معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

مكانة العقل في التشريع ..

مكانة «العقل» في التشريع

بسم الله الرحمٰن الرحيم

     اتّفق علماء المسلمين علىٰ حرمة ممارسة الإنسان للتشريع في قبال الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسُنّة ؛ إذ أجمعوا ـ ولو نظريّاً ـ علىٰ أنّه لا اجتهاد في مقابل النصّ ، إلّا أنّهم اختلفوا بعد ذلك في تحديد موقع العقل في الشريعة علىٰ ثلاثة أقوال :
الأوّل : جواز رجوع الفقيه إلىٰ العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للتشريع في طولِ الكتاب والسُنّة ، لمعرفة أحكام الموضوعات التي لم يرد نصّ من الشارع لبيان حكمها الشرعي .
الثاني : جواز اتّخاذ العقل طريقاً كاشفاً عن الأحكام الشرعية التي لا نجد دليلا عليها من الآيات والروايات . 
الثالث : حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها المتمثّلة في الكتاب والسُنّة .
وسوف نتعرّض في ما يلي لكلّ من هذه الأقوال بالبحث والنقد ، ونحاول أن نتعرَّف أيّها الحقيق بالاتّباع . .

أمّا القول الأوّل :
فهو يمثّل اتّجاهاً لدىٰ بعض فقهاء أهل السُنّة ، يفسح المجال لتدخّل العقل في التشريع ، بذريعة عدم بيان الشريعة لأحكام جميع الموضوعات ، وهذا الاتّجاه هو المعروف بـ : « اجتهاد الرأي » ، في قبال التعبّد بالنصوص وعدم الانسياق وراءَ الرأي والتقدير الشخصي في مجال تحديد الأحكام ، الذي كان عليه أئمة أهل البيت عليهم‌السلام والسائرون علىٰ هداهم . .
قال ابن حزم : « فكان ممّا حدث بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعة أشياء غلط فيها القوم فتديّنوا بها ، ووفّق الله تعالىٰ آخرين لإسقاط القولِ بها ، ويسّرهم للثبات علىٰ ما بيّنه تعالىٰ في كتابه وعلىٰ لسانِ رسوله ، وتلك الأشياء التي حدثت هي : الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد .
فكان حدوث الرأي في القرن الأوّل . . . وحقيقة معنىٰ لفظ الرأي الذي اختلفنا فيه هو : الحكم في الدين بغير نصّ ، ولكن بما رآه المفتي أحوط وأعدل في التحريم والتحليل أو الإيجاب .
ومَن وقف علىٰ هذا الحدّ وعرف معنىٰ الرأي ، اكتفىٰ في إيجاب المنع منه بغير برهان ؛ إذ هو قول بلا برهان » (1) .
ويمكن إبطال هذا القول بالأدلّة التالية :
الدليل الأوّل :
ما دلّ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة علىٰ انحصار حقّ
__________________
(1) الصادع في الردّ علىٰ من قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، مجلّة
دراسات أُصولية ـ قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) ، ص 237 ـ 238 .

التشريع بالله عزّ وجلّ ، وعلىٰ حرمة تدخّل الإنسان في مجال التشريع ،
ومن ذلك :
1 ـ قوله تعالىٰ : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ
) (1) .
ومن الواضح : أنّ ما أنزله الله سبحانه علىٰ نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منحصر
بالكتاب والسُنّة ، فالآية صريحة في الدلالة علىٰ انحصار التشريع بهما ،
وفي إلحاقِ من يلجأ إلىٰ استمداد الأحكام من غيرهما بالكافرين .
فإن قيل :
إنّ هذه الآية توجب الحكم بما أنزل الله تعالىٰ ، ولكنّها لم تنهَ عن
الأخذ بحكم العقل في ما لم ينزل به من الله حكم .
فالجواب :
إنّ هذا يرد علىٰ فرض وجود وقائع لم ينزل بها حكم شرعي ، وهو
ليس صحيحاً قطعاً ؛ لِما هو ثابت بالعديد من أدلّة الكتاب والسُنّة ـ التي
سنعرض لها عمّا قريب ـ من أنّ أحكام الشريعة شاملة لكلِّ الوقائع ، وأنّه
ما من واقعة إلّا ولله فيها حكم ، والروايات المفسِّرة لهذه الآية (2) تدلّ
علىٰ أنّ المراد : أنّ الأحكام جميعها قد بُلّغت ، وأنّ المخالف لِما بُلّغ
ونَزل في القرآن أو سُنّة النبيّ والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام حاكم بغير ما أنزل
الله تعالىٰ .
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 44 .
(2) سنورد بعضها ضمن عنوان : الدليل الثالث ، من هذا البحث .


2 ـ قوله تعالىٰ عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ õ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (1) .
وهو يؤكّد أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كونه أكمل الخلق وأكرمهم علىٰ الله
سبحانه ، ليس مخوّلاً بإصدار الأحكام استناداً إلىٰ عقله ورأيه الشخصي ،
وإنّما هو مقيّد بتبليغ ما يتلقّاه من ربّه عن طريق الوحي ، فغيره ممّن لا يبلغ
شأوه من الناس أَوْلىٰ بأن يمنع من اتّخاذ رأيه وعقله مصدراً للتشريع .
هذا وقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قوله لهشام بن الحكم : « إنّ لله
علىٰ الناسِ حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل
والأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ، وأمّا الباطنة فالعقول » (2) .
ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا الحديث أنّ العقل يقع في مرتبة النبيّ
والإمام من حيث خصوصيّة كونهما مصدراً للتشريع ؛ فإنّ هذه الخصوصيّة
قد نُفيت عن العقل بالأدلّة التي نسوق بعضها فعلاً في هذا البحث ، وأُثبتت
للحجّة الظاهرة فقط .
قال تعالىٰ : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (3) ،
وقال تعالىٰ : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (4) ،
فأعطىٰ بذلك حقّ الطاعة والتشريع للنبيّ والإمام ، وهما الحجّة الظاهرة ،
وميّزهما بذلك عن الحجّة الباطنة ، أي : العقل .
فلا بُدّ من حمل مراد الشارع بالحديث المذكور علىٰ الجانب
__________________
(1) سورة النجم 53 : 3 و 4 .
(2) الكافي 1 / 16 ح 12 كتاب العقل والجهل .
(3) سورة النساء 4 : 59 .
(4) سورة الحشر 59 : 7 .

العقائدي خاصّة دون التشريعي ، وأنّ الحجّة الباطنة تهدي الإنسان إلىٰ
معرفة ربّه ، وإلىٰ إدراك أنّه ليس بوسعه أن يعرف ما يرضي الله
وما يسخطه ، بل لا بُدّ له من طلب الرسل ليتعرّف منهم دين الله تعالىٰ ،
ويصوغ سلوكه الفردي والاجتماعي في إطار أحكام الدين ، وسيأتي قريباً
ما أقرّه الإمام الصادق عليه‌السلام من « أنّ مَن عَرفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف
أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا برسول ،
فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم
الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضة » (1) .
3 ـ الروايات المتضافرة في مصادر الفريقين التي تنهىٰ عن ( الابتداع )
في الدين ، وهو : إدخال ما ليس من الدين فيه .
فكلّ حكم لم يرد فيه نصّ من الشارع ، لا يجوز لأيّ أحد من الناس
أن يضيفه إلىٰ الشريعة وأن يلزم به المسلمين ؛ لأنّه لو كان مراداً للشارع
المقدّس لجاء به نصٌّ من الكتاب أو السُنّة .
وقد كثرت الروايات التي تذمّ الابتداع وتحذّر منه وتتوعّد عليه ؛ نظراً
لِما ينتج عنه من اختلاط التشريع الإلٰهي بالأحكام الوضعية التي ما أنزل الله
بها من سلطان .
ومن هذه الروايات :
1 ـ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أَحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه ،
فهو ردّ » (2) .

__________________
(1) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(2) كنز العمّال 1 / 219 ح 1101 .


2 ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اتّبعوا ولا تبتدعوا ؛ فقد كفيتم » (1) .
3 ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ألا وكلّ بدعة ضلالة ، ألا وكلّ ضلالة في النار » (2) .
4 ـ قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ما أُحدثت بدعة إلّا ترك بها سُنّة ،
فاتّقوا البِدع ، وٱلزموا المَهْيَع » (3) .
5 ـ قوله عليه‌السلام أيضاً : « إنّما بدءُ الفتن أهواء تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ،
يخالَف فيها كتاب الله ، يُقلّد فيها رجالٌ رجالاً علىٰ غير دين الله » (4) .
الدليل الثاني :
ما دلَّ من الأحاديث علىٰ أنّ الإنسان ليس مكلّفاً بالتشريع ؛ لأنّه
لا يمتلك القدرة علىٰ معرفة ما يرضي الله تعالىٰ وما يسخطه ، وليس لديه
إحاطة بالملاكات الواقعية التي يقوم عليها التشريع وتبتني عليها الأحكام
الإلٰهيّة ، ومن هذه الأحاديث :
1 ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ليس لله علىٰ خلقه أن يعرفوا ،
وللخلقِ علىٰ الله أن يعرّفهم ، ولله علىٰ الخلقِ إذا عرّفهم أن يقبلوا » (5) .
2 ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام في حديث طويل أنّه قال : « بالعقل عرف
العباد خالقهم وأنّهم مخلوقون ، وأنّه المدبِّرُ لهم وأنّهم المدبَّرون ، وأنّه
__________________
(1) كنز العمّال 1 / 221 ح 1112 .
(2) الكافي 1 / 57 ح 22 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة 145 . .
والمَهْيَع : الطريق الواسع المنبسط ، كنايةً عن سعة الشريعة ووفائها بجميع
الأحكام بنحوٍ لا يترك مسوّغاً للابتداع .
(4) نهج البلاغة : الخطبة 50 .
(5) الكافي 1 / 164 ح 1 .

الباقي وهم الفانون . . .
قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟
قال : إنّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ،
علم أنّ الله هو الحقّ ، وأنّه هو ربّه ، وعلم أنّ لخالقه محبّة ، وأنّ له كراهة ،
وأنّ له طاعة ، وأنّ له معصية ، فلم يجد عقلَه يدلُّه علىٰ ذلك » (1) .
أي : لم يجد عقله يدلّه علىٰ ما يحبّه الله ولا علىٰ ما يكرهه ، حتّىٰ
يعرف العصيان من الطاعة .
3 ـ « عن منصور بن حازم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : . . . إنّ مَن
عَرَفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربِّ رضاً وسخطاً ، وأنّه
لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا بوحي أو رسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد
ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة
المفترضة . . . فقال عليه‌السلام : رحمك الله » (2) .
الدليل الثالث :
ما دلَّ من الآيات والروايات علىٰ إكمال الدين ووفاء النصوص
الشرعية ببيان أحكام جميع الموضوعات ، وأنّه ما مِن واقعة إلّا وللهِ فيها
حكم ، ومنها :
1 ـ قوله تعالىٰ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا
) (3) .
__________________
(1) الكافي 1 / 29 كتاب العقل والجهل .
(2) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(3) سورة المائدة 5 : 3 .


2 ـ قوله تعالىٰ : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (1) .
3 ـ قوله تعالىٰ : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (2) .
4 ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما مِن شيء إلّا وفيه كتاب أو
سُنّة » (3) .
5 ـ قول الإمام الباقر عليه‌السلام : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يدع شيئاً تحتاج
إليه الأُمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجعل لكلِّ شيء
حدّاً ، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل علىٰ مَن تعدّىٰ ذلك الحدِّ
حدّاً » (4) .
6 ـ ما ورد عن سماعة ، أنّه سأل الإمام عليّ بن موسىٰ الرضا عليه‌السلام :
« أكلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو تقولون فيه ؟
فقال : بل كلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه » (5) .
7 ـ « عن الإمام الرضا عليه‌السلام : فمَن زعمَ أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل
دينه ، فقد ردَّ كتاب الله ، ومَن ردَّ كتاب الله فهو كافر » (6) .
8 ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام وهو يتحدّث عن شمول الشريعة :
« فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيءٍ يحتاج إليه الناس ، حتّىٰ الأرش في
الخدش » (7) .
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 38 .
(2) سورة النحل 16 : 89 .
(3) الكافي 1 / 59 ح 4 .
(4) الكافي 1 / 59 ح 2 .
(5) الكافي 1 / 62 ح 10 .
(6) معاني الأخبار : 96 .
(7) بصائر الدرجات : 198 ، باب 12 في الأئمّة أنّ عندهم الصحيفة الجامعة ح 4 ،
الكافي 1 / 339 كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة ح 1 .

 
 
ويتحصّل ممّا تقدّم :
أوّلا : إنّ النصوص الواردة في الدليل الأوّل ، تدلّ علىٰ حرمة اتّخاذ
العقل مصدراً مستقلّاً للتشريع .
ثانياً : إنّ نصوص الدليل الثاني توضّح علّة هذا التحريم ، وأنّها عدم
قدرة العقل علىٰ إدراك ملاكات الأحكام من المصالح والمفاسد ، بل إنّ
تكليف الإنسان بمعرفة الأحكام غير معقول ؛ لأنّه تكليف بغير المقدور .
ثالثاً : إنّ نصوص الدليل الثالث تثبت عدم الحاجة أصلاً إلىٰ
العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للأحكام في طولِ الكتاب والسُنّة ؛ لأنّها
تنصّ علىٰ وفاء الشريعة بأحكام جميع الوقائع ، وتنقض الأساس الذي
استند إليه أصحاب القول الأوّل ، من عدمِ توفّر البيان الشرعي لأحكام
بعض الوقائع .
وقد كان أصحاب القول بالرأي علىٰ وعي بأنّ الذهنية الإسلامية
لا تستسيغ تدخّل الإنسان في التشريع ، ولا ترتضي تحكيم العقل في قبال
النصوص الشرعية ، ولأجل ذلك حاولوا إقناع هذه الذهنية بأنّ هناك أحكاماً
لم توضّحها النصوص ، الأمر الذي يضطرّنا إلىٰ الاستعانة باجتهاد الرأي
لسدِّ الفراغ الحاصل في أدلّة الأحكام .
وقد كان عمر بن الخطّاب هو رائد اتّجاه تحكيم الرأي في مجال
التشريع ، الأمر الذي تفطّن له وأقرّ به كثير من الباحثين ، ومنهم :
1 ـ الدكتور محمّد رواس قلعه‌چي ؛ فقد قال في مقدّمة كتابه من
موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي
: « إنّ الأُستاذ لمدرسة الرأي هو عمر
ابن الخطّاب ؛ لأنّه واجه من الأُمور المحتاجة إلىٰ التشريع ما لم يواجهه


خليفة قبله ولا بعده » (1) .
2 ـ الدكتورة نادية العمري ؛ فقد قالت : « لم يكن الاجتهاد بالرأي
والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعةً ابتدعها التابعون المقيمون
في العراق ، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة ، منهم
عمر بن الخطّاب » (2) .
3 ـ الأُستاذ أحمد أمين ؛ الذي قال : « بل يظهر لي أن عمر كان
يستعمل الرأي في أوسع من المعنىٰ الذي ذكرناه ؛ ذلك أنّ ما ذكرناه هو
استعمال الرأي حيث لا نصَّ من كتاب ولا سُنّة ، لكنّنا نرىٰ عمر سار أبعدَ
من ذلك ، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو
الحديث ، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه ، وهو أقرب شيء إلىٰ
ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته » (3) .
وقد كان عمر بن الخطّاب يتحدّث عن نقص الأدلّة الشرعية وكأنّه أمر
مفروغ عنه ، « قال الشعبي : قال لي عمر بن الخطّاب : ما في كتاب اللهِ
وقضاءِ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاقضِ به ، فإذا أتاك ما ليس في كتاب اللهِ ولم يقضِ به
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما قضىٰ به أئمّة العدل ، وما لم يقضِ به أئمّةُ العدل ، فأنت
بالخيار ، إن شئت أن تجتهد رأيك ، وإن شئت تؤامرني ، ولا أرىٰ مؤامرتك
إيّاي إلّا أسلم لك » . أخرجه وكيع في أخبار القضاة ( 2 / 189 ) » (4) .
وقد عمد القائلون بالرأي إلىٰ دعم ما يذهبون إليه ببعض الروايات ،

__________________
(1) موسوعة فقه السلف 1 / 85 .
(2) اجتهاد الرسول : 321 .
(3) فجر الإسلام : 238 .
(4) روضة الناظر وجنّة المناظر 1 / 11 مقدّمة المحقّق .

ومنها :
õ أوّلاً : حديث يرويه « الحارث بن عمرو ، عن رجال من أصحاب
معاذ ؛ أنّ النبيّ لمّا بعثه إلىٰ اليمن ، قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟
قال معاذ : أقضي بكتاب الله .
قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟
قال معاذ : فبسُنّة رسول الله .
قال : فإن لم يكن في سُنّة رسول الله ؟
قال معاذ : أجتهد رأيي .
قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحمدُ لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله
إلىٰ ما يرضي رسولَ الله » (1) .
ويلاحظ علىٰ هذا الحديث :
˜ أوّلاً : مناقشة العلماء في سنده ؛ فقد ذكروا فيه : أنّه ضعيف من
جهتين (2) :
الأُولىٰ : أنّه مرسل لا حجّة فيه ؛ لأنّه مرويّ عن أُناس من أهل
حمص غير معروفين .
والأُخرىٰ : أنّ راويه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة هو
نفسه مجهول أيضاً . .
قال ابن الجوزي : « هذا حديث لا يصحّ . . . لأنّ الحارث بن عمروٍ
__________________
(1) مسند أحمد 5 / 236 ، سُنن الترمذي 3 / 616 ح 1327 وح 1328 ، سُنن
أبي داود سليمان بن الأشعث 3 / 303 ح 3592 .
(2) أُصول الفقه 3 / 193 .


مجهول ، وأصحاب معاذٍ من أهل حمص لا يُعرفون ، وما هذا طريقه
لا وجه لثبوته » (1) .
وقال ابن حزم : « لا يصحّ ؛ لأنّ الحارث مجهول ، وشيوخه
لا يُعرفون ، فلا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه ، وهو باطل لا أصل له » (2) .
˜ ثانياً : إنّ هذا الحديث معارَض بحديث آخر رواه ابن ماجة في
الواقعة نفسها بسنده « عن معاذ ، قال : لمّا بعثني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلىٰ اليمن
قال : لا تقضينَّ ولا تفصلنَّ إلّا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر فقف حتّىٰ
تتبيّنه ، أو تكتب إليَّ فيه » (3) .
ويعضد هذا الحديث موافقته لآيات الكتاب المتقدّمة ، التي
تحرّم علىٰ الإنسان ممارسة التقنين ، وتصرّح بانحصار حقّ التشريع
بالله عزّ وجلّ .
˜ ثالثاً : إنّ السيرة العملية لمعاذ تكذِّب هذا الحديث ؛ فقد روىٰ
مالك في موطّئه : « أنّ معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ،
ومن أربعين بقرة مسنّة ، وأُتي بما دون ذلك ، فأبىٰ أن يأخذ منه شيئاً ،
وقال : لم أسمع من رسول الله فيه شيئاً ، حتّىٰ ألقاه فأسأله » (4) . .
فسيرة معاذ في اليمن لم تكن قائمة علىٰ اجتهاد الرأي ، وإنّما كانت
علىٰ التوقّف ومراجعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ما لا يعلم حكمه ، تطبيقاً لِما أوصاه
به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرواية التي تقدّم ذكرها عن ابن ماجة .
__________________
(1) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 2 / 758 ح 1264 .
(2) الإحكام في أُصول الأحكام 6 / 373 .
(3) سُنن ابن ماجة 1 / 21 ح 55 .
(4) الموطّأ 1 / 260 باب : ما جاء في صدقة البقر .

˜ رابعاً : إنّه حديث واضح الاختلاق ؛ إذ كيف يُعقل أن يقرّ
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكرة نقص الشريعة ! وكيف يرضىٰ لواليه أن يتدخّل
في التشريع ، مع تصريح الآية الكريمة بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه لا ينطق عن
الهوىٰ ، وأنّ ما يبلّغه منحصر بما يتلقّاه وحياً من الله عزّ وجلّ ؟ !
õ ثانياً : حديث رواه أبو داود ، قال : « حدّثنا إبراهيم بن موسىٰ ،
حدّثنا عيسىٰ ، حدّثنا أُسامة ( هو ابن زيد ) ، عن عبيد الله بن أبي رافع ،
قال : سمعت أُمّ سلمة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : أنا أقضي بينكم برأيي
في ما لم ينزل علَيَّ فيه » (1) .
وردّه ابن حزم بقوله : « أمّا حديث أُمّ سلمة فساقط لوجوه :
أوّلها : أنّه لا يصحّ ؛ لأنّ راويه أُسامة بن زيد ضعيف ؛ أيَّ الأُسامتين
كان : أُسامة بن زيد الليثي ، أو أُسامة بن زيد بن أسلم .
والثاني : إنّ رأي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقّ مقطوع به ؛ وليس رأي غيره
كذلك ، قال الله عزّ وجلّ : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّـهُ
) (2) . . . فوضح أنّ معنىٰ قوله : ( في ما لم ينزل عليه
فيه ) إنّما هو ممّا لم ينزل عليه فيه قرآن ، فيحكم بما أراه الله تعالىٰ من
الوحي ، فبطل تعلّقهم بهذا الخبر لو صحَّ ، وهو لا يصحّ » (3) .
أقول :
لو صحَّ هذا الحديث لا يبطل تعلّقهم به ؛ لأنّ ما لم ينزل عليه
__________________
(1) سُنن أبي داود 3 / 302 كتاب الأقضية ح 3585 .
(2) سورة النساء 4 : 105 .
(3) الصادع : 246 ـ 247 .


فيه شيء شامل لكلّ من الكتاب والسُنّة ، إذ كلّ منهما وحي نازل من
الله عزّ وجلّ ، ولو كان يريد بالنازل خصوص القرآن ، لَما قال : ( أقضي
بينكم برأيي ) الظاهر في إرادة الرأي الشخصي ، ولقال : أقضي بينكم بما
أراني الله .
ولكنّ الرواية ليست صحيحة ، لا لِما ذكره من ضعف سندها فقط ،
وإنّما لمنافاتها لآيات الكتاب الصريحة في أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتقوّل علىٰ الله :
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ õ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) .
ويلاحظ :
أنّ أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام وقفوا موقفاً حاسماً من اتّجاه الرأي ،
وشجبوه شجباً قاطعاً ، وأكّدوا في أحاديثهم ما نصّ عليه كتاب الله من كمال
الدين ، وعدم جواز تدخّل الإنسان في الأحكام بالزيادة والنقصان . .
روىٰ : « حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سأله سَوْرة
ـ وأنا شاهد ـ فقال : جعلت فداك بمَ يفتي الإمام ؟ قال : بالكتاب . قال :
فما لم يكن في الكتاب ؟ قال : بالسُنّة . قال : فما لم يكن في الكتاب
والسُنّة ؟ فقال : ليس من شيء إلّا في الكتاب والسُنّة » (1) .
وعن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال : « لو حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ مَن
قبلنا ، ولكنّنا حدّثنا ببيّنة من ربّنا ، بيّنها لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبيّنها لنا » (2) .
« وفي هذا الحديث الشريف عبرة لمَن اعتبر ؛ لأنّه إذا كان هذا حال
المعصوم لو اعتمد في استنباط الأحكام علىٰ رأيه وٱجتهاده من غير نصّ ،
__________________
(1) بصائر الدرجات : 408 .
(2) بصائر الدرجات : 319 .

مع عصمته المانعة من الخطأ ، فكيف حال من يترك النصّ لاجتهاد ورأي
ضعيف يعترف بأنّه يحتمل الخطأ والصواب ؟ ! » (1) .
وبينما يقول أصحاب الرأي : إنّ للمجتهد أجرين في حال الإصابة ،
وأجراً واحداً في حال الخطأ ، نجد الإمام الصادق عليه‌السلام ـ وقد سأله
أبو بصير : ترِد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنّة ، فننظر
فيها ؟ ـ يقول : « لا ، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت علىٰ
الله عزّ وجلّ » (2) .
وقد استحوذت فكرة قصور النصوص الشرعية عن الوفاء بأحكام
جميع الوقائع علىٰ أذهان أصحاب هذا الاتّجاه ، فأصبحوا يناقشون أتباع
خطّ الإمامة المتعبّدين بالنصوص ويحاولون إحراجهم بذِكر قضايا يتوهّمون
أنّه لا نصَّ شرعياً فيها ، فكانوا يتلقّون منهم إجابات حاضرة ومحكمة
تجعلهم لا يحيرون جواباً .
ومن شواهد ذلك : ما جاءَ في رجال الكشّي عن حريز ، « قال :
دخلت علىٰ أبي حنيفة وعنده كتب كانت تحول في ما بيننا وبينه ، فقال :
هذه الكتب كلّها في الطلاق .
قلت : نحن نجمع هذا كلّه في حرف .
قال : وما هو ؟
قلت : قوله تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ
) (3) .
__________________
(1) هداية الأبرار : 142 .
(2) الكافي 1 / 56 ح 11 ، وسائل الشيعة 27 / 40 ح 33156 .
(3) سورة الطلاق 65 : 1 .


فقال لي : وأنت لا تعلم شيئاً إلّا برواية ؟
قلت : أجل .
قال : ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته ألف درهم فأدّىٰ تسعمئة
وتسعة وتسعين ، ثمّ أحدث ( يعني : الزنا ) كيف تحدّه ؟
قلت : عندي حديث ؛ حدّثني محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام :
أنّ عليّاً عليه‌السلام كان يضرب بالسوطِ وبثلثه وبنصفه وببعضه وبقدر أدائه .
فقال لي : فإنّي أسألك عن مسألة لا يكون فيها شيء ؛ فما تقول في
جمل أُخرج من البحر ؟
فقلت : إن شاء فليكن جملاً ، وإن شاء فليكن بقرة ، إن كانت عليه
فلوس أكلناه ، وإلّا فلا » (1) .
ويلاحظ :
أنّ مقتضىٰ ما ثبت من حرمة التشريع ، هو ما أكّدته النصوص من
كمال الدين وٱستيعاب الأحكام الشرعية لجميع الوقائع ، ذلك أنّ عدم وفاء
الأدلّة الشرعية بجميع الأحكام ، مع عدم السماح للإنسان بتعيين أحكام
ما ليس عليه دليل شرعي ، يوقع الإنسان في العسر والحرج ، وهو أمر
مخالف للحكمة ، فلا يمكن صدوره من الشارع المقدّس .
ومنه يتّضح : أنّ افتراض عدم مصادمة التشريع العقلي للتشريع
الإلٰهي ؛ وأنّ أحكام العقل تكون في طول التشريع الإلٰهي لا في قباله ، هو
افتراض يقوم علىٰ دعوىٰ نقص الشريعة وعدم وفائها ببيان جميع الأحكام ،
وهي دعوىً ثبت بطلانها بالنصوص الدالّة علىٰ إكمال الدين وأنّه ما من
__________________
(1) اختيار معرفة الرجال ـ للشيخ الطوسي ـ : 448 ح 718 .

واقعة إلّا ولله فيها حكم .
وإذاً ، فاتّخاذ العقل مصدراً للتشريع ، الذي اصطلحوا عليه باجتهاد
الرأي لا يكون إلّا في قبال النصّ ، وهو ما اتّفق المسلمون علىٰ حرمته ، وأنّ
ادّعاء قصر اللجوء إلىٰ العقل علىٰ حالات عدم بيان حكم الواقعة في
الكتاب والسُنّة ، هو ادّعاء لا يُراد به إلّا التغطية علىٰ الهدف الحقيقي
لأصحاب هذا الاتّجاه ، الّذين أرادوا التدخّل في التشريع والتصرّف في
الأحكام عن طريق الإضافة تارة ، والتغيير والتبديل تارة أُخرىٰ .
ولا أدلَّ علىٰ ذلك من أنّ الأحكام التي أصدرها أصحاب هذا
الاتّجاه ، كانت كلّها من نوع الاجتهاد في مقابل النصّ ، وٱستعراض جميع
هذه الأحكام يخرج بنا عن حدود هذا البحث ، فينبغي لنا تقديم نماذج
يسيرة منها ، تاركين لمَن يرغب المزيد متابعة البحث في مظانّه (1) .
فمن نماذج ذلك :
1 ـ تشريع عمر الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة ، أو دفعات في مجلس
واحد ، بأن يقول : أنتِ طالق ثلاثاً ، أو يكرّر لفظ الطلاق بقوله : أنتِ طالق ،
أنتِ طالق ، أنتِ طالق . .
فقد حكم عمر بأنّها تحسب ثلاث تطليقات حقيقية ، فتحرم المرأة
علىٰ زوجها حتّىٰ تنكح زوجاً غيره ، علىٰ الرغم من أنّ الثابت شرعاً أنّ هذا
الطلاق يحسب طلقة واحدة ، وأنّ الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعدّ مثل هذا
الطلاق لعباً بالكتاب ؛ فقد أخرج النسائي « عن محمود بن لبيد ، قال : أُخبر
رسول الله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فقام غضبان ثمّ

__________________
(1) ومنها كتاب النصّ والاجتهاد للعلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين قدس‌سره .


قال : أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ! » (1) .
« وعن ابن عبّاس ، قال : طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد ،
فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله : كيف طلّقتها ؟ قال : طلّقتها
ثلاثاً في مجلس واحد ، قال : إنّما تلك طلقة واحدة ، فارتجعها » (2) .
ومع ذلك أعمل عمر رأيه في هذا الحكم المنصوص ، وٱحتسب مثل
هذا الطلاق ثلاثاً .
« روىٰ مسلم عن ابن عبّاس ، قال : كان الطلاق علىٰ عهد
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ،
فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه
أناة ، فلو أمضيناه عليهم » (3) .
« عن طاووس ، قال : قال عمر بن الخطّاب : قد كانت لكم في الطلاق
أناة فاستعجلتم أناتكم ، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك » (4) .
2 ـ تشريع عمر صلاة ( التراويح ) في شهر رمضان ، وهي ( بدعة )
بنصّ كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وباعتراف عمر نفسه ؛ فقد جاء في مصادر العامّة
الحديثية : أنّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته علىٰ الناس ، وهم يتنفّلون ليلاً
في المسجد النبوي في شهر رمضان ، فرأىٰ أن يجمعهم علىٰ قارئ واحد ،
ليصلّوا النافلة جماعة ، بدلاً من أن يصلّوها فرادىٰ ، فجمعهم علىٰ أُبيّ بن
كعب ، ثمّ اطّلع عليهم ليلة أُخرىٰ وهم يصلّون هذه النافلة في جماعة ،

__________________
(1) سُنن النسائي 6 / 104 ـ 105 ح 3401 ، الدرّ المنثور 5 / 427 .
(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 / 61 ، الدرّ المنثور 1 / 668 .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 10 / 312 .
(4) كنز العمّال 9 / 676 ح 27943 .

فأعجبه ذلك وقال : نِعمَ البدعة هذه (1) .
وقد جاء بعد ذلك فقهاء التبرير ، فقاموا بتقسيم البدعة إلىٰ : بدعة
محمودة وبدعة مذمومة ، والحقّ : إنّ هذا التقسيم إنّما يصحّ في المعنىٰ
اللغوي للبدعة ، وهو : الشيء الحادث المخترع ، تبعاً لكونه نافعاً للفرد
والمجتمع أو ضارّاً بهما ، وأمّا البدعة بالمعنىٰ الشرعي ، فإنّها لا تكون
إلّا مذمومة وغير جائزة ؛ لأنّها تدخّل في التشريع ، وإدخال ما ليس من
الدين فيه .
والذي تؤكّده المصادر : أنّ هناك محاولات جرت في زمن
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لإقامة صلاة التراويح ، وجوبهت برفض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القاطع
لها ، وتصريحه بأنّها بدعة وليست من الدين في شيء .
فقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال : « صوم شهر رمضان
فريضة ، والقيام في جماعة في ليله بدعة ، وما صلّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
في لياليه بجماعة ، ولو كان خيراً ما تركه ، وقد صلّىٰ في بعض ليالي شهر
رمضان وحده ، فقام قوم خلفه ، فلمّا أحسَّ بهم دخل بيته ، فعل ذلك ثلاث
ليالٍ ، فلمّا أصبح بعد ثلاث صعد المنبر ، فحمد الله وأثنىٰ عليه ثمّ قال : أيّها
الناس ! لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان ولا في غيره جماعةً ؛ فإنّها
بدعة ، ولا تصلّوا الضحىٰ ؛ فإنّها بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة
سبيلها إلىٰ النار ، ثمّ نزل وهو يقول : قليل في سُنّة خير من كثير في
بدعة » (2) .
3 ـ تحريم عمر لمتعة الحجّ ومتعة النساء ، مع اعترافه صراحة بثبوت
__________________
(1) صحيح البخاري 2 / 707 كتاب صلاة التراويح .
(2) دعائم الإسلام 1 / 213 .


تشريعهما ؛ إذ خطب الناس يوماً فقال : « متعتان حلالتان كانتا علىٰ عهد
رسولِ الله ، وأنا أنهىٰ عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحجّ ، ومتعة
النساء » (1) .
وفي رواية أُخرىٰ أنّه قال : « أيّها الناس ! ثلاث كنَّ علىٰ عهد
رسول الله ، وأنا أنهىٰ عنهنَّ ، وأُحرّمهنَّ ، وأُعاقب عليهنَّ : متعة الحجّ ،
ومتعة النساء ، وحيَّ علىٰ خير العمل » (2) .
وفي صحيح مسلم : « عن أبي نضرة ، قال : كان ابن عبّاس يأمر
بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهىٰ عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله ،
فقال : علىٰ يدي دار الحديث ، تمتّعنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا قام عمر
( أي : بأمر الخلافة ) قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما يشاء بما يشاء ، وإنّ
القرآن قد نزل منازله ، فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله ، وأبتّوا نكاح هذه
النساء ، فلن أُؤتىٰ برجل نكح امرأةً إلىٰ أجل إلّا رجمته بالحجارة » (3) .
وقد علّق العلّامة المرحوم شرف الدين علىٰ قول عمر : « فأتمّوا الحجّ
والعمرة كما أمركم الله » بقوله : « ما أدري والله ما المراد بهذا الكلام ، فهل
كان رسول الله يتمّ الحجّ والعمرة علىٰ خلاف ما أمر الله ؟ ! وهل كان هو
[ عمر ] ومخاطبوه أعرف منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأوامر الله ونواهيه ؟ ! » (4) .
وأخرج مسلم في صحيحه « عن سعيد بن المسيّب ، قال : اجتمع
عليّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهىٰ عن المتعة والعمرة ، فقال له عليّ :
__________________
(1) التفسير الكبير ، في تفسير قوله تعالىٰ : ( فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) ( سورة
البقرة 2 : 196 ) ، وقوله تعالىٰ : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) ( سورة النساء 4 : 24 ) .
(2) شرح التجريد : 374 أواخر مبحث الإمامة .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 401 باب : في المتعة بالحجّ والعمرة .
(4) النصّ والاجتهاد : 186 الهامش .

ما تريد إلىٰ أمر فعله رسول الله تنهىٰ عنه ؟ ! فقال عثمان : دعنا منك ؛ فقال
عليّ : إنّي لا أستطيع أن أدعك » (1) .
والذي تظهرنا عليه المصادر التاريخية والحديثية التي دُوّنت بأقلام
العامّة ، أنّ أصحاب هذا الاتّجاه كانوا قد بدأوا بممارسة نشاطهم من أجل
التدخّل في التشريع مقابل ما هو ثابت بالنصّ ، في حياة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن
جملة الشواهد التي يمكن تقديمها لإثبات ذلك :
1 ـ اعتراض عمر بن الخطّاب علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إمضائه
صلح الحديبية ؛ إذ قال له : ألستَ نبيَّ الله حقّاً ؟
قال : بلىٰ .
قال : ألسنا علىٰ الحقّ ، وعدوّنا علىٰ الباطل ؟
قال : بلىٰ .
قال : فلِم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟
فقال : إنّي رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري .
قال : أَوَليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّوّف به ؟
قال : بلىٰ ، فأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ !
قال : قلت : لا .
قال : فإنّك آتيه ومطّوّف به » (2) .
ومن هذا النصّ يتبيّن : أنّ عمر كان يعتدّ برأيه ، ولا يتعبّد بفعل
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي لا يصدر إلّا عن الوحي الإلٰهي ، ويحاول جاهداً أن يجد
ثغرةً ينفذ منها لإثبات خطأ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مواقفه .
__________________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 428 .
(2) صحيح البخاري 2 / 978 كتاب الشروط .


2 ـ اعتراض عمر علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما أمرَ أبا هريرة بقوله :
اذهب ، فمَن لقيته يشهد أن لا إلٰه إلّا الله ، مستيقناً بها قلبه ، فبشّرْه بالجنّة .
فكان أوّل من لقيه عمر ، فسأله عن شأنه ، فأخبره بما أمره به
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال أبو هريرة : « فضرب عمر بيده بين ثدييّ ، فخررتُ
لأستي ، فقال : ارجع يا أبا هريرة ! فرجعت إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأجهشت
بكاءً ، وركبني عمر فإذا هو علىٰ أثري . . . فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
يا عمر ! ما حملك علىٰ ما فعلت ؟ !
قال : يا رسول الله ! أبعثت أبا هريرة بأنّ مَن لقي الله يشهد أن لا إلٰه
إلّا الله ، مستيقناً بها قلبه ، فبشّرْه بالجنّة ؟ !
قال : نعم .
قال : فلا تفعل ! فإنّي أخشىٰ أن يتّكل الناس عليها ، فخلِّهم يعملون .
قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فخلِّهم » (1) .
والذي تفيده المصادر : أنّه « لم يكن لهذه المعارضة عنده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيَّ
أثر ، وقد بلَّغ تلك البشرىٰ للأُمّة بنفسه ، فسمعها منه عمر نفسه ، وعثمان
ابن عفّان ، ومُعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وعتبان بن مالك (2) ،
وغيرهم ، حتّىٰ تجاوزت حدّ التواتر ، فكانت من الضروريّات بين
المسلمين ، علىٰ اختلافهم في المذاهب والمشارب » (3) .
ومنه يتّضح : أنّ عبارة : ( قال رسول الله : فخلِّهم ) الواردة في
المصدر ، مُقحمة في النصّ ، وموضوعة علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويُراد بها
__________________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 182 ـ 184 .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 166 ـ 188 .
(3) النصّ والاجتهاد : 183 .

الإيهام بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صحَّح رأي عمر ، ونسب نفسه إلىٰ الخطأ
ـ حاشاه ـ ولأجل ذلك ذهب بعض علماء العامّة ، كـ : النووي ، والقاضي
عيّاض ، إلىٰ القول : « إنّ الصواب في هذه الواقعة كان إلىٰ جانب عمر ،
وٱدّعوا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوّبه حين عرض عليه رأيه » (1) .
والأدهىٰ من ذلك أنّ بعضهم حاول أن يؤسّس علىٰ ذلك قاعدة
مفادها : « إنّ الإمام والكبير مطلقاً ، إذا رأىٰ شيئاً ورأىٰ بعض أتباعه خلافه ،
ينبغي للتابع أن يعرضه علىٰ المتبوع ؛ لينظر فيه ، فإن ظهر له ما قاله التابع
هو الصواب ، رجع المتبوع إليه ، وإلّا بيّن للتابع جواب الشبهة التي عرضت
له .
قلتُ : إنّما يصغىٰ لهذا الكلام إذا لم يكن المتبوع نبيّاً بحقّ ، أمّا إذا
كان نبيّاً فليس لأحدٍ من الأُمّة كافّة إلّا السمع والطاعة والإيمان الخالص من
كلِّ شبهة » (2) .
3 ـ منع عمر من كتابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قُبيل وفاته كتاباً يعصم
الأُمّة من الضلال ، وٱتّهامه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه يهجر ، وهي الحادثة
المعروفة بـ : « رزيّة يوم الخميس » ، وهي جرأة علىٰ مقام
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وٱجتهاد صريح في قبال النصّ ، وتحكيم للرأي
الشخصي علىٰ ما يراه الله ورسوله .
ومن بواعث العجب إصرار بعضهم علىٰ تصحيح موقف عمر
بقولهم : « إنّ عمر كان موفّقاً للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب
إلهام من الله تعالىٰ ! وهذا ممّا لا يصغىٰ إليه في مقامنا هذا ؛ لأنّه يرمي
__________________
(1) النصّ والاجتهاد : 184 ، صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 183 الهامش .
(2) النصّ والاجتهاد : 184 .


إلىٰ أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ ،
وأنّ إلهامه يومئذٍ كان أصدق من الوحي الذي نطق به الصادق
الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (1) .
والملاحظ :
أنّهم يجهدون لحدّ الآن لتصحيح رأي عمر بمثل هذا العذر ، مع أنّ
عمر نفسه يصرّح بأنّه إنّما منع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتابة الكتاب ؛ لعلمه بأنّه
أراد أن يسجّل خطّيّاً ما كان يؤكّده بأقواله من إمامة عليّ عليه‌السلام ومرجعيّته
السياسية والتشريعية للأُمّة من بعده ، وأنّ عمر أدرك أنّ الكتاب سيكون
وثيقة خطّيّة تقف عقبةً في وجه الاجتهاد وإعمال الرأي في أمر الإمامة . .
فقد نقل ابن أبي الحديد عن تاريخ بغداد أنّ عمر سأل ابن عبّاس
عن الإمام عليّ عليه‌السلام : « يا عبد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل
بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصّ عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عمّا يدّعيه ،
فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمره ذرو من
قول لا يثبت حجّة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما ، ولقد
أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ـ يعني عليّاً ـ فمنعتُ من ذلك ؛ إشفاقاً
وحيطة علىٰ الإسلام . . . » (2) .
فهو يرىٰ نفسه أشفق علىٰ الإسلام من الله ورسوله ! ولست أدري أيّة
شفقة تتحقّق في منع رسول الله من كتابة ما يعصم الأُمّة من الضلال ؟ !
__________________
(1) النصّ والاجتهاد : 162 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 12 / 20 ـ 21 .

والذي نخلص إليه من البحث في القول الأوّل :
أوّلاً : إنّ اتّخاذ العقل مصدراً مستقلّاً للتشريع محكوم بالحرمة
شرعاً ، وإنّ الشارع المقدّس قد أكمل الدين وبيّن أحكام جميع الوقائع .
ثانياً : إنّ استعمال العقل والرأي في التشريع لا يكون إلّا في قبال
النصّ ، ما دامت الشريعة قد تكفّلت ببيان أحكام جميع الوقائع ، وإنّ دعوىٰ
اتّخاذ العقل مصدراً للتشريع في طول الكتاب والسُنّة ، وفي خصوص
الأحكام التي لم يبيّنها الشارع ، هي دعوىً باطلة يُراد بها التغطية علىٰ
التدخّل في التشريع ، وخلط الأحكام الإلٰهيّة بالقوانين الوضعيّة ؛ لبطلان
أرضية تلك الدعوىٰ ، وهي : وجود أحكام لم يُبيّنها الشارع ، بل إنّ
الشريعة لم تترك حكماً لم تستوعبه فبقي مهملاً .
وأمّا القول الثاني :
فهو : ما يذهب أصحابه إلىٰ جواز الرجوع إلىٰ العقل بوصفه كاشفاً
مستقلّا عن الأحكام الشرعية ، وهم طائفتان تختلف كلّ منهما عن
الأُخرىٰ ، أوّلاً : في نوعية المسوّغ الذي يَفرِض في رأيها الرجوع إلىٰ العقل
لاكتشاف الحكم الشرعي ، وثانياً : في الطريقة التي تسلكها لاستكشاف
الحكم الشرعي عن طريق العقل .
أمّا الطائفة الأُولىٰ :
فيمثّلها أصحاب القياس ، ويرون : أنّ مسوّغ الرجوع إلىٰ العقل إمّا
عدم توفّر النصّ الشرعي علىٰ حكم الواقعة ، وإمّا عدم حصول العلم
بصدور الدليل علىٰ الحكم من الشارع ؛ ذلك أنّ الروايات المنقولة لنا في


كتب الحديث ـ عدا ما ثبت بالتواتر وبالضرورة من الدين ـ لا طريق للعلم
بصدورها واقعاً من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ منهج نقد السند في إثبات صحّة
الحديث ، لا يثبت صحّة جميع الروايات ليسوغ العمل بها ونسبة مضامينها
إلىٰ الشارع المقدّس ، ومن هنا لا بُدّ من الرجوع إلىٰ العقل لاكتشاف أحكام
الموضوعات التي لا دليل صحيحاً عليها .
وأمّا طريقة اكتشاف الحكم الشرعي عقلاً لدىٰ هذه الطائفة ، فهي التي
اصطلح عليها بـ : « القياس الفقهي » ، وعُرّف بأنّه : « إثبات حكم في محلّ
بعلّةٍ ؛ لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة » (1) ؛ ذلك لأنّ الحكم يدور مدار علّته
وملاكه .
وقال ابن حزم : « حَدَثَ القياس في القرن الثاني ، وقال به بعضهم ،
وأنكره سائرهم وتبرّأُوا منه .
ومعنىٰ لفظ ( القياس ) الذي اختلفنا فيه هو : أنّهم قالوا : يجب أن
يحكم بما لا نصَّ فيه من الدين ، بمثلِ الحكم بما فيه نصّ وفي ما أُجمع
عليه من حكم الدين . .
ثمّ اختلفوا ؛ فقال حذّاقهم : لاتّفاقهما في علّة الحكم . وقال بعضهم :
لاتّفاقهما في وجهٍ من الشبه » (2) .
ومن روّاد هذه الطريقة في اكتشاف الحكم الشرعي : أبو حنيفة ،
الذي قيل عنه : إنّه « بلغت روايته إلىٰ سبعة عشر حديثاً أو نحوها » (3) .
ومّما استدلّوا به علىٰ صحّة طريقية القياس : الرواية المرسلة عن
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 183 .
(2) الصادع : 238 .
(3) مقدّمة ابن خلدون : 444 .

معاذ بن جبل التي قدّمنا ذِكرها ، وعلمت ما فيها ، وقالوا : « قد أقر النبيّ
الاجتهاد بالرأي ، وٱجتهاد الرأي لا بُدّ من ردّه إلىٰ أصل ، وإلّا كان رأياً
مرسلاً ، والرأي المرسل غير معتبر ، فانحصر الأمر بالقياس » (1) .
ولا شكَّ في صحّة القياس ومشروعيّته إذا كانت علّة الحكم منصوصاً
عليها من قبل الشارع ، كما لو قال : ( حُرِّمت الخمر لإسكارها ) ؛ إذ العُرف
يفهم من هذه العبارة : أنّ الحرمة منصبّة في الواقع علىٰ المسكر ، وأنّ
الخمر فرد من أفراده ، فيقوم بتعدية الحكم الشرعي لكلّ سائل مسكر وإن
لم يُسمَّ خمراً .
« فإذا وردَ نصٌّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه ،
فإنّه يصحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلىٰ المقيس بشرطين :
الأوّل : أن نعلمَ بأنّ العلّة المنصوصة تامّة ، يدور معها الحكم أينما
دارت .
الثاني : أن نعلم بوجودها في المقيس » (2) .
ولكنَّ نصَّ الشارع علىٰ علّة الحكم وملاكه حالة نادرة جدّاً ؛ ولأجل
ذلك نجد العاملين بالقياس يلجأُون عادة إلىٰ الظنون والاحتمالات العقلية
لتشخيص علّة الحكم الثابت في الأصل واستنباطها ، ثمَّ يقومون بتسرية هذا
الحكم إلىٰ موضوع آخر يماثل موضوع الأصل في توفّره علىٰ تلك العلّة
المستنبطة .
إلّا أنّ هذه الطريقة لا تؤدّي إلىٰ العلم بأنّ العلّة التي افترضوها هي
العلّة الحقيقية للحكم ، كما أنّ وجود تشابه وتماثل بين موضوعين في أمر
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 193 .
(2) أُصول الفقه 3 / 187 .


من الأُمور لا يلزم منه تماثلهما في جميع الخصوصيّات ، ومنها علّة الحكم
الشرعي ؛ ذلك لأنّ العقل لا طريق له للعلم بعلل وملاكات الأحكام
الشرعية ؛ لأنّها أُمور توقيفية لا تُعلم إلّا بالسماع من الشارع المقدّس ؛
وعليه : فغاية ما يؤدّي إليه جهد القائس هو الظنّ بعلّة الحكم الشرعي ، وهو
لا يغني من الحقّ شيئاً .
ولأجل ذلك نجد أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام قد وقفوا موقفَ الرافض
المفنّد لهذه الطريقة في تشخيص الأحكام الشرعيّة ؛ لِما تؤدّي إليه من
تسرّب الأحكام العقلية الظنّية إلىٰ منظومة الأحكام الشرعية ، وتقديمها إلىٰ
الأُمّة باعتبارها جزءاً من الأحكام الإلٰهية ، وقد دخل بعض الأئمّة عليهم‌السلام في
مناظرات مباشرة مع أصحاب هذه الطريقة ، أثبتوا لهم فيها بطلانها وعدم
مشروعيّتها بأدلّة قاطعة .
ومن شواهد ذلك :
1 ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم
بالمقاييس ، فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بُعداً ، وإنّ دين الله لا يصاب
بالمقاييس » (1) .
2 ـ « عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال لبعض أصحابه : إيّاك وخصلتين
مهلكتين : تفتي الناس برأيك ، وتدين بما لا تعلم ، إنّ أوّل من قاس
إبليس ، وإنّ أوّل من سنَّ لهذه الأُمّة القياس لمعروف » (2) .
3 ـ ما جاء في جواب الإمام الصادق عليه‌السلام حينما قال له ابن شُبرمة :
__________________
(1) المحاسن 1 / 211 .
(2) دعائم الإسلام 2 / 536 .

« يا أبا عبد الله ! إنّا قضاة العراق ، وإنّا نقضي بالكتاب والسُنّة ، وإنّه ترد
علينا أشياء نجتهد فيها بالرأي . . . فأقبل أبو عبد الله عليه‌السلام فقال : أيّ رجل
كان عليّ بن أبي طالب ؟ ! فقد كان عندكم بالعراق ، ولكم به خبر ؛ فأطراه
ابن شبرمة ، وقال فيه قولاً عظيماً ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام : فإنّ عليّاً أبىٰ
أن يُدخل في دين الله الرأي ، وأن يقول في شيء من دين الله بالرأي
والمقاييس » (1) .
4 ـ « عن ابن جميع ، قال : دخلت علىٰ جعفر بن محمّد ، أنا وﭐبن
أبي ليلىٰ وأبو حنيفة . . . فقال لابن أبي ليلىٰ : مَن هذا معك ؟ قال : هذا
رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين . قال : لعلّه يقيس أمر الدين برأيه . . .
[ إلىٰ أن قال ] : يا نعمان ! حدّثني أبي عن جدّي : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :
أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال الله تعالىٰ له : اسجد لآدم ، فقال :
أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين ؛ فمَن قاس الدين برأيه قرنه
الله تعالىٰ يوم القيامة بإبليس ؛ لأنّه اتّبعه بالقياس » (2) .
5 ـ « عن ابن شُبرمة ، قال : دخلت أنا وأبو حنيفة علىٰ جعفر بن
محمّد ، فقال لأبي حنيفة : اتقِ الله ولا تقس الدين برأيك ؛ فإنّ أوّل مَن
قاس إبليس . . .
ثمّ قال جعفر عليه‌السلام : ويحك ! أيّهما أعظم : قتل النفس أو الزنا ؟ ! قال :
قتل النفس . قال : فإنّ الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ، ولم يقبل في
الزنا إلّا أربعة .
ثمّ قال : أيّهما أعظم : الصلاة أم الصوم ؟ ! قال : الصلاة . قال عليه‌السلام :
__________________
(1) المحاسن 1 / 210 .
(2) حلية الأولياء : 3 / 196 ـ 197 .


فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ ! فكيف يقوم لك
القياس ؟ ! فاتّقِ الله ولا تقِس » (1) .
6 ـ « عن عثمان بن عيسىٰ ، قال : سألت أبا الحسن موسىٰ عليه‌السلام عن
القياس ، فقال : ما لكم والقياس ؟ ! إنّ الله لا يُسأل كيف أحلَّ وكيف
حرّم » (2) .
7 ـ « عن محمّد بن حكيم ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : إنّما هلك
مَن كان قبلكم بالقياس ، إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يقبض نبيّه حتّىٰ أكمل له
جميع دينه ، في حلاله وحرامه ، فجاءَكم بما تحتاجون إليه في حياته ،
وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته ، وإنّها لصحف عند أهل بيته ، حتّىٰ أنّ
فيها أرش خدش الكفّ » (3) .
وقد حاول القائلون بالقياس إثبات حجّيّته وجوازه شرعاً ، وتشبّثوا
لذلك بأدلّة من الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل ، ولكنّها جميعاً أدلّة
موهونة مردودة عليهم (4) .
والعجيب من أمر أصحاب القياس أنّهم تمادوا فيه حتّىٰ ذهبوا إلىٰ
القول بإمكان ممارسة رسول الله نفسه للاستدلال القياسي ! بحجّة أنّ القياس
يقوم علىٰ معرفة علل الأحكام الشرعية ، ومَن أعلم من النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعلل
الأحكام وملاكاتها !
قال الشيرازي : « ولأنّ القياس استنباط معنىٰ الأصل وردّ الفرع إليه ،
__________________
(1) علل الشرائع 1 / 108 ـ 109 .
(2) الكافي 1 / 57 .
(3) بصائر الدرجات : 167 .
(4) لاحظ ردودها في : كتاب الأُصول العامّة للفقه المقارن ـ للعلّامة محمّد تقي
الحكيم قدس‌سره ـ : 332 ـ 357 .

والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعلم بذلك من غيره ، فهو أَوْلىٰ » (1) .
بل ذهب بعضهم إلىٰ أنّ النبيّ مأمورٌ بممارسة القياس ، وأنّ عدم
ممارسته للقياس يقدح في عصمته ، واستدلّوا لذلك بقوله تعالىٰ : ( فَاعْتَبِرُوا
يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
) (2) بدعوى أنّه « أعلىٰ الناس بصيرةً وأكثرهم اطّلاعاً علىٰ
شرائط القياس ، وما يجب ويجوز فيها ، وذلك إنْ لم يرجّح دخوله في هذا
الأمر علىٰ دخول غيره ، فلا أقلّ من المساواة ، فيكون مندرجاً تحت الآية ،
فكان مأموراً بالقياس ، فكان فاعلاً له ، وإلّا قدح في عصمته » (3) .
ولا يخفىٰ ما في هذه الدعاوىٰ من الهبوط بشخصية النبيّ
الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مقام النبوّة الشامخ ، والاتّصال الدائم المباشر بالوحي ،
ليكون بمنزلة أحد العلماء العاديّين ، فيضطرّ أحياناً لسلوك أساليبهم في
معرفة الأحكام ، التي لا تؤدّي عادةً إلّا إلىٰ الظنّ بالحكم الشرعي .
وأمّا الطائفة الثانية :
من الذاهبين إلىٰ جواز الرجوع إلىٰ العقل بوصفه كاشفاً مستقلّاً عن
الأحكام الشرعية ، فهي تتمثّل بما ذهب إليه معظم المتأخّرين من علمائنا ،
وهم يرون : أنّ « الذي يصلح أن يكون مراداً من الدليل العقلي المقابل
للكتاب والسُنّة هو : كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي . .
وبعبارة ثانية : هو : كلّ قضيّة عقلية يتوصّل بها إلىٰ العلم القطعي
بالحكم الشرعي . وقد صرّح بهذا المعنىٰ جماعة من المحقّقين المتأخّرين .
__________________
(1) التبصرة في أُصول الفقه : 522 .
(2) سورة الحشر 59 : 2 .
(3) المحصول في علم الأُصول 2 / 427 ـ 428 .


وهذا أمر طبيعي ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقلي مقابلاً للكتاب والسُنّة ،
فلا بُدّ أن لا يكون معتبراً إلّا إذا كان موجباً للقطع ، الذي هو حجّة
بذاته ، فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملاً للظنون وما لا يصلح للقطع
بالحكم من المقدّمات العقلية » (1) .
ومسوّغ الرجوع إلىٰ العقل لاستكشاف الحكم الشرعي لدىٰ هذه
الطائفة هو فقدان الدليل علىٰ بعض الأحكام ـ بعد صدوره من الشارع ـ
بسبب الحوادث الطبيعيّة أو الاجتماعية التي أدّت إلىٰ تلف وضياع بعض
المصادر الحديثيّة المبيّنة لأدلّة الأحكام الشرعية .
وأمّا طريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق
العقل بنحو العلم واليقين ، فقد تبلورت في تقسيم « مدركات العقل إلىٰ
مستقلّة وغير مستقلّة ، وأرادوا بالمستقلّة ما تفرّد العقل بها دون توسّط بيان
شرعي ، ومثّلوا له بإدراك العقل الحسن والقبح ، المستلزم لإدراك حكم
الشارع بهما ، وفي مقابلها غير المستقلّة ، وهي التي يعتمد الإدراك فيها علىٰ
بيان من الشارع ، كإدراكه وجوب المقدّمة عند الشارع بعد اطّلاعه علىٰ
وجوب ذيها لديه ، أو إدراكه نهي الشارع عن الضدّ العام بعد اطّلاعه علىٰ
وجوب ضدّه ، إلىٰ ما هنالك ممّا ذكروه من الأمثلة ، وأكثرها موضع
نقاش » (2) .
فطريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل
تتحدّد في قاعدتين :
أُولاهما : قاعدة الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء أو قبحه ،
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 125 .
(2) الأُصول العامّة للفقه المقارن : 381 .

وبين حكم الشارع بوجوبه أو حرمته ، « والأمثلة التي أوردوها ، كوجوب
قضاء الدَين ، وردّ الوديعة ، والعدل ، والإنصاف ، وحسن الصدق النافع ،
وقبح الظلم وحرمته ، إنّما هي من صغريات هذه القاعدة » (1) .
والثانية : قاعدة الملازمة بين إدراك العقل لحكم ثابت بدليل شرعي ،
وبين حكم آخر للشارع مستكشَف بالملازمة المذكورة ، وقد تقدّم ذِكر
بعض صغريات هذه القاعدة .
والتعقيب علىٰ رأي هذه الطائفة يقع في نقطتين :
õ النقطة الأُولىٰ :
تتعلّق بما ذهبوا إليه من أنّ الشارع المقدّس بيّن أدلّة أحكام جميع
الوقائع وجعلها بين أيدي المكلّفين ، إلّا أنّ حوادث الدهر الطبيعية
والاجتماعية أتت علىٰ بعضها وضيّعته ، فلا بُدّ لسدّ الفراغ الناجم عن ذلك
من اللجوء إلىٰ العقل .
ويرِد علىٰ هذه الدعوىٰ :
˜ أوّلاً :
أنّها منافية لقوله تعالىٰ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ
) (2) ، التي أكدّ فيها الله عزّ وجلّ تعهّده بحفظ دينه ، ولا معنىٰ
لحفظ الدين إلّا المحافظة علىٰ مصادره وعلىٰ الأدلّة المبيّنة لأحكامه
وتعاليمه ، وهي موزّعة علىٰ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة . .
__________________
(1) الأُصول العامّة للفقه المقارن : 282 .
(2) سورة الحجر 15 : 9 .


ولا يصحّ القول بأنّ المراد بالذِكر هو خصوص الكتاب ؛ لأنّ كلمة
( الذِكر ) تشمل بعمومها كلَّ ما أنزله الله تعالىٰ وحياً علىٰ نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سواء
أكان وحياً بلفظه ومعناه ومتعبّداً بتلاوته وهو القرآن الكريم ، أم وحياً
بالمعنىٰ فقط غير متعبّد بتلاوته ، وهو الحديث الشريف .
وقال ابن حزم : « القرآن والخبر الصحيح بعضهما مضافٌ إلىٰ بعض ،
وهما شيءٌ واحدٌ في أنّهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحدٌ في
باب وجوب الطاعة لهما . . . وقال تعالىٰ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ
) ، وقال تعالىٰ : ( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ) (1) ، فأخبر تعالىٰ
ـ كما قدّمنا ـ أنّ كلام نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّه وحي ، والوحي بلا خلافٍ ذِكرٌ ،
والذِكر محفوظ بنصّ القرآن .
فصحّ بذلك أنّ كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّه محفوظ بحفظ الله عزّ وجلّ ،
مضمون لنا أنّه لا يضيع منه شيء . . . فهو منقول إلينا كلّه » (2) .
واحتمال ضياع بعض أدلّة الأحكام لا منشأ له ـ بعد هذا ـ إلّا أحد
أمرين ، كلاهما غير معقول بالنسبة للشارع المقدّس :
الأوّل : أنّه تعالىٰ لم يفِ بعهده ، وترك للحوادث أن تذهب ببعض
النصوص المبيّنة لتعاليمه ، وهو احتمال باطل بملاحظة قوله تعالىٰ : ( إِنَّ
اللَّـهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
) (3) ، وقوله تعالىٰ : ( وَلَن يُخْلِفَ اللَّـهُ وَعْدَهُ ) (4) ،
وقوله تعالىٰ : ( وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ) (5) .
__________________
(1) سورة الأنبياء 21 : 45 .
(2) الإحكام في أُصول الأحكام 1 / 96 ـ 97 .
(3) سورة الرعد 13 : 31 .
(4) سورة التوبة 9 : 111 .
(5) سورة الحجّ 22 : 47 .

الثاني : أنّ قدرة الشارع المقدّس قد ضاقت عن السيطرة علىٰ
صروف الدهر ، ممّا أدّىٰ إلىٰ فقد بعض أدلّة الأحكام ، وهذا معناه : نسبة
العجز إلىٰ ساحته عزّ وجلّ ، وأنّه مغلوب علىٰ أمره ، وهو مردود بنحو قوله
تعالىٰ : ( وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ) (1) ، وقوله سبحانه : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ
عِبَادِهِ
) (2) ، وقوله : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ
وَلَا فِي الْأَرْضِ
) (3) .
˜ ثانياً :
إنّ ما ذكروه من تلف كتب ابن أبي عمير نتيجة دفنه لها خوفاً
من السلطة ، وحرق مكتبة الشيخ الطوسي بسبب الفتنة الطائفية التي حصلت
في بغداد ، وقيام المغول بإتلاف مكتبات المسلمين ، وما إلىٰ ذلك
من الحوادث ، لا يتمّ الاستدلال به علىٰ ضياع أدلّة الأحكام وحصول
النقص في مصادر التشريع ، بل غاية ما يثبت به ضياع بعض تلك الكتب أو
بعض نسخها فقط ؛ ذلك أنّ مصنّفات المسلمين كانت واسعة الانتشار في
أرجاء العالم الإسلامي ، وكانت حركة التأليف والاستنساخ قائمة علىٰ قدم
وساق ، وكانت حوانيت الورّاقين التي تتولّىٰ مهمّة المطابع في عصرنا
الحاضر ، ومهنة استنساخ الكتب من المهن الرائجة آنذاك ، فإذا تلفت
نسخة أو أُخرىٰ من أحد الكتب في جهة ما ، بقيت لذلك الكتاب أكثر من
نسخة في بقية الجهات .
__________________
(1) سورة يوسف 12 : 21 .
(2) سورة الأنعام 6 : 18 و 61 .
(3) سورة فاطر 35 : 44 .


وممّا يؤيّد ذلك أنّ المعاصرين من الباحثين ومحقّقي التراث ، غالباً
ما يجدون أكثر من نسخة مخطوطة للكتاب الذي يرومون تحقيقه .
وتجدر الإشارة إلىٰ أنّ هناك مَن يشكّك في صحّة دعوىٰ إتلاف
المغول لكتب التراث (1) .
˜ ثالثاً :
إنّ ممّا يبطل دعوىٰ ضياع نصوص بعض الأحكام : ما نجده بين
أيدينا فعلاً من الموسوعات الحديثيّة التي تفي باستنباط أحكام جميع
الوقائع ، ولا تترك حاجة أو ضرورة للاستعانة بالعقل . .
ولأجل ذلك نلاحظ : أنّه علىٰ الرغم من احتواء مصنّفات علمائنا علىٰ
مباحث الأدلّة والأُصول العقلية ، فإنّ معظمهم لا يجدون أنفسهم مضطرّين
إلىٰ الاستفادة منها عمليّاً ، ويصرّحون بوفاء الأدلّة الشرعية بالكشف عن
أحكام جميع الوقائع .
يقول السيّد الصدر في مقدّمة رسالته العملية : إنّه اعتمد في استنباط
فتاواها علىٰ « الكتاب والسُنّة النبوية الشريفة ، بامتدادها المتمثّل في سُنّة
الأئمّة المعصومين من أهل البيت عليهم‌السلام باعتبارهم أحد الثقلين اللذين أمر
النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسّك بهما ، ولم نعتمد في شيء من هذه الفتاوىٰ علىٰ غير
هذين المصدرين .
أمّا القياس والاستحسان ونحوهما ، فلا نرىٰ مسوّغاً شرعيّاً للاعتماد
عليها ؛ تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام .

__________________
(1) الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي : 47 ـ 51 .

وأمّا ما يسمّىٰ بالدليل العقلي ، الذي اختلف المجتهدون والمحدّثون
في أنّه هل يسوغ العمل به أو لا ، فنحن وإن كنّا نؤمن بأنّه يسوغ العمل
به ، ولكنّنا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته علىٰ الدليل العقلي بهذا
المعنىٰ ، بل كلّ ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو
سُنّة .
وأمّا ما يسمّىٰ بالإجماع ، فهو ليس مصدراً إلىٰ جانب الكتاب
والسُنّة ، ولا يعتمد عليه إلّا من أجلِ كونه وسيلة إثبات للسُنّة في بعض
الحالات » (1) .
õ وأمّا النقطة الثانية :
فالكلام فيها علىٰ القاعدتين اللتين ذكروهما لاستكشاف الحكم
الشرعي عقلاً بنحو العلم واليقين ، لبيان وجود الأدلّة علىٰ ما ثبت بهما من
أحكام .
˜ القاعدة الأُولىٰ :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك العقل العملي لحسن الأفعال أو
قبحها من جهة ، وبين حكم الشارع بوجوب تلك الأفعال أو حرمتها من
جهة أُخرىٰ ؛ فمن الواضح جدّاً أنّ الأحكام التي اكتشفوها عن طريق
الملازمة المذكورة ، كوجوب العدل وحرمة الظلم ، وغيرهما ممّا تقدّم
ذِكره ، كلّها منصوص عليها في الآيات والروايات .
__________________
(1) الفتاوىٰ الواضحة : 15 .


 
 
˜ وأمّا القاعدة الثانية :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك حكم ثابت بدليل شرعي ، وبين
حكم شرعي آخر يستكشف عن طريق تلك الملازمة ؛ فسوف نستعرض
باختصار أهمّ ما ذكروه من مصاديق هذه القاعدة ، وهي :
˜ أوّلاً : قاعدة الملازمة بين أمر الشارع بشيء ونهيه عن ضدّه .
والمراد بالضدّ في مصطلح الأُصوليّين : « مطلق المعاند والمنافي ،
وجودياً كان أو عدمياً » (1) ، فيشمل كلّاً من الضدّ والنقيض في مصطلح
المناطقة .
والملاحظ :
أنّ هذه القاعدة غير ثابتة لديهم ؛ فإنّ عمدة ما استدلّ به علىٰ هذه
الملازمة مسلكان :
أوّلهما : مسلك مقدّميّة ترك الضدّ لفعلِ ضدّه .
والثاني : مسلك التلازم ، وأنّ حرمة أحد المتلازمين تستلزم حرمة
ملازمه الآخر . .
ومثاله : ترك الصلاة الملازم لفعل الأكل ؛ فحرمة ترك الصلاة تستدعي
حرمة ضدّه الخاصّ الذي هو : الأكل .
وقد أبطل العلماء كِلا هذين المسلكين ؛ قال الآخوند الخراساني : « إنّ
توهّم توقّف الشيء علىٰ تركِ ضدّه ، ليس إلّا من جهة المضادّة والمعاندة
__________________
(1) كفاية الأُصول : 129 .

بين الوجودين ، وقضيّتها الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أنّ عدم المانع
من المقدّمات .
وهو توهّم فاسد ؛ وذلك لأنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين
لا تقتضي إلّا عدم اجتماعهما في التحقّق ، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد
العينين وما هو نقيض الآخر وبديله ، بل بينهما كمال الملاءمة ، كان أحد
العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة ، من دون أن يكون
في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما علىٰ الآخر .
فكما أنّ قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما
في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادَّين ، كيف ولو اقتضىٰ التضادّ توقّف
وجود الشيء علىٰ عدم ضدّه ، توقّف الشيء علىٰ عدم مانعهِ ، لاقتضىٰ
توقّفَ عدمِ الضدِّ علىٰ وجود الشيء ، توقّف عدم الشيء علىٰ مانعهِ ،
بداهة ثبوت المانعيّة في الطرفين ، وكون المطاردة من الجانبين ، وهو
دور واضح . . .
وأمّا من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم ،
فغايته أن لا يكون أحدهما فعلاً محكوماً بغير ما حكم به الآخر ، لا أن
يكون محكوماً بحكمه .
وعدم خلوّ الواقعة عن الحكم ، فهو إنّما يكون بحسب الحكم
الواقعي لا الفعلي ، فلا حرمة للضدّ من هذه الجهة أيضاً ، بل علىٰ ما هو
عليه ، لولا الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعلي من الحكم الواقعي » (1) .
وقال الشيخ المظفّر رحمه‌الله ـ بعد أن أثبت أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي

__________________
(1) كفاية الأُصول : 130 ـ 133 .


النهي عن ضدّه العامّ ، أي : نقيضه ـ : « إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء
للنهي عن ضدّه الخاصّ ، يبتني ويتفرّع علىٰ القول باقتضائه للنهي عن
ضدّه العامّ ، ولمّا ثبت ـ حسب ما تقدّم ـ أنّه لا نهي مولوي عن الضدّ
العامّ ، فبالطريق الأَوْلىٰ نقول : أنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ الخاصّ ؛ لِما
تقدّم من ابتنائه وتفرّعه عليه ، وعلىٰ هذا فالحقّ : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي
النهي عن ضدّه مطلقاً ، سواء أكان عامّاً أو خاصّاً » (1) .
هذا بالنسبة لحكم العقل بالملازمة ، وأمّا ما يستفاد من الدليل
الشرعي ، أي : دليل الأمر بالشيء ، فإنّه كذلك لا دلالة فيه علىٰ حرمة ضدّه
كما حقّقه العلماء ، من أنّه لا يدلّ عليه لا بالمطابقة ولا بالتضمّن
ولا بالالتزام (2) .
قال صاحب الحدائق رحمه‌الله : وأمّا « استلزام الأمر بالشيء النهي عن
ضدّه الخاصّ ، فلم نقف له في الأخبار علىٰ أثر ، مع أنّ الحكم في ذلك
ممّا تعمّ به البلوىٰ ، وقد حقّقنا . . . أنّ التمسّك بالبراءة الأصلية [ أي :
العقلية ] في ما تعمّ به البلوىٰ من الأحكام بعد تتبّع الأدلّة وعدم الوقوف
علىٰ ذلك فيها ، حجّة واضحة ، ولو كان الأمر كما ذكروا ، لورد عنهم عليهم‌السلام
النهي عن أضداد الواجبات من حيث هي كذلك . . . والتالي باطل ، علىٰ أنّه
لا يخفىٰ ما في القول بذلك من الحرج المنفي بالآية والرواية ، كما صرّح به
شيخنا الشهيد الثاني ، فيكون داخلاً في باب : اسكتوا عمّا سكت الله
عنه » (3) .
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 297 ـ 299 .
(2) كفاية الأُصول : 133 ، أُصول الفقه 2 / 296 .
(3) الحدائق الناضرة 1 / 59 ـ 60 .

وقال المحقّق الأصفهاني : إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن
ضدّه « يصعب الالتزام به ؛ إذ اللازم منه بطلان جميع العبادات الصادرة من
المديون بفلس واحد لغريمٍ مطالبٍ ، فلا يصحّ حجّه وصلاته وٱعتكافه ،
وغير ذلك من العبادات التي تضادّ الأداء ، وقلَّ مَن يسلم منه أو من نظائره ،
وهذا مخالف لضرورة الفقه ، بل الدين ، كما قال بعض الأساطين » (1) .
ونقل صاحب الحدائق عن الشهيد الثاني قوله بهذا الشأن : لو كان
الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، « لم يتحقّق السفر إلّا لأوحديّ
الناس ؛ لمصادمته ـ غالباً ـ لتحصيل العلوم الواجبة ، وقلّما ينفكّ الإنسان
عن شغل الذمّة بشيء من الواجبات الفوريّة ، مع أنّه علىٰ ذلك التقدير
موجب لبطلان الصلاة الموسّعة في غير آخر وقتها ، ولبطلان النوافل
اليومية وغيرها » (2) .
¢ ثانياً : قاعدة الملازمة العقلية بين إيجاب شيء شرعاً وبين إيجاب
مقدّمته شرعاً .
ولا بُدّ من الإشارة أوّلاً إلىٰ أنّ مقدّمة الواجب علىٰ نحوين :
© أوّلهما : المقدّمة الشرعية ، كمقدّمية الوضوء للصلاة ؛ وهذا النحو
من المقدّمة مرتبط بالشارع المقدّس ، فهو الذي يبيّنه من خلال إيجابه ،
ولولا ذلك لا يتمكّن العقل من إدراكه ليحكم بوجوبه .
© والنحو الثاني : المقدّمة العقلية ، وهي التي يتوقّف عليها تحقّق

__________________
(1) وقاية الأذهان : 297 ، وأشار في الهامش إلىٰ أنّ بعض الأساطين هو : الشيخ جعفر
الكبير كاشف الغطاء .
(2) الحدائق الناضرة 1 / 59 ـ 60 .


الواجب تكويناً ، كالسفر بالنسبة لأداء مشاعر الحجّ ، وهذه المقدّمة هي
محلّ البحث .
وقد تعدّدت الأقوال في هذه المسألة حتّىٰ تجاوزت العشرة ، وقد
أورد العلّامة المظفّر عناوين العشرة المهمّة منها ، وٱنتهىٰ إلىٰ القول بأنّ
الحقّ هو عدم وجوب مقدّمة الواجب العقلية ، « كما عليه جماعة من
المحقّقين المتأخّرين . . . وذلك لأنّه إذا كان الأمر بذي المقدّمة داعياً
للمكلّف إلىٰ الإتيان بالمأمور به ، فإنّ دعوته هذه ـ لا محالة بحكم العقل ـ
تحمله وتدعوه إلىٰ الإتيان بكلِّ ما يتوقّف عليه المأمور به تحصيلاً له .
ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلّف لا تبقىٰ حاجة إلىٰ
داع آخر من قبل المولىٰ ، مع علم المولىٰ ـ حسب الفرض ـ بوجود هذا
الداعي ؛ لأنّ الأمر المولويَّ ـ سواء كان نفسيّاً أم غيريّاً ـ إنّما يجعله المولىٰ
لغرضِ تحريكِ المكلّف نحو فعلِ المأمور به ؛ إذ يجعل الداعي في نفسه
حيث لا داعيَ ، بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من
المولىٰ ؛ لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل » (1) .
وأشار في حاشية البحث إلىٰ أنّ أوّل من تنبّه إلىٰ ذلك وبرهن
عليه ، هو أُستاذه الأصفهاني ، وعاضده عليه كلّ من السيّدين الخوئي
والحكيم .
قال المحقّق الأصفهاني : « إنّ العقل يذعن بأنّ ذا المقدّمة ـ المفروض
استحقاق العقاب علىٰ تركه لجعل الداعي نحوه ـ لا يوجد إلّا بإيجاد
مقدّمته ، فلا محالة تنقدح الإرادة في نفس المنقاد للبعث النفسي ،

__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 292 ـ 293 .

ولا حاجة إلىٰ جعل داعٍ آخر إلىٰ المقدّمة بنفسها » (1) .
وقال المحقّق الخوئي : « لا دليل علىٰ وجوب المقدّمة وجوباً مولويّاً
شرعياً ؛ حيث إنّ العقل بعد أن رأىٰ توقّف الواجب علىٰ مقدّمته ، ورأىٰ أنّ
المكلّف لا يستطيع امتثال الواجب النفسي إلّا بعد الإتيان بها ، فبطبيعة الحال
يحكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمة توصّلاً إلىٰ الإتيان بالواجب ، ومع هذا
لو أمر الشارع بها فلا محالة يكون إرشاداً إلىٰ حكم العقل بذلك ؛ لاستحالة
كونه مولويّاً » (2) .
وقال السيّد الحكيم : « أمّا صحّة البعث مولويّاً إلىٰ المقدّمة زائداً علىٰ
البعث إلىٰ ذيها ، فيدفعها أنّ البعث إلىٰ ذيها كافٍ في البعث إليها في نظر
العقل ، فيكون البعث إليها لغواً » (3) .
وقد أنهىٰ الشيخ المظفّر رحمه‌الله بحثه عن مقدّمة الواجب بقوله : « إنّه
لا وجوبَ غيريَّ [ مقدّمي ] أصلاً ، وينحصر الوجوب المولوي بالواجب
النفسي فقط ، فلا موقع إذن لتقسيم الواجب إلىٰ النفسي والغيري ، فليحذف
ذلك من سجل الأبحاث الأُصولية » (4) .
¢ ثالثاً : مسألة اجتماع الأمر والنهي .
والمقصود بالاجتماع هنا : « الالتقاء الاتّفاقي بين المأمور به
والمنهيّ عنه في شيء واحد . . . كالمثال المعروف ( الصلاة في المكان


__________________
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 171 .
(2) محاضرات في أُصول الفقه 2 / 438 .
(3) حقائق الأُصول 1 / 296 .
(4) أُصول الفقه 2 / 293 .


المغصوب ) . . . المفروض فيه : أنّه لا ربط لعنوان الصلاة المأمور به بعنوان
الغصب المنهيّ عنه ، لكن قد يتّفق للمكلّف صدفة أن يجمع بينهما ، بأن
يصلّي في مكان مغصوب . . . فيكون هذا الفعل الواحد داخلاً في ما هو
مأمور به من جهة ، فيقتضي أن يكون المكلّف مطيعاً للأمر ممتثلاً ، وداخلاً
في ما هو منهيّ عنه من جهة أُخرىٰ ، فيقتضي أن يكون المكلّف عاصياً
به مخالفاً » (1) .
وقد اضطرّ القائلون بالجواز إلىٰ الخوض في بحوث لفظية دقيقة
بعيدة عن الفهم العرفي ، كالقول بأنّ متعلّق الحكم هو العنوان لا المعنون ،
أو أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون ، كلّ ذلك من أجل أن ينتهوا إلىٰ
تصحيح صلاة المكلّف في المغصوب ، وإن كانت له مندوحة من إتيانها
فيه ؛ لتمكّنه من الصلاة في غير المغصوب !
وكلّ هذا الجهد سببه توهّم وجود وقائع لا كاشف لها من الأدلّة
الشرعية ، وهو توهّم ليس له واقع .
ويلاحظ :
أنّهم انطلقوا في المثال المذكور من افتراض أنّ الشارع قد أصدر
حكمين ، أوّلهما : إيجاب الصلاة ، وثانيهما : تحريم الغصب ، فاجتمعا
صدفة في الصلاة في المغصوب ، فأخذوا يبحثون عن صحّة الصلاة في
هذا الفرض أو عدم صحّتها .
هذا مع وجود بعض الأدلّة الشرعيّة التي تبيّن حكم هذه المسألة ،

__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 314 ـ 315 .

وهي :
أوّلاً : ما روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام في وصيّته لكميل بن زياد
النخعي من قوله : « وٱنظر في ما تصلّي ، وعلىٰ ما تصلّي ، إن لم يكن من
وجهه وحلّه ، فلا قبول » (1) .
ثانياً : ما جاء في المكاتبة عن صاحب الزمان ـ عجّل الله تعالىٰ
فرجه الشريف ـ « قال : لا يحلُّ لأحدٍ أن يتصرّف في مالِ غيره بغير
إذنه » (2) .
وهو دالٌّ علىٰ حرمة التصرّف الغصبي مطلقاً ، حتّىٰ لو كان ذلك
التصرّف بعنوانه الأوّلي عبادة واجبة ؛ ومع اتّصاف الصلاة في المغصوب
بعدم الحلّيّة ، وكونها مبغوضة للمولىٰ ، كيف يمكن التقرّب بها إليه ،
لتتّصف بالقبول والصحّة ؟ !
ثالثاً : ما جاء في عوالي اللآلي : « سأله بعض أصحابه ، فقال : يا بن
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ما حال شيعتكم في ما خصّكم الله به إذا غاب غائبكم
واستتر قائمكم ؟
فقال عليه‌السلام : ما أنصفناهم إن واخذناهم ، ولا أحببناهم إذا عاقبناهم ،
بل نبيح لهم المساكن لتصحّ عباداتهم » (3) .
ودلالته واضحة علىٰ عدم صحّة العبادة مع عدم إباحة المكان .
وعليه : فتصحيح الصلاة في المغصوب بناءً علىٰ إمكان اجتماع الأمر
والنهي عقلاً منافٍ للأدلّة المتقدّمة ، وأمّا القول بعدم صحّتها ، فإنّه ليس
__________________
(1) تحف العقول : 174 ، بشارة المصطفىٰ : 28 ، وسائل الشيعة 5 / 119 ح 6088 .
(2) وسائل الشيعة 25 / 386 ح 32190 .
(3) عوالي اللآلي 4 / 5 ح 2 ، مستدرك وسائل الشيعة 7 / 303 ح 3 .


متوقّفاً علىٰ الاستناد إلىٰ قاعدة عدم إمكان الاجتماع عقلاً ؛ ذلك أنّ مسوّغ
اللجوء إلىٰ هذه القاعدة هو عدم وجود الدليل الشرعي ، وهو موجود بالأدلّة
المذكورة .
¢ رابعاً : مسألة الملازمة بين النهي والفساد .
والبحث فيها عن أنّ العقل هل يدرك وجود ملازمة بين نهي الشارع
عن شيء ، وبين حكم الشارع نفسه بفساد ذلك الشيء إذا ارتكبه المكلّف
أم لا ؟
والشيء المنهيّ عنه ، قد يكون عبادة كالنهي عن صوم العيدين ، وقد
يكون معاملة ، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، والنهي عن بيع
الخمر والميتة والعبد الآبق .
والمراد بالفساد : ما يقابل الصحّة ، « والصحّة في العبادة والمعاملة
لا تختلف ، بل [ هي ] فيهما بمعنىً واحدٍ ، وهو التماميّة » (1) ، أي : مطابقة
كلٍّ منهما لِما هو معتبر فيها من الأجزاء والشرائط ، ومعنىٰ فسادهما عدم
المطابقة المذكورة .
ولازم فساد العبادة عدم سقوط الأمر بها وعدم سقوط الأداء والقضاء ،
ولازم فساد المعاملة عدم ترتّب أثرها عليها ، كالنقل والانتقال في عقد
البيع (2) .
أمّا في ما يتعلّق بالنهي عن العبادة ، فقد ذهبوا إلىٰ أنّ العقل يدرك
ثبوت الملازمة المذكورة ، وٱتّخذوا من ذلك قاعدة للحكم بفساد العبادة

__________________
(1) كفاية الأُصول : 182 .
(2) أُصول الفقه 2 / 348 ـ 349 .

المنهيّ عنها إذا أتىٰ بها المكلّف .
وأمّا في ما يتعلّق بالنهي عن المعاملة ، فقد أكّدوا « أنّ استناد الفساد
إلىٰ النهي إنمّا يصحّ أن يفرض ويتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه
موجوداً ، حتّىٰ شرائط المتعاقدين وشرائط العوضين ، وأنّه ليس في البين
إلّا المبغوضيّة الصرفة المستفادة من النهي ، وحينئذٍ يقع البحث في أنّ هذه
المبغوضيّة هل تنافي صحّة المعاملة أو لا تنافيها ؟
وأمّا إذا كان النهي دالّاً علىٰ اعتبار شيء في المتعاقدين ، أو
العوضين ، أو العقد ، مثلُ النهي عن بيع السفيه والمجنون والصغير ، الدالّ
علىٰ اعتبار العقل والبلوغ في البايع ، وكالنهي عن بيع الخمر والميتة والآبق
ونحوها ، الدالّ علىٰ اعتبار إباحة المبيع والتمكّن من التصرّف به ، وكالنهي
عن العقد بغير العربية ـ مثلاً ـ الدالّ علىٰ اعتبارها في العقد ، فإنّ النهي في
كلِّ ذلك لا شكَّ في كونه دالّاً علىٰ فساد المعاملة ؛ لأنّ هذا النهي في
الحقيقة يرجع إلىٰ . . . الإرشاد إلىٰ اعتبار شيء في المعاملة ، وقد تقدّم أنّ
هذا ليس موضع الكلام من منافاة نفس النهي بداعي الردع والزجر لصحّة
المعاملة » (1) .
وقد اختلفت الأقوال في هذه المسألة ، وفرّق المتأخّرون من العلماء
بين النهي عن المعاملة بمعنىٰ السبب ، أي : العقد الإنشائي ، كالنهي عن
البيع وقت النداء بصلاة الجمعة ، وبين النهي بمعنىٰ المسبّب ، كالنهي عن
بيع الخمر والعبد الآبق ، وذهبوا إلىٰ أنّ النهي عن المعاملة بمعنىٰ السبب
لا يلازم فسادها ، وأنّ النهي عن المسبّب يلازم الفساد .

__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 355 ـ 356 .


 
 
ويلاحظ :
أنّ الجواب عن هذه المسألة لا يتوقّف علىٰ القول بثبوت الملازمة
العقلية بين النهي والفساد ، أو عدم ثبوتها ، بل يمكن معرفته اعتماداً علىٰ
فهم مفاد الأدلّة الشرعية ، ولأجل ذلك عدَّ بعض العلماء هذه المسألة من
مباحث الألفاظ .
قال الآخونذ الخراساني : « لا يخفىٰ أنّ عدَّ هذه المسألة من مباحث
الألفاظ إنّما هو لأجل أنّه في الأقوال قولٌ بدلالته [ أي النهي ] علىٰ الفساد
في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه وبين الحرمة » (1) .
وقال المحقّق الأصفهاني : « لا يبعد دلالة النهي عنه [ أي الفساد ]
باللزوم بالمعنىٰ الأخصّ ؛ فتكون دلالته لفظيّة ، ويؤيّده فهم العرف ، ولذا
ترىٰ الفقهاء يستدلّون في أبواب الفقه علىٰ الفساد بالنهي ، ولعلّ القائل
بدلالته عليه شرعاً ينظر بطرف خفيّ إلىٰ هذه السيرة » (2) .
وقال الشيخ المظفّر : « قد يدّعي بعضهم أنّ هذه الملازمة ـ علىٰ
تقدير ثبوتها ـ من نوع الملازمات البيّنة بالمعنىٰ الأخصّ ، وحينئذٍ
يكون اللفظ الدالّ بالمطابقة علىٰ النهي ، دالّاً بالدلالة الالتزامية علىٰ فساد
المنهيّ عنه ، فيصحّ أن يراد من الدلالة ما هو أعمّ من الدلالة اللفظية
والعقلية » (3) .
والذي يبدو لي : أنّه لا شكَّ في دلالة صيغة النهي علىٰ الحرمة
__________________
(1) كفاية الأُصول : 180 .
(2) وقاية الأذهان : 404 .
(3) أُصول الفقه 2 / 347 .

التكليفية ، وٱستحقاق المكلّف العقاب إذا ارتكب المنهيّ عنه ، وأمّا الدلالة
علىٰ الفساد فليست مستفادة من صيغة النهي ، وإنّما تستفاد من أدلّة شرعية
أُخرىٰ ، ولذا يختلف حكم هذه المسألة باختلاف الموارد .
فدلالة النهي عن العبادة علىٰ فسادها ، تستفاد من علمنا بأنّ الشارع
قد اشترط في صحّة العبادة أن يؤتىٰ بها بقصد القربة ، وهو لا يتأتّىٰ مع
النهي عنها ، الكاشف عن حرمتها ومبغوضيّتها للشارع ؛ إذ لا يُعقل التقرّب
إلىٰ المولىٰ بما هو مبغوض له ، و « لا طاعة لمَن عصىٰ الله » (1) ، كما روي
عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .
وأمّا النهي عن المعاملة ، فإنّه لا يدلّ علىٰ فسادها ، إلّا إذا كان دالّاً
علىٰ اعتبار شيء في العقد أو المتعاقدين أو العوضين ، كما تقدّم ذِكره ،
ومرجع ذلك إلىٰ فقد العقد لبعض الشروط المعتبرة في صحّته شرعاً .
وأمّا إذا كانت المعاملة مستوفية للشرائط وتعلَّق النهي بإيقاعها في
حالٍ معيّنة ، كالنهي عن البيع وقت النداء ، فإنّه لا دلالة لصيغة النهي علىٰ
بطلان المعاملة وعدم نفوذها ؛ قال الآخوند : « إنّ النهي الدالّ علىٰ حرمتها
لا يقتضي الفساد ؛ لعدم الملازمة فيها ـ لغة ولا عرفاً ـ بين حرمتها
وفسادها أصلاً » (2) .
فصيغة النهي عن إيقاع البيع وقت النداء ، لا تدلّ علىٰ أكثر من
الحرمة التكليفية والمبغوضيّة ، « ولم تثبت المنافاة لا عقلاً ولا عرفاً بين
مبغوضيّة العقد والتسبّب به ، وبين إمضاء الشارع له ، بعد أن كان العقد
مستوفياً لجميع الشروط المعتبرة فيه ، بل ثبت خلافها ، كحرمة الظهار ، التي
__________________
(1) كتاب سُليم : 408 .
(2) كفاية الأُصول : 187 .


لم تنافِ ترتّب الأثر عليه من الفراق » (1) .
وقد جرىٰ المحدّث البحراني قدس‌سره علىٰ هذه الطريقة ، فعالج هذه
المسألة في ضوء ما تقتضيه الأدلّة الشرعية ، وممّا قال بهذا الشأن : « إنّ
القاعدة التي بنوا عليها الكلام في المقام من أنّ النهي في غير العبادات
لا يقتضي الفساد وإن اشتهرت وتكرّرت في كلامهم . . .
إلّا أنّنا نرىٰ كثيراً من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها ، من حيث
النهي الوارد عنها في الروايات ، ومَن تتبّع كتاب البيع وكتاب النكاح عثر
علىٰ كثير منها ، كبيع الخمر والخنزير والعذرة وبيع الغرر ونحو ذلك . . .
وما ذكروه من القاعدة المشار اليها ، اصطلاح أُصولي لا تساعد عليه
الأخبار بحيث يكون أصلاً كلّيّاً وقاعدة مطّردة ، بل المفهوم منها كون
الأمر كذلك في بعض ، وبخلافه في آخر . . .
ويخطر بالبال ، في الجمع بين الأخبار المتصادمة في هذا المجال ، أن
يقال : إنّ النهي الواقع في الأخبار إن كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه
للدخول تحت مقتضىٰ العقد ، فإنّه يبطل العقد رأساً ، كالأشياء التي
ذكرناها ؛ فإنّ الظاهر أنّ النهي عنها إنّما وقع من حيث عدم قابليّتها للانتقال
إلىٰ ما أُريد نقلها إليه . .
وإن كان لا كذلك ، بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد
خارج ، أو نحو ذلك ممّا لا مدخل له في أصل العوضين ، فالحكم فيه
ما ذكروه من صحّة العقد ، وإن حصل الإثم باعتبار مخالفة النهي ، ومنه :
البيع وقت النداء ؛ فإنّ النهي عنه وقع من حيث الزمان ، فيقال بصحّة البيع

__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 354 ـ 355 .

حينئذٍ لعدم تعلّق النهي بذاتِ شيء من العوضين باعتبار عدم قابليّته
للعوضيّة ، وإنّما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وإن أثم باعتبار إيقاعه في
ذلك الزمان المنهيّ عن الإيقاع فيه » (1) .
¢ خامساً : مسألة الإجزاء .
ويقع البحث في هذه المسألة عن أنّه هل توجد ملازمة عقلية بين
إتيان المكلّف بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري ، وبين حكم
الشارع بإجزاءِ ما أتىٰ به عن المأمور به بالأمر الأوّلي الاختياري ، أو
الواقعي ، أم لا ؟ وقد قسّموا البحث في هذه المسألة علىٰ مقامين :
© المقام الأوّل :
في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري ، ولم يتّفق العلماء هنا علىٰ
القولِ بالإجزاء عقلاً ، فما هو معروف في فتاواهم من القول بالإجزاء ،
لا بُدّ أن يكون مردّه إلىٰ ما استفادوه من الأدلّة الشرعية في هذا المقام .
قال الشيخ المظفّر رحمه‌الله : « لا شكَّ في أنّ هذه الأوامر الاضطرارية أوامر
واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالأوامر الأوّلية . . . وإذا امتثلها المكلّف
أدّىٰ ما عليه في هذا الحال وسقط عنه التكليف بها .
ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية
الثانوية ، ورجع المكلّف إلىٰ حالته الأُولىٰ من التمكّن من أداءِ ما كان عليه
واجباً في حالة الاختيار ، فهل يجزئه ما كان قد أتىٰ به في حال الاضطرار ،


__________________
(1) الحدائق الناضرة 10 / 176 ـ 177 .


أو لا يجزئه ، بل لا بُدّ له من إعادة الفعل في الوقت أداءً . . . أو إعادته
خارج الوقت قضاءً ؟
إنّ هذا أمر يصحّ فيه الشكّ والتساؤل ، وإن كان المعروف بين الفقهاء
في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقاً أداءً وقضاءً .
غير أنّ إطباقهم علىٰ القول بالإجزاء ليس مستنداً إلىٰ دعوىٰ أنّ
البديهيّة العقلية تقضي به ، لأنّه هنا يمكن تصوّر عدم الإجزاء بلا محذور
عقليّ ، أعني : يمكننا أن نتصوّر عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر
الاضطراري وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري » (1) .
وفصّل المحقّق الأصفهاني في هذا المقام في ما يخصّ حكم العقل
بالملازمة ، فقسّم المكلّف به اضطراراً إلىٰ ثلاثة أقسام :
أوّلها : أن يكون مشتملاً علىٰ عين مصلحة الواجب الأوّلي .
والثاني : أن يكون مشتملاً علىٰ مصلحة ملزمة لكنّها من غير نوع
المصلحة الموجودة في الفعل الاختياري .
والثالث : أن يكون مشتملاً علىٰ مرتبة نازلة من المصلحة القائمة
بالفعل الاختياري .
وذهب إلىٰ أنّ لازم الإتيان بالأوّل الإجزاء ، ولازم الإتيان بالثاني عدم
الإجزاء ، وفرّق في الثالث بين ما أمكن تدارك مصلحة الفعل الاختياري
فذهب إلىٰ عدم الإجزاء ، وما إذا لم يمكن ذلك فذهب إلىٰ الإجزاء (2) .
ثمّ قال : « هذا ، وأمّا الحكم بحسب الأدلّة ، فهو يختلف باختلاف

__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 247 ـ 248 .
(2) وقاية الأذهان : 198 .

الموارد . . . فإنّ إجزاء هذه الأحكام عن الواقعيّات الأوّلية تابع لما يستفاد
من الأدلّة من أمر العذر الذي أخذه الشارع في موضوعاتها ، فإن علم منها
أنّه العذرُ وقت العمل ، فلا شكَّ في الإجزاء ؛ لأنّ المفروض أنّها بدل عن
تلك الأحكام ، ولا معنىٰ للجمع بين البدل والمبدل منه . . . وإن علم منها أنّه
العذر المستوعب ، فلا حكم حتّىٰ يبحث عن إجزائه ، وعلىٰ فرض عدم
استفادة أحد الأمرين من الأدلّة ، وٱنتهاء النوبة إلىٰ الأصل العملي ، فلا شكَّ
أنّ الأصل عدم تلك الأحكام ، فلا بُدّ من إحراز تلك الأوامر أوّلاً ، ثمّ
البحث عن إجزائها » (1) .
وقال الشيخ المظفّر ـ بعد أن قرّر أنّ ذهابهم إلىٰ القولِ بالإجزاء غير
مستند إلىٰ دعوىٰ أنّ البديهيّة العقلية تقتضي الإجزاء ـ : « لا إشكال في أنّ
المأتيَّ به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به في حال الاختيار ،
والقول بالإجزاء فيه ، معناه : كفاية الناقص عن الكامل ، مع فرض التمكّن
من أداءِ الكامل في الوقت أو خارجه ، ولا شكَّ في أنّ العقل لا يرىٰ بأساً
بالأمر بالفعل ثانياً بعد زوال الضرورة ؛ تحصيلاً للكامل الذي قد فات منه ،
بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها
الناقص ، ولا يسدُّ مسدَّ الكامل في تحصيلها .
والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة : ( أنّ الإتيان بالناقص ،
ليس بالنظرة الأُولىٰ ممّا يقتضي عقلاً الإجزاء عن الكامل ) ، فلا بُدّ أن
يكون ذهاب الفقهاء إلىٰ الإجزاء لسرٍّ هناك » (2) .
ثمّ إنّه ذكر أربعة أُمور تصلح كلّها أو بعضها لتوجيه القول بالإجزاء ،
__________________
(1) وقاية الأذهان : 200 ـ 201 .
(2) أُصول الفقه 2 / 247 ـ 248 .


وليس منها حكم العقل بالملازمة ، بل كلّها مستفادة من فهم النصوص
الشرعية الواردة في التكاليف الاضطرارية .
والحاصل : إنّ دلالة النصوص علىٰ إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر
الاضطراري عن الاختياري تُغني عن القول بالملازمة العقلية المفيدة
للإجزاء ، وأمّا القول بأنّ العقل يحكم بعدم الملازمة وعدم الإجزاء ، فإنّه
مناف لما هو مستفاد من الأدلّة الشرعية .
© المقام الثاني :
في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري ، وهو : الأمر الثابت بالحجج
الظاهرية ، أي : الأمارات والأُصول العملية ، فإذا أتىٰ المكلّف بالوظيفة وفقاً
للحجّة الظاهرية ، ثمّ انكشف الواقع بعد ذلك ، وتبيّن أنّه غير ما قامت عليه
الأمارة أو الأصل ، فهل يجب علىٰ المكلّف امتثال الأمر الواقعي أداءً في
الوقت وقضاءً خارجه ، أم لا يجب عليه ذلك ، ويجزي ما أتىٰ به علىٰ طبق
الأمارة والأصل ، وإن تبيّن خطَأُهما ؟
والرأي السائد لدىٰ العلماء هو عدم الإجزاء ، سواء انكشف خطأ
الأمارة أو الأصل يقيناً أو بحجّة معتبرة ، ولا فرق في ذلك بين قيام الحجّة
الظاهرية التي انكشف خطَأُها علىٰ الأحكام أو الموضوعات .
نعم ، ذهبوا إلىٰ الإجزاء في الأحكام ؛ للإجماع عليه ، لا لكونه
مقتضىٰ القاعدة العقلية .
هذا كلّه بناءً علىٰ ثبوت الحكم الظاهري ، وهو بحاجة إلىٰ إعادة
النظر ؛ لأنّه في مورد الأمارة يتوقّف علىٰ حجّيّة الظنّ ، وفي مورد الأصل
العملي يتوقّف علىٰ القول بعدم توفّر الأدلّة الشرعيّة علىٰ بعض الأحكام ،



وكِلا الأمرين محلّ تأمّل ونظر يحتاج بيانه إلىٰ بحث مستقلّ .
والحاصل من بحث الملازمات العقلية بنوعيها : أنّ بعضها غير ثابت
أصلاً ، والثابت منها لا يكشف عن أحكام ليس عليها دليل من الآيات
والروايات ، بحيث يتوقّف استنباطها علىٰ تلك الملازمات .
كما أنّ الحاصل من بحث الدليل العقلي عموماً :
أوّلاً : إنّ تشريع الأحكام عن طريق العقل مستقلّاً عن الأدلّة النقلية
من الكتاب والسُنّة محرّم شرعاً .
ثانياً : إنّ اكتشاف الأحكام الشرعية عن طريق القياس محرّم أيضاً ؛
لأنّه لا يؤدّي إلىٰ العلم بالحكم الشرعي ، ولا يفيد أكثر من الظنّ الذي
لا يغني من الحقّ شيئاً .
ثالثاً : إنّ اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق ما هو ثابت من
الملازمات العقلية وإن كان جائزاً ؛ لاشتراطه بأدائه إلىٰ العلم بالحكم ، إلّا أنّه
ليس ضرورياً ؛ إذ لا يتوقّف عليه الاستنباط بعد توفّر الأدلّة الشرعية
الكاشفة عن أحكام جميع الوقائع .
فينبغي صرف الجهد العقلي إلىٰ اكتشاف الأحكام من أدلّتها الشرعية ،
ولا حاجة لإنفاق الوقت والجهد في تأسيس قواعد لحلّ مشاكل افتراضية
ليس لها وجود في مجال استنباط الأحكام .
بقيت هناك نقطتان تجدر الإشارة إليهما في ختام البحث :
النقطة الأُولىٰ :
تتعلّق بتقريب كيفية وفاء الشريعة بأحكام جميع القضايا ، بما فيها
القضايا الحادثة بعد عصر التشريع ، فقد يقال بصعوبة تصوير ذلك ، بدعوىٰ


« أنّ النصوص التشريعية من قرآنٍ أو سُنّةٍ هي نصوصٌ متناهية ، بينما
الحوادث الواقعة والمتوقّعة غير متناهية ، فلا سبيل إلىٰ إعطاء الحوادث
والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلّا عن طريق
الرأي » (1) .
والجواب عن ذلك : إنّ الشارع المقدّس قد احتاط لهذا الأمر بأن
شرّع الأحكام علىٰ نحوين :
أوّلهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بموضوع خاصّ أو
عنوان جزئي ، فيختصّ به ولا يتعدّاه إلىٰ غيره ، كحرمة الخمر ، ووجوب
الصلاة .
وثانيهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بعنوان عامّ أو
موضوع كلّي يصلح للانطباق علىٰ أفراد ومصاديق متعدّدة ، وهذا النوع
من الأحكام هو المصطلح عليه لدىٰ الفقهاء بـ : « القواعد الفقهية » التي
تحدّد في ضوئها أحكام الوقائع المستجدّة التي ينطبق عليها العنوان
الكلّي أو الموضوع العامّ الذي تعلّق به الحكم الشرعي .
وبتشريع هذا النحو من الأحكام تتمكّن الشريعة من الوفاء بأحكام
القضايا المتجدّدة عبر الزمن ، بنحو لا يبقي فراغاً في منطقة التشريع ،
ولا يترك مجالاً لدعوىٰ ضرورة الاستعانة بالعقل في صياغة الأحكام أو
اكتشافها عن طريق القياس ، وما ينجم عن ذلك من تسرّب القوانين
الوضعيّة إلىٰ ساحة التشريع الإلٰهي .


__________________
(1) موسوعة فقه السلف 1 / 82 ـ 83 ؛ وٱنظر : أعلام الموقّعين ـ لابن القيّم ـ 1 / 333 .

وإلىٰ هذا النوع من الأحكام الكلّيّة أو القواعد الفقهيّة تشير الأحاديث
الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، كـ : قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّما
علينا أن نلقي إليكم الأُصول ، وعليكم أن تفرّعوا » (1) ، وقول الإمام
الرضا عليه‌السلام : « علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع » (2) .
قال الحرّ العاملي قدس‌سره: « هذان الحديثان تضمّنا جواز التفريع علىٰ
الأُصول المسموعة منهم ، وهي : القواعد الكلّيّة المأخوذة عنهم لا علىٰ
غيرها ، فلا دلالة له [ علىٰ ] أكثر من العمل بالنصّ العامّ ، ولا خلاف فيه بين
العقلاء » (3) .
وفي بصائر الدرجات : « عن موسىٰ بن بكر ، قال : قلت
لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل يغمىٰ عليه اليوم أو اليومين أو ثلاثة أو أكثر من
ذلك ، كم يقضي ؟
فقال : ألا أُخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه ؟ فقال : كلّ ما غلب الله عليه
من أمرٍ ، فالله أعذر لعبده » (4) .
النقطة الثانية :
لو افترضنا أنّنا لم نجد في النصوص الشرعية دليلاً يحدّد حكم
قضيّة ما ، فلا يسوغ لنا أن نعزو ذلك إلىٰ تفريط الشارع المقدّس في بيان
حكم هذه القضيّة ، ولا إلىٰ ضياع النصّ الخاصّ بحكمها ؛ فقد تقدّم أنّ
__________________
(1) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 61 ح 33201 .
(2) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 62 ح 33202 .
(3) الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة : 214 ـ 215 .
(4) بصائر الدرجات : 326 ـ 327 .


الشارع قد أكمل الدين وتعهّد بحفظه ، والتفسير الصحيح لهذه الحالة هو
ما ذكره الشارع نفسه من أنّه وسّع علىٰ المكلّف وتركه مطلق العنان ، ولم
يلزمه بفعل أو تركٍ تجاه هذه القضيّة .
وقد ورد بهذا الشأن كثير من الأدلّة في مصادر الفريقين ، منها :
1 ـ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الحلال ما أحلّه الله في كتابه ، والحرام
ما حرّم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » (1) .
2 ـ قول الإمام عليّ عليه‌السلام : « إنّ الله افترض عليكم فرائض
فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء
فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً ، فلا تتكلّفوها » (2) .
3 ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما حجب الله علمه عن العباد فهو
موضوع عنهم » (3) .
4 ـ « عن عبد الأعلىٰ بن أعين ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : مَن لم
يعرف شيئاً ، عليه شيء ؟ قال : لا » (4) .
5 ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّ الله عزّ وجلّ احتجّ علىٰ الناس بما
آتاهم وما عرّفهم » (5) .
فعدم وجود دليل خاصّ أو عامّ يبيّن حكم واقعة ما ، دليل علىٰ أنّ

__________________
(1) سُنن الترمذي 4 / 220 ح 1726 ، سُنن ابن ماجة 5 / 73 ح 3367 ، سُنن
البيهقي 14 / 297 ح 19935 ، المستدرك علىٰ الصحيحين 5 / 158 .
(2) وسائل الشيعة 15 / 260 ح 20452 ، نهج البلاغة : 487 الحكمة 105 .
(3) الكافي 1 / 164 ح 3 ، التوحيد : ص 413 ح 9 .
(4) الكافي 1 / 164 ح 2 ، التوحيد : 412 ح 8 .
(5) التوحيد : 410 ح 2 .

حكمها الإباحة ، ولا يدلّ علىٰ نقص في التشريع أو فقدان لبعض أدلّة
الأحكام ، بنحو يضطرّنا إلىٰ الرجوع إلىٰ العقل وٱتّخاذه مقنّناً أو كاشفاً عن
الأحكام ، وعليه ينبغي حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام بالرجوع إلىٰ
النصوص الشرعية من آيات الكتاب الكريم ، وأحاديث النبيّ صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم والأئمّة.
والحمد لله ربّ العالمين .
õ      õ     õ

  
مصادر البحث
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ اجتهاد الرسول ، لنادية شريف العمري ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ،
1401 هـ ـ 1981 م .
3 ـ الإحكام في أُصول الأحكام ، لابن حزم علي بن أحمد الأندلسي ،
تحقيق لجنة من العلماء ، ط 2 ، دار الجيل / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
4 ـ اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشّي ) ، لأبي جعفر محمّد بن
الحسن الطوسي ، تحقيق محمّد فاضل الميبدي والسيّد أبو الفضل الموسويان ،
نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / طهران ، 1424 هـ .
5 ـ الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي ، لحسن الأمين ، مركز
دراسات الغدير / قم ، 1417 هـ ـ 1997 م .
6 ـ أُصول الفقه ، للشيخ محمّد رضا المظفّر ، مطبعة النعمان / النجف
الأشرف ، 1386 هـ ـ 1966 م .
7 ـ الأُصول العامة للفقه المقارن ، للسيّد محمّد تقي الحكيم ، دار
الأندلس / بيروت ، 1963 م .
8 ـ أعلام الموقّعين ، لابن قيّم الجوزية ، تحقيق طٰه عبد الرؤوف ، دار
الجيل / بيروت .
9 ـ بشارة المصطفىٰ لشيعة المرتضىٰ ، لمحمّد بن علي الطبري ، تحقيق
جواد القيّومي الأصفهاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1420 هـ .
10 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لمحمّد بن أحمد ، ابن رشد
القرطبي ، 1389 هـ ـ 1969 م .
11 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد ، للشيخ محمّد بن الحسن
الصفّار ، تعليق وتصحيح الميرزا محسن كوچه باغي ، منشورات الأعلمي / طهران ،
1404 هـ .
12 ـ التبصرة في أُصول الفقه ، لأبي إسحاق الشيرازي ، تحقيق محمّد
حسن هيتو ، دار الفكر / دمشق ، 1403 هـ ـ 1983 م .
13 ـ تحف العقول عن آل الرسول ، لعلي بن الحسين بن شعبة الحرّاني ،
تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاري ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1404 هـ .
14 ـ التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) ، لفخر الدين محمّد بن عمر
الرازي .
15 ـ الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ، للشيخ يوسف البحراني ،
طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1377 هـ .
16 ـ حقائق الأُصول ، للسيّد محسن الحكيم ، النجف الأشرف ، 1372 هـ .
17 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله
الأصفهاني ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
18 ـ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين السيوطي ، دار
الفكر / بيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
19 ـ دعائم الإسلام ، للقاضي أبو حنيفة النعمان ، تحقيق علي أصغر
فيضي ، دار المعارف / مصر ، 1383 هـ ـ 1963 م .
20 ـ روضة الناظر وجنّة المناظر ، لابن قدامة ، عبد الله بن أحمد ،
تحقيق شعبان محمّد إسماعيل ، مؤسّسة الريّان / بيروت ، 1419 هـ ـ 1998 م .
21 ـ السرائر ، لمحمّد بن إدريس الحلّي ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ،
1414 هـ .
22 ـ سُنن ابن ماجة ، لمحمّد بن يزيد القزويني ، تحقيق بشّار عوّاد
معروف ، دار الجيل / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
23 ـ سُنن أبي داود ، لسليمان بن الأشعث ، ضبط وتعليق محمّد
محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر / بيروت .
24 ـ سُنن البيهقي ، لأحمد بن الحسين ، دار الفكر / بيروت ، 1416 هـ ـ
1996 م .
25 ـ سُنن الترمذي ، لمحمّد بن عيسىٰ ، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ، 
دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1381 هـ ـ 1962 م .

26 ـ سُنن النسائي ، لأحمد بن شُعيب ، ضبط وتصحيح عبد الوارث
محمّد علي ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1416 هـ ـ 1995 م .
27 ـ شرح التجريد ، لعلاء الدين علي بن محمّد القوشجي ، الطبعة
الحجرية .
28 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ، عزّ الدين عبد الحميد
ابن هبة الله بن محمّد المدائني ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء
الكتب العربية / مصر ، 1385 هـ ـ 1965 م .
29 ـ الصادع في الردّ علىٰ مَن قال بالقياس والرأي والاستحسان
والتعليل
، لابن حزم الأندلسي ، تحقيق محمّد رضا الأنصاري ، مجلّة دراسات
أُصولية / قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) لسنة 1424 هـ .
30 ـ صحيح البخاري ، لمحمّد بن إسماعيل ، تحقيق مصطفىٰ ديب البُغا ،
دار ابن كثير ودار اليمامة / دمشق وبيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
31 ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، تحقيق خليل مأمون شيحا ، دار
المعرفة / بيروت ، 1422 هـ ـ 2001 م .
32 ـ علل الشرائع ، للشيخ الصدوق ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه
القمّي ، مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، 1408 هـ ـ 1988 م .
33 ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، لابن الجوزي ، تحقيق خليل
الميس ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1424 هـ ـ 2003 م .
34 ـ عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق مجتبىٰ العراقي ،
مطبعة سيّد الشهداء / قم ، 1403 هـ ـ 1983 م .
35 ـ الفتاوىٰ الواضحة ، للسيّد محمّد باقر الصدر ، مطبعة الآداب /
النجف الأشرف ، 1396 هـ .
36 ـ فجر الإسلام ، لأحمد أمين ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1969 م .
37 ـ الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة ، للحرّ العاملي ، محمّد بن
الحسن ، منشورات بصيرتي / قم .
38 ـ الكافي ، للكليني محمّد بن يعقوب الرازي ، تحقيق علي أكبر
الغفّاري ، دار الكتب الإسلامية / طهران ، 1388 هـ .
39 ـ كتاب سُليم بن قيس الهلالي ، تحقيق محمّد باقر الأنصاري ، الناشر :
« دليل ما » / قم ، 1424 هـ .
40 ـ كفاية الأُصول ، للآخوند الخراساني ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام
لإحياء التراث / قم ، 1409 هـ .
41 ـ كنز العمّال ، للمتّقي الهندي ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ، 1405 هـ .
42 ـ المحاسن ، لأحمد بن محمّد البرقي ، تحقيق المحدّث الأُرموي ،
دار الكتب الإسلامية / قم .
43 ـ المحصول في علم الأُصول ، لفخر الدين محمّد بن عمر الرازي ،
تحقيق محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1420 هـ ـ 1999 م .
44 ـ محاضرات في أُصول الفقه ، لمحمّد إسحاق الفيّاض ، تقريراً
لبحث السيّد الخوئي ، مطبعة النجف ، 1382 هـ ـ 1962 م .
45 ـ المستدرك علىٰ الصحيحين ، للحاكم النيسابوري محمّد بن عبد الله ،
صنعة عبد السلام علّوش ، دار المعرفة / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
46 ـ مستدرك وسائل الشيعة ، لميرزا حسين النوري الطبرسي ، تحقيق
مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، 1407 هـ .
47 ـ مسند أحمد بن حنبل ، شرحه ووضع فهارسه حمزة أحمد الزين ،
دار الحديث / القاهرة ، 1416 هـ ـ 1995 م .
48 ـ معاني الأخبار ، للشيخ الصدوق ، تصحيح علي أكبر الغفّاري ، نشر
جماعة المدرّسين / قم ، 1361 هـ . ش .
49 ـ مقدّمة ابن خلدون ، مراجعة لجنة من العلماء ، ط المكتبة التجارية /
مصر .
50 ـ موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي ، محمّد روّاس قلعه چي ،
دار النفائس / بيروت ، 1406 هـ ـ 1986 م .
51 ـ النصّ والاجتهاد ، للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، 
مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، 1386 هـ ـ 1966 م .

52 ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية ، للشيخ محمّد حسين الأصفهاني ،
تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، 1418 هـ ـ 1998 م .
53 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي ، تحقيق صبحي الصالح ، دار
الكتاب اللبناني / بيروت ، 1980 م .
54 ـ هداية الأبرار إلىٰ طريق الأئمّة الأطهار ، للشيخ حسين الكركي ،
تصحيح رؤوف جمال الدين ، النجف ، 1396 هـ .
55 ـ وسائل الشيعة ، للحرّ العاملي الشيخ محمّد بن الحسن ، تحقيق
مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، 1416 هـ .
56 ـ وقاية الأذهان ، للشيخ محمّد رضا الأصفهاني ، تحقيق مؤسّسة
آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، 1413 هـ .

المصدر: عليّ الهاشمي - مجلة تراثنا ..

عدد مرات القراءة:
594
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :