معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

دراسة في تراث الشهيدين العامليّين - نظرية التأثّر والتأثير ..

دراسة في تراث الشهيدين العامليّين - نظرية التأثّر والتأثير

بسم الله الرحمن الرحيم

ديباجة البحث :
(الحمد لله الذي شرح صدورنا بلمعة من شرائع الإسلام كافية في بيان الخطاب) وصلاةً وتسليماً على الحبيب المصطفى محمّد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الأبرار ومن تبعهم بآثار.
من البديهيّات الحتمية تبلور الصراع في المحتوى القيمي والمضمون الفكري بين تجاذبات التراث والحداثة ، الأصالة والمعاصرة ، التقليد والتجديد ، الأثر والتأثير ، وما إلى ذلك من الإشكاليّات التنظيرية ـ وذلك بحسب فهمي القاصر ـ مصدر اقتدار ومثار تحفّز ونقاط قوّة.
إنّ متبنّيات التغيير ومرتكزات التجديد تجارب إنسانية ـ إضافة لكونها إسلامية ـ وأين نحن من تلكم الشواهد التاريخية؟ فالرموز العالقة في ذهنية

العالم المتمدّن برغم أُطر الحداثة ومنهجية العصرنة هذه الرموز كانت دوماً إصلاحية ، تجديدية ، تغييرية ، ثورية ، وأولئك كانوا هم روّاد النهضة وشواخص الحضارة وتراني أجيء بالمثل وأضرب البرهان في الشهيدين السعيدين العامليّين ـ طاب ثراهما ـ فهما أنموذجان للخطّ التجديدي في فقه المدرسة الإمامية وداعيتان من دعاة (التقريب) بين المذاهب الإسلامية.
وإذا كان لعنصرَيّ المكان والزمان من مداليل في منظومة الاجتهاد كما يقرّر السيّد الخميني قدس‌سره فإنّ المصداق : الشهيدان العامليّان ، إذ انحدرا من جبال عاملة (ولودة الفقهاء) إلى القواعد الشعبية في سهولها ووديانها وكان عصرهما آنذاك عصر احتلال فقاوما (الاستكبار) حتّى نالا درجة الفخار.
وإذا كانت (الذاتية) ينبغي ألاّ تؤثّر في صياغة (الفتوى) كما يعبّر الشهيد محمّد باقر الصدر ، فلعمري أنّ الشهيدين كانا الأسوة الحسنة لمحاربة تلك النزعة ، وارتحلا في الأقطار ليقيما (الفقه المقارن) ويشيّدا منهجية (المقارنة) ، وقد صنّفا بعد ذلك (اللّمعة والروضة) أشهر مدوّنتين في الفقه الإسلامي الإمامي ، وجمعا إلى فضيلة العلم منقبة الشهادة.

بحوث تمهيدية
أوّلا : جبل عاملة (الجغرافيا والموقع) :
حدود الجبل قد ظلّت لفترة طويلة ملتهبة وفضفاضة ، تارةً كانت تمتدّ وتتّسع وطوراً كانت تتراجع وتتقلّص.
يذكر الحمداني (ق 10 م) : «إنّ جبل عاملة يطلّ على بحيرة طبريّة باتّجاه البحر» ، ثمّ يضيف في موقع آخر : «أنّه يشرف على عكّا وله نافذة على الأردن» وبحسب ياقوت الحموي (ق 13 م) فإنّ الجليل يمتدّ من سواحل الشام إلى محيط حمص وحتّى إلى دمشق ، ويستشهد هذا الجغرافي بابن فقيه (ق 9 م) زاعماً ، أنّ قبر نوح يقع في الجليل قرب حمص ، والحقيقة إنّ نصباً للنبيّ نوح عليه‌السلام يقوم في قرية (كرك نوح) وأسمها اليوم كرك قرب زحلة على الطريق إلى بعلبك ، وقد كانت هذه المنطقة وهي البقاع اليوم تابعة للجليل ، وكانت جزءاً ممّا كان عليه جبل عامل.
إنّ حدود جبل عامل ليست مثبّتة في المصادر المكتوبة بل متناقلة بالمشافهة على ألسن مسنّيه ، الأمر الذي يفسّر اختلاف الآراء بين المؤلّفين الذين انكبّوا على تاريخ البلاد العامليّة منذ بداية (ق 2 هـ) فبدأوا بوصف نطاقها الجغرافي إلاّ أنّ هذا الاختلاف يبقى في حدوده الدنيا ، فلنأخذ بحدوده

كما وصفها السيّد الأمين :
ـ يحدّه من جهة الغرب شاطئ البحر المتوسّط أو بحر الشام.
ـ ومن الجنوب فلسطين
ـ ومن الشرق الأردن (ألحولة) ووادي التّيم وبلاد البقاع وقسم من جبل لبنان الذي هو وراء جبل الريحان ووراء إقليم جزّين.
ـ ومن الشمال نهر الأوّلي أو ما يقارب منه وهو المسمّى قديماً (نهر الفراديس).
وهذا التحديد ممّا لا شبهة ولا شكّ فيه ، ولكن يقع التأمّل في الحدّ الفاصل بينه وبين فلسطين ، فقد قيل أنّه هو النهر المسمّى : نهر القرن ، ولابدّ من التنويه بأنّ كتابات المؤلّفين العامليّين تمّت بعد إنشاء دولة لبنان الكبير وتحويل جبل عامل إلى محافظة لبنان الجنوبي ، على أنّ هذه المحافظة وهي دائرة إدارية لا تطابق الحدود المنشودة ، هذا بالإضافة إلى أنّ السلطات الفرنسية قد تخلّت في بداية الانتداب عن بعض القرى العامليّة للبريطانيين فأصبحت من ذلك الحين جزءاً من فلسطين(1) ، ومساحة جبل عامل لا تزيد عن 30 × 40 كم ، فإنّه يحدّه من الشمال جبل لبنان ومن الشرق الحولة ومن الجنوب فلسطين ومن الغرب البحر الأبيض ، وهذا التحديد يوضّح مكان جبل عامل ومنه نعرف أنّه لم يسالمه أحد من جيرانه إلا البحر الأبيض(2).
__________________
(1) موسوعة الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر : 13.
(2) مقدّمة الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية ص ب.

وجبل عامل جزء من بلاد سوريا الكبرى ، يقع في جنوب لبنان ويسمّى بالعاملة كذلك نسبةً إلى (عاملة بن سبأ) الذي رحل من اليمن وسكن جبالا من لبنان فأطلق عليها إسم العاملة فيما بعد(1).
ثانياً ـ العامليّون :
(جبل العلماء) ـ على ما يقول مارون عبّود في كتابه نقدات عابر ـ أصبح بعد العام (1920م) جنوب لبنان أو الجنوب مختصراً حسب التعبير الشائع على ألسنة العامّة والخاصّة باستثناء قلّة قليلة من المثقّفين ورجال الدّين الذين مازالوا إلى الآن ينتسبون إليه ويحتفظون باسمه فيقولون : عامليّ أو من جبل عامل أو عاملة.
هذه النسبة من أين جاءت؟ وكيف حصلت؟ والعامليّون من هم ومن أين أتوا ومتى أتوا إلى هذه الأرض التي عرفوا بها وعرفت بهم ، فأصبحت ذاكرة لتاريخيهم ورمزاً لهويّتهم؟
يقول اليعقوبي في وصفه ولاية دمشق ، جبل الجليل : «إنّ سكّانه من عاملة ، وبنو عاملة قبيلة قديمة من شمال غرب الجزيرة العربية»(2).
ويذكر السيّد محسن الأمين (1876 ـ 1952م) عدّة روايات مختلفة حول أصلهم : «فعاملة قد تكون من اليمن ، أو أنّها قد تضمّ عشائر منحدرة
__________________
(1) تقديم الروضة البهية قي شرح اللّمعة الدمشقية 1 / 77.
(2) موسوعة الإمام موسى الصدر : 11.

من سبأ وقد هاجر ستّة من أبنائه العشرة نحو اليمين وأربعة نحو الشمال ونتج عن هؤلاء الأخيرين عشر قبائل منهم عاملة ، أو أنّ اسم عاملة امرأة لعلّها تكون عاملة بنت مالك بن وديعة بن قضاعة ، وهذه المرأة مذكورة في معجم قبائل العرب»(1).
ويروي محمّد جابر آل صفا رواية : «إنّ سكّان جبل عامل من ذرية عاملة بن سبأ بن يشغوب بن قحطان وهي قبيلة يمنيّة هاجرت إلى هذه البلاد سنة (300ق م) بعد الطوفان وخراب سدّ مأرب ونهاية مملكة سبأ»(2).
وبما أنّ جميع هذه الروايات تتّفق على تسمية جبل عامل نسبة إلى قبيلة عاملة فإنّ تفاصيلها المختلفة تقلّ عنها في الأهمّية لاسيّما أنّها روايات تمتزج بالأسطورة والخرافة ، والحقّ أنّ بني عاملة كانوا يقيمون في جنوب شرق البحر الميّت أثناء الفتح الإسلامي وبعد ذلك بقليل أقاموا في الجليل الأعلى ثمّ انتقلوا إلى جنوب لبنان في مقاطعة بلاد (الشقيف) ، وبلاد (الشقيف) هي الجزء الشمالي من جبل عامل ويسمّى جزءه الجنوبي بلاد (بشارة).
ويعود اسم (بشارة) بحسب أحمد رضا إلى أحد أمراء بني معن بشارة ابن مقيل القحطاني ، وكان يحكم المنطقة في القرون الوسطى إلاّ أنّ الدليل
__________________
(1) خطط جبل عامل : 20.
(2) تاريخ جبل عامل : 225.

ينقصنا (1).
ويذهب آل صفا إلى أبعد من ذلك في تحرّياته ويقول : بأنّ أراء الباحثين متباينة في هذا المجال ، ولا يوافق رأيه رأي أحمد رضا ولو أنّ بعض المؤلّفين العامليّين قبله يدعمونه وذلك لأنّه لم يجد هذا الاسم في المراجع التاريخية ، وبرأيه أنّ علماء آخرين قد رأوا أنّ الأمر يتعلّق ببشارة بن معن وهو من أسرة عربية هي فرع من ربيعة كانت تحكم لبنان بين (1516 ـ 1697م) إلاّ أنّه يسارع في تكذيب هذا الرأي محتجّاً بأنّ اسم بشارة لم يرد بين حكّام الأسرة المعنية في جبل عامل ، وبحسب آل صفا فإنّ الرأي الأقرب للتصديق أن يكون الأمر مختصّاً بحسام الدين بشارة بن أسد الدين بن مهلهل ابن سليمان بن أحمد بن سلامة العاملي ، ويتبنّى الأمين هذا الرأي مدقّقاً بأنّ حسام الدين هذا من قبيلة عاملة التي شاركت في فتح (عكّا) في جيش أبي بكر أخي صلاح الدين الأيّوبي (1187م) فحكمت المدينة بعد ذلك وكانت في الوقت نفسه مشاركة في الاستيلاء على قلعة (هوتين) ، ويتابع الأمين فيورد استشهادات أخرى حول هويّة بشارة فيستنتج بأنّ أحد أجداد آل علي الصغير ابن بشارة على أنّه أعاد بناء مدينة صور في أوائل (ق 9 هـ) قد حكم المنطقة لفترة طويلة إلاّ أنّ السيّد محسن الأمين يقرّ بأنّ سرّ التسمية يبقى قائماً(2).
__________________
(1) موسوعة الإمام موسى الصدر : 17.
(2) خطط جبل عامل : 23.

ثالثاً ـ تأريخ التشيّع في لبنان :
قبل التحدّث عن تاريخ التشيّع في لبنان على الأعمّ وفي جبل عامل منه على الأخصّ لابدّ من الإشارة إلى أبي ذرّ الغفاري رضي‌الله‌عنه.
أبو ذرّ الغفاري : جندب بن جنادة ، صحابيّ من أقدس وأقدم المؤمنين ، اشتهر بتقواه وتقشّفه (ت 32 هـ / 652 م) ، ويقول أصحاب التراجم والسير : أنّه كان شديداً في الحقّ لا تأخذه في الله لومة لائم ، وليس أدلّ على ذلك من حديث أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه‌السلام إليه ووصيّته له حين نفاه عثمان بن عفّان إلى الربذة(1).
ففي ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام تمّ إبعاده إلى جبل عامل فبذر فيها ولاء آل محمّد عليهم‌السلام ، وهو أوّل من نشر التشيّع هناك ، وكان معاوية قد طرده من دمشق لمواقفه الجريئة وصرخاته المدوّية ، فأسّس بذلك طائفة شيعيّة هي الثانية بعد طائفة الحجاز بالسبق التاريخي ، كما أنّه أنتج تقليداً علميّاً بدأه بتدريس أتباعه. يقول الشيخ الحرّ العاملي (ت 1693م) : «إنّ التشيّع في جبل عامل أقدم منه في غيره من البلاد ما خلا المدينة المنوّرة ، وأنّه يعود فيه إلى عهد الخليفة عثمان ، حيث إنّ أبا ذرّ لمّا أخرجه عثمان إلى الشام تشيّع جماعة كثيرة من أهلها ، فأخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيّعوا من ذلك اليوم»(2) ، ويشير بعض الباحثين إلى خبر مرابطة أبي
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 8/ 252 ـ 253 ، أُصول الكافي 8 / 207.
(2) أمل الآمل : 103.

ذرّ عند ساحل (الصرفند) ـ أي بيروت ـ وتواتره(1).
كما يذكر السيّد محسن الأمين أنّ خبر نفي أبي ذرّ إلى قرى الشام وجبل عامل وإن لم يرد به خبر مسند إلاّ أنّه قريب غير مستبعد ، ويؤيّده وجود مسجدين في جبل عامل باسمه في كلّ من (ميس) و (الصرفند) ، وهذه الأمور يستأنس بها لتشيّع أهل جبل عامل على يد أبي ذرّ وتورث الظنّ بذلك وإن كان لا يستطيع الجزم به(2).
بينما يخلص بعض الباحثين إلى أنّ الروايات الواردة حول الموضوع لا تعني أنّ إخراج أبي ذرّ الأوّل إلى الشام كان نفياً ، كما لا يصادق على كون معاوية قد استقدمه إلى الشام ثمّ خرج إلى قراها(3) ، وقد أيّده في هذا باحث آخر إذا اعتبر أنّه قدم إلى الشام في المرّة الأولى بملء إرادته ، وأكّد على أنّ من المقبول القول : أنّه كان في جبل عامل بعد أن تمّ رصده في طرابلس وبيت المقدس وفقاً لمصادر تاريخية ، ولكنه في الوقت نفسه يميل إلى اعتبار ارتباط التشيّع في جبل عامل بأبي ذرّ أقرب إلى الأُسطورة منه إلى الحقيقة التاريخية ، كما لم يصادق على ارتباط تشيّع أهل جبل عامل بأبي ذرّ بعض الباحثين الآخرين(4).
ويتابع الشيخ الحرّ العاملي حديثه : «قامت بعد ذلك جماعات قليلة من
__________________
(1) بيروت ودورها الجهادي من الفتح الإسلامي حتّى نهاية العهد العثماني : 9 ـ 10.
(2) موسوعة محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق 1 / 85.
(3) نفس المصدر 1 / 85.
(4) نفس المصدر 1 / 85 ـ 86.

الشيعة في مكّة والطائف واليمن والعراق وبلاد فارس إلاّ أنّ عددهم في جبل عامل كان الأكثر ، وعلى ما يبدو فإنّ الشيعة الإمامية في الواقع لـم تدخله إلاّ ابتداءً من (ق 9 هـ) كما في باقي المناطق من بلاد الشام ، وقد ازدهرت فيه في القرن (11 هـ) ، وقد اضطرّ الشيعة إثر انسحابهم بعد حملات المماليك التعسّفية على (كسروان) (1291 ـ 1305م) للتراجع إلى (جزّين) و (البقاع) فزاد بذلك عدد السكان في جبل عامل».
رابعاً ـ عاملة في أدب الرحلات :
عاملة موقعاً وتاريخاً وسكّاناً أجبرت الرحّالة العرب والمسلمين والأجانب على ريادتها وتدوين مشاهداتهم في فترات متعاقبة ومفاصل استثنائية ضمن مسارها الحضاري وتطوّرها التاريخي؛ فقد تنقّل الرحّالة الإيراني المعروف (ناصر خسرو القباذياني) ودوّن عام (437 هـ :) (إنّ أكثر أهل (صور) من الشيعة».
وقد أكّد كلّ أولئك الرحّالة العرب والمسلمون والأجانب من (ق 12 هـ ـ ق 14 هـ) على أنّ سكّان جبل عامل كانوا من ـ الإمامية ، حيث يؤكّد (ناصر خسروا) أيضاً عن (صور) مثلاً : «هي معروفة بالمال والقوّة بين البلاد الساحلية وأكثر أهاليها شيعة وقاضيها رجل سنّي»(1).
__________________
(1) تاريخ جبل عامل : 230 ، السيّد شرف الدين والمذهب الجعفري في صور ، مقال في 2/230.

ومرّ بها الرحّالة التاريخي الشهير (ابن بطوطة) في رحلته عام (725 هـ) وقال : «إنّها خرابٌ وبخارجها قرية معمورة ، وأكثر أهلها أرفاض»(1).
ويروي لنا الرحّالة المعروف (ابن جبير) عن مشاهداته إبّان الحروب الصليبية : «ورحلنا عن (تبنين) وطريقنا كلّه ضِياع متّصلة وعمائر منتظمة ، سكّانها كلّهم مسلمون ويؤدّون للإفرنج نصف الغلّة وجزية عن كلّ رأس : دينار وخمسة قراريط ، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة»(2).
وقد زار هذه المنطقة الرحّالة الفرنسي VOLNEY بعد واقعة الوالي الاستبدادي أحمد باشا الجزّار فيها بثلاث سنوات ، وقد أحرقت مكتبتها ، وشاهد آثار تلك الواقعة المأساوية(3).
__________________
(1) خطط جبل عامل : 309.
(2) جبل عامل وإثراء ثقافة أهل البيت ونشر علومهم الإمام شرف الدين 1 / 80.
(3) نفس المصدر 2 / 264.

الفصل الأوّل
الشهيد الأوّل
(محمّد بن مكّي العاملي)
(734 ـ 786 هـ)
عصره وسيرته
المبحث الأوّل
التركيبة السياسية في عصر الشهيد الأوّل
عاش الشهيد الأوّل عصراً مضطرباً قلقاً على الصعيد السياسي والاجتماعي على السواء ، وكانت الفتن تعصف به من كلّ جانب ، فقد كانت الدولة الإسلامية ـ على سعتها ـ ممزّقه شرّ ممزّق ، ومن مفارقات الدهر أن ظهر المماليك.
والمماليك : عبيد من جنسيّات مختلفة كانوا امتداداً للدولة الأيّوبية (564 هـ) ، وهم بشكل عام جهلة أُمّيّون ومن سفّاكي الدماء ، وينقسم المماليك ، إلى قسمين :

الأوّل ـ المماليك البحرية (1250 ـ 1390 م) : وقد سمّوا بذلك نسبة إلى نهر النيل ، إذ كانت مواقعهم العسكرية وثكناتهم البحرية تقوم على جزيرة صغيرة في النهر ، وهم في الغالب من الأتراك والمغول.
الثاني ـ المماليك البرجية (1382 ـ 1517 م) : وهم غالباً من الشراكسة ، والشراكسة من مناطق شمال غربي القفقاس والشاطئ الشرقي للبحر الأسود(1).
لقد استولى الشراكسة على الحكم بعد انتهاء المماليك البحرية وذلك عام (784 هـ) واستمرّ حكمهم زهاء (138) عاماً ، وقد اتّخذوا من القاهرة عاصمة لهم ، وأوّل ملوكهم الظاهر سيف الدين المعروف بـ : (برقوق) لجحوظ عينيه(2) ، وكان في أوّل عهده عبداً خاصّاً أتابكاً للملك الصالح الحاجي ابن الأشرف بن شعبان وهو الرابع عشر من ملوك الأتراك ، ولقد تولّى الحاجي الحكم وعمره (10) سنوات فانتهز برقوق ضعفه واستولى على الحكم ، ولكن الأمور لم تسر في صالحه إذ سرعان ما انشقّ عليه الأمراء فأعلن كلّ من تمريغ الأفضلي وبليغ العمري الثورة عليه وأطيح به وأعيد الحاجي مرّة أخرى إلى سدّة الحكم ، فيما سيق برقوق إلى السجن بـ : (كرك) ، على أنّ برقوق استولى على السلطة مرّة أخرى فور خروجه من السجن بعد إن جمع قوّاته فقضى على أعدائه واستمرّ في الحكم حتّى وفاته عام (801 هـ)(3).
__________________
(1) تقديم الروضة البهيّة : 98 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 92.
(2) مقدّمة الروضة البهية ص ج.
(3) تقديم الروضة البهيّة : 58 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 92.

المبحث الثاني
الحياة الاجتماعية في عهد الشهيد الأوّل
تردّت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية عموماً في مصر وسوريا بعد تسلّط الشراكسة على الحكم وتفشّى الفساد في أجهزة الدولة لضعف جهاز الدولة نفسه ولتسرّب الصليبيّين إلى البلدان الإسلامية ، فقد جاءت الحملات الصليبية عقيب حملة التتر وكان لهما أسوء الأثر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، فلم يكد الناس يتنفّسوا الصعداء اثر توقّف الاجتياح المغولي حتّى بدأت الحروب الصليبية وتدهورت الأوضاع من سيء إلى أسوء بسبب الحروب والفتن الداخلية والاختلافات القائمة على قدم وساق بين الأمراء والحكّام ، وقد ذاقت الشعوب الإسلامية الأمرّين من حكم الشراكسة ، فبينا هم عبيد في أيدي النخّاسين بالأمس إذا هم اليوم ملوك وسلاطين يمسكون بمقدّرات أمّة عظيمة ، وقد بلغ الاستهتار ذروته حتّى أصبح خيال الحكم يراود كلّ عبد منذ قدومه إلى السوق.
يذكر صاحب مؤلف سمط النجوم العوالي نصّاً جديراً بالتأمّل والدراسة لتلك الفترة وحتّى لأيّامنا هذه : «جُلِبَ عبد وهو حقير فاحش القرعة فاحش العرج ، قال للدلاّل الذي يبيعه : هل اتّفق تولّي الأقرع الأعرج سلطاناً»(1) ، وقد بلغ تململ الشعوب الإسلامية جرّاء تعسّفهم حتّى باتت تشعر بالمرارة والألم وشهدت هذه الفترة أربع عشر فتنه خطيرة كما أحصاها المؤرّخون والباحثون ،
__________________
(1) سمط النجوم العوالي 3 / 407.

ثمّ زاد الطين بلّة إتيان الكوارث الطبيعية والأوبئة الفتّاكة التي أهلكت الحرث والنسل لتجتاح البلاد وتزيد أوضاعها تعقيداً وتعاسةً ، فقد عمّت حقبةٌ كثرت فيها الزلازل والمجاعات والجفاف ، وقد خصّص المؤرّخ المقريزي لوصف هذه الظواهر كتاباً يخصّ تلك الفترة ، فيما انشغل برقوق طيلة فترة حكمه بإخماد الفتن والثورات وإحباط المؤامرات في الداخل ، إذ كانت العوامل السالفة الذكر تبعث الناس على عدم الخضوع والاستسلام لهذه الدولة الجديدة ، وفي الوقت نفسه كان مهدّداً من قبل الإفرنج الصليبيّين ، وكذا من قبل (تيمور لنك) حيث بعث له برسالة تهديدية شديدة اللّهجة ، كما كان مهدّداً من قبل المماليك البحرية ، وكان انشغال الحكومة بإخماد الحركات السياسية ومقاومة الفتن العسكرية والاضطرابات الداخلية المعارضة سبباً لضعف النشاط الفكري والثقافي وأعمال الإعمار والبناء والفنّ والهندسة ، كما خلّفت هذه الحروب والاضطرابات أثراً سيّئاً في حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية ، وفي مقابل هذا الوضع كان على الشعوب أن تتحمّل تبعات المجهود الحربي ، فارتفعت الضرائب بشكل كبير وتفشّى الفساد المالي والإداري ، وراح بعض أصحاب النفوذ يحتكرون السلع الضرورية من قبيل السكّر والملح ، وحكّام هذه الدولة وأمراءها كانوا من الناحية الأخلاقية والدينية سافلين ساقطين.
وإليك هذا التوثيق التاريخي شاهداً على ذلك :
«كان عدد من السلاطين ـ من هذه الأُسرة ـ عاجزين وخونة ، وكان بعضهم فاسدين بل ساقطين ، وكان أكثرهم غير مثقّفين ، وقد عاد نظام تسرّي

الغلمان إلى مثل ما كان عليه من الشيوع في أيّام العباسيّين ، واتّهم عدد من المماليك أوّلهم (بيبرس) ، ولم يكن السلاطين وحدهم فاسدين بل إنّ الأمراء أيضاً وسائر من في الحكم كانوا على جانب من الفساد» (1).
وقد ظهرت البدع والضلالات العمياء ومنها فتنة (اليالوش) (2) فيما تتنامى النعرات المذهبية والروح الطائفية بين السنّة والشيعة ، وقد لعب أولئك الحكّام الفاسدون والصليبيّون الحاقدون دوراً قذراً في إلهاب حدّة الصراع وإلهاء الشعوب بذلك في التفريق بين المسلمين لتمرير مخطّطاتهم نحو السيطرة والاستعمار والاستعباد.
المبحث الثالث
القيادة المرجعية ـ السياسية للشهيد الأوّل
المطلب الأوّل ـ البعد السياسي عند الشهيد الأوّل :
تمتّع الشهيد الأوّل بعلاقات جيّدة مع الحكّام والأمراء والشخصيّات السياسية البارزة في وقته ، وكان يستثمر هذه العلاقات في خدمة الصالح العامّ ، إضافةً إلى بيته الذي كان محضراً لعلماء السنّة فضلاً عن علماء الشيعة ،
__________________
(1) تقديم الروضة البهية ، نقلا عن فيليب حَتّي : تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين 4/274.
(2) اليالوش : حركة هدّامة انتشرت بين السذّج وأجّجها نفر من المشعوذين سالكين بدعة جديدة أيّام الشهيد الأوّل في جبل عامل وهي نسبة إلى محمّد اليالوش وقيل إنّه كان من تلامذة الشهيد. لاحظ في ذلك : روضات الجنّات 7 / 20.

وذلك بطبيعة الحال يعطي التصوّر الصادق في متبنيات الشهيد الأوّل للتقريب بين المذاهب والوحدة الإسلامية والجامعة الدينية ، إضافةً إلى الشخصيّات السياسية ، وبقي نشاطه في هذا السبيل حتّى استشهد (1).
واحتلّ الشهيد في المدّة التي عاشها في دمشق مكانة اجتماعية راقية ، فكان موضع حفاوة الطبقات المختلفة ، واكتسب شعبية كبيرة ، كما التفّ حوله كثيرٌ من أقطاب السياسة والحكم في دمشق وخارجها.
واستطاع أن يتجاوز في نفوذه الروحي والإسلامي حدود سوريا والعراق ، ويشدّ الملوك والحكّام من الإطراف إليه ، وكان منهم (علي بن مؤيّد) ملك السربداران في إيران ـ وسنتناول المعالجة التاريخية لتلك الدولة الفارسية في المبحث الآتي ـ وكان البعد السياسي هو منشأ الضغينة من قبل البعض ومثار حقدهم وكراهيّتهم.
المطلب الثاني ـ بناء الكيان المرجعيّ :
يعتقد السيّد الشهيد الصدر الأوّل أنّ المرجعية وكيانها مرّت بمراحل ثلاث :
أوّلاً : مرحلة الاتّصالات الفردية : وقد حصلت بين العلماء المجتهدين والقواعد الشعبية في بلاد أولئك العلماء ، يُستفتى العالم فيفتي ، وهذه المرحلة هي المرحلة التي عاشها أصحاب الأئمّة عليهم الصلاة والسلام واستمرّت هذه الحالة إلى أيّام العلاّمة الحلّي.
ثانياً ـ مرحلة المرجعية (الجهاز) : حيث يستطرد الشهيد الصدر محمّد
__________________
(1) المرجعية والأمّة العلاقات المتبادلة : 3 ـ 18.

باقر في تفصيله لهذا التصنيف «وأظنّ ـ بحسب فهمي من سير الأحداث ـ أنّه [كانت] على يد الشهيد الأوّل رضي‌الله‌عنه ، ... الذي قدّم دمه في سبيل نقل هذا الكيان من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية.
على عهد الشهيد الأوّل رضي‌الله‌عنه تطوّر هذا الكيان .... أصبح هذا الكيان عبارة عن أجهزة من الوكلاء وعلماء الإطراف يرتبطون بالمرجع ويتّصلون بالقواعد الشعبية .... يعني هذا الوضع الموجود للمرجعية فعلاً ، أنا لا أعرف تطبيقاً أسبق من الناحية التاريخية له من تطبيق الشهيد الأوّل رضي‌الله‌عنه ، قام بهذا التطبيق في لبنان وسوريا ، وعيّن الوكلاء وفرض جباية الزكاة والخمس على القواعد الشعبية من الشيعة ، وبذلك أنشأ كياناً دينيّاً قويّاً للشيعة مترابطاً لأوّل مرّة في تاريخ العلماء».
ثالثاً ـ (مرحلة التمركز والاستقطاب) (1) : استمرّت هذه المرحلة إلى أن دخلت المرجعية (المرحلة الثالثة) على يد الشيخ كاشف الغطاء ويقصد به رضي‌الله‌عنهالشيخ جعفر الجناجي ـ ومعاصريه من ـ العلماء وهي مرحلة التمركز والاستقطاب.
المطلب الثالث ـ دولة السربداران :
كانت للشهيد الأوّل علاقات مؤكّدة وصلات متينة مع (عليّ بن مؤيّد) آخر ملوك السربداران ولهذا آثرنا المعالجة التاريخية لهذه الحكومة ومدى
__________________
(1) المحنة ، تسجيلات بصوته الشريف كمحاضرات عرفانية أخلاقية ، محنتنا على لسان الشهيد الصدر : 38 ـ 39.

تأثيرها في الأحداث من خلال معاصرة شهيدنا الأوّل لها حيث كتب لهم كتابه الخالد اللّمعة الدمشقية لتكون دستوراً إسلاميّاً لهذه الدولة.
والسربداران : حكومات شيعية استولت على الحكم في خراسان بعد معارك دامية عام (738 هـ) واستمرّت حتّى عام (783 هـ) ـ بعد وفاة محمّد خدا بنده الملك المغولي ـ وجاءت ثورة السربداران كردّ فعل عنيف لظلم المغول ، وقد قاد الثورة أوّل ملوكهم (الأمير عبد الرزّاق) المؤسّس لهذه السلسلة مطلقاً شعاراً حماسيّاً مفاده : (الموت شنقاً أفضل من الحياة ذلاًّ) (1) وإذا كان لكلّ ثورة شرارتها فإنّ نهضة السربدارارن بدأت لدى هجوم خمسة من جنود المغول في قرية (باشتين) ـ وهي من قرى مدينة (بيهق) (2) ـ على إحدى البيوت واستفزازهم أهلها ، عندها انبرى أهل البيت للدفاع عن أنفسهم وقتلوا الجنود الخمسة وهو أمر يعني زوال بيهق كلّها من على الخارطة ، وينبري عبد الرزاق إلى حماية الثائرين وإعلانه دمه لهم لتتطوّر الحادثة وتأخذ شكل الثورة العارمة ضدّ الوجود المغولي بأسره مطلقين صيحتهم المدوّية : (سر به دار مي دهيم أمّا زير بار ننگ نمي رويم) (3) ، وينتسب حكّام السربداران من جهة الأب إلى الإمام الحسين عليه‌السلام أمّا من جهة الأم فيعود نسبهم إلى البرامكة ، ويعدّ (الشيخ خليفة المازندراني) منظّر الثورة ومؤسّس قاعدتها
__________________
(1) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 88. ونصّ الشعار بالفارسية : (سر به دار مي دهيم أمّا زير بار ننگ نمي رويم).
(2) بيهق : هي مدينة سبزوار من مقاطعة خراسان حالياً.
(3) الموت شنقاً أفضل من الحياة ذلاًّ.

الفكرية ، وبعد استشهاد الشيخ خليفة أعقبه تلميذه (الشيخ حسن جوري) في دعوته حيث استشهد هو الآخر في صراعه المرير ضدّ أعدائه وقد تركت شهادته أثراً بالغ الخطورة على الساحة الفكرية دفعت بآخر ملوك السربداران (عليّ بن مؤيّد) إلى عرض الزعامة الفكرية على الشهيد الأوّل وملي الفراغ الذي نشأ عن غياب الشيخ حسن جوري ، ومن هنا أُلّفت اللّمعة الدمشقية ودفعها الشهيد الأوّل إلى (شمس الدين الآوي) (1) صاحب (عليّ بن مؤيّد) وأمره بالإسراع والكتمان.
وتعود أهميّة السربداران إلى أنّ نهضتهم قامت على قاعدة إسلامية هدفها إرساء العدل في البلاد ولعلّها قاعدة إنسانية أيضاً متّخذة من مذهب أهل البيت عليهم‌السلام طريقاً لتحقيق ذلك.
ولقد شهدت خراسان تقدّماً كبيراً في مختلف الأصعدة خلال حكمهم الذي استمرّ قرابة النصف قرن من الزمن ، فقد كانت مندمجة في حكومة التتر وانقرضت بعد ذلك بسنوات قليلة (2) ، وقد توفّي آخر ملوكها (عليّ بن مؤيّد) عام (795 هـ) أي بعد تسع سنوات من شهادة الشهيد الأوّل.
وللبحث صلة ...
__________________
(1) ذكر السبيتي في مقدّمة شرح اللّمعة الدمشقية : إنّه السلطان مؤيّد الدين محمّد الآوي صاحب خراسان ولعلّه تصحيف من (علي بن مؤيّد صاحب خراسان) انظر في ذلك : الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية. ج1 ص ل ، وذكره الشيخ الآصفي : (الشيخ محمّد الآوي وزير علي بن مؤيّد) ، تقديم الروضة البهية 1 / 101.
(2) تقديم الروضة البهية 1/ 132.

المبحث الرابع
الحركة الفكرية في جبل عامل
حرىٌّ بالباحثين وبمن أرّخوا للفقه الإسلامي وعصوره وتناولوا المراكز العقلية في العالم الإسلامي أو بمن يصنّفون في طبقات الفقهاء أن يدوّنوا (المدرسة العاملية) ضمن المراكز الفقهية الإمامية والحواضر الإسلامية العتيدة ، فهي من المكوّنات الأساسية التي شكّلت بمجموعها مفهوم (جبل عامل) الذي خرج عن كونه بقعة يقطنها مسلمون من الشيعة الذين تعرّضوا لأبشع أنواع القهر والتهجير لفترات طويلة إلى حقيقة تجلّت في أبهى صورها لخدمة المشروع الإسلامي العالمي وإلى ركيزة أساسيّة لإثراء ثقافة أهل البيت عليهم‌السلام ، لقد تجاوز جبل عامل حدوده الجغرافية وبات ينسب نفسه إليه كلّ من تخرّج

من مدرسته وشرب من نمير فقهه كالمحقّق الكركي فهو من بلدة (كرك نوح) البقاعية ولا تمتّ إلى جبل عامل بصلة ، ومن المعروف بأنّ جبل عامل لم يكن ركيزة علمية تشدّ إليه الرحال قبل عهد الشهيد الأوّل ، والسبب هو فقدان الأمن والاستقرار وعدم توافر رجال أفذاذ قادرين على القيام بهذه الثورة المعرفية ، فجبل عامل كان يرزح تحت نير الاحتلال الصليبي الذي دام زهاء قرنين من الزمن وعمد إلى تدمير الكيان الشيعيّ خصوصاً في المدن وأبقى على سكّان القرى كي ينتفع من اليد العاملة بعد ما كان يأخذ الجزية منهم كما ينقل الرحّالة الشهير ابن جبير في رحلاته أيّام الحروب الصليبية(1) ، هذا الواقع المرير الذي استمرّ حتّى عام (690 هـ) لم يمنع من وجود علماء دين ومبلّغين ومرشدين كما ينقل المؤرّخون :
ـ مفيد الله بن أيّوب : شاعر كبير عاش في عهد الإمام الرضا عليه‌السلام وكان من أصحابه وأنصاره(2).
ـ الشيخ جمال الدين إبراهيم بن الحسام أبي الغيث العاملي ، كان حيّاً حدود (669هـ).
ـ الشيخ نجم الدين طوقان ابن أحمد المناري (ت 728 هـ) : وهو من أساتذة الشيخ مكّي والد الشهيد الأوّل.
ـ الشيخ أسد الدين الصائغ الجزّيني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المؤتمر العالمي لتكريم الإمام شرف الدين : مجموعة مقالات 1/ 80.
(2) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 72.

ـ الشيخ أحمد بن طيّ الجزّيني : الجدّ الأكبر للشهيد الأوّل.
وغير هؤلاء كثيرون(1).
المبحث الخامس
الشهيد الأوّل (سيرته وترجمته)
المطلب الأوّل ـ اسمه ونسبه :
شمس الدين أبو عبد الله محمّد ابن جمال الدين مكّي ابن شمس الدين محمّد بن حامد بن أحمد النبطي الجزّيني العاملي الدمشقي العراقي(2) ، والنسبة الغالبة عليه هي الجزّيني العاملي نسبةً إلى جزّين قرية من قرى جبل عامل جنوب لبنان ، ومن أحفاده اليوم المعروفين آل شمس الدين في لبنان(3) ، يمتدّ نسبه الشريف لأربع قبائل عربية عريقة هي : همدان والأوس والخزرج وبني المطّلب فقد ورد :
1 ـ بخطّ الشيخ مكّي بن محمّد وهو من أحفاد الشهيد الأوّل ما يشير إلى انتسابه إلى قبيلة همدان عن طريق جدّته الكبرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المؤتمر العالمي لتكريم الإمام شرف الدين : 220 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 71.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1/ ن تحقيق (القواعد والفوائد) القسم الأوّل : 13 مطبعة الآداب النجف الأشرف 1980 ميلادي
(3) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 24.

2 ـ وعن طريق والدة أبيه يعود الجذر إلى قبيلة الخزرج وذلك ما رواه الشيخ سليم أحد أحفاد الشهيد الأوّل.
3 ـ نسبه عن طريق أمّه إلى الشهيد الصحابي سعد بن معاذ رضی‌الله‌عنه زعيم قبيلة الأوس وذلك ما دوّنته كريمة الشهيد الأوّل(ست المشائخ) في وصيّتها المشهورة(1).
4 ـ وجذوره تلتقي بالشجرة المباركة بني عبد المطّلب إذ كان يلقّب بالشريف(2).
المطلب الثاني ـ تولّده ونشأته :
ولد في جزّين سنة (734 هـ) وقد كان والده الشيخ جمال الدين مكّي عالماً جليلاً وعلى يده تلقّى مبادي العلوم العربية والفقه ، أمّا أمّهُ فهي العلويّة الجليلة من آل معيّة بالعراق.
وكان يجد من والده دافعاً قويّاً على الدراسة والتفكير فيما يعرض من مسائل وما يطرح من أفكار ، كما كان يجد في المجالس والندوات العلمية التي كانت تعقد هناك بكثرة مجالاً خصباً للمناقشة وإبداء الرأي ، فأصبح وهو لم يتجاوز بعد المراحل الأولى من دراسته يشار إليه بالفضل والعلم ، فمجتمع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة الروضة البهية 1 / ل.
(2) تقديم الروضة البهية 1 / 80.

(عاملة) على الأعمّ الأغلب مجتمع فكريٌّ(1) ، ولاحت على الفتى الناشي مخائل الذكاء ، وأراد له ذكاؤه أن ينصرف إلى ما هو أنفع له وأجدى عليه بعد أن راض نفسه على التقوى والصلاح والخير(2).
المطلب الثالث ـ شيوخه وأساتيذه :
لقد أحصى قسماً كبيراً منهم الشهيد الأوّل نفسه في إجازاته لابن الخازن وابن نجدة ومنهم :
أوّلاً ـ أساتذته وشيوخه من الإمامية :
1 ـ والدهُ الشيخ جمال الدين مكّي ابن الشيخ محمّد شمس الدين.
2 ـ الشيخ أسد الدين الصائغ (أبو زوجته وعمّ أبيه).
3 ـ فخر الدين أبو طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي المعروف بـ : (فخر المحقّقين) (ت 771 هـ) يقول في إجازته له : «هكذا قرأ عليّ الإمام العلاّمة الأعظم سيّد فضلاء بني آدم مولانا شمس الحقّ والدين محمّد بن مكّي بن محمّد بن أحمد من هذا الكتاب مشكلات وأجزتُ له جميع كتب والدي رحمه‌الله(3)».
4 ـ عميد الدين أبو عبد الله عبد المطّلب بن مجد الدين أبي الفوارس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة الروضة البهية 1 / ل ، تقديم الروضة البهية 1 / 80.
(2) تحقيق (القواعد والفوائد) القسم الأوّل : 10.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.

محمّد بن عليّ بن الأعرج الحلّي الحسيني المعروف بـ : العميدي (ت754هـ)(1).
5 ـ ضياء الدين عبد الله بن السيّد مجد الدين أبي الفوارس أخو السيّد عميد الدين.
6 ـ زين الدين أبو الحسن عليّ ابن أحمد بن طرّاد المطارآبادي (ت762هـ)(2).
7 ـ جلال الدين أبو محمّد الحسن ابن الشيخ نظام الدين أحمد بن نماء الحلّي ، من أكابر علماء الحلّة وفقهائها(3).
8 ـ جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي(4).
9 ـ تاج الدين أبو عبد الله محمّد بن السيّد جلال الدين بن القاسم الحسيني الديباجي المعروف بـ : ابن معيه (ت 776 هـ)(5).
10 ـ السيّد علاء الدين عليّ بن زهرة الحلّي (ت 775 هـ)(6).
11 ـ نجم الدين مهنان بن سنان ، أحد تلامذة العلاّمة الحلّي(7).
12 ـ رضيّ الدين أبو الحسن علي بن أحمد المزيدي (ت 757 هـ)(8).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 15.
(2) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.
(3) نفس المصدر : 15.
(4) تقديم الروضة البهية 1 / 90.
(5) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.
(6) تقديم الروضة البهية 1 / 90.
(7) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 37.
(8) نفس المصدر : 38.

13 ـ جلال الدين محمّد بن محمّد هاشم الكوفي ، من تلامذة المحقّق الحلّي(1).
14 ـ جمال الدين أحمد بن حسين الكوفي(2).
15 ـ السيّد جمال الدين عبد الله محمّد الحسني العريضي الخراساني(3).
16 ـ الشيخ قطب الدين أبو جعفر محمّد بن محمّد الرّازي البويهي الحكيم المتألّه الفقيه (ت776هـ)(4).
ثانياً ـ أساتذته وشيوخه من المذاهب الإسلامية الأخرى :
1 ـ قاضي قضاة مصر برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمّد ابن سعد بن جماعة أو سعد الله كما في إجازته لابن الخازن(5).
2 ـ شمس الدين محمّد بن عبد الله البغدادي الحنبلي ، قرأ عنه الشاطبية وروى عن كتاب الجامع الصحيح للبخاري(6).
3 ـ شمس الأئمّة محمّد بن يوسف القرشي الكرماني الشافعي ، وقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : 38.
(2) نفس المصدر : 38.
(3) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 16.
(4) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 37. تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.
(5) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.
(6) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 15.

أجازه إجازة عامّة(1).
4 ـ الشيخ شهاب الدين أبو العبّاس أحمد بن الحسن الحنفي فقيه بيت المقدس ، قرأ عليه الخلاصة المالكية(2).
5 ـ الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري الفقيه بمقام الخليل إبراهيم عليه‌السلام ، قرأ عليه الخلاصة المالكية أيضاً(3).
6 ـ الشيخ شرف الدين محمّد بن بكتاش التستري أستاذ في المدرسة النظامية ببغداد وأجاز الشهيد روايتين في صحيح البخاري.
7 ـ الشيخ شمس الدين أبو عبد الرحمن محمّد أستاذٌ في المدرسة المستنصرية ببغداد ، يروي عنه صحيح البخاري.
المطلب الرابع ـ آثاره :
وتتضمّن تلامذته فهم آثاره الناطقة وتعتبر المدرسة السيّارة للشهيد الأوّل ، وكذلك كتبه ومؤلّفاته مضافاً إلى أدبه المتمثّل بشعره.
أوّلاً ـ تلامذته :
1 ـ الشيخ شمس الدين أبو جعفر محمّد بن تاج الدين أبي محمّد عبد عليّ المعروف بـ : ابن نجدة (ت 808 هـ) ، جاء في إجازة الشهيد الأوّل له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.
(2) نفس المصدر : 17.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، تحقيق (القواعد والفوائد) القسم الأوّل : 17.

المؤرّخة في 10 رمضان (770 هـ) : أنّه قرأ عليه كتاب قواعد الأحكام للعلاّمة وكتاب اللّمعة في النحو لابن جنّي وخلاصة المنظوم لابن مالك وسمع كتباً كثيرة بقراءة غيره في فنون مختلفة مثل كتاب تحرير الأحكام وإرشاد الأذهان في الفقه والمناهج وشرح النظم وشرح الياقوت في علم الكلام وكتاب نهج المسترشدين وكلّها من مصنّفات العلاّمة وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق وغيرها.
2 ـ السيّد أبو طالب أحمد بن القاسم بن زهرة الحسيني.
3 ـ الشيخ جمال الدين أحمد بن النجّار صاحب الحاشية على قواعد العلاّمة الحلّي جمع فيه تحقيقات شيخه الشهيد ونظريّاته في الفقه.
4 ـ الشيخ أبو عبد الله المقداد بن عبد الله السيوري الحلّي الشهير بـ : الفاضل السيوري (ت 826 هـ) صاحب كنز العرفان في فقه القرآن(1).
5 ـ الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن عزّ الدين بن الخازن بالحضرة الحائرية ، كان من كبار تلاميذه ، كتب له الإجازة المعروفة والمؤرّخة في 12 رمضان (784 هـ)(2).
6 ـ شمس الدين محمّد بن علي بن موسى بن الضحّاك الشامي (ت 791 هـ) ، كان رفيق شيخه الشهيد في أوّل عهده في الحلّة حين تتلمذه على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدرين.
(2) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.

فخر المحقّقين ثمّ تتلمذ على يديه ولازمه لحين استشهاده(1).
7 ـ الشيخ عبد الرحمن العتائقي صاحب المؤلّفات الكثيرة تلقّى عن الشهيد كثيراً من العلوم.
8 ـ السيّد بدر الدين الحسن بن أيّوب الشهير بـ : ابن نجم الدين الأعرج الحسيني الأطراوي العاملي.
9 ـ الشيخ شمس الدين محمّد بن عبد العالي الكركي ، شيخ راوية الحسن بن العشرة.
10 ـ كريمته أمّ الحسن فاطمة المدعوّة بـ : ستّ المشايخ ، كان أبوها يثني عليها ويأمر النساء بالاقتداء بها والرجوع إليها أي كانت أشبه بالمرجع النسائي ، ولعلّ الوثيقة التي عثر عليها الشيخ عبّاس القمّي وتهدي بها ما يخصّها وتهب إلى أخويها ابتغاء لوجه الله وفي قبال ذلك يعوّضها أخواها بكتاب التهذيب والمصباح للشيخ والذكرى لأبيها والقرآن المعروف بهديّة عليّ بن مؤيّد(2).
11 ـ ابنه الأكبر الشيخ رضيّ الدين أبو طالب محمّد ، أجازه والده مرّتين(3).
12 ـ ابنه الأوسط الشيخ ضياء الدين أبو القاسم عليّ بن الشهيد الأوّل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : 17.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1 / ل ، تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 37.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.

وله عن أبيه إجازة(1).
13 ـ ابنه الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن الشهيد الأوّل ، أجازه والده الشهيد مع أخويه وصورة الإجازة مثبّتة في بحار المجلسي(2).
14 ـ الشيخ حسن بن سليمان بن خالد الحلّي كان فقيهاً فاضلاً له كتاب منتخب بصائر الدرجات(3).
هؤلاء هم ألمع طلاّبه وأبرز تلامذته على أنّ بعض الباحثين قد أحصاهم فكانوا اثنين وثلاثين عالماً كبيراً(4).
ثانيا ـ كتبه ومؤلّفاته :
تنوّعت أطياف مؤلّفاته فهي ما بين كتاب أو رسالة أو أجوبة لمسائل ،
ومن الأجدر تصنيفها حسب الآتي :
القسم الأوّل ـ نتاجاته الفقهية :
1 ـ اللّمعة الدمشقية.
2 ـ الذكرى أو ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 90.
(2) تقديم الروضة البهية 1 / 90 ، موسوعة محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة 1 / 102.
(3) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.
(4) تقديم الروضة البهية 1 / 90.
(5) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ل ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.

3 ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية(1).
4 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد(2).
5 ـ البيان(3).
6 ـ الألفية(4).
7 ـ النفلية(5).
8 ـ القواعد والفوائد ـ مجلّدان(6).
9 ـ مسائل ابن مكّي ، ولعلّ هذا آخر ما كتبه(7).
10 ـ خلاصة الاعتبار في الحجّ والاعتمار(8).
11 ـ رسالة في قصر من قصد الإفطار والتقصير(9).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ل.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) وقد أوردها السبيتي بعنوان (الألفية في فقه الصلاة اليومية) انظر : نفس المصدر.
(5) نفس المصدر.
(6) وقد أوردها السبيتي بعنوان : (القواعد) وأمّا محمّد حسين الأماني فقد أوردها بعنوان : القواعد الكلية الأصولية والفرعية لاحظ في ذلك : مقدمة الروضة البهية 1 / ك ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 20 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(7) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111.
(8) مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 20.
(9) وذكرها الآصفي بعنوان : (جواز إبداع السفر في شهر رمضان) ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، وانظر كذلك : مقدمة الروضة البهيّة 1 / ص ك ،

12 ـ أحكام الأموات(1).
13 ـ رسالة في التكليف وفروعه(2).
14 ـ حاشية على (الذكرى)(3).
القسم الثاني ـ أصول الفقه :
1 ـ جامع البين من فوائد الشرحين ، وهو جمع لشرحي أستاذيه : السيّد عماد الدين والسيّد ضياء الدين العميديّان لكتاب خالهما العلاّمة الحلّي (تهذيب الوصول إلى علم الأصول)(4).
2 ـ شرح التهذيب الجمالي في أصول الفقه.
القسم الثالث ـ آثاره في علم الحديث :
1 ـ الأربعون حديثاً : وقد ضمّ أربعين حديثاً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أغلبها في العبادات ، وقد فرغ الشهيد من تأليفه في 18 ذي الحجّة سنة (782 هـ) ، وقد صدر مع غيبة النعماني(5) ، وقد صنّفه الآصفي ضمن آثاره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111.
(2) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 17.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111.
(4) وقد ورد عند السبيتي هكذا : (جامع العين من فوائد الشرحين) ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111.
(5) القواعد والفوائد القسم الأوّل : 20.

الفقهية(1).
2 ـ اختصار الجعفريّات : الجعفريّات أو الأشعثيّات تنسب إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام أو إلى محمّد بن الأشعث ، فتدعى باسمه ، وقد ضمّت ألف حديث اختصرها الشهيد الأوّل إلى ثلاثمائة حديث فقط(2).
3 ـ مزار الشهيد : وقد ترجم إلى الفارسية تحت عنوان (مراد المريد لمزار الشهيد)(3).
4 ـ الدرر الباهرة من الأصداف الطاهرة : يضمّ قصار كلمات النبيّ(صلى الله عليه وآله) وآل بيته الكرام(4).
5 ـ مجموعة الشهيد : بثلاثة أجزاء(5).
6 ـ إجازة مبسوطة أو عدّة إجازات : كتاب جمع فيه الشهيد الأوّل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يذكر محمّد حسين الأماني في إحصائية مؤلّفات الشهيد الأوّل أنّ أربعون حديثاً كتاب ثان للشهيد أيضاً بنفس المسمّى والظاهر أنّه وقع في التباس إذ أنّ الكتاب هو (المسائل الأربعينية) بعينه وهو في العقائد. لاحظ في هذا المعنى : مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 20 ، الشهيد الأوّل : فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(2) لاحظ في ذلك : تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(3) أطلق عليه الآصفي : منتخب الزيارات وأورده السبيتي بعنوان : (المزار ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، القواعد والفوائد القسم الأوّل : 20 ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(4) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(5) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111.

إجازات العلماء(1).
القسم الرابع ـ مؤلّفاته العقائدية :
1 ـ المسائل الأربعينية : يحوي هذا المؤلّف أربعين تحقيقاً في مسائل عقائدية وكلامية وقد طبعت ضمن تاريخ الشيعة في لبنان للشيخ أحمد عارف الزين ، وهناك مخطوطة منه بخطّ المرحوم الشيخ محمّد السماوي موسومة بعنوان (جذوة السلام في مسائل الكلام)(2).
2 ـ العقيدة : مختصر رسالة في علم العقائد(3).
3 ـ المقالة التكليفية : رسالة كلامية عقائدية انتهى منها الشيخ في ليلة السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة (769 هـ) وقد شرحها الشيخ زين الدين يونس البياضي برسالة أسماها : (الرسالة اليونسية في شرح التكليفية الشهيدية)(4).
4 ـ رسالة الباقيات الصالحات(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجموعة الإجازات ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.
(2) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ـ 111 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67
(4) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ، القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 20.
(5) مقدّمة الروضة البهية 1 / ك.

القسم الخامس ـ مؤلّفاته في موضوعات عامّة ـ ما كان أجوبة لمسائل :
1 ـ جوابات الفاضل المقداد : وتشتمل على سبع وعشرين مسألة مطروحة من قبل تلميذه المبرّز(1).
2 ـ جوابات الأطراوي : تحوي أجوبة على مسائل مطروحة من قبل تلميذه السيّد بدر الدين العاملي الأطراوي(2).
القسم السادس ـ أدبيّاته :
1 ـ شرح قصيدة الشهفيني(3).
2 ـ ديوانه الشعري : يضمّ عشرين قصيدة ومقطوعة بعنوان (شعر الشهيد الأوّل)(4).
القسم السابع ـ إجازاته من علماء الإمامية والمذاهب الأخرى :
لا ريب أنّ الإجازة على مستويين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توجد في المكتبة الرضوية بالحرم الرضوي المطهّر في مشهد المقدّسة نسخة منها. وقد أوردها الآصفي ضمن مصنفاته الفقهية ، تقديم الروضة البهية 1 / 101 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67 ،
(2) نفس المصدر.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ، القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 20.
(4) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.

المستوى الأوّل ـ إجازة اجتهادية :
يمنحها المرجع الديني أو الفقيه أو المجتهد عندما يشخّص بنفسه ملكة الاجتهاد عند بعض الدارسين وأنّه قادرٌ على استنباط الحكم الشرعي من مصادره الأربعة : الكتاب الكريم ـ السنّة المطهّرة ـ الإجماع ـ العقل.
المستوى الثاني ـ إجازة نقل الرواية :
وهي تعدّ مقاماً علميّاً أدنى من إجازة الاجتهاد ، إذ تنحصر بنقل الروايات عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، وهو أمر تعارف عليه الفقهاء والعلماء في الماضي والحاضر كشهادة تقدير لبعض تلامذتهم المبرّزين الذين أتقنوا حقولاً معيّنة من العلوم الإسلامية ، وبلغ اهتمام الإمامية بها على وجه الخصوص حتّى دوّنوا في ذلك المجلّدات وألّفوا المصنّفات ومنها :
ـ بعض مجلّدات بحار الأنوار للمجلسي.
ـ مجموعة الإجازات للشهيد الأوّل نفسه.
ـ إجازات السماهيجي.
وفيما يخصّ شهيدنا الأوّل فقد أجازه جمعٌ من علماء الإمامية وفقهائها وكذا من المذاهب الإسلامية الأخرى التي تؤكّد عمق الوحدة الإسلامية ومبدأ (التقريب) والجامعة الإسلامية الذي تبنّاه شهيدنا الأوّل ومن تلك الإجازات :
أ ـ من الإمامية :
1 ـ فخر المحقّقين نجل العلاّمة الحلّي وهو من أعظم أساتذته على

الإطلاق ، ينصّ في إجازته له : (قرأ عليه مولانا الإمام العلاّمة الأعظم أفضل علماء العالم سيّد فضلاء بني آدم مولانا شمس الحقّ والدين محمّد بن مكّي ابن محمّد بن حامد أدام الله أيّامه من هذا الكتاب مشكلاته ، وأجزت له رواية جميع كتب والدي قدس‌سره وجميع ما صنّفه أصحابنا رضی‌الله‌عنه عن والدي بالطرق المذكورة).
وكانت هذه الإجازة الأولى بداره في الحلّة عام (751 هـ) وكان عمر الشهيد يومها لا يتجاوز 17 سنة ، وهناك إجازتين أخريين عام (756 هـ).
2 ـ إجازة ابن معيّة : الأولى بتاريخ 15 شوال (753 هـ) والثانية 15 شوّال (754 هـ) كما أجاز ولديه : أبا طالب محمّد وأبا القاسم عليّ سنة (776 هـ).
3 ـ إجازة من الشيخ جلال الدين أبو محمّد الحسن بن أحمد الحلّي بتاريخ ربيع الأوّل سنة (752 هـ).
4 ـ إجازتان من الأخوين السيّدين : ضياء الدين وعميد الدين اجتهاداً وروايةً.
5 ـ أجازهُ الشيخ قطب الدين الرّازي مرّتين : الأولى (768 هـ) والثانية (776 هـ) ، يقول الشهيد الأوّل عنه في إجازته لابن الخازن : (فإنّي حضرت في خدمته قدّس الله لطيفه بدمشق عام ثمانية وستّين وسبعمائة ، واستفدت من أنفاسه وأجاز لي جميع مصنّفاته ومؤلّفاته في المعقول والمنقول أن أرويها عنه ، وجميع مرويّاته) واجتمع الشهيد الأوّل بالشيخ قطب الدين مرةً

أخرى بدمشق في أواخر شعبان سنة (776 هـ) وأجازه ثانيةً(1).
6 ـ استجاز الشيخ زين الدين المطار آبادي (ت 762 هـ) فأجازه عام (754 هـ).
7 ـ استجاز جلال الدين بن نماء الحلّي فأجازه بالحلّة سنة (752 هـ).
ب ـ من المذاهب الإسلامية الأخرى :
1 ـ الشيخ جمال الدين أبو أحمد عبد الصمد الحنبلي وكان أستاذاً في مدرسة (دار الحديث).
2 ـ إجازة من الشيخ عزّ الدين عبد العزيز قاضي القضاة في مصر وكان يوم أجازه في المدينة المنوّرة.
3 ـ أجازه إجازة عامّة شمس الأئمّة محمّد بن يوسف الشافعي بتاريخ جمادى الأُولى سنة (758 هـ) ببغداد وجاء فيها : (وبعد فقد استجاز المولى الأعظم إمام الأئمّة صاحب الفضلين ، مجمع المناقب والكمالات الفاخرة ، جامع علوم الدنيا والآخرة شمس الملّة والدين محمّد بن الشيخ العالم جمال الدين بن مكّي بن شمس الدين محمّد الدمشقي رزقه الله أولاه وأخراه ما هو أولاه وأخراه رواية مالي فيه حقّ الرواية لاسيّما كتب الثلاثة التي صنّفها أستاذ الكلّ في الكلّ عضد الملّة والدين عبد الرحمن المولى السعيد زين الدين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 101 ، القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 21 ، الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.

أحمد بن عماد الدين عبد الغفّار اللائجي).
4 ـ أجازه الشيخ شهاب الدين الحنفي فقيه بيت المقدس.
5 ـ الشيخ شرف الدين محمّد بن بكتاش التستري ، وكان أستاذاً في المدرسة النظامية ، وأجاز الشهيد روايتيه الصحيحين : البخاري ومسلم.
6 ـ الشيخ شمس الدين أبو عبد الرحمن محمّد وكان أستاذاً في المدرسة المستنصرية ، وقد روى الشهيد عنه صحيح البخاري(1).
ومن معاينة الإجازات التي قلّد الفقهاء والمحدّثون والمشائخ شهيدنا الأوّل بها يتجلّى الدور الوفاقي والهدف التقريبي الذي ناء بحمله الشهيد في الوحدة الإسلامية ودرء النعرات المذهبية.
المطلب الخامس ـ اعتقاله وشهادته :
من (جزّين) ارتحل إلى (دمشق) ليصبح في مركز الحدث وقريباً من مصادر القرار ، ودمشق يوم ذاك حاضرة إسلامية ومدينة عريقة أقام فيها بقية أيّامه ، فكان قطب الرحى منه يصدرون وعليه يردون من أقطاب المذاهب وأرباب الحكم ووجوه المجتمع ، فقام فقهاء البلاط ووعّاظ السلاطين وكبيرهم في السحر (برهان الدين بن جماعة) قاضي دمشق فوشوا به إلى (بيدمر) وهو تبع لـ (برقوق) سلطان مصر ـ والشام إسميّاً ملتحقة بمصر آنذاك ـ فاعتقل شهيدنا الأوّل في القلعة من دمشق إثر تداعيات عدّة وعوامل مجتمعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الشهيد الأوّل فقيه السربداران : 52 ـ 67.

لعلّ أبرزها مركزيّته السياسية وتأثيره في الحكم وفتنة (اليالوش) ومنهجيّته في التقريب بين المذاهب الإسلامية ، فاعتقل سنة كاملة خلالها كان منشغلاً بالتأليف والتصنيف علميّاً ، وروحانيّاً منشغلاً بالذكر والعبادة ، وفي محنته هذه زاره محبّوه ومريدوه ومقلّدوه في معتقله فخشي النواصب على مقاماتهم وضمروا له الضغينة والدسيسة ممّا حدا بشهيدنا الأوّل أن يبعث إلى (بيدمر) بقصيدة مؤثّرة تنبئك أبياتها عن واقع الحال وشدّة المآل :

لا تسمعنَّ فيّ أقوال الوشاة فقد
 
  باؤوا بزور وإفك ليس ينحصرُ
 
والله والله أيماناً مؤكّدةً
 
  أنّي بريءٌ من الإفك الذي ذكروا
 
الفقه والنحو والتفسير يعرفني
 
  ثمّ الأصولان والقرآن والأثرُ(1)
 

ولكن أنّى لهم بالجواب فالحقد يعمي ويصمّ ، وحيث هنا وما أدراك ما هنا؟ إنّها ساحة من محضر القدس الإلهي حيث قتل بالسيف صابراً محتسباً وأمر بصلبه وهو مقتول بمرأى من الناس ، ورضّوا جسده الطاهر بالحجارة وإلى ذاك لم يشف غليلهم ولم يهدأ مرضهم فقد أحرقوه بعد أن تركوا جثّته المباركة تذروها الرياح ، المقام هنا لاتشرحه العبارة وتقصر دونه البلاغة ، بيد أنّه لما رأينا ما جرى بنا وبأهلنا المضطهدين في العراق بعدما ألفنا وعايشنا ثالوث : التكفير والتهجير والتفجير فلا نندهش لهول ما أصاب شهيدنا الأوّل فالقوم أبناء القوم وتلك لعمري فترة مظلمة بالارتداد العقائدي والفراغ الفكري والهزال الروحي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 145.

ولنا أن نجمل إثارات الشهادة في أسبابها فتلك عبرة من سنن الكون وظواهر الحياة :
1 ـ المتّجه الوحدويّ في متبنيات الشهيد الأوّل بالتقريب بين المذاهب ودرء الطائفية ، وبرأيي القاصر أنّ هذا العامل هو أخطر الأسباب وأعمقها.
2 ـ الفقه السياسي عند الشهيد الأوّل تنظيراً وتطبيقاً ، دراسة وممارسة ، فكراً وعملا منجز إنجازاً استثنائيّاً ، فهو قد شغل حيّزاً متميّزاً لإدارة الملف السياسي في عهده ، ولم يكن فقيهاً أصوليّاً مؤلّفاً فحسب وإنّما كان قائداً مرجعيّاً وزعيماً ميدانيّاً.
3 ـ محاربته للضلالات المستجدّة والبدع المستحدثة كفتنة (اليالوش) تلك الهوجاء التي ظهرت في جبل عامل لتربك الوضع العقائدي ولتوسّع الفجوة وتعمّق الهوّة في الخلاف المذهبي ، ومن اللاّفت للنظر أنّ الشهيد استعان بالبلاط في دمشق لضرب هذه البدعة(1).
4 ـ علاقاته المتميّزة مع الحكومات الأخرى في البلدان الإسلامية كحكومة (السربداران) في خراسان ، وما الرسالة التي بعثها (عليّ بن مؤيّد) إلاّ شاهداً توثيقيّاً مؤكّد.
5 ـ القيمة العلمية والمكانة الفكرية التي ارتقاها الشهيد الأوّل ولاسيّما بين رجالات المذاهب الإسلامية الأخرى وفقهائها ، وانفتاحه هو رضی‌الله‌عنه على المدارس الإسلامية في فقهه المقارن دراسة وتدريساً ، مباحثةً وإجازةً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : 135 ـ 137

وهكذا قضى الأوّل من شهداء الفقه وفقهاء الشهادة وتبعته في إثره زرافات ووحداناً من فقهائنا ومفكّرينا وعلمائنا ليومك هذا.
لا رمس لا قبر لا ضريح ، إنّ الرّمس في الدرس ، والقبر في الصدر ، والضريح في القول الصريح.

الفصل الثاني
الشهيد الثاني
(زين الدين الجبعي العاملي)
(911 ـ 965 هـ)
عصره وسيرته
وينتظم هذا الفصل على عدّة مباحث وكما يلي :
المبحث الأوّل :
عصر الشهيد الثاني
المطلب الأوّل ـ الوضع السياسي :
ارتقى سلّم العلم شهيدنا الثاني معاصراً للدولة العثمانية ، والعثمانيّون آنذاك في أوج عظمتهم وعنفوان غطرستهم ، وقد تأسّست الدولة العثمانية عام (1299م) وسقطت عام (1923م) بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ، وإذا كان من توصيف تاريخي للدولة العثمانية فإنّها كانت على الدوام تتجه نحو التجنيد الإجباري للرعية عموماً وللشعوب الإسلامية على

وجه الخصوص ، وتتّسم بنظام السخرة اقتصادياً ، وتتّبع سياسة (التتريك) أي فرض اللغة التركية على رعاياها بالإكراه ، ومن المفارقات المضحكة المبكية في آن واحد أنّ العثمانيين كانوا يرفعون شعار (الخلافة الإسلامية) بغية السيطرة على الدول الإسلامية ، وهم بطبيعتهم أنأى ما يكون عن الإسلام ، فقد شهدت فترات حكمهم الواناً من التعصّب المذهبي والتمييز الطائفي كان على رأس ضحاياهم شهيدنا الثاني قدس‌سره.
المطلب الثاني ـ الحركة الفكرية في عهد الشهيد الثاني :
لقد توافرت عدّة عوامل موضوعية وجغرافية في بروز جبل عامل كحاضرة فكرية على عصر الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي وجعلها حوزة علمية تستقلّ عن الحوزات المركزية ومن هذه العوامل :
1 ـ المرحلة الانتقالية ما بين الاحتلال الصليبي وقيام دولة المماليك ، صحيح أنّ المماليك أكملوا ما بدأه الصليبيّون وارتكبوا أبشع المجازر حتّى ما هو محرّم في حالة الحرب ، وعمدوا إلى اغتيال الشهيد الأوّل بعد ما سجنوه عاماً واحداً بدمشق ، لكن في بداية الأمر استطاع الشهيد الأوّل أن ينفّذ مشروعه الذي خطّط له وهو في طريق العودة من الحلّة إلى عواصم البلدان الإسلامية ، والذي ساعد على ذلك أنّ المماليك كانوا أمّيّين ولم يحملوا مشروعاً عقائديّاً ليواجهوا المشروع الآخر(1).
2 ـ بلدة جزّين ـ البلدة التي خرج منها الشهيد الأوّل ـ كانت خارج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 178.

الاحتلال الصليبي مما جعلها ملجأ لكثير من الثوّار ، وأعطاها حالة ممانعة وجعلها بلدة متنوّرة لم تتأثّر بالعقلية الإرهابية المنظّمة التي مارسها الاحتلال الصليبي بالمنطقة.
3 ـ وجود عدد من علماء الدين والمبلّغين في جزّين حتّى زمن الاحتلال ـ كما ذكرنا في عدّة مواضع من هذا البحث ـ فالشهيد الأوّل نفسه تخرّج من بيت علم وعلماء.
إنّ هذه الأسباب بمجموعها شكّلت فرصة تاريخية لذلك الرجل الفذّ للبدء بتنفيذ مشروعه ، وبالفعل برز الشهيد الأوّل زعيماً لتلك المرحلة ومؤسّسها وبطل نهضتها ، حتّى وصفه كلّ من رآه أو تباحث معه بأنّه (أفقه فقهاء جميع الآفاق)(1).
ولم تخل جبال عاملة بعد استشهاد الشهيد الأوّل رضی‌الله‌عنه بل انتشرت الحركة العلمية التي أسّسها وتمّ تصعيدها والحيلولة دون انقراضها على يد العشرات بل المئات من العلماء الأبرار ، فظهرت المدارس العلمية في ميس وجبع وعيناتا والنبطية والكوثرية وحنويه والخيام وعيتا وبنت جبيل وشقراء وشحور ، وامتلأت جبال عاملة بالفقهاء والفضلاء حتّى قيل أنّه حضر سبعون مجتهداً في تشييع جنازة فاطمة (ستّ المشايخ) كريمة الشهيد الأوّل وأنّها لواقعة مثيرة ومؤثّرة حقّاً نلفت لها نظر الباحثين والكتّاب والمحقّقين(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المؤتمر العالمي لتكريم شرف الدين : مقال بعنوان جبل عامل وإثراء ثقافة أهل البيت ونشر علومهم 1 / 82.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1 / ك ، المؤتمر العالمي 1 / 82.

ولهذا يلفت النظر الشيخ الحرّ العاملي في كتابه أمل الآمل إلى القيمة العلمية التي حقّقها علماء جبل عامل في العالم الإسلامي فقال : «إنّ عدد علماء جبل عامل يقارب خمس عدد علماء المتأخّرين وكذا مؤلّفاتهم بالنسبة إلى مؤلّفات الباقين ، مع أنّ بلادهم بالنسبة إلى باقي البلدان أقلّ من عشر العشر أعني جزء من مائة جزء».
وقد تعاقبت جموع من الفقهاء والعلماء على الهجرة إلى البلدان الإسلامية الأخرى ومنها بلاد فارس (إيران) على عهد الدولة الصفوية وذلك بعد طلب الصفويّين منهم والاستعانه بهم على توطيد الحركة العلمية واستقرار النشاط الفكري في الدولة الصفوية ، وعرفت هذه الهجرة عند المؤرّخين والباحثين والكتّاب بـ : (الهجرة العاملية إلى إيران) وكان من أبرز أولئك :
1 ـ المحقّق الثاني الكركي ، صاحب كتاب تحقيق الخراج.
2 ـ الشيخ حسين عبد الصمد الحارثي الهمداني تلميذ الشيخ الشهيد الثاني.
3 ـ شيخنا المحقّق البهائي نجل الشيخ عبد الصمد ، انتقل إلى أصفهان وهي يوم ذاك عاصمة الدولة الصفوية ودفن في الحرم الرضوي المقدّس.
4 ـ الشيخ لطف الله الميسي ، وإلى الآن هناك جامع باسمه في أصفهان.
5 ـ الشيخ الحرّ العاملي ، صاحب الوسائل ، هاجر إلى المشهد الرضوي المقدّس ودفن فيه.
6 ـ السيّد علي بن الحسين ، تلميذ الشهيد الثاني ، وهو الجدّ الأعلى

لأسرة آل الصدر ـ شرف الدين ـ الذي كان أوّل من هاجر من آل الصدر إلى خراسان.
المبحث الثاني
سيرته
المطلب الأوّل ـ اسمه ونسبه وألقابه :
زين الدين بن نور الدين ـ المعروف بـ : (ابن الحجّة)(1) ـ عليّ بن أحمد بن محمّد بن جمال الدين بن تقيّ الدين بن صالح بن مشرف ـ أو أشرف ـ الجبعي العاملي النحاريري(2) المعروف والمشهور بـ : (الشهيد الثاني).
ونسبه الوضّاء وحسبه الكريم أطلق عليه الباحثون والعلماء (السلسلة الذهبية).
المطلب الثاني ـ تولّده ونشأته :
ولد في جبع ثالث عشر شوّال سنة (911 هـ) ويبدو أنّ هذا التاريخ هناك إجماع عليه إذ يذكره تلميذه ابن العودي.
كان أبوه من أكابر فضلاء عصره وكذلك جدّه صالح بن مشرف من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة محمّد باقر الصدر 1 / 103.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 153.

أقطاب أهل العلم وأوتاد أهل الفضل وما بينهما أعلام هدى ومصابيح دجى علماً وفضلاً وورعاً ، وهكذا امتدّت السلسلة بحلقاتها حتّى قيل عنها : (السلسلة الذهبية)(1).
ختم قراءة الكتاب العزيز وهو في التاسعة أو لم يتجاوزها بعد ، واشتغل بعد ذلك بقراءة فنون الأدب العربي والفقه على والده إلى أن توفّي عام (925 هـ) وكان من جملة ما قرأه عليه : المختصر النافع واللّمعة الدمشقية إضافة إلى كتب الأدب ، ولم يشأ الشهيد ان يبقى ثابتاً على هذا المستوى الفقهي الذي بلغه حتّى هذا الوقت ويحتل مكان والده فقد كان يرنو إلى مستوى اسمى من ذلك.
المطلب الثالث ـ الحياة الاجتماعية للشهيد الثاني (زواجه ومصاهراته) :
ـ تزوّج الشهيد الثاني ابنة الشيخ عليّ الميسي أثناء إقامته في كرك وكانت هي كبرى أزواجه.
ـ تزوّج كريمة السيّد عزّ الدين الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي (من أجداد آل شرف الدين / الصدر) وكان هذا السيّد شريكاً للشهيدفي درسه لدى كثير من مشايخه وكانت كريمته تلك احظى زوجاته به ، وقد استشهد السيّد عزّ الدين مسموماً فصلّى عليه الشهيد الثاني في جبع وكان يوماً مشهوداً سنة (693 هـ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.

 ـ بعد شهادة الشهيد الثاني تزوّج السيّد نور الدين نجل السيّد عزّ الدين زوجة الشهيد الثاني الثالثة وهي أمّ صاحب المعالم فولد منها (نور الدين عليّ).
واستمرّت أواصر المصاهرة بين ذرية الشهيد الثاني وآل الموسويّ فأمّ السيّد صدر الدين على سبيل المثال هي ابنة الشيخ علي ابن الشيخ محي الدين ابن الشيخ عليّ ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني(1).
المبحث الثالث
رحلاته وأساتيذه ودراسته
مصادر المعرفة جمّة غفيرة ومنها الأساتذة والشيوخ ، ففي نشأة الشهيد الثاني الفكرية وحياته العلمية نرى العديد منهم سواءً في موطنه (جبع) أم في مقرّات إقامته حيث رحلاته المتكرّرة وهجراته المتناوبة وكان منها :
أوّلاً ـ في جبع :
والده الشيخ نور الدين قرأ عليه العلوم العربية واللّمعة والمختصر النافع حتّى توفّي والده عام (925 هـ).
ثانياً ـ في ميس (من قرى جبل عامل وهي يومذاك مدرسة علم ودار فقه) : درس على الفقيه الشيخ عليّ بن عبد العال الميسي الشرائع والإرشاد ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) موسوعة محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة 1/ 105.

وأكثر القواعد(1) وبقي فيها ثمان سنوات.
ثالثاً ـ في كرك :
تتلمذ فيها على السيّد حسن بن السيّد جعفر ـ مؤلّف كتاب المحجّة البيضاء ـ فحضر لديه قواعد الكلام للشيخ ميثم البحراني والعمدة والتهذيب في الأصول للسيّد حسن نفسه والكافية في النحو.
رابعاً ـ في الشام سنة (937 هـ) :
حضر عند الفيلسوف المحقّق شمس الدين محمّد بن مكّي فدرس الموجز النفيسي وغاية القصد في معرفة الفصد من علم الطب ، ومن علم الهيئة : فصول الفرغاني والهيئة ، ومن الفلسفة : حكمة الإشراق للسهروردي ـ بعضاً منها ـ كما أقرأه الشاطبية من علم القراءات الشيخ أحمد بن جابر ، وكانت إقامته بدمشق سنة واحدة.
خامساً ـ في الشام مرّةً أخرى عام (942 هـ) ، وكان شيوخه فيها :
ـ شمس الدين بن طولون الحنفي الدمشقي صاحب كتاب قضاة دمشق قرأ عليه جملة من الصحيحين وإجازة روايتهما.
سادساً ـ في مصر عام (942 هـ) : حضر حلقات الدرس الكثيرة وبحوث المناظرة الوفيرة عند جملة من علمائها وفقهائها ومن أؤلئك :
1 ـ الشيخ أبو الحسن البكري ، سمع عليه جملة من الكتب في الفقه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرها السبيتي بهذا العنوان وقد أوردها الآصفي بعنوان : (تمهيد القواعد الأصولية والعربية لاحظ : مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 177.

والتفسير.
2 ـ الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي ، قرأ عليه عدّة كتب :
ـ منهاج النووي في الفقه.
ـ أكثر (مختصر الأصول) لابن الحاجب.
ـ شرح العضدي مع حواشيه السعدية والشريفية.
ـ شرح التصريف الغربي.
ـ شرح الشيخ المذكور إمام الحرمين الجويني في أصول الفقه.
ـ شرح جمع الجوامع و (المحلّى) في أصول الفقه.
ـ توضيح ابن هشام في النحو.
وأجازه إجازة عامّة.
3 ـ الملاّ حسين الجرجاني ، درس لديه :
ـ شرح التجريد لملاّ علي القوشجي.
ـ حاشية ملاّ جلال الدين الدواني.
ـ شرح إشكال التأسيس في علم الهندسة للرومي قاضي زاده.
ـ شرح الجغميني في الهيئة.
4 ـ الملا محمّد الأسترابادي ، حضر عنده :
ـ المطوّل.
ـ حاشية السيّد شريف.
ـ شرح الكافية.

5 ـ الملاّ محمّد علي الكيلاني ، درس لديه :
جملة من المعاني والمنطق.
6 ـ الشيخ شهاب الدين بن النجّار الحنبلي ، قرأ عليه :
ـ شرح الشافية للجاربردي.
ـ شرح الخزرجية في العروض.
ـ القافية للشيخ زكريّا الأنصاري.
ـ الصحيحان.
وأجازه إجازة عامّة.
7 ـ الشيخ زين الدين الجرمي المالكي ، قرأ عليه :
ـ ألفية ابن مالك.
8 ـ المحقّق اللقاني (الملقاني) الشيخ ناصر الدين ، درس عنده :
ـ تفسير البيضاوي.
9 ـ الشيخ ناصر الدين الطبلاوي ، حضر لديه :
ـ علم القراءات (قراءة ابن عمرو).
ـ رسالة الطبلاوي (الشيخ نفسه) في القراءات.
10 ـ الشيخ شمس الدين بن أبي النحّاس ، أقرأه :
ـ الشاطبية في القراءات.
11 ـ الشيخ الفاضل الكامل عبد الحميد السنهوري ، درس عنده :
ـ جملة صالحة من الفنون وأجازه إجازة عامّة.

12 ـ الشيخ شمس الدين محمّد بن عبد القادر الفرض الشافعي ، حضر لديه :
ـ الحساب الهوائي (كتباً كثيرة عنه).
ـ المرشد في حساب الهند الغباري.
ـ الياسمينية في الجبر والمقابلة.
ـ شرح الوسيلة.
وأجازه إجازة عامّة.
13 ـ الشيخ شهاب الدين بن عبد الحقّ.
14 ـ الشيخ شهاب الدين البلقيني.
15 ـ الشيخ شمس الدين الديروطي.
16 ـ الشيخ عميرة.
وهؤلاء الأربعة المتأخّرين ذكرهم شيخنا الشهيد الثاني استطراداً بحسب
ما ذكره تلميذه ابن العودي ولعلّ الشيخ درس عندهم مواضيع جزئية متفرّقة.
سابعاً ـ في بيت المقدّس :
قرأ على الشيخ شمس الدين أبي اللطف :
ـ بعض الصحيحين (مسلم والبخاري) وأجازه إجازة عامّة.
ثامناً ـ في العراق عام (946هـ) :
وفي هذه الرحلة كانت هناك دواع إيمانية وروحانية ، حيث تشرّف بزيارة المراقد المقدّسة في سامرّاء المشرّفة وكربلاء المقدّسة والنجف

الأشرف والكاظمية المقدّسة.
وكانت فيها بواعث علمية ، حيث أنجز رضی‌الله‌عنه تحقيق قبلة العراق عموماً وقبلة مسجد الكوفة والحرم المطهّر للإمام عليٍّ عليه‌السلام خصوصاً.
تاسعاً ـ في القسطنطينية في 17 ربيع الأوّل (952 هـ) :
ألّف فيها رسالة جليلة في عشر مباحث من الفقه والتفسير والفلسفة سوف ندرجها ضمن آثاره ونتاجاته إن شاء الله.
عاشراً ـ العودة إلى بعلبك :
حيث أقام فيها ما بقي من عمره الطاهر يدرّس على (المذاهب الخمسة) وهو أمرٌ نادر الوجود وغاية في الإبداع ومنتهى التميّز.
تعقيب ومناقشة
بعد هذا التطواف حول رحلاته العلمية وجولاته الفكرية نسجّل :
ـ تلقّيه للعلوم ومقدّماتها في الشام ومصر وهو جُدّ خبير وأكثر من متضلّع في فنونها ولكن هجرته إلى هذين القطرين كان أساساً لعدّة أسباب :
1 ـ الانفتاح الثقافي على بيئات ثقافية أُخرى.
2 ـ التعرّف عن كثب على آليّات الدراسة ومنهجيات البحث.
3 ـ التعدّدية في انتقاء الأساتذة والشمولية في اختيار الشيوخ وهو أمر غاية في الأهمّية وقد رأينا الكمّ الواسع منهم والكيف المركّز في اختيارهم من قبل شيخنا الشهيد الثاني.

4 ـ مخالطة المدارس الفكرية بلحاظ مذاهبها الإسلامية المتنوّعة.
5 ـ التنوّع في مصادر التلقّي المعرّفي كالطّبّ والرياضيّات والهيئة وبعض العلوم الأخرى.
6 ـ إعادة تشكيل الصياغه العلمية لنظريّاته وأطروحاته وفق التلاقح الفكري والتبادل الثقافي الحاصل بهذه الهجرات والرحلات.
7 ـ اكتسابه المعارف الموسوعية ونبوغه وتفوّقه فيها مثل :
أ ـ العلوم الإسلامية : العقلية والنقلية.
ب ـ العلوم الأدبية : مثل البلاغة والبيان.
ج ـ العلوم الصرفة : مثل الطبّ والجبر والهيئة.
المبحث الرابع
أثاره الفكرية
المطلب الأوّل ـ مؤلّفاته ونتاجاته :
1 ـ المسالك.
2 ـ الروضه البهية في شرح اللّمعة الدمشقية.
3 ـ شرح الألفية : والألفية كتاب صغير فيه ألف واجب في الصلاة من مؤلّفات الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي وقد شرح الشهيد الثاني الألفية ثلاث مرّات :

أ ـ المقاصد العلية في شرح الألفية : وهو شرح كبير استدلاليٌّ.
ب ـ الشرح الوسيط.
ج ـ الشرح الصغير : وهو تعليقات وشروح وحواش فتوائية كتبه لعمل مقلّديه الذين يرجعون إليه في المسائل الشرعية.
4 ـ تمهيد القواعد.
5 ـ غاية المراد في شرح الإرشاد.
6 ـ حاشية على الشرائع.
7 ـ رسالة في عشر مسائل مشكلة : وهي رسالة في عشر علوم كتبها في القسطنطينية لبعض الأفاضل فنالت استحسانهم واستحصل بعدها على تصريح للتدريس.
8 ـ منار القاصدين في أسرار معالم الدين.
9 ـ رسالة في الولاية.
10 ـ روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان.
11 ـ رسالة الإستنبولية في الواجبات العينية (العينة).
12 ـ التنبيهات العلية في وظائف الصلاة اليومية(1).
13 ـ جواهر الكلمات في صيغ العقود والإيقاعات.
14 ـ رسالة في نجاسة البئر بالملاقاة وعدمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أدرجها الآصفي بعنوان (التنبيهات العلية على وظائف الصلاة القلبية) تقديم الروضة البهية 1 / 178 ، لاحظ وكذا : مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، .

15 ـ رسالة أعمال يوم الجمعة.
16 ـ مختصر منية المريد.
17 ـ حاشية الإرشاد.
18 ـ البداية في سبيل الهداية(1).
19 ـ كشف الريبة عن أحكام الغيبة(2).
20 ـ رسالة في طلاق الغائب.
21 ـ رسالة في آداب الجمعة.
22 ـ مناسك الحجّ الكبير.
23 ـ منسك الحج الصغير.
24 ـ رسالة في الاجتهاد : والمشهور (الاقتصاد والإرشاد) ولعلّه نفسه الاقتصاد في معرفة المبدء والمعاد وأحكام أفعال العباد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد ، وهو مرتّب على قسمين الأصول والفروع(3).
25 ـ الرجال والنسب.
26 ـ رسالة في النية.
27 ـ الدراية وشرحها : بداية الدراية تمّ شرحها باسم الدراية شرحاً مزجيّاً ويقال عن الشهيد الأوّل أنّه أوّل من صنّف من الإمامية في علم الدراية(4).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهيّة : 178.
(2) كتاب عقائدي ، انظر : تقديم الروضة البهية 1 / 178.
(3) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 178.
(4) نفس المصدرين.

28 ـ رسالة في الإجماع : والظاهر أنّها نفس (تفصيل ما خالف الشيخ الطوسي إجماعات نفسه) ردٌّ على مطلق الإجماعات.
29 ـ شرح النفلية(1) : والنفلية من مؤلّفات الشهيد الأوّل وقد شرحها الشهيد الثاني شرحاً مزجيّاً مختصراً.
30 ـ رسالة في البسملة.
31 ـ رسالة في العدالة.
32 ـ حاشية قواعد الأحكام(2).
33 ـ أسرار الصلاة.
34 ـ جواب المسائل الشامية.
35 ـ جواب المسائل الخرسانية(3).
36 ـ رسالة في تيقّن الطهارة والحدث.
37 ـ رسالة في حواشي المختصر النافع.
38 ـ جواب المسائل النجفية ، وهي رسالة (عدم جواز تقليد الأموات).
39 ـ جواب المسائل الهندية.
40 ـ إجازة الشيخ حسين.
41 ـ رسالة في وجوب صلاة الجمعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) تقديم الروضة البهية 1 / 178. وقد ورد فيه بعنوان (جوابات المسائل).

42 ـ حاشية على خلافيّات الشرائع.
43 ـ حاشية القواعد وتمهيد القواعد : والمظنون أنّها حاشية قواعد الأحكام ، برز فيها مجلّد لطيف إلى كتاب التجارة.
44 ـ رسالة في الحجّ والعمرة (وهما رسالتان منسك الحجّ والعمرة).
45 ـ رسالة في أحكام الحبوة.
46 ـ رسالة في ميراث الزوجة.
47 ـ العقود في أسرار معالم الدين.
48 ـ تحقيق الإسلام والإيمان(1).
49 ـ حاشية على عقود الإرشاد.
50 ـ منظومة في النحو وشرحها.
51 ـ فتاوى الشرائع والإرشاد.
52 ـ فوائد خلاصة الرجال.
53 ـ تفسير آية : (السابقون الأوّلون).
54 ـ مسكّن الفؤاد (عند فقد الأحبّة والأولاد).
55 ـ مختصر العلاّمة.
56 ـ فتاوى المختصر.
57 ـ منية المريد (في آداب المفيد والمستفيد)(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد يذكر بعنوان (حقائق الإيمان) أو (حقيقة الإيمان والإسلام). مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، الروضة البهية 1 / 178.
(2) ويذكرها السبيتي (منية المريد) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 178.

58 ـ الإجازات.
59 ـ رسالة في من أحدث أثناء الغسل.
60 ـ رسالة في فتوى الخلاف مع اللّمعة.
61 ـ رسالة في جواز تقليد الميّت.
62 ـ عيبة القاصدين في اصطلاحات المحدّثين أو (غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين)(1).
63 ـ شرح (الدنيا مزرعة الآخرة).
64 ـ رسالة في حكم المقيمين في الأسفار.
65 ـ سؤالات الشيخ أحمد وأجوبتها.
66 ـ رسالة في تحريم طلاق الحائض الحاضر زوجها.
وواقع الحال أنّ مصنّفاته ومؤلّفاته تقرب من ثمانين كتاباً ورسالة(2).
المطلب الثاني ـ تلامذته والراوون عنه :
وهم الأثر الأعمق من نتاجاته الفكرية ؛ لأنّهم المدرسة الناطقة لأفكاره وأطروحاته.
1 ـ ابن العودي : وهو من مبرّزي تلامذته كما تبيّن من خلال رسائل الشهيد الثاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 178.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق.

2 ـ السيّد علي نور الدين بن أبي الحسن الموسوي العاملي.
3 ـ السيّد جمال الدين حسن بن أبي الحسن الموسوي العاملي (آل شرف الدين) ، قرأ عليه كتاب الروضة البهية كما يستشفّ من إجازته له.
4 ـ السيّد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي ـ غير المذكور سلفاً أعلاه.
5 ـ عزّ الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد بن شمس الدين الحارثي الهمداني الجبعي العاملي له شرح على ألفية الشهيد.
6 ـ الشيخ نور الدين أبو القاسم عليّ بن عبد الصمد المولود سنة (898هـ) ، قال صاحب رياض العلماء : فاضل عالم جليل فقيه شاعر له منظومة في ألفية الشهيد تسمّى بـ : الدرّة الصفية في نظم الألفية كما نصّ على ذلك الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه الغدير(1).
وذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة ج1 ص 194) ثلّة طيّبة من العلماء العامليّين تلامذة للشهيد الثاني وهم :
1 ـ الشيخ ظهير الدين الميسي.
2 ـ الشيخ محي الدين الميسي.
3 ـ الشيخ تاج الدين الجزائري.
4 ـ عزّ الدين بن زمعة المدني.
5 ـ سلمان الجبعي العاملي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغدير 11/ 224.

6 ـ عطاء الله الحسيني الموسوي.
7 ـ ابن الصائغ الحسيني الموسوي.
8 ـ محمود بن محمّد اللاهيجي.
المبحث الخامس
اعتقاله وشهادته
المطلب الأوّل ـ اعتقاله :
أرسل قاضي صيدا (معروف الشامي) في طلبه وكان مقيماً في كرم له منفرداً عن البلد متفرّغاً للتأليف فقال له بعض أهل البلد قد سافر عنّا مدّة فخطر ببال الشيخ أن يسافر إلى الحجّ وكان قد حج مراراً لكنّه قصد الاختباء فسافر في محفل وكتب قاضي صيدا إلى سلطان الروم أنّه قد وجد ببلاد الشام رجل مبدع عن المذاهب الأربعة فأرسل السلطان رجلا في طلب الشيخ فقال له آتني به حيّاً حتّى أجمع بينه وبين علماء بلادي فيبحث معه ويطّلعوا على مذهبه فيخبّروني فأحكم عليه بما يقتضيه مذهبي فأُخبرَ أنّ الشيخ توجّه إلى مكّة فطلب واجتمع به في طريق مكّة وقال له تكون معي حتّى نحجّ بيت الله ثمّ افعل بي ما تريد فرضي بذلك فلمّا فرغ من الحجّ سافر معه إلى بلاد الروم ولمّا وصل إليها رآه رجل فسأله عن الشيخ فقال : رجل من علماء الشيعة الإمامية أريد أن أرسله إلى السلطان فقال أوما تخاف أن يخبّر السلطان بأنّك قد قصّرت في خدمته وآذيته وله هناك أصحاب يساعدونه فيكون سبباً

لهلاكك بل الرأي أن تقتله وتأخذ برأسه للسلطان فقتله في مكانه في ساحل البحر وكان هناك جماعة من التركمان فرأوا في تلك الليلة أنواراً تنزل من السماء وتصعد فدفونه هناك وبنوا عليه قبّة وأخذ الرجل رأسه إلى السلطان فأنكر عليه فقال له : أمرتك أن تأتيني به حيّاً فقتلته وسعى السيّد عبد الرحيم العبّاسي في قتل ذلك الرجل فقتله السلطان. وقيل إنّ جثّته قد رميت في البحر ولا يعرف لها أثر.
المطلب الثاني ـ شهادته ودوافعها :
يقول صاحب كتاب أحسن التواريخ وهو تاريخ فارسي : «كان السبب في شهادته أنّ جماعة من السنّيّين قالوا لرستم باشا الوزير الأعظم للسلطان سليمان ملك الروم : أنّ الشيخ زين الدين يدّعي الاجتهاد ويتردّد عليه كثير من علماء الشيعة ويقرأون عليه كتب الإمامية وغرضهم بذلك إشاعة التشيّع ، فأرسل رستم باشا الوزير في طلب الشيخ زين الدين وكان وقتئذ بمكّة المعظّمة فأخذوه من مكّة وذهبوا به إلى اسطنبول فقتلوه فيها من غير أن يعرضوه على السلطان سليمان)(1). والذي نميل إليه في العوامل الباعثة لقتله هي المكانة العلمية والأثر الفكري الذي تركه ، وهذا المنصب الذي تبوّأه في موطنه أو في هجراته ورحلاته ، كلّ ذلك كان السبب الحقيقي وراء استشهاده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق.

الفصل الثالث
مدرسة الحلّة
تمهيد ـ الحلّة الفيحاء والدولة المزيدية فيها :
إبّان الدولة العبّاسية في شيخوختها قامت دول عدّة منها : الدولة الفاطمية بمصر والأدارسة في المغرب والحمدانية في بلاد الشام والموصل والدولة البويهية في العراق وإيران.
ومن بين تلك الدول نشأت الدولة المزيدية في الحلّة (403 هـ ـ 545 هـ) وهي دولة صغيرة كان التوصيف الإمامي لها أكثر وضوحاً ممّا في الدولة الحمدانية وقد ساعدت هذه الدولة على تركيز التشيّع في الحلّة وبذلك بزغت الحوزة العلمية فيها نتيجةً لقيامها بما يؤدّي إلى جعل الحلّة أرضاً مناسبة لذلك.
لقد اتّخذ الأمير (سيف الدولة مدقّه) من الحلّة عاصمة لإمارته وقد انفصل عن الدولة السلجوقية لضعفها وكثرة الانشقاقات فيها وامتدّ نفوذ هذه الإمارة الشيعية إلى البصرة وواسط والبطيحة والكوفة وهيت وعانة وحديثة

وخضعت لها قوى القبائل العراقية في ذلك العهد ومن الشواهد التاريخية على قوّتها أنّه قد نفي الشيخ الأكبر الشيخ المفيد إليها في فترة من الفترات الملتهبة ببغداد.(1)
لقد اهتمّت هذه الدولة بالشؤون الإدارية والعمرانية والثقافية فنشرت العدل في البلاد وكانت تحترم العلماء والأدباء وتجزل لهم في العطاء لذلك انتعشت الحركة العلمية في ظلّها ولقد أعادت إلى العراق هذه الدولة عزّته واستقلاله ووحدته بعد ما كان مقسّماً مشتّتاً مستعبداً بفعل السلاجقة وأذنابهم وكانت الحلّة في هذه الفترة مركزاً مهمّاً للأُسر العلمية الشيعية : آل البطريق ـ آل أبي نما ـ آل طاووس ـ آل المطهّر ـ آل معية.
لقد أنجبت كلّ أسرة العديد من القادة العلماء الميامين الذين كانوا لهم الأثر الكبير في خدمة مسيرة أهل البيت عليهم‌السلام.
ومن ملوك هذه الدولة :
ـ سيف الدولة عليّ الأوّل.
ـ نور الدولة دبيس الثاني.
ـ عليّ الثاني.
وقد انقرضت هذه السلسلة على يد الأتابكة الزنكية ونتيجة لعمل الدولة المزيدية في الحلّة في خلق القاعدة الشعبية وتحرّك العلماء المحلّيّين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهود الشيخ المفيد الفقهية ومصادر استنباطه : 24 التطوّر السياسي في القيادة الشرعية في عصر الغيبة الكبرى / مقال في مجلة دراسات وبحوث : 45 العدد 2.

في هذه الفترة سياسيّاً أصبحت الحلّة مركزاً علميّاً رئيسيّاً للتشيّع وصارت حوزة علمية كبرى(1).
أولاً ـ الحوزة العلمية الانتقالية في الحلّة :
في أواخر القرن السادس الهجري ، ضعفت الحركة العلمية في مدرسة النجف الأشرف بعوامل عديدة لعلّ من أهمّها :
1 ـ العامل المادّي وتمثّل بالعسر والضيق الذي أصاب سكّان النجف بمن فيهم علماء وطلاّب مدرستها وذلك لشحّة المياه وصعوبة التزوّد منها(2).
2 ـ العامل الاقتصادي ـ وتمثّل بغلاء الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة خلال هذه الفترة الزمنية.
3 ـ العامل الأمني ـ وتمثّل ذلك بتكرّر هجمات البدو الحجازيين على مدينة النجف في تلك الفترة ممّا أشاع الخوف والذعر بين سكّانها.
4 ـ بروز الفقيه محمّد بن إدريس الحلّي (543 ـ 598 هـ) وهو من أهمّ العوامل وأنهضها حيث إنّ هذا الفقيه قد تخرّج من مدرسة النجف أدّى إلى أن يستقطب طلاّب العلم إليها فازدهرت مدرسة الحلّة ونبغ فيها جهابذة العلماء في الفترة الزمنية الممتدّة من أواخر القرن السادس الهجري وحتّى نهاية القرن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التطوّر السياسي في قيادة الشرعية : 46.
(2) دائرة المعارف الأسلامية الشيعية 3 / 451 ، مدرسة النجف وأبعادها العلمية والفكرية في العهد العثماني.

العاشر الهجري وكان من أولئك.
أ ـ سديد الدين يوسف بن المطهّر الحلّي الأسدي (ق 7 هـ) والد العلاّمة الحلّي
ب ـ الشيخ مفيد الدين محمّد بن جهم الحلّي الأسدي (ق 7 هـ).
ج ـ السيّد جمال الدين أحمد بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس الحسني الحلّي (ت 672 هـ / 1273 م).
د ـ المحقّق الحلّي الشيخ جعفر بن الحسن(602 ـ 676 هـ)(1205 ـ 1277م).
هـ ـ الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلّي المعروف بابن نما (ت 689 هـ ـ 1290 م).
و ـ كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد العتائقي الحلّي (699 ـ 790 هـ) (1299 ـ 1388 م).
ي ـ المقداد بن عبد الله السيوري الأسدي الحلّي (ت 826 هـ ـ 1422 م).(1)
ثانياً ـ الحلّة وسلاطين المغول :
في سنة 698 هـ جاء السلطان غازان(2) إلى العراق وتوجّه إلى الحلّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.
(2) التطوّر السياسي : 46.

لزيارة المشاهد الشريفة وأمر للعلويّين فيها بمال كثير ثمّ أمر بحفر النهر بأعالي الحلّة فحفر وسمّي النهر الغازاني وتولّى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي ثمّ سار إلى بغداد وعقد ضمان العراق على الملك إمام الدين يحيى القزويني البكري واستقلّ بالحكم.
أنشأ السلطان غازان للحلّة مكاناً دعاه دار السيادة وجعل وقفه يصل إلى الفقراء والمساكين من العلويّين وتصرّف غلّته في وظائفهم ومثل هذه الدار أنشئت في كلّ مدينة كبيرة.
في سنة 703 هـ توفّي السلطان غازان فتولّى الملك بعده ولده محمّد خدا بنده (703 713 هـ) كان هذا السلطان أوّلاً على مذهب أهل السنّة ثمّ اعتنق مذهب الإمامية الإثني عشرية بمساعي العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف ابن المطهّر وذلك ما سنعرفه من المباحث الآتية.
ولغرض تبيان نظرية التأثر والتأثير الفقهي وبيان مفاصلها ينتظم الفصل مباحث وكما يأتي.
المبحث الأوّل
المسار التاريخي للمدرسة الفقهية في الحلّة
الحلّة وريثة بغداد كامتداد معرفي ، والحلّة وريثة النجف كامتداد تاريخي ، فكانت ما بين ذي وذي واسطة العقد ، حين أضحت مدرسة الحلّة ذات مرتكزات رصينة ومعالم واضحة.

المدرسة الحلّية سجّلت حضوراً فاعلاً وانعطافاً استثنائياً لأربع قرون هجرية من تاريخ الفقه الإمامي الإسلامي : القرن السادس ، السابع ، الثامن ثمّ التاسع.
لقد اجتمع في الحلّة عدد كبير من الطلاّب والعلماء والفقهاء وبانتقالهم إليها انتقل معهم النشاط العلمي من مدرسة النجف وبغداد حيث مجالس النظر والجدل وحلقات الدراسات في البيوت والمساجد والمكتبات العامرة.
إنّ أوّل من وطأها دار علم ومعرفة هو الشيخ ابن إدريس الحلّي صاحب السرائر من الفقهاء المبرّزين الذي نقل الدرس الفقهي من النجف وهو تلميذها إلى الحلّة ليصبح زعيمها ويعدّ هذا الشيخ أوّل من ناقش آراء الشيخ الطوسي التي هيمنت على الساحة الفقهية ردحاً من الزمن وأوّل من فنّد بعضاً من تلك الآراء(1) ، واستقرّت في ما بعد المدرسة الحلّية على هذه الحالة ونبغ منها علماء مجدّدون وفقهاء إصلاحيّون لهم الأثر الكبير في تطوير الممارسة الاجتهادية وصياغة جديدة لمنظومة (الاجتهاد) ولهم قصب السبق في إحداث منهجية متقدّمة سواء على صعيد المباحثة والدراسة أو على صعيد التدوين الفقهي وكان في مقدّمهم ابن إدريس والمحقّق والعلاّمة وفخر المحقّقين والشهيد الأوّل وابن أبي الفوارس.
إنّ المعالجة التاريخية لتطوّر الدرس الفقهي هي من الأهمّية بمكان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أمل الأمل : تقديم الروضة البهية 1 / 112 ، موسوعة محمّد باقر الصدر السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق : 53.

فتاريخ العلم ـ أيّ علم ـ باتت تؤكّد عليه البحوث الأكاديمية والدراسات الحداثوية والأساليب المنهجية.
إنّ الحلّة كمدرسة فقهية تعدّ من شواهد القرن السادس الهجري في بداياتها ، وهي الامتداد المعرفي لمدرسة بغداد ، هذه المدرسة التي أرسى دعائمها الشيخ المفيد والسيّدان : الشريف المرتضى والشريف الرضي ، ومن المعالم الأساسية لمدرسة بغداد التي أثّرت في مدرسة الحلة هي :
1 ـ نشأة الفقه في أحضان الحديث ، فكانت فتاواهم نصوص أحاديث ، وألّف الإمامية كُتباً فقهية لم تخرج في واقعها أن تكون أحاديث مبوّبة بحسب أبواب الفقه(1) ، فقد انتهج الفقهاء خطى المحدّثين في تقسيمهم من الطهارة إلى الديات ، والمهمّ هنا هو تصديرهم للرسائل الفقهية بالمقدّمات الاعتقادية كما في المقنعة في الفقه(2).
2 ـ التخصّص في العلوم واستقلاليّتها والتمايز بينها ، فقد بحثت الدروس الأصولية بمعزل عن الفقهية.
ومن شواهدها : التذكرة بأصول الفقه للشيخ المفيد والذريعة للسيّد المرتضى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهود الشيخ المفيد الفقهية : 122.
تراثنا : مجلّة فصلية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث في قم المقدّسة العدد الأوّل والثاني 85 و86 السنة الثانية والعشرون 1427 هجري محرّم / جمادى الآخرة. مقال للباحث زهير الأعرجي.
(2) المقنعة في الفقه / مخطوطة مصوّرة في مكتبتي الخاصّة بالنجف الأشرف.

3 ـ طابع (المقارنة) بين المذاهب الإسلامية المتعدّدة أو حتّى في المذهب الإمامي نفسه ، فظهرت النتاجات العلمية المقارنة : أوائل المقالات كتاب كلامي مقارن بين المذاهب الإسلامية وكذا الأعلام في ما اتّفقت عليه الإمامية من الأحكام ممّا أجمعت العامّة على خلافه على صعيد الفقه(1).
4 ـ استحداث التفريعات في المسائل الفقهية وظهور مصطلح (الاجماعيّات) عند الإمامية وذلك ما سجّله السيّد المرتضى في الانتصار.
المبحث الثاني
تأثّر الشهيد الأوّل بالمدرسة الحلّية
توطئة :
يرى البحث في تصوّراته العلمية وحسب الاستقراء التاريخي إنّ المدرسة العاملية يمكن أن تصبح عنواناً مستقلاًّ في مراكز الحركة الفقهية الإسلامية بعد أن شهدنا من عيون الطائفة الكثير من تلك البقعة ونشأوا النشأة العلمية فيها ، بيد أنّ الباحثين اعتبروا الشهيد الأوّل مصداقاً من مصاديق مدرسة الحلّة وهو رضی‌الله‌عنه تأثّر بها وأثّر فيها ، وتأثّره بها يتجسّد في اقتفاء مسلك أساتذته وشيوخه من أقطاب هذه المدرسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهود الشيخ المفيد الفقهية ومصادر استنباطه : 141.

المطلب الأوّل ـ تأثّره بالمحقّق الحلّي (602 ـ 676 هـ) :
يعدّ المحقّق الحلّي من أعلام الفقه الإمامي في القرن السابع الهجري على الإطلاق ، وكلّ فقهاء المدرسة الحلّية اللاحقون هم عيال عليه ، ومن آثار هذا المحقّق الجليل :
ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام أشهر آثاره.
ـ المختصر النافع.
ـ المعتبر.
ـ نكت النهاية.
ـ المعارج.
أمّا الشرائع فهو من أحسن المتون الفقهية ترتيباً وأجمعها للفروع ، فلذا اعتمد عليه الفقهاء منذ عصر مؤلّفه فجعلوه محوراً لأبحاثهم ودروسهم ولهم عليه شروح كثيرة وحواش عديدة بل إنّ معظم الموسوعات الفقهية التي ألّفت بعد عصر مؤلّفه هي شروح عليه ، وقد قسّم المحقّق كتابه إلى أربعة أقسام ، ونظّم الأبواب الفقهيه تنظيماً جديداً أخذ به فقهاء الإمامية إلى اليوم :
1 ـ العبادات.
2 ـ العقود.
3 ـ الإيقاعات.
4 ـ الأحكام.

المطلب الثاني ـ بصمات المحقّق في اللّمعة الدمشقية :
كتب الشهيد الأوّل (اللّمعة) من الطهارات إلى الديات والقصاص وأخذ يصوّب آراء المتقدّمين وينظر في أدلّتهم وأحياناً يضعّف أقوالهم ثمّ يجمع الأحكام في مسائل ويستطرد مسائل انفرد بها ولم يتعرّض لها أحد ممّن تقدّمه وعاصره(1) ، ويعدّ بيان اللّمعة روعة في التعبير وجودة في سبك العبارات وتنويعها وتنسيق رائع لأبواب الفقه وأحكامه ومسائله ، فهو يبحث في ملحقاتها ومتعلّقاتها وحسب التصنيف الذي اتّبعه المحقّق : العبادات ، العقود ، الإيقاعات ، الأحكام.
وقد اتّبع الشهيد الأوّل في منهجية اللّمعة أسلوب المحقّق الحلّي في تنظيم الأبواب الفقهيه الذي استخدمه في المختصر النافع أيضاً وهو مختصر لكتابه شرائع الإسلام ، وكان منهج المصنّف مرتّباً بصورة موضوعية فهو يعرض الأحكام العامّة في الباب الفقهي ثمّ يعرض ما يتبعه من ملحقات ثم يتبعها بعرض المسائل المرتبطة بتلك الأحكام ثمّ يعرض المستحبّات والمكروهات الخاصّة بالباب(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. تقديم : السيّد محمّد تقي الحكيم ، مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، تقديم الروضة البهية 1 / 200.
تراثنا : مجلّة فصلية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث في قم المقدّسة العدد الأوّل والثاني 85 و86 السنة الثانية والعشرون 1427 هجري محرّم / جمادى الآخرة. مقال للباحث زهير الأعرجي.
(2) مقدّمة الروضة البهية 1 / ق ، مدرسة النجف وأبعادها العلمية والفكرية في العهد
 

ويعدّ كتاب (اللّمعة) من أرقى مصادر (فقه الوفاق) بين المذاهب الإسلامية لكن ذلك لا يمنع من التركيز على أصالة التشيّع والدفاع عن المبدأ الحقّ حيثما تحتّم ذلك ، كما في عبارته : «ومن نسب إلى الشيعة تحريم لحم الجمل فقد بهت»(1) إشارة إلى مفتريات مفادها أنّ الشيعة يحرّمون لحم الجمل لأنّ عائشة ركبته إلى حرب عليٍّ في موقعة البصرة.
لقد جمع كتاب اللّمعة إلى روعة التنسيق استيعاباً لأطراف المسائل الفقهية بإيجاز في التعبير.
ويعدّ كتاب اللّمعة شاهداً ونتاجاً حيّاً لمدرسة القرن الثامن الهجري ، وقد تميّزت هذه المدرسة بميزة مهمّة هي التنظيم العلمي للأفكار الفقهية على شكل قواعد ، ومن سماتها المميّزة هي تلك المنهجية المختصرة ، فكانت اللّمعة رسالة فقهية ملخّصة جمع فيها المصنّف أبواب الفقه ولخّص فيها مسائله وأحكامه ، وقد جمعت اللّمعة بين الوجازة والاختصار وحسن التعبير وروعة التنسيق بين الأبواب والأحكام والمسائل ، وقد استقصينا أبوابها فوجدنا فيها : الصياغة الرائعة للتعبيرات الفقهية والتنظيم الفنّي للمسائل الفقهية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العثماني ، رسالة دكتوراه من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي : 104.
تراثنا : مجلّة فصلية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث في قم المقدّسة العدد الأوّل والثاني 85 و86 السنة الثانية والعشرون 1427 هجري محرّم / جمادى الآخرة. مقال للباحث زهير الأعرجي.
(1) الروضة البهية : ح وكتاب الصيد والذباحة.

ومن هذه الخصائص والميزات تكمن القيمة العلمية لكتاب اللّمعة ، ولهذا فقد اتّخذت كمقرّر دراسي في الحوزات العلمية والمعاهد الإسلامية ، كما أنّها اعتبرت مثالاً حيّاً للفقه الإمامي ، وقد وقع عليها الاختيار من قبل (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة)(1) ، وتعاهدها الفقهاء بالشرح ، ومن تلك الشروح :
ـ كتاب التحفة الغروية في شرح اللّمعة الدمشقية للشيخ خضر بن شلاّل النجفي (ت 1255 هـ / 1839 م).
ـ الأنوار الغروية في شرح اللّمعة الدمشقية للشيخ محمّد جواد بن تقي ابن محمّد الأحمدي النجفي المشهور بـ : (ملاّ كتاب ) (ت بعد 1267 هجري/ 1851م).
ـ الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية للشهيد الثاني : وهو أكثر هذه الشروح شهرةً وأفضلها عمقاً.
ـ شرح والد صاحب الحدائق.
ـ شرح العالمة الإصفهانية بنت المولى الإصفهاني.
المطلب الثالث ـ تأثّره بالعلاّمة الحلّي :
يعدّ العلاّمة الحلّي من أعلام الفقه الإسلامي الإمامي في القرن الثامن الهجري ليس على صعيد المدرسة الحلّية فحسب بل إنّه أستاذ الفقهاء ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ اجمالاً : الروضة البهيّة... مقدمة عبد الله السبيتي : ص ب.

ويكفي في فضله أنّه أنجب فقيهاً قديراً بقامة (فخر المحقّقين) نجله ونشّأ جيلاً اجتهاديّاً نظراء الشهيد الأوّل ، وقد خلّف آثاراً قيّمة منها :
ـ تذكرة الفقهاء.
ـ القواعد.
ـ منتهى المطلب في تحقيق المذهب.
ـ المختلف.
والذي يهمّنا هنا في مبحثنا هذا هما : التذكرة والمختلف ، فالتذكرة من أضخم كتب الإمامية في الفقه الاستدلالي المقارن يبدء من الطهارة وحتّى كتاب النكاح ، أمّا كتاب المختلف فقد بحث فيه المسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة بصورة مستقلّة ، أي أنّه (فقه مقارن) ضمن المذهب الإمامي ، فقد كثر الاختلاف العلمي بين فقهاء الإمامية نتيجة ابتعادهم عن عصر النصّ أو اختلافهم في فهم النصّ وتفاوتهم في الإيمان بسلامة بعض الروايات سنداً أو دلالة ، فكان لابدّ للفقيه من الإحاطة والاستيعاب بمختلف وجوه الرأي في المسألة الواحدة من أجل استنباط الحكم ، وكان كتاب المختلف من المحاولات الرائدة في جمع المسائل المختلف فيها بين علماء الإمامية(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقديم الروضة البهية 1 / 78 ، وليد عبد الحميد الأسدي : مدرسة النجف وأبعادها العلمية والفكرية في العهد العثماني ، رسالة دكتوراه من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي : 105.

وتأثير العلاّمة الحلّي جليّ غنيّ عن البيان مؤكّد من خلال منهج (المقارنة) الذي طبع نتاجات الشهيد الأوّل ونظريّاته ولا سيّما مع المذاهب الإسلامية الأخرى ، فلو أخذنا كتاب القواعد والفوائد(1) للشهيد الأوّل نموذجاً تطبيقيّاً نرى أنّه قد اتّخذ طابع (المقارنة) أي موازنته للقواعد الفقهية لدى المذاهب الإسلامية الأخرى مع مذهبه فلم يقتصر على رأي الأصحاب فقط ، وفيه من الحداثة شيء متميّز ، ومن البحث المنهجيّ أصالته ، وما أريد التركيز عليه أنّ منهج (المقارنة عند الشهيد الأوّل وغيره من علمائنا) أحد أهمّ دعائم الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب فلذلك نراه يروي عن نحو أربعين من علمائهم كما يذكر رضی‌الله‌عنه في إجازته لابن الخازن :
«وأمّا مصنّفات العامّة ومرويّاتهم فإنّي أروي عن نحو أربعين شيخاً من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تراثنا : مجلّة فصلية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث في قم المقدّسة العدد الأوّل والثاني 85 و86 السنة الثانية والعشرون 1427 هجري محرّم / جمادى الآخرة. مقال للباحث زهير الأعرجي.
(1) لا ريب إنّ القواعد تكمن في بعدين : القواعد الأصولية ، القواعد الفقهية : وتعدّ تلك من مقدّمات المجتهد وآليّات الاجتهاد في هذا النطاق كان الشهيد الأوّل مبادراً حيث كتب (القواعد والفوائد) ولم يقتصر في كتابه هذا على القواعد بل استشفّ منها واستخرج مئة فائدة وقد ضمّت هذه الفوائد : اللغوية والأصولية والنحوية ، والمهمّ أنّه كتبها بأسلوب منهجيٍّ ، غير أنّ الأهمّ بدراسته هذه هو اتّخاذ طابع المقارنة.
وكان رائداً في الأسلوب المنهجي في كتابته والتنظير لهذا الاختصاص فهو يصف كتابه لتلاميذه من خلال بعض إجازاته «إنّه لم يعمل الأصحاب مثله» ولهذا فإنّ كثيراً من التالين له من الفقهاء والمجتهدين تعاقبوا عليه بالشرح والتعليق ، انظر القواعد والفوائد : 17.

علمائهم بمكّة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم عليه‌السلام)(1).
ونحن نختلف مع بعض الباحثين(2) الذين ذهبوا إلى أسبقية الشهيد الأوّل في هذا المضمار ، فقد كانت جهوداً متقدّمة عليه كقواعد العلاّمة الحلّي ونجله فخر المحقّقين في كتابه الفقهي : إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد فقد كانت لهما الريادة في التأسيس ولكن بصورة غير منهجية.
وأذا توخّينا المعنى الدقّي من تأثير العلاّمة الحلّي في الشهيد الأوّل فإنّه يتجسّد في تأثير فخر المحقّقين من خلال تلمذة الشهيد الأوّل عليه وتلمذة فخر المحقّقين على والده العلاّمة الحلّي.
المطلب الرابع ـ تأثير السيّدين العميديّين في الشهيد الأوّل :
السيّدان العميديّان : أبو عبد الله عميد الدين عبد المطّلب بن محمّد بن عليّ بن الأعرج العميدي الحسيني الحلّي (681 ـ 754 هـ / 1282 ـ 1352 م) وضياء الدين عبد الله أخو السيّد عميد الدين وهما ابنا أخت العلاّمة الحلّي ومن أبرز تلامذته ، وقد شرح السيّد عميد الدين كتاب خاله العلاّمة الحلّي في علم الأصول : تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول ، والمعروف بـ : تهذيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 17 ، تقديم الروضة البهية 1 / 78.
(2) القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 17.

الأصول وبـ : تهذيب الوصول ، ويصطلح على شرح السيّد هذا بـ : شرح العميدي ، وكان من الكتب المنهجية المقرّرة دراسيّاً في مدرسة النجف لدراسة علم أصول الفقه(1) ، وللسيّد ضياء الدين ـ أخيه ـ شرح أيضاً على كتاب خاله العلاّمة السالف الذكر. ومن تأثّر الشهيد الأوّل بأستاذيه السيّدين فقد جمع بين شرحيهما وأسماه جامع العين من فوائد الشرحين.
تعقيب ومناقشة :
وعلى وجه العموم فإنّ لمحات تأثّر الشهيد الأوّل بالمدرسة الحلّية وعلى الخصوص بأساتذته المبرّزين يمكن تلخيصها بما يلي :
1 ـ التجديد في مناهج الفقه وأصوله ، من حيث الصياغة الفنّية للمسائل الفقهية والتبويب المنهجي للأبواب الفقهية والتنظيم الفنّي لتلك المسائل.
2 ـ التركيز على منهجية (المقارنة) سواء على صعيد الفقه الإمامي أو على صعيد المدارس الفقهية للمذاهب الإسلامية الأخرى ، وهي من معالم التقريب ودعائم الوحدة.
3 ـ التقسيمات الجديدة للأبواب الفقهية.
4 ـ بروز المدوّنات الفقهية الكبيرة (الموسوعات) ومن ثَمّ المختصرات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مدرسة النجف وأبعادها العلمية والفكرية في العهد العثماني ، رسالة دكتوراه من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي : 108.

الوافية الاستيعابية مثل اللّمعة الدمشقية.
المبحث الثالث
تأثير الشهيد الأوّل في تلامذته
توطئة :
تلامذة الشهيد الأوّل حينما يستعرضهم البحث ليس على سبيل التعداد ولكن من قبيل الاستشهاد وقد أحصاهم بعض الباحثين فكانوا 32 عالماً ومجتهداً ، وقد ذكرنا في ما سبق أنّ شهيدنا الأوّل لم يكن أستاذاً وإنّما رائد مدرسة فقهية تأصيلية وصاحب مشروع ناهض وذو خطٍّ فكريٍّ موسوعيٍّ ، وكان ثمّة تلامذة وطلبة أينما حلّ الشهيد في رحلاته وهجراته ، وقد بان تأثّرهم الواضح بأستاذهم من خلال إجازاته وتراثه الفكريّ وتراثهم حيث يشيد بـ : (ابن نجده) و (ابن الخازن) وغيرهما ، على أنّنا نلمس تأثيره الفاعل في إثنين منهما من خلال نتاجاتهما :
المطلب الأوّل ـ المقداد السيوري (ت 826 هـ) :
من أبرز فقهاء القرن التاسع الهجري ، بلغ من تأثير أستاذه به أن هذّب

قواعده بكتاب ـ نضد القواعد الفقهية لدى مذهب الإمامية(1) يشتمل على ترتيب كتاب القواعد والفوائد لأستاذه ، فهو يرتّب أبواب الفقه والأصول ضمن ضوابط أصولية كلّية أو فرعية تستنبط منها الأحكام الشرعية ، يقول في سبب تأليفه :
«كان شيخنا الشهيد الأوّل قد جمع كتاباً يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيساً للطلبة بكيفية استخراج المعقول من المنقول وتدريباً لهم في اقتناص الفروع من الأصول ، لكنّه غير مرتّب ترتيباً يحصله كلّ طالب وينتهز فرصته كلّ راغب ، فصرفت عنان العزم إلى ترتيبه وتهذيبه وتقريبه»(2).
المطلب الثاني ـ ابن النجّار :
هو جمال الدين أحمد ، لقد تأثّر هذاالتلميذ بأستاذه فعمد إلى جمع تحقيقات شيخه الشهيد الأوّل ونظرياته في الفقه بكتاب (حاشية على قواعد العلاّمة).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمّد بن مكّي العاملي (الشهيد الأوّل) : القواعد والفوائد ـ تحقيق الدكتور عبد الهادي الحكيم : 22.
(2) زهير الأعرجي : تاريخ النظرية الفقهية في المدرسة الإمامية/ مقال في دورية تراثنا ص 147 ، نقلا عن كتاب (نضد القواعد الفقهية).

المبحث الرابع
ثأثّر الشهيد الثاني بالشهيد الأوّل
المطلب الأوّل ـ دراسة في كتابه الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية :
يعدّ الشهيد الثاني من أبرز فقهاء المدرسة الإمامية في القرن العاشر الهجري والتي كان من أعلامها أيضاً المحقّق الكركي والمقدّس الأردبيلي ، وأمّا كتابه الروضة فهو شرح مزجي استدلالي مختصر خَطا فيه الشهيد الثاني خُطى الشهيد الأوّل في الاختصار والشمول ، حيث التزم باختصار العبارة وقوّتها وسلاستها مع حسن التعبير والإشارة في أكثر الأحيان إلى الدليل وبعض الآراء الفقهية التي لها أهمّيتها ، ومناقشة اجتهادات الشهيد الأوّل وإبداء ما توصّل إليه اجتهاده في المسائل الفقهية ، ولذا أصبحت له مكانة مرموقة بين الكتب الفقهية فأقبل على دراسته والاعتناء بشأنه العلماء منذ تأليفه فشرحوه وعلّقوا عليه ، وأمّا منهجيّتها فقد وصفها الشهيد الثاني بنفسه قائلا :
«هذه تعليقة لطيفة وفوائد خفيفة ، أضفتها إلى المختصر الشريف والمؤلّف المنيف المشتمل على أمّهات المطالب الشرعية الموسوم باللّمعة ، جعلتها جارية لها مجرى الشرح الفاتح لمغلقه والمقيّد لمطلقه والمتمّم

لفوائده والمهذّب لقواعده»(1).
ارتفعت الروضة عن الفتوى إلى شيء من الاستدلال على الأحكام ، فهي فوق سرد الفتوى ودون التبسّط في الدليل والاستدلال ، وهو بالنسبة إلى كتب الشيعة المبسّطة في الاستدلال والتشقيق العلمي والتفريع أقلّ من مختصر ، وفي هذا الكتاب تخطيط إجمالي من مخطّط عام من فقه الشيعة الإمامية ، وفيه من التعابير العلمية ممّا يضيق به أفهام الكثيرين الذين لم يألفوا الكتب الاستدلالية ، وكشاهد على ذلك باب (المواريث).
وشارح اللّمعة رضی‌الله‌عنه أدرج أسماء من أعلام الشيعة في مواضع من الكتاب في المسائل الخلافية أمثال : الصدوق والمفيد والمرتضى والشيخ وابن إدريس والطبرسي وابن جنيد وسالار والمحقّق والعلاّمة وابنه وابن طاووس وغيرهم كثير ممّن ذكر أسماءهم كموافقين له أو مخالفين في المسائل الخلافية ، وقد اعترض بعبارات حادّة على ابن الجنيد وكذلك على ابن إدريس(2).
والروضة تسير على طريق استخدام قوّة التعبير والإشارة إلى الدليل وعرض الآراء الفقهية ثمّ نقد آراء الشهيد الأوّل وإظهار رأي الشارح.
ومن المفيد أن نعرض نموذجاً بقلمه حيث يذكر وجوب التيمّم بالتراب الطاهر والحجر :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة البهية 1 / 5.
(2) الروضة البهية 1 / ح ، نفس المصدر : كتاب الدين : 343 ، وكذلك كتاب الحجر : 391.

«يجب التيمّم بالتراب الطاهر والحجر لأنّه من جملة الأرض إجماعاً والصعيد المأمور به وجهها ولأنّه تراب اكتسب رطوبة لزجة وعملت فيه الحرارة فأفادته استمساكاً ولا فرق بين أنواعه من رخام وبرام وغيرهما خلافاً للشيخ الطوسي حيث اشترط في جواز استعماله فقد التراب أمّا المنع منه مطلقاً فلا قائل به ومن جوازه بالحجر يستفاد جوازه بالخزف بطريق أولى لعدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض وإن خرج عن اسم التراب كما لم يخرج الحجر مع أنّه أقوى استمساكاً منه خلافاً للمحقّق في المعتبر محتجّاً بخروجه مع اعترافه بجواز السجود عليه وما يخرج عنها بالاستحالة يمنع من السجود عليه وإن كان دائرة السجود أوسع بالنسبة إلى غيره»(1).
ونستلهم من هذا النصّ طبيعة المنهج الذي سلكه الشهيد الثاني في الروضة ومنها :
أوّلاً ـ الاستدلال بالنصّ على جواز التيمّم بالحجر حيث ذكر النصّ القرآني (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(2) مستدلاًّ على أنّ الصعيد وجه الأرض.
ثانياً ـ الاستدلال بالعقل : مشيراً إلى أنّه تراب اكتسب رطوبة لزجة وعملت فيه الحرارة فأفادته استمساكاً.
ثالثاً ـ الاستدلال بالإجماع : فقد استدلّ بالإجماع على أنّه من جملة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة البهية 1 / ح ، تراثنا : مجلّة فصلية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث في قم المقدّسة العدد الأوّل والثاني 85 و86 السنة الثانية والعشرون 1427 هجري محرّم / جمادى الآخرة. مقال للباحث زهير الأعرجي.
(2) النساء : 43.

الأرض.
رابعاً ـ التعدّي عن مورد النصّ من جواز التيمّم بالحجر إلى جواز التيمّم بالخزف لعدم خروج الخزف بالطبخ عن اسم الأرض وإن خرج عن اسم التراب.
خامساً : ناقش رأي المحقّق الحلّي الذي يقول بخروج الخزف من الأرض وعدم صدقها عليه بسبب الطبخ فتساءل الشهيد الثاني كيف يخرج المحقّق الخزف من عنوان الأرض في الوقت الذي يجوّز فيه السجود على الأرض فإنّ ما يخرج عن الأرض في الاستحالة يمنع من السجود عليه.
المطلب الثاني ـ تصنيفه في القواعد الفقهية(1) :
تطرّقنا في بحثنا هذا في ما سلف إلى القواعد الفقهية ومنهجيّة الشهيد الأوّل في هذا المجال وقد اقتفى أثره الشهيد الثاني حيث صنّف (تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع فوائد الأحكام الشرعية) وهو مطبوع.
ينقسم هذا الكتاب إلى قسمين :
ـ القسم الأوّل ـ القواعد الأصولية : ويتضمّن مئة قاعدة وما يتفرّع عنها من أحكام.
ـ القسم الثاني ـ القواعد العربية : ويتضمّن مئة قاعدة من القواعد العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القواعد والفوائد ، القسم الأوّل : 17 ، تقديم الروضة البهية 1 / 278.

المطلب الثالث ـ شروحاته لتصانيف الشهيد الأوّل :
أوّلاً ـ شرح الألفية : وقد شرحها ثلاثاً الشرح الكبير والوسيط والصغير.
ثانياً ـ شرح النفلية : شرح مزجيٌّ مختصر يذكر إسمه (الفوائد الملية في شرح النفلية) وتشتمل النفلية على ثلاثة آلاف نافلة من مستحبّات الصلاة أحصاها الشهيد الأوّل كما ذكرها ـ أي النفلية ـ في إجازته لابن الخازن(1).
المطلب الرابع : شرحه لـ : (شرائع الإسلام) :
القاسم المشترك الأعظم بين الشهيدين هو المحقّق الحلّي وقد لاحظنا مدى تأثير المحقّق في كلٍّ منهما من خلال خطّهما الفكري ونظريّتهما الفقهية.
يعدّ الشهيد الثاني آخر دور (الاستقلال والتكامل) في الفقه الإمامي الإسلامي الذي يبدأه المحقّق الحلّي في منتصف القرن السابع الهجري ويستمرّ هذا الدور حتّى نهاية القرن العاشر الهجري (زمن الشهيد الثاني) وهذا التقسيم والتصنيف بحسب بعض مؤرّخي الفقه الإسلامي(2).
الشهيد الثاني قام بشرح كتاب شرائع الإسلام للمحقّق شرحاً مزجيّاً أسماه مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام وقد أراد الشهيد الثاني أن يكون مختصراً وهذا ما نهجه في بدايات الكتاب غير أنّه أخذ يطيل فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.
(2) موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت : 83.

ويتوسّع حتّى غدا مجلّدين بالطبعة الحجرية(1).
المطلب الخامس ـ فقه الوفاقيات :
على مائدة اللّمعة الدمشقية اجتمع الشهيدان (المصنّف والشارح) رضي الله عنهما ، وفي اللّمعة من فقه الوفاق شيء كثير ، ومن مفارقات الدهر إنّ الشهيدين كانا برغم ذلك ضحية التعصّب الطائفي المقيت والسياسة الإقصائية البلهاء.
لم يكن الوفاق عندهما مرتجلا أو عاطفة أو حديثاً عابراً وإنّما هو نظرية لها مرتكزاتها ومواضعاتها وقد سلك الشهيدان في ذلك طريق ذات الشوكة حيث :
1 ـ هجراتهما ورحلاتهما المتكرّرة إلى الحواضر الإسلامية كافّة.
2 ـ تتلمذهما على شيوخ المذاهب وأقطاب المدارس الفقهية الإسلامية.
3 ـ إجازاتهما ـ نتيجة لجهودهما وجهادهما ـ من قبل الفقهاء والمحدّثين المسلمين.
4 ـ منهجية (المقارنة) وهي أرقى وأروع ما بلغه الفقه الإمامي من تنظير وتطبيق ومن دراسة وممارسة.
5 ـ تدريسهما وافتائهما وفق المذاهب الخمسة وهذا منتهى التجدّد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في مكتبتي الخاصّة في النجف الأشرف.

والتغيير ، لأنّ رواية إغلاق باب الاجتهاد المشهورة عن السنّة إنّما هي قضية الاقتصار على المذاهب الأربعة(1).
فمن الإرهاصات الحداثوية والرؤى العصرية لمنظومة (الاجتهاد) ، الدعوة إلى الاجتهاد الإسلامي المطلق وليس الاجتهاد المذهبي المقيّد وهذه الأطروحة جسّدها واقعاً الشهيد الثاني بموضوعية في بعلبك حينما كان يدرّس الفقه على المذاهب الخمسة.
إنّ مشروع (الفقه المقارن) يعدّ اليوم من أولويّات مشاريع التوحّد والتقارب المذهبي. ونحن اليوم في مسيس الاحتياج إلى الاجتهاد الإسلامي المطلق وذلك ماشخّصه الشهيدان.
لقد أورث العامليّان الشهيدان نزعتهما الإيجابية التقريبية ورؤاهما الوحدوية إلى مَن خلفهم من رموز المدرسة العاملية وإلى زماننا المعاصر نظراء : السيّد الأمين ، السيّد عبد الحسين شرف الدين ، السيّد موسى الصدر والشيخ عبد الله السبيتي وغيرهم(2).
الخلاصة والنتائج
في مختتم هذه الجولة المباركة في رحاب الشهيدين أثراً والفقه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) محمّد مهدي شمس الدين وآخرون : الاجتهاد والحياة ص 14 مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، مطبعة فروردين ط 2 / 1997.
(2) إنّ ذلك يكمن في مواكبتنا ومعايشتنا للأحداث المعاصرة.

الإسلامي درساً والتأثير علاقة ، ينبغي أن ندوّن للبحث خاتمة وللمواضيع نتيجة :
1 ـ (جبل العلماء) جبل عاملة موئل الشهيدين ومنطلق رسالتهما ، كان حاضرة فقهية حتّى أنّه صلّى على جنازة (ستّ المشائخ) كريمة الشهيد الأوّل سبعون مجتهداً.
2 ـ الشهيدان : انعطافة استثنائية في تاريخ الفقه الإسلامي وهما آخر دور عصر (الإستقلال والتكامل) فقهيّاً.
3 ـ عصرهما عصر احتلال ومقاومة احتلال فمن حملات التتر إلى الحروب الصليبية إلى المماليك حتّى الاحتلال العثماني وأمّا الحياة الاجتماعية والاقتصادية فهي مجرّد كوارث.
4 ـ رصد البحث قواسم مشتركة عديدة بين الشهيدين.
5 ـ استدرك البحث على هنات المؤرّخين وفوات المترجمين لسيرتهما.
6 ـ الهجرات العلمية والرحلات الفكرية كانتا سمة أساسية من سمات النشأة الفقهية لهذين الفقيهين الخالدين.
7 ـ المدرسة الحلّية الفقهية تبلورت في مرحلة انتقالية نتيجة لعوامل معينة انتقلت خلالها المؤسّسة الدينية والمرجعية من النجف الأشرف إلى الحلّة التي أضحت بعد ذلك موطناً علميّاً للشهيد الأوّل.
8 ـ تنوّعت مصادر دراستهما في الحواضر الإسلامية كافّة فمن

مواطنهم : جزين وجبع إلى الحلّة وبغداد وبيت المقدس ومقام إبراهيم عليه‌السلام إلى مصر ومكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وحتّى القسطنطينية.
9 ـ تشكيل البعد الموسوعي في الشخصية المعرفية لهما مع غزارة النتاجات العلمية فلم تقتصر تلك على العلوم الإسلامية والأدبية حسب وإنّما تخطّت إلى العلوم الصرفة : الطبّ ، الجبر ، الهندسة ، الفلك.
10 ـ الشهيدان : من السبّاقين القلائل والمبادرين الأوائل في التلقّي عن مشيخة المذاهب الإسلامية وأقطاب مدارسها العلمية والفقهية بحيث نصّ الشهيد الأوّل : (أروي عن نحو أربعين شيخاً منهم).
11 ـ ارتأى البحث إنّ آثار الشهيد الأوّل تتجلّى في :
أ ـ تلامذته : وهم كثيرون بلغوا اثنين وثلاثين عالماً كبيراً يشكّلون مدرسته الفقهية السيّارة.
ب ـ نتاجاته ومصنّفاته : لقد أحصاها البحث فكانت ثلاثين مابين كتاب أو رسالة أو أجوبة لمسائل وتتباين مابين تخصّصية فقهية وإسلامية عامّة.
ج ـ إجازاته : وهي متميّزة كمّاً وكيفاً ولا سيّما من أقطاب المذاهب الأخرى استجازهم فأجازوه وأثنوا عليه ثناءً عاطراً.
12 ـ آثار الشهيد الثاني متعدّدة الجوانب وواسعة الأطياف منها :
أ ـ طلبته والراوون عنه وهم أكثر من أن يحصون غير أنّا ذكرنا منهم بحكم اطّلاعنا المتواضع.
ب ـ مؤلّفاته ومصنّفاته وقد عدّها البحث فكانت ستّاً وستّين كتاباً.

ج ـ إجازاته : سواء المتحصّلة من شيوخه وأساتيذه ولا سيّما في مصر أو إجازاته الممنوحة من قبله إلى طلاّبه.
13 ـ المرجعية (الجهاز) تبلورت على يد الشهيد الأوّل في واحدة من انفراداته الجريئة محدثة نقلة نوعية في كيان المؤسّسة الدينية الشيعية.
14 ـ تصدّي الشهيد الأوّل للأفكار المبتدعة والحركات الداخلية الهدّامة والضلالات الشاذّة مثل فتنة (اليالوش).
15 ـ الفقه السياسي : تنظيراً وتطبيقاً ، دراسة وممارسة منجز عندهما وهو من البواعث المؤكّدة على اغتيالهما الاغتيال السياسي ، المذهبي ، الفكري.
16 ـ تجسيداً للخطاب الإسلامي مع الآخر نحو (الكلمة السواء) فقد انفتح الشهيدان على كلّ الوجودات الدينية ، السياسية ، الاجتماعية والعلمية وفي مختلف البلدان الإسلامية مؤكّدين بذلك مرتكزات (التقريب) ودعائم (التوحيد).
17 ـ (المقارنة) كمنهجية علمية تألّقت كإرهاصات حداثة وتجديد لآثارهما حتّى أنّ الشهيد الأوّل في توصيف القواعد والفوائد يذكر : (أنّه لم يعمل الأصحاب مثله).
18 ـ الأثر والتأثير : مادّة البحث وصلب الدراسة ، كان ثنائية تفاعلية تجلّت في :
أ ـ تأثّر الشهيد الأوّل بأساتذته الحلّيّين من فقهاء المدرسة العتيدة

نظراء : فخر المحقّقين والسيّدين العميديّين وقطب الدين الرازي وابن معية وبالتالي تأثّره بأساتذة هؤلاء أمثال : المحقّق والعلاّمة.
ب ـ تأثير الشهيد الأوّل في تلامذته : المجتهدة كريمته (ستّ المشائخ) ، ابن الخازن ، ابن نجدة ، المقداد السيوري ، ابن النجّار وذلك على سبيل الاستشهاد لا التعداد.
ج ـ تأثّر الشهيد الثاني بالشهيد الأوّل : اتّضح من خلال رحلاته المتكرّرة ودعوته إلى التقريب والتوحيد وسلوكه منهجية (المقارنة) إضافة إلى شروحاته وتعليقاته على مصنّفات الشهيد الأوّل كما ويتّضح هذا الاعتبار من تأثير المدرسة الحلّية والشواهد عديدة : الروضة البهية ، تمهيد القواعد ، مسالك الأفهام.
د ـ تأثير الشهيد الثاني في طلبته : وهم بذلك قد أَثْرَوا المكتبة العربية والإسلامية ومنهم على سبيل الاستطلاع : الشيخ حسين عبد الصمد (والد شيخنا البهائي) ، ابن العودي ، السيّد جمال الدين الموسوي (من أجداد آل الصدر).
19 ـ على مائدة اللمعة التقى الشهيدان (المصنّف والشارح) فكانت أروع نتاج فقهيٍّ منهجية وأُسلوباً وتبويباً خلّدت مع تعاقب الأيّام كمقرّر دراسي في الحوزات والمعاهد الإسلامية الإمامية.
20 ـ (فقه الوفاق) فقه الشهيدين ، جعل من الشهيدين العامليّين من أبرز دعاة التوحيد وروّاد التقريب.

21 ـ (الاجتهاد الإسلامي المطلق) من شواخصه المثلى : الشهيدان العامليّان وليس (الاجتهاد المذهبي المقيّد) كما نراه اليوم عند المذاهب الإسلامية.
22 ـ مأساة الشهيدين في كيفية اعتقالهما وآلية اغتيالهما من المفارقات المؤلمة والشجيّة فقد راحا ضحية التعصّب الطائفي المقيت والسياسة المذهبية العمياء والحكم التسلّطي الأُحادي.
آملين السير على طريقهما المبارك (طريق ذات الشوكة) ومنه
سبحانه وتعالى نستمدّ الاعتصام والحمد لله في المطلع والختام
والله خير موفّق ومعين

المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ الاجتهاد والحياة : مجموعة مؤلّفين / مركز الغدير للدراسات الإسلامية / مطبعة فروردين 1997م.
3 ـ أمل الآمل : الشيخ محمّد بن الحسن بن عليّ (الحر العاملي) تح : أحمد الحسيني / مطبعة الآداب النجف الأشرف / ط1.
4 ـ بيروت ودورها الجهادي من الفتح الإسلامي حتّى نهاية العهد العثماني : د. حنان قرقوتي / دار الكتب العلمية / بيروت 2003 م.
5 ـ تاريخ جبل عامل : محمّد جابر آل صفا ـ دار النهار للنشر ـ بيروت ـ ط 2.
6 ـ تراثنا : دورية تصدرها مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم المقدّسة / العدد الأوّل والثاني السنة الثانية والعشرين 1427 محرّم ـ جمادى الآخرة.
7 ـ جهود الشيخ المفيد الفقهية ومصادر استنباطه : صاحب محمّد حسين نصّار / إصدارات مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزة علمية قم / قسم الفقه والحقوق.
8 ـ خطط جبل عامل : السيّد محسن الأمين/ الدار العالمية بيروت 1983.
9 ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية : حسن الأمين / دار التعارف بيروت.
10 ـ روضات الجنّات (ج7) : الميرزا محمّد باقر الخوانساري /طبعة قم 1392 هـ.
11 ـ الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية : زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) ، إصدارات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة / نشر : مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزة علمية قم.
12 ـ الروضة البهية في شرح اللّمعة الدمشقية : زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) ، منشورات جامعة النجف الدينية / ط1/1386.
13 ـ سمط النجوم العوالي : عبد الملك بن حسين العصامي المكّي / ج3.
14 ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام : المحقّق الحلّي / تقديم السيّد محمّد تقي الحكيم / طبعة محقّقة أولى مطبعة الآداب النجف الأشرف 1969 م.
15 ـ الشهيد الأوّل فقيه السربداران : محمّد حسين الأماني/ ترجمة : كمال السيّد / مطبعة صدر ـ قم / الناشر مؤسّسة أنصاريان 1415 هـ ـ 1995 م.
16 ـ القواعد والفوائد (مجلّدان) : محمّد بن مكّي العاملي (الشهيد الأوّل) /تح : د. السيّد عبد الهادي الحكيم / مطبعة الآداب النجف الأشرف 1980 م.
17 ـ مجلّة دراسات وبحوث : جماعة العلماء المجاهدين في العراق /العدد 2 السنة الأولى صفر 1402 هـ ـ كانون الأوّل 1981م.
18 ـ المحنة : الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر / تسجيلات بصوته الشريف 1979م.
19 ـ محنتنا على لسان الشهيد الصدر : الشيخ هادي الخزرجي/ مطبعة قم ط1 / رجب 1418 هـ.
20 ـ (المرجعية والأمّة ، العلاقات المتبادلة) : د. نوري الساعدي / نشر جامعة الأمام الصادق عليه‌السلام بغداد 20006 م.
21 ـ مدرسة النجف وأبعادها العلمية والفكرية : وليد عبد الحميد الأسدي / رسالة دكتوراه من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي بغداد 2002 م.
22 ـ مقالات المؤتمر العالمي لتكريم الإمام عبد الحسين شرف الدين (ج1 ، ج2) : منشورات الأمانة العامّة لمؤتمر تكريم الإمام شرف الدين / قم 2005.
23 ـ المقنعة في الفقه : الشيخ محمّد بن محمّد النعمان (الشيخ المفيد) / مخطوطة مصوّرة في مكتبتي الخاصّة بالنجف الأشرف.
24 ـ موسوعة الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر : مركز الإمام موسى الصدر للدراسات / بيروت.
25 ـ موسوعة (محمّد باقر الصدر : السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق) : أحمد عبد الله أبو زيد العاملي / دار العارف للمطبوعات 2007/ بيروت.
26 ـ موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت : عليهم‌السلام مؤسّسة معارف الفقه الإسلامي / الناشر مؤسّسة دار المعارف 2002 م.
27 ـ نهج البلاغة : جمع الشريف الرضي / شرح أبن أبي الحديد المعتزلي / دار إحياء التراث العربي.
28 ـ نهج البلاغة : اعداد مكتبة الروضة الحيدرية الناشر : العتبة العلوية 2010 م.
29 ـ الكافي (الأُصول) : محمّد بن يعقوب الكليني (ت 328) ط6/ 1375ش دار الكتب الإسلامية.
30 ـ مسالك الافهام في شرح شرائع الإسلام : زين الدين الجبعي العاملي (الشهيد الثاني) ، طبعة حجريّة في مكتبتي الخاصة بالنجف الأشرف.



المصدر: السيّد عليّ محمود البعّاج - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
733
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :