معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تاريخ الحوزات العلميّة والمدارس الدينيّة عند الشيعة الإماميّة (الحوزة العلميّة في كربلاء) ..

تاريخ الحوزات العلميّة والمدارس الدينيّة عند الشيعة الإماميّة (الحوزة العلميّة في كربلاء)

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأوّل
مدينة كربلاء
المبحث الأوّل :
نشأة المدينة ومكانتها وقدسيتها :
لقد كانت أرض كربلاء ، وقبل أن تتحوّل إلى مدينة من المدن الإسلامية ، معروفة كبعض الأماكن التي كانت تُعرف قبل تمصيرها ، فقد ورد إسمها ـ كما يقول الباحثون ـ قبل الفتح العربي للعراق ، وقبل سكنى العرب هناك ، وقد ذكرها بعض العرب الذين رافقوا خالد بن الوليد ... في غزوته لغربي العراق سنة (12 هـ) ، قال ياقوت الحموي : «ونزل خالد عند فتحه

الحيرة كربلاء ...»(1).
ومن أقدم الشعر الذي ذكرت فيه كربلاء قول معن بن أوس المزني ، من مخضرمي الجاهلية والإسلام ... وذكر ياقوت هذا الشعر في مادّة (النوائح) من معجمه للبلدان ، وذكره قبله أبو الفرج الإصفهاني في ترجمة معن من الأغاني ، وقال ضمن قصيدة له :

إذا هي حَلَّتْ كربلاء فلعلَعاً
 

 

فَجوزَ العُذيبِ دونها فالنَّوائحا
 

وبانت نواها من نواك وطاوعت
 

 

مع الشانئين الشانئات الكواشحا(2)
 

وممّا يدلّ على قدم كربلاء أيضاً ووجودها قبل الفتح الإسلامي ، ما ذكره الخطيب البغدادي بسنده إلى أبي سعيد التيمي قال : «أقبلنا مع عليٍّ عليه‌السلام من صفّين فنزلنا كربلاء ، فلمّا انتصف النهار عطش القوم» وروى بسنده عنه أيضاً : «أقبلت من الأنبار مع عليّ نريد الكوفة ، وعليّ في الناس ، .. فقال الناس : يا أمير المؤمنين إنّا نخاف العطش ، فقال : إنّ الله سيسقيكم ، وراهب قريب منّا ، فجاء عليٌّ إلى مكانه فقال : احفروا هاهنا فحفرنا ، وكنت فيمن حفر ، حتّى نزلنا فعرض لنا حجر ، فقال عليّ : ارفعوا هذا الحجر ، فأعانونا عليه حتّى رفعناه ، فإذا عين باردة طيّبة ، فشربنا ثمّ سرنا ليلاً أو نحو ذلك ، فعطشنا ، فقال بعض القوم : لو رجعنا فشربنا. فرجع ناسٌ وكنت فيمن رجع ، فالتمسناها فلم نقدر عليها ، فأتينا الراهب فقلنا : أين العين التي هاهنا؟ قال :
__________________
(1) معجم البلدان مادّة كربلاء : المجلّد الرابع ، الجزء السابع : 125 / 126.
(2) الأغاني : 12 / 80 ، معجم البلدان : 8 / 404.

أيّة عين؟ فقلنا : التي شربنا منها واستقينا ، والتمسناها فلم نقدر عليها. فقال الراهب : لا يستخرجها إلاّ نبيّ أو وصيّ»(1).
ويعلّق الدكتور مصطفى جواد على هذا الحديث بقوله : «والمهم من هذا الحديث أنّ الإمام عليّاً عليه‌السلام مرّ بكربلاء ولجّج في الصحراء قبل سنة أربعين الهجرية ، ولم يذكر أحد من المؤرّخين إنشاء مدينة باسم كربلاء في أثناء تلك السنين الأربعين ...»(2).
وأمّا معنى كربلاء : فقد اختلفت كلمات اللغويّين في تحديد معناها لغويّاً.
فبينما يقول ابن فارس في المعجم : «كرب : الكاف والراء والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على شدَّة وقوّة ، يقال : مَفاصل مُكرَبَة ، أي شديدة قوية ، وأصله الكرب ، وهو عقد غليظ في رشاء الدَّلو ، يجعل طرفُه في عَرقوة الدَّلو ثمّ يُشدّ ثنايته رباطاً وثيقاً ، يقال منه اكربتُ الدَّلو ؛ ومن ذلك قول الحطيئة :

قومٌ إذا عَقدوا عَقداً لجارِهم
 

 

شدُّوا العِناج وشدّوا فوقه الكَربا»(3)
 

يقول ياقوت الحموي : «وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن عليٍّ رضي‌الله‌عنه ، في طرف البريّة عند الكوفة ، فأمّا اشتقاقه ، فالكربلة رخاوة في القدمين ، يقال :
__________________
(1) تاريخ بغداد : 12 / 305 ـ 306.
(2) كربلاء قديماً ، ضمن بحوث كتاب موسوعة العتبات المقدّسة ، قسم كربلاء : 8 / 17.
(3) معجم المقاييس في اللغة : مادّة كرب : 5 / 174 ـ 175.

جاء يمشي مُكربلاً ، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة ، فسمّيت بذلك ، ويقال : كربَلتُ الحنطة إذا هذّبتها ونقّيتها ... فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقّاة من الحصى والدخل فسمّيت بذلك ...»(1).
وذكر الفيروزآبادي في القاموس ، وابن منظور في اللسان ، معاني متعدّدة لكلمة (كرب) منها : «الحُزنُ والغَمُّ الذي يأخذُ بالنَّفس ، وجمعه كُرُوب. وكرَبَهُ الغَمُّ فاكترب ، فهو مكروبٌ وكريب ...»(2) ، وقد يؤيّد هذا المعنى بعض الروايات المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام.
فقد روي أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام حينما وصل إلى كربلاء ... سأل : «فما اسمُ هذه الأرض التي نحن فيها؟ قالوا : كربلاء ، فقال : أرض كرب وبلاء» ، وفي رواية الخوارزمي : «... فدمعت عينا الحسين عليه‌السلام حين ذكر كربلاء ، وقال : اللّهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء»(3).
ولبعض الباحثين رأي في اشتقاق كلمة كربلاء ، فذكر السيّد هبة الدين الشهرستاني أنّ (كربلاء) منحوتة من كلمتي (كُوَر بابل) بمعنى قرى بابلية(4).
وقال الأديب اللغوي انستاس الكرملي : «والذي نتذكّره فيما قرأناه في بعض كتب الباحثين أنّ كربلاء منحوتة من كلمتين ، من (كرب) و (إل) أي
__________________
(1) معجم البلدان ، مادّة كربلاء المجلّد الرابع ؛ الجزء السابع : 125.
(2) أنظر : القاموس المحيط ، لسان العرب : مادّة كرب : 12 / 60.
(3) مقتل الحسين : 1 / 234.
(4) نهضة الحسين : 6.

حرم الله ، أو مقدّس الله»(1).
ومهما يكن من أمر في معنى أو معاني كلمة (كربلاء) ، فإنّ بعض الجغرافيّين قد حسبها قرية من القرى القديمة وناحية من نواحي نينوى. قال ياقوت في المعجم : «نِينوى بكسر أوّله وسكون ثانيه ، وفتح النون والواو بوزن طِيْطَوى ... وبسواد الكوفة ، ناحية يقال لها نينوى ، منها كربلاء التي قُتِل بها الحسين رضي‌الله‌عنه»(2).
ويقول أحد الباحثين في تاريخ كربلاء : «ولهذه البقعة ... أسماء مختلفة كما يحدّثنا التاريخ ، وكانت تطلق عليها هذه الأسماء دون أيّ فرق أو تمييز ، فكان يطلق عليها اسم : (الغاضرية ، ونينوى ، ومارية ، وعمورا ، والنواويس ، وشطِّ الفرات ، وشاطئ الفرات ، والطفِّ ، وطفّ الفرات ، والحائر ، والحَير ، ومشهد الحسين ، وكربلاء) ولم يكن الاسم الأخير غير أحد تلك الأسماء المختلفة الكثيرة .. ، فتغلّب بمرور الزمن على غيره من الأسماء شيوعاً وانتشاراً في العرف والتاريخ حتّى أصبح الآن هو الوريث الوحيد لها ، فصارت لا تعرف اليوم هذه البقعة إلاّ بهذا الاسم ...»(3).
ومن الواضح في هذه الألفاظ التي ذكرت لهذه البقعة من الأرض بعضها أسماء وبعضها الآخر صفات.
__________________
(1) مجلّة لغة العرب : 5 / 178 لسنة 1927 م.
(2) معجم البلدان ، مادّة نينوى ، المجلّد الرابع ، الجزء الثامن : 429.
(3) تاريخ كربلاء وحائر الحسين عليه‌السلام : 25.

وقد ذكر بعض الباحثين معاني هذه الألفاظ يمكن مراجعتها في مظانّها(1).
كربلاء : الأرض المقدّسة :
لم تكن أرض كربلاء سوى صحراء قاحلة ، وبقعة جرداء ، معروفة عند أهلها بأسماء أو أوصاف متعدّدة ، ولم تكن لها خصوصيّة تذكر.
إلاّ أنّ هذه الأرض قد اقترنت بأعظم حادث وقع في دنيا الإسلام ، وأعظم رزية صَغُرت دونها الرزايا ، وأجلّ مصيبة ومأساة هانت دونها كلّ المصائب والمآسي في تاريخ الإسلام ، بل وفي تاريخ البشرية ؛ على طول تاريخها المديد ؛ إنّها مأساة الإمام الحسين عليه‌السلام في قصّة استشهاده والكرام البررة من أهل بيته وصحبه ؛ حيث امتزجت تلك الدماء الطاهرة بأرض كربلاء ورمالها ؛ فاكسبتها قدسية وخلودا لا يزول مع تمادي الزمن ، وكرّ الدهور والأيّام.
يقول الكاتب المصري الكبير عبّاس محمود العقّاد في كتابه أبو الشهداء عن أرض كربلاء : «لو أعطيت حقّها من التنويه والتخليد لَحقَّ لها أن تصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة ، وحظّاً من الفضيلة لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب
__________________
(1) المرجع نفسه : 26 وما بعدها ، وموسوعة العتبات المقدّسة : 8 / 18 وما بعدها.

أسمى والزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترن باسم كربلاء بعد مصرع الحسين فيها ، فكلّ صفة من تلك الصفات العِلوية التي بها الإنسان إنسان ، وبغيرها لا يحسب غير ضرب من الحيوان السائم ، فهي مقرونة في الذاكرة بأيّام الحسين رضي‌الله‌عنهفي تلك البقعة الجرداء»(1).
لقد اقترنت هذه الأرض ، بأسمى المعاني الوجدانية في ضمير الإنسان المسلم ، إذ أضحت ترمز إلى التضحية في سبيل الحقّ والدين ، بل وفي سبيل الإنسانية جميعاً ، فأصبح الإنسان المسلم ، بل وحتّى غير المسلم يستلهم منها دروس العزّة والإباء والتحرّر والانعتاق من نير الخضوع والخنوع والعبودية والإذلال :

«فيا كربلا ؛ كهف الإباء مجسماً
 

 

ويا كربلا ؛ كهف البطولة والعلا
 

ويا كربلا ؛ قد حزت نفساً نبيلة
 

 

وصيّرت بعد اليوم رمزاً إلى السما
 

ويا كربلا ؛ قد صرت قبلة كلِّ ذي
 

 

نفس تصاغر دون مبدئها الدّنا
 

ويا كربلا ؛ قد حزت مجداً مؤثّلاً
 

 

وحزت فخاراً ينقضي دونه المدى»(2)
 

كربلاء في الحديث :
لقد اقترن استشهاد الإمام الحسين عليه‌السلام بأرض كربلاء ، ولهذا نجد هذا
__________________
(1) أبو الشهداء : 154.
(2) (سموّ المعنى في سموّ الذات) أو أشعّة من حياة الحسين عليه‌السلام : 126 ـ 127.

الاقتران بين كربلاء ومصرع الإمام الحسين عليه‌السلام في الأحاديث المروية بشكل واسع ، وشغلت مساحة كبيرة من موسوعات الحديث ، ولا يمكن استيعابها تحت العنوان الذي ذكرناه.
يقول الدكتور حسين علي محفوظ : «الأحاديث في فضل كربلاء ، وتربتها ، وزيارة قبر سيّد الشهداء الحسين عليه‌السلام كثيرة جدّاً ، تضيق بها الكتب الكبيرة ...»(1).
وفيما يلي بعض الأحاديث عن كربلاء وقدسيّتها ومكانتها :
1 ـ عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام : «موضع قبر الحسين بن عليٍّ (صلوات الله عليهما) ـ منذ يوم دفن فيه ـ روضة من رياض الجنّة»(2).
2 ـ وعنه أيضاً : «موضع قبر الحسين تُرعة من ترع الجنّة»(3).
3 ـ وقال أبو عبد الله الصادق عليه‌السلام : «شاطئ الوادي الأيمن ؛ الذي ذكره الله ـ تعالى ـ في القرآن(4) ، والبقعة المباركة ، هي كربلاء»(5).
4 ـ وعن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام «خلق الله ـ تبارك وتعالى ـ أرض كربلاء ... وقدّسها وبارك عليها ، فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدّسة مباركة ، ولا تزال كذلك ، حتّى يجعلها الله أفضل أرض في الجنّة وأفضل
__________________
(1) كربلاء في المراجع العربية ضمن موسوعة العتبات.
(2) بحار الأنوار : 22 / 140 ـ 141.
(3) المصدر نفسه : 22 / 140.
(4) القصص : 30.
(5) أنظر : وسائل الشيعة : 3 / 389.

منزل ومسكن ، يُسكن الله فيه أولياءه في الجنّة»(1).
5 ـ وعن أبي الحسن علي بن محمّد (الهادي) عليه‌السلام قال : «... إنّ للّه ـ تبارك وتعالى ـ بقاعاً يحبّ أن يُدعى فيها ، فيستجيب لمن دعاه ، (والحيرُ) منها»(2).
المبحث الثاني :
العوامل التي ساعدت على تمصير كربلاء وتوسعتها :
لقد اجتمعت عوامل كثيرة جعلت من أرض كربلاء المجرّدة القاحلة وغير الآهلة ، منطقة آهلة بالسكّان والعمران ومزدحمة ـ وعلى طول العام ـ بعشرات الوافدين إليها.
ومن هذه العوامل بنحو الإجمال :
أوّلاً : رمزية كربلاء :
لقد أصبحت كربلاء وفي أعقاب مقتل الإمام الحسين بن عليّ وصحبه وأهل بيته عليهم‌السلام ، ومدفنهم فيها ، عام واحد وستّين للهجرة ، ترمز إلى أسمى معاني الإباء ، والكرامة ، والعزّة ، والإيثار ، والفضيلة ، والشجاعة ... وغير ذلك من المعاني الإنسانية والتي يتطلّع إليها كلّ إنسان يبتغي الحياة الحرّة الكريمة.
__________________
(1) بحار الأنوار : 22 / 140.
(2) المصدر نفسه : 22 / 141.

ثانياً : روحانية وعاطفية المكان :
ولحرم الإمام الحسين عليه‌السلام وللبقعة التي تضمّنت ذلك الجسد الطاهر ، وأُولئك الصفوة من الشهداء رضوان الله عليهم ، روحانية وعاطفية جيّاشة يستشعرها الإنسان في أوّل خطوة يخطوها نحو الحرم.
ثالثا : جاذبية المكان :
ولأرض كربلاء ، ولحرم الإمام الشهيد الحسين بن عليّ عليه‌السلام جاذبية روحية عجيبة ، يستشعرها الإنسان المؤمن في أعماق أعماق نفسه ، فينجذب بقوّة نحو تلك البقعة المباركة ، انجذاب المحبّ نحو حبيبه.
ولهذا هانت الأخطار والمصاعب والأهوال عند محبّي الإمام الحسين عليه‌السلام والعاشقين له والمنجذبين نحو قبره ، فاندفعوا نحوه غير مبالين ببطش الطواغيت وجلاوزتهم ومسالحهم وحرّاسهم ، وهذا ما يشهد به تاريخ كربلاء منذ أوّل زيارة له من قبل الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري ، وعطية العوفي ، وأهل بيت الإمام الحسين عليه‌السلام ، وإلى يومنا هذا حيث تندفع في كلِّ موسم الملايين اتّجاه كربلاء ، بمنظر يعجز القلم والبيان عن وصفه.
هذه العوامل وغيرها ، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية المساعدة للمنطقة ، والموقع الجغرافي المتميّز ، ووجود الحالة الأمنية المستقرّة جعلت الكثيرين من هؤلاء المحبّين ، والمنجذبين ، والموالين ، والباحثين عن صفاء الروح وقدسيّة المكان ورمزيّته ... متشبّثين بهذه الأرض ومتّخذين منها مسكناً وملاذاً ، ممّا أسفر عن تمصّر المدينة وتوسّعها وعمرانها وازدهارها

بمرور الزمن ، فأصبحت من المدن الإسلامية الآهلة بالسكّان ، وتميّزت بتنوّع عِرقي لا مثيل له في المدن الأُخرى.
والذي يبدو ومن خلال سياق تاريخ كربلاء وحرم الإمام الحسين عليه‌السلام ، أنّ السكن في مجاورة قبر الإمام الحسين عليه‌السلام في عصر الدولة الأموية لم يكن ممكنا لشيعته ومحبّيه للظروف الأمنية الصعبة آنذاك ، فكان زوّاره يكتفون بمراسم الزيارة للقبر الشريف سرّاً ، متحمّلين من أجل ذلك الأخطار الجسام والأهوال ، والتي قد تكلّفهم حياتهم في بعض الأحيان.إلاّ أنّه وبعد سقوط الدولة الأموية ، وقيام الدولة العبّاسية ، واستقرار الوضع الأمني ـ نسبيّاً ـ بدأت رحلة الزيارة من قبل الشيعة لمرقد الإمام الحسين عليه‌السلام بشكل علني وظاهر ، وكان على القبر الشريف ومنذ زمن بني أُمية سقيفة ومسجد ، واستمرّ ذلك إلى زمن هارون الرشيد من بني العبّاس ، ولكن لا يعلم أوّل من بنى ذلك ... ويدلّ الخبر الذي رواه السيّد ابن طاووس في الإقبال أنّه كان سقيفة لها باب في آخر زمن بني أُمية وبقيت هذه القبّة إلى زمن الرشيد ، فهدمها وكرب موضع القبر وكان عنده سدرة فقطعها ... ثمّ أُعيد ـ أي البناء ـ على زمن المأمون وغيره(1).
وفي النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري ، كثر زوّار الإمام الحسين عليه‌السلام وبني حول قبره الشريف المنازل والدور ، حتّى برزت إلى الوجود
__________________
(1) أعيان الشيعة : 2 / 459 ـ 460.

نواة مدينة متواضعة حول الحرم لها سكّانها وروّادها ، ممّا أثار واستفزّ رأس السلطة العبّاسية آنذاك ، المعروف ببغضه لأهل البيت عليهم‌السلام وهو المتوكّل العبّاسي ، فأمر بهدم القبر الشريف ، وهدم ما حوله من المنازل والدور ... في قصّة مأساوية ذكرها المؤرّخون في كتبهم بالتفصيل.
قال الطبري في تاريخه ضمن حوادث السنة السابعة والثلاثين والمائتين :
«وفيها أمر المتوكّل بهدم قبر الحسين بن عليّ صلوات الله عليه ، وهدم ما حوله من المنازل والدور ، وأن يُحرَث ويُبذر ويسقى موضع قبره عليه‌السلام ، وأن يمنع الناس من إتيانه ، فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية : من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق ، فهرب الناس ، وامتنعوا من المصير إليه ، وحُرث ذلك الموضع ، وزُرع ما حواليه»(1).
وبنفس المضمون ذكرها ابن الأثير في الكامل وأضاف : «وكان المتوكّل شديد البغض لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ولأهل بيته ، وكان يقصد من يبلغه عنه أنّه يتولّى عليّاً وأهله بأخذ المال والدم ...»(2).
والذي يبدو أنّ اعتداء المتوكّل على قبر الإمام الحسين عليه‌السلام وعلى زائريه قد تكرّر ولأكثر من مرّة(3) ، حتّى قُتل ، وخلفه ولده المنتصر سنة سبع
__________________
(1) تاريخ الطبري : 6 / 227.
(2) الكامل في التاريخ : 7 / 55.
(3) أعيان الشيعة : 2 / 460.

وأربعين ومائتين. وفي خلافة المنتصر العبّاسي ـ والتي لم تدم سوى ستّة أشهر ـ «أمر الناس بزيارة قبر عليّ والحسين عليهما‌السلام فأمّن العلويّين ، وكانوا خائفين أيّام أبيه ، وأطلق وقوفهم ، وأمر بردّ فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام»(1).
«والشائع على ألسنة الباحثين والمؤرّخين أنّ كربلاء كانت مطلع القرن الثالث مملوءة بالأكواخ وبيوت الشعر التي كان يشيّدها المسلمون الذين يفدون إلى قبر الحسين عليه‌السلام ، وهكذا ظلّت كربلاء حتّى مطلع القرن الرابع الهجري»(2).
وأهمّ عمارة تمّت للحائر الحسيني المقدّس هي التي قام بها عضد الدولة البويهي ، «... وقد ازدهرت كربلاء في عهده وعهد البويهيّين ، وتقدّمت معالمها الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فاتّسعت تجارتها ، واخضلّت زراعتها ، وأينعت علومها وآدابها ، فدبّت في جسمها روح الحياة والنشاط ، فتخرّج منها علماء فطاحل وشعراء مجيدون ، وتفوّقت في مركزها الديني المرموق»(3) وهكذا توسّعت مدينة كربلاء بعد أن آمن الناس ، وتوالت عمليّات الإعمار للمرقد الشريف ، وقد وصفها الرحّالة الشهير ابن بطّوطة في رحلته التي في بدايات القرن الثامن الهجري ، قال : «ثمّ سافرنا
__________________
(1) الكامل في التاريخ : 7 / 115 ـ 116.
(2) تراث كربلاء : 231.
(3) تراث كربلاء : 231 ، تاريخ كربلاء : 171.

منها ـ أي مدينة الحلّة ـ إلى مدينة كربلاء ، مشهد الحسين بن عليّ عليهما‌السلام ، وهي مدينة صغيرة ، تحفّها حدائق النخل ، ويسقيها ماءُ الفرات ، والروضة المقدّسة داخلها ، وعليها مدرسة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر. وعلى باب الروضة الحجاب والقومة ، لا يدخل أحد إلاّ عن إذنهم ، فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضّة ، وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضّة ، وعلى الأبواب أستار الحرير ...»(1).
وبعد هذا التاريخ توالت عمارات أخرى للمرقد الشريف(2) ، وتوسّعت معها مدينة كربلاء حتّى أصبحت من المدن الواسعة المترامية الأطراف ، ولم يكدّر صفو هذه المدينة سوى الهجمة الوهّابية التي قادها سعود بن عبد العزيز الوهّابي النجدي سنة (1216 هـ) ، إذ جهّز جيشاً من أعراب البادية وحاصر مدينة كربلاء مغتنماً فرصة غياب جلّ الأهلين في النجف لزيارة الغدير ، ثمّ دخلها يوم (18 ذي الحجّة) عنوة وأعمل في أهلها السيف ، فقتل منهم ما بين أربعة آلاف إلى خمسة آلاف ... ونهب البلد ، ونهب الحضرة الشريفة ، وأخذ جميع ما فيها من فرش وقناديل وغيرها ، وهدم القبر الشريف ، واقتلع الشبّاك الذي عليه ... ثمّ كرّ راجعاً إلى بلده»(3).
__________________
(1) رحلة ابن بطوطة : 233.
(2) أنظر : أعيان الشيعة : 2 / 460 ـ 461.
(3) المرجع نفسه : 2 / 461 ـ 462. وأنظر : أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : 260 ـ 262.

ولا ننسى تلك الهجمة العنيفة التي قادها جلاوزة حزب البعث على المرقد الشريف بعد انتفاضة صفر سنة (1991 م) ، والتي أدّت إلى تخريب أجزاء من الحرم وقتل المعتصمين فيه ، وانتهاك الحرمات ... في قصّة مأساوية سجّلتها ذاكرة العراقيّين ، قبل كتب التاريخ ، إلى جانب قصص المأساة والظلم التي تعرّض إليه العراق على أيدي النظام البعثي البائد ، حتّى اقتصّ الله منهم ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وبعد سقوط النظام البعثي البائد عام (2003 هـ) ، بدأت عمليات إعمار المشاهد والمراقد الشريفة في العراق ومنها مراقد كربلاء على ساكنيها آلاف التحية والسلام ، ولا زالت عمليّات الإعمار والتوسعة هذه مستمرة.

الفصل الثاني
حوزة كربلاء في أدوارها الثلاثة
الدور الأوّل :
دور التكوين والانطلاق العلمي :
لقد شهدت مدينة كربلاء ومنذ أن تمصّرت وأصبحت مدينة لها معالمها العمرانية والحضارية ، نشاطاً علميّاً ملحوظاً ، وازدهرت فيها حركة فقهية وأدبية ، وشهدت حضوراً علمائيّاً مكثّفاً ، كان من بينهم كبار العلماء والفقهاء ممّن تُشدّ إليهم رحال طلاّب العلم ، حتّى أنّها أصبحت الحوزة العلمية الرئيسيّة عند الشيعة في حقبة من الزمن كما سوف يأتينا لاحقاً.
والذي يظهر من بعض النصوص التاريخية ، أنّ مشهد الإمام الحسين عليه‌السلام اتّسعت رقعته ، وكثر سكّانه في القرن الرابع للهجرة ... ففي سنة (371 هـ) ورد مشهد الحسين عليه‌السلام عضد الدولة البويهي فزار وتصدّق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم ، وجعل في الصندوق دراهم ففرّقت على العلويّين فأصاب كلّ واحد منهم إثنان وثلاثون درهماً ، وكان عددهم ألفين ومائتي اسم ، ووهب العوام والمجاورين عشرة آلاف درهم وفرّق على أهل المشهد من الدقيق والتمر مائة ألف رطل ، ومن الثياب خمسمائة قطعة ، وأعطى الناظر

عليهم ألف درهم(1).
«ويمكن أن تؤخذ كثرة السكّان ، وانقسامهم إلى طبقات ، قرينة على أنّ بعضهم في الأقلّ كانوا من بين طلبة العلم وشيوخه»(2).
ولو تتبّعنا ومن خلال كتب الرجال والتراجم مسار الحركة العلمية في كربلاء ، والعلماء والفقهاء الذين واكبوها في كلّ عصر من عصور حركتها عبر القرون المتمادية لعثرنا على قائمة طويلة لأسماء لامعة من أعلام الفقه والفقاهة والمعارف والعلوم الإسلامية ، تبدأ من أواخر القرن الثالث الهجري ، وتستمرّ وباتّساع عبر القرون اللاحقة لها وإلى يومنا هذا ، وإنّها مرّت بأدوار علمية ثلاثة ولم تنقطع حركة العلم والعلماء خلالها عن هذه المدينة المقدّسة عبر القرون والأزمان ، وإنّما فترت في بعض القرون وأصابها الركود في بعضها الآخر ، ووصلت إلى قمّة الحركة والعطاء العلمي في برهة من الزمن.
حوزة كربلاء في دورها الأوّل :
لقد بدأت الحركة العلمية في كربلاء مع بدايات تمصيرها حيث سكنها بعض الفضلاء والمحدّثين.
وفيما يلي قائمة لأهمّ الشخصيّات التي واكبت الحركة العلمية في كربلاء في دورها الأوّل وقبل عصر الشيخ الوحيد البهبهاني وتلامذته ، حيث
__________________
(1) فرحة الغري : 292 ـ 293.
(2) تاريخ التربية : 301.

وصلت حوزة كربلاء في عصره إلى قمّة عطائها العلمي ، مقتصرين فيها على أبرز الأسماء التي كانت لهم بصماتهم العلمية ، وتركوا آثاراً فقهية أو أُصولية أو كانوا من البارزين في ميادين التدريس والتصدّي لأُمور المجتمع.
1 ـ عثمان بن عيسى الكلابي :
قال النجاشي في ترجمته : «روى عن أبي الحسن عليه‌السلام وأقام بالحاير حتّى مات ودُفن هناك»(1).
2 ـ محمّد بن شهاب البارقي :
يروي ابن طاووس في كتابه فرحة الغري ، «أنّ أحد الشيعة قال : حدّثني محمّد بن شهاب بن صالح البارقي ، شيخ من أهل الكوفة لقيته بمشهد مولانا الحسين عليه‌السلام ...»(2).
3 ـ حميد بن زياد النينوي الدهقان (ت 310 أو 320 هـ) :
وهو من أقدم وأبرز العلماء الذين يشار إليهم في حوزة كربلاء في القرن الرابع الهجري وله ترجمة واسعة في كتب التراجم القديمة منها والحديثة ، فذكره الشيخ الطوسي في كتابيه الفهرست والرجال فقال عنه : «محقّق كثير التصانيف ... عالم جليل واسع العلم ، ... كان ثقة واقفاً وجهاً
__________________
(1) رجال النجاشي : 300.
(2) فرحة الغري : 218.

فيهم ، سمع الكتب وصنّف» ، وهكذا ذكره النجاشي(1) ، وذكروا له قائمة من المصنّفات والآثار العلمية.
والذي يبدو من خلال مفردات ترجمته أنّه كوفيّ المولد ، ثمّ سكن سورى وانتقل إلى نينوى ، قرية إلى جانب الحائر الحسيني على ساكنه السلام ، وأمّا عن دراسته وأساتذته ، فمن المحتمل أنّ المترجم قد تلقّى علومه في مدرسة بغداد إذ كانت هي الحوزة العلمية الرئيسية حتّى منتصف القرن الخامس الهجري ، بالإضافة إلى كون الرجل واقفي المذهب ، ويروي عن كثير من رجال الواقفة(2).
والمترجم له من رواة الأُصول ، ووقع في إسناد كثير من الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، تبلغ خمسمائة وستّة عشر مورداً(3). إلاّ أنّه لم يروِ عن الأئمّة مباشرة.
«ويظهر من أسانيده أنّه كان من المعمرين ، وله مشايخ معمّرون ، فإنّه روى بواسطة واحدة عن أبي حمزة ثابت بن دينار الذي توفّي سنة (150 هـ) ... وكذا يروي بواسطة واحدة عن جابر بن يزيد الجعفي المتوفّى سنة (128 أو 132هـ) ...»(4).
__________________
(1) فهرست الطوسي : 60 ، رجال الطوسي : 421 ، أعيان الشيعة : 9 / 540 ـ 541 ، وفي رجال المامقاني ترجمة وافية عنه ، وتعداد لتلامذته وآثاره : 24 / 322.
(2) طبقات الطهراني : 1 / 125.
(3) طبقات الفقهاء : 4 / 189.
(4) طبقات الطهراني : 1 / 125 ـ 126.

4 ـ هشام بن إلياس الحائري (ت 490 هـ) :
كان فاضلاً جليلاً صالحاً ، له المسائل الحائرية ، ويروي عن الشيخ أبي علي الطوسي ، ... قال صاحب الرياض : «وتقدّم إلياس بن هشام الحائري ، وما هنا موجود في بعض الإجازات ، ولعلّه ابن ذاك ـ كذا أفاد الشيخ المعاصر في أمل الآمل ـ ثمّ يرجّح صاحب الرياض وقوع النسخ في الاسم فيقول : «والحقّ أن هشام بن إلياس الحائري من قلب النسّاخ ... والصواب إلياس بن هشام الحائري»(1) ، وترجم له بهذا الاسم.
ومهما يكن من أمر فليس لدينا معلومات إضافية عن المترجم له ، ولا عن مؤلّفاته الأُخرى ، سوى أنّه توفّي في حدود سنة (490 هـ) ودُفن في الحائر الحسيني»(2).
5 ـ عماد الدين الطوسي (من أعلام القرن السادس) :
وهو عماد الدين محمّد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي المكنّى بابن حمزة ، صاحب الكتاب الفقهي الوسيلة إلى نيل الفضيلة ، وقد ضمّنه جميع أبواب الفقه في أثواب لها من تحقيقاته الجميلة ، وهو من أحسن متون الفقه ترتيباً وتهذيباً»(3).
__________________
(1) رياض العلماء : 1 / 92 و 5 / 318 ، أمل الآمل : 2 / 344 ، أعيان الشيعة : 10 / 264.
(2) تراث كربلاء : 234.
(3) روضات الجنّات : 6 / 236. وأنظر : مقدّمة كتاب الوسيلة : 8.

ذكره يحيى بن سعيد الهذلي الحلّي سنة (689 هـ أو 690 هـ) في كتابه نزهة الناظر فأثنى عليه وعلى كتابه الوسيلة(1) ، ممّا يدلّ على تقدّم منزلة الرجل على منزلة غيره. إذ تجد في هذا الكتاب منهجية جديدة في تبويب مبتكر أضاف فيه أبواباً أخرى لم تكن في الكتب السابقة عليه.
واستظهر صاحب الروضات أنّ المترجم له كان في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة أو تلاميذ ولده الشيخ أبي علي ... وأنّه ـ رغم التحقيق في حقّ الرجل ـ لم يعرف تاريخ مولده ووفاته(2).
ولم تذكر كتب التراجم سنة ولادته ولا سنة وفاته ، إلاّ أنّ بعضهم ذكر في كتابه أنّ المترجم له أحد أعلام الإمامية في القرن الخامس الهجري ، وأنّه مدفون في وادي أيمن بكربلاء ، وقبره مزار معروف(3).
6 ـ السيّد أحمد بن إبراهيم الموسوي (من علماء القرن السادس) :
وهو من الشخصيّات اللامعة في القرن السادس الهجري ، وكان نقيباً في الحائر الحسيني ، ومن أعلام الدين والفضيلة في كربلاء(4).
7 ـ السيّد فخار بن معد بن فخار الموسوي الحائري (ت 630 هـ) :
وهو من أبرز العلماء المهاجرين من حوزة الحلّة العلمية إلى كربلاء كما
__________________
(1) نزهة الناظر : 6.
(2) الروضات : 6 / 266.
(3) تراث كربلاء : 234.
(4) أنظر : ترجمته في أعيان الشيعة : 2 / 464.

ذكرنا في محلّه من البحث ، ومن الشخصيّات العلمية المرموقة ، ومن أعلام الفقاهة ، وحظي بمكانة محترمة في الأوساط الكربلائية العلمية آنذاك(1).
وللمترجم له سيرة عطرة ذكرها أرباب التراجم والسير ، لا يسع البحث للدخول في تفاصيلها فهو من تلامذة ابن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) وشاذان بن جبرئيل القمّي ، ويروي عنهما ، وهما يرويان عن أبي المكارم ابن زهرة(2).
كما أنّه يروي عن الفقهاء الكبار ، ووالده معد بن فخار ، والحسن الدربي ... كذلك يروي عن بعض علماء السنّة من أمثال أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي ... ويروي عنه جمع من الرواة الفقهاء من أمثال : ولده عبد الحميد بن فخار ، وجعفر بن الحسن المعروف بالمحقّق الحلّي ، ونجيب الدين يحيى بن سعيد ، ورضيّ الدين بن طاووس ، وأبي الفضائل أحمد بن طاووس ، وسديد الدين يوسف بن علي بن المطهّر والد العلاّمة الحلّي ...
ومن آثاره العلمية كتابه الشهير : حجّة الذاهب إلى تكفير أبي طالب(3).
لقد كان المترجم له من الأعلام الأفذاذ في كربلاء ، وتوفّي فيها سنة (630 هـ) ودُفن في الحائر الحسيني(4).
__________________
(1) المرجع نفسه : 236.
(2) الطبقات الطهراني (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) : 4 / 130.
(3) المرجع نفسه : 4 / 130 ، وطبقات الفقهاء : 7 / 192 ـ 193.
(4) تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 40.

8 ـ الشيخ أبو طالب بن دريد الحائري (من علماء القرن الثامن) :
وهو إبراهيم بن سبيبي أو (السيبي) ابن إبراهيم بن علي بن دريد الحائري المكنّى بالشيخ أبي طالب ، من علماء عصر فخر المحقّقين ، وقد كتب الجزء الأوّل من المختلف للعلاّمة الحلّي ، لنفسه في الحائر ...»(1).
9 ـ الشيخ علي الخازن الحائري (ت 793 هـ) :
وهو من أبرز العلماء المهاجرين من الحلّة إلى كربلاء فنسب إليها فعرف بـ :(الحائري) حيث تتلمذ في مدرسة الحلّة على الشيخ الشهيد الأوّل العاملي ، الذي أجازه وأثنى عليه في تلك الإجازة بقوله : «... المولى الشيخ العالم التقيّ الورع المحصّل القائم بأعباء العلوم ، الفائق أُولي الفضل والفهوم ...»(2).
كما أنّ ابن فهد الحلّي أبا العبّاس أحمد (ت 841 هـ) قد تتلمذ عليه وروى عنه(3).
10 ـ السيّد عميد الدين عبد المطّلب بن السيّد جدّ الدين أبو الفوارس (ت 754 هـ) :
وهو حلّي المولد ، وبغداديّ الوفاة ، ونجفيّ المدفن «وفي بعض
__________________
(1) طبقات الطهراني (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة) : 5 / 2.
(2) الفوائد الرضوية في أحوال العلماء الجعفرية : 290.
(3) طبقات الطهراني الحقائق الراهنة : 5 / 137 ، طبقات الفقهاء : 8 / 137.

الإجازات المعتبرة أنّه كان حلّي المولد حائريّ المحتد»(1).
والمترجم له من أجلاّء علماء الحلّة المهاجرين ، قال فيه الحرّ العاملي :
«فاضل من مشايخ الشهيد (أي الشهيد الأوّل) ... قال ابن معيّة عند ذكر روايته عنه : درّة الفخر ، فريدة الدهر مولانا الإمام الربّاني ، وأثنى عليه وبالغ فيه ، وهو ابن أُخت العلاّمة»(2).
ويعتبر السيّد عميد الدين : «من أعلام كربلاء في القرن الثامن» ، «وكان باعث شهرته هو تدريسه في الحائر الحسيني ، وملازمته للروضة الحسينيّة المقدّسة ، واحتكاكه بالوافدين ... الذين كانوا يقصدونه ويحضرون مجلسه ويتلقّون منه الدروس في العلوم العقلية والنقلية»(3).
11 ـ الشيخ أحمد بن فهد الحلّي (ت 841 هـ) :
يُعدّ ابن فهد الحلّي من أبرز العلماء المهاجرين من حوزة الحلّة العلمية إلى حوزة كربلاء في القرن التاسع الهجري ، بل يعتبره بعض الباحثين من أعمدة حوزة كربلاء حيث انتقلت بواسطته الحوزة العلمية من الحلّة إلى كربلاء ، فبعد أن كانت : «الحركة العلمية في الحلّة الفيحاء في أوج عظمتها ، ما لبثت أن انتقلت في منتصف القرن التاسع إلى كربلاء ، بسبب هجرة الزعيم
__________________
(1) روضات الجنات : 4 / 268.
(2) أمل الآمل : 2 / 165.
(3) تراث كربلاء : 228 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 42.

الديني المجاهد الشيخ أحمد بن فهد الحلّي إليها ...»(1).
ويعتبره كاتب آخر : «المؤسّس الأوّل للمركز المرجعي في مدينة كربلاء ، التي كانت قبل وفوده إليها ، مدينة عامرة بالعلماء والحركة العلمية ، ولكنّها لم تَرقَ إلى مستوى المركز المرجعي الذي يحمل ملامحه وشروطه الخاصّة»(2).
وقد ترجمنا لابن فهد ترجمة مختصرة ضمن علماء الحلّة ، ونضيف هنا ، بأنّ مصادر ترجمة ابن فهد الحلّي ـ وعلى كثرتها ـ لا تحدّد لنا بدقّة تاريخ هجرته إلى كربلاء من الحلّة ، رغم أنّ الأسباب لهذه الهجرة معلومة وقد أشرنا إليها في نهاية بحثنا عن مدرسة الحلّة في دور أُفولها والتي كان سببها الرئيسي هو الاضطرابات السياسيّة التي سبّبت إلى انعدام الأمن في الحلّة.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ هذا العَلم الفَذّ كانت له خدمات جليلة في حوزة كربلاء ، وذلك من خلال «مرجعيته الدينية التي تجاوزت حدود كربلاء والعراق إلى حدود الشام غرباً والخليج والجزيرة العربية جنوباً ... فألّف المسائل الشاميّات ، والرسائل البحرانيّات ...»(3) ، أو من خلال الأسماء
__________________
(1) تراث كربلاء : 241.
(2) كربلاء ودورها العلمي والمرجعي : 640 ، ضمن بحوث كتاب دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري.
(3) المرجع نفسه : 641.

اللاّمعة التي تخرّجت من محضر درسه ، وقد أشرنا إلى بعضهم سابقاً ضمن قائمة أسماء العلماء المهاجرين من جبل عامل إلى الحلّة. وبالرجوع إلى كتب التراجم والسير يمكن التعرّف على أسماء كثيرة من أُولئك الأسماء اللامعة من تلامذة ابن فهد الحلّي(1).
لقد عاش ابن فهد الحلّي أواخر أيّام حياته في كربلاء وتوفّي فيها. يقول السيّد الأمين : «وتوفّي سنة (841 هـ) عن (85 سنة) ودُفن بكربلاء بالقرب من مخيّم سيّد الشهداء في بستان هناك تسمّيه العامّة ببستان أبو فهد ، وقبره مزار متبرّك به ، وعليه قبّة»(2).
12 ـ الشيخ إبراهيم الكفعمي (ت 895 هـ) :
وهو «تقيّ الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد بن صالح العاملي الكفعمي مولداً ، اللويزي محتداً ، الجبعي أباً ، التقيّ لقباً. ثقة فاضلاً أديبا شاعراً عابداً زاهداً ورعاً ، له كتب منها : المصباح وهو الجُنّة الواقية والجَنّة الباقية ... وله كتاب البلد الأمين في العبادات ... وله شعر ورسائل متعدّدة ...»(3).
وقد ترجم له السيّد الأمين في الأعيان ترجمة وافية ذكر فيها ولادته
__________________
(1) للتوسّع أنظر : أعيان الشيعة : 3 / 148 ، أمل الآمل : 2 / 210 ، تكملة أمل الآمل : 105 ، 249.
(2) أعيان الشيعة : 3 / 148.
(3) أمل الآمل : 1 / 28.

ووفاته ومدفنه ونسبته ، وأقوال العلماء في حقّه ، ومشايخه ، ومؤلّفاته والتي أوصلها إلى (49) مؤلّفاً ثمّ أردف ذلك بنتف من خطبه ، ومقاطع مطوّلة من أشعاره(1).
والذي يبدو من ترجمة الكفعمي أنّه ولد في قرية من قرى جبل عامل تعرف بـ : (كفرعيما) وأبوه سكن قرية (جبع) ، وأنّ أصله من (اللويزة) في جبل عامل أيضاً ، نعرف بهذه المسمّيات الكفعمي ، الجبعي ، اللويزي.
أمّا دراسته ، فالذي يبدو أنّه درس أوّلاً في جبل عامل وعند علمائها الكبار ، ثمّ هاجر إلى العراق ، وأنّه «ورد المشهد الغروي على مشرّفه السّلام وأقام به مدّة وطالع في كتب خزانة الحضرة الغروية ، ومن تلك الكتب ألّف كتبه الكثيرة في أنواع العلوم ...»(2).
ويرتبط اسم الشيخ الكفعمي بحوزة كربلاء العلميّة باعتباره من المهاجرين إليها ، والمدفونين فيها ـ على قول ـ يقول السيّد الأمين في الأعيان في ترجمته : «قد سكن كربلاء مدّة ، وعمل لنفسه أزج بها بأرض تسمّى عقير ، وأوصى أن يُدفن فيه ... ثمّ عاد إلى جبل عامل وتوفّي فيها ، ولم يذكر أحد ممّن ترجمه من الأوائل تاريخ ولادته ووفاته ... ويرجّح السيّد الأمين أن يكون مولده ووفاته ومدفنه بقرية (كفرعيما) ـ التي ينسب إليها ـ وأنّ تاريخ وفاته مجهول ... ، ثمّ ينقل عن كتاب الطليعة : «أنّه توفّي سنة (900 هـ)
__________________
(1) أنظر : أعيان الشيعة : 2 / 184 ـ 189.
(2) رياض العلماء : 1 / 21.

بكربلاء ودفن بها ، وظهر له قبر بجبشيت من جبل عامل وعليه صخرة مكتوب فيها اسمه .. ، والله أعلم حيث دفن ...»(1) ثمّ يذكر قصّة ظهور قبر الكفعمي في قرية (جبشيت) ، وما روي من حديث في ظهوره.
وليس للكفعمي في كربلاء قبرٌ ظاهر في الوقت الحاضر ، ويذكر القائلون بمدفنه في كربلاء بأنّه : «توفّي في كربلاء سنة (900 هـ) ... ودفن في وادي أيمن بكربلاء وكان قبره ظاهراً»(2).
وممّا يؤيّد مدفنه في كربلاء وصيّته بدفنه فيها ، وأبيات شعرية له يوصي بها بذلك : جاء فيها :

سألتكم باللّه أن تدفنوني
 

 

إذا متُّ في قبر بأرض عقير
 

فإنّي به جار الشهيد بكربلا
 

 

سليل رسول الله خير مُجير(3)
 

هذا كلّ ما ذكره المؤرّخون عن الكفعمي في ترجمته ، وليس بين أيدينا معلومات إضافية حول مدّة مكوثه في كربلاء ، ونشاطه العلمي فيها ، وآثاره العلمية التي دوَّنها هناك ، وتلامذته ودروسه ...
أُولئك هم أبرز العلماء والفقهاء الذين كان لهم حضورهم العلمي والمرجعي في حوزة كربلاء العلمية إلى بداية القرن العاشر الهجري ، وكان خاتمتهم الشيخ الكفعمي ، المتوفّى عام (900 هـ) على قول.
__________________
(1) أعيان الشيعة : 2 / 184 ـ 185 ، وانظر : الطليعة من شعراء الشيعة : 1 / 85.
(2) تراث كربلاء : 244.
(3) الطليعة من شعراء الشيعة : 1 / 84.

ولم تخل حوزة كربلاء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريّين من وجود العلماء والفضلاء حيث برزت بعض الأسماء من رجالات العلم والأدب ، إلاّ أنّهم كانوا أقلّ شهرة من السابقين عليهم.
وفيما يلي فهرسة مختصرة لبعض الأعلام في حوزة كربلاء حتّى نصل إلى عصر الشيخ البحراني والشيخ الوحيد البهبهاني.
1 ـ السيّد حسين بن مساعد الحائري (ت 910 هـ) وهو عالم فذّ وأديب ضليع قويّ الحجّة واسع الاطلاع ... ومن آثاره مصنّفه تحفة الأبرار في مناقب أبي الأئمّة الأطهار(1) ، وهو من سلالة عيسى بن زيد الشهيد حفيد الإمام السجّاد عليه‌السلام ، وباسمهم سمّيت محلّة (آل عيسى) في كربلاء(2).
2 ـ السيّد وليّ الحسيني الحائري (من علماء القرن العاشر) من علماء القرن العاشر الهجري المجاورين للحائر الحسيني ، قال عنه في أمل الآمل : «كان عالماً فاضلاً صالحاً محدّثاً ، له كتاب مجمع البحرين في فضائل السبطين ، وكتاب كنز المطالب في فضائل علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وكتاب منهاج الحقّ واليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وغير ذلك»(3) ، ولم ينصّ أحد من مترجميه على سنة وفاته ولا محلّ دفنه إلاّ صاحب ريحانة الأدب الذي نصّ على أنّه كان من معاصري الشيخ حسين والد الشيخ البهائي ،
__________________
(1) الذريعة : 3 / 405.
(2) تراث كربلاء : 246.
(3) أمل الآمل : 2 / 339.

الشهيد الثاني(1).
3 ـ السيّد عبد الحسين بن مساعد الحائري
ذكره الطهراني في الطبقات بقوله : عبد الحسين بن مساعد بن حسن بن علي ابن الحسن بن طوغان الحسيني الحائري ، كتب بخطّه شرح مختصر العضدي وفرغ منه في الخميس رابع رمضان (991 هـ) ، والنسخة موجودة في مكتبة الشيخ علي كاشف الغطاء(2).
وليس بين أيدينا معلومات أخرى عنه.
4 ـ المولى شمس الدين الشيرازي (ت 1035 هـ) وهو من علماء القرن الحادي عشر الهجري ، ذكره صاحب الطبقات فقال : «شمس الدين الشيرازي المتوفّى بالري (1035 هـ) ، قرأ عليه ولده القاضي محمّد شريف ، العلوم الأدبية والمنطق والكلام كما يظهر من كتاب ولده الموسوم بـ : خزان وبهار أنّ والده صاحب هذه الترجمة كان مجاور كربلاء حدود سنة (1000 هـ) فهاجر إلى إصفهان في (1006 هـ) ثمّ إلى مشهد خراسان في (1010 هـ) ، وبعد (27 شهراً) رجع إلى إصفهان وبقي إلى (1029 هـ) ، فذهب إلى الريّ وبها توفّي (1035 هـ)»(3).
5 ـ القاضي محمّد شريف المتخلّص بـ : (الكاشف بن شمس الدين
__________________
(1) ريحانة الأدب 1 / 311.
(2) الطبقات الطهراني (إحياء الداثر في علماء القرن العاشر) : 4 / 118.
(3) المرجع نفسه : 4 / 268.

الشيرازي) ذكر في ترجمته أنّه ولد في كربلاء في (1001 هـ) ، وحمله أبوه إلى إصفهان ، وتعلّم هناك مبادئ العلوم في المكتب ثمّ تنقّل مع والده (شمس الدين) إلى مشهد الرضا عليه‌السلام ، ثمّ عاد إلى إصفهان وقرأ على والده العلوم الأدبية والمنطق والكلام ...
تولّى منصب القضاء لمدّة خمس عشرة سنة من قبل السلطان ، له آثار علمية وتصانيف ، منها السراج المنير ، والدرّة المكنونة ، وحواس الباطن ... (1)
6 ـ السيّد علي الحسيني بن عبد الحسين بن مساعد الحائري ذكره صاحب الطبقات بعنوان الحائري النسّابة ، ونقل عن محمّد كاظم الشريف النجفي في حاشية عمدة الطالب قوله : «إنّي رأيت مشجّر نسب السيّد ربيع الحائري الذي عمله في (1019 هـ) ، وعليه شهادة صاحب الترجمة بخطّه وكذا شهادة مساعد بن محمّد الحسيني ...»(2).
7 ـ السيّد حسين بن الحسن العسكري الحائري ذكره الشيخ الطهراني وقال عنه : «رأيتُ بخطّه الدروس للشهيد كتبها في (1026 هـ) موجودة في خزانة علي محمّد النجف آبادي في (التسترية) قال في آخره : (... قد فرغ من تسويد هذا الكتاب اللطيف الشائق جامع ثمار الفوائد من أنواع الحدائق ،
__________________
(1) المرجع نفسه : 4 / 260 ، والذريعة 7 / 108 ـ 109 و 8 / 77 ، معجم المؤلّفين : 10 / 67.
(2) الطبقات الطهراني : 5 / 292.

المنسوب إلى المظلوم الشهيد الذي دمه فائق على مداد ذوي الفضل المتقدّم واللاحق ، العبد المذنب المسرف الراجي رحمة ربّه الغنيّ ، حسين ابن حسن العسكري الحسيني الكربلائي في العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين وألف). وعليه تصحيحات بخطّه يظهر منها أنّه من أهل الغور والاطلاع وعليه حواشي رمزها (م ح ق مدّ ظلّه العالي) وفي الحواشي ينقل عن جدّه في شرح القواعد المظنون أنّ الحواشي للمير الداماد محمّد باقر ، ينقل عن جدّه الأُمِّي المحقّق الكركي في جامع المقاصد وكاتب الحواشي من تلاميذه»(1).
8 ـ الشيخ عبّاس البلاغي (ت 1085 هـ) وهو الشيخ عبّاس بن محمّد علي بن محمّد البلاغي العاملي ، قال عنه الصدر : «عالم فاضل ابن عالم فاضل أبو علماء أفاضل ، قرأ على أبيه العلاّمة وصنّف ومات بعد الألف من الهجرة»(2).
وقال الطهراني : «وهو والد الشيخ حسن الذي له كتاب تنقيح المقال وقد ترجم فيه جدّه محمّد علي المتوفّى سنة (1000 هـ). ووالد المترجم له فاضل جليل له إحاطة بكثير من العلوم ، وهو صاحب كتاب شرح الكافي.
أمّا نجله عبّاس فقد اقتفى أثر والده في تتبّع العلوم والارتشاف من
__________________
(1) المرجع نفسه : 5 / 175 ـ 176.
(2) تكملة أمل الآمل : 253 ، والمرجع السابق : 5 / 310 ، ماضي النجف وحاضرها : 2 / 77.

مناهل المعرفة والعلم ، باق في أحفادهم إلى اليوم بوجود العالم محمّد علي البلاغي».
9 ـ السيّد نصر الله الحائري (الشهيد سنة 1168 هـ على رواية) وهو من أشهر علماء الشيعة في حوزة كربلاء خلال القرن الثاني عشر الهجري ، وله ترجمة وافية في أغلب كتب التراجم والسير التي كُتبت خلال هذه الحقبة الزمنية ، أو التي أرّخت لتاريخ العراق السياسيّ والاجتماعي.
ترجم له الشيخ الطهراني في طبقاته ترجمة مطوّلة جاء في بعض مقاطعها :
«نصر الله المدرّس الحائري (المتوفّى حدود 1156 ـ 1168 هـ) هو ابن الحسين ابن علي بن إسماعيل (يونس) الحسيني الموسوي الفائزي المدرّس الشهيد قبل سنة (1168 هـ) سفيراً في البلاط العثماني ... قال السيّد عبد الله الجزائري في الإجازة الكبيرة : كان آية في الفهم والذكاء وحسن التقرير ، شاعراً أديباً له ديوان ، وله اليد الطولى في التاريخ والمقطّعات ، وكان مرضياً مقبولاً عند المخالف والمؤالف (الشيعة والسنّة) ...»(1).
وذكره الأميني في شهداء الفضيلة ضمن قائمة الشهداء العلماء في القرن الثاني عشر (الهجري) فقال : «السيّد نصر الله ... المعروف بالسيّد الشهيد ؛ هو ممّن جمع الله سبحانه له الحسنيين ؛ السعادة بالعلم والتقى ، والشهادة دون ما
__________________
(1) طبقات الطهراني (الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة) : 6 / 775.

يحب الله ويرضى ، كما أنّه جامع بين الشرفين ؛ علوّ النسب ، والفضل المكتسب ، فهو عالم فقه ، محدّث ، أديب شاعر ، مشارك في علوم قلّ من اطّلع عليها أجمع»(1) ثمّ ذكر ما جاء في الإجازة الكبيرة للجزائري. كما أنّ السيّد الأمين في الأعيان قد ذكر له ترجمة مفصّلة اشتملت على : نسبه ، ووفاته ، وأقوال العلماء فيه ، ومشايخه وتلامذته وممّن يروي عنهم ، وسيرته التي جاء في مقطع منها : «كان يدرّس في الروضة الشريفة الحسينية ، وكان زوّاراً للأُمراء ، كثير السفارة فيما بينهم ... خرج إلى إيران وطاف فيها وأقام مدّة ، من جمّاعي الكتب والآثار ...»(2).
مؤتمر النجف ودور الحائري فيه :
ولنصر الله الحائري دور كبير في مؤتمر النجف الذي عقده في النجف ناصر الدين شاه القاجاري ، ضمن قصّة طويلة ، خلاصة ما جاء فيها : «إنّ نادر قلي شاه القاجاري الذي ظهر بعد انهيار الدولة الصفوية كقائد عسكري في الدولة القاجارية وحاصر بغداد عام (1733 م) لمدّة سبعة أشهر ، ثمّ اندحر منها مهزوماً أمّا الجيش العثماني ، عاد مرّة أخرى وفتح بغداد صلحاً مع واليها العثماني (أحمد باشا) فزار العتبات المقدّسة وعاد سريعا إلى إيران ... وفي سنة (1736 م) وبعد موت الشاه طهماسب تتوّج نادر قلي ملكاً على إيران ،
__________________
(1) شهداء الفضيلة : 215.
(2) أعيان الشيعة : 10 / 213 وما بعدها.

ومنذ ذلك الحين صار اسمه (نادر شاه) ...» «وكانت خطّة نادر قلي أن يجعل من التشيّع مذهباً فقهيّاً خامساً يضاف إلى المذاهب الأربعة الموجودة عند السنّة ... ففي عام (1743 م) أرسل نادر شاه إلى السلطان العثماني يطلب منه الاعتراف الرسمي بالمذهب الجعفري ، فجمع السلطان علماء اسطنبول يستفتيهم في الأمر فكان جوابهم أنّ الشيعة مارقون عن الإسلام يجوز قتلهم وتأسيرهم شرعاً ، وحين وصل هذا الجواب إلى نادر شاه اتّخذه ذريعة لإعلان الحرب على الدولة العثمانية ، وسرعان ما توجّه بجيوشه نحو العراق ، وعبر الحدود بالقرب من مندلي ..».
مؤتمر النجف :
توجّه نادر شاه إلى الموصل ثمّ جاء بغداد ومنها توجّه إلى النجف ، «ولم يكد نادر شاه يستقرّ في النجف حتّى عزم على عقد مؤتمر عام يجتمع فيه علماء الشيعة والسنّة لوضع أسس التوفيق بين الطائفتين المتعاديتين ... وكان نادر شاه قد جلب معه من إيران سبعين عالماً شيعيّاً ، كما جلب سبعة علماء من تركستان ، وسبعة من أفغانستان ، ثمّ استدعى من كربلاء السيّد نصر الله الحائري ، الذي كان حينذاك كبير مجتهدي الشيعة في العراق ، وأرسل إلى أحمد باشا (الوالي العثماني) يرجوه أن يبعث من قبله عالماً يمثّل السنّيين العراقيّين ، فأرسل أحمد باشا إليه الشيخ عبد الله السويدي ، وبعد مجادلات طويلة ـ بين العلماء الحاضرين ـ تمَّ الاتفاق على قرارات معيّنة ، ثمّ اجتمع

علماء الطائفتين أخيراً تحت المسقّف المنصوب وراء ضريح الإمام (علي عليه‌السلام) فكتبوا محضراً يشتمل على خمس مواد ...»(1).
لقد كان نادر شاه يريد أن يُنجح مؤتمر النجف بأيّة صورة ، ولهذا اتّخذ اجراءات كثيرة تكفل للمؤتمر هذا النجاح الظاهري ، فبعد انتهاء المؤتمرين من مؤتمرهم ابتهج كثيراً بذلك ، وحاول أن يجمعهم مرّة أخرى في مناسبة دينية «فأمر نادر شاه أن تقام صلاة الجمعة في جامع الكوفة ... وطلب من السويدي أن يحضر الصلاة لكي يسمع بإذنه مدح الصحابة من قبل خطباء الشيعة. وفي صباح يوم الجمعة ذهب الجميع إلى الجامع ، وصعد السيّد نصر الله الحائري فألقى خطبة أثنى فيها على الخلفاء الأربعة واحداً بعد الآخر ، كما أثنى على بقية الصحابة وأهل البيت ، ثمّ دعا السلطان العثماني ولنادر شاه من بعده».
ومن طريف ما ينقل في هذا المجال أنّ خطيب الجمعة (السيّد الحائري) «حين وصل في خطبته إلى ذكر الخليفة الثاني (عمر) كسر آخره ، مع العلم أنّ هذا غير جائز حسب قواعد النحو لأنّ اسم عمر ممنوع من الصرف ، ولا ندري هل أنّ الحائري فعل ذلك سهواً أم عن قصد؟ وقد امتعض السويدي من ذلك كُلّ الامتعاض واعتبر عمل الحائري دسيسة
__________________
(1) للتوسّع أنظر : (الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية) وقد طبع الكتاب طبعة ثانية في القاهرة أيضاً عام 1367 هـ بعنوان (مؤتمر النجف) مع مقدّمة وتعليقات لمحبّ الدين الخطيب.

مقصودة ، أراد بها ذمّ الخليفة عمر ، فقال ما نصّه : «... لكنّه كسر الراء من (عمر) مع أنّ الخطيب إمام في العربية ، لكنّه قصد دسيسة لا يهتدي إليها إلاّ الفحول ، وهي أنّ منع صرف عمر إنّما كان للعدل والمعرفة ، فصرفه الخبيث قصداً إلى أنّه لا عدل فيه ولا معرفة! قاتله الله من خطيب وأخزاه ومحقه وأذلّه في دنياه وعقباه ...»(1).
يعقّب الدكتور علي الوردي على كلام السويدي بقوله : «إنّ هذا دليل على أنّ التقارب الطائفي الذي حصل في مؤتمر النجف كان سطحيّاً ، ولم يتغلغل في أعماق القلوب ، فقد بقي سوء الظنّ يلعب دوره على الرغم من الفرح الظاهر ، ولهذا كان السويدي يراقب كلّ كلمة تفوّه بها الحائري في خطبته ويدقّق في فحصها ، ولمّا لم يجد في الخطبة سوى تلك الهنة البسيطة ـ وهي كسر راء عمر ـ انتهزها فرصة وأخذ يبالغ فيها ، ويستنتج منها ما توحي به روح الخصومة القديمة.
لقد كان المفروض فيه لو كان حسن الظن أن يفسّر الأمر تفسيراً حسناً ، ولكنّه لم يفعل ، ممّا يدلّ على أنّ الشحناء التي دامت قروناً لا يمكن أن تزول فجأة»(2).
__________________
(1) حديقة الزوراء في سيرة الوزراء : 547.
(2) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث : 1 / 139 ، وما نقلنا سابقاً من نصوص حول مؤتمر النجف ودور الحائري فيها من المرجع نفسه. أنظر : 1 / 111 وما بعدها.

سفارة السيّد الحائري واستشهاده :
ينقل الخوانساري قصّة سفارة السيّد نصر الله الحائري واستشهاده باقتضاب فيقول : «ولمّا دخل النّادر ـ أي نادر شاه ـ المشاهد المشرّفة في النوبة الثانية ، وتقرّب إليه السيّد ، أرسله بهدايا وتحف جليلة إلى الكعبة المعظّمة ، فأتى البصرة ومشى إليها من طريق نجد ، وأوصل الهدايا ؛ فأتى عليه الأمر بالشخوص سفيراً إلى سلطان الروم لمصالح تتعلّق بأُمور الملك والملّة ، فلمّا وصل إلى قسطنطينية وشي به إلى السلطان بفساد المذهب وأُمور أخرى ، فأحضر واستشهد فيما بين الخمسين والستّين يعني بعد الألف والمأة من هجرة سيّد النبيّين ، وقد تجاوز عمره الخمسين»(1).
إلاّ أنّ السيّد الأمين في أعيانه يذكر تفاصيل مؤتمر النجف عند ترجمة الشيخ علي أكبر الملاّ باشي ، الذي كان يدير المناظرات مع عبد الرحمن السويدي ، ويذكر في آخرها : «وأرسل الشاه بعد ذلك نصر الله الحائري ليكون إماماً في مكّة المكرّمة ، وأرسل معه هدايا إلى شريف مكّة ، فحاول أهل مكّة قتله ، ثمّ جاءه الأمر بالسفر إلى اسلامبول] هكذا [للسفارة بين الشاه والسلطان ، فاستشهد فيها ...»(2).
وليس بين أيدينا معلومات ضافية تحدّد بدقّة طبيعة مهمّة السيّد
__________________
(1) روضات الجنات : 8 / 148.
(2) أعيان الشيعة : 8 / 175. ومعادن الجواهر : 2 / 19 وما بعدها.

الحائري إلى مكّة ، وبعدها إلى اسطنبول ، وما هي ردود الفعل التي واجهها في مهمّته؟ وما هي نوع التهم التي استشهد من أجلها؟
والذي يبدو أنّ الحائري قد سبقته الوشايات المغرضة ، ولا يُستبعد ـ كما يقول الدكتور علي الوردي ـ أن يكون للشيخ عبد الله السويدي يد في ذلك ، إذ إنّه كتب في ختام مذكّراته عن المؤتمر قائلاً : «فلأجل هذا الذي حدث عزمتُ على الحج ، اللّهم يسّر ذلك»(1).
وأمّا عن مصير جثمانه ومحلّ دفنه فينقل الدكتور الوردي : «عن الدكتور مرتضى نصر الله ـ وهو من سلالة الحائري ـ إنّه حدّثه عن الرواية التي تناقلتها الأُسرة حول مصير جدّهم هي أنّه مات من جرّاء وضع السمّ له في الطعام ، غير أنّ جنازته شيّعت تشييعاً رسميّاً ودفن في قبر لائق به ، ولا يزال قبره قائماً ، وقد نصب عليه شبّاك تتبرّك به النساء ، وينذرون له النذور»(2).
وهكذا مضى السيّد الحائري إلى ربّه شهيداً في غربة عن أهله ووطنه كما مضى السلف الصالح من العلماء الشهداء ، بسبب الدسائس والتهم الباطلة التي حيكت ضدّهم.
إلاّ أنّ السيّد نصر الله الحائري لم ينقطع ذكره في حوزة الإسلام كربلاء ،
__________________
(1) لمحات اجتماعية : 1 / 140 عن مذكّرات السويدي : 29 ، وأنظر : كتاب مؤتمر النجف للسويدي : 106 ، طبعة دار طيبة الرياض ، الطبعة الثالثة ، 1393 هـ.
(2) المرجع نفسه : 1 / 141 وتجد بعض التفاصيل في هامش الصفحة نفسها. كما أنّ المحامي عباس العزّاوي له بعضه التفاصيل الأُخرى في كتابه تاريخ العراق بين الاحتلالين : 5 / 269 ـ 270.

وبقي خالداً من خلال آثاره العلمية ، وقصائده الولائية ، بالإضافة إلى من تتلمذ عليه من طلاّب العلم والمعرفة ممّن واصلوا مسيرة أُستاذهم رحمة الله تعالى عليه(1).
حوزة كربلاء في دورها الثاني :
دور التوسّع والازدهار والكمال العلمي :
لقد سارت الحركة العلمية في كربلاء سيراً حثيثاً ، وحقّقت حوزتها العلمية فتوحات علمية على يد العلماء والفقهاء الكبار الذين تعاقبوا على التدريس والإفادة فيها.
ولم تنقطع حركة العلم في هذه الحوزة المباركة بفقدان مدرِّسها الأوّل السيّد نصر الله الحائري رضي‌الله‌عنه ، إذ واصل تلامذته مسيرة أُستاذهم العلمية ، إلاّ أنّنا لم نعثر على علماء لهم شهرتهم العلمية بعد عصر الحائري ، حتّى حلَّ في كربلاء الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ، ثمّ حلّ فيها الأُستاذ الوحيد البهباني ، وهما من كبار الفقهاء ومن جهابذة الفقه والأُصول.
وبهذين العلمين الفذّين وتلامذتهما اللامعين دخلت حوزة كربلاء (دورها الثاني) وهو دور (التوسّع والازدهار والكمال العلمي) ، بل إنّها أصبحت الحوزة الرئيسية للشيعة خلال هذه الحقبة الزمنية ، بعد أن
__________________
(1) أنظر : أعيان الشيعة : 10 / 214 وما بعدها.

كانت حوزة النجف الأشرف ـ في دورها الثاني ـ هي الحوزة الرئيسية عند الشيعة.
يقول السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر في معالمه : «إنّ مدرسة الأُستاذ الوحيد البهبهاني نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا من المركز سبباً لاستمرارها ومواصلة وجودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلامذة ... حتّى استطاعت أن تقفز بالعلم قفزة كبيرة وتعطيه ملامح عصر جديد»(1).
وسوف نقف على معالم هذا الدور المهم من أدوار حوزة كربلاء من خلال تراجم أعلامها في هذه الحقبة الزمنية ، وملامح الحركة العلمية فيها ، وأهمّ الآثار العلمية لهذه الحقبة ، ونبدأ أوّلاً بالشيخ يوسف البحراني ، باعتباره من أبرز العلماء الذين اتّخذوا من كربلاء موطناً لهم حيث أفاض على طلاّبها من علمه وفضله ، وأصبحت حوزة كربلاء في عصره تشدّ لها رحال أهل الفضل وعشّاق العلم.
وقبل الدخول إلى رحاب صاحب الحدائق ينبغي أن نشير إلى أنّ الشيخ البحراني يمثّل المدرسة الأخبارية في وجهها المعتدل(2) ، وكانت حوزة كربلاء في القرن الثاني عشر تمثّل مركز تجمّع الأخباريّين ، إذ كانت قبلها
__________________
(1) المعالم الجديدة للأُصول : 86.
(2) تحدّثنا بالتفصيل عن المدرسة الأخبارية ومراحلها المختلفة وأبرز رموزها وأهمّ آثارهم العلمية في كتابنا تطوّر حركة الاجتهاد ، الفصل العاشر : 412 وما بعدها.

البحرين قاعدة ومنطلقاً للاتّجاه الأخباري في الفقه ، فلمّا تعرّضت للغزو وتشرّد أهلها انتشر فقهاؤها في الأرض ، واحتضنت كربلاء بعضهم.
وكان الشيخ (يوسف) من هؤلاء الذين لجأوا إلى هذه المدينة المقدّسة ليواصلوا عملهم العلمي هناك ، حيث حلّ فيها في حدود (عام 1169 هـ) فحفّ به طلاّب العلم وارتشفوا من نمير علمه العذب ، وتسلّم في كربلاء زعامة التدريس والزعامة الدينية ، ولبث في هذه المدينة قرابة عشرين عاماً حتّى وافاه الأجل فيها(1).
والشيخ البحراني هو : (يوسف بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور الدرازي البحراني) المتوفّى سنة (1186 هـ).
ترجم له الرجاليّون المتأخّرون وأثنوا عليه الثناء الجميل حيث كان في علمه وتقواه من أكابر فقهاء الإمامية(2).
قال تلميذه أبو علي الحائري في كتابه منتهى المقال : «عالم ، فاضل ، متبحّر ، ماهر ، متتبّع ، محدّث ، ورع ، عابد ، صدوق ، ديّن ، من أجلّة مشايخنا ، وأفضل علمائنا المتبحّرين»(3).
وترجم له المرحوم العلاّمة السيّد عبد العزيز الطباطبائي (طاب ثراه) وفهرس مؤلّفاته فهرسة جامعة في تقديمه لكتاب الحدائق الناضرة الذي
__________________
(1) مقدّمة رياض المسائل : 1 / 95 ، بتصرّف.
(2) تاريخ التشريع : 437.
(3) منتهى المقال في معرفة الرجال : 7 / 74 ـ 75.

عنونه بـ : «حياة شيخنا العالم البارع الفقيه المحدّث الشيخ يوسف البحراني قدس‌سره»(1).
وفي طليعة كتبه ومؤلّفاته كتابه الفقهي الكبير الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة وهو كتاب شهير ومن عيون الكتب الفقهية الإمامية ، وناهيك به شهرة أن صار معرّفاً لمؤلّفه الشهير ، فلم يكد شيخنا المحدّث البحراني يعرف ثمّ يعرّف ، ولا يذكر ويميّز إلاّ بقولهم عنه صاحب الحدائق(2).
ومن مؤلّفاته القيّمة كتاب الدرر النجفية قال عنه المؤلّف في اللؤلؤة : «فهو كتاب لم يعمل مثله في فنّه مشتمل على تحقيقات رائعة ، وأبحاث فائقة» أراد بذلك استخراج القواعد الأصولية من الأحاديث وتطبيقها عليها ، وجمع ما ورد عنهم عليهم‌السلام من النتف المتفرّقة في القواعد الأصولية ، وقد سبقه إلى ذلك المحدّثان المتعاصران صاحب الوسائل والبحار ، فجمعها الأوّل في الفصول المهمّة في أصول الأئمّة ، والثاني في أوائل موسوعته الكبرى لأحاديث الشيعة بحار الأنوار كما ألّف بعده المحدّث الكبير السيّد عبد الله شبّر كتاباً أسماه الأُصول الأصيلة(3).
__________________
(1) انظر : مقدّمة الحدائق الناضرة ج / 1.
(2) المرجع نفسه : صفحة ج.
(3) تاريخ التشريع : 440 ، الهامش.

الاتجاه المعتدل للشيخ البحراني :
كان الشيخ يوسف البحراني يتبني الاتّجاه الأخباري في طريقة استنباط الحكم الشرعي ، وكانت الطريقة الأخبارية هي الطريقة السائدة والمعروفة في أوساط المدارس الفقهية للشيعة الإمامية حيث انحسرت المدرسة الأصولية نتيجة الحملة التي تعرّضت لها من قبل المحدّث الأسترآبادي وأقطاب مدرسته في تلك الفترة الزمنية.
وبعد هجرة الشيخ يوسف من البحرين إثر الغزو والتشريد الذي تعرّضت له تلك البلاد توجّه اتّجاه إيران وتنقّل بين مدنها ، ثمّ سافر إلى العتبات العاليات وجاور في كربلاء(1) بعد رحلة علمية استغرقت خمسة وثلاثين عاماً.
ونشط الشيخ يوسف في كربلاء ، وواصل عمله العلمي على صعيدي التأليف والتدريس بالإضافة إلى الزعامة الدينية التي انفرد بها في هذه المدينة المقدّسة.
وتخرّج على يده خلال هذه المدّة عدد من كبار الفقهاء الأفذاذ أمثال : أبي علي الحائري المازندراني مؤلّف كتاب منتهى المقال في علم الرجال ، والمحقّق القمّي الميرزا أبو القاسم صاحب القوانين في علم الأصول ، والشيخ حسين محمّد بن حسين مؤلّف عيون الحقائق الناضرة في تتمّة الحدائق
__________________
(1) منتهى المقال : 7 / 75 ـ 76 ، وانظر مقدّمة الحدائق الناضرة.

الناضرة ، والسيّد علي الحائري صاحب رياض المسائل ، والسيّد مهدي بحر العلوم الفقيه الشهير صاحب الفوائد الرجالية ، والمولى المحقّق النراقي محمّد مهدي مؤلّف مستند الشيعة وآية الله السيّد ميرزا مهدي الشهرستاني(1) ، وغيرهم الكثير من كبار الفقهاء والمجتهدين ، عدا الكثير من طلاّب العلم والمشتغلين الذين كانوا يستسقون من نمير علمه خلال فترة تواجده في إيران ولا سيّما في معهدها الديني (شيراز) من الذين لم يضبط لنا تاريخ التراجم أسماءهم.
وفي كربلاء التي حلّ بها الشيخ يوسف رحمه‌الله في حدود سنة (1169 هـ) احتدم الصراع الفكري بين الأخباريّين والأصوليّين ، يصدر منها إلى خارجها ويرد من خارجها إليها ، ويدور عنيفاً على محور مركزها العلمي ، ذلك أنّ ثورة الميرزا الأسترآبادي قد أثارت ردود فعل قويّة ومن أهمّها أن قوبلت بثورة أصولية من الوحيد البهبهاني.
وكان للمحدّث البحراني دورٌ مهمٌّ في محاولة توازن القوى وتبريد غليان الصراع ، وذلك بشجب التطرّف الذي كان من المحدّث الأسترآبادي والفيض الكاشاني وأمثالهما(2). والأخذ بالموقف المعتدل والعقلانية من هذا الصراع المرير بين المدرستين ، محاولاً بذلك تخفيف غلواء أسلافه في
__________________
(1) انظر مقدّمة الحدائق صفحة : ل ـ م ـ ن ـ س ـ ع.
(2) انظر لؤلؤة البحرين : 117 ـ 118 و 121 في ترجمة كلاًّ من الأسترآبادي والفيض الكاشاني.

الرأي ، والحدّ من حملاتهم الجارحة ، ومحاكمة الأصوليّين ثمّ محاولة تقليص الخلاف بينهم وبين الأخباريّين.
يقول رحمه‌الله في المقدّمة الثانية عشرة من مقدّمات الحدائق(1) : وقد كنت في أوّل الأمر ممّن ينتصر لمذهب الأخباريّين ، وقد أكثرت البحث فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين ، إلاّ أنّ الذي ظهر لي بعد إعطاء التأمّل حقّه في المقام وإمعان النظر في كلام علمائنا الأعلام ، هو إغماض النظر عن هذا الباب وإرخاء الستر دونه والحجاب ، وإن كان قد فتحه أقوام وأوسعوا فيه دائرة النقض والإبرام.
أمّا أوّلاً : فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين ، والإزراء بفضلاء الجانبين ، كما قد طعن به كلّ من علماء الطرفين على الآخر ، بل ربّما انجرّ إلى القدح في الدين سيّما من الخصوم المعاندين.
وأمّا ثانيا : فلأنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جلّه بل كلّه عند التأمّل لا يثير فرقاً في المقام(2).
وأمّا ثالثاً : فلأنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المحدّثين والمجتهدين ، مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف ، ولم يطعن أحد منهم على الآخر
__________________
(1) تضمن كتاب الحدائق للمحدّث البحراني اثنتي عشرة ـ مقدّمة ـ مهمّة «تعكس منهج هذا الفقيه الجليل في الاستدلال الفقهي.
(2) ربّما تكون هذه الدعوى مبالغة من الفقيه البحراني رحمه الله في ادّعاء عدم الفرق ، بل الفرق او الفروق موجود كما بيّنا ذلك في كتابنا تطوّر حركة الاجتهاد.

بالاتّصاف بهذه الأوصاف ، وإن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيّات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل.
وحينئذ فالأوْلَى والأليق ـ بذوي الإيمان ، والأحرى والأنسب في هذا الشأن ـ هو أن يقال : إنّ عمل علماء الفرقة المحقّة ... إنّما هو على مذهب أئمتهم عليهم‌السلاموطريقتهم الذي أوضحوه لديهم ... ولكن ربّما حاد بعضهم ـ إخباريّاً كان ، أو مجتهداً ـ عن الطريق غفلة ، أو توهّماً أو لقصور اطّلاع أو قصور فهم ، أو نحو ذلك في بعض المسائل ، فهو لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً ، وجميع تلك المسائل ـ التي جعلوها مناط الفرق ـ من هذا القبيل.
فإنّا نرى كلاًّ من المجتهدين والأخباريّين مختلفون في آحاد المسائل ، بل ربّما خالف أحدهم نفسه ، مع أنّه لا يوجب تشنيعاً ولا قدحا ، وقد ذهب رئيس الأخباريّين الصدوق رحمه‌الله إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا إخباري ، مع أنّه لم يقدح ذلك في علمه وفضله.
ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف ، إلاّ في زمن صاحب الفوائد المدنية ـ سامحه الله وتعالى برحمته المرضية ـ فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب ، وأسهب في ذلك أيّ إسهاب ، وأكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب ... وكان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد إن لم يجد ما يدفع به عن كلامهم

الفساد ...(1).
وكان لهذا الموقف الذي وقفه الشيخ يوسف من هذا الصراع تأثير بالغ الأهمية في إعادة الانسجام إلى مدرسة أهل البيت.
وفي نفس الوقت تدلّ على قمّة في الوعي والمسؤولية أدركه المحدّث البحراني رحمه‌الله على عاتقه ، وأحسّ بثقلها على كاهله ، فتوجّه بكلّ ثقله العلمي لتضييق شقّة الخلاف وإزالة الحواجز ونقد التطرّف الأخباري في الموقف تجاه المدرسة الأُصولية(2).
هذا بالإضافة إلى دلالة هذا الموقف على غاية في الورع والتقوى ، والدرجة العالية من التجرّد عن الأنانية عند هذا الفقيه الجليل.
وتقوى الشيخ يوسف وخلوصه وصدقه وابتغاؤه للحقّ كان من أهمّ العوامل لانتصار المدرسة الأصولية على يد (الوحيد) كما سيأتي.
منهج الشيخ البحراني في الاستدلال الفقهي :
بقي المنهج الأخباري موزّعا في الكتب الأخبارية التي ألّفت لنقد المنهج الأصولي ، ككتب المحدّث الأسترآبادي ، والفيض الكاشاني ، والشيخ حسين بن شهاب العاملي ، وغيرهم ممّن له مدوّنات وكتب تعكس وجهة نظر المدرسة الأخبارية.
__________________
(1) الحدائق الناضرة : 1 / 167 ـ 170 المقدّمة الثانية عشر ـ بتلخيص.
(2) مقدّمة رياض المسائل : 1 / 97.

وانفرد الشيخ الفقيه البحراني رحمه‌الله عن أسلافه من علماء الأخبارية من خلال تطبيق منهجه في كتابه القيّم الحدائق الناضرة وإن لم يقدّر له أن يدوّنه بشكل نظري متكامل ومستقلّ كما صنع الأسترآبادي في الفوائد والفيض الكاشاني في جملة من مؤلّفاته التي كرّسها لتفنيد المنهج الأصولي وتأييد المنهج الأخباري مثل الأصول الأصيلة وغيرها ، أو كما فعل العامليّان الشيخ الحرّ والشيخ حسين في هداية الأمّة وهداية الأبرار وغيرها من المؤلّفات.
إلاّ أنّ الخطوط العامّة للفكر الأخباري عند الفقيه البحراني رحمه‌الله مبثوثة في كتابه القيّم الدرر النجفية فإنّه رحمه‌الله أفاض الكلام في المسائل الخلافية التي بين المجتهدين والأخباريّين ، وبيّن رأيه في كلّ مسألة مع إقامة البرهان عليه(1). كذلك الأمر في المقدّمات الإثنتي عشر التي قدّمها لكتابه الحدائق الناضرة.
وباستطاعة الباحث استخلاص المنهج النظري للفقيه البحراني رحمه‌الله وبكلّ خطوطه وقواعده من خلال كتاب الحدائق.
أمّا منهجه واختلافه عن منهج من سبقه من أعلام الأخبارية في المرحلة الأُولى أمثال الأسترآبادي ، والكاشاني ، والعامليّين ، فيمكننا أن نلخّصه بما يلي(2) :
أوّلاً : في ظواهر القرآن الكريم :
__________________
(1) انظر الدّرر النجفية : 87 ، الهامش رقم 9.
(2) انظر : تاريخ التشريع الاسلامي : 445 ـ 449 ، حيث استفدنا منه في بيان الخطوط العامّة لهذا المنهج ، بتلخيص وتصرّف في بعض العبارات.

تعرّض لذكر هذه المسألة في المقدّمة الثالثة من الحدائق وذكرها بشيء من التفصيل في الدرر النجفية(1). قال : المقام الأوّل : (في الكتاب العزيز) :
ولا خلاف بين أصحابنا الأصوليّين في العمل به في الأحكام الشرعية والاعتماد عليه ، حتّى صنّف جملة منهم كتباً في الآيات المتعلّقة بالأحكام الفقهية وهي خمسمائة آية عندهم.
وأمّا الأخباريّون فالّذي وقفنا عليه من كلام متأخّريهم ما بين إفراط وتفريط ، فمنهم من منع فهم شيء منه مطلقاً حتّى مثل قوله : (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ) إلاّ بتفسير من أصحاب العصمة عليهم‌السلام. ومنهم من جوّز ذلك حتّى كاد يدّعي المشاركة لأهل العصمة عليهم‌السلام في تأويل مشكلاته وحلّ مبهماته.
والتحقيق في المقام أن يقال : إنّ الأخبار متعارضة من الجانبين ، ومتصادمة من الطرفين ، إلاّ أنّ أخبار المنع أكثر عدداً ، وأصرح دلالة»(2).
ثمّ يذكر جملة من الروايات المتعارضة بنظره في المقام وبعد أن يطبّق عليها قواعد التعارض ينتهي إلى ترجيح روايات المنع ، وردّ ما يعارضها.
وهذا يسلّمنا في النتيجة إلى أنّه قدس‌سره يوحّد مصدري الكتاب والسنّة بسنة أهل البيت عليهم‌السلام(3).
__________________
(1) انظر الحدائق : 1 / 26 المقدّمة الثالثة في مدارك الأحكام الشرعية ، والدّرر النجفية : 171.
(2) الحدائق : 1 / 27 ، وانظر : 30 وما بعدها.
(3) تاريخ التشريع : 446.

وهي نفس النتيجة التي انتهى إليها الحرّ العاملي رحمه‌الله حيث عقد لهذه المسألة باباً وعنوانه (عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن ، إلاّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمّة عليهم السلام)(1). وروى تحت هذا العنوان (82) حديثاً.
ثانياً : في تنويع الأخبار إلى أنواعه الأربعة المعروفة :
فقد ذهب إلى بطلان التنويع ، وعقد المقدّمة الثانية من كتاب الحدائق لذلك وحاول ـ جاهداً ـ أن يثبت صحّة جميع الأخبار وإبطال هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة وخَلُص إلى «ثبوت صحّة تلك الأخبار عندنا والوثوق بورودها عن أصحاب العصمة عليهم‌السلام»(2).
ثالثاً : في اعتبار مرويّات الكتب المعتبرة ، وعدم اختصاص الصحّة باخبار الكتب الأربعة :
ففي (تتمّة) للمقدّمة الثانية من مقدّمات الحدائق ذهب إلى عدم انحصار الصحّة في الكتب الأربعة المشهورة.
ثمّ ينقل كلام المحدّث الجزائري في شرحه على التهذيب الذي يقول فيه :
«والحقّ أنّ هذه الأصول الأربعة لم تستوف الأحكام كلّها ، بل قد وجدنا
__________________
(1) انظر الوسائل : 27 / 176 ـ 206 ، كتاب القضاء ، الباب الثالث عشر من أبواب صفات القاضي وما يقضي به.
(2) انظر الحدائق : 1 / 14 ـ 25 ، وكذلك الدّرر النجفية : 167.

كثيراً من الأحكام في غيرها ، مثل عيون أخبار الرضا ، والأمالي ، وكتاب الاحتجاج ، ونحوها ، فينبغي مراجعة هذه الكتب وأخذ الأحكام منها ، ولا يقلّد العلماء في فتاويهم ؛ فإنَّ أخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي ..».
ثمّ يضيف إلى تلك الكتب كتاب الفقه الرضوي فيقول : «وخصوصاً كتاب الفقه الرضوي ... فإنّه اشتمل على مدارك كثيرة للأحكام وقد خلت عنها هذه الأصول الأربعة وغيرها».
ثمّ يعقّب على كلامه بقوله : «وقد أجاد فيها ، وحرّر ، وفصل ، وأشاد وطبق المفصّل ، وعليه المعتمد والمعوّل»(1).
رابعاً : في الإجماع :
يذهب في مسألة الإجماع مذهب الأصولية ، وتبنّى قول المحقّق الحلّي في المعتبر الذي مفاده : «وأمّا الإجماع فهو عندنا حجّة بانضمام المعصوم ...» إلاّ إنّه يشكّك في حصول هكذا إجماع بقوله : «على أنَّ تحقّق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذّر ، لتعذّر ظهوره عليه‌السلام وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقّق دخول قوله في جملة أقوالهم» ثمّ يقول : «... وعلى هذا فليس في عدّ الإجماع في الأدلّة إلاّ مجرّد تكثير العدد وإطالة الطريق ...»(2).
خامساً : في دليل العقل والأصول المستفادة منه :
__________________
(1) انظر الحدائق : 1 / 25 ، كذلك الدّرر النجفية : 170.
(2) انظر الحدائق : 1 / 35 ـ 36 و 168 وانظر الدّرر النجفية : 179.

فإنّه يذهب إلى نفي اعتبار العقل مصدراً من مصادر الفقه.
كما أنّه يذهب إلى أنّ الأصول الفقهية المستفادة من دليل العقل ـ هي الأُخرى ـ غير معتبرة ، والمعتبر عنده هو الأصول المستفادة من أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام.
قال في المقدّمة الثالثة من الحدائق : «وأمّا الثالث ـ من معاني الأصل وهو القاعدة ـ فإن كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنّة فلا إشكال في صحّة البناء عليها ، ومنها قولهم : الأصل في الأشياء الطهارة ـ أي القاعدة المستفادة من النصوص وهي قولهم عليهم‌السلام : (كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) تقتضي طهارة كلّ شيء»(1).
ولازم كلامه قدس‌سره عدم صحّة البناء على القاعدة المستفادة من غير الكتاب والسنّة وهي المستفادة من دليل العقل(2).
سادساً : في الاجتهاد والتقليد :
لم يتعرّض الفقيه البحراني قدس‌سره إلى ذكر الاجتهاد والتقليد ، وما يتبنّاه فيهما من رأي في مقدّمات الحدائق ولا في الدرر.
إلاّ أنّ المتأمّل في منهجه الاستدلالي يجزم بأنّه يقول بهما ، شريطة أن يكون المجتهد إخبارياً في منهج استدلاله وطريقة فتواه(3).
__________________
(1) انظر الحدائق : 1 / 24 كذلك 1 / 129 ـ 133 ، م ـ ن.
(2) تاريخ التشريع الإسلامي : 448.
(3) المصدر نفسه.

وقد صرّح قدس‌سره بهذا المعنى في كتابه المعروف بـ : الكشكول في مسألة القضاء لغير المجتهد عند فقد المجتهد ، حيث قال : «بل الذي تضمّنته تلك الأخبار هو الرجوع إلى من تمسّك بذيل الكتاب والسنّة وأمن العثار ، ومدار أحكامه إنّما هو عليهما في الإيراد والإصدار ، فالعمل بحكمه عمل بحكمهم عليهم‌السلاموالرّاد عليه رادّ عليهم في حلال أو حرام».
وقال في المصدر نفسه : «إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ المأمور بتقليده في أحكامهم ، والقبول عنه لما ينقل عنهم ، هو الذي أشار إليه عليه‌السلام في مقبولة عمر بن حنظلة بقوله : (ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ، فارضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...) ثمّ استشهد بروايات أخرى ، منها التوقيع الوارد عن الإمام الحجّة (عج) : وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»(1).
إلى هنا تنتهي هذه الجولة المختصرة في منهج المحدّث والفقيه الشيخ يوسف البحراني واختلاف منهجه عن العلماء الأخباريّين الذين كانوا في المرحلة السابقة على مرحلته ، ومردّ ذلك الاختلاف إلى أمرين :
الأوّل : جعله الإجماع من مصادر الفقه ، ولو نظريّاً.
ثانياً : قوله بالاجتهاد والتقليد ، وتقيّد ذلك بكون المجتهد إخباريّاً في
__________________
(1) الكشكول الشيخ يوسف البحراني : 1 / 94 ، 96 ـ 97.

منهج استدلاله(1).
الشيخ الوحيد البهبهاني ودوره في حوزة كربلاء :
ومن أهمّ فقهاء هذا الدور هو الشيخ الوحيد البهبهاني رضي‌الله‌عنه.
وهو : «محمّد باقر بن محمّد أكمل البهبهاني الحائري الملقّب بالوحيد والمتوفّى سنة (1206 هـ / 1791م) على أصحّ الأقوال»(2).
ترجمه الميرزا النوري في خاتمة المستدرك فوصفه بـ : «الأستاذ الأكبر ، مروّج الدين في رأس المائة الثالثة عشرة» ثمّ قال : قال (معاصره) الشيخ عبد النبيّ القزويني في تتميم أمل الآمل بعد الترجمة له : «فقيه العصر ، فريد الدهر ، صاحب الفكر العميق ، والذهن الدقيق ، صرف عمره في اقتناء العلوم واكتساب المعارف الدقائق ، وتكميل النفس بالعلم بالحقائق ، فحباه الله وباستعداده علوماً لم يسبقه فيها أحد من المتقدّمين ، ولا يلحقه أحد من المتأخّرين إلاّ بالأخذ منه ...»(3).
وقد حصّل هذا الفقيه على لقب (مجدّد) الفقه الإثني عشري ، لأنّ عصره أصبح فاصلاً لعصر جديد من عصور مدرسة الاجتهاد أُطلق عليه بـ :
__________________
(1) انظر : تاريخ التشريع الإسلامي : 449.
(2) هنالك أقوال أخرى في سنة وفاته ، انظر : تنقيح المقال : 2 / 85 ، الفوائد
الرضوية : 405 ، أعيان الشيعة : 9 / 182 ، الأعلام للزركلي : 6 / 49.
(3) انظر مستدرك الوسائل ، الخاتمة : 3 / 384.

«عصر الكمال العلمي»(1).
وقد أصبحت مدينة (كربلاء) بفضل وجود هذا العَلَم وفي عصره عاصمة من العواصم العلمية التي ضاهت مراكز العلم الشيعية الأُخرى ، وبقيت محافظة على مركزها العلمي قرابة قرن من الزمن ، وذلك بعد وفاة محمّد شريف المازندراني عام (1245 هـ) الذي قيل إنّ حضّار درسه كانوا يقاربون الألف طالب(2).
يقول الشيخ الطهراني في ترجمة الوحيد في الكرام البررة :
«لمّا ورد المترجم كربلاء المشرّفة قام بأعباء الخلافة ، ونهض بتكاليف الزعامة والإمامة ، ونشر العلم بها ، واشتهر تحقيقه وتدقيقه ، وبانت للملأ مكانته السامية ، وعلمه الكثير ، فانتهت إليه زعامة الشيعة ورئاسة المذهب الإمامي في سائر الأقطار ، وخضع له جميع علماء عصره ، وشهدوا له بالتفوّق والعظمة والجلالة ، ولذا اعتبر مجدّداً للمذهب على رأس هذه المائة ، وقد ثنيت له الوسادة زمناً ، استطاع خلاله أن يعمل ويفيد ، وقد كانت في أيّامه للأخبارية صولة وكان لجهّالهم جولة ، وفلتات وجسارات وتظاهرات أُشير إلى بعضها في منتهى المقال وغيره ، فوقف المترجم آنذاك موقفاً جليلاً كسر به شوكتهم ، فهو الوحيد من شيوخ الشيعة الأعاظم ، الناهضين بنشر العلم
__________________
(1) انظر : المعالم الجديدة : 88.
(2) انظر : مقدّمة محمّد رضا المظفّر على كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : 1 / 9.

والمعارف ، وله في التاريخ صحيفة بيضاء يقف عليها المتتبّع في غضون كتب السِير والمعاجم»(1).
وعبر عنه تلميذه أبو علي الحائري بقوله :
«أُستاذنا العالم العلاّمة ... مؤسّس ملّة سيّد البشر في رأس المائة الثانية عشر ... كلّ من عاصره من المجتهدين فإنّه أخذ من فوائده واستفاد من فرائده»(2).
رحلته العلمية وأساتذته :
ولد المحقّق البهبهاني في سنة ثماني عشرة أو سبع عشرة(3) بعد المائة والألف في إصفهان ، وقرأ المقدّمات فيها ، ثمّ انتقل إلى النجف وأكمل فيها دروسه عند العَلَمَين الجَلِيلَين : السيّد محمّد الطباطبائي البروجردي ـ جدّ السيّد بحر العلوم ـ والسيّد صدر الدين القمّي الهمداني شارح كتاب وافية الأصول ، ثمّ انتقل إلى (بهبهان) معقل الأخباريّين في ذلك الزمان ، فمكث هناك ما يربو على ثلاثين سنة ، لعب فيها دوراً هامّاً في التعليم والتربية والتأليف والتصنيف(4) ، فتحوّلت المدرسة العلمية في عهده في هذه المدينة إلى الاتجاه الأصولي.
__________________
(1) الكرام البررة : 1 / 171.
(2) منتهى المقال : 6 / 177 ـ 178.
(3) المصدر نفسه.
(4) انظر م ـ ن : 1 / 178 ، تاريخ الفقه الإسلامي : 418 ، مقدّمة الرياض : 1 / 96 ، الكرام البررة : 1 / 171 ـ 174.

ثمّ ارتحل إلى النجف الأشرف ولم يلبث فيها إلاّ قليلاً ، ثمّ انتقل إلى كربلاء.
وكان نزول الوحيد البهبهاني بهذه المدينة إيذاناً بمرحلة جديدة في الاتجاه الأصولي والاجتهاد ومواجهة المدرسة الأخبارية ، ونجح الوحيد في رسالته العلمية وأبرز الاتّجاه الأصولي واستقطب خيرة تلامذة الشيخ يوسف البحراني وجمعهم حوله ، وانحسرت الحركة الأخبارية وانزوت ولم تستعد نشاطها بعد ذلك التاريخ(1).
ولعلّ المدّة الطويلة التي قضّاها المحقّق الوحيد في مدينة بهبهان ـ وهي يومئذ معقل علماء الأخبارية ـ قد مكّنته من الاطلاع الكافي على مباني وإشكالات التيّار الأخباري ، وحينما لمس عن قرب خطورة هذا التوجّه ، استعدّ لمواجهته بكلّ ما يملك من إمكانات على صعيد البحث النظري أو العملي.
«نقل السيّد مهدي القزويني إنّ البهبهاني في بادئ نشأته كان إخباريّاً نظراً لغلبة هذا التيّار على البيئة الإيرانية ، وكان أُستاذه صدر الدين الكاظمي (ت 1164 هـ) من العلماء الأصوليّين ، وبعد مناقشات بينهما تحوّل التلميذ البهبهاني أُصوليّاً ، والأُستاذ إخباريّاً»(2).
__________________
(1) مقدّمة الرياض : 1 / 96.
(2) المرجعية الدينية : 180 عن السيّد مهدي القزويني في كتابه الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد ، الورقة (51) مخطوط.

وقد انصبّت جهود الوحيد البهبهاني في حوزة كربلاء على محورين :
الأوّل : تربية نخبة من الفقهاء الأصوليّين ليحافظوا على خطّ الزّعامة المرجعية من بعده.
الثاني : تصدّيه لشنّ حملة عنيفة على الاتّجاه الأخباري ، بنقده اللاذع لأهمّ شبهاتهم.
أمّا المحور الأوّل : فقد تحدّثنا عنه ضمن حديثنا عن حوزة النجف الأشرف في دورها الثالث.
وأمّا المحور الثاني : فقد ظهر الشيخ الوحيد في عصر كانت الطريقة الأخبارية فيه سائدة على الساحة العلمية وكان الشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) زعيم هذا الاتجاه العلمي ، فبدأ الوحيد يعمل ضدّ هذا الاتجاه واستطاع أن يحدّ من غلبتها على الرأي العامّ وأن يسير بالفقه الشيعي خطوات واسعة.
والذي يظهر ممّا ذكره مؤرّخو هذا الصراع الفكري ، إنّ الوحيد البهبهاني أَلقى بكلّ ثقله في المعركة ، وصمّم بكلّ عزيمة وإصرار على كسب الجولة من خلال الأساليب العملية التالية :
1 ـ أسلوب المناظرة والمباحثة العلمية :
لقد اتّصف الشيخ الوحيد بأسلوب في الحوار والمباحثة والمناظرة العلمية قلّ مثيلها في علماء عصره ، وكان محاوراً قويّاً وقادراً على إدارة الحوار بصورة ممتازة وجيّدة ، وكان يستخدم الحوار في نقد المدرسة

الأخبارية وتكريس الاتجاه الأصولي بشكل واسع(1).
وممّا ينقل في هذا المجال ما حدّثنا به الفقيه المامقاني في التنقيح : «أنّ الشيخ الوحيد عندما نزل كربلاء ، حضر أبحاث الشيخ يوسف البحراني أيّاماً ، ثمّ وقف يوماً في الصحن الشريف ونادى بأعلى صوته : أنا حجة الله عليكم! فاجتمعوا عليه ، وقالوا ما تريد : فقال : أريد من الشيخ يوسف يمكّنني من منبره ويأمر تلامذته أن يحضروا تحت منبري ، فأخبروا الشيخ يوسف بذلك ، وحيث إنّه كان يومئذ عادلاً عن مذهب الأخبارية ، خائفاً من إظهار ذلك من جهّالهم ، طابت نفسه بالإجابة ...
فارتقى منبر درس الشيخ يوسف البحراني وباحث تلامذته مدّة ثلاثة أيّام ، فعدل ثلثا التلاميذ إلى مذهب الأصولية»(2).
ولم تنتهِ حدود الحوار والمباحثة عند تلامذة الشيخ يوسف البحراني بل امتدت إلى المناظرة مع أستاذهم الشيخ يوسف صاحب الحدائق بنفسه.
فقد كانت المناظرة بينهما على قدم وساق وحامية الوطيس ، حتّى أنَّ الشيخ عبّاس القمّي يحدّثنا في الفوائد الرضوية عن صاحب التكملة ، عن الحاج (كريم) أحد سَدَنَة الروضة الحسينية المقدّسة ، أنّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه ، وذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني والوحيد البهبهاني داخل الحرم وهما واقفان يتحاوران وطال حوارهما حتّى حان وقت إغلاق
__________________
(1) مقدّمة الرياض : 1 / 99 ـ 100.
(2) تنقيح المقال : 2 / 85 ، ترجمة البهبهاني.

أبواب الحرم ، فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم واستمرّا في حوارهما وهما واقفان ، فلمّا أراد السَدَنَة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن وهما يتحاوران ، فلمّا حان وقت اغلاق أبواب الصحن انتقلا إلى خارج الصحن من الباب الذي ينفتح على القبلة ، واستمرّا في حوارهما وهما واقفان ، فتركهما وذهب إلى بيته ونام.
فلمّا حلّ الفجر ورجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني ، سمع صوت حوار الشيخين من بعيد ، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليه في الليلة الماضية ، مستمرّان في الحوار والنقاش ، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى الحرم يقيم الصلاة جماعة ، ورجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن وافترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة ، وأذّن وأقام وصلّى صلاة الصبح(1).
وفي أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه ويدحض شبهاتهم ويكرّس الاتّجاه الأُصولي ويعمّقه.
2 ـ أُسلوب التصنيف والتأليف العلمي :
خلّف الشيخ الوحيد البهبهاني من بعده تراثاً علميّاً تمثّلت في كتب وأبحاث ورسائل وحواشي بلغت ما يقرب من ستّين كتاباً(2) كرّس البعض
__________________
(1) انظر : مقدّمة الرياض : 1 / 100 تاريخ الفقه : 428 ـ 429 نقلاً عن الفوائد الرضوية.
(2) منتهى المقال : 7 / 180 ، وانظر مقدّمة المحقّق السيّد محمّد اليثربي على كتاب العلاّمة الوحيد ـ الرسائل الفقهية ، ط. قم ، حيث قال : تضاهي مؤلّفاته ـ طاب ثراه ـ المائة والثلاثة ، ما بين رسالة مختصرة وكتب مفصّلة : 31.

منها في ردّ الشبهات المثارة ضدّ المدرسة الأُصولية ، ودحض شبهات الأخباريّين ونظريّاتهم.
ومن هذه المؤلّفات يمكن الإشارة إلى :
1 ـ الاجتهاد والأخبار في الردّ على الأخبارية وذكر كيفية الاجتهاد ومقدّماته وأقسامه من المطلق والمتجزّىء؟ وغير ذلك(1).
2 ـ الفوائد الحائرية الأُصول القديمة (العتيقة) ذكر فيها ما لابدّ للفقيه من معرفته.
3 ـ الفوائد الحائرية الأُصول الجديدة ، ويقال لها الملحقات.
4 ـ الردّ على شبهات الأخباريّين على الأُصول المتمسّك بها عند الأُصوليّين والجواب عن كلام صاحب المفاتيح الفيض الكاشاني(2).
5 ـ شرح مفاتيح الشرائع (للفيض الكاشاني).
قال الشيخ الطهراني في الذريعة : وهو غير حاشيته على المفاتيح ... بل الشرح هذا كبير ، ينقل عنه جميع تلاميذه ، ومن تأخّر عنه ، وكلّما يطلق في كتبهم شرح المفاتيح فهو هذا الشرح ، وهو في ثمان مجلّدات(3).
6 ـ التعليقة على الرجال الكبير (وهو منهج المقال للأسترآبادي).
__________________
(1) انظر الذريعة : 1 / 269 ومنتهى المقال : 6 / 180.
(2) انظر الذريعة : 6 / 212 و 14 / 75.
(3) الذريعة : 14 / 75.

وهي «شرح لطيف مفيد نافع ، مبدوء بفوائد خمس رجالية ، وإليه يرجع العلماء حتّى اليوم»(1).
وله رحمه‌الله جملة من الحواشي العلمية على العديد من مهمّات كتب الفقه والحديث منها :
1 ـ حاشية على مجمع الفائدة والبرهان (للأردبيلي) من أوّل كتاب المتاجر إلى آخر الكتاب.
2 ـ حاشية على معالم الدين وملاذ المجتهيدن (للشيخ حسن).
3 ـ حاشية على مسالك الأفهام (للشهيد الثاني).
4 ـ حاشية على المختصر النافع (للمحقّق الحلّي).
5 ـ حاشية على ذكرى الشيعة (للشهيد الأوّل)(2).
وله رسائل علمية في موضوعات شتّى.
وكتب الشيخ الوحيد متينة ومشحونة بالأفكار الفقهية والأُصولية ، وتعتبر جملة من أفكاره التي دوّنها والتي درّسها لتلاميذه أُسساً لعلم الأُصول الحديث(3).
3 ـ التضييق على أقطاب الحركة الأخبارية :
اتّخذ الشيخ الوحيد البهبهاني رضي‌الله‌عنه في مواجهته للحركة الأخبارية
__________________
(1) المصدر نفسه : 4 / 223.
(2) منتهى المقال : 6 / 182.
(3) مقدّمة الرياض : 1 / 102.

موقفاً حاسماً وصلباً ، انطلاقا من تشخيصه لخطورة الموقف فيما إذا استمرّت هذه الحركة في امتدادها ، واستقطابها للوسط العلمي.
وفي نفس الوقت انطلق أقطاب الحركة الأخبارية في مواجهتهم لحركة الاجتهاد من خلال أُسلوب التكفير ، والخروج من الدين ، وخاصّة من قبل مؤسّسها (الأمين الأسترآبادي) الذي هو أوّل من فتح باب الطعن على المجتهدين ، وتقسيم الفرقة الناجية إلى أخباري ومجتهد ، وأكثر في كتابه الفوائد المدنية من التشنيع على المجتهدين بل ربّما نسبهم إلى تخريب الدين(1)!!
ولو استثنينا الشيخ يوسف البحراني رضي‌الله‌عنه من هؤلاء ـ حيث اتّصف بالاعتدال والعقلانية والذي يَردّ على الأمين الأسترآبادي بأنّه «ما أحسن وما أجاد ولا وافق الصواب والسّداد بما قد ترتّب على ذلك منه عظيم العناد ...»(2) ـ لوجدنا جلّ أقطاب الحركة الأخبارية يسلكون هذا المسلك ، ويسيرون على نفس الطريقة في مواجهتهم للحركة الأُصولية الاجتهادية ، من الأمين الأسترآبادي إلى الفيض الكاشاني ، إلى الميرزا محمّد الأخباري.
وقد وصل الأمر إلى درجة : «أنّ الرجل منهم ـ من الأخبارية ـ إذا أراد حمل كتاب من كتب فقهائنا رضي الله عنهم حمله مع منديل»(3).
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 118.
(2) المصدر نفسه : 8 / 1.
(3) منتهى المقال : 6 / 178.

فوقف الشيخ الوحيد موقفا جليلاً صلباً سديداً في ذات الله كسر به شوكتهم ، وحدّد نشاطهم.
ومن جملة ما اتّخذه الشيخ الوحيد رضي‌الله‌عنه في هذا المجال أنّه كان يمنع تلاميذه من حضور دروس الشيخ يوسف البحراني رضي‌الله‌عنه.
يقول صاحب الروضات في ترجمة صاحب الرياض (الطباطبائي) ابن أُخت العلاّمة الوحيد وصهره على ابنته : «أنّه كان يحضر درس صاحب الحدائق ليلاً ، لغاية اعتماده على فضله ومنزلته ، وحذراً من اطّلاع خاله العلاّمة عليه ، وأنّه كتب جميع مجلّدات الحدائق بخطّه الشريف»(1).
هذا الموقف الشديد من قبل الشيخ الوحيد ، له مبرّراته العقلية والشرعية والتي شخّصها العلاّمة الوحيد ، وهو أستاذ الكلّ ، ولم تكن هنالك نزعة ذاتية أو مصالح شخصية تدعو الشيخ لاتّخاذ مثل هكذا موقف ، ولهذا نجد الشيخ يوسف البحراني رضي‌الله‌عنه يلتمس العذر للشيخ الوحيد ، وكان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الشيخ الوحيد ، وكان يقول كلٌّ يعمل بموجب تكليفه ، ويعذر الوحيد في ذلك(2).
وفي خطوة أخرى نجد الشيخ الوحيد يستخدم أسلوب الفتوى في مواجهة هذه الحركة وأقطابها ، فيفتي بحرمة الاقتداء بهم في ممارسة الشعائر
__________________
(1) روضات الجنات : 4 / 403 و 8 / 203.
(2) مقدّمة الرياض : 1 / 101.

الدينية العبادية(1).
وفي المقابل نجد الشيخ يوسف قد أوصى أن يصلّي عليه بعد وفاته الشيخ الوحيد البهبهاني دون غيره من معاصريه.
انتصار علم الأصول وانحسار الاتّجاه الأخباري :
لقد انطلقت الحركة الأخبارية في منهجها الفكري ، وشكّلت تيّاراً عاصفاً ، وتمكّنت من شقّ المدرسة الفقهية عند الشيعة الإمامية إلى شطرين متصارعين ، في فترة زمنية امتدّت إلى قرابة القرنين من الزمن.
والمنهج الفكري للحركة الأخبارية ومنهجها في الاستنباط والاستدلال الفقهي يخالف منهج المذهب الإمامي الإثني عشري ومدرسته في الاجتهاد التي أسّسها فقهاء هذا المذهب بتوجيه ورعاية أهل البيت عليهم‌السلام.
ولهذا تصدّى المجتهدون الشيعة لهذه المدرسة الأخبارية لما تشكّله من خطر جسيم على حركة الاجتهاد ، وعلى الفهم السليم لدين الله وشريعته.
وشهدت ساحة الصّراع بين المدرستين مواجهات عنيفة ، وصلت إلى درجة التكفير والتبديع من جهة ، وبين ممارسة الفتيا ضدّ الطرف الآخر بحرمة الاقتداء بهم في ممارسات الشعائر الدينية العبادية(2) ، أو حرمة الحضور في
__________________
(1) روضات الجنات : 4 / 402.
(2) انظر : روضات الجنّات : 4 / 402.

دروسهم وأبحاثهم من جهة أخرى ، ممّا أدّى ببعض التلامذة إلى الحضور (1) سرّاً في درس الشيخ البحراني.
ويحدّثنا تاريخ الصراع بين المدرستين بأنّ أعنف المواجهات الفكرية هي تلك التي حصلت في كربلاء بين الشيخ يوسف البحراني ممثّل الاتّجاه الأخباري من جهة ، وبين الوحيد البهبهاني ممثّل الاتّجاه الأصولي من جهة ثانية.
وقد تمكّن الوحيد البهبهاني من ربح المعركة الفكرية لمصلحة مدرسة الاجتهاد والأصول ، وبدأت المدرسة الأخبارية بالانحسار والانزواء ، ولم تستعيد نشاطها بعد ذلك ، إلاّ في فترة ظهور الميرزا محمّد الأخباري ، حيث تصدّى له تلامذة الوحيد من أمثال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والشيخ حسن صاحب الجواهر.
ويعود سبب انحسار المدرسة الأخبارية إلى جملة عوامل ذكر بعضها السيّد الشهيد الصدر في دراسته القيمة لهذه الظاهرة(2).
يقول السيّد الشهيد قدس‌سره : «وقد قُدِّرَ للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتّخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له ، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول نشأت في كربلاء أيضاً على يد رائدها المجدّد الكبير (محمّد باقر البهبهاني) المتوفّى سنة (1206 هـ) وقد نصبت هذه المدرسة
__________________
(1) المصدر نفسه.
(2) ذكرنا سابقاً بعض هذه العوامل.

الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية والانتصار لعلم الأصول ، حتّى تضاءل الاتجاه الأخباري ومني بالهزيمة ، وقد قامت هذه المدرسة إلى جانب ذلك بتنمية الفكر العلمي ، والارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى ، حتّى أنّ بالإمكان القول بأنّ ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحقّقون الكبار قد كان حدّاً فاصلاً بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه والأصول.
وقد يكون هذا الدور الإيجابي الذي قامت به هذه المدرسة فافتتحت بذلك عصراً جديداً في تاريخ العلم متأثّراً بعدّة عوامل :
منها : عامل ردّ الفعل الذي أوجدته الحركة الأخبارية ، وخاصّة حين جمعهما بالحوزة العلمية الأصولية مكان واحد هو كربلاء ، الأمر الذي يؤدّي بطبيعته إلى شدّة الاحتكاك وتضاعف ردّ الفعل.
ومنها : إنّ الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد أشبعت ، ولم يبق بعد وضع الوسائل والوافي والبحار إلاّ أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيداً من تلك الموسوعات في عملية الاستنباط.
ومنها : عامل المكان ، فإنّ مدرسة الوحيد نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا سبباً لاستمرارها ومواصلة جهودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلاميذ ... وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيداً

عن المركز وتتلاشى بموت رائدها»(1).
ويمكن أن نضيف إلى ما ذكره السيّد الشهيد رضي‌الله‌عنه عوامل أخرى مكّنت الشيخ الوحيد البهبهاني في حركته الاصلاحية العملية.
ومن هذه العوامل :
1 ـ الموقف المعتدل للشيخ يوسف البحراني رضي‌الله‌عنه اتّجاه الصّراع بين المدرستين :
حيث اتّصفت شخصية الشيخ المحدّث البحراني رضي‌الله‌عنه بخصائص أخلاقية وإيمانية عالية(2) ، كان لها الدور الكبير في نجاح الوحيد البهبهاني في حركته الاصلاحية العلمية ، وفي مواجهته للحركة الأخبارية والانتصار عليها.
ومن أهمّ هذه الخصائص التي امتاز بها الشيخ البحراني قدس‌سره :
أوّلاً ـ الإحساس بالمسؤولية :
لقد انطلق المحدّث البحراني رضي‌الله‌عنه في تعامله مع مفردات الصّراع الأخباري الأصولي من منطلق المسؤولية الشرعية ، وبدأ يعمل بموجب هذا الوعي وهذه المسؤولية على تضييق رقعة الخلاف ، وإزالة الحواجز التي أقيمت داخل هذه المدرسة بين هاتين الفئتين ، بدلاً من التصعيد لمفردات الصّراع أو تجريد لسان التشنيع أو التكفير للطرف الآخر(3).
__________________
(1) المعالم الجديدة : 85 ـ 86.
(2) قد أشرنا سابقاً إلى بعض هذه الخصائص في شخصية الفقيه والمحدّث البحراني رحمه‌الله.
(3) انظر الحدائق الناضرة : 1 / 167 ، المقدّمة الثانية عشر.

«والحقيقة إنّ هذا الموقف الذي وقفه الشيخ يوسف من هذا الصراع كان له تأثير بالغ الأهمّية في إعادة الانسجام إلى مدرسة أهل البيت ، وإزالة التطرّف الذي أصاب هذه المدرسة في فترة الصّراع ، وعودة الاعتدال والعقلانية إلى هذه المدرسة»(1).
ثانياً ـ الورع والتقوى والتجرّد عن الأَنا :
تدلُّ مواقف الشيخ البحراني رحمه‌الله من خلال مواجهته للصّراع الدائر بين المدرستين أنّ هذا الفقيه الجليل كان في غاية من الورع والتقوى والتجرّد عن الأنا ، لا ينالها إلاّ ذو حظّ عظيم من الإخلاص لله تعالى.
فممّا يُروى من سيرة هذا الفقيه الجليل إنّه رغم الصّراع الطويل الذي خاضه مع الوحيد البهبهاني في أمر الأصول والاجتهاد ، أوصى أن يصلّي عليه بعد وفاته الوحيد البهبهاني دون غيره من معاصريه ، رغم أنّ الوحيد قد أفتى بحرمة الاقتداء بالشيخ البحراني في الصّلاة(2).
ورغم أنّ الوحيد قد أفتى بحرمة حضور درس الشيخ البحراني ، وشدّد الملامة على كلّ من حضر في مجلس إفادته ، بحيث نُقِل «أنَّ ابن أخته صاحب رياض المسائل ، كان من خوفه يدخل على ذلك الجناب ـ أي الشيخ يوسف ـ ويقرأ عليه ما كان يقرأ عليه ليلاً ومتخفّياً لا جهراً»(3).
__________________
(1) مقدّمة رياض المسائل : 1 / 98.
(2) انظر روضات الجنّات : 4 / 402.
(3) روضات الجنّات : 8 / 203.

إلاّ أنّ الشيخ يوسف رحمه‌الله لم يتّخذ نفس الموقف اتّجاه درس الشيخ الوحيد ، بل سمح لطلاّبه ومريديه بحضور درس الوحيد «فلم يمض مدّة حتّى استقطب فضلاء طلاّب الشيخ يوسف البحراني كالسيّد مهدي بحر العلوم ، والسيّد مهدي الشهرستاني ، وتحوّل جمع من تلامذة الشيخ يوسف من درسه إلى درس الوحيد البهبهاني»(1).
بل وصلت حالة التجرّد عن الأنا عند الشيخ يوسف البحراني إلى درجة عالية جدّاً حتّى يقال : إنّه ـ أي الوحيد ـ ارتقى منبر درس الشيخ يوسف البحراني وباحث تلامذته مدّة ثلاثة أيّام ، فعدل ثلثا التلاميذ إلى مذهب الأصولية(2).
ثالثاً ـ ابتغاء الحقّ ونبذ التطرّف :
وهذه سمة أخرى تحلّى بها هذا الفقيه الجليل حيث إنّه رحمه الله كان رائده الحقّ ، وسلوكه الاعتدال ، وهذا ما نلاحظه من خلال شجبه للتطرّف الذي كان من المحدّث الاسترآبادي والفيض الكاشاني وأمثالهما(3).
ولابدّ أن نقول مرة أخرى اعترافاً بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف الحدائق : إنّ تقوى الشيخ وخلوصه وصدقه وابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الذي جرى على يد الوحيد في كربلاء.
__________________
(1) مقدّمة رياض المسائل : 1 / 99.
(2) تنقيح المقال : 2 ، ترجمة البهبهاني.
(3) انظر لؤلؤة البحرين ـ : 117 ـ 118 ، 121 والدّرر النجفية : 87.

ولو كان الشيخ يوسف من موقعه العلمي والاجتماعي يريد أن يجادل الوحيد ، ويظهر عليه ، لطالت محنة هذه المدرسة الفقهية ، واتّسعت مساحة الخلاف فيها ، وتعمّق فيها الخلاف ، ولكنّ الشيخ يوسف كان يؤثر رضا الله والحقّ على أيّ شيء آخر(1).
2 ـ تلاشي شبهات الأخباريّين :
إنّ الشبهات التي انطلق منها الأخباريّون في حملتهم ضدّ المدرسة الأصولية وأقطابها أخذت تتلاشى بمرور الزّمن ، فلم يعد إلغاء وظيفة المجتهد أو النظر إلى الاجتهاد على أنّه بدعة تسرّبت إلى المذهب الإثني عشري قضية تستوجب النقض بعد ما ثبت استمرار خطّ الاجتهاد عمليّاً.
كما أنّ (المجتهد) برهن على أنّه ليس وعاء ناقلاً للأحاديث فحسب ، وإنّما هو مستفيد منها في عملية استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيلية وإعمال الملكة.
حوزة كربلاء في دورها الثالث :
توفّي الشيخ يوسف البحراني في كربلاء عام (1186 هـ) ، ومن بعده ـ بعقدين من الزمن ـ توفّي الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) ،
__________________
(1) مقدّمة رياض المسائل : 1 / 100.

ودفنا متجاورين في الرواق الشرقي من الحضرة الحسينية الشريفة.
وبوفاتهما فقدت حوزة كربلاء هذين العلمين الفذّين ، وترك فقدهما فراغاً علميّاً كبيراً في دنيا الاجتهاد والفقاهة عامّة وفي الحوزة العلمية في كربلاء خاصّة ، إلاّ أنّ جذوة العلم وحركته لم تنطفئ بوفاة هذين العلمين ، إذ أثمرت جهودهما العلمية في تربية العلماء والفقهاء عن بروز نخبة من أساطين الفقه والأُصول ممّن واصلوا جهود أُستاذهم الوحيد ، فواصلت المسيرة الفقهية في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام من خلال جهودهم ، وجهود تلامذتهم ، وتلامذة تلامذتهم حركتها العلمية ، ومسيرتها الفقهية والأُصولية.
وقد شهدت حوزة كربلاء هجرة الكثير من تلامذة الشيخ الوحيد إلى النجف الأشرف ، بعضهم هاجر منها في أواخر حياة أُستاذه الوحيد وبإيعاز منه ، والبعض الآخر هاجر منها بعد وفاته.
وبهؤلاء المهاجرين بدأت حوزة النجف الأشرف دورتها الثالثة ـ والتي تحدّثنا عنها سابقاً ـ وأصبحت الحوزة الرئيسية للشيعة ، بعد أن فقدت حوزة كربلاء مركزيّتها بوفاة زعيمها الشيخ الوحيد.
إلاّ أنّ بعض تلامذة الوحيد آثروا البقاء في حوزة كربلاء ، واستمرّت بهم وبتلامذتهم الحركة العلمية في حوزة كربلاء.
يقول العلاّمة المامقاني في ترجمة الشيخ الوحيد البهبهاني : «وقد عمّر وجاوز التسعين ، واستولى عليه الضعف أخيراً ، وترك البحث ، وأمر بحر العلوم بالانتقال إلى النجف الأشرف والاشتغال بالتدريس فيها ، وأمر صهره ـ

صاحب الرياض ـ بالتدريس في كربلاء المشرّفة ...»(1).
وقد تحدّثنا سابقاً عن بعض تلامذة الشيخ الوحيد ممّن انتقلوا إلى النجف الأشرف من أمثال السيّد مهدي بحر العلوم (ت 1212 هـ) والشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1227 هـ) والسيّد جواد العاملي (ت 1226 هـ) ... وغيرهم من أعلام النجف الأشرف وحوزتها العلمية في دورها الثالث.
وهنا نواصل حديثنا عن حوزة كربلاء في دورها الثالث من خلال أعلام فقهائها من تلامذة العَلمين البحراني والوحيد ، وتلامذة تلامذتهما ، وإبراز جهودهم العلمية ، وآثارهم الفقهية والأُصولية.
ومن أبرز العلماء الذين كان لهم حضورهم الفاعل في حوزة كربلاء هم :
1 ـ السيّد مير علي الكبير بن منصور بن أبي المعالي (ت 1207هـ) :
يتّصل نسبه الشريف بالإمام زيد الشهيد رضي‌الله‌عنه ، وهو من مشاهير علماء عصره ...
وقد تتلمذ على الشيخ آغا باقر البهبهاني والشيخ يوسف البحراني والسيّد نصر الله الفائزي الحائري ، غير أنّه اختصّ بالأوّل ـ البهبهاني ـ لمصاهرته به حيث تزوّج ببنت خالة الشيخ المذكور ، وقام بأعمال مهمة تدرّ فوائد جسام ، وخلّف صدقات جارية النفع والثمر في كربلاء وانتشر عقبه في
__________________
(1) تنقيح المقال : 2 / 85.

بلاد العجم»(1).
قال السيّد الأمين : السيّد مير علي : «حائري المولد والمسكن والمدفن ؛ فقد توفّي في كربلاء سنة (1207 هـ) ... وهو غير السيّد مير علي الصغير صاحب الرياض ، وإن كان كلّ منهما ابن أُخت الآقا البهبهاني ، لكنّ الثاني حسني طباطبائي ، والأوّل حسيني ، ذكره الآقا أحمد سبط الآقا البهبهاني في رسالته جهان نما وأثنى عليه ووصفه بغاية التقديس والصّلاح ، رئي له عدّة تصانيف لم تخرّج إلى المبيضّة ، لم يمكث بعد خاله الآقا البهبهاني إلاّ قليلاً فلذا لم يشتهر اسمه ، واشتهر اسم صاحب الرياض لمكثه كثيراً بعد خاله ، هكذا يقال والله أعلم بحقيقة الحال ، وهنالك حكاية ينقلها السيّد الأمين تتعلّق بالسيّدين العليّين الصغير والكبير ووضعهما المالي»(2).
2 ـ السيّد محمّد مهدي الشهرستاني الموسوي (ت 1216 هـ) :
وقد عرّف نفسه في آخر إجازته لتلميذه السمناني فقال : «محمّد مهدي بن أبي القاسم الموسوي الشهرستاني أصلاً والإصفهاني مولداً والكربلائي مسكناً بل مدفناً»(3).
ترجم له سيّد الأعيان ترجمة مطوّلة جاء فيها : «ولد المترجم له في إصفهان وتوفّي في كربلاء ... وهو من سلالة علوية عريقة ... انتقل في
__________________
(1) تراث كربلاء : 261 ـ 262.
(2) أعيان الشيعة : 8 / 349.
(3) المرجع نفسه : 10 / 165.

عنفوان شبابه إلى مدينة كربلاء لتلقّي العلم فيها ... وأخذ يتلقّى العلم لدى فحول علماء ذلك العصر وعلى رأسهم المولى آقا محمّد باقر ... المعروف بالوحيد البهبهاني ، والمترجم أحد المهادي الأربعة الذين كانوا الأوائل في تلامذة الوحيد البهبهاني ، وهم : 1 ـ السيّد محمّد مهدي الشهرستاني. 2 ـ والسيّد محمّد مهدي بحر العلوم الطباطبائي. 3 ـ والميرزا المولى محمّد مهدي النراقي. 4 ـ والميرزا محمّد مهدي الطوسي الخراساني المعروف بالشهيد الثالث ، وقد استوطن الأوّل مدينة كربلاء ، وانتقل الثاني إلى مدينة النجف وأقام بها ، ورجع الثالث إلى تبريز ، وعاد الرابع إلى مشهد الرضا عليه‌السلام». ثمّ ينقل السيّد الأمين عن أحد تلامذة الشهرستاني ضمن كتاب مخطوط له قوله : «السيّد الجليل والأُستاذ النبيل محمّد مهدي بن أبي قاسم الموسوي الشهرستاني ... شيخنا الأمجد ، عالم ، فاضل ، كامل ، باذل ، محقّق ، مدقّق ، متبحّر ، جامع ، ثقة ، فقيه ، وجيه ، شريف الأخلاق ... وهو من أرشد تلامذة الشيخ يوسف البحراني ، والمولى محمّد باقر البهبهاني ، إلاّ أنّ له في الفقه ميلاً إلى طريقة الفاضل البحراني ، قرأنا عليه شرح اللّمعة ، وقواعد العلاّمة من البداية إلى النهاية ، ومن الحديث وغيره ...». وذكر السيّد الأمين مؤلّفاته وهي : الفذالك في شرح المدارك والمصابيح في الفقه وبعض الحواشي والرسائل ...
وأمّا أساتذته : فقد تتلمذ على الوحيد والبحراني ، بالإضافة إلى محمّد مهدي الفتوني العاملي ، وروى عنهم واستجازهم فأجازوه.

وأمّا تلامذته والمجازون منه فيعدّ المترجم له من كبار شيوخ إجازة الحديث ، وكان مشتهراً في درس التفسير والحديث والفقه واللغة ، وقد تخرّج عليه كثير من العلماء كالشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي ، والسيّد عبد الله شبّر ، والسيّد صدر الدين العاملي ، والسيّد عبد المطّلب بن أبي طالب ، والسيّد دلدار النقوي ، والشيخ أسد الله الكاظمي ، والسيّد محمّد حسن الزنوزي التبريزي ، والمولى أحمد بن محمّد مهدي النراقي ... وغيرهم ... وقد صدرت الإجازات منه لكثير من تلامذته ...
توفّي بكربلاء في 12 صفر سنة (1216 هـ) ودُفن بمقبرته التي كان قد أعدّها لنفسه في حياته في الرواق الجنوبي الشرقي من الحضرة الحسينية بجوار قبور الشهداء والتي أصبحت فيما بعد مقبرة الأُسرة الشهرستانية من أولاد المترجم وأحفاده(1).
يبقى أن نذكر ـ والفضل يذكر لأهله ـ أنّ الأُسرة الشهرستانية الكريمة من الأُسر الشهيرة في العراق وإيران ، ونبغ منها خلال المائتي سنة الأخيرة رجال أفذاذ ، انتقلت إلى كثير منهم الرئاسة الدينية والزعامة الدنيوية في العراق وإيران وخاصّة مدينة كربلاء ... وعرفت هذه الأُسرة بالكرم والجود والخدمات والإصلاحات الجليلة وتوارثوا ذلك كابر عن كابر ، وخلف عن سلف ، فالسيّد مهدي المترجم له كان : «باسط الجود والكرم لكلّ من قصد
__________________
(1) أعيان الشيعة : 10 / 163 وما بعدها.

وأمّ» كما يقول تلميذه الزنوزي في رياض الجنة. وجدّهم الأعلى السيّد فضل الله الشهرستاني الوزير الأعظم للشاه طهماسب الأوّل الصفوي ، واقف للأوقاف العظيمة من مدن إيران والتي خصّص ريعها على مراقد الأئمّة الأطهار عليهم‌السلامسواء في الحجاز أو في العراق أو في إيران ، وذلك حسب وثيقة الوقفية التاريخية المؤرّخة في 7 رمضان سنة (963 هـ) ، والتي يبلغ طولها أكثر من عشرة امتار والموجودة لدى حفيد المترجم السيّد صالح الشهرستاني نزيل طهران.
وقام السيّد مهدي باصلاحات كثيرة في الحضرة الحسينية والصحن الحسيني ذكرها سيّد الأعيان ... (1) وورث حركة الإصلاح هذه السيّد الدكتور المهندس محمّد علي الشهرستاني الذي توفّي أخيراً رحمه الله حيث قام بحركة إصلاح كبيرة في حرم الكاظمين وسامرّاء وكربلاء ، ومن قبل ذلك في مكّة والمشاعر ، وكذلك في مدينة مشهد ، ولا ننسى العلاّمة السيّد جواد الشهرستاني نجل المرحوم آية الله عبد الرضا الشهرستاني فخدماته في إيران والعراق والعالم الإسلامي خدمات كبيرة وجليلة ونافعة ، وهو عنوان الجود والكرم والنبل ، ويعجز القلم عن وصف سجاياه وأخلاقه النبيلة(2).
__________________
(1) المرجع نفسه : 10 / 165.
(2) ترجم الشيخ الطهراني لآل الشهرستاني في موسوعته الطبقات ، أنظر : الكرام البررة : 1 / 254 و 2 / 627 و 4 / 1410. وللتوسّع انظر ؛ محمّد قاسم هاشمي في كتابه : تاريخ پانصد ساله خاندان شهرستاني بالفارسية.

3 ـ السيّد علي الطباطبائي (ت 1231 هـ) :
قال السيّد الأمين في الأعيان : «ولد في الكاظمية 12 ربيع الأوّل سنة (1161 هـ) وتوفّي سنة (1231 هـ) ، وجاء في تاريخ وفاته (بموت عليٍّ مات علم محمّد) ودُفن في الرواق الشريف ممّا يلي مقابر الشهداء ، وهو مع الآقا البهبهاني في صندوق واحد يزار ...
أمّا أقوال العلماء فيه ـ فهي كثيرة ـ فهو المحقّق المؤسّس الذي ملأ الدنيا ذكره وعمّ العالم فضله ، تخرّج عليه علماء أعلام وفقهاء عظام صاروا من أكابر المراجع في الإسلام كصاحب المقابيس ، وصاحب المطالع ، وصاحب مفتاح الكرامة ، وأمثالهم من الأجلّة ، وقد ذكروه في إجازاتهم ومؤلّفاتهم ووصفوه بأجمل الصفات ... ثمّ ينقل السيّد الأمين أقوال أُولئك الأعلام الثلاثة بحقّ أُستاذهم.
وأمّا مؤلّفاته وآثاره العلمية فهي كثيرة ذكر منها صاحب الأعيان تسعة عشر أثراً وتأليفاً من أهمّها : 1 ـ الرياض. 2 ـ حاشية على المدارك. 3 ـ حاشية على الحدائق. 4 ـ شرح مبادئ الأُصول للعلاّمة ... وغير ذلك من الحواشي والتعليقات وأجوبة المسائل.
يروي عن السيّد عبد الباقي الإصفهاني عن والده المير محمّد حسين عن جدّه لأُمّه المجلسي ، ويروي أيضاً عن خاله وأُستاذه الآقا محمّد باقر

البهبهاني ، وعن صاحب الحدائق(1).
4 ـ السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي (ت 1242 هـ) :
ترجم له السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل فقال : «السيّد محمّد المجاهد بن المير علي صاحب الرياض بن السيّد محمّد علي الطباطبائي.
علاّمة العلماء الأعلام ، وسيّد الفقهاء العظام ، وأعلم أهل العلم بالأُصول والكلام. تخرّج على السيّد الأجل بحر العلوم ، وهو صهره على ابنته الوحيدة أمِّ أولاده الأفاضل ، وعلى والده العلاّمة ، وكدّ وجدّ في تحقيق حقائق علمي الفقه والأُصول ، حتّى جزم والده العلاّمة بأعلميته منه وصار لا يفتي وابنه موجود في كربلاء ، فعلم بذلك ابنه ورحل إلى إصفهان وسكنها ثلاث عشرة سنة ، وهو المدرّس فيها والمرجع في علمي الأُصول والفقه لكلِّ علمائها ، وصنّف فيها المفاتيح وغيره حتّى توفّي والده ، فرجع إلى كربلاء فكان المرجع العام لكلّ الإمامية في أطراف الدنيا ، وقام سوق العلم في كربلاء وصارت الرحلة إليه في طلب العلم من كلّ البلاد»(2).
وينقل السيّد الأمين في الأعيان هذا المقطع من أمل الآمل ويعلّق عليه بقوله : «ونرجو أن لا يكون في هذه الترجمة بعض المبالغة ، لا سيّما كونه أعلم من أبيه صاحب الرياض ، ولسنا نعلم من حقيقة حاله شيئاً لنبدي رأينا
__________________
(1) أعيان الشيعة : 8 / 314 ـ 315.
(2) تكملة أمل الآمل : 5 / 53 برقم 2072.

فيها»(1).
وعرف السيّد محمّد بلقب (المجاهد) لأنّ الروس في سلطنة فتح علي شاه القاجاري تعدّوا على بعض حدود إيران فطلب المترجم من الشاه إعلان الحرب على روسيا ، ولمّا كان الشاه يعلم عدم قدرة الدولة الإيرانية على ذلك لم يجب إلى هذا ، فأصرّ عليه السيّد ، وكتب إليه إن لم تقم أنت بالجهاد قمت أنا به ، فلم يجد الشاه بدّاً من إجابته ، وتوجّه السيّد مع جماعة من العلماء والطلاّب وأهل الصّلاح إلى بلاد إيران ، فلمّا دخلها عظّمه أهلها غاية التعظيم ... حتّى إذا اقترب من طهران استقبله الشاه وجميع أهل طهران ... ونهض للجهاد ، ورأسَ الشاه ابنه ووليَّ عهده عبّاس ميرزا على الجيش والتقى الإيرانيّون بالروس في (تفليس) ، وكان من نتيجة ذلك انكسار الإيرانيّين وضياع عدّة ولايات من إيران استولى عليها الروس ودفع غرامة حربية أثقلت كاهل دولة إيران ...»(2).
وعلّل بعضهم هذا الانكسار بالخيانة من قبل الشاه ... ولم يرتضِه السيّد الأمين في أعيانه ، وأرجع سبب الانكسار إلى عوامله الطبيعية وهي بنظره : «تفوّق جيش العدوّ على جيش إيران في العدّة والعدد ، ومعرفته بالفنون الحربية الجديدة وجهل عسكر إيران. وكيف يمكن أن يكون الجيش الذي قائده عبّاس ميرزا الجاهل بفنون الحرب ، الذي قضى عمره في نعيم
__________________
(1) أعيان الشيعة : 9 / 443.
(2) المرجع نفسه : 9 / 443.

السلطنة وترفها! ومديره ؛ عالم لا يعلم من شؤون الدنيا سوى البحث في مسائل الأُصول والفقه وصلاة الجماعة والزيارة والتهجّد! والمحاربون فيه عسكر لا تعلم من الفنون الحربية شيئاً! وطلاّب وصلحاء لا يعرفون سوى المدرسة الدينية والمسجد! كيف يمكن أن يغلب هذا الجيش جيشاً مدرّباً يفوقه أضعافاً مضاعفة في العدّة والعدد والعلم والفنون الحربية؟! والسيّد المجاهد مأجور على كلّ حال على نيّته»(1).
ومهما يكن من أمر ، فبعد أن «انكسر عسكر الإسلام ، رجع السيّد وقد اسودّت الدنيا بعينه ، حتّى أنّه لمّا وصل إلى أردبيل لم يتكلّم سبعة أيّام ، ولمّا وصل إلى قزوين توفّي قدس‌سره ، وكانت وفاته سنة (1242 هـ) ، وحُمل نعشه الشريف إلى كربلاء ، ودُفن بين الحرمين ، وقبره مزار معروف عليه قبّة معظّمة في المدرسة المعروفة بمدرسة البقعة»(2).
وقد خلّف السيّد المجاهد آثاراً علمية مهمّة منها : مفاتيح الأُصول ، ومنها :
مناهل الأحكام ، والكتابان مطبوعان بطبعات حجرية ، وعرف السيّد بهما فيقال صاحب المفاتيح أو صاحب المناهل ، وهنالك مؤلّفات أخرى له ذكرها صاحب الأعيان والشيخ الطهراني في الطبقات(3).
__________________
(1) المرجع نفسه : 9 / 443 ، وأمل الآمل : 5 / 54 ـ 55.
(2) تكملة أمل الآمل : 5 / 55.
(3) أعيان الشيعة : 9 / 443 ، الطبقات الكرام البررة ، القسم الثالث : 425.

5 ـ المولى الشيخ محمّد شريف بن حسن علي المازندراني الحائري المعروف بشريف العلماء (ت 1246 هـ) :
قال عنه السيّد الأمين : «ولد في كربلاء وتوفّي فيها سنة (1245 هـ)» ودُفن قرب باب القبلة شيخ العلماء ومربّي الفقهاء ، مؤسّس علم الأُصول ، جامع المعقول والمنقول ، نادرة الدهر وأُعجوبة الزمان.
قرأ أوّلاً على السيّد محمّد المجاهد ، ثمّ قرأ على والده صاحب الرياض في الأُصول والفقه ، حتّى استغنى عن الأُستاذ ولم يعد ينتفع بدرسه فسافر مع أبيه إلى إيران وساح فيها وبقي في كلّ بلد شهراً أو شهرين فزار الرضا عليه‌السلام ورجع إلى كربلاء وحضر درس صاحب الرياض فرأى أنّه لا يستفيد من درسه ، وصار السيّد معمّراً. فاشتغل بالمباحثة والمطالعة واجتمع في درسه الفضلاء حتّى زادوا على الألف ، منهم : السيّد إبراهيم صاحب الضوابط ، وملاّ إسماعيل اليزدي ... وملاّ آقاي دربندي ، وسعيد العلماء البارفروشي ، والشيخ مرتضى الأنصاري ، والسيّد محمّد شفيع الجابلقي ... وغيرهم. وكان يدرّس درسين أحدهما للمبتدئين والآخر للمنتهين ، وقلّما رئي مثله في تأسيس قواعد الأُصول. وقد صرف عمره في تربية العلماء ، ولهذا كان قليل التصنيف ، ومصنّفاته على قلّتها لم تخرج إلى البياض.
وكان أُعجوبة في الحفظ والضبط ودقة النظر وسرعة الانتقال في

المناظرات وطلاقة اللسان ، وله يد طولى في علم الجدل ...»(1).
وقال عنه السيّد حسن الصدر ـ وهو من المعاصرين له ، وهو الذي أعطى للشريف إجازة الاجتهاد ـ : «وفضيلة كلّ من تأخّر عنه في القواعد الأُصولية مأخوذة عنه! وصرف عمره الشريف في تربية الطالبين ، وكان له مجلسان .. ، ويدرّس في أيّام التعطيل بجمع آخر من الطالبين ، وفي شهر رمضان يدرّس باللّيل ، وكان مشغولاً بالطالبين إلى نصف الليل بالمباحثة وبعده بالزيارة والعبادة ، فلذا كان قليل التصنيف ...».
ثمّ يضيف السيّد الصدر : «وقلت له رحمه‌الله في زمان : اشتغل بالتصنيف والتأليف وأثبت هذه التحقيقات التي لم تصل إليها أيدي العلماء الماهرين والفضلاء المتبحّرين والفقهاء الكاملين ، فأجابني : بأنّ تكليفي تربية الطالبين وتعليم المتعلّمين وما ألّفتموه وصنّفتموه فهو مني». ثمّ يضيف السيّد الصدر : «وحدّثني شيخنا الفقيه الشيخ محمّد حسن آل يس ـ وكان أحد تلامذته ـ قال : كان يدرّسنا في علم الأُصول في المدرسة المعروفة بمدرسة حسن خان ، وكان يحضر تحت منبره ألف من المشتغلين ، وفيهم المئات من العلماء الفاضلين ، ومن تلامذته شيخنا العلاّمة المرتضى الأنصاري ، وهو منقّح تلك التحقيقات الأنيقة ، وكفى بذلك فخراً».
ثمّ يقول : «وكان بعض تلامذته كالفاضل الدربندي يفضّله على جميع
__________________
(1) أعيان الشيعة : 9 / 364.

العلماء المتقدّمين حتّى العلاّمة ، بدعوى توقّف الاجتهاد على أُصول شريف العلماء ...»(1).
أقول : ولعلّ الابتكارات الأُصولية التي أظهرها الشيخ الأنصاري ، ما هي إلاّ شذرات من أفكار أُستاذه الشريف ، فعمل الشيخ الأعظم الأنصاري عليها وطوّرها وجذَّرها في أذهان تلاميذه ، ودوّنها في رسائله وفرائده الأُصولية.
توفّي شريف العلماء في الطاعون الجارف سنة (1245 هـ) أو (1246 هـ) ودفن في داره بكربلاء وقبره مزار معروف في زقاق (كَدا علي) المتفرّع من شارع الحسين عليه‌السلام وإلى جانبه مدرسة شريف العلماء(2).
وبوفاة شريف العلماء فقدت حوزة كربلاء أهمّ عَلم من أعلامها ، بل إنّ الحوزة العلمية الكربلائية قد اختتمت به بحسب رأي السيّد حسن الصدر في التكملة حيث يقول : «ومن مراكز أهل العلم للشيعة كربلاء الحائر الحسيني على مشرّفه السّلام زها العلم فيه .. ، واستمرّ العلم فيها إلى أيّام شريف العلماء الذي كانت إليه الرحلة»(3).
ورأي السيّد الصدر قد يكون وجيهاً من جهة ، إلاّ أنّ مسيرة العلم لم تتوقّف في الحوزة الكربلائية بعد وفاة شريف العلماء ، وإنّما برز فيها علماء ومراجع ، واستمرّت فيها حوزة الدرس والتدريس إلى منتصف القرن الرابع
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 3 / 158 ـ 159.
(2) تراث كربلاء : 268.
(3) تكملة أمل الآمل : 6 / 425.

عشر.
نعم قد تكون المرحلة اللاحقة لرحيل الشريف المازندراني قد اتّسمت ببعض الفتور النسبي نتيجة لظروف موضوعية ، إلاّ أنّها لم تتوقّف أو تضمحلّ.
6 ـ الشيخ خلف بن عسكر الحائري (ت 1246 هـ) :
وهو من تلامذة صاحب الرياض والملازمين له ... وكان من أجلاّء المدرّسين في حوزة كربلاء ، وتخرّج عليه كثير من أهل العلم والفضل ... ترك آثاراً فقهية منها : شرح الشرائع في عدّة مجلّدات ، والخلاصة وملخّص الرياض ومقدّمات الحدائق(1).
7 ـ الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (ت 1241 هـ) :
وهو من أشهر العلماء الذين كان لهم حضور فاعل في حوزة كربلاء العلمية ، له ترجمة مطوّلة في كتب التراجم والسير ، كما أنّ زميلنا السيّد هاشم الشخص (حفظه الله) قد جمع ترجمته في كتابه أعلام هجر جاء فيها : «... إنّه ولد في الأحساء عام (1166 هـ) ، وتلقّى فيها مبادئ العلوم حتّى أكمل المقدّمات والسطوح ، ثمّ هاجر إلى العراق عام (1186 هـ) وهو ابن عشرين سنة ، وحضر في كربلاء بحث الآغا باقر الوحيد البهبهاني ، والسيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض ، والسيّد ميرزا مهدي الشهرستاني. ثمّ هاجر إلى
__________________
(1) الكرام البررة : 2 / 501 ـ 502.

النجف الأشرف وحضر درس الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والسيّد محمّد مهدي بحر العلوم ، فأُولئك هم أساتذته ومشايخه في الرواية بالإضافة إلى الشيخ حسين آل عصفور البحراني (ت 1216 هـ) والشيخ أحمد الدمستاني البحراني ... وغيرهم من المشايخ.
وتتلمذ عليه عدد كبير من العلماء حتّى قيل : «إنّ له تلامذة كثيرين بلغوا الاجتهاد أكثر من مائة عالم عامل» ، منهم السيّد عبد الله شبّر (ت 1242 هـ) ، والشيخ ملاّ هادي السبزواري صاحب المنظومة (ت 1289 هـ) ، والسيّد محسن الأعرجي (ت 1227 هـ). والسيّد كاظم الرشتي (ت 1259 هـ) والميرزا حسن بن علي الشهير بـ : (كوهر) (ت 1266 هـ) والمولى محمّد بن الحسين المعروف بـ : (حجة الإسلام) ، وهؤلاء الثلاثة ـ الرشتي وكوهر وحجّة الإسلام ـ كانوا من خواصّ تلامذته المقرّبين وهم الذين نشروا علومه ، وروّجوا آراءه. وهنالك تلامذة آخرون ، كما أنّه يروي عنه ثلّة من الأعلام ...
لقد قضى الشيخ الأحسائي في كربلاء والنجف مدّة طويلة لم تحدّد بدقّة ، غادر بعدها إلى بلده الأحساء ، ثمّ كانت له سفرات إلى البحرين ، والعتبات في العراق ، وسكن البصرة ، ثمّ هاجر إلى إيران فسكن مدينة يزد مدّة ثمّ طهران أخرى ، ثمّ زار الإمام الرضا عليه‌السلام وعاد وسكن إصفهان ثمّ كرمنشاه وقزوين وشاه عبد العظيم ثمّ عاد إلى كربلاء ونزلها مستوطناً ، إلاّ أنّه خرج منها نتيجة خلافات عقائدية ، وخلّف تلميذه الرشتي فيها ، وتوفّي في

طريقه إلى المدينة عام (1241 هـ) ودفن في البقيع ...»(1).
8 ـ الشيخ كاظم الرشتي (ت 1259 هـ) :
ترجم له في ريحانة الأدب فقال : «السيّد كاظم بن قاسم الحسيني الكيلاني الرشتي الحائري ، من علماء أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، ومن أكابر تلامذة الشيخ أحمد الاحسائي ، وبعد وفاة أُستاذه المذكور تولّى المرجعية في جميع الأُمور الدينية ، فكان عميداً للطريقة الشيخية وله تآليف كثيرة»(2).
وتحدّث عن مؤلّفاته صاحب أحسن الوديعة ضمن حديثه عن أُستاذه الأحسائي فقال : «... السيّد كاظم بن قاسم الرشتي صاحب المؤلّفات الكثيرة التي لم يفهم أحد ما يقول فيها ، وكأنّه يتكلّم بالهندية إذ كتبه ولا سيّما شرح القصيدة والخطبة مشحونة بالألغاز والمعمّيات ، خالية عن صريح العبارات والدلائل الساطعات»(3).
لقد تتلمذ السيّد الرشتي على الشيخ أحمد الأحسائي ، وتأثّر بمبادئه وآرائه المخالفة للآراء الأُصولية ، وعرف مذهبه بـ : (الكشفي) أو (پشت سري) ، أمّا مذهب الفرقة الأُصولية فيعرف بـ : (البالاسرية) ، وكانت بين
__________________
(1) أنظر : أعلام هجر : 1 / 172 وما بعدها بتلخيص.
(2) ريحانة الأدب فارسي : 2 / 77.
(3) أحسن الوديعة : 2 / 108.

الفريقين خصومات حادّة(1) لا مجال للحديث عنها.
وعقائد الكشفية هي عقائد الشيخية موسّعة في شرح المطالب ، انتشرت في أنحاء عديدة من العراق وإيران ، وآل الرشتي معروفون في كربلاء ، وهم ذرّية السيّد الكاظم ، ومنهم في إيران(2).
ونشير إلى أنّ من الكشفية نشأت بليّة البابية ، فإنّ الميرزا علي محمّد الشيرازي ـ مؤسّس البابية ـ كان من تلامذة الرشتي(3).
9 ـ الشيخ محمّد حسين الإصفهاني (ت 1261 هـ) ؛ صاحب الفصول : ترجم له سيّد الأعيان فقال في ترجمته : «محمّد حسين عبد الرحيم الرازي الأصل الحائري المسكن والمدفن صاحب الفصول ، توفّي في كربلاء سنة (1261 هـ).
الفقيه الأُصولي الشهير ، أخذ عن أخيه الشيخ محمّد تقي صاحب هداية المسترشدين ، وعن الشيخ علي بن الشيخ جعفر ، واختار الإقامة في كربلاء ، فرحل إليه الطلاّب ، وأخذ عنه جماعة من العلماء مثل الحاج ميرزا علي تقي ، والميرزا زين العابدين الطباطبائيّين ، وله مؤلّفات في الأُصول منها الفصول وهي من كتب القراءة في هذا الفنّ ، أورد فيه مطلب القوانين ،
__________________
(1) تراث كربلاء : 269.
(2) تاريخ العراق : 7 / 69.
(3) أحسن الوديعة : 2 / 88.

وحلّها ، واعترض عليها ، وهو مشهور عند أهل هذا النوع ...»(1). وفي نقباء البشر أرّخ وفاته بعام (1254 هـ)(2).
وجاء في بعض ترجمته أنّ المترجم له : «هاجر إلى العراق ، واتّخذ كربلاء موطناً له ، فاتّسعت شهرته ونشر العلم ، وروّج الأحكام حتّى أصبح مرجعاً عامّاً في التدريس ، وكان يقيم الجماعة في الروضة الحسينية المشرّفة ، وكانت في كربلاء يومذاك فرقة (الكشفية) ، وقد أخذ المترجم يضعّف نفوذهم ويحاربهم حتّى كسر شوكتهم»(3).
وللمترجم شقيق أكبر هو العلاّمة الحجّة الشيخ محمّد تقي الإصفهاني صاحب الحاشية على المعالم المعروفة بـ : (هداية المسترشدين) وهو من تلامذة الشيخ الوحيد وصاحب الرياض في كربلاء ، ثمّ انتقل إلى النجف وتتلمذ على السيّد مهدي بحر العلوم ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء ... وكلا الشقيقين عالمين علمين مؤسّسين(4).
10 ـ السيّد إبراهيم القزويني (ت 1262 هـ) ؛ صاحب الضوابط :
قال الطهراني في ترجمته : «هو السيّد إبراهيم بن السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني الحائري ، المدرّس الوحيد في عصره ، ومن أعاظم
__________________
(1) أعيان الشيعة : 9 / 233.
(2) نقباء البشر : 1 / 390.
(3) تراث كربلاء : 272 ـ 273 عن كتاب المنجد في الأدب والعلوم : فريدينال توتل : 482.
(4) نقباء البشر : 1 / 216 ، 390 ، تكملة أمل الآمل : 5 / 364 ـ 365.

العلماء المحقّقين ، كان اشتغاله في كربلاء ، أدرك عصر مؤلّف الرياض ، وحضر بها في الأُصول على شريف الدين محمّد بن الحسن ... الشهير شريف العلماء ، وفي الفقه على الشيخ موسى كاشف الغطاء ... وعلى السيّد المجاهد ، حتّى بلغ رتبة سامية ومكاناً عالياً ، وصارت له الإحاطة التامّة ، وعرف بالتحقيق واشتهر في الأوساط وذاع صيته ، حتّى انتهى إليه أمر التدريس فكان من كبار المدرّسين وأفاضل العلماء المحقّقين ، وقد تخرّج عليه جماعة من أقطاب العلماء ورجال الدين وأفاضل المجتهدين لا يستطاع إحصاؤهم ... منهم : الشيخ عبد الحسين شيخ العراقين الطهراني ، والسيّد حسين الكوهكمري ، والشيخ زين العابدين المازندراني ، والسيّد صالح المعروف بـ : (عرب) والشيخ المولى علي الكني ، والشيخ محمّد حسين الساروي ، والشيخ عبد الكريم اللاهيجي ، والشيخ علي محمّد الترك ... وغيرهم ، فقد تخرّج من معهده أمثال هؤلاء الأعلام الذين أصبح كلّ واحد منهم علماً من أعلام الدين ومرجعاً لثلّة من المؤمنين ... وله تصانيف هامّة وأسفار جليلة تموج بمياه التحقيق والتدقيق وهي دليل علمه الجمّ وفضله ... أهمّها الضوابط في الأُصول ، وهو من أهمّ مصادر هذا الفنّ وأوعى لدقائقه وتحقيقاته ... وله دلائل الأحكام في شرح شرائع الإسلام وغيرها(1).
11 ـ الشيخ محمّد حسين القزويني (ت 1281 هـ) :
__________________
(1) المرجع نفسه : 1 / 10 ـ 11 ، وأنظر : ترجمته في تكملة أمل الأمل : 2 / 44 وترجم له مطوّلاً تلميذه الخوانساري في الروضات : 1 / 38 ـ 42.

قال عنه السيّد الأمين : «كان مشهوراً بالاجتهاد والفضل والسّداد ، وله يد طولى في الوعظ ، وكان تلميذ صاحب الجواهر والسيّد إبراهيم القزويني ، والشيخ مرتضى الأنصاري ، له : نتائج البدائع في شرح الشرائع ، وبدائع الأُصول في حجّية الظنّ والاستصحاب والاجتهاد والتقليد»(1).
وذكره الشيخ الطهراني في الكرام البررة بقوله : «... من أعاظم الفقهاء وأجلاّء العلماء ، كان في كربلاء المشرّفة من تلاميذ شريف العلماء المازندراني ، وكان في النجف من أكابر تلاميذ صاحب الجواهر ، بل من معاصريه ومعاصري صاحب الفصول. جاور كربلاء فكان رئيساً مقدّماً ومدرّساً كبيراً وخطيباً جليلاً ومفتياً يرجع إليه في أحكام الشرع ، وكان له تبحّر غريب في الفقه والأُصول ، تنطق به آثاره وتشهد] بها [مآثره. توفّي في] 4 / محرّم / 1281 هـ [وهي السنة التي توفّي بها الشيخ مرتضى الأنصاري ..»(2).
12 ـ الشيخ عبد الحسين الطهراني (ت 1286 هـ) :
للشيخ الطهراني ترجمة واسعة في كتب التراجم نأخذ بعض الشذرات منها : قال عنه الطهراني في الطبقات : «هو الشيخ عبد الحسين بن علي الشهير بشيخ العراقين الطهراني ، مجتهد كبير من أعاظم علماء عصره ؛ ذكره شيخنا الحجّة الميرزا حسين النوري فقال : (شيخي وأُستاذي ومن إليه في العلوم
__________________
(1) أعيان الشيعة : 9 / 232.
(2) الكرام البررة : 1 / 405 ، وانظر ، أحسن الوديعة : 1 / 74.

الشرعية استنادي ، أفقه الفقهاء وأفضل العلماء ، كان نادرة الدهر وأُعجوبة الزمان في الدقّة والتحقيق وجودة الفهم وسرعة الانتقال وحسن الضبط والاتقان ، وكثرة الحفظ في الفقه والحديث والرجال ...)(1).
حضر المترجم له في النجف على الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر حتّى أجازه في الاجتهاد ، وعاد إلى طهران ، فأصبح زعيماً دينيّاً كبيراً في طهران ، له مرجعية عظيمة ونفوذ كبير ، وهو من عباد الله الصلحاء الأبرار الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مهما كلّفه الأمر ، ولا يخشى السلطان ، بل كان السلطان يخشى صولته ، وقد عارض ناصر الدين شاه القاجاري في كثير من القضايا التي كان يرى أنّها لا توافق أحكام الشرع الشريف حتّى ضجر منه وضاق به المخرج ورغب في نفيه للعراق لكنّه خشي صولته ومكانته في النفوس ... فرغّب إليه المجيء إلى العراق وتذهيب قبّة الإمامين العسكريّين عليهما‌السلام في سامرّاء ... فهبط العراق بأهله وعياله سنة (1270 هـ) ... وقام بذلك على أكمل وجه.
كانت له آثار خالدة في غرّة الدهر منها : مدرسته الكبيرة المعروفة باسمه ، وبجنبها المسجد الكبير العالي بطهران المعروف بمسجد شيخ العراقين إلى اليوم. ومنها : تعميرات في كربلاء بالروضة الحسينية .. ، وكانت له مكتبة عظيمة فيها كثير من نفائس المخطوطات ونوادر الكتب والأسفار
__________________
(1) المرجع نفسه : 2 / 713 عن مستدرك الوسائل : 3 / 397.

المهمّة القيّمة ... وقد ذكرها جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية(1) والفينكت فيليب دي طرازي في خزائن الكتب العربية في الخافقين وغيرهما من المؤرّخين.
وأمّا آثاره العلمية ، فإنّ له رسالة عملية ، وترجمة لـ : نجاة العباد ، وله طبقات الرواة في الرجال ، وحواشي وتعليقات ورسائل كثيرة غير ذلك. وله الرواية عن صاحب الجواهر وغيره.
توفّي في الكاظمية في (22 / رمضان / 1286 هـ) ونقل إلى كربلاء ، ودفن في بعض حجرات الصحن الشريف قرب (مدرسة الصدر) التي بناها هناك من ثلث الصدر الأعظم»(2).
13 ـ الشيخ محمّد صالح آل كدا علي النوري الحائري (ت 1288 هـ) :
وكان المترجم له من أجلاّء تلاميذ السيّد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وغيره من علماء كربلاء الأعلام في عصره ، وقد كتب بخطّه في حياة أُستاذه كتابه المذكور وفرغ منه في محرّم سنة (1252 هـ) ... ونبغ في العلم والفضل وتقدّم في الفقه والأُصول واشتهر بين مختلف طبقات أهل كربلاء ، وعرف بالبراعة والكمال والصلاح والتقوى ، وأصبح من العلماء الأعلام والمراجع الأفاضل.
وغلب عليه الورع والنسك والزهد ... وصار محلّ ثقة الخاصّة والعامّة ،
__________________
(1) تاريخ آداب اللغة العربية : 4 / 141.
(2) الطبقات الكرام البررة : 2 / 713 ـ 714 (بتصرّف).

وكان يقيم الجماعة في الصحن الشريف ، فتصلّي وراءه الأُلوف المؤلّفة ... توفّي في شهر ذي الحجّة (1288 هـ) ، ودُفن في الصحن الحسيني(1).
14 ـ الشيخ الميرزا علي نقي بن السيّد حسن بن السيّد محمّد (المجاهد) الطباطبائي (ت 1289 هـ) : ذكره السيّد الأمين في الأعيان وقال عنه : «كان عالماً فاضلاً محقّقاً مدقّقاً ، قرأ على الشيخ حسن بن الأنصاري»(2). وقبل ذلك «تلقّى العلم على لفيف من الفقهاء البارزين (في كربلاء) كالعلاّمة السيّد ميرزا مهدي الطباطبائي نجل العلاّمة السيّد محمّد المجاهد ، والشيخ محمّد حسين صاحب الفصول ... وأُنيطت به المهامّ والمناصب الشرعية والفتاوى العلمية .. ، وانتهت إليه الرئاسة الدينية ، وكان يقيم صلاة الجماعة في المسجد المعروف باسمه بين الحرمين ، فذاعت شهرته ، وعلا صيته وعظم شأنه. تتلمذ عليه لفيف من أهل الفضل ؛ منهم : الشيخ محمّد تقي الشيرازي زعيم الثورة العراقية ، والسيّد محمّد الفشاركي ، والشيخ الملاّ فضل الله المازندراني وغيرهم»(3).
وأمّا آثاره العلمية ، فقد ذكر له الشيخ الطهراني : «... في الفقه الدرّة الحائرية المطبوع منه البيع والخيارات ، مع منظومة الحجّ ، وكتب في الأُصول
__________________
(1) المرجع نفسه : 2 / 663 ـ 664 ، تراث كربلاء : 278 ـ 279.
(2) أعيان الشيعة : 8 / 368.
(3) تراث كربلاء : 279 ـ 280.

أكثر مسائلها»(1).
وذكر له سيّد الأعيان كتاب القضاء ، وله رسائل وغيرها من الكتب أوصلها إلى (16) عنواناً.
توفّي في كربلاء في (6 / صفر / 1289 هـ) ودُفن في المقبرة التي بناها لنفسه مقابل مقبرة جدّه السيّد محمّد المجاهد(2).
15 ـ المولى محمّد صالح البرغاني القزويني (ت 1283 هـ) :
له ترجمة في الكرام البررة جاء فيها : هو الشيخ المولى ... من مشاهير العلماء ، من أُسرة البرغانيّين الكبيرة التي ظهر فيها غير واحد من أعاظم الفقهاء وأساطين الدين ، كان من رجال العلم الأكابر وحجج الإسلام الأفاضل ، وفقهاء الأُمّة الأعلام ، وهو شقيق الحجّة العلم المولى محمّد تقي البرغاني الشهيد على يد البابية سنة (1264 هـ).
أدرك السيّد علي الطباطبائي في كربلاء ، وتلمّذ على ولده السيّد محمّد المجاهد ، وأُجيز منه ومن السيّد عبد الله شبّر وغيرهما.
له آثار علمية ومآثر خيرية باقية ؛ ومن آثاره الباقية المدرسة الدينية والمسجد اللّذان بناهما في قزوين ، واللّذان لا يزالان يعرفان باسمه هناك ... ومن آثاره العلمية : كتاب غنيمة المعاد في شرح الإرشاد كبير في عدّة مجلدات ، وبحر العرفان ومفتاح الجنان ومصباح الجنان وهي ثلاثة تفاسير
__________________
(1) الكرام البررة : 3 / 201.
(2) الأعيان : 8 / 368.

للقرآن الكريم ، كبير ومتوسّط وصغير وألّف في مقتل الإمام الحسين عليه‌السلام عدّة كتب بالعربية والفارسية ...
توفّي رحمه‌الله في الحائر الشريف فجأة سنة (1283 هـ) ... ودُفن في رواق الحسين عليه‌السلام في طرف الرأس الشريف(1).
وبالمولى الصالح محمّد صالح البرغاني رحمه‌الله تختتم السلسلة الطيّبة لأبرز العلماء والفضلاء لحوزة كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري ؛ وهذا لا يعني عدم وجود علماء وفقهاء آخرين غير الذين ذكرناهم ، فإنّ ما بأيدينا من كتب التراجم والسير لم تسعفنا بغير هؤلاء ، ويبقى لأُولئك المنسيّين فضلهم عند من لا ينسى الفضلُ عنده.
أبرز علماء كربلاء في القرن الرابع الهجري :
وأمّا علماء وفضلاء وفقهاء كربلاء في القرن الرابع عشر الهجري فنذكر منهم :
1 ـ المولى الشيخ حسين الأردكاني (ت 1302 هـ) :
توقّف عند ترجمته طويلاً الشيخ الطهراني فقال عنه : «هو الشيخ حسين بن محمّد إسماعيل بن أبي طالب الأردكاني الحائري ؛ الشهير بالفاضل الأردكاني ، أحد كبار علماء الشيعة في أوائل هذه المائة.
__________________
(1) الطبقات الكرام البررة : 2 / 660 ـ 661 ، وأنظر : معجم المؤلّفين لعمر رضا كحّالة : 10 / 87 ، وتراث كربلاء : 281 ـ 282.

ولد في سنة (1235 هـ) في أردكان من توابع يزد ، فنشأ فيها ، فعنى بتربيته عمّه الحجّة محمّد تقي الأردكاني ، فلقّنه المبادئ ، وأقرأه المقدّمات والسطوح ... ثمّ هاجر إلى كربلاء المشرّفة فأدرك شريف العلماء ... فحضر بحثه وكتب من تقريرات دروسه مبحث بيع الفضولي من كتاب التجارة .. ، وحضر أيضاً على السيّد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط وغيرهما.
حتّى بلغ في الفقه والأُصول مبلغاً عظيماً ، واشتهر بين العلماء والطلاّب بالتحقيق والتدقيق والتبحّر والخبرة ؛ فاتّجهت الأنظار إليه ، وكثر الإقبال عليه.
وكان له بحث في كربلاء يحضره الأجلاّء والفضلاء والخيرة المنتخبة من طلاّب العلم ، ... وقد تخرّج من معهد درسه جمع من الفطاحل الكبار والمجتهدين الأعاظم ، كالسيّد الميرزا محمّد حسين الشهرستاني ، والميرزا محمّد تقي الشيرازي ، والسيّد محمّد الإصفهاني ، والسيّد حسن الكشميري ، والميرزا مهدي الشيرازي ، والشيخ علي البفروئي ، والميرزا محمّد الهمداني وغيرهم.
فقد قام سوق العلم بكربلاء في عصره ، وزهت البلدة بوجوده ، وأعاد إليها نظارة عصر الوحيد البهبهاني في كثرة العلماء وزيادة المشتغلين ، اشتهر اسمه في الأوساط ، وأخذ بالرقيّ يوماً فيوماً حتّى رُجع إليه في التقليد وأصبحت له زعامة دينية عامّة ، ونفوذ ممتدّ ، وسمعة طائلة وجاه عريض.
وكان من أُولئك الأوتاد العبّاد والزهّاد النسّاك الذين يضرب بتقواهم المثل ، فقد كان كثير الإعراض عن الدنيا ، قليل الاعتناء بالرياسة ، منصرفاً إلى

أداء واجبه الديني من تدريس وإمامة وإرشاد ونشر أحكام.
وكان مثال الروحاني الربّاني في نزاهته وأخلاقه ، فقد كان ـ مع تلك الصولة ـ كثير التواضع حسن الأخلاق هشّاً بشّاً لا يعرف الرياء ولا الكبرياء ، قضى على ذلك حياة شريفة صرفها فيما يرضي الله والرسول ، إلى أن توفّي في (1302 هـ) ...
ودفن في مقبرة أُستاذه صاحب الضوابط.
خلّف عدّة آثار منها : التقريرات الأُصولية وكتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب المتاجر ... وقد صدرت عنه عدّة إجازات ...»(1). وذكره السيّد حسن الصدر ـ المعاصر له ـ في التكملة بنفس العبارات التي ذكرها به الطهراني ، وكأنّ الطهراني قد اقتبسها منه ـ وممّا قاله : «كان عالماً محقّقاً ... كان سوق العلم قائماً به في أيّامه بالحائر ، وتربّى على يده جماعة من العلماء ، وكان قليل الاعتناء بالدنيا والرئاسة ، ما رأيت أقلّ اعتناءً منه في علماء العصر مع إقبال الرئاسة عليه بكلّها ، زاهداً ناسكاً روحانيّاً ربانيّاً ... وأمّا مكارم أخلاقه وسيرته فكان ترابيّ الأخلاق ، كريم الطبع ، هشّاً بشّاً ، كثير الملاطفة ، وكلماته حكم وأمثال ، مهتدياً صفيّاً ، لا يحابي أحداً في الدين ، يقول الحقّ ، ولا يخشى لومة لائم»(2).
2 ـ السيّد صالح الداماد (ت 1303 هـ) :
__________________
(1) نقباء البشر : 2 / 531 ـ 533.
(2) تكملة أمل الآمل : 2 / 435.

قال الشيخ الطهراني في ترجمته : «هو السيّد محمّد صالح ابن السيّد حسن ابن السيّد يوسف الموسوي الحائري المعروف بـ : (الداماد). من أعاظم علماء عصره وأكابر رجال الدين في أوائل هذا القرن.
وسبب شهرته بالداماد أنّ والده ـ والذي كان من علماء وقته الأفاضل ـ قد صاهر العلاّمة السيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض على كريمته فاشتهر في كربلاء بـ : (الداماد) ومعناه بالعربية الصهر ، وقد لازم اللقب ولده هذا أيضاً فكان يعرف به.
ولد السيّد صالح في كربلاء ونشأ بها فقرأ الأوّليّات على خاله السيّد مهدي بن صاحب الرياض ، والسيّد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط ، وغيرهما من أعلام العلم بوقته ، حتّى اشتهر بالفضل وتقدّم في العلم .. ، فاشتغل بالتدريس وتخرّج من تحت منبره جمّ غفير من أفاضل أهل العلم وأجلاّئهم ، وصارت له رياسة وزعامة دينية في كربلاء ، وأصبح من المراجع الأجلاّء فيها ... وبسبب بعض إصلاحاته الدينية حدثت واقعة كربلاء المعروفة في ذي الحجّة عام (1258 هـ) ، والمؤرّخة بلفظ (غدير دم) على عهد السلطان عبد الحميد ، وعلى يد نجيب باشا والي بغداد ، وهي مجزرة رهيبة ذهبت ضحيّتها الأُلوف المؤلّفة من الرجال والنساء والأطفال وكثير من العلماء والصلحاء ، وذكرت تفاصيلها في التواريخ المدوّنة لهذه الحقبة

الزمنية»(1).
وفي هذه الحادثة أخذ المترجم له أسيراً إلى القسطنطينية ... ثمّ أرسل إلى طهران ، فاحتفل به ناصر الدين شاه ... فصار من رجال الدين ومشاهير الأعلام ، وكبار المراجع للعامّة والخاصّة ، وعرف بلسان العامّة بمير (صالح عرب) ، وبقي قائماً بأداء وظائفه إلى أن توفّي في ليلة الجمعة ثاني ربيع الثاني (1303 هـ) ، عن أربع وثمانين سنة ، وحملت جنازته إلى كربلاء ، ودفن بالرواق الشريف.
ومن آثاره العلمية : كتاب زهر الرياض وهي حاشية على كتاب رياض المسائل وحاشية على الروضة البهية للشهيد ، وله مهذّب القوانين حاشية على قوانين الأُصول للميرزا القمّي ، والتجزّي في الاجتهاد(2).
3 ـ الشيخ زين العابدين الحائري (ت 1309 هـ) :
وهو المجتهد الكبير الشيخ زين العابدين بن مسلم الشهير بالبارفروشي المازندراني الحائري ، من أعاظم العلماء وأكابر الفقهاء ، كان في كربلاء من تلامذة المولى محمّد سعيد المازندراني الشهير بسعيد العلماء (ت 1270
__________________
(1) أنظر : تفاصيل هذه الحادثة في المراجع التالية : لمحات اجتماعية : 2 / 117 وما بعدها ، تاريخ العراق : 7 / 64 ، شهداء الفضيلة : 306 ، موسوعة العتبات : 8 / 276 ، والمستشرق بونكريك في كتابه : أربعة قرون من تاريخ العراق : 345 وقارن بما ذكره الكاتب التركي دليلك قايا في كتابه الوثائقي : كربلاء في الأرشيف العثماني ، دراسة وثائقية بإشراف وتقديم : د. زكريّا قورشون : 190 ـ 215.
(2) الطبقات نقباء البشر : 2 / 881 ـ 883.

هـ) والسيّد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط والشيخ محمّد حسين الإصفهاني صاحب الفصول ، وحضر في النجف على الشيخ مرتضى الأنصاري ويروي عنه إجازة ، والشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر ، وغيرهم.
تضلّع في الفقه والأُصول ، وحضر عليه جماعة ، واشتهر أمره ، وذاع صيته ، ورجع إليه الناس في التقليد ولا سيّما في البلاد الهندية ، وطبعت رسالته العملية مكرّراً ، وقام بأعباء الهداية والإرشاد. توفّي في سادس عشر ذي القعدة سنة (1309 هـ) ودُفن في مقبرته في صحن الإمام الحسين عليه‌السلام.
له من الآثار العلمية : ذخيرة المعاد في الفقه ، ومناسك الحج وشرح الشرائع وحواشي علمية على المسالك وعلى الجواهر وغيرها(1).
4 ـ السيّد محمّد حسين المرعشي الشهرستاني :
هو السيّد الميرزا ضياء الدين محمّد حسين الشهرستاني المرعشي الحائري ... (ت 1315 هـ).
ينتهي نسبه الشريف إلى الإمام عليّ بن الحسين السجّاد عليه‌السلام ، وهو من أعاظم العلماء وأكابر رجال الدين في كربلاء في عصره.
ولد المترجم له في كرمنشاه في (15 / شوال / 1255 هـ) ونشأ هناك فتعلّم المبادئ ، وأخذ بعض مقدّمات العلوم ، ثمّ جاء إلى كربلاء فقرأ بها السطوح ، ثمّ لازم حوزة والده وحوزة الفقيه حسين الأردكاني ، حتّى بلغ في
__________________
(1) نقباء البشر : 2 / 805 ، تراث كربلاء : 285 ـ 286 ، أعلام الزركلي : 3 / 106 ، أعيان الشيعة : 7 / 167 ـ 168.

الفقه والأُصول درجة قصوى ، وحاز قسطاً وافراً من أنواع العلوم.
توفّي رحمه‌الله ليلة الخميس (3 / شوال / 1315 هـ) ودُفن في أيوان بالرواق القبلي خلف شبّاك الشهداء.
آثاره العلمية : لقد خلّف آثاراً جليلة تنيف على الثمانين كتاباً ورسالة فارسية وعربية ؛ ويذكر الشيخ الطهراني فهرست لكتبه المطبوعة والمخطوطة التي رأى أغلبها(1).
5 ـ السيّد الميرزا علي الشهرستاني (ت 1344 هـ) :
هو السيّد الميرزا علي ابن السيّد الميرزا محمّد حسين بن محمّد علي الحسيني الشهرستاني الحائري ، عالم بارع وورع جليل ...
نشأ على أبيه فتلقّى العلم على أجلاّء عصره وأفاضل المدرّسين ، حتّى بلغ مكانة عالية ونال حظّاً وافراً من الفضل ، وأشارت إليه الأكفّ بالإعجاب والاحترام.
ولمّا توفّي والده في سنة (1315 هـ) أهّلته مكانته للقيام مقامه في الإمامة ومرجعية الأُمور الشرعية في كربلاء ، وكان له بين الناس منزلة مرموقة إلى أن توفّي في (11 / رجب / 1344 هـ).
ترك مؤلّفات كثيرة قيّمة منها : الدرّة الوجيزة في شرح الوجيزة للشيخ البهائي في علم دراية الحديث طبع مع بعض رسائله ...»(2).
__________________
(1) المرجع نفسه : 2 / 627 ـ 631.
(2) المرجع نفسه : 4 / 1410 ـ 1411.

6 ـ السيّد هاشم القزويني (ت 1327 هـ) :
هو السيّد هاشم ابن السيّد محمّد علي الموسوي القزويني الحائري ، علاّمة ، فقيه ، ورع ، تقيٌّ. هو ابن عمِّ صاحب الضوابط ، ولد سنة (1244 هـ) ، وكان والده من أجلاّء العلماء الرؤساء ، توفّي والده وله ستّة أشهر ، فربّته والدته ... درس عند صاحب الضوابط وعند محمّد حسين اليزدي الحائري ... وهاجر إلى النجف وتتلمذ على العلاّمة الأنصاري ، ثمّ آية الله الشيرازي ، ثمّ رجع إلى الحائر وتتلمذ على الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري.
توفّي رحمه‌الله في ذي القعدة سنة (1327 هـ) عن ثلاث وثمانين سنة ، ودفن بمقبرة عمّه السيّد إبراهيم صاحب الضوابط.
وأمّا آثاره العلمية ؛ فله تصانيف وتقريرات ، منها : مباحث الألفاظ في الأُصول من تقرير العلاّمة الأنصاري ، وله : أصل البراءة ، والأدلّة العقلية ، وفي الفقه : الخلل ، وصلاة المسافر ، والجماعة ، والإرث ، وله في الكلام : الردّ على ابن الآلوسي ..(1).
7 ـ السيّد الميرزا جعفر الطباطبائي :
هو السيّد ميرزا جعفر ابن الميرزا علي نقي ابن السيّد حسن ابن السيّد محمّد (المجاهد ابن السيّد علي صاحب الرياض الطباطبائي الحائري. ولد في
__________________
(1) الطبقات نقباء البشر : 5 / 570 ، تراث كربلاء : 288.

كربلاء (1255 هـ) ونشأ بها ، وأخذ المقدّمات عن أعلام الفضل ورجال العلم ، ورحل إلى النجف فتتلمذ على خاله السيّد علي مؤلّف البرهان وغيره. وله رواية عن جماعة كتبوا له الإجازات بخطوطهم على ظهر مجموعة من رسائله الفقهية كالسيّد حسين بحر العلوم والسيّد علي بحر العلوم والسيّد مهدي القزويني ... وغيرهم.
انتهت إليه الرئاسة في كربلاء بعد والده وصار من أعاظم العلماء ومراجع الأُمور ، توفّي فجأة في ظهيرة الأربعاء (22 / صفر / 1321 هـ). وله تصانيف كثيرة في الفقه والأُصول وغيرهما(1).
8 ـ الشيخ محمّد تقي الشيرازي (ت 1338 هـ) :
وقد تحدّثنا عنه سابقاً ضمن الحديث عن حوزة (سامرّاء) ونقلنا هناك بعض الجوانب المشرقة من سيرته العلمية والجهادية فهو رحمه‌الله «زعيم الثورة العراقية ، وموري شرارتها الأُولى ، ومن أكابر العلماء وأعاظم المجتهدين ، ومن أشهر مشاهير عصره في العلم والتقوى والغيرة الدينية»(2).
9 ـ السيّد إسماعيل الصدر (ت 1338 هـ) :
ذكره صاحب الطبقات في نقباء البشر فقال في ترجمته : «هو السيّد
__________________
(1) المرجع نفسه : 1 / 293 ـ 294 ، وأحسن الوديعة : 1 / 168 ، وتراث كربلاء : 289.
(2) نقباء البشر : 1 / 261 وما بعدها. وللتوسّع أنظر : في أعيان الشيعة : 9 / 192 ، وتكملة أمل الآمل : 5 / 295 ، وأحسن الوديعة : 1 / 184 ، وتراث كربلاء : 291 ـ 292.

إسماعيل ابن السيّد صدر الدين العاملي الإصفهاني ، من أعاظم العلماء ، وأكابر المراجع.
ولد في أصفهان (1258 هـ) ونشأ بها ، وتلمّذ في الفقه على العلاّمة الشيخ محمّد باقر الإصفهاني ، وتشرّف إلى النجف (1271 هـ) ... فلازم بحث العلاّمة الفقيه الشيخ راضي بن محمّد آل خضر النجفي ، وبحث الفقيه الشيخ مهدي بن علي بن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء ، ثمّ اختصّ بالمجدّد الشيرازي مدّة حياته ، وهاجر بعد هجرته إلى سامرّاء بقليل ، فكان في سامرّاء إلى (1314 هـ) ، ثمّ هاجر إلى الحائر الشريف ، مروّجاً للدين ، وحافظاً للعلماء ، ومساعداً للمشتغلين ، وعوناً للضعفاء والمساكين ... فكان من مراجع التقليد في أغلب الأطراف إلى أن توفّي في الكاظمية في (12 / ج 1 / 1338 هـ) ، ودفن بها في مقبرته المشهورة في الرواق ... وأبناؤه الأربعة كلّهم علماء أجلاّء وهم : السيّد محمّد مهدي ، والسيّد محمّد جواد ، والسيّد صدر الدين ، والسيّد حيدر (والد السيّد محمّد باقر الصدر) ، وأُمّ الجميع أُخت سيّدنا الحسن الصدر ...»(1).
وللسيّد حسن الصدر في التكملة ترجمة واسعة ، ووصف دقيق لعلميِّة وخصال السيّد إسماعيل الصدر ، الذي يعبّر عنه بأنّه «ابن عمّ والد مؤلّف هذا الكتاب ... أحد مراجع الإمامية في الأحكام الدينية ، عالم فاضل ، فقيه
__________________
(1) المرجع نفسه : 1 / 159 ـ 160.

أُصولي ، محقّق فكور نابغ».
ثمّ يذكر عقبه فيقول : «وله من الأولاد الذكور أربعة ، كلّهم أفاضل علماء ، وأهل نظر وتحقيق» ثمّ يصفهم واحداً بعد الآخر.
والذي يبدو من ترجمة السيّد حسن الصدر لابن عمّ والده السيّد إسماعيل أنّه كان حيّاً وكذلك أولاده الأربعة حين كتابة ترجمته له ولهم ، حيث يقول : «وفي سنة (1314 هـ) هاجر وهاجر معه الأكابر من العلماء إلى كربلاء ، واستوطنها إلى اليوم أدام الله سبحانه ظلّه على رؤوس الشيعة»(1).
وللسيّد الأمين في أعيانه ترجمة للسيّد إسماعيل الصدر أوسع من ترجمة الشيخ الطهراني ، ويبدو أنّ الطهراني قد اقتبس منها ولخّصها ، إلاّ أنّ الشيخ الطهراني لم يذكر أحداً من تلاميذه ، والراوين عنه ، وذكرهم السيّد الأمين فقال : «أخذ عنه الميرزا محمّد حسين النائيني النجفي المشهور ، والشيخ حسين المرندي الحائري ، والشيخ موسى الكرمنشاهي الحائري وغيرهم.
ويروي بالإجازة عنه جماعة ، فمنهم : الميرزا أبو طالب الموسوي الشيرازي صاحب كتاب أسرار العقائد ، والسيّد محمود الحسيني المرعشي التبريزي ، والشيخ محمّد باقر البيرجندي ، والشيخ أحمد الشاهرودي ، والشيخ محمّد حسين ابن محمّد خليل الإمامي الشيرازي»(2).
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 1 / 57 ـ 59.
(2) أعيان الشيعة : 3 / 403 ـ 404.

كذلك للسيّد الأمين ترجمة واسعة لوالد السيّد إسماعيل وهو : «صدر الدين محمّد ابن السيّد صالح ابن السيّد إبراهيم شرف الدين ابن زين العابدين بن علي نور الدين ـ أخي صاحب المدارك ـ ابن نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الإصفهاني» ، الذي ولد في قرية من قرى جبل عامل سنة (1193 هـ) ، وتوفّي في النجف الأشرف سنة (1263 هـ) ، وقيل (1264 هـ) ، ودُفن في بعض حجر الصحن الشريف(1).
وللميرزا الخوانساري صاحب روضات الجنّات والمعاصر للسيّد صدر الدين ترجمة واسعة له في روضاته دوّن فيها للسيّد صدر الدين رحلة علمية شيّقة طويلة ابتدأها بأبيه من جبل عامل إلى بغداد والكاظمية سنة (1197 هـ) وكان عمره أربع سنين.
حيث اشتغل خلال هذه الفترة بطلب العلم فقرأ في النجف والكاظمية على الشيخ جعفر الكبير ـ وتزوّج ابنة الشيخ جعفر ـ وقرأ على صاحب مفتاح الكرامة ، والشيخ سليمان المعتوق العاملي ، والسيّد محسن الأعرجي صاحب المحصول والوافي ، وغير أُولئك من العلماء ...
وأمّا مشايخه الذين يروي عنهم بطريق الإجازة فهم كثيرون جدّاً ينيف عدّتهم على عشرة من الفقهاء والمجتهدين ، وأعلاهم سنداً والده المعظّم ، عن والده السيّد محمّد بن زين العابدين عن شيخه وأُستاذه محمّد بن الحسن
__________________
(1) المرجع نفسه : 9 / 372.

الحرّ العاملي صاحب الوسائل ؛ فإنّه رحمه الله يروي كتاب الوسائل بتمامه عن هذا الطريق ، وعن شيخه سليمان بن معتوق عن جدّه السيّد محمّد ...
وقال ـ الخوانساري ـ أيضاً : «ومن جملة ما حكى لنا قدس‌سره إنّه كان يتردّد في زمن حداثته وقبل أوان حلمه على مجلس السيّد بحر العلوم ويستفيد من بركات أنفاسه ، وكان السيّد مشغولاً آنذاك بنظم درّته المشهورة ، فكان يعرض عليه ما كان ينشده في كلِّ يوم».
ثمّ أضاف صاحب الروضات : «كان مدّعياً لمرتبة الاجتهاد قبل أوان بلوغه ، وكان معظّماً عند علماء تلك الصفحة وأُمرائها الخاصّة والعامّة من لدن وفاة أبيه المبرور ، بل قبل ذلك ، وله مع أُولئك نوادر وحكايات ووقائع تدلّ على عظم موقعه منهم ، شافهني المرحوم بحكاية جملة وافرة منها لا يسعها المقام»(1).
ويعلّق السيّد الأمين في أعيانه على هذا المقطع من قول الخوانساري فيقول : «وليته وسع المقام لبعضها ؛ فهي أنفع للقارئ وأجدر بالذكر من كثير ممّا أورده من الألقاب الضخمة والأسجاع الباردة»(2).
وأوسع من كتب في ترجمة السيّد صدر الدين بن صالح الصدر هو السيّد حسن الصدر في كتابه الممتع تكملة أمل الآمل ، ومنه أخذ السيّد عبد الحسين شرف الدين في موسوعة بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين
__________________
(1) روضات الجنّات : 4 / 126 ـ 129 بتلخيص وتصرّف.
(2) أعيان الشيعة : 9 / 372.

المطبوع مع ملحقاته في مجلّدين ضمن موسوعة السيّد شرف الدين(1) وممّا جاء في بغية الراغبين ضمن ترجمة السيّد صدر الدين قوله : «سيّد هذه الأُسرة ـ آل الصدر ـ وإمامها الأوحد السيّد شريف محمّد المعروف بـ : (السيّد صدر الدين ابن السيّد صالح) وأُمّه الفاضلة بنت الشيخ علي ابن الشيخ محي الدين ابن الشيخ علي ابن الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني أعلى الله منازلهم.
وإليه يضاف السادة القادة الأشراف آل صدر الدين ، وجلّهم الآن في العراق وإصفهان»(2).
ولا نستطيع أن نسترسل كثيراً في ترجمة سيرة السادة الأجلاّء من آل الصدر (رضوان الله عليهم) ـ وهي بلا شكّ سيرة عطرة محبّبة ملؤها العطاء العلمي والجهادي ـ إذ أنّ منهج الاختصار يوجب علينا التوقّف عند هذا المختصر من ترجمتهم ، ولمن رام التوسّع يمكنه مراجعة المراجع والمصادر التي أشرنا إليها.
10 ـ السيّد هادي الخراساني الحائري (ت 1368 هـ) :
قال عنه السيّد الأمين في الأعيان : ولد في كربلاء سنة (1297 هـ) ، ثمّ انتقل مع والده إلى مشهد الرضا عليه‌السلام حيث أتمّ دراسته الأُولى فيها ، وقد ختم
__________________
(1) تتكوّن الموسوعة من عشرة أجزاء بالإضافة إلى المدخل ، وتضمّ جميع آثار السيّد شرف الدين العلمية ، محقّقة من قبل لجنة علمية.
(2) للتوسّع ، أنظر : تكملة أمل الآمل : 1 / 198 وما بعدها ، من الطبعة الحديثة ، منية الراغبين : الجزء السابع والثامن من موسوعة السيّد شرف الدين ، أحسن الوديعة : 1 / 180 وما بعدها.

القرآن ولم يبلغ العاشرة من عمره ، ثمّ عاد إلى كربلاء ، ومنها ذهب إلى النجف حيث تردّد على الحلقات الدراسية العليا مستفيداً ، فدرس عند الشيخ كاظم الخراساني ، والسيّد كاظم اليزدي ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي الذي تخرّج عليه ، وبعد أن أتمّ دراسته في النجف عاد إلى كربلاء ، فاستقلّ بالتدريس.
وكان متّصفاً بالزهد والتقوى والتهجّد ، كما أنّ داره كانت محفلاً لأهل العلم وطلاّب الحقيقة ، وقد أصبح في السنوات الأخيرة من عمره مرجعاً من مراجع التقليد في كربلاء ، وكانت الثقة بفتاويه والاعتماد عليها كثير ، لأنّه كان لا يحرّرها إلاّ بعد تروٍّ وتحقّق دقيقين.
توفّي في كربلاء في (12 / ربيع الأوّل / 1368 هـ) ودُفن في إحدى حجرات صحن الإمام الحسين عليه‌السلام.
وأمّا آثاره العلمية ؛ فقد شرع منذ صباه في تصنيف الكتب وتأليفها في مختلف الفنون والعلوم ، وقد جمع بين المنقول والمعقول والأدب والعلم والحكمة والكلام ، كما كانت له اليد الطولى في الرياضيّات والطبيعيّات ... وقد جمع المترجم في داره بكربلاء مكتبة ثمينة من حيث النسخ النادرة من الكتب الخطّية ...(1) وذكر له مؤلّفات ... بلغت أكثر من ثمانية عشر مؤلّفاً.
11 ـ السيّد عبد الحسين الحجّة الطباطبائي (ت 1363 هـ) :
__________________
(1) أعيان الشيعة : 10 / 232 ـ 233 ، وتراث كربلاء : 294 ـ 295.

ترجم له صديقه ورفيق درسه الشيخ الطهراني في الكرام البررة فقال في ترجمته : «هو السيّد عبد الحسين ابن السيّد علي ابن السيّد أبي القاسم ـ الملقّب بالحجّة ـ بن حسن ابن السيّد محمّد المجاهد ابن السيّد علي ـ صاحب الرياض ـ الطباطبائي الحائري ، فقيه فاضل وعالم جليل ومرجع معروف.
و «آل الطباطبائي من بيوت العلم المعروفة في كربلاء ، وأُسر الزعامة والمجد ، والشرف والفضل ، توارثوا الفقاهة والرياسة أباً عن جدّ ، وظهر فيهم علماء متبحّرون وفقهاء بارعون ... خدموا الدين بالتدريس والتأليف وغيرهما». ثمّ يضيف الطهراني : «كان المترجم له من أصدقائنا القدامى ... أخذ عن بعض أفاضل كربلاء مقدّمات العلوم ، ثمّ تشرّف إلى النجف مع ابن عمه السيّد محمّد صادق الحجّة فحضرا على المولى محمّد كاظم الخراساني وغيره من فحول علماء عصره ومشاهير مدرّسيه ، وكانت تجمعني وإيّاه حلقة درس شيخنا الخراساني فقهاً في النهار ، وأُصولاً في الليل ، وقد كان مع ابن عمّه من تلامذته البارزين ... وقد كنت أُلاحظ عناية الشيخ بهما واحترامه لهما ...
عاد المترجم له إلى كربلاء بعد أن بلغ درجة سامية في العلم والفضل مع تقى وصلاح ، فأقبلت عليه النفوس والتفّ حوله طلاّب العلم ، واشتغل بالتدريس وغيره ... انتهت إليه الرياسة في كربلاء ، وشغل منصب المرجعية الدينية والزعامة الروحية بجدارة واستحقاق ، بقي رحمه‌الله زمناً طويلاً وهو مرجع

الناس وملاذهم في كربلاء ... إلى أن انتقل إلى رحمة الله بعد مرض لازمه مدّة في سنة (1363 هـ) ... ودفن مع آبائه رحمهم‌الله في مقابرهم»(1).
12 ـ السيّد حسين القمّي (ت 1366 هـ) :
يقول عنه الشيخ عبّاس القمّي : «السيّد الأجلّ والكهف الأظلّ ، العالم المحقّق ، والفاضل المدقّق ، الورع البرع ، التقيّ الزكيّ ، الذي هو من أعاظم فضلائنا المتأهّلين للثناء بكلّ جميل ، عادم العديل ، وفاقد الزميل ، مسلّماً تحقيقه في الأُصول ، بل ماهراً في المعقول والمنقول ...»(2). ويترجم له السيّد الأمين في الأعيان والذي التقى به في دمشق وفي مدينة مشهد ، ودارت بينهما بعض المباحثات العلمية فيقول : «وطلبت منه أن يكتب لي ترجمته فأمر بعض من يختصّ به فكتب لي ما تعريبه :
ولد في قم (1282 هـ) وفيها أتمّ مقدّمات العلوم ، ثمّ سافر إلى العتبات العاليات ، ثمّ عاد إلى قم وأكمل فيها دراسة السطوح ... ثمّ سافر إلى سامرّاء وحضر درس الميرزا الشيرازي ، ثمّ سافر إلى طهران وحضر دروس المعقول والعرفان والرياضيّات على جماعة من علمائِها المعروفين ، وقرأ على الشيخ فضل الله النوري والميرزا حسن الآشتياني ، ثمّ عاد إلى العراق لإكمال تحصيله في النجف وسامرّاء عند الميرزا محمّد تقي الشيرازي ، ثمّ عاد إلى إيران وسكن مشهد ، وسكنها لأكثر من عشرين سنة مشغولاً بالتدريس وأجوبة
__________________
(1) الكرام البررة : 3 / 1051 ـ 1052 ، تراث كربلاء : 296 ـ 297.
(2) الفوائد الرضوية : 1 / 18 ـ 19.

الاستفتاءات».
ويضيف السيّد الأمين : «ثمّ بعد سنين فسد ما بينه وبين الشاه رضا ... ثمّ خرج إلى العراق ـ شبه منفي ـ وسكن كربلاء ودرس فيها ، وصارت له وجاهة ، وازدادت وجاهته بعد وفاة السيّد أبي الحسن الإصفهاني ، ومال الناس من إيران وغيرها إلى تقليده ، وطبع رسالته». ويذكر السيّد الأمين أساتذته وهم كثيرون كالميرزا الشيرازي ، وكاظم اليزدي ، والآخوند الخراساني ومحمّد تقي الشيرازي وغيرهم. وله آثار علمية وحواشي. توفّي في بغداد سنة (1366 هـ) ونقل إلى النجف(1).
13 ـ السيّد حسين القزويني الحائري (ت 1367 هـ) :
هو السيّد حسين ، نجل السيّد باقر ، نجل السيّد إبراهيم صاحب الضوابط .. ، ولد في كربلاء سنة (1588 هـ) ، وتتلمذ على العلاّمة الحجّة الشيخ كاظم الخراساني الشهير بـ : (الآخوند) ، وله عدّة إجازات في الاجتهاد. ومن أساتذته في الإجازة الآخوند الخراساني ، وآقا ضياء العراقي ، والسيّد أحمد السيّد صالح القزويني الموسوي ، والسيّد أبو الحسن الإصفهاني ، والشيخ محمّد تقي الشيرازي ، والميرزا محمّد حسين النائيني.
ساهم المترجم له في الثورة العراقية الكبرى سنة (1920 م) ، وكان عضواً فعّالاً فيها ، وبعد أن أخمدت نار الثورة قبض عليه الانكليز ، وقدّم إلى
__________________
(1) أعيان الشيعة : 6 / 169.

المجلس العرفي العسكري ، فأطلق سراحه بعد اعتقاله في الحلّة طيلة ثمانية أشهر ... وله مؤلّفات مطبوعة ومخطوطة ...
توفّي في (2 / ذي الحجّة / 1367 هـ) ودفن في مقبرة آل القزويني في الصحن الصغير للروضة الحسينية(1).
ويذكر الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية أنّه «قد بلغ عدد الذين ضمّهم سجن الحلّة ثلاثة وثلاثين ... منهم : السيّد هبة الدين الشهرستاني والسيّد حسين القزويني ...» وغيرهم.
ومن طريف ما يذكره في هذه المناسبة أنّ السيّد هبة الدين الشهرستاني نظم في سجن الحلّة أُرجوزة أشار فيها إلى أسماء الذين كانوا معه في السجن ، جاء فيها :

هاك أسامي نخبة الآفاق
 

 

من حوكموا في نهضة العراق
 

سبع وعشرون شيوخ رؤسا
 

 

وستّة من نسل أصحاب الكسا
 

هم هِبَة الدين لأجل الدين
 

 

وحبرنا الحسين من قزوين(2)
 

وينقل الدكتور علي الوردي في لمحاته عن الشيخ محمّد الخالصي في مذكّراته المخطوطة بعض الجوانب من قصّة استسلام كربلاء للانكليز ، حيث كان الخالصي أحد المطلوبين للانكليز فحاول الخروج ليلاً إلى النجف فلم
__________________
(1) تراث كربلاء : 297 ـ 298. وللتوسّع أنظر : علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية : ج 5 ، ق 2 / 116 ـ 117.
(2) لمحات اجتماعية : ج 5 ، ق 2 / 146 ـ 147.

يفلح فاضطرّ إلى المضيّ إلى كربلاء متستراً بظلام الليل ، فيقول : «ووردتُ دار السيّد حسين القزويني حفيد صاحب الضوابط وكانت متّصلة بصحن الحسين عليه‌السلام ، فاختفيت فيها ، وبعد أيّام هجم الانكليز على تلك الدار وأخذوا حسين وولده ، وجاؤوا إليّ ورأوني فلم يعرفوني ... وتركوني في تلك الدار مع طفلة للسيّد حسين لم تتجاوز أربع سنين وخادمتين له لا غير ... وبقيتُ في تلك الدار خمسة وأربعين يوما ...
وكان يقلقني في تلك الدار عجوزان كانتا متشاكستين تكثران النزاع ، فإذا اشتدّ بينهما الخصام كانت تهدّد كلّ منهما صاحبتها بأنّها تخبر الانكليز بأنّ صاحبتها أجارتني ... فكنت أصلح بينهما دائماً ، وهذا كان جلّ عملي تلك المدّة ... وبعد خمسة وأربعين يوماً ارتفع الحصار عن كربلاء وصار الزوّار يذهبون ويجيئون ، فخرجت من كربلاء ليلاً مندمجاً في زمرة طائفة من أهل يزد إلى الكاظمية ... ولم يعرفني أحد ...»(1).
14 ـ السيّد محمّد حسن القزويني (ت 1380 هـ) :
هو السيّد حسن ابن السيّد أبي المعالي محمّد باقر ابن السيّد مهدي ابن السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني الحائري ، عالم جليل ، وفقيه بارع ، ومصنّف ماهر. ولد يوم عرفة سنة (1296 هـ) ، ونشأ نشأة حسنة ، فأخذ العلم عن بعض الأفاضل والأجلاّء بكربلاء ، ثمّ تشرّف إلى النجف فحضر على
__________________
(1) المرجع نفسه : ج 5 ، ق 2 / 117.

شيخنا المولى محمّد كاظم الخراساني ، وكتب من تقريرات بحثه .. ، وبعد وفاة الأُستاذ هاجر إلى سامرّاء فحضر على شيخنا الميرزا محمّد تقي الشيرازي واستفاد منه كثيراً.
وله من التصانيف : شرح اللمعة مزجاً ، مزج منه مجلّد الطهارة ، وله هدي الملّة إلى أنّ فدك من النحلة. وله الإمامة الكبرى وله أيضاً البراهين الجليّة في رفع تشكيكات الوهابية.
انتقل إلى جوار ربّه يوم (26 / رجب / 1380 هـ) ودفن في مقبرة السيّد محمّد المجاهد(1).
15 ـ السيّد محمّد علي الطباطبائي (ت 1381 هـ) :
هو العالم الفاضل السيّد محمّد علي ابن السيّد مهدي ابن السيّد محمّد علي ابن ميرزا مهدي ابن المير السيّد علي الطباطبائي صاحب الرياض.
ولد في كربلاء سنة (1302 هـ) ونشأ في أُسرة (آل الطباطبائي) المعروفة بقدسيّتها وعلمها ، وأخذ المقدّمات من أعلام أُسرته .. ، ثمّ حضر درس الشيخ محمّد تقي الشيرازي ، والسيّد ميرزا هادي الخراساني ، وغيرهم من الأساتذة الفضلاء ، وله منهم إجازات عديدة.
اشتغل بالقضايا الوطنية .. ، وساهم بمقدّمات الثورة العراقية الكبرى عام (1920 م) ، حيث نفي إلى سامرّاء سنة (1918 م) من قبل السلطة آنذاك ،
__________________
(1) الكرام البررة : 1 / 389 ، تراث كربلاء : 299.

وسافر إلى هنجام مع أحرار كربلاء في (28 / ايلول / 1920 م).
توفّي في كربلاء في (16 / جمادى الثانية / 1381 هـ) وجرى له تشييع حافل ودفن في مقبرة السيّد محمّد المجاهد(1).
16 ـ السيّد ميرزا مهدي الشيرازي (ت 1380 هـ) :
السيّد مهدي الحسيني الشيرازي الحائري ابن السيّد حبيب الله. ولد في كربلاء سنة (1304 هـ) وتوفّي فيها في (28 / شعبان / 1380 هـ).
تلقّى دراسته الأُولى في كربلاء ... ثمّ انتقل إلى سامرّاء واشتغل بالبحث والدرس والتدريس هناك مدّة طويلة من الزمن ، ثمّ سافر إلى الكاظمية وبقي هناك مشتغلاً بالبحث والدرس ما يقرب من سنتين ، ثمّ سافر إلى كربلاء وبقي مدّة قصيرة ، وانتقل بعدها إلى النجف وبقي هناك ما يقرب من عشرين سنة ، ثمّ انتقل إلى كربلاء وبقي فيها إلى حين وفاته.
وأمّا أساتذته ؛ فقد تتلمذ على الشيخ محمّد تقي الشيرازي ، وآقا رضا الهمداني صاحب مصباح الفقيه ، والسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب العروة الوثقى ، والشيخ النائيني والسيّد حسين القمّي.
ولقد حضر البحث (الكمباني) للسيّد حسين القمّي في كربلاء ؛ وكان البحث يضمّ جمعاً من العلماء ، كالسيّد محمّد هادي الميلاني ، والشيخ محمّد رضا الإصفهاني ، والسيّد زين العابدين الكاشاني ، والشيخ يوسف الخراساني
__________________
(1) تراث كربلاء : 306 ـ 307 ، وللتوسّع ، أنظر : علي الوردي ، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث : ج 5 ، ق 1 / 211.

وغيرهم ، وبعد وفاة السيّد القمّي اشتغل بالبحث والتدريس.
آثاره ومؤلّفاته : له مؤلّفات منها : شرح لم يتمّ على العروة الوثقى ، ومنها : رسالات في المباحث الأُصولية ، ومنها : رسالة في التجويد ، ورسالة حول فقه الرضا ، بالإضافة إلى أجوبة وتعليقات أخرى(1).
وللمترجم له عدّة إجازات في الرواية من العلاّمة الميرزا محمّد الطهراني صاحب مستدرك بحار الأنوار ، والشيخ آقا بزرك الطهراني صاحب الذريعة ، والشيخ عباس القمّي صاحب مفاتيح الجنان.
كان رحمه الله فقيهاً زاهداً وعالماً جليلاً تبوّأ المكانة المرموقة في علوم الدين والشريعة ، واضطلع بمسؤولية التقليد والمرجعية الدينية ، وأقام صلاة الجماعة في الصحن الحسيني الشريف ... وقد تقدّمت كربلاء في عصره تقدّماً دينيّاً وعلميّاً وثقافيّاً ... وخسرت كربلاء بموته أحد أعلامها البارزين.
وقد أنجب الفقيد عدّة أولاد هم السادة محمّد الشيرازي الذي تولّى المرجعية بعد وفاة والده (والمتوفّى في مدينة قم 1422 هـ) والسيّد حسن الشيرازي (الشهيد على أيدي زمرة البعث عام 1983 م) والسيّد صادق الشيرازي الذي تصدّى للمرجعية بعد وفاة السيّد محمّد ..(2).
17 ـ السيّد محمّد هادي الحسيني الميلاني (ت 1395 هـ) :
إنّه السيّد (عميد الدين) محمّد هادي ابن السيّد جعفر ابن السيّد أحمد
__________________
(1) أعيان الشيعة : 1 / 146.
(2) تراث كربلاء : 300 ـ 301.

ابن السيّد مرتضى ابن السيّد علي الأكبر ابن السيّد أسد الله ابن السيّد أبو القاسم ابن الشريف الحسين المدني ... وينتهي نسبه الشريف إلى الإمام علي بن الإمام الحسين عليه‌السلام.
ولد المترجم له في النجف الأشرف في عام (1313 هـ) ، وأكمل فيها دراسته على أكابر علمائها حتّى بلغ درجة الاجتهاد بشهادة أساتذته ، وعرفه الكلّ بذلك ، واعترف له به مشايخه وهو في العقد الثالث من عمره الشريف
... وبقي في النجف الأشرف مستقلاًّ بالتدريس ، فكان له بحث في خارج الفقه والأُصول ... يحضره جمع كبير من فضلاء حوزة النجف الأشرف ... حتّى انتقل إلى الحوزة العلمية بكربلاء المقدّسة سنة (1356 هـ).
«وكان سبب الهجرة أن انتشرت الحمّى في النجف الأشرف وكان السيّد وعقيلته ممّن ابتلي بها ، حتّى أمره الطبيب بالخروج من النجف الأشرف للراحة والاستجمام ، وحينئذ رجّح السيّد السفر إلى كربلاء ، فخرج إليها للغرض المذكور». غير أنّه بعد ما عادت إليه صحّته وعافاه الله عزّ وجلّ ، طلب منه آية الله العظمى حسين القمّي (ت 1366 هـ) البقاء في هذه الحوزة تقوية لها ، وتنشيطاً للحركة العلمية بها ... فاستجاب للطلب وشرع بالتدريس في خارج الفقه والأُصول.
لقد بقي السيّد قدس‌سره في كربلاء مدّة ثمانية عشر عاماً ، وهو المدرّس البارز ـ فيها ـ والذي بفضل وجوده بها أغنى الكثيرين من فضلائها من الهجرة إلى النجف الأشرف ، حتّى كادت حوزة كربلاء تضاهي حوزة النجف في القوّة

والنشاط والازدهار ...
وقد درّس قدس‌سره في هذه الحوزة أكثر الأبواب الفقهية بالإضافة إلى الأُصول ، ودرّس التفسير بالإضافة إلى درس العقائد والكلام وكان بحثه في شرح تجريد الاعتقاد ، وكان رحمه‌الله يقيم صلاة الجماعة في داخل الروضة الحسينية الشريفة»(1). استقرّ آية الله الميلاني رضي‌الله‌عنه في مدينة مشهد عام (1373 هـ) حتّى توفّي فيها.
وسوف يأتينا الحديث عن حركته العلمية والاجتماعية ضمن الحديث عن حوزة مشهد إن شاء الله تعالى.
18 ـ الشيخ محمّد رضا الإصفهاني (ت 1393 هـ) :
وهو العلاّمة والفيلسوف الإسلامي الذي كان بحقّ مفخرة علمية ، فقد اشتهر بغزارة علمه ، وسعة اطّلاعه ، وإحاطته بالمدارس الفلسفية الإشراقية وغير الإشراقية ... نال صيتاً ذائعاً في البلدان الإسلامية ، وكان كبار علمائها المسلمين من سائر البلدان يقصدونه في كربلاء لمعرفة آرائه الإسلامية ونظريّاته الفلسفية ...
وقد أسهم بدوره في إغناء الحوزة العلمية بكربلاء وتربية جيل من العلماء المتفقّهين ، توفّي ودُفن في كربلاء سنة (1393 هـ)(2).
__________________
(1) علم وجهاد ، حياة آية الله العظمى الميلاني : 1 / 17 ـ 18 ، 53 وما بعدها ، و 1 / 114 ـ 116 بتلخيص وتصرف.
(2) تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 68.

19 ـ الشيخ محمّد الشاهرودي الحائري (ت 1409 هـ) :
وهو آية الله العلاّمة المفضال ، والعالم المتبحّر ، والفقيه المحقّق ، والأُستاذ البارع ، حيث تفرّغ للتدريس والتحقيق في حوزة كربلاء العلمية لفترة تناهز نصف قرن ، وكانت حلقة دروسه وتقريراته الفقهية والأُصولية من أهمّ الحلقات التدريسية في حينه ... تخرّج عليه العشرات من الطلاّب ... وكان يقيم الجماعة في صحن الروضة الحسينية لأكثر من ثلاثين عاماً ، هاجر من كربلاء بحدود (1392 هـ) وقدم إلى إيران واستقرّ في مدينة طهران. توفّي في سنة (1409 هـ) ، ودفن في روضة الشاه عبد العظيم بمدينة الرّي(1).
20 ـ السيّد محمّد مهدي الحسيني الشيرازي (ت 1422 هـ) :
هو السيّد محمّد ابن السيّد مهدي ابن السيّد حبيب الله الحسيني الشيرازي الحائري ، وجدّه السيّد حبيب الله ابن أخ المجدّد والسيّد محمّد حسن الشيرازي المتوفّى عام (1312 هـ).
ولد المترجم له في النجف الأشرف عام (1347 هـ) ، هاجر به والده إلى كربلاء المقدّسة عام (1356 هـ) وله تسع سنين ، نشأ في كربلاء نشأة روحية علمية ، حتّى هاجر إلى دولة الكويت عام (1969 م) ، وفي عام (1979 م) هاجر إلى مدينة قم المقدّسة ، واستقرّ بها حتّى وفاته عام (1422 هـ) ودُفن في حرم السيّدة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليه‌السلام قرب قبر أخيه الشهيد حسن
__________________
(1) المرجع نفسه : 68 ـ 69.

الشيرازي. «فهو نجفي الولادة ، حائري النشأة ، كويتيّ الهجرة ، قمّي الإقامة والمرجعية والوفاة والمثوى الأخير»(1).
وممّا ينبغي أن يذكر في سيرة السيّد محمّد الشيرازي رحمه‌الله أنّه تولّى المرجعية بعد وفاة والده قدس‌سره عام (1380 هـ) ، وخلف والده المرجع في شؤون الفتيا والإمامة(2).
وكان سماحته آنذاك في سنّ الشباب ؛ إذ لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره ، وقد يقال : «إنّ للسيّد الشيرازي طموحاً مبكّراً ، وسعياً إلى الزّعامة منذ شبابه»(3).
وقد يجاب عن هذا الطموح المبكّر للمرجعية بحسن نيّة بأن يقال : «إنّ الطموح المشروع ، هو سبيل أغلب زعماء الأُمّة وإلاّ تعطّلت القيادة ، وتسلّمها مَن ليس أهلاً لها ، والسيّد الشيرازي أهل لذلك ...»(4).
والأمر الآخر الملفت للنظر في مسيرة السيّد الشيرازي العلمية ، هي ظاهرة كثرة المؤلّفات حيث قدّر بعضهم مؤلّفاته بأنّها «تجاوزت الألف كتاب» منها «موسوعته الفقهية التي بلغت مائة وخمسين مجلّداً»(5) ، بالإضافة إلى الكتابات الأُخرى.
__________________
(1) قادة الفكر الديني والسياسي في النجف : 211.
(2) هدية الرازي : 211 ملحق ، الحركة العلمية في كربلاء : 69.
(3) محمّد حسين ، قادة الفكر الديني : 236.
(4) المرجع نفسه : 236.
(5) قادة الفكر : 236 ـ 237.

وكلّ مؤلّف من هذه المؤلّفات العلمية لها أبحاثها التخصّصية العميقة وتحتاج إلى جهد علمي كبير ، بالإضافة إلى عامل الزمن التي يستغرقها.
وعلى أيّ حال ، فقد كانت حياة السيّد الشيرازي رحمه‌الله حياة حافلة بالعطاء العلمي والاجتماعي ، بالإضافة إلى جهاده السياسي في مقارعة البعثيّين ... وهذه كلّها خدمات جليلة تسجّل له في سجل عطائه رحمه‌الله.
وبالسيّد الشيرازي محمّد مهدي رحمه‌الله نختتم فهرست أبرز أسماء علماء حوزة كربلاء العلمية ؛ في أدوارها الثلاثة.
وممّا لا شكّ فيه أنّ هنالك أسماءً أخرى لعلماء لهم دورهم وعطاؤهم في هذه الحوزة المباركة ، إلاّ أنّنا لم نعثر على تراجمهم بمقدار ما بحثنا في كتب التراجم والسيرة ، أو لم يسع مجال البحث لاستيعابهم جميعاً رحمهم‌الله.

الفصل الثالث
من معطيات الحوزة العلمية في كربلاء
لقد كان لحوزة كربلاء معطيات مهمّة شملت جوانب متعدّدة من مسيرتها العلمية ، سواءً على مستوى الإقبال عليها من قبل طلاّب العلم والمعرفة ؛ إذ نجدها حوزة منفتحة على المناطق الشيعية ، أو على مستوى تأسيس المدارس وتشييد المعاهد العلمية ؛ إذ نجد كثرة هذه المدارس في تاريخها الطويل. بالإضافة إلى التطوّر النوعي في مجال البحوث التخصّصية في الفقه والأُصول ؛ حيث نلاحظ العمق والشمول والاستيعاب.
يضاف إلى ذلك معطيات أخرى تناولت عناوين أخرى يمكن أن نسجّلها كأبحاث في هذا الفصل من تاريخ هذه الحوزة المباركة.
المبحث الأوّل :
الهجرة العلمية إلى حوزة كربلاء ، هجرة طلاّب جبل عامل إنموذجاً :
لقد شهدت حوزة كربلاء العلمية ـ وعلى مدى تاريخها الطويل ـ هجرة بعض طلاّب العلم والمعرفة من بلاد الشام ـ جبل عامل ـ إليها ، حيث حلّوا فيها واستفادوا من محضر أساتذتها ، «وأظنّ أنّ أقدم مؤشّر على هذه الهجرة ... كان في القرن الثامن الهجري ، أي بعد قرن أو أكثر من بروز

النهضة العلمية في جبل عامل ، ثمّ أخذت بالاستمرار إلى حين انتقال الحوزة العلمية من كربلاء إلى النجف على يد العلاّمة السيّد مهدي الطباطبائي الملقّب ببحر العلوم»(1).
وفيما يلي أسماء بعض العامليّين المهاجرين إلى كربلاء ممّن تتلمذ على أيدي أساتذتها :
1 ـ الشيخ إبراهيم بن علي الكفعمي (ت 895 هـ) :
وقد ترجمنا له سابقاً ضمن علماء حوزة كربلاء في دورها الأوّل ، حيث هاجر إلى كربلاء وسكنها ، وتوفّي ودُفن فيها على قول بعضهم.
2 ـ السيّد إسماعيل صدر الدين العاملي (ت 1338 هـ) :
وهو من أعاظم العلماء ، وأكابر المراجع ، هاجر والده إلى إصفهان ، ثمّ إلى النجف الأشرف ، حيث ولد السيّد إسماعيل هناك ، وسار على نهج آبائه الأفذاذ في طلب العلم من مظانّه ، فشدّ الرحال من أجل ذلك مهاجراً ما بين النجف وسامرّاء وكربلاء والكاظمين ... وقد ذكرنا ترجمته سابقاً.
3 ـ الشيخ نور الدين علي آل أبي جامع :
له ترجمة في تكملة أمل الآمل ، جاء في بعض مقاطعها : «... هو أبو أُسرة من العلماء ، وله التقدّم في العلم والفضل ، وإنّه من أوّل من هاجر من آل أبي جامع ... وعرف بأبي جامع لأنّه بنى جامعاً ... ونسبه ينتهي إلى
__________________
(1) الفقه في جنوب لبنان : 168.

الحارث الهمداني ..». وجاء في ترجمته أيضا : «إنّه بعد ما جرى على الشهيد الثاني رضي‌الله‌عنه تضعضعت البلاد واضطرب أهلها وشملها الخوف والتقيّة ، خرج الشيخ علي من قرية (جبع) وقيل من (عيناثا) ، مع أولاده وعياله خائفاً يترقّب حتّى وصل كربلاء فأقام بها ... وكان عالماً فاضلاً محدّثاً نقيّاً صالحاً ... وسكن بها مدّة ..».
إلاّ أنّ الشيخ علي سرعان ما ترك كربلاء هارباً من العثمانيّين إلى (الدورق) ثمّ إلى (الحويزة) حيث سكنها وتوفّي بها ونقل إلى النجف ، وهو أوّل من نقل من الحويزة إلى النجف. وقد ذكر السيّد الصدر في تكملته والسيّد الأمين في أعيانه قصّة هروبه إلى الحويزة وسببها(1).
4 ـ السيّد محمّد بن أبي الحسن العاملي :
وقد ذكرنا ترجمته ضمن العلماء العامليّين المهاجرين إلى مكّة ، حيث هاجر أوّلاً إلى كربلاء وسكنها فترة من الزمن ، فجرى عليه مثل ما جرى على زميله نور الدين علي ، حيث يشتركان في سبب هروبهما من أيدي العثمانيّين ، فيمّم وجهه صوب مكّة مهاجراً وتوفّي فيها ، بعد أن يمّم صاحبه وجهه صوب الحويزة وتوفّي فيها(2).
5 ـ السيّد صالح العاملي (ت 1217 هـ) :
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 281 ـ 283 ، أعيان الشيعة : 8 / 162 وما بعدها.
(2) تكملة أمل الآمل : 282 ـ 283 ضمن ترجمة الشيخ نور الدين آل أبي جامع ، أعيان الشيعة : 9 / 62.

قال عنه صاحب التكملة : «السيّد الجليل السيّد صالح ابن السيّد محمّد ابن السيّد إبراهيم شرف الدين ... الموسوي العاملي ، .. كان يعرف بالسيّد صالح الكبير العاملي المكّي ، من أعلام العلماء في عصره ، انتهت إليه رئاسة الإمامية في بلاد الشام ، وكان كثير الاطّلاع ، غزير الحفظ ، واسع الرواية ، وله في الطبّ والرياضيّات يد قارعة وقدح معلّى ... ربّاهُ أبوه وقرأ عليه وعلى غيره من علماء عصره في عاملة فمصر فالحجاز فالعراق ، وحمل عن فقهاء هذه البلاد ومحدّثيها علماً كثيراً ... وفي سنة (1163 هـ) رجع إلى بلاده واستقرّ فيها مرجعاً وملاذاً لأهليها ... سكن النجف حتّى توفّي سنة سبع عشرة ومائتين وألف ، ودفن في بعض حجر الجانب الشرقي من حجر الصحن الشريف»(1).
والسبب في عودته إلى العراق ثانياً هي المحنة التي تعرّض لها علماء جبل عامل أيّام الجزّار حيث تعرّض السيّد إلى الحبس في الجبّ فانقذه الله منها.
ويشير السيّد الحسيني إلى أنّ السيّد صالح قد سكن العراق في سفرته الأُولى متردّداً بين النجف وكربلاء(2).
6 ـ الشيخ محمّد حسين الميسي العاملي :
قال عنه معاصره الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل : «وهو الشيخ محمّد
__________________
(1) تكملة أمل الآمل : 233 ـ 234.
(2) الفقه في جبل عامل : 170.

حسين بن الحسن بن إبراهيم بن علي بن عبد العالي العاملي الميسي ، فاضل عالم محقّق صالح عابد ، معاصر ، سكن كربلاء إلى الآن»(1).
والشيخ الحرّ العاملي متوفّى سنة (1104 هـ) وهذا يعني أنّ الشيخ الميسي من علماء القرن العاشر وبدايات القرن الحادي عشر الهجري.
ويتوسّع السيّد الصدر في ترجمة الشيخ الميسي فيقول : «الشيخ محمّد حسين ... من أحفاد علي بن عبد العالي الميسي ، نزيل الحائر المقدّس ، فاضل جليل فقيه متبحّر ، يروي عنه المولى أبو الحسن الشريف العاملي ، وله منه إجازة كتبها له سنة (1100 هـ) ، ويروي هو عن الشيخ عبد الله بن محمّد العاملي ، عن الشيخ علي ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ حسن بن زين الدين صاحب الدرّ المنثور»(2).
7 ـ الشيخ محمّد بن يوسف آل أبي جامع :
الشيخ محمّد بن يوسف بن جعفر من مشاهير أُسرة محيي الدين أو آل أبي جامع ، ويعدّ الشيخ محمّد من كبار الشعراء إلى جانب كونه فقيهاً كبيراً في النجف الأشرف ، وهو ممّن هاجر إلى كربلاء في أوّل أمره ، فإنّه قصدها مع زميليه العلاّمة السيّد مهدي بحر العلوم والشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء للتلمذة على علمائها ، وكان أبرزهم آنذاك الوحيد البهبهاني(3).
__________________
(1) أمل الآمل : 1 / 154.
(2) تكملة أمل الآمل : 377.
(3) الفقه في جبل عامل : 170 عن الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في كتابه : الحالي والعاطل : 102.

8 ـ السيّد حسين ابن السيّد أبي الحسن العاملي :
وهو السيّد حسين الشقراني ، من أعاظم العلماء العامليّين ، وهو ممّن هاجر إلى العراق وأقام في كربلاء إبّان ازدهارها على عهد الوحيد البهبهاني ، وتتلمذ لديه ، وحضر بحثه إلى حين وفاته ، فانتقل إلى النجف الأشرف ..(1).
ويذكر السيّد الصدر في ترجمته : «... عالم فاضل محقّق مدقّق ، جرت بينه وبين المحقّق القمّي صاحب القوانين حين قدومه إلى العراق مباحثات في حجّية الظنّ المطلق ، وأورد السيّد على المحقّق إيرادات لم يجب عن جميعها في مجلس المباحثة ، لكنّه أدرج الإشكالات مع أجوبتها في مبحث الاجتهاد والتقليد من كتابه القوانين على ما حكاه بعض أجلّة أرحام صاحب الترجمة ... ومن راجع الإشكالات علم أنّ صاحبها من أهل الغور والتحقيق ، ولعلّه من تلامذة السيّد بحر العلوم المنكر لحجّية الظنّ المطلق»(2).
9 ـ السيّد محمّد جواد العاملي :
وهو من أشهر علماء جبل عامل المتأخّرين ، وصاحب السفر الجليل الخالد مفتاح الكرامة نشأ وترعرع في جبل عامل ، ثمّ هاجر إلى العراق وكانت زعامة الحوزة يومئذ لمدرسة كربلاء ، فأقام فيها وتتلمذ على أُستاذها الوحيد والسيّد صاحب الرياض ، ثمّ عاد إلى النجف بعد وفاة أُستاذه الوحيد ،
__________________
(1) الفقه في جبل عامل : 171.
(2) تكملة أمل الآمل : 173.

وقد تحدّثنا عنه ضمن حديثنا عن حوزة النجف الأشرف.
أُولئك هم نخبة من العامليّين المهاجرين إلى حوزة كربلاء ، وقائمة الأسماء قد تطول لتستوعب كثرة كاثرة من الأسماء اللاّمعة في دنيا العلم والمعرفة من أبناء عاملة ... نكتفي بهذا القدر روماً للاختصار.
المبحث الثاني :
أماكن التدريس وأهمّ المدارس الدينية الحوزوية في كربلاء :
توزّعت محلاّت التدريس في حوزة كربلاء ـ كغيرها من الحوزات ـ على أماكن متعدّدة ، متّخذة الطريقة القديمة التقليدية في التدريس والمعروف بنظام الحلقات ، حيث يتحلّق طلاّب العلوم حول أُستاذهم وهو يلقي عليهم درسه ، ولا تزال هذه الطريقة هي السائدة في أغلب الحوزات العلمية.
ومن أماكن التدريس التي يمكن أن نشير إليها في حوزة كربلاء ما يلي :
1 ـ بيوت العلماء :
«التي غالباً ما كانت تضمّ غرفاً كبيرة أُعدّت لهذا الغرض»(1) ، وتحدّثنا تراجم بعض علماء حوزة كربلاء أنّهم اتّخذوا من بيوتهم مدرساً وكانوا يستقبلون فيها طلاّبهم ومريديهم ، فقد جاء في ترجمة السيّد محمّد باقر الحجّة الطباطبائي المتوفّى في كربلاء سنة (1331 هـ) «فكانت داره الكائنة في
__________________
(1) المدارس العلمية الإسلامية في كربلاء ، منشور ضمن دراسات حول كربلاء : 657.

سوق التجّار الكبير محجّاً يرتاده العلماء والأُدباء ومنهلاً عذباً يرتوي من نميره أهل الفضل ..»(1).
وجاء في ترجمة السيّد ميرهادي الخراساني المتوفّى سنة (1368 هـ) وهو من علماء كربلاء أيضاً ما نصّه : «أدركت أواخر أيّامه ، وكانت داره منتجعاً لطلاّب العلم وروّاد الفضيلة ..»(2). وهكذا تجد الكثير من هذه البيوت العلمية والتي كانت مناراً ومحجّة لطلاّب العلم.
يضاف إلى بيوت العلماء ما تعارف بـ : (دواوين العلماء) والتي كانت ملتقى للعلماء والأُدباء والشعراء وقد عرف منها : ديوان آل الرشتي ، وديوان الميرزا محمّد تقي الحائري ، وديوان آل الشهرستاني والذي أسّسه العلاّمة الكبير السيّد ميرزا مهدي الموسوي الشهرستاني ، وكان مجلسه مقرّاً للعلماء والأُدباء ورجال الدين(3).
2 ـ الروضتان الحسينية والعباسية والجوامع والحسينيّات :
لقد شهدت أُروقة الروضتين الحسينية والعبّاسية بالإضافة إلى الجوامع والزوايا الدينيّة والحسينيّات حضوراً مكثّفاً لطلاّب العلم والمعرفة ، واتّخذ بعض الأساتذة من غرف وأواوين الحرم الحسيني والعبّاسي مَدرساً لهم ، وملتقى لطلاّبهم ومريديهم ، واشتهر بعض أُولئك العلماء بهذا الأمر ، فقد جاء
__________________
(1) تراث كربلاء : 290 ، أعيان الشيعة : 13 / 438 ـ 439.
(2) المرجع نفسه : 294.
(3) المرجع نفسه : 319.

في ترجمة السيّد نصر الله الحائري : «المدرّس في الروضة الحسينية المعروف بالمدرّس». وكان يعرف «بمدرّس الطَّفِّ تارة ، ومدرّس الروضة الحسينية تارة أخرى»(1).
وقال عنه في معارف الرجال : «وكان وجهاً ساطعاً مبرّزاً في الحائر الحسيني ... له مجلس درس في الحضرة المطهّرة للإمام الحسين بن علي عليه‌السلام ، يحضره طائفة كبيرة من أفاضل أهل العلم العراقيّين والمهاجرين»(2).
وجاء في ترجمة السيّد طعمة علم الدين الحائري : «إنّه كان من العلماء المتضلّعين في المشهد الحسيني»(3) وأمّا الشيخ المولى محمّد شريف المازندراني الحائري وهو شيخ العلماء ومربّي الفقهاء ويكفي أن يكون من تلامذته السيّد إبراهيم صاحب الضوابط والشيخ مرتضى الأنصاري وغيرهم ... فقد كان يقوم بالتدريس في الحائر المقدّس ..»(4).
كذلك في بعض الجوامع والحسينيّات والمزارات في كربلاء المقدّسة قد تحوّلت إلى شبه معاهد دينية ، وكان بعض العلماء والفضلاء يلقون فيها دروسهم وأبحاثهم العلمية في الفقه والأُصول والتفسير .. ، فقد جاء في وصف جامع عمران بن شاهين ـ وهو من أقدم مساجد كربلاء ـ : «... إنّه
__________________
(1) أعيان الشيعة : 10 / 213 ، وتراث كربلاء : 256.
(2) معارف الرجال : 3 / 188 ـ 189.
(3) تراث كربلاء : 254.
(4) المرجع نفسه : 268.

كان له شأن كبير في توسيع وانتشار الحركة العلمية والدينية»(1) ، بل رجّح بعض الباحثين أن يكون هذا الجامع هو الذي تحدّث عنه ابن بطّوطة في رحلته أثناء زيارة كربلاء حيث وصفها بقوله : «مدينة صغيرة ... والروضة المقدّسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة ، وزاوية كريمة ...» ، «فإنّ المدرسة العظيمة ... ما هي إلاّ مسجد ابن شاهين ، فالنشاط العلمي الذي كان يجري فيه جعل منه مدرسة عظيمة قبل أن يكون مسجداً للعبادة ..»(2).
وتوصف حسينية المازندراني بأنّها : «حسينية كبيرة جدّاً تستخدم لأغراض الدرس والمطالعة ... وإنّها تشتمل على مدرسة دينية ومسجد ومكتبة ومقبرة»(3).
وقد عرفت مدينة كربلاء بكثرة جوامعها وحسينيّاتها وسعتها ، والتي كان أغلبها قريبة من الحائر الحسيني الشريف ، ممّا يسهل حضور الأساتذة والطلاّب والتواصل بينهم ، وإلى جانب الجامع والحسينيّات كانت ولا زالت هنالك مراقد ومزارات منتشرة في كربلاء اتّخذ بعض منها محلاًّ للتدريس والتعليم.
يقول أحد المؤرّخين لحوزة كربلاء : «حين نزل الإمام الصادق عليه‌السلام كربلاء المقدّسة ، سكن جنوب نهر العلقمي ، وكان يلقي دروسه ومحاضراته
__________________
(1) المرجع نفسه : 216.
(2) الحركة العلمية : 292.
(3) المرجع نفسه : 297 ـ 298.

العلمية على أصحابه وتلامذته في داره على ضفاف نهر العلقمي ، وكذلك في أروقة الروضة الحسينية ، ثمّ اتّخذ شيعته داره المذكورة مقرّاً للدراسة والتدريس ... والأراضي التي يقع فيها هذا المقام تعرف بشريعة الإمام الصادق عليه‌السلامأو الجعفريّات ... وكان قديماً إحدى المعاهد العلمية في ضواحي كربلاء ..»(1). كذلك يتحدّث هذا الباحث عن دار ومدرسة للإمام الكاظم عليه‌السلام في كربلاء من دون أن يذكر لنا المصدر الذي استقى منه معلوماته! ومهما يكن من أمر ، فإنّ لكربلاء المقدّسة الكثير من الجوامع والحسينيّات والتكايا والزوايا والمقامات التي اكتسبت قدسية خاصّة عند الناس ، بالإضافة إلى مراقد بعض السادة والعلماء وقد اتّخذ بعضها مدرساً ومحلاًّ للتدريس والتعليم.
3 ـ المدارس والمعاهد الدينية :
تأسّست في مدينة كربلاء المقدّسة وضمن نطاق حوزتها العلمية مدارس دينية علمية أخذت على عاتقها وظيفة مزدوجة في أغلب الأحيان ، فهي أماكن للتعليم والتدريس ، وفي نفس الوقت تستخدم كأقسام داخلية لسكن الطلاّب الوافدين إليها من البلدان الإسلامية الأُخرى. ولم تختلف هذه المدارس في هندستها المعمارية وطريقة بنائها عن المدارس الإسلامية السابقة لها ، إذ كانت تحمل صفات وخصائص معمارية متميّزة تتناسب مع الهدف الذي أُنشئت من أجله ، من حيث البناء المكشوف والأروقة المسقوفة
__________________
(1) الحوزات العلمية في الأقطار الإسلامية : 99 ـ 100.

والغرف والأواوين ... ممّا يتناسب مع الطابع الديني لهذه المدارس ، وينسجم مع متطلّبات الحياة الاجتماعية لطلاّب العلوم الدينية.
وليس لدينا في الواقع إحصائية دقيقة عن عدد المدارس العلمية في حوزة كربلاء ، إذ يعتقد بعض الباحثين بأنّه : «كانت تنتشر في أرجاء مدينة كربلاء المدارس العلمية الإسلامية ، ولكن مع الأسف الشديد أُزيل معظمها في فترات زمنية مختلفة نتيجة فتح شوارع جديدة ، خصوصاً في المنطقة المحيطة بالروضتين الحسينية والعبّاسية ، وقسم منها تحوّل إلى الخراب نتيجة الإهمال ...»(1).
كذلك ليس لدينا تاريخاً محدّداً لبدايات تأسيس هذه المدارس ؛ إلاّ أنّ بعض الباحثين حاول أن يحدّدها بـ : «القرن السادس الهجري»(2) ، بل أنّ بحّاثاً آخر حدّدها بالقرن الرابع الهجري ، وفي بدايات العصر البويهي فقال : «وعند بداية الحكم البويهي في إيران والعراق ، تأسّست المدارس الإسلامية في عموم المدن التي كانت تحت سيطرتهم ، وأوّل مدرسة إسلامية شيّدت في العراق كانت في كربلاء وهي (المدرسة العضدية) من قبل عضد الدولة البويهي عند زيارته للمدينة سنة (369 هـ) وكان موقعها بجانب مسجد رأس الإمام الحسين ...» ، ثمّ يضيف : «بقيت هذه المدرسة إلى فترة العهد
__________________
(1) المدارس العلمية في كربلاء ، بحث منشور ضمن بحوث ندوة دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري : 660.
(2) تراث كربلاء : 201 ، الحركة العلمية في كربلاء : 277.

الصفوي وكانت تحت رعايتهم وعنايتهم ، وبعد زوال الدولة الصفوية آلت إلى الخراب ، وفي سنة (1354 هـ) أُزيلت المدرسة لغرض فتح شارع ...» ، وأضاف أيضا : «كما شيّد عضد الدولة البويهي سنة (371 هـ) مدرسة أخرى في مدينة كربلاء بجانب الصحن الصغير ... وقد أُزيلت هذه المدرسة والصحن الصغير كذلك بتاريخ (24 / 11 / 1948)»(1) وللأسف الشديد لم يذكر لنا هذا الباحث مصدره الذي استقى منه هذه المعلومات ، والتواريخ التي يذكرها لما بين التأسيس والإزالة لكلا المدرستين تمتدّ إلى ما يقارب القرن من الزمن ، ومن المستبعد أن يمتدّ العمر الزمني لهاتين المدرستين إلى هذا الزمان.
يضاف إلى ذلك أن ابن بطوطة في رحلته نوّه (بوجود مدرسة عظيمة) ، والمدرسة التي أشار إليها هي (جامع ومدرسة ابن شاهين) بحسب رأي بعض الباحثين ، فلماذا لم يشر إلى المدرسة (العضدية)؟ ومهما يكن من أمر ؛ وبغضّ النظر عن رأي هذا الباحث ؛ فإنّ المدارس العلمية في كربلاء يرجع عمرها الزمني تحديداً إلى القرن الثاني عشر الهجري ، «وإنّ الدراسة قبله كانت تتمّ داخل الجوامع والزوايا الدينية وأَروقة الروضة الحسينية المقدّسة وحدها ... وإنّ أقدم مدرسة علمية دينيّة لا زالت آثارها باقية حتّى يومنا هذا هي مدرسة (حسن خان) التي يرجع تاريخ بنائها إلى سنة (1180 هـ)»(2).
__________________
(1) المدارس العلمية في كربلاء : 657 ـ 658.
(2) الحركة العلمية في كربلاء : 277 ـ 278.

وفيما يلي سرد لأسماء أهمّ وأشهر المدارس العلمية الدينية في حوزة كربلاء ، مع شرح موجز لأهمّ الجوانب المشرقة من تاريخها :
1 ـ مدرسة السردار حسن خان :
يرجع تاريخ تأسيسها إلى سنة (1180 هـ) ، وتقع في الزاوية الشمالية الشرقية من صحن الإمام الحسين عليه‌السلام ، وتخرّج منها رعيل من أساطين العلم من أمثال مصلح الشرق جمال الدين الأفغاني ، والشيخ شريف العلماء ، وقد أنفق السردار حسن خان القزويني المبالغ الطائلة في إنشائها وتأسيس الأوقاف لها.
وكانت المدرسة واسعة عامرة بأهل العلم ، وكانت تحتوي على (70) غرفة ، فهي أعظم مؤسّسة دينية في كربلاء ... تخرّج منها فحول العلماء قديماً وحديثاً ، بوشر بهدم بنائها في (16 / محرم / 1368 هـ) وذهبت موقوفاتها ضمن شارع الحائر الحسيني(1) وبقيت آثارها إلى سنة (1991 م) حيث أُزيلت بعد هذا التاريخ من قبل السلطة الحاكمة آنذاك(2).
2 ـ مدرسة السيّد المجاهد :
«تشير وثيقة الوقف لهذه المدرسة إلى أنّها بُنيت وأنشئت بحدود سنة (1270 هـ) وكانت تقع في سوق التجّار الكبير بالقرب من مرقد السيّد محمّد المجاهد الطباطبائي ... وكانت في حينها مأهولة بروّاد العلم ورجال الدين
__________________
(1) تراث كربلاء : 202.
(2) المدارس العلمية في كربلاء : 661.

والفكر الإسلامي ، وتخرّج منها عدد كبير من أجلاّء العلماء وأفاضل الفقهاء ، أمثال السيّد محمّد باقر الطباطبائي ، والسيّد محمّد علي الطباطبائي ، والسيّد مرتضى الطباطبائي ... ومن أشهر أساتذتها لوقت قريب العلاّمة الشيخ محمّد علي سيبويه ، والشيخ عبّاس الحائري»(1) وأُزيلت هذه المدرسة سنة (1980 م) نتيجة فتح شارع المشاة الذي يربط بين الروضتين(2).
3 ـ مدرسة صدر الأعاظم النوري :
كانت هذه المدرسة من أهمّ المدارس العلمية الدينية في كربلاء ، وتقع غرب صحن الروضة الحسينية ، قام بإنشائها الشيخ عبد الحسين الطهراني (ت 1286 هـ) من ثلث الإرث المتبقّي من الأمير الإيراني الميرزا تقي خان (صدر أعظم) المقتول سنة (1268 هـ).
لقد كان لهذه المدرسة دور كبير في الحركة العلمية بكربلاء ، وتخرّج من أروقتها جيل من جهابذة العلم والفكر ، ومن أشهر أساتذتها آنذاك العالم الفقيه المتبحّر الشيخ أبو القاسم الخوئي (ت 1364 هـ) والعالم الشاعر السيّد عبد الوهّاب (ت 1322 هـ).
كانت تولية المدرسة في النصف الأوّل من القرن الرابع] عشر [الهجري بيد العالم والمجاهد الإسلامي الكبير الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي (ت 1338 هـ) ، وانتقلت بعد وفاته إلى نجله العلاّمة الشيخ عبد الحسين
__________________
(1) تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 279.
(2) المدارس العلمية في كربلاء : 661.

الشيرازي (ت 1381 هـ).
وقد أُزيلت هذه المدرسة نتيجة لفتح شارع الحائر الدائري المحيط بالروضة الحسينية(1).
4 ـ المدرسة الزينبية :
سمّيت بهذه التسمية نسبة لموقعها عند باب الزينبية للصحن الحسيني من جهة الغرب ، وكانت آهلة بطلاّب العلم ، إلاّ أنّها هدّمت نتيجة فتح الشارع المحيط بالروضة الحسينية سنة (1368 هـ). ومن الذين قاموا بالتدريس فيها الشاعر جعفر الهرّ (ت 1347 هـ) وتلميذه الشيخ محمّد الخطيب (ت 1380 هـ).
كانت تولية المدرسة قبل هدمها بيد الشيخ عبد الحسين الطهراني ، ومن قبله بيد والده المرجع الشيخ محمّد تقي الشيرازي قدس‌سره(2).
5 ـ المدرسة الهندية الكبرى :
وهي من أشهر المعاهد العلمية الدينية اليوم ، موقعها في زقاق الزعفراني بالقرب من المشهد الحسيني ، تمّ تأسيسها في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصّة بها ، وهي ذات طابقين
__________________
(1) تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 279 ـ 280 ، المدارس العلمية في كربلاء : 661 ، تراث كربلاء : 203.
(2) تراث كربلاء : 203 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 280 ، المدارس العلمية في كربلاء : 661.

وتحتوي على (22) غرفة. يُدرّس فيها مختلف العلوم كالفقه والأُصول والحديث والتفسير ، وما إلى ذلك.
وكانت هذه المدرسة إلى جانب ما فيها من التدريس لها نشاطات ثقافية وفكرية أخرى ، منها :
أوّلاً : تأسّست فيها مكتبة عامّة تعرف باسم (المكتبة الجعفرية) ، تأسّست سنة (1372 هـ) وتحتوي على ما يقرب من (أربعة آلاف) كتاب بين مخطوط ومطبوع.
ثانياً : كانت تصدر عنها النشرات والكرّاسات الدينية الأُسبوعية الدورية ، ومن أهمّها مجلّة أجوبة المسائل الدينية التي بدأت بالصدور والنشر سنة (1371 هـ) وظلّت تصدر بانتظام لسنوات عديدة متواصلة ، قبل أن تتوقّف عن الصدور نهائياً.
ثالثاً : تأسّس في هذه المدرسة سنة (1380 هـ) (مكتب رابطة النشر الإسلامي) لغرض طبع ونشر الكتب والكرّاسات الدينية التوعوية ، وتوزيعها بالمجّان بين المسلمين القاطنين في الدول الإسلامية النائية ... وقد أشرف على شؤونه في حينه الخطيب السيّد محمّد كاظم القزويني الحائري رحمه‌الله.
وقد تخرّج من هذه المدرسة عدّة أجيال من العلماء والفقهاء والمبلّغين الإسلاميّين ، ومن أشهر أساتذتها حتّى أواخر القرن الرابع عشر الهجري ، الشيخ جعفر الرشتي ، والسيّد محمّد صادق القزويني ، والسيّد محمّد الشيرازي ، والسيّد أسد الله الإصفهاني (ت 1394 هـ) ، والسيّد عبد الرضا

الشهرستاني ، والسيّد مصطفى الاعتماد البهبهاني ، والشيخ محمّد تقي الإصفهاني ، والشيخ مهدي الرشتي شقيق الشيخ جعفر الرشتي الذي كان متولّياً لهذه المدرسة حتّى تاريخ وفاته .. ، وتشير وثيقة وقف المدرسة إلى أنّها تأسّست خصّيصاً لتكون واحدة من أهمّ وأكبر المدارس الدينية العلمية في كربلاء قبل قرن ونصف قرن تقريباً(1).
6 ـ المدرسة الهندية الصغرى :
تقع هذه المدرسة في أحد الأزقّة التي تنفذ من سوق التجّار إلى شارع الإمام علي عليه‌السلام ، تأسّست سنة (1300 هـ) ، أوقفتها إمرأة صالحة تعرف بـ : (تاج محل) الهندية على العلاّمة السيّد علي نقي الطباطبائي ، كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصّة بها ، وتحتوي المدرسة على (7) غرف ، يسكنها أهل العلم من الأفغان والهنود.
ومن أساتذتها السيّد محمّد حسين الكشميري ، والسيّد مرتضى الطباطبائي ، والسيّد مرتضى الواجدي(2).
7 ـ مدرسة البادكوبة (الترك) :
وهي من مدارس كربلاء الشهيرة ، تأسّست سنة (1270 هـ) كما تنصّ بذلك الوقفية الخاصّة بها ، موقعها في زقاق الداماد ، وهي آهلة بحملة العلم
__________________
(1) تراث كربلاء : 203 ـ 204 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 281 ـ 282.
(2) تراث كربلاء : 205 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 284 ، المدارس العلمية في كربلاء : 663.

ورجال الدين ، وفيها (30) غرفة ، وفي المدرسة مكتبة عامرة بالكتب القيّمة.
ومن الآثار الفكرية التي صدرت عن المدرسة المذكورة سلسلة (منابع الثقافة الإسلامية) حيث تصدر كتاباً شهريّاً لكلّ مؤلّف.
وقد تخرّج من هذه المدرسة العديد من العلماء والفضلاء والخطباء ، وكان يتولّى مهمّة التدريس فيها لفترة طويلة تناهز جيلاً كاملاً الشيخ محمّد الشاهرودي (ت 1409 هـ) ، والشيخ محمّد الكلباسي (ت 1404 هـ)(1) ، وقد هدّمت المدرسة مؤخّراً لتنفيذ شارع ما بين الحرمين في كربلاء(2).
8 ـ مدرسة مرزا كريم الشيرازي :
وهي مدرسة واسعة ذات ساحة فسيحة ، وفيها مصلّى كبير ، تأسّست سنة (1287 هـ) ، وتمّ تعمير المصلّى بسعي السيّد الموسوي مرزا علي محمّد الشيرازي في رجب سنة (1308 هـ) كما تنصّ الكتيبة في داخله ، موقعها في محلّة العبّاسية الشرقية وتشتمل على طابق واحد ، ومن مدرّسيها الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي ، والشيخ محمّد علي الخليق(3).
9 ـ مدرسة البقعة :
تأسّست في منتصف القرن الثالث عشر الهجري ، ـ ولا نعلم من مؤسّسها ـ وموقعها في شارع الإمام علي عليه‌السلام ، مجاورة لمرقد السيّد محمّد
__________________
(1) تراث كربلاء : 204 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 282.
(2) السيّد الحيدري : 1 / 17 ـ 18.
(3) تراث كربلاء : 204 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 282.

المجاهد الطباطبائي ، وهي ذات طابقين ، وفيها (20) غرفة. تخرّج منها لفيف من العلماء كالسيّد محسن الكشميري ، والسيّد مرتضى الطباطبائي ، والشيخ عبد الرحيم القمّي. ومن الآثار الفكرية التي صدرت عن هذه المدرسة مجلّة دينية باسم صوت المبلّغين وقد أُزيلت هذه المدرسة سنة (1980 م)(1).
10 ـ مدرسة السليمية :
أسّسها الحاج محمّد سليم خان الشيرازي سنة (1250 هـ) ، وجدّدها المرجع الديني السيّد مهدي الشيرازي سنة (1370 هـ) ، وموقعها في زقاق جامع المرزا علي نقي الطباطبائي ، وهي تشتمل على طابقين ، وتحتوي على (13) غرفة وصالة للتدريس ، ولم يكتف مؤسّسها ببناء المدرسة فحسب ، بل خصّص رواتب شهرية للطلبة الذين يواصلون دراستهم فيها ، وكانت النفقات تصرف بتوسّط العلاّمة السيّد حسن آقا مير القزويني ، ومن أشهر أساتذتها الشيخ يوسف الخراساني ، والسيّد محمّد علي البحراني ، والسيّد حسن الشيرازي ، ومن الآثار التي صدرت عن هذه المدرسة مجلّة الأخلاق والآداب ومجلّة ذكريات المعصومين(2).
11 ـ مدرسة المهدية :
شيّدها الشيخ مهدي بن الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء سنة
__________________
(1) تراث كربلاء : 204 ، المدارس العلمية في كربلاء : 662.
(2) تراث كربلاء : 205 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 283 ، المدارس العلمية في كربلاء : 662 ـ 663.

(1284 هـ) ، كما شيّد مدرسة أخرى في النجف ، وموقعها في الزقاق المجاور لديوان السادة آل الرشتي ، وهي ذات طابقين ، يسكنها طلبة العلم ، ومن أساتذتها الشيخ عبد الحسين الدارمي ، والشيخ علي العيثان البحراني ، والشيخ عبد الحميد الساعدي ، والشيخ محمّد شمس الدين ، والشيخ حسين البيضاني(1).
12 ـ مدرسة ابن فهد الحلّي :
موقعها في شارع الإمام الحسين عليه‌السلام الممتدّ من باب القبلة ، وفيها مزار العالم العارف الشيخ أحمد بن فهد الحلّي الأسدي (ت 841 هـ) ، وللمدرسة مسجد يصلّى فيه ، وفيها مساحة واسعة ذات طابقين ، وتحتوي على (40) غرفة ، يسكنها طلاّب العلم ، كان التجديد الأوّل لهذا البناء سنة (1358 هـ) ، وأمّا التجديد الثاني للمدرسة فقد تمّ على نفقة جمع من المؤمنين من بينهم المرجع الديني الأكبر السيّد محسن الحكيم وذلك سنة (1384 هـ) ، وقد حوت المدرسة مكتبة عامة باسم (مكتبة الرسول الأعظم)(2).
13 ـ مدرسة شريف العلماء :
وهي إحدى المدارس الدينية المعروفة ، موقعها في زقاق (كدا علي)
__________________
(1) تراث كربلاء : 205 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 283 ـ 284 ، المدارس العلمية في كربلاء : 663.
(2) تراث كربلاء : 205 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 285 ، المدارس العلمية في كربلاء : 663 ـ 664.

المتفرّع من شارع الإمام الحسين عليه‌السلام ، وإلى جانب المدرسة يقع مرقد العلاّمة الشيخ شريف العلماء المازندراني الحائري (ت 1245 هـ). والمدرسة ذات طابقين ، وتحتوي على (22) غرفة ، يسكنها طلاّب العلوم الدينية ، بينهم عدد من الطلاّب الأجانب ، قام بتأسيسها فقيه العصر السيّد محسن الطباطبائي الحكيم وجعلها وقفاً على طلاّب العلوم الدينية في كربلاء والنجف الأشرف سنة (1384 هـ)(1).
14 ـ مدرسة البروجردي :
أنشأها المرجع الديني الأكبر السيّد حسين الطباطبائي البروجردي سنة (1381 هـ) وقد أنفق على تشييدها مبالغ باهضة ، .. فجاءت بنايتها في غاية الإبداع في طرازها الهندسي ، وفنّها المعماري ، وهي ذات طابقين ، وتحتوي على (20) غرفة يسكنها بعض أهل العلم ، وقيل في تاريخ تشييدها :

زعامة الحسين لم تنصرم
 

 

عنا برغم الموت أيّامها
 

قد أعلن التاريخ (في هدمها
 

 

زفّت بنصر الله أعلامها)(2)(1381 هـ)
 

15 ـ مدرسة الإمام الباقر عليه‌السلام :
أسّسها السيّد عماد الدين بن السيّد محمّد طاهر البحراني سنة (1381
__________________
(1) تراث كربلاء : 206 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 284 ، المدارس العلمية في كربلاء : 664.
(2) تراث كربلاء : 207 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 286 ، المدارس العلمية في كربلاء : 665.

هـ) ، موقعها في محلّة باب الخان ، قرب الفسحة ، وتحتوي على عدّة غرف يسكنها طلبة العلم ، وأنشئت فيها مكتبة عامّة ، ومن نشاطات المدرسة إقامة الحفلات في المناسبات الدينية ، وإصدار بعض الكتب الخاصّة بالتعليم الديني. وكانت هذه المدرسة من قبل حسينية خاصّة بالزائرين القادمين من مدينة الكاظمية في المواسم والمناسبات الدينية ، ثمّ تولّى إدارتها السيّد عماد الدين فحوَّلها إلى مدرسة(1).
16 ـ المدرسة الحسنية :
«أنشأها الكسبة والتجّار الكربلائيّون سنة (1388 هـ) ، وتقع على بعد 30 متراً شمال الروضة العبّاسية ، ومساحتها (400) متر ، وفيها (28) غرفة يسكنها أهل العلم ، وأهمّ ما يدرّس فيها الفقه والأُصول والنحو والمنطق والتفسير والأخلاق ، وتقام فيها الشعائر الدينية والاحتفالات ...». وقال بعضهم : إنَّ هذه المدرسة أُقيمت بسعي الخطيب الشيخ حسن النائيني ، ومن تبرّعات المواطنين الكويتيّين ، وهدّمت هذه المدرسة في السنوات الأخيرة(2).
17 ـ مدرسة الخطيب :
أسّسها الشيخ محمّد بن داود الخطيب سنة (1357 هـ) ، ومقرّها في
__________________
(1) تراث كربلاء : 207 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 286 ، المدارس العلمية في كربلاء : 665.
(2) تراث كربلاء : 207 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 286 ، المدارس العلمية في كربلاء : 665.

محلّة المخيّم ، وفترة الدراسة المقرّرة فيها خمس سنوات ، يتلقّى الطلاّب في صفوفها علوم العربية والعلوم الدينية ، غير أنّها مدرسة شبه رسمية(1).
هذه هي أهمّ المدارس القديمة في حوزة كربلاء العلمية ، وهنالك مدارس دينية قديمة أخرى بيد أنّها رسمية أو شبه رسمية ، ولها تاريخ قديم يمتدّ ببعضها إلى أكثر من قرن من الزمن(2).
وبعد سقوط النظام البعثي عادت الحياة العلمية إلى حوزة كربلاء المقدّسة ، بعد أن عاد إليها بعض أعلام مدرستها العلمية من آل الحائري ، والقزويني ، والشيرازي ، وافتتحت بعض المدارس الدينية فيها ... إلاّ أنّها لم ترقَ إلى المستوى المطلوب ولم يقبل عليها طلاّب العلوم الدينية من أبناء كربلاء ، أو المدن المجاورة لها ، لأسباب محدّدة لا مجال لذكرها ، ولهذا توجّه أُولئك الطلاّب صوب النجف الأشرف.
كذلك لم ترق بحوث الدراسات العليا (البحث الخارج) إلى المستوى الذي يعيد لهذه الحوزة مجدها التليد ، إذ لم يظهر من علمائها من يشدّ إليه الرحال من الأقطار الأُخرى ، بل وجدنا بعض فضلاء كربلاء قد يمّم وجهه صوب الحوزة العلمية في النجف ، وبدأ بالتدريس هناك ، ولهذه الظاهرة
__________________
(1) تراث كربلاء : 208 ، تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : 286 ، المدارس العلمية في كربلاء : 665.
(2) تراث كربلاء : 209 وما بعدها.

أسبابها أيضاً.
المبحث الثالث :
خصائص التراث العلمي لحوزة كربلاء :
لقد خلّفت لنا حوزة كربلاء تراثاً علميّاً كبيراً ، وصلنا الكثير منه جيلاً بعد جيل ، واستفدنا من معينه الثرّ ، فكان هذا التراث ـ وبحقّ ـ حلقة الوصل (الذهبية) بين التراث الماضي لحوزة الحلّة وما سبقها والتراث اللاحق لحوزة النجف الأشرف في دورها المزدهر والمتكامل على أيدي النابغين من خرّيجي حوزة كربلاء.
وقبل أن نستعرض أبرز النماذج المهمّة لهذا التراث العلمي ، لابدّ من الإشارة إلى بعض الخصوصيّات التي اتّسم بها النتاج العلمي لعلماء حوزة كربلاء ، والذي يمكن تلخيصه بما يلي :
أوّلاً : السّعة والشمول والإحاطة :
فقد حاول بعض علماء هذه الحوزة المباركة التوسّع في المباحث العلمية ، في محاولة لاستيعاب الجزئيات المتعلّقة بها ، وهذا ما نجده واضحاً في علمي الفقه والأحكام الشرعية ، وكذلك نجد الأمر أكثر وضوحاً في مجال أُصول الفقه.
ثانياً : الدقّة العقلية والعمق العلمي :
وهذا ما نلمسه بوضوح في نتاج مدرسة الوحيد البهبهاني الأُصولي

والفقهي ، وقد يكون في المجال الأوّل أوضح ، إذ نجد الدقّة العقلية والعمق العلمي متجلّية في أبحاثه الأُصولية والفقهية ، وقد اكتسب هذه الصفة العلمية تلامذته وتلامذة تلامذته إذ نجد التراث الأُصولي بعد فترة الشيخ الوحيد يتّسم بهذه الصفة.
ثالثاً : الاستجابة لمتطلّبات العصر :
إذ كان علماء هذه الحوزة المباركة ـ في الغالب ـ من المتبصّرين بمتطلّبات الزمان ، وكانوا يواكبون متطلّبات عصرهم ؛ وما كان يثار فيه من إشكالات علمية أو عقائدية ، فكانوا يجيبون عنها ويردّون الشبهات المثارة حولها ، كما هو الحال في ردودهم على شبهات المدرسة الأخبارية ، أو ما أثارته المدرسة الرشتية الكشفية ، وغيرها من الأُمور.
وفيما يلي استعراض موجز لأهمّ ما وصلنا من تراث علمي لحوزة كربلاء العلمية ، وما تميّز به هذا التراث من خصائص علمية.
أوّلاً : الفقه والأحكام الشرعية :
وفي هذا الحقل العلمي وصلتنا كتب وأبحاث ؛ بل وموسوعات فقهية تمثّل قمّة العطاء الفقهي في مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.
وفيما يلي استعراض موجز لنماذج من هذا التراث الفقهي :
1 ـ كتاب المهذب البارع في شرح المختصر النافع :
ومؤلّفه هو أبو العبّاس أحمد بن فهد الأسدي الحلّي (ت 841 هـ) ، وهو

ينسب إلى حوزة الحلّة ومدرستها العلمية باعتباره حلّي المولد والمنشأ ، وينسب إلى حوزة كربلاء باعتباره من المهاجرين إليها والمتوفّين والمدفونين فيها.
وقد وصف المنهج الفقهي لابن فهد بأنّه : «جمع بين المعقول والمنقول ، والفروع والأُصول ... بأحسن ما كان يجمع ويكمل»(1) ، وله آثار فقهية متميّزة من أهمّها كتابه المهذّب البارع والذي هو شرح لكتاب المختصر النافع للمحقّق الحلّي ، ويعدّ هذا الكتاب من كتب المراجع في الفقه الاستدلالي عند الشيعة الإمامية ، ونقل عنه الكثيرون ممّن جاؤوا بعد مؤلّفه(2).
يقول الشيخ الطهراني عن كتاب المهذّب : «أورد في كلّ مسألة أقوال الأصحاب وأدلّة كلّ قول ، وبيّن الخلاف في كلّ مسألة خلافية ، وعيّن المخالف وإن كان نادراً متروكاً ، وأشار إلى وجه التردّد من المصنّف لدليل القدح في خاطره ، قال فيه : (... سمّيته بـ : المهذّب البارع في شرح المختصر النافع ، وإن شئت فسمّه : جامع الدقائق وكاشف الحقائق) ، لأنّه لا يمرّ بمسألة إلاّ جلاها غاية الجلاء ..»(3).
كما أنّ لابن فهد نتاجاً فقهياً آخر تمثّل في شرح الإرشاد (إرشاد الأذهان) للعلاّمة الحلّي ، وهو أيضاً من المراجع في الفقه الإمامي الاستدلالي
__________________
(1) روضات الجنات : 1 / 166.
(2) تاريخ التشريع : 379.
(3) الذريعة : 23 / 179 ـ 180.

بالإضافة إلى كتابه الفقهي الموسوم بـ : الموجز الحاوي والذي يعدّ من المتون الفقهية المراجع.
2 ـ كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة :
وهو للشيخ يوسف بن أحمد الدرازي البحراني ، وهو من أكابر العلماء المهاجرين إلى كربلاء والمتوفّين والمدفونين فيها سنة (1186 هـ).
وكتاب الحدائق من أهمّ ما وصلنا من تراث كربلاء الفقهي ، وهو كتاب شهير ، ومن عيون الكتب الفقهية الإمامية ، وناهيك به شهرة أن صار مُعرِّفاً لمؤلّفه الشهير ، فلم يكد شيخنا المحدّث البحراني يعرف ثمّ يعرّف ولا يذكر ويميّز إلاّ بقولهم عنه صاحب الحدائق(1).
وكتاب الحدائق من الكتب الفقهية الاستدلالية المرجعية المهمّة ، وقد سلك فيه مؤلّفه البحراني مسلك المدرسة الأخبارية في الاستدلال ، وتميّز بمنهج علمي سار عليه في فصول وأبواب كتابه الحدائق وقد تحدّثنا عن الخطوط العامّة لمنهجه في مكان آخر ؛ فليراجع هناك(2).
3 ـ كتاب مصابيح الظلام في شرح مفاتيح شرايع الإسلام :
وهو للأُستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني (ت 1206 هـ) ، وهو شرح استدلالي على كتاب المحقّق المولى محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) والذي اختصره من كتابه معتصم الشيعة والمتأخرون تلقّوه بالقبول وكتبوا
__________________
(1) الحدائق الناضرة ، المقدمة : 1 / ط.
(2) للتوسع ، أنظر : كتابنا : تطوّر حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ، الفصل العاشر.

عليه الحواشي والشروح ، ويعتبر شرح الوحيد من أهم هذه الشروح وأعمقها ، «خرج منه كتاب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس ، وهو غير حاشيته على المفاتيح .. ، بل الشرح هذا كبير ينقل عنه جميع تلاميذه ومن تأخّر عنه ، وكلّما يطلق في كتبهم شرح المفاتيح فهو هذا الشرح ..»(1).
وخلّف الشيخ الوحيد البهبهاني تراثاً علميّاً تمثّل في كتب وأبحاث ورسائل وحواشي بلغت ما يقرب من ستّين كتاباً ، من أهمِّها كتابه هذا المصابيح.
4 ـ كتاب رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل :
وهو من تأليف السيّد علي الطباطبائي (ت 1231) ، وهو شرح لكتاب المختصر النافع للمحقّق الحلّي ، وصفه الشيخ الطهراني بقوله : «شرح مزجي دقيق متين ، متداول بين الفضلاء ، وقيل إنّه ملخّص المهذّب البارع والروضة البهية والحدائق الناضرة ، وقيل : بل الأخيرين وكشف اللثام وشرح المفاتيح للوحيد البهبهاني»(2).
والسيّد علي الطباطبائي ابن أُخت العلاّمة الوحيد ، وصهره على ابنته ، كما «إنّه كان يحضر درس صاحب الحدائق ليلاً ـ سرّاً ـ لغاية اعتماده على فضله ومنزلته العلمية ، وحذراً من اطّلاع خاله العلاّمة ـ الوحيد ـ عليه ، وإنّه
__________________
(1) الذريعة : 14 / 47 و 21 / 60.
(2) الذريعة : 11 / 240.

كتب جميع مجلّدات الحدائق بخطّه الشريف»(1).
5 ـ كتاب كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغرّاء :
وهو للشيخ جعفر الكبير (كاشف الغطاء) المتوفّى عام (1228 هـ) ، ويعتبر الشيخ جعفر من أبرز تلامذة الوحيد في حوزة كربلاء ، وبجهوده وجهود السيّد مهدي بحر العلوم وغيرهم من تلامذة الوحيد نهضت حوزة النجف الأشرف في دورها الثالث.
وكذلك يعتبر كتابه كشف الغطاء ـ الذي اشتهر مؤلّفه به ـ من أهمّ الكتب الفقهية التي ورثناها من علماء حوزة كربلاء ، حيث أودع مؤلّفه فيه أهمّ القواعد والأُسس العلمية لعملية الاستنباط الفقهي ، حتّى نقل عن الشيخ الأنصاري قوله : «إنّ من يفهم بإتقان القواعد الأُصولية التي ذكرها الشيخ جعفر في أوّل كتابه كشف الغطاء فهو عندي مجتهد»(2).
6 ـ كتاب مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة :
وهو شرح مبسوط لكتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي ، ألّفه أحد المبرّزين من تلامذة الشيخ الوحيد والشيخ جعفر كاشف الغطاء ، وهو السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي ، المتوفّى بالنجف أواخر سنة (1226 هـ) ، «وهو كتاب جليل ... فالجواهر بمفتاح كرامته استخرجت ، والهداية بمصباح رعايته استضاءت ، بل سائر الكتب المبسوطة في الأحكام التقطت من أرقام صحائفه
__________________
(1) روضات الجنّات : 4 / 403.
(2) أدوار الاجتهاد : 296 بالفارسية.

الكرام»(1).
ولا نريد أن نسترسل كثيراً بذكر النتاج الفقهي الموسوعي لحوزة كربلاء العلمية ، فهناك الكثير من الكتب التي يمكن أن نذكرها في هذا المجال ، وقد أشرنا إلى بعضها في ثنايا ترجمة بعض أعلام كربلاء.
ثانياً : في مجال أُصول الفقه :
لقد ظهرت في حوزة كربلاء ابتكارات أُصولية جديدة على يد الشيخ الوحيد البهبهاني ، وسار على منهجيّتها تلامذته وأتباع مدرسته العلمية في كتبهم الأُصولية والفقهية.
كذلك ظهرت في هذه الفترة كتب أُصولية بمنهجية جديدة مبتكرة نلاحظ من خلالها أنّ جملة من المباحث والعناوين الأُصولية التي تبنّتها المدرسة السنّية والتي احتوتها كتب علم أُصول فقه الشيعة ولم يكن لها أيّ تأثير في عملية الاستنباط لدى الشيعة قد حذفت تدريجيّاً من هذه الكتب الأُصولية الجديدة ، من قبيل بحث القياس الأُصولي ، والاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وسدّ وفتح الذرائع ، والاستقراء(2).
وهنالك الكثير من الابتكارات الأُصولية لدى علماء حوزة كربلاء ، دوّنتها المؤلّفات الأُصولية التي تنتسب لهذه الفترة ، من قبيل مسألة حجّية
__________________
(1) الذريعة : 21 / 220.
(2) تاريخ الفقه والفقهاء : 252 (بالفارسية).

القطع الحاصل من مقدّمات عقلية ، وقضية تقديم الدليل العقلي القطعي على الدليل النقلي عند التعارض بينهما ، وإجراء أصل البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية ، والتفريق العلمي الدقيق بين الأمارات والأُصول العملية ... إلى غير ذلك الكثير من الأفكار والابتكارات الأُصولية التي حوتها أبحاث كتبهم الأُصولية.
وفيما يلي نماذج لأهمّ كتب علم أُصول الفقه والتي ألّفها علماء حوزة كربلاء :
1 ـ الفوائد الحائرية الأُصولية (العتيقة والجديدة) :
تحت هذا العنوان كتب الأُستاذ الأكبر الوحيد البهبهاني فوائد في علم أُصول الفقه وتضمّنت أبحاثاً عن الأحكام الشرعية وكونها توقيفية ، والأمارات الفقهية وعظم خطرها ، وهكذا حتّى ينتهي إلى الفائدة السادسة والثلاثين في شرائط الاجتهاد ... وعرفت بالفوائد الأُصولية الأُولى العتيقة القديمة وفرغ منها في عام (1180 هـ).
وله أيضاً الفوائد الحائرية الأُصولية الجديدة ويقال له الملحقات وهو أيضاً يتناول بعض الأبحاث الأُصولية من قبيل جزئية شيء لواجب ، وإنّ الأصل في الجزء الركنية ... طبعت هذه الفوائد بطبعات مختلفة ولها نسخ متعدّدة(1).
__________________
(1) الذريعة : 16 / 235.

وللشيخ الوحيد البهبهاني كتب ومؤلّفات وحواشي أخرى في هذا الجانب ، طرح فيها أفكاراً أُصولية مبتكرة ، وكرّس البعض منها في ردّ الشبهات المثارة ضدّ المدرسة الأُصولية ، ودحض شبهات الأخباريّين ونظريّاتهم.
2 ـ الفوائد الأُصولية :
وهي للسيّد محمّد مهدي بحر العلوم (ت 1212 هـ) أحد أبرز تلامذة الشيخ الوحيد البهبهاني ، يصف الشيخ الطهراني هذه الفوائد بقوله : «أوّله : [فائدة : قد جرت عادة الأُصوليّين بتعريف أُصول الفقه بكلا معنييه الإضافي والعلمي] ، فيه خمس وأربعون فائدة نظير الفوائد الحائرية البهبهانية ..»(1).
ويشير أحد الباحثين إلى وجود كتاب أُصولي آخر للسيّد بحر العلوم عنوانه الدرّة البهية(2).
3 ـ كشف الغطاء عن خفيّات مبهمات الشريعة الغرّاء :
وهو كتاب الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء الذي تحدّثنا عنه سابقاً ، وقد قسّم الشيخ كتابه إلى ثلاثة أقسام ، وسمّى كلّ قسم منها بـ : (فن) ، «وأفرد الفنّ الأوّل منه في أُصول الدين ، وسمّاه العقائد الجعفرية في الكلام ، .. والفن الثاني في بعض المسائل الأُصولية ، والفنّ الثالث في الفروع الفقهية»(3).
__________________
(1) المرجع نفسه : 16 / 231.
(2) أدوار الاجتهاد : 296.
(3) الذريعة 18 / 31.

والشيخ جعفر الكبير وإن لم يدوّن مؤلّفاً مستقلاًّ في علم أُصول الفقه ، إلاّ أنّ أفكاره الأُصولية العميقة قد أودعها في ثنايا أبحاث كتابه كشف الغطاء ، والذي تجد فيه أهمّ القواعد والأُسس للاجتهاد والاستنباط الفقهي ، وتخرّج من محضر درسه كبار علماء الأُصول من أمثال صاحب الإشارات ، وصاحب حاشية المعالم وغيرهم.
4 ـ الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة :
وهي الموسوعة الفقهية التي دوّنها المحدّث الفقيه الشيخ يوسف البحراني ، والتي تحدّثنا عنها سابقاً.
والشيخ البحراني لم يترك مؤلّفاً مستقلاًّ يتناول علم أُصول الفقه ، إلاّ أنّه كان فقيهاً وله مباني يستند إليها في الاستنباط الفقهي ، وهذه المباني ضمّنها موسوعته الفقهية الحدائق إذ «بدأ بإثنتي عشرة مقدّمة في مباني الأحكام ، آخرها في الفرق بين الأخباري والأُصولي ، وكتب بعض الأصحاب المقدّمات مستقلاًّ ، وشرح السيّد المقدّس الأعرجي ـ المقدّمة ـ الأُولى والثانية ... وردّ على المقدّمات أيضاً بعض الأصحاب ..»(1).
وللشيخ البحراني أيضاً كتاب الدّرر النجفية والذي أفاض الكلام فيه حول المسائل الخلافية التي بين المجتهدين والأخباريّين ، وبين رأيه في كلِّ مسألة مع إقامة البرهان عليه(2) ، ومن خلال كلا الكتابين والنماذج التطبيقية
__________________
(1) المرجع نفسه : 6 / 209.
(2) أنظر : الدرر النجفية : 87 ، طبعة إيران الهامش.

لاستدلالاته يمكن للباحث أن يستخلص المنهج النظري للفقيه البحراني(1).
5 ـ مفاتيح الأُصول :
وهو من مؤلّفات السيّد محمّد المجاهد بن السيّد علي صاحب الرياض ، وهو كتاب مشهور في علم الأُصول : «وليس فيه مسألة مقدّمة الواجب ، واجتماع الأمر والنهي ، ومسألة الضدّ ، وحجّية الظنّ ، وبعض مباحث الألفاظ ، نعم له حجّية الظنّ كتبه مستقلاًّ ... ونسخة خطّ يده الشريف في كربلاء في مجلّدين : أوّلهما من بحث دلالة اللفظ إلى آخر النسخ ، وثانيهما إلى آخر الاجتهاد والتقليد ..»(2) ، وله شرح على كتابه أسماه : المصابيح في شرح المفاتيح(3).
والذي يبدو من خلال وصف الشيخ الطهراني ، أنّ كتاب مفاتيح الأُصول يمثّل دورة أُصولية كاملة سوى بعض الأبحاث المتعلّقة ببحث الأوامر وغيرها ، إلاّ أنّ نسخ الكتاب المتداولة قليلة وتعتمد على النسخة الحجرية ولم ينل هذا الكتاب حظّه من التحقيق ولم يطبع طبعة حديثة.
6 ـ القوانين المحكمة في الأُصول :
للمحقّق الشيخ أبو القاسم بن المولى محمّد حسن الجيلاني القمّي ،
__________________
(1) للتوسّع ، أنظر : كتابنا تطوّر حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ، الفصل العاشر
ظهور الحركة الأخبارية.
(2) الذريعة : 21 / 194.
(3) تراث كربلاء : 267.

المتوفّى في قم والمدفون فيها سنة (1231 هـ) ، وهو من مشاهير علماء الإمامية ، أكمل دراسته الأوّلية في مسقط رأسه ... «ثمّ هاجر إلى العراق وكانت هجرته أيّام زعامة الشيخ الوحيد فمكث في كربلاء مدّة طويلة لازم فيها معهد درس الوحيد ... حتّى حصلت له الإجازة منه ، وله الرواية عنه وعن الشيخ محمّد مهدي الفتوني ... ثمّ عاد إلى بلاده ... ثمّ انتقل إلى قم وتوفّي فيها.
له مؤلّفات هامّة كثيرة ، من أهمّها وأشهرها كتاب القوانين المحكمة في الأُصول ، وهو من جلائل كتب هذا العلم وأوعاها لدقائقه وغوامضه ، وقد رزق هذا الكتاب حظّاً وافراً ، ولاقى قبولاً حسناً ، حيث أصبح من الكتب الدراسية ، فلا يستغني عن قراءته طالب من طلاّب العلم إلى عصرنا ، إلاّ أنّ أُستاذنا الخراساني لمّا ألّف الكفاية ضعفت رغبة الناس به لطوله ، واتّجهوا إلى الكفاية اتّجاهاً ما.
وقد عني بـ : القوانين جماعة من العلماء فعلّقوا عليه التعاليق وكتبوا الحواشي ..(1).
7 ـ الفصول في علم الأُصول :
وهو من مؤلّفات الشيخ محمّد حسين بن عبد الرحيم الرازي الأصل ، والحائري المسكن والمدفن ، والشهير بصاحب الفصول ، والذي أخذ عن
__________________
(1) الطبقات الكرام البررة : 10 / 52 ـ 53 ، والذريعة : 17 / 132.

أخيه الشيخ محمّد تقي صاحب حاشية المعالم (هداية المسترشدين).
ويعتبر كتاب الفصول : «من كتب القراءة في هذا الفن ـ أي علم الأُصول ـ أورد فيه مطالب القوانين وحلّها ، واعترض عليها ، وهو مشهور عند أهل هذا النوع»(1).
8 ـ ضوابط الأُصول :
للسيّد إبراهيم بن محمّد باقر القزويني الحائري (ت 1262 هـ) ، وكان تلميذ المولى شريف الدين محمّد ابن المولى حسن الآملي المعروف بشريف العلماء المازندراني ، يقول المؤلّف في ديباجة كتابه : «إنّي حين قراءتي كتاب معالم الدين كتبت أكثر مسائل العلم متفرّقة فأردت أن أجمع ما كان من مسائله في هذا الكتاب ورتّبته على مقدّمة وخاتمة وفصول ...» وللمؤلّف كتاب أُصولي آخر اسمه نتائج الأفكار الذي ألّفه بعد الضوابط في سنة (1223 هـ)(2).
ولا ننسى في هذا المجال جهود الشيخ المولى محمّد شريف المازندراني الحائري الشهير بشريف العلماء والذي كان : «من أعاظم العلماء في عصره»(3) ، وكان يمثّل مدرسة في علم الأُصول تخرّج منها أساطين علم
__________________
(1) أعيان الشيعة : 13 / 495.
(2) الذريعة : 15 / 86.
(3) الكرام البررة : 2 / 619.

الأُصول من أمثال صاحب الضوابط ، والشيخ مرتضى الأنصاري صاحب الرسائل وغيرهم ، ولهذا يمكن نسبة النتاج العلمي للشيخ الأنصاري في علم الأُصول والفقه إلى مدرسة كربلاء باعتباره من تلامذة شريف العلماء المازندراني.
وقد ذكرنا سابقاً أنّ شريف العلماء المازندراني كان له أُسلوبه الخاصّ في التعليم والتدريس والتربية فكان له درس مع المبتدئين ، ودرس آخر للمنتهين ، وقد حرص على تفهيم طلاّبه بأساليب راقية ... وكان يرفع طلاّبه إلى أوج الاجتهاد بمدّة قصيرة لغزارة علمه وحسن تفهيمه ، .. وكان لا يفتر عن التدريس والمذاكرة ليلاً ونهاراً ... ولذلك قلّ نتاجه العلمي ولم يمكن له في عالم التأليف ما يتناسب وعظيم مكانته ، كما أنّه لم يخرج ما كتبه إلى البياض(1).
ويذكر السيّد الصدر في ترجمته : «إنّ شريف العلماء كان من تلامذة السيّد صدر الدين ، وكان السيّد يمنعه من كثرة التعمّق في أُصول الفقه ، ويأمره بالتعمّق في الفقه»(2).
مهما يكن من أمر فإن مدرسة كربلاء قد خلّفت لنا تراثاً علميّاً في علمي الفقه والأُصول لا زال مورد عناية طلاّب العلم.
__________________
(1) المرجع نفسه : 2 / 620.
(2) تكملة أمل الآمل : 238.

ثالثاً : العلوم والمعارف الأُخرى :
ولم يقتصر التراث العلمي لمدرسة كربلاء على علمي (الفقه والأُصول) فقط ، وإنّما ألّف علماؤها في العلوم الأُخرى ، وكانت كتاباتهم استجابة لمتطلّبات العصر ، وما يستجدُّ فيها من وقائع ، وما كان يثار فيها من شبهات حول المسائل العقائدية والمذهبية ، فكتبوا في التفسير وعلوم القرآن ، وكتبوا في ردّ شبهات المدرسة الأخبارية ، وألّفوا في مجال الردّ على أفكار الشيخ الأحسائي وتلميذه الشيخ كاظم الرشتي والتي انتشرت من خلال ما يعرف بعقائد الكشفية ...
وقد ذكرنا أسماء بعض هذه المؤلّفات والكتب في ثنايا تراجم بعض العلماء الأعلام في مدرسة كربلاء.
المبحث الرابع :
الأوضاع المالية والمعيشية لطلاّب حوزة كربلاء العلمية :
لقد اعتمدت حوزة كربلاء العلمية ـ كغيرها من الحوزات العلمية في الأقطار الشيعية ـ على مصادر مالية متنوّعة يمكن إجمالها بما يلي :
أوّلاً : أموال الأوقاف :
وهي أموال جليلة كان يتولاّها بعض علماء كربلاء ، وتصرف بإشرافهم على شؤون الحوزة العلمية وتعمير المراقد الشريفة ، وبناء المدارس العلمية.
وقد مرّ بنا سابقاً في ترجمة السيّد محمّد مهدي الشهرستاني (ت 1216

هـ) ما ذكره السيّد الأمين من أنّ : «جدّه الميرزا فضل الله الشهرستاني الوزير الأعظم للشاه طهماسب الأوّل الصفوي والواقف للأوقاف العظيمة في كثير من مدن إيران التي خصّص ريعها على مراقد الأئمّة الأطهار ... فقام بإصلاحات كثيرة في الحضرة الحسينية والصحن الحسيني مستفيداً من المال الذي يرد عليه من موقوفات جدّه الأعلى ... لا سيّما وإنّه كان المتولّي عليها ؛ لأنّه كان أرشد أولاد الواقف وأعلمهم حينذاك»(1).
كذلك مرّ بنا في ترجمة الشيخ عبد الحسين الطهراني (ت 1286 هـ) الذي تولّى الوصيّة على ثلث أموال الصدر الأعظم ، فقام بتعمير المشاهد ، وتأسيس (مدرسة الصدر الأعظم) والمكتبات «وغير ذلك من الآثار الخالدة في غرّة الدهر ، وخلّف لنفسه ذكراً طيّباً في مراقد الأئمّة عليهم‌السلام يقرن بالرحمة وطلب المغفرة»(2).
كذلك نجد للشيخ كاظم الرشتي (ت 1259 هـ) خدمات جليلة ومشاريع هامّة من خلال أموال الوقف والتبرّعات التي كان يتولاّها بإذن أهلها(3).
وخلاصة الأمر ، كانت ولا زالت أموال الوقف والتي يتولاّها ـ غالباً ـ العلماء والفقهاء والمراجع من أهمّ الروافد المالية للحوزات العلمية عامّة ، ولحوزة كربلاء العلمية خاصّة.
__________________
(1) أعيان الشيعة : 15 / 39 ـ 42.
(2) الكرام البررة : 2 / 713 ـ 714.
(3) أنظر : تراث كربلاء : 271.

ثانياً : أموال التبرّعات :
وهي أموال طائلة كان يتبرّع بها بعض الشخصيّات المتموّلة من أُمراء وملوك وتجّار ... وخاصّة ما كان يفد من بلاد الهند لبعض علماء كربلاء.
فقد جاء في ترجمة السيّد المير علي الطباطبائي (ت 1231 هـ) صاحب الرياض : «وكان في أوّل أمره يكتب بكتابة الأكفان وهو مشغول بتصنيف الرياض ، ثمّ انفتح عليه باب الهند في الدولة الشيعية ، وصارت الدراهم عنده كأكوام الحنطة ، حتّى اشترى دور الكربلائيّين من أربابها ووقفها على سكّانها وأهلها جيلاً بعد جيل ، وبنى سور كربلاء ... وروّج الدين بكلّ قواه ، وبذل في سبيل ذلك كلّ لوازمه ، وعظّم أهل العلم فقدّمهم وبارك الله في كلّ أُموره»(1). وجاء في ترجمة السيّد علي نقي ابن السيّد حسن (ت 1289 هـ) حفيد السيّد المجاهد : «ثنيت له الوسادة تدريساً وتقليداً وكان يأتيه الوجوه ، غير ما كان بيده من (الوثيقة الهندية) وهي في كلّ شهر خمسة آلاف روپّية يفرّقها على الفقراء»(2).
والذي يبدو أنّ المراد من الوثيقة الهندية هي أموال (أوده) وهي أموال شهرية ثابتة كانت تصل من الهند لحوزتي النجف وكربلاء ، وتعرف بعطيّة (أوده) وقد أشرنا إليها ضمن حديثنا عن الأوضاع المالية لحوزة النجف الأشرف.
__________________
(1) أعيان الشيعة : 12 / 417 ، وتراث كربلاء : 265.
(2) الكرام البررة : 3 / 200.

وقد أشار السيّد الأمين إلى الأموال الوافدة من الهند في ثنايا ترجمة السيّد محمّد باقر الحجّة المتوفّى عام (1331 هـ) وهو أيضاً حفيد السيّد محمّد المجاهد ، فقال : «... وكان بيده تقسيم الأموال المعروفة بفلوس الهند ، المعيّن نصفها لأهل النجف الأشرف ، والنصف الآخر لأهل كربلاء»(1).
ثالثاً : الحقوق الشرعية :
وهي حقوق ثابتة في أموال المؤمنين تدفع للفقيه والمرجع في زمانه ، وتصرف في العناوين المخصّصة للصرف فيها ، ومنها سهم في سبيل الله ، والذي يصرف في ترويج الدين ، والتعليم ، وطباعة الكتب ، وبناء المدارس ... وغيرها من المصاديق التي ينطبق عليها سهم في (سبيل الله) من أموال الحقوق الشرعية.
المبحث الخامس :
حوزة كربلاء والأوضاع السياسية :
لقد رافقت المسيرة التاريخية لحوزة كربلاء ، أحداثاً سياسيةً كبيرةً ، وقعت في العراق أو في البلد المجاور لها (إيران) ، وكان لعلماء ومراجع هذه الحوزة المباركة دورهم الفاعل والمؤثّر في مجريات هذه الأحداث ؛ وهي سلسلة أحداث كثيرة متلاحقة لا يمكن لنا استيعاب جميع مفرداتها وإنّما
__________________
(1) أعيان الشيعة : 13 / 439.

نشير إلى بعض منها باختصار.
يقول الباحث والمؤرّخ العراقي ميربصري : «كانت كربلاء ولا تزال مركزاً ثقافيّاً إسلاميّاً تعاقبت عليها العهود في عصورها الأخيرة ، أغار عليها الوهابيّون سنة (1801 م) ، وحاصرها والي بغداد محمّد نجيب باشا سنة (1842 م) ، وانتفضت على الأتراك في أثناء الحرب العظمى الأُولى ، ثمّ ثارت على الإنكليز سنة (1920 م) وأُلّفت الحكومة الوطنية في أواخر تلك السنة فأصبح السيّد محمّد مهدي آل بحر العلوم الطباطبائي وزيراً للمعارف والصحّة سنة (1921 م) ، ثمّ عهد بوزارة المعارف في أيلول من نفس السنة إلى السيّد محمّد علي هبة الدين الحسيني الشهرستاني الحائري»(1).
هذا الإجمال الذي ذكره المؤرّخ لموقع كربلاء من الأحداث السياسية فصّلته الكتب التي تحدّثت عن تاريخ العراق السياسي الحديث من أمثال كتاب المحامي عبّاس العزاوي الموسوم بـ : تاريخ العراق بين الاحتلالين ، وكذلك كتاب الدكتور علي الوردي لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، بالإضافة إلى كتاب حنّا بطاطو العراق ، وكذلك كتب عبد الرزّاق الحسني حول العراق ، وغيرها عشرات الكتب التي تحدّثت عن تاريخ العراق السياسي والاجتماعي ، وعن كربلاء ودورها في تلك الأحداث السياسية والمنعطفات التاريخية ، ممّا لا يسع المجال لذكرها.
__________________
(1) كربلاء ذكريات ولمحات : 86 بحث منشور ضمن بحوث دراسات حول كربلاء.

وخلاصة الأمر ، لقد كان لعلماء كربلاء وحوزتها العلمية دور مشرّف ومشاركة فاعلة في تلك الأحداث من خلال الفتاوى الجهادية كفتوى الشيخ محمّد تقي الشيرازي الشهيرة ، أو في حمل راية الجهاد للذبّ عن البلاد الإسلامية كما هو الحال في جهاد السيّد محمّد بن السيّد مير علي الطباطبائي المعروف بالسيّد المجاهد ، وقد أشرنا إلى ذلك في ثنايا ترجمة أُولئك الأعلام (رضوان الله عليهم).

تلخيص واستنتاج لأهمّ معالم الحوزة العلمية في كربلاء وأدوارها :
بعد هذه الجولة الطويلة والممتعة في سبر تاريخ حوزة كربلاء العلمية ، لابدّ لنا من وقفة خاتمة عند أهمّ مفردات البحث يتمّ من خلالها تلخيص واستنتاج أهمّ المعالم والأدوار التي مرّت بها هذه الحوزة العلمية العريضة :
أوّلاً : لم تكن أرض كربلاء قبل واقعة الطفّ بداية سنة (61 هـ) واستشهاد الإمام الحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه عليهم‌السلام فيها سوى صحراء قاحلة ليس فيها أيّ معالم مَدنية أو حضرية سوى بعض الآثار التاريخية التي تنتشر في المناطق المجاورة لها وهي من آثار الحضارات القديمة.
ثانياً : اكتسبت أرض كربلاء مكانة وقدسية خاصّة في نفوس المسلمين والموالين لأهل البيت عليهم‌السلام بعد أن تضمّنت المرقد الطاهر للإمام الحسين عليه‌السلام وأخذت تتوافد لزيارته آلاف الزوّار رغم الوضع الأمني الخطير الذي كان يحفّ بهذه الزيارة والتي قد تبلغ إلى درجة التصفية الجسدية أو الاعتقال والسجن.
ثالثاً : جهد الجهاز الحاكم المتمثّل ببعض الخلفاء الأمويّين ، وتبعهم بعض خلفاء بني العبّاس على منع المؤمنين من زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام وتعرّض القبر الشريف والدور المحيطة به إلى الاعتداء والهدم ولأكثر من مرّة.
رابعاً : رغم كلّ الظروف الأمنية المشدّدة التي اتّخذها الجهاز الحاكم

آنذاك إلاّ أنّ (مدينة كربلاء) أخذت تظهر كمدينة إسلامية لها معالمها العمرانية ، وأخذ الكثير من المؤمنين من هذه المدينة المقدّسة مسكناً لهم ومحلاًّ لمعاشهم.
خامساً : شهد المرقد الشريف للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العبّاس بن علي عليهما‌السلام ولفترات زمنية متلاحقة حركة إعمار وبناء وتوسعة كبيرة شمل القباب والمنائر والصحن والأواوين والغرف المحيطة بها ، ولا زالت حركة العمران والبناء مستمرّة إلى يومنا هذا.
سادساً : حاول بعض الكتّاب والمؤرّخين من أبناء كربلاء أن يؤرّخوا للحركة العلمية في بلدهم (كربلاء) من زمن الأئمّة عليهم‌السلام ، وذكروا وفود بعض أئمّة أهل البيت على المدينة واتّخاذهم منها سكناً لهم ولفترات متقطّعة من الزمن ، قاموا خلالها بالتدريس والتعليم و...(1)
إلاّ أنّ البحث التاريخي في حياة الأئمّة عليهم‌السلام لا يثبت هذه الدعوى ؛ نعم زار بعض أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام مرقد الإمام الحسين عليه‌السلام وحثّوا شيعتهم على زيارته ، إلاّ أنّهم لم يتّخذوا من كربلاء سكناً لهم فضلاً من أن تكون لهم فيها حوزة درس وإفادة.
سابعاً : ويُرجع بعض آخر من الكتّاب والمؤرّخين الحركة العلمية في كربلاء إلى أواخر القرن الثالث ومطلع القرن الرابع الهجري على أثر نبوغ
__________________
(1) روضات الجنات : 567.

الزعيم الديني (حميد بن زياد النينوي) ويعتبره : «مؤسّس جامعة العلم في كربلاء»(1). وهو رأي صحيح تدعمه الأدلّة والشواهد التاريخية التي ذكرت في ثنايا البحث.
ثامناً : شهدت الحركة العلمية في كربلاء ومن القرن الرابع الهجري وما تلاها من القرون المتلاحقة نهضة علمية تكاملية متجدّدة ، ومرّت بأدوار متعدّدة ؛ ولكلّ دور منها معالمه وسماته وأعلامه وآثاره العلمية.
تاسعاً : تزعّمت الحوزة العلمية في كربلاء المرجعية الفكرية والعلمية للحوزات العلمية ، وبرز فيها علماء كبار تشدّ إليهم الرحال ، فوفد إليها الكثير من طلاّب العلم من الأقطار الإسلامية ، كانت لهم آثارهم العلمية والفكرية وخدماتهم العمرانية والحضارية ، وافتتح فيها الكثير من المدارس الدينية والحوزات العلمية.
عاشراً : شهدت حوزة كربلاء انتعاشاً اقتصاديّاً وماليّاً نتيجة تدفّق الأموال إليها من عائدات الأوقاف ، وأموال التبرّعات ، والحقوق الشرعية.
حادي عشر : خلّفت لنا هذه الحوزة المباركة تراثاً علميّاً في مجالي الفقه والأُصول لا زال يمثّل القمّة في العطاء العلمي ، ويعتبر من المصادر العلمية بين العلماء والفقهاء والباحثين. وأخذ بعض منها مجاله ككتاب تعليمي وتدريسي.
__________________
(1) تراث كربلاء : 226.

أدوار الحوزة العلمية في كربلاء :
مرّت الحوزة العلمية في كربلاء بأدوار متعدّدة يمكن تلخيصها بما يلي :
1 ـ الدور الأوّل : دور التأسيس :
وهو الدور الذي يبدأ من نهاية القرن الثالث ومطلع القرن الرابع الهجري بظهور المحدّث والفقيه حُميد بن زياد (ت 320 هـ) ، مروراً بفقهاء كبار من أمثال هشام بن الياس الحائري (ت 490 هـ) وعماد الدين الطوسي المكنّى بابن حمزة صاحب كتاب الوسيلة وغيرهم من العلماء حتّى نهاية القرن الثامن الهجري.
2 ـ الدور الثاني : دور التوسّع والازدهار :
وهو الدور الذي يبدأ من القرن التاسع الهجري ، من خلال هجرة الشيخ أحمد بن فهد الحلّي (ت 841 هـ) إليها ، إذ «ازدهرت المعاهد الدينية في عهده ...
وزخرت مدينة الحسين واكتظّت جوامعها ومدارسها وقاعات الدرس فيها ...»(1) ، مروراً بفقهاء آخرين من أمثال الشيخ إبراهيم الكفعمي (ت 895 هـ) وغيرهما من أعلام القرن التاسع والعاشر والحادي عشر ، حتّى منتصف القرن الثاني عشر حيث يختتم هذا الدور بمدرّس الطفّ الشهيد السعيد السيّد
__________________
(1) تراث كربلاء : 241.

نصر الله الفائزي الحائري (استشهد 1158 هـ على رواية)»(1).
3 ـ الدور الثالث : دور التكامل العلمي :
وهو الدور الذي يبدأ بالشيخ يوسف البحراني (ت 1186 هـ) والشيخ الوحيد البهبهاني (ت 1205 هـ) ، وتستمرّ حركتها التكاملية من خلال أعلام تلامذة وتلامذة تلامذة هذين العلمين ، وحتّى بعد انتقال زعامة الحوزة العلمية إلى النجف الأشرف من خلال هجرة بعض طلاّب الشيخ الوحيد إليها.
__________________
(1) أنظر : المرجع نفسه : 256.

المصادر
1 ـ أبو الشهداء الإمام الحسين : العقّاد ـ عبّاس محمود ، طبعة مصر ، وطبعة المجمع العالمي للتقريب ، تحقيق : محمّد جاسم الساعدي ، الطبعة الأولى (1425 هـ ـ 2004 م).
2 ـ أحسن الوديعة في تراجم أشهر مجتهدي الشيعة : الكاظمي ـ محمّد مهدي ، طبعة دار الهادي ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1413 هـ ـ 1993 م).
3 ـ أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث : لونكريك ـ ستيفن ، ترجمة : جعفر الخيّاط ، أُفست الطبعة الرابعة ، المكتبة الحيدرية ـ قم (1425 هـ).
4 ـ أعلام هجر من الماضين والمعاصرين : الشَّخص ـ هاشم محمّد ، طبعة مؤسّسة الكوثر للمعارف الإسلامية ـ قم ، الطبعة الثالثة (1430 هـ ـ 2009 م).
5 ـ أعيان الشيعة : الأمين ـ محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمّد الأمين الحسيني العاملي الدمشقي (ت 1371 هـ) ، حقّقه : السيّد حسن الأمين ، طبعة دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ، الطبعة الخامسة (1418 هـ ـ 1998 م).
6 ـ أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل : الحرّ العاملي ـ محمّد بن الحسن بن علي الشهير بـ : (الحرّ العاملي) (ت 1104 هـ)تحقيق : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة الأندلس ـ بغداد ، (بلا ـ ت).
7 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : المجلسي ـ محمّد باقر (ت 1111 هـ) ، تحقيق ومراجعة وتقديم : الشيخ محمود درياب ومجموعة من العلماء ، طبعة دار التعارف للمطبوعات ، الطبعة الأولى (1421 هـ ـ 2001 م).
8 ـ بحث بعنوان : (كربلاء ودورها العلمي والمرجعي) : الأسدي ـ محمّد هادي ، ضمن بحوث كتاب (دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري) ، طبعة مؤسّسة الزهراء ـ الكويت ، الطبعة الأولى ، (بلا ـ ت).
9 ـ تاريخ آداب اللغة العربية : زيدان ـ جرجي ، طبعة بإشراف مكتب البحوث والدراسات في دار الفكر ـ بيروت ، مراجعة : محمّد البقاعية ، الطبعة الأولى (1416 هـ ـ 1996 م).
10 ـ تاريخ الأُمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري : الطبري ـ أبو جعفر محمّد بن جرير (ت 310 هـ) ، تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم ، طبعة روائع التراث العربي ـ بيروت ، لبنان.
11 ـ تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ـ أحمد بن علي (ت 463 هـ) تحقيق : مصطفى عبد القادر ، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1417 هـ ـ 1997 م).
12 ـ تاريخ پانصد ساله خاندان شهرستاني (بالفارسية) : هاشمي ـ محمّد قاسم ، طبعة إصفهان (1423 هـ).
13 ـ تاريخ التشريع الإسلامي : الفضلي ـ عبد الهادي ، طبعة مؤسّسة دار الكتاب الإسلامي ـ قم ، الطبعة الأولى (1414 هـ ـ 1993 م).
14 ـ تاريخ الحركة العلمية في كربلاء : الشاهرودي ـ نور الدين ، طبعة دار العلوم ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1410 هـ 1990 م).
15 ـ تاريخ فقه وفقهاء (بالفارسية) : گرجي ـ أبو القاسم ، طبعة سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم انساني ـ طهران (1377 هـ).
16 ـ تاريخ كربلاء وحائر الحسين : الكليدار ـ عبد الجواد ، طبعة أُفست الشريف الرضي ـ قم (1418 هـ).
17 ـ تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة : الفيّاض ـ عبد الله ، قدّم له : السيّد محمّد باقر الصدر ، طبعة مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1395 هـ ـ 1975 م).
18 ـ تاريخ المؤسّسة الدينية الشيعية من العصر البويهي إلى نهاية العصر الصفوي : القزويني ـ جودت ، طبعة دار الرافدين ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1426 هـ).
19 ـ تراث كربلاء : آل طعمة ـ سلمان هادي ، طبعة مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1403 هـ ـ 1983 م).
20 ـ تطور حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية : آل قاسم ـ عدنان فرحان ، طبعة دار السلام ـ بيروت ، الطبعة الثالثة (1433 هـ ـ 2012 م).
21 ـ تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحرّ العاملي ـ محمّد بن الحسن (ت 1104 هـ) ، تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى (1409 هـ).
22 ـ تكملة أمل الآمل : الصدر ـ حسن (ت 1354 هـ) ، تحقيق : حسين علي محفوظ وآخرون ، طبعة دار المؤرّخ العربي ـ بيروت (1429 هـ ـ 2008 م).
23 ـ الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة : البحراني ـ يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني (ت 1186 هـ) المقدّمة ، نشر علي الآخوندي ـ النجف الأشرف (1957 م).
24 ـ حديقة الزوراء في سيرة الوزراء : السويدي ـ عبد الرحمن (ت 1200 هـ) ، تحقيق : عماد عبد السلام رؤوف ، طبعة منشورات المجمع العلمي ـ بغداد (1423 هـ ـ 2003 م).
25 ـ الحوزات العلمية في الأقطار الإسلامية : الصالحي ـ عبد الحسين ، طبعة بيت العلم ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1425 هـ ـ 2004 م).
26 ـ خاتمة : النوري ـ ميرزا حسين بن محمّد تقي النوري الطبرسي الشهير بالمحدّث النوري ، طبعة وتحقيق : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى (1407 هـ).
27 ـ الدراسة وتاريخها في النجف الأشرف ، موسوعة النجف الأشرف : بحر العلوم ـ محمّد.
28 ـ الدرر النجفية : البحراني ـ يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي (ت 1186هـ) ،
طبعة أُفست على النسخة الحجرية ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام للطباعة والنشر ـ قم ، (بلا ـ ت).
29 ـ الذريعة إلى مصنّفات الشيعة : الطهراني آقا بزرك ـ محسن (ت 1389 هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
30 ـ رحلة ابن بطوطة : ابن بطوطة ـ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الطنجي (ت 779 هـ) ، شرح وتعليق : طلال حرب ، طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1423 هـ ـ 2002 م).
31 ـ رحلة ابن جبير : ابن جبير ـ محمّد بن أحمد الأندلسي (ت 614 هـ) ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت ، (بلا ـ ت).
32 ـ روضات الجنّات في تراجم العلماء والسادات : الخوانساري ـ محمّد باقر (ت 1313 هـ) ، طبعة مكتبة إسماعيليان ـ قم (1390 هـ).
33 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء : أفندي ـ الميرزا عبد الله أفندي الإصفهاني (من أعلام القرن الثاني عشر) ، تحقيق : أحمد الحسيني ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1403 هـ).
34 ـ ريحانة الأدب في تراجم المعروفين بالكنية واللقب (بالفارسية) : مدرّسي ـ محمّد علي ، طبعة شفق ـ تبريز إيران ، الطبعة الثالثة (بلا ـ ت).
35 ـ السيّد كمال الحيدري : هدّو ـ حميد مجيد ، طبعة مؤسّسة الهدىـ قم (1423 هـ 2011 م).
36 ـ شهداء الفضيلة : الأميني ـ عبدالحسين (ت 1390هـ) طبعة دار الشهاب ـ قم.
37 ـ طبقات أعلام الشيعة : الطهراني آقا بزرك ـ محسن (ت 1389هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1430 هـ ـ 2009 م).
38 ـ الطليعة من شعراء الشيعة : السماوي ـ محمّد ، تحقيق : كامل سلمان الجبوري ، طبعة دار المؤرّخ العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1422 هـ ـ 2001 م).
39 ـ الأعلام : الزركلي ـ خير الدين (ت 1396 هـ) ، طبعة دار العلم للملايين ـ بيروت ، الطبعة الرابعة عشرة (1999 م).
40 ـ الأغاني : الإصفهاني أبو الفرج ـ علي بن الحسين (ت 356 هـ) تحقيق : عبد علي مهنّا ، طبعة دار الفكر ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1407 هـ ـ 1986 م).
41 ـ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب : الأميني ـ عبد الحسين (ت 1390 هـ) ، تحقيق : مركز الغدير للدراسات الإسلامية ـ قم ، الطبعة الأولى (1416 هـ ـ 1995 م).
42 ـ الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية : ابن الطقطقا ـ محمّد بن علي ابن طبطبا المعروف بابن الطقطقا (ت 709 هـ) ، طبعة دار صادر ـ بيروت ، (بلا ـ ت).
43 ـ الفقه في جنوب لبنان : الحسيني ـ محمّد طاهر ، طبعة دار المحجّة البيضاء ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1430 هـ ـ 2009 م).
44 ـ الفوائد الرضوية في أحوال علماء مذهب الجعفرية : القمّي ـ عبّاس بن محمّد رضا بن أبي القاسم (1359 هـ) ، المطبعة المركزية ـ طهران (1327 ش).
45 ـ فهرست كتب الشيعة وأُصولهم : الطوسي ـ أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي (ت 460 هـ) ، تحقيق وتقديم : عبد العزيز الطباطبائي ، طبعة مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى (1420 هـ).
46 ـ قادة الفكر الديني في النجف : الصغير ـ محمّد حسين ، طبعة مؤسّسة البلاغ ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1429 هـ ـ 2008 م).
47 ـ الكامل في التاريخ : ابن الأثير ـ عز الدين أبي الحسن علي بن محمّد أبي الكرم الجزري (ت 630 هـ) ، تحقيق : علي شيري ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1408 هـ ـ 1989 م).
48 ـ كربلاء ، ذكريات ولمحات : ميربصري ، بحوث ودراسات حول كربلاء.
49 ـ كربلاء في الأرشيف العثماني : قايا ـ دليلك ، دراسة وثائقية بإشراف وتقديم : د. زكريّا قورشون ، طبعة الدار العربية للموسوعات ـ بيروت (1428 هـ ـ 2008 م).
50 ـ لسان العرب : ابن منظور ـ محمّد بن مكرّم بن علي (ت 711 هـ) طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1408 هـ ـ 1988 م).
51 ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث : الوردي ـ علي ، طبعة أُفست المكتبة الحيدرية.
52 ـ لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث : البحراني ـ يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني الدرازي (ت 1186هـ) ، تحقيق : محمّد صادق بحر العلوم ، طبعة أُفست مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام للطباعة والنشر (بلا ـ ت).
53 ـ ماضي النجف وحاضرها : محبوبة ـ جعفر باقر (ت 1377 هـ) ، طبعة دار الأضواء ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1430 هـ ـ 2009 م).
54 ـ الإمام الحسين : العلايلي ـ عبد الله ، (سموّ المعنى في سموّ الذات ، أو : أشعّة من حياة الحسين) ، طبعة دار مكتبة التربية ـ بيروت (1972 م).
55 ـ مجلّة لغة العرب : الكرملي ـ الأب انستاس ماري ، (مجلّة شهرية أدبية علمية تاريخية) ، طبعة دار الحرية ـ بغداد (1391 هـ ـ 1971 م).
56 ـ المدارس العلمية في كربلاء : الأنصاري ـ رؤوف (بحث منشور ضمن بحوث ندوة دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري) ، طبعة الزهراء ـ الكويت ، (بلا ـ ت).
57 ـ مراقد المعارف : حرز الدين ـ محمّد (ت 1365 هـ) تحقيق : محمّد حسين حرز الدين ، أُفست الطبعة الأولى ، انتشارات سعيد بن جبير ـ قم (1992 م).
58 ـ معادن الجواهر ونزهة الخواطر : الأمين ـ محسن بن عبدالكريم العاملي (ت 1371 هـ) ، طبعة دار الزهراء ـ بيروت (1403 هـ 1983 م).
59 ـ معارف الرجال في تراجم العلماء والأُدباء : حرز الدين ـ محمّد (ت 1365هـ) ، علّق عليه محمّد حسين حرز الدين ، طبعة مكتبة المرعشي ـ قم (1405 هـ).
60 ـ المعالم الجديدة للأُصول : الصدر ـ محمّد باقر (ت 1401 هـ) ، طبعة المجمع العالمي للإمام الشهيد الصدر ، الطبعة الثالثة (1429 هـ).
61 ـ معجم البلدان : الحموي ـ شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت (ت 626 هـ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، (بلا ـ ت).
62 ـ معجم مقاييس اللغة : ابن فارس ـ أبي الحسن أحمد بن فارس بن زكريا (ت 395 هـ) ، حقّقه : شهاب الدين أبو عمرو ، طبعة دار الفكر ـ بيروت (1414 هـ).
63 ـ معجم المؤلّفين : كحّالة ـ عمر رضا ، تراجم مصنّفي الكُتب العربية ، مكتبة المثنّى ، طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت (1409 هـ).
64 ـ مع مؤتمر علماء النجف : عياد عبد السلام رؤوف ، طبعة بغداد.
65 ـ مقتل الحسين : الخوارزمي ـ أبي المؤيّد الموفّق بن أحمد المالكي أخطب خوارزم (ت 568 هـ) ، تحقيق : الشيخ محمّد السماوي ، طبعة مكتبة المفيد ـ قم ، (بلا ـ ت).
66 ـ مقدّمة رياض المسائل للسيّد علي الطباطبائي : الآصفي ـ محمّد مهدي ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي ـ قم ، الطبعة الأولى (1412 هـ).
67 ـ منتهى المقال في معرفة الرجال : الحائري ـ أبو علي محمّد بن إسماعيل المازندراني (ت 1216 هـ) ، طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ، الطبعة الأولى (1416 هـ).
68 ـ موسوعة طبقات الفقهاء : السبحاني ـ جعفر ، طبعة دار الأضواء ـ بيروت ، الطبعة الأولى (1420 هـ ـ 1999 م).
69 ـ موسوعة العتبات المقدّسة : الخليلي ـ جعفر ، طبعة مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت ، الطبعة الثانية (1407 هـ ـ 1987 م).
70 ـ نزهة الناظر : الحلّي ـ نجيب الدين يحيى بن سعيد (ت 690 هـ) ، إعداد : السيّد أحمد الحسيني ، طبعة الآداب ـ النجف (1386 هـ).
71 ـ نهضة الحسين : الشهرستاني ـ هبة الدين (ت 1386 هـ) ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت ، (بلا ـ ت).
72 ـ هديّة الرازي إلى الإمام المجدّد الشيرازي : الطهراني آقا بزرك ـ محسن (ت 1389 هـ) طبعة انتشارات ميقات (1403 هـ).

المصدر: الشيخ عدنان فرحان - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1469
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :