مكانة «العقل» في التشريع
بسم الله الرحمٰن الرحيم
اتّفق علماء المسلمين علىٰ حرمة ممارسة الإنسان للتشريع في قبال الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسُنّة ؛ إذ أجمعوا ـ ولو نظريّاً ـ علىٰ أنّه لا اجتهاد في مقابل النصّ ، إلّا أنّهم اختلفوا بعد ذلك في تحديد موقع العقل في الشريعة علىٰ ثلاثة أقوال :
الأوّل : جواز رجوع الفقيه إلىٰ العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للتشريع في طولِ الكتاب والسُنّة ، لمعرفة أحكام الموضوعات التي لم يرد نصّ من الشارع لبيان حكمها الشرعي .
الثاني : جواز اتّخاذ العقل طريقاً كاشفاً عن الأحكام الشرعية التي لا نجد دليلا عليها من الآيات والروايات .
الثالث : حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها المتمثّلة في الكتاب والسُنّة .
وسوف نتعرّض في ما يلي لكلّ من هذه الأقوال بالبحث والنقد ، ونحاول أن نتعرَّف أيّها الحقيق بالاتّباع . .
أمّا القول الأوّل :
فهو يمثّل اتّجاهاً لدىٰ بعض فقهاء أهل السُنّة ، يفسح المجال لتدخّل العقل في التشريع ، بذريعة عدم بيان الشريعة لأحكام جميع الموضوعات ، وهذا الاتّجاه هو المعروف بـ : « اجتهاد الرأي » ، في قبال التعبّد بالنصوص وعدم الانسياق وراءَ الرأي والتقدير الشخصي في مجال تحديد الأحكام ، الذي كان عليه أئمة أهل البيت عليهمالسلام والسائرون علىٰ هداهم . .
قال ابن حزم : « فكان ممّا حدث بعده صلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة أشياء غلط فيها القوم فتديّنوا بها ، ووفّق الله تعالىٰ آخرين لإسقاط القولِ بها ، ويسّرهم للثبات علىٰ ما بيّنه تعالىٰ في كتابه وعلىٰ لسانِ رسوله ، وتلك الأشياء التي حدثت هي : الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد .
فكان حدوث الرأي في القرن الأوّل . . . وحقيقة معنىٰ لفظ الرأي الذي اختلفنا فيه هو : الحكم في الدين بغير نصّ ، ولكن بما رآه المفتي أحوط وأعدل في التحريم والتحليل أو الإيجاب .
ومَن وقف علىٰ هذا الحدّ وعرف معنىٰ الرأي ، اكتفىٰ في إيجاب المنع منه بغير برهان ؛ إذ هو قول بلا برهان » (1) .
ويمكن إبطال هذا القول بالأدلّة التالية :
الدليل الأوّل :
ما دلّ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة علىٰ انحصار حقّ
__________________
(1) الصادع في الردّ علىٰ من قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، مجلّة
دراسات أُصولية ـ قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) ، ص 237 ـ 238 .
التشريع بالله عزّ وجلّ ، وعلىٰ حرمة تدخّل الإنسان في مجال التشريع ،
ومن ذلك :
1 ـ قوله تعالىٰ : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ ) (1) .
ومن الواضح : أنّ ما أنزله الله سبحانه علىٰ نبيّه الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم منحصر
بالكتاب والسُنّة ، فالآية صريحة في الدلالة علىٰ انحصار التشريع بهما ،
وفي إلحاقِ من يلجأ إلىٰ استمداد الأحكام من غيرهما بالكافرين .
فإن قيل :
إنّ هذه الآية توجب الحكم بما أنزل الله تعالىٰ ، ولكنّها لم تنهَ عن
الأخذ بحكم العقل في ما لم ينزل به من الله حكم .
فالجواب :
إنّ هذا يرد علىٰ فرض وجود وقائع لم ينزل بها حكم شرعي ، وهو
ليس صحيحاً قطعاً ؛ لِما هو ثابت بالعديد من أدلّة الكتاب والسُنّة ـ التي
سنعرض لها عمّا قريب ـ من أنّ أحكام الشريعة شاملة لكلِّ الوقائع ، وأنّه
ما من واقعة إلّا ولله فيها حكم ، والروايات المفسِّرة لهذه الآية (2) تدلّ
علىٰ أنّ المراد : أنّ الأحكام جميعها قد بُلّغت ، وأنّ المخالف لِما بُلّغ
ونَزل في القرآن أو سُنّة النبيّ والأئمّة المعصومين عليهمالسلام حاكم بغير ما أنزل
الله تعالىٰ .
__________________
(1) سورة المائدة 5 : 44 .
(2) سنورد بعضها ضمن عنوان : الدليل الثالث ، من هذا البحث .
2 ـ قوله تعالىٰ عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ õ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (1) .
وهو يؤكّد أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم مع كونه أكمل الخلق وأكرمهم علىٰ الله
سبحانه ، ليس مخوّلاً بإصدار الأحكام استناداً إلىٰ عقله ورأيه الشخصي ،
وإنّما هو مقيّد بتبليغ ما يتلقّاه من ربّه عن طريق الوحي ، فغيره ممّن لا يبلغ
شأوه من الناس أَوْلىٰ بأن يمنع من اتّخاذ رأيه وعقله مصدراً للتشريع .
هذا وقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام قوله لهشام بن الحكم : « إنّ لله
علىٰ الناسِ حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل
والأنبياء والأئمّة عليهمالسلام ، وأمّا الباطنة فالعقول » (2) .
ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا الحديث أنّ العقل يقع في مرتبة النبيّ
والإمام من حيث خصوصيّة كونهما مصدراً للتشريع ؛ فإنّ هذه الخصوصيّة
قد نُفيت عن العقل بالأدلّة التي نسوق بعضها فعلاً في هذا البحث ، وأُثبتت
للحجّة الظاهرة فقط .
قال تعالىٰ : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (3) ،
وقال تعالىٰ : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (4) ،
فأعطىٰ بذلك حقّ الطاعة والتشريع للنبيّ والإمام ، وهما الحجّة الظاهرة ،
وميّزهما بذلك عن الحجّة الباطنة ، أي : العقل .
فلا بُدّ من حمل مراد الشارع بالحديث المذكور علىٰ الجانب
__________________
(1) سورة النجم 53 : 3 و 4 .
(2) الكافي 1 / 16 ح 12 كتاب العقل والجهل .
(3) سورة النساء 4 : 59 .
(4) سورة الحشر 59 : 7 .
العقائدي خاصّة دون التشريعي ، وأنّ الحجّة الباطنة تهدي الإنسان إلىٰ
معرفة ربّه ، وإلىٰ إدراك أنّه ليس بوسعه أن يعرف ما يرضي الله
وما يسخطه ، بل لا بُدّ له من طلب الرسل ليتعرّف منهم دين الله تعالىٰ ،
ويصوغ سلوكه الفردي والاجتماعي في إطار أحكام الدين ، وسيأتي قريباً
ما أقرّه الإمام الصادق عليهالسلام من « أنّ مَن عَرفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف
أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا برسول ،
فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم
الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضة » (1) .
3 ـ الروايات المتضافرة في مصادر الفريقين التي تنهىٰ عن ( الابتداع )
في الدين ، وهو : إدخال ما ليس من الدين فيه .
فكلّ حكم لم يرد فيه نصّ من الشارع ، لا يجوز لأيّ أحد من الناس
أن يضيفه إلىٰ الشريعة وأن يلزم به المسلمين ؛ لأنّه لو كان مراداً للشارع
المقدّس لجاء به نصٌّ من الكتاب أو السُنّة .
وقد كثرت الروايات التي تذمّ الابتداع وتحذّر منه وتتوعّد عليه ؛ نظراً
لِما ينتج عنه من اختلاط التشريع الإلٰهي بالأحكام الوضعية التي ما أنزل الله
بها من سلطان .
ومن هذه الروايات :
1 ـ قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أَحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه ،
فهو ردّ » (2) .
__________________
(1) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(2) كنز العمّال 1 / 219 ح 1101 .
2 ـ قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « اتّبعوا ولا تبتدعوا ؛ فقد كفيتم » (1) .
3 ـ قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا وكلّ بدعة ضلالة ، ألا وكلّ ضلالة في النار » (2) .
4 ـ قول أمير المؤمنين عليهالسلام : « ما أُحدثت بدعة إلّا ترك بها سُنّة ،
فاتّقوا البِدع ، وٱلزموا المَهْيَع » (3) .
5 ـ قوله عليهالسلام أيضاً : « إنّما بدءُ الفتن أهواء تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ،
يخالَف فيها كتاب الله ، يُقلّد فيها رجالٌ رجالاً علىٰ غير دين الله » (4) .
الدليل الثاني :
ما دلَّ من الأحاديث علىٰ أنّ الإنسان ليس مكلّفاً بالتشريع ؛ لأنّه
لا يمتلك القدرة علىٰ معرفة ما يرضي الله تعالىٰ وما يسخطه ، وليس لديه
إحاطة بالملاكات الواقعية التي يقوم عليها التشريع وتبتني عليها الأحكام
الإلٰهيّة ، ومن هذه الأحاديث :
1 ـ قول الإمام الصادق عليهالسلام : « ليس لله علىٰ خلقه أن يعرفوا ،
وللخلقِ علىٰ الله أن يعرّفهم ، ولله علىٰ الخلقِ إذا عرّفهم أن يقبلوا » (5) .
2 ـ عن الإمام الصادق عليهالسلام في حديث طويل أنّه قال : « بالعقل عرف
العباد خالقهم وأنّهم مخلوقون ، وأنّه المدبِّرُ لهم وأنّهم المدبَّرون ، وأنّه
__________________
(1) كنز العمّال 1 / 221 ح 1112 .
(2) الكافي 1 / 57 ح 22 .
(3) نهج البلاغة : الخطبة 145 . .
والمَهْيَع : الطريق الواسع المنبسط ، كنايةً عن سعة الشريعة ووفائها بجميع
الأحكام بنحوٍ لا يترك مسوّغاً للابتداع .
(4) نهج البلاغة : الخطبة 50 .
(5) الكافي 1 / 164 ح 1 .
الباقي وهم الفانون . . .
قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟
قال : إنّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ،
علم أنّ الله هو الحقّ ، وأنّه هو ربّه ، وعلم أنّ لخالقه محبّة ، وأنّ له كراهة ،
وأنّ له طاعة ، وأنّ له معصية ، فلم يجد عقلَه يدلُّه علىٰ ذلك » (1) .
أي : لم يجد عقله يدلّه علىٰ ما يحبّه الله ولا علىٰ ما يكرهه ، حتّىٰ
يعرف العصيان من الطاعة .
3 ـ « عن منصور بن حازم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : . . . إنّ مَن
عَرَفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربِّ رضاً وسخطاً ، وأنّه
لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا بوحي أو رسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد
ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة
المفترضة . . . فقال عليهالسلام : رحمك الله » (2) .
الدليل الثالث :
ما دلَّ من الآيات والروايات علىٰ إكمال الدين ووفاء النصوص
الشرعية ببيان أحكام جميع الموضوعات ، وأنّه ما مِن واقعة إلّا وللهِ فيها
حكم ، ومنها :
1 ـ قوله تعالىٰ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (3) .
__________________
(1) الكافي 1 / 29 كتاب العقل والجهل .
(2) الكافي 1 / 168 ـ 169 ح 2 كتاب الحجّة .
(3) سورة المائدة 5 : 3 .
2 ـ قوله تعالىٰ : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (1) .
3 ـ قوله تعالىٰ : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (2) .
4 ـ قول الإمام الصادق عليهالسلام : « ما مِن شيء إلّا وفيه كتاب أو
سُنّة » (3) .
5 ـ قول الإمام الباقر عليهالسلام : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يدع شيئاً تحتاج
إليه الأُمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجعل لكلِّ شيء
حدّاً ، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل علىٰ مَن تعدّىٰ ذلك الحدِّ
حدّاً » (4) .
6 ـ ما ورد عن سماعة ، أنّه سأل الإمام عليّ بن موسىٰ الرضا عليهالسلام :
« أكلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو تقولون فيه ؟
فقال : بل كلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه » (5) .
7 ـ « عن الإمام الرضا عليهالسلام : فمَن زعمَ أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل
دينه ، فقد ردَّ كتاب الله ، ومَن ردَّ كتاب الله فهو كافر » (6) .
8 ـ عن الإمام الصادق عليهالسلام وهو يتحدّث عن شمول الشريعة :
« فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيءٍ يحتاج إليه الناس ، حتّىٰ الأرش في
الخدش » (7) .
__________________
(1) سورة الأنعام 6 : 38 .
(2) سورة النحل 16 : 89 .
(3) الكافي 1 / 59 ح 4 .
(4) الكافي 1 / 59 ح 2 .
(5) الكافي 1 / 62 ح 10 .
(6) معاني الأخبار : 96 .
(7) بصائر الدرجات : 198 ، باب 12 في الأئمّة أنّ عندهم الصحيفة الجامعة ح 4 ،
الكافي 1 / 339 كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة ح 1 .
ويتحصّل ممّا تقدّم :
أوّلا : إنّ النصوص الواردة في الدليل الأوّل ، تدلّ علىٰ حرمة اتّخاذ
العقل مصدراً مستقلّاً للتشريع .
ثانياً : إنّ نصوص الدليل الثاني توضّح علّة هذا التحريم ، وأنّها عدم
قدرة العقل علىٰ إدراك ملاكات الأحكام من المصالح والمفاسد ، بل إنّ
تكليف الإنسان بمعرفة الأحكام غير معقول ؛ لأنّه تكليف بغير المقدور .
ثالثاً : إنّ نصوص الدليل الثالث تثبت عدم الحاجة أصلاً إلىٰ
العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للأحكام في طولِ الكتاب والسُنّة ؛ لأنّها
تنصّ علىٰ وفاء الشريعة بأحكام جميع الوقائع ، وتنقض الأساس الذي
استند إليه أصحاب القول الأوّل ، من عدمِ توفّر البيان الشرعي لأحكام
بعض الوقائع .
وقد كان أصحاب القول بالرأي علىٰ وعي بأنّ الذهنية الإسلامية
لا تستسيغ تدخّل الإنسان في التشريع ، ولا ترتضي تحكيم العقل في قبال
النصوص الشرعية ، ولأجل ذلك حاولوا إقناع هذه الذهنية بأنّ هناك أحكاماً
لم توضّحها النصوص ، الأمر الذي يضطرّنا إلىٰ الاستعانة باجتهاد الرأي
لسدِّ الفراغ الحاصل في أدلّة الأحكام .
وقد كان عمر بن الخطّاب هو رائد اتّجاه تحكيم الرأي في مجال
التشريع ، الأمر الذي تفطّن له وأقرّ به كثير من الباحثين ، ومنهم :
1 ـ الدكتور محمّد رواس قلعهچي ؛ فقد قال في مقدّمة كتابه من
موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي : « إنّ الأُستاذ لمدرسة الرأي هو عمر
ابن الخطّاب ؛ لأنّه واجه من الأُمور المحتاجة إلىٰ التشريع ما لم يواجهه
خليفة قبله ولا بعده » (1) .
2 ـ الدكتورة نادية العمري ؛ فقد قالت : « لم يكن الاجتهاد بالرأي
والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعةً ابتدعها التابعون المقيمون
في العراق ، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة ، منهم
عمر بن الخطّاب » (2) .
3 ـ الأُستاذ أحمد أمين ؛ الذي قال : « بل يظهر لي أن عمر كان
يستعمل الرأي في أوسع من المعنىٰ الذي ذكرناه ؛ ذلك أنّ ما ذكرناه هو
استعمال الرأي حيث لا نصَّ من كتاب ولا سُنّة ، لكنّنا نرىٰ عمر سار أبعدَ
من ذلك ، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو
الحديث ، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه ، وهو أقرب شيء إلىٰ
ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته » (3) .
وقد كان عمر بن الخطّاب يتحدّث عن نقص الأدلّة الشرعية وكأنّه أمر
مفروغ عنه ، « قال الشعبي : قال لي عمر بن الخطّاب : ما في كتاب اللهِ
وقضاءِ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فاقضِ به ، فإذا أتاك ما ليس في كتاب اللهِ ولم يقضِ به
النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما قضىٰ به أئمّة العدل ، وما لم يقضِ به أئمّةُ العدل ، فأنت
بالخيار ، إن شئت أن تجتهد رأيك ، وإن شئت تؤامرني ، ولا أرىٰ مؤامرتك
إيّاي إلّا أسلم لك » . أخرجه وكيع في أخبار القضاة ( 2 / 189 ) » (4) .
وقد عمد القائلون بالرأي إلىٰ دعم ما يذهبون إليه ببعض الروايات ،
__________________
(1) موسوعة فقه السلف 1 / 85 .
(2) اجتهاد الرسول : 321 .
(3) فجر الإسلام : 238 .
(4) روضة الناظر وجنّة المناظر 1 / 11 مقدّمة المحقّق .
ومنها :
õ أوّلاً : حديث يرويه « الحارث بن عمرو ، عن رجال من أصحاب
معاذ ؛ أنّ النبيّ لمّا بعثه إلىٰ اليمن ، قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟
قال معاذ : أقضي بكتاب الله .
قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟
قال معاذ : فبسُنّة رسول الله .
قال : فإن لم يكن في سُنّة رسول الله ؟
قال معاذ : أجتهد رأيي .
قال : فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : الحمدُ لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله
إلىٰ ما يرضي رسولَ الله » (1) .
ويلاحظ علىٰ هذا الحديث :
أوّلاً : مناقشة العلماء في سنده ؛ فقد ذكروا فيه : أنّه ضعيف من
جهتين (2) :
الأُولىٰ : أنّه مرسل لا حجّة فيه ؛ لأنّه مرويّ عن أُناس من أهل
حمص غير معروفين .
والأُخرىٰ : أنّ راويه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة هو
نفسه مجهول أيضاً . .
قال ابن الجوزي : « هذا حديث لا يصحّ . . . لأنّ الحارث بن عمروٍ
__________________
(1) مسند أحمد 5 / 236 ، سُنن الترمذي 3 / 616 ح 1327 وح 1328 ، سُنن
أبي داود سليمان بن الأشعث 3 / 303 ح 3592 .
(2) أُصول الفقه 3 / 193 .
مجهول ، وأصحاب معاذٍ من أهل حمص لا يُعرفون ، وما هذا طريقه
لا وجه لثبوته » (1) .
وقال ابن حزم : « لا يصحّ ؛ لأنّ الحارث مجهول ، وشيوخه
لا يُعرفون ، فلا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه ، وهو باطل لا أصل له » (2) .
ثانياً : إنّ هذا الحديث معارَض بحديث آخر رواه ابن ماجة في
الواقعة نفسها بسنده « عن معاذ ، قال : لمّا بعثني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ اليمن
قال : لا تقضينَّ ولا تفصلنَّ إلّا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر فقف حتّىٰ
تتبيّنه ، أو تكتب إليَّ فيه » (3) .
ويعضد هذا الحديث موافقته لآيات الكتاب المتقدّمة ، التي
تحرّم علىٰ الإنسان ممارسة التقنين ، وتصرّح بانحصار حقّ التشريع
بالله عزّ وجلّ .
ثالثاً : إنّ السيرة العملية لمعاذ تكذِّب هذا الحديث ؛ فقد روىٰ
مالك في موطّئه : « أنّ معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ،
ومن أربعين بقرة مسنّة ، وأُتي بما دون ذلك ، فأبىٰ أن يأخذ منه شيئاً ،
وقال : لم أسمع من رسول الله فيه شيئاً ، حتّىٰ ألقاه فأسأله » (4) . .
فسيرة معاذ في اليمن لم تكن قائمة علىٰ اجتهاد الرأي ، وإنّما كانت
علىٰ التوقّف ومراجعة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في ما لا يعلم حكمه ، تطبيقاً لِما أوصاه
به النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في الرواية التي تقدّم ذكرها عن ابن ماجة .
__________________
(1) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية 2 / 758 ح 1264 .
(2) الإحكام في أُصول الأحكام 6 / 373 .
(3) سُنن ابن ماجة 1 / 21 ح 55 .
(4) الموطّأ 1 / 260 باب : ما جاء في صدقة البقر .
رابعاً : إنّه حديث واضح الاختلاق ؛ إذ كيف يُعقل أن يقرّ
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فكرة نقص الشريعة ! وكيف يرضىٰ لواليه أن يتدخّل
في التشريع ، مع تصريح الآية الكريمة بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه لا ينطق عن
الهوىٰ ، وأنّ ما يبلّغه منحصر بما يتلقّاه وحياً من الله عزّ وجلّ ؟ !
õ ثانياً : حديث رواه أبو داود ، قال : « حدّثنا إبراهيم بن موسىٰ ،
حدّثنا عيسىٰ ، حدّثنا أُسامة ( هو ابن زيد ) ، عن عبيد الله بن أبي رافع ،
قال : سمعت أُمّ سلمة من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : أنا أقضي بينكم برأيي
في ما لم ينزل علَيَّ فيه » (1) .
وردّه ابن حزم بقوله : « أمّا حديث أُمّ سلمة فساقط لوجوه :
أوّلها : أنّه لا يصحّ ؛ لأنّ راويه أُسامة بن زيد ضعيف ؛ أيَّ الأُسامتين
كان : أُسامة بن زيد الليثي ، أو أُسامة بن زيد بن أسلم .
والثاني : إنّ رأي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حقّ مقطوع به ؛ وليس رأي غيره
كذلك ، قال الله عزّ وجلّ : ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّـهُ ) (2) . . . فوضح أنّ معنىٰ قوله : ( في ما لم ينزل عليه
فيه ) إنّما هو ممّا لم ينزل عليه فيه قرآن ، فيحكم بما أراه الله تعالىٰ من
الوحي ، فبطل تعلّقهم بهذا الخبر لو صحَّ ، وهو لا يصحّ » (3) .
أقول :
لو صحَّ هذا الحديث لا يبطل تعلّقهم به ؛ لأنّ ما لم ينزل عليه
__________________
(1) سُنن أبي داود 3 / 302 كتاب الأقضية ح 3585 .
(2) سورة النساء 4 : 105 .
(3) الصادع : 246 ـ 247 .
فيه شيء شامل لكلّ من الكتاب والسُنّة ، إذ كلّ منهما وحي نازل من
الله عزّ وجلّ ، ولو كان يريد بالنازل خصوص القرآن ، لَما قال : ( أقضي
بينكم برأيي ) الظاهر في إرادة الرأي الشخصي ، ولقال : أقضي بينكم بما
أراني الله .
ولكنّ الرواية ليست صحيحة ، لا لِما ذكره من ضعف سندها فقط ،
وإنّما لمنافاتها لآيات الكتاب الصريحة في أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يتقوّل علىٰ الله :
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ õ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) .
ويلاحظ :
أنّ أئمّة أهل البيت عليهمالسلام وقفوا موقفاً حاسماً من اتّجاه الرأي ،
وشجبوه شجباً قاطعاً ، وأكّدوا في أحاديثهم ما نصّ عليه كتاب الله من كمال
الدين ، وعدم جواز تدخّل الإنسان في الأحكام بالزيادة والنقصان . .
روىٰ : « حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، قال : سأله سَوْرة
ـ وأنا شاهد ـ فقال : جعلت فداك بمَ يفتي الإمام ؟ قال : بالكتاب . قال :
فما لم يكن في الكتاب ؟ قال : بالسُنّة . قال : فما لم يكن في الكتاب
والسُنّة ؟ فقال : ليس من شيء إلّا في الكتاب والسُنّة » (1) .
وعن الإمام الباقر عليهالسلام أنّه قال : « لو حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ مَن
قبلنا ، ولكنّنا حدّثنا ببيّنة من ربّنا ، بيّنها لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبيّنها لنا » (2) .
« وفي هذا الحديث الشريف عبرة لمَن اعتبر ؛ لأنّه إذا كان هذا حال
المعصوم لو اعتمد في استنباط الأحكام علىٰ رأيه وٱجتهاده من غير نصّ ،
__________________
(1) بصائر الدرجات : 408 .
(2) بصائر الدرجات : 319 .
مع عصمته المانعة من الخطأ ، فكيف حال من يترك النصّ لاجتهاد ورأي
ضعيف يعترف بأنّه يحتمل الخطأ والصواب ؟ ! » (1) .
وبينما يقول أصحاب الرأي : إنّ للمجتهد أجرين في حال الإصابة ،
وأجراً واحداً في حال الخطأ ، نجد الإمام الصادق عليهالسلام ـ وقد سأله
أبو بصير : ترِد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنّة ، فننظر
فيها ؟ ـ يقول : « لا ، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت علىٰ
الله عزّ وجلّ » (2) .
وقد استحوذت فكرة قصور النصوص الشرعية عن الوفاء بأحكام
جميع الوقائع علىٰ أذهان أصحاب هذا الاتّجاه ، فأصبحوا يناقشون أتباع
خطّ الإمامة المتعبّدين بالنصوص ويحاولون إحراجهم بذِكر قضايا يتوهّمون
أنّه لا نصَّ شرعياً فيها ، فكانوا يتلقّون منهم إجابات حاضرة ومحكمة
تجعلهم لا يحيرون جواباً .
ومن شواهد ذلك : ما جاءَ في رجال الكشّي عن حريز ، « قال :
دخلت علىٰ أبي حنيفة وعنده كتب كانت تحول في ما بيننا وبينه ، فقال :
هذه الكتب كلّها في الطلاق .
قلت : نحن نجمع هذا كلّه في حرف .
قال : وما هو ؟
قلت : قوله تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) (3) .
__________________
(1) هداية الأبرار : 142 .
(2) الكافي 1 / 56 ح 11 ، وسائل الشيعة 27 / 40 ح 33156 .
(3) سورة الطلاق 65 : 1 .
فقال لي : وأنت لا تعلم شيئاً إلّا برواية ؟
قلت : أجل .
قال : ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته ألف درهم فأدّىٰ تسعمئة
وتسعة وتسعين ، ثمّ أحدث ( يعني : الزنا ) كيف تحدّه ؟
قلت : عندي حديث ؛ حدّثني محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليهالسلام :
أنّ عليّاً عليهالسلام كان يضرب بالسوطِ وبثلثه وبنصفه وببعضه وبقدر أدائه .
فقال لي : فإنّي أسألك عن مسألة لا يكون فيها شيء ؛ فما تقول في
جمل أُخرج من البحر ؟
فقلت : إن شاء فليكن جملاً ، وإن شاء فليكن بقرة ، إن كانت عليه
فلوس أكلناه ، وإلّا فلا » (1) .
ويلاحظ :
أنّ مقتضىٰ ما ثبت من حرمة التشريع ، هو ما أكّدته النصوص من
كمال الدين وٱستيعاب الأحكام الشرعية لجميع الوقائع ، ذلك أنّ عدم وفاء
الأدلّة الشرعية بجميع الأحكام ، مع عدم السماح للإنسان بتعيين أحكام
ما ليس عليه دليل شرعي ، يوقع الإنسان في العسر والحرج ، وهو أمر
مخالف للحكمة ، فلا يمكن صدوره من الشارع المقدّس .
ومنه يتّضح : أنّ افتراض عدم مصادمة التشريع العقلي للتشريع
الإلٰهي ؛ وأنّ أحكام العقل تكون في طول التشريع الإلٰهي لا في قباله ، هو
افتراض يقوم علىٰ دعوىٰ نقص الشريعة وعدم وفائها ببيان جميع الأحكام ،
وهي دعوىً ثبت بطلانها بالنصوص الدالّة علىٰ إكمال الدين وأنّه ما من
__________________
(1) اختيار معرفة الرجال ـ للشيخ الطوسي ـ : 448 ح 718 .
واقعة إلّا ولله فيها حكم .
وإذاً ، فاتّخاذ العقل مصدراً للتشريع ، الذي اصطلحوا عليه باجتهاد
الرأي لا يكون إلّا في قبال النصّ ، وهو ما اتّفق المسلمون علىٰ حرمته ، وأنّ
ادّعاء قصر اللجوء إلىٰ العقل علىٰ حالات عدم بيان حكم الواقعة في
الكتاب والسُنّة ، هو ادّعاء لا يُراد به إلّا التغطية علىٰ الهدف الحقيقي
لأصحاب هذا الاتّجاه ، الّذين أرادوا التدخّل في التشريع والتصرّف في
الأحكام عن طريق الإضافة تارة ، والتغيير والتبديل تارة أُخرىٰ .
ولا أدلَّ علىٰ ذلك من أنّ الأحكام التي أصدرها أصحاب هذا
الاتّجاه ، كانت كلّها من نوع الاجتهاد في مقابل النصّ ، وٱستعراض جميع
هذه الأحكام يخرج بنا عن حدود هذا البحث ، فينبغي لنا تقديم نماذج
يسيرة منها ، تاركين لمَن يرغب المزيد متابعة البحث في مظانّه (1) .
فمن نماذج ذلك :
1 ـ تشريع عمر الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة ، أو دفعات في مجلس
واحد ، بأن يقول : أنتِ طالق ثلاثاً ، أو يكرّر لفظ الطلاق بقوله : أنتِ طالق ،
أنتِ طالق ، أنتِ طالق . .
فقد حكم عمر بأنّها تحسب ثلاث تطليقات حقيقية ، فتحرم المرأة
علىٰ زوجها حتّىٰ تنكح زوجاً غيره ، علىٰ الرغم من أنّ الثابت شرعاً أنّ هذا
الطلاق يحسب طلقة واحدة ، وأنّ الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعدّ مثل هذا
الطلاق لعباً بالكتاب ؛ فقد أخرج النسائي « عن محمود بن لبيد ، قال : أُخبر
رسول الله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً ، فقام غضبان ثمّ
__________________
(1) ومنها كتاب النصّ والاجتهاد للعلّامة السيّد عبد الحسين شرف الدين قدسسره .
قال : أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ! » (1) .
« وعن ابن عبّاس ، قال : طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد ،
فحزن عليها حزناً شديداً ، فسأله رسول الله : كيف طلّقتها ؟ قال : طلّقتها
ثلاثاً في مجلس واحد ، قال : إنّما تلك طلقة واحدة ، فارتجعها » (2) .
ومع ذلك أعمل عمر رأيه في هذا الحكم المنصوص ، وٱحتسب مثل
هذا الطلاق ثلاثاً .
« روىٰ مسلم عن ابن عبّاس ، قال : كان الطلاق علىٰ عهد
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ،
فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه
أناة ، فلو أمضيناه عليهم » (3) .
« عن طاووس ، قال : قال عمر بن الخطّاب : قد كانت لكم في الطلاق
أناة فاستعجلتم أناتكم ، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك » (4) .
2 ـ تشريع عمر صلاة ( التراويح ) في شهر رمضان ، وهي ( بدعة )
بنصّ كلام النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وباعتراف عمر نفسه ؛ فقد جاء في مصادر العامّة
الحديثية : أنّ عمر قد اطّلع في زمان خلافته علىٰ الناس ، وهم يتنفّلون ليلاً
في المسجد النبوي في شهر رمضان ، فرأىٰ أن يجمعهم علىٰ قارئ واحد ،
ليصلّوا النافلة جماعة ، بدلاً من أن يصلّوها فرادىٰ ، فجمعهم علىٰ أُبيّ بن
كعب ، ثمّ اطّلع عليهم ليلة أُخرىٰ وهم يصلّون هذه النافلة في جماعة ،
__________________
(1) سُنن النسائي 6 / 104 ـ 105 ح 3401 ، الدرّ المنثور 5 / 427 .
(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2 / 61 ، الدرّ المنثور 1 / 668 .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 10 / 312 .
(4) كنز العمّال 9 / 676 ح 27943 .
فأعجبه ذلك وقال : نِعمَ البدعة هذه (1) .
وقد جاء بعد ذلك فقهاء التبرير ، فقاموا بتقسيم البدعة إلىٰ : بدعة
محمودة وبدعة مذمومة ، والحقّ : إنّ هذا التقسيم إنّما يصحّ في المعنىٰ
اللغوي للبدعة ، وهو : الشيء الحادث المخترع ، تبعاً لكونه نافعاً للفرد
والمجتمع أو ضارّاً بهما ، وأمّا البدعة بالمعنىٰ الشرعي ، فإنّها لا تكون
إلّا مذمومة وغير جائزة ؛ لأنّها تدخّل في التشريع ، وإدخال ما ليس من
الدين فيه .
والذي تؤكّده المصادر : أنّ هناك محاولات جرت في زمن
النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لإقامة صلاة التراويح ، وجوبهت برفض النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم القاطع
لها ، وتصريحه بأنّها بدعة وليست من الدين في شيء .
فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال : « صوم شهر رمضان
فريضة ، والقيام في جماعة في ليله بدعة ، وما صلّاها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
في لياليه بجماعة ، ولو كان خيراً ما تركه ، وقد صلّىٰ في بعض ليالي شهر
رمضان وحده ، فقام قوم خلفه ، فلمّا أحسَّ بهم دخل بيته ، فعل ذلك ثلاث
ليالٍ ، فلمّا أصبح بعد ثلاث صعد المنبر ، فحمد الله وأثنىٰ عليه ثمّ قال : أيّها
الناس ! لا تصلّوا النافلة ليلاً في شهر رمضان ولا في غيره جماعةً ؛ فإنّها
بدعة ، ولا تصلّوا الضحىٰ ؛ فإنّها بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة
سبيلها إلىٰ النار ، ثمّ نزل وهو يقول : قليل في سُنّة خير من كثير في
بدعة » (2) .
3 ـ تحريم عمر لمتعة الحجّ ومتعة النساء ، مع اعترافه صراحة بثبوت
__________________
(1) صحيح البخاري 2 / 707 كتاب صلاة التراويح .
(2) دعائم الإسلام 1 / 213 .
تشريعهما ؛ إذ خطب الناس يوماً فقال : « متعتان حلالتان كانتا علىٰ عهد
رسولِ الله ، وأنا أنهىٰ عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحجّ ، ومتعة
النساء » (1) .
وفي رواية أُخرىٰ أنّه قال : « أيّها الناس ! ثلاث كنَّ علىٰ عهد
رسول الله ، وأنا أنهىٰ عنهنَّ ، وأُحرّمهنَّ ، وأُعاقب عليهنَّ : متعة الحجّ ،
ومتعة النساء ، وحيَّ علىٰ خير العمل » (2) .
وفي صحيح مسلم : « عن أبي نضرة ، قال : كان ابن عبّاس يأمر
بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهىٰ عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله ،
فقال : علىٰ يدي دار الحديث ، تمتّعنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا قام عمر
( أي : بأمر الخلافة ) قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما يشاء بما يشاء ، وإنّ
القرآن قد نزل منازله ، فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله ، وأبتّوا نكاح هذه
النساء ، فلن أُؤتىٰ برجل نكح امرأةً إلىٰ أجل إلّا رجمته بالحجارة » (3) .
وقد علّق العلّامة المرحوم شرف الدين علىٰ قول عمر : « فأتمّوا الحجّ
والعمرة كما أمركم الله » بقوله : « ما أدري والله ما المراد بهذا الكلام ، فهل
كان رسول الله يتمّ الحجّ والعمرة علىٰ خلاف ما أمر الله ؟ ! وهل كان هو
[ عمر ] ومخاطبوه أعرف منه صلىاللهعليهوآلهوسلم بأوامر الله ونواهيه ؟ ! » (4) .
وأخرج مسلم في صحيحه « عن سعيد بن المسيّب ، قال : اجتمع
عليّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهىٰ عن المتعة والعمرة ، فقال له عليّ :
__________________
(1) التفسير الكبير ، في تفسير قوله تعالىٰ : ( فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) ( سورة
البقرة 2 : 196 ) ، وقوله تعالىٰ : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ ) ( سورة النساء 4 : 24 ) .
(2) شرح التجريد : 374 أواخر مبحث الإمامة .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 401 باب : في المتعة بالحجّ والعمرة .
(4) النصّ والاجتهاد : 186 الهامش .
ما تريد إلىٰ أمر فعله رسول الله تنهىٰ عنه ؟ ! فقال عثمان : دعنا منك ؛ فقال
عليّ : إنّي لا أستطيع أن أدعك » (1) .
والذي تظهرنا عليه المصادر التاريخية والحديثية التي دُوّنت بأقلام
العامّة ، أنّ أصحاب هذا الاتّجاه كانوا قد بدأوا بممارسة نشاطهم من أجل
التدخّل في التشريع مقابل ما هو ثابت بالنصّ ، في حياة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن
جملة الشواهد التي يمكن تقديمها لإثبات ذلك :
1 ـ اعتراض عمر بن الخطّاب علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في إمضائه
صلح الحديبية ؛ إذ قال له : ألستَ نبيَّ الله حقّاً ؟
قال : بلىٰ .
قال : ألسنا علىٰ الحقّ ، وعدوّنا علىٰ الباطل ؟
قال : بلىٰ .
قال : فلِم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟
فقال : إنّي رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري .
قال : أَوَليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّوّف به ؟
قال : بلىٰ ، فأخبرتك أنّا نأتيه العام ؟ !
قال : قلت : لا .
قال : فإنّك آتيه ومطّوّف به » (2) .
ومن هذا النصّ يتبيّن : أنّ عمر كان يعتدّ برأيه ، ولا يتعبّد بفعل
النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لا يصدر إلّا عن الوحي الإلٰهي ، ويحاول جاهداً أن يجد
ثغرةً ينفذ منها لإثبات خطأ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في مواقفه .
__________________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8 / 428 .
(2) صحيح البخاري 2 / 978 كتاب الشروط .
2 ـ اعتراض عمر علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حينما أمرَ أبا هريرة بقوله :
اذهب ، فمَن لقيته يشهد أن لا إلٰه إلّا الله ، مستيقناً بها قلبه ، فبشّرْه بالجنّة .
فكان أوّل من لقيه عمر ، فسأله عن شأنه ، فأخبره بما أمره به
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال أبو هريرة : « فضرب عمر بيده بين ثدييّ ، فخررتُ
لأستي ، فقال : ارجع يا أبا هريرة ! فرجعت إلىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأجهشت
بكاءً ، وركبني عمر فإذا هو علىٰ أثري . . . فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :
يا عمر ! ما حملك علىٰ ما فعلت ؟ !
قال : يا رسول الله ! أبعثت أبا هريرة بأنّ مَن لقي الله يشهد أن لا إلٰه
إلّا الله ، مستيقناً بها قلبه ، فبشّرْه بالجنّة ؟ !
قال : نعم .
قال : فلا تفعل ! فإنّي أخشىٰ أن يتّكل الناس عليها ، فخلِّهم يعملون .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : فخلِّهم » (1) .
والذي تفيده المصادر : أنّه « لم يكن لهذه المعارضة عنده صلىاللهعليهوآلهوسلم أيَّ
أثر ، وقد بلَّغ تلك البشرىٰ للأُمّة بنفسه ، فسمعها منه عمر نفسه ، وعثمان
ابن عفّان ، ومُعاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وعتبان بن مالك (2) ،
وغيرهم ، حتّىٰ تجاوزت حدّ التواتر ، فكانت من الضروريّات بين
المسلمين ، علىٰ اختلافهم في المذاهب والمشارب » (3) .
ومنه يتّضح : أنّ عبارة : ( قال رسول الله : فخلِّهم ) الواردة في
المصدر ، مُقحمة في النصّ ، وموضوعة علىٰ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويُراد بها
__________________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 182 ـ 184 .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 166 ـ 188 .
(3) النصّ والاجتهاد : 183 .
الإيهام بأنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم صحَّح رأي عمر ، ونسب نفسه إلىٰ الخطأ
ـ حاشاه ـ ولأجل ذلك ذهب بعض علماء العامّة ، كـ : النووي ، والقاضي
عيّاض ، إلىٰ القول : « إنّ الصواب في هذه الواقعة كان إلىٰ جانب عمر ،
وٱدّعوا أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم صوّبه حين عرض عليه رأيه » (1) .
والأدهىٰ من ذلك أنّ بعضهم حاول أن يؤسّس علىٰ ذلك قاعدة
مفادها : « إنّ الإمام والكبير مطلقاً ، إذا رأىٰ شيئاً ورأىٰ بعض أتباعه خلافه ،
ينبغي للتابع أن يعرضه علىٰ المتبوع ؛ لينظر فيه ، فإن ظهر له ما قاله التابع
هو الصواب ، رجع المتبوع إليه ، وإلّا بيّن للتابع جواب الشبهة التي عرضت
له .
قلتُ : إنّما يصغىٰ لهذا الكلام إذا لم يكن المتبوع نبيّاً بحقّ ، أمّا إذا
كان نبيّاً فليس لأحدٍ من الأُمّة كافّة إلّا السمع والطاعة والإيمان الخالص من
كلِّ شبهة » (2) .
3 ـ منع عمر من كتابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قُبيل وفاته كتاباً يعصم
الأُمّة من الضلال ، وٱتّهامه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه يهجر ، وهي الحادثة
المعروفة بـ : « رزيّة يوم الخميس » ، وهي جرأة علىٰ مقام
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وٱجتهاد صريح في قبال النصّ ، وتحكيم للرأي
الشخصي علىٰ ما يراه الله ورسوله .
ومن بواعث العجب إصرار بعضهم علىٰ تصحيح موقف عمر
بقولهم : « إنّ عمر كان موفّقاً للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب
إلهام من الله تعالىٰ ! وهذا ممّا لا يصغىٰ إليه في مقامنا هذا ؛ لأنّه يرمي
__________________
(1) النصّ والاجتهاد : 184 ، صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 183 الهامش .
(2) النصّ والاجتهاد : 184 .
إلىٰ أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ ،
وأنّ إلهامه يومئذٍ كان أصدق من الوحي الذي نطق به الصادق
الأمين صلىاللهعليهوآلهوسلم » (1) .
والملاحظ :
أنّهم يجهدون لحدّ الآن لتصحيح رأي عمر بمثل هذا العذر ، مع أنّ
عمر نفسه يصرّح بأنّه إنّما منع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة الكتاب ؛ لعلمه بأنّه
أراد أن يسجّل خطّيّاً ما كان يؤكّده بأقواله من إمامة عليّ عليهالسلام ومرجعيّته
السياسية والتشريعية للأُمّة من بعده ، وأنّ عمر أدرك أنّ الكتاب سيكون
وثيقة خطّيّة تقف عقبةً في وجه الاجتهاد وإعمال الرأي في أمر الإمامة . .
فقد نقل ابن أبي الحديد عن تاريخ بغداد أنّ عمر سأل ابن عبّاس
عن الإمام عليّ عليهالسلام : « يا عبد الله ! عليك دماء البدن إن كتمتنيها ، هل
بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نصّ عليه ؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عمّا يدّعيه ،
فقال : صدق . فقال عمر : لقد كان من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في أمره ذرو من
قول لا يثبت حجّة ، ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما ، ولقد
أراد في مرضه أن يصرّح باسمه ـ يعني عليّاً ـ فمنعتُ من ذلك ؛ إشفاقاً
وحيطة علىٰ الإسلام . . . » (2) .
فهو يرىٰ نفسه أشفق علىٰ الإسلام من الله ورسوله ! ولست أدري أيّة
شفقة تتحقّق في منع رسول الله من كتابة ما يعصم الأُمّة من الضلال ؟ !
__________________
(1) النصّ والاجتهاد : 162 .
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 12 / 20 ـ 21 .
والذي نخلص إليه من البحث في القول الأوّل :
أوّلاً : إنّ اتّخاذ العقل مصدراً مستقلّاً للتشريع محكوم بالحرمة
شرعاً ، وإنّ الشارع المقدّس قد أكمل الدين وبيّن أحكام جميع الوقائع .
ثانياً : إنّ استعمال العقل والرأي في التشريع لا يكون إلّا في قبال
النصّ ، ما دامت الشريعة قد تكفّلت ببيان أحكام جميع الوقائع ، وإنّ دعوىٰ
اتّخاذ العقل مصدراً للتشريع في طول الكتاب والسُنّة ، وفي خصوص
الأحكام التي لم يبيّنها الشارع ، هي دعوىً باطلة يُراد بها التغطية علىٰ
التدخّل في التشريع ، وخلط الأحكام الإلٰهيّة بالقوانين الوضعيّة ؛ لبطلان
أرضية تلك الدعوىٰ ، وهي : وجود أحكام لم يُبيّنها الشارع ، بل إنّ
الشريعة لم تترك حكماً لم تستوعبه فبقي مهملاً .
وأمّا القول الثاني :
فهو : ما يذهب أصحابه إلىٰ جواز الرجوع إلىٰ العقل بوصفه كاشفاً
مستقلّا عن الأحكام الشرعية ، وهم طائفتان تختلف كلّ منهما عن
الأُخرىٰ ، أوّلاً : في نوعية المسوّغ الذي يَفرِض في رأيها الرجوع إلىٰ العقل
لاكتشاف الحكم الشرعي ، وثانياً : في الطريقة التي تسلكها لاستكشاف
الحكم الشرعي عن طريق العقل .
أمّا الطائفة الأُولىٰ :
فيمثّلها أصحاب القياس ، ويرون : أنّ مسوّغ الرجوع إلىٰ العقل إمّا
عدم توفّر النصّ الشرعي علىٰ حكم الواقعة ، وإمّا عدم حصول العلم
بصدور الدليل علىٰ الحكم من الشارع ؛ ذلك أنّ الروايات المنقولة لنا في
كتب الحديث ـ عدا ما ثبت بالتواتر وبالضرورة من الدين ـ لا طريق للعلم
بصدورها واقعاً من النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّ منهج نقد السند في إثبات صحّة
الحديث ، لا يثبت صحّة جميع الروايات ليسوغ العمل بها ونسبة مضامينها
إلىٰ الشارع المقدّس ، ومن هنا لا بُدّ من الرجوع إلىٰ العقل لاكتشاف أحكام
الموضوعات التي لا دليل صحيحاً عليها .
وأمّا طريقة اكتشاف الحكم الشرعي عقلاً لدىٰ هذه الطائفة ، فهي التي
اصطلح عليها بـ : « القياس الفقهي » ، وعُرّف بأنّه : « إثبات حكم في محلّ
بعلّةٍ ؛ لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة » (1) ؛ ذلك لأنّ الحكم يدور مدار علّته
وملاكه .
وقال ابن حزم : « حَدَثَ القياس في القرن الثاني ، وقال به بعضهم ،
وأنكره سائرهم وتبرّأُوا منه .
ومعنىٰ لفظ ( القياس ) الذي اختلفنا فيه هو : أنّهم قالوا : يجب أن
يحكم بما لا نصَّ فيه من الدين ، بمثلِ الحكم بما فيه نصّ وفي ما أُجمع
عليه من حكم الدين . .
ثمّ اختلفوا ؛ فقال حذّاقهم : لاتّفاقهما في علّة الحكم . وقال بعضهم :
لاتّفاقهما في وجهٍ من الشبه » (2) .
ومن روّاد هذه الطريقة في اكتشاف الحكم الشرعي : أبو حنيفة ،
الذي قيل عنه : إنّه « بلغت روايته إلىٰ سبعة عشر حديثاً أو نحوها » (3) .
ومّما استدلّوا به علىٰ صحّة طريقية القياس : الرواية المرسلة عن
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 183 .
(2) الصادع : 238 .
(3) مقدّمة ابن خلدون : 444 .
معاذ بن جبل التي قدّمنا ذِكرها ، وعلمت ما فيها ، وقالوا : « قد أقر النبيّ
الاجتهاد بالرأي ، وٱجتهاد الرأي لا بُدّ من ردّه إلىٰ أصل ، وإلّا كان رأياً
مرسلاً ، والرأي المرسل غير معتبر ، فانحصر الأمر بالقياس » (1) .
ولا شكَّ في صحّة القياس ومشروعيّته إذا كانت علّة الحكم منصوصاً
عليها من قبل الشارع ، كما لو قال : ( حُرِّمت الخمر لإسكارها ) ؛ إذ العُرف
يفهم من هذه العبارة : أنّ الحرمة منصبّة في الواقع علىٰ المسكر ، وأنّ
الخمر فرد من أفراده ، فيقوم بتعدية الحكم الشرعي لكلّ سائل مسكر وإن
لم يُسمَّ خمراً .
« فإذا وردَ نصٌّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه ،
فإنّه يصحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلىٰ المقيس بشرطين :
الأوّل : أن نعلمَ بأنّ العلّة المنصوصة تامّة ، يدور معها الحكم أينما
دارت .
الثاني : أن نعلم بوجودها في المقيس » (2) .
ولكنَّ نصَّ الشارع علىٰ علّة الحكم وملاكه حالة نادرة جدّاً ؛ ولأجل
ذلك نجد العاملين بالقياس يلجأُون عادة إلىٰ الظنون والاحتمالات العقلية
لتشخيص علّة الحكم الثابت في الأصل واستنباطها ، ثمَّ يقومون بتسرية هذا
الحكم إلىٰ موضوع آخر يماثل موضوع الأصل في توفّره علىٰ تلك العلّة
المستنبطة .
إلّا أنّ هذه الطريقة لا تؤدّي إلىٰ العلم بأنّ العلّة التي افترضوها هي
العلّة الحقيقية للحكم ، كما أنّ وجود تشابه وتماثل بين موضوعين في أمر
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 193 .
(2) أُصول الفقه 3 / 187 .
من الأُمور لا يلزم منه تماثلهما في جميع الخصوصيّات ، ومنها علّة الحكم
الشرعي ؛ ذلك لأنّ العقل لا طريق له للعلم بعلل وملاكات الأحكام
الشرعية ؛ لأنّها أُمور توقيفية لا تُعلم إلّا بالسماع من الشارع المقدّس ؛
وعليه : فغاية ما يؤدّي إليه جهد القائس هو الظنّ بعلّة الحكم الشرعي ، وهو
لا يغني من الحقّ شيئاً .
ولأجل ذلك نجد أئمّة أهل البيت عليهمالسلام قد وقفوا موقفَ الرافض
المفنّد لهذه الطريقة في تشخيص الأحكام الشرعيّة ؛ لِما تؤدّي إليه من
تسرّب الأحكام العقلية الظنّية إلىٰ منظومة الأحكام الشرعية ، وتقديمها إلىٰ
الأُمّة باعتبارها جزءاً من الأحكام الإلٰهية ، وقد دخل بعض الأئمّة عليهمالسلام في
مناظرات مباشرة مع أصحاب هذه الطريقة ، أثبتوا لهم فيها بطلانها وعدم
مشروعيّتها بأدلّة قاطعة .
ومن شواهد ذلك :
1 ـ قول الإمام الصادق عليهالسلام : « إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم
بالمقاييس ، فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بُعداً ، وإنّ دين الله لا يصاب
بالمقاييس » (1) .
2 ـ « عن الإمام الصادق عليهالسلام قال لبعض أصحابه : إيّاك وخصلتين
مهلكتين : تفتي الناس برأيك ، وتدين بما لا تعلم ، إنّ أوّل من قاس
إبليس ، وإنّ أوّل من سنَّ لهذه الأُمّة القياس لمعروف » (2) .
3 ـ ما جاء في جواب الإمام الصادق عليهالسلام حينما قال له ابن شُبرمة :
__________________
(1) المحاسن 1 / 211 .
(2) دعائم الإسلام 2 / 536 .
« يا أبا عبد الله ! إنّا قضاة العراق ، وإنّا نقضي بالكتاب والسُنّة ، وإنّه ترد
علينا أشياء نجتهد فيها بالرأي . . . فأقبل أبو عبد الله عليهالسلام فقال : أيّ رجل
كان عليّ بن أبي طالب ؟ ! فقد كان عندكم بالعراق ، ولكم به خبر ؛ فأطراه
ابن شبرمة ، وقال فيه قولاً عظيماً ، فقال له أبو عبد الله عليهالسلام : فإنّ عليّاً أبىٰ
أن يُدخل في دين الله الرأي ، وأن يقول في شيء من دين الله بالرأي
والمقاييس » (1) .
4 ـ « عن ابن جميع ، قال : دخلت علىٰ جعفر بن محمّد ، أنا وﭐبن
أبي ليلىٰ وأبو حنيفة . . . فقال لابن أبي ليلىٰ : مَن هذا معك ؟ قال : هذا
رجل له بصر ونفاذ في أمر الدين . قال : لعلّه يقيس أمر الدين برأيه . . .
[ إلىٰ أن قال ] : يا نعمان ! حدّثني أبي عن جدّي : أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
أوّل مَن قاس أمر الدين برأيه إبليس ، قال الله تعالىٰ له : اسجد لآدم ، فقال :
أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين ؛ فمَن قاس الدين برأيه قرنه
الله تعالىٰ يوم القيامة بإبليس ؛ لأنّه اتّبعه بالقياس » (2) .
5 ـ « عن ابن شُبرمة ، قال : دخلت أنا وأبو حنيفة علىٰ جعفر بن
محمّد ، فقال لأبي حنيفة : اتقِ الله ولا تقس الدين برأيك ؛ فإنّ أوّل مَن
قاس إبليس . . .
ثمّ قال جعفر عليهالسلام : ويحك ! أيّهما أعظم : قتل النفس أو الزنا ؟ ! قال :
قتل النفس . قال : فإنّ الله قد قبل في قتل النفس شاهدين ، ولم يقبل في
الزنا إلّا أربعة .
ثمّ قال : أيّهما أعظم : الصلاة أم الصوم ؟ ! قال : الصلاة . قال عليهالسلام :
__________________
(1) المحاسن 1 / 210 .
(2) حلية الأولياء : 3 / 196 ـ 197 .
فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة ؟ ! فكيف يقوم لك
القياس ؟ ! فاتّقِ الله ولا تقِس » (1) .
6 ـ « عن عثمان بن عيسىٰ ، قال : سألت أبا الحسن موسىٰ عليهالسلام عن
القياس ، فقال : ما لكم والقياس ؟ ! إنّ الله لا يُسأل كيف أحلَّ وكيف
حرّم » (2) .
7 ـ « عن محمّد بن حكيم ، عن أبي الحسن عليهالسلام ، قال : إنّما هلك
مَن كان قبلكم بالقياس ، إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يقبض نبيّه حتّىٰ أكمل له
جميع دينه ، في حلاله وحرامه ، فجاءَكم بما تحتاجون إليه في حياته ،
وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته ، وإنّها لصحف عند أهل بيته ، حتّىٰ أنّ
فيها أرش خدش الكفّ » (3) .
وقد حاول القائلون بالقياس إثبات حجّيّته وجوازه شرعاً ، وتشبّثوا
لذلك بأدلّة من الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل ، ولكنّها جميعاً أدلّة
موهونة مردودة عليهم (4) .
والعجيب من أمر أصحاب القياس أنّهم تمادوا فيه حتّىٰ ذهبوا إلىٰ
القول بإمكان ممارسة رسول الله نفسه للاستدلال القياسي ! بحجّة أنّ القياس
يقوم علىٰ معرفة علل الأحكام الشرعية ، ومَن أعلم من النّبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعلل
الأحكام وملاكاتها !
قال الشيرازي : « ولأنّ القياس استنباط معنىٰ الأصل وردّ الفرع إليه ،
__________________
(1) علل الشرائع 1 / 108 ـ 109 .
(2) الكافي 1 / 57 .
(3) بصائر الدرجات : 167 .
(4) لاحظ ردودها في : كتاب الأُصول العامّة للفقه المقارن ـ للعلّامة محمّد تقي
الحكيم قدسسره ـ : 332 ـ 357 .
والنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم بذلك من غيره ، فهو أَوْلىٰ » (1) .
بل ذهب بعضهم إلىٰ أنّ النبيّ مأمورٌ بممارسة القياس ، وأنّ عدم
ممارسته للقياس يقدح في عصمته ، واستدلّوا لذلك بقوله تعالىٰ : ( فَاعْتَبِرُوا
يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (2) بدعوى أنّه « أعلىٰ الناس بصيرةً وأكثرهم اطّلاعاً علىٰ
شرائط القياس ، وما يجب ويجوز فيها ، وذلك إنْ لم يرجّح دخوله في هذا
الأمر علىٰ دخول غيره ، فلا أقلّ من المساواة ، فيكون مندرجاً تحت الآية ،
فكان مأموراً بالقياس ، فكان فاعلاً له ، وإلّا قدح في عصمته » (3) .
ولا يخفىٰ ما في هذه الدعاوىٰ من الهبوط بشخصية النبيّ
الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من مقام النبوّة الشامخ ، والاتّصال الدائم المباشر بالوحي ،
ليكون بمنزلة أحد العلماء العاديّين ، فيضطرّ أحياناً لسلوك أساليبهم في
معرفة الأحكام ، التي لا تؤدّي عادةً إلّا إلىٰ الظنّ بالحكم الشرعي .
وأمّا الطائفة الثانية :
من الذاهبين إلىٰ جواز الرجوع إلىٰ العقل بوصفه كاشفاً مستقلّاً عن
الأحكام الشرعية ، فهي تتمثّل بما ذهب إليه معظم المتأخّرين من علمائنا ،
وهم يرون : أنّ « الذي يصلح أن يكون مراداً من الدليل العقلي المقابل
للكتاب والسُنّة هو : كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي . .
وبعبارة ثانية : هو : كلّ قضيّة عقلية يتوصّل بها إلىٰ العلم القطعي
بالحكم الشرعي . وقد صرّح بهذا المعنىٰ جماعة من المحقّقين المتأخّرين .
__________________
(1) التبصرة في أُصول الفقه : 522 .
(2) سورة الحشر 59 : 2 .
(3) المحصول في علم الأُصول 2 / 427 ـ 428 .
وهذا أمر طبيعي ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقلي مقابلاً للكتاب والسُنّة ،
فلا بُدّ أن لا يكون معتبراً إلّا إذا كان موجباً للقطع ، الذي هو حجّة
بذاته ، فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملاً للظنون وما لا يصلح للقطع
بالحكم من المقدّمات العقلية » (1) .
ومسوّغ الرجوع إلىٰ العقل لاستكشاف الحكم الشرعي لدىٰ هذه
الطائفة هو فقدان الدليل علىٰ بعض الأحكام ـ بعد صدوره من الشارع ـ
بسبب الحوادث الطبيعيّة أو الاجتماعية التي أدّت إلىٰ تلف وضياع بعض
المصادر الحديثيّة المبيّنة لأدلّة الأحكام الشرعية .
وأمّا طريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق
العقل بنحو العلم واليقين ، فقد تبلورت في تقسيم « مدركات العقل إلىٰ
مستقلّة وغير مستقلّة ، وأرادوا بالمستقلّة ما تفرّد العقل بها دون توسّط بيان
شرعي ، ومثّلوا له بإدراك العقل الحسن والقبح ، المستلزم لإدراك حكم
الشارع بهما ، وفي مقابلها غير المستقلّة ، وهي التي يعتمد الإدراك فيها علىٰ
بيان من الشارع ، كإدراكه وجوب المقدّمة عند الشارع بعد اطّلاعه علىٰ
وجوب ذيها لديه ، أو إدراكه نهي الشارع عن الضدّ العام بعد اطّلاعه علىٰ
وجوب ضدّه ، إلىٰ ما هنالك ممّا ذكروه من الأمثلة ، وأكثرها موضع
نقاش » (2) .
فطريقة هذه الطائفة في اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق العقل
تتحدّد في قاعدتين :
أُولاهما : قاعدة الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء أو قبحه ،
__________________
(1) أُصول الفقه 3 / 125 .
(2) الأُصول العامّة للفقه المقارن : 381 .
وبين حكم الشارع بوجوبه أو حرمته ، « والأمثلة التي أوردوها ، كوجوب
قضاء الدَين ، وردّ الوديعة ، والعدل ، والإنصاف ، وحسن الصدق النافع ،
وقبح الظلم وحرمته ، إنّما هي من صغريات هذه القاعدة » (1) .
والثانية : قاعدة الملازمة بين إدراك العقل لحكم ثابت بدليل شرعي ،
وبين حكم آخر للشارع مستكشَف بالملازمة المذكورة ، وقد تقدّم ذِكر
بعض صغريات هذه القاعدة .
والتعقيب علىٰ رأي هذه الطائفة يقع في نقطتين :
õ النقطة الأُولىٰ :
تتعلّق بما ذهبوا إليه من أنّ الشارع المقدّس بيّن أدلّة أحكام جميع
الوقائع وجعلها بين أيدي المكلّفين ، إلّا أنّ حوادث الدهر الطبيعية
والاجتماعية أتت علىٰ بعضها وضيّعته ، فلا بُدّ لسدّ الفراغ الناجم عن ذلك
من اللجوء إلىٰ العقل .
ويرِد علىٰ هذه الدعوىٰ :
أوّلاً :
أنّها منافية لقوله تعالىٰ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ ) (2) ، التي أكدّ فيها الله عزّ وجلّ تعهّده بحفظ دينه ، ولا معنىٰ
لحفظ الدين إلّا المحافظة علىٰ مصادره وعلىٰ الأدلّة المبيّنة لأحكامه
وتعاليمه ، وهي موزّعة علىٰ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة . .
__________________
(1) الأُصول العامّة للفقه المقارن : 282 .
(2) سورة الحجر 15 : 9 .
ولا يصحّ القول بأنّ المراد بالذِكر هو خصوص الكتاب ؛ لأنّ كلمة
( الذِكر ) تشمل بعمومها كلَّ ما أنزله الله تعالىٰ وحياً علىٰ نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، سواء
أكان وحياً بلفظه ومعناه ومتعبّداً بتلاوته وهو القرآن الكريم ، أم وحياً
بالمعنىٰ فقط غير متعبّد بتلاوته ، وهو الحديث الشريف .
وقال ابن حزم : « القرآن والخبر الصحيح بعضهما مضافٌ إلىٰ بعض ،
وهما شيءٌ واحدٌ في أنّهما من عند الله تعالى ، وحكمهما حكم واحدٌ في
باب وجوب الطاعة لهما . . . وقال تعالىٰ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ ) ، وقال تعالىٰ : ( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ) (1) ، فأخبر تعالىٰ
ـ كما قدّمنا ـ أنّ كلام نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم كلّه وحي ، والوحي بلا خلافٍ ذِكرٌ ،
والذِكر محفوظ بنصّ القرآن .
فصحّ بذلك أنّ كلامه صلىاللهعليهوآلهوسلم كلّه محفوظ بحفظ الله عزّ وجلّ ،
مضمون لنا أنّه لا يضيع منه شيء . . . فهو منقول إلينا كلّه » (2) .
واحتمال ضياع بعض أدلّة الأحكام لا منشأ له ـ بعد هذا ـ إلّا أحد
أمرين ، كلاهما غير معقول بالنسبة للشارع المقدّس :
الأوّل : أنّه تعالىٰ لم يفِ بعهده ، وترك للحوادث أن تذهب ببعض
النصوص المبيّنة لتعاليمه ، وهو احتمال باطل بملاحظة قوله تعالىٰ : ( إِنَّ
اللَّـهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (3) ، وقوله تعالىٰ : ( وَلَن يُخْلِفَ اللَّـهُ وَعْدَهُ ) (4) ،
وقوله تعالىٰ : ( وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ) (5) .
__________________
(1) سورة الأنبياء 21 : 45 .
(2) الإحكام في أُصول الأحكام 1 / 96 ـ 97 .
(3) سورة الرعد 13 : 31 .
(4) سورة التوبة 9 : 111 .
(5) سورة الحجّ 22 : 47 .
الثاني : أنّ قدرة الشارع المقدّس قد ضاقت عن السيطرة علىٰ
صروف الدهر ، ممّا أدّىٰ إلىٰ فقد بعض أدلّة الأحكام ، وهذا معناه : نسبة
العجز إلىٰ ساحته عزّ وجلّ ، وأنّه مغلوب علىٰ أمره ، وهو مردود بنحو قوله
تعالىٰ : ( وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ) (1) ، وقوله سبحانه : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ
عِبَادِهِ ) (2) ، وقوله : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ
وَلَا فِي الْأَرْضِ ) (3) .
ثانياً :
إنّ ما ذكروه من تلف كتب ابن أبي عمير نتيجة دفنه لها خوفاً
من السلطة ، وحرق مكتبة الشيخ الطوسي بسبب الفتنة الطائفية التي حصلت
في بغداد ، وقيام المغول بإتلاف مكتبات المسلمين ، وما إلىٰ ذلك
من الحوادث ، لا يتمّ الاستدلال به علىٰ ضياع أدلّة الأحكام وحصول
النقص في مصادر التشريع ، بل غاية ما يثبت به ضياع بعض تلك الكتب أو
بعض نسخها فقط ؛ ذلك أنّ مصنّفات المسلمين كانت واسعة الانتشار في
أرجاء العالم الإسلامي ، وكانت حركة التأليف والاستنساخ قائمة علىٰ قدم
وساق ، وكانت حوانيت الورّاقين التي تتولّىٰ مهمّة المطابع في عصرنا
الحاضر ، ومهنة استنساخ الكتب من المهن الرائجة آنذاك ، فإذا تلفت
نسخة أو أُخرىٰ من أحد الكتب في جهة ما ، بقيت لذلك الكتاب أكثر من
نسخة في بقية الجهات .
__________________
(1) سورة يوسف 12 : 21 .
(2) سورة الأنعام 6 : 18 و 61 .
(3) سورة فاطر 35 : 44 .
وممّا يؤيّد ذلك أنّ المعاصرين من الباحثين ومحقّقي التراث ، غالباً
ما يجدون أكثر من نسخة مخطوطة للكتاب الذي يرومون تحقيقه .
وتجدر الإشارة إلىٰ أنّ هناك مَن يشكّك في صحّة دعوىٰ إتلاف
المغول لكتب التراث (1) .
ثالثاً :
إنّ ممّا يبطل دعوىٰ ضياع نصوص بعض الأحكام : ما نجده بين
أيدينا فعلاً من الموسوعات الحديثيّة التي تفي باستنباط أحكام جميع
الوقائع ، ولا تترك حاجة أو ضرورة للاستعانة بالعقل . .
ولأجل ذلك نلاحظ : أنّه علىٰ الرغم من احتواء مصنّفات علمائنا علىٰ
مباحث الأدلّة والأُصول العقلية ، فإنّ معظمهم لا يجدون أنفسهم مضطرّين
إلىٰ الاستفادة منها عمليّاً ، ويصرّحون بوفاء الأدلّة الشرعية بالكشف عن
أحكام جميع الوقائع .
يقول السيّد الصدر في مقدّمة رسالته العملية : إنّه اعتمد في استنباط
فتاواها علىٰ « الكتاب والسُنّة النبوية الشريفة ، بامتدادها المتمثّل في سُنّة
الأئمّة المعصومين من أهل البيت عليهمالسلام باعتبارهم أحد الثقلين اللذين أمر
النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بالتمسّك بهما ، ولم نعتمد في شيء من هذه الفتاوىٰ علىٰ غير
هذين المصدرين .
أمّا القياس والاستحسان ونحوهما ، فلا نرىٰ مسوّغاً شرعيّاً للاعتماد
عليها ؛ تبعاً لأئمّة أهل البيت عليهمالسلام .
__________________
(1) الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي : 47 ـ 51 .
وأمّا ما يسمّىٰ بالدليل العقلي ، الذي اختلف المجتهدون والمحدّثون
في أنّه هل يسوغ العمل به أو لا ، فنحن وإن كنّا نؤمن بأنّه يسوغ العمل
به ، ولكنّنا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته علىٰ الدليل العقلي بهذا
المعنىٰ ، بل كلّ ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو
سُنّة .
وأمّا ما يسمّىٰ بالإجماع ، فهو ليس مصدراً إلىٰ جانب الكتاب
والسُنّة ، ولا يعتمد عليه إلّا من أجلِ كونه وسيلة إثبات للسُنّة في بعض
الحالات » (1) .
õ وأمّا النقطة الثانية :
فالكلام فيها علىٰ القاعدتين اللتين ذكروهما لاستكشاف الحكم
الشرعي عقلاً بنحو العلم واليقين ، لبيان وجود الأدلّة علىٰ ما ثبت بهما من
أحكام .
القاعدة الأُولىٰ :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك العقل العملي لحسن الأفعال أو
قبحها من جهة ، وبين حكم الشارع بوجوب تلك الأفعال أو حرمتها من
جهة أُخرىٰ ؛ فمن الواضح جدّاً أنّ الأحكام التي اكتشفوها عن طريق
الملازمة المذكورة ، كوجوب العدل وحرمة الظلم ، وغيرهما ممّا تقدّم
ذِكره ، كلّها منصوص عليها في الآيات والروايات .
__________________
(1) الفتاوىٰ الواضحة : 15 .
وأمّا القاعدة الثانية :
وهي : الملازمة العقلية بين إدراك حكم ثابت بدليل شرعي ، وبين
حكم شرعي آخر يستكشف عن طريق تلك الملازمة ؛ فسوف نستعرض
باختصار أهمّ ما ذكروه من مصاديق هذه القاعدة ، وهي :
أوّلاً : قاعدة الملازمة بين أمر الشارع بشيء ونهيه عن ضدّه .
والمراد بالضدّ في مصطلح الأُصوليّين : « مطلق المعاند والمنافي ،
وجودياً كان أو عدمياً » (1) ، فيشمل كلّاً من الضدّ والنقيض في مصطلح
المناطقة .
والملاحظ :
أنّ هذه القاعدة غير ثابتة لديهم ؛ فإنّ عمدة ما استدلّ به علىٰ هذه
الملازمة مسلكان :
أوّلهما : مسلك مقدّميّة ترك الضدّ لفعلِ ضدّه .
والثاني : مسلك التلازم ، وأنّ حرمة أحد المتلازمين تستلزم حرمة
ملازمه الآخر . .
ومثاله : ترك الصلاة الملازم لفعل الأكل ؛ فحرمة ترك الصلاة تستدعي
حرمة ضدّه الخاصّ الذي هو : الأكل .
وقد أبطل العلماء كِلا هذين المسلكين ؛ قال الآخوند الخراساني : « إنّ
توهّم توقّف الشيء علىٰ تركِ ضدّه ، ليس إلّا من جهة المضادّة والمعاندة
__________________
(1) كفاية الأُصول : 129 .
بين الوجودين ، وقضيّتها الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أنّ عدم المانع
من المقدّمات .
وهو توهّم فاسد ؛ وذلك لأنّ المعاندة والمنافرة بين الشيئين
لا تقتضي إلّا عدم اجتماعهما في التحقّق ، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد
العينين وما هو نقيض الآخر وبديله ، بل بينهما كمال الملاءمة ، كان أحد
العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة ، من دون أن يكون
في البين ما يقتضي تقدّم أحدهما علىٰ الآخر .
فكما أنّ قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدّم ارتفاع أحدهما
في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادَّين ، كيف ولو اقتضىٰ التضادّ توقّف
وجود الشيء علىٰ عدم ضدّه ، توقّف الشيء علىٰ عدم مانعهِ ، لاقتضىٰ
توقّفَ عدمِ الضدِّ علىٰ وجود الشيء ، توقّف عدم الشيء علىٰ مانعهِ ،
بداهة ثبوت المانعيّة في الطرفين ، وكون المطاردة من الجانبين ، وهو
دور واضح . . .
وأمّا من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم ،
فغايته أن لا يكون أحدهما فعلاً محكوماً بغير ما حكم به الآخر ، لا أن
يكون محكوماً بحكمه .
وعدم خلوّ الواقعة عن الحكم ، فهو إنّما يكون بحسب الحكم
الواقعي لا الفعلي ، فلا حرمة للضدّ من هذه الجهة أيضاً ، بل علىٰ ما هو
عليه ، لولا الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعلي من الحكم الواقعي » (1) .
وقال الشيخ المظفّر رحمهالله ـ بعد أن أثبت أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي
__________________
(1) كفاية الأُصول : 130 ـ 133 .
النهي عن ضدّه العامّ ، أي : نقيضه ـ : « إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء
للنهي عن ضدّه الخاصّ ، يبتني ويتفرّع علىٰ القول باقتضائه للنهي عن
ضدّه العامّ ، ولمّا ثبت ـ حسب ما تقدّم ـ أنّه لا نهي مولوي عن الضدّ
العامّ ، فبالطريق الأَوْلىٰ نقول : أنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ الخاصّ ؛ لِما
تقدّم من ابتنائه وتفرّعه عليه ، وعلىٰ هذا فالحقّ : أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي
النهي عن ضدّه مطلقاً ، سواء أكان عامّاً أو خاصّاً » (1) .
هذا بالنسبة لحكم العقل بالملازمة ، وأمّا ما يستفاد من الدليل
الشرعي ، أي : دليل الأمر بالشيء ، فإنّه كذلك لا دلالة فيه علىٰ حرمة ضدّه
كما حقّقه العلماء ، من أنّه لا يدلّ عليه لا بالمطابقة ولا بالتضمّن
ولا بالالتزام (2) .
قال صاحب الحدائق رحمهالله : وأمّا « استلزام الأمر بالشيء النهي عن
ضدّه الخاصّ ، فلم نقف له في الأخبار علىٰ أثر ، مع أنّ الحكم في ذلك
ممّا تعمّ به البلوىٰ ، وقد حقّقنا . . . أنّ التمسّك بالبراءة الأصلية [ أي :
العقلية ] في ما تعمّ به البلوىٰ من الأحكام بعد تتبّع الأدلّة وعدم الوقوف
علىٰ ذلك فيها ، حجّة واضحة ، ولو كان الأمر كما ذكروا ، لورد عنهم عليهمالسلام
النهي عن أضداد الواجبات من حيث هي كذلك . . . والتالي باطل ، علىٰ أنّه
لا يخفىٰ ما في القول بذلك من الحرج المنفي بالآية والرواية ، كما صرّح به
شيخنا الشهيد الثاني ، فيكون داخلاً في باب : اسكتوا عمّا سكت الله
عنه » (3) .
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 297 ـ 299 .
(2) كفاية الأُصول : 133 ، أُصول الفقه 2 / 296 .
(3) الحدائق الناضرة 1 / 59 ـ 60 .
وقال المحقّق الأصفهاني : إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن
ضدّه « يصعب الالتزام به ؛ إذ اللازم منه بطلان جميع العبادات الصادرة من
المديون بفلس واحد لغريمٍ مطالبٍ ، فلا يصحّ حجّه وصلاته وٱعتكافه ،
وغير ذلك من العبادات التي تضادّ الأداء ، وقلَّ مَن يسلم منه أو من نظائره ،
وهذا مخالف لضرورة الفقه ، بل الدين ، كما قال بعض الأساطين » (1) .
ونقل صاحب الحدائق عن الشهيد الثاني قوله بهذا الشأن : لو كان
الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، « لم يتحقّق السفر إلّا لأوحديّ
الناس ؛ لمصادمته ـ غالباً ـ لتحصيل العلوم الواجبة ، وقلّما ينفكّ الإنسان
عن شغل الذمّة بشيء من الواجبات الفوريّة ، مع أنّه علىٰ ذلك التقدير
موجب لبطلان الصلاة الموسّعة في غير آخر وقتها ، ولبطلان النوافل
اليومية وغيرها » (2) .
¢ ثانياً : قاعدة الملازمة العقلية بين إيجاب شيء شرعاً وبين إيجاب
مقدّمته شرعاً .
ولا بُدّ من الإشارة أوّلاً إلىٰ أنّ مقدّمة الواجب علىٰ نحوين :
© أوّلهما : المقدّمة الشرعية ، كمقدّمية الوضوء للصلاة ؛ وهذا النحو
من المقدّمة مرتبط بالشارع المقدّس ، فهو الذي يبيّنه من خلال إيجابه ،
ولولا ذلك لا يتمكّن العقل من إدراكه ليحكم بوجوبه .
© والنحو الثاني : المقدّمة العقلية ، وهي التي يتوقّف عليها تحقّق
__________________
(1) وقاية الأذهان : 297 ، وأشار في الهامش إلىٰ أنّ بعض الأساطين هو : الشيخ جعفر
الكبير كاشف الغطاء .
(2) الحدائق الناضرة 1 / 59 ـ 60 .
الواجب تكويناً ، كالسفر بالنسبة لأداء مشاعر الحجّ ، وهذه المقدّمة هي
محلّ البحث .
وقد تعدّدت الأقوال في هذه المسألة حتّىٰ تجاوزت العشرة ، وقد
أورد العلّامة المظفّر عناوين العشرة المهمّة منها ، وٱنتهىٰ إلىٰ القول بأنّ
الحقّ هو عدم وجوب مقدّمة الواجب العقلية ، « كما عليه جماعة من
المحقّقين المتأخّرين . . . وذلك لأنّه إذا كان الأمر بذي المقدّمة داعياً
للمكلّف إلىٰ الإتيان بالمأمور به ، فإنّ دعوته هذه ـ لا محالة بحكم العقل ـ
تحمله وتدعوه إلىٰ الإتيان بكلِّ ما يتوقّف عليه المأمور به تحصيلاً له .
ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلّف لا تبقىٰ حاجة إلىٰ
داع آخر من قبل المولىٰ ، مع علم المولىٰ ـ حسب الفرض ـ بوجود هذا
الداعي ؛ لأنّ الأمر المولويَّ ـ سواء كان نفسيّاً أم غيريّاً ـ إنّما يجعله المولىٰ
لغرضِ تحريكِ المكلّف نحو فعلِ المأمور به ؛ إذ يجعل الداعي في نفسه
حيث لا داعيَ ، بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من
المولىٰ ؛ لأنّه يكون من باب تحصيل الحاصل » (1) .
وأشار في حاشية البحث إلىٰ أنّ أوّل من تنبّه إلىٰ ذلك وبرهن
عليه ، هو أُستاذه الأصفهاني ، وعاضده عليه كلّ من السيّدين الخوئي
والحكيم .
قال المحقّق الأصفهاني : « إنّ العقل يذعن بأنّ ذا المقدّمة ـ المفروض
استحقاق العقاب علىٰ تركه لجعل الداعي نحوه ـ لا يوجد إلّا بإيجاد
مقدّمته ، فلا محالة تنقدح الإرادة في نفس المنقاد للبعث النفسي ،
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 292 ـ 293 .
ولا حاجة إلىٰ جعل داعٍ آخر إلىٰ المقدّمة بنفسها » (1) .
وقال المحقّق الخوئي : « لا دليل علىٰ وجوب المقدّمة وجوباً مولويّاً
شرعياً ؛ حيث إنّ العقل بعد أن رأىٰ توقّف الواجب علىٰ مقدّمته ، ورأىٰ أنّ
المكلّف لا يستطيع امتثال الواجب النفسي إلّا بعد الإتيان بها ، فبطبيعة الحال
يحكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدّمة توصّلاً إلىٰ الإتيان بالواجب ، ومع هذا
لو أمر الشارع بها فلا محالة يكون إرشاداً إلىٰ حكم العقل بذلك ؛ لاستحالة
كونه مولويّاً » (2) .
وقال السيّد الحكيم : « أمّا صحّة البعث مولويّاً إلىٰ المقدّمة زائداً علىٰ
البعث إلىٰ ذيها ، فيدفعها أنّ البعث إلىٰ ذيها كافٍ في البعث إليها في نظر
العقل ، فيكون البعث إليها لغواً » (3) .
وقد أنهىٰ الشيخ المظفّر رحمهالله بحثه عن مقدّمة الواجب بقوله : « إنّه
لا وجوبَ غيريَّ [ مقدّمي ] أصلاً ، وينحصر الوجوب المولوي بالواجب
النفسي فقط ، فلا موقع إذن لتقسيم الواجب إلىٰ النفسي والغيري ، فليحذف
ذلك من سجل الأبحاث الأُصولية » (4) .
¢ ثالثاً : مسألة اجتماع الأمر والنهي .
والمقصود بالاجتماع هنا : « الالتقاء الاتّفاقي بين المأمور به
والمنهيّ عنه في شيء واحد . . . كالمثال المعروف ( الصلاة في المكان
__________________
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 / 171 .
(2) محاضرات في أُصول الفقه 2 / 438 .
(3) حقائق الأُصول 1 / 296 .
(4) أُصول الفقه 2 / 293 .
المغصوب ) . . . المفروض فيه : أنّه لا ربط لعنوان الصلاة المأمور به بعنوان
الغصب المنهيّ عنه ، لكن قد يتّفق للمكلّف صدفة أن يجمع بينهما ، بأن
يصلّي في مكان مغصوب . . . فيكون هذا الفعل الواحد داخلاً في ما هو
مأمور به من جهة ، فيقتضي أن يكون المكلّف مطيعاً للأمر ممتثلاً ، وداخلاً
في ما هو منهيّ عنه من جهة أُخرىٰ ، فيقتضي أن يكون المكلّف عاصياً
به مخالفاً » (1) .
وقد اضطرّ القائلون بالجواز إلىٰ الخوض في بحوث لفظية دقيقة
بعيدة عن الفهم العرفي ، كالقول بأنّ متعلّق الحكم هو العنوان لا المعنون ،
أو أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون ، كلّ ذلك من أجل أن ينتهوا إلىٰ
تصحيح صلاة المكلّف في المغصوب ، وإن كانت له مندوحة من إتيانها
فيه ؛ لتمكّنه من الصلاة في غير المغصوب !
وكلّ هذا الجهد سببه توهّم وجود وقائع لا كاشف لها من الأدلّة
الشرعية ، وهو توهّم ليس له واقع .
ويلاحظ :
أنّهم انطلقوا في المثال المذكور من افتراض أنّ الشارع قد أصدر
حكمين ، أوّلهما : إيجاب الصلاة ، وثانيهما : تحريم الغصب ، فاجتمعا
صدفة في الصلاة في المغصوب ، فأخذوا يبحثون عن صحّة الصلاة في
هذا الفرض أو عدم صحّتها .
هذا مع وجود بعض الأدلّة الشرعيّة التي تبيّن حكم هذه المسألة ،
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 314 ـ 315 .
وهي :
أوّلاً : ما روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام في وصيّته لكميل بن زياد
النخعي من قوله : « وٱنظر في ما تصلّي ، وعلىٰ ما تصلّي ، إن لم يكن من
وجهه وحلّه ، فلا قبول » (1) .
ثانياً : ما جاء في المكاتبة عن صاحب الزمان ـ عجّل الله تعالىٰ
فرجه الشريف ـ « قال : لا يحلُّ لأحدٍ أن يتصرّف في مالِ غيره بغير
إذنه » (2) .
وهو دالٌّ علىٰ حرمة التصرّف الغصبي مطلقاً ، حتّىٰ لو كان ذلك
التصرّف بعنوانه الأوّلي عبادة واجبة ؛ ومع اتّصاف الصلاة في المغصوب
بعدم الحلّيّة ، وكونها مبغوضة للمولىٰ ، كيف يمكن التقرّب بها إليه ،
لتتّصف بالقبول والصحّة ؟ !
ثالثاً : ما جاء في عوالي اللآلي : « سأله بعض أصحابه ، فقال : يا بن
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ما حال شيعتكم في ما خصّكم الله به إذا غاب غائبكم
واستتر قائمكم ؟
فقال عليهالسلام : ما أنصفناهم إن واخذناهم ، ولا أحببناهم إذا عاقبناهم ،
بل نبيح لهم المساكن لتصحّ عباداتهم » (3) .
ودلالته واضحة علىٰ عدم صحّة العبادة مع عدم إباحة المكان .
وعليه : فتصحيح الصلاة في المغصوب بناءً علىٰ إمكان اجتماع الأمر
والنهي عقلاً منافٍ للأدلّة المتقدّمة ، وأمّا القول بعدم صحّتها ، فإنّه ليس
__________________
(1) تحف العقول : 174 ، بشارة المصطفىٰ : 28 ، وسائل الشيعة 5 / 119 ح 6088 .
(2) وسائل الشيعة 25 / 386 ح 32190 .
(3) عوالي اللآلي 4 / 5 ح 2 ، مستدرك وسائل الشيعة 7 / 303 ح 3 .
متوقّفاً علىٰ الاستناد إلىٰ قاعدة عدم إمكان الاجتماع عقلاً ؛ ذلك أنّ مسوّغ
اللجوء إلىٰ هذه القاعدة هو عدم وجود الدليل الشرعي ، وهو موجود بالأدلّة
المذكورة .
¢ رابعاً : مسألة الملازمة بين النهي والفساد .
والبحث فيها عن أنّ العقل هل يدرك وجود ملازمة بين نهي الشارع
عن شيء ، وبين حكم الشارع نفسه بفساد ذلك الشيء إذا ارتكبه المكلّف
أم لا ؟
والشيء المنهيّ عنه ، قد يكون عبادة كالنهي عن صوم العيدين ، وقد
يكون معاملة ، كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، والنهي عن بيع
الخمر والميتة والعبد الآبق .
والمراد بالفساد : ما يقابل الصحّة ، « والصحّة في العبادة والمعاملة
لا تختلف ، بل [ هي ] فيهما بمعنىً واحدٍ ، وهو التماميّة » (1) ، أي : مطابقة
كلٍّ منهما لِما هو معتبر فيها من الأجزاء والشرائط ، ومعنىٰ فسادهما عدم
المطابقة المذكورة .
ولازم فساد العبادة عدم سقوط الأمر بها وعدم سقوط الأداء والقضاء ،
ولازم فساد المعاملة عدم ترتّب أثرها عليها ، كالنقل والانتقال في عقد
البيع (2) .
أمّا في ما يتعلّق بالنهي عن العبادة ، فقد ذهبوا إلىٰ أنّ العقل يدرك
ثبوت الملازمة المذكورة ، وٱتّخذوا من ذلك قاعدة للحكم بفساد العبادة
__________________
(1) كفاية الأُصول : 182 .
(2) أُصول الفقه 2 / 348 ـ 349 .
المنهيّ عنها إذا أتىٰ بها المكلّف .
وأمّا في ما يتعلّق بالنهي عن المعاملة ، فقد أكّدوا « أنّ استناد الفساد
إلىٰ النهي إنمّا يصحّ أن يفرض ويتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه
موجوداً ، حتّىٰ شرائط المتعاقدين وشرائط العوضين ، وأنّه ليس في البين
إلّا المبغوضيّة الصرفة المستفادة من النهي ، وحينئذٍ يقع البحث في أنّ هذه
المبغوضيّة هل تنافي صحّة المعاملة أو لا تنافيها ؟
وأمّا إذا كان النهي دالّاً علىٰ اعتبار شيء في المتعاقدين ، أو
العوضين ، أو العقد ، مثلُ النهي عن بيع السفيه والمجنون والصغير ، الدالّ
علىٰ اعتبار العقل والبلوغ في البايع ، وكالنهي عن بيع الخمر والميتة والآبق
ونحوها ، الدالّ علىٰ اعتبار إباحة المبيع والتمكّن من التصرّف به ، وكالنهي
عن العقد بغير العربية ـ مثلاً ـ الدالّ علىٰ اعتبارها في العقد ، فإنّ النهي في
كلِّ ذلك لا شكَّ في كونه دالّاً علىٰ فساد المعاملة ؛ لأنّ هذا النهي في
الحقيقة يرجع إلىٰ . . . الإرشاد إلىٰ اعتبار شيء في المعاملة ، وقد تقدّم أنّ
هذا ليس موضع الكلام من منافاة نفس النهي بداعي الردع والزجر لصحّة
المعاملة » (1) .
وقد اختلفت الأقوال في هذه المسألة ، وفرّق المتأخّرون من العلماء
بين النهي عن المعاملة بمعنىٰ السبب ، أي : العقد الإنشائي ، كالنهي عن
البيع وقت النداء بصلاة الجمعة ، وبين النهي بمعنىٰ المسبّب ، كالنهي عن
بيع الخمر والعبد الآبق ، وذهبوا إلىٰ أنّ النهي عن المعاملة بمعنىٰ السبب
لا يلازم فسادها ، وأنّ النهي عن المسبّب يلازم الفساد .
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 355 ـ 356 .
ويلاحظ :
أنّ الجواب عن هذه المسألة لا يتوقّف علىٰ القول بثبوت الملازمة
العقلية بين النهي والفساد ، أو عدم ثبوتها ، بل يمكن معرفته اعتماداً علىٰ
فهم مفاد الأدلّة الشرعية ، ولأجل ذلك عدَّ بعض العلماء هذه المسألة من
مباحث الألفاظ .
قال الآخونذ الخراساني : « لا يخفىٰ أنّ عدَّ هذه المسألة من مباحث
الألفاظ إنّما هو لأجل أنّه في الأقوال قولٌ بدلالته [ أي النهي ] علىٰ الفساد
في المعاملات مع إنكار الملازمة بينه وبين الحرمة » (1) .
وقال المحقّق الأصفهاني : « لا يبعد دلالة النهي عنه [ أي الفساد ]
باللزوم بالمعنىٰ الأخصّ ؛ فتكون دلالته لفظيّة ، ويؤيّده فهم العرف ، ولذا
ترىٰ الفقهاء يستدلّون في أبواب الفقه علىٰ الفساد بالنهي ، ولعلّ القائل
بدلالته عليه شرعاً ينظر بطرف خفيّ إلىٰ هذه السيرة » (2) .
وقال الشيخ المظفّر : « قد يدّعي بعضهم أنّ هذه الملازمة ـ علىٰ
تقدير ثبوتها ـ من نوع الملازمات البيّنة بالمعنىٰ الأخصّ ، وحينئذٍ
يكون اللفظ الدالّ بالمطابقة علىٰ النهي ، دالّاً بالدلالة الالتزامية علىٰ فساد
المنهيّ عنه ، فيصحّ أن يراد من الدلالة ما هو أعمّ من الدلالة اللفظية
والعقلية » (3) .
والذي يبدو لي : أنّه لا شكَّ في دلالة صيغة النهي علىٰ الحرمة
__________________
(1) كفاية الأُصول : 180 .
(2) وقاية الأذهان : 404 .
(3) أُصول الفقه 2 / 347 .
التكليفية ، وٱستحقاق المكلّف العقاب إذا ارتكب المنهيّ عنه ، وأمّا الدلالة
علىٰ الفساد فليست مستفادة من صيغة النهي ، وإنّما تستفاد من أدلّة شرعية
أُخرىٰ ، ولذا يختلف حكم هذه المسألة باختلاف الموارد .
فدلالة النهي عن العبادة علىٰ فسادها ، تستفاد من علمنا بأنّ الشارع
قد اشترط في صحّة العبادة أن يؤتىٰ بها بقصد القربة ، وهو لا يتأتّىٰ مع
النهي عنها ، الكاشف عن حرمتها ومبغوضيّتها للشارع ؛ إذ لا يُعقل التقرّب
إلىٰ المولىٰ بما هو مبغوض له ، و « لا طاعة لمَن عصىٰ الله » (1) ، كما روي
عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأمّا النهي عن المعاملة ، فإنّه لا يدلّ علىٰ فسادها ، إلّا إذا كان دالّاً
علىٰ اعتبار شيء في العقد أو المتعاقدين أو العوضين ، كما تقدّم ذِكره ،
ومرجع ذلك إلىٰ فقد العقد لبعض الشروط المعتبرة في صحّته شرعاً .
وأمّا إذا كانت المعاملة مستوفية للشرائط وتعلَّق النهي بإيقاعها في
حالٍ معيّنة ، كالنهي عن البيع وقت النداء ، فإنّه لا دلالة لصيغة النهي علىٰ
بطلان المعاملة وعدم نفوذها ؛ قال الآخوند : « إنّ النهي الدالّ علىٰ حرمتها
لا يقتضي الفساد ؛ لعدم الملازمة فيها ـ لغة ولا عرفاً ـ بين حرمتها
وفسادها أصلاً » (2) .
فصيغة النهي عن إيقاع البيع وقت النداء ، لا تدلّ علىٰ أكثر من
الحرمة التكليفية والمبغوضيّة ، « ولم تثبت المنافاة لا عقلاً ولا عرفاً بين
مبغوضيّة العقد والتسبّب به ، وبين إمضاء الشارع له ، بعد أن كان العقد
مستوفياً لجميع الشروط المعتبرة فيه ، بل ثبت خلافها ، كحرمة الظهار ، التي
__________________
(1) كتاب سُليم : 408 .
(2) كفاية الأُصول : 187 .
لم تنافِ ترتّب الأثر عليه من الفراق » (1) .
وقد جرىٰ المحدّث البحراني قدسسره علىٰ هذه الطريقة ، فعالج هذه
المسألة في ضوء ما تقتضيه الأدلّة الشرعية ، وممّا قال بهذا الشأن : « إنّ
القاعدة التي بنوا عليها الكلام في المقام من أنّ النهي في غير العبادات
لا يقتضي الفساد وإن اشتهرت وتكرّرت في كلامهم . . .
إلّا أنّنا نرىٰ كثيراً من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها ، من حيث
النهي الوارد عنها في الروايات ، ومَن تتبّع كتاب البيع وكتاب النكاح عثر
علىٰ كثير منها ، كبيع الخمر والخنزير والعذرة وبيع الغرر ونحو ذلك . . .
وما ذكروه من القاعدة المشار اليها ، اصطلاح أُصولي لا تساعد عليه
الأخبار بحيث يكون أصلاً كلّيّاً وقاعدة مطّردة ، بل المفهوم منها كون
الأمر كذلك في بعض ، وبخلافه في آخر . . .
ويخطر بالبال ، في الجمع بين الأخبار المتصادمة في هذا المجال ، أن
يقال : إنّ النهي الواقع في الأخبار إن كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه
للدخول تحت مقتضىٰ العقد ، فإنّه يبطل العقد رأساً ، كالأشياء التي
ذكرناها ؛ فإنّ الظاهر أنّ النهي عنها إنّما وقع من حيث عدم قابليّتها للانتقال
إلىٰ ما أُريد نقلها إليه . .
وإن كان لا كذلك ، بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد
خارج ، أو نحو ذلك ممّا لا مدخل له في أصل العوضين ، فالحكم فيه
ما ذكروه من صحّة العقد ، وإن حصل الإثم باعتبار مخالفة النهي ، ومنه :
البيع وقت النداء ؛ فإنّ النهي عنه وقع من حيث الزمان ، فيقال بصحّة البيع
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 354 ـ 355 .
حينئذٍ لعدم تعلّق النهي بذاتِ شيء من العوضين باعتبار عدم قابليّته
للعوضيّة ، وإنّما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وإن أثم باعتبار إيقاعه في
ذلك الزمان المنهيّ عن الإيقاع فيه » (1) .
¢ خامساً : مسألة الإجزاء .
ويقع البحث في هذه المسألة عن أنّه هل توجد ملازمة عقلية بين
إتيان المكلّف بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري ، وبين حكم
الشارع بإجزاءِ ما أتىٰ به عن المأمور به بالأمر الأوّلي الاختياري ، أو
الواقعي ، أم لا ؟ وقد قسّموا البحث في هذه المسألة علىٰ مقامين :
© المقام الأوّل :
في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري ، ولم يتّفق العلماء هنا علىٰ
القولِ بالإجزاء عقلاً ، فما هو معروف في فتاواهم من القول بالإجزاء ،
لا بُدّ أن يكون مردّه إلىٰ ما استفادوه من الأدلّة الشرعية في هذا المقام .
قال الشيخ المظفّر رحمهالله : « لا شكَّ في أنّ هذه الأوامر الاضطرارية أوامر
واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالأوامر الأوّلية . . . وإذا امتثلها المكلّف
أدّىٰ ما عليه في هذا الحال وسقط عنه التكليف بها .
ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية
الثانوية ، ورجع المكلّف إلىٰ حالته الأُولىٰ من التمكّن من أداءِ ما كان عليه
واجباً في حالة الاختيار ، فهل يجزئه ما كان قد أتىٰ به في حال الاضطرار ،
__________________
(1) الحدائق الناضرة 10 / 176 ـ 177 .
أو لا يجزئه ، بل لا بُدّ له من إعادة الفعل في الوقت أداءً . . . أو إعادته
خارج الوقت قضاءً ؟
إنّ هذا أمر يصحّ فيه الشكّ والتساؤل ، وإن كان المعروف بين الفقهاء
في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقاً أداءً وقضاءً .
غير أنّ إطباقهم علىٰ القول بالإجزاء ليس مستنداً إلىٰ دعوىٰ أنّ
البديهيّة العقلية تقضي به ، لأنّه هنا يمكن تصوّر عدم الإجزاء بلا محذور
عقليّ ، أعني : يمكننا أن نتصوّر عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر
الاضطراري وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري » (1) .
وفصّل المحقّق الأصفهاني في هذا المقام في ما يخصّ حكم العقل
بالملازمة ، فقسّم المكلّف به اضطراراً إلىٰ ثلاثة أقسام :
أوّلها : أن يكون مشتملاً علىٰ عين مصلحة الواجب الأوّلي .
والثاني : أن يكون مشتملاً علىٰ مصلحة ملزمة لكنّها من غير نوع
المصلحة الموجودة في الفعل الاختياري .
والثالث : أن يكون مشتملاً علىٰ مرتبة نازلة من المصلحة القائمة
بالفعل الاختياري .
وذهب إلىٰ أنّ لازم الإتيان بالأوّل الإجزاء ، ولازم الإتيان بالثاني عدم
الإجزاء ، وفرّق في الثالث بين ما أمكن تدارك مصلحة الفعل الاختياري
فذهب إلىٰ عدم الإجزاء ، وما إذا لم يمكن ذلك فذهب إلىٰ الإجزاء (2) .
ثمّ قال : « هذا ، وأمّا الحكم بحسب الأدلّة ، فهو يختلف باختلاف
__________________
(1) أُصول الفقه 2 / 247 ـ 248 .
(2) وقاية الأذهان : 198 .
الموارد . . . فإنّ إجزاء هذه الأحكام عن الواقعيّات الأوّلية تابع لما يستفاد
من الأدلّة من أمر العذر الذي أخذه الشارع في موضوعاتها ، فإن علم منها
أنّه العذرُ وقت العمل ، فلا شكَّ في الإجزاء ؛ لأنّ المفروض أنّها بدل عن
تلك الأحكام ، ولا معنىٰ للجمع بين البدل والمبدل منه . . . وإن علم منها أنّه
العذر المستوعب ، فلا حكم حتّىٰ يبحث عن إجزائه ، وعلىٰ فرض عدم
استفادة أحد الأمرين من الأدلّة ، وٱنتهاء النوبة إلىٰ الأصل العملي ، فلا شكَّ
أنّ الأصل عدم تلك الأحكام ، فلا بُدّ من إحراز تلك الأوامر أوّلاً ، ثمّ
البحث عن إجزائها » (1) .
وقال الشيخ المظفّر ـ بعد أن قرّر أنّ ذهابهم إلىٰ القولِ بالإجزاء غير
مستند إلىٰ دعوىٰ أنّ البديهيّة العقلية تقتضي الإجزاء ـ : « لا إشكال في أنّ
المأتيَّ به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به في حال الاختيار ،
والقول بالإجزاء فيه ، معناه : كفاية الناقص عن الكامل ، مع فرض التمكّن
من أداءِ الكامل في الوقت أو خارجه ، ولا شكَّ في أنّ العقل لا يرىٰ بأساً
بالأمر بالفعل ثانياً بعد زوال الضرورة ؛ تحصيلاً للكامل الذي قد فات منه ،
بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها
الناقص ، ولا يسدُّ مسدَّ الكامل في تحصيلها .
والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة : ( أنّ الإتيان بالناقص ،
ليس بالنظرة الأُولىٰ ممّا يقتضي عقلاً الإجزاء عن الكامل ) ، فلا بُدّ أن
يكون ذهاب الفقهاء إلىٰ الإجزاء لسرٍّ هناك » (2) .
ثمّ إنّه ذكر أربعة أُمور تصلح كلّها أو بعضها لتوجيه القول بالإجزاء ،
__________________
(1) وقاية الأذهان : 200 ـ 201 .
(2) أُصول الفقه 2 / 247 ـ 248 .
وليس منها حكم العقل بالملازمة ، بل كلّها مستفادة من فهم النصوص
الشرعية الواردة في التكاليف الاضطرارية .
والحاصل : إنّ دلالة النصوص علىٰ إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر
الاضطراري عن الاختياري تُغني عن القول بالملازمة العقلية المفيدة
للإجزاء ، وأمّا القول بأنّ العقل يحكم بعدم الملازمة وعدم الإجزاء ، فإنّه
مناف لما هو مستفاد من الأدلّة الشرعية .
© المقام الثاني :
في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري ، وهو : الأمر الثابت بالحجج
الظاهرية ، أي : الأمارات والأُصول العملية ، فإذا أتىٰ المكلّف بالوظيفة وفقاً
للحجّة الظاهرية ، ثمّ انكشف الواقع بعد ذلك ، وتبيّن أنّه غير ما قامت عليه
الأمارة أو الأصل ، فهل يجب علىٰ المكلّف امتثال الأمر الواقعي أداءً في
الوقت وقضاءً خارجه ، أم لا يجب عليه ذلك ، ويجزي ما أتىٰ به علىٰ طبق
الأمارة والأصل ، وإن تبيّن خطَأُهما ؟
والرأي السائد لدىٰ العلماء هو عدم الإجزاء ، سواء انكشف خطأ
الأمارة أو الأصل يقيناً أو بحجّة معتبرة ، ولا فرق في ذلك بين قيام الحجّة
الظاهرية التي انكشف خطَأُها علىٰ الأحكام أو الموضوعات .
نعم ، ذهبوا إلىٰ الإجزاء في الأحكام ؛ للإجماع عليه ، لا لكونه
مقتضىٰ القاعدة العقلية .
هذا كلّه بناءً علىٰ ثبوت الحكم الظاهري ، وهو بحاجة إلىٰ إعادة
النظر ؛ لأنّه في مورد الأمارة يتوقّف علىٰ حجّيّة الظنّ ، وفي مورد الأصل
العملي يتوقّف علىٰ القول بعدم توفّر الأدلّة الشرعيّة علىٰ بعض الأحكام ،
وكِلا الأمرين محلّ تأمّل ونظر يحتاج بيانه إلىٰ بحث مستقلّ .
والحاصل من بحث الملازمات العقلية بنوعيها : أنّ بعضها غير ثابت
أصلاً ، والثابت منها لا يكشف عن أحكام ليس عليها دليل من الآيات
والروايات ، بحيث يتوقّف استنباطها علىٰ تلك الملازمات .
كما أنّ الحاصل من بحث الدليل العقلي عموماً :
أوّلاً : إنّ تشريع الأحكام عن طريق العقل مستقلّاً عن الأدلّة النقلية
من الكتاب والسُنّة محرّم شرعاً .
ثانياً : إنّ اكتشاف الأحكام الشرعية عن طريق القياس محرّم أيضاً ؛
لأنّه لا يؤدّي إلىٰ العلم بالحكم الشرعي ، ولا يفيد أكثر من الظنّ الذي
لا يغني من الحقّ شيئاً .
ثالثاً : إنّ اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق ما هو ثابت من
الملازمات العقلية وإن كان جائزاً ؛ لاشتراطه بأدائه إلىٰ العلم بالحكم ، إلّا أنّه
ليس ضرورياً ؛ إذ لا يتوقّف عليه الاستنباط بعد توفّر الأدلّة الشرعية
الكاشفة عن أحكام جميع الوقائع .
فينبغي صرف الجهد العقلي إلىٰ اكتشاف الأحكام من أدلّتها الشرعية ،
ولا حاجة لإنفاق الوقت والجهد في تأسيس قواعد لحلّ مشاكل افتراضية
ليس لها وجود في مجال استنباط الأحكام .
بقيت هناك نقطتان تجدر الإشارة إليهما في ختام البحث :
النقطة الأُولىٰ :
تتعلّق بتقريب كيفية وفاء الشريعة بأحكام جميع القضايا ، بما فيها
القضايا الحادثة بعد عصر التشريع ، فقد يقال بصعوبة تصوير ذلك ، بدعوىٰ
« أنّ النصوص التشريعية من قرآنٍ أو سُنّةٍ هي نصوصٌ متناهية ، بينما
الحوادث الواقعة والمتوقّعة غير متناهية ، فلا سبيل إلىٰ إعطاء الحوادث
والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلّا عن طريق
الرأي » (1) .
والجواب عن ذلك : إنّ الشارع المقدّس قد احتاط لهذا الأمر بأن
شرّع الأحكام علىٰ نحوين :
أوّلهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بموضوع خاصّ أو
عنوان جزئي ، فيختصّ به ولا يتعدّاه إلىٰ غيره ، كحرمة الخمر ، ووجوب
الصلاة .
وثانيهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بعنوان عامّ أو
موضوع كلّي يصلح للانطباق علىٰ أفراد ومصاديق متعدّدة ، وهذا النوع
من الأحكام هو المصطلح عليه لدىٰ الفقهاء بـ : « القواعد الفقهية » التي
تحدّد في ضوئها أحكام الوقائع المستجدّة التي ينطبق عليها العنوان
الكلّي أو الموضوع العامّ الذي تعلّق به الحكم الشرعي .
وبتشريع هذا النحو من الأحكام تتمكّن الشريعة من الوفاء بأحكام
القضايا المتجدّدة عبر الزمن ، بنحو لا يبقي فراغاً في منطقة التشريع ،
ولا يترك مجالاً لدعوىٰ ضرورة الاستعانة بالعقل في صياغة الأحكام أو
اكتشافها عن طريق القياس ، وما ينجم عن ذلك من تسرّب القوانين
الوضعيّة إلىٰ ساحة التشريع الإلٰهي .
__________________
(1) موسوعة فقه السلف 1 / 82 ـ 83 ؛ وٱنظر : أعلام الموقّعين ـ لابن القيّم ـ 1 / 333 .
وإلىٰ هذا النوع من الأحكام الكلّيّة أو القواعد الفقهيّة تشير الأحاديث
الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، كـ : قول الإمام الصادق عليهالسلام : « إنّما
علينا أن نلقي إليكم الأُصول ، وعليكم أن تفرّعوا » (1) ، وقول الإمام
الرضا عليهالسلام : « علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع » (2) .
قال الحرّ العاملي قدسسره: « هذان الحديثان تضمّنا جواز التفريع علىٰ
الأُصول المسموعة منهم ، وهي : القواعد الكلّيّة المأخوذة عنهم لا علىٰ
غيرها ، فلا دلالة له [ علىٰ ] أكثر من العمل بالنصّ العامّ ، ولا خلاف فيه بين
العقلاء » (3) .
وفي بصائر الدرجات : « عن موسىٰ بن بكر ، قال : قلت
لأبي عبد الله عليهالسلام : الرجل يغمىٰ عليه اليوم أو اليومين أو ثلاثة أو أكثر من
ذلك ، كم يقضي ؟
فقال : ألا أُخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه ؟ فقال : كلّ ما غلب الله عليه
من أمرٍ ، فالله أعذر لعبده » (4) .
النقطة الثانية :
لو افترضنا أنّنا لم نجد في النصوص الشرعية دليلاً يحدّد حكم
قضيّة ما ، فلا يسوغ لنا أن نعزو ذلك إلىٰ تفريط الشارع المقدّس في بيان
حكم هذه القضيّة ، ولا إلىٰ ضياع النصّ الخاصّ بحكمها ؛ فقد تقدّم أنّ
__________________
(1) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 61 ح 33201 .
(2) السرائر : 477 ، وسائل الشيعة 27 / 62 ح 33202 .
(3) الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة : 214 ـ 215 .
(4) بصائر الدرجات : 326 ـ 327 .
الشارع قد أكمل الدين وتعهّد بحفظه ، والتفسير الصحيح لهذه الحالة هو
ما ذكره الشارع نفسه من أنّه وسّع علىٰ المكلّف وتركه مطلق العنان ، ولم
يلزمه بفعل أو تركٍ تجاه هذه القضيّة .
وقد ورد بهذا الشأن كثير من الأدلّة في مصادر الفريقين ، منها :
1 ـ قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الحلال ما أحلّه الله في كتابه ، والحرام
ما حرّم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » (1) .
2 ـ قول الإمام عليّ عليهالسلام : « إنّ الله افترض عليكم فرائض
فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء
فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً ، فلا تتكلّفوها » (2) .
3 ـ قول الإمام الصادق عليهالسلام : « ما حجب الله علمه عن العباد فهو
موضوع عنهم » (3) .
4 ـ « عن عبد الأعلىٰ بن أعين ، قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام : مَن لم
يعرف شيئاً ، عليه شيء ؟ قال : لا » (4) .
5 ـ قول الإمام الصادق عليهالسلام : « إنّ الله عزّ وجلّ احتجّ علىٰ الناس بما
آتاهم وما عرّفهم » (5) .
فعدم وجود دليل خاصّ أو عامّ يبيّن حكم واقعة ما ، دليل علىٰ أنّ
__________________
(1) سُنن الترمذي 4 / 220 ح 1726 ، سُنن ابن ماجة 5 / 73 ح 3367 ، سُنن
البيهقي 14 / 297 ح 19935 ، المستدرك علىٰ الصحيحين 5 / 158 .
(2) وسائل الشيعة 15 / 260 ح 20452 ، نهج البلاغة : 487 الحكمة 105 .
(3) الكافي 1 / 164 ح 3 ، التوحيد : ص 413 ح 9 .
(4) الكافي 1 / 164 ح 2 ، التوحيد : 412 ح 8 .
(5) التوحيد : 410 ح 2 .
حكمها الإباحة ، ولا يدلّ علىٰ نقص في التشريع أو فقدان لبعض أدلّة
الأحكام ، بنحو يضطرّنا إلىٰ الرجوع إلىٰ العقل وٱتّخاذه مقنّناً أو كاشفاً عن
الأحكام ، وعليه ينبغي حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام بالرجوع إلىٰ
النصوص الشرعية من آيات الكتاب الكريم ، وأحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة.
والحمد لله ربّ العالمين .
õ õ õ
مصادر البحث
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ اجتهاد الرسول ، لنادية شريف العمري ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ،
1401 هـ ـ 1981 م .
3 ـ الإحكام في أُصول الأحكام ، لابن حزم علي بن أحمد الأندلسي ،
تحقيق لجنة من العلماء ، ط 2 ، دار الجيل / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
4 ـ اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشّي ) ، لأبي جعفر محمّد بن
الحسن الطوسي ، تحقيق محمّد فاضل الميبدي والسيّد أبو الفضل الموسويان ،
نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / طهران ، 1424 هـ .
5 ـ الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي ، لحسن الأمين ، مركز
دراسات الغدير / قم ، 1417 هـ ـ 1997 م .
6 ـ أُصول الفقه ، للشيخ محمّد رضا المظفّر ، مطبعة النعمان / النجف
الأشرف ، 1386 هـ ـ 1966 م .
7 ـ الأُصول العامة للفقه المقارن ، للسيّد محمّد تقي الحكيم ، دار
الأندلس / بيروت ، 1963 م .
8 ـ أعلام الموقّعين ، لابن قيّم الجوزية ، تحقيق طٰه عبد الرؤوف ، دار
الجيل / بيروت .
9 ـ بشارة المصطفىٰ لشيعة المرتضىٰ ، لمحمّد بن علي الطبري ، تحقيق
جواد القيّومي الأصفهاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1420 هـ .
10 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لمحمّد بن أحمد ، ابن رشد
القرطبي ، 1389 هـ ـ 1969 م .
11 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد ، للشيخ محمّد بن الحسن
الصفّار ، تعليق وتصحيح الميرزا محسن كوچه باغي ، منشورات الأعلمي / طهران ،
1404 هـ .
12 ـ التبصرة في أُصول الفقه ، لأبي إسحاق الشيرازي ، تحقيق محمّد
حسن هيتو ، دار الفكر / دمشق ، 1403 هـ ـ 1983 م .
13 ـ تحف العقول عن آل الرسول ، لعلي بن الحسين بن شعبة الحرّاني ،
تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاري ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1404 هـ .
14 ـ التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) ، لفخر الدين محمّد بن عمر
الرازي .
15 ـ الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ، للشيخ يوسف البحراني ،
طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، 1377 هـ .
16 ـ حقائق الأُصول ، للسيّد محسن الحكيم ، النجف الأشرف ، 1372 هـ .
17 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله
الأصفهاني ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1405 هـ ـ 1985 م .
18 ـ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين السيوطي ، دار
الفكر / بيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
19 ـ دعائم الإسلام ، للقاضي أبو حنيفة النعمان ، تحقيق علي أصغر
فيضي ، دار المعارف / مصر ، 1383 هـ ـ 1963 م .
20 ـ روضة الناظر وجنّة المناظر ، لابن قدامة ، عبد الله بن أحمد ،
تحقيق شعبان محمّد إسماعيل ، مؤسّسة الريّان / بيروت ، 1419 هـ ـ 1998 م .
21 ـ السرائر ، لمحمّد بن إدريس الحلّي ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ،
1414 هـ .
22 ـ سُنن ابن ماجة ، لمحمّد بن يزيد القزويني ، تحقيق بشّار عوّاد
معروف ، دار الجيل / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
23 ـ سُنن أبي داود ، لسليمان بن الأشعث ، ضبط وتعليق محمّد
محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر / بيروت .
24 ـ سُنن البيهقي ، لأحمد بن الحسين ، دار الفكر / بيروت ، 1416 هـ ـ
1996 م .
25 ـ سُنن الترمذي ، لمحمّد بن عيسىٰ ، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ، دار إحياء التراث العربي / بيروت ، 1381 هـ ـ 1962 م .
26 ـ سُنن النسائي ، لأحمد بن شُعيب ، ضبط وتصحيح عبد الوارث
محمّد علي ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1416 هـ ـ 1995 م .
27 ـ شرح التجريد ، لعلاء الدين علي بن محمّد القوشجي ، الطبعة
الحجرية .
28 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ، عزّ الدين عبد الحميد
ابن هبة الله بن محمّد المدائني ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء
الكتب العربية / مصر ، 1385 هـ ـ 1965 م .
29 ـ الصادع في الردّ علىٰ مَن قال بالقياس والرأي والاستحسان
والتعليل ، لابن حزم الأندلسي ، تحقيق محمّد رضا الأنصاري ، مجلّة دراسات
أُصولية / قم ، العدد المزدوج ( 4 ـ 5 ) لسنة 1424 هـ .
30 ـ صحيح البخاري ، لمحمّد بن إسماعيل ، تحقيق مصطفىٰ ديب البُغا ،
دار ابن كثير ودار اليمامة / دمشق وبيروت ، 1414 هـ ـ 1993 م .
31 ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، تحقيق خليل مأمون شيحا ، دار
المعرفة / بيروت ، 1422 هـ ـ 2001 م .
32 ـ علل الشرائع ، للشيخ الصدوق ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه
القمّي ، مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، 1408 هـ ـ 1988 م .
33 ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، لابن الجوزي ، تحقيق خليل
الميس ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1424 هـ ـ 2003 م .
34 ـ عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق مجتبىٰ العراقي ،
مطبعة سيّد الشهداء / قم ، 1403 هـ ـ 1983 م .
35 ـ الفتاوىٰ الواضحة ، للسيّد محمّد باقر الصدر ، مطبعة الآداب /
النجف الأشرف ، 1396 هـ .
36 ـ فجر الإسلام ، لأحمد أمين ، دار الكتاب العربي / بيروت ، 1969 م .
37 ـ الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة ، للحرّ العاملي ، محمّد بن
الحسن ، منشورات بصيرتي / قم .
38 ـ الكافي ، للكليني محمّد بن يعقوب الرازي ، تحقيق علي أكبر
الغفّاري ، دار الكتب الإسلامية / طهران ، 1388 هـ .
39 ـ كتاب سُليم بن قيس الهلالي ، تحقيق محمّد باقر الأنصاري ، الناشر :
« دليل ما » / قم ، 1424 هـ .
40 ـ كفاية الأُصول ، للآخوند الخراساني ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام
لإحياء التراث / قم ، 1409 هـ .
41 ـ كنز العمّال ، للمتّقي الهندي ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ، 1405 هـ .
42 ـ المحاسن ، لأحمد بن محمّد البرقي ، تحقيق المحدّث الأُرموي ،
دار الكتب الإسلامية / قم .
43 ـ المحصول في علم الأُصول ، لفخر الدين محمّد بن عمر الرازي ،
تحقيق محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية / بيروت ، 1420 هـ ـ 1999 م .
44 ـ محاضرات في أُصول الفقه ، لمحمّد إسحاق الفيّاض ، تقريراً
لبحث السيّد الخوئي ، مطبعة النجف ، 1382 هـ ـ 1962 م .
45 ـ المستدرك علىٰ الصحيحين ، للحاكم النيسابوري محمّد بن عبد الله ،
صنعة عبد السلام علّوش ، دار المعرفة / بيروت ، 1418 هـ ـ 1998 م .
46 ـ مستدرك وسائل الشيعة ، لميرزا حسين النوري الطبرسي ، تحقيق
مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث / قم ، 1407 هـ .
47 ـ مسند أحمد بن حنبل ، شرحه ووضع فهارسه حمزة أحمد الزين ،
دار الحديث / القاهرة ، 1416 هـ ـ 1995 م .
48 ـ معاني الأخبار ، للشيخ الصدوق ، تصحيح علي أكبر الغفّاري ، نشر
جماعة المدرّسين / قم ، 1361 هـ . ش .
49 ـ مقدّمة ابن خلدون ، مراجعة لجنة من العلماء ، ط المكتبة التجارية /
مصر .
50 ـ موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي ، محمّد روّاس قلعه چي ،
دار النفائس / بيروت ، 1406 هـ ـ 1986 م .
51 ـ النصّ والاجتهاد ، للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، 1386 هـ ـ 1966 م .
52 ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية ، للشيخ محمّد حسين الأصفهاني ،
تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث / قم ، 1418 هـ ـ 1998 م .
53 ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي ، تحقيق صبحي الصالح ، دار
الكتاب اللبناني / بيروت ، 1980 م .
54 ـ هداية الأبرار إلىٰ طريق الأئمّة الأطهار ، للشيخ حسين الكركي ،
تصحيح رؤوف جمال الدين ، النجف ، 1396 هـ .
55 ـ وسائل الشيعة ، للحرّ العاملي الشيخ محمّد بن الحسن ، تحقيق
مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث / قم ، 1416 هـ .
56 ـ وقاية الأذهان ، للشيخ محمّد رضا الأصفهاني ، تحقيق مؤسّسة
آل البيت عليهمالسلام لإحياء التراث / قم ، 1413 هـ .
المصدر: عليّ الهاشمي - مجلة تراثنا ..