معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مزار المفيد بين نسختي الكبير والصغير منه ..

مزار المفيد بين نسختي الكبير والصغير منه؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الأكرمين ، واللعن الدائم على أعدائهم من الآن إلى يوم الدين.
وبعد ..
كرّم الإسلام بل الأديان السماويّة كلّها الإنسان حيّاً وميّتاً ، فتراه حرّم المثلة ولو بالكلب العقور ، وحرّم حرق الأموات ـ كما تصنعه بعض الأُمم ـ ونبش القبور. وغيرها من الانتهاكات التي يطول سردها ، وأوجب احترام الأموات من وجوب الغسل والتكفين والصلاة على الميّت والدفن ، وكلّ هذه الممارسات وصلت إلينا من خلال سيرة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) عن طريق الأخبار والأحاديث ـ في كتب الخاصّة والعامّة ـ وتلقّاها عنه الصحابة ومنها البكاء والرثاء والحزن ، وزيارة القبور ، وذكر محاسن الميّت ، وتأبينه ، والدعاء له ،

وفي هذا السلك تنتظم زيارة النبىّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ؛ فإنّ المُزار كلّما كان عظيم الشأن قريباً من الله كانت معطيات زيارته أكثر ؛ إذ ليس المقصود منها الوقوف على ركام من الأحجار والتراب ـ وإن كانت لهما قدسيّتهما كالحجر الأسود وتراب قبر الإمام الحسين الشهيد عليه‌السلام ـ بقدر ما هو وقوف على معالم الإيمان والكرامة والفكر.
فيكون من قبيل قولهم :

أمرُّ عَلَى الدِّيارِ ديارِ ليلى
 

 

أُقَبِّلُ ذَا الجِدارَ وذا الجِدارا
 

وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلبِي
 

 

ولكن حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا
 

وبالجملة قد رُوِيت أحاديث كثيرة ـ في كتب الفريقين ـ عن النبىّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين عليهم‌السلام في حياتهم الإلهيّة على ضرورة زيارة قبورهم الشريفة بعد وفاتهم ، ووعدوا من ربّهم (عزّ وجلّ) على ذلك الثواب الجزيل والآثار العظيمة في الدنيا والآخرة ، لِمَا للزيارة من معان سامية ودلالات لائحة على علاقة المؤمن بنبيّه وأوصيائه وبما جاؤوا بها في حياته وبعد وفاته.
وإلى أن رويت سلسلة من الأعمال والمراسيم عند الزيارة من الطهارة والذكر والدعاء والصلاة والخضوع والخلوص والالتفات إلى العظمة الروحيّة للمُزار .. وغيرها من الأعمال؛ وقد جمعها العلاّمة المحدّث الميرزا حسين ابن محمّد تقي النوري (ت 1320 هـ) في كرّاسة لطيفة من كتب المزار والفقه والحديث ، وأنهاها إلى ثلاث وأربعين أدباً ، وسمّاها بـ : (آداب الزيارة) ، وجعلها إحدى مقامات الفصل الرابع من كتابه تحيّة الزائر ، إذ قال تلميذه

العلاّمة الطهراني (1389 هـ) عن هذه الرسالة : «ما رأيتُ من سبقه في هذا الجمع ، فحريّ بأن يعدّ تصنيفاً مستقلاًّ له» (1).
ومن تلك الآداب التي علّمها الأئمّة الهداة عليهم‌السلام لشيعتهم عند الزيارة ووصلت إلينا هي قراءة نصوص يردّدها الزائر عند قبورهم عليهم‌السلام تحتوي على أهمّ أركان الإسلام وأُصول الدين وقواعد الأخلاق وأُسس المعارف ، وقد قام أصحابنا ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ في عهد أئمّتهم وبعدهم بجمع هذه النصوص وتدوينها في كتب خاصّة سمّوها بكتب المزار.
ومن الحريّ أن نشير هنا ـ استطراداً للموضوع ـ إلى الباب الخشبي العتيق الرائع لضريح المرقد الشريف لهانئ بن عروة المرادي ـ صلوات الله عليه ـ الذي يعدّ بحقّ من التحف الخشبيّة في العالم ، المزدان بزخارف منقوشة ، والمصنوع في البلاد الإيرانيّة في محرّم سنة 543 هـ / 1148 م ، والمحفوظ في متحف جاير أندرسون (بيت الكرتيليّة) بحيّ طولون بالقاهرة(2) ، والمهمّ هنا أنّ هذا الباب يحتوي على زيارة هانئ بن عروة ، وكلمات النصوص الكتابيّة المنقوشة عليه يطابق تماماً كلمات زيارة هانئ الموجودة في كتابنا الذي نحن بصدده وغيره من الكتب كمزار ابن المشهدي وابن طاوس والشهيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة 1 : 20/ 93.
(2) كتب الأُستاذ الدكتور عبد الرحمن فهمي أُستاذ جامعة القاهرة مقالاً ممتعاً عن هذا الباب ، وطبعه في مجلّة (سومر) العدد : 26 ، الصفحة : 263 ـ 276.

ومن خلال ما كتب على هذا الباب ترى أنّ شيعة الحسين بن عليّ عليهما‌السلامفي النصف الأوّل من القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي لم تنس لناصر الحسين عليه‌السلام والبطل الشهيد هانئ بن عروة ـ الذي كان من القرّاءالأشراف ـ جهاده وموقفه مع الحسين عليه‌السلام حيث إنّه كان ممّن يأمل فيهم الحسين عليه‌السلام في نشر دعوته الإلهيّة وتوطئة الأُمور له بالكوفة قبل انتقاله إليها ، فأقامت له ضريحاً يُزار بجانب مسجد الكوفة فوق جثمانه الشريف ، بقي من آثار هذا الضريح هذا الباب النفيس والذي يحمل تاريخاً يقوم دليلاً على وجود ضريح هانئ في ذلك العصر ، وتعدّ هذه الكتابة التي عليه هي أقدم نصٍّ وصل إلينا لزيارة ابن عروة المرادي رضي‌الله‌عنه ، وقد ذُكر في مزارالمشهدي (ق 6).
كما أنّ الزيارات التي زارها أئمّةُ أهل البيت عليهم‌السلام آباءَهم عليهم‌السلام جعلها أصحابهم ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ في كتب مستقلّة عنونت باسم المزار ، وأوّل كتاب أُلّف في موضوع المزار في العالم الإسلامي بحسب ما وصل إلينا هو : كتاب مزار أمير المؤمنين عليه‌السلام ؛ للشيخ الثقة الجليل معاوية بن عمّار الدُّهني الكوفي (ت 175 هـ) الذي كان من خواصّ أصحاب الصادق والكاظم عليهما‌السلام(1) ، وذلك في بداية إظهار الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام قبرَ جدّهم أميرِالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام لشيعتهم لاسيّما الإمام أبي عبد الله جعفر بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفهرست للنجاشي : 412/ 1096.

محمّد الصادق عليهما‌السلام (المستشهد سنة 148 هـ) الذي كان له دور كبير في إظهار قبر جدّه وترغيب الناس إلى زيارته ، وقد يومئ تأليفُ كتاب ـ المزار ـ في بدايات ظهور المرقد الشريف من أحد تلامذة الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلامالثقاة القريبين إليهما إلى حثّ من قبلهما صلوات الله عليهما لجمع هذه النصوص ، ولرغبة المؤمنين إلى زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام واحتياجهم إلى آداب زيارته ، كما أنّ الكتب تؤلّف عادةً لتلبية احتياج المجتمع.
وكذا كتاب المزار ؛ لأبي سليمان داود بن كثير الرقّي (ت بعد 200هـ) ، وهو من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم‌السلام(1) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الثقة أبي الحسن علي بن أسباط بن سالم بيّاع الزُّطِّي ، المقرئ الكوفي (حيّاً سنة230 هـ) ، وهو من أصحاب الرضا والجواد عليهما‌السلام ، وكان أوثق الناس وأصدقهم لهجةً(2) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الفقيه أبي الحسن علي بن مهزيار الأهوازي الدورقي ، وهو من أوثق أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهم‌السلام ، وكان وكيلهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفهرست للنجاشي : 156/ 410 ، رواه النجاشي بهذا الطريق : أخبرنا أبو الحسن ابن الجندي ، قال : حدّثنا أبو علي ابن همّام ، قال : حدّثنا الحسين بن أحمد المالكي ، قال : حدّثنا محمّد بن الوليد المعروف بشباب الصيرفي الرقّي ، عن أبيه ، عن داود بكتاب المزار.
(2) الفهرست للنجاشي : 253/ 663 ، روى كتاب المزار هذا النجاشي في فهرسته بهذا الطريق : أخبرنا أحمد بن عبد الواحد بن أحمد ، قال : حدّثنا علي بن محمّد ، قال : حدّثناعلي بن الحسن بن فضّال ، قال : حدّثنا علي بن أسباط بكتابه المزار.

في بعض النواحي(1) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الثقة الحسين بن سعيد بن حمّاد الكوفي الأهوازي ، وهو من أصحاب الرضا والجواد والهادي عليهم‌السلام ، وهذا المزار من جملة كتبه الثلاثينيّة في أبواب الفقه المعتمدة عندعلمائنا(2) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الثقة أبي جعفر محمّد بن الحسن الصفّار(ت 290 هـ)(3) ، من أصحاب الإمام العسكري عليه‌السلام.
وهذه جملة ممّا كتبها قدماء الأصحاب في عهد الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ممّا سمعوها أو جمعوها من ألفاظهم الشريفة ثمّ دوّنوها في كتب مستقلّة ، ثمّ انعكست هذه الأخبار والروايات في كتب متأخّريهم أمثال : كتاب المزار ؛ لشيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمّي أبو القاسم (ت 299 أو 300 أو 301 هـ)(4) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الثقة الجليل أبي جعفر محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي(5) ، وكتاب المزار ؛ للشيخ الثقة الصدوق أبي النضر محمّد ابن مسعود العيّاشي السمرقندي (أواخر ق3هـ)(6).
وفي أواسط القرن الرابع أُلِّفَتْ عدّة مزارات كبيرة؛ والتي كانت تتداول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفهرست للنجاشي : 253/ 664.
(2) الفهرست للنجاشي : 60/ 136 ـ 137 ، الفهرست للطوسي 58/ 220.
(3) الفهرست للنجاشي : 354/ 948.
(4) الفهرست للنجاشي : 178 ـ 179/ 467.
(5) الفهرست للنجاشي : 349 ـ 350/ 939.
(6) الفهرست للنجاشي : 350 ـ 353/ 944.

بين الفقهاء والمحدّثين ؛ منها : كتاب الزيارات ـ على تعبير النجاشي في فهرسته ـ والذي عُرِف وطبع باسم : كامل الزيارات ؛ للشيخ الثقة الجليل أبي القاسم جعفر بن محمّد ابن قولويه (المتوفّى 368 هـ) ، قال عنه النجاشي : عليه قرأ شيخنا أبوعبد الله [المفيد] الفقه ومنه حمل ، وكلّ ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فهو فوقه ، ووصف كتبه بأنّها : حسان(1).
وكذا كتاب المزار الكبير ؛ لشيخ هذه الطائفة وعالمها ، وشيخ القمّيّين فيوقته وفقيههم أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود بن عليّ القمّي (ت378هـ) (2) ، والذي حكى أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري أنّه لم ير أحداً أحفظ منه ولا أفقه ولا أعرف بالحديث ، وقد وصف الشيخ الطوسي هذا المزار بأنّه : حسن(3).
وبعد هذا وذاك ؛ جاء الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (ت 413 هـ) الذي كان من أصحاب الشيخين الجليلين ابن داود القمّي وابن قولويه وألّف كتاب المزار الصغير ـ على تعبير النجاشي(4) أو كتاب مناسك الزيارات على تعبير الشيخ الطوسي وابن طاوس(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفهرست النجاشي : 123/ 318.
(2) الفهرست للنجاشي : 384/ 1045.
(3) الفهرست للشيخ الطوسي : 211/ 603.
(4) الفهرست للنجاشي : 399 ـ 400/ 1067 ، معالم العلماء لابن شهر آشوب : 149.
(5) تهذيب الأحكام 6 : 56 ، محاسبة النفس لابن طاوس : 37 ، عدّه الحرّ العاملي في خاتمة الوسائل 30 : 165 ممّا نقل عنه بالواسطة.

ويروي المفيد ـ رضوان الله تعالى عليه ـ عن هذين المزارين ـ أي مزار ابن داود وكامل الزيارات لابن قولويه ـ في كتابه المزار الصغير ، وهما المصدران الرئيسيّان لكتاب مزار المفيد ، وكذا في قسم المزار من كتابه المقنعة ؛ ونقل عن مزار ابن داود بعنوان : كتاب الزيارات(1) ، كما وقد أورد عدّة روايات وزيارات في مزاره بدون الإسناد إلى شيخه ابن داود القمّي ولا إلى شيخه الآخر ابن قولويه القمّي ، ويظهر لنا مصدر هذه الزيارات بعد الرجوع إلى كتاب تهذيب الأحكام ؛ حيث أورد الشيخ الطوسي (460 هـ) جملةً من تلك الزيارات عن الشيخ المفيد ، عن ابن داود القمّي ... فهذه الأخبار كلّها مأخوذة عن كتاب شيخه ابن داود القمّي.
واقتدى به تلميذه الشيخ الطوسي (460 هـ) بل مشايخ الشيعة كالحسين بن سعيد الأهوازي (ق 3) الذي اختصّ في كتبه الثلاثينيّة كتاباً خاصّاًبعنوان كتاب المزار ، فعقد الطوسي كتاباً خاصّاً في كتاب تهذيب الأحكام بعنوان كتاب المزار ونقل كثيراً من أخبار كتابَي المزار لابن داود وابن قولويه القمِّيَّين عن طريق الشيخ المفيد(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وهي هذه المواضع : المزار للشيخ المفيد : 178/ 7 ، و 191/ 2 ، و 192/ 4 ، و 201/ 4 ، و 207/ 1 ، و 222/ 3 ، و 224/ 5 ، و 225/ 7 ، و 226/ 8 ـ 9 ، و 228/ 12.
(2) انظر : تهذيب الأحكام 2 : 228/ 106 ، و 5 : 431/ 145 ، و 6 : 3/ 1 ، و 9/ 11




وفي القرن السادس جاء الشيخ أبو عبد الله محمّد بن جعفر الحائري ، المعروف بابن المشهدي وألّف المزار الكبير ، ثمّ في القرن السابع ألّف السيّدعليّ ابن طاوس الحلّي (664 هـ) مصباح الزائر ، ثمّ في القرن الثامن ألّف الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي (786 هـ) كتابه المزار والذي نسب إليه ، وأودعوا في هذه الكتب زيارات شتّى للمشاهد المقدّسة ، ولكنّهم أخرجوا الأخبار والزيارات وأعمالها بشكل مرسل بحذف الأسانيد غالباً ، وكذالم يهتمّوا فيها بذكر مصادر الزيارات ، ومن هذه الجهة يصعب علينا جدّاً تعيين مصادرهم ، ومن المهمّ أنّ بين مزاري ابن طاوس والشهيد اشتراكات كثيرة في المنقولات ، وكأنّهما أخذا مطالبهما من مصدر واحد ، وهذابحث مهمّ في هذا المقام وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
وينتهي الأمر في القرن الحادي عشر إلى العلاّمة المجلسي (1110 هـ) ـ رحمة الله عليه رحمةً واسعةً ـ فجمع ما في كتب المزار في موسوعته الحديثيّة بحار الأنوار وخصّص مجلّداً خاصّاً ضخماً لتدوين الزيارات في كتابه ، وأورد فيه الزيارات المنقولة في المصادر المعروفة وغير المعروفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ 12 ، و 20/3 ، و 24/ 9 ، و 25/ 1 ، و 33/ 10 ، و 40/ 1 ، و 42/ 1 ، و 45/ 11 ، و 46/ 14 ، و 47/17 ، و 50/ 30 ، و 51 ـ 52/ 36 و 37 و 38 و 1 ، و 53/ 5 ، و 53/ 7 ، و 54/ 7 ، و 72/5 ، و 74/ 15 ، و 75/ 16 ، و 76/ 20 ، و 78/ 3 ، و 81/ 1 ، و 83/ 2 ، و 85/ 4 ، و 93/2 ، و 106/ 2 ـ 3 ، و 109/ 10 ، و 110 ـ 111/ 12 إلى 116 ، و 115/ 20. ولاحظ : خاتمة المستدرك 3 : 240.

المجلسي ومزار المفيد :
نرى ـ كثيراً ما ـ في نُقُول العلاّمة المجلسي رحمه‌الله في كتاب المزار من البحارأنّه يُورِد زيارات عديدةً متتابعةً بهذه العبارات وغيرها(1) :

 

* «ثمّ أقول : لمّا ذكرنا ما وصل إلينا من الروايات الواردة في كيفية زيارته(صلى الله عليه وآله) نختم الباب بإيرادما ألّفه وأورده الشيخ الجليل المفيد ، والسيّد النقيب علي ابن طاوس ، والشيخ السعيد الشهيد ومؤلّف المزار الكبير وغيرهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ، واللفظ للمفيد ..»(2).
* «زيارة أُخرى رواها المفيد والسيّد والشهيد وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ عن صفوان ، واللفظ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر لنقول العلاّمة المجلسي عن المزار للمفيد ومصباح الزائر لابن طاوس والمزار للشهيد والمزار الكبير لابن المشهدي : بحار الأنوار 97 : 183 و 217 و 271 و 281 و 291و 305 و 310 و 311 و 359 و 372 و 373 و 377 و 407 ، وج 98 : 202 و 206 و 251 و 274 و 276 و 278 و 279 و 283 و 286 و 303 و 305 و 317 و 328 و 332 و 336 و 337 و 345 و 350 و 352 و 359 و 362 و 363 ، ج 99 : 11 و 57 و 62 و 72 و 116و 119 و 173 و 198 و 273.
(2) بحار الأنوار 97 : 160.

 

 

للمفيد ، قال ..»(1).
* «وقال الشيخ المفيد والشهيد ومؤلّف المزار الكبير(رحمهم الله) في وصف زيارته عليه‌السلام : فإذا فرغت من زيارة جدّه وأبيه فقف على باب حرمه فقل ..»(2).
* «ثمّ قال المفيد والشهيد ـ رحمهما الله ـ : ثمّ عدإلى العسكريّين صلوات الله عليهما فزر أُمّ الحجّة وذكراها مثل ما تقدّم»(3).

ومن المعلوم أنّ مراده رحمه‌الله من السيّد والشهيد هو قولهما في كتابيهما مصباح الزائر والمزار ، ونعلم أنّ المزار الصغير لشيخنا المفيد ـ أعلى الله مقامه ـ المقطوعة نسبته إليه من خلال أسانيده ـ والمطبوع مرّةً بتحقيق مؤسّسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) بقم المقدّسة ، وعنه في موسوعة مؤلّفات الشيخ المفيد ـ لم يصل إلى العلاّمة المجلسي رحمه‌الله؛ إذ :
أ) لم ترد أكثر الزيارات المروية في البحار عن مزار الشيخ المفيد في المزار الصغير المطبوع.
ب) وكذا أنّ جملة كثيرة من الزيارات المروية في المزار الصغير مسندة بطرق الشيخ المفيد عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام بينما المروي في البحار من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 97 : 281.
(2) بحار الأنوار 99 : 116.
(3) بحار الأنوار 99 : 119.

الزيارات عن المفيد كلّها مرسلة.
وتظهر من نُقُول المجلسي عن مزار المفيد ـ وهي كثيرة جدّاً ـ أنّ نسخته منه كانت نسخة كبيرة عمّا هو موجود ومطبوع وموسوم بـ : المزار الصغير ، ولذا نُسِب إلى المفيد مزاراً ثانياً بعنوان : المزار الكبير(1) ، ولكنّ نسخة المجلسي غير متوفّرة في المكتبات خلافاً للمزار الصغير الذي له عدّة نسخ(2).
وكذا يظهر من نقل ابن طاوس والشهيد في مزاريهما أنّهما أخرجا أكثرهذه الزيارات على الترتيب الموجود في مزار المفيد الموجودة نسخته عند العلاّمة المجلسي ؛ وقد اعتمد المجلسي على هذه النسخة أكثر من اعتماده على مصباح الزائر لابن طاوس ومزار الشهيد ونقل لفظ مزار المفيد وقال ما نصّه : «فنتّبع لفظه» ، وعلّل هذا بقوله : «لأنّه أسبق وأوثق»(3) ، ولذاوضع العلاّمة المجلسي السيّد ابن طاووس والشهيد الأوّل بعد المفيد مباشرةً في أكثر مواضع النقل عنهم لا سيّما الشهيد الأوّل؛ فإنّه إذا ذكر زيارة في مزاره فالمجلسي قبل إيرادها يذكر اسمه بعد ذكر اسم المفيد وخصوصاً عند اتّفاقهما في موارد نقلهما ، وسوف نبحث عن علاقة كلّ واحد بالآخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا المزار هو غير المزار الكبير لابن المشهدي؛ فلاحظ.
(2) لهذا المزار 16 مخطوطة (كما في فهرستگان نسخه هاي خطي 10 : 92 ـ 94 ، وانظر : فهرستوار دستنوشت هاي إيران (دنا) 9 : 467).
(3) بحار الأنوار 97 : 305.

فعلى هذا لا يبعد أن يكون هذا المزار الكبير المنسوب إلى الشيخ المفيد هو من مصادر السيّد ابن طاوس والشهيد الأوّل في كتابيهما ، وهما كاناقد أخذا هذه الزيارات من هذا المزار المنسوب إلى الشيخ المفيد.
وبناءً على هذا الحدس أرى من المهمّ أن أبحث ماهيّة هذا المزار المنسوب إلى الشيخ المفيد وكذا علاقة مزاري ابن طاوس والشهيد الأوّل بالمزار المنسوب إلى المفيد.
وحريّ بالذكر أنّه لا شكّ بأنّ لابن طاوس والشهيد مصادر في تلك الزيارات ، وهذه الزيارات والأخبار من حيث النصوص هي ـ في الواقع ـ امتدادخطّ لكتاب المزار من التهذيب للشيخ الطوسي (460 هـ) ، وكذا الطبقات السابقة عنه كالشيخ المفيد (413 هـ) وابن داود القمّي (378 هـ) وابن قولويه (368 هـ) .. ومن ماثلهم ، وكذا الطبقات السابقة عنهم أعني محمّدبن علي بن الفضل بن تمّام الكوفي (أوائل ق4)(1) ، الذي كان كتابه المزار من مصادر مزار ابن داود القمّي والذي يروي عنه بلا واسطة(2) ، ومن ثمّ كتبت كتب المزار من قبل أصحاب الأئمّة الهداة عليهم‌السلام الذين مرّ ذكرهم فيما سلف آنفاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يروي عنه الشيخ الصدوق في مسجد أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكوفة (كما في الأمالي : 189/8 ، و 258/ 12 ، و 315/ 4 ، وفي كتاب النبوّة على ما في قصص الأنبياء 1 : 249/70) ، وسمع منه التلعكبري وأجازه سنة 340 هـ (الرجال للطوسي : 443/ 70 ؛ وانظر : نوابغ الرواة في رابعة المئات للشيخ الآقا بزرك الطهراني : 290 ـ 291).
(2) فرحة الغري : 223 ـ 225.

قصّتي مع كتاب المزار الكبير للمفيد :
في أثناء عملي في مشروع تحقيق (مصادر بحار الأنوار) ـ حدود سنة 1426 هجرية ـ دخلتُ بصحبة سيّدنا المحقّق وأُستاذنا العلاّمة السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي ـ طوّل الله عمره الشريف ومتّعنا بطول بقائه ـ على العلاّمة الكبير والمحدّث المحقّق آية الله السيّد محمّد باقر الموحّد الأبطحي ـ مدّ الله له في العمر السعيد ، ومتّعه الله بالعيش الرغيد ، والذي صرف عمره الشريف لخدمة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام وإحياء علومهم وفضائلهم ومناقبهم ـ لكي نستفسر عمّا عمله هو في تحقيق مصادر البحار أو التي هي قيد التحقيق في مؤسّستهم المسمّاة باسم الإمام الحجّة المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ ، فهو ببشاشة وجهه وكرمه ولطفه أعطانا مفتاح غرفته التي جمع فيها صور المخطوطات التي صوّرها منذ مدّة طويلة من هنا وهناك ، والأوراق المسوّدة التي عمل فيها أو استنسخها وحقّقها في هذه الفترة ، كما سمح لي بأخذ صورة ممّا أُريده عمّا جمعه؛ ومن منن الله تعالى عليّ بأن جعلني أعيش في وسط هؤلاء الأعلام الكبار وتربيتهم لي بالمسامحة والصبر وكرم النفس والجود؛ وكم حريّ بهم قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «المؤمن هيّن ليّن سمح ، له خلق حسن ، والكافر فظّ غليظ له خلق سيّئ ..»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأمالي للطوسي 1 : 189.

وحين البحث في غرفة سماحة السيّد وفِّقْت لرؤية صورة نسخة المزار وقد كُتِب على كيسها المختوم مزار الشيخ المفيد ، فاستعرتها من جنابه مع جملة كثيرة من الأوراق بل الدرر والغرر واستنسختها ، وبعد ذلك بدأتُ بمطالعة ما أتحفني به السيّد الأبطحي حتّى وصلتُ إلى رؤية أوراق هذاالكتاب ، وفي بادئ الأمر تصوّرت أنّها صورة من المزار الصغير للشيخ المفيد والذي حقّقه السيّد نفسه وطبعه وكذا طُبِع عنه ضمن موسوعة مؤلّفات الشيخ المفيد رحمه‌الله ، ولذا أردتُ أن أمرّ عليها وأتركها لزمان آخر ، ولكنّي رأيت أنّ النسخة المستنسخة كبيرة الحجم بينما المزار المطبوع صغيرجدّاً ـ وهو موافق لوصفه بالصغير ـ ، فظننتُ أنّها شيئاً آخر أو أنّها عدّة صور من المزار الصغير ، ففتحت باب الكيس وفتّشتُها فلم تكن إلاّ نسخة واحدة بخطّ واحد ، ولكنّها كبيرة غير المزار الصغير المطبوع ، والنسخة كانت من ممتلكات مكتبة آية الله الصفائي الخوانساري ، علماً بأنّ أصل المخطوطة كانت بخطّ والد صاحب المكتبة ، وقد كتب في آخرها :

 

«لقد وقع الفراغ من استنساخ هذا المزار الشريف ـ بعون الله وتوفيقه ـ الذي هو من مؤلّفات شيخ الشيوخ حجّة الفرقة الناجية ، ممدوح الحجّة صاحب العصر والزمان ـ عليه وعلى آبائه سلام الله وتحيّاته ـ محمّد بن محمّد بن النعمان المشتهر بالمفيد ، بيد العبد الآثم ، في شعبان المعظّم بعد مضيّ اثني عشر

 

 

 

يوماً منه ، أفقر السادة وأحوج الطلبة إلى عفو ربّه الرحيم أحمد بن محمّد رضا الحسيني ـ غفر الله له ولآبائه وأُمّهاته بحقّ أجداده المعصومين ـ من عام السابع والخمسين وثلاثمائة بعد الألف ، والحمد له أوّلاً وآخراً».

وصرّح رحمه‌الله أنّ نسخة والده كانت غير تامّة بقدر 20 ورقة تقريباً من أوّلهاووسطها فأتمّها من نسخة كتبها العلاّمة المحدّث الحاجّ الشيخ عبّاس القمّي.
«ثمّ كتب السيّد الخوانساري في هامش الصفحة قبل الأخيرة من المخطوطة وقبل زيارة المختار رحمه‌الله ، ما نصّه :

 

«هذا آخر ما أردنا ذكره في هذا المجموع والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين. تمام شد نسخه مزار مفيد ملحق شده است حرّره عبّاس القمّي».

ثمّ كتب بعده :

 

«وليعلم أنّ ما رقم في هذا الهامش قد كتب [ـه] المحدّث المتبحّر ثقة الإسلام الحاجّ شيخ عبّاس القمّي رحمه‌الله [في] آخر النسخة التي أتممت منها هذه النسخة فنقلتها بعين عبارته حذو النعل بالنعل؛ ليكون الناظر على بصيرة وليدعو لي بدعاء الخير حين القراءةوالمطالعة؛ الأحقر صفائي الخونساري ـ عفي عنه».

 

والذي ظهر لي بعد التطبيق أنّ الأوراق المكمّلة بخطّ العلاّمة السيّد مصطفى الخوانساري والتي هي منقولة عن نسخة المحدّث الشيخ عبّاس القمّي كلّها مطابقة لكتاب مزار الشهيد الأوّل من خطبته إلى غيرها ، وليست من مزار المفيد.
وعلى هذا فإنّ هذه النسخة المنسوبة إلى الشيخ المفيد ناقصة من أوّلهابقدر صفحة واحدة أو أكثر من الخطبة إلى قوله : (وإذا وردت إن شاء الله مدينة النبىّ(صلى الله عليه وآله) فاغتسل ...).
فراجعتُ المصادر ورأيتُ أنّ ثمّة مزاراً ثانياً منسوباً ـ في بعض المصادرـ إلى الشيخ المفيد بعنوان : المزار الكبير ، وهو الذي ينقل عنه العلاّمة المجلسي في موسوعته الحديثيّة بحار الأنوار كما ذكرنا ، وقد أخبرت سماحة السيّد الأبطحي وقال لي : بأنّي صوّرتُ عن هذه النسخة عندما كانت ضمن مكتبة العلاّمة السيّد مصطفى ابن العلاّمة السيّد أحمد بن محمّد رضا الحسيني الصفائي الخوانساري ـ قدّس الله نفسه الزكيّة ـ كما أنّ عليها خطّ والده العلاّمة السيّد أحمد الصفائي (1359هـ) ، علماً بأنّ هذه المكتبة بعد وفاة العلاّمة السيّد مصطفى انتقلت إلى مكتبة الآستانة الرضويّة على صاحبها آلاف التحية والثناء ، فتفحّصتُ في الفهارس الخاصّة التي كتبت لنسخ هذه المكتبة والتي انتقلت إلى مشهد المقدّسة وكذا في فهارس الآستانة الرضويّة فلم أعثر على نسخة الأصل ، فمرّت سنوات وأنا أتفحّص عن أصل هذه النسخة وغيرها من نسخ الكتاب ، فاقتصرنا في تحقيق هذا المزار المنسوب إلى شيخنا المفيد ـ

أعلى الله مقامه ـ ونشره على صورة هذه النسخة النفيسة والدرّة اليتيمة عسى أن يفتح الله لي أبواب كرمه ولطفه مرّةً ثانيةً لإكمال عملنافي هذا الكتاب ؛ فالله خير ناصر ومعين ..
هل هذا المزار للشيخ المفيد؟
ليس لدينا خبرٌ عن هذا المزار الكبير ونُسَخِه من زمن الشيخ المفيد (413 هـ) إلى عصر العلاّمة المجلسي (1110 هـ) الذي هو أوّل من استخرج زياراته في موسوعته الكبرى بحار الأنوار ، وكذا لم يذكره تلميذا الشيخ المفيد الشيخ الطوسي (460 هـ) وأبو العبّاس النجاشي (450 هـ) في فهارسهما ، نعم ذكر النجاشي عند ترجمة أُستاذه الشيخ المفيد كتاب المزار الصغير(1) ، وهو عين كتاب المزار الصغير المطبوع باسم الشيخ المفيد سابقاً الذي نُسَخُه متداولة في المكتبات ، ولا ريب في صحّة نسبة هذا المزار الصغير إلى الشيخ المفيد ؛ وذلك من خلال أسانيده والكتب التي نقلت عنه ، كما ذكرنا ذلك سابقاً ، كما أنّ المفيد التزم في أوّل مزاره الصغير المطبوع أن يكون ملخّصاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لعلّ أسماء الكتب التي أوردها الشيخ في فهرسه هي كتبٌ قرأها أو سمعها عن الشيخ المفيد حيث يقول في آخر كلامه في الفهرست : 239/ 126 : «سمعنا منه هذه الكتب كلّها ، بعضها قراءةً عليه ، وبعضها يقرأ عليه غير مرّة وهو يسمع» ، وهذه الكتب غيرالكتب التي أجازه الشيخ المفيد لروايتها ، ولا يخفى أهمّية القراءة والسماع وأولويّتهما من بين الطرق السبعة لتحمّل الحديث ؛ فلاحظ.

ولعلّه لذلك يسمّى صغيراً(1) ، ولذا يطابق توصيف النجاشي لهذا المزار بـ : الصغير ؛ حيث إنّ هذا المزار صغير الحجم واقعاً.
وكذلك لم يرد اسم كتاب مزار للشيخ المفيد في فهرست الشيخ الطوسي أصلاً ؛ وذلك أنّه اكتفى في أسماء مؤلّفات المفيد بفهرس مؤلّفاته المعروفة آنذاك وقال في فهرسته : «وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار» ، ثمّ بعد عَدِّ بعض مصنّفات أُستاذه يقول : «وفهرست كتبه معروف ، وغير ذلك من كتبه ممّا أومأنا إليه ممّا هو مثبت في فهرست كتبه» ، نعم هو ينقل عن كتاب مناسك الزيارات للشيخ المفيد في تهذيب الأحكام وقال في موضع منه :

 

وقد ذكر الشيخ رحمه‌الله في كتابه في مناسك الزيارات ترتيباً لزيارة أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما‌السلامأحببت إيراده على وجهه ، ذكر رحمه‌الله إنّه ...»(2).

وكذا ذكر هذا المزار الصغير السيّد علي ابن طاوس (664 هـ) بعنوان كتاب مناسك الزيارات(3).
وبالإضافة إلى هذا ، هناك كثير من الزيارات بل أكثرها لم ترد في قسم المزار من كتاب المقنعة لنفس الشيخ المفيد ، ولا في قسم المزار من كتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المزار الصغير : 3 ، المقدّمة.
(2) تهذيب الأحكام 6 : 56.
(3) محاسبة النفس (المطبوع في مجلة تراثنا) العدد 46 ، ص 380 و 382.

التهذيب بروايته عن الشيخ المفيد.
نعم .. أورد الكفعمي رحمه‌الله في آخر مصباحه عند تعداد مصادره اسم مزار المفيد مرّتين ، وينقل في متن المصباح عن مزار المفيد ولم يفرّق بين المزارين للمفيد بـ : الصغير والكبير أو شيء آخر ، وكذا كلّ ما نقله رحمه‌الله موجود في المزار الصغير المطبوع للشيخ المفيد(1) ، ولعلّ ذكره لمزار المفيد مرّتين إمّا لسبق قلمه من توهُّمه لعدم ذكره ، كما أنّه عدّ في خاتمة كتابه البلد الأمين مزاراً واحداً للشيخ المفيد(2) ، وكذا في فحوى الكتاب(3) ، أو لعلّ مراده المزاران المنسوبان للشيخ المفيد ؛ وهما المزار الصغير المقطوعة نسبته للشيخ المفيد ، والمزار الثاني هو النسخة الكبيرة التي نبحث عنها في هذاالمقال ، أو النسخة المختصرة عنها والتي هي منسوبة إلى الشهيد الأوّل ، وسيأتي بحثها بأنّ مزار الشهيد مختصر من مزار المفيد الكبير ، ونسبته للشهيد غير ثابتة ، ولعلّ مزار الشهيد كان منسوباً إلى المفيد آنذاك ؛ فراجع هناك.
وبعد هذا وذاك ، كلّ ما لدينا من الأدلّة لإثبات نسبة هذا المزار الكبير إلى الشيخ المفيد هو نقل العلاّمة المجلسي عنه ونسبته إليه في بحاره ، وكذا النسخة الخطّيّة التي وصلت إلينا منه والتي تحمل عليها نسبتها إلى الشيخ المفيد في ترقيمة النسخة في آخرها بخطّ العلاّمة السيّد محمّد رضا الصفائي الخوانساري ، ولكنّه يستفيد البعض من تقييد النجاشي لمزار الشيخ المفيد بـ :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصباح للكفعمي : 183 و 184 و 411 و 505 و 772 ـ 773.
(2) البلد الأمين : 723.
(3) البلد الأمين : 379

الصغير أنّ هناك مزاراً آخر له كبيراً ، ويمكن أن يؤيّده ما قاله المفيد في مقدّمة مزاره الصغير ، وهذا ما نصّه :

 

«فإنّي قد اعتزمت على ترتيب مناسك زيارة الإمامين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والحسين بن عليّ صلوات الله عليهما ، ووصف ما يجب من العمل عند الخروج إليهما ، ويلزم من الفعل في مشهديهما ، وما يتبع ذلك في منازله ، ويتعلّق بأوصافه في مراتبه. وأذكر على التقديم في صدره طرفاً ممّا جاءبه الأثر في فضله ، فإنّي لم أجده على الحدود التي أؤمّها منه في شيء ممّا تقدّم من مصنّفات أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ وتأخّر ، وإن كان موجوداًفيها على غيرها ـ ممّا يتعذّر على القاصد العمل بها لأجل الجمع بينها ، ويصعب عليه الإتيان على النسق والنظام بها ـ وهو اختلاف محالّها من الأماكن ، وتباين أجناسها من المواضع ، واختلاط المعني منها بخلافه ، ومجاوزة الباب في الغرض لبعيده ، ومباينة المناسب في المواطن لقريبه. فعمدت تلخيص ذلك على اختصار ، وتحرّيت تأليفه للحفظ والتذكار ...»(1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المزار الصغير : 3/ المقدّمة.

ولا يخفى ما في هذا الدليل من الضعف حيث إنّ من المعلوم أنّ الوصف لا يدلّ على المفهوم ، وهذه قاعدة ثابتة في أُصول الفقه ، وكذلك توصيف مؤلِّف كتابَهُ بالملخّص عن الكتب المطوّلة للقدماء لا يدلّ على تأليف ثان له مطوّل مثل كتب السابقين عنه.
هذا ممّا يجعلنا في شكّ من نسبة هذا المزار إلى الشيخ المفيد ، والظاهرأنّ العلاّمة المتتبّع الخبير المجلسي رحمه‌الله ـ الذي هو أوّل من نقل عن هذاالكتاب ـ كان ملتفتاً أيضاً إلى هذه الإشكالات ولذا قال في بعض المواضع عند النقل عن هذا المزار ناسباً هذا الكتاب إلى المفيد على الشهرة :

 

«وقال الشيخ المفيد قدس‌سره على ما ينسب إليه من كتاب المزار : إذا وردت مشهدهما صلّى الله عليهما فاغتسل ..»(1).

ومن جهة أُخرى نحن نعرف عدّةً من الكتب المعروفة الثابتة نسبتها إلى مؤلّفيها من قدمائنا بل المتأخّرين نسبت إلى غير مؤلّفيها من كبار العلماء ، وجاءت هذه النسب على بعض مخطوطات هذه الكتب؛ وذلك إمّا لمجرّد وجود اسمهم في أوائل هذه الكتب ، ولجهل بعض النسّاخ أو أصحاب النسخ ، أو لغرض البيع الجيّد لنُسخها ، أو غيرها من العلل سجّلوا نسبتها إلى العلماء المعروفين؛ منها : كتاب روضة الواعظين للفتّال النيسابوري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 99 : 62.

(المستشهد 508 هـ) الذي قد توهّم البعض فنسب الكتاب إلى الشيخ المفيد رحمه‌الله ، وردّه كثير من المحقّقين ونبّهوا على غلط النسبة ، وقبل ذلك كلّه فقدنسبه إلى الفتّال ونقل عنه تلميذه الشيخ الحافظ محمّد ابن شهرآشوب (588 هـ) راوي هذا الكتاب عن مؤلّفه(1). وكذا الحال في كتاب الاختصاص المنسوب إلى الشيخ المفيد؛ وذلك لمجرّد ورود اسم الشيخ المفيد في سند الحديث الأوّل من الكتاب ، وكذلك كتاب كفاية الأثر للخزّاز القمّي ؛ فإنّه منسوب في بعض نسخه إلى الشيخ الصدوق بعنوان كتاب النصوص على الأئمّة عليهم‌السلام ؛ وذلك لورود اسمه في الأسانيد الأوّلوية للكتاب(2).
إذا يتفحّص الباحث في علم التراث والعارف بمناهج القدماء عن كيفية جمع مزارنا هذا وطريقة تدوينه يقف على أنّ هذا المزار كأنّه من مؤلّفات بعض علماء الشيعة المتأخّرة عن المفيد بقرون؛ حيث إنّ فيه بعض الميزات لم تكن معهودة في عصر المفيد ـ أي القرن الرابع والخامس الهجريّين ـ بل بدأت في كتب المتأخّرين مثل كتب القرن السابع الهجري ومابعده.
ومن هذه الميزات الترتيب الموجود لجمع الزيارات وتبويبها وتفصيلهابهذا النحو في مزارنا هذا ، حيث جُعِلَ الكتاب في عدّة أبواب وذيل كلّ باب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المناقب لابن شهر آشوب 1 : 14 و 389 و 2 : 11 و 91 و 3 : 180 و 278 و 482 ، وانظر : روضة الواعظين : 16/ المقدّمة بقلم العلاّمة السيّد مهدي الموسوي الخرسان ـ دام ظلّه ـ.
(2) منها نسخة في مكتبة جامعة طهران؛ فلاحظ.

فصول غير متعارف عند القدامى ، وإن كانت رؤوس العناوين تتّفق فيه مع كتب القدماء كاشتراكه مع عناوين كتاب : كامل الزيارات لابن قولويه (368 هـ) ، والمزار الصغير للشيخ المفيد ، وقسم المزار من كتاب المقنعة(1) ، وقسم المزار من كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي (460 هـ)(2) ؛ لأنّها وغيرها من مصادر القدامى التراثيّة كانت من مصادر المتأخّرين من المؤلّفين في تأليف كتب المزار ـ متناً وعنواناً ـ ولذا رؤوس العناوين في هذا المزار تشبه ما ورد في كتب متقدّميه ، كما أنّ مؤلّفيها أيضاً أخذوا عمّا تقدّمهم من قدماء الأصحاب ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ توارثاً ، وهذا هو ديدن الأصحاب والقدماء بل المؤلّفين في العلوم عامّةً.
وبالجملة أنّ كيفيّة تبويب مطالب الزيارات مع ما تقدّم من عدم ذكر عنوان هذا المزار في فهرستي الطوسي والنجاشي ، وعدم النقل عنه في مصادرالمتقدّمين كلّها ممّا يشكّك الباحث في نسبة هذا المزار إلى الشيخ المفيد ، ويؤيّد القول بكون هذا المزار من تأليفات بعض علماء الشيعة المتأخّرين.
تحقيق مصادر زيارات هذا المزار :
عند مراجعتي لفهارس كتب الشيعة في موضوع المزار بعناوينه المختلفة في العصور المتأخّرة عن المفيد ، وبعد التدقيق في المصادر التي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقنعة : 455 ـ 494 ، كتاب الأنساب والزيارات.
(2) تهذيب الأحكام 6 : 2 ـ 119 ، كتاب المزار.

استخرجناها في تحقيقنا لزيارات هذا المزار ، التفتُّ إلى وجود معظم هذه الزيارات في ثلاثة كتب وتبيّن لي وجود علاقة وثيقة بين مزارنا هذا وهذه الكتب الثلاثة ومؤلّفيها ، كما أنّه مرّت علينا نصوص العلاّمة المجلسي في نقل زيارات مزار المفيد ؛ فإنّه كان يورد في كثير من المواضع أسماء ثلاثة من المشايخ بعد اسم المفيد وكتابه؛ وهم بالترتيب مع كتبهم :
1 ـ أبي عبد الله محمّد بن جعفر المشهدي (ق 6) وكتاب المزار.
2 ـ السيّد علي ابن طاوس الحلّي (664 هـ) ومصباح الزائر.
3 ـ الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي (786 هـ) وكتاب المزار.
أمّا بالنسبة إلى المزار الكبير لابن المشهدي فكأنّه كان تحت يد مؤلّف مزارنا هذا ، وأورد عنه كثيراً في هذا المزار ، وليس الأمر بالعكس ؛ لأنّ الزيارات المروية في مزار ابن المشهدي مسندة في عدّة من المواضع بطريقه عن غير المفيد ، ورويت نفس هذه الزيارات في هذا المزار بشكل مرسل ، وهذا ممّا يرجّح الاستدلال بكون هذا المزار من مؤلّفات الشيعة من بعد القرن السادس الهجري ، وأمّا بالنسبة لابن طاوس والشهيد ونسبة كتابيهماإلى مزارنا هذا لابدّ لنا من تخصيص كلام مستقلّ عنهما في هذا المقال فدونكه :
بين المزارين المنسوبين إلى المفيد وابن طاوس؟!
يتطابق كتاب مصباح الزائر لابن طاوس (664 هـ) ومزارنا في بعض النقولات ولم ترد في المزار الكبير لابن المشهدي ، فلذا نحن تصوّرنا ـ في

بادئ الأمر ـ كون المصباح من مصادر كتابنا كـ : المزار الكبير لابن المشهدي ، ولكنّه عند المراجعة لفهارس الكتب خاصّة في الفهارس المعمولة لكتب المزار وجدنا عنواناً من كتب المزار يطابق ميزاته ـ وإن كانت ليست بكثيرة ـ مع كتابنا المزار حتّى في إطلاق العنوان ، وذلك العنوان هو كتاب المزار للسيّدابن طاوس.
فقد ذكر العلاّمة المتتبّع الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ أعلى الله مقامه الشريف ـ في كتابه الذريعة الخالد ـ في قسم كتب المزار ـ عنواناً من كتب المزار نسبه إلى السيّد علي ابن طاوس رحمه‌الله ، وذكر لهذا الكتاب بعض الميزات ذات قيمة مهمّة تلفت نظر الباحث ؛ لوجود علاقة وتطابق بين الميزات والمواصفات التي ذكرها الطهراني رحمه‌الله للمزار المنسوب لابن طاوس ونسخة المزار ـ التي نحن بصددها في هذا المقال ـ المنسوب للشيخ المفيد ؛ ممّا يقوّي احتمال نسبة مزارنا هذا إلى ابن طاوس واتّحاده مع المزار المنسوب إليه ؛ كما أنّ هناك شواهد أُخر لم يذكرها الطهراني وسنذكرها في محلّه إن شاءالله تعالى.
ويجدر بنا قبل كلّ شيء أن نورد نصّ ما ذكره الشيخ الطهراني رحمه‌الله ومن ثمّ البحث فيه؛ وهو :

 

«كتاب المزار للسيّد الأجلّ ، جمال السالكين ، السيّد رضيّ الدين علي ابن طاوس الحلّي المتوفّى 664 ، فيه بعض الخصوصيّات التي ليس في كتابه

 

 

 

مصباح الزائر ، وبينهما فرق من جهات ؛ منها : إنّ هذا مرتّب على الأبواب والمصباح مرتّب على الفصول ، وهذا المزار مقدّم على المصباح ، كما أشار إليه في أوّل مصباحه ، فكتب هذا المزار أوّلاً ثمّ كتب مصباح الزائر بزيادة بعض الخصوصيّات عليه؛ مثل فصل آداب السفر ؛ فإنّه ليس في هذا المزار باب آداب السفر ، والنسخة مخرومة الأوّل والآخر في خزانة سيّدنا الحسن بخطّ عتيق لعلّه من عصر المصنّف»(1).

نسبة كتاب مزار إلى ابن طاوس؟!
لابدّ لنا في بادئ الأمر من الإشارة إلى أنّه ليس مراد الطهراني رحمه‌الله من كتاب المزار لابن طاوس هو كتاب مصباح الزائر المعروف المطبوع بتسامح في إتيان الاسم ، فلا يظنّ أنّ الطهراني أورد المزار المنسوب إلى ابن طاوس ولم يلتفت إلى هذا الفرق بينهما ؛ وذلك أنّه كثير من كتب المزار لها عناوين معيّنة ولكنّها تذكر عند النقل عنها بعنوان كتاب المزار لأنّه رحمه‌الله :
أوّلاً : كان ملتفتاً إلى هذا الأمر ، وحاول ـ بمقابلة هذين الكتابين (المزار والمصباح) وذِكْر المفارقات بينهما ـ بيانَ وجودِ الفرق بين الكتابين وإثبات كتاب ثان لابن طاوس في هذا الموضوع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذريعة 20 : 319 ـ 320/ 3195.

ثانياً : إنّه رحمه‌الله رأى نسخةً عتيقةً من هذا المزار في مكتبة أُستاذه العلاّمة السيّد حسن الصدر (1354 هـ) في الكاظميّة ببغداد يرجع تاريخ كتابتها إلى عصر ابن طاوس (القرن السابع الهجري) ـ على حدّ تعبيره ـ ، فالمعلومات التي أعطاها الطهراني عن هذا المزار لم تكن معلومات ظنّيّة من بعض المصادروناشئة من تسامح هذه المصادر ، بل هي معلومات حسّيّة علميّة عن نفس الكتاب وعن نسخته الخطّيّة ، ولا شكّ أنّه رجل خبير عارف بمعرفة الكتب ونسخها.
وأخيراً : ومن الأدلّة القويّة على انتساب كتاب مزار إلى ابن طاوس أنّ السيّد غياث الدين عبدالكريم بن أحمد بن موسى ابن طاوس (693 هـ) ابن أخي السيّد علي ابن طاوس وتلميذه والراوي عنه ينقل عن عمّه ابن طاوس في كتاب فرحة الغري في تعيين قبر أميرالمؤمنين عليه‌السلام زيارةً لأمير المؤمنين عليه‌السلام في يوم 17 من شهر ربيع الأوّل وهو يوم ولادة النبىّ(صلى الله عليه وآله) ، وذلك عن كتاب المزار لعمّه المذكور ؛ وقال ما هذا نصّه :

 

«ذكر العمّ السعيد في مزاره : إنّ الصادق عليه‌السلام زار بها(1) عليّ بن أبي طالب يوم سابع عشر ربيع الأوّل ، وهي التي رواها محمّد بن مسلم ولكنّي رأيت في الروايتين اختلافاً كثيراً»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي الزيارة التي نقلها قبل هذا الكلام عن مزار ابن المشهدي (فرحة الغري : 227).
(2) فرحه الغري : 228 ، الباب السادس : فيما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام.

وهذه الزيارة المروية عن محمّد بن مسلم لم ترد في مصباح الزائر أصلاً ، وبهذا يتحتّم وجود كتاب المزار للسيّد علي ابن طاوس رحمه‌الله.
إشارة ابن طاوس إلى مزاره :
توجد إشارة من ابن طاوس نفسه في مقدّمة كتابه مصباح الزائر إلى قصده لتأليف كتاب في موضوع المزار أخصر من المصباح لئلاّ يطوّل على الزوّار قراءته ، حيث إنّه قال في المقدّمة :

 

«وقد تعرّضنا للبسط في زيارات من قربت منّا داره ، وتيسّر لنا إزدياره ، على أنّنا لم نخل أهل البعاد من ذكر ما يقوم بالمراد وإن كنّا لم نقصد في الجميع صلوات الله عليهم استيفاء ما وفقنا عليه جعل الله ذلك خالصاً لوجهه مقرّباً إليه»(1).

ثمّ فصّل فصول الكتاب مع ذكر اسمه ، وما تحتوي عليه من رؤوس العناوين والموضوعات المبحوثة وعدد الروايات الموجودة في كلّ فصل منه ، وفي نهاية المقدّمة قال :

 

«ومن وقف على تفصيل ما أجملناه ، واطّلع على ما حواه ، عرف عند ذلك تميّز كتابنا على ما صنّف في سبيله ، وراح شاهداً بكماله وتفضيله ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الزائر : 15.

 

 

ولعلّك أيّها المطّلع على ما ذكرناه تستقبل العمل بمضمونه ومقتضاه وتقول : لو كان أخلاه من عمل مدينة الرسول ، واقتصر على بعض الفصول ، كان ذلك أخفّ على القلوب ، وأحسن في المطلوب».

ثمّ أورد إيراد أهل النشاط والزهادة إذا وقفوا على عمل مختصر غير جامع لفنون الزيارات ، ومن ثَمّ قال :

 

«وربّما خطر لك هاهنا أن تقول : ماذا كان الأمر على هذا السبيل ـ وأنّ الإنسان لا يخلو من عاتب مع التكثير والتقليل ـ فهلاّ أفرد منه مختصراً يصلح لأوقات الضجر والاشتغال ، وجعل هذا المزار الكبير لساعات التفرّغ والإقبال».

فأجاب رحمه‌الله نفسه عن هذا السؤال وأوعد بتأليف مزار مختصر وقال ما نصّه :

 

«فأقول : إنّ الأعمال المطلوبة من هذا العبد الضعيف ليست مقصورة على هذا العمل الشريف ، وكم يعرض الإنسان من حائل بينه وبين الإمكان ، وإن وجدنا قدرة على ما يراد من اختصار الكتاب ، سلكت إلى ذلك ما يليق بالصواب إن شاء الله تعالى»(1).

ولعلّ ما أشار إليه الطهراني في الذريعة من قوله المارّ قبل قليل : «وهذا المزار مقدّم على المصباح ، كما أشار إليه في أوّل مصباحه ، فكتب هذا المزار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الزائر : 24 ـ 25.

أوّلاً ثمّ كتب مصباح الزائر ...» مراده ما مرّ من الكلام في مقدّمة المصباح ، ولكنّ هذا من هفوات الأقلام وسقطات الألفاظ ، حيث التبس الأمر على شيخنا الطهراني وزعم أنّ ابن طاوس أشار إلى كتاب مزاره المؤلَّف قبل المصباح في مقدّمته ؛ لأنّ ابن طاوس لم يشر إلى كتاب مزاره في أوّل المصباح ولا في متنه ولا في غيره من مؤلّفاته ، وما ذكرناه هو إيماء لتوجّهه إلى تأليف في تدوين بعض الزيارات ، ولكنّه بشكل أخصر وأخفّ يناسب حال عامّة المؤمنين ، فتأمّل.
وهنالك سؤالان :
هل هذه الزيارة التي ذكرها السيّد عبد الكريم ابن طاوس كانت تحت يدعمّه لينقلها في مزاره؟
ولأىّ سبب لم ينقلها في مصباحه؟ وهو أكبر من المزار وأهمّ منه كما ذكرناه(1)؟!
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل :
نعم ، كانت الزيارة هذه عنده ؛ وذلك أنّه نقل هذه الزيارة نفسها في كتابه إقبال الأعمال فيما يعمل مرّة في السنة(2) ، وواضح أنّ ما أراده عبد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من حيث جامعيته وما احتواه.
(2) إقبال الأعمال 3 : 130 ـ 135.

الكريم ابن طاوس ـ هذا الرجل الخبير بالتراث والآثار والحديث ـ من قوله : في مزاره هو غير كتاب الإقبال ؛ لأنّ الإقبال موضوع لأعمال الشهور والأيّام من الصلوات والأدعية ، وينقل أحياناً بعض الزيارات المختصّة بالأيّام في الشهور ، فلا يقال لمثل هذا الكتاب : المزار.
والجواب عن السؤال الثاني :
إنّ هذا الخبر ـ يعدّ من الزيارات ـ المختصّة بهذا الكتاب وبتعبير الطهراني «الخصوصيّات» لهذا الكتاب ، ولابدّ لكلّ مؤلّف إذا ألّف كتابين في موضوع واحد أن يكون لكلّ واحد منهما هدف وميزة عن الآخر خاصّة بهما ؛ أمّا بالنسبة للهدف فأشار إليه ابن طاوس في مقدّمة المصباح بكون المصباح لأهل الزهادة والعبادة ، والثاني أي المزار ـ على فرض اتّحاده مع كتابنا الذي نحن بصدده ـ لعامّة المؤمنين.
ولا يخفى بأنّ ابن طاوس أشار في مقدّمة المصباح ـ مع اهتمامه بجمع الأخبار والزيارات ـ إلى استيفاء ما وقف عليه(1).
تطبيق وتبيين :
لتبيين ما أورده الطهراني من التباين الموجود بين المزار والمصباح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : مصباح الزائر : 15.

نقسّم كلامه رحمه‌الله إلى أربعة ميزات :
1) وفيه [أي في مزار ابن طاوس] بعض الخصوصيّات التي ليست في كتابه مصباح الزائر.
2) بينهما فرق من جهات؛ منها : إنّ هذا مرتّب على الأبواب والمصباح مرتّب على الفصول.
3) المزار مقدّم على المصباح كما أشار إليه في أوّل مصباحه ، فكتب هذا المزار أوّلاً ثمّ كتب مصباح الزائر.
4) زيادة بعض الخصوصيّات عليه [أي المزار] مثل (فصل آداب السفر)فإنّه ليس في هذا المزار باب آداب السفر.
الميزة الأُولى : بيان الخصوصيّة في مزار ابن طاوس :
ظاهر كلام الشيخ آقا بزرك من الخصوصيات هي زيارات أوردها ابن طاوس في مزاره ولم يردها في كتابه الثاني مصباح الزائر ، وهذا بالفعل موجودفي كتابنا الذي نحن بصدده ؛ حيث توجد في مزارنا هذا أخبار وزيارات لم ترد في المصباح ؛ منها زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام في يوم 17 من شهرربيع الأوّل التي أشرنا إليها وبحثنا فيها ، وأخبار أُخرى لم ترد في المصباح.
الميزة الثانية : تبويب وتفصيل كلّ منهما :
نعم ، فإنّ المصباح مرتّب على الفصول بدون ذكر الأبواب ، ومزارنا هذامرتّب على بابين أصليّين يحتوي كلّ منهما على فصول ، وفي النهاية خاتمة.
الميزة الثالثة : تقديم المزار على المصباح في التأليف :

أشرنا إليه فيما سبق ، وذكرنا أنّه من هفوة قلم شيخنا الطهراني وسقط ألفاظه بل الموجود في أوّل المصباح الإيماء إلى قصده لتأليف كتاب في موضوع المزار.
الميزة الرابعة : فصل (آداب السفر) :
وكذا هذه الخصوصيّة فإنّ هذا الفصل ورد في المصباح ولم يرد في المزار.
وعلى هذا كلّه لا يبعد كون كتابنا هذا هو كتاب المزار لابن طاوس ـ رضوان الله تعالى عليه ـ.
بين المزارين المنسوبين للمفيد والشهيد :
إذا لاحظنا ترتيب الأبواب والفصول الموجودة في المزار الكبير المنسوب إلى الشيخ المفيد ـ وهو النسخة التي نحن بصددها ـ والمزار المطبوع(1) والمنسوب إلى الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي (786 هـ) نرى بوضوح الاتّفاق في ترتيب الأبواب والفصول ، والاتّحاد في العناوين بين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبع المزار المنسوب إلى الشهيد الأوّل مرّة بتحقيق موسّسة مدرسة الإمام المهدي عليه‌السلام في قم المقدّسة وفي نفس المؤسّسة عام 1440 هـ ، ثمّ أعادت تحقيقه مؤسّسة المعارف الإسلاميّة في قم عام 1416 هـ بتحقيق محمود البدري ، ثمّ نشر ضمن موسوعة الشهيد الأوّل في الجزء 19 ، عام 1430هـ بتحقيق وبمراجعة مركز إحياءالتراث الإسلامي في المركز العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة.

هذين المزارين إلاّ في مواضع قليلة(1) ، وكأنّ الشهيد أخذ واختصر المزار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تنحصر الفروق بين هذين المزارين في أربعة نقاط :
الأُولى : انفصلت في مزار الشهيد (ص93 ـ 130) زيارتا أمير المؤمنين عليه‌السلام في يوم الغدير ؛ فزيارة منهما مذكورة قبل زياراته عليه‌السلام في شهري ربيع الأوّل ورجب كمزار المفيد ، وزيارة أُخرى مذكورة بعدها (ص 149ـ 151) بعنوان : (تتمّة : قال في المصباح : زيارة أميرالمؤمنين عليه‌السلام يوم الغدير).
الثاني : وقعت في مزار الشهيد زيارة أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام في (ليلة الفطر وعيد الأضحى) بعد زيارته عليه‌السلام في (أوّل يوم من رجب وليلة النصف من شعبان) ، وقبل زيارته عليه‌السلام (في النصف من رجب) المعروفة بالغفيلة ، ولا يخفى أنّ ما هو موجود في مزارالمفيد هو الصحيح ؛ حيث إنّ الزيارة وقعت فيه بعد زيارته عليه‌السلام (في ليالي القدرويومي العيدين) يعني في زياراته عليه‌السلام بعد شهر رجب وفي رمضان ، وهي محلّه.
الثالث : فُصِّل في مزار الشهيد الفصل الخامس من مزار المفيد المختصّ بزيارات (الإمامين أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم وأبي جعفر محمّد الجواد عليه‌السلام) ؛ حيث خصّص في مزار الشهيد لكلّ إمام فصلٌ خاصٌّ به بعنوان : (الفصل الخامس) و (الفصل السادس) ، وجاء في آخر هذين الفصلين عنوان باسم : (زيارة أخرى لهما عليه‌السلام) ، وهذا العنوان ورد في مزار المفيد ضمن الفصل الخامس المذكور آنفا ، وذِكْرُهذا العنوان بهذا النحو يتلائم مع النحو المذكور في مزار المفيد ، والظاهر أنّ المختصِر له في المزار المنسوب للشهيد تصرّف في الفصول وعقد لكلّ إمام فصلاً خاصّاً ، ولايخفى أنّ زيارات الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما‌السلام وردت في مزار الشهيد بعنوان فصل واحد كمزار المفيد ، وهذا يناسب بأنّ زيارات الإمامين موسى الكاظم ومحمّد الجواد عليهما‌السلام أيضاً تجمع في فصل واحد.
الرابع : هنالك تقديم وتأخير في مزار الشهيد (ص242 ـ 243)؛ حيث إنّه قدّم (فصل : في زيارة القبور) على (فصل : فيما يقول الزائر عن غيره بالأُجرة وما يقول عن أخيه تطوّعاً).

المنسوب للمفيد ؛ حيث إنّ الزيارات الموجودة في مزار الشهيد كلّها منقولة في مزار المفيد إلاّ في موضع واحد؛ وهي زيارة وردت في مزار الشهيد ولم ترد في مزار المفيد ، ولكنّها وردت في مزار المفيد بزيادة بعض المقاطع عليها(1).
ولايخفى أنّ مزار الشهيد قد يسمّى في بعض المواضع منتخب الزيارات ، كما صرّح بهذا الانتخاب في مقدّمته بما نصّه : « ... وبعد فهذا المنتخب موضوع لبيان ما ينبغي أن يعمل في المشاهد المقدّسة والأمكنة المشرّفة من الأفعال المرغّبة والأقوال المرويّة»(2) ، ولعلّه منتخب من أصل أقدم منه وهو النسخة التي نحن بصددها.
ولعلّ هذا التطابق بين المزارين المنسوبين للمفيد والشهيد كان منشأ نسبة مزار الشهيد إلى الشيخ المفيد على جملة من مخطوطات مزار الشهيد(3) ، وقد ذكر السيّد إعجاز حسين الكنتوري النيسابوري (1286 هـ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المزار للشهيد : 176 ـ 181 (زيارة أُخرى لعليّ بن الحسين عليهما‌السلام وسائر الشهداء على التفصيل) في ضمن : (ذكر زيارات أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام المخصوصة بالأيّام والشهوروما يتعلّق منها من قول وعمل مبرور) في قسم : (زيارته عليه‌السلام في أوّل يوم من رجب وليلته وليلة النصف من شعبان) ، وهذه الزيارة موجودة باختلاف وتفصيل أكثرفي المزار الكبير المنسوب إلى الشيخ المفيد بعنوان : (زيارة أُخرى للشهداء برواية أُخرى في يوم عاشوراء).
(2) المزار للشهيد : 47.
(3) منها نسخة مكتبة السيّد المرعشي برقم : 490.

مزار الشيخ المفيد في كشف الحجب والأستار وأورد أوّل مزار الشهيد الأوّل بعنوان أوّل مزار الشيخ المفيد ؛ حيث قال :

 

«المزار للشيخ المفيد ... ذكر فيه زيارات النبىّ(صلى الله عليه وآله)والأئمّة عليهم‌السلام ؛ أوّله : يا من جعل الحضور في مشاهد أصفيائه ذريعة إلى الفوز بدرجات أحبّائه ...»(1).

وتبعه على ذلك الشيخ آقا بزرك الطهراني(2) ، وأضاف على هذا أبواب مزار المفيد وفصوله ، ومن الملاحظ أنّ ترتيب الأبواب والفصول التي ذكرها رحمه‌الله كلّها تنطبق تماماً على ترتيب الأبواب والفصول في مزار الشهيد(3).
ولذا لعلّ هذا الخلط بين نسبة مزار الشهيد إلى الشيخ المفيد نشأ من هذاالتطابق والتوافق بينهما.
نعم أنّ الكنتوري لم يذكر الأبواب والفصول عند ذكره لمزار المفيد ، واكتفى بذكر أوّل مزار المفيد المطابق مع أوّل مزار الشهيد ، فمن المحتمل أنّه رحمه‌الله رأى نسخة من مزار المفيد ـ التي نحن بصددها والتي وصلت إلينا ناقصة الأوّل بسقوط مقدّمته وورقة من زيارة النبىّ(صلى الله عليه وآله) وكان أوّلها كامل ينطبق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كشف الحجب والأستار : 502/ 2822.
(2) الذريعة 20 : 325/ 3226.
(3) ذكرنا آنفاً في الهامش المخالفات الطفيفة المعفوّة في ترتيب بعض الأبواب والفصول بين مزاري المفيد والشهيد؛ فلا تتصوّر التضادّ بين الكلامين؛ فراجع هناك.

على مزار الشهيد من حيث إنّ مزار الشهيد مختصر ومنتخب من مزار المفيد ، فالمنتخب لم يغيّر ديباجة الكتاب ونقل نفس الديباجة كما أنّ لهذاشواهد(1) في بعض مختصرات الكتب التراثيّة(2).
هذا ما خطر ببالي من الاحتمالات بعد إكمال التحقيق وإتمام المراجعة النهائيّة وحين كتابة المقدّمة للكتاب الذي نحن بصدده.
ولكنّني ما برحت أبحث عن مخطوطات كتاب مزار الشهيد ومقابلتها مع كتابنا هذا ـ أي مزار المفيد ـ وكذا كتب المزار عامّة رجاءَ أن أحصّل على نسخة أُخرى كاملة الأوّل من مزار المفيد حتّى أُكمل بالاستعانة بها النقص الموجود في أوّل النسخة الموجودة عندي والتي حقّقتُ هذا الأثر عليهاإلى أن وفّقني الله تبارك وتعالى للعثور على نسخة محفوظة في المكتبة الرضويّة ـ على صاحبها آلاف التحيّة والثناء ـ بمشهد الإمام الرضا عليه‌السلام برقم 3289(3) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منها كتاب : (كنز جامع الفوائد ودافع المعاند) للشيخ علم بن سيف بن منصور النجفي الحلّي (ق10) الذي هو مختصر من كتاب (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة) للسيد شرف الدين علي الحسيني الأسترآبادي النجفي (من أعلام القرن العاشر) ، والذي قمت بمقابلتهما ، ورأيت أنّ المختصِر لم يغيّر ديباجة الأصل ، والنسخة بخطّ المختصِر في مكتبة الفاضل الخوانساري في خوانسار تاريخها سنة 937 هـفي المشهد الغروي ومذكورة في فهرسها 1 : 38 / برقم 48.
(2) هناك بعض التعسّف الآخر عند العلاّمة الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ عليه الرحمة والرضوان ـ في تعريف مزار الشهيد (فلاحظ : الذريعة 20 : 322/ 3216 ، وص 296/ 3051 ، والشهيد الأوّل حياته وآثاره للشيخ رضا المختاري : 379).
(3) فهرست مخطوطات المكتبة الرضويّة المقدّسة 2 : 202. ويجب عليّ هنا أن أقدّم

تبدأ بخطبة مزار الشهيد ، وراجعتُها فوجدتُها هي نفس المزار المنسوب إلى الشيخ المفيد ، فعلمتُ أنّ الذي ذكره السيّد إعجاز حسين ـ إن كان قد رأى نسخةً من المزار المنسوب للمفيد ، ولم يخلط بين المزارين مثل الطهراني ـ هو الصحيح ، وظَنُّنا من أنّ مزار الشهيد مختصر عن مزار المفيد هو الصواب ، فبدأنا بمقابلة هذه النسخة على هذا الكتاب وتصحيحه مرّةً أُخرى وضبط اختلاف النسخ في الهوامش ، ولله الحمد.
وعلى كلّ حال فإنّ نسبة المزار المختصر المطبوع باسم الشهيد إليه غيرثابت؛ وذلك لعدم ذكر اسم الشهيد في هذا المزار ، كما لم أعثر فيه على قرائن تدلّنا على أنّ الشهيد هو الذي اختصره؛ مثلاً ذكر اسم بعض مؤلّفاته فيه ، وكذلك لم يعدّه في إجازاته في قائمة مؤلّفاته ، كما لم يذكره ولم ينقل عنه أحد من تلامذة الشهيد وغيره من معاصريه ، حتّى أنّ تقي الدين الكفعمي العاملي (905 هـ) ـ وهو قريب العهد للشهيد الأوّل وعاش في جبل عامل البلد التي عاش فيها الشهيد الأوّل والذي عرف بتأليفاته في الأدعيةوالزيارات من المصباح والبلد الأمين وغيرهما ، والمهتمّ بجمع الكتب لا سيّما في موضوع مؤلّفاته(1) ـ لم يذكر مزاراً للشهيد الأوّل ولم ينقل عنه في كتبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسمى آيات الشكر والتقدير إلى سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد هادي الرفيعي الإصفهاني ـ أطال الله بقاه ـ لتفضّله علىّ بصورة فتوغرافيّة من هذه المخطوطة المحفوظة في مكتبة الإمام الهادي عليه‌السلام في قم المقدّسة ، ولله درّه وعليه أجره.
(1) ورد في ترجمة الكفعمي عند وصفه : كان جمّاعة للكتب واسع الاطّلاع .. (انظر : طبقات الفقهاء 10 : 14).

نعم .. ذكرنا فيما سبق أنّ الكفعمي رحمه‌الله أورد في آخر مصباحه عند تعداد مصادره اسم مزار المفيد مرّتين ، وينقل في متن المصباح عن مزار المفيد ولم يفرّق بينهما ، ولكنّه كلّ ما نقله رحمه‌الله موجود في المزار الصغير المطبوع للشيخ المفيد ، ولذا نحتمل : أنّ مراد الكفعمي من المزارين للشيخ المفيد هما المزار الصغير المقطوعة نسبته للشيخ المفيد ، والمزار الثاني إمّا هوالنسخة الكبيرة التي نحن بصددها ، أو النسخة المختصرة المنسوبة للشهيد الأوّل ، وهذه النسخة المختصرة كانت في ذلك العصر منسوبة للشيخ المفيد لا الشهيد الأوّل ، ثمّ في القرن الحادي عشر ظهرت بعض النسخ من المزار المختصر منسوبة إلى الشهيد الأوّل ، فحاله مثل حال كتاب روضة الواعظين والاختصاص وكفاية الأثر وغيرها ممّا ذكرتها من الكتب المنسوبة على بعض مخطوطاتها إلى غير مؤلّفيها ، وجاء العلاّمة المجلسي رحمه‌الله (1110 هـ)في نفس القرن ونقل عن هذا المزار بعنوان مزار الشهيد اعتماداً على هذه النسخ فاشتهرت باسم الشهيد.
خلاصة البحث :
1) أرى ـ من عبارات هذا المزار وكيفية جمعه وتدوينه ونقولاته ـ أنّه من تأليف أحد قدمائنا وليس من المتأخّرين في زمن العلاّمة المجلسي ، وإلاّ فقد أدركه خرّيت هذه الصناعة العلاّمة المجلسي قطعاً ، ولم يكن كتاباً عادّياً غير معتمد عليه وقد طالته يد الزيادة والنقصان بمرور الزمان بل كان يعتبر

مؤلَّفاً من بعض العلماء العارفين بروايات الزيارات والأعمال ، وأظنّ أنّه كتاب المزار للسيّد علي ابن طاوس (664 هـ) ، بالأدلّة التي ذكرناه في موضعه.
2) ولهذا المزار نسختان ؛ النسخة الكاملة : وهي المنسوبة إلى الشيخ المفيد ، والنسخة المختصرة : وهي المنسوبة إلى الشهيد الأوّل.
3) وأمّا نسبته إلى الشيخ المفيد فغير واضحة ، ولكنّ وجود جملة من نقولاته في مزار المفيد الصغير ، وأنّ بعضها مرويٌّ في كتاب التهذيب للشيخ الطوسي والمزار لابن المشهدي وغيرهما بطرقهم الواصلة إلى الشيخ المفيد ، وكذلك وجود بعض النسخ في زمن المجلسي وكذا نسختنا التي نحن بصددها والمنسوبة إلى المفيد ؛ فلا يستبعد انتسابه إليه.
خاتمة :
ومن التوفيقات الربّانيّة أن وفّقنا لتحقيق هذا الكتاب القيّم بصحبة الأخ صاحب الأخلاق المرضيّة زميلنا الفاضل الأُستاذ أحمد علي مجيد الحلّي ـ أدام الله توفيقه وتسديده بحقّ محمّد وآله خير الآل ـ الذي أتعب نفسه في مقابلة النسخ وتصحيحه وتخريجه فللّه درّه وعليه أجره.
وكذا وُفِّقتُ إلى وضع الحركات على نصوص الزيارات الواردة فيه عندزيارتي للعتبات المقدّسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة والكاظميّةـ عند قبر جدّي باب الحوائج إلى الناس الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما‌السلام ـ وحرمي سامرّاء والسرداب المقدّس ، ومشهد الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام

في خراسان ، عند أضرحتهم المقدّسة المنوّرة ، مضافاً إلى الزيارات الواردة للنبىّ(صلى الله عليه وآله) وأئمّة البقيع عليهم‌السلام فإنّي وفّقتُ لأن أتشرّف لزيارتهم صلوات الله عليهم أجمعين وشكّلتُ زياراتهم هنالك ؛ فأسأل الله التوفيق لذلك مرّةً بعد مرّة وكرّةً بعد كرّة ، وما توفيقي إلاّ بالله ..
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ..

المصادر
1 ـ الأمالي : للشيخ الصدوق ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ـ مؤسّسة البعثة ـ قمـ إيران ، مركز الطباعة والنشر في مؤسّسة البعثة ، 1417هـ.
2 ـ الأمالي : للشيخ الطوسي ، تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ـ مؤسّسة البعثة ، دارالثقافة للطباعة والنشر والتوزيع ـ قم ـ إيران ، 1414هـ.
3 ـ اختيار معرفة الرجال : للشيخ الطوسي ، تحقيق : السيّد مهدي الرجائي ، تصحيح : ميرداماد الأسترآبادي ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ، ـ قم ـ إيران1404هـ.
4 ـ إقبال الأعمال : للسيّد ابن طاووس ، تحقيق : جواد القيّومي الاصفهاني ، مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم ـ إيران ، 1414 هـ.
5 ـ بحار الأنوار : للعلاّمة المجلسي ، مؤسّسة الوفاء ـ بيروت ـ لبنان ، 1403هـ ـ1983م.
6 ـ البلد الأمين : للكفعمي ، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان ، 1424 هـ.
7 ـ تأويل الآيات : شرف الدين الحسيني ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي(عج) ، مدرسة الإمام المهدي ـ الحوزة العلمية ـ قم المقدّسة ـ إيران ، 1407هـ.
8 ـ تراثنا : مجلّة فصلية تصدر عن مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ـ إيران.
9 ـ تهذيب الأحكام : للشيخ الطوسي ، تحقيق : السيّد حسن الموسوي الخرسان ، دارالكتب الإسلامية ـ طهران ـ إيران ، 1364 ش.
10 ـ الذريعة : لآقا بزرگ الطهراني ، دار الأضواء ـ بيروت ـ لبنان ، 1403هـ.
11 ـ رجال النجاشي : للنجاشي ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ـ قم المشرّفه ـ إيران ، 1416 هـ.
12 ـ روضة الواعظين : للفتّال النيسابوري ، تحقيق : السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الخرسان ، منشورات الشريف الرضي ـ قم ـ إيران.
13 ـ فرحة الغري : للسيّد ابن طاووس ، تحقيق : السيّد تحسين آل شبيب الموسوي ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي ـ قم ـ إيران ، 1419هـ ـ 1998م.
14 ـ الفهرست : للشيخ الطوسي ، تحقيق : الشيخ جواد القيّومي ، مؤسّسة نشر الفقاهة ـ إيران ، 1417 هـ.
15 ـ كشف الحجب والأستار : للسيّد إعجاز حسين ، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم المقدّسة ـ إيران ، 1409هـ.
16 ـ المختصر النافع : للمحقّق الحلّي ، قسم الدراسات الإسلامية في مؤسّسة البعثة ـ طهران ـ إيران ، 1402 ـ 1410هـ.
17 ـ المزار : للشيخ المفيد ، تحقيق : السيّد محمّد باقر الأبطحي ، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان ، 1414هـ ـ 1993م.
18 ـ المزار : للشهيد الأوّل ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي عليه‌السلام ، مؤسّسة الإمام المهدي عليه‌السلام ـ قم المقدّسة ـ إيران ، 1410هـ.
19 ـ المزار : للشيخ محمّد بن المشهدي ، تحقيق : جواد القيّومي الإصفهاني ، نشر القيّوم ـ قم ـ إيران ، 1419هـ.
20 ـ المصباح : للكفعمي ، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان ، 1403هـ ـ1983 م.
21 ـ مصباح الزائر : لابن طاووس ، تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث ـ قم ـ إيران ، 1417 هـ.
22 ـ المقنعة : للشيخ المفيد ، تحقيق : مؤسّسة النشر الإسلامي ، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة ـ إيران ، 1410هـ.
23 ـ مناقب آل أبي طالب : لابن شهرآشوب ، تحقيق : لجنة من أساتذة النجف الأشرف ، المكتبة الحيدرية ـ النجف الأشرف ـ العراق ، 1376هـ ـ 1956م.

المصدر: حسن الموسوي البروجردي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
324
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :