معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

النظرية التفسيرية في المدرسة الإمامية ..

النظرية التفسيرية في المدرسة الإمامية

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة :
نعني بالنظرية التفسيرية المسلك الذي سلكه المفسّرون من علماء أهل البيت عليهم‌السلام في بيان المعاني القرآنية عبر التفسير النقلي الروائي الصادر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، فهو تفسيرٌ بالمأثور في مقابل التفسير بالرأي الذي تمسّكت به مدرسة الحديث والرأي.
لقد نبع الاهتمام بالقرآن الكريم في المدرسة الإمامية من كونه كتاب الله المجيد المصون المحفوظ بين الدفّتين الذي لا تطاله يد التحريف والتزوير ، وقد قال الله عزّ وجلّ في محكم كتابه الكريم : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1) ، وقال عزّ من قائل : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْح مَحْفُوظ)(2) ، وقال تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب
__________________
(1) سورة الحجر 15 : 9.
(2) سورة البروج 85 : 21 ـ 22.
  

مَكْنُون)(1) ، وأوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين ، وهو من الأحاديث الصحيحة المتواترة التي رواها الفريقان(2).
ولذلك أجمع فقهاء المدرسة الإمامية على أنّ أشرف العلوم قدراً وأعلاها منـزلة هو العلم بمعاني القرآن الكريم ، وقد اهتمّ علماؤنا بتفسير كلام الله المجيد ، وأصبح القرآن الكريم في المدرسة الإمامية محور المعرفة الإسلامية في التشريع والفقه والفلسفة والكلام والعرفان والأخلاق.
وعندما نتحدّث عن نشأة التفسير وتطوّره وعن مناهج المفسّرين وطرقهم فإنّنا نريد أن نبيّن اهتمام المدرسة العلمية السائرة على هدى أهل البيت عليهم‌السلام بالقرآن الكريم باعتباره الأصل الأوّل من أصول مباني الإسلام في المعرفة والتشريع ، فـ : التفسير هو : «إيضاح مراد الله تعالى من كتابه العزيز ، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان ولا على شيء لم يثبت أنّه حجّة من طريق العقل أو من طريق الشرع ، للنّهي عن اتّباع الظنّ وحرمة إسناد شيء إلى الله بغير إذنه ، قال الله تعالى : (قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(3) ... إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم. والروايات الناهية عن التفسير بالرأي مستفيضة من الطريقين ... ولابدّ للمفسّر من أن يتّبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح ، أو يتّبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح ، فإنّه حجّة من الداخل
__________________
(1) سورة الواقعة 56 : 77 ـ 78.
(2) الأُصول الستّة عشر : 88 ، بصائر الدرجات : 433 ـ 434 ح 3 ـ 5 ، دعائم الإسلام 1/28 ، مسند أحمد 3/14 و17 و26 و59 ، سنن الدارمي 2/432 ، فضائل الصحابة للنسائي : 15 ، المستدرك للحاكم 3/109 و148 ، مسند ابن الجعد : 397.
(3) سورة يونس 10 : 59.
  

كما أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة من الخارج»(1).
ولاشكّ أنّ النظرية التفسيرية الإمامية تستخدم العقل للاستدلال بالحكم ومعرفة المعاني باعتبار أنّ العقل يعدُّ طريقاً موصلاً إلى العلم القطعي ، أي إنّ العقل يدعو إلى اعتماد تفسير القرآن بالقرآن وردّ المتشابه إلى المحكم واستخدام السنّة الصحيحة في استنباط المعاني والأحكام أو تأويلها ، ولذلك أصبح مبنى المدرسة الإمامية قائماً على أصل مهمٍّ وهو أنّ المفسّر لا يرتقي إلى مستوى التفسير إلاّ إذا كان عالماً مجتهداً بأحكام الشريعة عارفاً بالمباني الأصولية واللغوية والعقلية.
وعندما نستخدم العقل طريقاً لمعرفة المعاني والأحكام فإنّنا نقصد به الحكم النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعاً أو عقلاً وبين حكم شرعيٍّ آخر ، كالملازمة بين المقدّمة والواجب في ذي المقدّمة ، أو الحكم باستحالة التكليف بلا بيان الذي يلزم منه حكم الشارع بالبراءة ، أو الملازمة بين عقيدة قطعية وعقيدة أُخرى كاستحالة التجسيم الملازمة لاستحالة رؤيته عزّ وجلّ.
وبناءً على ذلك نلحظ أنّ تفاسير المدرسة الإمامية تعدُّ من أدقّ التفاسير القرآنية وأقربها إلى المعنى الواقعي في فهم القرآن الكريم لأنّها مستندة على ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام الذين هم أدرى بمعاني القرآن الكريم من غيرهم من المسلمين ، وأصبحت كتب الشيعة التفسيرية نجوماً متلألئة في سماء المعرفة القرآنية ، كـ : التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ، ومجمع البيان للطبرسي (ت
__________________
(1) البيان في تفسير القرآن : 397.
  

548 هـ) ، وزبدة البيان في أحكام القرآن للمقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) ، وآيات الأحكام للاسترآبادي (ت 1028 هـ) ، ومسالك الأفهام إلى آيات الأحكام للكاظمي (ت 1065 هـ) ، وتفسير الميزان للسيّد الطباطبائي (ت 1402 هـ) ، والبيان في تفسير القرآن للسيّد الخوئي (ت 1413 هـ) والذي لم يظهر منه بكلِّ أسف إلاّ مجلّدٌ واحد.
ولا ننسى أنّ تلك التفاسير قد استعانت بالعلوم الأدبية من صرف ونحو ولغة كأدوات لبيان المعنى ، واستعانت أيضاً بالأسلوب الجمالي لعرض فنون كلام الله المجيد وتبيين خصائص القرآن وكنوزه المعنوية ، واستعانت بالبلاغة لعرض الكناية والاستعارة والتشبيه والمجاز والتمثيل والتقديم والتأخير والتنكير والتعريف والفصل والوصل والمجاز اللغوي والمجاز العقلي.
والأصل في تفسير القرآن هو إرشاد الناس إلى كلام الله عزّ وجلّ وإدراك حكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على وجه يسوق الإنسان إلى معرفة ربِّه وطاعته.
وقبل أن نتحدّث عن التاريخ التفسيري في المدرسة الإمامية لابدّ من إلقاء الضوء على علاقة أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بالقرآن الكريم وجهادهم المتواصل من أجل صيانة ذلك الكتاب الإلهي المجيد.
* * *
 

الفصل الأوّل
العلاقة بين القرآن الكريم وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام
القرآن الكريم وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام :
من الأمور المبنائية عند الإمامية هو الربط بين القرآن الكريم وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وبالخصوص علاقة الإمام علي عليه‌السلام بالقرآن الكريم ، فقد اهتمّ الإمام عليه‌السلام عند ملازمته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن ، فلا عجب أن يقول عليه‌السلام : «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمتُ فيما أنزلت وأين نزلت ، وإنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً»(1).
وكان من اختصاصه عليه‌السلام جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(2)حتّى يُصان من التحريف بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يختصّ بعليّ عليه‌السلام ويعلّمه معاني القرآن الكريم وأسراره وخفاياه ، وكان الإمام عليه‌السلام يجهر بذلك مصرّحاً : «ما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ ، فكتبتها بخطّي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها ، ودعا الله عزّ وجلّ أن يعلّمني فهمها وحفظها ، فما نسيتُ آيةً من كتاب الله عزّ وجلّ ولا علماً أملاه عليَّ فكتبته ، وما ترك شيئاً علّمه الله عزّ وجلّ من حلال وحرام ولا أمر ولا نهي وما كان أو يكون من طاعة أو معصية إلاّ علّمنيه وحفظته ، فلم أنسَ منه حرفاً واحداً ، ثمّ وضع يده على صدري ودعا الله تبارك وتعالى بأن يملأ قلبي علماً وفهماً وحكمةً ونوراً ،
__________________
(1) مناقب الخوارزمي. الفصل السابع : 46.
(2) توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل: 418.
  

ولم أنس من ذلك شيئاً ولم يفتني من ذلك شيءٌ لم أكتبه ...»(1).
وكان الإمام عليه‌السلام يعلّم المسلمين القراءة وأحكام الدين ، ويؤيّده رواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام يقول فيها : «كان علي عليه‌السلام إذا صلّى الفجر لم يزل معقّباً إلى أن تطلع الشمس ، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه والقرآن»(2).
وهذا عبـد الله بن مسعود يقول : «قرأتُ سبعين سورة من فيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقرأتُ البقية على أعلم هذه الأمّة بعد نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام»(3).
مقدّمات حول كتابة القرآن الكريم(4) :
لا شكّ أنّ الثقافة المكتوبة لم تكن متداولة بشكل واسع قبل الإسلام بل كانت الثقافة الاجتماعية ثقافة شفهية ، ولذلك فقد اُشير إلى المعلّقات السبعة التي علّقها العرب على جدار الكعبة قبل الإسلام بشيء من الاهتمام والإكبار لأنّه كان من النادر كتابة المواد الثقافية أو قراءتها ، وعندما جاء الإسلام أحدث ثورة حقيقية في الثقافة المكتوبة ، خصوصاً عند كتابة القرآن زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ومن أجل فهم الأجواء التي كانت سائدة زمن كتابة القرآن الكريم لابدّ من ترتيب النقاط التالية :
1 ـ إنّ الذين كانوا يعرفون الكتابة في الصدر الأوّل من الإسلام
__________________
(1) بحار الأنوار ـ رواه المجلسي باسناده عن سليم بن قيس الهلالي ـ 19/26 الطبعة القديمة.
(2) شرح نهج البلاغة 4/109.
(3) ينابيع المودّة ـ المودّة الثالثة : 247.
(4) انظر التفصيل في كتاب الصّدّيق الأكبر : 269 ـ 284 ، 599 ـ 610.
  

قليلون ، وكان منهم عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأبيّ بن كعب الأنصاري ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان (بعد عام الفتح) ، وعبـد الله بن سعد بن أبي سرح (الذي ارتدّ في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله) ، وعثمان بن عفّان ، وآخرون.
2 ـ انتشرت الكتابة في المدينة بعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فعندما وقعت غزوة بدر الكبرى وتمّ تأسير سبعين رجلاً من مشركي قريش وكان فيهم عدد من الكتّاب قَبِلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمّيّين الفدية بالمال وجعل فدية الكاتبين منهم تعليمهم المسلمين القراءة والكتابة ، فكلّف كلّ أسير بتعليم عشرة من المسلمين. وبذلك انتشرت الثقافة المكتوبة للقرآن في تلك المرحلة ، وازدهرت الأمصار الإسلامية بنعمة الثقافة الإسلامية ، وبقيت الأُمّية الصرفة بين الأعراب من البدو في الصحراء العربية.
3 ـ لابدّ من التمييز بين من كان يكتب الرسائل والعهود زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين من كان يكتب الوحي ويجمع القرآن ، فإنّ في كتابة القرآن وجمعه أثراً عظيماً في حفظ الإسلام وعدم تحريف الكتاب المجيد ، بينما لم يكن ذلك الأثر في كتابة الرسائل ، فهذا عبـد الله بن أرقم كان كاتباً للرسائل فقط ولم يرد أنّه كان كاتباً للقرآن. قال في الاستيعاب في ترجمة عبـد الله بن الأرقم : «إنّه كان من المواظبين على كتابة الرسائل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عبـد الله بن الأرقم الزهري ...»(1).
وقد وقع في خطأ عدم التمييز بين كتابة الرسائل وكتابة القرآن بعض كبار المؤرّخين ومنهم اليعقوبي في تاريخه ، حيث أطلق الكلام حول كتّاب
__________________
(1) الاستيعاب 1/69.
  

الوحي ولم يقيّده بكتابة الوحي أو الرسائل أو العهود ، فقال : «وكان كتّابه الذين يكتبون الوحي والكتب والعهود عليّ بن أبي طالب ، وعثمان بن عفّان ، وعمرو بن العاص بن أمية ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وعبـد الله بن سعد بن أبي سرح ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وحنظلة بن الربيع ، وأبي بن كعب ، وجهيم بن الصلت ، والحصين النميري»(1).
4 ـ إنّ الكتابة إذا كانت مجرّدة من مضامينها الرسالية فإنّها لا توجب شرفاً ولا منـزلةً ولا تثمر في صيانة كتاب الله المجيد ، فقد كان عبـد الله بن سعد كاتباً لكنّه ارتدّ وبات يشهّر بالنبوّة لعدم إيمانه بعمله الذي كان يؤدّيه ، وكان معاوية قد أعلن إسلامه قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمسة أشهر فقط وطرح نفسه إلى العبّاس ليشفع له إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعفو عنه(2) ومع ذلك فقد زعم بأنّه كان من كتّاب الوحي ، نعم ربّما كتب شيئاً من الرسائل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أواخر حياته ولكن لم تتّفق الأخبار أنّه كان كاتباً للوحي.
عليّ عليه‌السلام وجمع القرآن الكريم :
كان موضوع كتابة القرآن المجيد زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً في غاية الأهمّية ، ذلك أنّ القرآن إذا لم تتمّ كتابته وامضاؤه من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته فإنّه سيكون عرضة للأخذ والردّ واختلاف المسلمين عندما يرحل (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العالم الآخر ، فكان من اهتمامات عليٍّ عليه‌السلام الرئيسية كتابة القرآن المجيد في المدينة خلال حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
__________________
(1) تأريخ اليعقوبي 2/64.
(2) نهج الحقّ وكشف الصدق : 11.
  

1 ـ كاتب الوحي عليه‌السلام :
تعلّم أمير المؤمنين عليه‌السلام القراءة والكتابة في مكّة ، ولكن المصادر التأريخية لم تذكر لنا طريقة التعلّم ولا أسلوبها. وعلى أيّ تقدير فإنّ الذي يهمّنا من قدرة عليٍّ عليه‌السلام على الكتابة والقراءة هو كتابته عليه‌السلام للقرآن الكريم وجمعه له في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وحسبما يساعد عليه الدليل فقد ثبت أنّ عليّاً عليه‌السلام كان كاتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد نقل العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) عن بصائر الدرجات : «عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : كان جبريل يُملي على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يُملي على عليٍّ عليه‌السلام ...»(1).
وكتب ابن شهرآشوب في المناقب قائلاً : «أفلا يكون عليٌّ عليه‌السلام أعلم الناس وكان مع النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في البيت والمسجد يكتب وحيه ومسائله ويسمع فتاواه ويسأله. وروي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا نزل عليه الوحي ليلاً لم يصبح حتّى يخبر به عليّاً عليه‌السلام وإذا اُنزل عليه نهاراً لم يمس حتّى يُخبر به عليّاً»(2).
وإلى ذلك أشار ابن عبد ربّه في فصل صناعة الكتاب : «فمن أهل هذه الصناعة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتب الوحي»(3).
والغريب استغرابه بالقول : «وكان مع شرفه ونبله وقرابته من
__________________
(1) بحار الأنوار ـ الطبعة الجديدة 18/270. نقلها عن بصائر الدرجات عن العبّاس بن معروف عن حمّاد بن عيسى بن ربعي عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام.
(2) مناقب ابن شهرآشوب 2/باب المسابقة إلى العلم.
(3) العقد الفريد 3/5 فصل صناعة الكتاب.
  

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتب الوحي»! وهل كتابة الوحي إلاّ شرف لا يستحقّه إلاّ علي عليه‌السلام؟!
وقد احتجّ عليه‌السلام حول معرفته بالقرآن المجيد وعلومه على جماعة من المهاجرين والأنصار فقال : «يا طلحة إنّ كلّ آية أنزلها الله تعالى على محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) عندي بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ يدي ، وتأويل كلِّ آية أنزلها الله تعالى على محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ حلال وحرام أو حدٍّ أو حكم أو شيء تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطِّ يدي ، حتّى أرش الخدش»(1).
ويمكن عطف ما ورد عنه عليه‌السلام على ما تقدّم : «ما دخل رأسي نوم ولا غمض [جفني] على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى علمتُ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نزل به جبرئيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنّة أو أمر أو نهي وفيما نزل وفيمن تنـزّل ...»(2).
وما ورد في كتاب سليم بن قيس : «جلستُ إلى عليٍّ عليه‌السلام بالكوفة في المسجد والناس حوله فقال : سلوني قبل ان تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله إلاّ وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلّمني تأويلها. فقال ابن الكوّاء : فما كان ينـزل عليه وأنت غائب؟ فقال : بلى ، يحفظ عليَّ ما غبتُ ، فاذا قدمتُ عليه قال لي : يا عليّ أنزلَ الله بعدك كذا وكذا ، فيُقرِئُنيه ، وتأويله كذا وكذا فيعلّمنيه»(3).
فنستنتج من كلِّ ما تقدّم أنّ عليّاً عليه‌السلام كان يكتب الوحي في كلّ مرّة
__________________
(1) كتاب سليم بن قيس الكوفي : 211 ، الاحتجاج للطبرسي 1/223.
(2) مقدّمة (تفسير مرآة الأنوار) عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن عليّ.
(3) كتاب سليم بن قيس : 171.
  

ينـزل فيه ، وكان يحفظ آياته عن ظهر قلب ، وكان يدوّن القرآن مع هامش يذكر فيه العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والرخص والعزائم والآداب والسنن.
قال الرافعي في إعجاز القرآن : «واتفقوا على أنّ من كتب القرآن وأكمله وكان قرآنه أصلاً للقرآنات المتأخّرة : عليّ بن أبي طالب ، وأُبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبـد الله بن مسعود»(1).
وبذلك فلم يكن عليٌّ عليه‌السلام وحده كاتباً للوحي ، بل كان معه آخرون ممّن كتبوا الوحي بدقّة ، وفي ذلك نكتة مهمّة وخطيرة نتعرّض لها بعد قليل.
2 ـ كتّابٌ آخرون :
كتب القرآن المجيد بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أفرادٌ آخرون بجانب عليٍّ عليه‌السلام ، منهم : زيد بن ثابت ، واُبيّ بن كعب الأنصاري ، وعثمان بن عفّان ، وعبـد الله بن مسعود ، وعبـد الله بن سعد بن أبي سرح.
والكتابة في ذاتها ليست منقبة إذا لم تكن نابعة من الإيمان بقيمة المكتوب وقداسته ، فهذا عبـد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان من الرضاعة نزلت فيه آية : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَاأَنْزَلَ الله ...)(2) ، فعندما أسلم عبـد الله بن أبي سرح «قدم المدينة ، وكان له خطُّ حسن ، وكان إذا نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه فكتب ما
__________________
(1) إعجاز القرآن : 35.
(2) سورة الأنعام 6 : 93.
  

يمليه عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكان إذا قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : سميع بصير ، يكتب : سميع عليم. وإذا قال له : والله بما تعملون خبير ، يكتب : بصير. ويفرّق بين التاء والياء. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : هو واحد. فارتدّ كافراً ورجع إلى مكّة وقال لقريش : والله ما يدري محمّـد ما يقول ، أنا أقول مثل ما يقول فلا ينكر عليَّ ذلك وأنا أُنزل مثل ما ينزل. فأنزل الله على نبيِّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَاأَنْزَلَ الله ...)(1).
فلمّا فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة أمر بقتله. فجاء به عثمان بن عفّان فأخذ بيده ـ ورسول الله في المسجد ـ فقال : يا رسول الله اعفو عنه ، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ أعاد ، فسكت ، ثمّ أعاد ، فقال : هو لك ، فلمّا مرّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه : ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال رجل : عيني إليك يا رسول الله أن تشير إليَّ بقتله فأقتله ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الأنبياء لا يقتلون بالإشارة. فكان من الطلقاء(2).
ثمّ أورد عن معاني الأخبار حديثاً قال الصدوق في ذيله : «وإنّما كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له فيما يغيره : هو واحد. لأنّه لا ينكتب ما يريد عبـد الله بن أبي سرح إنّما ينكتب ما كان يمليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : هو واحد غيّرت أم لم تغيّر لم ينكتب ما تكتبه بل ينكتب ما أُمليه عن الوحي وجبرئيل يصلحه. وفي ذلك دلالة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على صدق نبوّته.
وقال الصدوق : ووجه الحكمة في استكتاب النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 93.
(2) بحار الأنوار ـ الطبعة القديمة ـ 19/ باب 3. وتفسير القمّي 1/210 في تفسيره لسورة الأنعام 6 : 93.
  

معاوية وعبـد الله بن سعد بن أبي سرح وهما عدوّان هو أنّ المشركين قالوا : إنّ محمّـداً يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه ويأتي في كلِّ حادثة بآية ... إلى أن قال : فاستعان في كتب ما ينـزل عليه في الحوادث الواقعة بعدوّين له في دينه عدلين عند أعدائه ليعلم الكفّار والمشركون أنّ كلامه في ثاني الأمر كلامه في الأوّل غير مغيّر ولا يزال عن جهة فيكون أبلغ للحجّة عليهم ، ولو استعان بوليّين مثل سلمان وأبي ذر وأشباههما لكان الأمر عند أعدائه غير واقع هذا الموقع وكان يتخيّل فيه التواطي والتطابق ، فهذا هو وجه الحكمة في استكتابهما»(1).
3 ـ العلّة في تعدّد كتّاب الوحي :
وكانت العلّة الرئيسية في تعدّد كتّاب الوحي هو أن لا تختلف الأُمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية القرآن كما اختلفت في قضية الولاية الشرعية والإمامة ، وقد وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه من كلّ تحريف كما نستظهر من قوله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2).
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أُميّاً لا يقرأ ولا يكتب بدلالة نصِّ القرآن المجيد : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالأنْجِيلِ ...)(3) ، (وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)(4). وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)
__________________
(1) معاني الأخبار : 347 ذيل الحديث 1.
(2) سورة الحجر 15 : 9.
(3) سورة الاعراف 7 : 157.
(4) سورة العنكبوت 29 : 48.
  

لا يستطيع كتابة ما ينـزل إليه من وحي ، بل كان بعد نزول الوحي إليه يحفظ القرآن النازل من آية أو سورة ويبلّغها الناس ، ثمّ يُقري عليّاً عليه‌السلام ونخبة من الفائزين بشرف صحبته (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستحفظهم إيّاها.
وكانوا إذا نقلوا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً من القرآن تردّدوا عليه غير مرّة يتلونها أمامه حتّى يزداد تثبّتهم من حفظها ، ثمّ يذهبون وعلى رأسهم عليٌّ عليه‌السلامفيكتبونها ثمّ يعلّمون الناس الآيات الجديدة النازلة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبسبب تعدّد كتّاب الوحي فقد حُفظ القرآن الكريم من التحريف والتزييف ، وقد كانت كلّ العوامل الاجتماعية خلال القرن الأوّل الهجري مهيّأةً للتلاعب بالكتاب الكريم ، ولكن وعد الله تعالى بحفظه جنّب الأُمّة تلك الجناية العظمى ، وكان تعدّد كتّاب الوحي من العوامل التي حفظت القرآن.
4 ـ فنّية كتابة القرآن :
ومن شدّة اهتمام النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابة القرآن الذي كتب في عهده وفي حضرته أنّه كان يُنسَخ على الصحف. وفي رواية إسلام عمر بن الخطّاب دلالة بليغة على ذلك : «قال له رجل من قريش : إنّ أختك قد صبأت (أي خرجت عن دينك) فذهب إلى بيتها ولطم أُخته لطمة شجّ بها وجهها ، فلمّا سكت عنه الغضب نظر فإذا صحيفة في ناحية البيت فيها : (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيـمِ سَبَّحَ لله مَا فِي السَّمـاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ... إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ)(1) ، واطّلع على صحيفة اُخرى فوجد
__________________
(1) سورة الحديد 57 : 1 ـ 8.
  

فيها : (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ... لَهُ الأسْماءُ الْحُسْنَى)(1)»(2).
وإذا صحّت هذه الرواية فهذا يعني أنّ القرآن كان متداولاً بين المسلمين مستنسخاً على شكل صحف.
وإذا كانت العرب زمن الجاهلية قد اهتمّت بكتابة الشعر ووضعه على جدران الكعبة المشرّفة كالمعلّقات السبعة فهل يصحّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يهتمّ بكتابة القرآن الكريم وهو الكتاب السماوي الذي بحفظه مصوناً بين الدفّتين يتمّ حفظ الدين إلى يوم القيامة؟!
وكان عليٌّ عليه‌السلام يكتب القرآن على جرائد النخل وأكتاف الإبل والصحف والحرير والقراطيس وما تيسّر من أدوات للكتابة والتصحيف ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يأمره بوضع الآيات في مواضعها في القرآن. وبكلمة ، فإنّ نصَّ القرآن وترتيبه كان أمراً توقيفيّاً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الوحي.
فقد روى العيّاشي (ت 320 هـ) ـ وهو من كبار محدّثي الإمامية ـ في تفسيره في ذيل رواية له : «قال علي عليه‌السلام : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصاني إذا واريته في حفرته أن لا أخرج من بيتي حتّى أُؤلّف كتاب الله ، فإنّه في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل»(3).
وفي رواية عليّ بن إبراهيم (ت 307 هـ) ـ وهو من ثقات المحدّثين ـ عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام قال : «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليٍّ عليه‌السلام : يا عليّ إنّ القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير
__________________
(1) سورة طه 20 : 1 ـ 8.
(2) أسد الغابة 4/54 (ترجمة عمر بن الخطّاب).
(3) تفسير العيّاشي 2/66 ضمن الحديث 76.
  

والقراطيس ، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة ، وانطلق عليٌّ عليه‌السلامفجمعه في ثوب أصفر ثمّ ختم عليه»(1).
وما روي أنّ عليّاً عليه‌السلام قد جمع القرآن بعد وفاة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرةً يُردّ عليه بأنّه لم يكن جمعاً اصطلاحيّاً بل أمر تدقيق وحفظ وصيانة وعناية.
ففي كتاب سليم بن قيس عن سلمان رضي‌الله‌عنه : «إنّ علياً عليه‌السلام بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلّفه ويجمعه ... وكان في الصحف والشظاظ(2) والأسيار(3) والرقاع ... إلى أن قال : فجمعه في ثوب واحد وختمه»(4).
وقد أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً عليه‌السلام : «يا عليّ هذا كتاب الله خذه إليك ، فجمعه عليٌّ عليه‌السلام في ثوب ومضى إلى منـزله ، فلمّا قبض النبيٌّ (صلى الله عليه وآله وسلم)جلس عليه‌السلام فألّفه كما أنزل الله وكان به عالماً»(5).
ومعنى التأليف : الجمع ، ومنه قوله تعالى : (... فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)(6).
والخلاصة : إنّ عليّاً عليه‌السلام كان قد كتب القرآن الكريم في حياة
__________________
(1) تفسير القمّي 2/451 (سورة الناس) رواها عن أبي بكر الحضرمي عن الإمام الصادقعليه‌السلام.
(2) شظاظ : خشبة عقفاء تدخل في عروتي الجواليق (الوعاء).
(3) السيار : مجمع السير وهو القدّة المستطيلة من الجلد. والقدُّ هو جلد المعز المشقوق طولاً.
(4) كتاب سليم بن قيس : 65.
(5) مناقب ابن شهرآشوب 1/319 (باب درجات أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فصل في المسابقة بالعلم).
(6) سورة آل عمران 3 : 103.
  

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آية آية ، وكان يُعرض ذلك عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيُمضيه ، وكان على الإمام عليه‌السلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بجمع تلك الصحف وتدقيقها من أجل الاطمئنان على سلامتها ، مصداقاً لوعده تعالى بحفظ الكتاب المجيد من التلاعب والتزييف.
صيانة القرآن :
ذكرنا آنفاً أنّ عليّاً عليه‌السلام مع كتاب آخرين كتبوا القرآن الكريم في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صحف وبأمر منه (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة ، ثمّ قام عليٌّ عليه‌السلامبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتدقيق الصحف المكتوبة على الجلود والأقتاب.
نقل السيوطي في الاتقان عن ابن حجر :
«إنّه قد ورد عن عليٍّ عليه‌السلام أنّه جمع القرآن على ترتيب النـزول عقب موت النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) ، أخرجه ابن أبي داود.
وفي شرح الكافي للمولى صالح القزويني عن كتاب سليم بن قيس بعد أن ذكرَ جمْعَ عليٍّ عليه‌السلام القرآن في ثلاثة أيّام ، قال : «فلم يخرج من بيته حتّى جمعه كلّه ... وكتبه بيده على تنزيله الناسخ والمنسوخ منه والمحكم والمتشابه»(2).
والمستفاد من ذلك أنّ مكوث عليٍّ عليه‌السلام في بيته ثلاثة أيّام(3) كان من
__________________
(1) الإتقان 1 / 95 ، فتح الباري 9/47 باب القرّاء من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
(2) كتاب سليم بن قيس : 146.
(3) قال ابن النديم في (الفهرسـت) : قال ابن المنادي : حدّثني الحسن بن العبّاس قال : أخبرت عن عبد الرحمن بن أبي حمّاد عن الحكم بن ظهيـر السدوسي عن
  

أجل التأكّد من وجود القرآن مكتوباً بكامله ، فيكون الأمر من قبيل مراجعة نصوص القرآن المجيد ، وإلاّ فإنّه لو لم يكن مكتوباً لتعذّرت كتابته في تلك الفترة القصيرة.
وبعد أن أشار الشيخ المفيد (ت 413 هـ) في أثره المسائل السروية(1)بأنّ عليّاً عليه‌السلام قدّم في مصحفه المنسوخ على الناسخ قال : «وكتب فيه تأويل بعض الآيات وتفسيرها بالتفصيل».
وأورد مسلم أنّ عليّاً عليه‌السلام قد جمع القرآن المنـزل من أوّله إلى آخره وألّفه على حسب النزول ، فقدّم المكّي على المدني والمنسوخ على الناسخ ، وأضاف شرحاً وتفسيراً بما يناسبه ، وذكر فيه بيان المحكم والمتشابه والسبب في النزول(2).
وإذا كان جمع القرآن حسب النزول فهذا يعني أن يبتدئ بسورة العلق إلى آخر ما نزل من القرآن على اختلاف الروايات ، ولم نعثر على نسخة خطّية للقرآن الكريم بهذا المعنى. قال ابن سيرين : «لو أصبتُ ذلك الكتاب كان فيه العلم»(3).
وإذا لم يكن ابن سيرين قادراً على اقتناء ذلك الكتاب أو رؤيته فكيف بنا وقد ابتعدنا عن ذلك العصر أكثر من أربعة عشر قرناً؟!
يقول الشهرستاني في مقدّمة تفسيره : «كان الصحابة متّفقين على أنّ
__________________
عبد خير عن عليٍّعليه‌السلام أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأقسـم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتَّى يجمع القرآن. فجلس في بيته ثلاثـة أيّام حتّى جمع القرآن.
(1) انظر : المسائل السروية : 79 المسألة التاسعة.
(2) لم نعثر عليه ولكن انظر : الاستذكار 2/485 ، وفتح الباري 9/38.
(3) مؤلّفوا الشيعة : 13.
  

علم القرآن مخصوص لأهل البيت عليهم‌السلام ، إذ كانوا يسألون عليَّ بن أبي طالب عليه‌السلام : هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟»(1).
فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على إجماعهم بأنّ علوم القرآن مخصوصة بهم عليهم‌السلام.
ومع كلّ ذلك فقد حُذف اسم عليٍّ عليه‌السلام من باب جمع القرآن من مصادر مدرسة الصحابة عدا ما شذّ.
فقال البخاري فيمن جمع القرآن على عهد النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أُبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد».
وروى في موضع آخر مكان أبيّ بن كعب : أبا الدرداء(2).
وقال السيوطي في الاتقان نقلاً عن ابن أبي داود بسند حسن : «إنّهم خمسة : معاذ ، وعبادة بن الصامت ، وأبيّ بن كعب ، وأبو الدرداء ، وأبو أيّوب الأنصاري».
وعن ابن سيرين أنّهم أربعة : معاذ ، وأُبيّ ، وأبو زيد ، وأبو الدرداء أو عثمان أو هو مع تميم الداري.
وخرّج البيهقي وابن أبي داود عن الشعبي أنّهم ستّة : أبيّ ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ ، وأبو الدرداء ، وسعد بن عبيد ، وأبو زيد ، ومجمع بن جارية(3).
نعم قد أنصف صاحب الفهرس محمّـد بن إسحاق (ابن النديم)
__________________
(1) مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار : المقدّمة.
(2) صحيح البخاري 6/103 باب القرّاء من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
(3) الإتقان في علوم القرآن 1/195 رقم 985 ـ 987.
  

فساق اسم عليٍّ عليه‌السلام فيمن جمعوا القرآن(1).
وكذلك فعل الخوارزمي في مناقبه فقال : «جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأبيّ بن كعب»(2).
ولكن علماؤنا اتّفقوا على أنّ علياً عليه‌السلام هو أوّل من جمع القرآن وقام بتدقيقه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). والمشهور في مدرسة الصحابة أنّه تأخّر عن بيعة أبي بكر انشغالاً او تشاغلاً بالقرآن.
قال السيّد شرف الدين : «الاجماع قائم على أن ليس لهم في العصر الأوّل تأليف أصلاً ، وأمّا عليّ عليه‌السلام وخاصّته فإنّهم تصدّوا لذلك في القرن الأوّل ، وأوّل شيء سجّله أمير المؤمنين عليه‌السلام كتاب الله العزيز ، فإنّه بعد الفراغ من أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) آلى على نفسه أن لا يرتدي إلاّ للصلاة أو يجمعه ، فجمعه مرتّباً على حسب ترتيبه في النـزول ، وأشار إلى عامّه وخاصّه ومطلقه ومقيّده ومجمله ومبيّنه ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ورخصه وعزائمه وآدابه وسننه ، ونبّه على أسباب النـزول في آياته البيّنات ، وأوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات»(3).
آثار صيانة الإمام عليه‌السلام للقرآن :
وكانت صيانة القرآن الكريم والاعتناء بسلامته من كلِّ تحريف من مهمّات الإمام عليّ عليه‌السلام الرئيسية ، فهو وإن تألّم لما آلت إليه أوضاع المسلمين بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّه لم يألُ جهداً في الحفاظ على كتاب
__________________
(1) الفهرس لابن النديم : 57.
(2) المناقب للخوارزمي : 93 ح 91.
(3) المراجعات : 411 المراجعة 110.
  

الله المجيد مصوناً بين الدفّتين ، وكان له عليه‌السلام ذلك ، فقد بقي القرآن الكريم محفوظاً طبقاً للوعد الإلهي : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1).
1 ـ شخصيّة عليٍّ عليه‌السلام والقرآن الكريم :
ويؤيّد اهتمام عليٍّ عليه‌السلام بجمع القرآن الكريم زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المساجلة بينه عليه‌السلام وبين طلحة.
«قال طلحة : ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك عنه من القرآن ألا تظهره للنّاس؟ قال عليه‌السلام : يا طلحة عمداً كففتُ عن جوابك ، فأخبرني عمّا كتب عمر وعثمان أقرآن كلّه أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة : بل قرآن كلّه. قال عليه‌السلام : إن أخذتم بما فيه نجوتم من النّار ودخلتم الجنّة ...»(2).
ووجه الدلالة أنّ عليّاً عليه‌السلام كان يخشى أن تترك الثقافة الاجتماعية التي تربّى عليها البعض من الذين أسلموا لاحقاً آثارها على القرآن ، ولكن عندما اطمأنّ إلى صحّة جمعه قال : إن أخذتم بما فيه نجوتم من النّار. وهذا دليل على أنّ القرآن محفوظ بين الدفّتين لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف.
وشخصيّة كعليٍّ عليه‌السلام اهتمّت بالقرآن منذ نزوله تعلم أنّ المخرج من الفتن هو كتاب الله ، فهو القائل عليه‌السلام عندما سُئل بأنّ اُناساً يخوضون في الأحاديث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أما إنّي قد سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ستكون بعدي فتن ، قلتُ : وما المخرج منها؟
__________________
(1) سورة الحجر 15 : 9.
(2) كتاب (سليم بن قيس) : 100.
  

قال : كتاب الله ، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي من تركه من جبّار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله ، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الردّ ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم ينته الجنّ إذ سمعته أن قالوا : إنّا سمعنا قرآناً عجباً ، هو الذي من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أُجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم»(1).
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «هو الذي من تركه من جبّار قصمه الله» فيه دلالة على أنّ ترك العمل بالقرآن الكريم وأحكامه يكون فيه هلاك الجبّارين. وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة» يعني أنّ الأهواء لا تستطيع أن تغيّر معاني القرآن وألفاظه ، فالقرآن هو الفصل والحكم العدل بين الحقِّ والباطل.
وقريبٌ منه قول أمير المؤمنين عليه‌السلام في صفة القرآن : «ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ، ومنهاجاً لا يضلّ نهجه ، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه ، وفرقاناً لا يخمد برهانه ، وتبياناً(2) لا تهدم أركانه ، وشفاءً لا تخشى أسقامه ، وعزّاً لا تهزم أنصاره ، وحقّاً لا تخذل أعوانه ؛ فهو معدن الإيمان وبحبوحته ، وينابيع
__________________
(1) سنن الدارمي ـ كتاب فضائل القرآن 2/435. وبحار الأنوار 9/7 عن تفسير العيّاشي. رواه الحارث الهمداني وهو من أعاظم أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلاموأفقههم.
(2) في (بحار الانوار) : وبنياناً.
  

العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافيّ(1) الإسلام وبنيانه ، وأودية الحقِّ وغيطانه ، وبحر لا ينـزفه المنتزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون ؛ جعله الله ريّاً لعطش العلماء ، وربيعاً لقلوب الفقهاء ، ومحاجّ لطرق الصلحاء ، ودواءً ليس بعده داء ، ونوراً ليس معه ظلمة ، وحبلاً وثيقاً عروته ، ومعقلاً منيعاً ذروته ، وعزّاً لمن تولاّه ، وسلماً لمن دخله ، وهدىً لمن ائتمّ به ، وعذراً لمن انتحله ، وبرهاناً لمن تكلّم به ، وشاهداً لمن خاصم به ، وفلْجاً لمن حاجّ به ، وحاملاً لمن حمله ، ومطيّةً لمن أعمله ، وآية لمن توسَّم ، وجُنّةً لمن استلأم ، وعلماً لمن وعى ، وحديثاً لمن روى وحكماً لمن قضى»(2).
وهذه المعاني الجليلة تحتاج شيئاً من التدبّر. فقوله عليه‌السلام : «ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ...» أي لا تنتهي معانيه ، فإنّ موارد النزول لا تخصّص الوارد ، بل إنّ معانيه عامّة تنطبق على كل زمان ومكان. وقوله عليه‌السلام : «ومنهاجاً لا يضلّ نهجه» أي إنّه كتاب هداية ورحمة للعباد. وقوله عليه‌السلام : «وينابيع العلم وبحوره» يعني أنّ مصادر العلم التي تحتاجها الأمّة في سيرها المتواصل نحو الكمال قد اجتمعت في القرآن.
2 ـ المصحف الحقّ المحفوظ بين الدفّتين :
وعلى أيّ تقدير فقد بقي القرآن الذي كتبه أمير المؤمنين عليه‌السلام هو
__________________
(1) الأثافيّ : كأمانيّ جمع أثفية ـ بالضمّ والكسر : وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر.
(2) نهج البلاغة : 397 خطبة 198.
  

المصحف الحقّ الذي حفظ ما بين الدفّتين وكان مصداقاً لقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1). وهناك دليلان على ذلك :
الأوّل : ما رواه ابن طاووس (ت 664 هـ) في كتاب سعد السعود نقلاً عن كتاب أبي جعفر محمّـد بن منصور ورواية محمّـد بن زيد بن مروان في اختلاف المصاحف : «إنّ القرآن جمعه على عهد أبي بكر زيد بن ثابت وخالفه في ذلك أبيّ وعبـد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ، ثمّ عاد عثمان فجمع المصحف برأي مولانا عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأخذ عثمان مصاحف أُبيّ وعبـد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة فغسلها [وفي بعض النسخ : فاحرقها] ، وكتب عثمان مصحفاً لنفسه ومصحفاً لأهل المدينة ومصحفاً لأهل مكّة ومصحفاً لأهل الكوفة ومصحفاً لأهل البصرة ومصحفاً لأهل الشّام»(2).
الثاني : ما ذكره الشهرستاني في مقدّمة تفسيره برواية سويد بن علقمة ، قال : «سمعتُ عليَّ بن أبي طالب عليه‌السلام يقول : أيّها الناس الله الله إيّاكم والغلوّ في أمر عثمان وقولكم حرّاق المصاحف ، فوالله ما حرّقها إلاّ عن ملأ منّا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، جمعنا وقال : ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها؟ يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول : قراءتي خيرٌ من قراءتك ، وهذا يجرّ إلى الكفر. فقلنا بالرأي. قال : أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد فإنّكم إن اختلفتم اليوم كان مَن بعدكم أشدّ اختلافاً ، فقلنا : نعمَ ما رأيت. فأرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ، قال : يكتب أحدكما ويُملي الآخر. فلم يختلفا في شيء إلاّ في حرف واحد ...
__________________
(1) سورة الحجر 15 : 9.
(2) سعد السعود : 278.
  

واختار قراءة زيد بن ثابت لأنّه كتب الوحي»(1).
وفيما ذكره الشهرستاني دلالات :
1 ـ إنّ عليّاً عليه‌السلام كان شاهداً ومشرفاً على كتابة القرآن في عهد عثمان ، ولذلك فقد فصّل في طبيعة الكتابة والإملاء والأخذ بقراءة زيد بن ثابت.
2 ـ إنّ عليّاً عليه‌السلام أكّد أنّ زيد بن ثابت كان كاتباً للوحي كما كان أمير المؤمنين عليه‌السلام ذاته ، وقد كان اختياره لكتابة الوحي مع عليّ بن أبي طالب عليه‌السلامحتّى لا تختلف الأُمّة من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن كما اختلفت في ولاية أهل البيت عليه‌السلام كما ذكرنا ذلك سابقاً.
3 ـ تلاميذ الإمام عليه‌السلام :
وذكر ابن طاووس (ت 664 هـ) في سعد السعود أنّه اشتهر بين أهل الإسلام أنّ ابن عبّاس كان تلميذ عليٍّ عليه‌السلام.
وذكر محمّـد بن عمر الرازي في كتاب الأربعين أنّ ابن عبّاس رئيس المفسّرين كان تلميذ عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام(2).
وكان للإمام عليه‌السلام تلميذ آخر هو أبو الأسود الدُّؤلي الذي تعلّم أصول النحو من أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقد كانت العرب في البادية تنطق بكلام فصيح وتنشد أشعاراً بليغة وتفقه فصاحة القرآن وبلاغته الإعجازية ولكن اختلاط الأُمم الأُخرى بالعرب أبرزت اللحن على لسان الفصحاء من العرب ، ولذلك أشار الإمام عليه‌السلام على الدؤلي بكتابة النحو حفظاً على سلامة
__________________
(1) مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار : المقدّمة.
(2) سعد السعود : 266 (رأي الفرّاء في قوله تعالى : (إِنْ هذَانِ لَسَاحِرَانِ)).
  

القرآن وصيانته. قيل للدؤلي : من أين لك هذا العلم ـ يعنون النحو ـ؟ فقال : لقّنتُ حدوده من عليٍّ عليه‌السلام(1).
وكان للدؤلي تلاميذ في علم النحو ، منهم : يحيى بن يعمر العدواني قاضي خراسان ونصر بن عاصم الليثي ، وهما اللذان وضعا النقط أفراداً وأزواجاً لتمييز الأحرف المتشابهة بالأسلوب الذي نتداوله اليوم وهو ما يسمّى بالإعجام ، فقد بات صعباً على القارئ التمييز بين (نُنْشِزُهَا)(2)بالراء المعجمة أو (ننشرها) بالراء المهملة ، أو (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)(3) بالفاء أو (لمن خلقك) بالقاف.
أمّا أبو الأسود الدؤلي فقد قام بإعراب القرآن بعد أن سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)(4) بجرِّ اللام من كلمة (رسوله) ، فأعظم أبو الأسود ذلك وقال : عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله. فأمر كاتباً من الكتّاب وقال له : خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد ، فإذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه ، وإذا كسرتهما فانقط واحدة أسفله ، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة بين الحرف ، فإن تبعت شيئاً من هذه الحركات غنّةٌ(5) فانقط نقطتين. وأخذ يقرأ القرآن بالتأنّي والكاتب يضع النقط ، وكلّما أتمّ الكاتب صحيفةً أعاد أبو الأسود نظره عليها ، واستمرّ على ذلك حتّى أعرب المصحف كلّه ، وجرى الناس على
__________________
(1) وفيات الأعيان 1/240.
(2) سورة البقرة 2 : 259.
(3) سورة يونس 10 : 92.
(4) سورة التوبة 9 : 3.
(5) الغنّة : مخصوصة بحرفي : ن ، م. وهي عملية تلفّظ لكلمات يمرّ فيها الصوت بالأنف ، مثل : إنَّ ، أنعمتَ ، منهم ، ممّا.
  

طريقته(1). وكانت الحركات تُكتب بلون مختلف ، فالسواد للحروف والحمرة للأشكال أو الحركات بطريقة النقط.
وبكلمة ، فإنّ عليّاً عليه‌السلام لم يألُ جهداً في حفظ القرآن وصيانته ، فقد جهد في صيانة القرآن المجيد عن طريق الكتابة المباشرة وجمع السور والآيات المتفرّقة وترتيب القرآن ووضع قواعد النحو من أجل أن لا يختلط على الناس فوضع الإعراب والإعجام(2) ، وعلّم الناس تفسير القرآن والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، وكان من قبل قد قاتل المشركين ثمّ قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعد ، من أجل أن يبقى القرآن محفوظاً بين الدفّتين إلى يوم القيامة.
القرآن ومبدأ الرجوع إلى أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام :
كان الصحابة والتابعون يرجعون إلى الإمام عليٍّ عليه‌السلام في ضبط قراءة القرآن الكريم وفهم معانيه ، ونذكر منهم بالخصوص عبـد الله بن عبّاس وعبـد الله بن مسعود.
لقد نزل القرآن الكريم ببيان عربيٍّ مبين يأخذ بألباب الناس ويفتح قلوبهم للنور ، وكان الإنسان من جزيرة العرب إذا سمع القرآن شرح الله صدره للإسلام. والأغلب أنّه كان هناك فهم إجماليٌّ عامٌّ لمعاني القرآن الكريم ومقاصده ، ولكن مع ذلك الفهم الإجمالي كان من الناس زمن النـزول من لم يدرك النصوص القرآنية ولم يستوعب معانيها العظيمة ،
__________________
(1) تاريخ القرآن : 96.
(2) الإعراب هو وصل الخطِّ مضبوطاً بالحركات والسكنات. والإعجام هو تمييز الحروف المتشابهة بوضع نقط لمنع اللبس.
  

خصوصاً وإنّ المعنى القرآني يحتمل وجوهاً عديدة لنفس النصّ ، لذلك كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما يُسأل عن معنى الآية يُجيب السائل ، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)مأموراً بذلك بنصّ القرآن : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1).
وفي مقابل ذلك كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلّم عليّاً عليه‌السلام معاني القرآن الكريم وتفسيره وتأويله ، فلا عجب أن نسمع البخاري ينقل في صحيحه في باب قوله تعالى : (مَا نَنَسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا ...)(2) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس حديثاً عن عمر قال : «وأقضانا عليّ ...»(3).
وينقل ابن ماجة في صحيحه حديثاً بسندين عن أنس بن مالك قال فيه : «إنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : وأقضاهم علي بن أبي طالب»(4).
و (أقضاهم) في لغة العرب هو أعلمهم في طبيعة الفصل بين الحقِّ والباطل.
ويروي أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال : «إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلاّ له ظهر وبطن ، وإنّ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام عنده علم الظاهر والباطن»(5).
ولا شكّ أنّ القرآن كان المحور الأساس في استفهام المسلمين عن معاني العقيدة والتشريع ، ويؤيّد ذلك رواية عن سُليم بن قيس الهلالي قال : «قلتُ لأمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّي سمعتُ من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً
__________________
(1) سورة النحل 16 : 44.
(2) سورة البقرة 2 : 106.
(3) فضائل الخمسة 2/296.
(4) صحيح ابن ماجة 1/55 ح 152.
(5) حلية الأولياء 1/65.
  

من تفسير القرآن وأحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ما في أيدي الناس ثمّ سمعتُ منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون بأنّ ذلك كلّه باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)متعمّدين ويفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال : فأقبل عليَّ وقال : قد سألتَ فافهم الجواب : إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً وصدقاً وحفظاً ووهماً ، وقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده حتّى قام خطيباً فقال : أيّها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار. ثم كُذب عليه من بعد ، وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :
رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متعمّداً ، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ولكنّهم قالوا : هذا صحبَ رسول الله ورآه وسمع منه ، وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزّوجلّ : (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)(1).
ورجل سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يحفظه على وجهه ووَهَمَ فيه ولم يتعمّد كذباً ، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه ، فيقول : أنا سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه ، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو
__________________
(1) سورة المنافقون 63 : 4.
  

يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلمَ الناسخ من المنسوخ ، فعملَ بالناسخ ورفض المنسوخ ، فإنّ أمر النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاصٌّ وعامٌّ ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الكلام له وجهان كلام عامّ وكلام خاصّ مثل القرآن.
وقال الله عزّ وجلّ في كتابه : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(1) ، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدرِ ما عنى الله به ورسوله.
وليس كلّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسأله عن الشيءِ فيفهم ، وكان منهم من لا يسأله ولا يستفهمه ، حتّى أنّهم كانوا يحبّون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى يسمعوا.
وقد كنتُ أدخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ يوم دخلة وكلّ ليلة دخلة فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري ، فربّما كان في بيتي يأتيني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري ، وإذا أتاني للخلوة معي في منـزلي لم تقم عنّي
__________________
(1) سورة الحشر 59 : 7.
  

فاطمة عليها‌السلام ولا أحد من بنيّي ، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكتُ عنه وفنيت مسائلي ابتدأني ...»(1).
لقد أمضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم الإمام علي عليه‌السلام بالقرآن في الروايات التالية :
1 ـ على ما رواه الحاكم في المستدرك ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليٍّ ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(2).
2 ـ ما رواه الحاكم في المستدرك أيضاً ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأتِ الباب»(3).
3 ـ إنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليٍّ عليه‌السلام : «أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه بعدي»(4).
4 ـ ما رواه الترمذي في صحيحه بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(5).
والمروي عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أنّه قال : «سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلاّ حدّثتكم ، سلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلاّ أنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل نزلت أم
__________________
(1) الأصول من الكافي 1/64 باب اختلاف الحديث ح 1.
(2) المستدرك 3/124.
(3) المستدرك 3/126.
(4) المستدرك 3/122.
(5) صحيح الترمذي 2/308.
  

في جبل ...»(1).
وجاءت الأحداث السياسية التي أعقبت وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لتبعد أئمّة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام عن موقع القيادة الظاهرية للأمّة الإسلامية ، وبذلك انفتح باب الرأي والاستحسان في قضايا فهم القرآن ، وأصبحت المعرفة التفسيرية تتأرجح بين التفسير بالمأثور الصحيح أو التفسير بالرأي والمصالح المرسلة والاستحسان.
والفارقة التأريخية أنّنا قرأنا للتوِّ أنّ عليّاً عليه‌السلام كان أفقه الصحابة بالقرآن وأقضاهم ، مع أنّك لو بحثت بإنصاف ما وجدت ممّا رواه عليّ بن طالب عليه‌السلامفي كتب الأخبار من مدرسة الحديث إلاّ النادر ، فأين ذهبت أحاديث باب مدينة العلم في الوقت الذي تجد فيه اشخاصاً لم يصحبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر أعشار صحبة الإمام عليٍّ عليه‌السلام له (صلى الله عليه وآله وسلم)تملأ رواياتهم كتب الصحاح كأبي هريرة وغيره؟!
وفي هذا المقام لابدّ أن نؤكّد على النقاط التالية :
1 ـ إنّ القرآن المجيد الذي نقرأه اليوم هو نفس المصحف الذي أنزله الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتبه أمير المؤمنين عليه‌السلام بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمضاه لاحقاً الخليفة الثالث أو الثاني حسب لون الروايات المتداولة في مدرسة الحديث والرأي ، ومن يزعم أنّ عند المدرسة الإمامية قرآناً آخر فهو يخالف من دون أن يشعر أمر الله تعالى الذي وعد بحفظ القرآن الكريم : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(2).
2 ـ إنّ القرآن الكريم هو المرجع الأوّل والمصدر الأساس عند الشيعة
__________________
(1) كنـز العمّال 1/228.
(2) سورة الحجر 15 : 9.
  

الإمامية كغيرهم من المسلمين ، وما أكّده أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام على أهمّية سلوك طريق العلم والمنهج العلمي لفهم القرآن هو الذي دفع علماء الإمامية إلى الاهتمام بتفسير القرآن المجيد على مدى القرون الطويلة الماضية ، ولا شكّ أنّ المنهج العلمي مستوحىً من القرآن الكريم ذاته ، يقول تعالى : (إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(1) ، (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(2).
3 ـ إنّ تفسير القرآن الكريم في المدرسة الإمامية له ضوابط وأصول ، مثل القدرة على استنباط الأحكام الشرعية ، والورع ، والضبط ، والاستيعاب ، ومعرفة الرجال وطرق الإسناد ، وإدراك أصول الحديث وقواعده ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمبيّن ، والمحكم والمتشابه ، واستيعاب سيرة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام وأقوالهم وإمضاءاتهم.
* * *
__________________
(1) سورة يونس 10 : 36.
(2) سورة الإسراء 17 : 36.
  

الفصل الثاني
المدارس التفسيرية في التاريخ الإمامي
منذ القرن الرابع وحتّى فجر القرن الخامس عشر الهجري
مقدّمة :
القرآن الكريم كتاب الله المجيد والحبل الممدود من السماء إلى الأرض ، وهو أكبر الثقلين الذين أوصى بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وأوّل من تمسّك بالقرآن بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام ، وصدرت تعليماتهم بذلك فقالوا وهم في مقام مخاطبة المؤمنين : «تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص»(1).
وصرّح أمير المؤمنين عليه‌السلام في قضيّة التحكيم بأنّ العمل بهذا القرآن موقوف على تفسيره وكشف المراد منه ، فقال : «هذا القرآن إنّما هو خطّ مسطور بين الدفّتين لا ينطق بلسان ولابدَّ له من ترجمان وإنّما ينطق عنه الرجال»(2).
وإذا كان كتاب الله المرشد الصامت فإنّه يحتاج إلى لسان وترجمان يقوم بكشف مراده ، فلم يكن هناك مفرٌّ من أن يقوم العارفون بالمراد من بيانه والكشف عنه ، وهذا البيان هو (التفسير).
__________________
(1) نهج البلاغة 1/215.
(2) الإرشاد 1/271 ، مناقب آل أبي طالب 2/370 ، تاريخ الطبري 4/48.
  

قال مصنّف القاموس : «الفسر : الإبانة وكشف المغطّى كالتفسير»(1).
وقال مصنّف مجمع البحرين : «التفسير في اللغة كشف معنى اللفظ وإظهاره ، مأخوذ من الفسر وهو مقلوب السفر ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته»(2).
فالمراد من التفسير إذن هو بيان ظواهر الآيات القرآنية على مبنى لغة العرب.
وقد مدح القرآن الكريم قوماً استنبطوا ظواهر ألفاظ القرآن فقال : (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(3) ، وذمّ آخرين لم يتدبّروا في القرآن ولم يدركوا معناه ، فقال :(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(4).
ولكن نزول القرآن بلغة العرب واستخدامه الحقيقة والمجاز والكناية لا يعني أنّ كلّ من يتكلّم العربية قد يدرك معاني القرآن ، بل أنّ في القرآن المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ، وقد منعنا القرآن الكريم من الحكم على حجّية جميع ظواهر الكتاب المجيد ، فقال : (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ...)(5).
فالمحكمات هنّ أُمّ الكتاب والحجّة التي يرجع إليها ويؤخذ
__________________
(1) القاموس المحيط : مادة فسر.
(2) مجمع البحرين 3/401 (فسر).
(3) سورة النساء 4 : 83.
(4) سورة محمّـد 47 : 24.
(5) سورة آل عمران 3 : 7.
  

بظواهرها ، وهي وظيفة العارفين باللغة وقواعد الفقه والأحكام ، أمّا المتشابهات فقد اُرجع تأويلها إلى الله تعالى وإلى من خصّهم الله سبحانه بالعلم الذين عُبّر عنهم بالراسخين في العلم وهم أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام كما ورد في الروايات المتواترة.
ومن هنا قال فقهاء الإمامية بوجوب الأخذ من الراسخين في العلم (وهم أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام) في فهم المتشابهات ، لأنّهم عدل القرآن وحملته ، وقد خوطبوا به ، وقد نزل القرآن في بيوتهم عليهم‌السلام.
وقد استنكر أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام تفسير القرآن على أساس الرأي والقياس والاستحسان والظنّ والتخمين ، لأنّه يبعد المسلم عن بيان المراد الواقعي للمولى عزّ وجلّ.
أشار الشيخ البلاغي (ت 1352 هـ) في معرض بيان الحاجة إلى التفسير ، فقال : «إنّ للتفسير مقامات ، منها :
الأوّل : في مفردات ألفاظه وبيان معناها بالعربية ، فيرجع في التفسير لمفردات الفاظه إلى ما يحصل به الاطمئنان والوثوق من مزاولة علم اللغة العربية والتدبّر في موارد استعمالها في كلام العرب.
الثاني : يحتوي القرآن على أرقى وجوه البلاغة العربية وتفنّنها بمحاسن المجاز والاستعارة والكناية وغيرها ممّا كان مأنوس الفهم في عصر النزول ، غير أنّ عوامل تأريخية أدّت إلى اختلاط الأمم الأخرى بالعرب فتغيّر أسلوب الكلام العربي في عامّة الناس ، فعاد ذلك لدى العامّة يحتاج إلى معرفته إلى التعلّم والتدرّب ، فالحاجة إلى التفسير هي حاجة إلى الكشف عن هذه الأسرار والنكت البلاغية المستعملة في القرآن.
الثالث : في معرفة شأن النـزول ، فقد جاء في القرآن شيءٌ كثير من
 

الألفاظ العامّة التي يراد بها الخاصّ ، أو التي هي نصّ في خاصّ باعتبار نزولها في شأنه ، وغير ذلك ممّا كان معروفاً في عصر نـزوله ، ثمّ صارت أسباب الخفاء تختلسه شيئاً فشيئاً وتعمل ضدّه.
والمفزع في تفسير ذلك هو ما يحصل به العلم من إجماع المسلمين في الرواية للتفسير ، أو في الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدلالة على من يفزع إليه بعده في تفسير كتاب الله كحديث الثقلين المتواتر القطعي بين الفريقين ...»(1).
لقد أخذ علماء الإمامية علوم القرآن من أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام الذين هم أبواب علم النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، خصوصاً علم التفسير والقراءة ، والناسخ والمنسوخ ، وأحكام القرآن ، والنحو والصرف ، وغريب القرآن ، ومجازات القرآن ، وفضائله.
وقد أشار ابن أبي الحديد إلى علم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال : «وما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة وتنتهي إليه كلّ فرقة وتتجاذبه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلِّي حَلْبتها ، كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى ... ومن العلوم علم تفسير القرآن ، وعنه أُخذ ومنه فُرّغ ، وإذا رجعتَ إلى كتب التفسير علمتَ صحّة ذلك ، لأنّ أكثره عنه عليه‌السلام وعن عبـد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له وانقطاعه إليه وأنّه تلميذه وخرّيجه. وقيل له : أين علمك من علم ابن عمِّك؟ فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط»(2).
__________________
(1) آلاء الرحمن 1/32 ـ 47.
(2) شرح نهج البلاغة 1/17 ـ 19.
  

فأوّل من صنّف في التفسير هو عبـد الله بن العبّاس (ت 68 هـ) ، ثمّ استمرّت تفاسير القرآن في المدرسة الإمامية تزدهر على مدى خمسة عشر قرناً ، بذل فيها فقهاء الشيعة مهجهم من أجل الحفاظ على القرآن وإيصال مفاهيمه الواقعية ـ على قدر مقدرتهم العلمية الهائلة ـ إلى المكلّفين.
وسوف نرصد بإذنه تعالى تفاسير المدرسة الإمامية على مدى القرون الماضية ، ونبدأ بمدرسة القرن الأوّل الهجري.
1 ـ مدرسة القرن الأوّل الهجري :
نعِمَ القرن الأوّل الهجري بنعمة نزول القرآن الكريم على صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتنعّم المسلمون بقربهم من عصر النصّ ووجود النبيّ محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين بين ظهرانيهم. وكان العلم في ذلك العصر هو حفظ الرواية بالسماع مباشرة أو بسند صحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، ولذلك كان التفسير هو إمّا أن يحفظ الراوي رواية ما تفصّل آية من آيات كتاب الله ، أو أن يأخذ القلم ويضعه في المداد ليكتب الآية الكريمة ويكتب رواية تفسيرها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام. ومع أنّ كتب التأريخ والحديث والرجال تذكر اسماء العديد من الرواة إلاّ أنّها خصّصت اسمين في عالم التفسير ، هما : عبـد الله بن عبّاس وسعيد بن جبير ، وبدرجة أضيق ورد اسم ميثم التمّار في المصنّفات التفسيرية.
عبـد الله بن عبّاس :
قيل : أوّل من صنّف في التفسير كان الصحابي عبـد الله بن العبّاس
 

(المتوفّى سنة 68 هـ). ذكره ابن النديم في الفهرس في كتب التفاسير وسمّى كتابه كتاب التفسير للإمام أبي جعفر الباقر عليه‌السلام ، وقال : «روى التفسير عن ابن عبّاس : مجاهد بن جبر وهو أبو الحجّاج المقري (ت 102 أو 103 هـ) ، وذكر أنّه رواه عن مجاهد حميد بن قيس (المتوفّى زمن الحجّاج) ؛ وأبو نجيح ، ورواه عن أبي نجيح ورقاء وعيسى بن ميمونة»(1).
وابن عبّاس هو عبـد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لازم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حداثته ، وتوفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وله من العمر ثلاث عشرة سنة ، وقيل : خمس عشرة ، وشهد مع عليٍّ عليه‌السلام الجمل وصفّين والنهروان(2) كما ذكره الشيخ المفيد ، ولاّه الإمام علي عليه‌السلام البصرة بعد حرب الجمل ، واستمرّ والياً عليها حتّى استشهاد الإمام عليه‌السلام في سنة أربعين للهجرة.
وكان ابن عبّاس يقول : «ما أخذتُ من تفسير القرآن فعن عليِّ بن طالب»(3). قال فيه ابن مسعود قدس‌سره : «نِعمَ ترجمان القرآن ابن عبّاس»(4). وكان من تلامذته : سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وطاووس بن كيسان اليماني ، وعطاء بن أبي رباح(5).
ليس لابن عبّاس تفسير مطبوع ، ولكن هناك كتاب يُنسب إليه عنوانه تنوير المقباس من تفسير ابن عبّاس جمعه أبو طاهر محمّـد بن يعقوب الفيروزآبادي الشافعي صاحب القاموس المحيط (ت 817 هـ). قال الشيخ
__________________
(1) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 51.
(2) تاريخ بغداد 1/185 ضمن الترجمة رقم 14.
(3) المحرّر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز 1/41.
(4) المصنّف 7/519 ح 5.
(5) تهذيب الكمال 15/156 ضمن الترجمة 3358.
  

آغا بزرك الطهراني : «تفسير ابن عبّاس الموسوم بتنوير المقباس من تفسير عبـد الله بن عبّاس في أربعة أجزاء الذي نسبه الحافظ شمس الدين محمّـد بن عبد الرحمن السخاوي في الضوء اللامع إلى محمّـد بن يعقوب الفيروزآبادي»(1). ولم يصرّح الشيخ آغا بزرك قدس‌سره بصحّة نسبة الكتاب إلى ابن عبّاس. والظاهر أنّ كتاب تنوير المقباس منسوب إلى ابن عبّاس ، ولم نجد دليلاً على صحّة كون تنوير المقباس من مصنّفاته.
سعيد بن جبير :
وسعيد بن جبير الشهيد (ت 95 هـ) الذي قتله الحجّاج بن يوسف الثقفي له تفسيرٌ للقرآن. ذكر تفسير سعيد بن جبير ابن النديم(2). قال مصنّف الشيعة وفنون الإسلام : «وأوّل من صنّف في علم تفسير القرآن سعيد بن جبير التابعي رضي‌الله‌عنه ، كان أعلم التابعين في التفسير كما حكاه السيوطي في الإتقان ، ولم ينقل تفسيراً لأحد قبله. وكان ابن جبير من خلّص الشيعة ، نصّ على ذلك علماؤنا في كتب الرجال ، كالعلاّمة الحلّي جمال الدين بن المطهّر في الخلاصة ، وابن عمر الكشّي في كتابه الرجال ، وروى روايات عن الأئمّة في مدحه وتشيعه واستقامته ، قال : وما كان سبب قتل الحجّاج له إلاّ على هذا الأمر ـ يعني التشيّع ـ ويُعدُّ سعيد بن جبير من أئمّة علم القرآن عند الشيعة»(3).
والظاهر أنّ سعيد بن جبير هو أوّل من نقل روايات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)
__________________
(1) الذريعة 4/244.
(2) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 51.
(3) الشيعة وفنون الإسلام : 25 ، 35.
  

وأهل البيت عليهم‌السلام الخاصّة بتوضيح معاني القرآن الكريم أو تفصيلها في كتاب روائي قرآني ، وإذا استثنينا ابن عبّاس ـ لأنّه لم يكتب تفسيراً بل روى روايات في تفسير القرآن ـ يكون سعيد بن جبير هو أوّل من كتب تفسيراً للقرآن الكريم.
ميثم التمّار :
ومن التفاسير التي ورد ذكرها في الكتب الرجالية : تفسير ميثم التمّار. وهو ميثم بن يحيى التمّار الكوفي من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلاموالشهيد (سنة 60 هـ) بعد قطع يديه ورجليه وصلبه وقطع لسانه بأمر [عبيد الله]بن مرجانة كما أخبره به مولاه أمير المؤمنين عليه‌السلام. وتفسيره بعض ما تعلّمه من أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فأملاه التمّار على ترجمان القرآن حبر الأمّة ابن عبّاس (ت 68 هـ) كما في رواية الكشّي في ترجمة ميثم ، وإنّه بعد إلقاء التفسير على ابن عبّاس أخبره بكيفية قتله على يد ابن مرجانة فظنّ ابن عبّاس أنّه كهانة ، فأراد أن يخرق ما كتبه عن إملائه من التفسير فقال له ميثم : احتفظ بما سمعته منّي فإن كان ما قلته حقّاً أمسكته وان يكُ باطلاً خرقته. وبعد مضيِّ أيّام وقع تمام ما أخبر به(1).
2 ـ مدرسة القرن الثاني الهجري :
ومدرسة هذا القرن تشكّلت من أصحاب أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام الذين صحبوهم عليهم‌السلام وكتبوا رواياتهم ، ثمّ جمعوا الروايات الخاصّة بتفسير
__________________
(1) الذريعة 4/317.
  

الكتاب المجيد في مصنّفات مستقلّة ، كالسدّي ، وابن أبي هند ، وأبان بن تغلب ، والكلبي ، وأبي بصير ، وأبي حمزة الثمالي ، وأبي الجارود أيّام استقامته ، والبطائني ، والجواليقي.
ولمّا كان أغلب مفسّري هذا القرن ممّن صاحب أئمّة الهدى عليهم‌السلاموكتبوا مصنّفاتهم نقلاً عن أحاديث سمعوها عن أئمّتهم عليهم‌السلام كان لكتب التفسير تلك أهميةٌ بالغة عند فقهاء الإمامية. والظاهر أنّ تلك الكتب أو على الأقلّ جزء منها كان قد أدرج ضمن المتون الحديثية الكبرى كـ : الكافي ومن لا يحضره الفقيه والاستبصار والتهذيب التي جمعت في القرن الرابع والخامس ، أو ربّما بقيت بعضها إلى حدّ عصر العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) حيث أضافها إلى كتابه الكبير بحار الأنوار.
ومن تلك التفاسير :
1 ـ تفسير السدّي ، لأبي إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة القرشي التابعي الكوفي (ت 127 هـ). كان من أصحاب الإمام السجّاد والباقر والصادق عليهم‌السلام. قال السيوطي : «إنّ تفسير إسماعيل السدّي من أمثل التفاسير»(1). إلاّ أنّ الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ذمّ منهج السدّي في التفسير(2) ، ولا نعلم سبب الذمّ ، لأنّ التفسير لم يصلنا بشكله المستقلّ.
2 ـ تفسير ابن أبي هند(3) ، لأبي بكر داود بن دينار السرخسي (ت 139 هـ) ، وهو من أصحاب الإمام الباقر عليه‌السلام.
3 ـ تفسير أبان بن تغلب بن رباح ، وأبان هو أبو سعيد البكري
__________________
(1) انظر : الإتقان 2/497 رقم 6389.
(2) التبيان 1/6.
(3) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 51.
  

الجريري (ت 141 هـ). توفّي في حياة الإمام الصادق عليه‌السلام ، ونعاه الإمام عليه‌السلامبقوله : «لقد أوجع قلبي موت أبان»(1). كانت له منـزلة عظيمة عند أهل البيت عليهم‌السلام ، عاصر الإمام السجّاد والباقر والصادق عليهم‌السلام. ذكره ابن النديم في أكثر من موضع ، فقال خلال عدّه لكتبه : «كتاب التفسير لابن تغلب»(2). ثمّ في موضع آخر قال : «كتاب معاني القرآن لطيف وكتاب القراءآت»(3). وعن كتاب القراءآت قال النجاشي : «ولأبان قراءة مفردة مشهورة عند القرّآء»(4). وأشار الشيخ الطوسي : «هذه ثلاثة كتب في القرآن لأبان ، والرابع : كتاب الغريب في القرآن»(5).
4 ـ أحكام القرآن ، لأبي نصر محمّـد بن السائب بن بشر الكلبي (ت 146 هـ) من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما‌السلام ، والكتاب هو شرح آيات الأحكام. والمصنّف والد هشام الكلبي النسّابة الشهير وصاحب التفسير الكبير(6).
قال ابن النديم عند ذكره المصنّفات في علم أحكام القرآن : «كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عبّاس»(7).
قال الشيخ آغا بزرك الطهراني : «هو أوّل من صنّف في هذا الفنّ كما يظهر من تأريخه ، لا الإمام الشافعي محمّـد بن إدريس المتوفّى سنة
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه 4/435 الخاتمة.
(2) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 50.
(3) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 308.
(4) رجال النجاشي : 11 رقم 7.
(5) انظر : الفهرس ـ للشيخ الطوسي ـ : 57 رقم 61.
(6) الذريعة 1/40 التسلسل 192.
(7) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 81 الفنّ الثالث من المقالة الأولى.
  

204 هـ كما ذكره العلاّمة السيوطي ـ ولذا صرّح به في كشف الظنون في عنوان أحكام القرآن ـ لأنّ الشافعي ولد بعد وفاة الكلبي بتسع سنين ... ولا القاسم بن أصبغ بن محمّـد بن يوسف البياني القرطبي الأندلسي الأخباري اللغوي المتوفّى سنة 340 المولود بعد وفاة الشافعي بثلاث وأربعين سنة ، لأنّه ولد سنة 247 كما ذكره أيضاً السيوطي في بغية الوعاة. ثمّ إنّ جمعاً من أصحابنا تابعوا الكلبي في إفراد آيات الأحكام وتفسيرها ...»(1).
إلاّ أنّ الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ذمّ منهجه في التفسير أيضاً(2).
5 ـ تفسير أبي بصير ، وهو يحيى بن أبي القاسم الأسدي (ت 150 هـ) الثقة المعدود من أصحاب الإجماع والراوي عن الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام.
6 ـ تفسير أبي حمزة الثمالي ، وهو أبو حمزة ثابت بن أبي صفية دينار الثمالي (ت 150 هـ) ، تشرّف بخدمة الأئمّة الأربعة : الإمام السجّاد والباقر والصادق والكاظم عليهم‌السلام.
7 ـ تفسير أبي الجارود ، وأبو الجارود هو زياد بن منذر (ت 150 هـ) ، كان أعمى من حين ولادته ، وتنسب إليه الزيدية الجارودية ، وكان من أصحاب الأئمّة الثلاثة : الإمام السجّاد والباقر والصادق عليهم‌السلام ، ولكن يروي تفسيره عن الإمام الباقر عليه‌السلام بالخصوص أيّام استقامته ، وكأنّه كان يتلّقى إملاء الإمام عليه‌السلام له مباشرة ويوكّل من يستنسخه له ، ولذلك يقال
__________________
(1) الذريعة 1/40 ـ 41.
(2) تفسير التبيان 1/6.
  

لتفسير أبي الجارود : «كتاب الباقر عليه‌السلام رواه عنه أبو الجارود»(1).
ولهذا التفسير طريقان : أحدهما ضعيف ، وهو أبو سهل كثير بن عيّاش القطّان وقد ضعّفه علماء الرجال ، والطريق الثاني صحيح ، وهو عن طريق تلميذ علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي رواه بإسناده إلى أبي بصير يحيى بن أبي القاسم الأسدي (ت 150 هـ) المصرّح بتوثيقه في علم الرجال.
وبالنتيجة ، فإنّ هذا التفسير من التفاسير المعتبرة في المدرسة الإمامية لسببين :
الأوّل : إنّ طريقه إلى الإمام الباقر عليه‌السلام صحيح بإسناده إلى أبي بصير.
الثاني : إنّ المصنّف كتبه أيّام استقامته وقبل انحرافه عن خطّ الإمامة ، وبالتالي فإنّ الروايات المروية فيه لم تمسّها يد التحريف ظاهراً.
8 ـ تفسير مقاتل ، أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن زيد بن أدرك الرازي (ت 150 هـ) ، عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما‌السلام. له كتاب التفسير الكبير ، والناسخ والمنسوخ ، وتفسير الخمسمائة آية ، وكتاب القراآت ، ومتشابه القرآن ، ونوادر التفسير ، وكتاب الجوابات في القرآن ، والآيات المتشابهات ، وغير ذلك. وحكى اليافعي عن الشافعي أنّ النّاس كلّهم عيالُ مقاتل بن سليمان في التفسير(2).
9 ـ تفسير البطائني ، لعليّ بن أبي حمزة سالم البطائني الكوفي من أصحاب الإمام الصادق والكاظم عليهما‌السلام ، ويروي أكثر تفسيره عن أبي بصير يحيى بن أبي القاسم ، وهو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ
__________________
(1) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 50.
(2) الذريعة 4/315.
  

عنه ، روى النجاشي تفسيره وسائر كتبه عنه بأربع وسائط(1).
10 ـ تفسير الجواليقي ، لهشام بن سالم الجواليقي الثقة ، من أصحاب الإمام الصادق والكاظم عليهما‌السلام ، ويروي عنه محمّـد بن أبي عمير ، ويروي النجاشي تفسيره عنه بأربع وسائط(2).
ومن المحزن أنّ أكثر تفاسير المدرسة الإمامية في القرنين الأوّل والثاني قد فقدت ، مثل تفسير سعيد بن جبير (ت95 هـ) ، وتفسير السدي (ت 127 هـ) ، وتفسير محمّـد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) ، وتفسير أبي بصير (ت 150 هـ) ، وتفسير أبي الجارود (ت 150 هـ) ، وتفسير جابر بن يزيد الجعفي (ت 127 أو 132 هـ).
ونقصد بفقدانها أي فقدان أثرها كمصنّفات مستقلّة ، والأرجح أنّها أدخلت في الموسوعات الحديثية الكبرى كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
3 ـ مدرسة القرن الثالث الهجري :
امتاز هذا القرن بكثرة التفاسير الروائية ، كـ : تفسير ابن همّام الصنعاني ، وابن وضّاح ، وابن محبوب ، وابن فضّال ، وابن مهزيار ، وابن أبي شعبة ، وابن بابويه ، وابن أسباط ، وابن أرومة ، والبرقي. ولم تصلنا أغلب تلك التفاسير بصورتها المستقلّة وإنّما وصلتنا ضمن المجاميع الحديثية ، وربّما التفسير الوحيد الذي وصلنا بصورته المستقلّة هو التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام.
فمن تفاسير تلك الفترة :
__________________
(1) رجال النجاشي : 249 رقم 656.
(2) رجال النجاشي : 434 رقم 1165.
  

1 ـ تفسير ابن همّام الصنعاني ، وهو أبو بكر عبد الرزّاق بن همّام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (ت 211 هـ). ترجمه الذهبي وأطراه ونقل عن الذين وثّقوه ، وقال : «ونقموا عليه التشيّع ، وما كان يغلو فيه بل كان يحبّ عليّاً ويبغض قاتله»(1). روى عنه سفيان بن عيينة ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين. وحكى ابن خلّكان عن السمعاني أنّه زعم أنّه ما رحل النّاس إلى أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما رحلوا إليه(2).
أقول : هي مبالغة في تعظيمه ، وإلاّ فإنّ الناس رحلوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، خصوصاً الإمام الصادق عليه‌السلامالذي كان يعجُّ درسه بالآلاف من طلبة العلم كما نقله لنا التأريخ.
ليس له ترجمة مفصّلة في كتبنا الرجالية عدا ذكر الشيخ الطوسي له في عداد أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام(3). ويعدُّ هذا التفسير من أقدم تفاسير الشيعة الإمامية.
2 ـ تفسير ابن وضّاح ، لم نعرف اسم المصنّف ، وإنّما ذكره الشيخ الطوسي في باب الكنى من الفهرست وذكر أنّه يرويه عنه أحمد بن ميثم حفيد الفضل بن دكين الحافظ الثبت الكوفي (المستشهد سنة 219 هـ)(4) ، فيظهر أنّه من رجال القرن الثالث.
3 ـ تفسير ابن محبوب ، لأبي علي الحسن بن محبوب السرّاد أو الزرّاد (ت 224 هـ). عدّه الكشّي من أصحاب الإجماع(5) ، وفي الفهرست
__________________
(1) تذكرة الحفّاظ 1/364.
(2) وفيات الأعيان 3/216 رقم 398.
(3) رجال الطوسي : 265 رقم 3805.
(4) الفهرست ـ للطوسي ـ : 282 رقم 906.
(5) رجال الكشّي 1/830 رقم 1050.
  

للشيخ الطوسي أنّه كان يعدُّ في الأركان الأربعة في عصره وروى عن ستّين رجلاً من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام(1). والمصنّف من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والجواد عليهم‌السلام(2).
قال الشيخ آغا بزرك : «والعجب أنّ الرجل (أي ابن محبوب) على جلالة قدره وقد ذكره أبو العبّاس النجاشي فيما يقرب من عشرين موضعاً من رجاله ـ استقصاها المولى عناية الله القهبائي في كتابه مجمع الرجال ـ وذكر كتابه المشيخة مكرّراً في عدّة مواضع منه ومع هذا كلّه نسى أن يعقد له ترجمة مستقلّة في رجاله الذين هم العمدة من الأصول الرجالية لنا ، وإهمال مثل هذا الرجل فيه من أقوى البراهين على صحّة ما شرحناه من ذهاب تراجم كثير من أصحابنا على أئمّة الرجال ، وبفوات التراجم ضاعت عنّا أسماء كتبهم المقروءة عليهم أو المسموعة عنهم ، وأسانيد الأحاديث المروية في كتبنا الموجودة اليوم تدلّنا على وجود تلك الكتب في أعصارهم ، فإنّ الرواية عن أحد في تلك الأعصار لم تكن إلا بالقراءة أو السماع من كتابه ، وما كانوا يكتفون بالسماع عن ظهر القلب كما لا يخفى»(3).
4 ـ تفسير ابن فضّال الكبير ، لأبي محمّـد الحسن بن علي بن فضّال الكوفي التيملي مولى تيم الله بن ثعلبة (ت 224 هـ) ، أعتقد بالفطحية ثمّ تركها ورجع عن ذلك في آخر عمره ، ذكره ابن النديم في فهرسه(4). وله
__________________
(1) الفهرست ـ للطوسي ـ : 97 رقم 162.
(2) رجال الطوسي : 334 رقم 4978 و354 رقم 5251.
(3) الذريعة 4/248.
(4) الفهرست ـ لابن النديم ـ : 171 الفنّ الخامس من المقالة السادسة.
  

كتابان آخران هما : الشواهد من كتاب الله ، والناسخ والمنسوخ.
5 ـ تفسير ابن مهزيار ، لأبي الحسن علي بن مهزيار الدورقي الأهوازي (توفّي بعد سنة 229 هـ) الثقة الوكيل للأئمّة الثلاثة : أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن الثالث عليهم‌السلام. وله أيضاً كتاب حروف القرآن كما في فهرست الشيخ الطوسي(1). ومصنف هذا الكتاب هو غير علي بن إبراهيم بن مهزيار الذي تشرّف بخدمة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
6 ـ تفسير ابن أبي شعبة ، لأبي جعفر محمّـد بن علي بن أبي شعبة الحلبي الثقة ، وهو فقيه بين الأصحاب ، يرويه عنه ابن عقدة (ت 333 هـ) بواسطتين ، فصنّفناه من أعلام القرن الثالث الهجري.
7 ـ تفسير ابن بابويه ، لأبي الحسن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي ، وهو والد الشيخ الصدوق (ت 329 هـ) ، يرويه النجاشي عنه بواسطة واحدة ، «وهذا سندٌ عال»(2). والواسطة هو شيخه المعمّر عبّاس بن عمر الكلوذاني. ويطلق على المصنّف وولده : (الصدوقان).
8 ـ تفسير ابن أسباط ، لأبي الحسن علي بن أسباط بن سالم الكوفي الثقة الراوي عن الإمام الرضا عليه‌السلام وأبي جعفر الجواد عليه‌السلام ، يرويه عنه ابن عقدة بواسطة واحدة ، ذكره النجاشي في رجاله(3).
9 ـ تفسير ابن أرومة ، لأبي جعفر محمّـد بن أرومة القمّي الذي خرج التوقيع من الإمام الهادي عليه‌السلام إلى أهل قم في براءته ممّا نسب إليه من
__________________
(1) الفهرست ـ للطوسي ـ : 152 رقم 379.
(2) الذريعة 4/241.
(3) رجال النجاشي : 252 رقم 663.
  

الغلوّ. عدّ النجاشي كتاب تفسير القرآن من تصانيفه(1).
10 ـ تفسير البرقي الصغير ، لأبي جعفر أحمد بن أبي عبـد الله محمّـد بن خالد البرقي مؤلّف كتاب الرجال وكتاب المحاسن (ت 274 أو 280 هـ). وهناك كتاب تفسيري آخر لوالده يسمّى تفسير البرقي الكبير الذي كان من أجلاّء الأصحاب.
وكتاب المحاسن يشتمل على عدّة كتب ، منها كتاب التفسير وكتاب التأويل كما قاله الشيخ الطوسي في الفهرست(2). أمّا النجاشي فقد ذكر كتاب التفسير فقط(3). وقد روى الشيخ الطوسي والنجاشي عنه كتبه بثلاث وسائط.
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام :
تفسير العسكري الذي أملاه الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام القائم بأمر الإمامة سنة 254 هـ والمستشهد سنة 260 هـ ، وهو برواية الشيخ أبي جعفر محمّـد بن علي بن بابويه القمّي ، واعتمد عليه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه ، والطبرسي في الاحتجاج ، وابن شهرآشوب في المناقب ، والمحقّق الكركي في إجازته لصفيّ الدين ، والشهيد الثاني في المنية ، والمولى محمّـد تقي المجلسي في شرح المشيخة ، وولده العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار.
وقد أثير جدلٌ واسعٌ بين علماء الإمامية حول هذا التفسير المنسوب
__________________
(1) رجال النجاشي : 330 رقم 891.
(2) الفهرست ـ للطوسي ـ : 63 رقم 65.
(3) رجال النجاشي : 76 رقم 182.
  

إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ، فهل أنّ الكتاب المسمّى بـ : تفسير الإمام العسكري عليه‌السلاممنسوب إلى الإمام عليه‌السلام وليس من إملائه؟
لو تفحّصتَ الكتب الرجالية لاستخلصتَ أنّ للإمام العسكري عليه‌السلامكتابين في التفسير :
الأوّل : جمعه الحسن بن خالد البرقي كما ذكره ابن شهرآشوب في معالم العلماء(1) ، وهو تفسير يقع في مائة وعشرين مجلّداً ، ولم يصلنا هذا الكتاب.
الثاني : جمعه يوسف بن محمّـد بن زياد وعلي بن محمّـد بن سيار (وهما مجهولان في علم الرجال) ورواه عنهما الاسترآبادي المعروف بأبي الحسن الجرجاني المفسّر (وهو مجهول الحال أيضاً) ، وهذا الكتاب المتداول هو المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام.
وقد انقسم الرأي العلمي حول هذا الكتاب وتخندق حول معسكرين :
الأوّل : قال بأنّ الكتاب ضعيف ولا يمكن أن يصدر من عالم من العلماء فضلاً عن المعصوم عليه‌السلام. ومن روّاد هذا المعسكر : العلاّمة الحلّي ، والمحقّق الداماد ، والشيخ البلاغي ، والسيّد الخوئي. نقده السيّد الخوئي قدس‌سرهبالقول : «... هذا مع أنّ الناظر في هذا التفسير لا يشكّ في أنّه موضوع ، وجلّ مقام عالم محقّق أن يكتب مثل هذا التفسير فكيف بالإمام عليه السلام»(2).
الثاني : قال بأنّ الكتاب أثر من آثار أهل البيت عليهم‌السلام وينبغي أن
__________________
(1) معالم العلماء لابن شهرآشوب : 70 رقم 189.
(2) معجم رجال الحديث 13/157 رقم 8442.
  

يؤخذ بعين الاعتبار. ومن روّاد هذا المعسكر : المجلسي الأوّل (الأب) والمجلسي الثاني (الإبن). قال المجلسي : «وتوهّم أنّ مثل هذا التفسير لا يليق أن ينسب إلى المعصوم مردود ، ومن كان مرتبطاً بكلام الأئمّة يعلم أنّه كلامهم عليهم‌السلام ، واعتمد عليه شيخنا الشهيد الثاني ونقل أخباراً كثيرة منه في كتبه ، واعتماد التلميذ الذي كان مثل الصدوق يكفي ، عفا الله عنّا وعنهم»(1).
وروى الشيخ الصدوق عن هذا التفسير أخباراً في الأمالي والتوحيد ومعاني الأخبار.
والملاحظ أنّ الروايات في هذه الكتب الثلاثة تشمل الصحيحة والضعيفة ، فلا يعني ذلك صحّة اعتماد الشيخ الصدوق عليه.
أمّا في من لا يحضره الفقيه الذي قال فيه الصدوق بأنّه لا يذكر فيه إلاّ الروايات التي يراها حجّة بينه وبين ربِّه عزّوجلّ فقد روى رواية في التلبية اختلف الفقهاء في كونها من هذا التفسير أو من غيره. وبالإجمال ، فإنّ موقف الشيخ الصدوق لا يساعد على توثيق التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام.
وقد أفرد الشيخ البلاغي (ت 1352 هـ) رسالة خاصّة في إبطال نسبة هذا التفسير إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ، قال : «وأمّا التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام فقد أوضحنا في رسالة منفردة في شأنه أنّه مكذوب موضوع ، وممّا يدلّ على ذلك نفس ما في التفسير من التناقض والتهافت في كلام الراويين وما يزعمان أنّه رواية ، وما فيه من مخالفة
__________________
(1) روضة المتّقين 14/250 باب الميم.
  

الكتاب المجيد ومعلوم التاريخ ، كما أشار إليه العلاّمة في الخلاصة وغيره»(1).
وبالإجمال ، فإنّه لا يمكن الاعتماد على صحّة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام. وأقلّ ما يقال في المقام هو : إنّه ينبغي تمييز الروايات الصحيحة عن السقيمة عبر مطابقتها بالروايات الصحيحة في الكتب الروائية الأُخرى.


4 ـ مدرسة القرن الرابع الهجري :
تميّز هذا القرن بغزارة الإنتاج فيما يتعلّق بتفسير القرآن ، فقد كتب في تفسير القرآن : عليّ بن إبراهيم القمّي ، ومحمّد بن مسعود العيّاشي ، وابن أبي الثلج ، وابن الحجّام ، وابن عقدة ، وابن الوليد ، وابن فرات الكوفي ، ومحمّد بن إبراهيم النعماني ، والشيخ الصدوق. إلاّ أنّ هذا الإنتاج تميّز بميزتين :
الأولى : إنّ الكتب التفسيرية الرئيسية التي وصلتنا قد مسّتها يد التلاعب ـ بقصد أو دون قصد ـ فأضعفت من قيمتها العلمية ، خصوصاً وإنّ تلك التفاسير كانت مبنيّة أساساً على التفسير الروائي الذي يكون فيه السند
 

عنصر أساسي لمعرفة قيمة الكتاب ، فقد حُذفت أسانيد تفسير العيّاشي من قبل الناسخ ، بينما نُسب إلى القمّي تفسير ليس من تصنيفه وهو تفسير عليّ ابن إبراهيم.
الثانية : إنّ التفاسير الأُخرى التي كتبت ونعتقد بصحّة نسبتها إلى مصنّفيها لم تصلنا بصورتها المستقلّة.
أ ـ تفاسير القرن الرابع التي وصلتنا :
1 ـ تفسير عليّ بن إبراهيم :
عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي (ت بعد سنة 307 هـ) وكتابه تفسير القمّي ويطلق عليه أيضاً تفسير عليّ بن إبراهيم. والمصنّف ثقة ، بل يعدُّ من أجلّ الرواة الشيعة الذين عاشوا في عصر الإمام العسكري عليه‌السلام ، وقد روى عنه محمّد بن يعقوب الكليني ، وحكى الشيخ النجاشي (ت 450 هـ) والشيخ الطوسي (ت 460 هـ) أنّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيّين في مدينة قم(1) ، وكان أبوه إبراهيم بن هاشم شيخ القمّيّين ووجههم ، وروى الصدوق (ت 381 هـ) في عيون أخبار الرضا عليه‌السلام عن حمزة بن محمّد بن أحمد عن عليّ بن إبراهيم(2).
ومنهج الكتاب هو تفسير الآيات القرآنية تفسيراً مزجياً ، ومن ذلك تفسيره الآيات 109 ـ 120 من سورة المائدة فيقول : «وقوله : (إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ـ إلى قوله ـ وَاشْهَدْ
__________________
(1) رجال النجاشي : 6 رقم 18 ، الفهرس ـ للطوسي ـ : 35 رقم 6.
(2) تفسير القمي 1 / 10 ، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 1 / 170 ح 24 و 226 ح 13 ، و 2 / 262 ح 43 و 264 ح 47.
  

بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (1) فإنّه محكم ، وأمّا قوله : (إِذْ قَالَ الْحَوارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّماءِ) (2) قال عيسى : (اتَّقُوا الله إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ) (3). قالوا كما حكى الله : (قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (4). فقال عيسى : (اللّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاَِوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (5). فقال الله احتجاجاً عليهم : (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ) (6). فكانت تنـزل المائدة عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون حتّى يشبعون ثمّ ترفع ، فقال كبراؤهم ومترفوهم : لا ندع سفلتنا يأكلون منها ، فرفع الله المائدة ومسخوا قردة وخنازير. قوله : (وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ الله) (7) فلفظ الآية ماض ومعناه مستقبل ، ولم يقله بعد وسيقوله. وذلك أنّ النصارى زعموا أنّ عيسى قال لهم : اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله ، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى بن مريم فيقول له : أأنت قلت لهم ما يدّعون عليك : اتّخذوني وأمي إلهين؟ فيقول عيسى : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 110 ـ 111.
(2) سورة المائدة 5 : 112.
(3) سورة المائدة 5 : 112.
(4) سورة المائدة 5 : 113.
(5) سورة المائدة 5 : 114.
(6) سورة المائدة 5 : 115.
(7) سورة المائدة 5 : 116.
  

لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ـ إلى قوله ـ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ) (1). والدليل على أنّ عيسى لم يقل لهم ذلك قوله : (هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) (2)»(3).
وتفسير عليّ بن إبراهيم من أشهر تفاسير المدرسة الإمامية وأقدمها ، فرواياته مرويّة عن الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام مع قلّة الوسائط والأسانيد. وعاش مصنّفه زمن الإمام العسكريّ عليه‌السلام ، وأبوه الذي روى تلك الأخبار لابنه كان من أصحاب الإمام الرضا عليه‌السلام ، والكتاب يتكفّل ببيان الآيات القرآنية بتوجيه من أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
والسؤال الذي طرحه الفقهاء لاحقاً هل أنّ الكتاب الموجود بين أيدينا هو نفسه تفسير عليّ بن إبراهيم أم أنّه كتاب آخر منسوب إليه؟
والتحقيق أنّ التفسير الموجود لدينا اليوم والموسوم بـ : تفسير القمّي هو ليس التفسير الأصلي لعليّ بن إبراهيم ، بل هو كتاب أبي الفضل تلميذ عليّ بن إبراهيم ، وذلك للقرائن التالية :
1 ـ خلوّ تفسير عليّ بن إبراهيم من روايات الأئمّة عليهم‌السلام دفع بتلميذه أبي الفضل إلى إدخال بعض الروايات المرويّة عن الإمام الباقر عليه‌السلام التي أملاها على أبي الجارود ، ثمّ أضاف روايات أخر عن سائر مشايخه ممّا يتعلّق بتفسير الآية ويناسب ذكرها في ذيلها ولم تكن موجودة في تفسير عليّ بن إبراهيم. وقد التفت إلى ذلك العلاّمة آغا بزرك الطهراني فقال في الذريعة :
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 116 ـ 117.
(2) سورة المائدة 5 : 119.
(3) تفسير القمي 1 / 190.
  

«وبالجملة يظهر من هذا الجامع أنّ بناءه على أن يفصّل ويميّز بين روايات علي بن إبراهيم وروايات تفسير أبي الجارود بحيث لا يشتبه الأمر على الناظرين في الكتاب ... وإنّما يعرف طبقة أبي الفضل ومقدار معلوماته عن مشايخه ومرويّاته ، وإلاّ فلم يوجد لأبي الفضل العبّاس هذا ذكر في الأصول الرجالية»(1).
2 ـ اجتهاد أبي الفضل في إضافة روايات جديدة إلى متن الكتاب خصوصاً من أبي الجارود قد أفقد الكتاب أهمّيّته التأريخية والتفسيرية ، ذلك أنّ عليّ بن إبراهيم ثقة جليل يركن إليه في الرواية ، أمّا أبو الفضل فهو على أدنى الاحتمالات مجهول في الأصول الرجالية ، ولذلك قيل : «إنّ هذا التفسير منسوب إليه [أي إلى علي بن إبراهيم] من غير أن يكون من صنعه ، وإنّما هو تلفيق من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل عبّاس بن محمّد العلويّ وقسط وافر من تفسير أبي الجارود ، وزياد بن منذر ، ضمّه إليها أبو الفضل وأكمله بروايات من عنده ، كما وضع له مقدّمة وأورد فيها مختصراً من روايات منسوبة إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام في صنوف آي القرآن»(2).
3 ـ بعض الروايات في الكتاب مرويّة بواسطة أو بواسطتين إلى إبراهيم بن هاشم ، مثلاً روى في ص 342 هكذا : «حدّثنا أبو العبّاس قال : حدّثنا محمّد بن أحمد قال : حدّثنا إبراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني» ، فكيف إذن ينسب الكتاب إلى علي بن ابراهيم؟!
4 ـ إنّ في مقدّمة الكتاب أقوالاً بتحريف القرآن ، وفي عرض الكتاب نقل أخباراً تشتمل على الغلوّ والوهن.
__________________
(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 4 / 305.
(2) صيانة القرآن من التحريف : 187.
  

وقيل : إنّ جمع الأخبار الضعيفة مع المسندة لا يدلُّ على القبول بحجيّتها ولا يدلُّ على اعتقاده بما رواه أبو الفضل.
ويُردُّ على ذلك أنّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام قد وضعوا طريقاً للأخذ بالروايات الصحيحة المسندة خصوصاً في فضائل القرآن والتمسّك بأهل البيت عليهم‌السلام والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والتحريف والتأويل ، ولا يمكن الخروج عن تلك الأصول والقواعد.
وزبدة الكلام أنّ عليّ بن إبراهيم من أجلّ الرواة الشيعة وأوثقهم في عصر الإمام العسكريّ عليه‌السلام ، إلاّ أنّ كتاب تفسير القمّي أو تفسير عليّ بن إبراهيم الموجود بين أيدينا حاليّاً منسوب إلى عليّ بن إبراهيم وليس من تصنيفه ، ولذلك لم يأخذ أغلب الفقهاء في المدرسة الإمامية بذلك الكتاب.
2 ـ تفسير العيّاشي :
والمصنّف هو أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلمي السمرقندي (من أعلام القرن الرابع الهجري) ، وتفسيره معروف بـ : تفسير العيّاشي ، ومن المحتمل أنّه توفّي سنة 320 هـ ، وهو من مشايخ الكشّي ومن طبقة ثقة الإسلام الكليني (ت 329 هـ) ، ويروي كتبه عنه ولده جعفر بن محمّد بن مسعود.
أثنى عليه ابن النديم وقال : «هو من فقهاء الشيعة الإمامية ، أوحد دهره وزمانه في غزارة العلم ، ولكتبه بنواحي خراسان شأن من الشأن ...»(1).
__________________
(1) الفهرس ـ لابن النديم ـ : 245.
  

وذكره ابن داود في رجاله ، فقال : «هو ثقة صدوق غير أنّه يروي عن الضعفاء ، كان عامّيّاً فاستبصر. قيل : إنّه أنفق في العلم تركة أبيه وهي ثلاثمائة ألف دينار ، وكانت داره كالمدرسة للمشتغلين ، صنّف أكثر من مائتي كتاب»(1).
قال صاحب الروضات : «[للعيّاشي] كتاب التفسير المشهور الذي هو على مذاق الأخبار بل التنـزيل على فضائل أهل البيت الأطهار ، أشبه شيء بـ : تفسير علي بن إبراهيم وتفسير فرات المشهورين»(2).
وقال النجاشي في حقّه : «يروي عن الضعفاء كثيراً»(3).
والكتاب الموجود لدينا اليوم محذوف الأسانيد. ولم يصل هذا التفسير إلى يد العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) ومعاصريه إلاّ وقد حذفت الأسانيد من نصفه الأوّل. كُتب في بداية ذلك النصف ما يلي : «الحمد لله على إفضاله والصلاة على محمّد وآله ، وقال العبد الفقير إلى رحمة الله : إنّي نظرت في التفسير الذي صنّفه أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلمي بإسناده ، ورغبت إلى هذا وطلبتُ من عنده سماعاً من المصنّف أو غيره ، فلم أجد في ديارنا من كان عنده سماع أو إجازة منه ، حذفتُ منه الإسناد وكتبتُ الباقي على وجهه ، ليكونَ أسهل على الكاتب والناظر فيه ، فإن وجدتُ بعد ذلك من عنده سماع أو إجازة من المصنّف اتّبعت الأسانيد وكتبتها على ما ذكره المصنّف ، أسأل الله تعالى التوفيق لإتمامه ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب»(4).
__________________
(1) رجال ابن داود : 335.
(2) روضات الجنّات : 530. الطبعة الثانية.
(3) رجال النجاشي : 35.
(4) تفسير العيّاشي : 2.
  

وبذلك أصبحت الروايات المرويّة في تفسير العيّاشي مراسيل لا نعلم طبيعة سندها ، خصوصاً وأنّ كثرة روايته عن الضعفاء توجب تقوية احتمال كون الأسانيد المحذوفة مشتملة على الضعفاء.
وأثار ذلك نقاشاً حادّاً بين علماء الإمامية ، فقد أشار المجلسي في بداية كتابه بحار الأنوار إلى ذلك قائلاً : «وكتاب التفسير لمحمّد بن مسعود السلمي المعروف بالعيّاشي الشيخ الثقة الراوية للأخبار ، روى عنه الطبرسي وغيره ، ورأينا منه نسختين قديمتين ، وعدّ في كتب الرجال من كتبه ، لكن بعض الناسخين حذف أسانيده للاختصار وذكر في أوّله عذراً أشنع من جرمه»(1).
وعرض الشيخ المامقاني قدس‌سره موضوع الجرح والتعديل فقال : «قيل : إنّ بعض شرّاح التهذيب والاستبصار ـ والظاهر أنّه الشيخ المحقّق محمّد نجل الشهيد الثاني رضي‌الله‌عنه ـ قدح في توثيق العيّاشي بكونه في أوّل أمره عامّيّاً فلا يعلم أنّ الجرح والتعديل للرجال الذي ينسب إليه هل كان قبل التبصّر أو بعده»(2).
وردّ الشيخ التستري في قاموس الرجال : «لو كان نقل خبراً عامّيّاً يكون معلوماً ولا مجال للالتباس»(3).
ثمّ قال المامقاني : «هو تبصّرَ وعادَ إلينا ، وكان حديث السنّ ، ومن تبصّر وكان له سعة بقاء مدّة بعد الاستبصار والثقة فلا إشكال ، لأنّ وثاقته المتأخّرة تمنعه من إبقاء شيء من الكذب أو نحوه ممّا لا يجوز روايته ، ولا
__________________
(1) بحار الأنوار 1 / 8 ، 28.
(2) رجال المامقاني (تنقيح المقال) 3 / 183.
(3) قاموس الرجال 8 / 377.
  

أقلّ من التنبيه إجمالاً على حال رواياته السابقة ، فإنّ سكوته يورث القطع بصحّة ما أسبقه وموافقته لعقيدته في زمان استبصاره وثقته»(1).
ومنهجه في التفسير هو أنّه يذكر في ذيل كلّ سورة من سور القرآن الروايات المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام التي يؤيّد تفسيرها.
ومن المناسب هنا أن نعرض نموذجاً لتفسيره ، ففي تفسير قوله تعالى : (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) (2) من سورة آل عمران وبعد أن يعرض أحد عشر حديثاً في ذلك يقول :
«... 12 ـ عن زرارة قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام : من داوم على صلاة الليل والوتر واستغفر الله في كلِّ وتر سبعين مرّة ثمّ واظب على ذلك سنة كتب من المستغفرين بالأسحار.
13 ـ عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : قول الله تبارك وتعالى : (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) (3) ، قال : استغفر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وتره سبعين مرّة.
14 ـ عن عمر عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : من قال في آخر الوتر في السحر : استغفر الله وأتوب إليه ، سبعين مرّة ودام على ذلك سنة كتبه الله من المستغفرين بالأسحار.
15 ـ وفي رواية أُخرى عنه : وجبت له المغفرة»(4).
والنسخة المطبوعة تبدأ بتفسير سورة الحمد حتّى سورة الكهف ، أي
__________________
(1) رجال المامقاني (تنقيح المقال) 3 / 183.
(2) سورة آل عمران 3 : 17.
(3) سورة آل عمران 3 : 17.
(4) تفسير العيّاشي 1 / 165.
  

نصف القرآن ، والنصف الآخر مفقود. وقد قدم له مقدّمة روائيّة عن فضائل القرآن (18 رواية) ، وترك الرواية التي تخالف القرآن (7 روايات) ، وفيما أنزل القرآن (6 روايات) ، وتفسير الناسخ والمنسوخ والظاهر والباطن والمحكم والمتشابه (11 رواية) ، وما عنى به الأئمّة من القرآن (8 روايات) ، وعلم الأئمّة بالتأويل (13 رواية) ، وفيمن فسّر القرآن برأيه (6 روايات) ، وكراهيّة الجدل في القرآن (4 روايات).
وزبدة الكلام أنّ هذا التفسير من التفاسير القيّمة في المدرسة الإمامية ، ومصنّفه ثقة من أعيان علماء الشيعة في القرن الرابع ، إلاّ أنّ حذف الأسانيد من قبل (العبد الفقير إلى رحمة الله) وشبهة كون المصنّف ينقل عن الضعفاء وعدم اكتماله قد قلّل من القيمة العلمية لهذا الكتاب المتميّز.
3 ـ تفسير فرات الكوفي :
تفسير فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي (ربّما توفّي في أوائل القرن الرابع) ، وهو تفسير مقتصر على الروايات عن الأئمّة الهداة عليهم‌السلام ، وقد أكثر فيه من الرواية عن الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي الذي كان من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم‌السلام.
يقول الشيخ آغا بزرك : «وقد شارك أخاه الحسن في رواية الكتب الثلاثين ، كما شاركه ابنه أحمد بن الحسين في الرواية عن جميع شيوخ أبيه ، وكذلك أكثر فيه من الرواية عن جعفر بن محمّد بن مالك البزّاز الفـزاري الكوفي (ت حدود سنة 300 هـ) ... وكذلك أكثر من الرواية عن عبيد بن كثير العامري الكوفي (ت 294 هـ) ... وقد ذكر لكلِّ من هؤلاء مشايخ كثيرة وأسانيد عديدة ، وكذلك يروي فيه عن سائر مشايخه البالغين
 

إلى نيف ومائة كلّهم من رواة أحاديثنا بطرقهم المسندة إلى الأئمّة الأطهار عليهم السلام ، وليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أصولنا الرجالية ، ولكن مع الأسف أنّه عمد بعضٌ إلى إسقاط أكثر تلك الأسانيد واكتفى بقوله مثلاً : (فرات عن حسين بن سعيد معنعناً عن فلان) وهكذا في غالب الأسانيد ، فأشار بقوله : معنعناً ، إلى أنّ الرواية التي ذكرها فرات كانت مسندة معنعنة وإنّما تركتها للاختصار. ويروي التفسير عن فرات والد الشيخ الصدوق ، وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه (ت 329 هـ) ، كما أنّه يروي والد الصدوق أيضاً عن علي بن إبراهيم المفسّر القمّي (ت بعد 307 هـ) ، ولعلّ فرات أيضاً بقي إلى حدود تلك السنة ، وأمّا الشيخ الصدوق فيروي في كتبه عنه كثيراً إمّا بواسطة والده أو بواسطة شيخه الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي ، وكما يروي الهاشمي هذا عن فرات كذلك يروي عن والد أبي قيراط جعفر بن محمّد (ت 308 هـ) فيقوّي احتمال أنّ فرات أيضاً أدرك أوائل المائة الرابعة كوالد أبي قيراط».
أوّل الكتاب : الحمد لله غافر الذنوب وكاشف الكروب وعالم الغيوب والمطّلع على أسرار القلوب.
واعتمد على هذا الكتاب من القدماء بعد الصدوقين الشيخ الحاكم أبو القاسم الحسكاني ، فينقل عن هذا التفسير في كتابه شواهد التنزيل ، وينقل عنه غياث بن إبراهيم في تفسيره ، وهو من منابع كتاب البحار. قال العلاّمة المجلسي في أوّله : وتفسير فرات وإن لم يتعرّض الأصحاب لمؤلّفه بمدح ولا قدح لكن كون أخباره موافقاً لما وصل إلينا من الأحاديث المعتبرة وحسن الضبط في نقلها ممّا يعطي الوثوق بمؤلّفه وحسن الظنّ به»(1).
__________________
(1) الذريعة 4 / 298.
  

ولكن إسقاط أسانيد الروايات كان قد أفقد هذا الكتاب ميزته العلمية ، فأصبحت الروايات مراسيل لا نعلم طبيعة سندها.
ب ـ تفاسير القرن الرابع التي لم تصلنا :
1 ـ تفسير ابن أبي الثلج ، وهو أبو بكر محمّد بن أحمد (ت 325 هـ) ، ذكره ابن النديم(1).
2 ـ تفسير ابن الحجّام ، وهو أبو عبد الله البزّاز محمّد بن العبّاس بن علي بن مروان بن ماهيار المعروف بابن الحجّام ، وسنة وفاته غير معروفة إلاّ أنّ المعروف في علم الرجال أنّ التلعكبري سمع منه سنة 328 هـ. كان كثير التأليف في علوم القرآن ، ومن تصانيفه : كتاب التفسير الكبير ، والناسخ والمنسوخ ، وكتاب قراءة أمير المؤمنين عليه‌السلام. قال صاحب الذريعة : «هو [التفسير الكبير] الذي عبّر عنه النجاشي بقوله : كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم‌السلام. ثمّ قال : وقال جماعة من أصحابنا : إنّه كتاب لم يصنّف في معناه مثله ، وقيل : إنّه ألف ورقة. ويبدو أنّ المصنّف ينقل عن الكليني ، ويكثر من النقل عن كتاب القراءات للسيّاري. وهذا التفسير كان موجوداً عند السيّد عليّ بن طاووس (ت 664 هـ) وينقل عنه كثيراً في تصانيفه. ووصفه في سعد السعود بقوله : تفسير القرآن وتأويله وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ... بروايات الصادقين عليهم‌السلام»(2).
3 ـ تفسير ابن عقدة ، وهو أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد المعروف بابن عُقدة الزيدي الجارودي (ت 333 هـ). قال الشيخ النجاشي
__________________
(1) الفهرس ـ لابن النديم ـ : 51.
(2) الذريعة 4 / 241.
  

بعدما ذكر مصنّفاته التي رواها عن جمع من مشايخه عنه : «ورأيتُ له كتاب تفسير القرآن وهو كتاب حسن ، وما رأيتُ أحداً ممّن حدّثنا عنه ذكره»(1).
بقي هذا التفسير إلى زمان السيّد ابن طاووس (ت 664 هـ) حيث نقل عنه في رسالته في محاسبة النفس ، ولكن الكتاب فُقد فلم نرَ له أثراً بعد ذلك.
4 ـ تفسير ابن الوليد ، وهو أبو جعفر محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد شيخ القمّيّين (ت 343 هـ). كان من مشايخ الشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه (ت 381 هـ) ، ويروي النجاشي تفسيره عنه بواسطة واحدة.
5 ـ تفسير الصدوق ، للشيخ أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (ت 381 هـ) ، وهو تفسير كبير ذكره النجاشي في رجاله.
6 ـ ولعليّ بن إبراهيم القمّي (ت بعد سنة 307 هـ) كتب أُخرى في القرآن الكريم ، منها : كتاب في الناسخ والمنسوخ ، وكتاب اختيار القرآن ، إلاّ أنّها لم تصل إلينا.
7 ـ تفسير النعماني ، لأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني تلميذ ثقة الإسلام الكليني (ت 329 هـ) وشريك الصفواني. قال الشيخ الحرّ : إنّي قد رأيت قطعة من تفسيره. ولعلّ مراده من القطعة هي الروايات المبسوطة التي رواها النعماني بإسناده إلى الإمام الصادق عليه‌السلام وجعلها مقدّمة تفسيره ، وهي التي دوّنت مفردة مع خطبة
__________________
(1) رجال النجاشي : 95 رقم 233.
  

مختصرة وتسمّى بـ : المحكم والمتشابه(1).
عنى مصنّفه ببيان الآيات القرآنية وفق المنهج الروائي الإمامي وأضاف إليه مباحث أصولية من قبيل مباحث الألفاظ.
5 ـ مدرسة القرن الخامس الهجري :
ويحمل هذا القرن ملامح التأسيس لعلوم الإسلام خصوصاً في الفقه والأصول وعلوم القرآن. وقد شهدت تلك الفترة بروز علماء من الطراز الأوّل كالشيخ المفيد (ت 413 هـ) والشيخ الطوسي (ت 460 هـ). ولا شكّ أنّ الجهد الذي بذله الشيخ الطوسي في إصدار تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن كان محاولة رائدة على مستوى الطائفة لإخراج تفسير شامل متكامل اعتمد فيه على المتواتر من أخبار أئمّة الهدى عليهم‌السلام.
الشيخ المفيد وتفسيره :
والشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (ت 413 هـ) لم يكتب تفسيراً للقرآن الكريم ، ولكن ما حرّره في بحوثه العقائدية والتاريخية والفقهية قد جُمع لاحقاً في كتاب سُمّي بـ : تفسير الشيخ المفيد.
جُمعت المباحث التفسيرية في هذا الكتاب طبقاً لتسلسل القرآن الكريم بدءً بسورة الفاتحة ، ولكن المحور في التفسير كان ردّ الشبهات المتداولة حول موضوع الآيات ، وقد اعتمد الشيخ المفيد في تفسيره على تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنّة وبضمنها الروايات المروية عن
__________________
(1) الذريعة 4 / 318.
  

أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، وعلى الشواهد الأدبية والمعاني اللغوية ، وتجنّب التفسير بالرأي ، ولم يأخذ بأخبار الضعفاء أو الغلاة في المباني الاعتقادية.
وأهمّ ما يميّز منهجية الشيخ المفيد قدس‌سره هو تفسير القرآن بالقرآن ، أي الاعتماد في تفسير النصّ القرآني على نصوص قرآنية أُخرى ، ففي موضع الاستطاعة مثلاً في تفسير قوله تعالى : (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (1) أرجع الأمر إلى قاعدة كلّية هي في الصحّة والقدرة ، فقال : «والاستطاعة في الحقيقة هي الصحّة والسلامة ، فكلّ صحيح فهو مستطيع ، وإنّما يعجز الإنسان ويخرج عن الاستطاعة بخروجه عن الصحّة ، وقد يكون مستطيعاً للفعل من لا يجد آلة له ويكون مستطيعاً ممنوعاً من الفعل ، والمنع لا يضارّ الاستطاعة وإنّما يضارّ الفعل ، ولذلك يكون الإنسانُ مستطيعاً للنكاح وهو لا يجد امرأة ينكحها ، وقد قال الله تعالى : (وَمَن لَم يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُـحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) (2) ، فبيّن أنّ الإنسان يكون مستطيعاً للنكاح وهو غير ناكح ، ويكون مستطيعاً للحجّ قبل ان يحجّ ، ومستطيعاً للخروج قبل أن يخرج ، قال الله تعالى : (وَسَيَحْلِفُونَ بِالله لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) (3) ، فخبّر أنّهم كانوا مستطيعين للخروج فلم يخرجوا ، وقال سبحانه : (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (4) ، فأوجب الحجَّ على النّاس ، والاستطاعة قبل الحجّ»(5).
__________________
(1) سورة آل عمران 3 : 97.
(2) سورة النساء 4 : 25.
(3) سورة التوبة 9 : 42.
(4) سورة آل عمران 3 : 97.
(5) تصحيح الاعتقاد ـ من مصنفات الشيخ المفيد 5 / 63.
  

وإذا نظرت بإمعان إلى تفسير الشيخ المفيد فإنّك ترى أنّه لا يخلو من ثقافة عصره في علم الكلام واللغة والشواهد الأدبية. لاحظ كيف يفسّر معنى الظاهر والباطن في القرآن ، فيقول : «معاني القرآن على ضربين : ظاهر وباطن.
والظاهر : هو المطابق لخاصّ العبارة عنه تحقيقاً على عادات أهل اللسان ، كقوله تعالى : (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (1) ، فالعقلاء العارفون باللسان يفهمون من ظاهر هذا اللفظ المراد.
والباطن : هو ما خرج عن خاصّ العبارة وحقيقتها إلى وجوه الاتّساع ، فيحتاج العاقل في معرفة المراد من ذلك إلى الأدلّة الزائدة على ظاهر الألفاظ ، كقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الْصَّلاَةَ وَآتُوا الْزَّكَاةَ) (2) ، فالصلاة في ظاهر اللفظ هي الدعاء حسب المعهود بين أهل اللغة وهي في الحقيقة لا يصحّ منها القيام ، والزكاة هي النموّ عندهم بلا خلاف ولا يصحّ أيضاً فيها الإتيان. وليس المراد في الآية ظاهرها وإنّما هو أمر مشروع ، فالصلاة المأمور بها فيها هي أفعال مخصوصة مشتملة على قيام وركوع وسجود وجلوس ، والزكاة المأمور بها فيها هي إخراج مقدار من المال على وجه أيضاً مخصوص ، وليس يفهم هذا من ظاهر القول ، فهو الباطن المقصود»(3).
أقول : وهذا تخريج لغوي يطابق الحقيقة الشرعية في الكلمات ومعانيها.
__________________
(1) سورة يونس 10 : 44.
(2) سورة البقرة 2 : 43.
(3) تفسير الشيخ المفيد المستخرج من تراثه : 4.
  

وللشيخ المفيد تصانيف أُخرى حول القرآن الكريم ، منها : النصرة في فضائل القرآن ، والبيان في تأليف القرآن ، والكلام في وجوه إعجاز القرآن.
الشيخ الطوسي والتبيان الجامع لعلوم القرآن :
وكان من أبرز علماء هذه الفترة الشيخ الطوسي أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ (ت 460 هـ) ، وكتابه تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن في عشرة مجلّدات ، وهو تفسير شامل للقرآن الكريم عرض فيه المصنّف قدس‌سره لعلوم القرآن كالقراءة واللغة والإعراب وأسباب النزول والنظم والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ونحوها ، ويعدُّ هذا التفسير من الكتب المعتمدة لدى الطائفة لأنّه يفسّر القرآن بالقرآن ويعتمد على مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ويدافع عن عقيدتهم ويكثر النقل عنهم عليهم‌السلام.
يقول الشيخ الطوسي في مقدّمة تفسيره : «فإنّ الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب أنّي لم أجد أحداً من أصحابنا قديماً وحديثاً من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن ويشتمل على فنون معانيه ، وأنّ المؤلّفين السابقين قد تباينت طرقهم في تفسير القرآن ، فاستوعب بعضهم كلّ ما قيل من الفنون ، وقصر آخرون فاقتصروا على ذكر الغريب ومعاني الألفاظ ، وسلك الباقون المتوسّطون في ذلك مسلك ما قويت فيهم مننهم وتركوا ما لا معرفة لهم به ، فاهتّم بعضهم بالإعراب ، وآخرون باللغة ، وآخرون بالمعاني الكلامية. وأصلح من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصراً : محمّد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني وعليّ بن عيسى الرمّاني ، غير أنّهما أطالا الخطب فيه وأوردا فيه كثيراً ممّا لا يحتاج [إليه] ، وأنا أشرع في
 

ذلك على وجه الإيجاز والاختصار لكلِّ فنٍّ من فنونه ، ولا أطيل فيملّهُ الناظر فيه ، ولا اختصر اختصاراً يقصر فهمه عن معانيه»(1).
وأكّد الشيخ الطوسي قدس‌سره في موارد عديدة على فضل القرآن وعظمته وعدم تحريف القرآن ونـزوله بحرف واحد ، وأشار أيضاً إلى معنى ظاهر القرآن وباطنه ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه ، ونقل عن سبيويه والزجّاج وأبي عليّ الفارسي فيما يخصّ الإعراب ، وعن الخليل الفراهيدي فيما يخصّ اللغة.
ويعرض الشيخ الطوسي قدس‌سره في مقدّمته جانباً من الطبيعة العلمية التفسيرية لمجتمع القرن الخامس الهجري ، فيصنّف من اشتغل بالتفسير إلى ثلاثة أصناف :
الأوّل : الممدوح في منهجه كابن عبّاس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم.
الثاني : المذموم في منهجه كأبي صالح والسّدي والكلبي وغيرهم.
الثالث : المتأخّرون الذين كان همّهم نصر مذاهبهم ولا ينبغي لأحد أن يقلّدهم.
ويرسم قاعدة كلّية للتفسير وهي الرجوع إلى الأدلّة الصحيحة : العقلية والشرعية من إجماع أو نقل متواتر ، فيقول : «ولا ينبغي لأحد أن ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلاً أو يقلّد أحداً من المفسّرين إلاّ أن يكون التأويل مجمعاً عليه ، فيجب اتّباعه لمكان الإجماع ، لأنّ من المفسّرين من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عبّاس والحسن وقتادة
__________________
(1) انظر : تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن 1 / 2.
  

ومجاهد وغيرهم ، ومنهم من ذمّت مذاهبه كأبي صالح والسّدي والكلبي وغيرهم ، هذا في الطبقة الأولى. وأمّا المتأخّرون فكلّ واحد منهم نصر مذهبه وتأوّل على ما يطابق أصله ، ولا يجوز لأحد أن يقلّد أحداً منهم بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلّة الصحيحة أمّا العقلية أو الشرعية من إجماع عليه أو نقل متواتر به عمّن يجب اتّباع قوله ، ولا يقبل في ذلك خبر واحد خاصّة إذا كان بما طريقه العلم»(1).
واستخدم الشيخ الطوسي المباحث اللغوية والنحوية كوسيلة من وسائل الاقتراب من المعاني الذهنية للقرآن الكريم ، فكان يتعرّض للّغة بشتّى فروع الكلمة وأصولها وبما يشابهها من الألفاظ ، ويستخدم النحو والتصريف والاشتقاق والبلاغة وغيرها من الوسائل لشرح معاني القرآن وأهدافه ، وكان قدس‌سره يلتزم بما أجمعت عليه الطائفة الحقّة أو نُقل متواتراً ، وكان لا يقبل في ذلك خبر الواحد. نعم كان يذكر آراء الفقهاء وينتصر لرأي أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ويحاكم الآراء الأُخرى وينقدها.
ومن نقده لأخبار غير صحيحة وردت في قصّة هاروت وماروت في سورة البقرة الآية 102 يقول : «إنّ الروايات التي وردت في أنّ الملكين أخطئا وركبا الفواحش فإنّها أخبار آحاد ، فمن اعتقد بعصمة الملائكة يقطع على كذبها ، ومن لم يقطع على ذلك جوّز أن تكون صحيحة ولا يقطع على بطلانها. والذي نقوله : إن كان الملكان رسولين فلا يجوز عليهما ذلك ... فأمّا ما روي أنّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سُحِرَ وكان يرى أنّه يفعل ما لم يفعله وأنّه لم يفعله فأخبار آحاد لا يلتفت إليها ، وحاشى النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من كلِّ صفة نقص
__________________
(1) تفسير التبيان 1 / 6.
  

إذ تنفر من قبول قوله ، لأنّه حجّة الله على خلقه وصفيُّه من عباده واختاره الله على علم منه فكيف يجوز ذلك مع ما جنّبه الله من الغظاظة والغلظة وغير ذلك من الأخلاق في الدنيئة ... وقد قال الله تعالى : (وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (1) ، وقد أكذب الله من قال : إن يتّبعون إلاّ رجلاً مسحوراً ، فقال : (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً) (2) ، فنعوذ بالله من الخذلان»(3).
وقد قام بعض العلماء باختصار تفسير التبيان ، ومن ذلك مختصر التبيان لأبي عبد الله محمّد بن المنصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (ت 598 هـ) صاحب السرائر(4) ، ومنها مختصر التبيان في تفسير القرآن لأبي عبد الله محمّد بن هارون المعروف بابن الكيّال(5).
تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى لعلماء القرن الخامس ، ومنها :
1 ـ تفسير أبي يعلى الجعفري ، وهو الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري خليفة الشيخ المفيد (ت 413 هـ).
2 ـ التفصيل الجامع لعلوم التنزيل ، لأبي العبّاس أحمد بن عماد (ت بعد سنة 430 هـ).
3 ـ تفسير آية (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 67.
(2) سورة الفرقان 25 : 8.
(3) تفسير التبيان 1 / 384.
(4) طبع في قم ـ مكتبة آية الله المرعشي في مجلّدين سنة 1409 هـ.
(5) راجع مقدمة تفسير التبيان : ر.
  

فِيَما طَعِمُوا) (1) ، للشريف المرتضى علم الهدى (ت 436 هـ) ، عدّه النجاشي من تصانيفه(2).
4 ـ تفسير آية (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَاحَرَّمَ رَبُّكُمْ) (3) ، للشريف المرتضى علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي (ت 436 هـ) ، ذكره النجاشي(4).
5 ـ تفسير الشريف المرتضى ، لعلم الهدى (ت 436 هـ) ، ويسمّى أيضاً : بـ : أمالي التفسير أو مجالس التأويلات أو الغرر والدرر.
6 ـ تفسير النجاشي ، لأبي العبّاس أحمد بن علي بن أحمد (ت 450 هـ). ذكر الشيخ ابن شهرآشوب (ت 588 هـ) في كتاب الأسباب والنـزول إسناده إلى هذا التفسير ثمّ أحال إليه في أوّل مناقبه(5) أيضاً ، فيظهر أنّه كان موجوداً في عصره.
7 ـ تفسير آية الخلق(6) ، للخواجة عبد الله الأنصاري (ت 481 هـ). ترجمه في الروضات(7).
6 ـ مدرسة القرن السادس الهجري :
وهذا القرن هو قرن الشيخ الطبرسي (ت 548 هـ) صاحب مجمع
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 93.
(2) الذريعة 4 / 332.
(3) سورة الأنعام 6 : 151.
(4) الذريعة 4 / 328.
(5) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 1 / 13 مقدّمة المؤلّف.
(6) الذريعة 4 / 317.
(7) الذريعة 4 / 327.
  

البيان في تفسير القرآن ، والراوندي (ت 573 هـ) صاحب فقه القرآن ، وابن شهرآشوب (ت 588 هـ) صاحب متشابه القرآن. وتلك التفاسير هي ثمرة نضوج العلوم القرآنية في المدرسة الإمامية في القرن السادس.
الشيخ الطبرسي ومجمع البيان :
أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) ، وكتابه مجمع البيان في تفسير القرآن في عشرة أجزاء (في ستّة مجلّدات) من أشمل التفاسير البيانية والأدبية ، حيث اعتنى المصنّف بحجج اللغويّين ومسائل الخلاف ، وله خصوصية في الترتيب والتبويب والتنسيق والتهذيب. قال في المقدّمة : «قد كنتُ في عهد ريعان الشباب وحداثة السنّ وريّان العيش ونظارة الغصن كثير النـزاع قلق التشوّق شديد التشوّف إلى جمع كتاب في التفسير ينتظم أسرار النحو اللطيفة ولمع اللغة الشريفة ، ويفي موارد القراءات من متوجّهاتها مع بيان حججها الواردة من جميع جهاتها ، ويجمع جوامع البيان في المعاني المستنبطة من معادنها المستخرجة من كوامنها ، إلى غير ذلك من علومه الجمّة مطلعة من الغلق والأكمة ، فيعترض لذلك جوائح الزمان وعوائق الحدثان ، وواردات الهموم وهفوات القدر المحتوم»(1).
منهجه في التفسير هو ذكر السورة مكّية كانت أو مدنية ، وبيان الاختلاف في القراءات والعلل والاتّجاهات والإعراب وأسباب النزول والمعاني والأحكام والتأويلات والقصص ، وكان يشير في كلّ مقام إلى ما روي عن أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير الآيات بالوجوه والبيّنات مع الاعتدال
__________________
(1) مجمع البيان 1 / 76.

وحسن الاختيار ، واعتمد في تفسيره أيضاً على أقوال الصحابة والتابعين مثل : عبد الله بن عبّاس والحسن البصري وقتادة بن دعامة ومجاهد بن جبر والجبُّائي والسدّي وعبد الله بن مسعود وغيرهم ، ونقل أيضاً عن تفسير التبيان للشيخ الطوسي ، بل وأشاد به في أكثر من موضع. ويبدو أنّ المصنّف لم يلتفت إلى أنّ منهج السدّي ممّن وصفه الشيخ الطوسي بالمنهج أو المذهب المذموم.
يقول في تفسير قوله تعالى : (قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْء وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (1) : «استدلّت المجبرة بقوله تعالى : (خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (2) على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله ، لأنّ ظاهر العموم يقتضي دخول أفعال العباد فيه ، وبقوله : (أَمْ جَعَلُوا لله شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) (3) ، قالوا : لأنّه أنكر أن يكون خلق كخلقه. وأجيب عن ذلك بأنّ الآية وردت حجّة على الكفّار ، إذ لو كان المراد ما قالوا لكان فيها حجّة لهم على الله ، لأنّه إذا كان الخالق لعبادتهم الأصنام هو الله فلا يتوجّه التوبيخ إلى الكفّار ولا يلحقهم اللوم بذلك ، بل يكون لهم أن يقولوا : إنّك خلقت فينا ذلك ، فلم توبّخنا على فعل فعلته فينا؟! فتبطل حينئذ فائدة الآية»(4).
ويقول في تفسير قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (5) : «اُختلف فيه على وجهين :
أحدهما : إنّ المراد إلى ثواب ربّها ناظرة ، أي : هي ناظرة إلى نعيم
__________________
(1) سورة الرعد 13 : 16.
(2) سورة الرعد 13 : 16.
(3) سورة الرعد 13 : 16.
(4) مجمع البيان 5 ـ 6 / 285.
(5) سورة القيامة 75 : 22 ـ 23.

الجنّة حالاً بعد حال فيزداد بذلك سرورها ، وذَكَرَ الوجوه والمراد أصحاب الوجوه ، روي ذلك عن جماعة من علماء المفسّرين من الصحابة والتابعين لهم وغيرهم ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ ...) (1) أي أمر ربِّك ، وقوله : (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (2) ، أي : إلى طاعة العزيز الغفّار وتوحيده ...
والآخر : إنّ النظر بمعنى الرؤية ، والمعنى : تنظر إلى الله معاينة ، رووا ذلك عن الكلبي ومقاتل وعطاء وغيرهم»(3).
ثمّ استدلّ على نفي جواز تلك الرؤية لغةً وعقلاً ، وعليه إجماع الإمامية في امتناع رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وفي منهجه حول الاسرائيليّات والأحاديث الموضوعة فقد كان يلفت النظر إلى اختلافها وبطلانها وردّها ، وفي حكاية داود عليه‌السلام وامرأة أوريا قال : «إنّ ذلك ممّا لا شبهة في فساده لأنّه يقدح في العدالة ، فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أُمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته وعلى حالة تنفّر من الاستماع إليه والقبول منه؟! جلّ انبياء الله عن ذلك. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : لا أُوتى برجل يزعم أنّ داود تزوّج امرأة أوريا إلاّ جلدته حدّين : حدّاً للنبوّة وحدّاً للإسلام»(4).
__________________
(1) سورة الفجر 89 : 22.
(2) سورة غافر 40 : 42.
(3) مجمع البيان 10 / 398.
(4) مجمع البيان 8 / 472 سورة ص ذيل آية 25.
  

تفسير جوامع الجامع :
تفسير جوامع الجامع ، للشيخ الطبرسي (ت 548 هـ) أيضاً ، وهو تفسير وسيط (أربعة أجزاء طبع في مجلّدين) ، بل هو مختصر تفسير مجمع البيان ، يحوي على نكات أدبية وبلاغية ، ومنهجه في التفسير هو بيان السورة وعدد آياتها وفضلها ، ثمّ قراءة آياتها ولغتها ونحوها وصرفها واشتقاقها وغيرها من علوم العربية ، ثمّ شرح الآيات وبيانها وتفسيرها. تعرّض إلى آيات الأحكام بصورة موجزة ، ومن ذلك تفسير قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ ...) (1) ، قال : «المراد إلصاق المسح بالرأس ، وأصحابنا يوجبون أقلّ ما يقع عليه اسم المسح ، وهذا مذهب الشافعي. (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قُرئ بالجرّ والنصب ، فالجرّ للعطف على اللفظ ، والنصب للعطف على محلّ الجار والمجرور. وقال جار الله : كانت الأرجل مظنّة للإسراف المذموم في صبِّ الماء عليها ، فعطفت على الممسوح لا لتُمسح ؛ لكن لينبّه على وجوب الاقتصار في صبّ الماء عليها. وهذا كلام فاسد ، لأنّ حقيقة العطف يقتضي أن يكون المعطوف في حكم المعطوف عليه ، وكيف يكون المسح في معنى الغسل وفائدة اللفظين مختلفة؟! ولفظ التنـزيل قد فرّق بين الأعضاء المغسولة والأعضاء الممسوحة ... وقد بسطنا الكلام فيه في كتاب مجمع البيان ولا يحتمل هذا الكتاب»(2).
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 6.
(2) جوامع الجامع 1 / 363.
  

والمعروف أنّ للشيخ الطبرسي ثلاثة كتب في التفسير ، هي : مجمع البيان في تفسير القرآن (وهو التفسير الكبير) ، وجوامع البيان (وهو التفسير الوسيط) ، والكاف الشاف عن الكشّاف (وهو التفسير الوجيز).
الراوندي وفقه القرآن :
فقه القرآن ، لسعيد بن هبة الله الراوندي (ت 573 هـ). والمصنّف من كبار علماء الشيعة في عصره ، ثقة ثقة عين أثنى عليه جميع المتأخّرين عنه من الفقهاء. قال ابن حجر في لسان الميزان : «ذكره ابن بابويه في تاريخ الريّ ، وقال : كان فاضلاً في جميع العلوم ، له مصنّفات كثيرة في كلّ نوع ، وكان على مذهب الشيعة»(1).
ويعدُّ هذا الكتاب أوّل تفسير لآيات الأحكام بهذه الصورة الشاملة ـ صدر في مجلّدين ـ فقد صنّف المؤلّف كتابه على أساس ترتيب المواضيع الفقهية المتداول في المدرسة الإمامية ، وجمع كلّ ما يتّصل بالموضوع الفقهي من آيات الأحكام. جاءت المواضيع الفقهية على الترتيب التالي :
الجزء الأوّل : 1 ـ كتاب الطهارة. 2 ـ كتاب الصلاة. 3 ـ كتاب الصوم. 4 ـ كتاب الزكاة ، وتعرّض فيه إلى مسائل الخمس وآياته. 5 ـ كتاب الحجّ. 6 ـ كتاب الجهاد. 7 ـ كتاب الديون والكفالات والحوالات والوكالات. 8 ـ كتاب الشهادات.
الجزء الثاني : 9 ـ كتاب القضايا. 10 ـ كتاب المكاسب. 11 ـ كتاب
__________________
(1) لسان الميزان 3 / 302 ح 3786.
  

المتاجر. 12 ـ كتاب النكاح. 13 ـ كتاب الطلاق. 14 ـ كتاب العتق وأنواعه. 15 ـ كتاب الأيمان والنذور والكفّارات. 16 ـ كتاب الصيد والذباحة. 17 ـ كتاب الأطعمة والأشربة. 18 ـ كتاب الوقوف والصدقات. 19 ـ كتاب الوصايا. 20 ـ كتاب المواريث. 21 ـ كتاب الحدود. 22 ـ كتاب الديّات.
قال المصنّف في مقدّمة الكتاب : «فإنّ الذي حملني على الشروع في جمع هذا الكتاب أنّي لم أجد من علماء الإسلام قديماً وحديثاً من ألّف كتاباً مفرداً يشتمل على الفقه الذي ينطق به كتاب الله ، ولم يتعرّض أحد منهم ما نصّ عليه لفظه أو معناه أو ظاهره أو فحواه في مجموع كان على الإنفراد صائب هدف المراد ، وإن صنّفوا في الفقه وتفسير القرآن ما لا يحاط به إلاّ على امتداد الزمان»(1).
ومنهج المصنّف هو استقراء آيات القرآن في بيان الأحكام الشرعية ثمّ تصنيف تلك الآيات بحسب الموضوع ابتداءً من الطهارة واستفادة الحكم الشرعي من القرآن أوّلاً ثمّ تأييده بما ورد من الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام. وقدّم المصنّف الآيات المبيِّنة للحكم الشرعي على سبيل التفصيل بحيث لا يحتاج الفقيه في الإفتاء بمضمونها إلى مصادر أُخرى في الاستنباط ، بل يكفي التأكّد من عدم وجود الناسخ أو المقيّد أو المخصّص لتلك الآيات ، ثمّ يشير بالدرجة الثانية إلى الآيات التي تعطي الحكم الإجمالي ، فيستعين بالأدوات المتداولة بين المفسّرين ، ويدخل في شرح الآيات التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي ، واعتمد المصنّف على البحث اللغوي في تفسيره والبحث المقارن بين المدارس التفسيرية المختلفة.
__________________
(1) فقه القرآن 1 / 403.
  

ولنعرض نموذجاً لتفسيره : قال في باب (هيئة الصلاة) : «قال الله تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (1) أمرٌ منه تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويدخل فيه جميع المكلّفين ، يأمرهم الله بالصلاة وأن ينحروا.
قال قومٌ : معناه صلّ لربّك الصلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك ، تقول العرب : منازلنا تتناحر أي تتقابل أي هذا ينحر ذا ، يعني يستقبله. وأنشد :

أبا حكم هل أنت عمّ مجالد
 
  وسيّد أهل الأبطح المتناحر(2)
 

وهذا قول الفرّاء.
وروي عن مقاتل بن حيّان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال : لمّا نزلت هذه السورة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبرئيل : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربّي؟ قال : ليست بنحيرة ، وإنّما يأمرك إذا تحرّمت للصّلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت ، فإنّه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع ، وإنّ لكلِّ شيء زينة ، وإنّ زينة الصلاة رفع الأيدي عند كلِّ تكبيرة.
وأمّا ما رووه عن عليٍّ عليه‌السلام أنّ معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة(3) فما لا يصحّ عنه ، لأنّ جميع عترته الطاهرة قد رووا عنه بخلاف ذلك ، وهو أنّ معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة حسب ما قدّمناه.
وكذا روي عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله
__________________
(1) سورة الكوثر 108 : 2.
(2) لسان العرب ـ مادة (نحر). والشعر لبعض بني أسد.
(3) الدر المنثور 6 / 403.
  

تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (1) هو رفع يديك حذاء وجهك(2). وروى مثله عنه عليه السلام عبد الله بن سنان(3).
وقال حمّاد بن عثمان : سألته ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره ، فقال : هكذا. يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة(4).
وعن جميل : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (5) فقال بيده هكذا. يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة(6).
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : رفع الأيدي من الاستكانة. قيل : وما الإستكانة؟ قال : ألا تقرأ هذه الآية : (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (7) (8).
وقد أورد الثعلبي والواحدي في تفسيريهما الحديث الذي قدّمناه عن الأصبغ عن عليٍّ عليه‌السلام وجعلا هذا الخبر من تمامه ، وهو الصحيح.
وروى جماعة عن الباقر والصادق عليهما‌السلام في قوله : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) (9) أنّ التبتيل هنا رفع الأيدي في الصلاة(10). وفي رواية : هو رفع يديك إلى الله وتضرّعك إليه. والعموم يتناولهما»(11).
__________________
(1) سورة الكوثر 108 : 2.
(2) وسائل الشيعة 4 / 728
(3) تهذيب الأحكام 2 / 66.
(4) مجمع البيان 5 / 550.
(5) سورة الكوثر 108 : 2.
(6) وسائل الشيعة 4 / 728.
(7) سورة المؤمنون 23 : 76.
(8) الدرّ المنثور 6 / 403.
(9) سورة المزمل 73 : 8.
(10) تفسير البرهان 4 / 397.
(11) فقه القرآن 1 / 107 ـ 108.
  

وللراوندي مصنّفات أُخرى في علوم القرآن ، منها :
1 ـ أسباب النـزول. 2 ـ أمّ القرآن. 3 ـ تفسير القرآن ، مختصر في مجلّدين. 4 ـ خلاصة التفاسير ، عشرة مجلّدات. 5 ـ شرح آيات الأحكام. 6 ـ شرح الآيات المشكلة في التنـزيه. 7 ـ اللباب في فضل آية الكرسي. 8 ـ الناسخ والمنسوخ. 9 ـ قصص القرآن الكريم.
ابن شهرآشوب ومتشابه القرآن :
متشابه القرآن ، لمحمّد بن عليّ بن شهرآشوب (ت 588 هـ). حفظ القرآن وله من العمر ثمان سنين ، وتقدّم في علوم عديدة كان أهمّها علوم القرآن والفقه والحديث. يعدُّ هذا الكتاب من كتب التفسير التي لا يستغنى عنها خصوصاً لمن أراد الوقوف على معاني القرآن وأسرار بلاغته. جمع المصنّف في كتابه بين التفسير والتأويل على ضوء الأخبار وأقوال المفسّرين.
يقول ابن شهرآشوب في مقدمة الكتاب : «سألتم وفّقكم الله للخيرات إملاء كتاب في بيان المشكلات من الآيات المتشابهات وما اختلف العلماء فيه من حكم الآيات ... فأجبتكم إلى ذلك»(1).
فكان هدف الكتاب هو شرح الآيات المتشابهات التي يصعب تأويلها ، أو يُزعَم أنّها متناقضة مع القواعد اللغوية ، أو ربّما احتملت معنيين أو أكثر لا يترجّح أحدها أو لا يصحّ الظاهر منها ، أو ورد عليها النسخ ، أو اختفت وراءها دلالة أو حجّة غير ظاهرة ، ونحو ذلك. وهذا الهدف هو
__________________
(1) متشابه القرآن 1 / 2.
  

تصديقٌ لقوله تعالى : (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا) (1) ، (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألْبَابِ) (2). فالتدبّر هو استخدام المنقول والمعقول في فهم مراد المولى عزّ وجلّ.
وقد تمّ الكتاب بعشرة أبواب في : التوحيد ، والعدل ، والنبوّة ، والإمامة ، والمفردات ، وأصول الفقه ، وفيما يحكم عليه الفقهاء ، والناسخ والمنسوخ ، وما جاء عن طريق النحو ، والنوادر.
ومنهج المصنّف هو تفسير القرآن بالقرآن وذلك بحمل المتشابه على المحكم ، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية كمؤيّد وشاهد ، والاعتماد على الإجماع في بعض الموارد لأنّ الإجماع يكشف عن دخول قول المعصوم عليه‌السلام فيه.
وبناءً على قاعدة (أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً) نستخلص جملة من الآيات التي تناولها المصنّف في كتابه ، ومن ذلك في قوله تعالى : (مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) (3) ، قال : «لا يجوز أن يكون على عمومه ، لأنّا قد علمنا أنّه تعالى لا يشاء أن يضلّ الأنبياء والمؤمنين ولا يهدي الكافرين ، كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (4) ، وقال : (يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) (5) ، وقال : (وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ) (6) ، وقال : (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ
__________________
(1) سورة محمّد 47 : 24.
(2) سورة ص 38 : 29.
(3) سورة الأنعام 6 : 39.
(4) سورة محمّد 47 : 17.
(5) سورة المائدة 5 : 16.
(6) سورة إبراهيم 14 : 27.
  

الْفَاسِقِينَ) (1). وتأويل (مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ) (2) أي يخذله ، بأن يمنعه ألطافه ، إذ أعرض عن الأدلّة ، فيكون كالأصمّ والأعمى»(3).
وفي قوله تعالى : (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً) (4) قال : «أي نكل بعضهم إلى بعض في الآخرة ، فنكل الذين كانوا يعصون الله بأمر هؤلاء الظالمين واتّباع أهوائهم إليهم ليوقنوا بالإياس من رحمة الله إذ كانوا لا يملكون لهم في الآخرة نفعاً ، ويدلّ على أنّه في الآخرة قوله تعالى : (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (5) ، وهو مثل قوله : (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) (6) أي نكله إلى ما كان عَبَدَهُ في الدنيا من الآلهة»(7).
ومن الموارد التي عوّل فيها المصنّف على الإجماع قوله في تفسير الآية الكريمة : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (8) : «أجمعت الأمّة أنّها نزلت في حقِّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع ، ولا خلاف بين المفسّرين في ذلك وأكّده إجماع أهل البيت عليهم‌السلام ، فأثبت ولايته على وجه التخصيص ونفى معناها عن غيره ، وإنّما عنى بوليّكم : القائم بأموركم ومن يلزمكم طاعته ، وفرض الطاعة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون إلاّ للإمام ، وثبت
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 26.
(2) سورة الأنعام 6 : 39.
(3) متشابه القرآن 1 / 139.
(4) سورة الأنعام 6 : 129.
(5) سورة الأنعام 6 : 129.
(6) سورة النساء 4 : 115.
(7) متشابه القرآن 1 / 168.
(8) سورة المائدة 5 : 55.
  

أيضاً عصمته لأنّه تعالى إذا أوجب له من فرض الطاعة مثل ما أوجبه لنفسه تعالى ولنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اقتضى ذلك طاعته في كلِّ شيء ، وهذا برهان عصمته ، لأنّه لو لم يكن كذلك لجاز منه الأمر بالقبيح ، وفي علمنا بأنّ ذلك لا يجوز عليه سبحانه ، وهو دليل على وجوب العصمة»(1).
وفي قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (2) وقوله تعالى : (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (3) قال : «يدلاّن على وجوب الإِقتداء بالنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع أفعاله إلاّ ما خُصّ به ، والإجماع الظاهر الرجوع إلى أفعاله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحكام الحوادث كالرجوع إلى أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيجب أن تكونا حجّة»(4).
تفاسيرِ أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صنّفها علماء القرن السادس ، ومنها :
تفسير ابن الكيّال أو الكال ، وهو أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن هارون بن محمّد بن كوكب الحلّي (ت 597 هـ) ، عدّ في كتاب الأمل بعضاً من تصانيفه ، منها : كتاب مختصر التبيان في تفسير القرآن ، وكتاب متشابه القرآن ، وكتاب اللحن الخفيّ ، وكتاب اللحن الجليّ(5).
7 ـ مدرسة القرن السابع الهجري :
لم نعثر على مصنَّف مستقلّ في تفسير القرآن ، إلاّ أنّ السيِّد ابن
__________________
(1) متشابه القرآن 2 / 29.
(2) سورة الاحزاب 33: 21.
(3) سورة الأعراف 7 : 158.
(4) متشابه القرآن 2 / 155.
(5) أمل الآمل 2 / 311 رقم 947.
  

طاووس (ت 664 هـ) كتب كتاب سعد السعود.
ابن طاووس وسعد السعود :
«كتاب سعد السعود للنفوس منضود ، للسيّد عليّ بن موسى بن طاووس الحلّي (ت 664 هـ) يبحث في أحوال القرآن من كيفية جمعه وتأليفه وتفسير بعض مشكلاته نقلاً عن تفاسير أُخرى»(1). قال في تأليفه : «وبعد ، فإنّني وجدتُ في خاطري يوم الأحد سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمائة ما اعتبرته بميزان الرحمة الإلهية ووجدان الألطاف الربّانية ، فوجدته وارداً عن تلك المراسم وعليه أرج أنوار هاتيك المعالم والمواسم ، في أن أصنّف كتاباً أُسمّيه : سعد السعود ...»(2).
وهذا الكتاب هو ابتكار جديد للردّ على الشبهات العقائدية ونحوها. وظاهره هو أنّه يذكر ما أوقفه من كتب على أولاده. يبدأ الكتاب في صفحات باسم الله وتحميده وشكره على آلائه ونعمائه ، ثمّ يذكر الغاية من تأليفه الكتاب ويقسّمه على بابين :
الأوّل : فيما وقّفه من المصاحف المعظّمة والربعات المكرّمة.
والثاني : فيما وقّفه من كتب تفاسير القرآن الكريم وما يختصّ به من تصانيف التعظيم.
ذكر في الباب الأوّل المصاحف مقسّمة على الفصول ، يذكر في كلّ فصل مصحفاً واحداً ويستخرج من صفحة معيّنة منه آية معيّنة ثمّ يشرح مافي تلك الآية من دلائل توحيد الله وعلمه وقدرته وأمثال ذلك.
__________________
(1) الذريعة 12 / 182.
(2) سعد السعود : 7.
  

وبعد ذكر المصاحف يقوم بذكر بعض الكتب السماوية كسنن إدريس والتوراة والإنجيل والزبور ونحوها مقسّمة على الفصول أيضاً بما يرتبط بأحوال الأنبياء وأوصافهم من آدم إلى الخاتم مع بعض المناقشات والتوضيحات.
ويذكر في الباب الثاني كتب التفسير وعلوم القرآن مقسّماً على الفصول ، يذكر في كلّ فصل ما ينقله من مقطع معيّن من كتب القرآن الكريم ثمّ يشرع بشرحه وردّ مافيه من إشكالات ويبيّن فيه نظره ، وأكثر ما نقله في هذا الباب ما يتعلّق بالإمامة وأهل البيت عليهم‌السلام ومسائل العقيدة وما يدلّ على نصرة المذهب الحقّ.
والكتاب وإن كان جديداً في طرحه إلاّ أنّه بقي ناقصاً لم يتمكّن المصنِّف من إتمامه. ومن النافع أن نعرض نموذجاً لأبحاث هذا الكتاب ، يقول :
«فصل (3) : فيما نذكره من مصحف شريف خاتم وقفناه على ولدي عليّ ، قالبه ربع الورقة جديد من وجهة ثانية من السطر التاسع وتمامها في أوّل السطر العاشر : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضِ وَاخْتِلاَفُ ألْسِنَتِكُمْ وَألْوَانِكُمْ إنَّ في ذَلِكَ لاَيَات لِلْعَالَمِينَ) (1).
أقول : وفي هذا الإيضاح من السعود لأهل الفلاح ما تضيق الأعمار عن شرح أسراره وكشف أنواره ، فإنّ في العجائب السمائية والأرضية وترتيب أفلاكها وتقديرها ومسيرها وتدبيرها وإمساكها في جهاتها واختلاف الألسن والألوان على مرور الدهور وتقلّباتها ممّا يحار العقل في وصفه وترجع الأفكار حَيْرة عن كشفه.
__________________
(1) سورة الروم 30 : 22.
  

فصل (4) : فيما نذكره من مصحف معظّم مكمّل أربعة أجزاء وقفناه على ابنتي الحافظة لكتاب الله المجيد شرف الأشراف ـ حفظته وعمرها اثنا عشر سنة ـ من الربع الثالث من وجهة ثانية قد تكررت فيها الآية قصرت على أوّله : (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ) (1).
أقول : إنّ كيفيّة ورود النوم على الإنسان من غير مرض ولا آفة بل بالتلذّذ له وهو أخو الموت المتلف لكلّ ما في الإنسان من مواهب الرحمة والرأفة حتّى يصير غائباً عمّا كان تحت يديه ومحكوماً عليه لَعجب عجيب لا يبلغ الوصف إليه ودالّ على كمال الاقتدار.
وأن يجعل الموت المختلف من جملة اللذّات والمسار ثمّ وروده بحسب راحة الأجساد واستعدادها للابتغاء من فضله من أرزاق العباد وإحيائها بالبعث منه والإعادة على النائم كما كان قد خرج عنه لَدلالات باهرات ومثالاً لإحياء الأموات ، ثمّ في مشاهدة البروق اللوامع بالخوف والرجاء بحسب المنافع وإحياء الأرض بالماء والنبات لشاهد ناطق بإعادة الأجساد الفانيات»(2).
8 ـ مدرسة القرن الثامن الهجري :
وصدر في هذا القرن تفسيران : الأوّل للعلاّمة الحلّي ، والثاني للديلمي.
__________________
(1) سورة الروم 30 : 23 ـ 24.
(2) سعد السعود : 60.
  

1 ـ نهج الإيمان في تفسير القرآن ، للحسن بن يوسف العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). لخّص فيه الكشّاف والتبيان ومجمع البيان وغيرها كما ذكره في خلاصة الأقوال بعد ذكره السرّ الوجيز أو القول الوجيز على اختلاف النسخ(1).
2 ـ تفسير أبي الفضل الديلمي ، وهو العلاّمة المفسّر أبو الفضل بن شهردوير بن بهاء الدين يوسف الديلمي الجيلاني المرقاني (من علماء القرن الثامن الهجري). وتفسيره كبير في مجلّدين ضخمين (مخطوط) على كيفية خاصّة ، وهي أنّه يكتب مقداراً من آي القرآن الشريف في وسط الصفحة ثمّ يكتب التفسير على نحو التعليق على ألفاظ الآيات في حواشيها ، ولم يبيّن محلّ التعليق بما هو المتعارف من كتابة علامة على التعليقة ومثلها على الموضع المعلّق عليه بل يعيّنه بإيصال خطٍّ طويل أو قصير بين أوّل التعليق والموضع المعلّق عليه من الآية الشريفة.
كتب المؤلّف في آخر كتابه : «تفسير كتاب الله» المتضمّن لحقايقه ودقايقه ، تولّى جمعه الفقير المحتاج إلى رحمة مولاه أبو الفضل بن شهردوير بن يوسف»(2).
وقد صرّح في تفسير آية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله) (3) بثبوت الولاية الإلهية لخصوص مؤتِ الزكاة في الركوع ، وروى حديث تفسير (الصادقين) بعليّ عليه السلام وشيعته ، وحكم بإيمان أبي طالب وأنّه مات على الإسلام بدلالة أشعاره وكلامه في مقاماته ، ويكثر فيه الرواية عن جعفر بن محمّد
__________________
(1) الذريعة 24 / 410.
(2) الذريعة 4 / 257.
(3) سورة المائدة 5 : 55.
  

الصادق عليهما‌السلام ، وكثيراً ما يوصف عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بأمير المؤمنين ، وفي أوّل سورة مريم صرّح بأنّ حديث (نحن معاشر الأنبياء لا نورّث) افتراء لاغتصاب فدك ، وأنّ المراد من (يرثني ويرث من آل يعقوب) إرث المال لا إرث العلم ، وذكر إخراج عائشة قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونعله عند كلامها على عثمان وعدم تعرّض أحد لها وعدم أخذهما عنها بدعوى أنّهما صدقة ، ثمّ أورد خطبة الزهراء سلام الله عليها واحتجاجها عليهم بعين ما ذكر في احتجاج الطبرسي ، ويكثر عن تفسير الشيخ الطبرسي (ت 548 هـ) وتفسير الزمخشري (ت 538 هـ) وتفسير الإمام الناصر للحقّ وعن غريب القرآن ودرّة الغوّاص للحريري (ت 516 هـ) وعن كشف المشكلات وغير ذلك(1).
9 ـ مدرسة القرن التاسع الهجري :
أهمّ مفسّري هذه الفترة هو السيوري الحلّي (ت 826 هـ) وكتابه كنز العرفان ، ثمّ ابن المتوّج (ت قبل سنة 836 هـ). والملاحظ أنّ صبغة التفسير في هذا القرن هي تفسير آيات الأحكام.
السيوري الحلّي وكنـز العرفان :
كنز العرفان في فقه القرآن ، لجمال الدين المقداد بن عبد الله السيُوري الحلّي (ت 826 هـ) ، في مجلّدين. وهو في تفسير آيات الأحكام. وقد قدّم المصنِّف في كتابه لأبحاث تتعلّق بعظمة آيات الأحكام وأهمّيّتها في الفقه الإسلامي. وقد وصف المصنّفات التي سبقته بأنّها إمّا
__________________
(1) الذريعة 4 / 257 ـ 258.
  

مسهبة بذكر الأقاويل أو مقصّرة بسبب الإيجاز والاختصار ، واعتبر كتابه وسطاً بينهما.
بنى مقدّمته على أمور ثلاثة ، هي :
الأوّل : ذكر فيها النصّ الظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه ، عرّفها ومثّل لبعضها من الآيات القرآنية.
الثاني : قام بتوضيح بعض مباحث الألفاظ.
الثالث : ذكر فيه عدد آيات الأحكام بنظر المشهور وهو خمسمائة آية.
ومنهج المصنِّف هو أن يعقد في أوّل كلّ بحث قرآني مبحثين : الأوّل يهتمّ ببيان الجنبة اللغوية والاصطلاحية للعنوان الفقهي ، والثاني يهتمّ بالتفسير الفقهي لآيات الأحكام. ثمّ يتطرّق إلى القراءة ، وأسباب النـزول ، والناسخ والمنسوخ ، وأرآء علماء الفريقين إزاء دلالة الآية المبحوثة ، وما يرتبط بها من مسائل.
قال مصنّف كنـز العرفان في مقدّمته : «... وقد اعتنى العلماء بالبحث عنها (أي آيات الأحكام) واستخراج السرّ الدفين منها ، لكنّي لم أظفر بكتاب في تنقيح تلك الآيات بما يبرّد الغليل ويشفي العليل ويحتوي على جملة ما يبغيه الراغب ويستطرفه الطالب ، بل إ مّا مُسهبٌ بذكر الأقاويل والأخبار أو مقصّر قد ملَّل بالإيجاز والإختصار ، فحداني ذلك على وضع كتاب يشتمل على فوائد قد خلا عنها أكثر التفاسير وفرائد لم يعثر عليها إلاّ كلّ نحرير ، وضممت إلى ذلك فروعاً فقهيّة تقتضيها نصوص تلك الآيات أو ظهورها»(1).
__________________
(1) كنـز العرفان : 11.
  

تميّز الكتاب بترتيبه أبواب الفقه بدءً بكتاب الطهارة وختاماً بكتاب الجنايات والقصاص ، وفي خصوصيته باستخراج الأحكام الشرعية من القرآن الكريم. وتميّز أيضاً بحسن التنظيم في إدخال الآيات في أبواب خاصّة لكلّ موضوع ، وبذكر آراء المذاهب الفقهية الأُخرى ، إلاّ أنّه لم يراعِ ترتيب نزول الآيات.
وعدد آيات الأحكام في كنز العرفان أكثر من أربعمائة وعشرين آية ، ولكن اذا أضيفت إليها آيات تدعو لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها كادت أن تبلغ الخمسمائة آية.
ويمكن ملاحظة آيات الأحكام بالشكل التالي :
عدد آيات العبادات :
الطهارة : 12 آية ، الصلاة 62 ، الصوم 5 ، الزكاة 15 ، الخمس والأنفال4 ، الحجّ 23 ، الجهاد 33 ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 3. فيكون المجموع هو (157) آية.
وعدد آيات المكاسب والعقود والإيقاعات وما يلحق بها :
المكاسب 6 ، البيع 10 ، الدَّين 6 ، الرهن 1 ، الضمان 2 ، الصلح 6 ، الإجارة 2 ، الشركة 3 ، المضاربة3 ، الابضاع 3 ، الإيداع 3 ، العارية 2 ، السبق والرماية 3 ، الشفعة 3 ، اللقطة 4 ، الغصب 4 ، الإقرار 6 ، الوصية 13 ، العتق 2 ، النكاح 39 ، الطلاق وما يلحق بها 22 ، العطايا 3 ، النذر 2 ، العهد 3 ، اليمين 3. وعدد آيات الأحكام 60 آية : المطاعم والمشارب 16 ، المواريث 9 ، الحدود 10 ، القصاص والجنايات 10 ، القضاء والشهادات 15. فيكون المجموع هو (214) آية.
 

ومنهج المصنّف في الكتاب يتلخّص في استثمار المنهج الفقهي في عرض الآيات القرآنية الخاصّة بالأحكام ، فيبدأ بكتاب الطهارة ثمّ كتاب الصلاة وهكذا إلى نهاية مباحث العبادات ، ويتبعه بأحكام المعاملات مبتدئاً بفقه المكاسب ومنتهياً بالقضاء والشهادات. وهذا المنهج يختصّ به هذا الكتاب دون غيره ، حيث إنّ المنهج المألوف لدى السابقين من الفقهاء هو اعتماد التسلسل القرآني للآيات الكريمة.
وقد استعرض المصنّف ما يتطلّبه البحث العلمي في الآيات الكريمة من جوانب متعدّدة كالجانب الفقهي والأدبي بفروعه من النحو واللغة وغيرها وأسباب النـزول وغير ذلك من متطلّبات البحث القرآني معتمداً في ذلك الإيجاز والاختصار.
وقد تعرّض بالنقد والعرض لآراء الفقهاء من المذاهب الإسلامية الأخرى بالإضافة إلى عرض رأي الفقهاء من الإمامية ، ويتمّم اختياره للرأي بعد مناقشة جميع الآراء معتمداً في ذلك على الحجّة والبرهان.
ونذكر فيما يلي نموذجاً من تفسيره.
يقول في تفسير الآية الكريمة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً) (1) : «الواو في (وأنتم) للحال ، ولذلك نصب (جنباً) بالعطف عليه.
__________________
(1) سورة النساء 4 : 43.
  

وقرئ : (سكرى) جمعاً كهلكى ، والسُّكر من السَّكْر بمعنى السدِّ ، قيل : المراد لا تقربوها وأنتم سكارى من خمر أو غيره حتَّى تعلموا ما تقولون. والنَّهي متوجِّه إلى الثَّمِل ، أي : الذي لم يزل عقله بعد.
وقيل : المراد النَّاعس. وقيل : المراد النهي عن السكر نفسه ، أي : لا تسكروا وأنتم مخاطبون بالصَّلاة.
وهما ضعيفان ..
أمَّا الأوَّل فلأنَّه خروج عن الحقيقة. وأمَّا الثاني فلأنَّ أكثر المفسِّرين قالوا : نزلت قبل تحريم الخمر عندهم. وأيضاً النَّهي هنا صريح عن قرب الصَّلاة لا السُّكر.
وقيل : المراد لا تقربوا مواضع الصَّلاة وهي المساجد ، وهو المرويُّ عن الصادق عليه‌السلام(1) ، وهو الحقُّ. ويؤيِّده قوله تعالى : (إلاَّ عابري سبيل) ، إذ العبور حقيقة في الجواز المكانيّ.
فعلى الأوّل يكون قوله : (ولا جنباً إلاَّ عابري سبيل) أي مسافرين سفراً يقع فيه التيمُّم فتصلُّون كذلك.
وعلى الثَّاني : إلاَّ مجتازين في المساجد من غير استقرار ، وهو مذهبنا ومذهب الشَّافعيَّة(2) ، خلافاً لأبي حنيفة فإنَّه منع الجواز إلاَّ إذا كان فيه الماء أو الطَّريق(3).
وفيه دلالة على عدم جواز الاستقرار في المساجد ، وهو استثناء من
__________________
(1) تفسير القمي 1 / 139.
(2) الاُم للشافعي 1 / 54.
(3) المبسوط للسرخسي 1 / 118.

قوله : (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ) (1) ، أي : لا تقربوا المساجد للصَّلاة وغيرها إلاّ عابري سبيل لكون الطَّريق في المسجد.
وهذا العامّ ـ عندنا ـ مخصوص بما عدا المسجدين ، وأمَّا هما فلا يجوز عبورهما ...
قوله تعالى : (إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً) (2) ، أي : لم يؤاخذكم بذنوبكم فيشدِّد عليكم التَّكاليف كما شدَّدها على اليهود ، بل يسَّرها عليكم ورخَّصها لكم.
وفي الآية أحكام كثيرة :
1 ـ تحريم السُّكر لكونه منافياً للواجب.
2 ـ نقضه للوضوء.
3 ـ إبطاله للصَّلاة.
4 ـ وجوب قضاء صلاة وقعت حال السُّكر.
5 ـ كون عدم التعقُّل مبطلا ً للطهارة ، فيدخل النَّوم والإغماء والجنون.
6 ـ كون ذلك مبطلاً للصَّلاة.
7 ـ كون الجنابة ناقضة للوضوء.
8 ـ كونها مبطلة للصَّلاة.
9 ـ كونها موجبة للغسل.
10 ـ كون التيمُّم لا يرفع حدث الجنابة بل يبيح معها الصَّلاة.
11 ـ احترام المساجد.
12 ـ منع السَّكران وشبهه من دخولها.
13 ـ منع الجنب من الاستقرار فيها.
__________________
(1) سورة النساء 4 : 43.
(2) سورة النساء 4 : 43.
  

14 ـ تسويغ الجواز فيها.
15 ـ كون الغسل رافعاً لحكم الجنابة.
16 ـ عدم افتقار الغسل إلى الوضوء ، لقوله تعالى : (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (1) ، وإلاّ لكان بعض الغاية غاية ، وهو باطل.
17 ـ تسويغ التيمُّم.
18 ـ كونه يقع بدلاً من كلِّ واحد من الوضوء والغسل.
19 ـ إباحته حال المرض المتضرّر باستعمال الماء.
20 ـ كونه مباحاً إمَّا للعجز عن الماء بالضَّرر باستعماله أو لعدمه.
21 ـ كون وجود الماء ناقضاً للتيمُّم.
22 ـ كون الغائط ناقضاً للوضوء موجباً له.
23 ـ كون الجنابة تقع بمجرَّد الوطء من غير إنزال.
24 ـ وجوب كون التيمُّم بالتُّراب.
25 ـ جوازه بالحجر الصَّلد لصدق اسم الصعيد عليه.
26 ـ وجوب كون الصَّعيد طاهراً.
27 ـ وجوب كونه مباحاً.
28 ـ وجوب مسح الوجه واليدين.
29 ـ كون الوجه يراد به بعضه لمكان الباء عند القائل بذلك ، وكذا اليد لعطفها على الوجه.
30 ـ وجوب الابتداء بمسح الوجه لفاء التعقيب.
31 ـ وجوب الموالاة إن قلنا الأمر للفور»(2).
__________________
(1) سورة النساء 4 : 43.
(2) كنـز العرفان : 66.
  

تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صدرت في هذا القرن ، ومنها :
1 ـ تفسير مغمضات القرآن ، للفاضل المقداد السيوري الحلّي (ت 826 هـ) أيضاً ، وهو مختصر ، كتبه على هوامش القرآن ثمّ دوّنه على صيغة كتاب(1).
2 ـ تفسير ابن المتوّج ، وهو الشيخ جمال الدين أحمد بن عبد الله ابن محمّد بن عليّ بن الحسن بن المتوّج البحراني (المتوفّى قبل سنة 836 هـ). وهذا التفسير بسط فيه المصنّف القول في بيان الآيات الناسخة والمنسوخة ، وكتبه بسبب شدّة احتياج المستنبِط للأحكام إلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات. وله أيضاً : منهاج الهداية في تفسير آيات الأحكام الخمسماية. وكان ابن المتوّج معاصراً للفاضل المقداد ، وكان المقداد السيوري (ت 826 هـ) كلّما أشار في كتابه كنز العرفان إلى المعاصر يريد به ابن المتوّج.
3 ـ آيات الأحكام الموسوم بـ : معارج السؤول ومدارج المأمول ، للمولى كمال الدين حسن ابن شمس الدين محمّد الأسترآبادي النجفي (ألّفه سنة 891 هـ).
10 ـ مدرسة القرن العاشر الهجري :
وهذا القرن هو قرن المقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) وكتابه زبدة
__________________
(1) الذريعة 4 / 315.
  

الأحكام. ولم نظفر بنتاج شامل من غيره عدا تفاسير آيات مفردات لجملة من الأعلام.
المقدّس الأردبيلي وزبدة البيان :
زبدة البيان في أحكام القرآن ، لأحمد بن محمّد المشهور بالمقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ). وهو كتاب تفسيري لآيات الأحكام. وقد دأب من جاء بعد الشيخ الطبرسي قدس‌سره نقل رأيه في التفسير ، ولم يحد المقدّس الأردبيلي عن تلك القاعدة ، فقال نقلاً عن الطبرسي : «واعلم أنّه قد صحّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الأئمّة عليهم‌السلام أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح والنصّ الصريح»(1). ثمّ بينّ أنّ الاستنباط والتدبّر في آيات الله عزّ وجلّ هو ما ندب إليه القرآن وحثّت عليه السنّة النبوية.
ولكن الشيخ الطبرسي الذي آمن بأنّ الخبر متروك الظاهر (أي لا يمكن حمل الخبر على ظاهر اللفظ) قد تعرّض للنقد من قبل المقدّس الأردبيلي. قال الأردبيلي في معرض نقده : «إنّ الخبر محمول على ظاهره غير متروك الظاهر ، وإنّه صحيح مضمونه على ما اعترف به الطبرسي في البداية إذ قال : قد صحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله ... أنّ التفسير الممنوع هو ما كان في حدود المتشابه ، كمن حمل المشترك اللفظي على أحد معانيه من غير مرجّح لذلك الحمل. وبذلك كان التفسير الممنوع ـ عند الطبرسي ـ إلاّ بنصّ صريح أو أثر صحيح هو القطع بالمراد من اللفظ الذي غير ظاهر فيه من غير دليل بل بمجرّد رأيه وميله واستحسان عقله من غير شاهد معتبر
__________________
(1) زبدة البيان ـ المقدمة : 1.
  

شرعاً كما يوجد في كلام المبدعين ، وهو ظاهر لمن تتبّع كلامهم ، والمنع منه ظاهر عقلاً ، والنقل كاشف عنه ، وهذا المعنى غير بعيد عن الأخبار المذكورة ، بل ظاهرٌ فيها»(1).
ومنهجه في الكتاب هو استقراء الآيات القرآنية بعد ترتيبها حسب المواضيع الفقهية مع دقّة العبارة وجمال البيان. مثلاً عرض موضوع الصلاة واستقراء الآيات المتعلّقة بالصّلاة ، ثمّ عرض الروايات مبتدئاً بالمحافظة على الصلاة ، والاصطبار عليها ، والخشوع فيها ، وبيان أوقاتها ، وتحديد القبلة ، وأحكام المساجد ، ومقارنات الصلاة ، وأركانها ، والجهر أو الإخفات فيها ، وحكم الصلاة على آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورفع الأيدي عند التكبيرات ، والاستعاذة ، وصلاة الليل ، وبحث في الترتيل وصلته بصلاة الليل ، وردّ التحية في الصلاة ، ووجوب الإخلاص والنية ، وجواز التصدّق في الصلاة ...(2).
لاحظ كيف بدأ تفسيره ، فقال ابتداءً : «نبدأ بالفاتحة تيمّناً وتبرّكاً ثمّ نذكر آياتها».
وبعد ذلك تحدّث عن البسملة ، فقال : (يمكن الاستدلال بها على راجحيّة التسمية عند الطهارة ـ بل عند كلّ فعل إلاّ ما أخرجه الدليل ـ بأنّ الظاهر أنّ المراد بها تعليم العباد ابتداء فعلهم ، فإنّ معناه على ما قاله الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه‌الله في كتاب تفسيره الكبير : استعينوا في الأمور باسم الله تعالى بأن تبدأوا بها في أوائلها كما فعله الله تعالى في القرآن ، فتقديره : استعينوا بأسمائه الحسنى ، وكأنّ المراد في أوّل أموركم وابتدائها كما يظهر
__________________
(1) زبدة البيان ـ المقدمة : 1 ـ 3.
(2) زبدة البيان : 49 ـ 140.
  

من المقام بأن تقولوا : باسم الله. فينبغي قوله في ابتداء الأكل والشرب واللبس والذبح وغيرها كما قال الفقهاء. ويؤيّده الخبر المشهور : كلّ أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسم الله فهو أبتر. وغيره من الشواهد»(1).
وفي تفسير حكم التيمّم عند فقدان الماء قال المصنِّف بعد أن شرح طبيعة التيمّم : «(مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَج) (2) ، قيل : أي ما يريد الله الأمر بالوضوء للصلاة أو بالتيمّم تضييقاً عليكم. ويحتمل أن يكون المراد ما يريد الله جعل الحرج عليكم بالتكاليف الشاقّة مثل تحصيل الماء على كلّ وجه ممكن مع عدم كون الماء حاضرا وإن كان ممكناً في نفس الأمر ، ولا [يكلّف] بالطلب الشاق كالحفر وغيره بل بنى على الظاهر فقبل التيمّم ، ولا كلف في التيمم أيضا بأن يوصل الأرض إلى جميع البدن أو أعضاء الوضوء بل التيمّم أيضا وأن يطلب ما يمكن إيصاله بل يكفي مجرّد وجه الأرض ، وهو مقتضى الشريعة السمحة.
(وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (3) أي من الذنوب فإنّ العبادة مثل الوضوء كفّارة للذنوب ، أو لينظّفكم عن الأحداث ويزيل المنع عن الدخول فيما شرط فيه الطهارة عليكم ، فيطهّركم بالماء عند وجوده وعند الإعواز بالتراب. فالآية تدلّ على أنّ التيمّم رافع في الجملة وطهارة فيباح به ما يباح بالماء ، ويؤيّده ما في الأخبار : ويكفيك الصعيد عشر سنين ، و : التراب أحد الطهورين ، و : ربّ الماء وربّ التراب واحد(4) ، فيبعد منع إباحة التيمّم ما يبيحه الماء ، وأنّه يجب لما يجب له.
__________________
(1) زبدة البيان : 4.
(2) سورة المائدة 5 : 6.
(3) سورة المائدة 5 : 6.
(4) الكافي 3 / 63 ، والتهذيب 1 / 195.
  

ثمّ إنّه يزول التيمّم بزوال المانع لأنّه لا يرفع الحدث بالكلّية ، نعم يحتمل رفعه إلى أن يتحقّق الماء أو توجد القدرة على استعماله إذ لا استبعاد في حكم الشارع بزوال الحدث إلى مدّة فإنّه مجرّد حكم الشارع ، فلعلّ البحث يرجع إلى اللفظي ، فتأمّل.
واللام للعلّة ، فمفعول يريد محذوف وهو الأمر في الموضعين. وقيل : زائدة. و (لِيَجْعَلَ) و (لِيُطَهِّرَكُمْ) مفعول ، والتقدير لأن يجعل عليكم ولأن يطهّركم ، وليس فيه قصور وضعف ، لأنّ (أنْ) لا تقدّر بعد اللام المزيدة كما قاله البيضاوي ، ولأنّ الشيخ المحقّق الرضي قدس‌سره قال في شرح الكافية : وكذا اللام زائدة في (لا أباً لك) عند سيبويه ، وكذا اللام المقدّر بعدها أن بعد فعل الأمر والإرادة كقوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...) (1).
(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ) (2) أي ليتمّ بشرعه ما هو مطهّر لأبدانكم ومكفّر لذنوبكم في الدين ، أو ليتمّ برخصه إنعامه (عَلَيْكُمْ) بعزائمه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (3) نعمته.
ثمّ أمر الله تعالى بعد ذلك بذكر النعمة والميثاق والعهد الذي عاهدتم بقوله : (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ) (4) الآية.
وأمر المؤمنين بكونهم قوّامين لله شهداء بالعدل فأوجب عليهم ذلك ونهاهم عن أن يحملهم البغض على العدول والخروج عن الشرع بقوله :
__________________
(1) سورة البيّنة 98 : 5.
(2) سورة المائدة 5 : 6.
(3) سورة المائدة 5 : 6.
(4) سورة المائدة 5 : 7.
  

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (1) إذا كان هذا مع الكفّار فما ظنّك بالعدل مع المؤمنين؟!
ثمّ أمر بالتقوى ووعدهم بالامتثال وأوعدهم على تركه بقوله : (وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (2)»(3).
تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صدرت في هذا القرن ، ومنها :
1 ـ تفسير سورة الإخلاص ، للمولى جلال الدين محمّد بن أسعد الدّوّاني (ت 908 هـ). أوّله : «الحمد لله الأحد الصمد على نعمه التي تجاوزت عن حدّ العدّ وأمدّ العدد» ، وآخره : «وعلى هذا القياس ما ورد في سائر السور من أنّها تعدل ربع القرآن أو أقلّ أو أكثر ، والله سبحانه أعلم بحقائق الأمور»(4).
2 ـ تفسير آية الكرسي ، للشيخ شمس الدين محمّد بن أحمد الخفري (ت 942 أو 957 هـ). أوّله : «تبارك الله سبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه» ، رتّبه على مقدّمة ومقصدين(5).
3 ـ تفسير سورة هل أتى ، للمير غياث الدين منصور ابن الأمير صدر الدين محمّد الحسيني الدشتكي (ت 948 هـ) ، وهو مع كونه مختصراً فيه
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 8.
(2) سورة المائدة 5 : 8.
(3) زبدة البيان : 20 ـ22.
(4) الذريعة 4 / 336.
(5) الذريعة 4 / 331.
  

تحقيقات لطيفة ومباحث شريفة. أوّله : «أحمد الله على جميل سلطانه»(1).
4 ـ تفسير آية الكرسي ، للسيّد محمّد بن الحسين المدعوّ بفخر الدين الحسيني الأسترآبادي الإمامي (فرغ منه سنة 952 هـ) ، ذكر فيه خواص آية الكرسي ، وتكلّم في التوحيد وإثبات الواجب(2).
5 ـ تفسير آية البسملة ، للشيخ زين الدين العاملي (الشهيد سنة 966 هـ). أوّله : «باسمك اللّهمّ نفتتح الكلام ونستدفع المكاره العظام» ، وآخره : «وأقوم قيلاً». فرغ منه في أوّل شهر الصيام سنة 940 هـ(3).
11 ـ مدرسة القرن الحادي عشر الهجري :
تميّز هذا القرن بتفاسير عرفانية فلسفية كـ : تفسير صدر المتألّهين (ت 1050 هـ) ، وأُخرى إخبارية كـ : الصافي والأصفى والمصفّى للفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) ، وأخرى فُقدت كـ : تفسير المولى محمّد رضا (ت 1067 هـ) ، وتفاسير في آيات الأحكام كـ : تفسير الجواد الكاظمي (ت 1065 هـ) ، وتفسير الأسترآبادي (ت 1028 هـ). والظاهر أنّ الفقهاء واصلوا الاهتمام بتفسير آيات الأحكام ، لأنّ في ذلك تقريب للمكلّفين من وظيفتهم الشرعية.
وهذا العصر وصفه السيّد الطباطبائي صاحب الميزان بأنّه عصر أساطين الحديث وجهابذة الرواية(4).
__________________
(1) الذريعة 4 / 344.
(2) الذريعة 4 / 330.
(3) الذريعة 4 / 325.
(4) تفسير نور الثقلين 1 / 3. مقدّمة السيّد الطباطبائي.
  

صدر المتألّهين وتفسير القرآن :
ومن علماء هذا القرن محمّد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي المعروف بصدر المتألّهين (ت 1050 هـ) ، وكتابه تفسير القرآن الكريم في سبعة مجلّدات ، وهو تفسير مصبوغ بالصبغة الفلسفية الإشراقية العرفانية ، يتعرّض المصنّف لمعنى مفردات الآيات واختلاف القراءات وذكر الأقوال ونقدها. افتتح كتابه بمقدّمة حول الأسرار المتعلّقة بالقرآن على طريق أهل العرفان ، قال في بيان غرضه من التأليف : «على أنّي قد كنت برهة من الزمان متشوّقاً إلى إظهار معاني هذا القرآن ، فاستسعيت في مناهجها سوابق الأفكار واستقريت في مسالكها منازل الأبرار ، وكنت أشاور نفسي واُردّد قداح رأيي في أخذ هذا المرام وأقدّم رجلاً وأؤخّر أخرى في طرف السكوت والإعلام فلم ترجّح إلى أحد جانبي الإقدام والإحجام ، لكونه أمراً عظيماً وخطباً جسيماً أنّى لمثلي مع قلّة المتاع في المقال وقصور الباع فيما يتضمّن ذلك من علوم الأحوال ... إلى أن عنَّ لي نور الاستخارة مرّةً بعد أخرى بالإشارة ، وجدّد لي داعيةُ الحقّ كرّة بعد أولى في الإنارة بشعلة ملكوتية ، وآنستُ من جانب طور القدس ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة لعلّكم تصطلون»(1).
يقول في تفسير قوله تعالى : (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ...) (2) بعد أن يعرض معنى الهبوط إلى الأرض : «إشارة قرآنية : إنّ في الآية إشعاراً لطيفاً بأعجب أحوال الإنسان ، فإنّ من عجيب
__________________
(1) مفاتيح الغيب : 3.
(2) سورة البقرة 2 : 38.
  

أحواله أنّ مفارقته عالم القدس والرحمة وبُعده عن درجة المقرّبين وهبوطه إلى دار الدنيا كان صعباً عليه في أوّل الأمر بمقتضى صفاته الذاتية وفطرته الأصلية ، ولم يرضَ بالكون في هذا العالم بل استكرهه واستوحشه ، حتّى صدر الأمر بهبوطه مرّة بعد [أخرى ...] ومضت عليه برهة من الزمان نسى موطنه الأصلي وداره وأحبّاءه ... وألف هذا المنزل وتثبّط فيه وكره الخروج منه ، واستأنس بأهل الدنيا واستصعب مفارقتهم»(1).
وقد تعرّض هذا اللّون من التفسير ـ وهو التفسير الإشاري ـ إلى كثير من النقد باعتباره يخالف المنهج التفسيري العام المتّفق عليه بين الفقهاء ، فالتفسير الإشاري هو عبارة عن إشارة لفظ خاصّ يستدلّ به على معنى آخر يستبطن معناه في سياقه العامّ بحيث لا يوافق ظاهر الآية ولا يخالفه.
وترى صدر المتألّهين يشعر بذلك الخلل فيقول مخاطباً تلميذه : «ما رأيتَ من نقص وخلل لا تجد له محملاً صادقاً أو مخلصاً في زعمك موافقاً فإن كان من باب اللفظ مجرّداً فأصلحه كرماً وجوداً ، وإن كان من باب المعاني المطلوبة فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان»(2).
إلاّ أنّ منهج صدر المتألّهين كان يتّخذ طريق التحليل العقلي للوصول إلى معنى الآية ، أي إنّه حاول استخراج المعاني القرآنية من القواعد العقلية.
الكاظمي ومسالك الأفهام :
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام ، للفاضل الجواد الكاظمي جواد بن
__________________
(1) تفسير القرآن الكريم ـ لصدر الدين الشيرازي ـ 3 / 160.
(2) تفسير القرآن الكريم ـ لصدر الدين الشيرازي ـ 2 / 142.
  

سعد (ت 1065 هـ). وهو كتاب تفسيري في آيات الأحكام مرتّب ترتيباً موضوعيّاً كما يلي :
الجزء الأوّل : الطهارة ، والصلاة ، والصوم.
الثاني : الزكاة ، والخمس ، والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر.
الثالث : المكاسب ، والبيع ، والدَين ، والعقود ، والنكاح.
الرابع : الطلاق ، والمطاعم والمشارب ، والمواريث ، والحدود ، والجنايات ، والقضاء ، والشهادات.
قال السيّد المرعشي النجفي(ت 1411 هـ) في مدحه : «هو من أحسن ما رأيته في هذا العلم الشريف ، قد حوى التحقيقات الدقيقة والنكات العلمية حول تلك الآيات الكريمة وشرح معاضلها وحلّ مشاكلها بألفاظ جزلة وقوالب سهلة»(1).
واعتبر المصنّف في مقدّمته أنّ ظاهر القرآن حجّة في الفهم ، فقال : «إنّه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تناقض وتضادّ ، وقد قال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) (2) ، وقال : (بِلِسَان عَرَبِيٍّ مُبِين) (3) ، وقال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (4) ، وقال : (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (5) ، وقال : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن
__________________
(1) مقدّمة السيّد المرعشي النجفي لكتاب مسالك الأفهام في آيات الأحكام للفاضل الجواد الكاظمي : 4.
(2) سورة الزخرف 43 : 3.
(3) سورة الشعراء 26 : 195.
(4) سورة إبراهيم 14 : 4.
(5) سورة النحل 16 : 89.
  

شَيْء) (1). فكيف يجوز أن يصفه بأنّه عربيٌّ مبين وأنّه بلسان قومه وأنّه بيان للنّاس ولا يفهم بظاهره شيءٌ؟!»(2).
ومنهجه هو أن يذكر الآية الخاصّة بالحكم الشرعي ثمّ يشرع في تفصيلها. خذ مثلاً تفسيره الآية 177 من سورة البقرة : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) (3). فيقول في شرح معنى اليتيم : «واليتامى جمع يتيم وهو من لا أب له أخذاً من اليتم وهو الانفراد ، ومنه الدرّة اليتيمة ، وأصله يتايم ثمّ قلبت فقيل : يتامى ، أو أنّه جمع على يتمى كأسرى لأنّه من باب الآفات ثمّ جمع على يتامى كأسرى وأسارى ، فهو معطوف على القربى ، وحينئذ فيعطى المال من يكفلهم ويكون وليّهم إذ لا يصحُّ دفع المال إلى من لا يعقل ، ويحتمل عطفه على ذوي القربى فيعطى المال لهم أنفسهم ، كذا في مجمع البيان ، لكن على الثاني ينبغي تقييده بدفع ما هو من لوازمهم كالأكل واللبس ونحوه لا المال نفسه. هذا في الحقوق الواجبة ، ولو حملنا الكلام على ما يعمّ الصدقة المندوبة أمكن القول بجواز دفعه إلى اليتيم سيّما المميّز»(4).
الفيض الكاشاني وكتب : الصافي والأصفى والمصفّى :
ملاّ محسن محمّد بن المرتضى الملقّب بالفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) ، وكتابه الصافي في تفسير كلام الله ويعنون أيضاً الصافي في تفسير القرآن في خمسة مجلّدات. وهو تفسير موجز شامل لجميع آيات
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 38.
(2) مسالك الأفهام في آيات الأحكام 1 / 11.
(3) سورة البقرة 2 : 177.
(4) مسالك الافهام في آيات الاحكام 2 / 8.
  

القرآن الكريم ، جمع فيه المصنّف بين النقل والعقل والرواية والبيان ، وصدّره باثنتي عشرة مقدّمة في : فضل القرآن ، وكون علم القرآن عند أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام ، ووجوه الآيات من التفسير والتأويل والظهر والبطن والناسخ والمنسوخ ، والمنع من تفسير القرآن بالرأي ، وجمع القرآن ، ونحوها.
وقد وصف المصنّف كتابه بالقول : «وبالحرىّ أن يسمّى هذا التفسير بالصافي ، لصفائه عن كدورات آراء العامّة والمملّ والمحيّر والمتنافي»(1).
والملاحظ أنّ الفقهاء لم يعتدّوا بالكتاب من الناحية العلمية لأنّه اعتمد على نقل روايات ضعيفة ومختلقة وموضوعة ، واعتمد في تفسيره على التفسير المنسوب إلى علي بن إبراهيم القمّي والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه‌السلام. وتلك الكتب غير معتمدة عند علماء أهل البيت عليهم‌السلام. واعتمد أيضاً على تفسير العيّاشي ، وهو التفسير الذي حُذفت فيه أسانيد الروايات من قبل الناسخ.
ومع أنّه انتقد المفسّرين المتقدّمين لابتلائهم بأخبار الضعفاء إلاّ أنّه وقع في فخّ الروايات الموضوعة وأوّلها تأويلاً عجيباً ممّا زاد في عدم عناية العلماء بالكتاب.
أمّا كتاب الأصفى فهو أوسط التفاسير الثلاثة التي صنّفها الفيض الكاشاني ، انتخبه من تفسيره الكبير الموسوم بـ : الصافي ، وأوجز فيه. أوّله : «الحمد لله الذي هدانا للتمسّك بالثقلين وجعل لنا القرآن والمودّة في القربى قرّة عين».
__________________
(1) تفسير الصافي 1 / 13.
  

اقتصر على تفاسير أهل البيت عليهم‌السلام ، وقد نقل عن تفاسير أُخرى صرّح باسمها. وكان منهجه أنّه ما روى مسنداً عن أحد المعصومين عليهم‌السلام إلا أوجز في سنده وصدّره بقوله : قال ، أو : في رواية ، أو : ورد. وما رواه عن العامّة صدّره بقوله : روي. وما نقله عن تفسير عليّ بن إبراهيم صدّره بـ : القمّي. وعندما يتصرّف في رواية ما كان ينبّه على ذلك.
قال في تفسير قوله تعالى : (... وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى) (1) : «للين جانبهم ورقّة قلوبهم وقلّة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ) (2) رؤوساء في الدين والعلم (وَرُهْبَاناً) (3) عباداً (وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) (4) عن قبول الحقِّ إذا فهموه ويتواضعون (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (5) من الذين شهدوا بأنّه حقٌّ ، قال : أولئك كانوا بين عيسى ومحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظرون مجيء محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) (وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِالله وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (6) استفهام إنكار واستبعاد (فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا) (7) عن اعتقاد وإخلاص كما دلّ عليه قوله : ممّا عرفوا من الحقِّ ، والقول إذا اقترن بالمعرفة كمل
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 82.
(2) سورة المائدة 5 : 82.
(3) سورة المائدة 5 : 82.
(4) سورة المائدة 5 : 82.
(5) سورة المائدة 5 : 83.
(6) سورة المائدة 5 : 84.
(7) سورة المائدة 5 : 85.
  

الإيمان (جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ جَزَاءُ الْمُـحْسِنِينَ) (1). القمّي : إنّ النجاشي ملك الحبشة بعث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثين رجلاً من القسّيسين فقال لهم : انظروا إلى كلامه وإلى مقعده ومشربه ومصلاّه. فلمّا وافوا المدينة دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن : (إِذْ قَالَ الله يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ... سِحْرٌ مُبِينٌ) ، فلمّا سمعوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكوا وامنوا ورجعوا إلى النجاشي وأخبروه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقرأوا عليه ما قرأ عليهم ، فبكى النجاشي وبكى القسّيسون. وأسلم النجاشي ولم يظهر للحبشة إسلامه وخافهم على نفسه ، وخرج من بلاد الحبشة يريد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فلمّا عبر البحر توفّي ، فأنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ ... وَذلِكَ جَزَاءُ الْمُـحْسِنِينَ) (2)»(3).
أمّا المصفّى فهو تلخيص لكتاب الأصفى ، ومنهجه الاختصار ، ولا يختلف عن الكتابين الأوّليين في إيراد الروايات الضعيفة مع قيامه بحذف الأسانيد.
الشيخ البهائي وتفسير العروة الوثقى :
تفسير سورة الحمد أو العروة الوثقى ، للشيخ البهائي محمّد بهاء الدين العاملي (ت 1031 هـ). وهو تفسير لسورة الفاتحة والحروف
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 85.
(2) سورة المائدة 5 : 82 ـ 85.
(3) الأصفى : 157 ـ 158 طبعة حجرية 1350 هـ.
  

المقطّعة من سورة البقرة. والتفسير صغير بطبيعته إلاّ أنّه غنيّ بالأفكار والمفاهيم القرآنية.
قال في المقدّمة : «وإنّ أعظم العلوم الدينية قدراً وأنورها في سماء المعرفة بدراً هو تفسير كلام الله الملك العلاّم الذي هو ملك تلك العلوم بغير كلام ، إذ منه تفرّعت فصولها وأُجنيت ثمارها ... فلا أقسم بالسبع المثاني والقرآن العظيم أنّه أولى العلوم بوفور التوفير والتعظيم ، فطوبى لقوم ولّوا وجوههم شطر مطالبه ...»(1).
ومنهجه في التفسير هو الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنّة النبوية الشريفة المتضمّنة لسنّة أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، ونقد الآراء التفسيرية الأُخرى خصوصاً آراء صاحب الكشّاف والبيضاوي.
يقول في تفسير كلمة (الحمد) : «هو الثناء على مزيّة اختيارية من إنعام أو غيره ، ولامه جنسية أو استغراقية أو عهدية ، أي : حقيقية الحمد أو جميع أفراده أو الفرد الأكمل منه ثابت لله ثبوتاً قصريّاً كما يفيده لام الاختصاص ولو بمعونة المقام. وقد اشتهر امتيازه بإشعاره عن الشكر بمعاكسته له في خصوص المورد وعموم المتعلّق ، كما اشتهر عن المدح بقيد الاختيار.
ودعوى امتيازه بإشعاره بآلائها إلى المثنّى عليه دون المدح ممّا لم يثبت. وما جاء في الحديث من نفي الشكر عمّن لم يحمد وما ذكروه من أنّ حمدنا له ـ جلّ شأنه ـ يشتمل الموارد الثلاثة لا يقدحان في الأوّل ، كما أنّ ما اشتهر من حمده سبحانه على الصفات الذاتية ، وما ورد من إثبات
__________________
(1) تفسير سورة الحمد ـ للشيخ البهائي ـ : 29.
  

المحمودية بغير الفاعل فضلاً عن المختار في قوله : (مَقَاماً مَّحمُوداً) (1) ...»(2).
أي إنّ الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح ، أمّا الحمد فيكون باللسان وحده ، ولذلك كان الحمد أشمل للنعمة وأدلّ على مكانها ، ورأس الشكر أدلّ على الشكر من غيره.
تفاسير أُخرى :
ومن تفاسير تلك الفترة :
1 ـ تفسير سورتي النور ويوسف المعنون بـ : أنوار الأنظار وأحسن القصص ، للسيِّد عليّ بن محمّد ابن السيّد محمّد اللكنهوري (ت 1012 هـ) (3).
2 ـ تفسير إبراهيم الهمداني (ت 1025 هـ) ، وهو حاشية على تفسير الكشّاف.
3 ـ آيات الأحكام(4) ، للسيِّد ميرزا محمّد بن عليّ بن إبراهيم الحسيني الأسترآباداي (ت 1026 هـ) ، وهو صاحب الكتب الرجالية الثلاثة : منهج المقال ، وتلخيص الأقوال ، والوجيز.
4 ـ تفسير عبد عليّ بن ناصر الحويزي (ت 1035 هـ) ، وهو حاشية على تفسير البيضاوي(5).
__________________
(1) سورة الأسراء 17 : 79.
(2) تفسير سورة الحمد ـ للشيخ البهائي ـ : 90.
(3) الذريعة 2 / 418.
(4) الذريعة 6 / 46.
(5) الذريعة 6 / 43.
  

5 ـ تفسير سورة الواقعة ، لملاّ صدر الدين الشيرازي (ت 1050 هـ) استقصى فيه مباحث الحشر والمعاد ومعرفة نفوس العباد حسب درجاتهم في الآخرة ومراتبهم في السعادة والشقاوة ، أوّله : «الحمد لله الذي أنزل كلاماً إلهيّاً وكتاباً سماويّاً»(1).
6 ـ تفسير الحسين بن رفيع الدين محمّد المرعشي الآملي (ت 1064 هـ) ، وهو تعليق على تفسير البيضاوي أيضاً(2).
7 ـ تفسير الأئمّة لهداية الأمّة ، للمولى محمّد رضا بن عبد الحسين النصيري الطوسي (من أعلام القرن الحادي عشر) ، وهو تفسير كبير في ثلاثين مجلّداً فرغ منه سنة 1067 هـ ، ذكره مصنّف الذريعة(3). بدأ فيه بمقدّمات التفسير فيما يقرب من عشرين فصلاً فيما يتعلّق بالقرآن ، ثمّ شرع في تفسير الفاتحة. أوّله : «أين رتبة الإنسان الذي بدأ خلقه من طين وأعلى مقام محامد ربِّ العالمين ، وأنّى قدرة المخلوق من سلالة من ماء مهين والعروج على ذروة وصف من هو فوق وصف الواصفين ، كيف نحمده ونحن من الجاهلين».
ومنهج التفسير هو ذكر الآيات ثمّ إدراج مواضيعها في عدّة فصول : فصل في فضلها ، وفصل في خواصّها ، وفصل في نزولها. وينقل غالباً عن تفسير العيّاشي والبيضاوي ، وينقل عن كتاب الاحتجاج للطبرسي ، وعن مكارم الأخلاق وغيرهما من كتب الحديث. وينقل في تفسيره عن تفسير غياث بن إبراهيم ما رواه عن تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي ، وينقل تمام
__________________
(1) الذريعة 4 / 343.
(2) الذريعة 6 / 41 ـ 42.
(3) الذريعة 4 / 236 ـ 239.
  

تفسير الإمام العسكريّ عليه‌السلام ، وتمام تفسيري القمّي : أصله ومختصره باعتقاد أنّ الأصل والمختصر لنفس المصنّف وهو القمّي. والكتاب مفقود عدا ما أطلع عليه الشيخ آغا بزرك رحمه الله وهو مجلّدان فقط.
8 ـ آيات الأحكام الموسوم بـ : مفاتيح الأحكام شرح لـ : زبدة البيان للأردبيلي ، للسيّد محمّد سعيد بن سراج الدين قاسم الطباطبائي القهبائي (ت 1082 هـ).
9 ـ تفسير سورتي الفاتحة والإخلاص ، للسيّد فخر الدين المشهدي (ت 1097 هـ) 234(1).
وللبحث صلة ...
__________________
(1) الذريعة 4 / 336.
  

 

مدرسة الحلّة وتراجم علمائها
من النشوء إلى القمّة
(500 ـ 950 هـ)
(3)
 

السـيّد حيدر وتوت الحسيني
لقد تعرضنا في الأعداد السابقة إلى تأريخ تأسيس مدينة الحلّة ، والنهضة العلمية والأسر والبيوت العلمية فيها ، وتأثير مدرسة الحلّة بالمدارس في المدن الإسلامية الأخرى ، وتطرقنا إلى العلوم الإسلامية التي كانت محل اهتمام مدرسة الحلّة ، واستعرضنا الحركة العلمية ، وعلماء الحلّة منذ تأسيس المدينة في القرن السادس الهجري ، ونستأنف البحث هنا ...
38 ـ الشيخ محمّـد بن إدريس الحلّي :
هو الفقيه الفاضل العالم العامل شيخ فقهاء وقته ورئيس علماء عصره الشيخ أبو عبدالله فخر الملّة والدين محمّـد بن أحمد بن إدريس العجلي الحلّي.
جاء في أمل الآمل(1) :
«الشيخ محمّـد بن إدريس العجلي بحلّة ، له تصانيف ، منها كتاب السرائر ، شاهدته بحلّة. قال شيخنا سديد الدين محمود الحمصي : هو مخلط لا يعتمد على تصنيفه ، قاله منتجب الدين. وقد أثنى عليه علماؤنا
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 243.
  

المتأخّرون واعتمدوا على كتابه وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدّمين وأصولهم ... إلى قوله : ونقل السيّد مصطفى عن ابن داود أنّه كان شيخ الفقهاء بالحلّة متقناً للعلوم كثير التصانيف لكنّه أعرض عن أخبار أهل البيت عليهم‌السلام بالكلّية ، وأنّه ذكره في قسم الضعفاء. ثمّ قال السيّد مصطفى : ولعلّ ذكره في باب الموثّقين أولى ، لأنّ المشهور منه أنّه لا يعمل بخبر الواحد وهذا لا يستلزم الإعراض بالكلّية وإلاّ لانتقض بغيره مثل السيّد المرتضى وغيره ...».
وورد ذكر الشيخ ابن إدريس الحلّي في كتاب شرح نهج البلاغة(1) لابن أبي الحديد عند ترجمة الشريف الرضي قائلاً :
«وقرأت بخطّ محمّـد بن إدريس الحلّي الفقيه الإمامي ، قال : حكى أبو حامد أحمد بن محمّـد الاسفراييني الفقيه الشافعي ...».
وقال البحراني في لؤلؤة البحرين(2) :
«الشيخ محمّـد بن إدريس العجلي الحلّي ، وكان هذا الشيخ فقيهاً أصوليّاً بحتاً ومجتهداً صرفاً ، وهو أوّل من فتح باب الطعن على الشيخ وإلاّ فكلّ من كان في عصر الشيخ أو من بعده إنّما كان يحذو حذوه غالباً إلى أن انتهت النوبة إليه ، ثمّ إنّ المحقّق والعلاّمة بعده أكثرا من الردّ عليه والطعن فيه وفي أقواله والتشنيع عليه غاية التشنيع ، وقد طعن فيه أيضاً الشيخ الفاضل الكامل العلاّمة الشيخ محمود الحمصي وقال : إنّه مخلط ... إلى قوله : والتحقيق أنّ فضل الرجل المذكور وعلوّ منزلته في هذه الطائفة ممّا لا ينكر ، وغلطه في مسألة من مسائل الفنّ لا يستلزم الطعن عليه بما ذكره
__________________
(1) نهج البلاغة 1/52.
(2) لؤلؤة البحرين : 276.
  

المحقّق المتقدّم ذكره ، وكم لمثله من الأغلاط الواضحة ولا سيّما في هذه المسألة وهي مسألة العمل بخبر الواحد ، وجملة من تأخّر عنه من الفضلاء حتّى مثل المحقّق والعلاّمة اللذين هما أصل الطعن عليه قد اختارا العمل بكثير من أقواله.
وقد ذكره شيخنا الشهيد الثاني رحمه‌الله في إجازته فقال : مرويّات الشيخ العلاّمة المحقّق فخر الدين أبي عبدالله محمّـد بن إدريس العجلي.
وقال الشهيد الأوّل في إجازته : وعن ابن نما والسيّد فخار مصنّفات الإمام العلاّمة شيخ العلماء ورئيس المذهب فخر الدين أبي عبدالله محمّـد ابن إدريس رضي‌الله‌عنه ، انتهى.
وله كتاب يشتمل على جملة من أجوبة مسائل قد سئل عنها ، وهو عندي إعارة من بعض الأخوان ، وكذلك كتاب السرائر بتمامه.
وبالجملة : ففضل الرجل المذكور ونبله في هذه الطائفة أظهر من أن يُنكر وإن تفرّد ببعض الأقوال الظاهرة البطلان لذوي الإفهام والأذهان ، ومثله في ذلك غير عزيز كما لا يخفى على الناظر المنصف ...».
وجاء في جامع الرواة(1) للشيخ محمّـد علي الأردبيلي الحائري :
«محمّـد بن إدريس العجلي الحلّي ، كان شيخ الفقهاء بالحلّة ، متقناً في العلوم ، كثير التصانيف ، (د) ...».
وقال الحائري في منتهى المقال(2) :
«محمّـد بن إدريس العجلي الحلّي ، كان شيخ الفقهاء بالحلّة ، متقناً
__________________
(1) جامع الرواة 2 / 65.
(2) منتهى المقال : 260.
  

في العلوم ، كثير التصانيف ، (د) ـ يعني : كذا في رجال ابن داود ـ ... إلى أن قال : ولا يخفى ما فيه من الجزاف وعدم سلوك سبيل الإنصاف ، فإنّ الطعن في هذا الفاضل الجليل سيّما والاعتذار بهذا التعليل فيه ما فيه ، أمّا أوّلا فلأنّ عمله بأكثر كثير من الأخبار ممّا لا يقبل الاستتار ، سيّما ما استطرفه في آواخر السرائر من أصول القدماء رضوان الله عليهم ؛ وأمّا ثانياً فلأنّ عدم العمل بأخبار الآحاد ليس من متفرّداته ، بل ذهب إليه جملة من جلّة الأصحاب كعلم الهدى وابن زهرة وابن قبة وغيرهم ، فلو كان ذلك موجباً للتضعيف لوجب تضعيفهم أجمع ، وفيه ما فيه ...».
وجاء في روضات الجنّات(1) :
«الحبر الكامل المحقّق العلاّمة فخر الملّة والدين أبو عبدالله محمّـد ابن أحمد بن إدريس الحلّي العجلي صاحب كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، ذكره الشيخ منتجب الدين القمّي فيما نقل صاحب أمل الآمل عن كتاب فهرسته بعنوان : الشيخ محمّـد بن إدريس العجلي شاهدته بحلّة ، ناسباً إيّاه إلى الجدّ دون الأب ... إلى قوله : هذا ، وقال صاحب صحيفة الصفا في ذكر أهل الاجتباء والأصدقاء بعد الترجمة له بعنوان محمّـد بن إدريس فخر الدين أبو عبدالله العجلي الحلّي : نسب إلى جدّه لأنّه ابن أحمد ابن إدريس ، كان شيخ الفقهاء في الحلّة ، متقناً في العلوم ، كثير التصانيف ، له كتب ، اشهرها كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، يروي عن خاله الشيخ أبي علي الطوسي وعن جدّه لأُمّه الشيخ الطوسي ...» إلى آخر هذا القول الخاطئ من الصلة المزعومة بين المترجم له والشيخ الطوسي قدس‌سره.
__________________
(1) روضات الجنات 6 / 274.
  

النسب بين الطوسي وابن إدريس الحلّي خطأ شائع :
يقول الاستاذ السيّد حسن الحكيم في كتابه الشيخ الطوسي(1) عند استعراضه لروابط النسب بين الشيخ الطوسي وابن إدريس واستبعاده أن يكون الطوسي الجدّ الاُمّي المباشر لابن إدريس لتباعد الفترة الزمنية بين وفاة الشيخ وولادة ابن إدريس معقّباً على هذا الأمر بقوله :
«ولكن في الحقيقة لم تكن بنت الشيخ الطوسي أُمّ ابن إدريس مباشرة ، ويمكن أن تكون أُمّه بنت بنت الشيخ الطوسي ، وذلك لبعد المسافة الزمنية الفاصلة بين الشيخ الطوسي وابن إدريس. ثمّ قال : يقول النوري : فإنّ من الغرابة بمكان يكاد يلحق بالمحال في العادة ، فإنّ وفاة الشيخ في سنة ستّين بعد الأربعمائة وولادة ابن إدريس كما ذكروه سنة ثلاث وأربعين بعد الخمسمائة ، فبين الوفاة والولادة ثلاث وثمانون سنة ، ولو كانت أم ابن إدريس في وقت إجازة والدها لها حدود سبعة عشر سنة مثلاً كانت بنت الشيخ ولدت ابن إدريس في سنّ مائة سنة تقريباً ، وهذه من الخوارق ...».
ويقول سماحة العلاّمة المحقّق السيّد محمّـد مهدي الخرسان (دام ظلّه) في كتابه موسوعة ابن إدريس الحلّي(2) وتحت عنوان : (أمّهاته وخطأ شائع) :
«أمّا نسبه من جهة الأمّهات فقد ذهب بعض الأعلام إلى أنّ أمّه هي بنت الشيخ الطوسي المتوفّى (460 هـ) ، ولعلّ أوّل من ذهب إلى ذلك هو
__________________
(1) الشيخ الطوسي : 490 ـ 491.
(2) موسوعة ابن ادريس الحلّي : 16.
  

الشيخ الحرّ العاملي المتوفّى (1104 هـ) في كتابه أمل الآمل ، قال : يروي المصنّف عن خاله أبي علي الطوسي بواسطة وغير واسطة ، وعن جدّه لاُمّه أبي جعفر الطوسي ، وأمّ أُمّه بنت المسعود ورّام ، وكانت فاضلة صالحة».
قال سماحة السيّد محمّـد مهدي الخرسان (دام ظلّه) معقّباً :
«وعلى هذا النغم كثر الإيقاع عند المتأخّرين ... إلى قوله : ووجه الغرابة أنّه جعل الشيخ الطوسي جدّ ابن إدريس لأمّه ، وأمّ أمّه بنت المسعود ، ومعنى ذلك أن تكون بنت المسعود زوجة الشيخ الطوسي ، ومعلوم أنّ وفاة الشيخ الطوسي كانت سنة (460 هـ) والمسعود ورّام متأخّر عن زمان الطوسي ، حتّى أنّ منتجب الدين ابن بابويه من القرن السادس شاهده بالحلّة وقال عنه : عالم فقيه صالح شاهدته ـ بحلّة ووافق الخَبر الخُبر ـ قرأ على شيخنا الإمام سديد الدين محمود الحمصي بحلّة وراعاه».
ثمّ يُضيف سماحة السيّد محمّـد مهدي الخرسان (دام ظلّه) موضحاً : «فلاحظ جيّداً تجد أنّ المسعود ورّام من معاصري ابن إدريس إن لم يكن متأخّراً عنه قليلاً ، فكلاهما اجتمع بسديد الدين الحمصي وأخذ عنه ، وسيأتي في شيوخ المصنّف وتلاميذه ذكر سديد الدين الحمصي ، فكيف يعقل أن تكون ابنة مسعود ورّام وهي أمّ أمّ ابن إدريس هي زوجة الشيخ الطوسي المتوفّى سنة (460 هـ)؟! فلاحظ. اللّهمّ إلاّ أن يكون المراد بالمسعود ورّام رجلاً آخر غير من عرفته المصادر الرجالية فذكرته ، فمن هو يا ترى؟ على أنّا لو أغمضنا النظر عن هذه الجهة فثَمّ خلل آخر ، وذلك هو البعد الزماني بين وفاة الشيخ الطوسي في سنة (460 هـ) وبين ولادة الشيخ ابن إدريس في سنة (543 هـ) ، فيكون بينهما (83 سنة) ، وذلك يمنع من وقوع الولادة المزعومة حتّى لو أفترضنا أنّ بنت الشيخ الطوسي كانت حملاً

عند وفاة أبيها وولدت بعده ، فلا يمكن أن تكون هي أمّ ابن إدريس (المصنّف) إذ لا يعقل عادةً حمل امرأة تجاوزت الثمانين من عمرها ، مع أنّ انقطاع الحمل عادة وبلوغ سنّ اليأس إنّما يكون في الستين على أكثر تقدير. وحتّى لو أدُّعي الإعجاز في المقام كما في قصّة سارة زوجة إبراهيم عليه‌السلام حين بشّرتها الملائكة : (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ) (1) لكان ذلك عجباً يشتهر أمره ويشيع خبره».
قال الشيخ عبّاس القمّي في الكنى والألقاب(2) :
«محمّـد بن أحمد بن إدريس الحلّي ، فاضل فقيه ومحقّق ماهر نبيه ، فخر الأجلّة وشيخ فقهاء الحلّة ، صاحب كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ...».
مشايخه ومن يروي عنهم :
1 ـ الشيخ عربي بن مسافر العبادي.
2 ـ الشيخ الحسين بن رطبة السوراوي.
3 ـ السيّد أبو المكارم حمزة بن زهرة الحسيني صاحب الغنية.
4 ـ السيّد الشريف أبو الحسن علي بن إبراهيم العلوي العريضي.
5 ـ الشيخ الفقيه عبدالله بن جعفر الدوريستي.
6 ـ السيّد عزّ الدين شرف شاه بن محمّـد الأفطسي.
__________________
(1) سورة هود 11 : 72.
(2) الكنى والألقاب 1 / 210.
  

تلامذته ومن يروي عنه :
1 ـ السيّد الجليل فخار بن معد الموسوي.
2 ـ الشيخ جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما.
3 ـ الشيخ نجيب الدين محمّـد بن جعفر بن نما.
وغيرهم.
مؤلّفاته :
1 ـ كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي.
2 ـ كتاب مختصر تبيان الشيخ(1).
[قال صاحب الأمل(2) عند عدّه لمؤلّفات الشيخ : «وله أيضاً كتاب التعليقات ، كبير ، وهو حواش وإيرادات على التبيان لشيخنا الطوسي ، شاهدته بخطّه في فارس».
3 ـ أجوبة المسائل ، مجموعة فقهية(3).
ولادته ووفاته :
ولد رضوان الله عليه عام (543 هـ) وتوفّي يوم الجمعة (18 شوال) عام (598 هـ) عن عمر قارب الـ (55 عاماً) تقريباً.
39 ـ الشيخ محمّـد شرف الكُتّاب ابن جيا :
هو الأديب اللغوي الشاعر أبو الفرج شرف الكتّاب محمّـد بن أحمد
__________________
(1) الكنى والألقاب : 1 / 210.
(2) أمل الآمل 2 / 243.
(3) موسوعة ابن إدريس الحلّي / الرائد المجاهد.
  

ابن حمزة بن جيا الحلّي. ذكره ياقوت في معجم الأدباء(1) قائلاً :
«محمّـد بن أحمد بن حمزة بن جيا أبو الفرج من أهل الحلّة المزيدية يُلقّب شرف الكتّاب ، كان نحويّاً لغويّاً فطناً شاعراً مُترسّلاً ، شعره ورسائله مُدوَّنة ، قدم بغداد فقرأ على النقيب أبي السعادات هبة الله ابن الشجري النحوي وأخذ عنه ، ثمّ أخذ بعده عن أبي محمّـد ابن الخشّاب ، وسمع الحديث على القاضي أبي جعفر عبدالواحد ابن الثقفي ، وأصله ومولده من مطير آباد ، وصحب ابن هبيرة الوزير ، وله رسائل مدوَّنة عملها أجوبة لرسائل أبي محمّـد القاسم ابن الحريري. حَدّثني أبو علي القيلوي قال : أنا رأيته ، ومات في سنة تسع وسبعين وخمسمائة وقد نيَّف على الثمانين. أنشدني ابن الدبيثي قال : أنشدني أبو الثناء محمود بن عبدالله بن المُفرَّج الحلّي قال : أنشدني شرف الكتّاب أبو الفرج محمّـد بن أحمد بن جيا لنفسه :

حَتّام أجري في ميادين الهوى
 
  لا سابقٌ أبداً ولا مسبوقُ
 
ما هزَّني طربٌ إلى أرض الحمى
 
  إلاّ تعرَّض أجرع وعقيقُ
 
شوق بأطراف البلادِ مُفرّق نحوي
 
  شتيت الشمل منه فريقُ
 
ومدامع كفلت بعارض مُزنة
 
  لمعت لها بين الضلوع بروقُ
 
فكأنّ جفني بالدموع موكّلٌ
 
  وكأنّ قلبي للجوى مخلوقُ
 

وله أيضاً :

قل لحادي عشر البروج أبا العا
 
  شر منها رب القرون الثاني
 

__________________
(1) معجم الأُدباء 17 / 270.
  

 

يا ابن شكران ضلَّة لزمان
 
  صرتَ فيه تُعدُّ في الأعيان
 
ليس طبَّي ذمَّ الزمان ولكن
 
  أنت أغريتني بذمِّ الزمان»
 

وجاء في تاريخ الحلّة(1) :«بنو جيا أصلهم من قرية العامرية من قرى (مطيرباد) إحدى أعمال الحلّة. قال الدكتور مصطفى جواد في حاشية مختصر ابن الدبيثي للذهبي : بنو جيا من أهل الحلّة ومن البيوت المشهورة. وقال أيضاً : ورد في كتاب المناقب المزيدية في أخبار الدولة الأسدية نسخة المتحف البريطاني المرقّمة 230296 ورقة (6 ـ 7) : قال مؤلّفه أبو البقاء هبة الله : حدّثني الرئيس أبو نصر محمّـد بن علي بن جيا رحمه‌الله ...».
قال الشيخ يوسف كركوش معقّباً : «عندنا اليوم في الحلّة في محلّة المهدية موضع يعرف بـ : الجية ، وقد سألت المعمّرين عن أصل هذه التسمية فأجابني أنّ هذه التسمية قديمة جدّاً ، فجال في خاطري أنّ هذا الموضع يمكن أن يكون لبني جيا».
ولادته ووفاته :
أقول :
ذكر لنا ياقوت في معجم الأدباء أنّ ابن جيا مات في سنة (579 هـ) عن عمر قارب الـ (80 عاماً) ، لذا وبناءً على هذه التواريخ تكون ولادته عام (499 هـ) تقريباً ، والله سبحانه العالم.
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 49.
  

40 ـ الشيخ محمّـد بن خليفة السنبسي :
جاء في تاريخ الحلّة(1) : «هو أبو عبدالله محمّـد بن خليفة بن الحسين السنبسي الهيتي الحلّي الملقّب بـ : القائد ، ولد ونشأ في هيت ، كان شاعراً مجيداً ، اتصل بالأمراء المزيديّين من عهد بهاء الدولة منصور المزيدي ، ومن بعده اتصل بولده سيف الدولة صدقة ورافقه سفراً وحضراً ومدحه بعدّة قصائد ، ذكره ابن المارستانية في كتابه ديوان الإسلام قال : كان شاعراً مجيداً مغزلاً مليح الكلام حسن النظم ، لألفاظه حلاوة وعليها من جودة النسيج طلاوة ، وصاف الديار الدوارس مولع بذكر الإبل والقفار والبسابس ، خبير بأخبار العرب وأشعارها بصير بأيّامها ووقائعها وآثارها ، أشهر أهل هذه الصنعة بها وأفخم شعراء سيف الدولة ذكرا ...».
من شعره :

لا تصحب الناس لآتيها ولا ملقاً
 
  وابسم لهم بين إحلاء وإمرار
 
واجمع ففي جمعك الضدَّين فائدة
 
  كالنضج يدرك بين الماء والنار
 

توفّي سنة (535 هـ) في بغداد ، وذكر صاحب الفوات أنّه توفّي سنة (515 هـ) ، رحمه الله تعالى.
41 ـ الشيخ محمّـد بن حُميدة الحلّي :
هو العالم النحوي الفاضل والأديب الشاعر أبو عبدالله محمّـد بن علي ابن أحمد الملقّب بـ : ابن حميدة الحلّي.
__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 44.
  

ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء(1) قائلاً :
«محمّـد بن علي بن أحمد أبو عبيدالله الحلّي المعروف بابن حميدة النحوي ، كانت له معرفة جيّدة بالنحو واللغة ، قرأ على أبي محمّـد ابن الخشّاب البغدادي ولازمه حتّى برع في علم العربية ، وصنَّف كتباً ، منها : شرح أبيات الجُمل لأبي بكر ابن السَّراج ، شرح اللمع لابن جنّي ... إلى قوله : ومولده سنة ستة وثمانين وأربعمائة ومات سنة خمسين وخمسمائة ، أنشدني أبو الحسن علي بن نصر بن هارون الحلّي ، قال : أنشدني محمّـد ابن علي بن حُميدة الحلّي لنفسه :

سلام على تلك المعاهد والرُّبا
 
  وأهلاً بأرباب القباب ومرحبا
 
وسقياً لربّات الحجال وأهلها
 
  ورعياً لأرباب الخدور بيثربا
 
أحنّ لتيَّاك الحجال وان غدت
 
  ربائبها تُبدي إليّ التجنّبا
 
وأصبو لربع العامريّة كُلَّما
 
  تذكّرت من جرعاتها لي ملعبا
 
فلا همَّ إلاّ دون همّي غدوة
 
  إذا جرت النكباء أو هبّت الصبا»
 

وجاء في روضات الجنّات(2) :
«الشيخ الفاضل الشاعر الماهر أبو عبدالله محمّـد بن علي بن أحمد
__________________
(1) معجم الأدباء 18 / 252.
(2) روضات الجنات 8 / 31.
  

الحلّي النحوي المعروف بابن حُمَيدة ـ بصيغة التصغير ، قال الحافظ السيوطي في طبقات النحات : قال ياقوت ...».
مؤلّفاته :
وقد ذكرها ياقوت في معجم الأدباء ، وهي :
1 ـ شرح أبيات الجُمل لأبي بكر ابن السرّاج.
2 ـ شرح اللمع لابن جنّي.
3 ـ شرح المقامات الحريرية.
4 ـ كتاب في التصريف.
5 ـ كتاب الروضة ، في النحو.
6 ـ كتاب الأدوات ، في النحو.
7 ـ كتاب الفرق بين الضاد والظاء.
ولادته ووفاته :
ذكر أصحاب المعاجم أنّ ولادته كانت سنة (468 هـ) ووفاته في سنة (550 هـ) ، وبناءً على هذه التواريخ يكون عمره (82 سنة) تقريباً ، رضوان الله عليه.
42 ـ الشيخ محمّـد بن علي الإربلي :
جاء في روضات الجنّات(1) في ذيل ترجمة الشيخ القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات :
«... ومنهم الشيخ أبو سعيد محمّـد بن علي بن عبدالله بن أحمد
__________________
(1) روضات الجنّات 6 / 32.
  

العراقي الحلّي الإربلي ، وكان قد قرأ المقامات على مصنّفه الحريري وأخذها عنه وشرحها ، وتفقّه على الغزالي المشهور ، وله أيضاً كتاب الذخيرة لأهل البصيرة ، وكتاب مسائل الامتحان ذكر فيه العويص من النحو ، وكتاب عيون الشعر ، والفرق بين الراء والغين ، وفصول وعظ ورسائل ، كما عن تاريخ ابن المستوفي».
وذكره الشيخ يوسف كركوش في تاريخ الحلّة(1) قائلاً :
«هو محمّـد بن علي بن عبدالله بن أحمد بن أبي جابر بن الهيجاء بن حمدان العراقي الحلّي. قال السيوطي : قال ابن المستوفي في تاريخ إربل : إمام عالم بالنحو والفقه ، له كتب مصنّفة : شرح المقامات وكان أخذها من مؤلّفها ، وله الذخيرة لأهل البصيرة ، والبيان لشرح الكلمات ، والمنتظم في مسلوك الأدوات لم يذكر فيه من النحو طائلاً ، ومسائل الامتحان ذكر فيه العويص من النحو ، وله فصول وعض ورسائل ، أقام بإربل ورحل إلى بلاد العجم ، ومات في خفتيان وحمل فدفن بالبواريح ، وكان سمع من محمّـد ابن الحسين البرصي ، وسمع منه أبو المظفّر بن طاهر الخزاعي ، قال : راعني أبو المظفّر وحدّثني في ذي الحجّة سنة (506 هـ) أنّه سمع تفسير الكلبي عن ابن عبّاس على أبي علي القطيعي. وقال الصلاح الصفدي نقلاً عن ابن النجّار : قدم بغداد صبيّاً ، وتفقّه على الغزالي والكيا ، وبرع وتميّز ، وقرأ المقامات على الحريري وشرحها ، وكان إماماً مناظراً ، وله عيون الشعر والفرق بين الراء والغين ، مات سنة (561 هـ). ومن شعره :

دعاني من ملامكما دعاني
 
  فداعي الحبِّ للبلوى دعاني
 
أجاب له الفؤاد ونوم عيني
 
  وسارا في الرقاد وودّعاني
 

__________________
(1) تاريخ الحلّة 2 / 49.
  

 

عباد الله أقوام كرام
 
  بهم للخلق والدنيا نظام
 
أحبوا الله ربَّهم فكلٌّ
 
  له قلب كئيب مستهام
 
سقاهم ربُّهم بكؤوس أُنس
 
  فلذّ لهم برؤيته المقام».
 

43 ـ الشيخ مهذّب الدين محمّـد الخيمي :
هو الأديب الشاعر الفاضل الماهر الشيخ أبو طالب مهذّب الدين محمّـد بن أبي الحسن علي بن علي بن المفضّل بن التامغاز الخيمي الحلّي.
ذكره ابن خلّكان في عدّة مواضع من كتابه وفيات الأعيان ، ومنها في ذيل ترجمة توران شاه(1) قائلاً : «وحكى صاحبنا الشيخ مهذّب الدين أبو طالب محمّـد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلّي نزيل مصر الأديب الفاضل ، قال : رأيت في النوم شمس الدولة ..».
وفي موضع آخر قال ابن خلّكان(2) : «مهذّب الدين أبو طالب محمّـد ابن أبي الحسن علي بن علي بن المفضّل بن التامغاز ، هكذا أملى علي نسبه ، وأنشدني كثيراً من شعره وشعر غيره ، وكان اجتماعنا بالقاهرة المحروسة في مجالس عديدة ، وأخبرني أنّ مولده في الثامن والعشرين من شوّال سنة تسع وأربعين وخمسمائة بالحلّة المزيدية ، وتوفّي يوم الأربعاء في العشرين من ذي الحجّة سنة اثنتين وأربعين وستمائة ، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى ، وحضرت الصلاة عليه ، وكان إماماً في اللغة راوية للشعر والأدب ، رحمة الله تعالى عليه».
__________________
(1) وفيات الأعيان 1 / 309.
(2) وفيات الأعيان 2 / 342.
  

وحكى الخاقاني في شعراء الحلّة(1) قول السيوطي في بغية الوعاة قائلاً : «محمّـد بن علي بن علي بن المفضّل بن القامغاز الحلّي مهذّب الدين ابن الخيمي ... إلى قوله : وقال ابن النجّار : كان نحويّاً فاضلاً كامل المعرفة بالأدب حسن الطريقة متديّناً متواضعاً ، وله مصنّفات كثيرة ، ذكر لي أنّه قرأ الأدب على فرسان الحلّي وابن الخشّاب وابن القصّار وابن الأنباري وابن الدبّاغ وابن عبيد والبنديجي وابن أيّوب وابن حميدة وأبي الحسن ابن الزاهد ببغداد وعلى الكندي بدمشق ، وله كتب ...».
وقال الشيخ يوسف كركوش في تاريخ الحلّة(2) :
«كان مهذّب الدين الخيمي شاعراً فحلاً فيّاض الوجدان دقيق الملاحظة سامي الخيال ، ولشعره وقع شديد في النفوس يثير كوامنها ، وكان جامعاً بين الصناعة والطبع ، له نفثات شعرية تكاد تكون آيات بيّنات في الشعر العربي ، وكان في شعره أحياناً ينزع نزعة انتقادية لاذعة ، فكان لذلك يسير شعره سير الأمثال صدىً في البلاد العربية. وبهذه المناسبة أورد قصّته مع بني سناء الملك المصريّين ، خلاصتها أنّه كان له ولد موظّف في إحدى الدواوين المصرية ، فاتُّهم بالخيانة وعوقب من أجل ذلك ، فكتب إليه والده مهذّب الدين بهذه الأبيات :

عصروك أمثال اللصوص
 
  ولم تفد تلك الأمانة
 
فإذا سلمت فخنهم
 
  إنّ السلامة في الخيانة
 
وافعل كفعل بني سناء الملك
 
  في مال الخزانة»
 

__________________
(1) شعراء الحلّة 2 / 69.
(2) تاريخ الحلّة 2 / 70.
  

قال الشيخ يوسف كركوش : «ولمّا شاعت هذه الأبيات في الأندية والمجالس أُمسك بنو سناء الملك وصودرت أموالهم».
وذكر الشيخ البهائي في كشكوله(1) قصيدة لمهذّب الدين الخيمي ، منها :

يا مطلباً ليس لي في غيره إرب
 
  إليك آل التقصّي وانتهى الطلب
 
وما طمحت لمرأى أو لمستمع
 
  إلاّ لمعنى إلى علياك ينتسب
 
وما أراني أهلاً أن تواصلني
 
  حسبي علوّاً بأنّي فيك مكتئب
 
لكن ينازع شوقي تارة أدبي
 
  فأطلب الوصل لمّا يضعف الأدب
 
ولست أبرح في الحالين ذا قلق
 
  نام وشوق له في أضلعي لهب».
 

مؤلّفاته :
وقد ذكرها السيوطي في بغية الوعاة(2) :
1 ـ كتاب حروف القرآن.
2 ـ كتاب أمثال القرآن.
3 ـ كتاب قد.
4 ـ كتاب يحيى.
5 ـ كتاب الكلاب.
6 ـ كتاب استواء الحكم والقاضي.
__________________
(1) كشكول الشيخ البهائي 2 / 100.
(2) بغية الوعاة 1 : 184 ـ 185.
  

7 ـ كتاب الردّ على الوزير المغربي.
8 ـ كتاب المؤانسة في المقايسة.
9 ـ كتاب لزوم الخمس.
10 ـ كتاب المخلص الديواني ، في علم الأدب والحساب.
11 ـ كتاب المقصورة.
12 ـ كتاب المطاول ، في الردّ على المعرّي في مواضع سها فيها.
13 ـ كتاب إسطرلاب الشعر.
14 ـ كتاب شرح التحيّات لله.
15 ـ كتاب صفات القبلة مجملة ومفصّلة.
16 ـ كتاب الأربعين والاساميّات.
17 ـ كتاب الديوان المعمور ، في مدح الصاحب.
18 ـ كتاب الجمع بين الأخوات والحضّ على المحافظة بين المسبيّات.
19 ـ رسالة من أهل الإخلاص والمودّة إلى الناكثين من أهل الغدر والردّة.
ولادته ووفاته :
ذكر ابن خلّكان كما مرّ آنفاً أنّ ولادته في (28 شوّال) سنة (549 هـ) ووفاته يوم الأربعاء في (20 ذي الحجّة) سنة (642 هـ) ودفن في مصر بالقرافة الصغرى رضوان الله عليه.
 

44 ـ الشيخ برهان الدين محمّـد ابن الدهّان :
جاء في الكنى والألقاب(1) : «برهان الدين ـ ويقال : ابن الدهّان أيضاً ـ أبو شجاع محمّـد بن علي بن شعيب البغدادي الفرضي الحاسب النحوي الأديب الشاعر الماهر في النجوم ، صنّف غريب الحديث ، ومن شعره ما كتبه إلى بعض وقد عوفي من مرضه :

نذر الناس يوم برئك صوماً
 
  غير أنّي عزمت وحدي فطراً
 
عالماً أنّ يوم برئك عيد
 
  لا أرى صومه ولو كان نذراً».
 

وذكره أيضاً السيّد هادي كمال الدين في فقهاء الفيحاء(2) واعتبره من علماء الحلّة الذين نشؤوا بها ، توفّي سنة (590 هـ) بالحلّة.
45 ـ الشيخ أبو المعالي محمّـد الهيتي :
جاء في تاريخ الحلّة(3) : «كثر المهاجرون من الهيتيّين إلى الحلّة بعد تأسيسها واستيلاء سيف الدولة على هيت ، فصارت لهم بالحلّة محلّة تعرف بمحلّة الهيتاويّين ، ومن هؤلاء المهاجرين شاعرنا هذا ، وهو محمّـد بن محمّـد بن علي الفارس أبو المعالي الهيتي ، كان يتكسّب بشعره ، كتب عنه أبو طاهر السلفي ببغداد وبالحلّة سنة (497 هـ) ، من شعره على رواية السلفي :

صرمت بلا ذنب حبالي زينب
 
  وتجرّمت وتقول أنت المذنب
 
وغدت تضن بوصلها من تيهها
 
  والوصل أحسن بالحساب وأصوب
 
ولحرقة البين المشتّت حرقة
 
  والبين أعظم ما يكون وأصعب
 

__________________
(1) الكنى والألقاب 2 / 71.
(2) فقهاء الفيحاء 2 / 71.
(3) تاريخ الحلّة 2 / 46.
  

 

يا عاذلاً لم يدر ما صنع الأسى
 
  أقصر ، فإنّ ملام مثلك يعطب
 

توفّي في أوائل القرن السادس الهجري».
46 ـ الشيخ محمّـد ابن الكال الحلّي :
هو الفقيه الفاضل والعالم الجليل الشيخ أبو عبدالله محمّـد بن محمّـد ابن هارون بن كوكب المقرئ المعروف بابن الكال الحلّي. ذكره صاحب أمل الآمل(1) قائلاً :
«الشيخ أبو عبدالله محمّـد بن هارون المعروف والده بالكال ، فاضل ، جليل ، صالح ، فقيه ، له كتب ، منها : مختصر التبيان في تفسير القرآن ، وكتاب متشابه القرآن ، وكتاب اللحن الخفي واللحن الجلي ، وغير ذلك».
وذكره الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة(2) قائلاً :
«اللحن الخفي واللحن الجلي للشيخ أبي عبدالله محمّـد بن هارون المعروف والده بالكال أو الكمال ، ذكره في كشف الحجب ... إلى قوله : وهو ممّن يروي عنه محمّـد ابن المشهدي صاحب المزار المشهور».
وجاء في تاريخ الحلّة(3) :
«هو أبو عبدالله محمّـد بن محمّـد بن هارون بن كوكب المقرئ المعروف بابن الكال. قال فيه ابن الساعي في مختصره :
شيخ فاضل مقرئ ، ولد ببغداد ونشأ بالحلّة المزيدية ثمّ قدم بغداد وأقام بها مدّة ، وقرأ القرآن العزيز بالقراءات على جماعة كأبي محمّـد سبط أبي منصور الخيّاط وأبي الكرم المبارك ابن الشهرزوري وروى الحديث عن
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 31.
(2) الذريعة 18 / 297.
(3) تاريخ الحلّة 2 / 61.
  

جماعة ، ثمّ عاد إلى الحلّة وأقام بها يُقرئ ويحدّث ، أخبرني عنه الحافظ أبو عبدالله الواسطي بقراءته عليه ، قال : قرأت على أبي عبدالله محمّـد بن محمّـد بن الكال بالحلّة ، وسئل أبو عبدالله عن مولده فقال : ولدت في يوم عرفة من سنة (515 هـ). وتوفّي يوم الثلاثاء (11 ذي الحجّة) من سنة (597 هـ) ...».
شيوخه :
1 ـ أبو محمّـد سبط أبي منصور الخيّاط.
2 ـ أبو الكرم المبارك ابن الشهرزوري.
3 ـ دعوان بن علي الجبائي.
4 ـ الحافظ أبو العلاء الهمداني.
5 ـ القاضي أبو القاسم علي الصبّاغ.
6 ـ الشيخ يحيى بن سعدون القرطبي.
تلامذته :
من أشهرهم :
1 ـ الشيخ الجليل محمّـد بن جعفر المشهدي صاحب كتاب المزار.
2 ـ الحافظ أبو عبـد الله الواسطي.
مؤلّفاته :
1 ـ كتاب مختصر التبيان في تفسير القرآن.
2 ـ كتاب متشابه القرآن.
 

3 ـ كتاب اللحن الخفي واللحن الجلي.
وغيرها من الكتب.
ولادته ووفاته :
ولد كما ذكره هو بنفسه في يوم عرفة من سنة (515 هـ) وتوفّي يوم الثلاثاء (11 ذي الحجّة) سنة (597 هـ) قدّس الله روحه الطاهرة.
47 ـ الشيخ محمّـد بن مسافر العبادي :
جاء في أمل الآمل(1) : «الشيخ محمّـد بن مسافر العبادي ، فاضل ، فقيه ، يروي عنه إلياس بن هشام الحائري».
وذكره أيضاً السيّد الخوئي في رجاله(2) مكرّراً ناقلاً قول صاحب أمل الآمل فيه.
أقول :
لا يستبعد أن يكون المترجم له أخاً للشيخ الفقيه عربي بن مسافر العبادي قدس‌سره ، والله سبحانه العالم.
48 ـ الشيخ نجيب الدين محمّـد السوراوي :
هو الفاضل الجليل الشيخ نجيب الدين محمّـد السوراوي المذكور في طرق الإجازات والمعروف لدى العلماء الموصوف بالفضل والنبل مع المدح والثناء العاطر. ذكره صاحب لؤلؤة البحرين(3) ضمن ترجمة الشيخ أبي جعفر الطوسي قدس‌سره قائلاً :
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 306.
(2) معجم رجال الخوئي 17 / 250.
(3) لؤلؤة البحرين : 298.
  

«عن الشيخ نجيب الدين السوراوي ـ نسبة إلى سورى كبشرى بلدة في العراق قد أضمحلّت الآن ـ وكان فاضلاً جليلاً نبيلاً».
وقال النوري في مستدرك الوسائل(1) عند ذكره :
«يروي عنه الشيخ المحقّق المتكلّم النحرير كمال الدين أبو جعفر أحمد بن علي بن سعيد بن سعادة البحراني صاحب رسالة العلم التي شرحها الخواجة نصير الدين الطوسي».
وجاء في طرائف المقال(2) : «الشيخ نجيب الدين السوراوي ـ نسبة إلى سورى كبشرى بلدة في العراق قد اضمحلّت الآن ـ وكان فاضلاً جليلاً نبيلاً ، يروي عنه السيّدان الجليلان رضي الدين وجمال الدين ابنا طاووس ، ويروي عنه أبو الحسين بن هبة الله».
أقول :
لعلّ ما ذكرته كاف لترجمته.
49 ـ السيّد محمّـد بن معد الموسوي :
هو الفقيه العالم العابد الزاهد السيّد أبو جعفر صفيّ الدين محمّـد بن معد بن علي بن رافع الموسوي ، ينتهي نسبه الشريف إلى موسى أبي سبحة ابن إبراهيم الأصغر ابن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام.
جاء في غاية الاختصار(3) :
«كان الفقيه صفي الدين أبو جعفر فقيهاً فاضلاً خيّراً زاهداً ورعاً
__________________
(1) مستدرك الوسائل 3 / 466.
(2) طرائف المقال 1 / 109.
(3) غاية الاختصار : 83.
  

محدّثاً إخباريّاً جامعاً للنسب ، اعتكف بجامع الكوفة سنين كثيرة على قدم الخلوة والتجرّد ، روى عن آبائه علماً كثيراً ، وكتب المليح وضبط الصحيح واقتنى الكتب النفيسة ، كان الناصر ابن المستضيء يكرمهُ ويحبُّه ، وكان مؤيَّد الدين القمّي الوزير(1) يعضّمه ويحبّه وكان بينهم صداقة وودادة ، أراد منه الانتقال من الحلّة إلى بغداد فانتقل ، وأفرد له الوزير داراً من دوره بدرب الدواب فسكنها ، ولم تزل معروفة به ، ويقال : إنّ القمّي وهبه إيّاها ...».
وذكره ابن عِنَبة في عمدة الطالب(2) عند ذكر جدّه السيّد رافع قائلاً :
«يقال لولده : آل رافع ، كان منهم الفقيه صفيّ الدين محمّـد بن معد ابن علي بن رافع المذكور».
وجاء في لؤلؤة البحرين(3) ضمن ترجمة السيّد حمزة بن زهرة الحسيني ما نصّه :
«وبإسناد عن السيّدين العالمين رضي الدين وجمال الدين ابني طاووس وسديد الدين بن المطهّر جميعاً عن السيّد صفيّ الدين أبي جعفر محمّـد بن معد الموسوي ، وهو محمّـد بن معد بن علي بن رافع بن أبي الفضائل معد بن علي بن حمزة بن أحمد بن حمزة بن علي بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم عليه‌السلام. قال في كتاب أمل الآمل : عالم فاضل خيّر محدّث ، يروي عن محمّـد بن محمّـد بن علي الحمداني القزويني عن الشيخ منتجب الدين ، ويروي العلاّمة عن أبيه عنه ...».
__________________
(1) نعم هو القمّي ـ وليس العلقمي ـ واسمه مؤيّد الدين محمّـد بن محمّـد بن برز القمّي ، وهو أحد وزراء الناصر لدين الله العبّاسي ، فلاحظ.
(2) عمدة الطالب : 213.
(3) لؤلؤة البحرين : 355.
  

أقول :
ذكر صاحب كتاب غاية الاختصار(1) حادثة وقعت للسيّد صفي الدين محمّـد بن معد مع الخليفة العباسي الناصر لدين الله تدلّ على نزاهته العالية وشرفه وشجاعته الفائقة في مواجهة أهل الدسائس والغدر ، وإليك نصّها : «حدّثني السيّد شرف الدين أبو جعفر بن محمّـد بن تمام العبيدلي ـ وكان سيّداً خيّراً منقطعاً قد طعن في السنّ ـ قال : حدّثني أبي قال : حدّثني الفقيه صفيّ الدين محمّـد بن معد رحمه‌الله ـ وهذه الحكاية عندي مكتوبة بخطّ العفيف صفيّ الدين رحمه‌الله في كتاب بخطّه يحتوي على أشياء رواها عن أبائه ، وأجداده ـ قال : استدعاني الإمام الناصر بأحد أتباع البدرية الشريفة ، فاغتسلت وتأهّبت ومضيت إليه ، فرأيته جالساً على مستشرف على دجلة وليس بين يديه سوى نجاح الشرابي ، فاستدناني وأحسن ردّ السلام عليَّ ، فلمّا جلست قال لي : أضنّك قد ارتعت لاستدعائك في هذا الليل ، فقلت : الوثوق بورع أمير المؤمنين والعلم بعدله يمنع من اعتراض الروع ، قال يا محمّـد أتدري لما استدعيتك؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين ، قال : استدعيتك لكذا وكذا وعرض عليَّ أموراً ، هكذا في خطّه رحمه الله تعالى. وأمّا ابن شبانة فقال : طلبه ليولّيه نيابة ، وقال له : طلبتك حتّى أجلسك في هذا الرواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، قال : فامتنعت وخضعت في الإعفاء ، فألزمني ، فحين لم أجد لي بُدّاً قلت : يا أمير المؤمنين والله ما أتيت إلاّ وقد اغتسلت وتأهّبت للموت ولم أُعلم بناتي ولا أهلي بالموضع الذي أُحضرت إليه فإن كان في نفس أمير المؤمنين شيء فليفعل ما بدا له ،
__________________
(1) غاية الاختصار : 83.
  

فاصفرّ حينئذ وجهه ، وقال : يا نجاح عليَّ بالكيس الفلاني ، فأتي بكيس فيه كتباً ، ففتحه وأخرج منه كتاباً طويلاً فدفعه إليَّ ، فقال : اقرأه ، فتأمّلته فإذا هو من بعض علوية الكوفة يتضمّن النميمة والسعي في ما يعلم الله براءتي منه ، فلمّا وقفت عليه وفرغت منه ناولني كتاب آخر بذلك المعنى ، وما زال يريني كتاباً بعد كتاب حتّى أتى على كلّ ما في الكيس ، فقلت : يا أمير المؤمنين الله يعلم براءة ساحتي من هذا كلّه وسلامة نيّتي وحسن طاعتي لإمامي ولكن الحسد قد يحمل على ما هو أعظم من هذا ، فقال : والله إنّني أعلم صدقك وإنّك إلى اليوم قد اعتزلت بمسجد الكوفة ثلاثة عشر سنة ، وهذه الرقاع تأتيني بما لا يزيدني إلاّ حسن ضنٍّ بك وجميل اعتقاد فيك ، وإذا كنت لا تؤثر الدخول فيما أكلّفك فأنت بالخيار وأتبع ذلك بكلام جميل بالغ فيه ، أحسن الله جزاءه ، ثمّ قال : يا نجاح إرم بهذا الكيس في الماء ، فرمى به ، ثمّ قال لي : انصرف راشداً ، فدعوت له وانصرفت.
قال صاحب غاية الاختصار : وسمعت أنّ الوزير السعيد نصير الدين الطوسي رحمه‌الله قال : إنّي اجتمعت بالفقيه صفيّ الدين ابن معد وآخيته ، وذاك أنّ الفقيه صفيّ الدين رحمه الله سافر إلى العجم في أيّام حداثته واجتمع به هناك ، ولمّا ورد مولانا نصير الدين رحمه‌الله إلى الحلّة أوّل أمره سأل عن صفيّ الدين الفقيه فقيل له : ليس له سوى بنت ...».
شيوخه وتلامذته :
يروي السيّد صفيّ الدين ابن معد عن الشيخ محمّـد بن محمّـد بن علي الحمداني القزويني عن الشيخ منتجب الدين ، ويروي عنه السيدان السندان رضي الدين علي وجمال الدين أبو الفضائل أحمد ابنا موسى بن
 

طاووس رضوان الله عليهم ، وكذلك يروي عنه الشيخ سديد الدين يوسف ابن المطهّر الحلّي والد العلاّمة رحمه الله تعالى.
ولادته ووفاته :
لم أعثر على تاريخ ولادته ، وأمّا تاريخ وفاته فيمكن تحديدها بأنّها كانت قبل بضع سنين من سقوط بغداد تقريباً اعتماداً على ما ذكره صاحب غاية الاختصار من وجود مؤاخاة بين المترجم له والخواجة نصير الدين الطوسي المولود عام (597 هـ) وزيارة السيّد صفيّ الدين للخواجة أيّام حداثته ممّا يدلّ على تقارب أعمارهم ، وكذلك سؤال الخواجة عن السيّد المترجم له عند دخوله الحلّة بعد سقوط بغداد ، والله سبحانه العالم.
50 ـ الشيخ سديد الدين محمود الحمصي :
هو الفقيه العالم العابد والفيلسوف المتكلّم الزاهد الشيخ الإمام سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي الحلّي. ذكره صاحب أمل الآمل(1) قائلاً :
«الشيخ الإمام سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي ، علاّمة زمانه في الأصوليّين ، ورع ، ثقة ، له تصانيف ، منها : التعليق الكبير ، التعليق الصغير ، المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد المسمّى بـ : التعليق العراقي ، المصادر في أصول الفقه ، التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح ، بداية الهداية ، نقض الموجز للنجيب أبي المكارم. حضرت مجلس درسه سنين وسمعت أكثر هذه الكتب بقراءة من قرأ عليه ، قاله
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 316.
  

منتجب الدين. وقد روى الشهيد الثاني عن تلامذته عنه. ومن شعره ما وجدته بخطّ الشيخ حسن وذكر أنّه وجده بخطّ الشهيد الثاني للشيخ سديد الدين الحمصي :

قد كنت أبكي وداري منك دانية
 
  فحقّ لي ذاك إذ شطّت بك الدار
 
أبكي لذكرك سرّاً ثُمّ أعلنهُ
 
  فلي بكاءان إعلان وإسرار»
 

أقول :
لا تصحّ رواية الشهيد الثاني كما ذكرها صاحب الآمل عن تلامذة المترجم له لبعد الفترة الزمنية بينهما ، ولكن الأصحّ والأقرب إلى الصواب رواية الشهيد الأوّل وبواسطة عن تلامذة الشيخ الحمصي المترجم له ، وذلك لأنّ ولادة الشهيد الأوّل محمّـد بن مكّي قدس‌سره وكما ذكرها السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل كانت سنة (734 هـ) ووفاة الشيخ الحمصي كانت قريبة لبداية القرن السابع الهجري حدود (600 هـ) ، والله سبحانه العالم.
وذكره السيّد حسن الصدر في كتابه تكملة أمل الآمل(1) واعتبره من مشاهير علماء الشام قائلاً :
«الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الشامي الحمصي نزيل الري ، ذكره في الأصل في القسم الثاني ، وذكرناه نحنُ هناك تبعاً له مع ما يزيد البصيرة ، وإلاّ فالرجل من مشاهير علماء الشام ، حتّى أنّ الشهيد كلّما قال : «عند الشاميّين» يريد ثلاثة هو أحدهم ، فذكره هنا متعيّن».
__________________
(1) تكملة أمل الآمل 1 / 396.
  

قال الخونساري في روضات الجنّات(1) :
«هذا ، ومن جملة ما يدلّك على اختصاص الرجل أيضاً بمزيد التصرّف والتحقيق والتقدّم في زمنه على كلّ بحر عميق والتكلّم من فضل منه على أغلاط أهالي التأليف والتعليق هو ما نقله عنه شيخنا الشهيد الثاني في كتابه في الدراية حيث قال في مقام المنع من الاعتداد بالشهرة المتأخّرة عن الشيخ المرحوم قدس‌سره معلّلاً إيّاه بأنّ أكثر الفقهاء الذين نشؤوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنّهم به وممّن اطّلع على هذا الذي تبيّنته وتحقّقته من غير تقليد الشيخ الفاضل المحقّق سديد الدين محمود الحمصي والسيّد رضي الدين بن طاووس رحمه‌الله وجماعة ، قال السيّد رحمه‌الله في كتابه المسمّى بـ : كشف المحجّة لثمرة المهجة : أخبرني جدّي الصالح ورّام بن أبي فراس قدس‌سره أنّ الحمصي حدّثه أنّه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلّهم حاك ، وقال السيّد عقيب ذلك : والآن فقد ظهر أنّ الذي يفتي به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدّمين».
وجاء في الكنى والألقاب(2) :
«الحمصي سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي العلاّمة المتكلّم المتبحّر صاحب التعليق العراقي في فنّ الكلام ، قال الشيخ منتجب الدين في حقّه ... إلى قوله : أقول : إنّ هذا الشيخ من أكابر علمائنا الإمامية ، ويذكر فتواه في مسألة إرث ابن العمّ الأبويني والعمّ الأبي والخال والخالة ، يروي عنه الشيخ الزاهد ورّام بن أبي فراس (المتوفّى سنة
__________________
(1) روضات الجنّات 7 / 161.
(2) الكنى والالقاب 6 / 175.
  

605 هـ) ، وهو يروي عن الشيخ الصالح الثقة موفّق الدين الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني عن الشيخ أبي علي الطوسي عن والده شيخ الطائفة رضي الله عنهم أجمعين ...».
وجاء في فلاسفة الشيعة(1) : «هو من أعلام الشيعة وشيوخهم البارزين في الكلام والطب والفلك والفقة والأصول وغيرها ... إلى قوله : وكان من أبرز المجتهدين في عصره مستقلاًّ في تفكيره بعيداً عن التقليد ، ويعتبر الحمصي من أوّل من خرق الشهرة في الفتوى بعد الشيخ أبي جعفر الطوسي المتوفّى عام (460 هـ) ، ومزَّق الهالة القدسية التي كانت حول آرائه وفتاويه الفقهية والتي طغت على أفكار الفقهاء من بعده حتّى كانت آراؤه الفقهية المرجع لديهم مدّة طويلة ...».
شيوخه ومن يروي عنهم :
الشيخ موفّق الدين الحسين بن الفتح الواعظ البكرآبادي الجرجاني.
تلامذته ومن يروي عنه :
1 ـ الشيخ برهان الدين محمّـد بن محمّـد بن علي الهمداني القزويني.
2 ـ الشيخ ورّام بن أبي فراس الحلّي.
3 ـ الشيخ علي بن عبيدالله بن بابويه القمّي صاحب الفهرست.
4 ـ الشيخ عماد الدين أبو الفرج علي ابن الشيخ قطب الدين الراوندي.
__________________
(1) فلاسفة الشيعة : 542.
  

مؤلّفاته :
1 ـ كتاب التعليق العراقي ، والمسمّى : المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد.
2 ـ التعليق الكبير(1).
3 ـ التعليق الصغير ، في علم الكلام.
4 ـ المصادر ، في أصول الفقه.
5 ـ التبيين والتنقيح في التحسين والتقبيح ، في الكلام.
6 ـ بداية الهداية.
7 ـ نقض الموجز ، لأبي مكارم حمزة بن زهرة الحلبي المتوفّى عام (585 هـ).
8 ـ الأمالي العراقية في شرح الفصول الأيلاقية.
9 ـ مشكاة اليقين في أصول الدين ، في الكلام. وقد نسب هذا الكتاب إلى ولده جمال الدين علي بن محمود الحمصي.
ولادته ووفاته :
لم أعثر على تاريخ ولادته أو تاريخ وفاته إلاّ أنّه كان حيّاً عام (581 هـ) وهو وقت فراغه من تأليف كتابه التعليق العراقي ، رضوان الله عليه.
51 ـ الأمير مزيد بن صفوان المزيدي :
جاء في تاريخ الحلّة(2) : «هو الأمير مزيد بن صفوان بن الحسن بن
__________________
(1) أقول : قد يكون نفسه التعليق العراقي الكبير كما ذكره بعض العلماء ، إلاّ أنّ صاحب الأمل اعتبره كتاباً آخر ، فلاحظ.
(2) تاريخ الحلّة 2 / 11.
  

منصور بهاء الدولة ، نشأ في بيت أثيل ، كانت له الإمارة والكلمة النافذة في العراق. كان الأمير مزيد شاعراً مجيداً مكثراً من الوصف والغزل والنسيب والتغنّي بالخمرة ووصف مجالس الشراب والاشتياق للندماء ووصف الطلول والمناجاة ، ومن استعراض قصائده نلاحظ أنّها تمتاز بالقوّة والجزالة والرقّة والسلامة ، كما تدلّ على أنّه شاعر مطبوع مرهف الحسّ رقيق الشعور ، وأنّه شاعر صادق العاطفة يعبّر عن ألم دفين وحزن كمين سببه فراقه بلدة الجامعين وذكرى ما كان له فيها من مجالس أُنس وطرب وحبٍّ جامح. من شعره قوله :

ومرابع بالجامعين عهدتها
 
  تزهو بغيلان لها وجآذر
 
أيّام كنت أجرّ في روض الصبا
 
  رد فيَّ بين رفارق وعباقر
 
من كلّ فاتنة اللحاظ إذا رنت
 
  يا للرجال من اللحاظ الفاتر».
 

52 ـ السيّد معد بن فخار الموسوي :
هو السيّد الجليل العلاّمة معد بن فخار بن أحمد بن محمّـد الموسوي ، كان من العلماء الأفاضل ، يروي عنه ولده الإمام النسّابة شمس الدين فخار بن معد بن فخار الموسوي الذي ذكره عند عدّه لمشايخه الذين يروي عنهم في كتابه الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب(1).
53 ـ الشيخ أبو الفتوح نصر ابن الخازن :
جاء في تاريخ ابن الساعي(2) : «أبو الفتوح نصر بن علي بن منصور النحوي الحلّي المعروف بابن الخازن ، كان حافظاً للقرآن المجيد عارفاً بالنحو واللغة العربية ، قَدِمَ بغداد واستوطنها مدّة ، وقرأ على ابن عبيدة
__________________
(1) لؤلؤة البحرين : 281 الهامش ، بقلم السيّد محمّـد صادق بحر العلوم.
(2) الجامع المختصر 9 / 128.
  

وغيره ، وسمع الحديث على أبي الفرج بن كليب وغيره ولم يبلغ أوان الرواية ، توفّي شابّاً بالحلّة في ثالث عشر جمادى الآخر سنة (600 هـ) ودفن في مشهد الحسين عليه‌السلام».
54 ـ الشيخ هبة الله بن أيّوب الحلّي :
هو العلاّمة الفقيه اللغوي النحوي عميد الرؤساء الشيخ أبو منصور رضي الدين هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيّوب بن علي بن أيّوب الحلّي.
ذكره ياقوت في معجم الأدباء(1) قائلاً :
«هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيّوب بن علي بن أيّوب أبو منصور ، يعرف بعميد الرؤساء ، أديب ، فاضل ، نحوي ، لغوي ، شاعر ، شيخ وقته ومتصدِّر بلده ، أخذ عنه أهل تلك البلاد الأدب ، وأخذ هو عن أبي الحسن علي بن عبدالرحيم الرقّي المعروف بابن العصّار وغيره ، وله نظم ونثر ، وكان يُلقَّب بوجه الدّويبة ، وسمع المقامات من ابن النقَّور وروى عنه ، مات سنة (610 هـ)».
قال الحرّ العاملي في أمل الآمل :
«السيّد عميد الرؤساء هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيّوب ، كان فاضلاً جليلاً ، له كتب ، يروي عنه السيّد فخّار».
وفي الكنى والألقاب(2) :
«عميد الرؤساء رضي الدين أبو منصور هبة الله بن حامد الحلّي اللغوي الفقيه الفاضل الجامع الأديب الكامل ، يروي عنه السيّد فخار ، كان رحمه‌الله من الأخيار الصلحاء المتعبّدين ومن أبناء الكُتّاب المعروفين ، وهو
__________________
(1) معجم الأدباء 19 / 264.
(2) الكنى والألقاب 2 / 450.
  

الذي يروي الصحيفة الكاملة السجّادية عن السيّد الأجلّ بهاء الشرف ، فهو القائل : (حدّثنا) في أوّلها ، مات سنة (609 هـ)».
وفي أعيان الشيعة(1) :
«وهبة الله بن حامد بن أيّوب الحلّي المعروف بعميد الرؤساء ، في معجم الأدباء : أديب فاضل نحوي شاعر ...».
وذكره السيّد محمّـد صادق بحر العلوم في تعليقته على لؤلؤة البحرين(2) قائلاً :
«هو رضيّ الدين أبو منصور هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيّوب بن علي بن أيّوب الحلّي اللغوي الإمام الفقيه الفاضل الجامع الأديب الكامل المعروف بعميد الرؤساء صاحب كتاب الكعب المنقول قوله في بحث الوضوء عند مسألة الكعب والمعوّل عليه عندنا والمقبول عند العامّة ...».
ولادته ووفاته :
لم أعثر على تاريخ ولادته ، أمّا وفاته فهي في عام (610 هـ) ، نوّر الله رمسه.
55 ـ الشيخ هبة الله بن رطبة السوراوي :
جاء في أمل الآمل(3) : «الشيخ جمال الدين هبة الله بن رطبة السوراوي ، كان فقيهاً محدّثاً صدوقاً ، يروي عن الشيخ أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر الطوسي».
__________________
(1) أعيان الشيعة 1 / 356.
(2) لؤلؤة البحرين : 422.
(3) أمل الآمل 2 / 342.
  

أقول :
من المحتمل أن يكون المترجم له والد الشيخ جمال الدين الحسين ابن هبة الله بن رطبة السوراوي ، والله سبحانه العالم.
56 ـ الشيخ هبة الله بن نما :
هو الفقيه الجليل العالم الشيخ أبو البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون الربعي الحلّي. ذكره صاحب أمل الآمل(1) قائلاً :
«الشيخ أبو البقاء هبة الله بن نما الحلّي ، فاضل ، صالح ، يروي عنه ولده جعفر».
وقال الخونساري في روضات الجنّات(2) في ذيل ترجمة السيّد هبة الله بن الحسن الموسوي :
«... وغير هبة الله بن نما الحلّي الراوي عن إلياس بن هشام الحائري والد نجم الدين بن نما».
وفي موضع آخر من روضات الجنّات(3) قال الخونساري :
«... وفي مقدّمات بحار سميّنا المجلسي رحمه‌الله ذكر الإسناد إلى كتاب سليم بن قيس الهلالي بهذه الصورة على ما وجد في نسخته رحمه‌الله : أخبرني الرئيس العفيف أبو البقاء هبة الله بن نما بن علي بن حمدون رضي الله عنه قراءة عليه بداره بحلّة الجامعين في جمادى الأولى سنة خمس وستّين
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 343.
(2) روضات الجنّات 8 / 185.
(3) روضات الجنّات 2 / 180.
  

وخمسمائة ، قال : حدّثنا الشيخ العالم أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن طحّال المجاور بالحائر ...».
مؤلّفاته :
منها كتاب المناقب المزيدية في أخبار الدولة الأسدية.
57 ـ الشيخ ورّام بن أبي فراس الحلّي :
هو الأمير العالم الفاضل الزاهد العابد الشيخ أبو الحسين ورّام بن أبي فراس ورّام بن حمدان المنتهي نسبه إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين عليه‌السلام. قال فيه صاحب أمل الآمل(1) :
«الأمير الزاهد أبو الحسين ورّام بن أبي فراس بحلّة ، من أولاد مالك ابن الأشتر النخعي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، عالم فقيه صالح ، شاهدته بحلّة ووافق الخُبر الخَبر ، قرأ شيخنا الإمام سديد الدين محمود الحمصي بحلّة وراعاه ، قاله منتجب الدين. قال الحرّ العاملي معقّباً : وهذا الشيخ الفاضل الجليل القدر جدّ السيّد رضي الدين علي بن طاووس لأمّه. له كتاب تنبيه الخواطر ونزهة النواظر حسن إلاّ أنّ فيه الغثّ والسمين ، يروي الشهيد عن محمّـد بن جعفر المشهدي عنه».
وقال الشيخ عبدالنبي الكاظمي في تكملة الرجال(2) :
«ورّام بن حمدان بن خولان بن إبراهيم بن مالك الأشتر ، كذا في البحار ، وأظنّ أنَّ الواسطة بين ورّام ومالك أكثر من هذا ، وهو ثقة ورع صالح ، معاصر لمنتجب الدين ، يروي عنه ابن طاووس ويثني عليه».
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 343.
(2) تكملة الرجال 2 / 568.
  

وقال الخوانساري في روضات الجنّات(1) بعد ذكره لقول صاحب أمل الآمل فيه :
«... له كتب ، منها مجموعته المعروفة بـ : تنبيه الخاطر ونزهة الناظر ، يروي عن الشيخ محمود الحمصي ، وعنه الشيخ منتجب الدين ومحمّـد بن جعفر المشهدي».
وقال البروجردي في طرائف المقال(2) : «الشيخ ورّام بن أبي فراس يروي عن الشهيد الأوّل».
أقول :
لا يمكن أن يروي الشيخ ورّام عن الشهيد لتقدّمه وتأخّر الشهيد عنه ، بل لا يمكنه أن يروي عن الشيخ ورّام بدون واسطة ، بل الأقرب إلى الصواب بواسطتين ، علماً أنّ وفاة الشيخ ورّام كانت عام (605 هـ) وولادة الشهيد الأوّل في الثلث الأوّل من القرن الثامن ، والله سبحانه العالم.
وقال الشيخ عبّاس القمّي في سفينة البحار(3) :
«ورّام بن أبي فراس شيخ زاهد عالم فقيه محدّث جليل صاحب كتاب تنبيه الخاطر الملقّب بـ : مجموعة ورّام ... ينتهي نسبه إلى إبراهيم بن الأشتر ، وهو جدّ السيّد رضي الدين علي بن طاووس من طرف أمّه ، قال السيّد في محكي فلاح السائل : كان جدّي ورّام بن أبي فراس قدس‌سره ممّن يُقتدى بفعله ، وقد أوصى أن يجعل في فمه بعد وفاته فصّ عقيق عليه
__________________
(1) روضات الجنّات 8 / 177.
(2) طرائف المقال 1 / 98.
(3) سفينة البحار 2 / 644.
  

أسماء أئمّته صلوات الله عليهم ، توفّي بالحلّة ثاني محرّم سنة (605 هـ) ... إلى آخر ما ذكره».
وحكى السيّد محمّـد صادق بحر العلوم في نبذته المختصرة عن الشيخ ورّام الحلّي عند تقديمه لكتابه المسمّى تنبيه الخواطر ونزهة النواظر(1) قول الشيخ عبّاس القمّي قائلاً :
«... ثمّ قال المحدِّث القمّي رحمه‌الله : ورأيت بخطّ (ح مل) في حاشية أمل الآمل في ذيل ترجمة هذا الشيخ الأجل قوله : ومن شعره :

يا أيّها الراقد كم ذا المنام
 
  علام ذي الغفلة جهلاً علام
 
علام تُفني العمر لا ترعوي
 
  شربت يا هذا نمير المدام
 
في طمع الدنيا ولذّاتها
 
  وجمع ما تترك من ذا الحطام
 
حلّ بك الشيب أما تستحي
 
  قد آن إقلاعك عن ذا المقام
 
قد أشبه الشبّان في جهلهم
 
  ذو شيبه يفعل فعل الغلام
 
كأنّ بالصحّة قد حوِّلت
 
  وأُلبس المسكين ثوب السقام
 
فارقت القوّة أركانها
 
  من كلّ ما تقدر حتّى الطعام
 
فيا هنيئاً لامرئ قدّمت
 
  يداه خيراً بعده لا يضام
 
فليتب المذنب من زلّة
 
  موبقة تزريه بين الأنام»
 

مشايخه ومن يروي عنهم :
1 ـ أشهرهم : الشيخ الإمام سديد الدين محمود بن علي الحمصي.
2 ـ السيّد الأجلّ الشريف علي بن إبراهيم العريضي العلوي الحسيني.
__________________
(1) تنبيه الخواطر 1 / 3.
  

تلامذته ومن يروي عنه :
1 ـ الشيخ منتجب الدين علي بن عبيدالله القمّي صاحب الفهرست.
2 ـ الشيخ محمّـد بن جعفر المشهدي.
مؤلّفاته :
وأشهرها كتابه المسمّى بـ : تنبيه الخواطر ونزهة النواظر والذي يعرف أيضاً بـ : مجموعة الشيخ ورّام.
وفاته :
توفّي قدّس الله روحه كما عليه أكثر أرباب المعاجم عام (605 هـ) ، أمّا تاريخ ولادته فلم أعثر عليها ، والله سبحانه العالم.
58 ـ الشيخ يحيى بن بطريق الحلّي :
هو الفقيه الفاضل والعالم الكامل الشيخ أبو الحسين يحيى بن الحسن ابن الحسين بن علي بن محمّـد بن البطريق الحلّي ، ذكره صاحب أمل الآمل(1) قائلاً : «الشيخ أبو الحسين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمّـد بن البطريق ، كان عالماً فاضلاً محدّثاً محقّقاً ثقة صدوقاً ، له كتب ، منها ...».
وذكره صاحب لؤلؤة البحرين(2) ناقلاً لقول صاحب أمل الآمل فيه.
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 345.
(2) لؤلؤة البحرين : 283.
  

وجاء في روضات الجنّات(1) بعد نقله لقول صاحب أمل الآمل في المترجم له :
«... هذا ، وفي بعض كتب الإجازات اكتناء الرجل بأبي زكريّا وانتسابه بالأسدي الحلّي ، وفي بعضها تلقّبه بـ : شمس الدين شرف الإسلام ، وفي بعض المواضع تسمية كتابه الأوّل الذي عليه من الإثبات المعوّل بكتاب العمدة في عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ... إلى قوله : ثمّ إنّ البطريق كـ : (كبريت) : القائد من قوّاد الروم وتحت يده عشرة آلاف رجل».
وجاء في الكنى والألقاب(2) : «أبو الحسين شمس الدين يحيى بن الحسن بن الحسين الحلّي من أفاضل العلماء الإمامية ، كان عالماً فاضلاً محدّثاً محقّقاً ثقة جليلاً ، له كتاب العمدة والمناقب ...».
مشايخه ومن يروي عنهم :
1 ـ الشيخ الفقيه رشيد الدين محمّـد بن علي بن شهرآشوب.
2 ـ الشيخ عماد الدين أبو جعفر محمّـد بن أبي القاسم علي بن محمّـد بن علي الطبري الآملي الكجي صاحب كتاب بشارة المصطفى ، وتاريخ روايته عنه سنة (575 هـ) كما ذكره هو في أوّل كتابه الخصائص.
تلامذته ومن يروي عنه :
1 ـ السيّد شمس الدين فخار بن معد بن فخار الموسوي.
2 ـ السيّد نجم الإسلام أبو حامد محمّـد بن أبي القاسم عبدالله بن
__________________
(1) روضات الجنّات : 8 / 196.
(2) الكنى والألقاب 1 / 226.
  

علي بن زهرة الحلبي صاحب كتاب الأربعين حديثاً في حقوق الاخوان.
3 ـ الشيخ محمّـد بن جعفر المشهدي صاحب كتاب المزار.
4 ـ الشيخ أبو الحسن علي بن يحيى الخيّاط.
مؤلّفاته :
1 ـ كتاب العمدة. قال الخوانساري عنه في روضات الجنّات(1) : وفي بعض المواضع تسمية كتابه الأوّل الذي عليه من الإثبات المعوّل بـ : كتاب العمدة في عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار.
2 ـ كتاب المناقب.
3 ـ كتاب إتفاق صحاح الأثر في إمامة الأئمّة الاثني عشر.
4 ـ كتاب الردّ على أهل النظر في تصفّح أدلّة القضاء والقدر.
5 ـ كتاب نهج العلوم إلى نفي المعدوم ـ المعروف بـ : سؤال أهل حلب ـ.
6 ـ كتاب تصفّح الصحيحين في تحليل المتعتين.
7 ـ كتاب الخصائص.
8 ـ كتاب رجال الشيعة ، ذكره الشيخ آغا بزرك في مصفى المقال(2) قائلاً : «وله رجال الشيعة الذي نقل عنه ابن حجر في لسان الميزان».
ولادته ووفاته :
حكى العلاّمة السيّد محمّـد صادق بحر العلوم في تعليقته على لؤلؤة البحرين(3) عن الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه الإسناد المصفّى قوله عن
__________________
(1) روضات الجنّات 8 / 196.
(2) مصفى المقال: 502.
(3) لؤلؤة البحرين : 284.
  

المترجم له : «إنّه توفّي سنة (600 هـ) عن سبعة وسبعين سنة ...».
وبناءً على هذه التواريخ تكون ولادة المترجم له حدود عام (523 هـ) ، والله سبحانه أعلم.
59 ـ الشيخ يحيى بن سعيد الهذلي :
هو الفقيه العالم شيخ مشايخ عصره الشيخ أبو زكريا نجيب الدين يحيى الأكبر ابن الحسن بن سعيد الهذلي الحلّي. ذكره صاحب أمل الآمل(1) قائلاً : «الشيخ أبو زكريّا يحيى الأكبر ابن الحسن بن سعيد الحلّي ، كان عالماً محقّقاً ، وهو جدّ المحقّق نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى ، يروي عنه ولده وعن ولده ولده. وقال الشهيد عند ذكره : الشيخ الأسعد العلاّمة المغفور له رئيس المذهب في زمانه نجيب الدين يحيى بن الحسن بن سعيد صاحب الجامع وغيره».
وقال فيه صاحب لؤلؤة البحرين(2) عند ذكر حفيده المحقّق جعفر بن الحسن الحلّي :
«... وكان أبوه الحسن من الفضلاء المذكورين وجدّه يحيى من العلماء الأجلاّء المشهورين ، يروي عنه ابنه الحسن وابن ابنه المحقّق المذكور ...».
أقول :
من مؤلّفاته التي اشتهر بها كتاب الجامع في الفقه. ولم أعثر على تاريخ تولّده ووفاته أعلى الله مقامه.
__________________
(1) أمل الآمل 2/345.
(2) لؤلؤة البحرين : 228.
  

60 ـ الشيخ يحيى بن سعيد الشيباني (ابن زبادة) :
هو العالم الفاضل والأديب النحوي الكامل الشيخ قوام الدين ـ أو عميد الدين ـ أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله الشيباني المعروف بابن زبادة الواسطي الحلّي.
جاء في وفيات الأعيان(1) :
«أبو طالب يحيى بن أبي الفرج سعيد بن أبي القاسم هبة الله بن علي ابن فرغلي بن زبادة الشيباني الكاتب المنشئ الواسطي الأصيل البغدادي المولد والدار والوفاة الملقّب قوام الدين ـ وقيل : عميد الدين ـ كان من الأعيان الأماثل والصدور الأفاضل ، انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته في الفقه وعلم الكلام والأصول وغير ذلك ، وله النظم الجيّد ، جالس أبا منصور ابن الجواليقي وقرأ عليه وعلى من بعده ، وسمع الحديث من جماعة ، وخدم الديوان من صباه إلى أن توفّي عدّة خدمات ، وكان مليح العبارة في الإنشاء جيّد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة ... إلى قوله : وتولّى النظر بديوان البصرة وواسط والحلّة ، ولم يزل على ذلك إلى أن طلب من واسط والحلّة ...».
من شعره :

باضطراب الزمان ترتفع
 
  الأنذال فيه حتّى يعمَّ البلاءُ
 
وكذا الماء ساكناً فإذا حُرّك
 
  ثارت من قعره الأقذاء
 

__________________
(1) وفيات الأعيان 6 / 244.
  

وله أيضاً :

إنّي لأعظم ما تلقونني جلداً
 
  إذا توسّطت هول الحادث النكد
 
كذلك الشمس لا تزداد قوّتها
 
  إلاّ إذا حصلت في زبرة الأسد
 

وقوله أيضاً :

إن كنت تسعى للسعادة فاستقم
 
  تنل المراد ولو سموت إلى السما
 
أَلِفُ الكتابة وهو بعض حروفها
 
  لمّا استقام على الجميع تقدّما
 

ولادته ووفاته :
ولد في (25 صفر) سنة (522 هـ) وتوفّي ليلة الجمعة (27 ذي الحجّة) سنة (594 هـ) وصُلّي عليه بجامع القصر ودفن بالجانب الغربي بمشهد الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام ببغداد رضوان الله عليه.
قال ابن خلّكان : «وزَبادة ـ بفتح الزاي ـ : هو القطعة من الزباد الذي تتطيّب النسوان به ، والله أعلم».
61 ـ الشيخ يحيى بن محمّـد السوراوي :
جاء في روضات الجنّات(1) في ذيل ترجمة الشيخ يحيى بن بطريق عند ذكر المترجم له ما نصّه :
__________________
(1) روضات الجنّات 8 / 197.
  

«وهو غير الشيخ يحيى بن محمّـد بن يحيى بن الفرج السوراوي الراوي عن الحسين بن هبة الله بن رطبة عن الشيخ أبي علي وشيخ رواية والد مولانا العلاّمة الحلّي ، فإنّ والد العلاّمة لا يروي عن صاحب الترجمة ـ يقصد ابن بطريق الحلّي ـ إلاّ بالواسطة كما قد عرفت».
62 ـ الشيخ يحيى بن فرج السوراوي :
جاء في أمل الآمل(1) : «الشيخ يحيى بن محمّـد بن يحيى بن الفرج السوراوي ، كان فاضلاً صالحاً ، يروي عن ابن شهرآشوب ، ويروي العلاّمة عن أبيه عنه».
القرن السابع الهجري
(600 ـ 700)
وهو من أعظم عصور النهضة العلمية في الحلّة وأكثرها إشراقاً وأوسعها للعلم انتشاراً حتّى بلغت فيه أوج عظمتها وقمّة عطائها الفكري ، ومن الممكن اعتباره وبدون مبالغة العصر الذهبي للنهضة العلمية والتي تدفّقت منه روافد الفكر الإسلامي والفقه الإمامي خاصّة ممتدّةً إلى مختلف بلدان العالم الإسلامي ناشرة للعلوم والمعارف الإسلامية المختلفة من خلال جهود ونتاجات علماء ذلك العصر الفاخر الثمين أمثال الشيخ الأعظم صاحب المآثر والمفاخر شيخ الطائفة وزعيمها في وقته آية الله العظمى جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي المعروف بالعلاّمة الحلّي ، وكذلك الشيخ السعيد الإمام المحقّق أبو القاسم جعفر بن سعيد صاحب شرائع الإسلام ، والسيّد السند جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن
__________________
(1) أمل الآمل 2 / 349.
  

طاووس ، وغيرهم من أساطين العلم ورجال الفكر والأدب والذين ستأتي تراجمهم لاحقاً وكما يلي :
63 ـ الشيخ أبو طالب ابن الابريسمي :
جاء في شعراء الحلّة : هو كمال الدين أبو طالب بن علي بن محمّـد الأبريسمي النحوي ، ذكره ابن الفوطي في مجمع الآداب ومعجم الألقاب فقال : ذكره شيخنا الأديب مهذّب الدين أبو الثناء محمود بن يحيى الشيباني الحلّي في كتاب شفاء الغلّة من شعر شعراء الحلّة وأثنى عليه ، وأنشدنا له سنة (681 هـ) :

في القلب من ألم الصدود خبال
 
  ولواعج لنياطـة تغتال
 
يهوى ويشكو ما يخامره من الـ
 
  ـبلوى وقد أودى به البال
 

ومنها :

ومسهّد الأجفان من جمر الهوى
 
  أوهى قواه قطيعة وملال
 
لا تسلك السعدي إنّ ظباءه
 
  أسد الشرى بعيونهنّ تُغال
 
مل عن حماه ففيه ظبي أهيف
 
  يسبي العقول قوامه الميّال ...»
 

64 ـ الشيخ أبو القاسم الرافضي :
جاء في فقهاء الفيحاء(1) : «والرافضي هذا هو الشيخ أبو القاسم بن الحسين الملقّب أيضاً بشيخ الشيعة ، كان من أجلّ فقهاء الإمامية وركناً ركيناً من أركانهم، توفّي رحمه‌الله سنة (679 هـ) ، فكانت وفاته خسارة للعلم والأدب ؛ أمّا تاريخ ولادته فلم نعثر عليها رغم البحث المتواصل ...».
65 ـ الشيخ ابن أبي العزّ الحلّي :
هو الفقيه الفاضل الذي كان أحد الأشخاص الثلاثة المنتخبين لمقابلة
__________________
(1) فقهاء الفيحاء 1/172.
  

هولاكو ملك المغول للتفاوض وطلب الأمان للحلّة والمشهدين الشريفين.
حكى صاحب روضات الجنّات(1) قول العلاّمة الحلّي في كتابه كشف اليقين وذكره لخطبة الزوراء وما كان من أمر التفاوض مع المغول قائلاً :
«... وكان ذلك سبب سلامة أهل الحلّة والكوفة والمشهدين الشريفين من القتل ، لأنّه لمّا وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها هرب أكثر أهل الحلّة إلى البطائح إلاّ القليل ، فكان من جملة القليل والدي رحمه‌الله والسيّد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبي العزّ ، وقد جمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنّهم مطيعون ...».
وقال القمّي في الكنى والألقاب(2) : «الشيخ الفقيه الفاضل العالم المعروف الذي ذهب مع الشيخ سديد الدين والد العلاّمة الحلّي والسيّد مجد الدين بن طاووس من الحلّة إلى قرب بغداد لطلب الأمان من هولاكو ملك التتر لهم ولأهل الحلّة ، والقصّة مشهورة ...».
__________________
(1) روضات الجنّات 8/200.
(2) الكنى والألقاب 1/197.

12 ـ مدرسة القرن الثاني عشر الهجري :
تميّزت هذه الفترة بظهور التفاسير الروائية المستندة على تفسير القرآن الكريم بالأخبار المأثورة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام مرّة أُخرى بسبب رواج الفكرة الإخبارية ، كـ : تفسير البرهان ، ونور الثقلين ، وكنـز الدقائق.
إلاّ أنّ الفكرة الإخبارية ذاتها دحضت نفسها بالإعتماد على الأخبار الصحيحة والضعيفة معاً. وإذا كان الإعتماد على الأخبار المرويّة عن أهل البيت عليهم‌السلام هو الأصل في فهم القرآن والشريعة كان الأولى الإعتماد على
 

الأخبار الصحيحة وطرح الأخبار الضعيفة ، إلاّ أنّ تمييز الأخبار الصحيحة عن السقيمة لا يتمّ إلاّعن طريق الاجتهاد في الأصول والفقه والرجال. والإدّعاء بأنّ جميع الأخبار المروية في الكتب الأربعة صحيحة ادّعاء يفتقد إلى رؤية سليمة للتأريخ(1). وهكذا لم تنجح الفكرة الأخبارية في إصدار تفسير دقيق للقرآن الكريم.
السيّد هاشم البحراني وتفسير البرهان :
ومن مفسّري هذا القرن السيّد هاشم بن سليمان الحسيني البحراني (ت 1107 هـ) وكتابه البرهان في تفسير القرآن. وهذا التفسير يعبّر عن عقيدة المؤلّف الإخبارية ، فقام بجمع الأخبار والفتاوى دون ترجيح لرواية على رواية أو تمحيص في السند أو تصحيح أو تسقيم أو جرح أو تعديل. وكان مرجعه في ذلك ثلاثة كتب تفسيرية إخبارية غير متّفق على نسبتها أو صحّة ما ورد فيها من روايات أو قد حذفت أسانيدها ، وهي : التفسير المنسوب إلى عليّ بن إبراهيم القمّي ، والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري ، وكتاب تفسير العيّاشي ، مع كتب أُخرى خاصّة بالأخبار والروايات.
وكان منهج المصنّف منصبّاً على عرض الأخبار المروية في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام والمروية في عظمة القرآن وعلوّ شأنه ومنزلته ووضوح برهانه. يقول في مقدّمة تفسيره : «فقد رأيت عكوف أهل الزمان على تفسير من لم يرووه عن أهل العصمة سلام الله عليهم الذي نزل التنزيل والتأويل في
__________________
(1) راجع النظرية الأصولية في المدرسة الإمامية المنشور في الأعداد السابقة من هذه الدورية التراثية الشريفة.
  

بيوتهم وأوتوا من العلم ما لم يؤته غيرهم ، بل كان يجب التوقّف حتّى يأتي تأويله عنهم ، لأنّ علم التنزيل والتأويل في أيديهم بما جاء عنهم عليهم‌السلام ، فهو النور والهدى وما جاء عن غيرهم فهو الظلمة والعمى ... وقد كنتُ أوّلاً قد جمعتُ في كتاب الهادي كثيراً من تفسير أهل البيت عليهم‌السلام قبل عثوري على تفسير الشيخ الثقة محمّد بن مسعود العيّاشي وتفسير الشيخ الثقة محمّد بن العبّاس بن ماهيار المعروف بابن الحجّام ... وغيرهما من الكتب الآتي ذكرها ...
وكتابي هذا يطلعك على كثير من أسرار علم القرآن ويرشدك إلى ما جهله متعاطي التفسير من أهل الزمان ، ويوضّح لك عن ما ذكره من العلوم الشرعية والقصص والأخبار النورانية وفضائل أهل البيت الإمامية»(1).
وقد تعرّض هذا التفسير للنقد من قبل علمائنا الأعلام بسبب احتوائه على طائفة من الروايات الضعيفة والموضوعة ، خصوصاً وقد اعتمد في تفسيره على مصادر متهمة بالوضع ، مثل التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه‌السلام ، وكتاب الشيخ رجب البرسي المتّهم بالغلوّ عند علمائنا ، وكتاب جامع الأخبار الذي لم يعرف مؤلّفه ولا صحّة أسانيد رواياته.
الشيخ العروسي وتفسير نور الثقلين :
نور الثقلين ، للشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي الحويزي (ت 1112 هـ) ، في خمسة مجلّدات. والشيخ الحويزي عاصر جملة من علماء الشيعة على المبنى الأخباري ، كالحرّ العاملي (ت 1104 هـ) صاحب وسائل
__________________
(1) البرهان في تفسير القرآن 1 / 4.
  

الشيعة ، والبحراني (ت 1107 هـ) صاحب تفسير البرهان. وربّما استفاد المصنّف من التوجّه الأخباري فبنى تفسيره على هذا الأساس.
والكتاب هو تفسير روائيّ اعتمد فيه المصنّف على المأثور من الروايات الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته عليه‌السلام ، ولم يتكلّم في تفسير ألفاظ الآيات وإعرابها. مدحه السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) صاحب تفسير الميزان ، وقال : «إنّه الكتاب القيّم الذي جمع فيه مؤلّفه شتات الأخبار الواردة في تفسير آيات الكتاب العزيز ، وأودع عامّة الحديث المأثور عن أهل العصمة والطهارة عليهم‌السلام إلاّ ما شذّ منها ، ولقد أجاد في ضبطها وترتيبها والإشارة إلى مصادرها والجوامع المنقولة هي عنها ، وبذل جهداً في تهذيبها وتنقيحها ، جزاه الله عن العلم وأهله خيراً وهدانا بنور الثقلين»(1).
إلاّ أنّ هذا التفسير اعتمد تماماً على الروايات الواردة في تفسير آي القرآن الكريم صحيحها وضعيفها دون التدقيق في سندها ، وكأنّ الهدف من التصنيف كان مجرّد الجمع العشوائي للأحاديث بحيث اشتملت على أخبار في الغلوّ والوهن وأخبار موضوعة أو مكذوبة على أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
ومنهج الكتاب هو إيراد الروايات الواردة في كلّ سورة ، لكنّه لم يتناول الآيات بكاملها بل أخذ في تفسير الآيات التي وجد لها روايات تفسّرها. وصفه الشيخ آغا بزرك الطهراني : «[بأنّه] لم يتكلّم في تفسير ألفاظ الآية وإعرابها وقرائتها ، على عكس تفسير كنز الدقائق»(2).
وقال أيضاً : «فسّر فيه القرآن على ما صدر من الروايات عن أهل
__________________
(1) نور الثقلين 1 / 2.
(2) الذريعة 24 / 366.
  

البيت عليهم‌السلام الذين هم أدرى به ، جمعها من الكتب المعتبرة ، كـ : الكافي للكليني ، وتفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ، والإحتجاج للطبرسي ، وعيون الأخبار وعلل الشرائع وإكمال الدين والتوحيد والخصال ومن لا يحضره الفقيه ومعاني الأخبار والأمالي وثواب الأعمال كلّها للصدوق ، ومجمع البيان للطبرسي ، والتهذيب للطوسي ، وتفسير العيّاشي ، والمناقب لابن شهرآشوب ، ونهج البلاغة ، والصحيفة السجّادية ، والإهليلجة ، والمحاسن للبرقي ، والمصباح للكفعمي ، وغير ذلك. لكنّه أسقط أسانيد الروايات وترك ذكر الآيات ، ولذلك يصعب معرفة الأخبار المتعلّقة بكلّ آية»(1).
وقد التفت المصنّف إلى ذلك ، فقال في المقدّمة : «أمّا ما نقلت ـ ممّا ظاهره يخالف لإجماع الطائفة المحقّة ـ فلم أقصد به بيان اعتقاد ولا عمل ، وإنّما أوردته ليعلم الناظر المطّلع كيف نُقل وعمّن نقل ، ليطلب له من التوجيه ما يخرجه من ذلك»(2).
وبالجملة فإنّ تفسير نور الثقلين مثار نقاش بين علماء الإمامية.
الميرزا المشهدي وتفسير كنـز الدقائق :
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب ، للميرزا محمّد المشهدي (ت 1125 هـ) في عشرة مجلّدات. هو تفسير شامل لجميع آيات القرآن الكريم ، مزج في تفسيره بين النقل والعقل ، فجاء بالمنقول من أحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ، واختار في بعض الموارد كلام البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل وأسرار التأويل. قال في مقدّمته : «وقد كنت فيما مضى قد رقمت
__________________
(1) الذريعة 24 / 365.
(2) تفسير نور الثقلين 1 / 2.
  

تعليقات على التفسير المشهور للعلاّمة الزمخشري وأجلت النظر فيه ، ثمّ على الحاشية للعلاّمة النحرير والفاضل المهرير الشيخ الكاملي بهاء الدين العاملي ، ثمّ سنح لي أن أؤلّف تفسيراً يحتوي على دقائق أسرار التنـزيل ونكات أبكار التأويل ، مع نقل ما روي في التفسير والتأويل عن الأئمّة الأطهار والهداة الأبرار ، إلاّ أنّ قصور بضاعتي يمنعني عن الإقدام ويثبّطني عن الانتصاب في هذا المقام ، حتّى وفّقني ربّي للشروع فيما قصدته والإتيان بما أردته»(1).
أطراه العلاّمة المجلسي (ت 1111 هـ) ، وقال : «مؤلّف هذا التفسير لا يزال مؤيّداً بتأييدات الربّ القدير ، فلقد أحسن وأتقن وأفاد وأجاد ، فسّر الآيات البيّنات بالآثار المروية عن الأئمّة الأطياب فامتاز من القشر اللباب وجمع بين السُنّة والكتاب ، وبذل جهده في استخراج ما تعلّق بذلك من الأخبار وضمّ إليها لطائف المعاني والأسرار»(2).
و «هذا التفسير مقصورٌ على ما ورد عن أهل البيت عليهم‌السلام ، نظير تفسير نور الثقلين ، لكنّه أحسن منه بجهات ، لذكره الأسانيد وبيان ربط الآيات وذكر الإعراب ، وكأنّه مقتبسٌ منه لكنّه بزيادات ، فصار أكبر حجماً وإن كان كلّ منهما في أربع مجلّدات ، ويذكر تمام القرآن أوّلاً مع الشرح المزجي ثمّ يشرع في نقل الأخبار ، وقد يتكلّم بما هو مخالف لما في نور الثقلين ، كما ذكره في الروضات»(3).
ومنهجه في التفسير هو بيان السورة وفضيلتها وثواب قراءتها ، وإيراد
__________________
(1) تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب 1 / 21.
(2) كنـز الدقائق 1 / 12.
(3) الذريعة وبحر الغرائب 18 / 151.
  

ما يتعلّق بمعاني الآيات من بيان وإعراب من كتاب أنوار التنزيل والروايات عن طريق أهل البيت عليهم‌السلام ، ويناقش الأمور العقائدية على ضوء مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.
مثلاً يذكر في تفسير آية (لاَتُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)(1) معنى الإدراك واستحالة الرؤية رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : «قال عليه‌السلام : إحاطة الوهم ، ألا ترى إلى قوله : (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَبِّكُمْ)(2) ، ليس يعني بصر العيون (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ)(3) ، ليس يعني من أبصر بعينه (وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهِا)(4) ، لم يعنِ عمى العيون إنّما عنى إحاطة الوهم ، كما يقال : فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب ، الله أعظم من أن يرى بالعين»(5).
أمّا الأحكام الفقهية الخاصّة بالآيات فإنّ منهجه لا يختلف عن منهج فقهاء الإمامية في عرض آيات الأحكام ، حيث يستدلّون بالمأثورات عن طريق أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام.
تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صدرت في هذه الفترة ، منها :
1 ـ مختصر نهج البيان عن كشف معاني القرآن ، لم يعلم اسم
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 103.
(2) سورة الأنعام 6 : 104.
(3) سورة الأنعام 6 : 104.
(4) سورة الأنعام 6 : 104.
(5) تفسير كنـز الدقائق وبحر الدقائق 3 / 355.
  

المصنّف لكنّه كان حيّاً لحدّ سنة 1101 هـ. كما ذكر ناسخ الكتاب إبراهيم ابن عليّ بن يونس العاملي الذي وقّعه بتأريخ 21 محرّم سنة 1101 هـ ، والكتاب هو تفسير روائي وجيـز يلخّص كتاب نهج البيان عن كشف معاني القرآن المنسوب إلى محمّد بن الحسن الشيباني (من أعلام القرن السابع الهجري). قال المصنّف في مقدّمة الكتاب : إنّه يذكر ما ورد عن أهل البيت عليهم‌السلام ، ولا يتعرّض فيه لوجوه الإعراب واختلاف القراءات ، ويذكر الناسخ والمنسوخ(1).
2 ـ مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار ، لأبي الحسن بن محمّد طاهر الفتوني العاملي (ت 1138 هـ). والكتاب يحتوي على مقدّمات في التأويل وبالخصوص التجوّز العقلي وما يُبتنى على المجاز اللغوي. وقد سعى المصنّف إلى إثبات بعض التأويلات عن الأخبار المرويّة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل البيت عليهم‌السلام. قال في المقدّمة : «فشرعتُ في جمع تلك الروايات بطريق الإيجاز والاختصار مع ذكر لبّ المقصود من الآيات والأخبار ... ولهذا طويت عن ذكر تمام تلك الأخبار بعباراتها وأسانيدها ـ بل كلّ الكتب المأخوذة منها ـ كشحاً»(2).
وقد انتقد هذا الكتاب في أكثر من مناسبة لأنّ المصنّف اعتمد على التأويل الذي خالف ظاهر القرآن الكريم ، موهِماً بأنّه كان يغالي في الاعتقادات.
3 ـ تحصيل الاطمئنان : شرح زبدة البيان في تفسير آيات أحكام القرآن ، للأمير إبراهيم القزويني (ت 1149 هـ).
__________________
(1) الذريعة 24 / 415.
(2) تفسير البرهان ـ قبل الابتداء بالمجلد الأول : 3.
  

4 ـ قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر ، لأحمد بن إسماعيل ابن عبد النبيّ الجزائري النجفي (ت 1150 هـ). وهو كتاب تفسيريّ في آيات الأحكام مرتّب ترتيباً موضوعيّاً على أُسلوب الكتب الفقهية. اعتمد فيه المصنّف على الأخبار الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير آيات الأحكام ، وتعرّض فيه إلى العموم والخصوص والإطلاق والتقييد الوارد في الروايات.
13 ـ مدرسة القرن الثالث عشر الهجري :
لم نلحظ غزارة الإنتاج في هذا العصر كما لاحظناه في القرون السابقة. وأهمّ مفسّري هذا القرن هو السيّد عبد الله شبّر (ت 1242 هـ) وتفسيره الجوهر الثمين ، والشيخ الإحسائي (ت 1241 هـ) وتفاسيره القصيرة التي تناولت قصار السور أو الآيات المفردة.
السيّد عبد الله شبّر والجوهر الثمين :
السيّد عبد الله شبّر (ت 1242 هـ) ، وتفسيره الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين في ستّة مجلّدات. وهو تفسير شامل لجميع آيات القرآن الكريم بصورة موجزة يشرح فيه المؤلّف الألفاظ اللغوية وإعراب الآيات ، ويشتمل على جملة من الأخبار والآثار المرويّة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار عليهم‌السلام ، ويعرض آراء المفسّرين من المدرسة الإمامية ويستشهد بأقوالهم. أوّله : «الحمد لله منزل القرآن الكريم والفرقان العظيم والذكر الحكيم ، ومرسل النبيّ القويم ذي الفيض العميم والفضل الجسيم».
 

يقوم منهج المصنّف ببيان طبيعة السور من مكّية أو مدنية ومعناها وفضلها وفضل قراءتها ، ثمّ يسترسل في تفسير الآيات لغةً ومعنىً ويربطها بروايات أهل البيت عليهم‌السلام.
يقول في تفسير قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(1) : «... قوله تعالى : (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حال من فاعل يؤتون ، أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصاً على الإحسان ومسارعةً إليه. وقد أطبق المفسّرون وتواترت الأخبار من الخاصّة على نزول الآية في عليٍّ عليه‌السلام حين سُئِلَ وهو راكع في صلاته فأومى إليه بخنصره فأخذ خاتمه ، ورواه الجمهور مستفيضاً. والآية نصٌّ في إمامته ونفىُ إمامة من تقدّمه ، لحصر الولاية في الله ورسوله ومن وصف ، ولم يتّصف بذلك أحد سواه إجماعاً ، وعبّر عنه بالجمع تعظيماً ...»(2).
وفي تفسير سورة الماعون يقول : «(بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَرَأَيْتَ)(3) هل عرفت (الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ)(4) بالجزاء والإسلام ، (فَذالِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)(5) يدفعه عن حقّه بعنف ، نزلت في الوليد أو أبي جهل أو أبي سفيان أو عامّ في كلِّ مكذِّب ، (وَلاَ يَحُضُّ)(6) لا يحثُّ
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 55.
(2) الجوهر الثمين 1 / 189.
(3) سورة الماعون 107 : 1.
(4) سورة الماعون 107 : 1.
(5) سورة الماعون 107 : 2.
(6) سورة الماعون 107 : 3.
  

نفسه ولا غيره (عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)(1) أي إطعامه لتكذيبه بالجزاء ، (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)(2) غافلون يؤخّرونها عن وقتها ، وعنهم عليهم‌السلام وهو الترك لها والتواني عنها أو التضييع لها ، والفاء للسببية ، أي فويل لهم ، فوضع المصلّين موضع ضميرهم إيذانا بتقصيرهم مع الخالق أو المخلوق ، (الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ)(3) النّاس في أعمالهم ، (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)(4) عنهم عليهم‌السلام هو الزكاة المفروضة ، وفي آخر هو القرض يقرضه والمعروف يضعه ومتاع البيت يعيره»(5).
وفي تفسير سورة الكوثر يقول : «(بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)(6) الخير الكثير وهو يعمّ جميع ما فسّر به من العلم أو النبوّة والقرآن والشفاعة وشرف الدارين ، أو نهر في الجنّة وهو حوضه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو ذريّته ـ رداً على من زعم أنّه أبتر ـ أي يعطيك نسلاً في غاية الكثرة لا ينقطع إلى يوم القيامة ، والتعبير بالماضي لتحقّقه ، وقد وقع كلّ ذلك كما أخبر وكثر نسله من فاطمة عليها‌السلام حتّى ملأ أقطار العالم ، (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(7) البدن ، أو استقبل القبلة بنحرك في الصلاة ، أو ارفع يديك إلى نحرك في تكبيرها ، (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ)(8) المنقطع
__________________
(1) سورة الماعون 107 : 3.
(2) سورة الماعون 107 : 4 و 5.
(3) سورة الماعون 107 : 6.
(4) سورة الماعون 107 : 7.
(5) الكافي 3 / 499 ح 9.
(6) سورة الكَوثَر 108 : 1.
(7) سورة الكَوثَر 108 : 2.
(8) سورة الكوثر 108 : 3.
  

النسل والذكر لا أنت لبقاء عقبك وحسن ذكرك إلى يوم القيامة»(1).
وللمصنّف ثلاثة عناوين في التفسير :
أ ـ التفسير الوجيز المعروف بـ : تفسير شبّر ، مختصر من تفسير الجوهر الثمين.
ب ـ الجوهر الثمين (تفسير وسط).
ج ـ صفوة التفاسير (تفسير كبير).
تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صدرت في هذه الفترة ، ومنها :
1 ـ تفسير آية (وَاسْتَشْهِدُوا شَاهِدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ)(2) ، للسيِّد مرتضى الطباطبائي ، فرغ منه سنة 1240 هـ(3).
2 ـ تفسير سورة التوحيد ، للشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي (ت 1241 هـ) ، وهي رسالة مختصرة في تفسير تلك السورة المباركة. قال : «ثمّ اعلم أنّ البسملة اسم الله الأعظم. وفي الدعاء : أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم. وإنّما قال الرضا عليه‌السلام : إنّ بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى الإسم الأعظم من سواد العين إلى بياضها لأنّ لفظ البسملة الأسم اللفظي الذي هو سواد العين أقرب إلى الإسم المعنوي الذي هو بياض العين ، والتمثيل مأخوذ من ظاهر الظاهر ، فإنّ البياض عبارة عن البساطة والسواد عن التركيب ، ولو أخذ من الباطن لعكس لأنّ النور في السواد
__________________
(1) تفسير عبدالله شبّر : 567.
(2) سورة البقرة 2 : 282.
(3) الذريعة 4 / 324.
  

لا في البياض»(1).
3 ـ تفسير آية (إِيِّاكَ نَعْبُدُ) ، للشيخ أحمد الإحسائي (ت 1241 هـ)(2).
4 ـ تفسير آية (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر)(3) ، للشيخ أحمد الإحسائي (ت 1241 هـ)(4).
5 ـ تفسير القاربوزآبادي ، للمولى علي القزويني القاربوزآبادي (ت 1290 هـ). قرأ عليه العلاّمة ميرزا حبيب الله الرشتي في أوائل عمره في قزوين. وتفسيره في مجلّدين من سورة يس إلى آخر القرآن كما ذكره ولده الشيخ محمّد صادق في آخر معدن الأسرار له المطبوع سنة 1333 هـ(5).
14 ـ مدرسة القرن الرابع عشر :
وأفضل تفاسير هذه الفترة هو آلاء الرحمن في تفسير القرآن للشيخ البلاغي (ت 1352 هـ). ثمّ تأتي بعده تفاسير أُخرى ، مثل : نفحات الرحمن للشيخ النهاوندي (ت 1371 هـ) ، وآيات الأحكام للسيِّد الطباطبائي اليزدي (ت 1386 هـ) ، ومقتنيات الدرر للسيِّد الحائري (ت 1340 هـ).
الشيخ البلاغي وآلاء الرحمن :
آلاء الرحمن في تفسير القرآن ، للشيخ محمّد جواد بن حسن
__________________
(1) تفسير سورة التوحيد ـ للشيخ الاحسائي ـ : 14.
(2) الذريعة 4 / 325.
(3) سورة لقمان 31 : 27.
(4) الذريعة 4 / 325.
(5) الذريعة 4 / 301.
  

البلاغي (ت 1352 هـ) ، وهو تفسير مختصر من بداية القرآن ولحدّ الآية 57 من سورة النساء ، وافاه الأجل المحتوم قبل أن يكمل تفسيره. تحوي مقدّمة الكتاب على مواضيع رائعة في التفسير والإعجاز والقراءات هي خلاصة آرائه في علوم القرآن. اعتمد المصنّف على مصادر من كتب الفريقين ، وكتب تفسير آيات الأحكام ، وجوامع الحديث ، وكتب في الفقه واللغة والنحو والرجال ، وأسفار العهد القديم والعهد الجديد.
وكان منهج المصنّف الاختصار وبيان المهمّ من الآراء والمعاني مع تحليل مقارن ونقد علمي بنّاء ونقل أمين ، ومن ذلك أنّه لم يعتدّ بأقوال بعض المفسّرين ، فقال في ذلك : «إنّ الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء والضحّاك ـ كما ملئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة ـ فهو ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين الله ولا تقوم به الحجّة ، لأنّ تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة ، ولا يكون حجّة من المسانيد إلاّ ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة ، ولو لم يكن من الصوارف عنهم إلاّ ما ذكر في كتب الرجال لأهل السنّة لكفى ، وإنّ الجرح مقدّم على التعديل إذا تعارضا.
أمّا عكرمة فقد كثر فيه الطعن بأنّه كذّاب غير ثقة ويرى رأي الخوارج وغير ذلك(1).
وقيل للأعمش : ما بال تفسير مجاهد مخالف أو شيء نحوه؟ قال : أخذه من أهل الكتاب.
وممّا جاء عن مجاهد من المنكرات في قوله تعالى : (عَسَى أَن
__________________
(1) ميزان الاعتدال 3 / 93.
  

يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحمُوداً)(1) ، قال : يجلسه معه على العرش(2).
وأمّا عطاء : فقد قال أحمد : ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء كانا يأخذان عن كلِّ أحد.
وقال يحيى بن القطّان : مرسلات مجاهد أحبّ إلىّ من مرسلات عطاء بكثير ، كان عطاء يأخذ من كلِّ ضرب ، وروي أنّه تركه ابن جريج وقيس بن سعد(3).
وأمّا الحسن البصري فقد قيل : إنّه يدلّس(4). وسمعت كلام أحمد فيه وفي عطاء.
وأمّا الضحّاك بن مزاحم المفسّر فعن يحيى بن سعيد قوله : الضحّاك ضعيف عندنا ، وكان يروي عن ابن عبّاس ، وأنكر ملاقاته له حتّى قيل : إنّه ما رآه قطّ(5).
وأمّا قتادة فقد ذكروا أنّه مدلّس(6).
وأمّا مقاتل بن سليمان فقد قال فيه وكيع : كان كذّاباً. وقال النسائي : كان مقاتل يكذب. وعن يحيى قال : حديثه ليس بشيء. وقال ابن حيّان : كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم(7).
وأمّا مقاتل بن حيّان فعن وكيع : إنّه ينسب إلى الكذب. وعن ابن
__________________
(1) سورة الاسراء 17 : 79.
(2) ميزان الاعتدال 3 / 439.
(3) ميزان الأعتدال 3 / 70.
(4) ميزان الأعتدال 1 / 527.
(5) ميزان الأعتدال 3 / 325.
(6) ميزان الأعتدال 3 / 385.
(7) ميزان الأعتدال 4 / 173.
  

معين : ضعيف. وعن أحمد بن حنبل : لا يعبأ بمقاتل بن حيّان ولا بابن سليمان(1).
فانظر إلى ميزان الذهبي من كتب الرجال أقلاًّ ودع عنك أنّ أصول العلم عندنا تأبى من الركون إلى روايتهم فضلاً عن أقوالهم إلاّ في مقام الجدل أو التأييد أو حصول الاستفاضة والتوافق في الحديث»(2).
وعلى ضوء ذلك أخذ المصنِّف في توضيح معاني القرآن الكريم بالدليل وافق آراء المفسّرين أو خالفهم ، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى : (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الاْخِرِ)(3). قال : «يعني أنَّ من كانت تؤمن بالله واليوم الآخر لا تجترىء على كتمان ما خلق الله في رحمها ، وهذا الزجر الشديد يناسب أن يكون على كتمان الحمل ، إمّا لأن تخرج من العدّة في ظاهر الحال عاجلاً ، أو لأن تكتمه لكراهية انتسابه لأبيه ، أو لغير ذلك من أسباب الكتمان.
وأمّا كتمان الحيض في أيّام العدّة وبعد آخرها لأجل الإزدياد من مدّة العدّة لتأكل النفقة وتأمل الرجعة بعد انقضاء العدّة الواقعية فهو بعيد ، لاستلزامه أن تكون صلة الموصول وهي (خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ) واردة باعتبار ما مضى عن زمان الكتمان كما سيأتي في الجمع بين المعنيين.
إذن فالمناسب لأسلوب اللفظ وظاهره وذلك الزجر الشديد هو كتمان الحمل ، ويؤيّده رواية البرهان والوسائل عن العيّاشي عن أبي بصير عن
__________________
(1) ميزان الأعتدال 4 / 172.
(2) آلاء الرحمن 1 / 45 ـ 46.
(3) سورة البقرة 2 : 228.
  

الصادق (ع) في الآية : ولا يحلّ لها أن تكتم الحمل إذا طلّقت وهي حبلى والزوج لا يعلم(1). ولا يمكن الجمع بين المعنيين من هذا اللفظ ـ كما ذكر في الدرّ المنثور روايته عن ابن عمر ومجاهد(2) ـ وذلك لأنّ كتمان ما خلق الله في أرحامهنّ من الحيض إنّما هو باعتبار خروجه من الرحم ، ويكون المراد من خلقه في أرحامهن إنّما هو باعتبار ما مضى ، فالكلام على هذا بمعنى أن يقال : ولا يكتمن ما خرج من أرحامهنّ ممّا خلق فيها قبل ذلك ، وكتمان الحمل إنّما هو باعتبار استقراره في الرحم. واللفظ الواحد لا يصلح للجمع بين هذين اللحاظين والاعتبارين.
وفي تفسير القمّي في الآية ، قال : لا يحلّ للمرأة أن تكتم حملها أو حيضها أو طهرها ، وقد فوّض الله تعالى إلى النساء ثلاثة أشياء : الطهر والحيض والحمل(3) ، انتهى.
ولا يظهر من المقام كونها رواية واردة من إمام في بيان المراد بما خلق الله في أرحامهنّ إن لم يظهر خلاف ذلك ، فضلاً عمّا بيّنّاه من أنّه لا يمكن الجمع بين الأمرين في اللفظ الواحد.
وفي مجمع البيان(4) نسب ما ذكره من تفسير القمّي إلى الرواية عن الصادق عليه‌السلام ، ولم نجد لها أثراً ، ولعلّه اعتمد على تفسير القمّي»(5).
واتخذ المصنِّف موقفاً مشابهاً تجاه أهل اللغة ، فرفض الركون إلى آحاد اللغويّين أو التعبّد بكلامهم. ومن شواهد ذلك تفسيره معنى التوفّي ،
__________________
(1) تفسير البرهان 1 / 220 حديث 14. وسائل الشيعة 15 / 420 ح 11.
(2) الدر المنثور 1 / 660.
(3) تفسير القمّي 1 / 74.
(4) مجمع البيان 2 / 574.
(5) آلاء الرحمن 1 / 203ـ 204.
  

فقال : «الإضطراب في معنى «التوفّي» وما استعمل في لفظه المتكرّر في القرآن الكريم ، فاللغويّون جعلوا «الإماتة» في معنى «التوفّي»(1). والكثير من المفسّرين في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران : (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)(2) قالوا : أي مميتك(3) ، وقال بعض : مميتك حتفَ أنفك(4) ، وقال بعض : مميتك في وقتك بعد النـزول من السماء(5).
وكأنّهم لم يمعنوا الإلتفات إلى مادّة (التوفّي) واشتقاقه ، ومحاورات القرآن الكريم ، والقدر الجامع بينها ، وإلى استقامة التفسير لهذه الآية الكريمة ، واعتقاد المسلمين بأنّ عيسى لم يمت ولم يقتل قبل الرفع إلى السماء كما صرّح به القرآن ، وإلى أنّ القرآن يذكر فيما مضى قبل نزوله أنّ المسيح قال لله : (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)(6).
ومن كلّ ذلك لم يفطنوا أنّ معنى (التوفّي) والقدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه وفي مشتقّاته إنّما هو الأخذ والإستيفاء ، وهو يتحقّق بالإماتة وبالنوم وبالأخذ من الأرض وعالم البشر إلى عالم السماء.
وإنّ محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك ، كما في قوله تعالى في سورة الزمر : (الله يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَل
__________________
(1) الصحاح 6 / 2526 ، والقاموس المحيط 4 / 403.
(2) سورة آل عمران 3 : 55.
(3) تفسير الطبري 3 / 203 ، وتفسير الرازي 8 / 67 ، وتفسير القرطبي 4 / 100.
(4) تفسير الكشاف 1 / 366 ، وتفسير المنار 3 / 316.
(5) تفسير أبي السعود 2 / 43.
(6) سورة المائدة 5 : 117.
  

مُسَمّىً)(1). ألا ترى أنّه لا يستقيم الكلام إذا قيل : الله يميت الأنفس حين موتها ، وكيف يصحّ أنّ التي لم تمّت يميتها في منامها؟!
وكما في قوله تعالى في سورة الأنعام : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)(2) ، فإنّ توفّي الناس بالليل إنّما يكون بأخذهم بالنوم ، ثمّ يبعثهم الله باليقظة في النهار ليقضوا بذلك آجالهم المسمّاة ، ثمّ إلى الله مرجعهم بالموت والمعاد.
وكما في قوله تعالى في سورة النساء : (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ)(3) ، فإنّه يستقيم الكلام إذا قيل : يميتهنّ الموت.
وحاصل الكلام أنّ معنى "التوفّي" في موارد استعماله في القرآن وغيره إنّما هو أخذ الشيء وافياً أي تامّاً ، كما يقال : درهم واف»(4).
تفاسير أُخرى :
هناك تفاسير أُخرى صدرت في تلك الفترة ، ومنها :
1 ـ نفحات الرحمن في تفسير القرآن ، للشيخ محمّد بن عبد الرحيم النهاوندي الطهراني (ت 1371 هـ) في أربعة مجلّدات طبعة حجرية. وهو تفسير مزجي (ملمّع) فارسي وعربي شامل لجميع الآيات ، وطريقته في التفسير إيراد موجز بياني باللغة العربية يعقبه بيان باللغة الفارسية ، وهذا
__________________
(1) سورة الزمر 39 : 42.
(2) سورة الأنعام 6 : 60.
(3) سورة النساء 4 : 15.
(4) آلاء الرحمن 1 / 33 ـ 34.
  

الكتاب موجّه للناطقين باللغتين العربية والفارسية ، وهو أُسلوب جديد في التفسير. ومنهج الكتاب تناول السور القرآنية وذكر فضائلها وما روي منها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت عليهم‌السلام ، ثمّ يدخل ببيان الآيات آية آية ويذكر أسباب النزول والأحكام الفقهية والمسائل الكلامية.
2 ـ السيّد محمّد حسين الطباطبائي اليزدي (ت 1386 هـ) وكتابه تفسير آيات الأحكام ، حيث عرض فيه الأحكام المستفادة من الآية وما ورد فيها ، ولم يخرج في تفسيره عن ظواهر الكتاب ومحكماته وما ثبت بالتواتر أو بطرق مأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام. صدر منه مجلّد واحد وهو تفسير سورة البقرة.
3 ـ تفسير مُقتنيات الدُرَر ومُلتقطات الثمر ، للسيّد مير سيّد علي الحائري الطهراني (ت 1340 هـ) في اثني عشر مجلّداً. وهو تفسير شامل لجميع آيات القرآن الكريم. اعتمد في تفسيره على روايات أهل البيت عليهم‌السلام واستشهد بأقوال الصحابة والتابعين. ولكن هذا التفسير تعرّض للنقد لأنّه جاء بالأخبار الضعيفة السقيمة مع الأخبار الصحيحة ، ولم يرجّح الصحيحة على الضعيفة بل قال رحمه‌الله : «ولعلّ اختلاف الأقوال من المرموزات ، والذي خوطب بالقرآن أعرف به»(1).
والقاعدة عند الإمامية أنّ الروايات ينبغي أن تطبق على القواعد الشرعية والعقلية ويرجّح الصحيح منها. وعلى أيّة حال ، فإنّ المبنى العقائدي والكلامي للتفسير سليم عموماً ، وبالخصوص فيما يتعلّق بالإمامة والعصمة وعدم الرؤية وأفعال العباد ونحوها.
__________________
(1) مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر 1 / 256.
  

يقول في تفسير قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ...)(1) بعدما ذكر الأخبار الواردة فيها : «ولفظ الوليّ في هذه الآية لا يجوز أن يكون معنى الناصر ، لأنّ الولاية المذكورة في الآية غير عامّة في كلّ المؤمنين ، بدليل أنّه تعالى ذكر بكلمة (إنّما) وكلمة إنّما للحصر لقوله : (إِنَّمَا الله إِلهٌ وَاحِدٌ)(2) ، والولاية بمعنى النصرة عامّة لقوله : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِياءُ بَعْض)(3) ، وهذا يوجب القطع بأنّ الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة وكانت بمعنى التصرّف في الأمور. فصار معنى الآية : إنّما المتصرّف في أموركم أيّها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، ويجب أن يكون الموصوف بهذه الصفة إمام الأمّة ومتصرّفاً في كلّ أموركم ، فثبت بهذه الآية إمامة شخص موصوف بهذه الصفة ، وقد تظافرت الرواية على أنّ الآية نزلت في عليٍّ عليه‌السلام ، فكانت الآية مخصوصة به ودالّة على إمامته»(4).
15 ـ مدرسة القرن الخامس عشر :
يتميّز فجر هذا القرن بظهور التفاسير الشاملة لجميع آيات القرآن الكريم ونضوجها ، كـ : الميزان للسيِّد الطباطبائي (ت 1402 هـ) ، والكاشف للشيخ مغنية (ت 1400 هـ) ، ومواهب الرحمن للسبزواري (ت 1414 هـ) ، والفرقان للروحاني النجف آبادي (ت 1415 هـ) ، والفرقان للطهراني ،
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 55.
(2) سورة النساء 4 : 171.
(3) سورة التوبة 9 : 71.
(4) مقتنيات الدرر 4 / 41.
  

والأمثل للشيخ مكارم شيرازي. وأفضلها الميزان في تفسير القرآن للسيّد الطباطبائي قدس‌سره.
السيّد الطباطبائي والميزان :
الميزان في تفسير القرآن ، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) ، في عشرين مجلّداً. وهو تفسير شامل لجميع آيات القرآن الكريم ويعدُّ من أهمّ التفاسير الشيعية الإمامية بعد مجمع البيان للطبرسي ، ومنهجه يعتمد على قاعدة إمكانية تفسير القرآن بعضه بعضاً ، فهو (هُدىً لِلْعَالَمِينَ)(1) و (نُوراً مُبِيناً)(2) و (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء)(3).
ويحتوي التفسير على أبحاث دقيقة ومطالب عميقة اعتمد فيها على كتب التفسير والحديث والسير والتأريخ واللغة. ونظرية المصنّف تتلخّص بأنّ القرآن الكريم كلام عربيٌّ مبين يفهمه كلّ من عرف اللغة وأساليب العربية ، والإختلاف يكمن في المصداق الذي تنطبق عليه المفاهيم ، والطريق الوحيد لمعرفة معاني الآيات هو أن نفسّر القرآن بالقرآن ، ثمّ نرجع في تشخيص المفاهيم إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته وأهل بيته عليهم‌السلام الذين أقامهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المقام وأشار إليهم في حديث الثقلين.
ومنهج الكتاب في تفسير السورة هو بيان غرضها وأهدافها ، ثمّ يدخل في شرح الآيات مجتمعة أو منفصلة حسب المقتضى الشرعي ، ثمّ يذكر الإعراب والصور البلاغية ، ويذكر أقوال المفسّرين ، ثمّ ينظر إلى الآية
__________________
(1) سورة آل عمران 3 : 96.
(2) سورة النساء 4 : 174.
(3) سورة النحل 16 : 89.
  

على أساس سياقها في السورة. ويعتبر المصنّف (السياق) أحد القرائن الحالية في فهم الكلام ويعتمده أساساً للكشف عن المعاني الإجمالية.
ويستخدم المصنّف قدس‌سره المنهج العقلي الذي اعتمده على القواعد الشرعية واللغوية والبراهين العلمية في إبراز مواقف الإمامية في التوحيد والعدل الإلهي وعصمة الأنبياء والإمامة ونحوها.
ويعرض المصنِّف الآيات التي يجمعها سياق واحد أو تعالج غرضاً من أغراض السورة ثمّ يبدأ بتفسيرها. مثلاً في بداية تفسير سورة المائدة يبيّن الغرض الجامع للسورة وهو الدعوة إلى الوفاء بالعهود وحفظ المواثيق والتحذير من نقضها وعدم الاعتناء بأمرها ، ثمّ يشرح أحكام الحدود والقصاص وقصّة المائدة وسؤال السيِّد المسيح عليه‌السلام وقصّة ابني آدم ومظالم بني اسرائيل ونحوها.
ويبيّن المصنِّف المعاني اللغوية إذا اقتضى الأمر من أجل بيان المعنى وكشف المقصود ، معتمداً في ذلك على الكتب اللغوية. ففي تفسير قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأنسَانَ مِن صَلْصَال مِّنْ حَمَإ مَّسْنُون * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ)(1) استند على كتاب مفردات القرآن للراغب الأصفهاني حيث قال : «إنَّ أصل الصلصال تردّد الصوت من الشيء اليابس ، ومنه قيل : صلّ المسمار ، وسُمّي الطين الجافّ صلصالاً. والسموم : الريح الحارّة تؤثّر تأثير السمّ»(2).
وفي معنى (الزُمر) في قوله تعالى : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ
__________________
(1) سورة الحِجرِ 15 : 26 ـ 27.
(2) تفسير الميزان 12 / 151.
  

زُمَراً)(1) استند إلى شرح الصحاح فقال : «إنّها الجماعة من الناس»(2).
وفي تفسير قوله تعالى : (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)(3) قال المصنِّف : «إنّ السؤال هنا بمعنى الطلب والدعاء ، ولذا عُدِّيَ بالباء كما في قوله تعالى : (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَة آمِنِينَ)(4) ، وقيل : الفعل متضمّن معنى الاهتمام والاعتناء ولذا عُدِّيَ بالباء ، وقيل : الباء زائدة للتأكيد. ومآل الوجوه واحد وهو طلب العذاب من الله كفراً وعتوّاً. وليس الباء بمعنى (عن) لأنّ سياق الآيات التالية لا يلائم كون السؤال بمعنى الاستفسار والاستخبار»(5).
ويحاول المصنِّف رحمه‌الله استخدام الاستدلال العقلي في عرض بعض المفاهيم ، كمفهوم توبة آدم عليه‌السلام والدفاع عن عصمته فيقول : «فإن قلتَ : فما معنى التوبة حينئذ وقولهما : (وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(6)؟ قلتُ : التوبة هي الرجوع ، والرجوع يختلف بحسب اختلاف موارده ، فكما يجوز للعبد المتمرّد على أمر سيّده وإرادته أن يتوب إليه فيردّ إليه مقامه الزائل من القرب عنده كذلك يجوز للمريض الذي نهاه الطبيب نهياً إرشادياً عن أكل شيء معيّن من الفاكهة والمأكولات ـ وإنّما كان ذلك منه مراعاة لجانب سلامته وعافيته ـ فلم ينتهِ المريض عن نهيه فاقترفه فتضرّر فأشرف على الهلاك ، فيجوز أن يتوب إلى الطبيب ليشير إليه بدواء
__________________
(1) سورة الزمر 39 : 71.
(2) تفسير الميزان 17 / 297.
(3) سورة المعارج 70 : 1.
(4) سورة الدخان 44 : 55.
(5) تفسير الميزان 20 / 6.
(6) سورة الأعراف 7 : 23.
  

يعيده إلى سابق حاله وعافيته ، فيذكر له أنّ ذلك محتاج إلى تحمّل التعب والمشقّة والعناء والرياضة خلال مدّة يعود إلى سلامة المزاج الأوّلية بل إلى أشرف منها وأحسن»(1).
تفاسير أُخرى :
وهناك تفاسير أُخرى صدرت في هذه الفترة ، ومنها :
1 ـ تفسير الكاشف ، للشيخ محمّد جواد مغنية (ت 1400 هـ) في سبعة مجلّدات. وهو تفسير موجز شامل لجميع آيات القرآن الكريم. استند في تفسيره على الروايات المروية عن أهل البيت عليهم‌السلام عن طريق محدّثي الشيعة. قال في المقدّمة : «... فإنّي لا أعرف مهمّة أشقّ وأصعب من مهمّة المفسّر لكلمات الله ... إنّه يتصدّى للكشف عن إرادته جلّت كلمته ، وليس هذا بالشيء اليسير ... والذي يهوّن الخطب أنّ المفسّر يعبّر عن فهمه وتصوّره لمعاني القرآن ومقاصده كما هي في ذهنه لا كما هي في واقعها ، تماماً كالفقيه المجتهد الذي يؤجر إن أصاب ويُعذر إن أخطأ ، بل ويؤجر أيضاً على نيّته واجتهاده وعدم تقصيره»(2).
ومنهجه في التفسير هو تفسير الآيات الشريفة وبيان معانيها وشرح لغتها وإعرابها ولكن مع عدم التأكيد على أسرار إعجاز الكلمات والمعاني البليغة ، وتجاهلَ أغلب الروايات الخاصّة بأسباب النـزول مستدلاًّ على أنّ الفقهاء لم يمحّصوا أسانيدها ويميّزوا بين صحيحها وضعيفها كما فعلوا بالروايات الخاصّة بآيات الأحكام.
__________________
(1) تفسير الميزان 1 / 138.
(2) التفسير الكاشف 1 / 10.
  

2 ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن ، للسيّد عبد الأعلى الموسوي السبزواري (ت 1414 هـ) ، في ثلاثين مجّلداً. وهو تفسير شامل لجميع آيات القرآن الكريم ، حوى على مباحث أدبية ولغوية وبلاغية وفقهية وكلامية على مبنى الفقهاء ، حيث قال : «وقد بذلتُ جهدي في عدم التفسير بالرأي مهما أمكنني ... وقد ذكرتُ ما يمكن أن يستظهر من الآيات المباركة بقرائن معتبرة ، فإنّ هذا الحديث الشريف لا يشمله ، إذ التفسير بالرأي غير الإستظهار من الآيات المباركة بالقرائن ، وتركتُ التعرّض للتفاسير النادرة والآراء المزيّفة والفروض التي تتغيّر بمرور الزمان»(1).
وفي بيان منهجه في التفسير كتبَ المصنّف : «لم أتعرّض لبيان النظم في الآيات ، وذلك لأنّ الجامع القريب في جميعها موجود وهو تكميل النفس أو الهداية ، ومع وجوده لا وجه لذكر النظم بين الآيات ، لأنّ الغرض القريب بنفسه هو الجامع والرابط بين الآيات ، كما إنّي لم أهتمّ بذكر شأن النـزول غالباً ، لأنّ الآيات المباركة كلّيات تنطبق على مصاديقها في جميع الأزمنة ، فلا وجه لتخصيصها بزمان النـزول أو بفرد دون آخر ، وكذلك جميع الروايات الواردة عن الأئمّة الهداة في بيان بعض المصاديق لها ، فهو ليس من باب التخصيص بل من باب التطبيق الكلّي على الفرد»(2).
ويعرض المصنّف في تفسيره جانباً من المباحث العرفانية ، فيقول بعد تفسير قوله عزّوجلّ : (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى)(3) : «بحثٌ دلالي : يمكن أن يكون تظليل الغمام إشارة إلى مقام
__________________
(1) مواهب الرحمن 1 / 7.
(2) مواهب الرحمن 1 / 7.
(3) سورة البقرة 2 : 57.
  

تجلّي صفاته المقدّسة ـ جلّت عظمته ـ لخُلّص عباده ، وإنزال المنّ والسلوى إشارة إلى المقامات الحاصلة لهم من التخلّي عن الرذائل والتحلّي بالفضائل. و (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)(1) إشارة إلى قول نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) : لله في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها. وفي قوله تعالى : (وَسَنَزِيدُ الْمُـحْسِنِينَ)(2) إشارة إلى قوله [في الحديث القدسي] : من دنى إلىَّ شبراً دنوتُ إليه ذراعاً ، ومن دنى إلىَّ ذراعاً دنوتُ منه باعاً ، ومن دنى إلىَّ باعاً دنوتُ إليه هرولةً ...»(3).
3 ـ الفرقان في تفسير القرآن ، للشيخ علي الروحاني النجف آبادي (ت 1415 هـ) ، في 22 مجلّداً. وهو تفسير مختصر اعتنى مصنّفه بذكر الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير الآية. وإليك نموذجاً ممّا ذكره في مسألة عدم خلود مرتكب الكبيرة في النار في تفسير قوله تعالى : (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(4) : «قيل : دلالة الآية وظاهرها يمنع من أن يكون مرتكب الكبيرة مخلّداً في النّار ، لأنّه إذا كان مؤمناً مستحقّاً للثواب الدائم فلا يجوز أن يستحق مع ذلك عقاباً دائماً ، لأنّ ذلك خلاف ما أجمع عليه المسلمون.
ومبنى الكلام هو [هل] أن الإحباط باطل أم لا؟ هذا وإذا كان مع مرتكب الجرائم شيء من الطاعات لكان ذلك الشخص مستحقّاً للثواب فلا تكون السيئة محبطة له فلا يكون خالداً في النار أبداً ، ومعلوم أنّ قلّة الثواب عندنا تثبت مع كثرة العقاب ، وقد ذُكِرَ في محلّه بطلان التحابط بأدلّة العقل.
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 57.
(2) سورة البقرة 2 : 58.
(3) مواهب الرحمن 1 / 301.
(4) سورة البقرة 2 : 81.
  

والأقوى أن نقول : بأنّ الآية تدلّ على أنّ المراد بالسيّئة الشرك ، والدليل على ذلك أنّ سيّئة واحدة لا تحبط جميع الأعمال عند أكثر الخصوم فلا يمكن إذاً إجراء الآية على العموم ، فيجب أن تحمل الآية على أكبر السيّئات وأعظم الخطيئات وهو الشرك بالله ليمكن الجمع بين الآيتين»(1).
4 ـ الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة ، للشيخ محمّد صادقي الطهراني في ثلاثة مجلّدات. وهو تفسير شامل للقرآن الكريم ، حاول المصنّف فيه أن يفسّر القرآن بالقرآن وإضافة الحديث الموافق للقرآن وكان منهجه في ذلك أنّه لا سبيل إلى الحديث إلاّ موافقته للقرآن. قال في بيان منهجه : «وأُسلوبي في التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن ، فكما الله غنيٌّ في ذاته عمّن سواه كذلك كلامه في ذاته غنيٌّ عمّا سواه ، فهو المفسّر لغيره ولا عكس ، فإنّه نور وبرهان وبيان ، فما بال نور الأنوار يستنير بأنوار أُخرى ...»(2).
وخالف المصنّف من قال بتطبيق القرآن على العلوم العصرية ، فقال : «ومن ذلك كثير عند المتفرنجين من المفسّرين الذين غرقوا في العلوم والنظريّات الجديدة ونسوا أنّ القرآن هو علم الله فلن يتبدّل ، والعلم دوماً في تبدّل وتحوّل من خطأ إلى صواب ومن صواب إلى أصوب ، فتفسير القرآن بفرضية العلم أو رأيه أو رأي العقل غير الضروري منك أو من سواك من مفسّرين أو علماء آخرين أو أحاديث غير ثابتة ولا ملائمة للآيات أو أيّاً كان من تفسير للقرآن لغير قرآن كلّ ذلك تفسير له بالرأي دون علم أو أثارة
__________________
(1) الفرقان في تفسير القرآن 1 / 212.
(2) الفرقان 1 / 18.
  

من علم أو كتاب منير»(1).
5 ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المُنزل ، للشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، في عشرين مجلّداً. وهذا التفسير ثمرة عمل جماعي قام به مع المصنّف جمعٌ من الأفاضل من الحوزة العلمية في قم المشرّفة. ومنهج التفسير هو ذكر السورة وخصائصها وما يرتبط بها من أهداف عامّة والإشارة إلى مضمون آياتها بياناً وتحليلاً ، خصوصاً المسائل الإجتماعية.
تناول التفسير معاني الكلمات وأسباب النـزول ، وعالج الشبهات المطروحة حول أصول الإسلام وفروعه ، كتعدّد الزوجات ، ونقصان إرث المرأة عن إرث الرجل ، ونسخ الأحكام ، والغزوات الإسلامية ، والإسراء والمعراج ، ونحوها. ومبناه هو الركون إلى سلاسة العبارة وعدم التفسير بالرأي والإستناد على قاعدة أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً.
خاتمة الفصل :
عرضنا فيما سبق لأهمّ التفاسير العربية في المدرسة الإمامية منذ القرن الأوّل الهجري ولحدّ بدايات القرن الخامس عشر. وقد تمّت مراعاة الجانب العلمي في العرض والنقد ، وتمّ التركيز على تطوّر مباني الفكر القرآني أكثر من التركيز على تراجم المفسّرين. وفي الحقيقة ، فإنّنا نعترف بحاجتنا إلى دراسات إضافية أوفى وأشمل لتلك النهضة العلمية الشيعية الخاصّة بتفسير كتاب الله المجيد.
__________________
(1) الفرقان 1 / 31.
  

الفصل الثالث
التفاسير المعتمدة في المدرسة الإمامية
هناك مجموعة تفاسير اهتمّ بها علماء الشيعة وأولوها عناية فائقة ، ومن تلك الكتب التفسيرية :
1 ـ التبيان الجامع لعلوم القرآن للشيخ الطوسي (ت 460 هـ). ذكرنا منهج الشيخ الطوسي سابقاً ، وما نعرضه الآن هو اعتماد علماء الطائفة على تفسير التبيان ، فنذكر أراءهم في هذا الصدد.
كان ابن ادريس الحلّي (ت 598 هـ) صاحب كتاب السرائر يكنُّ إجلالاً لهذا الكتاب ويذكر مؤلّفه بالثناء الجميل. وابن ادريس هو أوّل من خالف من الناحية الإجتهادية أقوال الشيخ الطوسي إلاّ أنّه يقف عند كتابه التبيان ويعترف له بعظم الشأن واستحكام البنيان ، وقد بلغ إعجابه أن لخّصه وسمّاه مختصر التبيان(1).
قال الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) : «...إلاّ أنّ أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ لم يدوّنوا في ذلك ـ تفسير القرآن ـ غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار ، ولم يعنوا ببسط المعاني وكشف الأسرار إلاّ ما جمعه الشيخ الأجلّ السعيد أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (قدّس الله روحه) من كتاب التبيان ، فإنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحقّ ويلوح عليه رواء الصدق ، قد تضمّن من المعاني الأسرار البديعة واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة ، ولم يقنع
__________________
(1) مقدّمة التبيان 1 / 24 ـ نقلاً عن الشيخ آغا بزرك الطهراني.
  

بتدوينها دون تبيينها ولا بتنميقها دون تحقيقها ، وهو القدوة أستضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره ...»(1).
وقال المحدّث القمّي (ت 1359 هـ) متحدّثاً عن الشيخ الطوسي : «أمّا التفسير فله كتاب التبيان الجامع لعلوم القرآن ، وهو كتاب جليل كبير عديم النظير في التفاسير»(2).
ووصفه صاحب الروضات (ت 1371 هـ) : «أقول : والكتاب المذكور ـ التبيان ـ هو فوق ما يقول وتقول ، وحسب الدلالة على اشتماله لجميل كلّ مدلول واحتوائه لجليل كلّ مشمول مع ندور ما يوجد فيه من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ...»(3).
وبالجملة ، فإنّ تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن للشيخ الطوسي قدس‌سره من التفاسير المعتبرة في المدرسة الإمامية ، من خلال تفسيره القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام ، واستخدام السياق القرآني لفهم الآيات ، وعرض معاني القرآن من زاوية حجّية ظواهر الكتاب. ومن ميزات الكتاب أُسلوبه في طرح البحوث الكلامية ضمن بيانه لدلالات الآيات بحيث ردّ على أكثر من عشرة فرق مستنداً على الآيات الشريفة. ومن ميزاته أيضاً أُسلوبه الكلامي في الإستدلال على التوحيد في تفسير الآيات التي تتناول الظواهر الطبيعية.
2 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ). مدحه علماء الإمامية وأطروه. ففي كتاب
__________________
(1) مجمع البيان 1 / ـ المقدّمة.
(2) الفوائد الرضوية : 470.
(3) روضات الجنات 6 / 220.
  

نقد الرجال للسيّد الأجل الأمير مصطفى التفريشي وفي تعليقة العلامة الآغا محمّد باقر البهبهاني على رجال ميرزا محمّد الكبير : ثقة ، فاضل ، دين ، عين ، من أجلاء هذه الطائفة.
وعن نظام الأقوال للمولى نظام الدين القرشي تلميذ الشيخ البهائي : ثقة ، فاضل ، ديّن ، عين.
وعن فهرست الشيخ منتجب الدين علي بن عبيد الله بن بابويه بعد وصفه بالإمام : ثقة ، فاضل ، ديّن ، عين.
وفي الوجيزة للعلاّمة المجلسي : ثقة ، جليل.
وفي مستدركات الوسائل : فخر العلماء الأعلام وأمين الملّة والإسلام ، المفسّر الفقيه ، الجليل الكامل النبيل صاحب تفسير مجمع البيان الذي عكف عليه المفسّرون وغيره من المؤلّفات الرائقة الشائع جملة منها.
وعن رياض العلماء للشيخ الحافظ المتبحّر ملاّ عبد الله الأصفهاني المعروف بالأفندي أنّه وصفه بالشيخ الشهيد الإمام وأنّه قال : رأيت نسخة من مجمع البيان بخطّ الشيخ قطب الدين الكيدري ...
وعن صاحب رياض العلماء أيضاً أنّه قال بعد مدحه له بعبارات عالية : كان قدس‌سره وولده رضي الدين أبو نصر حسن بن الفضل صاحب كتاب مكارم الأخلاق وسبطه أبو الفضل عليّ بن الحسن صاحب مشكاة الأنوار وسائر سلسلته وأقربائه من أكابر العلماء ، انتهى.
وفي الروضات : الشيخ الشهيد السعيد والحبر الفقيه ، الفريد الفاضل ، العالم المفسّر ، الفقيه المحدِّث ، الجليل الثقة ، الكامل النبيل. ثمّ حكى عن صاحب رياض العلماء أنّه ترجمه بنحو ذلك.
وفي المقابيس لرئيس المحقّقين الشيخ أسد الله التستري عند ذكر
 

ألقاب العلماء : ومنها أمين الإسلام للشيخ الأجل الأوحد الأكمل الأسعد ، قدوة المفسّرين وعمدة الفضلاء المتبحّرين ، أمين الدين أبي عليّ ... قدّس الله نفسه الزكية وأفاض على تربته المراحم السرمدية.
وعن مجالس المؤمنين ما ترجمته : إنّ عمدة المفسّرين أمين الدين ثقة الإسلام أبا عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي كان من نحارير علماء التفسير ، وتفسيره الكبير الموسوم بـ : مجمع البيان بيان كاف ودليل واف لجامعيّته لفنون الفضل والكمال ، انتهى ...
«وبالجملة ، ففضل الرجل وجلالته وتبحّره في العلوم ووثاقته أمر غنيٌّ عن البيان ، وأعدل شاهد على ذلك كتابه مجمع البيان كما أشار إليه صاحب مجالس المؤمنين بما جمعه من أنواع العلوم وأحاط به من الأقوال المشتّتة في التفسير مع الإشارة في كلّ مقام إلى ما روي عن أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير الآيات بالوجوه البيّنة المقبولة مع الاعتدال وحسن الاختيار في الأقوال والتأدّب وحفظ اللسان مع من يخالفه في الرأي بحيث لا يوجد في كلامه شيء ينفر الخصم أو يشتمل على التهجين والتقبيح»(1).
و «مجمع البيان لعلوم القرآن فسّر به القرآن الكريم في عشر مجلّدات المستمدّ من التبيان لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي كما ألمح إلى ذلك في مقدّمة مجمع البيان والفائق عليه في الترتيب والتهذيب والتحقيق والتنميق واختصار الفروع الفقهية التي أكثر الشيخ من ذكرها ، وهو من أحسن التفاسير وأجمعها لفنون العلم وأحسنها ترتيباً ، فرغ من تأليفه منتصف ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة»(2).
__________________
(1) مجمع البيان : 52 ـ ترجمة المؤلف.
(2) مجمع البيان : 53.
  

3 ـ الميزان في تفسير القرآن للسيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ). وهو من التفاسير المعاصرة التي اكتسبت شهرة عظيمة ، فالمفسّر علمٌ من أعلام الشيعة المجتهدين ، وله إجازة الاجتهاد والرواية عن أُستاذه المرجع الميرزا محمّد حسين النائيني رضي‌الله‌عنه.
استعان المصنِّف ببيان الشيخ الطبرسي (ت 548 هـ) في مجمع البيان في معاني الآيات لكنّه كان ينقد الآراء ويمحّصها وينتقي ما يراه الأقرب إلى مراد القرآن ، واستعان أيضاً بتفاسير أُخرى من المذاهب الأربعة ، كـ : الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (ت 911 هـ) ، وأنوار التنـزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (ت 691 هـ) ، والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ت 502 هـ) ، ومفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للفخر الرازي (ت 606 هـ) ، والكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري (ت 538 هـ) ، وجامع البيان في تفسير القرآن للطبري (ت 310 هـ) ، وغيرها.
أمّا تفاسير الشيعة فقد استفاد من الروايات المنقولة فيها ، ومنها :
1 ـ تفسير العيّاشي (من علماء القرن الثالث). 2 ـ تفسير ابن إبراهيم ابن فرات الكوفي (من اواسط المائة الثالثة). 3 ـ تفسير القمّي. 4 ـ تفسير النعماني. 5 ـ جوامع الجامع للطبرسي (ت 538 هـ). 6 ـ آيات الأحكام للراوندي (ت بعد 562 هـ). 7 ـ سعد السعود لابن طاووس (ت664 هـ). 8 ـ الصافي للفيض الكاشاني (ت 1091 هـ). 9 ـ تفسير البرهان للبحراني (ت 1107 هـ). 10 ـ تفسير نور الثقلين للعروسي الحويزي (ت 1112 هـ).
 

الفصل الرابع
تفاسير المدرسة الإمامية باللغة الفارسية
لم تقتصر تفاسير الشيعة الإمامية على اللغة العربية فحسب ، بل دخلت تفاسير القرآن الكريم باللغات الأُخرى الباب الأوسع لتعرِّف كتاب الله المجيد إلى الأمّة الإسلامية على اختلاف ثقافاتها ولغاتها. وكانت اللغة المتميّزة في تفسير القرآن الكريم بعد العربية هي اللغة الفارسية ، فصدرت تفاسير عديدة نذكر منها نماذج ، وهي :
1 ـ روضُ الجِنان ورَوحُ الجَنان ـ لأبي الفتوح الحسين بن عليّ الخزاعي الرازي النيشابوري (المتوفّى أوائل القرن السادس الهجري) ، في عشرين مجلّداً ، طبع في مشهد سنة 1408 هـ ، وهو أحد أقدم التفاسير الخمسة التي كتبت باللغة الفارسية ، وهي :
أ ـ ترجمة تفسير الطبري.
ب ـ كشف الأسرار وعُدّة الأبرار ، لأبي الفضل رشيد الدين المبيدي.
ج ـ منهج الصادقين في إلزام المخالفين ، للشيخ فتح الله الكاشاني.
د ـ تفسير سورآبادي.
هـ ـ روضُ الجِنان ورَوحُ الجَنان ، للشيخ أبي الفتوح الرازي.
وهذا التفسير «في وثاقة التحرير وعذوبة التقرير ودقّة النظر من غير نظير ، وإنّما اقتبس من آثاره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير وبنى عليه بنيانه ، وإن أضاف إليه بعض تشكيكاته»(1).
ولهذا الكتاب تأثيرٌ واضح على أبي المحاسن الحسين بن الحسن
__________________
(1) روضات الجنات 2 / 308.
  

الجرجاني في تفسيره جلاء الأذهان وجلاء الأحزان ، وعلى ملاّ فتح الله الكاشاني في تفسيره منهاج الصادقين.
ابتدأ تفسيره في عرض مقدّمة حول شرائط التفسير ، ثمّ بحث في معاني القرآن ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، والعامّ والخاص ، وأسماء القرآن ومعانيه ، ومعنى السورة والآية وكلماتها وحروفها ، وفضل قراءة القرآن ، وفضل علم القرآن ، ومعنى التفسير والتأويل والاستعاذة. نقل روايات أهل البيت عليهم‌السلام في تفسير القرآن ، وتعرّض للأحكام الفقهية كالوضوء والطلاق والعدالة ونحوها ، ونقل أيضاً أقوال الصحابة والتابعين في التفسير.
2 ـ منهج الصادقين في إلزام المخالفين ، للملاّ فتح الله الكاشاني (ت 988 هـ) ، في عشرة مجلّدات. طبع في طهران سنة 1386 هـ. وهو تفسير عامّ شامل لجميع آيات القرآن الكريم ، ذكر فيه المعاني اللغوية والإعراب والصرف والنحو ، واستشهد بأشعار العرب وأمثالهم ، وتعرّض للأحكام الفقهية دون توسّع.
3 ـ أنوار من القرآن ، للسيّد محمود بن أبي الحسن الطالقاني (ت 1399 هـ) ، طبع في طهران سنة 1383 ـ 1389 هـ في ستّ مجلّدات. لم يتوفّق المصنّف لإكماله وصدر منه تفسير سورة الحمد إلى سورة النساء الآية 28 والجزء الثلاثين من القرآن الكريم. منهجه في التفسير هو ذكر الجوّ العامّ للآيات ثمّ ذكر الخلفية التأريخية لنزولها والحقائق المستفادة منها وأهدافها.
4 ـ حجّة التفاسير وبلاغ الإكسير ويعنون أيضاً بـ : من لا يحضره المفسّر والتفسير ، للسيّد عبد الحُجّة البلاغي (ت 1399 هـ) ، في عشرة مجلّدات. طبع في قم المشرّفة سنة 1386 هـ. وهو تفسير موجز شامل
 

لجميع آيات القرآن الكريم ، يستشهد فيه بالشعر والأمثال المستعملة في كلام العرب ويذكر القصص والشواهد التأريخية وبيان أقوال الفرق والمذاهب.
5 ـ مخزن العرفان في علوم القرآن ، للسيّدة نصرت بنت محمّد علي أمين المشهورة بـ (بانوي إصفهاني) (ت 1403 هـ) ، في خمسة عشر مجلّداً. طبع في إصفهان. والمصنّفة من عالمات الشيعة الإمامية حيث انصرفت لعلوم الشريعة حتّى بلغت الإجتهاد. وهذا الكتاب تفسير موجز شامل لجميع آيات القرآن ، اعتمدت فيه على تفاسير علماء أهل البيت عليهم‌السلام والمرويات عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، وأكّدت على لزوم الأخذ من الراسخين في العلم في فهم معنى الكتاب المجيد وعلى منع التفسير بالرأي ، ومن منهجها عدم نسبة أيّ مدلول إلى كلام الله عزّوجلّ ، فكانت تشير مراراً إلى قولها : ولعلّ هذا هو المقصود من الآية. وهذا التفسير من التفاسير العرفانية والفلسفية التي بحثت فيه قضايا مهمّة ، كخلق القرآن وصفات الله وأفعال العباد والإمامة ونحوها.
6 ـ أطيب البيان في تفسير القرآن ، للسيّد عبد الحسين الطيّب (ت 1411 هـ). طبع في طهران سنة 1393 هـ في أربعة عشر مجلّداً. وهو تفسير شامل لجميع القرآن مع عناية بعرض الأخبار عن طريق أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وتفسير القرآن بالقرآن ، ويبحث أيضاً في مباحث الجبر والاختيار والإمامة ومعنى العرش والكرسيّ وأحكام التقية.
7 ـ الأنوار الساطعة في تفسير القرآن ، للسيّد محمّد الحسيني الهمداني. طبع في طهران سنة 1380 هـ في ثمانية مجلّداً. تفسير أدبي عرفاني شامل لجميع آيات القرآن الكريم. اعتنى المؤلّف بذكر الآثار الواردة عن النبيّ وأهل بيته عليهم‌السلام وتفسير القرآن بالقرآن لغة ومدلولاً.
 

الفصل الخامس
منهج التفسير في النظرية الإمامية
لا شكّ أنّ لتفسير القرآن الكريم في المدرسة الإمامية منهجاً خاصّاً يستند عليه الفقهاء المفسّرون ، فهم يستندون على تفسير القرآن بالقرآن ، والقرآن بالسنّة المطهّرة التي تشمل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام ، واستخدام السياق لفهم معاني القرآن ، والإيمان بمبدأ الإجمال في القرآن والتفصيل في السنّة ، والاهتمام بتفسير آيات الأحكام باعتبارها وسيلة من وسائل فهم الأحكام الشرعية ، ومعرفة المتشابه في القرآن عن طريق الدليل الشرعيّ.
1 ـ تفسير القرآن بالقرآن :
إنّ الطريق الصحيح لتفسير القرآن الكريم هو التماس المعنى من آيات قرآنية اُخر ، فالقرآن يفسّر بعضه بعضاً ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى أنّ القرآن ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض(1). وإن عجز المفسّر عن ذلك التمس سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام ، فإنّها تشرح القرآن وتبيّن معانيه. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرض القرآن على الناس فيفهمون ظاهره على الأغلب وكانوا يسألونه فيما لا يفهمون ، ولكن بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) استجدّت أمور كان لابدّ أن يكون فيها رأي للإسلام ، ومن ذلك روايتان :
الأولى : «أتي عمر بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فهمّ أن يرجمها ، فبلغ
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لمحمد عبده ـ 2 / 17.
  

عليّاً عليه‌السلام فقال : ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه يسأله. فقال عليّ عليه‌السلام : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...)(1) ، وقال : (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً)(2) ، فستّة أشهر حمله وحولين تمام الرضاعة لا حدَّ عليها. قال : فخلّى سبيلها»(3).
وهذه الرواية تدلّ على أنّ القرآن يكمّل بعضه بعضاً.
الثانية : «إنّ الخليفة الثالث أمر من يصطاد يعاقيب (طيوراً) وهو مُحرِمٌ ، فطبخهنّ من كان بخدمته ثمّ قدّمهنّ إليه ، فقال عثمان لمن حوله : كلوا. فقال بعضهم : حتّى يجيء عليّ بن أبي طالب. فلمّا جاء فرأى ما بين أيديهم قال عليّ عليه‌السلام : إنّا لن نأكل منه. فقال عثمان : ما لكَ لا تأكل؟ فقال عليه‌السلام : هو صيدٌ ولا يحلّ أكله وأنا محرم. فقال عثمان : بيّن لنا. فقال عليّ عليه‌السلام : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)(4). فقال عثمان : أو نحن قتلناه؟ فقرأ عليه‌السلام عليه : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعَاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً)(5)»(6).
وهذه الرواية كسابقتها تدلُّ على أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً.
وعلى نفس المنوال يمكن أن نفسّر قوله تعالى : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)(7) بأنّها النار التي تغشى وجوه أهل النار على ضوء قوله تعالى :
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 233.
(2) سورة الأحقاف 46 : 15.
(3) مناقب الخوارزمي : 50.
(4) سورة المائدة 5 : 95.
(5) سورة المائدة 5 : 96.
(6) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 7 / 70.
(7) سورة الغاشية 88 : 1.

(تَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)(1).
وقد استخدم هذا الأُسلوب القرآني في تفسير كلمات الله المجيد الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) في كتابه التبيان في تفسير القرآن ، وابن شهرآشوب (ت 588 هـ) في متشابه القرآن ، والراوندي (ت 573 هـ) في فقه القرآن ، والمقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) في زبدة البيان ، والشيخ البلاغي (ت 1352 هـ) في آلاء الرحمن ، والسيّد الطباطبائي (ت 1402 هـ) في الميزان.
فسّر الشيخ الطوسي المصطلحات القرآنية عبر ربط الآيات القرآنية بمعنى مشترك ، حيث كان يستعين بآيات قرآنية من أجل إظهار معنى آيات اُخر. ولنأخذ على ذلك أمثلة في معاني : الإعصار ، والختم ، والاستواء.
أ ـ فعند تفسيره لمصطلح (الإعصار) في قوله تعالى : (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الَّثمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)(2).
«فالعصر هو عصر الثوب ونحوه من كلّ شيء رطب ، عصرته عصراً فهو معصور.
والعصر : الدهر ، وفي التنـزيل (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الأنسَانَ لَفِي خُسْر)(3). والعصر : العشيّ ، ومنه صلاة العصر ، لأنّها تعصر أي تؤخّر كما يؤخّر الشيء بالتعصّر فيه.
__________________
(1) سورة ابراهيم 14 : 50.
(2) سورة البقرة 2 : 266.
(3) سورة العصر 103 : 1 ـ 2.

والعصر : النجاة من الجدب ، ومنه قوله تعالى : (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)(1) ، لأنّه كعصر الثوب في الخروج من حال إلى حال.
والإعصار غبار يلتفّ بين السماء والأرض كالتفاف الثوب في العصر. والمعصرات : السحب ، ومنه قوله تعالى : (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً)(2)»(3).
ب ـ وفي تفسيره للختم في قوله تعالى : (خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(4) قال الشيخ الطوسي : «و (خَتَمَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي شهد عليها بأنّها لا تقبل الحقّ ، يقول القائل : أراك تختم على كلّ ما يقول فلان ، أي تشهد به وتصدّقه. وقيل : المعنى في ذلك أنّه ذمّهم بأنّها كالمختوم عليها في أنّها لا يداخلها الإيمان ولا يخرج منها الكفر.
والختم : آخر الشيء ، ومنه قوله تعالى : (خِتَامُهُ مِسْكٌ)(5) ، ومنه (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(6) ، أي آخرهم»(7).
ج ـ وفي معنى الاستواء يقول في تفسيره كلمة (استوى) في قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات)(8) : «... وقال قوم : معنى (استوى) أي استولى على السماء بالقهر كما قال : (لِتَسْتَوُوا
__________________
(1) سورة يوسف 12 : 49.
(2) سورة النبأ 78 : 14.
(3) تفسير التبيان 2 / 342.
(4) سورة البقرة 2 : 7.
(5) سورة المطففين 83 : 26.
(6) سورة الأحزاب 33 : 40.
(7) تفسير التبيان 1 / 63.
(8) سورة البقرة 2 : 29.
  

عَلَى ظُهُورِهِ)(1) ، أي تقهروه ، ومنه قوله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى)(2) ، أي تمكّن من أمره وقهر هواه بعقله ، فقال : (اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ)(3) في تفرّده بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكاً لخلقه»(4).
استظهار المعاني :
وفي منهجيّته الفريدة يحاول الشيخ الطوسي إثارة بعض الإشكالات الذهنية من أجل الوصول إلى المعاني التي يستظهرها ، ومن ذلك قوله تعالى : (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)(5) ، يقول الشيخ : «فإن قيل : كيف يجمع بين قوله : (ولاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُـجْرِمُونَ)(6) وقوله : (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)(7)؟
قلنا : فيه قولان :
أحدهما : إنّه نفى أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وإنّما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت ، والثاني : تنقطع المساءلة عند حصولهم على العقوبة ، كما قال : (فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ)(8) وقال في موضع آخر : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ)(9) ، والوجه ما قلناه : إنّه يسألهم
__________________
(1) سورة الزخرف 43 : 13.
(2) سورة القصص 28 : 14.
(3) سورة البقرة 2 : 29.
(4) تفسير التبيان 1 / 126.
(5) سورة الأعراف 7 : 6.
(6) سورة القصص 28 : 78.
(7) سورة الأعراف 7 : 6.
(8) سورة الرحمن 55 : 39.
(9) سورة الصافات 37 : 24.
  

سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار ، فإذا دخلوها انقطع سؤالهم»(1).
«وقوله : (وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُـجْرِمُونَ)(2) المراد به لا يسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم ، لأنّه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم ، وأمّا قوله : (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)(3) وقوله : (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(4) فهو مساءلة توبيخ وتقريع كقوله : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ...)(5) ، وسؤاله للمرسلين ليس للتوبيخ ولا للتقريع لكنّه توبيخ للكفّار وتقريع لهم أيضاً ، وأمّا قوله : (فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَلاَ يَتَساءَلُونَ)(6) فمعناه سؤال تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك ، وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ)(7) فهو سؤال توبيخ وتقريع وتلاوم كما قال : (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَلاَوَمُونَ)(8)»(9).
2 ـ تفسير القرآن بالسنّة :
السنّة هي قول المعصوم عليه‌السلام وفعله وتقريره. والمعصومون عليهم‌السلام هم أربعة عشر : النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفاطمة ،عليها‌السلام ، والأئمّة الاثنا عشر عليهم‌السلام.
__________________
(1) تفسير التبيان 4 / 349.
(2) سورة القصص 28 : 78.
(3) سورة الأعراف 7 : 6.
(4) سورة الحجر 15 : 92 ـ 93.
(5) سورة يس 36 : 60.
(6) سورة المؤمنون 23 : 101.
(7) سورة الصافات 37 : 27.
(8) سورة القلم 68 : 30.
(9) تفسير التبيان 4 / 350.
  

والعصمة ملكة تمنع صاحبها من الخطأ والنسيان والسهو والعصيان. ولأنّ الأئمّة عليهم‌السلام حفظة الشرع والقوّامون عليه فلابدّ أن يتّصفوا بكلّ الصفات التي تمنعهم من جميع الرذائل والفواحش. وحديث الثقلين المتواتر أعظم دليل على عصمة أهل البيت عليهم‌السلام. ولذلك فإنّ الأخذ بروايات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت عليهم‌السلام حجّة في فهم القرآن بشرط موافقة تلك الروايات للقرآن. وقد جاء في الحديث الشريف : «إذا جاءكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فاقبلوه ، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط»(1).
وبموجب تلك القاعدة قال الشيخ الطوسي في مقدّمة التبيان : «واعلم أنّ الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأنّ تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الأئمّة عليهم‌السلام الذين قولهم حجّة كقول النبيّ صلّى الله عليه وآله»(2).
وعلى أساس تلك القاعدة فقد قُسّمت معاني القرآن الكريم إلى أربعة أقسام :
القسم الأوّل : ما اختصّ الله تعالى بالعلم به ، فلا يجوز لأحد تكلّف القول فيه ولا تعاطي معرفته ، وذلك كقوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ)(3) ، ومثل قوله تعالى : (إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(4).
__________________
(1) نقله الشيخ الطوسي في تفسير التبيان 1 / 5.
(2) تفسير التبيان 1 / 4.
(3) سورة الأعراف 7 : 187.
(4) سورة لقمان 31 : 34.
  

الثاني : ما كان ظاهره مطابقاً لمعناه ، فكلّ من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناه ، مثل قوله تعالى : (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ)(1) ، ومثل قوله تعالى : (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)(2) ، وغير ذلك.
الثالث : ما هو مجمل لا ينبىء ظاهره عن المراد به مفصّلاً ، مثل قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(3) ، وقوله : (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(4) ، وقوله : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)(5) ، وقوله : (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)(6) ، وما أشبه ذلك.
فإنّ تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها وتفصيل مناسك الحجّ وشروطه ومقادير النصاب في الزكاة لايمكن استخراجه إلاّ ببيان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي من جهة الله تعالى.
الرابع : ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما ويمكن أن يكون كلّ واحد منهما مراداً ، فلا ينبغي أن يقدّم أحدٌ به فيقول : إنّ مراد الله فيه بعض ما يحتمل ـ إلاّ بقول نبيٍّ أو إمام معصوم ـ بل ينبغي أن يقول : إنّ الظاهر يحتمل لأمور ، وكلّ واحد يجوز أن يكون مراداً على التفصيل. ومتى كان اللفظ بين شيئين أو ما زاد عليهما ودلّ الدليل على أنّه لا يجوز أن يريد إلاّ وجهاً واحداً جاز أن يقال : إنّه هو المراد»(7).
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 151.
(2) سورة الاخلاص 112 : 1.
(3) سورة النور 24 : 56.
(4) سورة آل عمران 3 : 97.
(5) سورة الأنعام 6 : 141.
(6) سورة المعارج 70 : 24.
(7) تفسير التبيان 1 / 5 ـ 9.

وقد تحدّثنا بإسهاب عن شروط صحّة الخبر في بحث (النظرية الرجالية في المدرسة الإمامية).
مصاديق الرجوع إلى السنّة الشريفة :
مثلاً نقرأ في كتاب الله كلمة (السُحت) في وصف بعض أعمال اليهود : (سَمّـاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ...)(1) ، وعندما نرجع إلى السنّة نفهم أنّه الحرام. فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «السحت : الرشوة في الحكم» وروي عن الإمام عليٍّ عليه‌السلام : «السحت : الرشوة في الحكم ، ومهر البغي ، وعسب الفحل ، وكسب الحجّام ، وثمن الكلب ، وثمن الخمر ، وثمن الميتة ، وحلوان الكاهن ، والاستعجال في المعصية»(2).
ونقرأ في كتاب الله كلمة (الأنفال) في قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ)(3) ، وعندما نرجع إلى السنّة نفهم أنّ الفيء هو ما أخذ بغير قتال. روي عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما‌السلام أنّ الأنفال كلّ ما أخذ من دار الحرب بغير قتال إذا انجلى عنها أهلها ـ ويسمّيه الفقهاء فيئاً ـ وميراث منلا وارث له وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب ، أو الآجام وبطون الأودية والموات كما في الروايات(4).
ونقرأ في كتاب الله كلمة (انحر) في قوله تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(5) ، وعندما نرجع إلى السنّة نفهم أنّ للنحر معنيين : الأوّل هو رفع
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 42.
(2) التبيان 3 / 528 ، عوالي اللآلي 25 / 109 ح 298 و 299.
(3) سورة الأنفال 8 : 1.
(4) تفسير التبيان 5 / 72.
(5) سورة الكوثر 108 : 2.
  

اليدين إلى النحر في الصلاة ، كما قال الراوندي في فقه القرآن(1). الثاني هو نحر البُدن والأضاحي ، ففي الرواية عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما‌السلام أنّ معناه وانحر البُدن والأضاحي ، أي : انحر البُدن متقرّباً إلى الله لنحرها خلافاً لنحرها للأوثان ، كما في التبيان(2) للشيخ الطوسي. ولا تعارض في حمل اللفظ على المعنيين.
3 ـ مبدأ السياق القرآني :
مبدأ السياق في القرآن الكريم مهمٌّ في فهم معاني الآيات ، فإذا قُطّعت الآية إلى أجزاء فقد يتبدّل المعنى تماماً ، أو إذا قرئت الآية اللاحقة دون ملاحظة ارتباطها بالآية السابقة فقد يتغيّر المعنى أيضاً ، فإذا تلى القارئ (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ)(3) وسكت فإنّها تعني عدم وجوب تأدية تلك الفريضة ، ولكن لو قُرئت بصورتها الصحيحة : (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)(4) عرفنا ببطلان صلاة المخمور. وعلى عكس المبدأ فهم المجبرة قوله تعالى : (وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(5) بأنّه دالٌّ على أنّ الله خلق أفعال العباد ، وهو افتراء على الله تعالى ، لأنّ الآية جاءت في سياق حكاية لقول إبراهيم عليه‌السلام لقومه واستنكاره لعبادتهم الأصنام والتي هي أجسام والله تعالى المحدث لها(6).
__________________
(1) فقه القرآن 1 / 107 ـ 108.
(2) تفسير التبيان 10 / 418.
(3) سورة النساء 4 : 43.
(4) سورة النساء 4 : 43.
(5) سورة الصافات 37 : 96.
(6) تفسير التبيان 8 / 470.
  

ومن أجل توضيح هذا المبدأ في التفسير نعرض ثلاثة أمثلة على استخدام السياق القرآني في فهم الآيات الكريمة :
1 ـ قوله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لاََقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ)(1).
إنّ «وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنّ الله تعالى أراد أن يبيّن أنّ حال اليهود في الظلم ونقض العهد وارتكاب الفواحش من الأمور كحال ابن آدم قابيل في قتله أخاه هابيل وما عاد عليه من الوبال بتعدّيه ، فأمر نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتلو عليهم اخبارهما ، وفيه تسلية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ناله من جهلهم بالتكذيب في جحوده وتبكيت اليهود»(2).
2 ـ قوله تعالى : (لاَ يَتَّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِيْ شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ)(3).
«ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنّه تعالى لمّا بيّن عظيم آياته بما في قدرته ممّا لا يقدر عليه سواه دلّ على أنّه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه من المؤمنين دون أعدائه الكافرين ، فنهى عن اتخاذهم أولياء دون أهل التقوى الذين سلكوا طريق الهدى»(4).
3 ـ قوله تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَيَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 27.
(2) تفسير التبيان 3 / 491.
(3) سورة آل عمران 3 : 28.
(4) تفسير التبيان 2 / 434.
  

وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)(1).
«هذا عطف على الآية الأولى ، فكأنّه قال : قل : وليّي الله القادر على نصرتي عليكم وعلى من أراد بي ضرّاً ، والذين تتّخذونهم أنتم آلهة لا يقدرون على أن ينصروكم ولا أن يدفعوا عنكم ضرراً ، ولا يقدرون أن ينصروا أنفسهم أيضاً لو أنّ إنساناً أراد بهم سوءً من كسر أو غيره.
وإنّما كرّر هذا المعنى لأنّه ذكره في الآية التي قبلها على وجه التقريع وذكره ههنا على وجه الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ممّن لا تجوز ، كأنّه قال : إنّ ناصري الله ولا ناصر لكم ممّن تعبدون»(2).
4 ـ مبدأ الإجمال في القرآن والتفصيل في السنّة :
أي إنّ القرآن يعطي الأحكام الإجمالية للتشريع وإنّ السنّة النبوية الشريفة تفصّل تلك الأحكام. وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قولاً وعملاً وتقريراً كانت بياناً وتفسيراً لمجملات القرآن الكريم. لقد بيّن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمّته معاني القرآن إمّا بياناً بالنصّ أو ببيان تفاصيل الشريعة ، ولذلك فقد امتثل لكلام المولى عزّوجلّ : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(3).
ونعرض هنا جملة من المبادئ المتعلّقة بالإجمال والتفصيل :
أوّلاً : جاءت الأحكام الشرعية في القرآن إجمالية بصورة عامّة ، كما في قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(4) ، وجاءت السنّة النبوية
__________________
(1) سورة الأعراف 7 : 197.
(2) تفسير التبيان 5 / 61.
(3) سورة النحل 16 : 44.
(4) سورة النور 24 : 56.
  

لتوضّح أحكام الصلاة وشروطها ومقدّماتها.
قال تعالى : (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(1) ، بينما أحيل معرفة الوقت المحدد للصلاة إلى السنّة. وقال تعالى : (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)(2) ، وفصّلت السنّة تلك الأوقات الخمسة للصّلاة.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّ الله أنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلاة ولم يسمّ لهم ثلاثاً ولا أربعاً»(3). وبخصوص الزكاة : «نزلت عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الزكاة فلم يسمّ الله من كلّ أربعين درهماً درهماً حتّى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم»(4).
وأنزل الله تعالى : (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(5) ، إلاّ أنّ أحكام الحجّ الواجب قد فصّلتها السنّة الشريفة ، وعندما سُئل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإستطاعة قال : «الزاد والراحلة»(6).
وأنزل الله تعالى : (وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)(7) ، وأحكام البيع الحلال فصّلتها السنّة الشريفة. وهكذا.
ثانياً : بيان الناسخ والمنسوخ عن طريق السنّة الشريفة ، فعندما نفتح كتاب الله المجيد نقرأ أحكاماً أوّليّة منسوخة وأحكاماً أُخرى ناسخة لها ، ولا
__________________
(1) سورة النساء 4 : 103.
(2) سورة الاسراء 17 : 78.
(3) الكافي 1 / 286.
(4) الكافي 1 / 286.
(5) سورة آل عمران 3 : 97.
(6) الإتقان للسيوطي 4 / 218.
(7) سورة البقرة 2 : 275.
  

يستطيع المكلّف أن يميّز الناسخ عن المنسوخ دون الرجوع إلى السنّة الشريفة. وفي الأثر عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه سأل قاض مرّ عليه بالكوفة : «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال : لا. فقال عليه‌السلام : إذن هلكتَ وأهلكت»(1).
ولنأخذ مثلاً على الناسخ والمنسوخ في قضية وفاة الزوج ، ففي قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لاَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)(2). نلحظ أنّ هذه الآية منسوخة ، وهي تتحدّث عن أنّ المرأة المتوفّى عنها زوجها لا ميراث لها سوى الإمتاع من التركة حولاً كاملاً ، وكانت عدّتها حولاً كاملاً أيضاً. أمّا الآية الناسخة فهي آية المواريث وهي : (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَم يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ...)(3) ، وبآية التربّص أربعة أشهر وعشراً : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً ...)(4).
ثالثاً : آيات عامّة ولكن لها تخصيص أو تقييد في السنّة الشريفة ، فهنا نوعان :
أ ـ الآيات ذات العموم التي تخصّصها السنّة الشريفة ، فالآية عامّة ولكن المراد هو الخاصّ الوارد بعد ذلك ، مثل قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ
__________________
(1) تفسير العيّاشي 1 / 12 رقم 9. والإتقان للسيوطي 2 / 20.
(2) سورة البقرة 2 : 240.
(3) سورة النساء 4 : 12.
(4) سورة البقرة 2 : 234.
  

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(1). وهذه الآية عامّة لمطلق المطلّقات ، ولكن السنّة خصّصت هذا الحكم في حالة تحقّق الدخول فقط ، أمّا إذا لم يتحقّق الدخول فلا عدّة لهنّ. وكذلك قوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ)(2) ، فالعامّ هو مطلق الطلاق ، والخصوص هو حالة الطلاق الرجعي فقط.
ب ـ الآيات العامّة التي تقيّدها السنّة الشريفة ، ومنه قوله تعالى : (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)(3). فالآية عامّة لكلّ من قتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم ، والقيد هو التوبة. والمعنى أنّ إطلاق الآية مقيّد بما إذا لم يتُب ، والقتل تمّ بسبب إيمان المقتول. وفي ذلك رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام(4).
رابعاً : إنّ قصد القرآن الكريم لم يكن في بعض الموارد استقصاء الموضوعات التكليفية بل بيان أصل التشريع ، مثل قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة)(5). فالآية لم تصرّح برجم المحصن وإنّما فصّلته السنّة الشريفة.
وينطبق الأمر نفسه على ترتيب الأثر في القتل ، فالسنّة فصّلت في قتل الخطأ وفيه الديّة على العاقلة وشبه العمد وفيه الديّة على القاتل والعمد المحض وفيه القصاص إلاّ إذا رضي أولياء الدم بالديّة أو العفو ، بينما أجمل
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 228.
(2) سورة البقرة 2 : 228.
(3) سورة النساء 4 : 93.
(4) بحار الأنوار 93 / 6. وتفسير الصافي 1 / 204.
(5) سورة النور 24 : 2.
  

القرآن الكريم ذلك.
5 ـ آيات الأحكام :
خطّ فقهاء الإمامية منهجاً فريداً في تفسير آيات الكتاب المجيد الخاصّة بالأحكام الشرعية ، وهذا المنهج يتكفّل باستيعاب المعنى الفقهي للحكم من خلال استقراء الآيات الدالّة عليه في جميع سور القرآن الكريم ابتداءً من مواضيع الطهارة وانتهاءً بمواضيع القصاص والديّات.
كتب السيّد المرعشي النجفي (ت 1411 هـ) : «إنّ من أجلّ العلوم القرآنية والشؤون المتعلّقة بكتاب الله العزيز هو العلم بآيات الأحكام المستفاد منها الحلال والحرام ، ومن ثمّ توجّهت إليه همم فطاحل الإسلام ورجالات الفضل والدين ، ركبوا مطايا المشاقّ وألقوا العزم قدّامهم في هذا الموضوع ، لم يألوا الجهود وبذلوا ما كان لهم من المساعي ، ألّفوا وصنّفوا في خير موضوع ... فلله درّهم وعليه تعالى أجرهم ، لقد أجادوا فيما أفادوا
وأتوا هنالك بما فوق ما كان يؤمّل ويراد»(1).
وقال القطب الراوندي في فقه القرآن : «اعلم أنّ الأدلّة كلّها أربعة : حجّة العقل ، والكتاب ، والسنّة ، والإجماع. أمّا الكتاب ـ وهو غرضنا ههنا ـ فهو القرآن في دلالته على الأحكام الشرعية. والمستدلّ بالكتاب على ما ذكرناه يحتاج إلى أن يعرف من علومه خمسة أصناف : العامّ والخاصّ ، والمحكم والمتشابه ، والمجمل والمفسّر ، والمطلق والمقيّد ، والناسخ والمنسوخ.
__________________
(1) مقدّمة السيّد المرعشي لكتاب مسالك الأفهام في آيات الأحكام للفاضل الجواد الكاظمي : 4.
  

أمّا العموم والخصوص قليلاً ما يتعلّق بعموم قد دخله التخصيص ، كقوله تعالى : (وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)(1) وهذا عامّ في كلّ مشركة حرّة كانت أو أمة ، وقوله : (وَالْمُـحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ)(2) خاصّ في الحرائر فقط ، فلو تمسّك بالعموم غلط.
وكذلك قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)(3) عامّ ، وقوله : (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)(4) خاصّ في أهل الكتاب.
وأمّا المحكم والمتشابه فليقضى بالمحكم ويفتى به دون المتشابه [ومن المتشابه مثلاً قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(5)]. وأمّا المجمل والمفسَّر ، فليعمل بالمفسَّر ، كقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الْصَّلاَةَ)(6) ، وهذا غير مفسَّر ، وقوله : (فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ)(7) مفسَّر بإجماع المفسّرين ، لأنّه فسّر الصلوات الخمس ، لأنّ قوله (حِينَ تُمْسُونَ) يعني المغرب والعشاء الآخرة ، و (حِينَ تُصْبِحُونَ) يعني الصبح ، و (عَشِيّاً) يعني العصر ، و (حِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر.
وأمّا المطلق والمقيّد ، فليبنى المطلق على المقيّد إذا كانا في حكم
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 221.
(2) سورة المائدة 5 : 5.
(3) سورة التوبة 9 : 5.
(4) سورة التوبة 9 : 29.
(5) سورة البقرة 2 : 228.
(6) سورة النور 24 : 56.
(7) سورة الروم 30 : 17 ـ 18.
  

واحد ، كقوله تعالى : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ)(1) ، فهذا مطلق في العدل والفاسق ، وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنكُمْ)(2) مقيّد بالعدالة ، فيبنى المطلق عليه.
وأمّا الناسخ والمنسوخ ، فليقضى بالناسخ دون المنسوخ ، كآية العدّة بالحول ، والآية التي تضمّنت العدّة بالأشهر»(3).
أقسام آيات الأحكام :
وآيات الأحكام على قسمين :
الأوّل : الآيات الصريحة الواردة في الأحكام الشرعية ، منها :
1 ـ أن يرد التصريح بالحكم الشرعي بلفظ ظاهره مطابق لمعناه ، وهنا يفهم الناطق باللغة العربية مراد ذلك اللفظ ، مثل قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)(4).
2 ـ أن يكون التصريح بالحكم قد ورد بالإجمال مثل إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأداء الحجّ ، وصيام شهر رمضان. وهنا لابدّ من الرجوع إلى السنّة المطهّرة لكشف التفصيل.
3 ـ أن يكون التصريح بالحكم قد ورد بلفظ مشترك بين معنيين ، مثل قوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(5). ومعنى القرء
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 282.
(2) سورة الطلاق 65 : 2.
(3) فقه القرآن ـ للقطب الراوندي ـ 1 / 6.
(4) سورة النساء 4 : 23.
(5) سورة البقرة 2 : 228.
  

مشترك بين الحيض والطهر. وينبغي هنا الرجوع إلى السنّة أيضاً لمعرفة التفصيل.
4 ـ التصريح بالحكم قد ورد بلفظ عامّ ، فلابدّ من البحث عن المخصّص ، مثل قوله تعالى : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ)(1) «وهو خطاب متوجّه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نهي لجميع المكلّفين»(2).
الثاني : الآيات التي لم تصرّح بالحكم الشرعي بل كانت على نحو الإشارة أو التلميح ، وعندها ينبغي استنباط الحكم عن طريق الاجتهاد الشرعي. ومنها :
1 ـ ما يستفاد منه الحكم الشرعي من غير ضمّ آية إلى آية أُخرى ، ومنها قوله تعالى في حكم مسح الرجلين : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)(3) ، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه‌السلام : «... فقال : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) فعرفنا حين قال : (بِرُؤُوسِكُمْ) إنّ المسح ببعض الرأس ، لمكان الباء. ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه ، فقال : (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلها بالرأس أنّ المسح على بعضها ...»(4).
2 ـ ما يستفاد منه الحكم الشرعي من طريق ضمّ آية إلى آية أُخرى ، ومنها : ما روي عن الإمام عليّ عليه‌السلام حينما جمع آيتين ليستدلّ على أنّ أقلّ
__________________
(3) سورة الضحى 93 : 9 ـ 10.
(4) متشابه القرآن 2 / 6.
(1) سورة المائدة 5 : 6.
(2) فروع الكافي 3 / 30 ح 4 باب 19 من كتاب الطهارة.
  

الحمل ستّة أشهر(1). وهما : (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً)(2) ، (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)(3).
6 ـ المتشابه في تفسير القرآن :
قال تعالى في محكم كتابه المجيد : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرَ مُتَشَابِهاتٌ)(4). والمحكم هو ما كان ظاهره دالاًّ على معناه ، والمتشابه هو ما لا يعلم مراده بظاهره حتّى يقترن به ما يدلّ عليه. وقد طرح موضوع التشابه في القرآن بأشكال وصور متعدّدة. والأصل أنّ الآيات المتشابهة تقسّم إلى أقسام خمسة :
1 ـ ما اختلف الناس فيه من أمور الدين ، نحو قوله تعالى : (وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْم)(5) ، وقوله تعالى : (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)(6).
2 ـ ما يحتمل معنيين أو ثلاثاً أو أكثر فيحمل على الأصوب ، مثل قوله تعالى : (يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)(7) ، وقوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)(8).
__________________
(1) الارشاد ـ للشيخ المفيد ـ 1 / 206.
(2) سورة الأحقاف 46 : 15.
(3) سورة البقرة 2 : 233.
(4) سورة آل عمران 3 : 7.
(5) سورة الجاثية 45 : 23.
(6) سورة طه 20 : 85.
(7) سورة المائدة 5 : 64.
(8) سورة القمر 54 : 14.
  

3 ـ ما يزعم فيه من مناقضة ، نحو قوله تعالى : (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ)(1) ، وقوله : (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام)(2) ، وقوله : (فِي سِتَّةِ أَيَّام)(3).
4 ـ ما هو محكم في غرضه ، مثل قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(4)[ومعناه تنـزيه الخالق عن التشبيه والتمثيل. والتشابه هنا من جهة اللفظ : أي ليس مثل مثله شيء].
5 ـ «ما يتبع ذلك من الغوامض التي يحتاج إلى بيانها ويستخلص منها إمّا بموضوع اللغة أو بمقتضى العقل أو بموجب الشرع»(5).
الأسباب التي تؤدّي إلى التشابه :
والتشابه هي قضية لفظية بالدرجة الأولى. فهناك أسباب تؤدّي إلى التشابه ، منها :
1 ـ دلالة اللفظ الواحد على معان متعدّدة :
أ ـ ففي بعض الأحيان لا يراد من اللفظ المعنى الظاهر ، بل يؤوّل إلى معنى مجازي يحتاج إلى بيان أو قرينة. مثل قوله تعالى : (وَالله شَكُورٌ حَلِيمٌ)(6) ، «والشكور في صفات الله تعالى مجاز ، لأنّه في الأصل هو المظهِر للإنعام عليه ، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ ، فيكون معناه أنّه
__________________
(1) سورة فصلت 41 : 12.
(2) سورة فصّلت 41 : 10.
(3) سورة الأعراف 7 : 54.
(4) سورة الشورى 42 : 11.
(5) متشابه القرآن 1 / 2.
(6) سورة التغابن 64 : 17.
  

يعامل المطيع في حسن الجزاء معاملة الشاكر»(1).
وفي قوله تعالى : (الله نُورُ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ)(2) ، «لم يقل : الله نور ، ولو كانَ نوراً في الحقيقة لم يكن للإضافة معنىً ، لأنّ ما كان نوراً في الحقيقة فهو نور لأىّ شيء كان. ولو أراد على معنى الضياء لوجب أن لا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة بحال ، لأنّه دائم لا يزول ، وأوجب أن تكون الاستضاءة به دون الشمس ، وبيّن تعالى أنّه خالق النور ، فقال : (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)(3) ، فكيف يكون نوراً مع كون النور مخلوقاً؟! وقال في آخرها : (يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)(4) فلو أراد بذلك الضياء لما كان لها معنى. ولو كان نوراً لوجب أن يكون ذا أجزاء كثيرة ، لأنّ النور هو المضيء ، والمضيء لا يكون إلاّ بأن ينفصل منه أجزاء ليضيء غيره بتلك الأجزاء. ولو كان نوراً لم يخلُ من أن تحجبه الظلمة والحجاب أو لا يحجبه شيء ، فإن لم يحجبه شيء وجب أن تكون السموات والأرض في جميع الأوقات مضيئة ، وإن حجبه حجاب أو منعه مانع كان كسائر الأنوار. ثمّ إنّ ذلك تحقيق قول الثنوية في زعمهم بالأصلين : النور والظلمة.
قال ابن عبّاس والزجّاج : (الله نُورُ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ)(5) مدبّر أمورهما.
وقال السدّي : بنوره أضاءت السموات والأرض.
__________________
(1) متشابه القرآن 1 / 85.
(2) سورة النور 24 : 35.
(3) سورة الأنعام 6 : 1.
(4) سورة النور 24 : 35.
(5) سورة النور 24 : 35.
  

وقال الضحّاك : به تكوّنت الأشياء.
ويقال : الله واحد في سمائه وأرضه ، ويسمّى الفرد نوراً. قال الإمام الرضا عليه‌السلام : هاد لأهل السماء وهاد لأهل الأرض»(1).
ب ـ في بعض الأحيان يحتاج اللفظ إلى من يصرفه إلى معناه الصحيح. مثلاً : قوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(2) ، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)(3) ، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(4) ، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ...)(5) وغيرها.
فالمعنى الأوّلي المنصرف أنّ العرش معناه الكرسيّ ، والعين معناها الجارحة ، والنظر معناه الرؤية ، واليد معناها الجارحة أيضاً. وهذا يخالف صريح الآيات المحكمة التي دلّت على تنزيه المولى عزّ وجلّ عن التشبيه والتجسيم ، فليس كمثله شيء ، ولا تدركه الأبصار. وفهم هذا التشابه هو صرف اللفظ إلى معناه الصحيح الذي يوافق الآيات المحكمة في تنـزيه الخالق عزّ وجلّ عن التشبيه والتجسيم.
2 ـ وجوه القلب (أو التقديم والتأخير) : يكون التشابه أحياناً بالتقديم والتأخير.
«والقلب على وجوه ، منها تقديم المؤخّر وتأخير المقدّم ، تقول : أكرمني وأكرمته زيدٌ ، أي : أكرمني زيد وأكرمته ... قال تعالى : (ءَاتُونِي
__________________
(1) متشابه القرآن 1 / 92.
(2) سورة طه 20 : 5.
(3) سورة القمر 54 : 14.
(4) سورة القيامة 75 : 22 ـ 23.
(5) سورة المائدة 3 : 64.
  

أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً)(1) تقديره : آتوني قطراً أفرغه عليه ... وتقديم الخبر على الإسم ، قال تعالى : (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(2). وتقديم المفعول على الفاعل ، مثل : زيداً ضربه عمرو ، وقوله تعالى : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)(3) ...»(4).
وفي قوله تعالى : (الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا * قَيِّماً)(5) معناه : «أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً ، والقيم نعت الكتاب. وقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)(6) معناه : وإنّه لقسم عظيم لو تعلمون ، فالعظيم نعتُ القسم»(7).
3 ـ الحذف على تقدير : ومن أوجه التشابه وجود المحذوف الذي لا يعرف وجهه إلا بتقديره.
«وعادة العرب النقصان في موضع الكفاية حتّى تغني الإشارة ، فيسمّى إيجازاً وحذفاً واقتصاراً وقصراً وإضماراً ، وإنّما جاز ذلك إذا كانت دلالة فيما أبقوا على ما ألقوا ، نحو : البُرّ الكرّ بستّين ، أي بستّين ديناراً ، أو بأن يستحيل إجراء الكلام على الظاهر فلا يصحّ دون المحذوف ، نحو قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)(8) أي أهلها ، وقوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ
__________________
(1) سورة الكهف 18 : 96.
(2) سورة الروم 30 : 47.
(3) سورة يس 36 : 39.
(4) متشابه القرآن 2 / 270.
(5) سورة الكهف 18 : 1ـ 2.
(6) سورة الواقعة 56 : 76.
(7) متشابه القرآن 2 / 242.
(8) سورة يوسف 12 : 82.
  

مَعْلُومَاتٌ)(1) أي وقته ، وقوله : (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)(2) أي حبّه(3) ، وقوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ)(4) أي جاء أمر ربّك ، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، والحذف في أمثاله جائز إذا كان هناك مانعٌ عن الجري على الظاهر»(5). 4 ـ العموم والخصوص : يكون اللفظ أحياناً عامّاً ولكن يراد منه بعض أفراده ، وهذا من التشابه. مثلاً قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(6) ، «فألفاظ الآية عامّة والمزكّي في الركوع كان عليّاً عليه‌السلام. وقوله : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)(7) والقائل نعيم بن مسعود. وقوله تعالى : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء)(8) وإنّما دمّرت قوم عاد. وقوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(9) ولا يجوز قطع كلّ سارق ، نحو سارق حبّة من حرز أو سارق دينار من غير حرز»(10).
وفي قوله تعالى : (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)(11) : «يجب تخصيص هذا الظاهر على نجاستهم ، فتحمّل الآية
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 197.
(2) سورة البقرة 2 : 93.
(3) متشابه القرآن 2 / 266.
(4) سورة الفجر 89 : 22.
(5) متشابه القرآن 1 / 82.
(6) سورة المائدة 5 : 55.
(7) سورة آل عمران 3 : 173.
(8) سورة الأحقاف 46 : 25.
(9) سورة المائدة 5 : 38.
(10) متشابه القرآن 2 / 277.
(11) سورة المائدة 5 : 5.
  

على غير الذبائح والمائعات ، على أنّ في طعام أهل الكتاب ما فيه خمر ولحم خنـزير ، فلابدّ من إخراجه من هذا الظاهر. وقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)(1) يدلّ على أنّ كلّ طعام عالجه الكفّار فهو حرام ، ولفظ الطعام إذا اُطلق انصرف إلى الحنطة»(2).
ملحوظة :
إنّنا في الوقت الذي انتقدنا فيه بعض المباني التفسيرية لبعض المفسّرين الأجّلاء كإيرادهم الروايات الضعيفة ، أو عدم البحث عن الأسانيد ، أو إقحام المباني الإشراقية في تقريب المعاني ، إلاّ أنّنا نكنّ أشد الإحترام والتجليل لعلمائنا الأعلام الذين بذلوا مهجهم من أجل الاقتراب من معاني الكتاب المجيد وإيصال مفاهيمه العظيمة إلى الأجيال اللاحقة ، ولذا نرجو أن يُفهم النقد الموضوعي بروح علمية تصبّ في مصلحة العلم والدين بالدرجة الأولى ، والله تعالى وحده الموفّق للصواب وحسن الخطاب.
اللهمّ تغمّد أرواح علمائنا الأعلام برحمتك الواسعة ، واحشرهم واحشرنا مع نبيّك محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام ، والحمد لله ربّ العالمين.
__________________
(1) سورة التوبة 9 : 28.
(2) متشابه القرآن 2 / 208.
  
المصادر
1 ـ القرآن الكريم.
2 ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن ، للشيخ محمّد جواد بن حسن البلاغي (ت 1352 هـ).
3 ـ آيات الأحكام ، لمحمّد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي (ت 1028 هـ) ، مجلّد واحد ، الطبعة الأولى ، مكتبة المعراجي ، طهران ، إيران 1394 هـ.
4 ـ الإتقان في علوم القرآن ، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن السيوطي الشافعي (ت 911 هـ) ، مطبعة البابي الحلبي ، مصر.
5 ـ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، لأبي عبد الله محمّد بن محمّد ابن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هـ) ، تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ، قم ، إيران 1413 هـ.
6 ـ الاستيعاب ، لأبي عبد البّر يوسف بن أحمد بن عبد الله القرطبي (ت 363 هـ) ، دار الجيل ، بيروت 1412 هـ.
7 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، لمحمّد باقر المجلسي (ت 1111 هـ). الطبعة القديمة. إيران على الحجر.
8 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، لمحمّد بن باقر الشيخ محمّد تقي بن ملاّ مقصود علي المجلسي الأصبهاني (ت 1111 هـ) ، الطبعة الثانية ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت ، لبنان 1403 هـ.
9 ـ البرهان في تفسير القرآن ، لهاشم بن سليمان الحسيني البحراني (ت 1107 هـ) ، تصحيح وتعليق مؤسّسة البعثة قسم الدراسات الإسلامية ، تقديم محمّد مهدي الآصفي ، قم 1414 هـ.
10 ـ البيان في تفسير القرآن ، للسيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1413 هـ) ، دار الزهراء عليها‌السلام ، بيروت.
11 ـ تاريخ القرآن ، لأبي عبد الله الزنجاني ، منظّمة الإعلام الإسلامي ، طهران 1404 هـ.
12 ـ تاريخ اليعقوبي ، لأحمد بن أبي يعقوب (ت 284 هـ) ، دار صادر ، بيروت.
13 ـ تفسير آيات الأحكام ، لمحمّد حسين الطباطبائي اليزدي (ت 1386 هـ) ، مجلّد واحد ، الطبعة الأولى ، مطبعة النجف الأشرف ، 1385 هـ.
14 ـ تفسير الأصفى ، للفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) ، طبعة حجرية ، قم 1350 هـ.
15 ـ تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن بن علّي المعروف بالشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ، مطبعة النعمان ، النجف 1376 هـ.
16 ـ تفسير الشيخ المفيد المستخرج من تراثه ، لمحمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هـ) ، مكتب الإعلام الإسلامي ، قم 1415 هـ.
17 ـ تفسير الصافي ، للفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) ، مؤسّسة الهادي ، قم 1416 هـ.
18 ـ تفسير الطبري ، لمحمّد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1412 هـ.
19 ـ تفسير العيّاشي ، لمحمّد بن مسعود التميمي الكوفي السمرقندي (ت 320 هـ) ، المكتبة العلمية ، طهران بدون تاريخ.
20 ـ تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) ، لمحمّد بن عمر فخر الدين الرازي (ت 606 هـ) ، تحقيق : خليل محيي الدين ، دار الفكر ، بيروت 1414 هـ.
21 ـ تفسير القرآن الكريم ، لمحمّد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي المعروف بـ : صدر المتألّهين (ت 1050 هـ) ، تصحيح محمّد خواجوي ، تقديم فخيم مبسوط ، ترجمة المؤلّف لمحسن بيدارفر ، انتشارات بيدار ، قم 1408 هـ.
22 ـ تفسير القرطبي ، لمحمّد بن أحمد الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ) ، دار الكتب العلمية بيروت 1417 هـ.
23 ـ تفسير القمّي ، لعليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي (ت بعد سنة 307 هـ) ، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر ، قم 1409 هـ.
24 ـ تفسير المنار ، لمحمّد رشيد رضا ، مطبعة المنار ، القاهرة 1345 هـ.
25 ـ تفسير جوامع الجامع ، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ) ، دار الأضواء ، بيروت 1405 هـ.
26 ـ تفسير سورة التوحيد ، للشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (ت 1241 هـ) ، تحقيق وتقديم السيّد طالب الرفاعي ، مطبوعة بدون ذكر اسم أو تاريخ النشر.
27 ـ تفسير سورة الحمد (العروة الوثقى) ، للشيخ البهائي (ت 1031 هـ) ، تحقيق : أكبر إيراني قمّي ، دار القرآن الكريم ، قم 1412 هـ.
28 ـ تفسير فرات الكوفي ، لفرات الكوفي (ت 352 هـ) ، وزارة الإرشاد ، طهران 1410 هـ.
29 ـ تفسير نور الثقلين ، للشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي الحويزي (ت 1112 هـ) ، تصحيح السيّد هاشم الرسولي المحلاّتي ، مطبعة الحكمة ، قم 1383 هـ.
30 ـ تنقيح المقال في علم الرجال ، للشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351 هـ) ، تحقيق : محيي الدين المامقاني ، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ، قم 1423 هـ.
31 ـ توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل ، لشهاب الدين أحمد بن جلال الدين عبدالله الإيجي (من أعلام القرن التاسع). مخطوطة. دار الكتب الوطنية بشيراز رقم 543.
32 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للمفيد ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي (ت 460 هـ) ، دار التعارف ، بيروت 1401 هـ.
33 ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، لأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (ت 310 هـ) ، بيروت بدون تاريخ.
34 ـ الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين ، للسيّد عبد الله شبّر (ت 1242 هـ). مكتبة الألفين ، الكويت 1407 هـ.
35 ـ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي الشافعي (ت 911 هـ) ، المطبعة الميمنية ، مصر 1314 هـ.
36 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، لمحمّد محسن الشهير بآغا بزرك الطهراني (ت هـ) ، مؤسّسة إسماعيليان ، الطبعة الثالثة ، قم 1408 هـ.
37 ـ رجال ابن داود ، لتقيّ الدين الحسن بن عليّ بن داود (ت 707 هـ) ، جامعة طهران ، طهران 1383 هـ. ش.
38 ـ رجال النجاشي ، لأبي العبّاس أحمد بن عليّ النجاشي (ت 450 هـ) ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم 1416.
39 ـ روضات الجنّات في أحوال العلماء السادات ، لمحمّد باقر بن السيّد زين العابدين الخونساري (ت 1313 هـ) ، الطبعة الثانية ، طبع في ثمانية أجزاء في إيران.
40 ـ زبدة البيان في أحكام القرآن ، لأحمد بن محمّد المشهور بالمقدّس الأردبيلي (ت 993 هـ) ، مجلّد واحد ، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ، طهران.
41 ـ سعد السعود ، لعليّ بن موسى بن طاووس (ت 664 هـ) ، المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف 1369 هـ.
42 ـ سنن ابن ماجة ، لمحمّد بن يزيد القزويني (ت 275 هـ) ، تحقيق : محمّد فؤاد عبد الباقي ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
43 ـ سنن الترمذي ، لأبي عيسى محمّد بن عيسى بن سورة (ت 279 هـ) ، تحقيق : أحمد محمّد شاكر ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
44 ـ سنن الدارمي ، لأبي محمّد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت 255 هـ) ، تحقيق : مصطفى ديب البغا ، دار القلم 1412 هـ.
45 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، عزّ الدين عبد الحميد (ت 656 هـ) ، دار إحياء التراث ، بيروت 1387 هـ.
46 ـ الشيعة وفنون الإسلام ، للسيّد حسن الصدر (ت 1354 هـ) ، مؤسّسة النعمان ، بيروت 1991 م.
47 ـ الصحاح : تاج اللغة وصحاح العربية ، لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (ت 393 هـ) ، تحقيق : أحمد عبد الغفور عطّار ، دار العلم للملايين ، بيروت 1979 م.
48 ـ صحيح مسلم ، لمسلم بن الحجّاج القشيري (ت 261 هـ) ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان.
49 ـ الصّدّيق الأكبر ، للسيّد زهير الأعرجي ، قم المشرّفة.
50 ـ صيانة القرآن من التحريف ، لمحمّد هادي معرفة ، دار القرآن الكريم ، قم ، إيران 1410 هـ.
51 ـ العقد الفريد ، لأبي عمر أحمد بن عبد ربّه الأندلسي (ت 328 هـ) ، دار الأندلس ، بيروت 1408 هـ.
52 ـ الفرقان في تفسير القرآن ، للشيخ علي الروحاني النجف آبادي (ت 1415 هـ) ، طبع المجلّد الأوّل في مطبعة الآداب ، النجف الأشرف : 1972 م ، والثاني في قم بدون تاريخ ، وبقية المجلّدات غير مطبوعة.
53 ـ الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة ، للشيخ محمّد صادقي الطهراني ، مؤسّسة الوفاء ، بيروت 1405 هـ.
54 ـ الفوائد الرضوية ، للشيخ عبّاس القمّي (ت 1359 هـ) ، المكتبة المركزية 1327 هـ.
55 ـ الفهرس ، لأبي الفرج محمّد بن إسحاق النديم الكاتب الورّاق البغدادي (ت 385 هـ) ، مطبعة جامعة طهران ، طهران 1391 هـ.
56 ـ الفهرس ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت 460 هـ) ، النشر الإسلامي ، قم 1417 هـ.
57 ـ القاموس المحيط ، لمحمّد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت 817 هـ). دار الفكر ، بيروت 1403 هـ.
58 ـ الكاشف ، للشيخ محمّد جواد مغنية (ت 1400 هـ) ، دار العلم للملايين ، بيروت 1981 م.
59 ـ الكافي في الفروع والأصول ، لمحمّد بن يعقوب الكليني (ت 329 هـ) ، دار الكتب الإسلامية ، طهران.
60 ـ كتاب سليم بن قيس ، لسليم بن قيس الهلالي العامري (ت حوالي 90 هـ) ، تحقيق : محمّد باقر الأنصاري ، مطبعة الهادي ، قم ، إيران 1415 هـ.
61 ـ كنز الدقائق وبحر الغرائب ، للميرزا محمّد المشهدي (ت 1125 هـ) ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين ، قم 1407 هـ.
62 ـ كنز العرفان في فقه القرآن ، لجمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري (ت 826 هـ) ، مجلّدان ، الطبعة الأولى ، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ، طهران سنة 1384 هـ.
63 ـ كنـز العمّال من سنن الأقوال والأفعال ، لعلاء الدين المتّقي الهندي (ت 975 هـ) ، جمعية دائرة المعارف العثمانية ، حيدرآباد 1369 هـ.
64 ـ لسان العرب ، لجمال الدين محمّد بن مكرم بن منظور المصري (ت 711 هـ) ، منشورات أدب الحوزة ، قم 1405 هـ.
65 ـ لسان الميزان ، لابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ). دار الفكر ، بيروت 1987 م.
66 ـ المبسوط ، لمحمّد بن أحمد السرخسي (ت 483 هـ). دار المعرفة ، بيروت.
67 ـ متشابه القرآن ، لابن شهرآشوب (ت 588 هـ) ، دار بيدار للنشر قم 1369 هـ.
68 ـ مجلّة تراثنا ، مجلّة فصلية تصدر عن مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام في قم المشرفة.
69 ـ مجمع البحرين ، للشيخ الطريحي (ت 1085 هـ) ، مكتب نشر الثقافة الإسلامية ، طهران.
70 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ). دار إحياء التراث الإسلامي ، بيروت.
71 ـ مسالك الأفهام في آيات الأحكام ، لفاضل الجواد الكاظمي (المتوفّى في القرن الحادي عشر) ، أربع مجلّدات ، الطبعة الثانية ، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية ، طهران 1407 هـ.
72 ـ المستدرك ، للحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) ، دار المعرفة ، بيروت بدون تاريخ.
73 ـ معاني الأخبار ، لأبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالشيخ الصدوق (ت 381 هـ) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم ، إيران 1361 هـ. ش.
74 ـ معجم رجال الحديث ، للسيّد أبو القاسم الخوئي (ت 1411 هـ) ، مركز نشر الثقافة الإسلامية ، قم 1992 م.
75 ـ مفاتيح الغيب ، لصدر الدين الشيرازي (ت 1050 هـ) ، تصحيح وتقديم محمّد خواجري ، مؤسّسة مطالعات وتحقيقات فرهنكي ، طهران 1363 هـ. ش.
76 ـ مقتنيات الدرر وملتقطات الثمر ، لمير سيّد علي الحائري الطهراني (ت 1340 هـ) ، دار الكتب الإسلامية ، طهران 1377 ـ 1381 هـ.
77 ـ مناقب آل أبي طالب ، لمحمّد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني (ت 588 هـ). المطبعة العلمية ، قم بدون تاريخ.
78 ـ المناقب ، للموفّق بن أحمد بن محمّد المكّي الخوارزمي (ت 568 هـ) ، النشر الإسلامي ، قم 1414 هـ.
79 ـ مواهب الرحمن في تفسير القرآن ، للسيّد عبد الأعلى الموسوي السبزواري (ت 1414 هـ) ، مطبعة الآداب ، النجف ، عراق 1404 هـ.
80 ـ ميزان الاعتدال ، لمحمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ). دار المعرفة ، بيروت 1382 هـ.
81 ـ الميزان في تفسير القرآن ، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) ، الأعلمي ، بيروت 1973 م.
82 ـ مؤلّفوا الشيعة في صدر الإسلام ، للسيِّد عبد الحسين شرف الدين (ت 1377 هـ) ، مكتبة النجاح ، طهران.
83 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي (ت 406 هـ). ضبط : صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1411 هـ.
84 ـ نهج البلاغة ، شرح محمّد عبده ، طبعة بيروت.
85 ـ نهج الحق وكشف الصدق ، لجمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت 726 هـ). دار الهجرة ، قم 1407 هـ.
86 ـ وسائل الشيعة ، لمحمّد بن الحسن الحّر العاملي (ت 1104 هـ) ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1403 هـ.
87 ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، لأحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلّكان الشافعي (ت 681 هـ) ، طهران : نسخة خطّية في مكتبة سبهسالار رقم 8190.
88 ـ ينابيع المودّة ، لسليمان بن إبراهيم القندوزي (ت 1294 هـ) ، دار الأُسوة قم 1416 هـ.

__________________
(1) آلاء الرحمن 1/49.

المصدر: زهير الأعرجي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
1701
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :