامية هو كتاب
__________________
(1) جامع المقاصد ـ المقدّمة 1 / 20.
(2) للتوسّع ـ انظر : القواعد والفوائد للشهيد الأوّل ، ونضد القواعد الفقهية للمقداد السيوري ، وموسوعة القواعد الفقهية للسيّد البجنوردي.

القواعد والفوائد للشهيد الأوّل(1) حيث احتوى الكتاب على ما يقرب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدة إضافة إلى فوائد تقرب من مائة فائدة عدا التنبيهات والفروع ، وهي جميعاً قد استوعبت أكثر المسائل الشرعية.
«ومنهج المصنّف في هذا الكتاب هو : أنّه يورد القاعدة أو الفائدة ثمّ يبيّن ما يندرج تحتها من فروع فقهية وما قد يرد عليها من استثناءات إن كان هناك استثناء لها ...»(2).
ومن بعد الشهيد الأوّل واصل تلميذه «الفاضل المقداد السيوري» (ت 826 هـ) طريق استاذه في التأليف والترتيب والتنسيق للقواعد الفقهية ، ومن آثاره في هذا المجال :
1 ـ جامع الفوائد في تلخيص القواعد.
وهو اختصار لكتاب القواعد والفوائد لأُستاذه الشهيد الأوّل(3).
2 ـ نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية.
عرّفه الخوانساري في الروضات بقوله : «وهو كتاب بديع رتّب فيه قواعد شيخه الشهيد على ترتيب أبواب الفقه والأُصول من غير زيادة شيء على أصل ذلك الكتاب ، غير ما رسمه في مسألة القسمة منه»(4).
__________________
(1) وهو من تلامذة مدرسة الحلّة حيث تتلمذ عند فخر المحقّقين كما سوف يأتينا لاحقاً عند الحديث عن مدرسة جبل عامل.
(2) القواعد والفوائد 1 / 20.
(3) تاريخ التشريع الإسلامي : 378.
(4) كنز العرفان في فقه القرآن 1 / 14.

وظاهرة تدوين القواعد الفقهية وإفرادها بالتصنيف بعد استخراجها من بطون المباحث الفقهية من الظواهر المتقدّمة في حقل النشاط الفقهي.
سادساً : تطوّر بحوث الفقه المعاملي :
من خلال التطوّر الكبير الذي حظي به علم الأُصول في هذه المرحلة ، إلى جانب تدوين القواعد الفقهية ، فقد توسّعت الأبحاث الفقهية في مجال المعاملات وتطوّرت تطوّراً ملموساً في هذه المرحلة ، وشهد الفقه المعاملي توسّعاً في أبحاثه ، وعمقاً علميّاً مبتنياً على القواعد والأُصول الاستدلالية في عملية الاجتهاد والاستدلال الفقهي.
أمّا في العبادات فحيث إنَّ العبادات توقيفية من جميع الجهات ، مواقيتها وعددها ، وأجزائها وشروطها ، وكيفية امتثالها ، فقد لوحظ في تشريعها وفقهها ما يطرأ من تغيّرات وتقلّبات على المكلّف من حيث المكان والظروف والإمكانات ووضعت الصيغ الفقهية المناسبة لكلِّ حالة من حالات الضرورة والطوارئ ، حسب ما تقتضيه الأدلّة الشرعية الواردة في باب العبادات. ولهذا لم يحصل ذلك التطوّر أو التغيّر في قسم العبادات من أبواب الفقه.
فالعبادات ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل ، ولا مجال فيها للاجتهاد من حيث شروطها ومواقيتها وكيفيّتها وإعدادها ، وما فيها من خلافات بين الفقهاء لا يتعدّى تفصيلات بعض الشروط والهيئات والأجزاء.
«وأمّا المعاملات ـ بالمعنى الأوسع ـ فإنّها تشريعات متقلّبة متغيّرة لا

تستقرُّ على هيئة واحدة ، وخاصّة ما يتعلّق من ذلك بالنواحي التنظيمية للمجتمع ، وكافّة انشطته السياسية والاقتصادية والزراعية والصناعية ... وما يتّصل بالثروات العامّة ... وغيرها»(1).
ومن جهة أُخرى فإنَّ مبدأ ـ التعبّد الشرعي ـ المقتضي للجمود على النصّ ، معلوم الثبوت في باب العبادات فقط ، وأمّا في أبواب المعاملات بالمعنى الأعمّ ، فإنّ «التعبّد الشرعي» غير معلوم الثبوت.
ولهذا شهد تطوّراً وتوسّعاً في أبحاثه في هذا المجال ، ونظرة تأمّلية لقسم المعاملات من كتاب الشرائع للمحقّق ، أو الكتب الفقهية الموسوعية للعلاّمة ، تعطينا فكرة جيّدة عن سعة هذا التوسّع وعمقه الفقهي والاستدلالي.
سابعاً : تطوّر وعمق الفقه الاستدلالي :
لقد بلغ الفقه الاستدلالي قمّة ذروته العلمية في هذه المرحلة ، وذلك من خلال ما حقّقه المحقّق الحلّي ، والعلاّمة ، وفخر المحقّقين ، حيث جسّدت آثارهم الفقهية الاستدلالية العمق والدقّة والابتعاد الكامل عن منهج الفقه غير الإمامي(2).
ومن الآثار العلمية المهمّة في مجال الفقه الاستدلالي في هذه المرحلة :
1 ـ تأليف المحقّق الحلّي لكتاب المعتبر الذي يعدّ ثاني كتاب استدلالي بعد كتاب المبسوط للشيخ الطوسي ، ذلك أنّ كتاب السرائر للشيخ ابن إدريس
__________________
(1) الاجتهاد والتجديد : 127.
(2) مراحل تطوّر الاجتهاد 14 / 156 (بتصرف).

يقع بين الكتاب الاستدلالي والكتاب الفتوائي(1).
وأبان المحقّق الحلّي في مستهلّ كتابه ، غايته من تأليفه ، وعن منهجه في تأليفه ، فقال : «أحببت أن أكتب دستوراً يجمع أصول المسائل وأوائل الدلائل ، أذكر فيه خلاف الأعيان من فقهائنا ومعقد الفضلاء من علمائنا ، وألحق بكلّ مسألة من الفروع ما يمكن إثباته بالحجّة ، وسياقته إلى المحجّة ...»(2).
ثمّ قدّم المحقّق ضمن مقدّمته لكتاب المعتبر مقدّمة في فصول ، ضمّن الفصل الأوّل منها وصيّته وتعليماته لمن يريد أن يتعامل مع كتابه هذا ، وكأنّه رحمه‌الله كان مدركاً لما قد يتعرّض له كتابه هذا من مواقف سلبيه من قبل جماعة الفقهاء المُحدِثين والمتردّدين بين الإقدام والإحجام نحو هذا التطوير في منهج البحث الفقهي ، وكذلك ما سوف يواجهه من قبل المقلّدة ، الذين جمّدوا ذهنيّاتهم الفقهية عن التفكير بقيمة التطوير في المنهج الفقهي(3).
2 ـ وواصل العلاّمة الحلّي رحمه‌الله نفس المنهج الاستدلالي في الفقه من خلال آثاره العلمية والتي من أهمّها في هذا المجال كتاب التذكرة ، والمختلف والمنتهى ... ، حيث تطوّر في عصره الفقه الاستدلالي ، ثمّ سما إلى ذروته العلمية من خلال جهود المحقّق الكركي والمقدّس الأردبيلي وتلامذتهم في
__________________
(1) تاريخ التشريع الإسلامي : 357.
(2) المعتبر في شرح المختصر ج 1 ، المقدّمة.
(3) تاريخ التشريع الإسلامي : 357 ـ 358.

حوزة النجف الأشرف في دورها الثاني.
ويعتبر الكتاب الفقهي جامع المقاصد الذي شرح فيه المحقّق الكركي قواعد العلاّمة الحلّي من أمّهات الكتب المراجع في الفقه الاستدلالي.
ثامناً : التقسيم الرباعي لأبواب الفقه :
ممّا امتاز به المحقّق الحلّي رضي‌الله‌عنه هو منهجته العلمية الفذّة ، وظهرت آثار هذه المنهجية في كتبه وآثاره العلمية ، وخاصّة كتابه المعروف باسم شرائع الإسلام حيث امتاز هذا الكتاب ، بالأُسلوب السَلِس ، والعبارة المشرقة ، والمنهجية الفذّة في البحث ، والموضوعية في العرض ، فهو كما يقول صاحب الذريعة عنه «من أحسن المتون الفقهية ترتيباً ، وأجمعها للفروع ...»(1).
ومن أهمِّ ما يمكن أن نلاحظه في كتاب الشرائع هو المنهجية الجديدة التي اتّبعها المحقّق الحلّي في تقسيم أبواب الفقه حيث قسّمها إلى أقسام أربعة : عبادات ، وعقود ، وإيقاعات ، وأحكام ، ثمّ تقسيم كلّ واحد منها ، إلى مجموعة من الكتب ، بحيث تشترك المجموعة الواحدة بقاسم مشترك أعظم ، يقسّم أجزاء ذلك القسم.
ومن جهة ثالثة : فإنّ الكتاب الواحد ، هو الآخر أيضاً ، غالباً ما يوزّع على شكل أركان ، أو فصول أو مقدّمات ، أو أطراف أو نظرات.
__________________
(1) الذريعة 13 / 47 ـ 48.

ثمّ إنّه بعد هذا كلّه ، التزم بقاعدة معيّنة في ترتيب الأحكام ، حيث ابتدأ بالواجب في كلّ قسم ، وأتبعه بالندب ، وبعده بالمكروه ، وأخيراً بالمحرّم إن وجد(1).
وهذه المنهجية في الواقع تطوير جديد في التدوين الفقهي الذي سار عليه الفقهاء ممّن سبق المحقّق في تأليف المتون الفقهية.
فعندما نلاحظ تقسيمات الفقهاء لفروع علم الفقه وأبوابه نجد مثلاً :
القاضي ابن البرّاج (ت 481 هـ) قد قسّم الأحكام الشرعية في المهذّب(2) إلى قسمين :
1 ـ ما هو مورد ابتلاء. 2 ـ ما ليس مورد ابتلاء.
وقسّم أبو الصلاح الحلبي (ت 447 هـ) الأحكام الشرعية إلى ثلاثة أقسام(3) :
1 ـ العبادات. 2 ـ المحرّمات. 3 ـ الأحكام.
وفي تقريب المعارف قَسَّمَ التكاليف الشرعية إلى قسمين :
1 ـ الأفعال. 2 ـ التروك.
إمّا سلاّر بن عبد العزيز الديلمي (ت 448 هـ) فقد قسّم الفقه إلى قسمين :
__________________
(1) شرائع الإسلام 1/ن ـ س ، المقدّمة.
(2) المهذّب 4 / 123.
(3) الكافي في الفقه : 1 ـ 2 ، وتقريب المعارف : 219.

1 ـ عبادات. 2 ـ ومعاملات.
ثمّ قسّم المعاملات إلى قسمين :
1 ـ عقود. 2 ـ وأحكام.
وقسّم الأحكام إلى : الأحكام الجزائية وسائر الأحكام(1).
وهكذا سار كلّ فقيه على الطريقة والمنهج الذي يراه مناسباً لعرض الموضوعات الفقهية. فموضوع العبادات وعددها في الكتب الفقهية نجدها تختلف من فقيه إلى آخر سعة أو ضيقاً. فقد عدّ الشيخ الطوسي ، وابن زهرة أقسام العبادات خمسة(2) ، وأمّا سلاّر فقد عدّها في مراسمه ستّة(3) ، وأبو صلاح الحلبي وابن حمزة عشرة(4) ويحيى بن سعيد عدّها خمسة وأربعين(5).
وعلى إثْر ذلك ألّف المحقّق الحلّي كتابه القيّم شرائع الإسلام فقسَّم أبواب الفقه إلى أربعة أقسام :
1 ـ العبادات. 2 ـ العقود. 3 ـ الإيقاعات. 4 ـ الأحكام.
وتلقّى الفقهاء هذا التقسيم الرباعي لأبواب الفقه بالقبول ، وساروا على نفس المنهج والتقسيم ، كما نلاحظ ذلك في منهج العلاّمة ، والشهيدين ، وغيرهم ممّن جاء بعد المحقّق الحلّي.
__________________
(1) المراسم في الفقه الإمامي : 28.
(2) الاقتصاد : 239 ، غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع.
(3) المراسم : 28.
(4) الكافي : 113 ، الوسيلة إلى نيل الفضيلة.
(5) نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر.

أمّا التوجيه العلمي لهذا التقسيم الذي تبنّاه المحقّق ، ووجّه حصر الفقه بهذه الأبواب الأربعة ، فقد وجّه ذلك الشهيد الأوّل في قواعده بما يلي :
«ووجه الحصر : أنّ الحكم الشرعي إمّا أن تكون غايته الآخرة ، أو الغرض الأهمّ منه الدنيا ، والأوّل : العبادات. والثاني : إمّا أن يحتاج إلى عبارة ، أو لا. والثاني : الأحكام. والثاني : إمّا أن تكون العبارة من اثنين ـ تحقيقاً أو تقديراً ـ أو لا. والأوّل : العقود ، والثاني : الإيقاعات»(1).
وقد تطوّرت هذه التقسيمات بعد المحقّق الحلّي وخاصّة في المدوّنات الفقهية الحديثة(2) ولكن تبقى الريادة والإبداع للمحقّق الحلّي رحمه‌الله.
الفصل الرابع
الملامح العامّة لمدرسة الحلّة العلمية
المبحث الأوّل : الدور السياسي لحوزة الحلّة العلمية :
لقد عاصرت حوزة الحلّة العلمية ، أحداثاً سياسية هامّة ، شهدها العالم الإسلامي ، وكانت لها تأثيراتها الكبرى في رسم الخارطة السياسية ، وعلى شبكة العلاقات والولاء والانتماء السياسي للدول التي كانت الدولة العبّاسية
__________________
(1) القواعد والفوائد ، القاعدة الثانية 1 / 30 ، وانظر : التنقيح 1 / 14 ، وحاشية الشرائع ، ط. الحجرية ، المجلّد الأوّل.
(2) انظر : الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام 1 / 132.

تحكمها مباشرة ؛ أو تبسط بعض نفوذها عليها.
وكان لحوزة الحلّة العلمية وفقهائها وعلمائها دورهم الفاعل والمؤثّر في سير هذه الأحداث وتوجيهها ، من خلال جملة من المواقف التي يمكن تلخيص بعض مفرداتها بما يلي :
أوّلاً : إنشاء الإمارة المزيدية :
لقد تحدّثنا سابقاً عن ظهور الدولة المزيدية في أطراف الحلّة ، ثمّ تأسيسهم لمدينة الحلّة عام (495 هـ) على يد سيف الدولة صدقة بن بهاء الدولة المزيدي والذي «يعدّ أكبر حكّام هذه الإمارة ، وقد أخضع المناطق الجنوبية العراقية لسيطرته ، وبلغ تأثير نفوذه على عاصمة الخلافة بغداد نفسها»(1).
لقد فرضت إمارة بني مزيد الشيعية نفسها على الواقع السياسي الحاكم آنذاك ، وأوّل من اعترف بوجودها في المنطقة هم البويهيّون الذين كانت بيدهم مقاليد الأُمور في الدولة العبّاسية ، ثمّ بلغت الإمارة المزيدية أوج استقلالها الكامل في عهد قوّة الدولة السلجوقية .. متّخذين من مدينة الحلّة عاصمة لإمارتهم.
وكانت هذه الإمارة الشيعية تحضى برعاية الفقهاء والعلماء والأسر العلمية الذين تتلمذ بعضهم على يد فقهاء حوزة النجف في دورها الأوّل ،
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 73.

والتي بدورها قد رفدت حوزة الحلّة حيث انتقل قسم من فقهائها إليها ، ونقلوا أفكارهم معهم .. ثمّ النموّ المتزايد لنفوذ الأُسر التي سكنت الحلّة ؛ أنتج فقهاء كانوا حلقة الوصل بين المدرستين(1) (النجفية والحلّية).
ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أُسرة (آل نما) العلمية ، والتي عاصر بعض فقهائها ظهور الإمارة المزيدية وما تلاها من أزمنة ، حيث يستظهر صاحب الروضات أن يكون جدُّ هذه الأُسرة الكريمة (نما بن عليّ الربعي) قد عاصر عهد أبي عليّ الحسن بن الشيخ الطوسي ، ويروي عنه مباشرة(2).
ومن علماء هذه الأُسرة الشيخ أبو البقاء هبة الله بن نما بن عليّ بن حمدون الربعي الحلّي ، وهو يروي بالإجازة عن الحسين بن أحمد بن طحال المقدادي (أحد علماء النجف) بتاريخ (520 هـ) فيقول في سند روايته : «.. حدّثني الشيخ العالم أبو عبد الله الحسين بن طحال المقدادي المجاور بالحائر ، قراءة عليه بمشهد مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام سنة عشرين وخمسمائة ، قال : حدّثنا الشيخ المفيد أبو عليّ الحسن بن محمّد الطوسي ..»(3)
وهناك أسماء لامعة أُخرى من هذه الأُسرة كان لها دورها في هذه الحقبة ، بالإضافة إلى أُسر علمية أُخرى كأُسرة آل بطريق ، وأُسرة النقيب
__________________
(1) المرجع السابق نفسه : 69.
(2) روضات الجنّات 2 / 180.
(3) المرجع نفسه 2 / 180.

العلوي أُسامة الذي ولّي النقابة العلوية في الحلّة سنة (452 هـ)(1). وأُسرة آل طاووس ، وهم سادة نقباء فقهاء .. وأوّل من تولّى النقابة منهم جدّهم أبو عبد الله محمّد الملقّب بالطاووس في منطقة (سُورا) ، وهي من المناطق التابعة لمدينة الحلّة(2).
ثانياً : حفظ الحلّة والمشهدين من الغزو المغولي :
لقد عاصرت الحوزة العلمية في الحلّة في بدايات ظهورها العلمي الدولة البويهية حتّى سقوطها بيد السلاجقة (447 هـ) ، ثمّ عاصرت الدولة السلجوقية إلى حين انحلالها وسقوطها عام (575 هـ) ، وسايرت الدولة العبّاسية التي استعادت بعض نفوذها الذي فقدته في فترة حكم البويهيّين والسلاجقة والتي تمتدّ خلال النصف الأوّل من القرن السابع الهجري والتي حكم فيها آخر أربعة من خلفاء بني العبّاس ، وهم على التوالي :
1 ـ الناصر لدين الله الذي توفّي عام (622 هـ) ، وكانت خلافته ستّاً وأربعين سنة وعشرة أشهر(3).
2 ـ الظاهر بأمر الله ، الذي توفّي عام (623 هـ) ، فكانت خلافته تسعة أشهر وأربعة وعشرين يوماً(4).
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 70.
(2) المرجع نفسه : 71.
(3) الكامل في التاريخ 12 / 438 ـ 439.
(4) نفس المصدر 12 / 456.

3 ـ المستنصر بأمر الله ، الذي توفّي عام (640 هـ)(1).
4 ـ المستعصم بالله ، الذي قتل على يد هولاكو عام (656 هـ).
وبالغزو المغولي للعراق عام (656 هـ) سقطت الدولة العبّاسية ، ووجد فقهاء الشيعة أنفسهم أمام تجربة جديدة لم تتح لهم من قبل ، وذلك بفضل الظروف الجديدة التي عصفت بعد سقوط الدولة العبّاسية ..(2) ، ووجدوا أنَّ الخطر محدق بهم وبمدينتهم الحلّة وما جاورها من المدن التي لها قدسيتها ومكانتها الدينية ككربلاء والنجف والكوفة ، فما كان منهم إلاّ المبادرة بالقيام بخطوة سياسية لدرء الخطر عنهم كما في رواية العلاّمة الحلّي التي يقول فيها : «ولمّا وصل هولاكو إلى بغداد ، قبل أن يفتحها ، هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح ، ولم يبق منها إلاّ قليل ، فكان من أُولئك القليل والدي يوسف بن المطهّر ، والسيّد مجد الدين بن طاووس ، والفقيه ابن أبي العزّ ، فأجمع رأيهم على مكاتبة هولاكو بأنّهم مطيعون ، وأنفذوا به شخصاً أعجميّاً ، فأنفذ السلطان إليهم فرماناً مع شخصين .. وقال هولاكو لهما قولا لهم : «إن كانت قلوبكم كما وردت كتبكم تحضرون إلينا «، فجاء الأميران ، فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي إليه الحال ، فقال والدي : إن جئت وحدي كفى؟ فقالا : نعم ، فأُصعد معهما ، فلمّا حضر بين يدي السلطان ـ وكان ذلك قبل فتح بغداد ـ فقال هولاكو : كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا ما يؤول
__________________
(1) نفس المصدر 12 / 458.
(2) المؤسّسة الدينية : 75.

إليه أمري وأمر صاحبكم؟ وكيف تأمنون إذا صالحني ورجعت عنه؟ فقال والدي : إنّما أقدمنا على ذلك لما رويناه عن عليّ عليه‌السلام في خطبته الزوراء ، قال : وما أدراك ما الزوراء؟ أرض ذات أثل ، يشتدّ فيها البنيان ، ويكثر فيها السكّان ، ويكون فيها مهازم .. فعند ذلك الغمّ العميم والبكاء الطويل لأهل الزوراء من سطوات الترك ، وهم قوم صغار الحدق ، وجوههم كالمجان المطرقة ، لباسهم الحديد ، جرد مرد ، يقدمهم ملك جهوريُّ الصوت ، قويُّ القلب ، عالي الهمّة ، لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها ، ولا ترفع عليه راية إلاّ نكسها ، الويل لمن ناواه ، فلا يزال كذلك حتّى يظفر». فلمّا وصف لنا ذلك وجدنا الصفات فيكم ، رجوناك فقصدناك.
فطيّب هولاكو قلوبهم ، وكتب لأهل الحلّة فرماناً بإسم والدي يطيّب فيه قلوب أهل الحلّة وأعمالها. وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلّة والكوفة والمشهدين من القتل»(1) وفي بعض المرويّات التاريخية تذكر وفود بعض العلويّين والفقهاء يصحبهم مجد الدين ابن طاووس العلوي. ويمكن أن يكون هذا الوفد قد وفد على هولاكو بعد مقابلة يوسف بن المطهّر ـ والد العلاّمة الحلّي ـ له.
ومهما يكن من أمر ؛ فقد استطاع فقهاء الحلّة وعلماؤها أن يدفعوا الخطر المحدق بالمنطقة من خلال هذا التدبير السياسي الذي ينسجم مع
__________________
(1) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين : 101 ـ 102 ، وللمقارنة انظر ، الحوادث الجامعة ، حوادث سنة ستّ وخمسين وستمائة : 360 ، وجامع التواريخ : 229.

الظروف الموضوعية الحاكمة وروح السياسة في وقتهم ، كما يقول مؤرّخ الحلّة المتتبّع الشيخ يوسف كركوش.
ثالثاً : صدور فتوى تفضيل الكافر العادل ، على المسلم الظالم :
وهذه أيضاً من القضايا السياسية التي كان لعلماء الحلّة دور بارز فيها ، وخلاصة هذه الفتوى الشهيرة كما يذكرها المؤرّخون كما يلي : «عندما فتح السلطان هولاكو خان بغداد عام (656 هـ) أمر أن يستفتى العلماء أيّهما أفضل : السلطان الكافر العادل ، أم السلطان المسلم الجائر؟! ثمّ جمع العلماء في المدرسة المستنصرية ، فلمّا وقفوا على الفُتيا أحجموا عن الجواب. وكان رضيّ الدين عليّ ابن طاووس حاضراً ، وكان مقدّماً محترماً ، فلمّا رأى إحجامهم تناول الفتيا ، ووضع خطّه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده»(1).
واستطاعت هذه الفتوى من العالم العلوي الحلّي من آل طاووس أن تحفظ البقية الباقية من علماء بغداد ومن مدرّسي وأساتذة المدرسة المستنصرية ، وهي فتوى شرعية لها مستندها العقلي عند العلماء.
رابعاً : المساهمة في الأُمور العامّة للدولة :
لم يكن موقف علماء الحلّة من العهد الجديد الذي تشكّل بعد الفتح المغولي لبغداد وسقوط الدولة العبّاسية ، بالموقف السلبي والرافض لكلّ
__________________
(1) الفخري في الآداب السلطانية : 17.

أشكال المشاركة في أُمورها العامّة ، وإنّما اتّسمت مواقفهم بالحكمة وبعد النظر ، ولهذا تجدهم قد شاركوا في بعض الأُمور الاجتماعية والإدارية والتي تصبّ في الصالح العامّ والمنافع المشتركة للأُمّة ؛ ومن هذه الأُمور :
1 ـ تولّي النقابة العامّة :
وهو منصب شريف تولاّه والد الشريفين الرضيّين ، ثمّ ولداه الرضي والمرتضى ثمّ أولادهما وأحفادهما .. ، إلاّ أنّ هذا المنصب قد تجنّبه فقهاء الشيعة بعد سقوط الدولة البويهية ومجيء السلاجقة ، إذ أنّهم «لم ينفتحوا على مراكز الدولة ، ولم يورّطوا أنفسهم بالدخول في مسالكها ، وقد رفض بعضهم تقلّد المناصب التي تقلّدها فقهاؤهم في زمن الدولة البويهية ، كمنصب نقابة الطالبيّين .. وقد تغيّر موقف الفقهاء في النصف الثاني من القرن السابع الهجري بعد الغزو المغولي للعراق عام (656 هـ) ، وسقوط الخلافة العبّاسية ، ووجد الفقهاء أنفسهم أمام تجربة جديدة لم تتح لهم من قبل .. حتّى قَبِل رضيّ الدين عليّ بن موسى بن طاووس تولّي منصب نقابة الطالبيّين سنة (661 هـ) ، وكان قد رفضه مرّات عديدة نهاية العصر العبّاسي»(1).
كذلك تولّى ابن أخيه مجد الدين بن عزّ الدين نقابة البلاد الفراتية .. وهو الذي خرج إلى هولاكو ، وصنّف له كتاب البشارة وسلّم الحلّة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل والنهب ، وردّ إليه النقابة بالبلاد الفراتية وحكم
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 75.

في ذلك قليلاً ثمّ مات(1).
2 ـ تولّي القضاء :
كذلك نجد هنالك من تولّى القضاء وفضَّ الخصومات في تلك الظروف التي كثرت فيها الدعوى القضائية ، حيث تولّى القضاء تاج الدين محمّد بن محفوظ الحلّي(2).
3 ـ تولّي الوزارة :
فقد تولّى ابن العلقمي محمّد بن أحمد مؤيّد الدين الأسدي ، الوزارة في الدولة التي تشكّلت بعد سقوط بغداد ، إلاّ أنّه سرعان ما توفّي في سنة (656 هـ) فأمر هولاكو أن يكون ولده عزّ الدين مكانه .. وابن العلقمي من علماء وفقهاء الحلّة ، يصفه ابن الفوطي في كتابه تلخيص مجمع الآداب بقوله : «ابن العلقمي الأسدي الفقيه الوزير من بيت السؤدد والفضل .. كان كاتباً كاملاً فصيح الإنشاء كثير المحفوظ .. قرأ على الصنعاني ، دواوين العرب ، واشتغل بالفقه على الشيخ نجيب الدين بن نما الحلّي ..»(3).
4 ـ أسلمة الدولة المغولية ودور علماء الحلّة في ذلك :
من أهمِّ الأحداث السياسية المذهبية التي ارتبطت بمدرسة الحلّة وحوزتها العلمية قصّة تشيّع سلطان المغول اولجاتيو المعروف بمحمّد
__________________
(1) الحوادث الجامعة : 331 وتاريخ الحلّة 1 / 92.
(2) المرجع نفسه 1 / 92.
(3) المرجع نفسه 1 / 92.

خدابنده (ت 716 هـ) ثمَّ إعلانه التشيّع كمذهب رسمي للدولة المغولية ، وكان السبب الرئيسي في هذا الإعلان هو العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهّر ، وهو من كبار علماء مدرسة الحلّة ، وكان له دور فاعل وبارز فيها ، بالإضافة إلى صلته بالسياسيّين المغول ، وبالشخصيّات الحاكمة آنذاك(1) ، والتي نتج عنها تشيّع سلطان المغول ، وإعلان التشيّع مذهباً رسميّاً في الدولة الإيلخانية.
ولقد سبق السلطان خدابنده أخوه السلطان محمود غازان (ت 703 هـ) الذي أصدر عند تولّيه الحكم عام (694 هـ) مرسوماً ينصُّ على أنّ الإسلام هو الدين الرسمي لدولة المغول في إيران حيث ارتبطت أسلمة الدولة باسمه .. وتميّزت سنىِّ حكمه بتقرّبه إلى التشيّع سواءً في إيران أم العراق .. فقام بجولات في زيارة مراقد الأئمّة في النجف وكربلاء .. وأنشأ دوراً للسادة في مدينة تبريز .. كما أنّه زار مدينة الحلّة وأمر للعلويّين بمال كثير ، وأشار إلى حفر نهر بأعلى المدينة سُمّي بالنهر (الغازاني) يصل إلى مشهد الحسين في مدينة كربلاء ..»(2).
وقد اختلفت كلمات المؤرّخين في تفسير ظاهرة ميوله الشيعية التي لم يعلن عنها رسميّاً في البلاد المغولية(3) حتّى وفاته.
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 109.
(2) المرجع نفسه : 118.
(3) المرجع نفسه : 118 ـ 119 ، وانظر : الصلة بين التصوّف والتشيّع 2 / 74.

إلاّ أنّ السلطان خدابنده الذي تسلّم الحكم في (702 هـ) تمكّن من إعلان التشيّع رسميّاً في أرجاء الدولة المغولية.
وقد اختلفت كلمات المؤرّخين في سبب هذا الإعلان ، وأخذ بعضهم يفسّر هذه الظاهرة بطريقته في تفسير أحداث التاريخ.
إلاّ أنّ كلمات جميع المؤرّخين كادت أن تتّفق على تشيّع السلطان خدابنده كان بتأثير ابن المطهّر المعروف بالعلاّمة.
يقول الرحّالة ابن بطّوطة (ت 779 هـ) في رحلته المشهورة باسمه : «كان ملك العراق محمّد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمّى جمال الدين ابن المطهّر ، فلمّا أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه ، فزيّن له مذهب الروافض وفضّله على غيره وشرح له حال الصحابة والخلافة ، وقرّر لديه أنّ أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله ، وأنّ عليّاً ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ... فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض ، وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وآذربيجان وإصفهان وكرمان وخراسان ، وبعث الرسل إلى البلاد ...»(1). ثمّ يتحدّث عن ردود الأفعال التي أحدثها هذا القرار في البلدان الإسلامية التي وصلتها رسل السلطان خدابنده.
إلاّ أنّ قضية أسلمة الدولة المغولية لم تكن بهذه البساطة التي ذكرها ابن
__________________
(1) رحلة ابن بطّوطة ، المسمّاة تحفة النظّار في غرائب الأمصار : 219 ـ 220.

بطّوطة وسار عليها بعض المؤرّخين المتعصّبين ، وإنّما هنالك جهود علمية كبيرة ومضنية بذلها العلاّمة الحلّي ؛ سبقت هذا الإعلان المدوّي في العالم الإسلامي «والأحداث التاريخية والمؤشّرات تؤكّدان على تأثير العلاّمة المباشر على سير المجريات الثقافية في عهدي السلطانين محمود غازان ، ومحمّد خدابنده ، وظهور تأثيره الفاعل في إعلان تشيّع الدولة المغولية رسميّاً على يد خدابنده»(1).
إنَّ النصوص التاريخية قد لا تمدّنا بمعلومات وافية عن جوهر العلاقة بين العلاّمة الحلّي والسلطان المغولي ، وإنّما تناقل أصحابها بعض القصص التي يمكن فهم طبيعة هذه العلاقة من خلالها(2).
«إلاّ أنّ طبيعة الأحداث تؤكّد على وجود صلة بين العلاّمة وخدابنده أوائل تسلّمه السلطة ، ربّما امتدّت إلى فترة ما قبل تسلّمه مقاليد الحكم أيضاً.
وكذلك يظهر ـ ومن خلال النصوص ـ ما للعلاّمة من تأثير ثقافي كبير على السلطان خدابنده في مرحلة ما بعد تسلّمه الحكم ، فقد أشرف على إعداده علميّاً ، وألّف له الكتب والرسائل في العقائد ، والأُصول ، والفقه ، وعلم الكلام ، كما دأب على تدريسه بنفسه.
وكان للحماس المذهبي الذي يتميّز به هذا السلطان ، والخطوات التي اتّخذها مباشرة بعد تسلّمه زمام الحكم في عقد الحوارات بين علماء
__________________
(1) القزويني : 109.
(2) انظر : روضات الجنّات 2 / 279.

المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، دليل على أنّ هذا السلطان كان قد نشأ ، وهو متشبّع بعقائد التشيّع ، ومبادر بالدعوة إليها»(1).
ومهما يكن من أمر في أسباب تشيّع سلطان المغول خدابنده ، وما رافقها من أحداث سواء كانت نتيجة لخلاف مذهبي بين أتباع بعض المذاهب أو كانت نتيجة مناظرات مذهبية بين بعض العلماء الشافعية والعلاّمة الحلّي ، أو أنّها حصلت بشكل عفويٍّ في قصّة طلاق السلطان المذكور لزوجته ، ثمّ ندمه على ذلك ...(2) فإنَّ إعلان إسلام وتشيّع الدولة المغولية يعدّ من الأحداث التاريخية والسياسية والمذهبية المهمّة ، وكان لها صدى واسع في العالم الإسلامي آنذاك ، وأحدثت ردود أفعال متفاوتة في حينها(3).
المبحث الثاني : العلاّمة نصير الدين الطوسي ودوره المتميز في الحوزة العلمية في الحلّة :
اقترن اسم الفيلسوف الإسلامي نصير الدين الطوسي بمرحلة ازدهار الحوزة العلمية في الحلّة ، وكان له تأثيره الواضح في مناهجها العقلية والكلامية من خلال بعض تلامذته النابغين ، وكذلك كان له عناية خاصّة
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 120 ـ 121.
(2) للتوسّع انظر : روضات الجنّات 2 / 279 ـ 281 ، وتاريخ الحلّة 1 / 107 وما بعدها.
(3) لؤلؤة البحرين : 227.

بمناحي العلم وأحوال العلماء عامّة ، وحوزة الحلّة وعلمائها خاصّة ، حيث حظيت برعايته ودعمه.
كذلك اقترن اسم هذا العالم بحادث الغزو المغولي لبغداد وسقوط الدولة العبّاسية بأيديهم ، حيث اصطحبه قائد المغول هولاكو خان معه في هذه الحملة وعند فتحه لبغداد ، ممّا عرّضه لسيل من الاتّهامات والملاحظات السلبية من قبل خصومه ومن بعض المؤرّخين لهذه الحقبة الحسّاسة من تاريخ الإسلام.
فمن هو نصير الدين الطوسي؟ وما هو دوره وتأثيره في الحادثين؟
لنصير الدين الطوسي ترجمة واسعة ومطوّلة في كتب التراجم ، وكتبت عنه دراسات وبحوث مفصّلة ، وتناولته بالبحث مؤلّفات وأُطروحات جامعية أكاديمية ، واهتمّ بترجمته المستشرقون وكتّاب دوائر المعارف ، وعلماء الفلك ، والمتكلّمون والفلاسفة .. ؛ ولا يمكن لنا أن نستوعب ما كتب عنه في هذا المختصر ؛ وإنّما سنحاول أن نعطي بعض الملامح المهمّة عن شخصيته ، وبما يرتبط بموضوع بحثنا عن الحوزة العلمية في الحلّة ، ونترك التفاصيل الأُخرى إلى كتب التراجم والسِّير.
ترجم لنصير الدين الطوسي صاحب الأعلام فقال : النصير الطوسي (597 ـ 672 هـ = 1201 ـ 1274 م) محمّد بن محمّد بن الحسن ، أبو جعفر ، نصير الدين الطوسي ؛ فيلسوف ، كان رأساً في العلوم العقلية ، علاّمة بالأرصاد والمجسطي والرياضيّات ، علت منزلته عند «هولاكو» فكان يطيعه فيما يشير

به عليه. ولد بطوس (قرب نيسابور) وابتنى بمراغة قبةً ورصداً عظيماً ، واتّخذ خزانة ملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة ، اجتمع فيها نحو أربعمائة ألف مجلّد ، وقرّر منجّمين لرصد الكواكب ، وجعل لهم أوقافاً تقوم بمعاشهم ، وكان «هولاكو» يمدّه بالأموال ، وصنّف كتباً جليلة ، منها ...»(1) وذكر قائمة مطوّلة لأسماء كتبه ، سوف تأتي الإشارة إليها لاحقاً.
وذكر له الصفدي في الوافي ترجمة مطوّلة جاء فيها : «الخواجا نصير الدين الطوسي .. الفيلسوف ، صاحب العلوم الرياضية والرصد ، كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الأرصاد والمجسطي ، فإنّه فاق الكبار ، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو .. وكان حسن الصورة ، سمحاً كريماً جواداً حليماً ، حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر ، داهية ... ودفع عن الناس أذاهم ، وعن بعضهم إزهاق أرواحهم ، ومن حلمه ما وقفت له على ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما فيها يقول : «يا كلب يا ابن الكلب» فكان الجواب : وأمّا قولك كذا فليس بصحيح لأنّ الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار ، وأنا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ناطق ضاحك ، فهذه الفصول والخواصّ غير تلك الفصول والخواصّ ، وأطال في نقض ما قاله برطوبة وتأنٍّ ، غير منزعج ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة.
.. وولاّه هولاكو جميع الأوقاف في سائر بلاده وكان له في كلّ بلد
__________________
(1) أعلام الزركلي 7 / 30.

نائب يستغلّ الأوقاف ويأخذ عشرها ويحمله إليه ليصرفه في جامكيّات المقيمين بالرصد ، ولما يحتاج إليه من الأعمال بسبب الأرصاد ، وكان للمسلمين به نفع خصوصاً الشيعة والعلويّين والحكماء وغيرهم ، وكان يبرّهم ويقضي أشغالهم ويحمي أوقافهم ، وكان مع هذا كلّه فيه تواضع وحسن ملتقى ، ... وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه جماعة كثيرة من تلامذته وأصحابه فأقام بها مدّة أشهر ومات .. وقد نيف على الثمانين أو قاربها ، وشيّعه صاحب الديوان والكبار وكانت جنازته حافلة ، ودفن في مشهد الكاظم»(1).
وتعتبر المرحلة الزمنية التي عاش فيها نصير الدين الطوسي ، والأدوار المتباينة التي قام بأدائها ، من أدقّ وأعقد الحقب الزمنية التي عاشتها الأُمّة الإسلامية آنذاك ، إذ شهد العالم الإسلامي سقوط الدولتين الإسماعيلية والعبّاسية على يد المغول بقيادة هولاكو ، واقترن اسم نصير الدين الطوسي بكلا الحادثين ، إذ «كان من المتنفّذين في الدولة الأُولى ، ووزيراً لعب دوراً فاعلاً على أنقاض الدولة الثانية في ظلّ الحكم الجديد»(2).
* محطّات في حياة نصير الدين الطوسي :
أوّلاً : من طوس إلى نيسابور :
ولد الطوسي نصير الدين في طوس سنة (597 هـ) على قول أغلب
__________________
(1) الوافي بالوفيات 1 / 179 ـ 183.
(2) المؤسّسة الدينية : 93.

المؤلّفين ، وتلقّى دراسته الأُولى في مسقط رأسه ، كما درس الحديث والأخبار على والده الذي كان من الفقهاء والمحدّثين ، كما أنّه درس الفقه والمنطق والحكمة على خاله ، بالإضافة إلى دراسته للحساب والهندسة والجبر .. وكان لا يزال في مطلع شبابه.
ثمّ رحل إلى نيسابور التي كانت في ذلك العهد مجمع العلماء ومنتجع الطلاّب فحضر حلقات دروس أكابر علمائها .. فقضى فيها فترة ظهر فيها نبوغه وتفوّقه وصار فيها من المبرّزين المشار إليهم بالبنان.
ثانياً : من نيسابور إلى قلاع الإسماعيلية :
وفي خلال وجوده في نيسابور زحف المغول زحفهم الأوّل بقيادة جنكيز خان حاملين معهم الدمار والموت ، فاجتاحوا فيما اجتاحوا بلاد خراسان وانهزم إمامهم السلطان محمّد خوارزم شاه وانهارت بعده كلّ مقاومة وتساقطت المدن واحدة بعد الأُخرى .. والقوّة الوحيدة التي حيل بينها وبين المغول ، هي قلاع الإسماعيليّين ، حيث صمدت هذه القلاع سنوات ولم تستسلم ، بينما كانت باقي مدن خراسان ومنها نيسابور قد عادت يباباً في أيدي المغول.
وخلال هذه الفترة العصيبة التي كان فيها الشيخ الطوسي (نصير الدين) حائراً لا يدري أين يلجأ ولا بمن يحتمي ، .. جاءته دعوة من المحتشم ناصر الدين عبد الرحيم متولّي قهستان والسلطة على قلاع الإسماعيلية في خراسان ... وكانت له عناية بالعلماء والفضلاء .. فقبل الطوسي دعوته وسافر

إلى قهستان .. فاستقبل هناك بإجلال.
وخلال فترة مكوثه في قهستان ترجم للفارسية كتاب ابن مسكويه (تطهير الأعراق) وزاد عليه مطالب جديدة وسمّاه (أخلاق ناصري)(1) ناسباً إيّاهُ إلى مضيفه ناصر الدين ، كما ألّف (الرسالة المعينية) في علم الهيئة ، وغيرها من الكتب الأُخرى.
ولم يطل المقام كثيراً بنصير الدين الطوسي في قهستان ، إذ سرعان ما طلب علاء الدين محمّد زعيم الإسماعيليّين من واليه ناصر الدين نزول الطوسي عنده ، فمضى ناصر الدين مصطحباً معه الطوسي إلى زعيمه علاء الدين في قلعة (ميمون دز) فاستقبله الزعيم الإسماعيلي استقبالاً يتّفق ومنزلته واستبقاه لديه معزّزاً مكرّماً.
وظلّ الطوسي في قلعة آلموت مع علاء الدين محمّد ، ثمّ مع ولده ركن الدين حتّى استسلام ركن الدين للمغول في حملتهم الثانية(2).
وقد اختلفت آراء الباحثين حول اتّصال نصير الدين بالإسماعيليّين.
فذهب أغلب الكتّاب الإسماعيليّين إلى (إسماعيلية النصير) فإنّ ذهابه إلى قلاع الإسماعيلية باختياره ، وبقاءه تلك المدّة الطويلة التي نافت على ربع قرن من الزمن ، والمناصب التي تقلّدها في الدولة الإسماعيلية النزارية حيث عهد إليه وظيفة استشارية لا تقلّ عن رتبة (الوزراء) ثمّ اتّخذ وزيراً ، ثمّ أُنيط
__________________
(1) الذريعة 1 / 235.
(2) أعيان الشيعة 14 / 242 ـ 244 (بتلخيص وتصرّف).

به مهمّة داعي الدعاة. بالإضافة إلى مكوّناته الفكرية التي تأثّر فيها بفكر الإسماعيلي ابن سينا (المتأثّر بفكر إخوان الصفا) .. كلّ هذه الأُمور ، بالإضافة إلى مكوثه الطويل مع الإسماعيلية وعدم ذهابه إلى المركز الشيعي المزدهر بمدينة الحلّة على يد الفقهاء الإماميّين الكبار في هذه الرحلة ...(1) ، تؤشّر إلى إسماعيلية النصير بحسب زعمهم.
أمّا المصادر الإثنا عشرية فقد أكّدت أنّه تتلمذ على أبيه محمّد بن الحسن الطوسي تلميذ فضل الله الراوندي ، والراوندي هو تلميذ السيّد المرتضى ، وشيخ الطائفة الطوسي ، وهذا يعني أنّه درس على سلسلة علماء تشبّعوا بالفكر الإمامي الإثنى عشري(2).
وبهذا أبعدت عنه كونه تأثّر بالفكر الإسماعيلي ، بل وسلخت عنه كلُّ ما يمتّ نسبته إلى الإسماعيلية ، وفسّرت دعوة حاكم قهستان له .. للاستفادة منه»(3).
وفي بعض المرويّات أنّ نصير الدين الطوسي اختطف من قبل فدائي الإسماعيليّين وحمل إلى قلعة (آلموت) قسراً ، وأنّه كان يعيش سنواته شبه أسير أو سجين. وفي رواية أُخرى أنّ الطوسي نصير الدين ذهب إلى
__________________
(1) تاريخ المؤسّسة الدينية : 89 ـ 90 نقلاً عن تاريخ الإسماعيلية 4 / 10 ، 167 ـ 168.
(2) نفس المصدر : 91 ، وانظر : روضات الجنّات 6 / 314.
(3) لؤلؤة البحرين : 250 ، روضات الجنّات 6 / 315.

الإسماعيليّين مختاراً ، وخلال مكوثه هناك حدث ما عكّر صفو آرائهم فنقم عليه ناصر الدين واعتبره سجيناً ، ثمّ أرغمه على مصاحبته إلى (ميون دز) حيث عاش سجيناً لا يبرح مكانه ...(1).
إلاّ أنّ هذه المرويّات وغيرها ، والتي تحاول أن توجد تفسيراً معقولاً لعلاقة نصير الدين بالإسماعيلية ، لا يمكن تقبّلها والإعتماد عليها إذ ليس لها ما يؤيّدها سوى بعض الكلمات التي تُتَصيَّد من بعض المؤلّفات التي كتبها نصير الدين خلال هذه الفترة والتي يصف فيها حالاته النفسية والمرارة وكدورة الأحوال التي يعيش فيها ، كما جاء في آخر كتاب شرح الإشارات(2).
وهي عبارات اعتاد الكتّاب على إدراجها في كتبهم ، ولا تصلح أن تكون مؤيّداً.
«فالتفسير الإثني عشري الذي جعل نصير الدين أسيراً للاسماعيليّين طيلة ثمان وعشرين عاماً ، وهي المدّة التي قضاها في قلاعهم ، لا يصمد أمام الوضع الفكري الذي عاشه نصير الدين هناك من خلال المؤلّفات التي كتبها والمناصب التي تقلّدها في ظلِّ هذه الدولة»(3).
ثالثاً : من قلاع الإسماعيلية إلى بغداد :
بدأ الغزو المغولي الثاني بقيادة هولاكو خان حفيد جنكيز خان ، ولم
__________________
(1) أعيان الشيعة 14 / 244.
(2) العلاّمة الخواجه نصير الدين الطوسي : 18 ، عن كتاب شرح الإشارات : 145.
(3) المؤسّسة الدينية : 93.

تستطع قلاع الإسماعيلية أن تصمد هذه المرّة كما صمدت في السابق .. فأيقن ركن الدين خورشاه آخر أُمراء الإسماعيلية بعدم جدوى الدفاع فجرت مفاوضات بينه وبين هولاكو انتهت باستسلام خورشاه سنة (654 هـ) ونزوله من قلعة آلموت التي كانت ملاذاً لهم على امتداد قرنين من الزمن ، وانتهى عهد الإسماعيلية في إيران بعد مائة وسبع وسبعين سنة امتدّت (من سنة 477 هـ إلى سنة 654 هـ).
وقد رافق خورشاه في نزوله الخواجه نصير الدين الطوسي ، والوزير مؤيّد الدين ، وأبناؤه ، والطبيبان رئيس الدولة ومؤيّد الدولة ، فصدر الأمر من هولاكو بقتل الجميع باستثناء الخواجه نصير الدين ، والطبيبان موفق الدولة ، ورئيس الدولة ، إذ طرق سمعه فضل الخواجه وكماله .. واستبان له صدق رئيس الدولة وموفّق الدولة وحسن نيّتهما .. فقد جعل هؤلاء جميعهم في كابه وضمّهم إلى بطانته»(1).
وهكذا وجد نصير الدين نفسه في ركاب هولاكو خان مرغماً على ذلك ، ليسير معه باتّجاه بغداد سنة (656 هـ) حيث أحاطت جنود المغول ببغداد من كلّ جانب فلم تصمد كثيراً أمام الضربات المغولية العاتية ، فسقطت بغداد وسقطت معها الخلافة العبّاسية ، وقتل آخر خليفة من بني العبّاس (المستعصم بالله) بعد أن استسلم لهولاكو مع أولاده وحاشيته وبطانته ، وبعد
__________________
(1) العلاّمة نصير الدين : 20.

أن أذلّه هولاكو وجرّده من أمواله ، ومن كلّ «ما كان الخلفاء جمعوه خلال خمسة قرون ، وضعه المغول بعضه على بعض فكان كجبل على جبل»(1) وحصل في بغداد من المجازر الشنيعة ما عجز المؤرّخون عن وصفها بدقّة(2).
كلّ هذه الأحداث الدامية المذهلة جرت في بغداد ولا أحد يجرؤ على وقف حمّام الدم في عاصمة الخلافة ، إلاّ رجل واحد استطاع بحنكته ودهائه وحسن تدبيره أن ينقذ الموقف وهو الأسير في قبضة هولاكو ولا يملك لنفسه الخيار ، وذلك هو نصير الدين محمّد بن محمّد الطوسي ، «فعزم منذ الساعة الأُولى أن يستغلّ هذا الموقف لانقاذ ما يمكن انقاذه من التراث الإسلامي المهدّد بالزوال ، وأن يحول دون اكتمال الكارثة النازلة والبلاء المنصبّ ، وقد استطاع بحنكته أن ينفّذ خطّته بحزم وتضحية وإصرار. وقد بلغ من إحكام أمره وترسيخ منهجه أنّ الدولة التي أقبلت بجيوشها الجرّارة لتهدّم الإسلام وتقضي على حضارته ، انتهى أمرها بعد حين إلى أن تعتنق هي نفسها الإسلام ويصبح خلفاء جنكيز وهولاكو الملوك المسلمين»(3).
* من نشاطات ومنجزات نصير الدين الثقافية والعامّة :
لقد كانت مهمّة نصير الدين الطوسي في بغداد بعد احتلالها مهمّة صعبة
__________________
(1) الغزو المغولي : 140 عن مؤرّخ العراق رشيد الدين الهمداني.
(2) للتوسّع انظر : الحوادث الجامعة المنسوب ، وجامع التواريخ ، والمغول في التاريخ ، والغزو المغولي.
(3) أعيان الشيعة 14 / 245.

ومعقّدة للغاية ، فهو من جانب كان عليه أن يؤدّي دوراً علميّاً وإداريّاً في الدولة المغولية ، ومن جانب آخر أن يسعى لحفظ البقية من العلماء والأُدباء والمفكّرين ، ومن جهة ثالثة أن يسخّر العقول العلمية لنهضة علمية وثقافية جديدة ، ومن جهة رابعة ـ وهي الأهمّ ـ أن يخطّط لمستقبل الدولة المغولية ليحوّلها من دولة غزو وقتل و .. إلى دولة حضارية وغزو حضاريّ وثقافيّ.
والذي يبدو ومن خلال استعراض منجزات ونشاطات نصير الدين الطوسي في ظلّ الدولة المغولية أنّ الرجل كان يتمتّع بعقل إداريٍّ منظّم وخلاّق فاستطاع ومن خلال منصبه كوزير لولد هولاكو (اباقا خان) والذي امتدّ لتسع سنوات (663 ـ 672 هـ) أن يحقّق بعض الإنجازات المهمّة والتي يمكن تلخيصها بما يلي :
1 ـ تنظيم موارد الدولة المالية والإشراف على الأوقاف الإسلامية ، والتصرّف بمواردها.
2 ـ تأسيس أكاديمية علمية ، وإنشاء جامعة شاملة متخصّصة بالعلوم الفلكية والرصد.
3 ـ إقامة أعظم مرصد عُرف في الشرق بمدينة مراغة.
4 ـ تشييد مكتبة حفلت بالكتب الثمينة ، والمخطوطات التي جلبت إليها من الأقطار الأُخرى.
5 ـ إرجاع العقول التي هاجرت بعد الغزو المغولي ، والإستفادة العلمية منها في أُمور مرصد مراغة ، وتشكيل لجان عُليا تُشرف على سير الثقافة في

البلاد(1).
هذه شذرات إجمالية من المنجزات العامّة لنصير الدين الطوسي ، لا يمكننا الدخول في تفاصيلها في هذا المختصر.
* دور نصير الدين الطوسي في المؤسّسة الدينية الشيعية :
وأمّا الجانب الآخر الذي اقترن اسم نصير الدين الطوسي به فهو دوره في حوزة التشيّع التي كانت مزدهرة آنذاك في مدينة الحلّة ، فهو دور كبير تجلّى في كونه يعدّ من أساتذة كبار علمائها من جهة ، وله بصماته الواضحة في مناهجها العقلية والفلسفة والكلامية من جهة ثانية ، وله الدور الأساسي في مشاركة علماء الحلّة وحوزتها في الحياة السياسية وأحداثها آنذاك من جهة ثالثة.
وفيما يلي إجمال لهذه المنجزات وضمن نقاط محدّدة :
1 ـ تربية وتعليم وإعداد العلماء والفضلاء :
وقد أخذ العلم والمعرفة عن نصير الدين جماعة من العلماء ، منهم : السيّد عبد الكريم بن أحمد بن طاووس الحلّي ، وقطب الدين محمّد بن مسعود الشيرازي ، وشهاب الدين أبو بكر الكازروني ، وأبو الحسن عليّ بن عمر القزويني الكاتبي ، والحسن بن يوسف المعروف بالعلاّمة الحلّي ، والحسن بن عليّ بن داود صاحب الرجال ، وعبد الرزّاق ابن الفوطي ،
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 100.

وغيرهم(1).
ويعتبر العلاّمة الحلّي من أبرز تلامذة نصير الدين ، حيث زار الطوسي الحلّة كما سوف يأتينا وأعجب بنبوغ العلاّمة الذي كان آنذاك في الرابعة عشرة من عمره ، فاهتمّ به ، وصحبه معه ، «وقد نقل أنّ نصير الدين قد سأل العلاّمة ـ وهو معه في طريقه من الحلّة إلى بغداد ـ عن اثنتي عشرة مسألة من مشكلات العلوم إحداها انتقاض حدود الدلالات بعضها ببعض ..»(2). فأجاب عنها وقد وصف العلاّمة الحلّي أُستاذه نصير الدين بقوله : «أُستاذ البشر ، والعقل الحادي عشر» ، وكذلك يصفه بقوله : «كان هذا الشيخ أفضل أهل زمانه في العلوم العقلية والنقلية ، وله مصنّفات كثيرة في العلوم الحكمية ، والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية»(3) ، ورغم أنَّ المصادر التاريخية لا تمدّنا بكثير من المعلومات عن الفترة التي قضاها العلاّمة الحلّي مع أُستاذه نصير الدين ، إلاّ أنّ بعض الباحثين يستظهر أنّ صحبة العلاّمة مع نصير الدين امتدّت عقداً كاملاً ، أو سنوات متقطّعة حتّى وفاته سنة (672 هـ).
فيقول هذا الباحث : «وعندما زار نصير الدين مدينة الحلّة عام (662 هـ) ، اصطحب العلاّمة الحلّي معه إلى مراغة ، واختصّه بالتدريس هناك.
__________________
(1) روضات الجنّات 6 / 303 ، والعلاّمة نصير الدين : 177 ـ 190 ، وطبقات الفقهاء 7 / 245.
(2) أعيان الشيعة 9 / 15.
(3) نفس المصدر 14 / 243 ، وانظر إجازة العلاّمة لبني زهرة ، البحار 107 / 62.

وبالرّغم أنّ المصادر التاريخية ... لم تشر إلى وجود العلاّمة في مراغة ، إلاّ أنّ العلاّمة نفسه أشار إلى تتلمذه على يد نصير الدين الطوسي ، ونجم الدين عليّ بن عمر الشافعي (الكاتبي) دون أن يذكر المكان الذي تتلمذ فيه عليهما»(1) ، ومن المعروف أنّ (الكاتبي) من علماء مرصد مراغة وبقي فيها حتّى عام (670 هـ)(2) ، فقد يستفاد من هذه أنّ تتلمذ العلاّمة عليه كان في مراغة وعند مرصدها ومكتبتها ، ويستفاد من عبارة الصفدي في تاريخه حيث يقول : «.. وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه جماعة كثيرة من تلامذته وأصحابه وأقام بها مدّة أشهر ومات»(3). وإنّ العلاّمة الحلّي قد عاد مع أُستاذه من مراغة إلى بغداد ، وبقي فيها حيث كان يعقد أُستاذه حلقات التدريس في بغداد طوال المدّة التي بقي فيها حتّى وفاته(4).
2 ـ إضافة العلوم العقلية والفلسفية والكلامية إلى منهج الدراسة في حوزة الحلّة :
لقد كان نصير الدين الطوسي من كبار فلاسفة عصره ، ومن أكبر المتأثّرين بالفيلسوف الإسلامي حسين بن عبد الله المعروف بابن سينا (370 ـ 428 هـ) ويعتبر الشارح المتمكّن لفلسفته ، وأكبر الفلاسفة المشتغلين بالعلوم
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 102 ، 106.
(2) الوافي بالوفيات 1 / 183.
(3) نفس المصدر 1 / 183.
(4) تاريخ المؤسّسة الدينية : 107 نقلاً عن البحّاثة الألماني : Sabine Schmideke.

العقلية بعده(1).
وكان العلاّمة الحلّي ـ كما أسلفنا ـ من أبرز تلامذة نصير كذلك درس عند جملة من علماء مراغة وفلاسفتها دروس الفلسفة وشروح المنطق والميتافيزيقا ، والعلوم الطبيعية بالإضافة إلى العلوم الرياضية والفلكية ..(2).
ومن أهمّ المؤلّفات التي ألّفها نصير الدين كتاب اشتهر بعنوان تجريد الاعتقاد وهو عبارة عن مقرّر لدراسة علم الكلام على أساس فلسفي في الجامعة التي أسّسها في مراغة ؛ وقد مزج الطوسي ـ في كتابه هذا ـ الفلسفة لأوّل مرّة في الإسلام بعلم الكلام مزجاً تامّاً بحيث صارا شيئاً واحداً»(3).
ولتجريد الاعتقاد شروح متعدّدة من أهمّها شرح تلميذه العلاّمة الحلّي الذي سمّاه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد وهو من أهمّ شروح الكتاب ، بل قد تفوق أهمّيته ، أهمّية الكتاب نفسه(4).
وقد استطاع العلاّمة أن يسرّب تركة أُستاذه نصير الدين الفلسفية إلى فكر مدرسة الحلّة من خلال شرحه لكتابه تجريد الاعتقاد وما زال الكتاب إلى اليوم كتاباً دراسيّاً في المراكز الدينية كالنجف ، وقم ، لطلاّب الفلسفة وعلم
__________________
(1) نفس المصدر : 93.
(2) انظر : الإجازة الكبيرة لبني زهرة التي كتبها العلاّمة الحلّي سنة (723 هـ) في بحار الأنوار 7 / 63 ، والذريعة 1 / 116.
(3) الصلة بين التصوّف والتشيّع 2 / 85.
(4) نظام الحكم في الإسلام ، النبوّة والإمامة عند نصير الدين الطوسي : 357.

الكلام(1).
3 ـ تعيين رواتب دائمة لطلاّب المدارس والمعاهد العلمية :
لقد كان لنصير الدين الطوسي مواقف مشرّفة اتّجاه علماء عصره ، فهو الذي استطاع أن ينقذ الكثير منهم من سيوف المغول ، وأوجد لهم فرصاً علمية في مجالات اختصاصهم بالإضافة إلى توفير مستلزمات الحياة الكريمة لهم ، «بعد أن تكلّف بأحوال الفقهاء ، والمدرّسين ، والصوفية في بغداد ، إلى حين وفاته ، كما يخبرنا معاصره ابن الفوطي ، ويؤيّده ابن العبري»(2).
إلاّ أنّ نصير الدين ـ ولنزعته الفلسفية والكلامية ـ نجده يقدّم الفلاسفة والأطبّاء والحكماء على أهل الفقه والحديث ، وذلك عندما وضع نظام المكافآت المالية. يقول ابن كثير في البداية والنهاية : «عمل الخواجه نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ، ونقل إليه شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد ، وعمل دار حكمة ورتّب فيها فلاسفة ، ورتّب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم ، ودار طبّ فيها للطبيب في اليوم درهمان ، ومدرسة لكلّ فقيه في اليوم درهم ، ودار حديث لكلّ محدّث نصف درهم في اليوم ، لذلك أقبل الناس على معاهد الفلسفة والطبّ أكثر من إقبالهم على معاهد الفقه والحديث ، بينما كانت تلك العلوم من قبل تدرس سرّاً»(3).
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 115 ـ 116.
(2) الفيلسوف نصير الدين الطوسي : 102.
(3) البداية والنهاية 13 / 249 ، أعيان الشيعة 9 / 417.

وكان لنصير الدين قدرة مالية كبيرة من خلال تولّيه لجميع الأوقاف في سائر البلاد ، «وكان له في كلّ بلد نائب يستغلّ الأوقاف ويأخذ عشرها ويحمله إليه ليصرفه في (جامكيّات) المقيمين بالرصد .. وكان للمسلمين به نفع خصوصاً الشيعة والعلويّين والحكماء وغيرهم»(1).
والذي يظهر من بعض النصوص التاريخية أنّ أباقاخان الذي تصدّى للحكم بعد وفاة أبيه هولاكو ـ وبنصيحة أسداها إليه الخواجه الطوسي(2) ـ قدّم العون المالي بشكل سخيٍّ ومتكرّر لحوالي مائة تلميذ كانوا طلبة لنصير الدين ، واستناداً إلى أبي الفرج ، فإنّ نصير الدين قد أجرى الرواتب للأساتذة والتلاميذ الذين كانوا معه ، والراجح أنّ ذلك كان من أموال الوقف»(3).
4 ـ رعاية الحوزة العلمية وتفقّد أحوالها :
لم يُصَنَّف نصير الدين الطوسي في سلك الفقهاء ، ولم يشتهر في طبقات فقهاء الشيعة كفقيه من فقهائها ، أو كزعيم من زعماء حوزتها العلمية ؛ إذ كانت الحوزة العلمية الشيعية في زمانه تتمثّل في حوزة الحلّة التي كان يرأسها آنذاك المحقِّق الحلّي أبو القاسم جعفر بن الحسن.
إلاّ أنّ شخصية نصير الدين الفلسفية والعلمية ووجوده في قلب السلطة المغولية ، جعلتا منه معلّماً بارزاً من معالم تحوّل مؤسّسة الفقهاء ذات المباني
__________________
(1) الوافي بالوفيات 1 / 182.
(2) الخواجه نصير الدين : 106.
(3) المراصد الفلكية في العالم الإسلامي : 312.

العلمية إلى مؤسّسة تركّزت في قلب السياسة والأحداث»(1). وأنّ هذه المسؤوليّات الجسام لم تمنعه من متابعة أوضاع الحوزة العلمية في حاضرتها العلمية الحلّة ، والجلوس إلى علمائها والاستماع منهم ، واكتشاف الطاقات والمواهب العلمية النابغة بين الدارسين منهم ؛ وهذا ما قام به في زيارته «لمدينة الحلّة سنة (662 هـ) عندما كان مشرفاً على متابعة تنظيم الموارد المالية للدولة المغولية ، وشؤون الأوقاف في البلاد ، ففوجىء بوجود نهضة دينية متقدّمة فيها ، ويبدو أنّ هذه هي الزيارة الأُولى التي يلتقي فيها نصير الدين بالفقهاء الشيعة»(2).
وقد عبّر نصير الدين عن إعجابه بالنهضة العلمية القائمة بالحلّة ، وأشاد بما شاهده فيها ، «ولمّا سئل بعد زيارته عمّا شاهده فيها قال : رأيت خرّيتاً ماهراً وعالماً إذا جاهد فاق» ، عني بالخرّيت المحقّق الحلّي ، وبالعالم العلاّمة الحلّي الذي كان في الرابعة عشرة من عمره آنذاك(3).
وقد حضر الخواجه نصير الدين درس المحقّق الحلّي ، فكان البحث في القبلة ، في استحباب التياسر قليلاً لأهل الشرق من أهل العراق عن السمت الذي يتوجّهون إليه ، فاعترض الطوسي أنّ التياسر إمّا إلى القبلة فيكون واجباً لا مستحبّاً ، وإمّا عنها فيكون حراماً ، فأجاب المحقّق في
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 101.
(2) نفس المصدر : 101 ـ 102.
(3) نفس المصدر : 102 ، وانظر : أعيان الشيعة 9 / 15.

الدرس ، بأنّ الإنحراف منها إليها .. ثمّ إنّ المحقّق الحلّي عمل في ذلك رسالة ، وأرسلها إلى الطوسي فاستحسنها ، وقد أورد الرسالة ابن فهد في المهذّب البارع بتمامها»(1).
وممّا يذكر في سفرة العلاّمة نصير الدين إلى الحلّة ما ذكره العلاّمة الحلّي في «الإجازة لبني زهرة» قال : «أنفذ هولاكو الخواجه نصير الدين الطوسي إلى الحلّة ، فاجتمع عنده فقهاؤها ، فأشار إلى المحقّق جعفر بن الحسن بن سعيد ، وسأل : من أعلم هذه الجامعة بالأُصولين؟ فأشار إلى والدي سديد الدين ، وإلى الفقيه مفيد الدين محمّد بن جهيم ؛ فقال : هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام وأُصول الفقه ، فتكدّر ابن عمّه يحيى بن سعيد وكتب إليه : كيف ذكرت ابن المطهّر وابن جهيم ، ولم تذكرني؟ فكتب له في الجواب : ربّما سألك الخواجه مسألة فوقفت وحصل لنا حياء»(2).
* التراث العلمي لنصير الدين الطوسي :
خلّف الخواجه نصير الدين الطوسي تراثاً فكريّاً ضخماً كتبه في المراحل المختلفة من رحلته العلمية ، منها ما كتبها في ظلّ الإسماعيليّين عندما كان في قلاعهم «وتتلخّص برسائل صغيرة أشبه ما تكون بالكتب التعليمية الدراسية ..»(3).
__________________
(1) أعيان الشيعة 14 / 247.
(2) طبقات أعلام الشيعة ، الأنوار الساطعة في المائة السابعة 4 / 155.
(3) المؤسّسة الدينية : 93.

وقد سلك في كتبه الأخلاقية مسلكاً فلسفيّاً لا يخرج عن المسلك الفلسفي للفارابي ، وابن سينا ، وابن مسكويه ، ولا يدلاّن دلالة قاطعة على إسماعيلية النصير ـ كما يدّعي ذلك بعض كتّاب الإسماعيلية ـ وإن وضعا وصمّما من أجل التعليم الإسماعيلي ، وبناءً لأمر إسماعيلي ، في بيئة إسماعيلية(1).
وأمّا مؤلّفاته الأُخرى والتي كتبها بعد مغادرته لقلاع الإسماعيلية ، فهي قائمة طويلة شملت أكثر علوم عصره ، إذ كان متبحّراً في أكثر تلك العلوم ، كما أنّها كتبت باللغتين العربية والفارسية ، ويبدو أنّه كان ملمّاً باللغة التركية أيضاً.
وهنالك فهارس متعدّدة لآثار الخواجه نصير الدين ، وكلّ من ترجم له اكتفى بذكر بعض مؤلّفاته ، أو ما هو مشهور من مؤلّفاته وآثاره.
يقول أحد الباحثين : «إنّ أفضل وأتمّ فهرس لآثار الخواجه هو الفهرس الذي نقله المؤرّخان القريبان من عصره : محمّد بن شاكر بن أحمد الكتبي المتوفّى سنة (764 هـ) في كتابه فوات الوفيات ، وصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفّى أيضاً سنة (764 هـ) في كتابه الوافي بالوفيات. ومن الثابت أنّ مصدر الاثنين في هذا الفهرس واحد ، فلا يلحظ اختلاف كبير فيه ، ويحتمل أنّهما أخذاه من شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي المتوفّى سنة
__________________
(1) النبوة والإمامة : 259.

(748 هـ). مع هذا فإنّ الفهارس المذكورة ناقصة ، إذ سقط منها كثير من آثار الطوسي المهمّة التي لا شكّ في إسنادها إليه ولم يرد لها ذكر»(1).
وفي العصر الحديث وضع كلٌّ من بروكلمان ، وجورج سارتن فهارس متعدّدة لكتب الخواجه ؛ الأوّل منها فيه أسماء ستّة وخمسون كتاباً ، والثاني أربعة وستّون كتاباً ؛ وتوسّع الدكتور عبد الأمير الأعسم أكثر ، فقدّم قائمة بمؤلّفات نصير الدين تجاوزت (160) عنواناً(2).
ولعلّ أحدث وأوسع فهرس مفصّل لآثار الخواجه نصير هو فهرس الباحث محمّد تقي مدرّس رضوي في كتابه : العلاّمة الخواجه نصير الدين الطوسي حياته وآثاره ، إذ أوصل عدد مؤلّفات الخواجه نصير الدين في هذا الفهرس إلى مائة وتسعين مؤلّفاً. ولم يكتفِ بذكر عناوين هذه المؤلّفات فقط ، وإنّما ذكر تفاصيل دقيقة عنها وعن محلّ تواجدها في مكتبات العالم ، وعن نسخها وطباعتها وغيرها من المعلومات التي تهمُّ الباحثين كثيراً(3).
* وفاة نصير الدين الطوسي :
بعد عمر حافل بالعطاء العلمي والفكري والاجتماعي والسياسي ، لبّى الخواجه نصير الدين الطوسي نداء ربّه فتوفّي في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجّة سنة (672 هـ) وشيّع جثمانه صاحب الديوان شمس الدين
__________________
(1) الخواجه نصير الدين : 239 ـ 240.
(2) نصير الدين الطوسي : 75 ـ 95 ، وانظر : الخواجه نصير الدين : 87.
(3) نفس المصدر : 242 ـ 439.

الجويني وعلماء بغداد وأعيانها ، وحشد غفير من الناس ، وأخذوه إلى الكاظمية وحفروا له قبراً في جهة أقدام الإمامين العظيمين الكاظم والجواد فظهر سرداب ، فدفنوه فيه»(1).
المبحث الثالث : الصلات العلمية بين حوزة الحلّة وجبل عامل :
استمرّت حوزة الحلّة العلمية في عطائها الفكري والثقافي ومنذ تأسيسها وإلى نهاية القرن الثامن الهجري ولمدّة ثلاثة قرون من الزمن تقريباً ؛ استطاعت خلالها أن تثري المكتبة الإسلامية بمبتكرات البحوث الفقهية والأُصولية والكلامية .. وأن تكون مركز الاستقطاب الأوّل لطلاّب العلوم الإسلامية والعلماء والفضلاء من الأقطار الأُخرى ، ولا سيّما من الحواضر والبلدان الشيعية.
وقد بيّنا سابقاً كيف أنّ النجف الأشرف قد صبّت علومها في رافد مدينة الحلّة لتشكّل بذلك حوزتها العلمية ، ثمّ تأخذ بعد ذلك طابعها العلمي الخاصّ بها.
حيث استطاع علماء الحلّة الكبار من أمثال المحقّق الحلّي ، والعلاّمة الحلّي ، وولده فخر المحقّقين ، وغيرهم أن يرتقوا بهذه الحوزة إلى أوج كمالها العلمي ، لتكون مركز استقطاب لعشّاق العلم والمعرفة.
__________________
(1) نفس المصدر : 52.

«وتوسّعت (حوزة الحلّة العلمية) .. واتّجهت الأنظار إليها أكثر من ذي قبل ، بعدما أُصيبت (بغداد) بنكبة المغول ، وتشرّد أهلها .. فهاجر بعض العلماء من بغداد إلى الحلّة واستقرّوا بها ، فكثرت فيها المدارس والمكاتب وحفلت بالعلماء ، وأصبحت مركزاً مرموقاً من مراكز الحركة العقلية في الأوساط الإسلامية.
ولولا وجود (حوزة الحلّة) وانتقال بقايا الحركة العلمية من بغداد إلى الحلّة ، وعناية (المحقّق الحلّي) وتلميذه (العلاّمة الحلّي) وولده (فخر المحقّقين) بشؤون الفكر الإسلامي ، والمحافظة على ما تبقّى من الثقافة الإسلامية ورجال الفكر الإسلامي .. لما بقي لنا شيء من هذا التراث الفكري الضخم الذي نتداوله اليوم فيما بين أيدينا من كتب الفقه والحديث والتفسير والعلوم العقلية والأدبية»(1).
ومن جملة من تطلّع إلى هذه الحاضرة العلمية نخبة من أبناء جبل عامل في لبنان ، فشدّوا إليها الرحال وإن بَعُدت عليهم الشقّة.
«ويبدو أنّ الوشائج بين الحلّة وجبل عامل تسبق عصر النهضة العلمية في جبل عامل ، وأسبق هجرة إلى الحلّة كانت في زمن رائد المدرسة وزعيمها آنذاك المحقّق الحلّي ، ثمّ أخذت الهجرة تتزايد شيئاً فشيئاً خصوصاً على زمن فخر المحقّقين»(2).
__________________
(1) مقدّمة اللمعة الدمشقية 1 / 86.
(2) الفقه في جبل عامل : 118.

وتعتبر مدرسة جبل عامل ، وحوزتها العلمية العريقة ، الامتداد العلمي والوارثه لحوزة الحلّة العلمية ؛ وذلك من خلال بعض المهاجرين إليها من الفضلاء ، وبالخصوص الشهيد الأوّل محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي (786 هـ) رائد الحركة الفقهية في الجبل ، «فكان الشهيد الأوّل امتداداً لمدرسة الحلّة وحركتها»(1).
وفيما يلي استعراض موجز لبعض فضلاء جبل عامل ممّن هاجروا إلى الحلّة وتتلمذوا في مدرستها وحوزتها العلمية :
1 ـ الشيخ يوسف بن حاتم المشغري العاملي :
يعتبر الشيخ المشغري من قدماء المهاجرين العامليّين ، والفاتح لباب الهجرة العاملية المباركة إلى البلدان الإسلامية.
ترجم له الطهراني في الطبقات فقال : «يوسف بن حاتم بن فوز بن مهنّد ، الشيخ جمال الدين الشامي المشغري العاملي ، المجاز من عليّ بن طاووس بإجازات متعدّدة ، وله المسائل البغدادية سألها عن المحقّق فأجاب عنها المحقّق وقال : «إنّها تدلّ على فضيلة موردها» وقد قرأ الجامع على مصنّفه يحيى بن سعيد .. وعبّر عن صاحب الترجمة بالفقيه يوسف بن حاتم الشامي. وله الأربعين عن الأربعين ...
وقال الطهراني في الذريعة : جوابات المسائل البغدادية للشيخ نجم
__________________
(1) انظر : المرجع نفسه : 95 ـ 97.

الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد المحقّق الحلّي المتوفّى (676 هـ) هي اثنتان وسبعون مسألة فقهية يسألها من تلميذه الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المشغري العاملي ...»(1).
فالشيخ يوسف من فضلاء جبل عامل المهاجرين إلى حوزة الحلّة ومن تلامذة المحقّق الحلّي ، وابن طاووس رضيّ الدين عليّ (ت 664 هـ) والشيخ يحيى بن سعيد (ت 690 هـ) صاحب كتاب الجامع للشرائع ، وهو من أعاظم العلماء وأجلّة الفقهاء حيث أثنى عليه أساتذته ثناءً عطراً.
وذكره الحرّ العاملي وقال عنه : كان فاضلاً فقيهاً عابداً .. يروي عن المحقّق جعفر بن الحسن بن سعيد ، وعن السيّد ابن طاووس(2).
وذكر له السيّد حسن الصدر في التكملة كتاب الدُرُّ النَظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم وقال عنه إنّه كتاب جليل في بابه .. ثمّ يقول : وكان هذا الشيخ من أجلّة العلماء في عصر المحقّق نجم الدين صاحب الشرائع ، وهو صاحب المسائل البغدادية التي أجاب عنها المحقّق(3).
2 ـ الشيخ محفوظ بن وشاح :
قال في التكملة : «الشيخ شمس الدين أبو محمّد محفوظ بن وشاح بن
__________________
(1) طبقات الطهراني (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) 4 / 207 ـ 208 ، والذريعة 5/ 153.
(2) أمل الآمل 1 / 190.
(3) تكملة أمل الآمل : 434 ـ 435.

محمّد الهرملي العاملي ، ذكره الشيخ المحقّق صاحب المعالم في إجازته الكبيرة(1) قال : «كان هذا الشيخ من أعيان علماء عصره ، ورأيت بخطّ شيخنا الشهيد الأوّل في بعض مجاميعه حكاية أُمور تتعلّق بهذا الشيخ منها أنّه كتب إلى الشيخ المحقّق نجم الدين السعيد أبياتاً من جملتها :

أغيب عنك وأشواقي تجاذبني
 

 

إلى لقائك جذب المغرم العاني
 

إلى لقاء حبيب شبه بدر دجى
 

 

وقد رماه بأعراض وهجران
 

فأجابه المحقّق رحمه‌الله بأبيات .. وكتب من بعدها نثراً».
ثمّ يضيف صاحب التكملة : «واعلم أنَّ هذا الشيخ أبو طائفة كبيرة بالهرمل يعرفون بآل محفوظ وبني وشاح ، خرج منهم علماء أجلاّء رؤساء نبلاء ، وهو غير محفوظ بن عزيزة بن وضّاح السوراني ، والد الشيخ سديد الدين سالم بن محفوظ ابن عزيزة الحلّي أُستاذ المحقّق نجم الدين في علم الكلام الذي قرأ عليه كتابه المنهاج في علم الكلام فلا تتوهّم الاتّحاد»(2).
فالشيخ محفوظ بن وشاح عالم فاضل ، هرمليّ عامليّ ، مهاجر إلى الحلّة قديماً على عهد المحقّق الحلّي ، وله مع المحقّق مودّة تظهر من خلال متابعة المراسلات الشعرية والنثرية التي كانت بينهما(3).
إلاّ أنّ السيّد الأمين محسن له كلام في أعيانه يشكّك في نسبته إلى
__________________
(1) بحار الأنوار : 109 ـ 3 ـ 79.
(2) تكملة أمل الآمل : 329 ـ 331.
(3) الفقه في جبل عامل : 119 ـ 120.

الحلّة(1).
3 ـ طُمان بن أحمد العاملي المناري (ت 728 هـ) :
الملقّب بنجم الدين ، قال عنه الحرّ العاملي : «كان فاضلاً عالماً محقّقاً ، روى عن الشيخ شمس الدين محمّد بن صالح عن السيّد فخار بن معد الموسوي وغيره من مشائخه.
وذكر الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في إجازته : إنّ عنده بخطّ الشيخ شمس الدين محمّد بن صالح إجازة للشيخ الفاضل نجم الدين طمان بن أحمد العاملي ، وذكر فيها أنّه يروي عن السيّد فخار والشيخ نجيب الدين بن نما وجماعة آخرين».
وقال عند ذكره للرواية عن السيّد فخار : إنّه قرأ عليه سنة (630 هـ) بالحلّة ، وإنّه روى عن الفقيه محمّد بن إدريس وغيره من مشائخه ....
قال : وذكر الشهيد في بعض إجازاته أنّ والده جمال الدين أبا محمّد مكّي رحمه‌الله من تلامذة الشيخ العلاّمة الفاضل نجم الدين طومان ، والمتردّدين إليه حين سفره إلى الحجاز الشريف ، ووفاته بطيبة في نحو سنة (728 هـ) أو ما قاربها(2).
تفقّه الشيخ طمان على الشيخ شمس الدين محمّد بن أحمد بن صالح القسيني الذي تتلمذ بدوره على المحقّق الحلّي وقرأ عليه كتاب نهج الوصول
__________________
(1) انظر : أعيان الشيعة 15 / 389 ـ 391.
(2) أمل الآمل 1 / 103.

إلى علم الأُصول كما قرأ كتاب الجامع للشرائع على مصنّفه يحيى بن أحمد ابن عمّ المحقّق الحلّي(1) فهو من تلامذة تلامذة المحقّق بواسطة واحدة.
هذا ، وقد أثنى على الشيخ طمان أُستاذه الشيخ محمّد بن صالح ثناءً عطراً ، قال الشيخ حسن : وفي كلام الشيخ محمّد بن صالح دلالة على جلالة قدر الشيخ طمان ، وصورة لفظه في إجازة له هكذا : «قرأ على الشيخ الأجلّ العالم الفاضل الفقيه المجتهد نجم الدين طمان بن أحمد الشامي العاملي كتاب النهاية في الفقه تأليف شيخنا أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قراءة حسنة تدلّ على فضله ومعرفته ، ثمّ قال : وقرأ بعد ذلك عليَّ كتاب الاستبصار .. وشرحته له وعرّفته ما وصل جهدي إليه من صحيح الأخبار وغيرها ، ثمّ قرأ عليَّ بعد ذلك الجزء الأوّل من المبسوط والثاني منه .. وفصولاً من الثالث قراءة محقّق لما يورده» ثمّ يقول الشيخ حسن : ووجدت في عدّة مواضيع غيره هذه الإجازة ثناءً بليغاً على هذا الرجل ومدحاً له رحمه‌الله(2).
4 ـ الشيخ صالح بن مشرف العاملي الجبعي :
قال عنه الحرّ العاملي : «جدّ شيخنا الشهيد الثاني ، كان فاضلاً عالماً فقيهاً ، من تلامذة العلاّمة الحلّي»(3) وقد مرّ بنا في الترجمة السابقة الإشارة إلى بعض جوانب شخصية المترجم له.
__________________
(1) رياض العلماء 5 / 110 ، روضات الجنّات 2 / 188 ـ 189.
(2) أمل الآمل 1 / 104 ـ 105.
(3) أمل الآمل 1 / 102 ، وانظر : الطبقات (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة) 5 / 96.

5 ـ الشيخ عليّ بن الحسين الشفيهني أو الشهفيني :
ترجم له الحرّ العاملي في القسم الثاني من كتابه أمل الآمل والذي خصّصه للعلماء من غير جبل عامل ، فقال في ترجمته : الشيخ عليّ الشفيهني (الحلّي) فاضل شاعر أديب ، له مدائح كثيرة في أمير المؤمنين والأئمّة :(1).
وقد اختلف أرباب التراجم في الشيخ الشفيهني فعدَّه الحرّ (حلّياً) وعدّه البعض عامليّاً.
والظاهر أنَّ أوّل من نسبه إلى جبل عامل هو صاحب الرياض ، فقال : «والظاهر أنّ الشفيهني نسبة إلى بعض قرى جبل عامل»(2) وقد تعجّب الخوانساري في روضاته من الحرّ العاملي فقال : «والعجب أنّ صاحب أمل الآمل مع حرصه على جمع فضلاء جبل عامل كيف غفل عن ذكر مثل هذا الرجل الجليل الفاضل الكامل»(3) ، وقوّى هذا الاتّجاه السيّد حسن الصدر فقال : «والظنّ أنّ الشفهيني نسبة إلى بعض قرى جبل عامل»(4) ، وعلى فرض صحّة كونه من جبل عامل يكون الشيخ عليّ بن الحسين ممّن هاجر إلى الحلّة وتتلمذ في مدرستها وصار من مشاهير علمائها(5).
ومهما يكن من أمر فإنّ الشيخ الشفهيني من العلماء الشعراء الكبار ،
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 190.
(2) الرياض 3 / 427.
(3) روضات الجنّات 7 / 15.
(4) تكملة أمل الآمل : 288 ـ 291.
(5) الفقه في جبل عامل : 120 ـ 121.

وكان الشهيد الأوّل قد شرح قصيدته في مدح أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وهو أوّل ما صنّفه الشهيد الأوّل ، فأُعجب الشيخ عليّ الشفهيني بشرحها فأرسل إليه يمدحه :

فكأنّه وجواده وحسامه
 

 

وسنان مسعده دليل أسود
 

قمر على فلك وراه مذنّب
 

 

وأمامه والليل داج فرقد(1)
 

5 ـ محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي ، الشهيد الأوّل (استشهد 786 هـ) :
وهو من أبرز المهاجرين العامليّين إلى الحلّة ، حيث تتلمذ على يد وارث علم سلفه الصالح (فخر المحقّقين) وأخذ من نمير علمه الصافي ، ثمّ ساهم في بناء صرح مدرستها العلمية مساهمة فاعلة ومؤثّرة فأصبح من أبرز المدرّسين في مدرستها «والتفّ حوله طلاّب الفقه والأُصول يدرسون عليه مناهج الاستنباط والفقه ، وعرف الشهيد في الحلّة بتدريسه لقواعد العلاّمة والتهذيب وعلل الشرائع وكتب أُخرى في الفقه والأُصول»(2).
وسوف نتوقّف عند حياة الشهيد الأوّل وإنجازاته العلمية في محلّه المناسب من بحث الحوزة العلمية في جبل عامل إن شاء الله.
6 ـ الشيخ حسن العاملي :
قال في التكملة : «عزّ الدين أبو محمّد الحسن بن سليمان بن محمّد
__________________
(1) مقدّمة اللمعة 1 / 110.
(2) مقدّمة اللمعة 1 / 111.

العاملي ، من تلامذة الشهيد الأوّل ، قرأ عليه ، ورأيت إجازة له ولجماعة محكية عن خطّ الشهيد ، وصفه الشهيد بما هذه صورته : «والشيخ الصالح الورع الديِّن العدل»(1).
والملاحظ أنّ صاحب التكملة يؤكّد عامليته ، وكذلك سيّد الأعيان يقول : «ولعلّ أصله كان عامليّاً ثمّ توطّن الحلّة»(2). فإذاً صحّت نسبته إلى جبل عامل ـ كما هو صحيح ـ فإنّه يعدّ ممّن هاجر إلى الحلّة في منتصف القرن السابع ، وكان من جملة من تتلمذ على الشهيد الأوّل إبّان وجوده في الحلّة ، بل ومن أبرز من تتلمذ عليه(3) ، وهو ثاني الستّة المجازين بإجازة واحدة من الشهيد محمّد بن مكّي تاريخها (12 شعبان 757 هـ)(4).
7 ـ الشيخ الحسين بن عليّ العاملي :
قال السيّد الصدر في التكملة : «عزّ الدين أبو عبد الله الحسين بن عليّ العاملي ، عالم فاضل محدّث كامل ، قرأ على الشهيد محمّد بن مكّي وله منه إجازة وصفه فيها : «الشيخ الفقيه العالم الكامل أبو عبد الحسين بن عليّ العاملي» وتاريخ الإجازة في شعبان سنة سبع وخمسين وسبعمائة ، وهي إجازة له ولجماعة ممّن شاركه في قراءة علل الشرائع على الشهيد ، وقد
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 149.
(2) أعيان الشيعة 5 / 106.
(3) الفقه في جنوب لبنان : 122.
(4) طبقات الطهراني (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة) 5 / 41.

وجدها بخطّ الشهيد صاحب رياض العلماء»(1) وتاريخ إعطاء الشهيد الأوّل الإجازة للشيخ المترجم له (757 هـ) كان فيها الشهيد في الحلّة ، ممّا يؤكّد أنّ الشيخ عزّ الدين ممّن هاجر إلى الحلّة وشدّ الرحال إليها من الجبل(2).
8 ـ الشيخ عليّ بن بشارة العاملي :
الشيخ زين الدين أبو الحسن عليّ بن بشارة العاملي ، هو الآخر ممّن هاجر إلى الحلّة وأقام فيها ، وقد تتلمذ على الشهيد الأوّل وأجازه في شهر شعبان عام (757 هـ) ومن تاريخ إجازته هذه استفدنا هجرته إلى الحلّة كما تقدّم ذكره.
وقد مدحه الشهيد الأوّل في إجازته فقال : «الشيخ الأجلّ العالم العامل الفقيه الكامل الزاهد العابد زين الدين أبي الحسن عليّ بن بشارة العاملي ..»(3).
9 ـ الشيخ جمال الدين أحمد الكوثراني :
وهو من تلامذة الشهيد الأوّل ، وصفه الشهيد في إجازته له : «الشيخ الفقيه الزاهد العابد»(4) وهو أحد الستّة الوارد ذكرهم في إجازة الشهيد الأوّل التي أجازها لجمع من تلامذته ممّن قرأ عليه كتاب علل الشرائع للصدوق في
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 187 ، وطبقات الطهراني 5 / 57 ، والرياض 3 / 374.
(2) الفقه في جنوب لبنان : 122.
(3) نفس المصدر : 123 ، وانظر : التكملة : 285.
(4) التكملة : 92 ، وطبقات الطهراني 5 / 4.

مدينة الحلّة.
10 ـ الشيخ عزّ الدين الحسن بن شمس الدين محمّد بن إبراهيم بن الحسام العاملي :
قال الحرّ العاملي : «كان فاضلاً فقيهاً جليلاً ، قرأ على الشيخ فخر الدين محمّد ابن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ، ورأيت له إجازة عامّة بخطّ الشيخ فخر الدين بن العلاّمة على ظهر كتاب القواعد لأبيه تاريخها سنة (753 هـ) ، وقد أثنى عليه فيها فقال : قرأ عليَّ مولانا الشيخ الأعظم الإمام المعظّم شيخ الطائفة مولانا الحاج عزّ الحقّ والدين ابن الشيخ الإمام السعيد شمس الدين محمّد بن إبراهيم بن الحسام ..»(1).
11 ـ الحسن بن أيّوب :
قال الطهراني في الطبقات : «بدر الدين أو عزّ الدين أو فخر الدين) الشهير بابن نجم الدين الأطراوي العاملي ، الراوي عن عميد الدين بن عبد المطّلب الأعرجي الحسيني (ت 754 هـ) وعن أخيه ضياء الدين عبد الله ، وعن فخر المحقّقين ابن الحلّي (ت 771 هـ) وعن الشيخ الشهيد (ت 786 هـ). ويروي عنه شمس الدين محمّد العريضي العاملي ، وجعفر بن الحسام العينائي .. وما جاء في «إجازة الشهيد الثاني» من توصيفه بالأعرجي الحسيني بدل الأطراوي العاملي فهو من إسقاط الناسخ الواسطة .. ثمّ تبع الشيخ الحرّ
__________________
(1) أمل الآمل 1 / 66 ـ 67 ، وطبقات الطهراني 5 / 45.

في الأمل الشهيد فوصفه بالأعرجي الحسيني ، فظنّه حلّياً وذكره في القسم الثاني الخاصّ بغير العامليّين ، مع أنّ الرجل من قرية أُطري من قرى جبل عامل ، وتنبّه للإسقاط صاحب الرياض ..»(1).
12 ـ الشيخ زين الدين عليّ بن محمّد الطائي :
قال في الرياض : «الشيخ أبو القاسم عليّ بن عليّ بن جمال الدين محمّد بن طيّ العاملي ، الفاضل العالم الفقيه المجتهد الشاعر ، المعروف بـ: (ابن طي) .. وهو صاحب كتاب مسائل ابن طي والمعاصر لابن فهد الحلّي ، وصاحب الأقوال المعروفة في الفقه ...»
وقال السيّد الأمين في ذكر تلامذة ابن فهد الحلّي ، ومنهم : «الشيخ زين الدين عليّ بن محمّد بن طيّ العاملي».
13 ـ الشيخ عزّ الدين الحسن بن عليّ المعروف بـ «ابن العشرة» :
قال الحرّ العاملي : «فاضل عالم فقيه ، يروي عن ابن فهد ، وعن أبي طالب محمّد ولد الشهيد ، لا يخفى أنّه كان الأحرى ذكر ابن العشرة في القسم الأوّل لأنّه من علماء جبل عامل. وقال عنه الخوانساري : الشيخ الإمام الفقيه .. الشهير بابن العشرة الكرواني العاملي»(2).
* الصلة العلمية بين حوزة الحلّة والأقطار الأُخرى :
لم تكن الهجرة إلى حاضرة العلم الحلّة مقتصرة على أبناء جبل عامل ،
__________________
(1) طبقات الطهراني 5 / 37 ـ 38 ، وانظر : أمل الآمل 2 / 63 ، ورياض العلماء : 1 / 162 ، والتكملة : 136.
(2) رياض العلماء 4 / 158 ، وأعيان الشيعة 3 / 148.

وإنّما شملت علماء وفضلاء من أقطار أُخرى ، يمكن أن نشير إلى نماذج منهم والأقطار التي هاجروا منها إلى مدينة الحلّة :
1 ـ الآملي ، حيدر بن عليّ العبيدي الحسيني :
قال صاحب الروضات : هو من أجلّة علماء الظاهر والباطن ، وأعظم فضلاء البارز والكامن ، ذكره ابن جمهور الأحسائي فقال : الفقيه العارف المشهور بعنوان السيّد العلاّمة المتأخّر صاحب الكشف الحقيقي. أصله من آمل طبرستان ، وهي كما في وفيات الأعيان .. مدينة عظيمة من قصبة طبرستان»(1).
هاجر المترجم له إلى الحلّة لتلقّي العلوم على علمائها لأنّها كانت يومئذ أعظم جامعة إسلامية ، فصحب فخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي ، ونصير الدين القاشاني المعروف بالحلّي(2).
والمترجم له من الفلاسفة ومن أصحاب النظريّات في فلسفة الإشراق وله آراء خاصّة سطّرها في كتبه ومؤلّفاته ، وخاصّة كتابيه جامع الأسرار ومنبع الأنوار ، وشرح النصوص .. بالإضافة إلى كتابه في تفسير القرآن.
2 ـ الشيخ محمود الحمصي :
هو سديد الدين محمود بن عليّ بن الحسين الحمصي الرازي ، وهو الشيخ الورع الثقة ، والذي كان أعلم أهل زمانه في الأُصولين. وهو صاحب
__________________
(1) مقدّمة المهذّب البارع 1 / 27.
(2) تاريخ الحلّة 2 / 123.

التصانيف الكثيرة التي قال عنها منتجب الدين في فهرسته : «حضرت مجلس درسه سنين وسمعت أكثر هذه الكتب»(1). وهو من العلماء المهاجرين إلى الحلّة وكان حيّاً إلى حدود سنة (600 هـ)(2) ، واختلف في نسبته إلى حمص البلدة الشهيرة في بلاد الشام ، أم أنّه من إحدى قرى بلاد الريّ؟ وليس لهذا الأمر أهمّية كثيرة.
3 ـ الفاضل الآبي(3) :
وهو الحسن بن زبيب الدين ، أبي طالب بن أبي المجد اليوسفي زين الدين أبو محمّد الآبي الآوي الفقيه الجليل .. صاحب كشف الرموز الذي فرغ منه في شعبان (672 هـ) وهو شرح رموز المختصر النافع [كتبه] في حياة أُستاذه المحقّق الحلّي مؤلّف النافع في بعض أسفاره ...»(4).
وذكر السيّد بحر العلوم أنّه أوّل من شرح النافع ، وينقل الشهيد والسيوري أقواله ، ويعبّران عنه بالآبي وابن الزبيب وشارح النافع وتلميذ المحقّق»(5).
__________________
(1) الفهرست لمنتجب الدين : 107 ، ولؤلؤة البحرين : 348.
(2) تاريخ الحلّة : 88.
(3) معجم البلدان بمادّة (آبة) 1 / 52 : بالباء الموحّدة ، قال : أبو سعد .. من قرى إصفهان ، وقال غيره إنّ آبة قرية من قرى ساوة ... ثمّ يضيف الحموي : قلت : أمّا آبة بليدة تقابل ساوة تعرف بين العامّة بآوة وأهلها شيعة ...
(4) طبقات الطهراني الأنوار الساطعة في المائة السابعة 3 / 38.
(5) رجال السيّد بحر العلوم 2 / 179 وما بعدها.

4 ـ صفيّ الدين بن الطقطقي (660 هـ ـ 709 هـ) :
هو صفيّ الدين أبو جعفر محمّد بن تاج الدين أبي الحسن عليّ بن رمضان ، ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن إسماعيل (طبطبا) بن إبراهيم بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط عليه‌السلام ويعرف بالطقطقي.
يذكر أنّ أُسرته استوطنت الحلّة منذ أيّام جدِّه رمضان .. وكان أبوه نقيب العلويّين ، ثمّ ولي صدارة الحلّة ، وبعد أبيه تولّى نقابة العلويّين ، وقد حضر مجلسه في الحلّة المؤرّخ الشهير ابن الفوطي كما ذكر ذلك في معجم الأُدباء.
سافر المترجم له إلى بلاد فارس ، وتزوّج امرأة فارسية من خراسان ودخل مراغة سنة (696 هـ).
ليس للمترجم من الآثار غير مؤلّفه في التاريخ المسمّى بالفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية .. عني بنشر كتابه وترجمته جماعة من المستشرقين في أُوروبا ، وطبع في ألمانيا وفي غوطا وباريس ، وترجم إلى الفرنسية وطبع بمطبعة الموسوعات بمصر ..(1).
5 ـ الشيخ رضيّ الدين القطيفي الشهير بابن راشد :
وهو من تلامذة ابن فهد الحلّي (ت 841 هـ)(2) ، قال صاحب الطبقات ، نقلاً عن عوالي اللئالي : «إنّ الشيخ كريم الدين يوسف الشهير بابن أبي
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 116 ـ 119 (بتلخيص).
(2) انظر : مقدّمة المهذّب البارع لابن فهد الحلّي 1 / 25.

القطيفي ، يروي عن الشيخ العلاّم والبحر القمقام رضيّ الدين الحسين الشهير بابن راشد القطيفي عن عدّة مشايخ له ، أشهرهم العالم الزاهد ، جمال الدين أبي العبّاس أحمد بن فهد الحلّي ..»(1).
6 ـ الشيخ حيدر بن عليّ بن أبي عليّ محمّد بن إبراهيم البيهقي :
قال الحرّ العاملي : «فاضل جليل ، صنّف الشيخ فخر الدين ولد العلاّمة رسالة في النية بالتماسه ، وأثنى عليه فيها ، فقال ما هذا لفظه : يقول محمّد بن الحسن بن المطهّر ، هذه الرسالة الفخرية في معرفة النية ، حرّرتها بالتماس أعزّ الناس عليَّ وأكرمهم لديّ ، وهو الصاحب المعظّم الزاهد العابد الورع العالم الفاضل الكامل المحقّق ، كهف الحاج والحرمين الحاجي فخر الملّة والحقّ والدين حيدر بن السعيد المرحوم شرف الدين بن عليّ بن أبي عليّ محمّد بن إبراهيم البيهقي»(2).
والذي يبدو من كلام فخر المحقّقين ، أنّ المترجم له كان من المقرّبين منه والمصاحبين له ، وله معرفة بخصائصه العلمية والكمالية ، وكذلك معرفة بوالده الذي يعبِّر عنه بالسعيد المرحوم ....
7 ـ السيّد محمّد نوربخش (الهمداني) :
وهو من تلامذة ابن فهد الحلّي(3) ، وفي كتاب مجالس المؤمنين ما
__________________
(1) طبقات أعلام الشيعة : (الضياء اللاّمع في القرن التاسع) 5 / 50.
(2) أمل الآمل 2 / 107 ـ 108.
(3) مجالس المؤمنين (بالفارسية) 2 / 147.

ترجمته : سمعت من بعض الثقات أنّ السيّد (مير) قد حضر في دار المؤمنين (الحلّة) عند الشيخ الأجلّ أحمد بن فهد الحلّي ـ الذي كان من أعاظم مجتهدي الشيعة الإمامية في زمانه ـ ودرس في حوزة درسه الفقه والحديث ولفترة من الزمن(1).
وقال السيّد الأمين في الأعيان : ومن تلامذته ـ أي ابن فهد ـ بنقل صاحب مجالس المؤمنين ، السيّد محمّد نوربخش الذي هو من أكابر الأولياء الصوفيّة ، وانتهت إليه في زمانه رئاسة السلسلة العلوية الهمدانية(2).
8 ـ السيّد محمّد بن فلاح الموسوي الحويزي :
قال صاحب الأعيان في عدّ تلاميذ العلاّمة ابن فهد : السيّد محمّد بن فلاح الموسوي الحويزي الواسطي ، دول سلاطين بني المشعشع ببلاد خوزستان (3).
وقال في رياض العلماء في ترجمة السيّد عليّ بن السيّد خلف : «واعلم أنّ جدّه الأعلى وهو السيّد محمّد بن فلاح ، قد كان من تلامذة الشيخ أحمد ابن فهد الحلّي ، وقد ألّف ابن فهد له رسالة وذكر فيها وصايا له ..»(4).
9 ـ الفيروزآبادي محمّد بن يعقوب الشيرازي (ت 816 هـ) :
__________________
(1) المرجع نفسه 2 / 147.
(2) أعيان الشيعة 3 / 148.
(3) أعيان الشيعة 3 / 148.
(4) رياض العلماء 4 / 80.

لم يكن الفيروزآبادي مؤلّف كتاب اللغة المعروف القاموس المحيط من الشيعة الاثني عشرية ، وإنّما كان من أبناء العامّة ، إلاّ أنّه تتلمذ عند فخر المحقّقين محمّد بن الحسن ابن العلاّمة الحلّي ، وكان : «يفتخر بتتلمّذه عليه ، فيقول في إجازة كتبها بخطّه على ظهر كتاب التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة لبعض أصحابه فأجازه أن يروي عنه هذا الكتاب بحقّ روايته إيّاه عن شيخه الذي وصفه بما لفظه : «عن شيخي ومولاي علاّمة الدنيا ، بحر العلوم وطود العلى فخر الدين أبي طالب محمّد بن الشيخ الإمام الأعظم ، برهان علماء الأُمم جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف المطهّر الحلّي ، بحقّ روايته عن والده ، بحقّ روايته عن مؤلّفه الحجّة .. الحسن بن محمّد الصنعاني وتاريخ خطّ الفيروزآبادي (757 هـ)»(1).
10 ـ البحراني ، جمال الدين أحمد بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن الحسن بن المتوّج البحراني :
قال الطهراني في الطبقات : «ترجمه الشيخ سليمان الماحوزي في رسالته تراجم علماء البحرين وقال : إنّه كان من أعظم تلاميذ فخر المحقّقين ، قرأ عليه في الحلّة وكان كثير المعارضة والبحث مع الشهيد ، وكان هو الغالب في الغالب ، ثمّ رجع إلى البحرين واشتهر فتاواه في المشارق والمغارب ، ثمّ اتّفق اجتماعه مع الشهيد في مكّة ، فلمّا تناظرا غلب عليه الشهيد ، فتعجّب
__________________
(1) الطبقات للطهراني (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة) 5 / 186.

منه فقال الشهيد : «لا تعجب قد سهرنا وأضعتم حكى ذلك الشيخ سليمان سماعاً عن مشايخه ..».
ثمّ يقول الطهراني معقّباً على الترجمة : «أقول : الظاهر من هذه الترجمة أنّه كان معاصراً الشهيد ومن أعاظم تلاميذ فخر المحقّقين ..»(1).
أُولئك نماذج لنخبة من العلماء المهاجرين من بلدانهم ، إلى حاضرة العلم والعلماء آنذاك (الحلّة) كما أنّ الحلّة كانت بمثابة قطب الرحى ، والمركز والواحة العلمية التي يحطّ عندها طلاّب العلم والمعرفة رحالهم.
«فكان الطلبة يفدون الحلّة من بلاد شتّى (الجزيرة والهند وفارس والشام وولايات الدولة العثمانية وأفريقيا) واستمرّت حلقات الدرس في التوسّع والتبصّر ، فنشأت في الحلّة مدارس فقهية خاصّة وأنجبت المدينة في تلك الحقبة علماء أفذاذاً طبّق صيتهم البلاد الإسلامية وخلّدتهم أعمالهم ..»(2).
المبحث الخامس : الاضطرابات السياسية ودورها في ركود وأُفول حوزة الحلّة :
واصلت الحوزة العلمية في الحلّة رسالتها العلمية التكاملية على أيدي أقطابها من أساطين العلماء والفقهاء الذين كان خاتمة مسكهم فخر المحقّقين
__________________
(1) طبقات الطهراني (الحقائق الراهنة) 5 / 7 ـ 8.
(2) الحوزة العلمية في الحلّة ، مجلّة آفاق نجفية : العدد 12 ، ص 35 ـ 36.

ابن العلاّمة الحلّي ثمّ النابهين من تلامذته.
لقد استمرّت مدرسة الحلّة العلمية لفترة طويلة قاربت الأربعة قرون من الزمن وامتدّت إلى نهاية القرن التاسع الهجري تقريباً «ولم يكد ينتهي القرن التاسع الهجري حتّى انتهى أمد النهضة العلمية والأدبية التي كانت في الحلّة ، والتي بدأت فيها منذ نهاية القرن الخامس الهجري»(1).
وقد تشابه العامل الذي أدّى إلى ركود ، ومن ثمّ أُفول مدرسة الحلّة مع العامل الذي أدّى إلى ظهورها وارتقائها في سلّم التكامل ووصولها إلى أوج عطائها العلمي.
ويمثّل هذا العامل في الحالة السياسية السيّئة التي حلّت بالعراق عامّة ، وبمدينة الحلّة خاصّة.
يقول مؤرّخ الحلّة الشهير العلاّمة المتتبّع الشيخ يوسف كركوش الحلّي في كتابه القيّم تاريخ الحلّة وهو يبيّن أسباب أُفول مدرسة الحلّة وانتهاء نهضتها العلمية : «انتهت هذه النهضة بسبب الأرزاء التي حلّت بالقطر العراقي من أدناه إلى أقصاه ، لجهل الحاكمين وظلمهم وعتوّهم ، فقد كان العراق إذ ذاك تحت حكم قوم من التركمان ، وهم على جانب عظيم من جفاء الطبع ، هذا بالإضافة إلى ظهور قوّة جديدة على مسرح السياسة العراقية تُنَازع التركمان حكم العراق ، وهذه القوّة الجديدة هي دولة المشعشعين التي أسّسها
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 161.

السيّد محمّد بن فلاح تلميذ ابن فهد الحلّي».
ويقول أيضاً : «أخذت هاتان القوّتان تتنافسان للاستيلاء على الحلّة وتوابعها فتارة يحكمها أُولئك ، وتارة هؤلاء ، ودام ذلك ردحاً من الزمن. ولا يخفى ما يتبع مثل هذا التبدّل السياسي من الاضطراب والارتباك في جميع مناحي الحياة من اجتماعية واقتصادية وثقافية. من أجل ذعر سكّان الحلّة ، وتناقص عمرانها وشملها الخراب ، ولم يكد ينتهي القرن التاسع الهجري حتّى لم يبق للنهضة العلمية والأدبية في الحلّة أثر يذكر»(1).
والحقبة الزمنية التي يتحدّث عنها صاحب تاريخ الحلّة حقبة طويلة مليئة بالأحداث وتمتدّ من أواخر عهد الدولة الإليخانية في بدايات القرن الثامن الهجري ، إلى ظهور الدولة الجلايرية والتي «دامت نحواً من تسعين سنة وكانت عاصمتها أوّلاً بغداد ؛ ثمّ انتقلت في أواخر أيّامها إلى الحلّة»(2) ثمّ جاء العهد التركماني في عهد دولة (قراقوينلو) الخروف الأسود ، الذين استعان بهم الجلايريّون لمقارعة تيمور لنك ، إلاّ أنّهم قضوا على الدولة الجلايرية واتّسعت مملكتهم وصارت تضمّ أجزاء كثيرة من غير العراق ، وسمّيت هذه الدولة بدولة الخروف الأسود (قراقوينلو) لأنّ أعلامها كان يرسم عليها خروف أسود.
«كان رجال هذه الدولة معروفين بالزندقة والاستهتار بشريعة الإسلام ،
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 162.
(2) نفس المصدر 1 / 112.

هذا إلى عتوّهم وإرهاقهم الرعايا بالضرائب الفادحة ؛ كان الأمن في عهدهم مفقوداً ، والطواعين تجتاح الناس من وقت لآخر ، والمجاعات قضت على الكثير من الناس .. وكانت الحالة العامّة في الحلّة سيّئة مضطربة ، لأنّ الحكومة المحلّية في الحلّة لم تكن قوية لتحفظ الأمن فيها وفي أطرافها»(1) ، فتحوّلت الحلّة في ذلك العهد إلى ساحة صراع بين القبائل المتنازعة ، أدّت إلى زحزحة الأمن وإزهاق النفوس.
وخلال هذه الفترة العصيبة ظهرت دولة المشعشعين على يد السيّد بن فلاح وهو من تلامذة الشيخ أحمد بن فهد الحلّي.
والكلام حول دولة المشعشعين ، ومؤسّس هذه الدولة ، الذي اختلف في نسبه ومسقط رأسه ، وعقائده التي أظهرها .. كلام طويل لا يسعه هذا المختصر ، وخلاصة ما يمكن أن نستفيده من المصادر التاريخية التي تحدّثت عن هذه الدولة وعن مؤسّسها محمّد بن فلاح هو : «أنّ المشعشعين كانوا طائفة من الشيعة الغلاة يعتقدون بالحلول : ومعنى ذلك أنَّ الأئمّة الاثني عشر تحلُّ أرواحهم في بعض الناس أو أنّ الله حلَّ في أرواح الأئمّة .. لذا كان المشعشعون لا يحفلون بمراقد الأئمّة ؛ لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ أرواحهم من روح الله وأنّ مكانها في الملأ الأعلى ..»(2).
وفي عهد هذه الدولة شهد العراق عامّة والحلّة خاصّة الويلات
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 123 ـ 134.
(2) تاريخ الحلّة 1 / 130 عن تاريخ الغياثي ، وتحفة الأزهار ، والعرب والعراق : 143.

والمصائب العظام ، وكان حكّام هذه الدولة عبارة عن قُطّاع طرق لا يتورّعون عن السلب والنهب وقتل النفوس «ففي سنة (857 هـ) خرج على الحاج المولى عليّ بن السيّد محمّد المشعشع ، ونهب أموالهم ودوابّهم وجمالهم ، والآنية المذهّبة وقماش المحمل ، ونجا أُناس قلائل كانوا قد دخلوا المشهد ، فأرسلوا يتضرّعون إليه ، فطلب منهم القناديل والسيوف ، فأرسلوا إليه مائة وخمسين سيفاً ، واثني عشر قنديلاً ستّة منها ذهباً وستّة فضّة ، ثمّ دخل عليٌّ المشعشع الحلّة ونقل أموالها وأموال المشهدين إلى البصرة ، وأحرق الحلّة وخرّبها وقتل من بقي فيها من الناس ، ومكث فيها (18) يوماً ورحل يوم الأحد (23 ذي القعدة) إلى المشهد الغروي والحائر ، وأخذ ما تبقّى من القناديل والسيوف والستور والزوالي ، ودخل بالفرس إلى داخل الضريح وأمر بكسر الصندوق الذي على القبر واحراقه»(1).
وفي أثناء هذه الحقبة التاريخية جاءت دولة (آق قوينلو) وهم من قبائل التركمان .. فقارعوا دولة (قراقوينلو) وتمكّنوا من تحطيمها ، وفتحوا بغداد سنة (874 هـ) وعيّنوا حاكماً من قبلهم على الحلّة ، «وفي هذا العهد كانت الحالة في ولاية الحلّة مضطربة بسبب وقوعها بين دولة (آق قوينلو) ودولة المشعشعين ، فكانت العشائر القاطنة في أراضي الحلّة عرضة لهجمات المشعشعين من وقت لآخر وما يتبع ذلك من قتل ونهب وأسر وحرق .. وأمّا
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 132 ، وهنالك حديث طويل في ردّ هذا الادّعاء على المشعشعين ، انظر تاريخ المشعشعين : 53 ـ 57 ، طبعة النجف.

أهل الحلّة فكانوا من أجل ذلك في وجل مستمرٍّ يترقّبون الأخطار تأتيهم في كلّ لحظة .. لذا أخذت الروح العلمية والأدبية تتدهور حتّى تلاشت بالنهاية ، وذهب ما كان لها من نفوذ فكري على العالم الإسلامي ..»(1).
فالاضطراب السياسي وما تمخّض عنه من فقدان الأمن أدّى إلى أفول مدرسة الحلّة العلمية وهجرة العلماء منها ، في الوقت الذي كان للإستقرار السياسي والأمني الذي توفّر مع ظهور دولة بني مزيد عاملاً مهمّاً في ظهور هذه المدرسة.
ويعلّق أحد الباحثين على هذه الظاهرة بقوله : «ليس من الغريب أن يكون الدافع السياسي عاملاً لتنشيط الحركة العلمية ؛ فللسياسة أثر في هذه الأدوار ، والقول الذي يرى أنّ عودة الحركة العلمية إلى النجف الأشرف (من الحلّة) نتيجة عامل السياسة ، سنده الصراع العنيف في حينه على مراكز القوّة والدائر بين العثمانيّين والصفويّين ، والذي تأثّر به العراق فترة من الزمن ، فقد اندفع الصفويّون لإحياء الحركة العلمية النجفية ، وجعلها قوّة دفاعية عن الشيعة ومركزاً مهمّاً يقابل بغداد»(2).
* هجرة العلماء من الحلّة إلى النجف وكربلاء :
لقد أدّى عامل الاضطراب السياسي وانعدام الأمن .. إلى هجرة العلماء
__________________
(1) تاريخ الحلّة 1 / 132 ـ 136 (بتلخيص).
(2) مجلّة آفاق نجفية ، العدد 2 لسنة 2006 م ، ص 95 ـ 102 ، وانظر له أيضاً ، بحث : الدراسة وتاريخها في النجف ، ضمن أبحاث كتاب موسوعة العتبات المقدّسة ، قسم النجف 7 / 59.

لحوزة الحلّة الدينية والانتقال إلى النجف الأشرف أو كربلاء المقدّسة ، أو مدن أُخرى ، لائذين بالحرم الشريف للإمام عليٍّ عليه‌السلام وبالحائر الحسيني للإمام الحسين عليه‌السلام ، باحثين عن الأمن والإطمئنان.
ولعلّ أوّل المهاجرين منها من العلماء والفقهاء الكبار هو فخر المحقّقين محمّد أبو طالب ابن العلاّمة الحلّي ، الذي تصدّى للمرجعية الدينية بعد رحيل والده العلاّمة سنة (726 هـ) ، وبقي بعده ردحاً من الزمن ساهراً ومحافظاً على الحوزة العلمية في الحلّة ، وحريصاً على تربية العلماء والفضلاء فيها ؛ إلاّ أنّه فارق الحلّة بعد وفاة والده. وليس بين أيدينا من نصوص التاريخ ما يفصح عن الأسباب التي دعته إلى مفارقة حوزته العلمية ؛ إلاّ أنّه يظهر من كلامه في بعض ما كتبه أنّه كان يشكو أعداءه ، وتلك الأوضاع السيّئة التي ظهرت في عصره ؛ وهذا ما يستفاد من كلامه في حاشيته على كتاب الألفين لوالده العلاّمة والذي نصّه ما يلي : «يقول محمّد بن الحسن بن المطهّر حيث وصل في ترتيب هذا الكتاب وتبيينه إلى هذا الدليل (الدليل الحادي والخمسين بعد المائة) في الحادي عشر جمادى الآخر سنة ستّ وعشرين وسبعمائة بحدود آذربيجان ؛ خطر لي أنّ هذا [الدليل] خطابي لا يصلح في المسائل البرهانية ، فتوقّفت في كتابته ؛ فرأيت والدي عليه الرحمة تلك الليلة في المنام ، وقد سلاّني السلوان وصالحني الأحزان ، فبكيت بكاءً شديداً وشكيت إليه من قلّة المساعد وكثرة المعاند ، وهجر الأخوان وكثرة العدوان ، وتواتر الكذب والبهتان ، حتّى أوجب ذلك لي جلاء عن الأوطان ، والهرب

إلى أراضي آذربيجان. فقال لي : اقطع خطابك فقد قطّعت نياط قلبي ، وقد سلّمتك إلى الله فهو سند من لا سند له ، وجازِ في المسيء بالإحسان ، فلك ملك عالم عادل قادر لا يهمل مثقال ذرّة ، وعوض الآخرة أحبّ إليك من عوض الدنيا .. ودع المبالغة في الحزن عليَّ فإنّي قد بلغت من المنى أقصاها ، ومن الدرجات أعلاها ، ومن الغرف ذراها ، وأقلل من البكاء ، فأنا مبالغ لك في الدعاء. فقلت يا سيّدي : الدليل الحادي والخمسون بعد المائة من كتاب الألفين على عصمة الأئمّة ، يعتريني فيه شكّ! فقال : لِمَ؟ قلت : لأنّه خطابيٌّ! فقال : بل برهانيٌّ ..»(1) ، ثمّ نقل جميع ما ذكره والده في توجيه برهانية الدليل.
ولا تسعفنا النصوص التاريخية عن تفاصيل هذه الرحلة ، ولا عن المدّة التي قضاها في آذربيجان ، ولا عن صلة ذلك بالأوضاع السياسية التي كانت حاكمة في إيران! كما أنّ عودته إلى الحلّة لم يكن زمنها معلوماً ؛ إذ ربّما كانت بعد موت السلطان أبي سعيد عام (736 هـ) أو ربّما قبل هذا التاريخ»(2).
ومهما يكن من أمر ، فقد عاد فخر المحقّقين إلى مدينة الحلّة وحوزتها العلمية ومارس فيها نشاطه العلمي ، وتفرّغ لتخريج الفقهاء وإصلاح مؤلّفات والده ، وشرح بعضها التزاماً بالوصية التي كتبها له أبوه : مستفيداً من الاستقرار النسبي في الحلّة بعد سيطرة حسن الجلايري عليها ، حتّى توفّي فخر
__________________
(1) الألفين في إمامة أمير المؤمنين : 125 ـ 126.
(2) المؤسّسة الدينية : 147.

المحقّقين سنة (771 هـ) عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاماً.
وقد اختلفت الأقوال في محلّ دفنه!! قال المامقاني في تنقيح المقال : «... ولم أقف على من عيّن مدفنه ، والمنقول على لسان المشايخ أنّه صار أكيل السباع ـ لقضية تُنقَلُ لا أستحسن نقلها للإزراء بمعاصريه ـ فلذا لم يوجد له جسد حتّى يُدفن ، والله سبحانه العالم».
إلاّ أنّ السيّد جعفر آل بحر العلوم في كتابه تحفة العالم يقول : «ونقل المولى محمّد تقي المجلسي في شرح الفقيه أنّه ـ أي فخر المحقّقين ـ دفن في الحلّة ثمّ نقل إلى النجف» وفي هامش لؤلؤة البحرين : «.. ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف ، ولعلّه دفن قريباً من والده بالمقبرة المعروفة في أيوان الصحن الشريف الذهبي بجنب المنارة الشمالية»(1).
* هجرة الشيخ العتائقي إلى النجف :
هاجر الشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد بن إبراهيم العتائقي الحلّي من الحلّة إلى النجف الأشرف عام (746 هـ) أي في عصر مرجعية فخر المحقّقين وزعامته للحوزة العلمية في الحلّة. وهو من تلامذة العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) الذي يعبّر عنه بشيخنا المصنّف. ومن مشايخه أيضاً نصير الدين عليّ بن الكاشاني (ت 755 هـ)(2). ولم يعد العتائقي إلى الحلّة بعد أن
__________________
(1) تنقيح المقال 3 / 106 ، وتحفة العالم في شرح خطبة المعالم 1 / 173 ، ولؤلؤة البحرين : 191 (الهامش).
(2) طبقات الطهراني (الحقائق الراهنة) 51 / 109.

هجرها إلى النجف ، وإنّما استوطن النجف وشارك مشاركة فاعلة في الحياة العلمية فيها ، وأغنى المكتبة الإسلامية بمختلف المؤلّفات الرائعة ، وكان مدرّساً فاضلاً ، ماهراً في الحكمة والكلام ، والرياضيّات والطبّ ...
توفّي بالنجف سنة (793 هـ) ودفن بالصحن الشريف بالرواق المطهّر(1).
* هجرة الشيخ المقداد السيوري إلى النجف :
ويعتبر الشيخ المقداد من أبرز العلماء الكبار المهاجرين إلى النجف الأشرف ، بعد أن استكمل سلسلة معارفه وتعليمه على أيدي أساطين علماء الحلّة من أمثال فخر المحقّقين ، والشهيد الأوّل العاملي ، والسيّد ضياء الدين الأعرج .. ويروي عنه مجموعة من تلامذته منهم : شرف الدين المكّي ، والحسين بن علاء الدين القمّي ، وتاج الدين الحسن بن راشد الحلّي ، ومحمّد بن شجاع القطّان الحلّي ، وأحمد بن فهد الحلّي ، وله تصانيف كثيرة منها : كنز العرفان والتنقيح الرائع والنافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر والقواعد .. وغيرها من المؤلّفات.
وقد أرّخ الحسن بن راشد الحلّي تلميذ صاحب الترجمة وفاة أُستاذه بقوله : «توفّي شيخنا الإمام العلاّمة الأعظم أبو عبد الله المقداد السيوري نضّر الله وجهه بالمشهد المقدّس الغروي على مشرّفه أفضل الصلوات وأكمل
__________________
(1) مشاهير المدفونين في الصحن العلوي : 189 ـ 190.

التحيّات ، ضحى نهار الأحد 26 من شهر جمادى الآخرة (826 هـ) ودفن بمقابر المشهد المذكور ..»(1).
والشيخ المقداد السيوري أو الفاضل المقداد هو صاحب المدرسة العلمية في النجف الأشرف ، والتي عرفت باسمه (مدرسة المقداد) ثمّ جدّدها سليم خان فعرفت باسمه (المدرسة السليمية) وقد تحدّثنا عنها ضمن مدارس النجف الأشرف.
* هجرة الشيخ أحمد بن فهد الحلّي إلى كربلاء :
وهو جمال الدين أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي (ت841هـ) وله رواية عن جماعة من تلاميذ فخر المحقّقين وتلاميذ الشهيد .. جميعاً عن فخر المحقّقين(2) ويروي عنه الشيخ زين الدين عليّ بن هلال الجزائري ، وهو من أبرز مشايخ المحقّق عليّ بن العالي الكركي(3).
كان ابن فهد من أكابر المدرّسين في المدرسة العلمية في الحلّة ، إلاّ أنّه هاجر في طلب العلم ولقاء المشيخة ، فدخل البحرين ولقي فيها بعض رجال الفضل فأفاد واستفاد(4). ثمّ هاجر إلى كربلاء وسكنها ، حتّى توفّي فيها عام (841 هـ) عن عمر ناهز خمساً وثمانين سنة ، وفي هامش رجال السيّد بحر
__________________
(1) طبقات الطهراني (الضياء اللاّمع في القرن التاسع) 6 / 138 ـ 139.
(2) نفس المصدر 6 / 10.
(3) انظر : أمل الآمل 2 / 210 ، والذريعة 8 / 69 ، ومقدّمة المهذّب البارع : 21 ـ 22.
(4) تاريخ الحلّة 2 / 138.

العلوم قال : «وقبر ابن فهد ، بكربلاء ، معروف مشهور يزار ، وكان وسط بستان بجنب المكان المعروف بالمخيّم ، وعليه قبّة مبنية بالقاشاني ، وقد جدّد بناؤه في عصرنا وفتح بجنبه شارع باسمه .. ويقال : إنّ صاحب الرياض الطباطبائي الحائري قدس‌سره كان في عصره كثيراً ما يتردّد إلى قبره ويتبرّك به»(1).
إلاّ أنّ مؤرّخ الحلّة الشيخ يوسف كركوش يقول عن مكان قبر ابن فهد الحلّي : «وقبره بالحلّة في محلّة جبران شمال شرقي حديقة الجبل وهو معروف مشهور لدى الحلّيّين» ويرد على صاحب روضات الجنّات الذي ذكر أنّ قبره معروف بكربلاء المشرّفة .. بقوله : «إنّ هذا القبر الذي ذكره صاحب روضات الجنّات هو قبر أحمد بن فهد الأحسائي ، لا قبر أحمد بن فهد الحلّي»(2).
إلاّ أنّ المؤرّخ الكبير الشيخ محمّد حرز الدين يقول في بيان مرقد ابن فهد الحلّي : «مرقده في كربلاء المقدّسة بداره التي تقع قبلة لمرقد الإمام الحسين عليه‌السلام قريبة منه ..» ويقول عن مرقد ابن فهد الأحسائي : «مرقده في الحلّة معروف مشهود عليه قبّة صغيرة الحجم ..» ثمّ يقول : «وقيل العكس ؛ هو أنّ مرقد ابن فهد الأسدي في الحلّة ، ومرقد شهاب الدين الأحسائي في كربلاء ، وذلك خلاف التحقيق وما عليه سيرة علمائنا الأقدمين والمتأخّرين المعتضدة بالشهرة والتلقّي من أنّ ابن فهد الأسدي الحلّي مرقده بأرض الطفّ
__________________
(1) الفوائد الرجالية 2 / 110 (الهامش).
(2) تاريخ الحلّة 2 / 139.

والحائر الحسيني ـ كربلاء المقدّسة ـ والظاهر أنّ الاشتباه نشأ من معاصرة كلّ منهما للآخر ، إلاّ أنّ الأحسائي بقي حيّاً مدّة بعد وفاة الأسدي الحلّي»(1).
المبحث السادس : طرق التعليم وأماكنها في مدرسة الحلّة :
تكمن الأهمّية الحضارية لمدينة الحلّة في كونها مدينة علمية أدبية ؛ «ظهرت فيها النهضة الفكرية منذ نهوضها على يد مؤسّسيها .. وقويت هذه النهضة في القرن السابع الهجري ، فكانت مركز كبار علماء الإمامية وفضلائهم وأُدبائهم الذين انصرفوا إلى الدرس والتدريس وانكبّوا على الإنتاج والتأليف»(2).
وأمّا طريقة التعليم في مدرسة الحلّة العلمية وأماكنها ؛ فلم تختلف عن طريقة وأماكن الحوزات العلمية السابقة لها كمدرسة الكوفة وبغداد والنجف الأشرف ، فكانت مجالس التعليم تنعقد حول الأُستاذ على صورة حلقات تتّخذ لها مكاناً خاصّاً بها ، يسمّى باسم الأُستاذ»(3) ومن هذه الحلقات الدرسية :
أوّلاً : حلقة درس المحقّق الحلّي نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) ، وكانت من الحلقات الدرسية المهمّة والتي تضمّ نخبة
__________________
(1) مراقد المعارف 1 / 76 ـ 80.
(2) الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع الهجري : 229.
(3) نفس المصدر : 231.

من فضلاء الحلّة وعلمائها ، وقد حضرها العالم الكبير نصير الدين الطوسي (ت 672 هـ) في إحدى سفراته وجرت فيها مناقشة بينه وبين المحقّق الحلّي ، كما بيّنا سابقاً.
ثانياً : حلقة درس العلاّمة الحلّي ، جمال الدين الحسن بن يوسف (ت 726 هـ) وقد قيل عن هذا المجلس إنَّه خرج منه خمسمائة مجتهد(1) ، وقد ذكر فخر المحقّقين محمّد بن العلاّمة الحلّي مجلس والده الذي كان يدرس فيه في حياته(2).
هذان نموذجان لأهمّ حلقات الدرس لأهمّ علمين من أعلام الحلّة وحوزتها العلمية ، والتي يمكن تعميمها على مجالس درس العلماء الآخرين ممّن كانوا يعقدون مجالس درسهم في بيوتهم أو المساجد.
وأمّا أماكن التعليم في حوزة الحلّة ، فقد وردت بعض الإشارات إليها ضمن تراجم بعض أعلام هذه الحوزة ، وهي كما يلي :
1 ـ بيوت الدرس :
وهي بمثابة «دور العلم» التي كانت معروفة في بغداد وغيرها من الحواضر الإسلامية وقد ورد الإشارة إلى بيوت الدرس هذه ضمن ترجمة علم من أعلام الحلّة وهو الشيخ نجيب الدين محمّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلّي (ت 645 هـ) وهو شيخ فقهاء الإمامية في عصره ، ومن
__________________
(1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : 270.
(2) بحار الأنوار 25 / 37.

مشايخ المحقّق الحلّي ، وبحسب تعبير البحراني : «وكان هذا الشيخ رئيس الطائفة في زمانه ، محقّقاً مدقّقاً»(1). وفي أمل الآمل عن بعض تلامذة ابن فهد ما صورته : «حوادث سنة (636 هـ) فيها عمّر الشيخ الفقيه العالم نجيب الدين محمّد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلّي بيوت الدرس إلى جانب المشهد المنسوب إلى صاحب الزمان عليه‌السلام بالحلّة السيفية ، وأسكنها جماعة من الفقهاء»(2).
ويبدو ، أنَّ هذه البيوت لم تكن بيوتاً سكنية لغرض سكن العلماء فقط ، وإنّما كان الغرض منها أن تكون محلاًّ للتدريس أو ما يصطلح عليه بـ (المَدْرَسْ) ، أو إنّها تؤدّي وظيفة مزدوجة بين كونها محلاًّ للسكن والدرس معاً. إلاّ «أنَّ هذه البيوت لم تستمر طويلاً ، ولعلّها زالت بوفاة مؤسّسها ، إذ لم نجد لها أيَّةَ إشارة بعده»(3).
2 ـ بيوت العلماء :
وقد اتّخذ بعض علماء الحلّة من بيوتهم مكاناً للتدريس ؛ بأن يخصّص بعض غرف المنزل أو سطح الدار أو صحنه لهذا الغرض.
وهي سنّة حسنة ورثها علماء مدرسة الحلّة من سلفهم الصالح من علماء مدرسة بغداد والنجف الأشرف ؛ إذ كان الشيخ المفيد محمّد بن محمّد
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 272.
(2) نفس المصدر : 272 (الهامش) عن تكملة أمل الآمل.
(3) الحياة الفكرية : 231.

ابن النعمان (ت 413 هـ) يدرِّس في بيته ، وكذلك الشيخ الطوسي محمّد بن الحسن (ت 460 هـ) قد اتّخذ من بيته مدرساً ، وترد الإشارة إلى بيوت العلماء في مدرسة الحلّة ضمن تراجم بعض العلماء ، فقد ورد أنَّ أبا البقاء هبة الله بن نما الحلّي (ت حدود 573 هـ) كان يدرِّس بالحلّة في داره سنة (565 هـ)(1).
ورد أيضاً أنَّ جمال الدين أبا الفضل أحمد بن محمّد بن المهنّا الحسيني النسّابة (ت 682 هـ) يدرِّس «بمنزله بالحلّة السيفية في رجب سنة إحدى وستّين وستمائة»(2).
وكان بالحلّة معلّمون ومؤدّبون يقرأ عليهم المبتدأون في الدراسة (في بيوتهم) فقد ذكر الخاقاني في شعراء الحلّة «أنّ بدء دراسة العلاّمة الحلّي كانت على معلّم خاصّ يدعى (محرّم)»(3).
3 ـ الجوامع والمساجد :
وهي دور العبادة التي كانت منتشرة وبكثرة في مدينة الحلّة ، وكانت تؤدّي دورها في التربية والتعليم كمعاهد للدرس والتدريس ، وممّا لا شكّ فيه أنَّ بعض العلماء كان يتّخذ منها مدرساً لتدريس طلاّبه ، ونجد إشارة إلى ذلك ، في ترجمة السيّد مجد الدين أبي الفوارس محمّد بن عليّ الأعرج ،
__________________
(1) طبقات الطهراني ، الثقات العيون في سادس القرون 3 / 334.
(2) شعراء الحلّة 2 / 89.
(3) الحياة الفكرية : 233 عن الخاقاني في شعراء الحلّة 2 / 89.

الذي قال عنه ابن شدقم واسمه مرقوم في حائر الحسين عليه‌السلام ومساجد الحلّة ..»(1).
4 ـ المدارس الدينية في حوزة الحلّة العلمية :
رغم أهمّية حوزة الحلّة العلمية وامتدادها الزمني ، ورفاهها المالي والاقتصادي ، وتمركز أساطين العلماء والمرجعية الدينية فيها ، ووفود آلاف الطلبة إليها .. رغم كلّ هذه العوامل المساعدة ، إلاّ أنّنا لا نجد فيها ظاهرة إنشاء المدارس الدينية التي انتشرت آنذاك في بغداد زمن حكم السلاجقة وما بعدها من الأزمنة!
وهذه الظاهرة أثارت استغراب بعض الباحثين في الحركة الفكرية والمؤرّخين لها ، فكتب : يقول : «وممّا يجلب الانتباه ويثير الاستغراب ، عدم ورود ذكر لإنشاء مدرسة بالحلّة ، أو لإقامة مؤسّسة تعليمية نظامية فيها خلال هذه القرون ، وخاصّة القرن السابع الذي أُسِّست فيه المدرسة المستنصرية ببغداد (631 هـ) وشاع فيها تأسيس المدارس فانتشرت في العاصمة وغيرها من مدن العراق».
ويجيب هذا الباحث بنفسه عن هذه الظاهرة التي أثارت استغرابه بقوله : «ولعلّ ابتعاد الحلّة عن التعليم المدرسي يعود إلى طبيعة مذهب الإمامية ، وطبيعة دراستهم الفقهية ذاتها ، فقد كان المذهب الإمامي في انفصال
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 187 (الهامش).

عن الحكم والسلطة ، وكانت دوافع البحث والدراسة عند فقهائه بعيدة عن حاجات ورغبات الحاكمين ، أو الظروف السياسية ، وكان يقوم على مبدأ الإجتهاد والذي استفاد الفكر الإمامي منه نماءً وثراءً»(1).
ومن خلال تتبّع بعض تراجم علماء الحلّة يمكن للباحث أن يرصد أسماء بعض المدارس التي اقترن اسمها ببعض العلماء دون الإشارة إلى تفاصيل أُخرى حول هذه المدارس من ناحية نظامها التعليمي ، ومناهجها الدراسية ، وأساتذتها وطلاّبها .. وغير ذلك ، ومن هذه المدارس :
1 ـ مدرسة الشيخ محمّد بن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) :
فقد ورد ضمن ترجمته أنّه «كانت له مدرسة خاصّة تجاور مسكنه ، وبقي في الحلّة لغاية سنة (598 هـ) وهي سنة وفاته ، ودفن في ضمن حدود مدرسته ..»(2) وليس بين أيدينا تفاصيل أُخرى عن هذه المدرسة!
2 ـ المدرسة الزينبية أو الزعيّة أو الشرعية :
وهي المدرسة التي يذكرها علماء الرجال والتراجم ـ وبأسماء متعدّدة ـ في ترجمة الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، حيث جاء في بعضها : «.. واستمرّ على بساط التلمذة مستفيداً من فيوضات هؤلاء العلماء حتّى ترقّى إلى درجة الاجتهاد في الفقه ، ثمّ أصبح مرجعاً وملاذاً للعلماء في الحلّة ، وفرش بساط
__________________
(1) متابعات تاريخية لحركة الفكر في الحلّة : 58 ـ 59.
(2) مقال : الحوزة العلمية في الحلّة ؛ مجلّة آفاق نجفية ، العدد 12 ، السنة الثالثة ، ص 36.

التدريس في المدرسة (الزينبية) في الحلّة السيفية واجتمع حوله جمع غفير من الطلاّب ينهلون من ينابيع علمه ومعرفته ..»(1).
وقال إسماعيل باشا البغدادي : «ابن فهد الحلّي أحمد بن شمس الدين محمّد ابن فهد ، جمال الدين الحلّي الأسدي الشيعي ، كان يدرّس في المدرسة (الزعية) بالحلّة السيفية من علماء الإمامية»(2).
وجاء ذكر هذه المدرسة في ترجمة محمّد بن فلاح المشعشع : «توفّي والده وهو صغير وتزوّج الشيخ أحمد بن فهد الحلّي بأُمّه ، فربّاه وأحسن تربيته ، ولمّا شبّ أدخله مدرسته (الزعية) وأخذ يدرّسه العلوم والمعارف ...»(3).
وهذه المدرسة تسمّى تارة بالمدرسة (الزينبية) وأُخرى بالمدرسة (الزعية) وسمّاها مؤرّخ الحلّة الشيخ يوسف كركوش بالمدرسة (الشرعية) وقال في تعريفها : «كانت المدرسة الشرعية في الحلّة تضمّ فئة من رجال العلم والأدب والفلسفة ، ولم تكن بغداد في ذلك الوقت تضاهيها من هذه الناحية ، فقد هاجر عنها العلماء ورجال الفكر إلى أنحاء أُخرى ، وكان أكبر مدرّسي المدرسة (الشرعية) الشيخ أحمد بن فهد الحلّي ، وقد تخرّج عليه جماعة من العلماء الأفاضل منهم : عزّ الدين المهلّبي ، والشيخ عبد الشفيع بن
__________________
(1) المهذّب البارع ، المقدّمة : 12 عن نامه دانشوران 1 / 372.
(2) هدية العارفين في أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين 1 / 125.
(3) تاريخ الحلّة 2 / 143.

فيّاض الأسدي الحلّي ، والسيّد محمّد بن فلاح المشعشع .. إلى غير هؤلاء»(1).
3 ـ مدرسة صاحب الزمان :
وقد ذكر هذه المدرسة المؤرّخ يوسف كركوش في هامش تاريخه عن مدينة الحلّة معلّقاً على كلام الرحّالة ابن بطوطة الذي زار الحلّة ووصفها وذكر أثناء ذكر مشهد صاحب الزمان ، فقال الشيخ كركوش معلّقاً وموضّحاً ما نصّه : «ولعلّه هو مدرسة صاحب الزمان أو كانت بالقرب منه ، فإنّ من مدارس الحلّة المندثرة مدرسة صاحب الزمان ، وقد كتب بها الأخوان جعفر والحسين ابنا محمّد كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي ، كتب كلّ منهما مجلّداً بتاريخ سنة (776 هـ) وصحّحاه عن نسخة في الحلّة في مدرسة صاحب الزمان ، والنسخة في مكتبة (غرب) بهمدان في إيران برقم (927). وقد فات مؤلّف هذا الكتاب أن يذكر هذه المدرسة فلاحظ. كما كتب بها أيضاً المختصر النافع للمحقّق الحلّي وتاريخه يوم الخميس (16 ربيع الأوّل) سنة (957 هـ) في مدرسة صاحب الزمان في الحلّة ، والنسخة في مكتبة عبد المجيد الموسوي الشخصية في خراسان ..»(2).
وليس بين أيدينا تفاصيل أُخرى عن هذه المدرسة ، أو مدارس أُخرى ربّما كانت واندثرت كهذه المدرسة ولم يكتب أحد تاريخها ، أو كتب عنها
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 128.
(2) تاريخ الحلّة 1 / 117 ، وانظر رحلة ابن بطّوطة : 139.

ولكنّها أيضاً تلفت مع ما تلف من تراثنا وتاريخنا.
4 ـ المدرسة السيّارة :
وهي المدرسة التي صنعها السلطان محمّد خدابنده الذي تولّى حكم الدولة الإليخانية خلال الفترة (703 ـ 716 هـ) والذي أظهر المذهب الشيعي وجعله المذهب الرسمي في جميع أنحاء مملكته .. فكان هذا أوّل ظهور رسمي للتشيّع في إيران ، وكان ذلك بجهود العلاّمة الحلّي والذي بقي في إيران بصحبة السلطان ثلاث سنوات .. وبلغ من شغف السلطان بالعلاّمة الحلّي أن صنع له مدرسة سيّارة معمولة من الأدم (الجلود) تنقل معه في أسفاره فإذا حلّ في مكان أُقيمت له تلك المدرسة ، وفيها جميع ما يلزم من غرب وأواوين ولوازم أُخرى ..»(1).
وليس لدينا تفاصيل دقيقة أُخرى عن هذه المدرسة.
المبحث السابع : المناهج التدريسية في حوزة الحلّة :
ممّا لا شكّ فيه أنّ التراث العلمي الذي خلّفته مدرسة بغداد ؛ وورثته مدرسة النجف الأشرف وحوزتها العلمية في دورها الأوّل ؛ كان تراثاً علميّاً كبيراً ومتنوّعاً وشاملاً لأغلب المعارف والعلوم السائدة آنذاك ؛ وخاصّة تركة الشيخ الطوسي العلمية ، والتي خلّفها في مجال علم الفقه ، وأُصوله ،
__________________
(1) نفس المصدر 1 / 108.

والرجال ، والتفسير ، والحديث ، وعلم الكلام وغيرها من العلوم التي «رفعته .. عن مستوى النقد ، وجعلت آراءه ونظريّاته شيئاً مقدّساً لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص»(1).
وأصبح منحى «التقليد» هو المنحى السائد في الحوزة العلمية التي أعقبت وفاة الشيخ الطوسي (460 هـ) إلى فترة استمرّت لأكثر من قرن من الزمن ، ومن برز من علماء هذه الفترة لم يستطع تجاوز آراء الشيخ الطوسي ومبتكراته الفقهية والأُصولية.
وعلى ضوء هذا الواقع السكوني للحوزة العلمية بعد رحيل الطوسي ، بقيت المناهج والمتون الدراسية التي ألّفها الشيخ هي السائدة في الحوزة ولم يؤلّف بديلاً عنها طيلة أكثر من قرن من الزمن ، وما كُتب من مؤلّفات فقهية أو أُصولية لم تستطع أن تحلّ محلّ كتب الشيخ في مجال التدريس.
فنجد كتاب النهاية في علم الفقه للشيخ الطوسي هو الكتاب والمتن التدريسي لهذا العلم طيلة هذه الفترة ، بل إنّ بعضهم قد أسبغ على هذا الكتاب هالة قدسية عجيبة فادّعى أنّه رأى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في المنام يخبره بصحّة كافّة فتاوى الشيخ في كتاب النهاية(2).
كذلك الأمر في كتاب العدّة في علم الأُصول للشيخ أيضاً ، إذ لم يحلّ محلّه كتاب آخر في هذا العلم إلى زمن ظهور كتاب المعارج المحقّق الحلّي
__________________
(1) المعالم الجديدة : 86 ـ 87.
(2) أدوار الاجتهاد : 257 ، وانظر كتابنا : تطوّر حركة الاجتهاد : 285.

(ت 676 هـ) ، رغم أنّه خلال هذه المرحلة قد كتبت مؤلّفات أُصولية متعدّدة كان من أهمّها كتاب التقريب الذي ألّفه حمزة بن عبد العزيز الديلمي المعروف سلاّر (ت 463 هـ) وكتاب المصادر في أُصول الفقه للشيخ سديد الدين الحمصي «كان حيّاً حدود سنة 600 هـ» كذلك كتاب غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع للشيخ حمزة بن عليّ بن زهرة الحلبي (ت 585 هـ)(1).
إلاّ أنّ هذه المؤلّفات وغيرها لم تستطع أن تزيح كتاب الشيخ الطوسي وتحلّ محلّه ، حتّى ظهور مدرسة الحلّة.
وتعتبر مدرسة الحلّة وحوزتها العلمية ، مدرسة تجديدية مبدعة ، استطاعت ومن خلال جهود علمائها أن تجدّد في الموروث الفقهي والأُصولي والرجالي ، وكان لها إبداعها في المجال العقلي والفلسفي والكلامي.
ومن يسبر غور تراث هذه المدرسة العلمي ـ وهو تراث ضخم تحدّثنا عنه سابقاً ـ يجد معالم هذا التجديد جليّاً ؛ ويلمس حضور مدرسة جديدة في الاجتهاد ، لها إبداعها في جميع المجالات العلمية ، ومنها الكتب الدراسية المنهجية الحوزوية.
ويعتبر المحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن (ت 676 هـ) من أهمّ الشخصيّات العلمية في مدرسة الحلّة وله إبداعه في كافّة المجالات
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 87.

العلمية والمعرفية وخاصّة في مجال وضع المناهج الدراسية البديلة عن المنهج القديم المتّبع منذ زمن الشيخ الطوسي ، «فإنّه استطاع أن يغيّر المناهج الدراسية باستبدال كتابه الفقهي المسمّى بـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام كبديل لكتاب النهاية للشيخ الطوسي ، لما رآه من ضرورة نقل الفقه إلى دائرة أوسع ممّا كان عليه ، لأنّ كتاب الطوسي لم يتعدّ إيراد أُمّهات مسائل الفقه ، وأُصوله ، في حين أنّ كتاب الشرائع اشتمل على التفريع ، وتخريج الأحكام ، فإنَّ اقرار كتاب الشرائع رسميّاً في الدراسة الفقهية والعناية به بحثاً وتعليقاً قاد إلى توسيع مناهج الاستنباط والتصنيف «وقد اهتمَّ الفقهاء منذ عهد تأليف الشرائع اهتماماً كبيراً به ، ولا يزال من الكتب التي عليها مدار الدراسة في مراكز العلم ..»(1).
كذلك نجد له متناً فقهيّاً مختصراً خالياً من الاستدلال يعرف بـ المختصر النافع وهو اختصار لكتابه الموسّع الشرائع ، وأمّا في مجال علم أُصول الفقه ، فنجد له أيضاً كتاب معارج الأُصول وكتاب نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول والذي استطاع من خلالهما أن يقدّم تنقيحات في علم الأُصول أعطت للاجتهاد مدلولاً جديداً نقلت بعض مباحثه من طورها التقليدي إلى طور آخر أكثر شمولاً واستيعاباً»(2) ، وقد حلَّ هذان الكتابان محلَّ كتاب العدّة في علم الأُصول للشيخ الطوسي وكتاب الذريعة في علم الأُصول للمرتضى.
__________________
(1) نفس المصدر : 98.
(2) نفس المصدر : 100.

ثمّ جاءت من بعد كتب المحقّق الحلّي المنهجية التدريسية ، كتب العلاّمة الحلّي في الفقه والأُصول ، والتي كتبها على مستويات متعدّدة ـ كما مرّ بنا سابقاً ـ وفي علم الأُصول الذي له فيه أكثر من مؤلّف وعنوان ، كالمبادئ ، والتهذيب ، والنهاية ...
كذلك نلمس معالم التجديد في المناهج الدراسية في حوزة الحلّة العلمية من خلال تسرّب الأفكار الفلسفية والكلامية لنصير الدين الطوسي (ت 672 هـ) إلى المعاهد التعليمية في مدرسة الحلّة من خلال كتابه تجريد الاعتقاد الذي شرحه تلميذ الطوسي العلاّمة الحلّي ، والذي لا زالت المراكز العلمية إلى اليوم قائمة بتدريسه ، والجديد في هذا الكتاب أنّ نصير الدين «مزج فيه الفلسفة لأوّل مرّة بعلم الكلام مزجاً تامّاً بحيث صارا شيئاً واحداً»(1).
كذلك استطاعت مدرسة الحلّة أن تنفتح على المناهج السائدة في المدارس الفقهية الأُخرى آنذاك.
فنجد من بين التراث الأُصولي للعلاّمة الحلّي شروحاً لبعض المتون الدراسية التي كانت سائدة عن اتّباع المذاهب الأُخرى والتي ألّفها كبار علمائهم ، فنجد له شرحاً في أُصول الفقه للغزالي (ت 505 هـ) وهو من أئمّة المذهب الشافعي ، وكتاباً آخر لأبي بكر الجصّاص (ت 370 هـ) وهو أيضاً
__________________
(1) نفس المصدر : 107 ، عن مصطفى الشيبي ، الصلة بين التصوّف والتشيّع 2 / 86.

من كبار علماء المذاهب السنّية سمّاه الشرح المختصر في أُصول الفقه(1).
كذلك نجد من بين المؤلّفات الأُصولية للعلاّمة الحلّي شرحاً لكتاب مختصر الأُصول لابن الحاجب ، المتوفّى سنة (646 هـ) وهو من علماء السنّة ، وهو شرح مزجيّ ، أسماه غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل.
وعلّل بعض الباحثين عمل العلاّمة الحلّي على الكتب الأُصولية هذه أنّه ناشئ من التقارب في وجهات النظر بين بعض المذاهب السنّية والمذهب الإمامي(2) ؛ إلاّ أنّ الهدف الذي أراده ابن المطهّر هو محاولة إدخال نفس جديد في مباحث الكتب السنّية وتحويلها بما يلائم الطريقة التي يؤمن بها في التفكير. ففي كتاب المختصر للجصّاص حاول أن يضع له شرحاً مزجيّاً معتمداً على طريقته الخاصّة في الاجتهاد(3).
ولم تتنكّر مدرسة الحلّة للتراث الفقهي والأُصولي للشيخ الطوسي ، وإنّما تعاملت معه بروح علمية نقدية ، كما هو منهج ابن إدريس في تعامله مع آراء الشيخ الطوسي ، كذلك نجد المحقّق الحلّي ومن بعده تلميذه العلاّمة الحلّي يتعاملان مع آراء الشيخ بروح علمية وبمنهجية فريدة في تقبّل تلك الآراء أو ردِّها ؛ بالإضافة إلى شرح وبيان لتلك الآراء الفقهية ، كما هو واضح
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 119.
(2) أُصول الفقه الجعفري : 151.
(3) المؤسّسة الدينية : 120.

من خلال مؤلّف المحقّق الحلّي المعروف بـ : نكت النهاية والذي شرح فيه المتن الفقهي التدريسي للشيخ الطوسي النهاية.
وبما أنّ بعض المتون والمناهج الدراسية بحاجة إلى شروح وتوضيحات للدارسين لها ، فقد انبرى بعض أُولئك الأعلام إلى شرحها وتوضيحها ، إمّا مباشرة من قبلهم كما فعل ذلك المحقّق الحلّي في شرحه لكتاب المختصر النافع والذي أسماه بـ : المعتبر في شرح المختصر ؛ وإمّا بواسطة تلامذتهم الدارسين عندهم كما نجد ذلك عند أبرز تلامذة المحقّق الحلّي الشيخ حسن بن أبي طالب المعروف بـ (الفاضل الآبي) الذي كان حيّاً في (حدود 672 هـ) والذي كتب شرحاً لكتاب أُستاذه المختصر النافع سمّاه كشف الرموز. كذلك نجد للشيخ المقداد السيوري (ت 826 هـ) ـ وهو من كبار علماء الحلّة ـ شرحاً مزجيّاً لكتاب المختصر النافع عرف بـ : التنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع.
كذلك نجد لابن فهد الحلّي (ت 841 هـ) شرحه الموسوم بـ : المهذّب البارع إلى شرح المنافع ، وهكذا توالت الشروح والتوضيحات على هذا المتن الدراسي الفقهي ، حتّى أحصى له الشيخ الطهراني أكثر من ثلاثين شرحاً بالإضافة إلى الحواشي المتعدّدة(1).
كذلك نجد الشروح والحواشي المتعدّدة على كتاب شرائع الإسلام
__________________
(1) الذريعة 6 / 141 و 14/36 ـ 39.

للمحقّق الحلّي ، ومنذ عصر المحقّق (ت 676 هـ) وإلى يومنا هذا ، وقد أحصى الشيخ الطهراني الكثير من هذه الشروح والحواشي ، ولكبار العلماء والفضلاء ، وقال واصفاً كتاب الشرائع : «من أحسن المتون الفقهية ترتيباً وأجمعها للفروع ، وقد ولع به الأصحاب من لدن عصر مؤلّفه إلى الآن ، ولا يزال من الكتب الدراسية في عواصم العلم الشيعية ، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة فجعلوا أبحاثهم وتدريساتهم فيه ، وشروحهم وحواشيهم عليه ، وللعلماء عليه حواشي كثيرة .. وله شروح متعدّدة .. بل إنَّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة التي أُلّفت بعد عصر المحقّق شروح له كما توضّحه أسماؤها .. هذا ما حضرني من الشروح التي لها عناوين خاصّة تذكر في محلّها ، وسيأتي قرب مائة شرح بعنوان شرح الشرائع ليس له عنوان خاصّ ..»(1).
كذلك نجد كتب العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) ، قد حظيت بدورها أيضاً بالشرح والتوضيح من قبل تلامذته وتلامذة تلامذته ومن تلاهم من العلماء والفضلاء ، وكان على رأس أُولئك الشرّاح ولده محمّد بن الحسن المعروف بفخر المحقّقين (ت 771 هـ) الذي تصدّر بعد والده للتدريس ، وتربية الطلاّب والفضلاء في حوزة الحلّة العلمية وقد شمّر عن ساعد الجدّ في شرح كتب والده الفقهية والأُصولية ، وله من الشروح كتاب شرح قواعد الأحكام
__________________
(1) نفس المصدر 6 / 77 ـ 79 و 13/30 ـ 31.

الموسوم بـ : إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد كذلك له حاشية على الإرشاد إرشاد الأذهان لوالده وله أيضاً شروح على الكتب الأُصولية لوالده ، فله شرح مبادئ الأُصول وغاية السؤول في شرح تهذيب الأُصول وكلا الكتابين لوالده أيضاً.
وجاء من بعد ذلك تلامذة العلاّمة وتلامذة ولده ، وتلامذتهما وامتداد مدرسته وفروعها الباسقة المثمرة ، لتصل تراث العلاّمة شرحاً وتعليقاً وتوضيحاً واختصاراً ، فبرزت لدينا عناوين كثيرة لهذه المؤلّفات أحصى عناوينها الشيخ الطهراني في ذريعته(1).
كذلك حظيت كتب العلاّمة العقائدية والكلامية بنفس الدرجة من الاهتمام من قبل تلامذته وامتدادهم في حوزة الحلّة العلمية ، فنجد الشروح والحواشي على كتاب نهج الحقّ وكشف الصدق ، وكذلك حظي الكتاب المختصر نهج المسترشدين بنفس الدرجة من الاهتمام ، بالإضافة إلى كتاب شرح التجريد الموسوم بـ : شرح المراد في شرح تجريد الاعتقاد والذي تحدّثنا عنه سابقاً.
وخلاصة الأمر ؛ فإنّ مدرسة الحلّة العلمية جدّدت مناهج الحوزة العلمية وأبرزت متوناً دراسية بديلة عن المتون الدراسية السابقة عليها ، كما ظهر فيها منهجية جديدة في التأليف والتدوين وبيان المصطلحات والمفاهيم (2).
__________________
(1) انظر : الذريعة 14 / 12 ـ 15 ، 33 ـ 34.
(2) نفس المصدر 13 / 85 ـ 89 و 14 / 97 ـ 99.

كما أنّ هذه المناهج والمتون الدراسية قد تداولها العلماء والفقهاء من عصر مؤلّفيها وإلى الوقت الحاضر بالدرس والتدريس ، وكتبت عليها الشروح والحواشي والتعليقات الكثيرة ، ولا زال الكثير من هذه المتون الدراسية هي السائدة الآن في الحوزات العلمية والمدارس الدينية كمتون دراسية رغم مرور قرون من الزمن على تأليفها وتدوينها.
المبحث الثامن : مصادر التمويل المالي في حوزة الحلّة :
لقد كانت الحوزة العلمية في الحلّة وعلى طول تاريخها المديد من الحوزات العلمية المتمكّنة ماليّاً ، إذ كان يفيض عليها الخير والعطاء من كلّ صوب وحدب ، وكانت بدورها تفيض علماً ومعرفةً وفكراً وعطاءً للإسلام والمذهب ، فكانت مقصداً ودار هجرة لطلاّب العلوم والمعارف والآداب ، فقصدها عشّاق الفضيلة ليدرسوا العلوم على علمائها الأعلام ، فنبغ فيها العلماء والحكماء والأُدباء ، وذاع صيتهم مدى الآفاق»(1).
وتعود مصادر التمويل إلى عوامل متعدّدة منها :
أوّلاً : موقعها التجاري المتميّز :
يصف البلدانيّون مدينة الحلّة بأنّها : «مدينة زاهرة في موضع عامر بالخصب .. وتقع بالجانب الأيمن للفرات .. وسمّوا أرضه «بالسواد» لخضرته
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 3.

بالنخل والزرع ..».
لقد كان لهذه المدينة بموقعها الجغرافي المتميّز وأنهارها الجارية ، وأرضها الخصبة ، وقراها المتّصلة بها .. اقتصاد قويٌّ ، وموارد ماليّة كبيرة أدّت إلى ازدهارها ورفاه أهلها ماليّاً ، ممّا انعكس إيجابيّاً على أبنائها ممّن تفرّغ لطلب العلم في حوزتها الدينية ، إذ كان أغلبهم ممّن ينتسب إلى الحلّة أو إلى قراها المجاورة لها كالنيل ، وبرس ، وسورى ، والسيب ، والعتائق .. وغيرها ، من القرى الكثيرة والتي تتفرّع منها قرى أُخرى كما هو في قرية النيل التابعة للحلّة ، والواقعة على نهر النيل ، حيث يقول المؤرّخون بأنّه «كان على نهر النيل أربعمائة قرية آهلة بالسكّان»(1).
ثانياً : كرم الأُمراء المزيدين :
لقد بدأت النهضة العلمية والأدبية في الحلّة منذ مصّرها الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد مؤسّس الدولة المزيدية وباني مجدها التليد.
وقد عرف الأمير صدقة ومن تلاهُ من أُمراء هذه الأمارة الكريمة بسجايا ومكارم كثيرة من أهمّها ، محبّتهم للعلوم والمعارف ، وكرمهم «ولغرام أُولئك الأُمراء الكرام بالعلوم والآداب ، كانوا يدنون منهم مجالس أرباب العلوم والأدب ، وينتشلونهم من مهاوي البؤس والفاقة .. لذلك تقاطر إليها العلماء والأُدباء والشعراء ليتمتّعوا بحرّية تامّة وعيشة راضية ، فرسخت فيها الروح
__________________
(1) نفس المصدر 1 / المدخل ص 1 وما بعدها.

العلمية والأدبية حتّى أينعت وأثمرت وجادت بما يستطاب». يقول العماد الإصفهاني : «ملوك العرب وأُمراؤها بنو مزيد الأسديّون النازلون بالحلّة السيفية على الفرات ، كانوا ملجأً للاّجئين ، وثمال الراجين ، وسؤل المعتفّين ، وكنيف المستضعفين ، تشدّ إليهم رحال الآمال ، وتنفق عندهم فضائل الرجال .. وأثرهم في الخيرات أثير ، والحديث عن كرمهم كثير ..»(1).
ثالثاً : رعاية نصير الدين الطوسي للعلم والعلماء :
لقد كانت لشخصية محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي المعروف بالمحقّق الطوسي وبالخواجه نصير الدين الطوسي ، دور فاعل ومؤثّر في الحياة العلمية في القرن السابع الهجري ، وفي فترة عصيبة من تاريخ الأُمّة الإسلامية ، حيث استطاع وبجهوده ووجاهته ومكانته العلمية أن يحفظ ما تبقّى من تراث المسلمين ، وأن يحفظ حياة الكثير من علماء المسلمين بغضّ النظر عن انتمائهم المذهبي ، وكانت له اليد البيضاء الكريمة على علماء المسلمين عامّة وعلى علماء الشيعة وحوزتها العلمية في الحلّة خاصّة.
لقد وفّر نصير الدين الطوسي للعلماء والفقهاء والمحدّثين والحكماء والفلاسفة حياة حرّة كريمة «وقرّر رواتب دائمة لطلاّب المدارس والمعاهد بحسب أهمّيتها»(2) وقد تحدّثنا عن ذلك فيما سبق من البحث ، وليس هنالك من إضافة إلاّ مقطع من رسالة أنشأها عالم دمشق مؤيّد الدين العرضي ، وهو
__________________
(1) نفس المصدر 2 / 4 عن الخريدة.
(2) أعيان الشيعة 14 / 246.

أحد العلماء العرب الذين لبّوا دعوة الطوسي فترك دمشق ومضى إلى مراغة عاملاً تحت لواء الطوسي في الميدان العلمي الواسع ، وإليك ما كتبه في رعاية الطوسي للعلماء في مقدّمة رسالته : «.. وذلك بإشارة مولانا المعظّم والإمام الأعظم العالم الفاضل المحقّق الكامل قدوة العلماء وسيّد الحكماء ، أفضل علماء الإسلاميّين بل المتقدّمين ، وهو من جمع الله سبحانه فيه ما تفرّق في كافّة أهل زماننا من الفضائل والمناقب الحميدة وحسن السيرة ، وغزارة العلم وجزالة الرأي وجودة البديهة والإحاطة بسائر العلوم ، فجمع العلماء إليه ، وضمَّ شملهم بوافر عطائه ، وكان بهم أرأف من الوالد على ولده ، فكنّا في ظلّه آمنين ، وبرؤيته فرحين كما قيل :

نميل على جوانبه كأنّا
 

 

نميل إذا نميل على أبينا
 

ونغضبه لنخبر حالتيه
 

 

فنلقى منهما كرماً ولينا
 

وهو المولى نصير الملّة والدين محمّد بن محمّد الطوسي أدام الله أيّامه ، ولقد كنت :

واستكبر الأخبار قبل لقائه
 

 

فلمّا التقينا صغر الخُبر الخَبرْ
 

فلّله أيّام جمعتنا بخدمته ، وأبهجتنا بفوائده ، وإن كانت قد أبعدتنا عن الأوطان والعشيرة والولدان ، فإنّ في وجوده عوضاً عن غيره ، ومن وجده فما فاته شيء ، ومن فاته فقد عدم كلّ شيء ، فلا أخلانا الله منه وأمتعنا بطول

بقائه»(1). وهنالك الكثير من الروايات حول بعض العلماء الذين كانوا على درجة من الفقر ثمّ أثروا ثروة ضخمة ، بفضل نصير الدين الطوسي(2).
رابعاً : إسلام الدولة الإليخانية :
لقد كان لإسلام الدولة الإليخانية ثمّ اعتناقهم مذهب الإمامية الاثني عشرية بواسطة العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف ، دور كبير في دعم الحوزة العلمية في الحلّة ، إذ وفّر سلطان هذه الدولة المعروف بـ (محمّد خدابنده) للعلاّمة الحلّي مدرسة سيّارة تحتوي على كلّ المقوّمات الضرورية للدعوة والإرشاد والتدريس ، وكانت لها نفقات سخية تحدّثنا عنها سابقاً.
ونجد في ترجمة العلاّمة الحلّي بعض الإشارات التي أطلقها المترجمون له تشير إلى تمكّنه المالي ، ففي كتاب الدرر الكامنة يقول ابن حجر العسقلاني في ترجمة العلاّمة الحلّي : «وكان صاحب أموال وغلمان وحفدة ، وكان رأس الشيعة بالحلّة ..» ثمّ يقول : «.. ويقال إنّه تقدّم في دولة خربندا [هكذا] وكثرت أمواله ، وكان مع ذلك في غاية الشحّ ...» وقد ردّ السيّد الأمين كلام ابن الحجر حيث نسبه إلى الشحّ فقال : إمّا نسبته إلى غاية الشحّ فلا تكاد تصلح ولا تصدّق في عالم فقيه عظيم عرف مذامّ الشحّ
__________________
(1) المرجع نفسه 14 / 246 ـ 247 نقلاً عن مقدّمة رسالة العرضي التي أنشأها في شرح آلات مرصد مراغة وأدواته ، والتي يوجد منها نسخة خطّية في مكتبة الإمام الرضا عليه‌السلام في مشهد خراسان.
(2) انظر : تاريخ الحلّة 2 / 42.

وقبحه ، فهو إن لم يكن سخيّاً بطبعه فلابدّ أن يتسخّى بسبب علمه ، مع أنّنا لم نجد ناقلاً نقلها غيره ..»(1).
الخاتمة :
خلاصة عامّة لأدوار مدرسة الحلّة :
بعد هذا السبر التاريخي لحوزة الحلّة العلمية منذ انطلاقها العلمي في القرن السادس الهجري ، على يد الشيخ ابن إدريس العلمي ، وإلى حين أُفولها في أواخر القرن التاسع الهجري ، لابدّ لنا من خاتمة نلخّص فيها أهمّ الأدوار الرئيسية التي مرّت بها هذه المدرسة والحوزة المباركة في عمرها المتمادي ، منذ تأسيسها ولأربعة قرون.
لقد اتّضح لنا ومن خلال استعراض مفردات تاريخ هذه الحوزة والعلماء الكبار الذين عاصروها ، إنّ هذه الحوزة المباركة مرّت بثلاث مراحل :
المرحلة الأُولى : مرحلة التأسيس :
وتبدأ من تأسيس مدينة الحلّة على يد بني مزيد الأسديّين ، والكرد الجاوانيّين سنة (495 هـ) وبواسطة أعظم أُمرائها الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأسدي (ت 501 هـ) ، إذ كان هذا الأمير ومن جاء بعده من الأُمراء المزيديّين من محبّي العلوم والآداب والمعارف ، ومن المشجّعين
__________________
(1) أعيان الشيعة 9 / 17 ـ 18.

عليها والمؤازرين لها.
فظهر خلال هذه الفترة والتي تزامنت مع بداية القرن السادس للهجرة ، علماء وفقهاء وفضلاء اشتهروا بفروع معيّنة من المعرفة كالفقه والحديث والتفسير والأدب ، وعلى رأسهم الفقيه المجدّد محمّد بن إدريس بن أحمد العجلي الحلّي أبو عبد الله (ت 598 هـ) الذي استطاع أن ينهض بحركة تجديدية في مباني الاجتهاد ، وأن يكسر طوق التقليد الذي كاد أن يغلق أبواب الاجتهاد عند الشيعة الإمامية.
المرحلة الثانية : مرحلة الازدهار والتوسّع :
وتبدأ هذه المرحلة من أوائل القرن السابع الهجري ، وتتوّج برائدها وقطب حركتها المحقّق المدقّق الإمام نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن ابن يحيى المعروف بالمحقّق الحلّي (ت 676 هـ).
وقد سبق هذا العلم الفذّ ، ولحقه نخبة من أعلام الفقهاء وأسماء لامعة في دنيا العلوم والمعارف ، كانوا من أساتذة هذا المحقّق ، أو من تلامذته الأفذاذ ، وعلى رأسهم وقطب رحاهم العلاّمة الحلّي جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت 726 هـ) الذي تلمّذ للمحقّق الحلّي ثمّ كان شيخ الطائفة الإمامية ورئيسهم إلى حين وفاته.
وقد شهدت حوزة الحلّة العلمية في هذا الدور ازدهاراً وتوسعة بلغت القمّة في العطاء ، أنّ على مستوى الحضور الواسع لطلاّب العلم والمعرفة حتّى قيل إنَّ درس العلاّمة الحلّي قد تخرّج منه خمسمائة مجتهد في الفقه

والأُصول(1) ، أو على مستوى التراث العلمي الضخم الذي وصلنا من المحقّق والعلاّمة والعلماء الذين سبقوهم أو عاصروهم أو كانوا من تلامذتهم وتلامذة تلامذتهم. وكان على رأس أُولئك ولد العلاّمة فخر المحقّقين محمّد بن الحسن (ت 771 هـ) الذي واصل خُطى والده العلمي. «ويمكن اعتبار العلاّمة الحلّي حلقة وصل بين القرنين السابع والثامن الهجريّين ، إذ قضى في السابع ثلثي عمره ثمّ ثُلثه الأخير في الثامن»(2).
المرحلة الثالثة : مرحلة الركود والأُفول :
وهي المرحلة التي أعقبت رحيل العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) والتي بدأت تدريجيّاً مع عصر فخر المحقّقين الذي واصل مدرسة والده وزعامته للحوزة الحلّية إلى حين وفاته عام (771 هـ) ثمّ أعقبه بعض اللاّمعين من تلامذة والده وتلامذته حتّى هجرة بعض أعلام الحلّة إلى النجف وكربلاء من أمثال الشيخ المقداد السيوري أبي عبد الله (ت 826 هـ) الذي هاجر إلى النجف الأشرف وأسّس فيها مدرسته العلمية ، وتوفّي فيها ، والشيخ أحمد بن فهد الحلّي (ت 841 هـ) الذي هاجر إلى كربلاء وواصل حركته العلمية فيها حتّى توفّي ودفن هناك.
ومن أبرز المعالم الإيجابية لهذه المرحلة هجرة بعض طلاّب العلم إلى حوزة الحلّة في عصر الشيخ فخر المحقّقين ، «وكان من أهمّ هؤلاء الطلبة فتى (جزين) ، محمّد بن جمال الدين مكّي العاملي الذي وصل إليها ـ الحلّة ـ سنة
__________________
(1) تأسيس الشيعة : 270.
(2) متابعات تاريخية : 41.

(750 هـ) ودرس على يد علمائها وأصبح فيما بعد الرائد الأوّل لعلماء جبل عامل الشيعة ، ورئيساً للطائفة الشيعية في بلاد الشام»(1).
هذه هي أهمّ المراحل الرئيسية لحوزة الحلّة العلمية في تاريخها العلمي عبر القرون الأربعة ، والتي رافقها أحداث سياسية هامّة في الحلّة ، وفي بغداد ، وغيرها من مدن العراق ، والعالم الإسلامي ، وقد توقّفنا عند بعضها لملامستها لموضوع بحثنا.
وينبغي أن نشير إلى أنّ نهاية المرحلة الثالثة لا تعني بالضرورة النهاية التامّة لحركة العلم والعلماء في هذه المنطقة ، إذ ظهر فيها بعض العلماء والأُدباء والشعراء ، بل وبعض الأسماء اللامعة في عالم المرجعية الشيعية ، كالشيخ حسين الحلّي (ت 1394 هـ) أُستاذ الحوزة العلمية في النجف ، وأُستاذ الفقهاء الكبار المعاصرين كالسيّد عليّ السيستاني ، والسيّد محمّد سعيد الحكيم (حفظهما الله).
وينبغي أن نشير أيضاً ، إلى أنّنا رغم إطالتنا في مباحث (حوزة الحلّة العلمية) إلاّ أنّنا لم نتمكّن من استيعاب جميع أبحاثها ، وذلك لامتدادها الزمني وكثرة علمائها ، ووفرة نتاجها العلمي ، والأحداث المفصلية الهامّة التي رافقتها ، فاكتفينا بالإشارة والتلميح في بعض جوانب البحث ، كما أهملنا ذكر بعض الأحداث الجانبية.
__________________
(1) المؤسّسة الدينية : 147.

المصادر
1 ـ ابن إدريس الحلّي : بناري ـ عليّ همّت ، ترجمة : حيدر حبّ الله ، طبعة مؤسّسة الغدير ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1425 هـ ـ 2005 م).
2 ـ أدوار الاجتهاد از ديدگاه مذاهب إسلامى (بالفارسية) : الجنّاتي ـ محمّد إبراهيم ، طبعة مؤسّسة كيهان ـ طهران ، الطبعة الأُولى (1372 ش).
3 ـ الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي : شمس الدين ـ محمّد مهدي ، طبعة المؤسّسة الدولية ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1419 هـ ـ 1999 م).
4 ـ أعيان الشيعة : الأمين ـ محسن بن عبد الكريم بن عليّ بن محمّد الأمين الحسيني العاملي الدمشقي (ت 1371 هـ) ، حقّقه : السيّد حسن الأمين ، طبعة دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ، الطبعة الخامسة (1418 هـ ـ 1998 م).
5 ـ الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد : الطوسي ـ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ (ت 460 هـ) ، طبعة مكتبة جامع چهلستون ـ طهران (1400 هـ).
6 ـ الألفين في إمامة أمير المؤمنين : الحلّي ـ أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الشهير بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) ، طبعة بيروت.
7 ـ الإمارة المزيدية الأسدية في الحلّة : ناجي ـ عبد الجبّار ، طبعة قم (1431 هـ).
8 ـ أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل : العاملي ـ محمّد بن الحسن بن عليّ الشهير بـ (الحرّ العاملي) (ت 1104 هـ) ، تحقيق : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة الأندلس ـ بغداد ، (بلا ـ ت).
9 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : المجلسي ـ محمّد باقر (ت 1111 هـ) ، تحقيق ومراجعة وتقديم : الشيخ محمود درياب ومجموعة من العلماء ، طبعة دار التعارف للمطبوعات ، الطبعة الأُولى (1421 هـ ـ 2001 م).
10 ـ البداية والنهاية : ابن كثير ـ أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ) ، طبعة مؤسّسة التاريخ العربي ـ بيروت (1413 هـ ـ 1993 م).
11 ـ تاريخ الإسماعيلية : عارف ـ تامر ، طبعة رياض الريس ـ لندن ، الطبعة الأُولى (1991 م).
12 ـ تاريخ التشريع الإسلامي : الفضلي ـ عبد الهادي ، طبعة مؤسّسة دار الكتاب الإسلامي ـ قم ، الطبعة الأُولى (1414 هـ ـ 1993 م).
13 ـ تاريخ الحلّة : كركوش ـ يوسف ، طبعة المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف (1965 م).
14 ـ تاريخ فقه وفقهاء (بالفارسية) : گرجي ـ أبو القاسم ، طبعة سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم انسانى ـ طهران (1377 هـ).
15 ـ تاريخ المؤسّسة الدينية الشيعية من العصر البويهي إلى نهاية العصر الصفوي : القزويني ـ جودت ، طبعة دار الرافدين ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1426 هـ).
16 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الصدر ـ حسن (ت 1354 هـ) ، طبعة انتشارات أعلمي ـ طهران ، (بلا ـ ت).
17 ـ التحرير الطاووسي : العاملي ـ جمال الدين بن الحسن بن زين الدين (ت 1011 هـ) ، طبعة مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1408 هـ ـ 1988 م).
18 ـ تحفة العالم في شرح خطبة المعالم : بحر العلوم ـ جعفر (ت 1377 هـ) ، طبعة الصادق ـ طهران ، (بلا ـ ت) ، والطبعة الجديدة المحقّقة بتحقيق : أحمد عليّ مجيد الحلّي ، طبعة مركز تراث السيّد بحر العلوم ـ النجف الأشرف ، الطبعة الأُولى (1433 هـ).
19 ـ تطوّر حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية : آل قاسم ـ عدنان فرحان ، طبعة دار السلام ـ بيروت ، الطبعة الثالثة (1433 هـ ـ 2012 م).
20 ـ تكملة أمل الآمل : الصدر ـ حسن (ت 1354 هـ) ، تحقيق : حسين عليّ محفوظ وآخرون ، طبعة دار المؤرّخ العربي ـ بيروت (1429 هـ ـ 2008 م).
21 ـ الحوادث الجامعة والتجارب النافعة : ابن الفوطي ـ كمال الدين عبد الرزّاق بن أحمد الشيباني المعروف بابن الفوطي (642 هـ) ، تحقيق : بشّار عوّاد وعماد عبد السلام رؤوف ، طبعة أُفست المكتبة الحيدرية ـ قم.
22 ـ الحوزة العلمية في الحلّة : عوض ـ عبد الرضا ، مجلّة آفاق نجفية ، العدد 12 لسنة (1429 هـ ـ 2008 م).
23 ـ الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع الهجري : آل ياسين ـ محمّد مفيد.
24 ـ خلاصة الأقوال في معرفة الرجال : الحلّي ـ أبو منصور جمال الدين الحسني ابن يوسف بن عليّ بن المطهّر الشهير بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) ، تحقيق وطباعة : نشر الفقاهة ـ قم ، الطبعة الأُولى (1417 هـ).
25 ـ الخواجة نصير الدين الطوسي : رضوي ـ محمّد تقي مدرّس ، تعريب عليّ هاشم الأسدي ، طبعة الآستانه الرضوية ـ مشهد ، الطبعة الأُولى ، 1419 هـ.
26 ـ دليل القضاء الشرعي : بحر العلوم ـ محمّد صادق ، طبعة النجف الأشرف ، (بلا ـ ت).
27 ـ الرجال : بحر العلوم ـ محمّد مهدي بن مرتضى بن السيّد محمّد (ت 1212 هـ) ، الشهير بـ : (الفوائد الرجالية) أو (رجال السيّد بحر العلوم) ، بتحقيق وتقديم : السيّد محمّد صادق بحر العلوم ، والسيّد حسين بحر العلوم ، طبعة أُفست مكتبة العلمين في النجف الأشرف.
28 ـ رحلة ابن بطّوطة : ابن بطّوطة ـ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الطنجي (ت 779 هـ) شرح وتعليق : طلال حرب ، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1423 هـ ـ 2002 م).
29 ـ رحلة ابن جبير : ابن جبير ـ محمّد بن أحمد الأندلسي (ت 614 هـ) ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت ، (بلا ـ ت).
30 ـ روضات الجنّات في تراجم العلماء والسادات : الخوانساري ـ محمّد باقر (1313 هـ) ، طبعة مكتبة اسماعيليان ـ قم (1390 هـ).
31 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : أفندي ـ الميرزا عبد الله أفندي الإصفهاني (من أعلام القرن الثاني عشر) ، تحقيق : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1403 هـ).
32 ـ ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللّقب (بالفارسية) : مدرّسي ـ محمّد عليّ ، طبعة شفق ـ تبريز إيران ، الطبعة الثالثة ، (بلا ـ ت).
33 ـ الصلة بين التصوّف والتشيّع : الشيبي ـ كامل مصطفى ، طبعة دار الأندلس ـ بيروت ، الطبعة الثالثة (1982 م).
34 ـ طبقات أعلام الشيعة : الطهراني آقا بزرك ـ محسن ، (ت 1389 هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1430 هـ ـ 2009 م).
35 ـ غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع : ابن زهرة ـ حمزة بن عليّ الحلبي (ت 585 هـ) ، تحقيق : إبراهيم البهادري ، طبعة مؤسّسة الإمام الصادق ـ قم ، الطبعة الأُولى (1417 هـ).
36 ـ الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت : الصدر ـ محمّد باقر (ت 1401 هـ) ، طبعة دار التعارف ـ بيروت ، الطبعة السابعة (1401 هـ ـ 1982 م).
37 ـ فرائد الأُصول : الأنصاري ـ مرتضى محمّد أمين ، طبعة مطبعة النعمان ـ النجف ، (بلا ـ ت).
38 ـ فرحة الغري : ابن طاووس ـ عبد الكريم بن أحمد (ت 693 هـ) ، طبعة منشورات الرضي ـ قم (بلا ـ ت) ، وطبعة العتبة العلوية بتحقيق الشيخ محمّد مهدي نجف ، الطبعة الأُولى (1431 هـ ـ 2010 م).
39 ـ الفقه في جنوب لبنان : الحسيني ـ محمّد طاهر ، طبعة دار المحجّة البيضاء ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1430 هـ ـ 2009 م).
40 ـ فوات الوفيات : الكتبي ـ محمّد بن شاكر (ت 764 هـ) ، تحقيق : إحسان عبّاس ، طبعة دار صادر ـ بيروت (بلا ـ ت).
41 ـ الفهرست : منتجب الدين ـ عليّ بن بابويه الرازي (من أعلام القرن السادس الهجري) ، تحقيق وتقديم : جلال الدين محدّث أرموي ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1366 ش).
42 ـ الفيلسوف نصير الدين الطوسي : الأعسم ـ عبد الأمير ، طبعة دار الأندلس ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1980 م).
43 ـ قاموس الرِّجال في تحقيق رواة الشيعة ومحدّثيهم : التستري ـ محمّد تقي بن كاظم التستري (ت 1320 هـ) ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم ، الطبعة الثانية (1410 هـ).
44 ـ قواعد الحديث : الغريفي ـ محيي الدين ، مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف ، الطبعة الأُولى (1388 هـ).
45 ـ القواعد والفوائد في الفقه والأُصول والعربية : العاملي ـ أبو عبد الله محمّد بن مكّي المعروف بالشهيد الأول (ت 786 هـ) ، تحقيق : عبد الهادي الحكيم ، طبعة أُفست مكتبة المفيد ـ قم إيران ، (بلا ـ ت).
46 ـ الكافي في الفقه : الحلبي ـ أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين بن عبيد الله ابن محمّد الحلبي (ت 447 هـ) ، تحقيق : رضا الأُستادي ، طبعة منشورات مكتبة أمير المؤمنين ـ إصفهان (1403 هـ).
47 ـ الكامل في التاريخ : ابن الأثير ـ عزّ الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد أبي الكرم الجزري (ت 630 هـ) ، تحقيق : عليّ شيري ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1408 هـ ـ 1989 م).
48 ـ كتاب الرجال : الحلّي ـ تقي الدين الحسن بن عليّ ابن داود (ت بعد سنة 707 هـ) ، حقّقه وقدّم له : السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم.
49 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين : طبعة مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ قم ، (بلا ـ ت).
50 ـ كنز العرفان في فقه القرآن : السيّوري ـ جمال الدين المقداد بن عبد الله (ت 826 هـ) ، طبعة المكتبة الرضوية ـ طهران (1384 هـ).
51 ـ لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، أبي الفضل أحمد بن عليّ (ت 852 هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1422 هـ ـ 2001 م).
52 ـ متابعات تاريخية فكرية لحركة الفكر في الحلّة : آل ياسين ـ محمّد مفيد ، طبعة المكتبة العصرية ـ بغداد ، الطبعة الأُولى ، (1425 هـ ـ 2004 م).
53 ـ مجالس المؤمنين (بالفارسية) : الشوشتري ـ القاضي نور الله (الشهيد سنة 1019 هـ) ، انتشارات إسلامية ـ طهران (1377 ش).
54 ـ مجلّة فقه أهل البيت : : مجلّة فصلية تخصّصية تصدرها دائرة معارف فقه أهل البيت : في قم ولبنان.
55 ـ مجلّة لغة العرب ، (مجلّة شهرية أدبية علمية تاريخية) : الكرملي ـ الأب انستاس ماري ، طبعة دار الحرّية (1391 هـ ـ 1971 م).
56 ـ مجموعة رسائل الشريف المرتضى : المرتضى ـ علم الهدى الشريف عليّ بن الحسين بن موسى (ت 436 هـ) ، تقديم : أحمد الحسيني ، إعداد : مهدي الرجائي ، طبعة دار القرآن ـ قم (1405 هـ).
57 ـ مختلف الشيعة : طبعة مركز الأبحاث والدراسات ـ قم ، الطبعة الثانية (1423 هـ).
58 ـ المدخل إلى أُصول الفقه الجعفري : عمرو ـ القاضي يوسف محمّد ، قدّم له السيّد محمّد الصدر ، طبعة دار الزهراء ـ بيروت ، الطبعة الأُولى ، (1401 هـ ـ 1981 م).
59 ـ مدرسة الحلّة العلمية ودورها في حركة التأصيل المعرفي : الحكيم ـ حسن عيسى ، طبعة مركز الهدى للدراسات الحوزوية (2009 هـ).
60 ـ مراحل تطوّر الاجتهاد (مقال) ، مجلّة فقه أهل البيت : : الحكيم ـ منذر ، العدد 17.
61 ـ المراسم في الفقه الإمامي : سلاّر ـ حمزة بن عبد العزيز الديلمي (ت 463 هـ) ، تحقيق : د. محمود البستاني ، طبعة أُفست الحرمين ـ قم ، الطبعة الأُولى (1400 هـ ـ 1980 م).
62 ـ المراصد الفلكية في العالم الإسلامي : هاييلي ـ آيدين ، طبعة مؤسّسة الكويت للتقدّم العلمي ، الطبعة الأُولى (1995 م).
63 ـ مراقد المعارف : حرز الدين ـ محمّد (ت 1365 هـ) ، تحقيق : محمّد حسين حرز الدين ، أُفست الطبعة الأُولى ، انتشارات سعيد بن الجبير ـ قم (1992 م).
64 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل (الخاتمة) : النوري ـ ميرزا حسين ابن محمّد تقي النوري الطبرسي ، الشهير بالمحدّث النوري (ت 1320 هـ ـ 1902 م) ، الخاتمة ، طبعة وتحقيق : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأُولى (1407 هـ).
65 ـ مشاهير المدفونين في النجف : الفتلاوي ـ كاظم ، طبعة النجف ، العتبة العلوية ، الطبعة الأُولى (1431 هـ ـ 2010 م).
66 ـ مصفى المقال : الطهراني آقا بزرك ـ محسن (ت 1389 هـ) ، طبعة دار العلوم ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1408 هـ ـ 1988 م).
67 ـ معارف الرجال في تراجم العلماء والأُدباء : حرز الدين ـ محمّد (ت 1365هـ) ، علّق عليه : محمّد حسين حرز الدين ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1405 هـ).
68 ـ المعالم الجديدة للأُصول : الصدر ـ محمّد باقر (ت 1410هـ) ، طبعة المجمع العالمي للإمام الشهيد الصدر ، الطبعة الثالثة (1429 هـ).
69 ـ المعتبر في شرح المختصر : الحلّي ـ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الهُذلي المحقّق الحلّي (ت 676 هـ) ، تحقيق : عدّة من الأفاضل ، طبعة مؤسّسة سيّد الشهداء ـ قم ، (بلا ـ ت).
70 ـ معجم البلدان : الحموي ـ شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت (ت 626 هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت (بلا ـ ت).
71 ـ معجم رجال الحديث وتفصيل الرواة : الخوئي ـ السيّد أبو القاسم بن عليّ أكبر الخوئي (1413 هـ) ، نشر الفقاهة ـ قم ، الطبعة الخامسة ، (1413 هـ ـ 1992 م).
72 ـ معجم مقاييس اللّغة : ابن فارس ـ أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريّا (ت 395 هـ) ، حقّقه : شهاب الدين أبو عمرو ، طبعة دار الفكر ـ بيروت (1414 هـ).
73 ـ مقدّمة تحقيق كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي : البقّال ـ عبد الحسين ، الطبعة المحقّقة الأولى ، مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف (1389 هـ ـ 1969 م).
74 ـ مقدّمة كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيدين العامليّين : الآصفي ـ محمّد مهدي ، طبعة بيروت ، (بلا ـ ت).
75 ـ منتهى المقال في معرفة الرجال : الحائري ـ أبو عليّ محمّد بن إسماعيل المازندراني (ت 1216 هـ) ، طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأُولى (1416 هـ).
76 ـ موسوعة طبقات الفقهاء : السبحاني ـ جعفر ، طبعة دار الأضواء ـ بيروت ، الطبعة الأُولى (1420 هـ ـ 1999 م).
77 ـ موسوعة العتبات المقدّسة : الخليلي ـ جعفر ، طبعة مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1407 هـ ـ 1987 م).
78 ـ المهذّب البارع : ابن البرّاج ـ أبو القاسم عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي (ت 481 هـ) ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرّسين ـ قم (1406 هـ).
79 ـ النجف الأشرف والحلّة الفيحاء صلات علمية وثقافية عبر عصور التاريخ : الحكيم ـ حسن عيسى طبعة مطبعة الغريّ الحديثة (2006 م).
80 ـ نزهة الناظر : الحلّي ـ نجيب الدين يحيى بن سعيد (ت 690 هـ) ، إعداد السيّد أحمد الحسيني ، طبعة الآداب ـ النجف (1386 هـ).
81 ـ نظام الحكم في الإسلام النبوّة والإمامة : مقلّد ـ عليّ ، طبعة مركز الحضارة ـ بيروت.
82 ـ نقد الرجال : التفرشي ـ مصطفى بن الحسين الحسيني (من أعلام القرن الحادي عشر الهجري) ، تحقيق وطباعة : مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأُولى (1418 هـ).
83 ـ الوافي بالوفيات : الصفدي ـ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت 764 هـ) ، طبعة دار النشر فرانز شتانيز ـ فيسبادن (1381 هـ ـ 1962 م).
84 ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة : ابن حمزة ـ محمّد بن عليّ الطوسي (من أعلام القرن السادس الهجري) ، تحقيق : محمّد الحسّون ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1408 هـ).
85 ـ هديّة الأحباب في ذكر المعروفين بالكنى والألقاب : القمّي ـ عبّاس بن محمّد رضا بن أبي القاسم (1359 هـ) ، ترجمة : هاشم الصالحي ، طبعة مؤسّسة نشر الفقاهة ـ قم ، الطبعة الأُولى (1420 هـ).
86 ـ هديّة العارفين في أسماء المؤلّفين وآثار المصنّفين : البغدادي ـ إسماعيل بن محمّد باشا الباباني البغدادي (ت 1339 هـ) ، طبعة استانبول (1960 م).

المصدر: الشيخ عدنان فرحان - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
2148
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :